كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ تَغْلِيظَ الْيَمِينِ بِمَا يُضَافُ إِلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا وَتَعْظُمُ فِي النُّفُوسِ التَّلَفُّظُ بِهَا مَأْمُورٌ بِهِ، وَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: لِتَبَايُنِ مَا قَدْ أَلِفَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَيْمَانِهِ بِاللَّهِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ فَيَكُونُ أَزْجَرَ وَأَرْدَعَ.
وَالثَّانِي: لِيَنْتَفِيَ بِهَا تَأْوِيلُ ذَوِي الشُّبُهَاتِ، فَإِنْ حَذَفَهَا الْحَاكِمُ وَاقْتَصَرَ عَلَى إِحْلَافِهِ بِاللَّهِ أَجْزَأَهُ وَحَذْفُهَا فِي أَهْلِ الدِّيَانَةِ أَيْسَرُ مِنْ حَذْفِهَا فِي ذَوِي الشُّبُهَاتِ وَإِنْ كَانَ جَوَازُ حذفها في الفريقين على سواء لقوله اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] وَقَوْلِهِ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] وَأَحْلَفَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي قَتْلِهِ لِأَبِي جَهْلٍ بِاللَّهِ إِنَّكَ قَتَلْتَهُ وَأَحْلَفَ رُكَانَةَ بِاللَّهِ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(بَابُ دَعْوَى الدَّمِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ قسامة)
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ أَوْ فِي صَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ فَلَا قَسَامَةَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ فِي مَحَلَّةٍ لَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ عَلَى أَهْلِهَا أَوْ بَعْضِهِمْ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً بِأَهْلِهَا مِثْلَ خَيْبَرَ لَا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ وَلَا يُشْرِكُهُمْ فِيهَا سِوَاهُمْ.
فَيَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ قَتْلَهُ مِنْهُمْ سَوَاءٌ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي قَتْلِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهِ مُنِعَ مِنَ الْقَسَامَةِ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
وَقِيلَ: لَهُ: خُصَّ بِالدَّعْوَى مَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَقْسِمْ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمَحَلَّةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ تَطْرُقُهَا الْمَارَّةُ وَتَدْخُلُهَا السَّابِلَةُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا.
فَلَوْ كَانَتْ قَرْيَةً يَدْخُلُهَا غَيْرُ أَهْلِهَا عِنْدَ وُرُودِ الْقَوَافِلِ وَلَا يَدْخُلُهَا غَيْرُهُمْ إِذَا انْقَطَعَتِ الْقَوَافِلُ عَنْهُمْ جَازَتِ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْقَوَافِلِ، وَلَمْ تَجِبِ الْقَسَامَةُ مَعَ وُرُودِ الْقَوَافِلِ فَهَذَا شَرْطٌ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: ظُهُورُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْقَتِيلِ وَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَوِ الْقَرْيَةِ أَوْ ظُهُورُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْقَتِيلِ وَأَهْلِ الْقَرْيَةِ، فَتَجُوزُ الْقَسَامَةُ مَعَ ظُهُورِ الْعَدَاوَةِ، وَلَا تَجُوزُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْعَدَاوَةِ فَإِنِ اصْطَلَحُوا بَعْدَ الْعَدَاوَةِ ثُمَّ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِيهِمْ نُظِرَ حَالُ الصُّلْحِ فَإِنْ تَظَاهَرُوا بِالْحُسْنَى بَعْدَ الصُّلْحِ فَلَا قَسَامَةَ وَإِنْ لَمْ يَتَظَاهَرُوا بِالصُّلْحِ أَقْسَمَ، كَالشَّاهِدِ إِذَا صَالَحَ عَدُوَّهُ ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بعد الصلح إذا رأى مَا بَيْنَهُمَا حَسَنًا وَلَا تُقْبَلُ إِنْ لَمْ ير ما بينهما حسناً.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنِ ادَّعَى وَلِيُّهُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لَمْ يَحْلِفْ إِلَّا مَنْ أَثْبَتُوهُ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانُوا أَلْفًا فَيَحْلِفُونَ يَمِينًا يَمِينًا لِأَنَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى خمسين
فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا وَاحِدٌ حَلَفَ خمسين يميناً وبرئ فإن نكلوا حلف ولاة الدم خمسين يميناً واستحقوا الدية في أموالهم إن كان عمداً وعلى عواقلهم في ثلاث سنين إن كان خطأ (قال) وفي ديات العمد على قدر حصصهم) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ الْقَسَامَةِ.
فَأَمَّا دَعْوَى الدِّمَاءِ فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ فَمُعْتَبَرَةٌ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنِ الْقَاتِلَ وَادَّعَى قَتْلَهُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لَمْ يُسْمَعْ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تُعَيَّنَ عَلَى عَدَدٍ يُمْكِنُ اشْتِرَاكُهُمْ فِي الْقَتْلِ فَإِنْ عَيَّنَ عَلَى عَدَدٍ لَا يُمْكِنُ اشْتِرَاكُهُمْ لَمْ يُسْمَعْ فَإِذَا عَيَّنَهَا عَلَى مَنْ يُمْكِنُ اشْتِرَاكُهُمْ فِيهِ حَلَفُوا وَبَرِئُوا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا اعْتِبَارَ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ قَتْلَهُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَعَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ اشْتِرَاكُهُمْ فِيهِ فَإِذَا ادَّعَى قَتْلَهُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ اخْتَارَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا وَأَحْلَفَهُمْ، فَإِذَا حَلَفُوا أَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، فَخَالَفَ أُصُولَ الشَّرْعِ فِي خَمْسَةِ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: سَمَاعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ.
وَالثَّانِي: سَمَاعُهَا عَلَى مَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُمُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ جَعَلَ لِلْمُدَّعِي اخْتِيَارَ خَمْسِينَ مِمَّنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ غَيْرُ قَتَلَةٍ.
وَالرَّابِعُ: إِحْلَافُهُمْ وَإِنْ عَلِمَ صِدْقَهُمْ.
وَالْخَامِسُ إِلْزَامُهُمُ الدِّيَةَ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَكَفَى بِمُخَالَفَةِ الْأُصُولِ فِيهَا دَفْعًا لِقَوْلِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى فَسَادِ كُلِّ أَصْلٍ مِنْهَا مَا أَقْنَعَ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا وَسُمِعَتِ الدَّعْوَى عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَكَانَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ فَفِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ ذَكَرْنَاهَا:
أَحَدُهَا: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَوْ كَانُوا أَلْفًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَحْلِفُ جَمِيعُهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا تُقَسَّطُ عَلَى أَعْدَادِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ إِمْكَانَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْقَتْلِ شَرْطَ سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ قَالَ: يَحْلِفُونَ وَلَوْ كَانُوا أَلْفًا لَا يَصِحُّ اشْتِرَاكُ الْأَلْفِ فِي قتل
الْوَاحِدِ، قِيلَ: لِأَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي يُمْكِنُ اشْتِرَاكُهُ فِي الْقَتْلِ يَخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلَافِ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَ ذَبْحًا أَوْ قَطْعًا أَوْ بِضَرْبِ الْعُنُقِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ أَلْفٌ وَلَا مِائَةٌ وَلَا خَمْسُونَ.
وَإِنْ كَانَ بِجِرَاحٍ أُمْكِنَ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ مِائَةٌ وَمِائَتَانِ وَإِنْ كَانَ بِالْعَصَا أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ أَلْفٌ فَيَضْرِبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَصًا، وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَوْهُ بِالْبُنْدُقِ أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ أَلْفٌ فَيَرْمِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِبُنْدُقَةٍ فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا كَانَ مُمْكِنًا وَإِنْ حُمِلَ على غيره كان مبالغة.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ بِالْجِنَايَةِ يَلْزَمُهُ فِي مَالِهِ وَالْجِنَايَةُ خِلَافُ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُرِيدُ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى أربعة فصول:
أحدهما: فِي الدَّعْوَى تُسْمَعُ مِنْهُ الدَّعْوَى فِي الْقَتْلِ كَمَا تُسْمَعُ مِنَ الرَّشِيدِ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ مَوْضُوعٌ لِحِفْظِ مَالِهِ وَدَعْوَاهُ أَحْفَظُ لِمَالِهِ سَوَاءٌ ادَّعَى قَتْلَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فِي قَسَامَةٍ وَغَيْرِ قَسَامَةٍ.
وَالثَّانِي: سَمَاعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فَيَسْمَعُهَا فِي الْعَمْدِ وَفِي سَمَاعِهَا فِي الْخَطَأِ قَوْلَانِ:
وَالثَّالِثُ: إِقْرَارُهُ بِالْقَتْلِ فَإِنْ كَانَ بِعَمْدٍ صَحَّ إِقْرَارُهُ فِيهِ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ إِنْ عفى عن القود فيه كَانَ بِخَطَأٍ مَحْضٍ فَفِي صِحَّةِ إِقْرَارِهِ بِهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى.
وَالرَّابِعُ: إِحْلَافُهُ فَتَصِحُّ أَيْمَانُهُ سَوَاءٌ حَلَفَ مُدَّعِيًا فِي الْقَسَامَةِ، أَوْ حلف منكر فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ مِنَ الأحكام وبخلاف الصبي والمجنون.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إِلَّا فِي إِقْرَارِهِ بِجِنَايَةٍ لَا قِصَاصَ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يُبَاعُ فِيهَا لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَمَتَى عَتَقَ لَزِمَهُ (قال المزني) فكما لم يَضُرُّ سَيِّدَهُ إِقْرَارُهُ بِمَا يُوجِبُ الْمَالَ فَكَذَلِكَ لا يضر عاقلة الحر قوله بما يوجب عليهم المال) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَتْ دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَى عَبْدٍ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِي عَمْدٍ يُوجِبُ الْقَوَدَ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي خَطَأٍ يُوجِبُ الْمَالَ، فَإِنْ كَانَتْ فِي عَمْدٍ يُوجِبُ الْقَوَدَ، فَهِيَ
مَسْمُوعَةٌ عَلَى الْعَبْدِ دُونَ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ إِقْرَارَ الْعَبْدِ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولٌ، لِارْتِفَاعِ التُّهْمَةِ عَنْهُ وَإِقْرَارُ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
فَإِنِ اعْتَرَفَ الْعَبْدُ بِهَا اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ عُفِيَ عَنِ الْقِصَاصِ بِيعَ فِي جِنَايَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى الْقَتْلِ فِي خَطَأٍ يُوجِبُ الْمَالَ، فَيَجُوزُ سَمَاعُهَا عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى سَيِّدِهِ، أَمَّا الْعَبْدُ فَلِتَعَلُّقِهَا إِنْ أَقَرَّ بِذِمَّتِهِ وَأَدَائِهِ لَهَا بَعْدَ عِتْقِهِ، وَأَمَّا السَّيِّدُ فَلِأَنَّهَا إِنْ أَقَرَّ مُسْتَحَقَّةٌ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنْ سُمِعَتْ عَلَى الْعَبْدِ، فَأَنْكَرَهَا حَلَفَ وَبَرِئَ، وَجَازَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى عَلَى سَيِّدِهِ بَعْدَ إِنْكَارِ عَبْدِهِ وَيَمِينِهِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَةِ عَبْدِهِ وَإِنْ أَنْكَرَهَا حَلَفَ وَبَرِئَ.
وَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَهَا تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ إِلَّا أَنْ يَصْدُقَهُ السَّيِّدُ عَلَيْهَا فَتَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ مِنْهَا وَلَوْ قُدِّمَتِ الدَّعْوَى عَلَى السَّيِّدِ.
فَإِنِ اعْتَرَفَ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَةِ عَبْدِهِ، إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ مِنْهَا.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ فِيهَا مُقِرًّا أَوْ مُنْكِرًا، وَإِنْ أَنْكَرَهَا السَّيِّدُ حَلَفَ وَبَرِئَ وَجَازَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى عَلَى الْعَبْدِ فَإِنْ أَنْكَرَهَا حَلَفَ وَبَرِئَ وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ، يُؤَدِّيهَا بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَسَارِهِ فَلَوْ أَنْكَرَهَا الْعَبْدُ وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ فِيهَا فَرُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي وَحَلَفَ ثَبَتَتْ لَهُ الْجِنَايَةُ بِيَمِينِهِ بَعْدَ النُّكُولِ.
وَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي يَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَلْ تَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ أَوْ مَقَامَ الْإِقْرَارِ؟ فَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْإِقْرَارِ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: كَمَا لَا يَضُرُّ سَيِّدَهُ إِقْرَارُهُ بِمَا يُوجِبُ الْمَالَ فَكَذَلِكَ لَا يَضُرُّ عَاقِلَةَ الْحُرِّ قَوْلُهُ هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَتَحَمَّلُ اعْتِرَافَ الْجَانِي كَمَا لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إِقْرَارُ عَبْدِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَكْرَانَ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى يَصْحُوَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَلَا يُمَيِّزُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا تَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَى سَكْرَانَ لَمْ يَحْلِفْ فِي حَالِ سُكْرِهِ حَتَّى يَصْحُوَ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ رُبَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِالسُّكْرِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْيَمِينَ مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ، وَالسَّكْرَانُ يُقْدِمُ فِي سُكْرِهِ عَلَى مَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ عِنْدَ إِفَاقَتِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الِامْتِنَاعِ مِنِ اسْتِحْلَافِهِ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَإِنْ أُحْلِفَ فِي حَالِ سُكْرِهِ أَجْزَأَ، لِأَنَّنَا نُجْرِي عَلَيْهِ فِي السُّكْرِ أَحْكَامَ الْمُفِيقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ فِي حَالِ سُكْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ، لِمَا قَدَّمَنَا مِنْ وَضْعِ الْيَمِينِ لِلزَّجْرِ وَسُكْرُهُ يَصُدُّ عَنِ الِانْزِجَارِ.
وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَنْعَ الشَّافِعِيِّ مِنِ اسْتِحْلَافِهِ فِي السُّكْرِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لَا يَقَعُ.
فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ بِوُقُوعِ طَلَاقِهِ وَصِحَّةِ ظِهَارِهِ وَثُبُوتِ رِدَّتِهِ، وَمُنِعَ مِنْ إِحْلَافِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ مِنْ رِدَّتِهِ حَتَّى يُفِيقَ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ فِي جَمِيعِهَا أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ مِمَّا ضَرَّهُ أَوْ نَفَعَهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَيَحْمِلُ مَنْعَهُ مِنْ إِحْلَافِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ، وَإِنَّهُ إِنْ حَلَفَ وَتَابَ صَحَّتْ أَيْمَانُهُ وَتَوْبَتُهُ كَالْمُفِيقِ فَعَلَى هَذَا لَا دَلِيلَ لِلْمُزَنِيِّ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة إنه يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا عَلَيْهِ مِمَّا يَضُرُّهُ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ مِمَّا يَنْفَعُهُ، لِأَنَّ السُّكْرَ مَعْصِيَةٌ تُوجِبُ التَّغْلِيظَ فَاخْتُصَّ بِلُزُومِ أَغْلَظِ الْحُكْمَيْنِ وَسُقُوطِ أَخَفِّهِمَا فَعَلَى هَذَا لَا دَلِيلَ لِلْمُزَنِيِّ فِيهِ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ تَغْلِيظٌ وَصِحَّةُ الْأَيْمَانِ تَخْفِيفٌ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَقَدْ قِيلَ لَا يَبْرَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا يُحْتَسَبُ لَهُمْ يَمِينٌ غَيْرُهُ وَهَكَذَا الدَّعْوَى فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ مِنَ الْأَيْمَانِ عَلَى قَدْرِ الدية في اليد خمس وعشرون وفي الموضحة ثلاثة أيمان قال المزني رحمه الله وقد قال في أول باب من القسامة ولا تجب القسامة في دون النفس وهذا عندي أولى بقول العلماء) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى تَغْلِيظُ الْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ فَأَمَّا تَغْلِيظُهَا فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ مِنَ الدِّمَاءِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: تَغْلِيظٌ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِالْقَسَامَةِ تَغْلِيظًا لِحُكْمِ الدِّمَاءِ وَفِي كَيْفِيَّةِ تَغْلِيظِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقَاوِيلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُغَلَّظُ فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِذَا سَقَطَتِ الْقَسَّامَةُ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الدَّعَاوَى وَالْمُسْتَحَقُّ فِيهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهَا مُغَلَّظَةٌ فِي النَّفْسِ وَلَا تُغَلَّظُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لِاخْتِصَاصِ النَّفْسِ بِتَغْلِيظِ الْكَفَّارَةِ وَسُقُوطِهَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ لَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
وَقَالَ هاهنا تُغَلَّظُ الْأَيْمَانُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَهِمَ وَظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ اخْتَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ فِيمَا دُونَ النفس، وهذا ذلل ذَمِيمٌ فِيهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي تَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي إِحْدَاهُمَا وَاخْتَلَفَ فِي الْأُخْرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(باب كفارة القتل)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ لِلْمَقْتُولِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ عَلَى الْقَاتِلِ، وَجُمْلَةُ الْقَتْلِ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ، مُبَاحٌ، وَمَحْظُورٌ يَأْثَمُ بِهِ.
وَمَحْظُورٌ لَا يَأْثَمُ بِهِ، فَأَمَّا الْوَاجِبُ: فَالْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ وَالزِّنَا وَالْحِرَابَةِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ.
وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَالْقِصَاصُ، وَدَفْعُ الطَّالِبِ لِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْوَاجِبِ فِي سُقُوطِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ.
وَأَمَّا الْمَحْظُورُ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ، فَهُوَ قَتْلُ الْعَمْدِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ الْقِصَاصُ مَعَ التَّكَافُؤِ وَالدِّيَةُ عِنْدَ الْعَفْوِ، وَالْكَفَّارَةُ عَنِ الْقَتْلِ، وَالْوَعِيدُ فِي الْمَأْثَمِ.
وَأَمَّا الْمَحْظُورُ الَّذِي لَا يَأْثَمُ بِهِ: فَهُوَ قَتْلُ الْخَطَأِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَقَدْ تَضَمَّنَتْهُمَا الْآيَةُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقِصَاصُ وَالْمَأْثَمُ فَيَصِيرُ مُوَافِقًا لِلْعَمْدِ فِي حُكْمَيْنِ، وَمُخَالِفًا لَهُ فِي حُكْمَيْنِ وَإِذَا كَانَتْ أَقْسَامُ الْقَتْلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَالْكَفَّارَةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ عَنْ كل قتل لمضمون في كل قتيل مَضْمُونٍ عَلَى كُلِّ قَاتِلٍ ضَامِنٍ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْقَتْلُ الْمَضْمُونُ فَعَمْدٌ وَخَطَأٌ - فَالْعَمْدُ يَأْتِي فِي خِلَافٍ نَذْكُرُهُ وَالْخَطَأُ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَسَوَاءٌ كَانَ قَتْلُ الْخَطَأِ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ بِسَبَبٍ، وَالْمُبَاشَرَةُ: أَنْ يَرْمِيَ هَدَفًا فَيُصِيبَ إِنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ، وَالسَّبَبُ: أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي أَرْضٍ لَا يَمْلِكُهَا فَيَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ فَيَمُوتَ أَوْ يَضَعَ حَجَرًا فِي طَرِيقِ سَائِرٍ فَيَعْثُرَ بِهِ إِنْسَانٌ فَيَمُوتَ أَوْ يَرُشَّ مَاءً فِي الطَّرِيقِ فَيَزْلِقَ بِهِ فَيَمُوتَ إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ التَّالِفَةِ فَيَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ تَجِبُ فِي قَتْلِ الْمُبَاشَرَةِ الدِّيَةُ مِعِ الْكَفَّارَةِ وَتَجِبُ فِي قَتْلِ السَّبَبِ الدِّيَةُ دُونَ الْكَفَّارَةِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ كُلَّ مَنْ ضَمِنَ نَفْسًا عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَمْ تَجِبْ عليه
الْكَفَّارَةُ كَالْعَاقِلَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَجِبْ فِي جِنْسِهِ قَوَدٌ لَمْ يَجِبْ فِي جِنْسِهِ كَفَّارَةٌ كَالْإِمْسَاكِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهُ قَتْلٌ يُضْمَنُ بِالدِّيَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنُ بِالْكَفَّارَةِ، كَالْمُبَاشَرَةِ.
فَإِنْ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ مَقْتُولًا، احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ دِيَةُ النَّفْسِ وَلَا يَكُونُ مُتْلِفًا لِلنَّفْسِ إِذْ لَا يَلْزَمُ دِيَةٌ إِلَّا فِي قَتْلٍ عَنْ مَقْتُولٍ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَلْزَمُ بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَ بِسَبَبِ الْقَتْلِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ أَوْكَدُ مِنَ الدِّيَةِ فَلَمَّا وَجَبَتِ الدِّيَةُ كَانَ أَوْلَى أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَلْتَزِمُ الدِّيَةَ تَحَمُّلًا وَنِيَابَةً وَالْكَفَّارَةُ لَا يَدْخُلُهَا التَّحَمُّلُ وَلَا النِّيَابَةُ وَلِذَلِكَ تَحَمَّلَتِ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْخَطَأِ وَلَمْ تَتَحَمَّلْ كَفَّارَتَهُ - وَإِنْ لَزِمَتْهُ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْإِمْسَاكِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْإِمْسَاكَ لَمَّا لَمْ يُوجِبْ ضَمَانَ الدِّيَةِ لَمْ يُوجِبْ ضَمَانَ الْكَفَّارَةِ وَلَمَّا أَوْجَبَ السَّبَبُ ضَمَانَ الدِّيَةِ أَوْجَبَ ضَمَانَ الْكَفَّارَةِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْمَقْتُولُ الْمَضْمُونُ: فَكُلُّ مَنْ ضُمِنَتْ نَفْسُهُ بِالْقَصَاصِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِلَّا بِقَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَلَا تَجِبْ بِقَتْلِ عَبْدٍ وَلَا كَافِرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ بِقَتْلِ الْعَبْدِ وَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْكَافِرِ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ الله تعالى ﴿ومن قتل مؤمنا خطأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فَجَعَلَ الْإِيمَانَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأَغْلَظِ الْحُرُمَاتِ وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ فِي النَّفْسِ دُونَ الْأَطْرَافِ وَأَطْرَافُ الْمُسْلِمِ أَغْلَظُ مِنْ نَفْسِ الْكَافِرِ فَكَانَتْ أَوْلَى بِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّيَةَ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْمُعَاهِدِ كَمَا أَوْجِبَهَا فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ فَكَانَ أَوَّلُ الْآيَةِ فِي الْمُسْلِمِ وَآخِرُهَا فِي الْكَافِرِ، وَلِأَنَّهَا نَفْسٌ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ فَوَجَبَ أَنْ تُضْمَنَ بِالْكَفَّارَةِ كَالْمُسْلِمِ وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ ضَعْفِ حُرْمَتِهِ فَرَاجِعٌ عَلَيْهِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ ثُمَّ يُقَالُ قَدْ أَثْبَتَتِ الذِّمَّةُ لَهُ حُرْمَةً فَلَا يُسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ عَدِمِهَا فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَمْ يُسَوَّ بَيْنَهُمَا فِي سُقُوطِ الدِّيَةِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْقَاتِلُ الضَّامِنُ: فَكُلُّ قَاتِلٍ ضَمِنَ نَفْسَ مَقْتُولٍ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا يَدْخُلُهَا التَّحَمُّلُ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فَلَمْ
تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْقَاتِلِ لَا يَتَحَمَّلُهُ غَيْرُ الْقَاتِلِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَالْقِصَاصِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَإِنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِمَا الْخِطَابُ مُوَاجَهَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ خِطَابُ الِالْتِزَامِ وَالْكَفَّارَةُ خِطَابُ الْتِزَامٍ فَتَوَجَّهَ إِلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَالدِّيَةِ وَلِأَنَّهُ قَاتِلٌ ضامن فوجب أن تلزمه الكفارة كالبائغ الْعَاقِلِ وَلِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَجِبُ بِالْقَتْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْعَاقِلُ وَالْمَجْنُونُ كَالدِّيَةِ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ أَوْكَدُ مِنَ الدِّيَةِ، لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَعَلَى السَّيِّدِ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمَا الدِّيَةُ فَلَمَّا وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَانَ أَوْلَى أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ) فَهُوَ أَنَّ رَفْعَ الْقَلَمِ عَنْهُمْ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ حُكْمِ الْقَتْلِ فِي أَمْوَالِهِمْ كَمَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَكَمَا لَا يَمْنَعُ النَّائِمَ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى إِنْسَانٍ فَقَتَلَهُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَمُنْتَقَضٌ بِوُجُوبِ الْغُرْمِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ عَلَى الْبَدَنِ وَالْكَفَّارَةُ حَقٌّ فِي الْمَالِ فَافْتَرَقَا كَمَا افْتَرَقَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَصِحَّ مِنْهُمَا الْأَيْمَانُ لم يلزمها كَفَّارَتُهُمَا وَلَمَّا صَحَّ مِنْهُمَا الْقَتْلُ لَزِمَتْهُمَا كَفَّارَتُهُ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْقِصَاصِ فَالْمَعْنَى فِي الْقِصَاصِ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَى بَدَنٍ فَسَقَطَ عَنْهُمَا كَالْحُدُودِ وَالْكَفَّارَةُ، حَقٌّ فِي مَالٍ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُمَا كزكاة الفطر وجزاء الصيد والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] يَعْنِي فِي قَوْمٍ فِي دَارِ حَرْبٍ خَاصَّةً وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ قَوَدًا وَلَا دِيَةً إِذَا قتله وهو لا يعرفه مسلماً وذلك أن يغير أو يقتله في سرية أو يلقاه منفرداً بهيئة المشركين وفي دارهم أو نحو ذلك) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَحْكَامَ الْقَتْلِ فِي ثَلَاثَةٍ أحكام أَوْجَبَ فِيهِمْ دِيَتَيْنِ وَثَلَاثَ كَفَّارَاتٍ:
أحدهما: وهو المقدم فِيهَا قَتْلُ الْمُؤْمِنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إلا أن يصدقوا﴾ وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَاهُ.
وَالثَّانِي: قَتْلُ الْمُؤْمِنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ وَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ الدِّيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وَمَعْنَاهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أَعْدَائِكُمْ مُؤْمِنٌ قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَهُمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ تَلْزَمُكُمْ فِي قَتْلِهِ.
وَلَا يَخْلُو حَالُ قَتْلِهِ فِيهِمْ مِنْ أربعة أقسام:
أحدها: أنه يعلم قاتله أن مُسْلِمٌ وَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا فِيهَا وَأَبَاحَتْ دَارُ الشِّرْكِ مَا فِيهَا} وَلِأَنَّهُ مَقْتُولٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يُسْتَحَقَّ فِيهِ قَوَدٌ كَأَهْلِ الْحَرْبِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُسْلِمِ مَالَهُ وَدَمَهُ وَأَنْ لَا يَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا) وَلِأَنَّهُ عَامِدٌ لِقَتْلِ مُسْلِمٍ مَحْقُونِ الدَّمِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقَوَدُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسُ أَنَّ دَارَ الشِّرْكِ لَمْ تُبِحْ دَمَهُ وَأَبَاحَتْ دَمَ الْمُشْرِكِ.
(فَصْلٌ)
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَعْلَمَ قَاتِلُهُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَلَا يَعْمِدُ قَتْلَهُ وَلَكِنْ يَرْمِي إِلَى دَارِ الْحَرْبِ سَهْمًا مُرْسَلًا فَيَقَعُ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ، وَفِي قَتْلِهِ الْكَفَّارَةُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ هَاجَرَ إِلَيْهَا وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِيهَا وَلَا هَاجَرَ إِلَيْهَا، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الدِّيَةُ، لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الدَّارِ عَلَى الْمُهَاجِرِ وَعَدَمِهَا فِي غَيْرِ الْمُهَاجِرِ وَاسْتَدَلَّا فِي الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ وَلِأَنَّهُ مَقْتُولٌ مُسْلِمٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالدِّيَةِ كَالْمَقْتُولِ فِي دَارِ الإسلام،
وَدَلِيلُنَا: قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ، فَكَانَ الدَّلِيلُ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اقْتِصَارُهُ عَلَى الْكَفَّارَةِ وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ لَذَكَرَهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ غَايَرَ بَيْنَ قَتْلِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الشِّرْكِ، وَلَوْ تَسَاوَيَا لِأَطْلَقَ وَلَمْ يُغَايِرْ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهَا دَارُ إِبَاحَةٍ لَمْ يَعْمِدْ فِيهَا قَتْلَ مُسْلِمٍ.
فَوَجَبَ أَنْ لَا يَضْمَنَ بِالْقَتْلِ دِيَةً كَمَا لَوْ قُتِلَ غَيْرُ مُسْلِمٍ؛ وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَضْمَنْ دِيَتَهُ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يُضْمَنْ، وَإِنْ هَاجَرَ،
كالمشرك وعموم الآية مخصص بما تعقبها وقياسه معارض لقياسنا؛ وَلِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ حَاظِرَةٌ وَدَارَ الْمُشْرِكِ مُبِيحَةٌ.
(فَصْلٌ)
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَهُ وَلَا يَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَفِيهِ الدِّيَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا دِيَةَ فِيهِ، إِنْ لَمْ يُهَاجِرْ.
وَدَلِيلُنَا: إِنَّ الْيَمَانَ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِهِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِدِيَتِهِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ.
فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ وَلِأَنَّ جَهْلَ الْقَاتِلِ بِأَحْوَالِ الْمَقْتُولِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ ضَمَانِهِ عَنِ الْقَاتِلِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
(فَصْلٌ)
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَا يَعْمِدُ قَتْلَهُ وَيَرْمِي أَهْلَ الدَّارِ بِسَهْمٍ فَاعْتَرَضَ الْمُسْلِمُ السَّهْمَ حَتَّى أَصَابَهُ فَقَتَلَهُ.
فَلَا قَوَدَ وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا دِيَةَ فِيهِ اسْتِدْلَالًا بِالْآيَةِ.
واعتبار بِالْقِسْمِ الثَّانِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِيهِ الدِّيَةُ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ الْيَمَانِ.
وَاعْتِبَارًا بِالْقِسْمِ الثَّالِثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الثَّالِثُ مِمَّا بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَجَمَعَ فِي قَتْلِهِ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَهُوَ الْكَافِرُ ذُو الْمِيثَاقِ بِذِمَّةٍ أَوْ عَهْدٍ إِذَا قُتِلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فَجَمَعَ فِي قَتْلِهِ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا جَمَعَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بين الدية الكفارة.
وَقَدَّمَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْكَفَّارَةَ عَلَى الدِّيَةِ وَفِي قَتْلِ الْكَافِرِ الدِّيَةَ عَلَى الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَرَى تَقْدِيمَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ وَالْكَافِرُ يَرَى تَقْدِيمَ حَقِّ نَفْسِهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: بَلْ خَالَفَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَجْعَلْهُمَا عَلَى نسق واحد، لأن لا يَلْحَقُ بِهِمَا، مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ في دار الحرب في قوله: ﴿وإن كان من قوم عدوا لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ فَيَضُمُّ إِلَيْهِ الدِّيَةَ إِلْحَاقًا بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَأَزَالَ هذا الاحتمال بأحد اللفظين.
وسواء كان صحاب هَذَا الْمِيثَاقِ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِ الْعَهْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ إِذَا قُتِلَ فِي دار الإسلام.
فَأَمَّا إِذَا قُتِلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِ إِذَا قُتِلَ فِيهَا فِي ضَمَانِهِ بِالْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ إِلَّا أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَهُ غَالَطًا بِمِيثَاقِهِ الَّذِي هُوَ مُقِيمٌ عَلَى الْتِزَامِهِ فَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ مَعَ الْكَفَّارَةِ، وَالْكَفَّارَةُ الْوَاجِبَةُ فِي قَتْلِ الْكَافِرِ، كَالْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ فِي أَيْمَانِ الرَّقَبَةِ وَسَلَامَتِهَا مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا وجبت عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ فِي الْخَطَأِ وَفِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ فِي العمد أولى (قال المزني) رحمه الله وَاحْتُجَّ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً سَوَاءٌ إِلَّا في المأثم فكذلك كفارة القتل أَوْ خَطَأً سَوَاءٌ إِلَّا فِي الْمَأْثَمِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، الْكَفَّارَةُ تَجِبُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَأَسْقَطَاهَا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ سَوَاءٌ وَجَبَ فِي الْقَوَدِ أَوْ لَمْ يَجِبْ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فتحرير رقبة مؤمنة﴾ فَجَعَلَ الْخَطَأَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَوَجَبَتْ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنِ الْعَمْدِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْعَمْدُ قَوَدٌ) فَجَعْلَ مُوجِبَ الْعَمْدِ اسْتِحْقَاقَ الْقَوَدِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الْقَوَدِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ فَلَمْ يُوجِبِ الْكَفَّارَةَ كَالزِّنَا وَالرِّدَّةِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، كَالْقِصَاصِ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ عَلَى بَدَنٍ، وَالْكَفَّارَةَ حَقٌّ فِي مَالٍ فَلَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْقَتْلِ الْوَاحِدِ كَالْقِصَاصِ مَعَ الدِّيَةِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي صَاحِبٍ لَنَا اسْتَوْجَبَ النَّارَ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: " أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يُعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ) وَهُوَ لَا يَسْتَوْجِبُ النَّارَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَمَرَ بِهَا غَيْرَ الْقَاتِلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْقَاتِلِ قُلْنَا: الْخِطَابُ وإن توجه إلى السائل بالمراد بِهِ الْقَاتِلُ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا بِالْقَتْلِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَأَدْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَالَ: أَعْتِقْ عَنْ كُلِّ مَوْؤُودٍ رَقَبَةً وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ تَحْفِرُ تَحْتَ الْحَامِلِ إِذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ حُفَيْرَةً يَسْقُطُ فِيهَا وَلَدُهَا إِذَا وَضَعَتْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا أَخْرَجُوهُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ أُنْثَى تُرِكَتْ فِي حُفْرَتِهَا وَطُمَّ التُّرَابُ عَلَيْهَا حَتَّى تَمُوتَ، وَهَذَا قَتْلُ عَمْدٍ، وَقَدْ أُوجِبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ مَضْمُونٌ فَوَجَبَ أَنْ تُسْتَحَقَّ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْخَطَأِ وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ بِقَتْلِ الْخَطَأِ وَجَبَتْ بِقَتْلِ الْعَمْدِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ.
وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْخَاطِئِ مَعَ عَدَمِ الْمَأْثَمِ كَانَ وُجُوبُهَا عَلَى العامد مع المأثم حق كما قال تعالى: ﴿فمن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] فَلَمَّا أُوجِبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُفْطِرِ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ كَانَ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ أَحَقَّ ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: الْقَتْلُ كَفَّارَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى وُجُوبِهَا لَا تَسْقُطُ بِالْقَوَدِ لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ تَسْقُطْ بِتَأْدِيَةِ حَقِّ الْآدَمِيِّ كَمَا لَمْ تَسْقُطْ بِأَدَاءِ الدِّيَةِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَتِ الْجَمَاعَةُ فِي قَتْلِ نَفْسٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الدِّيَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَشْتَرِكُونَ فِي الْكَفَّارَةِ وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا اشْتَرَكُوا فِي الْكَفَّارَةِ كَمَا اشْتَرَكُوا فِي الدِّيَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِكُمْ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
قِيلَ: الْحَاكِي لَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ غالطاً، لَمْ يُعْرَفْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ وَلَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَنُصُوصُهُ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ بِخِلَافِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الدِّيَةَ تَتَبَعَّضُ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهَا، وَالْكَفَّارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاكُهُمْ فِيهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ مِنَ النَّفْسِ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ فِيهَا إِلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْكَفَّارَةُ لِتَكْفِيرِ الْقَتْلِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ دَلِيلٌ عَلَى عُثْمَانَ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُ الْكَفَّارَةِ عَلَى كُلِّ قَاتِلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فِي كُلِّ مَقْتُولٍ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ فَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا عَلَى الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ.
فَقَالَ: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92] فَقَدَّمَ عِتْقَ الرَّقَبَةِ، وَشَرَطَ فِيهَا الْإِيمَانَ فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا، لِأَنَّهُ شَرَطَ إِيمَانَهَا فِي عِتْقِهَا عَنْ قَتْلِ الْكَافِرِ فَكَانَ إِيمَانُهَا فِي عِتْقِهَا عَنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى.
فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الرَّقَبَةَ فَاضِلَةً عَنْ كِفَايَتِهِ عَلَى الْأَبَدِ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْفِيرُ بِالْعِتْقِ، وَكَفَّرَ بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَعْدِلُ إِلَى الْإِطْعَامِ فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَأَطْلَقَ ذِكْرَهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ إِطْلَاقُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ عَلَى تَقَيُّدِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ جِنْسِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا إِطْعَامَ فِيهَا وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بَاقِيَةً فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْإِبْدَالَ فِي الْكَفَّارَاتِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى النَّصِّ دُونَ الْقِيَاسِ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ مُطَلَقِهَا عَلَى الْمُقَيَّدِ إِلَّا فِي الْوَصْفِ دُونَ الْأَصْلِ، كَمَا حُمِلَ إِطْلَاقُ الْيَدِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى تَقَيُّدِهَا بِالْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ حَمْلُ مُطْلَقٍ عَلَى مُقَيَّدٍ فِي وَصْفٍ، وَلَمْ يُحْمَلْ إِغْفَالُ ذِكْرِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى مَا قُيِّدَ مِنْ ذِكْرِهِمَا فِي الْوُضُوءِ، لِأَنَّهُ حَمْلُ مُطْلَقٍ على مقيد أَصْلٍ.
كَذَلِكَ فِي الْكَفَّارَةِ حَمَلَنَا إِطْلَاقَ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى تَقَيُّدِهِ بِالْإِيمَانِ مِنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، لِأَنَّهُ حَمْلُ مُطْلَقٍ عَلَى مُقَيَّدٍ فِي وَصْفٍ.
وَلَمْ يُحْمَلْ إِغْفَالُ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ عَلَى ذِكْرِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ لِأَنَّهُ حَمْلُ مُطْلَقٍ عَلَى مُقَيَّدٍ فِي أَصْلٍ، والله أعلم بالصواب.
(باب لا يرث القاتل)
(مِنْ كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرِثُ قَاتِلٌ خَطَأً وَلَا عَمْدًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا فَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لِأَنَّ الْقَلَمَ عَنْهُمَا مَرْفُوعٌ وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَرِثُ قَاتِلُ عَمْدٍ وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ خَطَأٍ مِنَ الدِّيَةِ وَيَرِثُ مِنْ سَائِرِ مَالِهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هَلْ رَأَيْتُمْ وَارِثًا يَرِثُ بَعْضَ مَالِ رَجُلٍ دُونَ بَعْضٍ إِمَّا أَنْ يَرِثَ الْكُلَّ أَوْ لَا يَرِثَ شيئا (قال الشافعي) رحمه الله يدخل على محمد بن الحسن أنه يسوي بين المجنون والصبي وبين البالغ الخاطئ في قتل الخطأ ويجعل على عواقلهم الدية ويرفع عنهم المأثم فكيف ورث بعضهم دون بعض وهم سواء في المعنى (قال) ويدخل على أصحابنا ما دخل على محمد بن الحسن وليس في الفرق بين قاتل خطأ لا يرث وقاتل عمد خبر يلزم ولو كان ثابتاً كانت فيه أشبه (قال المزني) رحمه الله المعنى تأويله إذا لم يثبت فرق أنهما سواء في أنهما لا يرثان وقد قطع بهذا المعنى في كتاب قتال أهل البغي فقال إذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل لا يتوارثان لأنهما قاتلان قال وهذا أشبه بمعنى الحديث) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا قَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي مِيرَاثِ الْقَاتِلِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يَرِثُ قَاتِلُ عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ سَوَاءٌ جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ أَوْ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ بِالصِّغَرِ وَالْجُنُونِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرِثُ قَاتِلُ عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ إِنْ جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ وَيَرِثُ إِنْ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ وَإِنْ رفع عنه القلم ويرث الخطأ مِنَ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ، فَرَدَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى مَالِكٍ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ وَارِثًا يَرِثُ بَعْضَ مَالِ رَجُلٍ دُونَ بَعْضٍ؟ إِمَّا أَنْ يَرِثَ الْكُلَّ أَوْ لَا يَرِثَ شَيْئًا، وَهَذَا رَدٌّ صَحِيحٌ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَلَى مَالِكٍ حَيْثُ وَرَّثَ الْخَاطِئَ مِنَ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ، وَكِلَاهُمَا مَالٌ لِلْمَقْتُولِ يَقْضِي مِنْهُمَا دُيُونَهُ وَتُنَفَّذُ مِنْهُمَا وَصَايَاهُ فَإِنِ انْتَفَتِ التُّهْمَةُ عَنِ الْخَاطِئِ وَرِثَ الْكُلَّ وَإِنْ تَحَقَّقَتِ التُّهْمَةُ مُنِعَ الْكُلَّ، وَلَمْ يَجُزْ تَبْعِيضُ الْمَالِ فِي الْمِيرَاثِ
فيرث بعض ويمنع بعض كَمَا أَنَّ الْمَبْتُوتَةَ بِالطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ لَمَّا لَحِقَ الزَّوْجَ التُّهْمَةُ فِي مَنَعَهَا مِنْ ثُلُثَيْ مَالِهِ لِأَنَّ الثُّلُثَ غَيْرُ مَتْهُومٍ فِي مَنْعِهَا مِنْهُ.
لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ كُلَّ وَارِثٍ، فَلَمْ يَلْحَقِ الزَّوْجَ تُهْمَةٌ فِي مَنْعِهَا مِنْهُ وَقَدْ كَانَ يَقْتَضِي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ أَنْ يُوَرِّثَهَا ثُلُثَيْ مَالِهِ وَلَا يُوَرِّثَهَا مِنَ الثُّلُثِ لِاخْتِصَاصِ التُّهْمَةِ بِالثُّلُثَيْنِ دُونَ الثُّلُثِ وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى إِبْطَالِ هَذَا التَّبْعِيضِ، وَكَانُوا فِي تَوْرِيثِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمِنْ وَرَّثَهَا مِنْهُمْ وَرَّثَهَا جَمِيعَ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَتْهُومٍ فِي بَعْضِهِ وَمَنْ لَمْ يُوَرِّثْهَا مَنَعَهَا جَمِيعَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ مَتْهُومًا فِي بَعْضِهِ فَبَطَلَ بِهَذَا الْإِجْمَاعِ تَبْعِيضُ الْمَالِ لِمِيرَاثِ الْخَاطِئِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيَّ رَدَّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ تَوْرِيثِ مَنْ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ دُونَ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ قَدْ شَارَكَا الْخَاطِئَ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَشَارَكَهُمَا الْخَاطِئُ فِي ارْتِفَاعِ الْمَأْثَمِ فَصَارُوا جَمِيعًا سَوَاءً فِي الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ، فَهَلَّا صَارُوا سَوَاءً فِي الْمِيرَاثِ فِي أَنْ يَرِثُوا أَوْ لَا يَرِثُوا؟ وَكَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ وَقَدْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِهِ وَهَذَا التَّكَافُؤُ فِي الِاعْتِرَاضِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ الْمَذْهَبَيْنِ وَيَصِحُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَنْعِ كُلِّ قَاتِلٍ مِنَ الْمِيرَاثِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ.
وَقَالَ لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنْ لَا مِيرَاثَ لِكُلِّ قَاتِلٍ فَكُلُّ قَاتِلٍ تَعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْقَتْلِ فِي ضَمَانِ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ بِحَالٍ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقَتْلِ إِذَا تَنَاوَلَهُ اسْمُ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ بِحَقٍّ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا كَالْمُقْتَضَى مِنْهُ قَوَدًا فَلَا مِيرَاثَ لَهُ لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِ فِي عُدُولِهِ عَنِ الْعَفْوِ إِلَى الْقِصَاصِ رَغْبَةً فِي الْمِيرَاثِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ وَلَا يَكُونُ مُخَيَّرًا كَالْحَاكِمِ إِذَا قَتَلَ فِي زنا أو في قصاص استوفاه لخصم فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتُلَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَرِثُ لِأَنَّهُ مَتْهُومٌ فِي تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ فَمَنَعَتْهُ التُّهْمَةُ مِنَ الْمِيرَاثِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقْتُلَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ فَفِي مِيرَاثِهِ لَهُمْ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَرِثُهُمْ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ فِي إِقْرَارِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَالْأَكْثَرِينَ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِنَّهُ لَا يَرِثُ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ وَإِنِ انْتَفَتِ التُّهْمَةُ عَنْهُ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
(باب الشهادة على الجناية)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ وَجِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْحُدُودِ سِوَى الزِّنَا إِلَّا عَدْلَانِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَنْقَسِمُ عَلَى أَقْسَامٍ: مَوْضِعُ اسْتِيفَائِهَا كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الْجِنَايَاتِ.
وَالْجِنَايَاتُ ضَرْبَانِ: عَمْدٌ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَخَطَأٌ يُوجِبُ الْمَالَ، فَأَمَّا الْعَمْدُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ فَلَا تَثْبُتُ الْبَيِّنَةُ فِيهِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ - ولا يثبت بشاهد وامرأتان، كالحدود وسواء كان في نفس وفيما دُونَ النَّفْسِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يُقْبَلُ فِي النَّفْسِ إِلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ كَالزِّنَا لِأَنَّهَا إِمَاتَةُ نَفْسٍ، وَيُقْبَلُ فِيمَا دُونَهَا شَاهِدَانِ كَالْحُدُودِ وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْبَلُ فِيمَا قَلَّ مَنِ الْجِرَاحِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا كَثُرَ إِلَّا شَاهِدَانِ لِخِفَّةِ الْقَلِيلِ وَتَغْلِيظِ الْكَثِيرِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ فِي كِتَابِهِ عَلَى ثَلَاثِ شَهَادَاتٍ خَالَفَ بَيْنَ أَحْكَامِهَا وَجَعَلَهَا أُصُولًا لِمَا أَغْفَلَهُ لِيَكُونَ الْمُغْفَلُ فَرْعًا مُلْحَقًا بِأَصْلِهِ فِيهَا فَنَصَّ عَلَى أَرْبَعَةِ شُهُودٍ فِي الزِّنَا وَنَصَّ عَلَى شَاهِدَيْنِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَنَصَّ عَلَى شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَأَغْفَلَ الشَّهَادَةَ فِي الْجِنَايَاتِ فَصَارَتْ فَرْعًا لِأَحَدِهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الزِّنَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تُحْمَلْ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، لَمْ تُحْمَلْ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ، لِوُجُوبِ تَسَاوِيهِمَا كَمَا اسْتَوَى حُكْمُ الزِّنَا فِي مَا أوجب الرحم وَمَا أَوْجَبَ الْجَلْدَ فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ الْحَسَنِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَمْوَالِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهَا فِيمَا كَثُرَ لَمْ تُحْمَلْ عَلَيْهَا فِيمَا قَلَّ، لِاسْتِوَاءِ حُكْمِ الْأَمْوَالِ فيما قل وكثر فبطل هذا قَوْلُ مَالِكٍ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَصْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ الشَّاهِدَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ فِيمَا كَثُرَ وقل والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُقْبَلُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَيَمِينٌ وَشَاهِدٌ فِيمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ مِثْلَ الْجَائِفَةِ وَجِنَايَةِ مَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْتُوهٍ وَصَبِيٍّ وَمُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ وَحُرٍّ عَلَى عَبْدٍ وَأَبٍ عَلَى ابْنٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ كُلُّ جِنَايَةٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهَا وَأَوْجَبَتِ الدِّيَةَ قبل
فِيهَا شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ، كَالْأَمْوَالِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَالٌ وَالَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: الْخَطَأُ الْمَحْضُ مِمَّنْ كَانَ وَعَلَى مَنْ كَانَ.
وَالثَّانِي: عَمْدُ الْخَطَأِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ إِلَّا فِي تَقْسِيطِ الدِّيَةِ فِيهِ وَتَخْفِيفِهَا.
وَالثَّالِثُ: الْعَمْدُ الَّذِي يَسْقُطُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أضرب:
أحدهما: مَا سَقَطَ لِمَعْنًى فِي الْجَانِي، كَجِنَايَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
وَجِنَايَةِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ.
وَالثَّانِي: مَا سَقَطَ لِمَعْنًى فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَجِنَايَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى كَافِرٍ، وَجِنَايَةِ الْحُرِّ عَلَى عَبْدٍ.
وَالثَّالِثُ: مَا سَقَطَ لِمَعْنًى فِي الْجِنَايَةِ كَالْجَائِفَةِ فَيُقْبَلُ فِي جَمِيعِ هَذَا كُلِّهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ جُرْحٍ، فَإِنْ صَارَتِ الْجَائِفَةُ نَفَسًا لَمْ يُقْبَلْ فِيهَا إِلَّا شَاهِدَانِ، لِأَنَّهَا صَارَتْ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَقَالَ وَلِيُّ الْقِصَاصِ: لَسْتُ أَقْتَصُّ فَاسْمَعُوا مني شاهداً وامرأتين، ولم يُقْبَلْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَسْتُ أَقْتَصُّ مَوْعِدٌ بِالْعَفْوِ وَلَيْسَ بِعَفْوٍ وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْقِصَاصِ فَاسْمَعُوا شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنَ بَعْدَ عَفْوِهِ، قَبْلَ الشَّهَادَةِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْقِصَاصِ.
وَقَالَ: بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا أَقْبَلُ مِنْهُ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْعَفْوِ إِلَّا شَاهِدَيْنِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ مَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ نَوْعٌ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ عَفْوٌ مِنْهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْقِصَاصِ وَكِلَا التَّعْلِيلَيْنِ خَطَأٌ، لِأَنَّ الْعَفْوَ يُخْرِجُهُ مِنْ نَوْعِ الْقِصَاصِ، فَبَطَلَ التَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ، وَالْعَفْوُ قَبْلَ الْبَيِّنَةِ عَفْوٌ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِالْجِنَايَةِ لَا بِالْبَيِّنَةِ فَبَطَلَ التَّعْلِيلُ الثَّانِي.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ هَاشِمَةً أَوْ مَأْمُومَةً لَمْ أَقْبَلْ أَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ لِأَنَّ الَّذِي شُجَّ إِنْ أَرَادَ أَنْ آخُذَ لَهُ الْقِصَاصَ مِنْ مُوضِحَةٍ فَعَلْتُ لِأَنَّهَا مُوضِحَةٌ وَزِيَادَةٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ فَيُقْبَلُ فِيهِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عَمْدِهِ، وَأَمَّا الْمُوضِحَةُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا
إِذَا كَانَتْ عَمْدًا إِلَّا شَاهِدَانِ، لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ فَإِنْ قِيلَ: إِذَا أَقَامَ فِي عَمْدِهَا شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدًا وَيَمِينًا، هَلَّا حَكَمْتُمْ لَهُ بِالدِّيَةِ وَأَسْقَطْتُمُ الْقَوَدَ؟ كَالسَّرِقَةِ إِذَا شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ حُكِمَ فِيهَا بِالْقَطْعِ وَالْغُرْمِ وَإِنْ شَهِدَ بِهَا شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أُسْقِطَ الْقَطْعُ وَحُكِمَ بِالْغُرْمِ، [قِيلَ لَا] لِفَرْقٍ مَنَعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْغُرْمَ وَالْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ حَقَّانِ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ مُسْتَحِقِّهَا وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بَدَلًا مِنَ الْآخَرِ، فَجَازَ أَنْ يُفْرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِحُكْمِهِ وَالْقِصَاصُ وَالْأَرْشُ فِي الْمُوضِحَةِ حَقٌّ وَجَبَ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا بدلا مِنَ الْآخَرِ فَشَارَكَهُ فِي حُكْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُثْبَتَ أَحَدُهُمَا مَعَ انْتِفَاءِ الْآخَرِ فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا مَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ مِنَ الْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ فَقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الشِّجَاجُ بَيْنَ مَا فِيهِ قِصَاصٌ وَهُوَ الْإِيضَاحُ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ فِيهِ قِصَاصٌ، وَهُوَ الْهَشْمُ وَالتَّنْقِيلُ فَفِيهَا لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إِذَا كَانَتْ عَمْدًا إِلَّا شَاهِدَانِ، لِأَنَّ فِيهَا إِيضَاحًا يُسْتَحَقُّ فِيهِ الْقِصَاصُ لِمَنْ طَلَبَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي كِتَابِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، إِنَّهُ يُقْبَلُ فِيهَا شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا قُبِلَ ذَلِكَ فِيهِ إِذَا انْفَرَدَ عَنِ الْإِيضَاحِ لَمْ يَمْتَنِعْ قَوْلُهُ فِيهِ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْإِيضَاحِ وَصَارَ الْإِيضَاحُ مُلْحَقًا بِهِ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ لِمُشَارَكَتِهِ له.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " قَالَ وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ وَقَفْتُهُمَا فَإِنْ قَالَا فَأَنْهَرَ دَمَهُ وَمَاتَ مَكَانَهُ قَبِلْتُهُمَا وَجَعَلْتُهُ قَاتِلًا وَإِنْ قَالَا لَا نَدْرِي أَنْهَرَ دَمُهُ أَمْ لَا بَلْ رَأَيْنَاهُ سَائِلًا لَمْ أَجْعَلْهُ جَارِحًا حَتَّى يَقُولَا أَوْضَحَهُ هَذِهِ الْمُوضِحَةَ بِعَيْنِهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الشُّهُودِ، فَأَمَّا صِفَةُ الشَّهَادَةِ: فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لَا احْتِمَالَ فِيهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدَانِ: رَأَيْنَاهُ قَدْ طَلَبَهُ بِسَيْفٍ وَغَابَا عَنَّا ثُمَّ رَأَيْنَاهُ قَتِيلًا، أَوْ جَرِيحًا، لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ أَوْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ وَهَكَذَا لَوْ قَالَا: قَدْ رَأَيْنَاهُ وَقَدْ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ ثُمَّ غَابَا وَوَجَدْنَاهُ قَتِيلًا أَوْ جَرِيحًا لَمْ تُقْبَلْ لِجَوَازِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَتْلِ غَيْرِهِ أَوْ جِرَاحَةِ غَيْرِهِ فَإِنْ قَالَا رَأَيْنَاهُ وَقَدْ ضَرَبَهُ بسيفه فأنهر دمه ومات مكانه قبلت هذا الشَّهَادَةُ، لِأَنَّ ظَاهِرَ مَوْتِهِ أَنَّهُ مِنْ إِنْهَارِ دَمِهِ فَإِنِ ادَّعَى الْجَارِحُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ غَيْرِ جِرَاحَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ مَعَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ عُقَيْبَ جِرَاحَتِهِ وَلَا يَحْلِفُ وَلَيُّهُ، وَإِنْ قَالَا أَنْهَرَ دَمَهُ وَلَمْ يَشْهَدَا بِمَوْتِهِ نُظِرَ فِي مَوْتِهِ فَإِنْ بَعُدَ زَمَانٌ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْدَمِلَ
فِيهِ الْجِرَاحَةُ حُكِمَ عَلَى الْجَارِحِ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ ظَاهِرَ مَوْتِهِ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجِرَاحَةِ أَنَّهُ مِنْهَا فَإِنِ ادَّعَى الْجَارِحُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ غَيْرِهَا فَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ فَيَحْلِفُ الْوَلِيُّ أَنَّهُ مَاتَ مِنَ الْجِرَاحَةِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَهَا بِزَمَانٍ يَجُوزُ أَنْ تَنْدَمِلَ فِيهِ الْجِرَاحَةُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْجِرَاحَةِ وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ حَتَّى يُقِيمَ وَلِيُّهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ ضِمْنًا مَرِيضًا حَتَّى مَاتَ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِالْقَتْلِ.
فَإِنِ ادَّعَى مَوْتَهُ مِنْ غَيْرِهِ أُحْلِفَ وَلِيُّهُ لَقَدْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ وَلَكِنْ لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ وَلَمْ يَشْهَدَا أَنَّهُ أَنْهَرَ دَمَهُ لَمْ يَكُنْ جَارِحًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَضْرُوبٍ بِسَيْفٍ يَنْجَرِحُ بِهِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَا ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَسَالَ دَمُهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِجَوَازِ أَنْ يَسِيلَ مِنْ فَتْحِ عِرْقٍ أَوْ رُعَافٍ وَلَوْ قَالَا: ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَأَسَالَ دَمَهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتَهُمَا، لِأَنَّهُمَا أَضَافَا سَيَلَانَ الدَّمِ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ، فَإِنْ عَيَّنَا الْمُوضِحَةَ حُكِمَ فِيهَا بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنَاهَا نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِهِ غَيْرُ مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ، كَانَتْ هِيَ الْمَشْهُودَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ حُكِمَ فِيهَا بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ فِي رَأْسِهِ مَوَاضِحُ جَمَاعَةٍ حُكِمَ فِيهَا بِالدِّيَةِ وَلَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِالْقِصَاصِ.
لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي كُلِّ مُوضِحَةٍ عَلَى كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الرَّأْسِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى التَّعْيِينِ وَالْقِصَاصُ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْمَوْضِعِ مِنَ الرَّأْسِ وَقَدْرِهَا فِي الطُّولِ والعرض.
وهكذا لو شهد أَنَّهُ قُطِعَ إِحْدَى يَدَيْهِ، وَلَمْ يُعَيِّنَاهَا فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ بَاقِيَةً وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الدَّامِيَةِ أَوِ الدِّيَةُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، لِأَنَّهَا صَارَتْ بِبَقَاءِ الْأُخْرَى مُعَيَّنَةً فِي الدَّامِيَةِ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ
لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مُسْتَحَقَّهُ فِي يُمْنَى أَوْ يُسْرَى وَحُكِمَ لَهُ بِالدِّيَةِ لِاسْتِوَائِهَا فِي الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فِيمَا سِوَاهُ والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ وَشَهِدَ الْآخَرَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ وَكَانَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا وَلِيُّ الدَّمِ مَعًا أُبْطِلَتِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ صَدَّقَ اللَّذَيْنِ شَهِدَا أَوَّلًا قَبِلْتُ شَهَادَتَهُمَا وَجَعَلْتُ الْآخَرَيْنِ دَافِعَيْنِ بِشَهَادَتِهِمَا وَإِنْ صَدَّقَ اللَّذَيْنِ شَهِدَا آخِرًا أُبْطِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ بِشَهَادَتِهِمَا مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِمَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي سَمَاعِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَتْلِ قَبْلَ دَعْوَى الْوَلِيِّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَيْفِيَّةِ سَمَاعِهَا قَبْلَ الدَّعْوَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهَا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى، إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ طِفْلًا، أَوْ غَائِبًا، وَلَا يَجُوزُ سَمَاعُهَا إِذَا كَانَ بَالِغًا، حاضراً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى، إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْوَلِيُّ شُهُودَهُ وَلَا تُسْمَعُ إِذَا عَرَفَهُمْ بَعْدَ الدَّعْوَى.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْجُمْهُورِ إِنَّهَا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً، وَلَا تُسْمَعُ فِي غَيْرِ الدِّمَاءِ، إِلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِتَغْلِيظِ الدِّمَاءِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْحُقُوقِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمَقْتُولِ يَقْضِي مِنْهَا دُيُونَهُ، وَتُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ فَجَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي سَمَاعِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ دَعْوَى أَوْلِيَائِهِ وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَسْمَعَهَا فِي دُيُونِ الْمَيِّتِ، وَلَا يَسْمَعَهَا فِي دُيُونِ الْحَيِّ، وَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ لَا يَسْمَعُهَا فِي دُيُونِ حَيٍّ، وَلَا مَيِّتٍ وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يُتَأَوَّلُ، اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ) ، إِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يُشْهَدُ فِيهِ قَبْلَ سَمَاعِ الدَّعْوَى.
وَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " شَرُّ الشُّهَدَاءِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ) مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا لَا يُشْهَدُ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ سَمَاعِ الدَّعْوَى.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَا زَيْدًا، وَشَهِدَ الرجلين الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا أَنِّ الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ قتلا زيداً، فللولي حالتان:
أحدهما: أَنْ تَصِحَّ مِنْهُ الدَّعْوَى.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا تَصِحَّ مِنْهُ، فَإِنْ صَحَّتْ مِنْهُ الدَّعْوَى لِبُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَمَّا يَدَّعِيهِ مِنَ الْقَتْلِ عَلَى مَنْ يُعَيِّنُهُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ فِي ذلك على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدعيه على الآخرين الذين شهد عليهما الأولاد فَتَكُونُ شَهَادَةُ الْأَوَّلَيْنِ عَلَيْهِمَا مَاضِيَةً وَيُحْكَمُ لِلْوَلِيِّ عَلَى الْآخِرَيْنِ بِالْقَتْلِ لِسَلَامَةِ الْأَوَّلَيْنِ عِنْدَ شَهَادَتِهِمَا وَتُهْمَةِ الْآخَرَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ بِالدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا وَهَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْتَعِيدَ الشَّهَادَةَ مِنْهُمَا بَعْدَ الدَّعْوَى أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لا يستعيدها، ويحكم بما تقدم من شاهدتهما، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعِيدُ بِهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ اسْتِعَادَتُهُمَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ سَابِقًا لِلدَّعْوَى.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ الْوَلِيُّ قَتْلَهُ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ دُونَ الْآخِرَيْنَ: فَشَهَادَتُهُمَا عَلَى الْأَوَّلَيْنِ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُمَا قَدْ صَارَا عَدُوَّيْنِ لَهُمَا، وَمُتَّهَمَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَدَّعِي قَتْلَهُ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ فَتَبْطُلُ الشَّهَادَتَانِ لِإِكْذَابِهِ لَهُمَا، وَإِقْرَارِهِ بِفِسْقِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الدَّعْوَى لِصِغَرِهِ، أَوْ جُنُونِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَقْضِي الْحَاكِمُ بِمُوجِبِ الشَّهَادَةِ أَوْ يُوقِفُهَا عَلَى بُلُوغِ الْوَلِيِّ وَعَقْلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَقْضِي بِمُوجِبِ الشَّهَادَةِ وَيَقْضِي عَلَى الْآخَرَيْنِ بِالْقَتْلِ بِشَهَادَةِ الْأَوَّلَيْنَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَقِفُ الشَّهَادَةَ، وَلَا يَبُتُّ الْحُكْمَ فِيهَا حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فِي الدَّعْوَى وَيَعْمَلَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ وَادَّعَاهُ مِنَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، لِتَرَدُّدِ الشَّهَادَةِ بَيْنَ إِيجَابٍ وَإِسْقَاطٍ فَلَمْ يُحْكَمْ بِأَحَدِهِمَا مَعَ احْتِمَالِهِمَا فَأَمَّا إِذَا اتَّفَقَتْ شَهَادَةُ بَعْضٍ وَلَمْ تَتَقَدَّمْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَكِلْتَا الشَّهَادَتَيْنِ بَاطِلَةٌ لَا يُحْكَمُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَا يُرْجَعُ فِيهِمَا إِلَى دَعْوَى الْوَلِيِّ، لِتَعَارُضِ الشَّهَادَتَيْنِ فِي التَّدَافُعِ بهما والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى إِقْرَارِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا وَالْآخَرُ عَلَى إِقْرَارِهِ وَلَمْ يَقُلْ خَطَأً وَلَا عَمْدًا جَعَلْتُهُ قَاتِلًا وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَإِنْ قَالَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ قَالَ خَطَأً أُحْلِفَ مَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَكَانَتِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى إِقْرَارِ رَجُلٍ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا خَطَأً فَقَدْ تَمَّتِ الشَّهَادَةُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ وَلَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِصِفَةِ الْقَتْلِ، فَيُسْأَلُ الْمُقِرُّ عَنْ صِفَةِ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو فِيهَا مِنْ ثلاثة أحوال:
أحدهما: أَنْ يَقُولَ قَتَلْتُهُ عَمْدًا، فَيُقْتَصُّ مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ الْآنِفِ لَا بِالشَّهَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنْ عَفَا عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ، كَانَتْ حَالَةً مُغَلَّظَةً فِي مَالِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ قَتَلَتُهُ خَطَأً فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْقَوَدِ لِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الشَّهَادَةَ بِالْعَمْدِ وَلَكِنْ يَكُونُ هَذَا لَوْثًا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ اللَّوْثُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ بِشَاهِدَيْنِ فَإِنْ أَقْسَمَ حُكِمَ لَهُ بِالْقَوَدِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ، وَبِالدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ حَالَّةً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ لَمْ يُقْسِمْ، أُحْلِفَ الْمُقِرُّ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَلَزِمَتْهُ دِيَةُ
الْخَطَأِ مُخَفَّفَةً يُؤَدِّيهَا مِنْ مَالِهِ، فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَا تَحْمِلُهَا عَنْهُ الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهَا دِيَةُ اعْتِرَافٍ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْبَيَانِ، فَيَصِيرُ كَالنَّاكِلِ فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْوَلِيِّ فَإِنْ حَلَفَ حُكِمَ لَهُ بِالْقَوَدِ بِيَمِينِهِ لَا بِالشَّهَادَةِ، وَإِنْ نَكَلَ حُكِمَ لَهُ بِدِيَةِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ بِالشَّهَادَةِ.
(فَصْلٌ)
وَلَوْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلِ الْقَتْلِ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً، سُئِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صِفَةِ الْقَتْلِ الَّذِي شَاهَدَهُ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهَا وَاخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ عِنْدَهُمَا لم تكن فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ تَعَارُضٌ وَوَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِمَا شَهِدَا بِهِ مِنْ صِفَةِ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا حُكِمَ فِيهِ بِالْقَوَدِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً حُكْمِ فِيهِ بِدِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْقَتْلِ فَهُوَ تَعَارُضٌ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِعَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ وَبِاللَّهِ التوفيق.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ غُدْوَةً وَقَالَ الْآخَرُ عَشِيَّةً أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا بِسَيْفٍ وَالْآخَرُ بِعَصًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَذِّبٌ لِصَاحِبِهِ وَمِثْلُ هَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَعَارَضَ الشَّاهِدَانِ فَأَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا نَفَاهُ الْآخَرُ، فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمَا عَلَى فِعْلِ الْقَتْلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ الْقَتْلِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَتَلَهُ غُدْوَةً أَوْ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَقَالَ الْآخَرُ قَتَلَهُ عَشِيَّةً أَوْ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ بِسَيْفٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بِعَصًا.
أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ الْآخَرُ بِالْكُوفَةِ فَهُمَا وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْقَتْلِ فَقَدْ تَعَارَضَا فِي صِفَتِهِ فَصَارَا مُتَكَاذِبَيْنِ، لِأَنَّ قَتْلَهُ غُدْوَةً، غَيْرُ قَتْلِهِ عَشِيَّةً، وَقَتْلَهَ بِسَيْفٍ غَيْرُ قَتْلِهِ بِعَصًا، فَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى أُعَزِّرُ الشَّاهِدَيْنِ وَأَحْكُمُ بِفِسْقِهِمَا لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى كَذِبٍ مُسْتَحِيلٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ: لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِمَا وَلَا تَفْسِيقَ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِجَوَازِ الِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمَا، فَيَخْرُجَانِ بِالشُّبْهَةِ عَنِ الفسق، والكذب.
وَالثَّانِي: إِنَّ كَذِبَ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ صِدْقَ الْآخَرِ، وَقَدِ اشْتَبَهَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا مَرْدُودَةٌ، فَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيُّ هاهنا، " وَمِثْلُ هَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ) ، وَنَقَلَ الرَّبِيعُ فِي كِتَابِ الْأُمِّ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ - فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إسحاق المروزي أن الصحيح ما نقله المزني هاهنا، أَنَّهُ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَيَكُونُ الرَّبِيعُ سَاهِيًا فِي زِيَادَةِ لَا؛ لِأَنَّهُمَا قَدِ اتَّفَقَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْقَتْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ الصَّحِيحَ، مَا نَقَلَهُ الرَّبِيعُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَيَكُونُ الْمُزَنِيُّ سَاهِيًا فِي حَذْفِ لَا لِأَنَّ تَكَاذُبَهُمَا يُسْقِطُ شَهَادَتَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ كِلَا النَّقْلَيْنِ صَحِيحٌ وَإِنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ مِثْلَ تَكَاذُبِ الْوَلِيَّيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُوجِبُ الْقَسَامَةَ.
وَالثَّانِي: لَا يُوجِبُهَا.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمَا عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ فَيَقُولُ
أَحَدُهُمَا: أَقَرَّ عِنْدِي [أَنَّهُ قَتَلَهُ غُدْوَةً.
وَيَقُولُ الْآخَرُ] أَنَّهُ قَتَلَهُ عَشِيَّةً أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا: أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ، وَيَقُولُ الْآخَرُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ بِعَصًا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا: أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَيَقُولُ الْآخَرُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْكُوفَةِ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ لَا تَعَارُضَ فِيهَا وَإِنَّمَا التَّعَارُضُ مِنَ الْمُقِرِّ بِالْقَتْلِ فِي صِفَةِ الْقَتْلِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفِعْلَيْنِ عَمْدًا يُوجِبُ الْقَوَدَ أَقَدْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَطَأً لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ، وَلَزِمَتْهُ دِيَةُ الْخَطَأِ مُؤَجَّلَةً فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَمْدًا مُوجِبًا لِلْقَوَدِ وَالْآخَرُ خَطَأً لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ، صَارَ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى إِقْرَارِهِ بِقَتْلِ الْعَمْدِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى فِي الرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعَمْدِ أَقَدْنَاهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْخَطَأِ أَحْلَفْنَاهُ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْبَيَانِ جَعَلْنَاهُ نَاكِلًا، وَأَحْلَفْنَا وَلِيَّ الدَّمِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْعَمْدِ، فَإِنْ نَكَلَ حَكَمْنَا لَهُ بِدِيَةِ الْخَطَأِ فِي مَالِهِ دُونَ عاقلته.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُخَالِفٌ لِلْفِعْلِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَقَامَ وَلِيُّ الدَّمِ شَاهِدَيْنِ، شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى فِعْلِ الْقَتْلِ، فَقَالَ رَأَيْتُهُ قَتْلَهُ، وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، قَالَ: أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قتله لم
تَتَعَارَضْ شَهَادَتُهُمَا، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَافِيَةٍ وَلَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ مِنْهُمَا، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَمَاثِلَةٍ، لِأَنَّ فِعْلَ الْقَتْلِ، غَيْرُ الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، وَلَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْفِعْلِ وَلَا عَلَى الْإِقْرَارِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، لَكِنْ يَكُونُ هَذَا لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ مُقَوِّيَةٌ لِلْأُخْرَى غَيْرُ مُنَافِيَةٍ لَهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْقَتْلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ خَطَأً لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إِلَى الْقَسَامَةِ.
لِأَنَّهُ قَدْ تَتِمُّ الْبَيِّنَةُ فِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَيُقَالُ لِوَلِيِّ الدَّمِ احْلِفْ مَعَ أَيِّ الشَّاهِدَيْنِ شِئْتَ يَمِينًا وَاحِدَةً تُكْمِلُ بِهَا بَيِّنَتَكَ وَيُقْضَى لَكَ فِيهَا بِدِيَةِ الْخَطَأِ.
وَيُنْظَرُ فإن حلف من الشَّاهِدِ عَلَى فِعْلِ الْقَتْلِ كَانَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ حَلَفَ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ كَانَتِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْقَوْدِ كَقَتْلِ الْأَبِ لِابْنِهِ وَالْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ وَيَصِيرُ كَالْخَطَأِ فِي أَنْ لَا يُحْكَمَ فِيهِ بِالْقَسَامَةِ لِوُجُودِ الْبَيِّنَةِ مَعَ يَمِينِ الْوَلِيِّ مَعَ أَيِّ الشَّاهِدَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيُحْكَمُ لَهُ بِدِيَةِ الْعَمْدِ فِي مَالِهِ، سَوَاءٌ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْفِعْلَ أَوْ مَعَ شَاهِدِ الْإِقْرَارِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنَ الْعَمْدِ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْقَوْدِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْقَسَامَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَصِيرُ لَوْثًا فَيَحْلِفُ الْوَلِيُّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُحْكَمُ لَهُ بِالْقَوَدِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ وَبِدِيَةِ الْعَمْدِ حَالَّةً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ وَاللَّهُ تعالى أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو شهد أنه ضربه ملففا فَقَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنَا أَنَّهُ كَانَ حَيًّا لَمْ أَجْعَلْهُ قَاتِلًا وَأَحْلَفْتُهُ مَا ضَرَبَهُ حَيًّا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ بِالْقَتْلِ فَغَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى إِثْبَاتِ الْحَيَاةِ عِنْدَ الْقَتْلِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ هُوَ إِمَاتَةُ الْحَيَاةِ فَدَلَّتْ عَلَى وُجُودِ الْحَيَاةِ عِنْدَ الْقَتْلِ فَأَمَّا إِذَا شَهِدَا أَنَّهُ قُطِعَ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ بِاثْنَيْنِ فَهَذِهِ شَهَادَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْقَطْعِ حَيًّا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا، فَيُسْأَلُ الشَّاهِدَانِ لِأَجْلِ هَذَا الِاحْتِمَالِ عَنْ حَالِ الْمَلْفُوفِ، ولهما فيه ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يَشْهَدَا بِحَيَاتِهِ عِنْدَ قَطْعِهِ، أَوْ بِمُشَاهَدَةِ حَرَكَتِهِ أَوْ بِاخْتِلَاجِهِ بَعْدَ قَطْعِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ شَهَادَةٌ بِالْحَيَاةِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِجُ بَعْدَ الْقَطْعِ إِلَّا حَيٌّ.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِسَيَلَانِ دَمِهِ عِنْدَ قَطْعِهِ فَلَا تَكُونُ شَهَادَةً بِحَيَاتِهِ وَإِنْ كَانَ دَمُ الْمَيِّتِ جَامِدًا؛ لِأَنَّ جُمُودَ دَمِهِ يَكُونُ بَعْدَ فُتُورِ حَرَارَتِهِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ لِوَقْتِهِ قَبْلَ فُتُورِ حَرَارَتِهِ وَجُمُودِ دَمِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الْحَيَاةُ.
وَالْحَالُ الثانية: أن يشهدا موته عند قطعه، فيصير شَاهِدَيْنِ بِنَفْيِ الْحَيَاةِ، وَإِثْبَاتِ
الْمَوْتِ فَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةُ غَيْرِهِمَا بِحَيَاتِهِ، وَيَنْتَفِي عَنْهُ حُكْمُ الْقَتْلِ، وَيُعَزَّرُ أَدَبًا عَلَى قَطْعِ ميت لانتهاك حرمته.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَجْهَلَا حَالَهُ عِنْدَ قَطْعِهِ، فَلَا يَشْهَدَا بِحَيَاتِهِ وَلَا مَوْتِهِ، فَإِنْ تَصَادَقَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى حَيَاةٍ أَوْ مَوْتٍ عُمِلَ عَلَى تُصَادُقِهِمَا، وَإِنْ تَنَازَعَا فَقَالَ الْمُدَّعِي كَانَ حَيًّا، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ مَيِّتًا كُلِّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِحَيَاتِهِ عِنْدَ قَطْعِهِ حُكِمَ بِهَا، وَأُجْرِيَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْقَتْلِ، وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِمَوْتِهِ عِنْدَ قَطْعِهِ حُكِمَ بِهَا وَبَرِئَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ.
وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِالْحَيَاةِ، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِالْمَوْتِ: فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْمَوْتِ، لِأَنَّهَا أَزْيَدُ عِلْمًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ؛ لِأَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا تَقْطَعُ بِإِثْبَاتِ مَا نَفَتْهُ الْأُخْرَى وَلَمْ يَكُنْ فِي إِحْدَاهُمَا مَعَ الْقَطْعِ بِالشَّهَادَةِ زِيَادَةُ عِلْمٍ، فَأَمَّا إِنْ أَقَامَ عَلَى الدَّعْوَى وَعَدِمَا الْبَيِّنَةَ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا عِنْدَ قَطْعِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ قَتْلِهِ إِنْ حَلَفَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ فَصَارَ كَمَا لَوِ ادَّعَى الْوَلِيُّ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ جِرَاحَتِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ مِنْ غَيْرِ جِرَاحَتِهِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَانِي دُونَ الْوَلِيِّ اعْتِبَارًا بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَتَفَرَّدَ الرَّبِيعُ بِنَقْلِهِ.
وَقَالَ بَعْدَ رِوَايَةِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا عِنْدَ قَطْعِهِ وَيُؤْخَذُ الْقَاطِعُ بِحُكْمِ قَطْعِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ حَتَّى يُعْلَمَ زَوَالُهَا عِنْدَ الْقَطْعِ، وَالْيَقِينُ، وَالشَّكُّ إِذَا تَعَارَضَا سَقَطَ حُكْمُ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، أَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ دَعْوَى الْمَوْتِ وَدَعْوَى السِّرَايَةِ أَنَّ الْوَلِيَّ مُسْتَأْنِفٌ لِدَعْوَى السِّرَايَةِ فَلَمْ يُقْبَلْ قوله فيها، والجانب هاهنا مُسْتَأْنِفٌ لِدَعْوَى الْمَوْتِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهَا والله أعلم بالصواب.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَفَا الْقَوَدَ وَالْمَالَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوَدِ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَأُحْلِفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَا عَفَا الْمَالَ وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنَ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ حَلَفَ الْقَاتِلُ مَعَ شَهَادَتِهِ لَقَدْ عَفَا عَنْهُ الْقِصَاصَ وَالْمَالَ وَبَرِئَ مِنْ حِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَةِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي قَتْلِ عَمْدٍ تَرَكَ ابْنَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ بِالْعَفْوِ فَلَا تَخْلُو شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ عَنِ الْقَوَدِ وَحْدَهُ، فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ، لَا بِحُكْمِ الشَّهَادَةِ، وَيَسْتَوِي فِيهَا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تَجُوزُ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى أَخِيهِ بِالْعَفْوِ مُقِرٌّ لِسُقُوطِ الْقَوَدِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْقَوَدَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَعَفْوُ أَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ عَنْهُ مُوجِبٌ لِسُقُوطِهِ فِي حُقُوقِ جَمِيعِهِمْ، وَإِذَا سَقَطَ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ، سَقَطَ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْقَاتِلِ فِي إِثْبَاتِ الْعَفْوِ وَلَا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي نَفْيِهِ لِسُقُوطِ الْقَوَدِ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ وَقُضِيَ لَهُمَا بِدِيَةِ الْعَمْدِ عَلَى سِوَاهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ عَنِ الدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ، فَيُنْظَرُ حَالُ الشَّاهِدِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ بِجُرْحِهِ رُدَّ قَوْلُهُ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ فِي شَهَادَةٍ وَلَا إِقْرَارٍ، لِأَنَّ الْمَجْرُوحَ لَا يَشْهَدُ، وَالْإِقْرَارَ لَا يُؤَثِّرُ، وَكَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِعَدَالَتِهِ لَمْ تُؤَثِّرْ بِشَهَادَتِهِ فِي الْقَوَدِ، لِأَنَّهُ مَا شَهِدَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ، وَكَانَ أَخُوهُ عَلَى حَقِّهِ مِنْهُ وَهَلْ تَكُونُ شَهَادَتُهُ مُؤَثِّرَةً فِي الْعَفْوِ عَنِ الدِّيَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَالَّذِي يَجِبُ بِهِ عَلَى قولين:
أحدهما: أنه موجب لأحد أمرين من الْقَوَدِ، أَوِ الدِّيَةِ، فَعَلَى هَذَا تُؤَثِّرُ شَهَادَةُ الْأَخِ فِي الْعَفْوِ عَنِ الدِّيَةِ، إِذَا حَلَفَ مَعَهُ الْقَاتِلُ لَقَدْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنَ الْمَالِ يُحْكَمُ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ وَيَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِي الْقَوَدِ، وَيَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ اسْتِيفَائِهِ، أَوْ إِسْقَاطِهِ مِنْ غَيْرِ دِيَةٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ وَحْدَهُ، فَأَمَّا الدِّيَةُ فَلَا تَجِبُ إِلَّا بِاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ فَعَلَى هَذَا لَا تُؤَثِّرُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ حَلَفَ مَعَهَا الْقَاتِلُ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِنَ الدِّيَةِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، وَيَكُونُ الْأَخُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ لَا اخْتِيَارَ الدِّيَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ عَنِ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ مَعًا، فَالْقَوَدُ قَدْ سَقَطَ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَوْ لَا تَجُوزُ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، فَأَمَّا الدِّيَةُ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الشَّاهِدِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ كَانَتْ شَهَادَتُهُ مَرْدُودَةً، وَحَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَا عَفَا عَنِ الدِّيَةِ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ فِي يَمِينِهِ وَمَا عَفَا عَنِ الْقَوَدِ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِيهِ، لِأَنَّ يَمِينَهُ مَوْضُوعَةٌ لِإِثْبَاتِ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ يَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ دُونَ الْقَوَدِ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبْرَأَتْ شَهَادَتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا إِذَا حَلَفَ مَعَهَا
الْقَاتِلُ عَلَى الْعَفْوِ، وَكَانَتْ بَيِّنَةً تَامَّةً فِي الإبراء.
وفي صفة يمين القاتل هاهنا مَعَ شَاهِدِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، وَقَالَهُ أَبُو إِسْحَاقُ الْمَرْوَزِيُّ يَحْلِفُ لَقَدْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ، وَلَا يَذْكُرُ أَنَّهُ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ، لِسُقُوطِ الْقَوَدِ بِإِقْرَارِ الْأَخِ دُونَ شَهَادَتِهِ، وَكَمَا يَحْلِفُ الْأَخُ إِذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ أَخِيهِ أَنَّهُ مَا عَفَا عَنِ الدِّيَةِ وَلَا يَذْكُرُ الْقَوَدَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِنَّهُ يَحْلِفُ الْقَاتِلُ مَعَ شَاهِدِهِ لَقَدْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ تَقُومُ مَقَامَ شَاهِدٍ فَكَانَتْ عَلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَخَالَفَتْ يَمِينَ الْأَخِ، لِاخْتِصَاصِهَا بِإِثْبَاتِ الْمُسْتَحِقِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ وَارِثٌ أَنَّهُ جَرَحَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ أَقْبَلْ لِأَنَّ الْجُرْحَ قَدْ يَكُونُ نَفْسًا فَيَسْتَوْجِبُ بِشَهَادَتِهِ الدِّيَةَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ كُلَّ شَاهِدٍ جَرَّ بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، أَوْ دَفَعَ بِهَا ضَرَرًا، كَانَتْ شهادته مردودة فإذا شهد وارثا المجروح وهم أَخَوَاهُ، أَوْ عَمَّاهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ لَمْ تَخْلُ حَالُ الشَّهَادَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ، لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ بِهَا نَفْعًا وَلَا يَدْفَعَانِ بِهَا ضَرَرًا، سَوَاءٌ أَوَجَبَتِ الْقِصَاصَ أَوِ الدِّيَةَ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ فَلَا تُقْبَلُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا قَدْ تَسْرِي إِلَى نَفْسِهِ فَيَمُوتُ مِنْهَا وَيَصِيرَا الْمُسْتَحِقَّيْنِ لَهَا، فَيَصِيرَا شَاهِدَيْنِ لِأَنْفُسِهِمَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمَجْرُوحَ مَعَ بَقَاءِ الْجِرَاحِ مُتَّهَمٌ.
وَلِوَرَثَةِ الْمَرِيضِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فِي مَالٍ وَمَنْعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ كَاعْتِرَاضِهِمْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَرَضِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا يَسْرِي مِثْلُهُ إِلَى النَّفْسِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا لَهُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا لَهُ عَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ لَهُ وَارِثَاهُ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ كَانَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا لَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِي الدَّيْنِ كَمَا لَا تُقْبَلُ فِي الْجُرْحِ، وَهُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي،
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ إِنَّهَا تُقْبَلُ فِي الدَّيْنِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ
فِي الْجِرَاحِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إِنَّ الدَّيْنَ يَمْلِكُهُ الْمَوْرُوثُ ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى الْوَارِثِ وَالدِّيَةَ يَمْلِكُهَا الْوَارِثُ عَنِ الْجَانِي فَصَارَ فِي الْجِنَايَةِ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَفِي الدَّيْنِ شَاهِدًا لِغَيْرِهِ فَأُمْضِيَتِ شَهَادَتُهُ وَهَذَا مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ السَّارِي، لَمْ يَخْلُ حَالُ الْجُرْحِ مِنْ أَنْ يَسْرِيَ إِلَى النَّفْسِ، أَوْ يَنْدَمِلَ، فَإِنْ سَرَى إِلَى النَّفْسِ اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنِ انْدَمَلَ لَمْ يُحْكَمْ بِالشَّهَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَفِي الْحُكْمِ بِهَا إِنِ اسْتَأْنَفَاهَا بَعْدَ الِانْدِمَالِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِي الْمُسْتَأْنَفِ لِزَوَالِ مَا مَنَعَ مِنْ رَدِّهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِلْحُكْمِ بِرَدِّهَا في الشهادة الأول كَالْفَاسِقِ إِذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَمْ تُقْبَلْ إِذَا ادَّعَاهَا بَعْدَ عَدَالَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ شَهِدَ وَلَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ قَبِلْتُهُ فَإِنْ لَمْ أَحْكُمْ حَتَّى صَارَ وَارِثًا طَرَحْتُهُ وَلَوْ كُنْتُ حَكَمْتُ ثُمَّ مَاتَ مَنْ يَحْجُبُهُ وَرَّثْتُهُ لِأَنَّهَا مَضَتْ فِي حِينٍ لَا يَجُرُّ بِهَا إِلَى نَفْسِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ فِي الْجِرَاحِ اعْتُبِرَتْ بِكَوْنِهِمَا وَارِثَيْنِ عِنْدَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا لِأَنَّهُمَا بِحَالِ التُّهْمَةِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَاخْتَلَفَ حَالُهُمَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ وَبَعْدَهَا فَلَهُمَا حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَا غَيْرَ وَارِثَيْنِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ ثُمَّ يَمُوتُ مَنْ يَحْجُبُهُمَا فَيَصِيرَا وَارِثَيْنِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يصيرا الشاهدين وَارِثَيْنِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ، وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا، فَشَهَادَتُهُمَا مَرْدُودَةٌ لِحُدُوثِ مَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِهَا عِنْدَ الْحُكْمِ بِهَا فَصَارَ كَمَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا حَتَّى فَسَقَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْعَدَالَةِ، لِحُدُوثِ الْفِسْقِ عِنْدَ الْحُكْمِ بِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: يَصِيرَا وَارِثَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا فَهِيَ مَاضِيَةٌ لَا تَنْقَضِي بِحُدُوثٍ مَا تَجَدَّدَ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِهَا، كَمَا لَوْ حُكِمَ بشهادة العدلين ثم فسقا لم ينقضي الْحُكْمُ بِحُدُوثِ فِسْقِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ وَيَحْدُثُ مَنْ يَحْجُبُهُمَا فَيَصِيرَا غَيْرَ وَارِثَيْنِ بَعْدَهَا، فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَهَادَتِهِمَا لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ بِهِمَا فَإِنِ اسْتَأْنَفَاهَا بَعْدَ أَنْ صَارَا غَيْرَ وَارِثَيْنِ فَفِي جَوَازِ قَبُولِهَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي إِعَادَةِ
شَهَادَتِهِمَا بَعْدَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ مِنْ عَاقِلَتِهِ بِالْجُرْحِ لَمْ أَقْبَلْ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ فِي وَقْتِ الْعَقْلِ فَيَكُونُ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ مَا يَلْزَمُهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَجَازَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِذَا كَانَ مِنْ عَاقِلَتِهِ فِي قُرْبِ النَّسَبِ مَنْ يَحْمِلُ الْعَقْلَ حَتَّى لَا يَخْلُصَ إِلَيْهِ الْغُرْمُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ بِجُرْحِهِمَا، فَالْقَتْلُ الْمَشْهُودُ بِهِ ضَرْبَانِ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِجُرْحِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْقَتْلِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ الْعَمْدَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهُ حُكْمٌ فَلَمْ يُتَّهَمُوا فِي الشَّهَادَةِ بِالْجُرْحِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَدْفَعُونَ بِهَا ضَرَرًا وَلَا يَجُرُّونَ بِهَا نَفْعًا وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِهِ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ فِي جُرْحِ الشُّهُودِ، لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ فَلَمْ يُتَّهَمُوا فِي شَهَادَةِ الْجُرْحِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلِ الْقَتْلِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ فِي الْجُرْحِ لِأَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا شَهِدُوا بِجُرْحِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ، دَفَعُوا بِهَا تَحْمِلُ الدِّيَةَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَصَارَ كَشَهَادَةِ الْقَاتِلِ بِجُرْحِهِمْ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ لِدَفْعِهِ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، كَذَلِكَ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ رَدُّ شَهَادَتِهِمْ بِالْجُرْحِ فَهُمْ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا عِنْدَ الشَّهَادَةِ بِوَصْفِ مَنْ يَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ لِوُجُودِ شَرْطَيْنِ: قُرْبُ النَّسَبِ، وَوُجُودُ الْغِنَى فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمَرْدُودُ شَهَادَتُهُمْ بِالْجُرْحِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا عِنْدَ الشَّهَادَةِ بِوَصْفِ مَنْ لَا يَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ وَهُمْ صِنْفَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِفَقْرٍ.
وَالثَّانِي: مَنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِبُعْدِ نَسَبِهِ وَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ نَسَبًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِفَقْرِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِالْجُرْحِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِبُعْدِ نَسَبِهِ وَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِالْجُرْحِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ نَصِّهِ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا أَنْ حَمَلُوا ذَلِكَ فِيهِمَا عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِقُرْبِ نَسَبِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِبُعْدِ نَسَبِهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي بُعْدِ النَّسَبِ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عِنْدَ شَهَادَتِهِمَا بِوَصْفِ مَنْ لَا يَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ فَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِمَا عِنْدَ الشَّهَادَةِ بِالْجُرْحِ تُهْمَةٌ يَجُرَّانِ بِهَا نَفْعًا، أَوْ يَدْفَعَانِ بِهَا ضَرَرًا.
وَالْقَوْلُ الثاني: أنه من لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِبُعْدِ نَسَبِهِ وَلِفَقْرِهِ وَلَا شَهَادَةُ مَنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِبُعْدِ نَسَبِهِ، لِأَنَّهُمَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَا عِنْدَ الْحَوْلِ مِمَّنْ يَتَحَمَّلُهَا لِاسْتِغْنَاءِ الْفَقِيرِ وَمَوْتِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذِي النَّسَبِ الْبَعِيدِ فَيَصِيرَا دَافِعَيْنِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا تَحَمُّلَ الْعَقْلِ بِشَهَادَتِهِمَا فَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ وَالْجَوَابُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِفَقْرِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يَتَحَمَّلُهَا لِبُعْدِ نَسَبِهِ عَلَى ظَاهِرِ نَصِّهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إِنَّ الْفَقِيرَ مَعْدُودٌ مِنَ الْعَاقِلَةِ فِي الْحَالِ، لِقُرْبِ نَسَبِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ لَا يَتَحَمَّلَ الْعَقْلَ عِنْدَ الْحَوْلِ لِبَقَاءِ فَقْرِهِ وَالْبَعِيدُ النَّسَبِ غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَ الْعَقْلَ عِنْدَ الْحَوْلِ، وَبِمَوْتِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ فَافْتَرَقَ مَعْنَاهُمَا فَكَذَلِكَ مَا افْتَرَقَا فِي الشَّهَادَةِ وَجَمَعَ الْمُزَنِيُّ بَيْنَ مَعْنَاهُمَا وَلِذَلِكَ مَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي تَثْبِيتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَتْلِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِذَا كَانَ الْقَوَدُ لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْوَلِيُّ أَوْ يُوَكِّلَهُ بِقَتْلِهِ فَيَكُونُ لَهُ قَتْلُهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَأَعَادَهَا الْمُزَنِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ، ثُمَّ كَرَّرَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ كِتَابِ الْقَسَامَةِ، وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَيْهَا مَعَ تَقَدُّمِ اسْتِيفَائِهَا وَالْوَكَالَةُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَثْبِيتِ الْقِصَاصِ فَتَصِحُّ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَلِأَنَّهَا وَكَالَةٌ فِي إِثْبَاتِ حَقٍّ وَمَنَعَ مِنْهَا أَبُو يُوسُفَ، لِأَنَّهُ حَدٌّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ فَإِذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِقُصُورِ تَصَرُّفِهِ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَكَالَةُ مِنْ تَثْبِيتِ الْقِصَاصِ دُونَ اسْتِيفَائِهِ وَجَوَّزَ لَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى الِاسْتِيفَاءَ، لِمُطْلَقِ الْوَكَالَةِ كَمَا جَوَّزَ لَهُ بِمُطْلَقِهَا فِي الْمَبِيعِ قَبْضَ الثَّمَنَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَإِنِ اقْتَصَّ الْوَكِيلُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فَظَاهِرُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَوَازُ الْوَكَالَةِ وَظَاهِرُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ بُطْلَانُهَا فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ، وَقَدْ شَرَحْنَا كِلَا الطَّرِيقَتَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ فِي الِاسْتِيفَاءِ لَا تَصِحُّ مُنِعَ الْوَكِيلُ مِنَ الْقِصَاصِ، فَإِنِ اقْتَصَّ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ مَعَ فَسَادِ عَقْدِهِ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ الْوَكَالَةِ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَإِنْ عُقِدَتِ الْوَكَالَةُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ صَحَّتْ وَإِنْ عُقِدَتْ قَبْلَ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فَفِي صِحَّتِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ لِعَقْدِهَا قَبْلَ ثُبُوتِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ الْوَكَالَةُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَتْلِ فَصَارَتِ الْوَكَالَةُ مَعْقُودَةً بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَهَكَذَا لَوْ جُمِعَ لَهُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بَيْنَ تَثْبِيتِ الْقِصَاصِ، وَبَيْنَ اسْتِيفَائِهِ، صَحَّتٍ الْوَكَالَةُ فِي إِثْبَاتِهِ، وَفِي صحتها في استيفائه وجهان.
فإذا صَحَّتِ الْوَكَالَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَهَلْ يَلْزَمُ إِحْضَارُ الْمُوكَلِ إِلَى حَيْثُ يَعْلَمُ الْوَكِيلُ أَوِ الْحَاكِمُ بِطَلَبِهِ وَعَفْوِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، يَلْزَمُ حُضُورُهُ إِلَى حَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى الْوَكِيلِ أَوِ الْحَاكِمِ حَالُهُ فِي بَقَائِهِ عَلَى الطَّلَبِ أَوْ حُدُوثِ الْعَفْوِ، لِأَنَّهُ قَوَدٌ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ ظُهُورِ الْقُدْرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُ أَنْ يَقْرُبَ كَمَا لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْضُرَ، لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ بَقَاؤُهُ عَلَى اسْتِيفَاءِ مَا وُكِلَ فِيهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَوَاتُ اسْتِدْرَاكِهِ كَمَا لَمْ يَمْنَعْ مِنَ التَّوْكِيلِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَفِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، مَعَ فَوَاتِ اسْتِدْرَاكِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ رَجُلٍ أَوْ قَطْعِهِ اقْتُصَّ مِنَ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ هَكَذَا يَفْعَلُ وَيُعَزَّرُ الْمَأْمُورُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ السُّلْطَانُ رَجُلًا بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَقَتَلَهُ الْمَأْمُورُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُحِقٌّ فِي قَتْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَرَى قَتْلَ أَحَدٍ ظُلْمًا فَعَلَى السُّلْطَانِ الْآمِرِ الْقَوَدُ، دُونَ الْمَأْمُورِ الْقَاتِلِ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ كَالْآلَةِ لِالْتِزَامِهِ طَاعَةَ سُلْطَانِهِ، وَالسُّلْطَانُ هُوَ الْقَاتِلُ لِنُفُوذِ أَمْرِهِ، وَلَا تَعْزِيرَ عَلَى الْمَأْمُورِ، لِأَنَّهُ أَطَاعَ فِيمَا ظَاهِرُهُ حَقٌّ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ مُخْتَلَفًا فِي اسْتِحْقَاقِهِ، كَقَتْلِ المسلم بالكافر،
وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ فَيَعْتَقِدُ السُّلْطَانُ الْآمِرُ وُجُوبَهُ، لِمَا أداه اجتهاده إليه، ويعتقد المأمور سقوطه لما يَعْتَقِدُهُ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَكِنْ يُعَزَّرُ الْمَأْمُورُ لِإِقْدَامِهِ عَلَى قَتْلٍ يَعْتَقِدُ حَظْرَهُ، وَإِنْ سَقَطَ الْقَوَدُ بِاجْتِهَادِهِ كَالْآمِرِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ مَحْظُورًا وَدَمُ المقتول محقونا والمأمور عالم بِظُلْمِهِ إِنْ قَتَلَ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْآمِرِ إِكْرَاهٌ لِلْمَأْمُورِ، فَالْقَوَدُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَأْمُورِ دُونَ الْآمِرِ لِمُبَاشَرَتِهِ لِقَتْلِ مَظْلُومٍ بِاخْتِيَارِهِ وَيُعَزَّرُ الْآمِرُ تَعْزِيرَ مِثْلِهِ لِأَمْرِهِ بِقَتْلٍ هُوَ مَأْمُورٌ بِمَنْعِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْآمِرِ إِكْرَاهٌ لِلْمَأْمُورِ صَارَ بِهِ الْآمِرُ قَاهِرًا وَالْمَأْمُورُ مَقْهُورًا فَالْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ الْقَاهِرِ وَاجِبٌ، وَلَا تَمْنَعُ وِلَايَتُهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ مِنْ إِعْفَاءِ الْوُلَاةِ من القصاص، لأن لا يَنْتَشِرَ بِالِاقْتِصَاصِ مِنْهُمْ فَسَادٌ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْحُدُودَ وَالْحُقُوقَ يَسْتَوِي فِيهَا الشَّرِيفُ وَالْمَشْرُوفُ، وَالْوَالِي وَالْمَعْزُولُ، وَقَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِعْطَاءِ الْحَقِّ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ يَتَوَلَّى أَخْذَ الْحُقُوقِ لِغَيْرِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44] وَيَكُونُ الْقَهْرُ مِنْ هَذَا الْآمِرِ فِسْقًا وَهَلْ يَنْعَزِلُ بِهِ عَنْ إِمَامَتِهِ أَمْ لَا؟ على وجهين:
أحدهما: ينعزل لأن العدالة شرطا فِي عَقْدِ إِمَامَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْعَزِلُ بِهِ حَتَّى يَعْزِلَهُ أَهْلُ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ، إِنْ أقام على حاله وهم يَتُبْ عِنْدَ اسْتِتَابَتِهِ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ انْعَقَدَتْ بِهِمْ فَلَمْ يَنْعَزِلْ عَنْهَا إِلَّا بِهِمْ، فَأَمَّا الْمَأْمُورُ الْمَقْهُورُ فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ - قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إِحْيَاءَ نَفْسِهِ بِقَتْلِ غَيْرِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّتِهِ، فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ أن الإكراه شبهة يدرأ به الْحُدُودُ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ نِصْفُهَا، لِأَنَّهُ أَحَدُ قَاتِلَيْنِ، لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ وَلَا تُدْفَعُ بِهَا الْحُقُوقُ، وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ، أَنَّ الْإِكْرَاهَ إِلْجَاءٌ وَضَرُورَةٌ يَنْقِلُ حُكْمَ الْفِعْلِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ إِلَى الَأَمْرِ فَعَلَى هَذَا لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(بَابُ الْحُكْمِ فِي السَّاحِرِ إِذَا قَتَلَ بِسِحْرِهِ)
أَصْلُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.
.﴾ [البقرة: 102] الْآيَةَ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِيهَا وَمَا احْتَمَلَهُ تَأْوِيلُ مَعَانِيهَا لِيَكُونَ حُكْمُ السِّحْرِ مَحْمُولًا عَلَيْهَا.
أَمَّا قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ فيه وجهان:
أحدها: ما تدعي.
والثاني: ما تقرأ وفيما تتلوه وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: السِّحْرُ.
وَالثَّانِي: الْكَذِبُ عَلَى سُلَيْمَانَ وفي الشياطين هاهنا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَهُوَ الْمُطْلَقُ مِنْ هَذَا الِاسْمِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ الْمُتَمَرِّدُونَ فِي الضَّلَالِ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
(" أَيَّامَ يدعونني الشيطان من غزلى ... وكن يهونني إذا كُنْتُ شَيْطَانَا))
وَفِي قَوْله تَعَالَى عَلَى مُلْكِ سليمان وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَعْنِي فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ لَمَّا كَانَ مَلِكًا حَيًّا وَتَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى فِي.
وَالثَّانِي: عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، بَعْدَ وَفَاتِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ آلَاتِ مُلْكِهِ وَيَكُونُ عَلَى مُسْتَعْمَلًا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كفروا﴾ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَعْنِي وَمَا سَحَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ سَحَرُوا فَعَبَّرَ عَنِ السِّحْرِ بِالْكُفْرِ، لِأَنَّهُ يؤول إليه.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ عَلَى حَقِيقَةِ الْكُفْرِ، لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكْفُرْ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ السِّحْرُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ وَيَسْتَخْرِجُونَ السِّحْرَ فَأَطْلَعَ اللَّهُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ وَدَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ دَلُّوا عَلَيْهِ الْإِنْسَ وَنَسَبُوهُ إِلَى سُلَيْمَانَ وَقَالُوا بِسِحْرِهِ هَذَا سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيَاحُ وَالشَّيَاطِينُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الشَّيَاطِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ دَفَنُوا سِحْرَهُمْ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ نَسَبُوهُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَةِ الْكُفْرِ، فَفِيمَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﴿وما كفر سليمان﴾ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَفَرَ بِالسِّحْرِ.
وَالثَّانِي: مَا كَفَرَ بِمَا حَكَاهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَسْخِيرِ الرِّيَاحِ وَالشَّيَاطِينِ لَهُ، وَفِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تعالى ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَفَرُوا بِمَا اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ السِّحْرِ
وَالثَّانِي: كَفَرُوا بِمَا نَسَبُوهُ إِلَى سُلَيْمَانَ مِنَ السحر ثم قال: ﴿يعملون الناس السحر﴾ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ أَعْلَمُوهُمْ وَلَمْ يُعَلِّمُوهُمْ فَيَكُونُ مِنَ الْإِعْلَامِ لَا مِنَ التَّعْلِيمِ وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِمْ تَعَلَّمُ بِمَعْنَى أَعْلَمَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
(تَعَلَّمْ أَنَّ بَعْدَ الْغَيِّ رُشْدًا ... وَأَنَّ لِذَلِكَ الْغَيِّ انْقِشَاعَا)
وَالثَّانِي: إِنَّهُ التَّعْلِيمُ الْمُسْتَعْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَفِي تَعْلِيمِهِمْ لِلنَّاسِ السِّحْرَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمْ أَلْقَوْهُ فِي قُلُوبِهِمْ فَتَعَلَّمُوهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمْ دَلُّوهُمْ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ تَحْتِ الْكُرْسِيِّ فَتَعَلَّمُوهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الملكين﴾ وجهان:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا مَلَكَانِ مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ قَالَهُ مَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمَا مَلِكَانِ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ قَالَهُ مَنْ قَرَأَ بِالْكَسْرِ وَفِي ما هاهنا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَتَقْدِيرُهُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا بِمَعْنَى النَّفْيِ، وَتَقْدِيرُهُ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمَلِكَيْنِ، بِبَابِلَ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا أَرْضُ الْكُوفَةِ وَسَوَادُهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ حِينَ تَبَلْبَلَتِ الْأَلْسُنُ بِهَا.
وَالثَّانِي: إِنّهَا من نصيبين إلى رأس العين، وهاروت وَمَارُوتَ فِيهِمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا اسْمَانِ لِلْمَلَكَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمَا اسْمَانِ لِشَخْصَيْنِ غَيْرِ الْمَلَكَيْنِ وَفِيهِمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنّهُمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْمُ أَحَدِهِمَا هَارُوتُ وَالْآخَرِ مَارُوتُ - قَالَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مَنْ قِبَلِهِمَا مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمَا مِنْ نَاسِ الْأَرْضِ، اسْمُ أَحَدِهِمَا هَارُوتُ وَالْآخَرِ مَارُوتُ مِنْ أَهْلِ الْحِيَلِ، قَالَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُمَا مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ - فَفِي سَبَبِ هُبُوطِهِمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: اخْتِبَارُ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ عُصَاةِ الْأَرْضِ فَأُهْبِطَ مِنْهُمْ هَارُوتُ وَمَارُوتُ فِي صُورَةِ الْإِنْسِ فَأَقْدَمَا عَلَى الْمَعَاصِي وَتَعْلِيمِ النَّصِيحَةِ وَهَذَا يُسْتَبْعَدُ فِي الْمَلَائِكَةِ الْمَعْصُومِينَ مِنَ الْمَعَاصِي لَكِنْ قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فَذَكَرْتُهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْبَطَهُمَا لِيَنْهَيَا النَّاسَ عَنِ السِّحْرِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمَا من ناس الأرض ففيهما وجهان - انهما كانا مؤمنين، وقيل كان نَبِيَّيْنِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ نَهَيَا عَنِ الْكُفْرِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ وَلِذَلِكَ عَلَّمَا السِّحْرَ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة﴾ - فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ.
وتقديره: لا يعلمان أحد السِّحْرَ فَيَقُولَانِ - إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى مَنِ انْتَفَتْ عَنْهُ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْمَلَكَيْنِ أَوْ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ إِثْبَاتٌ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرُ فَعَلَى هَذَا فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَنْ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْمَلَكَيْنِ وَمِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فتنة﴾ ي شَيْءٌ عَجِيبٌ مُسْتَظْرَفُ الْحُسْنِ كَمَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ فِتْنَةٌ وَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فَلا تَكْفُرْ أَيْ فَلَا تَكْفُرْ بِمَا جِئْنَاكَ بِهِ وَتَطْرَحْهُ بَلْ صَدِّقْ بِهِ وَاعْمَلْ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَنِ انْتَفَتْ مِنْهُ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْمَلَكَيْنِ أَوْ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ فَعَلَى هَذَا هَلْ لِمَلَائِكَةِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ تَعْلِيمُ النَّاسِ السِّحْرَ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُمْ تَعْلِيمُ النَّاسِ السِّحْرَ لِيَنْهَوْا عَنْهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهِ لِأَنَّهُمْ إِذَا جَهِلُوهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الِاجْتِنَابِ مِنْهُ كَالَّذِي لَا يَعْرِفُ الْكُفْرَ لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُمْ تَعْلِيمُ السِّحْرَ وَلَا إِظْهَارُهُ لِلنَّاسِ لِمَا فِي تَعْلِيمِهِ مِنَ الْإِغْرَاءِ بِفِعْلِهِ، وَقَدْ كَانَ السِّحْرُ فَاشِيًا تَعَلَّمُوهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ فَاخْتَصَّ الْمَلَكَانِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ إِنَّمَا نحن فتنة أَيِ اخْتِبَارٌ وَابْتِلَاءٌ وَفِي قَوْلِهِ فَلا تَكْفُرْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: فَلَا تَكْفُرْ بِالسِّحْرِ.
وَالثَّانِي: فَلَا تَكْفُرْ بِتَكْذِيبِكَ لِنَهْيِ اللَّهِ عَنِ السِّحْرِ ثُمَّ قال: ﴿فيتعلمون منهما﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.
وَالثَّانِي: مِنَ السَّحَرَةِ وَالْكَفَرَةِ ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وزوجه﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا بِالسِّحْرِ الَّذِي تعلمون.
وَالثَّانِي: يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا بِالْكُفْرِ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ بِالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ مُفَرِّقٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كَالرِّدَّةِ، ثُمَّ قال تعالى ﴿وما هم بضارين به﴾ من يَعْنِي بِالسِّحْرِ ﴿مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ الله﴾ ، فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: بِعِلْمِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: 102] يَعْنِي يَضُرُّهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لمن اشتراه﴾ يعني السحر بما يبذله للساحر ﴿ماله في الآخرة من خلاق﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ نَصِيبٍ.
وَالثَّانِي: مِنْ دين.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَحْكَامُ السِّحْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى السِّحْرِ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ إِخْفَاءُ الْخِدَاعِ وَتَدْلِيسُ الْأَبَاطِيلِ وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ.
(أَرَانَا مُوضِعِينَ لِأَمْرِ غَيْبٍ ... وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ)
أَيْ نُخْدَعُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا نُسَمِّي السِّحْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْعَضَهَ وَالْعَضَهُ - شِدَّةُ الْبُهْتِ وَتَمْوِيهُ الْكَذِبِ.
وَأَنْشَدَ الْخَلِيلُ:
(أعوذ بربي من النفاثات ... وَمِنْ عَضَهِ الْعَاضِهِ الْمُعْضَهِ)
وَالْكَلَامُ فِي السِّحْرِ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِي حَقِيقَةِ السِّحْرِ.
وَالثَّانِي: فِي تَأْثِيرِ السِّحْرِ.
وَالثَّالِثُ: فِي حُكْمِ السِّحْرِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَةِ السِّحْرِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَكَثِيرٌ مِنَ المتكلمين أنه لَهُ حَقِيقَةً وَتَأْثِيرًا وَذَهَبَ مُعْتَزِلَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمَغْرِبِيُّ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - إِلَى أَنْ لَا حَقِيقَةَ لِلسِّحْرِ وَلَا تَأْثِيرَ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ وَتَمْوِيهٌ كَالشَّعْبَذَةِ لا تحدث في المسحور إلا التوهم وللاستشعار اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنِ وَمُوسَى ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أنها تسعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: 66، 67] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ تَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا فِيمَا مَثَّلُوهُ بِالْحَيَّاتِ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ زِئْبَقًا وَاسْتَقْبَلُوا بِهَا مَطْلِعَ الشَّمْسِ فَلَمَّا حَمِيَ بِهَا سَاحَ وَسَرَى فَسَرَتْ تِلْكَ الْحِبَالُ كَالْحَيَّاتِ السَّارِيَةِ وَمَعْلُومٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ تَخْيِيلٌ بَاطِلٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةٌ لَخَرَقَ الْعَادَاتِ، وَبَطَلَ بِهِ الْمُعْجِزَاتُ وَزَالَتْ دَلَائِلُ النُّبُوَّاتِ وَلَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالسَّاحِرِ، وَبَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَفِي هَذَا دَفْعٌ لِأُصُولِ الشَّرَائِعِ وَإِبْطَالُ
الْحَقَائِقِ وَمَا أَدَّى إِلَى هَذَا فَهُوَ مَدْفُوعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً وَتَأْثِيرًا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْآيَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعَ اخْتِلَافِ مَا تَضَمَّنَهَا مِنَ التَّأْوِيلِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ لَأَبَانَ فَسَادَهُ وَلَذَكَرَ بُطْلَانَهُ، وَلَمَا كَانَ لِلنَّهْيِ عنه موقعاً وفي هذا رداً لِمَا نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ فَكَانَ مَدْفُوعًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4] .
وَالنَّفَّاثَاتُ السَّوَاحِرُ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ يَنْفُثْنَ فِي عُقَدِ الْخَيْطِ لِلسِّحْرِ.
رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ مِنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسِّحْرِ تَأْثِيرٌ لَمَا أُمِرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ وَلَكَانَ السِّحْرُ كَغَيْرِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اشْتَكَى شَكْوَى شَدِيدَةً فَبَيْنَمَا هُوَ كَالنَّائِمِ وَالْيَقِظَانِ إِذَا مَلَكَانِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا مَا شَكْوَاهُ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ أَيْ مَسْحُورٌ وَالطِّبُّ السِّحْرُ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ الْيَهُودِيُّ وَطَرَحَهُ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِيهَا.
فَبَعْثَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا وَتَرًا فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأَمَرَ بِحَلِّ الْعُقَدِ فَكَانَ كُلَّمَا حَلَّ عُقْدَةً وَجَدَ رَاحَةً حَتَّى حُلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ.
فَنَزَلَتْ عليه المعوذتان وهما إحدى عشر آيَةً بِعَدَدِ الْعُقَدِ، وَأُمِرَ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهِمَا وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهُ وَتَتَّفِقُ مَعَانِيهِ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَكَثَ أَيَّامًا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ فَاسْتَيْقَظَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَالَ يَا عَائِشَةُ قَدْ أَفْتَانِي رَبِّي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي رَجُلَانِ فِي الْمَنَامِ وَذَكَرَتْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ.
وَإِذَا أَثَّرَ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ فَعَلَ، وَأَثَّرَ فِيهِ حِينَ نَشِطَ مَعَ مَا عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُؤَثِّرَ فِي غَيْرِهِ فَإِنْ قِيلَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَعْصُومٌ مِنَ السِّحْرِ لِمَا فِي اسْتِمْرَارِهِ مِنْ خَلَلِ الْعَقْلِ وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَالَ فِي رَسُولِهِ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: 8] قِيلَ عِصْمَةُ الرَّسُولِ مُخْتَصَّةٌ بِعَقْلِهِ وَدِينِهِ وَهُوَ فِي الْمَرَضِ كغيره من الناس وقد سم يَهُودُ خَيْبَرَ ذِرَاعًا مَشْوِيَّةً وَقُدِّمَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَكَلَ مِنْهَا وَمَرِضَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فَكَانَ يَقُولُ مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَادُّنِي فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي فَكَانَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ - وَلَمَّا أَجْرَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ حِينَ قَرَأَ في سورة النجم ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومنوة الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: 19، 20] تِلْكَ