كِتَابُ الْبُيُوعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالثَّانِي: لَا يَرُدُّهَا بِهَذَا الْعَيْبِ وَيَرْجِعْ بِأَرْشِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَمْنَعُ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْرِيقِ بَعْضِ الصَّفْقَةِ مِنْ فَسْخِ بَعْضِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُكْمُ الرِّضَا بَعْدَ الْعَقْدِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَمْ تَكُنْ قَدْ أَوْجَبَتْ لُزُومَ النَّقْصِ.
فَصْلٌ:
فلم اشْتَرَى شَاةً غَيْرَ مُصَرَّاةٍ فَكَانَ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ فَحَلَبَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا جَازَ أَنْ يَرُدَّهَا بِهِ، لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِيهِ لِأَنَّ مَا كَانَ فِي الضَّرْعِ غَيْرُ مَقْصُودٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ، وَعَلَيْهِ إِذَا رَدَّهَا بِالْعَيْبِ أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا قِيمَةَ ذَلِكَ اللَّبَنِ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ صَاعٍ لِأَنَّ الصَّاعَ عِوَضٌ عَنْ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مُصَرَّاةٌ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِهِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
باب الرد بالعيب
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ أَنَّهُ ابْتَاعَ غُلَامًا فَاسْتَغَلَّهُ ثُمَّ أَصَابَ بِهِ عَيْبًا فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِرَدِّهِ وَغَلَّتِهِ فَأَخْبَرَ عُرْوَةُ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ فَرَدَّ عُمَرُ قَضَاءَهُ وَقَضَى لِمَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ برد الخراج (قال الشافعي) فبهذا نأخذ فما حدث في ملك المشتري من غلة ونتاج ماشية وولد أمة فكله في معنى الغلة لا يرد منها شيئا ويرد الذي ابتاعه وحده إن لم يكن ناقصا عما أخذه به ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى وَقِيلَ: هُوَ مَنْ عَرَفَ ثِقَتَهُ وَتَسَمَّى اسْمَهُ، وَقِيلَ: بَلْ هُمْ جَمَاعَةٌ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمْ بِالذِّكْرِ فَكَنَّى عَنْهُمْ، فَإِذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ شَيْئًا فَاسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَعِيبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ فَإِنْ كَانَتِ الْغَلَّةُ مَنَافِعَ كَالسُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمَنَافِعِ لَهُ وَإِنْ كَانَتِ الْغَلَّةُ أَعْيَانًا كَالنَّتَاجِ وَالثِّمَارِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَرُدُّ الْأَصْلَ بِعَيْنِهِ وَيُمْسِكُ مَا حَدَثَ بِيَدِهِ مِنَ النَّتَاجِ وَالثِّمَارِ لِنَفْسِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَجُوزُ لَهُ الرَّدُّ لِأَجْلِ مَا حَدَثَ بِيَدِهِ مِنَ الثِّمَارِ وَيَرْجِعُ بِالْأَرْشِ وَقَالَ مَالِكٌ: يَرُدُّ الْأَصْلَ وَيَرُدُّ مَعَهُ مِنَ النَّمَاءِ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ كَالنَّتَاجِ وَلَا يُرَدُّ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ كَالثِّمَارِ.
وَاسْتَدَلَّ أبو حنيفة عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصِلِهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَبْرًا بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ وَلَا يَكُونُ قَطْعًا لِلْمِلْكِ فِي الْحَالِ بِدَلِيلِ أَنْ لَا تَجِبَ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَرَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ يُوجِبُ رَدَّ النَّمَاءِ فَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ النَّمَاءِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرَّدُّ وَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النَّمَاءِ الْمُن
ْفَصِلِ
وَالنَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ فَقَالُوا: لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ نَفْسِ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ دُونَ النَّمَاءِ كَالْكِبَرِ وَالسِّمَنِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الْوَلَدَ قَبْلَ انْفِصَالِهِ بِمَنْزِلَةِ أَعْضَائِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا فَانْفِصَالُهُ عَنْهَا يَمْنَعُ مِنَ الرَّدِّ كَانْفِصَالِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ النِّتَاجَ وَلَا يَرُدُّ الثَّمَرَةَ، فَإِنَّ النِّتَاجَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمِّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَّا بِبَعْضِ أَجْزَائِهَا وَلَيْسَتِ الثَّمَرَةُ مِنْ أَجْزَاءِ النَّخْلَةِ فَجَازَ أَنْ يَرُدَّهَا دُونَ ثمرتها
وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ، وَالْخَرَاجُ اسْمٌ لِمَا خَرَجَ مِنَ الشَّيْءِ مِنْ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ بَقَاءِ الشَّيْءِ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ مَعَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَلِأَنَّهَا فَائِدَةٌ حَدَثَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَوَجَبَ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قِيَاسًا عَلَى كَسْبِ الْعَبْدِ وَلِأَنَّ الْفَسْخَ بِالْعَيْبِ قَطْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِ الرَّدِّ وَلَيْسَ رَفْعٌ لَهُ مِنَ الْأَصْلِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَسْخَ قَدْ يَكُونُ بِالْإِقَالَةِ كَمَا يَكُونُ بِالْعَيْبِ، ثُمَّ كَانَ الْفَسْخُ بِالْإِقَالَةِ قَطْعًا لِلْمِلْكِ وَلَمْ يَكُنْ رَفْعًا لَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ مِثْلَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَسْخَ بِالْعَيْبِ لَوْ كَانَ رَفْعًا لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ لَأَبْطَلَ حَقَّ الشَّفِيعِ فَلَمَّا لَمْ يُبْطِلْ حَقَّ الشَّفِيعِ بِالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ بِالْعَيْبِ قَطْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِ الرَّدِّ وَلَيْسَ بِرَافِعٍ مِنَ الْأَصْلِ، فَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَيْنِ أَنَّ الْفَسْخَ لَا يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ ثَبَتَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ النَّمَاءَ الْحَادِثَ فِي مِلْكِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ فَسْخِ عَقْدِهِ كَالْإِقَالَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ رَافِعٌ لِلْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ فِيهِ فَهُوَ أَنَّهُ فَاسِدٌ بِالْإِقَالَةِ وَلَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَلَيْسَ بِرَافِعٍ لِلْعَقْدِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْكِبَرِ وَالسِّمَنِ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مِنْ نَفْسِ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الرد بالعيب كالطول والسمن ثم يقال المعنى فِي الطُّولِ وَالسِّمَنِ اتِّصَالُهُ وَفِي النَّتَاجِ انْفِصَالُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ انْفِصَالَ الْوَلَدِ كَانْفِصَالِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَالْمَعْنَى فِي انْفِصَالِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ أَنَّهَا عَيْبٌ يُوكِسُ الثَّمَنَ فَمُنِعَتْ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَانْفِصَالُ الْوَلَدِ لَيْسَ بِعَيْبٍ يُوكِسُ الثَّمَنَ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ النَّتَاجَ مِنْ أَجْزَاءِ أَصْلِهِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ فَعَكْسُهُ لَازَمٌ لِأَنَّ النَّتَاجَ مُنْفَصِلٌ وَالثَّمَرَةَ مُتَّصِلَةٌ، فَلَوْ جَازَ رَدُّ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَكَانَ رَدُّ الْمُتَّصِلِ مِنَ الثِّمَارِ أَوْلَى مِنْ رَدِّ الْمُنْفَصِلِ مِنَ النَّتَاجِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ تَعْلِيلِهِ وَوَهَاءِ أَصْلِهِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَ مَا حَدَثَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي مِنَ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ، وَكَانَ قَدِ اشْتَرَى شَاةً حَامِلًا فَوَضَعَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا أَرَادَ رَدَّهَا بِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْوِلَادَةُ قَدْ نَقَصَتْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ وَرَجَعَ بِالْأَرْشِ وَإِنْ لَمْ تُنْقِصْهَا الْوِلَادَةُ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْحَمْلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ رَدَّهُ مَعَهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ كَانَ تَنَاوَلَهُمَا وَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْحَمْلَ بَيْعٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ مَعَهَا لِأَنَّهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ لَا يَكُونُ تَبَعًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرُدُّهُ مَعَ الْأُمِّ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهَا حِينَ كَانَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، أَلَّا تَرَى لَوْ كَانَ عَلَيْهَا صُوفٌ حِينَ اشْتَرَاهَا فَجَزَّهُ ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْبٍ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا جَزَّ مِنْ صُوفِهَا، فَلَوْ كَانَ قَدِ اشْتَرَى
شَاةً حَايِلًا فَحَمَلَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا بِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ مُوكِسًا فِي ثَمَنِهَا أَوْ مُخَوَّفًا عَلَيْهَا فِي وِلَادَتِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ وَرَجَعَ بِالْأَرْشِ وَإِنْ لَمْ يُوكِسْهَا فِي ثَمَنِهَا وَلَمْ يَكُنْ مُخَوَّفًا عَلَيْهَا فِي وِلَادَتِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ وَرَجَعَ بِالْأَرْشِ وَإِنْ لَمْ تُوكَسْ فِي ثَمَنِهَا وَلَمْ يَكُنْ مُخَوَّفًا عَلَيْهَا فِي وِلَادَتِهَا رَدَّهَا حَامِلًا، فَإِذَا وَضَعَتْ وَلَدَهَا فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْحَمْلَ يَكُونُ تَبَعًا كَانَ الْوَلَدُ لِلْبَائِعِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْحَمْلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَيْضًا لِاتِّصَالِهِ بِالْأُمِّ عِنْدَ الرَّدِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَقْيَسُ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ، لِحُدُوثِهِ فِي مِلْكِهِ وَغَيْرُهُ فِي حُكْمِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي حَبَسَ الشَّاةَ الْمَعِيبَةَ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ حَبَسَهَا لَأَخْذِ مِلْكِهِ مِنْهَا وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ حَبَسَهَا وَلَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ فِي مَسَائِلِهِ الْمَنْثُورَةِ أَنَّ رَجُلًا لَوِ اشْتَرَى غَنَمًا بِعَشَرَةِ أَقْسَاطٍ مِنْ لَبَنٍ وَصُوفٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَلَمْ يَتَقَاضَاهَا حَتَّى احْتَلَبَ الْبَائِعُ مِنْهَا عَشَرَةَ أَقْسَاطٍ مِنْ لَبَنٍ، ثُمَّ مَاتَتِ الْغَنَمُ أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَيَأْخُذُ مِنَ الْبَائِعِ مَا احْتَلَبَتْ مِنَ اللَّبَنِ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ تَلَفَ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَيُوجِبُ سُقُوطَ الثَّمَنِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ملك النماء والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ثَيِّبًا فَوَطِئَهَا فَالْوَطْءُ أَقَلُّ مِنَ الْخِدْمَةِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ وَطْءُ الْمُشْتَرِي لِلْأَمَةِ الثَّيِّبِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ رَدِّهَا بِالْعَيْبِ وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة وَطْؤُهُ مَانِعٌ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَرْجِعُ بِالْأَرْشِ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا عُقْرَهَا وَهُوَ الْمَهْرُ وَرُوِيَ بِنَحْوِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَعُقْرُهَا إِنْ كَانَتْ بِكْرًا عُشْرُ قِيمَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا نِصْفُ الْعُشْرِ " وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَعَلَ الْوَطْءَ مَانِعًا مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِأَنَّهُ وَطْءٌ وَيَكْمُلُ بِهِ الْمَهْرَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُهُ مِنَ الْمُشْتَرِي مَانِعًا مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قِيَاسًا عَلَى وَطْءِ الْبِكْرِ قَالُوا: وَلِأَنَّ الْوَطْءَ كَالْجِنَايَةِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ.
وَالثَّانِي: أنه لا ينفك من وجوب ماله أَوْ وُجُوبِ حَقٍّ فِي بَدَنٍ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ.
فَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَيْنِ أَنَّهُ كَالْجِنَايَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الرَّدِّ كَالْعَيْبِ كَالْجِنَايَةِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَنَّ الْوَطْءَ أَقَلُّ مِنَ الْخِدْمَةِ لِأَنَّ الْوَطْءَ يلد ويطرب والخدمة تكدر وتعب فَلَمَّا جَازَ لَهُ الرَّدُّ مَعَ مَا أَكَدَّ وأتعب فأولى أن يجوز مع ما ألد وَأَطْرَبَ وَقَدْ يَتَحَرَّرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ قِيَاسًا فَيُقَالُ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْعَيْنِ وَالْقِيمَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنَ الرَّدِّ كَالْخِدْمَةِ وَلِأَنَّ وَطْءَ الْأَجْنَبِيِّ بِالزِّنَا كَرْهًا أَغْلَظُ مِنْ وَطْءِ الْمُشْتَرِي بِالْمِلْكِ طَوْعًا فَلَمَّا كَانَ زِنَا الْأَجْنَبِيِّ بِهَا لَا يُمْنَعُ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَوَطْءُ الْمُشْتَرِي أَحْرَى أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ لَمْ يَتَضَمَّنْ إِتْلَافًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قِيَاسًا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَلِأَنَّهَا أَوْلَى لَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ لَمْ يَكُنْ وَطْءُ الزَّوْجِ مَانِعًا لِلْمُشْتَرِي مِنَ الرَّدِّ فَوَطْءُ الْمُشْتَرِي أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَهُ مِنَ الرَّدِّ كَالزَّوْجِ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ وَطْءٌ لَوْ كَانَ حَرَامًا، لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الرَّدِّ فَأَوْلَى إِذَا كَانَ حَلَالًا أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنَ الرَّدِّ كَالزَّوْجِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْنًى لَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ وَجَبَ إِذَا كَانَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَمْنَعَهُ مِنَ الرَّدِّ كَالْقُبْلَةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا لو وطأت فِي يَدِ الْبَائِعِ بِشُبْهَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ فَكَذَلِكَ إِذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْبًا يَمْنَعُهُ مِنَ الرَّدِّ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى وَطْءِ الْبِكْرِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ نَقْصٌ يُوكِسُ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّيِّبُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْوَطْءَ كَالْجِنَايَةِ فَغَلَطٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِنَايَةَ نَقْصٌ يُوكِسُ الْقِيمَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَطْءُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِنَايَةَ لَمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهَا فِي وُجُودِهَا مِنَ الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَاخْتَلَفَ عِنْدَهُمْ وَطْءُ الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ دَلَّ عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمِهَا وَاللَّهُ أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَافْتَضَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا نَاقِصَةً كَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهَا نَاقِصَةً وَيَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مَعِيبَةً وَصَحِيحَةً مِنَ الثَّمَنِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا كَانَتِ الْجَارِيَةُ الْمَعِيبَةُ بِكْرًا فَافْتَضَّهَا الْمُشْتَرِي وَأَذْهَبَ بَكَارَتَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا مَعِيبَةً فَأَرَادَ رَدَّهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ إِذْهَابَ الْبَكَارَةِ نَقْصٌ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْبَدَنِ.
وَالثَّانِي: فِي الثَّمَنِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ لِيَصِيرَ إِلَى بَدَلِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ وَاعْتِبَارُ الْأَرْشِ أَنْ تَقُومَ الْجَارِيَةُ وَهِيَ لَا عَيْبَ بِهَا فِي أَوَّلِ حَالَتِهَا فِيهِ من
وَقْتِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ إِنْ حَدَثَ بِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ نَقْصٌ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ وَإِنَّ حَدَثَ زِيَادَةٌ كَانَتْ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي وَلِذَلِكَ وَجَبَ تَقْوِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْحَالَيْنِ قِيمَةً فَإِذَا قِيلَ قِيمَتُهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ بَكْرًا لَا عَيْبَ بِهَا مِائَةُ دِينَارٍ قُوِّمَتْ بِكْرًا وَبِهَا ذَلِكَ الْعَيْبُ فَإِذَا قِيلَ قِيمَتُهَا تِسْعُونَ دِينَارًا كَانَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ النَّقْصِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَهِيَ عُشْرُ الْقِيمَةِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ وَلَا يَرْجِعُ بِعُشْرِ الْقِيمَةِ لِأَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثمن وما زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ أَوْ نَقَصَ فَلَوْ كَانَ الْأَرْشُ مُعْتَبَرًا مِنَ الْقِيمَةِ لَكَانَ رُبَّمَا اسْتَوْعَبَ الثَّمَنَ إِنْ كَانَ نَاقِصًا أَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إِنْ كَانَ زَائِدًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جَمِيعُ الْمَبِيعِ فِي مُقَابَلَةِ جَمِيعِ الثَّمَنِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَجْزَاؤُهُ النَّاقِصَةُ فِي مُقَابَلَةِ أَجْزَاءِ الثَّمَنِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ قَدْرُ الثَّمَنِ فَإِنْ كَانَ خَمْسِينَ دِينَارًا رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِعُشْرِهَا وَذَلِكَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ كَانَ مِائَتَيْ دِينَارٍ رَجَعَ بِعُشْرِهَا وَذَلِكَ عِشْرُونَ دِينَارًا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْأَرْشِ مَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ فِي أَرْشِ كُلِّ عَيْبٍ، فَلَوِ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ دَفْعِ الْأَرْشِ وَقَالَ أَنَا أَسْتَرِدُّ الْجَارِيَةَ ثَيِّبًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَقِيلَ لِلْمُشْتَرِي لَا أَرْشَ لَكَ وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ بِالْعَيْبِ لِأَنَّنَا مَنَعْنَا مِنَ الرَّدِّ عَلَى البائع لأن لا يَلْحَقَهُ نَقْصٌ وَأَوْجَبْنَا لِلْمُشْتَرِي الْأَرْشَ لِيَسْتَدْرِكَ بِهِ الْعَيْبَ فَإِذَا رَضِيَ الْبَائِعُ بِقَبُولِ الْعَيْبِ بَطَلَ الْأَرْشُ وَوَجَبَ الرَّدُّ إِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي وَلَكِنْ لَوِ اسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ فَبَذَلَ الْبَائِعُ الْأَرْشَ لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِي قَبُولُهُ وَكَانَ لَهُ الرَّدُّ وَلَوْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي الْأَرْشَ لَمْ يَلْزَمِ الْبَائِعَ بَذْلُهُ وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي الْإِمْسَاكُ أَوِ الرَّدُّ وَلَوْ تَرَاضَيَا جَمِيعًا عَلَى دَفْعِ الْأَرْشِ بَدَلًا مِنَ الرَّدِّ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّ رَدُّهُ ثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ إِلَى الْأَرْشِ لِأَنَّهُ إِسْقَاطُ خِيَارٍ بِعِوَضٍ كَمَا لَوْ أُسْقِطَ خِيَارُ الثَّلَاثِ، وَخِيَارُ الشُّفْعَةِ بِعِوَضٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ سُرَيْجٍ إِنَّهُ جَائِزٌ لِأَنَّ الْعَيْبَ قَدْ يُوجِبُ تَارَةً الرَّدَّ وَتَارَةً الْأَرْشَ فَلَمَّا جَازَ الرَّدُّ مَعَ اسْتِحْقَاقِ الْأَرْشِ اقْتَضَى أَنْ يَجُوزَ الْأَرْشُ مَعَ اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ وَلَا يُشْبِهُ خِيَارَ الثَّلَاثِ وَالشُّفْعَةَ لِأَنَّهُمَا لَا يَرْجِعَانِ إِلَى بَدَلِهِ وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى بَدَلٍ، فَإِذَا قِيلَ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأَرْشِ اعْتُبِرَ عَلَى مَا مَضَى وَإِذَا قِيلَ أَخْذُ الْأَرْشِ لَا يَجُوزُ فَهَلْ يَسْقُطُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ خِيَارُهُ لِأَنَّ طَلَبَهُ لِلْأَرْشِ رِضًا مِنْهُ بِالْعَيْبِ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَنِ الرَّدِّ لما ظنه من حصول الأرش فإذا لم يحصل الأرش كان حقه من الرد.
فَصْلٌ:
فَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ سَرَقَ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِسَرِقَتِهِ حَتَّى قُطِعَ فِي يَدِهِ فقال أبو العباس ابن سُرَيْجٍ لَهُ رَدُّهُ وَاسْتِرْجَاعُ ثَمَنِهِ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة وَقَالَ أبو يوسف ومحمد: لَا يرده ويرجع بنقصان عيبه في هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي نَظَرٌ، وَلِقَوْلِ أبي يوسف وَجْهٌ وَلَكِنْ لَوْ قُطِعْتَ يَدُهُ قَوَدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ اتِّفَاقًا لَأَنَّ الْقَوَدَ لَا يَتَحَتَّمُ وَيَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَصِيرًا حُلْوًا، وَكَانَ مَعِيبًا فَلَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي بِعَيْبِهِ حَتَّى صَارَ خَمْرًا فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِأَرْشِ عَيْبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْخَمْرِ وَاسْتِرْجَاعُ ثَمَنِهِ سَوَاءٌ رَضِيَ الْبَائِعُ بقبوله خَمْرًا أَمْ لَا لِتَحْرِيمِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَى الْخَمْرِ فَلَوْ صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا فَقَالَ الْبَائِعُ أَنَا أَسْتَرْجِعُ الْخَلَّ وَأَرُدُّ الثَّمَنَ وَلَا أَدْفَعُ الْأَرْشَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْخَلَّ هُوَ عَيْنُ الْعَصِيرِ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنًى يَمْنَعُ مِنَ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ وَلَا لِلْمُشْتَرِي فِيهِ عَمَلٌ يَمْنَعُ مِنَ الرَّدِّ خَوْفًا مِنْ تَفْوِيتِ عَامِلِهِ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْ تَفْرِيعِ أَبِي الْعَبَّاسِ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا اشْتَرَى نَصْرَانِيٌّ مِنْ نَصَرَانِيٍّ خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَا فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا يُنْقِصُ الْعُشْرَ مِنْ ثَمَنِهِ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِ عَيْبِهِ وَهُوَ عُشْرُ الثَّمَنِ وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِإِسْلَامِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ أَنَا آخُذُ الْخَمْرَ وَأَرُدُّ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ حَتَّى صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ أَنَا آخُذُ الْخَلَّ وَأَرُدُّ الثَّمَنَ جَازَ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي وَقَفَ عَلَى عَيْبِ الْخَمْرِ قَبْلَ إِسْلَامِهِمَا فَلَمْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ حَتَّى أَسْلَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ إِسْلَامِهِ الرَّدُّ وَلَا الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ أَمَّا الرَّدُّ فَلِحُدُوثِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْأَرْشُ فَلِإِمْكَانِ الرَّدِّ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ الْبَائِعُ وَحْدَهُ بَعْدَ تَبَايُعِ الْخَمْرِ لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي رَدَّهُ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ أَسْلَمَ وَحْدَهُ جَازَ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ لِاسْتِرْجَاعِ تَمَلُّكِهِ الْخَمْرَ وَالْمُسْلِمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْخَمْرَ وَرَدُّ الْمُشْتَرِي إِزَالَةُ الْمِلْكِ وَالْمُسْلِمُ يَجُوزُ أَنْ يُزِيلَ تَمَلُّكَهُ عَنِ الْخَمْرِ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا اشْتَرَى شَاةً فَذَبَحَهَا، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا بَعْدَ الذَّبْحِ عَيْبًا فَلَهُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِهَا فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِقَبُولِهَا مَذْبُوحَةً فَلَا أَرْشَ لِلْمُشْتَرِي لِإِمْكَانِ الرَّدِّ، وَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْبَائِعِ لِلذَّبْحِ إِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ لِأَنَّ الذَّبْحَ أَثَرٌ هُوَ نَقْصٌ.
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَوْبًا قَدْ خَاطَهُ الْمُشْتَرِي اسْتَحَقَّ أَرْشَهُ بِالْعَيْبِ وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِقَبُولِهِ مَخِيطًا لِأَنَّ فِي الْخِيَاطَةِ عَيْبًا قائمة وَأَثَرًا زَائِدًا.
وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ غَزْلًا فَنَسَجَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ وُجَدَ فِيهِ عَيْبًا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِهِ فَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِقَبُولِهِ مَنْسُوجًا بِعَيْنِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ إِنْ شَاءَ رَدَّهُ مَنْسُوجًا وَلَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ مَعِيبًا لِأَنَّ النِّسَاجَةَ أَثَرٌ لَا يمتلك.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَائِعَ إِنْ بَذَلَ أُجْرَةَ النَّسِيجِ كَانَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ الْغَزْلِ مَنْسُوجًا فَإِنْ أَبَى لَزِمَهُ الْأَرْشُ لِأَنَّ النِّسَاجَةَ زِيَادَةُ عَمَلٍ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَخَذَ بِالْمِائَةِ ثَوْبًا، ثُمَّ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَرَدَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ على البائع بالماية وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّوْبِ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ وَالثَّمَنُ هُوَ الْمِائَةُ دُونَ الثَّوْبِ وَلَكِنْ لَوْ بَانَ الْعَبْدُ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا رَجَعَ بِالثَّوْبِ دُونَ الْمِائَةِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَبُطْلَانِ الثَّمَنِ وَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا رَفَعَ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهُ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِالْمِائَةِ دُونَ الثَّوْبِ لِأَنَّ الْفَسْخَ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ قَطَعَ الْعَقْدَ وَلَيْسَ لَهُ بِرَافِعٍ مِنْ أَصْلِهِ بِخِلَافِ الْعَيْبِ.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ أَصَابَ الْمُشْتَرِيَانِ صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ رَجُلٍ بِجَارِيَةٍ عَيْبًا فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ وَالْآخَرُ الْإِمْسَاكَ فَذَلِكَ لَهُمَا لِأَنَّ مَوْجُودًا فِي شِرَاءِ الِاثْنَيْنِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرٍ لِلنِّصْفِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا اشْتَرَى رَجُلَانِ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ وَجَدَا بِهَا عَيْبًا فَإِنْ رَدَّاهَا مَعًا كَانَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَإِنْ أَمْسَكَاهَا مَعًا كَانَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا رَدَّ حِصَّتِهِ وَأَرَادَ الْآخَرُ إِمْسَاكَ حِصَّتِهِ جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو حنيفة: لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا الرَّدُّ حَتَّى يُرَدَّا مَعًا وَيُمْسِكَا مَعًا.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْمَبِيعَ خَرَجَ مِنْ يَدِ بَايِعِهِ صَفْقَةً فَلَمْ يَجُزْ تَبْعِيضُهَا عَلَيْهِ وَبَعْضُ الصَّفْقَةِ كَالْمُشْتَرِي الْوَاحِدِ قَالَ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَيْنِ مِنَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ يَجْرِي عَلَى ابْتِيَاعِهِمَا حُكْمُ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا قَبُولُ الْعَقْدِ دُونَ الْآخَرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ بَدَلٌ وَاحِدٌ يَضْمَنُهُ ثَمْنٌ وَاحِدٌ كَمَا لَوْ كَانَ لمشترٍ وَاحِدٍ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُ رَدِّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَقْدَيْنِ.
فَأَمَّا الدَّلِيلُ على جواز أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ فَهُوَ أَنَّهُ رَدَّ بِالْعَيْبِ جَمِيعَ مَا لَزِمَهُ ثَمَنُهُ بِالْعَقْدِ فَجَازَ لَهُ الرَّدُّ كَالْمُشْتَرِي الْوَاحِدِ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَقْدَيْنِ فَهُوَ أَنَّهُ عَقْدٌ اجْتَمَعَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَاقِدَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي حكم العقدين كالمشتري الواحد من بايعين، وَلِأَنَّهُمَا لَوِ اشْتَرَيَا شِقْصًا تَجْرِي فِيهِ الشُّفْعَةُ لَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَيِّهِمَا شَاءَ وَلَوْ كَانَتْ صَفْقَةً وَاحِدَةً لَمْ يَجُزْ وَلَوْ تَصَارَفَا مِنْ رَجُلٍ فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَلَمْ يَقْبِضِ الْآخَرُ.
جَازَتْ فِي حِصَّةِ مَنْ قَبَضَ وَبَطَلَتْ فِي حِصَّةِ مَنْ لَمْ يَقْبِضْ وَلَوْ كَانَتْ صَفْقَةً وَاحِدَةً لَبَطَلَ جَمِيعُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ وَجَازَ لِأَحَدِهِمَا الْقَبُولُ دُونَ الآخر.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّ فِيهِ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ عَلَى بَائِعِهِ كَالْمُشْتَرِي الْوَاحِدِ فَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ فَرَّقَ صَفْقَةَ نَفْسِهِ بِالْبَيْعِ عَلَى اثْنَيْنِ ولم يفرقها بالبيع على واحد عَلَى أَنَّ أبا حنيفة يَقُولُ فِي الْمُشْتَرِي الْوَاحِدِ إِذَا وَجَدَ بِأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ عَيْبًا أَنَّ له رد العيب مِنْهُمَا دُونَ السَّلِيمِ وَفِيهِ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ فَأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِيهِ وَاحِدٌ فَهُوَ أَنَّ الثَّمَنَ إِذَا قَابَلَ جِنْسًا وَاحِدًا كَانَ الثَّمَنُ مُقَسَّطًا عَلَى أَجْزَائِهِ فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ التَّبْعِيضِ وَإِنْ كَانَ جُمْلَةً وَإِذَا قَابَلَ أَعْيَانًا مُخْتَلِفَةً كان حكمه بخلافه، فلو كان لأن الثمن واحدا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ لَوَجَبَ إِذَا ابْتَاعَ رَجُلَانِ عَبْدَيْنِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مشترٍ لِأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ أَنْ يَصِحَّ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَلَمَّا بَطَلَ فِي الْجَهْلِ ثَمَنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَبْدَيْنِ وَلَمْ يَبْطُلْ إِذَا اشْتَرَاهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ دَلَّ عَلَى ابْتِيَاعِ الِاثْنَيْنِ فِي حُكْمِ الْعَقْدَيْنِ وَإِنْ كَانَ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الرَّدُّ فَرَدَّ أَحَدُهُمَا وَاسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الْمُشْتَرِكَيْنِ قَدْ بَطَلَتْ بِالرَّدِّ فَيَكُونُ لِلْمُمْسِكِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَلِلرَّادِّ نِصْفُ الثَّمَنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَالِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قِسْمَةٌ فَعَلَى هَذَا نِصْفُ الْعَبْدِ بَيْنَهُمَا وَنِصْفُ الْعَبْدِ الثَّمَنِ بَيْنَهُمَا.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ الْعَبْدِ عَلَيْهِمَا وَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ نِصْفَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَيُمْسِكَ النِّصْفَ الْآخَرَ وَهَذَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ أبو حنيفة.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى رَجُلَانِ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ أَنْ يَرُدَّ ربع العبد على كل واحد من البايعين لِأَنَّ هَذِهِ الصَّفْقَةَ حُكْمُهَا حُكْمُ الْعُقُودِ الْأَرْبَعَةِ فَكَذَا لَوِ اشْتَرَى ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ عَبْدًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَرُدَّ تُسْعَ الْعَبْدِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَاعَةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّفْقَةَ حُكْمُهَا حُكْمُ الْعُقُودِ التِّسْعَةِ.
فَصْلٌ:
وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي ابْتِيَاعِ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَابْتَاعَ الْوَكِيلُ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوَكِّلِهِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ وَجَدَا بِهِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الرَّدُّ دُونَ الْآخَرِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَاحِدٌ وَالْبَائِعَ وَاحِدٌ فَكَانَتِ الصَّفْقَةُ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ فَلَمْ يَجُزْ تَبْعِيضُهَا.
فَصْلٌ:
وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي بَيْعِهِ فَبَاعَ الْوَكِيلُ جَمِيعَ الْعَبْدِ عَلَى رَجُلٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً نِصْفَهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ وَنِصْفَهُ بِحَقِّ الْوِكَالَةِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الصَّفْقَةِ حُكْمُ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْبَائِعَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَالْمُشْتَرِيَ وَاحِدٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَهُ بِالْعَيْبِ أَوْ يُمْسِكَ جَمِيعَهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصَّفْقَةَ فِي حُكْمِ الْعَقْدَيْنِ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ إِحْدَى الحصتين
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَائِعَيْنِ قَدْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْعَبْدِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكَهُ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكَ الْمُشْتَرِي وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذكرنا من توكيل إحدى الْمُشْتَرِينَ لِصَاحِبِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
فَصْلٌ:
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ فِي عَقْدٍ ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيهِ فِي عَقْدٍ آخَرَ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَإِنْ كَانَ حُدُوثُ هَذَا الْعَيْبِ بَعْدَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ الْعَقْدِ الثَّانِي فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْحِصَّةَ الثَّانِيَةَ بِالْعَيْبِ دُونَ الْحِصَّةِ الْأُولَى وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا قَبْلَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْعَبْدَ كُلَّهُ بِالْعَقْدَيْنِ وَبَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ كُلَّهُ بِالْعَقْدَيْنِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْحِصَّةَ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْحِصَّةَ الثَّانِيَةَ دُونَ الْأُولَى.
فَصْلٌ:
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ وَخَلَّفَ اثْنَيْنِ فَوَجَدَا بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَأَمْسَكَ أَحَدُهُمَا وَأَرَادَ الْآخَرُ الرَّدَّ فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرْجِعَ نِصْفَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ أَوْ يُعْطِيَ نِصْفَ الْأَرْشِ وَلَا يُخَيَّرُ الَّذِي يُرِيدُ الرَّدَّ عَلَى إِسْقَاطِ حَقِّهِ.
فَصْلٌ:
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا صَفْقَةً ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَأَرَادَ بَعْضَهُ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَكَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ كُلَّهُ أَوْ يَرُدَّهُ كُلَّهُ، وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صفقة رَجُلٍ ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا فَإِنْ رَدَّهُمَا مَعًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ رَدَّ السَّلِيمِ دُونَ الْمَعِيبِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ أَرَادَ رَدَّ الْمَعِيبِ دُونَ السَّلِيمِ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْبَائِعُ فَفِيهِ قَوْلَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ إِذَا قِيلَ بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَهَذَا قَوْلُ أبي حنيفة.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ لَا يَجُوزُ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، ثُمَّ إِذَا قُلْنَا بِجَوَازِهِ فَاخْتَلَفَا فِي حِصَّةِ الْمَعِيبِ الْمَرْدُودِ مِنَ الثَّمَنِ وَكَانَ السَّلِيمُ مَعْدُومًا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ جَمِيعَ الثَّمَنِ بِالْعَقْدِ فَلَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهُ إِلَّا مَا اعْتَرَفَ بِهِ.
وَالثَّانِي: ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ غَارِمٌ فَأَمَّا التَّحَالُفُ فَلَا يَجِبُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَصْلِ الْعَقْدِ.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اشْتَرَاهَا جَعْدَةً فَوَجَدَهَا سَبْطَةً فَلَهُ الرَّدُّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً جَعْدَةَ الشَّعْرِ فَوَجَدَهَا سَبْطَةَ الشَّعْرِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَرَى شَعْرَهَا عِنْدَ الِابْتِيَاعِ أَوْ لَا يَرَاهُ، فَإِنْ رَأَى شَعْرَهَا عِنْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَكَانَ جَعْدًا صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ بَانَ الشَّعْرُ سَبْطًا وَأَنَّ تَجْعِيدَهُ كَانَ مُزَوَّرًا فَهَذَا عَيْبٌ وَلَهُ الْخِيَارُ سَوَاءٌ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ أَنَّهَا جَعْدَةٌ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ لِأَنَّ رُؤْيَتَهَا جَعْدَةً يُغْنِي عَنِ اشْتِرَاطِهَا أَنَّهَا جَعْدَةٌ، وَقَالَ أبو حنيفة: لَيْسَ هَذَا بِعَيْبٍ لَهُ سَوَاءٌ شَرَطَهُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْهُ لِأَنَّ عَدَمَ التَّجْعِيدِ لَا يَسْلُبُ
مَنْفَعَةً وَلَا يَنْقُصُ قِيمَةً، وَهَذَا خَطَأٌ بَلْ فَقْدُهُ نَقْصٌ لِأَنَّ تَجْعِيدَ الشَّعْرِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْجِسْمِ وَفَقْدِهِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ الْجِسْمِ وَلِأَنَّهُ أَحْسَنُ فِي النَّظَرِ وَأَزْيَدُ فِي الثَّمَنِ، وَإِنِ ابْتَاعَهَا فَلَمْ يَرَ وَجْهَهَا فَفِي بُطْلَانِ الْمَبِيعِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ فِيمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ كَسَائِرِ الْجَسَدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ أَصَحُّ لِأَنَّ الشَّعْرَ تَبَعٌ فَلَمْ يَكُنْ فَقْدُ رُؤْيَتِهِ مُبْطِلًا لِلْبَيْعِ فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهَا جَعْدَةُ الشَّعْرِ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّ فَقْدَ الرُّؤْيَةِ وَعَدَمَ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعَانِ مِنَ الرَّدِّ فِيمَا لَيْسَ يَنْقُصُ عَنْ حَالِ السَّلَامَةِ فَإِنْ كَانَ وُجُودُهُ زِيَادَةً كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَظَنَّهُ كَاتِبًا وَكَانَ غَيْرَ كاتب لم يكن له الرد ولكن لو اشترط أَنَّهَا جَعْدَةٌ كَانَ لَهُ الرَّدُّ لِأَجْلِ الشَّرْطِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ فَبَانَ غَيْرَ كَاتِبٍ كَانَ لَهُ الرَّدُّ لِأَجْلِ الشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّهُ كَاتِبٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ الرَّدَّ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا سَبْطَةٌ فَكَانَتْ جَعْدَةً فَفِي اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّ تَجْعِيدَ الشَّعْرِ زِيَادَةٌ وَاشْتِرَاطُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ سَبْطًا إِنَّمَا هُوَ لِطَلَبِ الرُّخْصِ أَوْ لِسُوءِ الِاخْتِيَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَهُ الرَّدَّ لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَكَانَتْ ثَيِّبًا فَلَهُ الرَّدُّ وَلَوِ اشْتَرَاهَا يَظُنُّهَا بِكْرًا وَكَانَتْ ثَيِّبًا فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّ الثَّيِّبَ سَلِيمَةٌ وَالْبَكَارَةُ زِيَادَةٌ وَلَوِ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا ثَيِّبٌ فَكَانَتْ بَكْرًا فَفِي اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا رَدَّ لِأَنَّ الْبَكَارَةَ زِيَادَةٌ.
وَالثَّانِي: لَهُ الرَّدُّ لِأَجْلِ الشَّرْطِ وَاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَلَكِنْ لَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً وكان شعرها أبيضا كَانَ لَهُ الرَّدُّ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ سَوَادَ الشَّعْرِ لِأَنَّ بَيَاضَ الشَّعْرِ نَقْصٌ وَلَوِ اشْتَرَاهَا على أن شعرها أبيض فكان أسودا كَانَ فِي الرَّدِّ وَجْهَانِ.
فَصْلٌ:
إِذَا اشْتَرَى أَمَةً فَكَانَتْ زَانِيَةً أَوْ بِفَمِهَا بَخَرٌ، فَهَذَانِ عَيْبَانِ وَلَهُ فِيهِمَا الرَّدُّ لِأَنَّ الزِّنَا يُفْسِدُ النَّسَبَ وَيُوجِبُ الْحَدَّ وَبَخَرُ الْفَمِ يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ وَيُوكِسُ الثَّمَنَ، وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَكَانَ زَانِيًا أَوْ فِي فَمِهِ بَخَرٌ كَانَ عَيْبًا وَلَهُ الرَّدُّ.
وَقَالَ أبو حنيفة الزِّنَا وَبَخَرُ الْفَمِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا فِي الْأَمَةِ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْعَبْدِ هُوَ الْعَمَلُ وَالزِّنَا وَالْبَخَرُ لَا يُؤَثِّرَانِ فِي عَمَلِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَا كَانَ عَيْبًا فِي الْأَمَةِ كَانَ عَيْبًا فِي الْعَبْدِ كَالسَّرِقَةِ وَلِأَنَّ زِنَا الْعَبْدِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فَرُبَّمَا أَتْلَفَهُ وَبَخَرُ فَمِهِ يَمْنَعُ مِنِ مُقَارَبَتِهِ وَيُؤْذِي عِنْدَ مُجَالَسَتِهِ وَلَكِنْ لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ أَمَةً، فَكَانَتْ وَلَدَ زِنَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْبًا يوجب الرد لأن أكثر الرقيق أولاد زنية وَلَيْسَ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِي أَثْمَانِهِمْ.
فَصْلٌ:
إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا تُحْسِنُ الْغِنَاءَ وَتَضْرِبُ بِالْعُودِ أَوْ تَنْفُخُ فِي الْمِزْمَارِ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا وَلَا رَدَّ لَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ هَذَا عَيْبٌ وَلَهُ الرَّدُّ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْلِقُهَا وَيَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ صِيَانَتِهَا وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْغِنَاءَ صَنْعَةٌ تَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا وَالْمُبْتَغَى مِنَ الرَّقِيقِ تَوْفِيرُ الْأَثْمَانِ فَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَكُفَّهَا وَيَمْنَعَهَا مِنْهُ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا فَبَانَ أَنَّهُ بِيعَ بِجِنَايَةٍ جَنَاهَا لَمْ تَخُلُ الْجِنَايَةُ الَّتِي بِيعَ فِيهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً لَمْ تَخْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْهُ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ تَتَكَرَّرُ مِنْهُ كَثِيرًا فَهَذَا عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ، وَإِنْ كَانَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ تَتَكَرَّرْ مِنْهُ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا رَدَّ لَهُ لِأَنَّ النَّادِرَ مِنْ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ لَا يَخْلُو مِنْهُ فِي الْغَالِبِ أَحَدٌ وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ قَدْ تَابَ مِنْهَا فَهَذَا عَيْبٌ وَلَهُ الرَّدُّ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ تَابَ مِنْهَا فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ عَيْبًا يُوجِبُ الرَّدَّ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُوجِبُ الرَّدَّ لِأَنَّ التَّوْبَةَ قَدْ رَفَعَتْ ذَنْبَهُ، وَالثَّانِي لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَرْفَعُ الْإِثْمَ وَلَا تَرْفَعُ النَّقْضَ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَكَانَ آبِقًا فَلَهُ الرَّدُّ لَكِنْ إِنْ أَبَقَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَا مُخَاصَمَةَ لَهُ مَعَ الْبَائِعِ حَتَّى يُحْضِرَ الْعَبْدَ سَوَاءٌ عَلِمَ بِقِدَمِ إِبَاقِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ مُخَاصَمَةُ الْبَائِعِ إِذَا عَلِمَ بِقِدَمِ إِبَاقِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ حَالَ الْآبِقِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالتَّلَفِ فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا اسْتَحَقَّ الرَّدَّ وَاسْتِرْجَاعَ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ تَالِفًا اسْتَحَقَّ أَخْذَ الْأَرْشِ وَمَا جَهِلَ اسْتِحْقَاقَهُ لَمْ يَصِحَّ الْمُطَالَبَةُ.
فَصْلٌ:
وَإِنِ اشْتَرَى عَبْدًا وَكَانَ يَبُولُ إِذَا نَامَ كَانَ عَيْبًا يُوجِبُ الرَّدَّ فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ حَتَّى كَبِرَ الْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ وَرَجَعَ بِالْأَرْشِ لِأَنَّ عِلَاجَهُ بَعْدَ الْكِبَرِ عَسِيرٌ فَصَارَ كِبَرُهُ عِنْدَهُ كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ فِي يَدِهِ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَخْتُونٍ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا فَلَا رَدَّ لَهُ لِأَنَّ فَقْدَ الْخِتَانَةِ فِي الصِّغَرِ لَيْسَتْ نَقْصًا لِأَنَّهَا غَالِبُ أَحْوَالِ الصِّغَارِ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ كَبِيرًا كَانَ عَيْبًا يُوجِبُ الرَّدَّ لِأَنَّ فَقْدَ الْخِتَانَةِ فِيهِ نَقْصٌ وَعَلَيْهِ فِيهَا وَكْسٌ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَكَانَ رَطْبَ الْكَلَامِ أَوْ غَلِيظَ الصَّوْتِ أَوْ ثَقِيلَ النَّفَسِ أَوْ بَطِيءَ الْحَرَكَةِ أَوْ كَثِيرَ النَّهَمِ أَوْ فَاسِدَ الرَّأْيِ أَوْ قَلِيلَ الْأَدَبِ فَلَا رَدَّ لَهُ بِهَذَا كُلِّهِ لِسَلَامَةِ بَدَنِهِ وَصِحَّةِ جِسْمِهِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ بِهِ بَلَهٌ أَوْ خَبَلٌ أَوْ عَتَهٌ أَوْ سُدُدٌ، أَوْ كَانَ مُؤَنَّثًا أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَوْ غَيْرَ مُشْكِلٍ أَوْ فِي كَفِّهِ إِصْبَعٌ زَائِدَةٌ أَوْ نَاقِصَةٌ أَوْ بِهِ بَرَصٌ أَوْ حَرُّ كَبِدٍ أَوْ نَفْحَةُ طِحَالٍ أَوْ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ يَقْذِفُ الْمُحْصَنَاتِ أَوْ يَدَعُ الصَّلَوَاتِ أَوْ كَانَ أَصَمَّ أَوْ أَخْشَمَ أَوْ أَخْرَسَ أَوْ أَرْثَهُ لَا يُفْهَمُ أَوْ فِي فَمِهِ سِنٌّ زَائِدَةٌ أَوْ مَقْلُوعَةٌ فَكُلُّ هَذِهِ عُيُوبٌ تُوجِبُ الرَّدَّ لِأَنَّهَا وَمَا أَوْجَبَ الْحَدَّ نَقْصٌ فِي بَدَنِهِ
وكذلك لو اشترى عبدا أو كان ذَا زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةً فَكَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ كَانَ لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّ زَوْجَةَ الْعَبْدِ تَسْتَحِقُّ مِنْ كَسْبِهِ النَّفَقَةَ وَزَوْجَ الْأَمَةِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِمْتَاعِ الْمُشْتَرِي بِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتِ الْأَمَةُ فِي عِدَّةٍ أَوْ مُحَرَّمَةً كَانَ الرَّدُّ لَهُ وَلَوْ كَانَتْ صَائِمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ قَرِيبٌ.
وَلَكِنْ لَوْ كَانَتْ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّهَا وَإِنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ فَقَدْ تَحِلُّ لِغَيْرِهِ فَخَالَفَتِ الْمُعْتَدَّةَ الَّتِي تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَتْ أُخْتَهُ مِنَ النَّسَبِ فَلَا رَدَّ لَهُ كَأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ وَالِدَيْهِ أَوْ مَوْلُودَيْهِ عُتِقَتْ وَلَا رد له ولا أرش لِأَنَّ الْعَيْبَ هُوَ النَّقْصُ الْمُخْتَصُّ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْعَاقِدِ وَعِتْقُ هَذِهِ لِمَعْنًى فِي الْعَاقِدِ فَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَكَانَ في ذمته ديون عن معاملة فَلَا رَدَّ لَهُ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَهُ الرَّدُّ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ دُيُونَهُ فِي ذِمَّتِهِ لَا يلزم أداؤها إِلَّا بَعْدَ عِتْقِهِ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى دَارًا أَوْ عَبْدًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ لَهَا وَكِيلٌ أَوْ أَمِينُ حَاكِمٍ أَوْ وَصِيُّ مَيِّتٍ أَوْ أَبٌ يَلِي عَلَى مَالِ ابْنِهِ فَفِي الرَّدِّ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا رَدَّ لِجَوَازِ بُيُوعِهِمْ وَصِحَّةِ عُقُودِهِمْ.
وَالثَّانِي: لَهُ الرَّدُّ لِمَا يُخَافُ مِنْ فَسَادِ النِّيَابَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا أَوْ بَعْضَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ وَلَا مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ وَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ الْعَيْبِ إِذَا فَاتَتْ بِمَوْتٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ حَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ لَا يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يُرَدَّ بِهِ إِلَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ وَقَدْ كَانَ بِهَا عَيْبٌ مُتَقَدِّمٌ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ قَبْلَ بَيْعِهَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ قَبْلَ بَيْعِهَا فَقَدْ سَقَطَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنَ العيب سقوطا مستقرا، فلا رد وله وَلَا أَرْشَ سَوَاءٌ عَادَتْ إِلَيْهِ السِّلْعَةُ أَمْ لَا لِأَنَّ بَيْعَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهَا رِضًى مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ قَبْلَ بَيْعِهَا فقد ذهب عبيد اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ بِالْأَرْشِ عَلَى الْبَائِعِ لِيَسْتَدْرِكَ بِهِ نَقْصَ الْعَيْبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ لَا أَرْشَ فِي الْحَالِ وَلَا رَدَّ لَهُ لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعِلَّةِ الْمَانِعَةِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْأَرْشِ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدِ اسْتَدْرَكَ ظُلَامَةَ الْعَيْبِ بِمَا حَصَلَ مِنْ سَلَامَةِ الْعِوَضِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْعِلَّةُ فِيهِ إِمْكَانُ الرَّدِّ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ وَكِلَا الْعِلَّتَيْنِ حُجَّةٌ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، فَإِذَا ثَبَتَ أَنْ لَا أَرْشَ لَهُ نُظِرَ فِي الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْعَيْبِ وَرَضِيَ بِهِ فَقَدِ اسْتَقَرَّ سُقُوطُ الْأَرْشِ وَالرَّدُّ، وَإِنْ رَدَّهُ بِهِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ حِينَئِذٍ أَنْ يَرُدَّهُ بِهِ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ مَعًا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ له استدراك الظلامة بحصول الْعِوَضِ عَلَى تَعْلِيلِ
أَبِي إِسْحَاقَ وَقَدْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ عَلَى تَعْلِيلِ أَبِي عَلِيٍّ وَلَكِنْ لَوْ عَادَتِ السِّلْعَةُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوِ ابْتِيَاعٍ كَانَ فِي اسْتِحْقَاقِ رَدِّهِ بِالْعَيْبِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ الْعِلَّتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا رَدَّ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ لِاسْتِدْرَاكِ الظُّلَامَةِ لِحُصُولِ الْعِوَضِ السَّلِيمِ.
وَالثَّانِي: لَهُ الرَّدُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ لِإِمْكَانِ الرَّدِّ بِرُجُوعِهَا إِلَى يَدِهِ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا إِذَا بَاعَ بَعْضَ السِّلْعَةِ ثُمَّ عَلِمَ بِعَيْبِهَا فَمَا بَاعَهُ فَلَا أَرْشَ لَهُ فِيهِ لِلْعِلَّتَيْنِ الْمَاضِيَتَيْنِ وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَلَهُ رَدُّ مَا بَقِيَ وَاسْتِرْجَاعُ حِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَالتَّوَقُّفُ عَنِ الْبَيْعِ لِيَنْظُرَ مَا يؤول إِلَيْهِ حَالُهُ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ لَا يَجُوزُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي رَدِّهِ لِمَا فِيهِ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى بَايِعِهِ وَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ بِأَرْشِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ الْأَرْشُ وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ أَبِي إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ مَا اسْتَدْرَكَ ظُلَامَتَهُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: لَا أَرْشَ لَهُ وهو مقتضى تعليل أبو عَلِيٍّ لِأَنَّ رَدَّ الْكُلِّ بِرُجُوعِ الْمَبِيعِ مُمْكِنٌ فَعَلَى هَذَا إِنْ عَادَ إِلَيْهِ مَا بَاعَهُ رَدَّ الْكُلَّ وَإِنْ فَاتَ رَدُّ الْمَبِيعِ بِالتَّلَفِ يَرْجِعُ بِأَرْشِ مَا لَمْ يَبِعْ دُونَ مَا بَاعَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ قَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ بِأَرْشِهِ بَعْدَ تَلَفِهِ فَيَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِأَرْشِ الْجَمِيعِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِذَا حُكِمَ لَهُ بِأَرْشِ مَا بَقِيَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ مَا ابْتَاعَهُ فَصَارَ الْجَمِيعُ فِي يَدِهِ قِيلَ لَهُ قَدْ سَقَطَ حَقُّكَ مِنْ رَدِّ مَا لَمْ تَبِعْ لِأَنَّكَ أَخَذْتَ أَرْشَهُ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَكَ مِنْ رَدِّ مَا بِعْتَ لِأَنَّكَ تُفَرِّقُ صَفْقَتَهُ وَلَكَ أَنْ تَأْخُذَ أَرْشَهُ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَفْرِيقِ صَفْقَتِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ وَيَمْنَعُكَ مِنْ أَرْشِهِ فَهَذَا الْكَلَامُ إِذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا إِنْ وَهَبَهُ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْهِبَةِ هَلْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْمُكَافَأَةَ؟ فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ فَعَلَى هَذَا لَا أَرْشَ لَهُ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ مَعًا كَالْبَيْعِ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَدْرِكُ ظُلَامَتَهِ بِالْمُكَافَأَةِ وَلِأَنَّ رَدَّهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ مُمْكِنٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَعَلَى هَذَا فِي رُجُوعِهِ بِالْأَرْشِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ أبي إسحاق لَا رُجُوعَ لَهُ بِالْأَرْشِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْرِكْ ظُلَامَتَهِ بِالْعِوَضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ أبي علي لَا رُجُوعَ لَهُ بِالْأَرْشِ لِأَنَّ رَدَّهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ مُمْكِنٌ فَأَمَّا إِنْ وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ، وَلَكِنْ لَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَرْشَ على العلتين معا لينظر ما يؤول إِلَيْهِ حَالُ كِتَابَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَدْرِكُ ظُلَامَتَهُ بِعِوَضِ الْكِتَابَةِ وَلِأَنَّ رَدَّهُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا مُمْكِنٌ، وَلَوْ دَبَّرَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ بِصِفَةٍ كَانَ لَهُ رَدُّهُ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَإِمْكَانِ رَدِّهِ، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَأَوْلَدَهَا رَجْعَ بِأَرْشِهَا لِفَوَاتِ رَدِّهَا، فَأَمَّا إِنْ رَهَنَهُ أَوْ أَجَّرَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا أَرْشَ لَهُ وَهِيَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ أَبِي عَلِيٍّ لِإِمْكَانِ الرَّدِّ وَيُوقَفُ لِيَنْظُرَ مَا يؤول إِلَيْهِ حَالُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ أَبِي إِسْحَاقَ: لَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَتَعَجَّلَ الْأَرْشَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْرِكْ ظُلَامَتَهُ بِالْمُعَاوَضَةِ وَيَسْقُطُ حَقَّهُ فِي الرَّدِّ مِنْ بَعْدُ أَوْ يُوقَفُ لينظر ما يؤول إليه حاله.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ كَانَ لَهُ قِيمَةُ الْعَيْبِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهَا نَاقِصَةً فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ إِلَّا إِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي حَبْسَهَا وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:
إِذَا اشْتَرَى سِلْعَةً فَحَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا مُتَقَدِّمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِأَرْشِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَقْبَلَهَا مَعِيبَةً فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْأَرْشِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُشْتَرِي بِعَيْبِهَا فَيُمْسِكُهَا وَلَا يَرْجِعُ بِأَرْشِهَا وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَحَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ بِالْعَيْبِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْبَائِعُ دَلَّسَ الْعَيْبَ عَلَى الْمُشْتَرِي كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا بِذَلِكَ الْعَيْبِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ دَلَّسَ الْعَيْبَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظُلَامَةً يَسْتَحِقُّ اسْتِدْرَاكُهَا فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَدْرِكَ ظُلَامَةَ الْعَيْبِ الْمُتَقَدِّمِ بِالرَّدِّ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَدْرِكَ ظُلَامَةَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ بِالِامْتِنَاعِ فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِدْرَاكُ الظُّلَامَتَيْنِ وَجَبَّ تَقْدِيمُ الْمُشْتَرِي بِهَا عَلَى الْبَائِعِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَدْلِيسٌ وَقَدْ كَانَ مِنَ الْبَائِعِ تَدْلِيسٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَحْدَثَ مِلْكَهُ بِالْمُعَاوَضَةِ عَلَى حَالِ السَّلَامَةِ وَالْبَائِعُ مُتَقَدِّمُ الْمِلْكِ عَلَى حَالِ الْمُعَاوَضَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْمُصَرَّاةِ أَنْ يَرُدَّ مَعَ حُدُوثِ النَّقْصِ فِيهَا بِالْحِلَابِ إِذَا رَدَّ مَعَهَا الصَّاعَ الَّذِي هُوَ أَرْشُ النَّقْصِ لَمْ يَكُنْ حُدُوثُ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مَانِعًا مِنَ الرَّدِّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعَيْبِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ هُوَ أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَدْ يَكُونُ تَارَةً عَنْ جِنَايَةٍ وَتَارَةً لِحَادِثٍ نَزَلَ بِهِ فَإِذَا لَمْ يَرُدَّ الْمُشْتَرِي مَعَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عَنْ جِنَايَتِهِ وَلَمْ يَرُدَّ مَعَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ بِغَيْرِ جِنَايَتِهِ مِنْهُ لِحُدُوثِ النَّقْصِ فِي الْحَالَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَقْبَلَهُ مَعِيبًا لِأَجْلِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقًا فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِتَقْدِيمِ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِ أن البائع مدلس وأن المشتري مُعَاوَضٌ فَهُوَ أَنَّ تَدْلِيسَ الْبَائِعِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ مَا لَمْ يُدَلِّسْهُ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ لَيْسَ مِنْ تَدْلِيسِهِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَمَانِهِ ومعاوضته الْمُشْتَرِي لَا تُدْفَعُ مِنْ ضَمَانِ مَا نَقَصَ فِي يَدِهِ كَمَا لَا تُدْفَعُ عَنْهُ ضَمَانُ مَا نَقَصَ جِنَايَتُهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمُصَرَّاةِ فَهُوَ أَنَّ نَقْصَ التَّصْرِيَةِ حَدَثَ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَخَالَفَ مَا سِوَاهُ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً حَايِلًا فَحَمَلَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا مُتَقَدِّمًا فَإِنْ كَانَ حَمْلُهَا نَقْصًا مُوكِسًا مِنْ ثَمَنِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا وَرَجَعَ بِأَرْشِ عَيْبِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهَا مُنَقِّصًا، فَلَهُ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ وَهَلْ لَهُ حَبْسُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا لِلْوَضْعِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْحَمْلَ يَتْبَعُ فَإِنْ حَبَسَهَا مُنِعَ مِنَ الرَّدِّ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَرْشَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ حَبْسُهَا حَتَّى تَضَعَ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْحَمْلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْحَمْلَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ عَنْ يَدِهِ وَلَوِ اشْتَرَاهَا حَامِلًا فَوَضَعَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا مُتَقَدِّمًا فَإِنْ كَانَتِ الْوِلَادَةُ قَدْ نَقَصَتْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا وَرَجَعَ بِأَرْشِ الْعَيْبِ وَإِنْ لَمْ تُنْقِصْهَا الْوِلَادَةُ رَدَّهَا وَفِي الْوَلَدِ قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْحَمْلِ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَاهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّ الْبَائِعِ فَوُجِدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ رَدُّهَا عَلَيْهِ وَإِنْ حُرِّمَتْ عَلَى الْبَائِعِ بِالرِّضَاعِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ بِهَذَا الرِّضَاعِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي ثَمَنِهَا فِي الْأَسْوَاقِ.
فَصْلٌ:
فَلَوْ كَانَ مُشْتَرِي الْجَارِيَةِ بَاعَهَا عَلَى آخَرَ ثُمَّ حَدَثَ بِهَا عِنْدَ الثَّانِي عَيْبٌ وَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا مُتَقَدِّمًا فَطَالَبَ بَائِعَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ الْأَرْشَ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِمَا دَفَعَ مِنَ الْأَرْشِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ بِالْعَيْبِ الثَّانِي ثُمَّ يُنَاظِرُ البائع الأول عليه فإما قبله بعيبه وإما رضي بِدَفْعِ أَرْشِهِ فَصَارَ اخْتِيَارُ الْبَائِعِ الثَّانِي لِدَفْعِ الْأَرْشِ رِضًا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مَعَ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي أَعْتَقَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ الثَّانِي بِأَرْشِ عَيْبِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ الثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِمَا غُرِّمَ مِنْ أَرْشِهِ لِأَنَّ عِتْقَهُ يَمْنَعُ مِنْ قبوله معيبا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ وَمِثْلُهُ يَحْدُثُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْبَتِّ لَقَدْ باعه بريئا من هذا العيب (قال المزني) يحلف بالله ما بعتك هذا العبد وأوصلته إليك وبه هذا العيب لأنه قد يبيعه إياه وهو بريء ثم يصيبه قبل أن يوصله إليه (قال المزني) ينبغي في أصل قوله أن يحلفه لقد أقبضه إياه وما به هذا العيب من قبل أنه يضمن ما حدث عنده قبل دفعه إلى المشتري ويجعل للمشتري رده بما حدث عند
البائع ولو لم يحلفه إلا على أنه باعه بريئا من هذا العيب أمكن أن يكون صادقا وقد حدث العيب عنده قبل الدفع فنكون قد ظلمنا المشتري لأن له الرد بما حدث بعد البيع في يد البائع فهذا يبين لك ما وصفنا أنه لازم في أصله ما وصفنا من مذهبه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ اخْتِلَافِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الْعَيْبِ إِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي تَقَدُّمَهُ لِيَسْتَحِقَّ بِهِ الْفَسْخَ وَادَّعَى الْبَائِعُ حُدُوثَهُ لِيَمْنَعَهُ الْفَسْخَ إِنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الْعَيْبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا عُلِمَ تَقَدُّمُهُ.
وَالثَّانِي: مَا عُلِمَ حُدُوثُهُ.
وَالثَّالِثُ: مَا اسْتَوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ، فَأَمَّا مَا عُلِمَ تَقَدُّمُهُ مِثْلُ الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حُدُوثُهَا أَوْ شَقُّ جِرَاحَةِ عُنُقِهِ يَسْتَحِيلُ فِي الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ حُدُوثُ مِثْلِهَا، فَالْقَوْلُ فِي هَذَا وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِلَا يَمِينٍ لِعِلْمِنَا بِصِدْقِهِ وَكَذَا الْبَائِعُ.
وَأَمَّا مَا عُلِمَ حُدُوثُهُ فَمِثْلُ جِرَاحَةٍ طَرِيَّةٍ تُسِيلُ دَمًا يَسْتَحِيلُ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا فَالْقَوْلُ فِي هَذَا وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنِ ادِّعَاءِ الْعَمَى وَالْعَوَرِ مَعَ اعْتِرَافِ الْمُشْتَرِي بِالرُّؤْيَةِ قَوْلَ الْبَائِعِ بِلَا يَمِينٍ وَلَا رَدَّ لِلْمُشْتَرِي لِعِلْمِنَا بِصِدْقِ الْبَائِعِ وَكَذِبِ الْمُشْتَرِي، فَأَمَّا مَا أَمْكَنَ حُدُوثُهُ وَتَقَدُّمُهُ كَالْخَرْقِ فِي الثَّوْبِ وَالْكَسْرِ فِي الْإِنَاءِ وَالْجِرَاحِ وَسَائِرِ الْعُيُوبِ الَّتِي يُمْكِنُ حُدُوثُهَا وَتَقَدُّمُهَا فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ لِمَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُدُوثَ الْعَيْبِ يَقِينٌ وَتَقَدُّمُهُ شَكٌّ وَالْحُكْمُ بِالْيَقِينِ أَوْلَى مِنَ الْحُكْمِ بِالشَّكِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي تَقْتَضِي الْفَسْخَ وَدَعْوَى الْبَائِعِ تَقْتَضِي الْإِمْضَاءَ وَلُزُومُ الْعَقْدِ مِنْ قَبْلُ يُعَاضَدُ قَوْلَ مَنِ ادَّعَى الْإِمْضَاءَ دُونَ الْفَسْخِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ فَيَمِينُهُ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى الْعِلْمِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْيَمِينُ فِي جَمِيعِ الْعُيُوبِ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَقَدُّمَ الْعَيْبِ يُوجِبُ خِيَارَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ يَمِينُ الْبَائِعِ عَلَى الْعِلْمِ لِأَنَّهُ قَدْ يَصْدُقُ فِيهَا وَلَا يَمْنَعُ حَقَّ الْمُشْتَرِي بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَيْبَ نَقْصُ جُزْءٍ يَدَّعِي الْبَائِعُ إِقْبَاضَهُ وَالْيَمِينُ فِي الْقَبْضِ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى الْعِلْمِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ يَمِينَ الْبَائِعِ عَلَى الْبَتِّ فَصِفَةُ يَمِينِهِ تُبْنَى عَلَى مُقَدِّمِهِ، وَهِيَ أَنَّ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ دَعْوَى فَأَنْكَرَهَا لَمْ يَخْلُ حَالُ إِنْكَارِهِ مِنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقَابِلَ لَفْظَ الدَّعْوَى فِي
الْإِنْكَارِ بِمِثْلِهِ أَوْ يَكُونَ نَفْيًا لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَابِلَ فِي الْإِنْكَارِ بِمِثْلِ اللَّفْظِ فصفته أن يدعى عليه غصب عبد فيكون جَوَابُهُ فِي الْإِنْكَارِ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ لَهُ قِبَلِي حَقٌّ، وَهَذَا جَوَابٌ كَافٍ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ يَمِينُ الْمُنْكِرِ لِهَذِهِ الدَّعْوَى مِثْلَ إِنْكَارِهِ لَا مِثْلَ دَعْوَى الْمُدَّعِي فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا لَهُ قِبَلِي حَقٌّ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ وَاللَّهِ مَا غَصَبْتُهُ الْعَبْدَ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَصَبَهُ ثُمَّ رَدَّهُ أَوِ ابْتَاعَهُ فَيَأْثَمُ إِنْ حَلَفَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الدَّعْوَى، فَإِنْ كَانَ إِنْكَارُهُ مُقَابِلًا لِلَفْظِ الدَّعْوَى فَصِفَتُهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ غَصْبَ عَبْدٍ فَيَكُونُ فِي جَوَابِهِ فِي الْإِنْكَارِ أَنْ يَقُولَ مَا غَصَبْتُهُ هَذَا الْعَبْدَ فَعَلَى هَذَا فِي يَمِينِهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا لَهُ قِبَلِي حَقٌّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا غَصَبْتُهُ الْعَبْدَ لِأَنَّهُ لَا يُنْكِرُ الدَّعْوَى بِمِثْلِ لَفْظِهَا إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ.
فَإِذَا وَضَحَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ لَمْ يَخْلُ جَوَابُ الْبَائِعِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ حُدُوثِ الْعَيْبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِاسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ أَوْ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لِدَعْوَى الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ نَفَى اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ رَدَّ هَذِهِ السِّلْعَةِ بِهَذَا الْعَيْبِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ مُطَابَقَةً لِجَوَابِهِ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ رَدَّ هَذِهِ السِّلْعَةِ بِهَذَا الْعَيْبِ وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَابِلَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ لَفْظِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا الْعَيْبُ فَفِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْلِفَ مِثْلَ يَمِينِهِ الْأَوَّلِ فَيَقُولُ وَاللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ رَدَّ هَذِهِ السِّلْعَةِ بِهَذَا الْعَيْبِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مُتَقَدِّمًا لَكِنْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ عِلْمٍ وَلَا يَكُونُ لَهُ رَدُّهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ يَمِينَهُ تَكُونُ مُطَابَقَةً لِقَوْلِهِ فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ هَذِهِ السِّلْعَةِ مَا بِهَا هَذَا الْعَيْبُ لِأَنَّ جَوَابَهُ بِهَذَا التَّصْرِيحِ يَنْفِي عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاحْتِمَالِ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: يَجِبُ أَنْ تَكُونَ يَمِينُ الْبَائِعِ بِاللَّهِ لَقَدْ أَقْبَضْتُهُ بَرِيًّا مِنْ هَذَا الْعَيْبِ قَالَ لِأَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَيْبُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَيْبُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَإِذَا حَلَفَ لقد باعه بريا مِنْ هَذَا الْعَيْبِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ مَعَ اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ يَمِينَ الْبَائِعِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُطَابِقَةً لِدَعْوَى الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مَعِيبًا حلف البائع بالله لقد باعه بريا مِنْ هَذَا الْعَيْبِ وَلَمْ يُلْزِمْهُ أَنْ يَحْلِفَ لقد أَقْبَضَهُ مَعِيبًا حَلَفَ الْبَائِعُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَقْبَضَهُ بريا مِنْ هَذَا الْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى
المشتري أن البائع أقبضه بريا مِنْ هَذَا الْعَيْبِ وَلَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَحْلِفَ لقد باعه بريا مِنْ هَذَا الْعَيْبِ فَإِنْ قَالَ الْمُزَنِيُّ فَمَا ذَكَرْتُهُ أَحْوَطُ قِيلَ لَهُ فَأَنْتَ فَإِنِ احْتَطْتَ لِلْمُشْتَرِي فَيَلْزَمُكَ أَنْ تَحْتَاطَ أَيْضًا لِلْبَائِعِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَمِينُهُ بِاللَّهِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ رَدَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِهَذَا الْعَيْبِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ عَلِمَ الْعَيْبَ مَعَ تَقْدِيمِهِ وَأَمْسَكَ عَنِ الرَّدِّ بَعْدَ عِلْمِهِ فَيَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَيُضْمَنُ الِاحْتِيَاطُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَهَذَا أَوْلَى.
فَصْلٌ:
وَإِذَا ثَبَتَ تَقَدُّمُ الْعَيْبِ كَانَ رَدُّ الْمُشْتَرِي مُعْتَبَرًا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَوْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَيْبٌ يُوكِسُ الثَّمَنَ وَيُوجِبُ الْفَسْخَ فَلَا رَدَّ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ حُكْمٌ وَالْجَهْلُ بِالْأَحْكَامِ لَا يُسْقِطُهَا، فَلَوْ كَانَ شَاهَدَ الْعَيْبَ قَدِيمًا وَقَالَ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ زَالَ فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْقَوْلِ وَلَا رَدَّ لَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعَيْبِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: تَعْجِيلُ الرَّدِّ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ عَلَى الْفَوْرِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ الْمُعْتَادِ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْعَيْبِ لَيْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهُ فِي الْحَالِ حَتَّى يُصْبِحَ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ وَلَوْ عَلِمَ بِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِغَيْبَةٍ أَوْ مَرَضٍ كَانَ عَلَى حَقِّهِ إِلَى أَنْ يَزُولَ الْمَنْعُ فَلَوْ بَادَرَ برده حين علم بعيبه فلقي البائع وأقبل عَلَى مُحَادَثَتِهِ ثُمَّ أَرَادَ الرَّدَّ فَلَا رَدَّ لَهُ لِأَنَّ أَخْذَهُ فِي الْكَلَامِ مَعَ إِمْسَاكِهِ عَنِ الرَّدِّ إِسْقَاطٌ لِحَقِّهِ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ حِينَ لَقِيَهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ سَلَامِهِ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ رَدَّهُ بَعْدَ سَلَامِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنْ لَا رَدَّ لَهُ حَتَّى يَرُدَّ قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّ السَّلَامَ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ الرَّدِّ كَالْكَلَامِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ لَهُ الرَّدُّ وَسَلَامُهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ أَدَبًا وَشَرْعًا بِهِ وَلِأَنَّ السَّلَامَ قَرِيبٌ لَا يَطُولُ بِهِ الزَّمَانُ وَلَا تَنْقَطِعُ بِهِ الْمُوَالَاةُ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَ الْمَبِيعَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ يُنَافِي الرَّدَّ، فَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ بَطَلَ حَقُّهُ مِنَ الرَّدِّ وَالْأَرْشِ مَعًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا جَرَتِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَقَوْلِهِ لِلْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ وَقَدْ وَقَفَ عَلَى عَيْبِهَا أَغْلِقِي الْبَابَ أَوْ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ فَلَا يَكُونُ هَذَا الْيَسِيرُ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مَانِعًا مِنَ الرَّدِّ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِمِثْلِهِ فِي غَيْرِ مَالِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَابَّةً فَحِينَ عَلِمَ بِعَيْبِهَا رَكِبَهَا لِرَدِّهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ هَذَا الرُّكُوبُ مَانِعًا مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا رَدَّ لَهُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَالِكِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: لَهُ الرَّدُّ، لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَجَّلَ لَهُ فِي الرَّدِّ وَأَصْلَحُ لِلدَّابَّةِ مِنَ الْقَوْدِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَوْبًا فَحِينَ وَقَفَ عَلَى عَيْبِهِ لَبِسَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى بَايِعِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ هَذَا اللُّبْسُ مَانِعًا مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِهِ وَلِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ لِلثَّوْبِ فِي لُبْسِهِ وَلَوْ كَانَ لَابِسًا لِلثَّوْبِ فَوَقَفَ عَلَى عَيْبِهِ فِي الطَّرِيقِ فَتَوَجَّهَ لِيَرُدَّهُ مُسْتَدِيمًا لِلُبْسِهِ جَازَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ وَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ فِي الطَّرِيقِ بِنَزْعِهِ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ، فَجُعِلَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَأَلْزَمَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَتَحَالَفَا وَرُدَّ الْمَبِيعُ عَلَى الْبَائِعِ فَطَالَبَ الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ الْعَيْبِ الَّذِي حَلَفَ عَلَى حُدُوثِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ لِأَنَّنَا إِنَّمَا جَعَلْنَا الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ سَلَامَةِ الْعَقْدِ فِي سُقُوطِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ اعْتِبَارًا بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ فَوَجَبَ إِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ أَنْ يَصِيرَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي فِي سُقُوطِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ اعْتِبَارًا بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ.
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الْمُزَنِيُّ: " وَسَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ كُلُّ مَا اشْتَرَيْتَ مِمَّا يَكُونُ مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ فَكَسَرْتَهُ فَأَصَبْتَهُ فَاسِدًا فَلَكَ رَدُّهُ وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ فَاسِدًا صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ فَاسِدًا مَكْسُورًا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ وَلِلْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَفَاسِدًا إِلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ قِيمَةٌ فَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّ الرَّانِجَ مَكْسُورًا كَمَا لَا يَرُدُّ الثَّوْبَ مَقْطُوعًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَكَسَرَهُ أَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ بَعْدَ الْكَسْرِ أَوِ الْقَطْعِ عَيْبًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْسَرَهُ أَوْ يَقْطَعَهُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ كَثَوْبٍ قَطَّعَهُ قَمِيصًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَسْرُهُ وَقَطْعُهُ لِغَيْرِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ كَثَوْبٍ قَطَّعَهُ قَمِيصًا ثُمَّ وَجَدَهُ مَعِيبًا لَمْ يَلْزَمِ الْبَائِعَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مَعِيبًا وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِأَرْشِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ قَبُولَهُ مَقْطُوعًا فَلَا أَرْشَ لِلْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ خِيَاطَةٌ وَإِنْ كَانَ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِفَاسَدِهِ قِيمَةً أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لِفَاسَدِهِ كَبَيْضَةٍ فاسدة مذرة أو جوزة فَارِغَةٍ أَوْ بِطِّيخَةٍ زَائِدَةٍ فَلِلْمُشْتَرِي فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِأَنَّ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ.
وإن كان مما نقد قِيمَتُهُ كَبَيْضِ النَّعَامِ إِذَا تَغَيَّرَ أَوِ الْبِطِّيخِ إِذَا حَمُضَ أَوِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ إِذَا زَنِخَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ كَسْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ إِلَّا بِمِثْلِهِ أَوْ يَكُونَ أَكْثَرُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ إِلَّا بِمِثْلِهِ فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ مَكْسُورًا أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا رَدَّ لَهُ لِنَقْصِهِ عَمَّا أَخَذَهُ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ صَحِيحًا سَلِيمًا وَصَحِيحًا مَعِيبًا ثُمَّ يَرْجِعُ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الثَّمَنِ لَا مِنَ
الْقِيمَةِ فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ صَحِيحًا سَلِيمًا عَشَرَةً وَقِيمَتُهُ صَحِيحًا مَعِيبًا ثَمَانِيَةً فَقَدْرُ الْعَيْبِ الْخُمْسُ فَرَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِخُمْسِ الثَّمَنِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ: أَنَّ هَذَا الْكَسْرَ لَا يُمْنَعُ مِنَ الرَّدِّ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ إِلَّا بِهِ كَانَ كَالْمَأْذُونِ فِيهِ وَجَرَى مَجْرَى الْمُصَرَّاةِ الَّتِي لَا يَمْنَعُ حَلْبُهَا مِنْ رَدِّهَا فَعَلَى هَذَا إِذَا رَدَّ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ مَعَهُ أَرْشَ الْكَسْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَرُدُّ أَرْشَ النَّقْصِ بِالْخُمْسِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَأْذُونِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَرُدُّ مَعَهُ أَرْشَ النَّقْصِ كَمَا يَرُدُّ الصَّاعَ بَدَلًا مِنْ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ فَعَلَى هَذَا يَرُدُّ أَرْشَ كَسْرِهِ مِنَ الْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ وَهُوَ أَنْ يُقَوِّمَ صَحِيحًا مَعِيبًا فَيُقَالُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ثُمَّ يُقَوِّمُ مَكْسُورًا مَعِيبًا فَيُقَالُ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ فَيَكُونُ قَدْرُ الْأَرْشِ دِرْهَمَيْنِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَسْرُ كَسْرًا قَدْ يَصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْبٍ بِأَقَلَّ مِنْهُ كَالْبِطِّيخِ الَّذِي يَصِلُ إِلَى عِلْمِ حُلْوِهِ مِنْ حَامِضِهِ بِثَقْبِهِ دُونَ كَسْرِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ إِذَا كَسَرَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا مَضَى سَوَاءً.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا لَا رَدَّ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْكَسْرِ لَيْسَتْ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ فَلَمَّا مُنِعَتْ مِنَ الرَّدِّ لَوِ انْفَرَدَتْ فَأَوْلَى أَنْ تُمْنَعَ إِذَا شَارَكَتْ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الْمَنْعُ مِنَ الرَّدِّ احْتِجَاجًا بِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الثَّوْبَ مَقْطُوعًا لَمْ يَرُدَّ الرَّانِجَ مَكْسُورًا وَكَذَلِكَ الْجَوْزَ وَاللَّوْزَ فَيُقَالُ لَهُ إِنَّمَا لَا تَرُدُّ الثَّوْبَ مَقْطُوعًا لِأَنَّهُ نَقَصَ لِغَيْرِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ وَكَسْرُ الرَّانِجِ وَالْجَوْزِ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ.
فَصْلٌ:
إِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا مَطْوِيًّا فَنَشَرَهُ صَحَّ الشِّرَاءُ إِنْ كَانَ مَطْوِيًّا عَلَى طَاقَتَيْنِ لِيَرَى جَمِيعَ الثَّوْبِ مِنْ جَانِبَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَطْوِيًّا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَيَكُونُ جَوَابُهُ عَلَى مَا مَضَى.
فَأَمَّا إِذَا نَشَرَهُ بَعْدَ صِحَّةِ بَيْعِهِ فَإِنْ كَانَ نَشْرُهُ لَا يُنْقِصُ مِنْ قِيمَتِهِ كَانَ لَهُ رَدُّهُ مَنْشُورًا بِمَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ عَيْبٍ وَإِنْ كَانَ نَشْرُهُ يُنْقِصُ مِنْ قِيمَتِهِ كَالسّخَابيِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَيَكُونُ كَالَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْبِهِ إِلَّا بِكَسْرِهِ فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ إِلَّا أَنْ يَنْشُرَهُ مَنْ لَا يُحْسِنُ النَّشْرَ فَيَكُونُ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْوَجْهَيْنِ.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ وَقَدْ جَنَى فَفِيهَا قَوْلَانِ أحدهما أن البيع جائز كما يكون العتق جائزا وعلى السيد الأقل من قيمته أو أرش جنايته والثاني أن البيع مفسوخ من قبل أن الجناية في عتقه كالرهن فيرد البيع ويباع فيعطى رب الجناية جنايته
وبهذا أقول إلا أن يتطوع السيد بدفع الجناية أو قيمة العبد إن كانت جنايته أكثر كما يكون هذا في الرهن ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
اعْلَمْ أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوجِبُ الْقَوَدَ وَنَوْعٌ يُوجِبُ الْمَالَ، فَأَمَّا الْمُوجِبَةُ لِلْقَوَدِ فَغَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ لِأَنَّهُ يوجب الْقَوَدَ مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ كَالْمَرَضِ فَإِنْ بَاعَهُ ثُمَّ أَقْبَضَ منه فقد اختلف أصحابنا هل يكون قبله بِالْقِصَاصِ يَجْرِي مَجْرَى اسْتِحْقَاقِهِ بِالْغَصْبِ أَوْ مَجْرَى تَلَفِهِ بِالْمَرَضِ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: يَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى اسْتِحْقَاقِهِ بِالْغَصْبِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِجِنَايَتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: بَلْ يَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى تَلَفِهِ بِالْمَرَضِ.
فَعَلَى هَذَا لَا رُجُوعَ لَهُ بِالثَّمَنِ لِتَلَفِ ذَلِكَ فِي يَدِهِ وَيَرْجِعُ بِالْأَرْشِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ.
فَصْلٌ:
فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ فَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَقُدْهُ السَّيِّدُ مِنْ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدِيَهُ مِنْهَا لَمْ يَخْلُ السَّيِّدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِالْجِنَايَةِ أَوْ مُعْسِرًا؛ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِهَا بَطَلَ بَيْعُهُ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مُسْتَحَقٌّ وَتَقْدِيمُهَا أَحَقُّ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِهَا فَفِي بَيْعِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ فَيَبْقَى حُكْمُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ فِي جَوَازِ تَصَرُّفِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ: أَنَّ بَيْعَهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ أَوْكَدُ مِنْ تَعَلُّقِ الرَّهْنِ بِهَا لِتَقْدِيمِ الْجِنَايَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا فَلَمَّا كَانَ رَهْنَهُ مَانِعًا مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ فَأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ مَانِعَةً مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ بَيْعُهُ بَاطِلًا فَدَاهُ السَّيِّدُ مِنْ بَعْدُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ أَقَلَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ أَوْ كَثُرَ فَأَمَّا إِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ فَإِنَّ السَّيِّدَ مَأْخُوذٌ بِفَكِّهِ مِنْ جِنَايَتِهِ فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ بِإِزَاءِ قِيمَتِهِ فَمَا دُونَ بِجَمِيعِهَا وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ أَكَثُرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِجَمِيعِهَا وَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِ أَضْعَافًا لِأَنَّهُ بِالْمَنْعِ مِنْهُ قَطَعَ رَغْبَةَ الرَّاغِبِينَ فِيهِ.
وَالثَّانِي: عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ لَا غَيْرَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهَا الْجِنَايَةُ فَإِنْ فَدَاهُ مِنْ جِنَايَتِهِ اسْتَقَرَّ الْبَيْعُ وَصَحَّ وَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْهَا فَهَلْ يُؤْخَذُ أَرْشُهَا مِنْهُ جَبْرًا أَوْ يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَتُبَاعُ فِي الْأَرْشِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ الْأَرْشِ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ لَكِنْ يَفْسَخُ عَلَيْهِ الْبَيْعَ لِيُبَاعَ فِي الْأَرْشِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُؤْخَذُ مِنْهُ الْأَرْشُ جَبْرًا وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ وَهُوَ بِالْبَيْعِ مُلْتَزِمٌ لِفَدْيِهِ.
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ المزني: قلت أنا قوله كَمَا يَكُونُ الْعِتْقُ جَائِزًا تَجْوِيزٌ مِنْهُ لِلْعِتْقِ وَقَدْ سَوَّى فِي الرَّهْنِ بَيْنَ إِبْطَالِ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ فَإِذَا جَازَ الْعِتْقُ فِي الْجِنَايَةِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ مِثْلُهُ؟ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا عِتْقُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ الْجَانِي فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ جِنَايَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقَوَدِ فَعِتْقُهُ نَافِذٌ سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا كَانَ لَهُ الِاقْتِصَاصُ قَبْلَ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ نُظِرَ حَالُ السَّيِّدِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِالْجِنَايَةِ كَانَ عِتْقُهُ نَافِذًا وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ لَا يُخْتَلَفُ لِاسْتِهْلَاكِهِ الْعَبْدَ بِالْعِتْقِ كَمَا لَوِ اسْتَهْلَكَهُ بِالْقَتْلِ، وَيَكُونُ ضَامِنًا لَأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ: مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، لَا تُخْتَلَفُ لِأَنَّ الْعَبْدَ بِالْعِتْقِ مُسْتَهْلَكٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُعْسِرًا فَفِي نُفُوذِ عَتْقِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
وَالثَّانِي: عِتْقُهُ نَافِذٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ فِي الْعِتْقِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، لَا يُمْكِنُ إِسْقَاطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَخَالَفَ الْبَيْعَ الَّذِي يُفْسَخُ بَعْدَ عَقْدِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ضَامِنًا لِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ إِنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ سَوَّى بَيْنَ بَيْعِ الْمَرْهُونِ وَعِتْقِهِ وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ بَيْعِ الْجَانِي وَعِتْقِهِ فَهَذَا سَهْوٌ مِنْهُ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ خَالَفَ بَيْنَ بَيْعِ الْمَرْهُونِ وَعِتْقِهِ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ بَيْعَهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَهُ فِي عِتْقِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ فِي بَيْعِ الْجَانِي وَعِتْقِهِ لِأَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ أَقْوَى وَأَنْفَذُ مِنَ الْبَيْعِ.
مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَمْ لا
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَيَكُونَ مَبِيعًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِالْمِيرَاثِ وَلَا يَمْلِكُ مَا لَمْ يُمَلِّكْهُ السَّيِّدُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مَلَّكَهُ السَّيِّدُ مَالًا أَمْ لَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ يَمْلِكُ بُضْعَ زَوْجَتِهِ؟ . فَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُدُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ الْمَالَ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَتَصَرَّفَ فِي الْمَالِ كَيْفَ يَشَاءُ.
وَقَالَ أبو حنيفة وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ وَإِنْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ وَلَا يَتَصَرَّفَ فِيمَا بِيَدِهِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إلى أن العبد يملك لقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنيهم اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُغْنِيهِمْ وَمَنْ لَا يَمْلِكُ لَا يُوصَفُ بِالْغِنَى، وَبِمَا رَوَى الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ " فَأَضَافَ الْمَالَ إِلَيْهِ بِلَامِ التَّمْلِيكِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ، وَبِمَا رُوِيَ " أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ وَكَانَ عَبْدًا حَمَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ إِسْلَامِهِ طَبَقًا فِيهِ رُطَبٌ لِيَخْتَبِرَ حَالَ نُبُوَّتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا هَذَا قَالَ صَدَقَةٌ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّا لَا يَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِطَبَقٍ آخَرَ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ هَدِيَّةٌ فَقَبِلَهُ فَقَالَ: إِنَّا نَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَنُكَافِئُ عَلَيْهَا "، فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ لَمَا اسْتَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبُولَ هَدِيَّتِهِ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْمِلْكِ كَالْمُكَاتَبِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ بَدَلَهُ فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ بُضْعَ زَوْجَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مِنْهُ مِلْكَ بَدَلِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَمْلِكَ الْبُضْعَ نِكَاحًا صَحَّ أَنْ يَمْلِكَهُ شِرَاءً كَالْحُرِّ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ عَلَيْهِ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ مَلَكَهُ فِي غَيْرِهِ كَالْمُكَاتَبِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] وَفِيهَا دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الْقُدْرَةَ فَكَانَتْ عَلَى عُمُومِهَا فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى عَنْهُ الْقُدْرَةَ وَقَدْ تَسَاوَى الْحُرُّ فِي الْبَطْشِ وَالْقُوَّةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُخَالِفُ الْحُرَّ فِيهِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَلْكِ دُونَ غَيْرِهِ وَقَالَ تَعَالِيَ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فيما رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28] . وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَهَا مَثَلًا لِنَفْسِهِ فَقَالَ لَمَّا كَانَ عَبِيدُكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ لَا يُشَارِكُونَكُمْ فِي أَمْلَاكِكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ عَبِيدِي لَا تُشَارِكُونِي فِي مُلْكِي فَلَوْ قِيلَ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ مِثْلَ سَيِّدِهِ بَطَلَ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، فَوَجْهُ الدَّلِيلِ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ وَارْتِفَاعِ يَدِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِسَيِّدِهِ فِي حَالِ مِلْكِهِ وَثُبُوتِ يَدِهِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ مِنَ الْخَبَرِ وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ تَابِعٌ لِلْمَالِكِ فَلَوْ كَانَ مَا أُضِيفَ إِلَى الْعَبْدِ مِنَ الْمَالِ مِلْكًا لَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ وَجْهٌ فَلَمَّا لَمْ يَنْتَقِلْ وَكَانَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ بِأَنْ بَانَ مِنْ قَبْلُ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ.
وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا كَالْبَهِيمَةِ وَلِأَنَّ الْآدَمِيِّينَ
صِنْفَانِ: مَالِكُونَ وَمَمْلُوكُونَ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ مَمْلُوكًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ مَالِكًا وَلِأَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي فِيهِ مِنْ جِنْسِ الرِّقِّ الَّذِي فِي غَيْرِهِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ رِقَّ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ رِقَّ غَيْرِهِ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ رَقِيقٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ الرَّقِيقُ قِيَاسًا عَلَى رِقِّ نَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِرْثَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْمِلْكِ لِحُصُولِ الْمِلْكِ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَلَمَّا لَمْ يَمْلِكِ الْعَبْدُ بِالْإِرْثِ وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ التَّمْلِيكَاتِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ بِأَضْعَفِ أَسْبَابِ التَّمْلِيكَاتِ وَتَحْرِيرُهُ عِلَّةُ أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ لِيَمْلِكَ بِهِ الْمَالَ لَمْ يَمْلِكْ بِهِ الْعَبْدُ كَالْإِرْثِ وَلِأَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي الْمِلْكَ بِدَلِيلِ أَنَّ حُدُوثَهُ يُزِيلُ مِلْكَ الْحَرْبِيِّ فَلَمَّا كَانَ الرِّقُّ قَاطِعًا لِاسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ ابْتِدَاءِ الْمِلْكِ وَلِأَنَّ تَمْلِيكَهُ الْعَبْدَ يُؤَدِّي إِلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدُ عَبْدًا فَيُمَلِّكُهُ مَالًا فَيَشْتَرِي مَوْلَاهُ مِنْ سَيِّدِهِ فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَبْدَيْنِ سَيِّدًا لِصَاحِبِهِ فَتَتَنَاقَضُ أَحْكَامُهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ قَاهِرًا لِأَنَّ سَيِّدَهُ مَقْهُورًا لِأَنَّهُ عَبْدٌ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِأَنَّهُ سَيِّدٌ وَلَهُ النَّفَقَةُ لِأَنَّهُ عَبْدٌ وَمَا أَدَّى إِلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ منع منه كالزوجية إِذَا تَمَلَّكَتْ زَوْجَهَا لِمَا كَانَ اجْتِمَاعُ الزَّوْجَيْنِ والملك متناقضا أبطلت الزوجية وأثبتت الْمِلْكُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32] . فَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ أَنْ يُغْنِيَهُمْ بِحَلَالِ الْوَطْءِ عَنْ حَرَامِهِ عَلَى أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى غِنَاهُمْ بِالْمَالِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ سَلْمَانَ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا وَإِنَّمَا كَانَ حُرًّا مَغْصُوبًا وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَهْدَى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّ من جعل مَالِكًا مَنْعُهُ مِنَ الْهَدِيَّةِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمُكَاتَبِ فَهُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ مَالِكٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا بِيَدِهِ.
وَالسَّيِّدُ مَمْنُوعٌ لِأَجْلِ الْكِتَابِ مِنَ انْتِزَاعِ مَا فِي يَدِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ الْأَدَاءُ فَيُعْتَقَ وَلَوْ جَازَ لَهُ انْتِزَاعُهُ لَأَعْوَزَهُ الْأَدَاءُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْحُرِّ فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي الْحُرِّ أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مَلَكَ غَيْرَهُ وَلَمَّا لَمْ يَمْلِكِ الْعَبْدُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ بَدَلَهُ فَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ يَمْلِكُ الْبُضْعَ وَإِنَّمَا يَسْتَبِيحُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ مِنَ الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ فِي الِاسْتِبَاحَةِ سَوَاءٌ كَمَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ خَالَفَ عَقْدُ النِّكَاحِ مِلْكَ الْيَمِينِ.
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " فَمَا جَازَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ مَالِهِ جَازَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ مَالِ عَبْدِهِ وَمَا حَرُمَ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ مِنْ هَذَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِمَالِكِ الْعَبْدِ فَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ اشْتَرَطَ مَالَهُ مَجْهُولًا وَقَدْ يَكُونُ دَيْنًا وَاشْتَرَاهُ بِدَيْنٍ كَانَ هذا بيع
الغرر وشراء الدين بالدين فمعنى قوله " إلا أن يشترطه المبتاع " على معنى ما حل كما أباح الله ورسوله البيع مطلقا على معنى ما يحل لا على ما يحرم (قال المزني) قلت أنا وقد كان الشافعي قال يجوز أن يشترط ماله وإن كان مجهولا لأنه تبع له كما يجوز حمل الأمة تبعا لها وحقوق الدار تبعا لها ولا يجوز بيع الحمل دون أمه ولا حقوق الدار دونها ثم رجع عنه إلى ما قال في هذا الكتاب (قال المزني) والذي رجع إليه أصح ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْقَوْلَانِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ إِذَا مُلِّكَ وَدَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْقَوْلَيْنِ مَا قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ فَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ وَقَدْ مَلَّكَهُ مَالًا لَمْ يَخْلُ حَالَ الْعَقْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَا إِخْرَاجَ مَالِهِ مِنَ الْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا إِدْخَالَ مَالِهِ فِي الْبَيْعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَا فَإِنْ شرطا إِخْرَاجَ مَالِهِ خَرَجَ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ فَلَمْ يَدْخُلْ مَالُ الْعَبْدِ فِي الْبَيْعِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ بِخِلَافِ قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَهُ كَانَ جَمِيعُ ما ملكه السيد دون العبد على قولين جَمِيعًا وَقَالَ مَالِكٌ يَكُونُ مِلْكًا لِلْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْمُعْتِقِ " وَهَذَا نَصٌّ فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَا دُخُولَ مَالِهِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ حُكْمَهُ يَخْتَلِفُ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ مَالِهِ حَتَّى يَسْلَمَ مَالُهُ مِنَ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ وَالرِّبَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعَقْدِ يَصِحُّ أَنْ يُشْتَرَطَ تَبَعًا لِلْعَبْدِ فَلَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا أَوْ مَجْهُولًا أَوْ دَيْنًا، وَالثَّمَنُ دَيْنٌ أَوْ ذَهَبٌ، وَالثَّمَنُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، وَالثَّمَنُ فِضَّةٌ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَلَوْ كَانَ مَالُهُ ثِيَابًا حَاضِرَةً أَوْ عُرُوضًا مُشَاهَدَةً صَحَّ بَيْعُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَوْ كَانَ مَالُهُ ذَهَبًا فَبِيعَ بِالْفِضَّةِ أَوْ فِضَّةً فَبِيعَ بِالذَّهَبِ كَانَ هَذَا الْعَقْدُ قَدْ جَمَعَ مَبِيعًا وَصَرْفًا فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَالِهِ مَعًا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مَجْهُولًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ جَوَازِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَعَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فيه اشتراط المشتري له هو شرط لتبقية مَالَهُ عَلَيْهِ وَمَانِعٌ لِانْتِزَاعِ السَّيِّدِ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَكَانَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُهُ مِنْ يَدِهِ كَمَا كَانَ لِلْبَائِعِ انْتِزَاعُهُ مِنْ يَدِهِ فَلَمَّا شَرَطَهُ كَانَ الشَّرْطُ اسْتِيفَاءَ إِكْمَالِهِ وَمَنْعًا لِلسَّيِّدِ مِنَ انْتِزَاعِهِ ثُمَّ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْزِعَ مَالَهُ مِنْ يَدِهِ كَمَا لِلْبَائِعِ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ.
وَاسْتُدِلَّ لِصِحَّةِ هَذَا التَّعْلِيلِ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ " فَجَعَلَهُ لِلْمُبْتَاعِ بِالشَّرْطِ لَا بِالشِّرَاءِ وَلَوْ كَانَ يَصِيرُ لَهُ بِالشِّرَاءِ لَقَالَ: فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ الْمُبْتَاعُ فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَكُونُ مال العبد مَبِيعًا مِنْهُ فَيَصِحُّ الْمَبِيعُ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ دَيْنًا أَوْ غَائِبًا أَوْ
مَجْهُولًا أَوْ مُفْضِيًّا إِلَى الرِّبَا أَوْ كَانَ مُسْتَعَارًا حَتَّى لَوْ كَانَ مَالُ السَّيِّدِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَقَدِ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ صَحَّ الشِّرَاءُ وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْزِعَ الْأَلْفَيْنِ مِنْ يَدِهِ وَيَدْفَعَ إِحْدَاهُمَا فِي ثَمَنِهِ وَيَحْصُلَ لَهُ أَلْفٌ وَعَبْدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ دَفَعَهُ مِنْ مَالِهِ.
وَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ إِلَى أَنَّ تَعْلِيلَهُ وَجَوَازَهُ كَوْنُ الْمَالِ تَبَعًا لَهُ فَصَحَّتِ الْجَهَالَةُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَبِيعًا مَعَهُ كَمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْجَهَالَةِ بِتَوَابِعِ الْمَبِيعِ فِي الْحَمْلِ وَاللَّبَنِ وَحُقُوقِ الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَلَوْ أُفْرِدَ بِالْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ مَعَ الْجَهَالَةِ بِهِ كَذَا مَالُ الْعَبْدِ يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِلْعَبْدِ وَلَوْ كَانَ مَجْهُولًا وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُفْرَدًا حَتَّى يَكُونَ مَعْلُومًا فَأَمَّا الرِّبَا فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ إِلَّا مَعَ سَلَامَتِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الرِّبَا لَا تَصِحُّ إِبَاحَتُهُ فِي الشَّرْعِ تَبَعًا وَتَصِحُّ دُخُولُ الْجَهَالَةِ فِيهَا تَبَعًا، فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ مَالُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مَجْهُولًا لِجَوَازِ الْجَهَالَةِ فِي تَوَابِعِ الْعَقْدِ وَلَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ مَالُهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ لِأَجْلِ الرِّبَا الَّذِي لَا يَحِلُّ فِي الْعِتْقِ قَصْدًا ولا تبعا والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وحرام التدليس ولا ينتقض به البيع (قال أبو عبد الله محمد بن عاصم) سمعت المزني يقول هذا غلط عندي فلو كان الثمن محرما بالتدليس كان البيع بالثمن المحرم منتقضا وإذا قال لا ينتقض به البيع فقد ثبت تحليل الثمن غير أنه بالتدليس مأثوم فتفهم فلو كان الثمن محرما وبه وقعت العقدة كان البيع فاسدا أرأيت لو اشتراها بجارية فدلس المشتري بالثمن كما دلس البائع بما باع فهذا إذا حرام بحرام يبطل به البيع فليس كذلك إنما حرم عليه التدليس والبيع في نفسه جائز ولو كان من أحدهما سبب يحرم فليس السبب هو البيع ولو كان هو السبب حرم البيع وفسد الشراء فتفهم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ التَّدْلِيسُ حَرَامًا لِرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَانُ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا هُوَ طَعَامٌ مَبْلُولٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا " وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ: " لَا خِلَابَةَ فِي الْإِسْلَامِ " أَيْ لَا خَدِيعَةَ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَنَّهُ قَالَ لَا شَوْبَ وَلَا رَوْبَ " أَيْ لَا غِشَّ وَلَا تَغْلِيطَ فَإِنْ دَلَّسَ فِي بَيْعِهِ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا لَا يَبْطُلُ بِتَدْلِيسِهِ.
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَيْعُ بَاطِلٌ بِالتَّدْلِيسِ وهذا
خَطَأٌ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نَهَى عَنِ التَّصْرِيَةِ " وَجَعَلَهَا تَدْلِيسًا ثُمَّ قَالَ: مَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا بِالتَّدْلِيسِ لَرَدَّ وَلَمْ يُخَيَّرْ وَلِأَنَّ النَّهْيَ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَانَ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَإِذَا كَانَ لِمَعْنًى فِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ كَالنَّهْيِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَالنَّهْيُ عَنِ التَّدْلِيسِ بِمَعْنًى فِي الْعَاقِدِ دُونَ الْمَعْقُودِ فَلَمْ يَكُنِ النَّهْيُ مُبْطِلًا لَهُ.
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وَأَكْرَهُ بَيْعَ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَعْصِرُ الْخَمْرَ وَالسَّيْفِ مِمَّنْ يَعْصِي اللَّهَ بِهِ وَلَا أَنْقُضُ الْبَيْعَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهْنَا بَيْعَ الْعَصِيرِ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعِنَبِ عَلَى مَنْ يَعْصِرُ الْخَمْرَ وَبَيْعَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعَ الطُّرُقِ وَأَهْلَ الْبَغْيِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعُونَتِهِمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَيْسَتْ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا هِيَ مَظْنُونَةٌ فِي ثَانِي الْحَالِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْبَيْعِ فِي الْحَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ فَيَجْعَلُ الْعَصِيرَ خَلًّا وَيُجَاهِرُ بِالسِّلَاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا بَيْعُ السِّلَاحِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَحَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَةِ أَعْدَاءِ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّ بَيْعَ السِّلَاحِ عَلَيْهِمْ لَمْ يجز في الْعَقْدِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْبَيْعُ بَاطِلٌ لِتَحْرِيمِ إِمْضَائِهِ.
وَالثَّانِي: صَحِيحٌ، وَلَكِنْ يَنْفَسِخُ عَلَيْهِمْ وَالْوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ من اختلاف قولين فِي الذِّمِّيِّ إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا:
أَحَدُهُمَا: الْعَقْدُ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: صَحِيحٌ، وَلَكِنْ يُفْسَخُ عَلَيْهِ وَيُؤْمَرُ بِبَيْعِهِ وَكَذَا الْمُصْحَفُ إِذَا بِيعَ عَلَيْهِ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَصَحِيحًا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي لَكِنْ يُفْسَخُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا بَيْعُ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبَيْعُ كُتُبِ الْفِقْهِ عَلَيْهِمْ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَهَلْ يُفْسَخُ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُفْسَخُ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ تَبْدِيلِهِمْ.
وَالثَّانِي: لَا يُفْسَخُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا اسْتَدَلُّوا فِيهَا عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ وَدَفْعِهِمْ ذَلِكَ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
باب بيع البراءة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " إِذَا بَاعَ الرَّجُلُ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ بِالْبَرَاءَةِ فَالَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ قَضَاءُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ عَلِمَهُ وَلَمْ يُسَمِّهِ لَهُ وَيَقِفْهُ عَلَيْهِ تَقْلِيدًا فَإِنَّ الْحَيَوَانَ مُفَارِقٌ لِمَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ لَا يُفْتَدَى بِالصِّحَّةِ وَالسُّقْمِ وَتَحَوُّلِ طَبَائِعِهِ فَقَلَّمَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ يَخْفَى أَوْ يَظْهَرُ وَإِنْ أُصِحَّ فِي الْقِيَاسِ لَوْلَا مَا وَصَفْنَا مِنَ افْتِرَاقِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ أَنْ لَا يَبْرَأَ مِنْ عُيُوبٍ تَخْفَى لَهُ لَمْ يَرَهَا وَلَوْ سَمَّاهَا لِاخْتِلَافِهَا أَوْ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَالْأُوَلُ أَصَحُّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ عُيُوبٍ سَمَّاهَا وَوَقَفَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يبرأ من عيوب سماها ولم يقف المشتري عَلَيْهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهَا وَلَا يَقِفُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا.
أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يبرأ من عيوب سماها ووقف المشتري عليها وَهَذِهِ بَرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ بَيْعٍ جَائِزٍ لَا تَنْفِي الْجَهَالَةُ عَنِ الْبَرَاءَةِ وَلُزُومُ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ فَإِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ غَيْرَ تِلْكَ الْعُيُوبِ كَانَ لَهُ الرَّدُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا تِلْكَ الْعُيُوبَ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ عُيُوبٍ سَمَّاهَا وَلَمْ يَقِفِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْعُيُوبُ لَازِمَةً كَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ لَازِمَةٍ كَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ: فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ لَازِمَةٍ صَحَّتِ الْبَرَاءَةُ مِنْهَا بِالتَّسْمِيَةِ لَهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُشَاهَدَةٍ فَلَمْ يُمْكِنِ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا وَاكْتَفَى بِالتَّسْمِيَةِ لَهَا لِأَنَّ لِنَقْصِ الْعَيْبِ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْعَيْبِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ فَصَارَتِ التَّسْمِيَةُ لَهَا مَعَ عَدَمِ مُشَاهَدَتِهَا جَهْلًا بِهَا.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: فَهُوَ أَنْ يَبْرَأَ الْبَتَّةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهَا وَلَا يَقِفُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي الْحَيَوَانِ قَضَاءُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ
يَعْلَمْهُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ عَلِمَهُ حَتَّى يُسَمِّيَهُ لِلْبَائِعِ وَيَقِفَهُ عَلَيْهِ تَقْلِيدًا وَأَنَّ الْحَيَوَانَ يُفَارِقُ مَا سِوَاهُ وَقَالَ فِي اخْتِلَافِهِ وَمَالِكٍ وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ بَرِئَ مِمَّا عَلِمَ وَمِمَّا لَمْ يَعْلَمْ لَكَانَ مَذْهَبًا يُجَافِيهِ حُجَّةٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا لِاخْتِلَافِ نَصِّهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يَبْرَأَ فِي الْحَيَوَانِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ مَا عَلِمَهُ وَلَا يَبْرَأُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ مِنْ عَيْبٍ أَصْلًا سَوَاءٌ عَلِمَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ يَبْرَأُ فِي الْحَيَوَانِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ مَا عَلِمَهُ وَلَا يَبْرَأُ فِي غَيْرِهِ الْحَيَوَانُ مِمَّا عَلِمَهُ وَهَلْ يَبْرَأُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ عَلِمَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ فِي الْحَيَوَانِ أَوْ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ وَهَذَا قَوْلُ أبي حنيفة.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ أَصْلًا سَوَاءٌ عَلِمَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ فِي الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ فِي الْحَيَوَانِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ مَا عَلِمَهُ وَلَا يبرأ في غير الحيوان لا مما يعلمه ولا مما لم يعلم.
فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ إِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة فَوَجْهُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَوَارِيثَ قَدْ دَرَسَتْ وَتَقَادَمَتْ فَقَالَ لَهُمَا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ إِنَمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ " فَبَكَيَا وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ تَرَكْتُ حَقِّي لِصَاحِبِي فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا وَلَكِنِ اقْتَسِمَا وَاسْتَهِمَا وَلْيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ " فَلَمَّا أَمَرَهُمَا بِالتَّحَلُّلِ مِنَ الْمَوَارِيثِ الْمُتَقَادِمَةِ الْمَجْهُولَةِ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُولِ.
وَلِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إِسْقَاطُ حَقٍّ فَصَحَّ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا كَالْعِتْقِ وَلِأَنَّ مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى التَّسْلِيمِ يَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ وَمَا يَفْتَقِرُ إِلَى التَّسْلِيمِ لَا يَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْبَيْعِ فَلَمَّا كَانَ الْإِبْرَاءُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى التَّسْلِيمِ صَحَّ فِي الْمَجْهُولِ.
وَإِذَا قِيلَ بِالثَّانِي إِنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ فَوَجْهُهُ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْغَرَرِ " وَالْإِبْرَاءُ عَنِ الْمَجْهُولِ غَرَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَقِفُ لَهُ عَلَى قَدْرٍ وَلِأَنَّ الْإِبْرَاءَ كَالْهِبَةِ غَيْرَ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَخْتَصُّ بِمَا فِي الذمة والهبة بِالْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ فَلَمَّا لَمْ تَصِحَّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ
لَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ عَنِ الْمَجْهُولِ وَلِأَنَّ كُلَّ جَهَالَةٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا لَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَالْجَهَالَةِ بِتَوَابِعِ الْمَبِيعِ كَالْأَسَاسِ وَأَطْرَافِ الْأَجْدَاعِ وَطَمْيِ البئر فلما أمكن الاحتراز من الجهال في الإبراء وجب أن تكون الجهال مَانِعَةً مِنْ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ وَلِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مُسْتَحَقٌّ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ بِشَرْطٍ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّفِيعَ لَوْ عَفَا قَبْلَ الشِّرَاءِ لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ أَسْقَطَهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا كَذَلِكَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ.
وَإِذَا قِيلَ بِالثَّالِثِ إِنَّهُ يَبْرَأُ فِي الْحَيَوَانِ مِمَّا لَمْ نَعْلَمْهُ دُونَ مَا عَلِمَهُ وَلَا يَبْرَأُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ مِمَّا عَلِمَهُ وَمِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ.
فَوَجْهُهُ قَضَاءُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ابْتَاعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَبْدًا بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى شَرْطِ الْبَرَاءَةِ فَوَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ فَتَحَاكَمَا فِيهِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لِابْنِ عُمَرَ: أَتَحْلِفُ أَنَّكَ لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ فَاتَّقَى الْيَمِينَ وَاسْتَرَدَّ الْعَبْدَ فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ: تَرَكْتُ الْيَمِينَ لِلَّهِ فَعَوَّضَنِي فَقَدْ قَضَى عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْفَرْقِ فِي عُيُوبِ الْحَيَوَانِ بَيْنَ مَا عَلِمَهُ وَمَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَحَكَمَ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ وَتَابَعَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِأَنَّ زَيْدًا رَضِيَ بِقَضَائِهِ وَابْنَ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ بِخِلَافِهِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهِ لِأَنَّ الْعَيْبَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ هَذَا إِجْمَاعًا فَهَلَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَلَمْ يَجْعَلْهُ تَقْلِيدًا لِعُثْمَانَ قِيلَ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْحُكْمِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ عُثْمَانَ دُونَ زَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَإِنَّمَا كَانَ إِمْسَاكُهُمَا اتِّبَاعًا لِعُثْمَانَ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَا قَلَّدَ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَالتَّقْلِيدُ عِنْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، قِيلَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حُجَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ وَإِنْ لَمْ يَجُزِ التَّقْلِيدُ عِنْدَهُ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ فَلِأَنَّهُ كَانَ يَرَى قَوْلَ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ حُجَّةً يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِمَامًا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ فَلِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ إِذَا انْضَمَّ إِلَى قَوْلِ صَحَابِيٍّ كَانَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَقَدِ انْضَمَّ إِلَى قَضَاءِ عُثْمَانَ قِيَاسُ تَقْرِيبٍ فَصَارَ حُجَّةً يُقَدَّمُ عَلَى قِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ: فِي أَنَّ الْحَيَوَانَ يُفَارِقُ مَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ يَغْتَذِي بِالصِّحَّةِ وَالسُّقْمِ وَتَحَوُّلِ طَبَائِعِهِ وَقَلَّمَا يَخْلُو مِنْ عَيْبٍ وَإِنْ خَفِيَ فَلَمْ يَكُنِ الِاحْتِرَازُ مِنْ عُيُوبِهِ الْخَفِيَّةِ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْلُو مِنَ الْعُيُوبِ وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا لِظُهُورِهَا فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَضِيَّةِ عُثْمَانَ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَوْجِيهِ الْأَقَاوِيلِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى التَّفْرِيعِ عَلَيْهَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ الْعُيُوبِ فَإِنَّمَا يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ سَوَاءٌ كان
معلوما ظاهرا أو غير معلوم خفي فَأَمَّا مَا حَدَثَ بِهِ مِنَ الْعُيُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهَا وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ بِهَا وَإِنَّمَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا لِحُدُوثِهَا وَإِنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَصِحُّ مِنَ الْحُقُوقِ قَبْلَ وُجُوبِهَا.
فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي هُوَ حَادِثٌ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَلِي فَسْخُ الْبَيْعِ بِهِ وَقَالَ الْبَائِعُ هُوَ مُتَقَدِّمٌ بَرِئْتُ مِنْهُ فَلَيْسَ لَكَ الْفَسْخُ بِهِ وَأَمْكَنُ مَا قَالَا فَفِيهِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْعِلَّةِ فِي اخْتِلَافِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الْعَيْبِ إِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي تَقَدُّمَ الْعَيْبِ عَلَى الْقَبْضِ لِيَفْسَخَ بِهِ الْبَيْعَ وَادَّعَى الْبَائِعُ حُدُوثَهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لِيَمْنَعَ فَسْخَ الْبَيْعِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ وَلَا فَسْخَ لِلْمُشْتَرِي لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إن العلة فيه إن حدث الْعَيْبِ يَقِينٌ وَتُقَدُّمَهُ شَكٌّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي تَقْتَضِي الْفَسْخَ وَدَعْوَى الْبَائِعِ تُوجِبُ الْإِمْضَاءَ.
فَعَلَى قَوْلِ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ حُدُوثَ الْعَيْبِ يَقِينٌ وَتُقَدُّمَهُ شَكٌّ فَكَانَ الْيَقِينُ أَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي وَيُجْعَلَ لَهُ الْفَسْخُ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تَتَضَمَّنُ حُدُوثَ الْعَيْبِ دُونَ تَقَدُّمِهِ.
وَعَلَى قَوْلِ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ مَا أَوْجَبَ الْإِمْضَاءَ أَوْلَى مِمَّا اقْتَضَى الْفَسْخَ فَجُعِلَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَ الْبَائِعِ وَيُمْنَعُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفَسْخِ لِأَنَّ دَعْوَى الْبَائِعِ تَقْتَضِي الْإِمْضَاءَ دُونَ الْفَسْخِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي إِنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْعُيُوبِ فَقَدْ بَطَلَ اشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِبُطْلَانِ الشَّرْطِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ مِنْ تَوَابِعِ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَقْدَحْ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا إِنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ نَافَى مُوجَبَ الْعَقْدِ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُبْطِلَةِ لِلْعَقْدِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ إِنَّهُ لَا يُبْرَأُ مِنْ عُيُوبِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ وَيُبْرَأُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ مِنْ عُيُوبِ الْحَيَوَانِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُرَادِ بِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِخَفَائِهِ سَوَاءٌ عَلِمَهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِعُ لِجَهْلِهِ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ ظَاهِرًا أَوْ خَفْيًّا.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
باب بيع الأمة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " إِذَا بَاعَهُ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا فِيهَا مُوَاضَعَةٌ فَإِذَا دَفَعَ الثَّمَنَ لَزِمَ الْبَائِعَ التَّسْلِيمُ وَلَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى إِخْرَاجِ مِلْكِهِ مِنْ يَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ لَا يَلْزَمُ دَفْعُ الثَّمَنِ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا لِلْجَهْلِ بِوَقْتِ دَفْعِ الثَّمَنِ وَفَسَادٌ آخَرُ أَنَّ الْجَارِيَةَ لَا مُشْتَرَاةٌ شِرَاءَ الْعَيْنِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا وَلَا عَلَى بَيْعِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الْأَجَلُ مَعْلُومًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ إِلَى أَجَلٍ وَلَا لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ جَمِيلًا بِعُهْدَةٍ وَلَا بِوَجْهٍ وَإِنَمَا التَّحَفُّظُ قَبْلَ الشِّرَاءِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَاةَ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الْبَائِعِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي؟ .
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة وَمَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مِلْكِهِ دُونَ الْبَائِعِ.
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْحُرَّةَ لَمَّا وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ اقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ.
وَأَمَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَجِبُ لِحِفْظِ الْمَاءِ فَوَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَسْتَبْرِئَ لِحِفْظِ مَائِهِ السَّالِفِ وَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَبْرِئَ لِحِفْظِ مَائِهِ الْآنِفِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي سَبْيِ هَوَازِنَ: أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ، فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ عَلَى عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى الغانمين عن الوطء حتى يستبرؤوا بَعْدَ حُدُوثِ الْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْمَبِيعَةِ بَعْدَ حُدُوثِ الْمِلْكِ.
وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْهُ عَلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْوَطْءِ حَتَّى يُوجَدَ اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ يَمْنَعُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ مَرَّتَيْنِ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ.
وَهُوَ أَنَّ بَقَاءَ مِلْكِ الْبَائِعِ لَا يُوجِبُ إِبَاحَةَ الِاسْتِمْتَاعِ فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَ لَكَانَ الْمِلْكُ بَاقِيًا وَالِاسْتِمْتَاعُ مُحَرَّمًا وَإِرَادَةُ الْبَيْعِ لَا تُوجِبُ انتقال الملك فوجب أن لا يوجب تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ.
وَلِأَنَّ الْأَمَةَ مَوْطُوءَةٌ فِي مِلْكٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ كَالزَّوْجَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ بِأَنَّ الْحُرَّةَ لَمَّا وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ اقْتَضَى أَنْ يَجِبَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ، فَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْبَتِّيُّ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّبْيِ والإرث والوصية فلم لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا الْمُشْتَرِي أَفْضَى إِلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَسْبَابِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالتَّزْوِيجِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَادُ إِلَّا لِلِاسْتِمْتَاعِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَنْ تَحِلُّ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مُعْتَدَّةٍ وَلَا مُرْتَدَّةٍ وَلَا مَجُوسِيَّةٍ وَلَا وَثَنِيَّةٍ وَلَا مُحَرَّمَةٍ بِالرَّضَاعِ وَلَا الْمُصَاهَرَةِ.
وَالْبَيْعُ يُرَادُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَصَحَّ الْبَيْعُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ وَلِهَذَا صَحَّ فِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عن استدلال الحسن فإنهما ماآن فَوَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِبْرَاءُ مَائِهِ فَهُوَ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِمَاءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبَائِعُ السَّالِفُ دُونَ الْمُشْتَرِي الْآنِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْحُرَّةِ أَغْلَظُ مِنَ اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ لِأَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَالْأَمَةُ بِقَرْءٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا وَجَبَ عَلَى الْحُرَّةِ وَاحِدٌ مَعَ تَغْلِيظِ حَالِهَا فَالْأَمَةُ مَعَ خِفَّةٍ أَمْرِهَا أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهَا اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ يَجِبُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَسَلَّمَهَا لِيَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى يَدِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ جَمِيلَةً أَوْ قَبِيحَةً.
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَجَبَ أَنْ تُوضَعَ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَإِنْ كَانَتْ قَبِيحَةً جَازَ أَنْ تُسْتَبْرَأَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْجَمِيلَةَ تَدْعُو الشَّهْوَةُ إِلَيْهَا فَلَا يُؤْمَنُ مِنَ الْمُشْتَرِي أَنْ تَغْلِبَهُ الشَّهْوَةُ عَلَى وَطْئِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقَبِيحَةُ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ الْغَانِمِينَ بِالِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ حُصُولِ السَّبْيِ بِأَيْدِيهِمْ فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي.
وَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِاسْتِحْدَاثِ مِلْكٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَالْقَبِيحَةِ الْوَحْشَةِ كَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا عِنْدَ الْمَالِكِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ إِذَا مُلِكَتْ بِهِ الْقَبِيحَةُ كَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا عِنْدَ الْمَالِكِ فَوَجَبَ إِذَا مُلِكَتْ بِهِ الْجَمِيلَةُ أَنْ يَكُونَ اسْتِبْرَاؤُهَا عِنْدَ الْمَالِكِ كَالسَّبْيِ فَإِنَّ مَالِكًا يُوَافِقُ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا لَزِمَهُ مِنَ الثَّمَنِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ تَسْلِيمَ الْمُثَمَّنِ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ السَّلَمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الْمُثَمَّنِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ مَنْعُ الْمُشْتَرِي منها حتى تستبرأ لَبَطَلَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لَزِمَ فِيهِ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ جَهَالَةَ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ تَجْعَلُ الْأَجَلَ مَجْهُولًا وَهَذَا بَاطِلٌ.
فَأَمَّا احْتِجَاجُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنَ الْمُشْتَرِي غَلَبَةُ شَهْوَتِهِ فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْعَدْلِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى يَدِهِ وَمَوْجُودٌ فِي الْقَبِيحَةِ إِذَا سُلِّمَتْ إِلَى الْمُشْتَرِي فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَعْنَى مَانِعًا مِنْ تَسْلِيمِ الْوَحْشَةِ إِلَيْهِ فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْجَمِيلَةِ إِلَيْهِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا عَلَى يَدَيْهِ فَلَا يَخْلُو حَالُ اسْتِبْرَائِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تستبرأ عَلَى يَدِ الْمُشْتَرِي فَيَصِحُّ الِاسْتِبْرَاءُ وَتَصِيرُ مَضْمُونَةً على المشتري بالقبض.
والقسم الثاني: أن تستبرأ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَيُجْزِئُ هَذَا الِاسْتِبْرَاءُ فَأَمَّا ضَمَانُهَا فَلَا يَخْلُو حَالُ مَنِ اخْتَارَ الْعَدْلَ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
إِمَّا أَنْ يَخْتَارَهُ الْبَائِعُ فَتَكُونَ الْأَمَةُ فِي ضَمَانِهِ، لِأَنَّهُ يَنُوبُ عَمَّنِ اخْتَارَهُ.
وَإِمَّا أَنْ يَخْتَارَهُ الْمُشْتَرِي فَتَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ لِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخْتَارَهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَتَكُونَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ يَدَ الْبَائِعِ لَمْ تَزَلْ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تُسْتَبْرَأَ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَيَصِحُّ هَذَا الِاسْتِبْرَاءُ.
وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَصِحُّ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا الْمُشْتَرِي فِي يَدِهِ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ فِي مِلْكِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِبْرَاءُ بَعْدَ حُدُوثِ الْمِلْكِ فَكُلُّ مَنِ اسْتَحْدَثَ مِلْكَ أَمَةٍ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ سَبْيٍ فَعَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِرَاشًا لِغَيْرِهِ أَمْ لَا.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا وَيَحْرُمُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ وَطْؤُهَا وَلَا يَحْرُمُ اسْتِخْدَامُهَا.
وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا سِوَى الْوَطْءِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْأَمَةِ: فَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا مِنْ قَبْلُ لِسَيِّدٍ أَوْ زَوْجٍ حَرُمَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ أَوْ فِي بَقَايَا عِصْمَةٍ مِنْ زَوْجٍ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا يُوجِبُ لُحُوقَ النَّسَبِ بِغَيْرِهِ كَالَّتِي لَمْ يَطَأْهَا سَيِّدٌ وَلَا زَوْجٌ أَوْ كَالسَّبَايَا لَمْ يُحْرَمِ الِاسْتِمْتَاعُ بِقُبْلَتِهَا وَمُضَاجَعَتِهَا وَإِنْ حُرِّمَ وَطْؤُهَا لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَكَانَتْ بِهِ أَمَةٌ مُبَاحَةٌ بِخِلَافِ الْمُسْتَفْرَشَةِ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَكَانَتْ عَلَيْهِ مُحَرَّمَةٌ فَأَمَّا مَا يَكُونُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ فَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْعَدَدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ:
فَلَوِ ابْتَاعَ أَمَةً وَكَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ زَوْجٍ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تكمل مَا بَقِيَ مِنْ عِدَّةِ
الزَّوْجِ ثُمَّ يَسْتَبْرِئَهَا مِنْ بَعْدُ وَلَا يَكُونُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِدَّةِ نَائِبًا عَنْهَا وَعَنِ الِاسْتِبْرَاءِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنِ الْبُضْعِ وَالِاسْتِبْرَاءَ يَجِبُ لحدوث الملك للرقية مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْقَدْرِ فَلَمْ يَجُزْ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَتَدَاخَلَا.
وَكَذَا لَوْ أَنَّ السَّيِّدَ زَوْجُ أَمَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَعَلَى السَّيِّدِ إِذَا عَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ طَلَاقِ الزَّوْجِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْدَثَ إِبَاحَةَ بعضها بِالْمِلْكِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَى السَّيِّدِ الِاسْتِبْرَاءُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ فِرَاقِ الزَّوْجِ ثُمَّ الِاسْتِبْرَاءُ لِاسْتِمْتَاعِ السَّيِّدِ وَلَا تَنُوبُ الْعِدَّةُ عَنِ الِاسْتِبْرَاءِ كَمَا لَا يَنُوبُ الِاسْتِبْرَاءُ عَنِ الْعِدَّةِ.
وَلَوْ كَاتَبَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِالْعَجْزِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّهَا بِالْكِتَابَةِ قَدْ حُرِمَّتْ عَلَيْهِ.
وَلَكِنْ لَوْ أَجَّرَهَا أَوْ رَهَنَهَا ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ بِالرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ فَلَوْ أَنَّ رَجَلًا بَاعَ أَمَتَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى تَفَاسَخَا الْبَيْعَ بِعَيْبٍ أَوْ إِقَالَةٍ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ بِالْبَيْعِ ثُمَّ اسْتَحْدَثَهُ بِالْفَسْخِ.
وَلَكِنْ لَوْ تَفَاسَخَا فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الثَّلَاثِ كَانَ فِي وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَقَاوِيلِهِ في انتقال الملك.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِعُهْدَةٍ ولا بوجه وإنما التحفظ قبل الشراء ".
قال الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اشْتَرَى أَمَةً لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَةَ الْبَائِعِ بِضَامِنٍ مِنْ عُهْدَةٍ أَوْ كَفِيلٍ بِنَفْسٍ خَوْفًا مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْأَمَةِ وَأَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ غَرِيبًا أَمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ غَرِيبًا كَانَ لِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَتُهُ بِكَفِيلٍ بِنَفْسٍ أَوْ ضَمِينٍ لِعَهْدِهِ اسْتِيثَاقًا لَحِقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ كَفِيلًا أَوْ ضَامِنًا كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ إِنْ شَاءَ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ سَلَامَتُهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الظَّاهِرِ بِالظَّنِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِأَنْ يَشْتَرِطَ كَفِيلًا أَوْ ضَامِنًا فِي عَقْدِ الشِّرَاءِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ اسْتِدْرَاكَ ذَلِكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ.
أَلَا تَرَى لَوْ بَاعَ عَلَى غَرِيبٍ شَيْئًا بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِضَامِنٍ لِلثَّمَنِ لِإِمْكَانِ التَّحَفُّظِ مِنْهُ فِي الْعَقْدِ بِالشَّرْطِ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَفِيلًا بِعُهْدَةٍ يُرِيدُ ضَمَانَ الدَّرْكِ.
وَقَوْلُهُ وَلَا بِوَجْهٍ يُرِيدُ كَفَالَةَ النَّفْسِ وَإِنَّمَا التَّحَفُّظُ قَبْلَ الشِّرَاءِ يُرِيدُ إِذَا شَرَطَهُ فِي الْعَقْدِ.
باب البيع مرابحة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى الْعَشَرَةِ وَاحِدٌ وَقَالَ قَامَتْ عَلَيَّ بِمَائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ أَخْطَأْتُ وَلَكِنَّهَا قَامَتْ عَلَيَّ بِتِسْعِينَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلْمُشْتَرِي بِرَأْسِ مَالِهَا وَبِحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَجُمْلَةُ الْبُيُوعِ ثَلَاثَةٌ: بَيْعُ مُسَاوَمَةٍ، وَبَيْعُ مُرَابَحَةٍ، وَبَيْعُ مُخَاسَرَةٍ.
فَأَمَّا بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ.
وَهُوَ أَنْ يَسْتَامَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَطْلُبَهَا الْمُشْتَرِي بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ يَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْمُمَاكَسَةِ عَلَى تِسْعِينَ دِرْهَمًا.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ مُرَابَحَةً عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشْرَةٍ واحد فَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ.
وَحُكِيَ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ مَعَ جَوَازِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَّهُ أَبْطَلَهُ وَمَنَعَ مِنْ جَوَازِهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ وَإِنَّ كَذِبَهُ فِي إِخْبَارِ الشِّرَاءِ غَيْرُ مَأْمُونٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وَلِأَنَّ الثَّمَنَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ مَعْلُومٌ كَمَا أَنَّهُ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ مَعْلُومٌ إِذْ لَا فرق بين قوله بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِمِائَةٍ وَعَشْرَةٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ بِعْتُكَ بِمِائَةٍ وَرِبْحُ كُلِّ عَشْرَةٍ وَاحِدٌ وَأَنَّ كِلَا الثَّمَنَيْنِ مِائَةٌ وَعَشْرَةٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَتَانِ كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِتِسْعِينَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ بِمِائَةٍ إِلَّا عَشْرَةً فِي أَنَّ كِلَا الثَّمَنَيْنِ تِسْعُونَ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَتَانِ وَلَا وَجْهَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ جَهَالَةِ الثَّمَنِ لِأَنَّ مَبْلَغَهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا حَالَ الْعَقْدِ فَقَدْ عَقَدَاهُ بِمَا يَصِيرُ الثَّمَنُ بِهِ مَعْلُومًا بَعْدَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ صُبْرَةَ طَعَامٍ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ مَبْلَغُ الثَّمَنِ مَجْهُولًا وَقْتَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُمَا عَقَدَاهُ بِمَا يَصِيرُ الثَّمَنُ بِهِ مَعْلُومًا بَعْدَ الْعَقْدِ.
وَلَا وَجْهَ لِمَا ذُكِرَ بِأَنَّ كَذِبَ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ غَيْرُ مَأْمُونٍ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ إِذْ أَثْبَتَ حُكْمًا بِذِكْرِهِ.
عَلَى أَنَّ الْمُرْوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ قَوْلَهُمْ ده ذوازده وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَرِهَ عَقْدَهُمْ بالأعجمية وعدولهم عن العربية.
والثاني: كره يُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى بَيْعِ الدَّرَاهِمِ فِي جَوَازِ الْعَشْرَةِ بِالِاثْنَيْ عَشْرَةَ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ جَائِزٌ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالثَّمَنِ مَعَ نَفْسِ الْعَقْدِ بَعْدَ تَحَرِّي الصِّدْقِ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ بِثَمَنِهِ وَقَالَ قَدْ بِعْتُكَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَبِيعُهُ وَرِبْحُ الْعَشْرَةِ وَاحِدٌ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا لَوْ قَالَ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ الْحِسَابُ مِنْ ثمنه علي وربح الْعَشْرَةِ وَاحِدٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْقِدَاهُ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَقْتَ الْعَقْدِ وَلَا بِمَا يَصِيرُ بِهِ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ الَّذِي يَذْكُرُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَا يَنْفِي الْجَهَالَةَ عَنْهُمَا وَيَمَنْعُ مِنِ اخْتِلَافِهِمَا فَصَارَ الْعَقْدُ بَاطِلًا لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ فِيهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الثَّمَنِ مَعَ الْعَقْدِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
إِمَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِخْبَارَ بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ أَوْ يُرِيدُ الْإِخْبَارَ بِالثَّمَنِ مَعَ مُؤْنَةٍ لَزِمَتْهُ عَلَيْهِ.
أَوْ يُرِيدُ الْإِخْبَارَ بِالثَّمَنِ مَعَ عَمَلِهِ فِيهِ بِنَفْسِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِالثَّمَنِ وَحْدَهُ وَكَانَ قَدْرُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَهُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِإِحْدَى ثَلَاثِ عِبَارَاتٍ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ يَقُولَ رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَوْ يَقُولُ قَامَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ فَبِأَيِّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ عَبَّرَ عَنْهُ جَازَ.
وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِثَمَنِهِ وَمُؤْنَةٍ لَزِمَتْهُ عَلَيْهِ مِنْ صُنْعٍ أَوْ قِصَارَةٍ أَوْ عُلُوفَةِ مَاشِيَةٍ أَوْ أُجْرَةِ حُمُولَةٍ كَأَنِ اشْتَرَاهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَزِمَتْهُ مُؤْنَةُ الصَّبْغِ وَالْقِصَارَةِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَلَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ الْمَبْلَغِ بِإِحْدَى الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَامَ عَلَيَّ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةٍ وَعَشْرَةٍ وَلَا أَنْ يَقُولَ: قَامَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ وَعَشْرَةٍ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ فِي الْمَبِيعَاتِ عُرْفًا هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ.
وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِثَمَنِهِ مَعَ عَمَلِهِ فِيهِ بِنَفْسِهِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِائَةٍ وَيَقُصَرِّهُ بِنَفْسِهِ قِصَارَةً قَدَّرَ أُجْرَتَهَا عَشْرَةً.
لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِإِحْدَى هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةٍ وَعَشْرَةٍ، وَلَا رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ وَعَشْرَةٌ وَلَا يَقُولُ قَامَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ وَعَشْرَةٍ لِأَنَّ عَمَلَ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَقُومُ عَلَيْهِ عَمَلُ غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُضَارَبَةِ لَوِ اسْتَأْجَرَ لِحُمُولَةِ الْمَتَاعِ كَانَ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ وَلَوْ حَمَلَهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِأُجْرَتِهِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ.
وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِإِحْدَى هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةٍ وَعَمِلْتُ فِيهِ بِنَفْسِي عَمَلًا يُسَاوِي عَشْرَةً وأربح في كل عشرة واحد فَيَسْلَمُ مِنَ الْكَذِبِ وَيَصِلُ إِلَى الْغَرَضِ.
فَصْلٌ:
فَلَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَأَخْذَ أَرْشَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبِرَ بِالْمِائَةِ وَلَزِمَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالتِّسْعِينَ بِإِحْدَى الْعِبَارَاتِ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْأَرْشَ اسْتِرْجَاعُ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ قَابَلَ جُزْءًا فَائِتًا مِنَ الْمَبِيعِ.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجُنِيَتْ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ أَخَذَ أَرْشَهَا عَشْرَةً فَفِي قَدْرِ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ ثَمَنِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنَ الْعَيْنِ فَصَارَتْ كَأَرْشِ الْعَيْبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ مِائَةُ دِرْهَمٍ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ لَيْسَ يَرْجِعُ إِلَى الْعَقْدِ وَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ حَادِثٍ بَعْدَ الْعَقْدِ فَشَابَهَ الْكَسْبَ وَإِنْ أَخْبَرَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الثَّمَنَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِحَالِ الْجِنَايَةِ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِنْ أَخْبَرَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي بِأَنَّ الثَّمَنَ مِائَةُ دِرْهَمٍ ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِحَالِ الْجِنَايَةِ فَلَهُ الْخِيَارُ.
وَلَكِنْ لَوِ اشْتَرَى دَارًا فَاسْتَعْمَلَهَا أَوْ مَاشِيَةً فَحَلَبَهَا أَوْ نَخْلًا فَأَخَذَ ثَمَرَتَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إِذَا أَخْبَرَ بِالشِّرَاءِ أَنْ يُسْقِطَ مِنْهُ قَدْرَ مَا أَخَذَ مِنَ الْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ وَاللَّبَنِ بَلْ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِيهِ لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ حَادِثَةٌ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَمْ تُقَابِلْ شَيْئًا مِنَ الثَّمَنِ إِلَّا لَبَنَ التَّصْرِيَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسْقِطَ قَدْرَ قِيمَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَقَسَّطُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً قَدْرُ أَرْشِهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَفَدَاهُ السَّيِّدُ بِهَا لَمْ يَجُزْ إِذَا أَخْبَرَ بِالثَّمَنِ أَنْ يَقُولَ ثَمَنُهُ مِائَةٌ وعشرة ولا أن يقول قام علي بمائة وَعَشْرَةٍ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ يَجُوزُ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْقِصَارَةِ وَالصَّبْغِ أَنْ يَقُولَ قَامَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ وَعَشْرَةٍ فَهَلَّا جَازَ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَنْ يَقُولَ قَامَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ وَعَشْرَةٍ؟ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقِصَارَةَ فِي الثَّوْبِ زِيَادَةٌ فِيهِ تَعُودُ إِلَى الْمِلْكِ وَفِدَاءُ الْعَبْدِ مِنَ الْجِنَايَةِ اسْتِيفَاءُ مِلْكٍ يَعُودُ إِلَى الْمَالِكِ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ إِنَّ الْبَائِعَ نَقَصَ الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِكُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ أبي حنيفة أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَبَعْدَهُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ نُقْصَانَ الْعَشْرَةِ إِنْ كَانَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَزِمَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا لِأَنَّ الثَّمَنَ يَسْتَقِرُّ بِمَا افْتَرَقَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَأَخْبَرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ مِائَةُ دِرْهَمٍ صَحَّ لِاسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ بِالْعَقْدِ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ لَا تُلْحَقُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ.
وَجَوَّزَ ذَلِكَ أبو حنيفة وَجَعَلَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ فَسْخًا لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَاسْتِئْنَافَ عَقْدٍ جَدِيدٍ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ حَطِيطَةَ الثَّمَنِ كُلِّهِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ فَسْخًا لَاحِقًا بِالْعَقْدِ فَحَطِيطَةُ بَعْضِهِ أَوْلَى أَنْ لَا تَكُونُ فَسْخًا لَاحِقًا بِالْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَطِيطَةَ وَالزِّيَادَةَ لَوْ كَانَتَا فَسْخًا لِلْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَا مُجَدِّدَيْنِ لِلْعَقْدِ لَأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ حُكْمَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الصَّدَاقَ فَيَ النِّكَاحِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَا عَادَ إِلَى الصَّدَاقِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ حَطِيطَةٍ فَسْخًا لَمْ يَكُنْ مَا عَادَ إِلَى الْبَيْعِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ حَطِيطَةٍ فَسْخًا لَهُ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ اشْتَرَاهُ ثَانِيَةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحُطَّ الرِّبْحَ مِنْ ثَمَنِهِ وَجَازَ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالثَّمَنِ أَنَّهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَلْزَمُهُ حَطِيطَةُ الرِّبْحِ وَالْإِخْبَارَ بِأَنَّ ثَمَنَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لِأَنَّهُ يَقُومُ عَلَيْهِ بِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ قَدِ انْقَضَى فَلَمْ يَجُزِ اعْتِبَارُ حُكْمِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ خَسِرَ فِي ثَمَنِهِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَزِيدَهَا عَلَى الثَّمَنِ الثَّانِي فَكَذَلِكَ إِذَا رَبِحَ فِيهِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَنْقُصَهَا مِنَ الثَّمَنِ الثَّانِي.
وَالْآخَرُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ رَبِحَ فِيهِ مِثْلَ ثَمَنِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الرِّبْحِ كَأَنِ اشْتَرَاهُ أَوَّلًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ جَازَ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الثَّمَنَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا كَانَ مِنَ الرِّبْحِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الرِّبْحُ بَعْضَ ثَمَنِهِ.
وَلَوِ اشْتَرَى الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ إِذَا بَاعَ الثَّوْبَ بِإِخْبَارِ الشِّرَاءِ أَنْ يُخْبِرَ إِلَّا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ جَائِزٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَبْتَاعَهُ مِنْ عَبْدِهِ وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى السَّيِّدُ ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ عَلَى عَبْدِهِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ إِذَا بَاعَهُ بِإِخْبَارِ الشِّرَاءِ أَنْ يُخْبِرَ إِلَّا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ مَالًا مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى الْعَامِلُ ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعِهِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ لِرَبِّ الْمَالِ إِذَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً أَنْ يُخْبِرَ بِالثَّمَنِ إِلَّا بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا لِأَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَهُ.
فصل:
وإذا اشْتَرَى سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَأَرَادَ بَيْعَهَا مُرَابَحَةً كَانَ عَلَيْهِ فِي إِخْبَارِ الشِّرَاءِ أَنْ يَذْكُرَ تَأْجِيلَ الثَّمَنِ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ تَأْجِيلَهُ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ السِّلْعَةَ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً لَزِمَهُ الثَّمَنُ حَالًا.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي حَبْسَ الثَّمَنِ عَنِ الْبَائِعِ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَجَلِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْبَيْعِ وَيُخَيِّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إِمْضَائِهِ بِالثَّمَنِ الْحَالِّ لِأَنَّ الْأَجَلَ رِفْقٌ بِالْمُشْتَرِي لَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَخْبَرَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ دِرْهَمًا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي إِخْبَارِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ بِكَاذِبٍ لِدُخُولِ التِّسْعِينَ فِي الْمِائَةِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِذَا عَلِمَ بِذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَاذِبٌ لِأَنَّ التِّسْعِينَ بَعْضُ الثَّمَنِ وَفِي مُقَابَلِهِ بَعْضُ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّهَا جَمِيعُ الثَّمَنِ وَفِي مُقَابَلِهِ جَمِيعُ الْمَبِيعِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ إِذَا عَلِمَ بِذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبِرَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ بِأَنَّ ثَمَنَ أَحَدِهِمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ لِتَقَسُّطِ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَتِهِمَا فَلَوْ قَوَّمَ أَحَدَهُمَا بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَقَوَّمَ الْآخَرَ بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ.