كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وإذا وَطِئَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ مَا يَبِينُ أَنَّهُ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّينَ عَيْنٍ أَوْ ظُفْرٍ أَوْ أُصْبَعٍ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَا تُخَالِفُ الْمَمْلُوكَةَ فِي أَحْكَامِهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ مِلْكِهِ في دين ولا غيره فإن مَاتَ عَتَقَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ مِنْ خَلْقٍ آدَمِيٍّ سَأَلْنَا عُدُولًا مِنَ النِّسَاءِ فَإِنْ زَعَمْنَ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ خَلْقٍ آدَمِيٍّ كَانَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ فَإِنْ شَكَكْنَ لَمْ تَكُنْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا أَوْلَدَ الْحَرُّ أَمَتَهُ فِي مِلْكِهِ، وَصَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ انْتَشَرَتْ حُرْمَتُهُ إِلَيْهَا فِي شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَحْرِيمُ بَيْعِهَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: عِتْقُهَا بِمَوْتِهِ، ثُمَّ هِيَ فِيمَا سِوَاهَا كَالْأَمَةِ.
فَأَمَّا الْعِتْقُ بِالْمَوْتِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْبَيْعِ، فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّ بَيْعَهَا حَرَامٌ، وَأَنَّ مِلْكَهَا لَا يَنْتَقِلُ عَنِ السَّيِّدِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَهَا بِمَا قَالَهُ فِي الصَّحَابَةِ جَابِرٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَالشِّيعَةُ، فَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ الْقَوْلَانِ، حَكَى الْحِجَازِيُّونَ عَنْهُ تَحْرِيمَ بَيْعِهَا، وَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْهُ جَوَازَهُ، فَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: (اقْضُوا فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَ أَصْحَابِي) يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلَمَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، عَلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُبَعْنَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ بَيْعَهُنَّ جَائِزٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَبِيدَةَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَأْيَكَ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ، فَسَكَتَ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ بَيْعِهِنَّ بِرِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نبيع أمهات
أَوْلَادِنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِلَى أَنْ نَهَانَا عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ، فَانْتَهَيْنَا.
وَمَا ثَبَتَ جَوَازُهُ عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يُحَرَّمْ بَعْدَهُ بِنَهْيِ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ فِي عَامَّةِ أَحْكَامِهَا كَالْأَمَةِ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا كَالْأَمَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهَا قَبْلَ الْعُلُوقِ وَجَبَ اسْتِصْحَابُ هَذَا الْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَ الْوَضْعِ مَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَوْلَدَهَا بِعَقْدِ نِكَاحٍ ثُمَّ مَلَكَهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بَيْعُهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ كَذَلِكَ إِذَا أَوْلَدَهَا فِي مِلْكِهِ، لِأَنَّهَا فِي الْحَالَيْنِ أُمُّ وَلَدٍ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ وَكَانَتْ أُمَّ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَوْلَدَهَا ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ مَاتَ عَنْهَا وَلَهُ سَنَتَانِ، فَلَمَّا احْتَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (مَا أُخَلِّفُ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عنها: فمارية؟ فقالت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: تِلْكَ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا) .
وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذُكِرَتْ مَارِيَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: عَهِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ حُرَّةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهِيَ لَا تُعْتَقُ بِوَلَدِهَا، وَإِنَّمَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الظَّاهِرِ دَلِيلٌ.
قِيلَ: إِنَّمَا يَتَحَرَّرُ عِتْقُهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَالْمُعْتِقُ لَهَا وَلَدُهَا، فَصَارَ الْوَلَدُ هُوَ الْمُعْتِقَ لَهَا كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا مَاتَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ بِمَوْتِ زَيْدٍ، وَكَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُعْتِقَ، وَرَوَى عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّمَا أَمَةٍ، وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ ".
وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَقَالَ: لَا يُبَعْنَ وَلَا يُرْهَنَّ وَلَا يُورَثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا فِي حَيَاتِهِ فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ ".
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا نُصِيبُ السَّبَايَا، وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ فَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَمَا نَسْمَةٌ قَضَى اللَّهُ خَلْقَهَا إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ) ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِيلَادَهَا مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا أَفَاقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ مِنْ إِغْمَائِهِ قَالَ: (اسْتَوْصُوا بِالْأُدْمِ الْجُعْدِ خَيْرًا) يُكَرِّرُ ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالُوا مَنِ الْأُدْمُ الْجُعْدُ قَالَ: قِبْطُ مِصْرَ، فَإِنَّهُمْ أَخْوَالٌ وَأَصْهَارٌ) يُرِيدُ بِذَلِكَ: قَوْمَ مَارِيَةَ أُمِّ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ، لِيَكُونَ انْتِشَارُ الْحُرْمَةِ إِلَى قَوْمِهَا تَنْبِيهًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ لَهَا، وَدَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِهِ لِكُلٍّ مَنْ كَانَ بِمَثَابَتِهَا، وَلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لِكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ، وَلَوْلَا انْتِشَارُ الْحَظْرِ بَيْنَهُمْ لَكَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فيهم ومستعملا بينهم، ولأن
الإجماع منقعد عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهَا فِي حَالِ الْحَمْلِ لِحُرْمَةٍ لَمْ يَتَحَقَّقْهَا، فَكَانَ تَحْرِيمُ بَيْعِهَا بَعْدَ الْوَضْعِ لِحُرْمَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ أَوْلَى.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى فِعْلِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَوْ لَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِفِعْلِهِمْ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ وَلَدْنَ بَعْدَ نِكَاحٍ مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ، ألا ترى أن عمر رضي الله عنها لَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ تَقَبَّلُوا نَهْيَهُ، وَلَوْ كَانَ شَرْعًا مُبَاحًا لَقَالُوهُ وَخَالَفُوهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِصْحَابِهِمْ لِحُكْمِ مَا قَبْلَ الْعُلُوقِ، فَهُوَ أن اختلافهما في الحرمة توجب اخْتِلَافَهُمَا فِي الْحُكْمِ ثُمَّ اسْتِصْحَابَ حُكْمِهَا فِي حَالِ الْحَمْلِ إِلَى مَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْحَالَتَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِإِيلَادِهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ، فَهُوَ أَنَّ وَلَدَهَا فِي النِّكَاحِ كَانَ مَمْلُوكًا لم يثبت له الحرية، فلذلك ثم تَنْتَشِرْ حُرْمَتُهُ إِلَيْهَا فِي الْحُرِّيَّةِ، وَوَلَدَهَا فِي الْمِلْكِ حُرٌّ فَانْتَشَرَتْ حُرْمَتُهُ إِلَيْهَا فِي ثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنَّمَا صَارَ وَلَدُهُ مِنَ النِّكَاحِ مَمْلُوكًا، وَمِنَ الْمِلْكِ حُرًّا، لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ وَمَائِهَا، وَمَاؤُهَا حَقٌّ لِسَيِّدِهَا، فَتَبِعَهُ مَاءُ الرَّجُلِ، لِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لِأُمِّهِ، فَصَارَ الْمَاءَانِ فِي النِّكَاحِ مِلْكًا لِغَيْرِهِ، فَانْعَقَدَ الْوَلَدُ مَمْلُوكًا، وَصَارَ فِي أَمَتِهِ مِلْكًا لِنَفْسِهِ، فَانْعَقَدَ الْوَلَدُ حُرًّا، وَإِذَا صَارَ بَعْضُهَا حُرًّا جَازَ أَنْ يَسْرِيَ حُكْمُهُ إِلَيْهَا فِي الْحُرِّيَّةِ، وَفِي هَذَا الِانْفِصَالِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ نَبَّهَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ نَهْيِهِ، وَقَالَ: كَيْفَ نَبِيعُهُنَّ وَقَدْ خَالَطَتْ لُحُومُنَا لُحُومَهُنَّ، وَدِمَاؤُنَا دِمَاءَهُنَّ؟
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنِ انْتِشَارِ حُرْمَتِهَا، وَتَحْرِيمِ بَيْعِهَا، فَالْكَلَامُ فِيهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِيمَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ.
وَالثَّانِي: فِي حُكْمِهَا بَعْدَ كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِيمَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، فَهُوَ أَنْ تَضَعَ مِنْ سَيِّدِهَا مَا انْعَقَدَ خَلْقُ الْوَلَدِ فِيهِ، وَهُوَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ أَكْمَلُ أَحْوَالِهَا أَنْ تَضَعَ وَلَدًا كَامِلًا فِي خَلْقِهِ، وَزَمَانِهِ، ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى، أَوْ خُنْثَى، فَتَصِيرَ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، سَوَاءٌ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْوَلَدِ بِالْحَيَاةِ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْحُرْمَةُ بِإِلْقَائِهِ مَيِّتًا، وَيَتَعَلَّقْ بِالْوَلَدِ إِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا أَرْبَعَةُ أحكام:
الْمِيرَاثُ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ، وَالْكَفَّارَةُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَضَعَ عُضْوًا مِنَ الْوَلَدِ كَرَأْسٍ أَوْ يَدٍ، أَوْ رِجْلٍ، أَوْ عَيْنٍ، أَوْ إِصْبَعٍ، أَوْ ظُفْرٍ، فَتَصِيرَ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، لِأَنَّ الْعُضْوَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ جَسَدِ الْوَلَدِ، فَصَارَ الْبَعْضُ مِنْهُ دَالًّا عَلَى وُجُودِهِ، فَثَبَتَتْ بِهِ حُرْمَةُ الْوِلَادَةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ وُجُوبُ الْغُرَّةِ، وَالْكَفَّارَةُ، وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَضَعَ جَسَدًا فِيهِ خَلْقٌ جَلِيٌّ، قَدْ تَصَوَّرَ فِي الْعُيُونِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ كُلُّ مَنْ شَاهَدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، فَتَصِيرَ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، لِانْعِقَادِهِ وَلَدًا وَتَتَعَلَّقُ به الأحكام الثلاثة مع وُجُوبِ الْغُرَّةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَضَعَ جَسَدًا فِيهِ مِنْ تَخْطِيطِ الْخَلْقِ الْخَفِيِّ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا قَوَابِلُ النِّسَاءِ، وَرُبَّمَا اخْتَبَرَتْهُ بِالْمَاءِ الْجَارِي فَبَانَ فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعٌ مِنْ عُدُولِ النِّسَاءِ أَنَّ فِيهِ ابْتِدَاءً لِتَخْطِيطِ الْخَلْقِ، وَمَبَادِئِ أَشْكَالِ الصُّوَرِ سُمِعَتْ فِيهِ شَهَادَتَانِ، وَصَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، لِانْعِقَادِهِ وَلَدًا، وَإِنْ لَمْ يَكْمُلْ وَتَتَعَلَّقْ بِهِ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ وُجُوبِ الْغُرَّةِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ تَضَعَ جَسَدًا هُوَ مُضْغَةٌ لَيْسَ فِيهِ خَلْقٌ جَلِيٌّ، وَلَا خَفْيٌّ، وَلَا تَشَكَّلَ لَهُ عُضْوٌ، وَلَا تَخَطَّطَ لَهُ صُورَةٌ، فَظَاهِرُ ما قاله الشافعي هنا هنا أَنَّهَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَقَالَ فِي كِتَابِ (الْعَدَدِ) مَا يَدُلُّ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ لِانْعِقَادِهِ جَسَدًا، فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْدَ مَصِيرِهَا أُمَّ وَلَدٍ، الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ وُجُوبِ الْغُرَّةِ، وَالْكَفَّارَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، ولا تصير به أم ولدولا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، لأنه لم يصر ولدا، ولاى تَثْبُتُ لَهُ حُرْمَةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: تنقضي به العدة عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ أَنَّ مَقْصُودَ الْعِدَّةِ اسْتِبْرَاءٌ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا وَضَعَتْهُ، وَالْمَقْصُودُ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ انْتِشَارُ حُرْمَةِ الْوَلَدِ إِلَيْهَا، وَلَا حُرْمَةَ لِمَا وَضَعَتْهُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا وَضَعَتْهُ حُكْمٌ سِوَى الْعِدَّةِ، وَلَا تَجِبُ فِيهِ غُرَّةٌ، وَلَا كَفَّارَةٌ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِهَا بَعْدَ كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُكْمُهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ.
وَالثَّانِي: حُكْمُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ.
فَأَمَّا حُكْمُهَا فِي حَيَاتِهِ فَتَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَتْ فِيهِ كَالْحُرَّةِ، وَذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: فِي الْبَيْعِ، وَالرَّهْنِ، وَالْهِبَةِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَلَا رَهْنُهَا، وَلَا هِبَتُهَا، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى الْبَيْعِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَتْ فِيهِ كَالْأَمَةِ، وَذَلِكَ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ مِلْكِ السَّيِّدِ لِأَكْسَابِهَا بِعَقْدِ إِجَارَةٍ، وَغَيْرِ إِجَارَةٍ.
وَالثَّانِي: الْتِزَامُ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا.
وَالثَّالِثُ: اسْتِبَاحَةُ وَطْئِهَا.
وَالرَّابِعُ: فِي الْعِدَّةِ إِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا.
وَالْخَامِسُ: فِي شَهَادَتِهَا.
وَالسَّادِسُ: فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، فَتَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ السِّتَّةِ كَالْأَمَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا خَالَفَتْ فِيهِ حُكْمَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَذَلِكَ فِي جِنَايَتِهَا خَطَأٌ يَضْمَنُهَا السَّيِّدُ، وَيَكُونُ فِي رَقَبَةِ الْأَمَةِ، وَذِمَّةِ الْحُرَّةِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهَا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي تَزْوِيجِهِ لَهَا، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ مِنْ بَعْدُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا حُكْمُهَا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَهُوَ تَحْرِيرُ عِتْقِهَا بِمَوْتِهِ، سَوَاءٌ مَاتَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، أَوْ تَكُونُ مُعْتَقَةً مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لَا مِنْ ثُلُثِهِ، سَوَاءٌ أَوْلَدَهَا فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتِ الْوِلَادَةُ هِيَ الْمُوجِبَةَ لِعِتْقِهَا فَهَلَّا تَحَرَّرَ عِتْقُهَا بِالْوِلَادَةِ، وَلَمْ يُنْتَظَرْ بِهِ مَوْتُ السَّيِّدِ.
قِيلَ: لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهَا حَقًّا بِالْوِلَادَةِ، وَلِلسَّيِّدِ حَقٌّ بِالْمِلْكِ وَفِي تَعْجِيلِ حَقِّهَا إِبْطَالٌ لِحَقِّ السَّيِّدِ مِنَ الْكَسْبِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَفِي تَعْلِيقِهِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ حِفْظٌ لِلْحَقَّيْنِ، فَكَانَ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ حِفْظًا لِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ مِنْهَا، وَفِي تَعْجِيلِ عِتْقِهَا إِسْقَاطٌ لِحَقِّهَا مِنَ النَّفَقَةِ، وَالْكِسْوَةِ، وَتَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَفِي تَأْخِيرِهِ إِلَى مَوْتِ السَّيِّدِ حِفْظٌ لِحُرْمَتِهَا فِي الْتِزَامِ النَّفَقَةِ، وَالْكِسْوَةِ، وَبَقَاءِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَالْإِبَاحَةِ، فَكَانَ تَعْلِيقُهُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ أَوْلَى مِنْ تَعْجِيلِهِ بِوَضْعِ الْوَلَدِ، وَاللَّهُ أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَتِهَا يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا كَانُوا مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ وَلَوْ مَاتَتْ قَبْلَهُمْ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ عَتَقُوا بِمَوْتِهِ كَأُمِّهِمْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، أَمَّا وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنَ السَّيِّدِ، فَهُوَ حُرٌّ، لِأَنَّ وَلَدَهُ مِنَ الْأَمَةِ حُرٌّ، فَكَانَ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ حُرًّا، وَأَمَّا وَلَدُهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ إِمَّا مِنْ زَوْجٍ، فَيَكُونُ مِنْ حلال، وإما من زنى فَيَكُونُ مِنْ حَرَامٍ لَا يَلْحَقُ بِالزَّانِي، وَالْوَلَدُ فِي الْحَالَيْنِ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ كَأُمِّهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ كَأُمِّهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ كَأُمِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا تَبَعًا لَهَا فِي الْحَالَيْنِ فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ لَا يَتْبَعُهَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَا يُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ إِنْ عُتِقَتْ فَهَلَّا كَانَ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَثَابَتِهِ؟
قِيلَ: لِأَنَّ الْفَرْقَ فَاصِلٌ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ أُمِّ الْوَلَدِ مُسْتَقِرٌّ، فَقَوِيَ فِي اجْتِذَابِ الْوَلَدِ إِلَيْهَا، وَحُكْمَ الْمُدَبَّرَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَضَعُفَ عَنِ اجْتِذَابِ الْوَلَدِ إِلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ حُرْمَةَ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَجْلِ الْبَعْضِيَّةِ، فَانْتَشَرَتْ إِلَى وَلَدِهَا، وَعِتْقَ الْمُدَبَّرَةِ بِعِقْدٍ، وَالْعُقُودُ لَا تَنْتَشِرُ إِلَى غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَثَابَتِهَا عَتَقَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا تَعَجَّلَ عِتْقُهُ لِمَا بَيَّنْتُهُ لِأُمِّهِ فِي الِاسْتِبَاحَةِ الْمُوجِبَةِ، لِتَأْخِيرِ عِتْقِهَا.
قِيلَ: لِأَنَّهُ وَإِنْ فَقَدَ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِأُمِّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ التَّابِعِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْمَتْبُوعِ، فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ وَعِتْقُ أُمِّهِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِتْقُهُ عَلَى عِتْقِهَا، وَلَوْ مَاتَتِ الْأُمُّ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ كَانَ عِتْقُ الْوَلَدِ مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ السَّيِّدِ، وَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ أُمِّهِ بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِقْرَارِ حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ، ووقوف حكم المكاتبة.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ حَامِلٌ مِنْهُ ثُمَّ وَضَعَتْ عِنْدَهُ عَتَقَ وَلَدُهَا مِنْهُ وَلَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ أَبَدًا حَتَّى تَحْمَلَ مِنْهُ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي حُرٍّ تَزَوَّجَ أَمَةً، وَأَحْبَلَهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بطل نكاحها،
وَعَتَقَ وَلَدُهَا، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ تَصِيرُ لَهُ بِالْإِحْبَالِ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أُمَّ وَلَدٍ بَعْدَ الْمَلِكِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ بِذَلِكَ الْإِحْبَالِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ إِحْبَالَهَا بَعْدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ مَلَكَهَا حَامِلًا بِالْوَلَدِ أَوْ بَعْدَ وَضْعِهِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ بِذَلِكَ الْإِحْبَالِ سَوَاءٌ مَلَكَهَا حَامِلًا أَوْ بَعْدَ الْوَضْعِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ، إِنْ مَلَكَهَا حَامِلًا صَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ لَمْ تَصِرْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ وَالْخِلَافُ مَعَهُمَا فِي كِتَابِ (النَّفَقَاتِ) ، وَتَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ فِي كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ أَنْ يَكُونَ عُلُوقُهَا مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ، وَعُلُوقُهَا مِنْهُ فِي النِّكَاحِ إِنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ صَارَ حُرًّا بَعْدَ مِلْكِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، فَأَمَّا إِذَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي غَيْرِ مِلْكٍ كَالْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ، وَكَالْأَبِ إِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ، فَفِي كَوْنِهَا بِهِ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَلَكَهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لِعُلُوقِهَا مِنْهُ بَحُرٍّ.
وَالثَّانِي: لَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لِعُلُوقِهَا مِنْهُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ أُمَّ وَلَدِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي مُكَاتَبٍ مَلَكَ أَمَةً، وَأَوْلَدَهَا، فَوَلَدُهُ مِنْهَا تَبَعٌ لَهُ يَعْتِقُ بِعِتْقِهِ، وَيَرِقُّ بِرِقِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ، وَهَلْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُكَاتَبِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا:
أَحَدُهُمَا: تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، لِمَا ثَبَتَ لِوَلَدِهَا مِنْ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الْعِتْقِ بِعِتْقِ أَبِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعُهَا، لِمَا ثَبَتَ لَهَا مِنْ حُرْمَةِ الْوِلَادَةِ مِنْهُ، وَوَقْفِ أَمْرِهَا مَعَهُ، فَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ اسْتَقَرَّ كَوْنُهَا لَهُ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ صَارَتْ مَعَ الْمُكَاتَبِ وَالْوَلَدِ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُكَاتَبِ بِهَذَا الْإِيلَادِ، لِأَنَّ وَلَدَهَا قَبْلَ عِتْقِ أَبِيهِ مَمْلُوكٌ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ، فَلَمْ تَثْبُتْ لَهُ حُرْمَةٌ تَنْتَشِرُ إِلَى أُمِّهِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعُهَا قَبْلَ عِتْقِهِ وَبَعْدَهُ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ إِحْبَالَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، فَتَصِيرَ حِينَئِذٍ أُمَّ وَلَدٍ لَا يَجُوزُ لَهُ بيعها.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ أَوْصَى رَجُلٌ لِأُمِّ وَلَدِهِ أَوْ لِمُدَبَّرِهِ يُخْرِجُ مِنَ الثُّلُثِ فَهِيَ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ بموته) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ السَّيِّدُ لِأُمِّ وَلَدِهِ، لِأَنَّهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ، وَمِلْكُ الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهِيَ فِيمَا بَعْدَ مَوْتِهِ حُرَّةٌ، فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لَهَا كَالْوَصِيَّةِ لِسَائِرِ الْأَحْرَارِ، وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لَهَا مِنَ الثُّلُثِ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُ مِنَ الثُّلُثِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الثُّلُثِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّسِعَ لِقِيمَةِ الْمُدَبَّرِ، وَلِقَدْرِ الْوَصِيَّةِ، فَيُعْتَقَ الْمُدَبَّرُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، وَيَمْلِكَ جَمِيعَ الْوَصِيَّةِ بِقَبُولِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَضِيقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا، وَيَتَّسِعَ لِأَحَدِهِمَا، فَيُقَدَّمَ عِتْقُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ لَهُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عِتْقَهُ يَقَعُ بِالْمَوْتِ، وَالْوَصِيَّةُ تُمْلَكُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَصَارَ الْعِتْقُ سَابِقًا لِمِلْكِ الْوَصِيَّةِ فَلِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْعِتْقِ إِبْطَالًا لَهَا وَلِلْعِتْقِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْتَقْ وَصَارَ مَمْلُوكًا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ وَصِيَّةً لِلْوَرَثَةِ فَأَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ لَهُ، وَأَمْضَيْنَا عِتْقَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَّسِعَ الثُّلُثُ لِأَحَدِهِمَا وَبَعْضِ الْآخَرِ، فَيُكْمَلُ عِتْقُهُ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَكُونَ بَاقِي الثُّلُثِ فِي وَصِيَّتِهِ، لِيَكُونَ الْعَجْزُ دَاخِلًا عَلَى وَصِيَّتِهِ دُونَ عِتْقِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَضِيقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا وَيَتَّسِعَ لِبَعْضِ أَحَدِهِمَا، فَيَكُونَ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ مَصْرُوفًا فِي عِتْقِهِ، فَيُعْتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ، وَيُوقَفَ بَاقِيهِ، وَتَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لَهُ.
فَصْلٌ
وَلَوْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِ غَيْرِهِ، وَلِمُدَبَّرِ غَيْرِهِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا، فَإِنْ عَتَقَا بِمَوْتِ سَيِّدِهِمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا وَمَلَكَاهَا بِقَبُولِهِمَا، وَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ عِتْقِهِمَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِسَيِّدِهِمَا، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْعَبْدِ وَصِيَّةٌ لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا قَبِلَهَا السَّيِّدُ مَلَكَهَا، وَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا أَنْ يُوصِيَ الرَّجُلُ لَعَبْدِ غَيْرِهِ، وَلَمْ نُجَوِّزْ أَنْ يُوصِيَ لِعَبْدِهِ، لأنها تصير وصية لوارثه.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ جِنَايَةً ضَمِنَ السَّيِّدُ الْأَقَلُّ مِنَ الْأَرْشِ أَوِ الْقِيمَةِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، جِنَايَةُ أُمِّ الْوَلَدِ مَضْمُونَةٌ عَلَى سَيِّدِهَا، لِأَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهَا مَا مَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْعِتْقُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ فِيهِ بِذِمَّتِهَا، فَصَارَتْ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ إِذَا مَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ بَيْعِهَا يَلْتَزِمُ بِالْمَنْعِ غُرْمَ جِنَايَتِهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ضَمِنَ جِنَايَتَهَا بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهَا، وَخَالَفَتِ
الْعَبْدَ الْقِنَّ إِذَا مَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ فِي الْجِنَايَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعَ جِنَايَتِهِ، وَلَوْ كَانَتْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ، لِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، فَصَارَ ضَمَانُهَا ضَمَانَ إِتْلَافٍ لَا يَلْزَمُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الْقِيمَةِ، وَخَالَفَتِ الْعَبْدَ الْمَقْدُورَ عَلَى بَيْعِهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَلِذَلِكَ ضَمِنَ سَيِّدُهُ بِالْمَنْعِ جَمِيعَ جِنَايَتِهِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ أَدَّى قِيمَتَهَا ثُمَّ عَادَتْ فَجَنَتْ فَفِيهَا قولان: أحدهما أن إسلامه قيمتها كإسلامه بدنها ويرجع المجني عليه الثاني بأرش جنايته على المجني عليه الأول فيشتركان فيها بقدر جنايتهما ثم هكذا كلما جنت ويدخل فيه أن إسلامه قيمتها كان كإسلام بدنها إلى الأول لزم الأول إخراجها إلى الثاني إذا بلغ ارش الجناية قيمتها، والثاني أنه يدفع الأقل من قيمتها أو الجناية فإن عادت فجنت وقد دفع الارش رجع على السيد وهكذا كلما جنت (قال المزني) والثاني أشبه عندي بالحق لأن إسلام قيمتها لو كان كإسلام بدنها لوجب أن تكون الجناية الثانية على قيمتها وبطلت الشركة وفي إجماعهم على إبطال ذلك إبطال هذا القول وفي إبطاله ثبوت القول الآخر إذ لا وجه لقول ثالث نعلمه عند جماعة العلماء ممن لا يبيع أمهات الأولاد فإذا افتكها ربها صارت بمعناها المتقدم لا جناية عليها ولا سيدها بها فكيف إذا جنت لا يكون عليها مثل ذلك قياسا (قال المزني) وقد ملك المجني عليه الارش بحق فكيف يجني غيره وغير ملكه وغير من هو عاقله له فيجب عليه غرمه أو غرم شيء منه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَخْلُو جِنَايَةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تَكَرَّرَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَتَكَرَّرَ قَبْلَ غُرْمِ الْأَرْشِ، فَيَكُونُ السَّيِّدُ ضَامِنًا لِأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَثُرَتْ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أُرُوشِ جِنَايَاتِهَا، وَلَا يَلْتَزِمُ السَّيِّدُ مِنَ الْغُرْمِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَرْشِ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ كَوُجُوبِهِ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَتَكَرَّرَ جِنَايَتُهَا بَعْدَ غُرْمِهَا، وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ قِيمَتِهَا، فَيَضْمَنَ السَّيِّدُ غُرْمَ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، كَمَا ضَمِنَ غُرْمَ الأولة حَتَّى يَسْتَوْعِبَ غُرْمَ جَمِيعِ الْقِيمَةِ سَوَاءٌ اتَّفَقَتِ الْجِنَايَاتُ أَوِ اخْتَلَفَتْ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ الأولة نصف قيمتها، والثانية ثلث قيمتها، والثانية رُبْعَ قِيمَتِهَا، فَيُغَرَّمَ أَرْشَ كُلِّ جِنَايَةٍ مِنْهَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ غُرْمَ جَمِيعِ قِيمَتِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَتَكَرَّرَ جِنَايَتُهَا بَعْدَ غُرْمِ جَمِيعِ قِيمَتِهَا فِي الْجِنَايَةِ الْأَوْلَى، وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ يُغَرَّمُ فِي الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَتْ مِائَةَ جِنَايَةٍ بَعْدَ غُرْمِ مَا تَقَدَّمَهَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا أَوْجَبَ الْغُرْمَ فِي الْجِنَايَةِ الْأَوْلَى مَوْجُودٌ فِيمَا بَعْدَهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْغُرْمُ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ مَلَكَ مَا أَخَذَهُ مِنَ الْأَرْشِ، وَالْجَانِي غَيْرُهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْخَذَ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَلْتَزِمُ غُرْمَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ وَاحِدٍ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَيَشْرَكُهُ فِيمَا أَخَذَهُ، وَيَرْجِعُ الثَّالِثُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي: فَيَشْرَكُهُمَا، كَالشُّفْعَةِ إِذَا اسْتَحَقَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَحَضَرَ أَحَدُهُمْ فَأَخَذَهَا ثُمَّ قَدِمَ ثَانٍ شَارَكَ الْأَوَّلَ فِيهَا، فَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ شَارَكَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُغَرَّمِ السَّيِّدُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِي حُكْمَ الْمُتْلِفِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُتْلِفَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَسْلِيمَ قِيمَتِهَا كَتَسْلِيمِ بَدَنِهَا، وَهُوَ إِذَا سلمَ بَدَنُ عَبْدٍ قَدْ جَنَى ثُمَّ عَادَ فَجَنَى اشْتَرَكَ جَمِيعُهُمْ فِي بَدَنِهِ، كَذَلِكَ إِذَا سَلَّمَ الْقِيمَةَ ثُمَّ تَكَرَّرَتِ الْجِنَايَةُ اشْتَرَكَ جَمِيعُهُمْ فِي الْقِيمَةِ، فَإِنْ تَسَاوَتْ أُرُوشُ جِنَايَاتِهِمْ تَسَاوَوْا فِي الْقِيمَةِ، وَإِنْ تَفَاضَلَتْ تَفَاضَلُوا بِقَدْرِهَا فِي الْقِيمَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرْجِعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَيَرْجِعَ الثَّالِثُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا جَانِيًا كَمَا لَوْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا فِي أَرْضٍ لَا يَمْلِكُهَا ثُمَّ مَاتَ فَسَقَطَتْ فِيهَا بَهِيمَةٌ ضَمِنَ قِيمَتَهَا فِي تَرِكَتِهِ، فَلَوِ اسْتَوْعَبَتِ الْقِيمَةُ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ ثُمَّ سَقَطَتْ فِيهَا بَهِيمَةٌ ثَانِيَةٌ رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَشَارَكَهُ فِي القيمة، فإن سقطت فيهما بَهِيمَةٌ ثَالِثَةٌ رَجَعَ الثَّالِثُ عَلَى الْأَول وَالثَّانِي فَشَارَكَهُمَا فِي الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمَا جَانِيًا، وَبِهَذَا يَفْسُدُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُزَنِيُّ وَاللَّهُ أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ حِيلَ بَيْنَهُمَا وَأُخِذَ بِنَفَقَتِهَا وَتَعْمَلُ مَا يُعْمَلُ لَهُ مِثْلُهَا فَإِنْ أَسْلَمَ خُلِّيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَإِنْ مَاتَ عَتَقَتْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا أَوْلَدَ النَّصْرَانِيُّ أَمَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا، وَحُكْمُهَا حُكْمُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَإِنْ أَسْلَمَتْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّهَا تَكُونُ فِي حُكْمِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُحْدِثُ لَهَا الْإِسْلَامُ عِتْقًا وَلَا اسْتِسْعَاءً.
وَقَالَ مَالِكٌ: تُعْتَقُ بِالْإِسْلَامِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهَا وَتُعْتَقُ بَعْدَ أَدَائِهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تُعْتَقُ وَتُسْتَسْعَى فِي الْقِيمَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُعْتَقُ نِصْفُهَا وَتُسْتَسْعَى فِي النِّصْفِ بِنِصْفِ قِيمَتِهَا، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمْ بِمَا أَغْنَى.
وَإِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ لَا يُنَافِي الرِّقَّ فِي الْعَبْدِ الْقِنِّ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُنَافِيَهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَإِذَا لَمْ يَتَنَافَيَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ عَلَى حُكْمِهَا قَبْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنِ اسْتِخْدَامِهَا وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، لِتَحْرِيمِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى النَّصْرَانِيِّ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ مَعَهَا، فَيَجُوزَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا، وَهُوَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مَمْنُوعٌ مِنَ الْخَلْوَةِ بِهَا، وَتُوضَعُ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ بِعِتْقِهَا جَبْرًا، وَعَلَى السَّيِّدِ نَفَقَتُهَا، وَلَهُ كَسْبُهَا، فَإِنْ مَاتَ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ وَلَاؤُهَا لَهُ ثُمَّ لِعُصْبَتِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فَإِذَا مَلَكَ الْمُسْلِمُ مَجُوسِيَّةً، فَإِنْ وَطِئَهَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَإِنْ أَوْلَدَهَا لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا، وَإِنْ حَرُمَ وَطْؤُهَا، وَصَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ كَالْمُسْلِمَةِ، وَلَوْ مَلَكَ ذَاتَ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ حَرُمَ وَطْؤُهَا، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا، فَإِنْ أَوْلَدَهَا لَحِقَ بِهِ وَلَدُهَا، وَكَانَ حُرًّا، وَصَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَفِي وُجُوبِ حَدِّهِ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ وَطْأَهُ صَادَفَ مِلْكَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الْحَدُّ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَوْضِعٌ يَلْحَقُ فِيهِ مَعَ وُجُوبِ الْحَدِّ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَصَارَ لِمُخَالَفَةِ الْأُصُولِ ضَعِيفًا.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِذَا تُوُفِّيَ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ أَعْتَقَهَا فَلَا عِدَّةَ وَتُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَيْضِ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قُلْتُ أَنَا قَدْ سَوَّى الشَّافِعِيُّ بين استبراء الأمة وعدة أم الولد في كتاب العدد وجعلها حيضة فأشبه بقوله إذا لم يكونا من أهل الحيض أن يقوم الشهر فيهما مقام الحيضة كما قال إن الشهر في الأمة يقوم مقام الحيضة وقد قال في باب استبراء أم الولد في كتاب العدد لا تحل أم الولد للأزواج إن كانت ممن لا تحيض إلا بشهر وهذا أولى بقوله وأشبه بأصله وبالله التوفيق) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا مَاتَ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ، وَلَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ، لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ فَأَوْجَبَ، زَوَالُهُ أَنْ تَسْتَبْرِئَ كَالزَّوْجَاتِ وَالْإِمَاءِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِحَيْضَةٍ كَالْأَمَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءَ كَالْحُرَّةِ مِنْ طَلَاقٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: تستبرئ نفسها بقرءين.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَبِهِ قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْعِدَدِ بِمَا أَقْنَعَ.
وَإِذَا كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ عَنْ وَطْءٍ فِي مِلْكٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ إِلَّا كَالْأَمَةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِحُدُوثِ الْحُرِّيَّةِ كَمَا لَوْ أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ الْمُسْتَبْرَأَةُ.
فَصْلٌ
وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ كَالْأَمَةِ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، أَوْ حَائِلًا، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ أَوْ مُؤَيَّسَةً فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْأَمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَيَّسَةً فَفِي اسْتِبْرَاءِ نَفْسِهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهَا تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِشَهْرٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ كل حيضةت فِي الْعِدَّةِ، تُقَابِلُ شَهْرًا كَالْحُرَّةِ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ عَنْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَسْتَبْرِئُ نَفْسَهَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ الزَّمَانِ الَّذِي يُعْلَمُ فِيهِ اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (يَكُونُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا) فَصَارَ انْعِقَادُهُ مُضْغَةً فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ، فَلِذَلِكَ تُقَدِّرُ الِاسْتِبْرَاءَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَاسْتَوَتْ فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ كَاسْتِوَائِهَا فِي الْحَمْلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَجَّلَ السَّيِّدُ عِتْقَهَا اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا كَمَا لَوْ مَاتَ.
مسألة
قال المزني: قُلْتُ: أَنَا: (قَدْ قَطَعَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ كِتَابًا بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَوَقَفَ فِي غَيْرِهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي قَدِيمٍ وَلَا جَدِيدٍ فِي عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَتَحْرِيمِ بَيْعِهِنَّ فِي حَيَاتِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُزَنِيُّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَوَقَفَ فِي غَيْرِهَا) ، فَلِأَصْحَابِنَا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ سَهْوٌ مِنْهُ فِي النَّقْلِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَنْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَوَقَّفَ حِكَايَةً عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقِفُ فِي عِتْقِهِنَّ، وَمَنَعَ جَوَازَ بَيْعِهِنَّ،
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَوَقَّفَ اسْتِيضَاحًا بِحُكْمِ الِاجْتِهَادِ، وَإِفْسَادًا لِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ رَدًّا عَلَى مَالِكٍ فِي ادِّعَائِهِ الْإِجْمَاعَ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ مَحْجُوجٌ لَا يَنْتَقِضُ بِهِ إِجْمَاعُهُمْ، لِأَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَجَدَّ خِلَافَهُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِنَّ بِالْكُوفَةِ بَعْدَ أَنْ وَافَقَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَعْتَدَّ مَالِكٌ بِخِلَافِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْهَا، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُهُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهِنَّ، وَفِيمَا يَرَاهُ مِنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهِنَّ يَعْنِي الرَّدَّ عَلَيْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ، وَتَحْرِيمِ الْبَيْعِ، والله أعلم.
مسألة
قال المزني رضي الله عنه: (وَقَالَ فِي كِتَابِ النَّكَاحِ الْقَدِيمِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَقَالَ فِي هَذَا الكتاب إننا كَالْمَمْلُوكَةِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا إِلَّا أَنَّهَا لَا تُبَاعُ وَفِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ لَهُ أَنْ يَخْتَدِمَهَا وهي كارهة (قال المزني) قلت أنا: وهذا اصح قوليه لأن رقها لم يزل فكذلك ما كان له من وطئها وخدمتها وإنكاحها بغير إذنها لم يزل.
وبالله التوفيق) .
قال الماوردي: أما استخدم السَّيِّدِ لَهَا وَاسْتِمْتَاعُهُ بِهَا، فَمِمَّا لَمْ يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِهِ كَمَا لَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُهُ فِي عِتْقِهَا لِمَوْتِهِ وَتَحْرِيمِ بَيْعِهَا فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ بِهَا، فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مُسْتَبِيحٌ لَهَا بِالْمِلْكِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهَا نِكَاحٌ كَالْأَمَةِ، وَلَكِنْ لَوْ أَعْتَقَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِأَنَّهَا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَبِيحَهَا بِالنِّكَاحِ.
فَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِزَوْجٍ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ يَجُوزُ أَنْ يتزوجها جَبْرًا، وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا كَمَا يَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهَا، فَجَازَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى اسْتِمْتَاعِهَا بِالنِّكَاحِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا بِالْإِجَازَةِ، وَلِأَنَّ الْمَهْرَ مِنْ كَسْبِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا تَفْوِيتُهُ عَلَى سَيِّدِهَا كَسَائِرِ أَكْسَابِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِإِذْنِهَا، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهَا، لِأَنَّ منعه من بيعها وقد أَوْهَنَ تَصَرُّفَهُ فِيهَا، فَمُنِعَ مِنَ الْإِجْبَارِ لِضَعْفِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَإِنْ أَذِنَتْ، لِنُقْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ حَالِ الْكَمَالِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا إِذَا رَضِيَتْ وَرَضِيَ
سَيِّدُهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إِذَا لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى الرِّضَا، لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَمْلِكُ مِنْ عُقُودِ الْمَنَاكَحِ مَا ضَعُفَ عَنْهُ الْأَوْلِيَاءُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهَا لِأَنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا إِذَا لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى الرِّضَا مُنِعَ مِنْهُ وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ لِضَعْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ لِإِذْنِهِ تَأْثِيرٌ.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ عَقْدِ نِكَاحِهَا، فَإِنْ قِيلَ: بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَانَتْ مَقْصُورَةً عَلَى اسْتِمْتَاعِ السَّيِّدِ إِنْ شَاءَ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِنْ قِيلَ: بِجَوَازِ تَزْوِيجِهَا كَانَ صِحَّةُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا مُعْتَبَرًا بِتَقَدُّمِ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ فَلَمْ يَجُزِ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ بِالِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ عَقَدَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ بَطَلَ النكاح، لأن لا يَصِيرَ الْفِرَاشُ مُشْتَرَكًا وَمَهْرُهَا إِذَا صَحَّ الْعَقْدُ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ دُونَهَا، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ كَسْبِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَوَجَبَ بِهَا الْمَهْرُ كَانَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا تَزْوِيجُ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي حُكْمِهَا فِي عِتْقِهِ، وَالْمَنْعِ مِنْ بيعه، فإن كان كَانَ الْوَلَدُ جَارِيَةً كَانَ فِي تَزْوِيجِ السَّيِّدِ لَهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ كَالْأُمِّ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ بِخِلَافِ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ غُلَامًا لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُهُ عَلَى النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَسْبٍ فَيُجْبِرَهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأُمِّ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، لِمَا عَلَيْهِ مِنَ الرِّقِّ، وَفِي جَوَازِ تَزْوِيجِهِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَجْهَانِ تَخْرِيجًا مِنَ الْأَقَاوِيلِ فِي أُمِّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ونسأله التوفيق فيما توخيناه وكتبناه من هذا الكتاب، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا محمد وآله وصحبه وسلم.
آخر ما ذكرناه والحمد لله رب العالمين كثيرا هذا آخر كتاب الحاوي والحمد لله على ما يسر من إكماله، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصحبه وسلم