كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْقَوَدَ اقْتَصَّ مِنْهُ وَلَمْ يُصْلَبْ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ من حدود الحرابة فيسقط حُكْمُ صَلْبِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ، وَكَانَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الْحِرَابَةِ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي حَقِّهِ مُنْحَتِمًا؛ لِأَنَّ فَوَاتَ الْقِصَاصِ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي انْحِتَامِ الْقَتْلِ ولا يسقط حَقُّ الْآدَمِيِّ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ رجم الزنا وقتل الردة رجم للزنا، وَدَخَلَ فِيهِ قَتْلُ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ أَزْيَدُ نكالاً فدخل فيه الأقل.
(مسألة)
قال الشافعي: " فإن مَاتَ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْحُدُودُ كلها وفي مَالِهِ دِيَةُ النَّفْسِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا مَاتَ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ صَارَ فِي الْبَاقِي مِنَ الْحُدُودِ كَالْمَيِّتِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ من الحدود، فينظر فِي الْبَاقِي مِنَ الْحُدُودِ فَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا، وَقَتْلِ الرِّدَّةِ سَقَطَتْ عَنْهُ فِي تَبِعَاتِ الدُّنْيَا، وَكَانَ مَوْكُولًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْآدَمِيِّينَ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى بَدَلٍ كَحَدِّ الْقَذْفِ سَقَطَ حُكْمُهُ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى بَدَلٍ كَالْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ رَجَعَ مُسْتَحِقُّهُ بِدِيَتِهِ فِي مَالِ الْمُحَارِبِ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَمَا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ غُرْمُ مَا اسْتَهْلَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ.
(فَصْلٌ)
إِذَا كَانَ في قطاع الطريق امرأة أقيم عليها الحدود في الحرابة كالرجل في قطعها وصلبها.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَسْقُطُ عَنْهَا حُدُودُ الْحِرَابَةِ وتقتل قوداً لا تنحتم، وتغرم المال، ولا تصلب احتجاجاً بأن امرأة لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْمُحَارَبَةِ فَسَقَطَتْ عَنْهَا حُدُودُ الحرابة كالصبي والمجنون.
ودليلنا: عُمُوم الْآيَةِ فِي الْحِرَابَةِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أن من وجب عليه الحد في غير الحرابة وجب عليه حد الحرابة كالرجل، وَلِأَنَّ كُلَّ حَدٍّ وَجَبَ عَلَى الرَّجُلِ جَازَ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمَرْأَةِ كَالْحَدِّ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الصَّبِيِّ والمجنون فالمعنى فيها سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُمَا فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ؛ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، فَسَقَطَ فِي الْحِرَابَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ لِوُجُودِ التَّكْلِيفِ فَوَجَبَ فِي الْحِرَابَةِ لِوُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(كتاب الأشربة والحد فيها)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَصْلُ الْمُسْكِرَاتِ كلها الْخَمْرُ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ تَابِعٌ لَهُ وَمُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ.
وَالْخَمْرُ هُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إذا صار مسكراً بحدوث الشدة المطرية فِيهِ فَيَصِيرُ خَمْرًا بِشَرْطَيْنِ: الشِّدَّةُ والسُّكْرُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لا يصير خمراً بها حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِمَا شَرْطٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يقذف زبده.
وَلَيْسَ قَذْفُ الزَّبَدِ عِنْدَنَا شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي شُرْبِهَا.
وَفِي تَسْمِيَتِهَا خَمْرًا تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ يُخَمَّرُ عَصِيرُهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَصِيرَ خَمْرًا أَيْ يغطّى وَلَوْ لَمْ يُغَطَّ لَمْ يَصِرْ خَمْرًا وَالتَّخْمِيرُ التَّغْطِيَةُ وَمِنْهُ سُمِّيَ خِمَارُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ يُغَطِّيهَا وَيَسْتُرُهَا.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يُخَامِرُ الْعَقْلَ بِالسُّكْرِ أَيْ: يُغَطِّيهِ وَيُخْفِيهِ.
وَقَدْ كَانَ الْخَمْرُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ يَشْرَبُهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا يَتَنَاكَرُونَهَا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اسْتِبَاحَتِهِمْ لِشُرْبِهَا هَلْ كَانَ اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ بِشَرْعٍ وَرَدَ فِي إِبَاحَتِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أحدهما: انهم استصحبوا إباحتها في الجاهلية؛ لأنه لا تقدم منع منها ولا تحريم لها، هذا أَشْبَهُ الْوَجْهَيْنِ:
وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ اسْتَبَاحُوا شُرْبَهَا بِشَرْعٍ وَرَدَ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حسناً﴾ [النحل: 67] .
وفيه ثلاث تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ السَّكَرَ مَا أَسْكَرَ مِنَ الخمر والنبيذ، والرزق الحسن وهو مَا أَثْمَرَ مِنَ
التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ثُمَّ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ مِنْ بَعْدُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَشَاهِدُهُ مِنَ اللُّغَةِ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:
(بِئْسَ الصحاة وَبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبُهُمُ ... إِذَا جَرَى فِيهِمُ الْمُزَّاءُ وَالسَّكَرُ)
وَالسَّكَرُ: الْخَمْرُ، وَالْمُزَّاءُ: نَوْعٌ مِنَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّكَرَ الْخَلُّ بِلُغَةِ الحبشة.
وقيل بلغة أزدعمان.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّكَرَ الطَّعَامُ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ: الاثنان، وَهَذَا قَوْلُ الْأَخْفَشِ وَشَاهِدُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
(وَجَعَلْتَ عَيْبَ الْأَكْرَمِينَ سَكَرًا ... )
أَيْ طَعَامًا حَلَالًا ثُمَّ نزلت تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِهِ عَلَى خَمْسَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ ثَمِلُوا مِنَ الشَّرَابِ، فَعَبَثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ.
وَالثَّانِي: مَا حَكَاهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهُ سعد بن أبي وقاص لاحا رَجُلًا عَلَى شَرَابٍ.
فَضَرَبَهُ الرَّجُلُ بِلِحَى جَمَلٍ ففرز أَنْفَهُ، قَالَ السُّدِّيُّ: وَكَانَ سَعْدٌ قَدْ صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَشَوَى لَهُمْ رَأْسَ بَعِيرٍ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَغَضِبَ مِنْ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ سَعْدٌ، فَكَسَرَ أَنْفَهُ بَلِحَى الْبَعِيرِ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ.
والثالث: ما رواه عوف عن أبي القلوص، أَنَّ رَجُلًا سَكِرَ مِنَ الْخَمْرِ، فَجَعَلَ يَنُوحُ على قتلى بدر ويقول:
(تحيى بالسلامة أم بكر ... وهل لي بَعْدَ رهْطِكِ مِنْ سَلَامِ)
(ذَرِينِي أَصْطَبِحْ بكْرًا فإني ... رأيت الموت نبث عن هشام)
(ووديني الْمُغِيرَة لَوْ فَدَوْهُ ... بِأَلْفٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ سوام)
(وكائن بالطوي طوي بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام)
(وكائن بالطوي طوي بدر ... من القينات والحلل الكرام)
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فغضب وأقبل الرَّجُلُ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شيئاً كان معه بِيَدِهِ لِيَضْرِبَهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهَا أَبَدًا، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ.
وَالرَّابِعُ: مَا رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ صَنَعَ طَعَامًا وَشَرَابًا وَدَعَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا حَتَّى ثَمِلُوا فَقَدَّمُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فصلى بِهِمُ الْمَغْرِبَ فَقَرَأَ " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَأَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ ديني) فنسي قول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تقولون﴾ [سورة النساء: 43] ثم حرمت.
والخامس: ما رواه محمد بن إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بياناً شافياً فنزل في سورة البقرة قوله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] الْآيَةَ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فنزل في سورة النساء قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تقولون﴾ [النساء: 43] فدعى عمر فقرئت عليه.
فقال: اللهم من لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ والبغضاء﴾ . الآية إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90] فَحِينَ سَمِعَهَا عُمَرُ قَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا.
فَهَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْخَمْرِ، وَنَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ رَابِعَةٌ فَيَ سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 33] .
والإثم ها هنا الخمر في قول الأكثر لِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
(شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ)
فَهَذِهِ أَرْبَعُ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْخَمْرِ.
نَحْنُ نَبْدَأُ بِتَفْسِيرِ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا، وَنَذْكُرُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِيمَا حُرِّمَتْ بِهِ الْخَمْرُ فيها.
أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219] فَقَدْ قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الَّذِي سَأَلَ عَنْهَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ فِي الْخَمْرِ مَا قَالَ، وَاسْمُ الْخَمْرِ يَنْطَلِقُ حَقِيقَةً عَلَى عَصِيرِ الْعِنَبِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي انْطِلَاقِهِ حَقِيقَةً عَلَى مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه يطلق اسْمُ الْخَمْرِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الصِّفَةِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الِاسْمِ
والوجه الثاني: أنه يطلق اسْمُ الْخَمْرِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَأَنَّ حَقِيقَةَ اسْمِ الْخَمْرِ مُخْتَصٌّ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ فِي صِفَةٍ وَيَخْتَلِفَانِ فِي أُخْرَى وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْحُكْمِ مِنْ وَجْهٍ وَيَخْتَلِفَانِ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ، فَافْتَرَقَا فِي الِاسْمِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ وَبَعْضِ الْأَحْكَامِ.
وَأَمَّا الْمَيْسِرُ فَهُوَ الْقِمَارُ وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِالْمَيْسِرِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الْيَسَارِ وَالثَّرْوَةِ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ.
وَالثَّانِي: لأنه موضوع على ما ينزله مِنْ غُنْمٍ أَوْ غُرْمٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219] فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِثْمَ الْخَمْرِ أَنَّ شَارِبَهُ يُؤْذِي النَّاسَ إِذَا سَكِرَ واسم الميسر أن صاحبه يظلم الناس إذا عومل وهذا قول السدي.
والثاني: أن اسم الْخَمْرِ أَنْ يَزُولَ عَقْلُ شَارِبِهِ فَتَغْرُبُ عَنْهُ معرفة خالقه، واسم الميسر أن يوقع العداوة والبغضاء ويصدر عن ذكر الله والصلاة، وهذا قول ابن عباس ﴿ومنافع الناس﴾ وَفِي مَنَافِعِ الْخَمْرِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وُفُورُ ثَمَنِهَا وربح تجارها.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَذَّةُ شُرْبِهَا وَمَا يَحْصُلُ فِي النفس من الطرب كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
(وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا مَا يُنَهنِهُنَا اللِّقَاءُ)
وكقول آخر: (وَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي ... رَبُّ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ)
(وَإِذَا صَحَوْتُ فَإِنَّنِي ... رَبُّ الشُّوَيْهَةِ وَالْبَعِيرِ)
وَفِي مَنَافِعِ الْمَيْسِرِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: اكْتِسَابُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حل.
والثاني: ما يحصل الحاضر به مِنْ نَصِيبِ الْقَامِرِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَجْهًا ثالثاً: وهو أن منفعة الخمر والميسر بشأن اجتنابهما ثم قال تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن الإثم الحادث عنه أكثر من النفع العائد منها قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ إِثْمَهُمَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ قاله ابن عباس.
﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْجِهَادِ.
وَالثَّانِي: فِي الصدقات ﴿قل العفو﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: ما طالبت به النفس عفواً ولم يسأل عليها قاله طاوس.
والثاني: أنهما لا طرف فِيهِ وَلَا تَقْصِيرَ، قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَالثَّالِثُ: أنَّهُ ما فضل عن الأهل والعيال، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالرَّابِعُ: أنَّهُ الْحَلَالُ الطَّيِّبُ ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات﴾ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: الصَّدَقَاتُ.
وَالثَّانِي: الْأَحْكَامُ.
والثالث: الدلائل والحجج ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾ فيه وجهان:
أحدهما: تتفكرون في الدنيا أنها دار فناء فتزهدون فيها، وفي الآخرة أنها دار بقاء فتعملون لها.
والثاني: تتفكرون في أوامر الله ونواهيه فتستذكرون طَاعَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَثَوَابَهُ فِي الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] فَفِي قَوْلِهِ: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَهى عَنِ الصَّلَاةِ فِي حالة سكر.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَهى عَنِ الشُّرْبِ فِي وَقْتِ الصلاة، وفي قوله تعالى: ﴿وأنتم سكارى﴾ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنَ الشَّرَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَالثَّانِي: مِنَ النَّوْمِ قَالَهُ الضَّحَّاكُ.
وَأَصْلُ السُّكْرِ مِنَ الشَّرَابِ مَأْخُوذٌ مِنْ سُكْرِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يسد مجرى الماء، فالسكر مِنَ الشَّرَابِ أَنْ يَسُدَّ طَرِيقَ الْعَقْلِ وَفِي قوله تعالى: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ ، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: حَتَّى تُمَيِّزُوا مَا تَقُولُونَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَالثَّانِي: حَتَّى تَحْفَظُوا مَا تَتْلُونَ مِنَ القرآن لأجل ما كان فيمن أُمِرَ بِالصَّلَاةِ فِي سُكْرِهِ فَلَمْ يَقُمْ بِسُورَةِ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى إِبَاحَةِ الْخَمْرِ فِي غَيْرِ زَمَانِ الصَّلَاةِ وَتَحْرِيمِهَا فِي زَمَانِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِفِعْلِ الصلاة إذا حضر فعلها، فإذا صلى صلت له، وإن كان وقتها باقياً.
روى ابن إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: كَانَ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ يُنَادِي: " لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سكران) .
والثاني: أنه معتبر بوقت الصلاة، يحرم فِيهِ عَلَى مَنْ صَلَّى وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ وفيما توجيه التَّحْرِيمِ إِلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِلَى السُّكْرِ دُونَ الشُّرْبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ.
وَالثَّانِي: إِلَى الشُّرْبِ وَالسُّكْرِ جَمِيعًا.
رَوَى أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَتِ الْخَمْرُ حلالاً لهم، يشربونها من صلاة الغداء حَتَّى يَنْتَصِفَ النَّهَارُ فَيَقُومُونَ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ وهم مصحون،
ثُمَّ لَا يَشْرَبُونَهَا حَتَّى يُصَلُّوا الْعَصْرَ، ثُمَّ يَشْرَبُونَهَا حَتَّى يَنْتَصِفَ اللَّيْلُ وَيَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُمْ مُصِحُّونَ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ وقد مضى الكلام فيها، والأنصاب والأزلام فيها قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَنْصَابَ الْأَصْنَامُ الَّتِي تُعْبَدُ وَالْأَزْلَامَ قِدَاحٌ مِنْ خَشَبٍ يُسْتَقْسَمُ بِهَا.
وَالثَّانِي: الْأَنْصَاب حِجَارَةٌ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، كَانُوا يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا، وَالْأَزْلَام تِسْعُ قِدَاحٍ ذَوَاتُ أَسْمَاءٍ، حَكَاهَا الْكَلْبِيُّ، يستقسمون بها في أمورهم ويجعلون لكل واحد منهما حكما ثم قال؛ ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ وفيها أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: سُخْطٌ.
وَالثَّانِي: شَرٌّ.
وَالثَّالِثُ: إِثْمٌ.
وَالرَّابِعُ: حرام ﴿من عمل الشيطان﴾ أَيْ: مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَيَأْمُرُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِالْمَعَاصِي، وَلَا يَنْهَى إلا عن الطاعات، وأصل الرجس المستقذر الممنوع مِنْهُ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا منه، ثم قال ﴿فاجتنبوه﴾ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ أَنْ تَفْعَلُوهُ.
وَالثَّانِي: فَاجْتَنِبُوا الشَّيْطَانَ أَنْ تُطِيعُوهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَهْتَدُونَ.
وَالثَّانِي: تَسْلَمُونَ ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ والبغضاء في الخمر والميسر﴾ بِحُصُولِ الشَرِّ وَالتَنَافُرِ لِحُدُوثِ السُّكْرِ وَغَلَبَةِ الْقِمَارِ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّيْطَانَ يَصُدُّكُمْ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ سُكْرَ الْخَمْرِ يَصُدُّكُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَطَلَبُ الْغَلَبَةِ فِي الْقِمَارِ يَشْغَلُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ﴿فَهَلْ انتم منتهون﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُنْتَهُونَ عَمَّا نهى عَنْهُ من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وأخرجه مخرج الاستفهام وعيداً وتغليظاً [الأعراف: 33] .
وَالثَّانِي: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ عَنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ فِيمَا زَيَّنَهُ لَكُمْ مِنَ ارْتِكَابِ هَذِهِ الْمَعَاصِي وأما الآية الرابعة في سورة الأعراف وفي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وما بطن﴾ فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَوَاحِشَ الزِّنَا خَاصَّةً، وَمَا ظَهَرَ منها الأنكحة الْفَاسِدَةُ، وَمَا بَطَنَ السِّفَاحُ الصَّرِيحُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَوَاحِشَ جَمِيعُ الْمَعَاصِي، وَمَا ظَهَرَ مِنْهَا أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ، وَمَا بَطَنَ اعْتِقَادُ الْقُلُوبِ ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بغير الحق﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِثْمَ الْجِنَايَةُ فِي الْأَمْوَالِ، وَالْبَغْيَ التَّعَدِّي عَلَى النُّفُوسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِثْمَ الْخَمْرُ، وَالْبَغْيَ السُّكْرُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا شَاهِدَهُمَا، فَسَمَّاهُمَا بِمَا يَحْدُثُ عَنْهُمَا.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ فِي الخمر فقد اختلف أهل العلم بأيهما وقع التحريم على ثلاثة أقاويل:
أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كان بالآية الأولى في سورة البقرة، في قوله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كبير﴾ [البقرة: 219] وقرأ حمزة والكسائي كثير لأنه ما كثر إثمه لم يجز اسْتِبَاحَتُهُ، فَوَقَعَ بِهَا التَّحْرِيمُ، وَكَانَ مَا بَعْدَهَا مُؤَكِّدًا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ اسْتَقَرَّ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الأعراف من قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ لِمَا فِيهَا مِنْ صَرِيحِ التَّحْرِيمِ وَفِي غَيْرِهَا مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ: وعليه اكثر العلماء، أن تحريم الخمر استقر بآية المائدة من قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ إلى قوله: ﴿فهل انتم منتهون﴾ .
روى عبد الوهاب عن عوف بن أبي القموص عن زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في الخمر ثلاث مرات، فأول ما أنزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219] فَشَرِبَهَا قَوْمٌ وَامْتَنَعَ عنها قَوْمٌ.
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] فامتنعوا عنها، فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَشَرِبُوهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الصلاة، ثم أنزل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ فَقَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا، فَاسْتَقَرَّ بِهَا التَّحْرِيمُ فَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا عِنْدَ تَحْرِيمِهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ شربوها، وماتوا قبل تحريمها، فأنزل الله تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنَ الْمُبَاحَاتِ غَيْرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَالثَّانِي: مِنَ الْخَمْرِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي تَلَقِّي أَمْرِ اللَّهِ بالقبول.
والثاني: في أداء الفرائض، ﴿وآمنوا﴾ يعني بالله ورسوله ﴿وعملوا الصالحات﴾ يعني البر والمعروف، ﴿ثم اتقوا وآمنوا﴾ فِي هَذِهِ التَّقْوَى الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا غَيْرُ مَنْ خُوطِبَ بِالتَّقْوَى فِي الْأُولَى وَأَنَّ الْأُولَى لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ وَالثَّانِيَةَ لِمَنْ شَرِبَهَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ؛ فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ ذكرها لاختلاف المخاطب بها.
والوجه الثاني: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا وَاحِدٌ وَإِنَّمَا تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا لاختلاف المراد بها فعلى هذا في الْمُرَادِ بِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُولَى، فعل الطاعات.
والثانية: اجْتِنَابُ الْمَعَاصِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُولَى عَمَلُ الْفَرَائِضِ، وَبِالثَّانِيَةِ عَمَلُ النَّوَافِلِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحسنوا﴾ فِي هَذِهِ التَّقْوَى الثَّالِثَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْإِقَامَةُ عَلَى التَّقْوَى.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَقْوَى الشبهات.
والثالث: أنها إثابة المحسن، والعفو عن المسيئ.
وَحُكِيَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ اسْتَبَاحَ الخمر بهذه الآية [المائدة: 93] وَقَالَ: قَدِ اتَّقَيْنَا وَآمَنَّا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْنَا فيما طعمنا، وأن عمرو بن معد كرب استباحها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فهل انتم منتهون﴾ ثُمَّ سَكَتَ وَسَكَتْنَا فَرَدَّ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمَا لِفَسَادِ تَأْوِيلِهِمَا فَرَجَعَا، وَلَمْ يَكُنْ لِخِلَافِهِمَا تَأْثِيرٌ فَصَارَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى تَحْرِيمِهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ ثُمَّ أكده نص السنة.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن البتع فقال: " كل شراب أسكر فهو حَرَامٌ) وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
قَالَ: " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " شرب الخمر أم الخبائث، وَإِنَّ خَطِيئَةَ شُرْبِهَا لَتَعْلُو الْخَطَايَا، كَمَا أَنَّ شجرها يعلوا الشجر) . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَشَارِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا) .
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا مَعًا صِرْفًا وَمَمْزُوجَةً.
وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، أَنَّهَا تَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ صِرْفًا وَلَا تَحْرُمُ إِذَا مُزِجَتْ بِغَيْرِهَا.
لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كل شراب) .
قالوا: وليست الممزوجة بِعَيْنِهَا، فَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهَا التَّحْرِيمُ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عُمُومِ النَّصِّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ حَلَّتْ بِالْمَزْجِ لَبَطَلَ مَقْصُودُ التَّحْرِيمِ، وَلَجَازَ إِذَا أُلْقِيَ فِيهَا حصاة أو عود أن تحل، ولتوصل إِلَى مُرَادِ شُرْبِهَا إِلَى الِاسْتِبَاحَةِ، وَلَمْ يَكُنْ للنصوص فيها تأثير، وسنذكر معنى الْحَدِيثِ مِنْ بَعْدُ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُ شَارِبِهَا مِنْ أَنْ يَسْتَحِلَّ شُرْبَهَا أولا.
فَإِنْ شَرِبَهَا مُسْتَحِلًّا كَانَ كَافِرًا بِاسْتِحْلَالِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَهُ النَّصُّ.
فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ المرتد في الْقِتَالِ إِنْ لَمْ يَتُبْ.
وَإِنْ شَرِبَهَا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَمْ يَكْفُرْ.
وَتَعَلَّقَ بِشُرْبِهَا ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: مَأْثَمُ التَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِي: الْفِسْقُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْعَدَالَةِ.
وَالثَّالِثُ: وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَسَوَاءٌ سَكِرَ مِنْ شُرْبِهَا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، وزعم قوم أن الحد فيها تعزير ويجوز أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا، بَلْ هُوَ حَدٌّ، رَوَى شعبة عن قتادة عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " جَلَدَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ) .
فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الشُّرْبُ قَبْلَ الْحَدِّ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌ وَاحِدٌ فإن تَكَرَّرَ مِنْهُ الشُّرْبُ بَعْدَ الْحَدِّ كُرِّرَ عَلَيْهِ الحد ولم يقتل.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ قبيصة بن ذؤيب يرفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قَالَ: " إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ثُمِّ إن شرب فَاجْلِدُوهُ، ثُمِّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شرب فاقتلوه) قالوا: فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أتي به الثانية فجلده، ثم أتي به الثَّالِثَةَ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَجَلَدَهُ وَوضعَ الْقَتْل فَكَانَتْ رُخْصَةٌ.
ثُمَّ قَالَ الزُّهْرِيُّ لِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَمِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ: كُونَا وَافِدَيِ الْعِرَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَالْقَتْلُ مَنْسُوخٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ، وَالْمَرَاسِيلُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَاخْتُلِفَ فِيمَا أَرَادَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وجهين:
أحدهما: حديث عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ، وَزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ) .
وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ.
وَالثَّانِي: أَرَادَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شرب فَاجْلِدُوهُ، ثُمِّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إِنْ شرب فَاقْتُلُوهُ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ ثم أتي به الثانية فجلده، ثم أتي بِهِ الثَّالِثَةَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فجلده، ووضع القتل.
وقد روى ذكريا الساجي هذا الحديث.
وسمى الرجل بنعمان.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدٌ، وَلَمْ يَرْوِهِ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ، فَهَذَا حُكْمُ الْخَمْرِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْأَنْبِذَةُ الْمُسْكِرَةُ سِوَى الْخَمْرِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِجْرَاءِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَيْهَا.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنْ جَمِيعِ الأنبذة قليله حَرَامٌ.
وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ والنجاسة والحد، سواء كان نيئاً أَوْ مَطْبُوخًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ إِلَى إِبَاحَتِهِ، فَأَبَاحَ بَعْضُهُمْ جَمِيعَ الْأَنْبِذَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا لَمْ يمسه طبخ فَهُوَ الْخَمْرُ الَّذِي يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ فِي شُرْبِهِ، فَإِنْ طُبِخَ فذهب ثلثاه حل، ولا حَدَّ فِيهِ حَتَّى يُسْكِرَ، وَإِنْ ذَهَبَ أَقَلُّ من ثلثه فَهُوَ حَرَامٌ، وَلَا حَدَّ فِيهِ حَتَّى يُسْكِرَ.
وَمَا عُمِلَ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، فَجَمِيعُهُ حَلَالٌ، طُبِخَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ، وَلَا حَدَّ فِيهِ حَتَّى يُسْكِرَ، وَيَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدَحُ الْمُسْكِرُ، وَجَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ عِنْدَهُ طَاهِرَةٌ، وَإِنْ حَرُمَتْ سِوَى الْخَمْرِ، وَلَا يَنْطَلِقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا اسْمُ الْخَمْرِ، وَلَا يُعَلَّلُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَصَارَ الْخِلَافُ معه مشتملاً على خمسة فصول:
أحدهما: هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ اسْمُ الْخَمْرِ؟ .
عِنْدَنَا يَنْطَلِقُ وَعِنْدَهُ لَا يَنْطَلِقُ.
وَالثَّانِي: هَلْ يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا؟ عِنْدَنَا يَحْرُمُ وَعِنْدَهُ لَا يحرم.
والثالث: هل تنجس كالخمر؟ عندنا تنجس وعنده لا تنجس.
وَالرَّابِعُ: هَلْ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ أَوْ بِالسُّكْرِ؟ عِنْدَنَا بالشُّرْبِ وَعِنْدَهُ بِالسُّكْرِ.
وَالْخَامِسُ: هَلْ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مُعَلَّلٌ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّلٍ؟ عِنْدَنَا مُعَلَّلٌ وَعِنْدَهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى إِبَاحَةِ النَّبِيذِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ فِيهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] .
والسَّكَرُ هُوَ الْمُسْكِرُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ: فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى إِبَاحَتِهِ.
وَبِمَا رَوَى أَبُو عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ) فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ثَلَاثَةِ أحكام:
إِبَاحَةُ النَّبِيذِ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَ السُّكْرَ دُونَ الْمُسْكِرِ.
ولأنه لا ينطلق عليه اسم الخمر وأن تحريم الخمر غير معلل؛ ولأنه حَرَّمَهَا بِعَيْنِهَا لَا لِعِلَّةٍ وَاسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ مَنْصُورٍ عن مخلد عن سَعْدٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: عَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو يطوف بالبيت فاستسقى، فأوتي بنبيذ من السقاية فشمه وقطب وجهه، ودعا بذنوب من ماء زمزم، فصب عليه وشرب منه وقال: " إذا غلت عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةُ فَاكْسِرُوهَا بِالْمَاءِ) .
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - النبيذ فيشربه اليوم والغد وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ به فيستقى الْخَدَمُ، أَوْ يُهْرَاقَ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا سَقَاهُ الْخَدَمَ.
وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُنْبَذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ، فَإِنْ لَمْ يكن فثور مِنْ حِجَارَةٍ.
وَرَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سئل عن النبيذ أحلال أَمْ حَرَامٌ؟
فَقَالَ: " حَلَالٌ) .
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ نَصٌ وَفِعْلٌ فِي إِبَاحَةِ النَّبِيذِ.
وَاسْتَدَلَّ بِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لَنَا أَعْنَابًا فما نَصْنَعُ بِهَا؟ فَقَالَ: " زَبِّبُوهَا فَقُلْنَا: مَا نَصْنَعُ بِالزَّبِيبِ قَالَ: أَنْبِذُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ وَاشْرَبُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ، وَأَنْبِذُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ وَاشْرَبُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ، وانبذوه في الشنان، يريد الجلد ولا تنبذوا في القلل، فإنه إن تَأَخَّرَ عَنْ عَصْرِهِ صَارَ خَلًّا) .
وَاسْتَدَلَّ بِمَا روي عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الظُّرُوفُ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا فَاشْرَبُوا ولا تسكروا) .
وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " انظروا هذه الأسقية إذا اعتلمت عَلَيْكُمْ فَاقْطَعُوا مُتُونَهَا بِالْمَاءِ) .
وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بنشوان فقال له: " أشربت خمراً) فقال له لا وَاللَّهِ مَا شَرِبْتُهَا مُنْذُ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: " فَمَاذَا شَرِبْتَ) ؟ قَالَ: الْخَلِيطَيْنِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى النَّبِيذِ اسْمُ الْخَمْرِ، وَلَا يَحْرُمُ بِخِلَافِ الْخَمْرِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: " اشْرَبُوا وَلَا تَسْكَرُوا فَإِنِ اشْتَدَّ عَلَيْكُمْ فَاكْسِرُوهُ بِالْمَاءِ) وَاسْتَدَلَّ بِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: " شَهِدْتُ تَحْرِيمَ النَّبِيذِ كَمَا شَهِدْتُمْ ثُمَّ شهدت تحليله، فحفظت ونسيتم) .
فمن ذلك ما روى قيس بن أبي حَازِمٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ: أَنَّهُ قَدِمَ على عمر بن الخطاب، فدعا بعشر مِنْ نَبِيذٍ شَدِيدٍ فَقَالَ: اشْرَبْ فَأَخَذْتُهُ فَشَرِبْتُ فما كدت أسبقه، ثُمَّ أَخَذَ فَشَرِبَ ثُمَّ قَالَ: يَا عُتْبَةُ إننا ننحر كل يوم جزوراً ودكها وأطايبها فلمن حضر من آفاق المسلمين عُنُقُهَا فَلِآلِ عُمَرَ نَأْكُلُ هَذَا اللَّحْمَ الْغَلِيظَ، وَنَشْرَبُ هَذَا النَّبِيذَ الشَّدِيدَ، يَقْطَعُهُ فِي بُطُونِنَا أن يؤذيننا وَهَذَا فِعْلٌ مُنْتَشِرٌ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَكْرَانَ فَجَلَدَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا شَرِبْتُ من ادواتك فَقَالَ: إِنَّمَا أَضْرِبُكَ عَلَى السُّكْرِ مِنْهَا، وَلَا أَضْرِبُكَ عَلَى الشُّرْبِ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ السُّكْرِ دُونَ الشُّرْبِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَضَافَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، وَسَقَاهُ نَبِيذًا، فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ وَأَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ دَفَعَهُ إِلَى خَادِمِهِ قَنْبَرٍ، وَمَعَهُ مِزْهَرٌ ليهديه إلى بيته، والمزهر السراج وقال لَهُ أهْدِهِ يَعْنِي إِلَى مَنْزِلِهِ لِسُكْرِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ جَمَاعَةٍ يَجْلِسُونَ عَلَى شَرَابٍ إِلَّا وَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ وَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى مَا لَا يُسْكِرُ حَتَّى يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى مَا يُسْكِرُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَرِبَ أَحَدُكُمْ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ فَلَمْ يَسْكَرْ فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِنْ شَرِبَ الْعَاشِرَ فَسَكِرَ فهو حرام، فهذا ما عاضد السُّنَّةَ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ كَثِيرًا.
فَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْمَعَانِي فَمِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ لِأَمْرَيْنِ لُغَةً وَشَرْعًا:
أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ بِاسْمٍ يَنْتَفِي عَنِ الْآخَرِ، فَيُقَالُ لِعَصِيرِ الْعِنَبِ خَمْرٌ وَلَيْسَ بِنَبِيذٍ، وَيُقَالُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ نَبِيذٌ وَلَيْسَ بِخَمْرٍ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ فِي شِعْرِهِ:
(دَعِ الْخَمْرَ يَشْرَبْهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي ... رَأَيْتُ أَخَاهَا مُجْزِيًا لِمَكَانِهَا)
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا)
فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيذَ غَيْرُ الْخَمْرِ، وَهُوَ مِنْ فصحاء العرب المحتج بقوله فِي اللُّغَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى حُكْمُ الْخَمْرِ فِي النَّبِيذِ مِنْ تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهِ، وَتَفْسِيقِ شَارِبِهِ، انْتَفَى عَنْهُ اسْمُ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ مَا علق بالاسم من حكم لم يزل مع موجود الِاسْمِ، كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا عَلِقَ بِعِلَّةٍ لَمْ يَزَلْ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ تحريم الأنبذة ما يعم بِهِ الْبَلْوَى، وَمَا عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى وَجَبَ أن يكون ثباته عاماً وما لم يكن ثباته كَانَ نَقْلُهُ مُتَوَاتِرًا.
وَلَيْسَ فِيهِ تَوَاتُرٌ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ، قَدْ كَانَتْ حَلَالًا وَتَحْرِيمُهَا نُسِخَ وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالنَّصِّ والنَّصُّ مُخْتَصٌّ بِالْخَمْرِ دُونَ النَّبِيذِ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَإِبَاحَةِ النَّبِيذِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيذَ بِالْمَدِينَةِ عَامٌّ وَالْخَمْرُ فِيهَا نَادِرٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيذَ يُعْمَلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَالْخَمْرُ يُجْلَبُ إِلَيْهَا مِنَ الشَّامِ وَالطَّائِفِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ.
فَلَوِ اسْتَوَيَا فِي التَّحْرِيمِ لَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيَانِ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ نَصًّا أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى بَيَانِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَلَمَّا عَدَلَ بِالنَّصِّ عَنِ النَّبِيذِ إِلَى الْخَمْرِ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِالتَّحْرِيمِ دُونَ النَّبِيذِ.
وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: مَا حَرَّمَ شَيْئًا إِلَّا وَأَغْنَى عَنْهُ بِمُبَاحٍ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنَّهُ حَرَّمَ الزِّنَا وَأَبَاحَ النِّكَاحَ، وَحَرَّمَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَأَبَاحَ لَحْمَ الْجَمَلِ، وَحَرَّمَ الْحَرِيرَ وَأَبَاحَ الْقُطْنَ وَالْكِتَّانَ، وَحَرَّمَ الْغَارَةَ وَأَبَاحَ الْغَنِيمَةَ، وَحَرَّمَ التَّعَدِّيَ وَالْغَلَبَةَ وَأَبَاحَ الْجِهَادَ، وَقَدْ حَرَّمَ
اللَّهُ الْخَمْرَ فَوَجَبَ أَنْ يُغْنِيَ عَنْهَا بِمُبَاحٍ مِنْ جِنْسِهَا.
وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا مَا يُغْنِي عَنْهَا سِوَى النَّبِيذِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا اعتباراً بِسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: قَدْ وَعَدَنَا بِالْخَمْرِ فِي الْجَنَّةِ وَرَغَّبَ فِيهَا أَهْلَ الطَّاعَةِ، وَمَا لَا تُعْرَفُ لَذَّتُهُ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ التَّرْغِيبُ فِيهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَبِيحُوا مَا تستدل بِهِ عَلَى لَذَّتِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ النبيذ، فاقتضى أن يحل له النَّبِيذُ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ التَّرْغِيبَاتِ، فَهَذِهِ دَلَائِلُ مَنْ أَبَاحَ النَّبِيذَ مِنْ نُصُوصٍ وَمَعَانٍ.
(فَصْلٌ)
وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ؛ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي النَّبِيذِ كَوُجُودِهِ فِي الْخَمْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي التَّحْرِيمِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّعْلِيلِ.
وَمِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " كل مسكر خمر وكل خمر حَرَامٌ) . فَدَلَّ عَلَى تَسْمِيَةِ النَّبِيذِ خَمْرًا، وَعَلَى تَحْرِيمِهِ كَالْخَمْرِ.
وَرَوَى طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " كل خمر حرام وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) .
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ لَا تَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ) " وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) " ومن مس ذكره فليتوضأ) ففيه ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ أَثْبَتُ وَأَعْلَمُ بِطَرِيقِ الْحَدِيثِ وَصِحَّتِهِ مِنْ يَحْيَى، وَقَدْ أَثْبَتَ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِنْكَارُ هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا رَوَاهُ الثِّقَةُ، حَتَّى يُبَيِّنَ وجه فساده، وقد رواه من ذكرنا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَخْذَ بِهِ وَالْعَمَلَ عَلَيْهِ قَدْ سبق يحيى، فلم يكن حدوث قدحه مؤشراً.
فَإِنْ قِيلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يعلمنا الأسماء، وإنما يعلمنا الأحكام، لأنه أَهْلَ اللُّغَةِ قَدْ شَارَكُوهُ فِي مَعْرِفَتِهَا لِتَقَدُّمِ اللسان العربي على مجيء الشرع.
ففيه جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ عَنْهُ الأسماء شرعاً، إذا تعلقت عليها أحكام كما تؤخذ الأَحْكَام؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءَ فَنَقَلَهَا الشَّرْعُ إِلَى أَفْعَالِهَا، وَكَذَلِكَ
الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَنْقُلَ اسْمَ النَّبِيذِ إِلَى الْخَمْرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيذَ نَوْعٌ من الخمر، واسم الخمر أعم، ودخل فِي اسْمِ الْأَعَمِّ، وَهُوَ الْخَمْرُ عُمُومًا وَانْفَرَدَ بِاسْمِ النَّبِيذِ خُصُوصًا، فَبَيَّنَهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لمن خفي عليه.
وقد روى عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ وَهُوَ شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ سَبَقَ ورود الشرع:
(وقالوا هي الخمر تكنى الطلا ... كما الذئب يكنى أبا جعدة)
والطلاء: اسم نوع منه يختص بالمطبوخ دون النيء.
روى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ عَنِ ابْنِ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بغير اسمها) .
وسنذكر ما أَنْوَاعِ أَسْمَائِهَا مَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَمْرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن البتع فقال: كل شراب أسكر فهو حَرَامٌ) .
فَإِنْ قِيلَ: الَّذِي أَسْكَرَ هُوَ الْقَدَحُ الْأَخِيرُ الَّذِي ظَهَرَ بِهِ السُّكْرُ وَهُوَ حَرَامٌ وما قبله غير مسكر، فكان حلالاً، ففيه سِتَّةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّكْرِ صِفَةُ جنسه فانطلق عَلَى قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، كَمَا يُقَالُ فِي الطَّعَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَعْلِيقَ التَّحْرِيمِ بِالْأَخِيرِ يُوجِبُ تَعْلِيقَهُ بِالْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْأَخِيرِ لَا يُسْكِرُ كَأَوَّلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ الْأَخِيرِ حَرَامًا كَآخِرِهِ، فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا كَالْأَخِيرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الخمر الأول، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَخِيرَ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ حَرَامًا.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ كُلَّ مِقْدَارٍ مِنَ الْخَمْرِ يَجُوزُ أن يسكر؛ لأن الصغير يسكر بقليله كما يسكر الكبير بِكَثِيرِهِ، وَمِنَ النَّاسِ مِنْ يَسْكَرُ بِقَلِيلِهِ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يَسْكَرُ بِكَثِيرِهِ، فَصَارَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ مُسْكِرًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنَ الْخَمْرِ تَأْثِيرًا فِي السكر، والقدح الأول مبدأه، وَالْقَدَحُ الْأَخِيرُ مُنْتَهَاهُ، فَصَارَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مُسْكِرًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، كَالضَّرْبِ الْقَاتِلِ يَكُونُ بالسوط الأول مبدأ الْأَلَمِ، وَالْأَخِيرِ غَايَتُهُ، وَالْجَمِيعُ قَاتِلٌ.
وَالسَّادِسُ: أَنَّ الْأَخِيرَ الَّذِي يُسْكِرُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مُسْكِرٌ إِلَّا بَعْدَ شُرْبِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تعليق التحريم به.
وقد روى هاشم بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ) .
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها وقالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: " ما أسكر الفرق منه فاللحسة مِنْهُ حَرَامٌ) .
وَالْفَرْقُ: أَحَدُ مَكَايِيلِ الْعَرَبِ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، لِأَنَّ لَهُمْ أَرْبَعَةُ مَكَايِيلَ
الْمُدُّ: وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ.
وَالْقِسْطُ: وَهُوَ ضِعْفُ الْمُدِّ، رِطْلَانِ وَثُلُثَانِ.
وَالصَّاعُ: وَهُوَ ضِعْفُ الْقِسْطِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ.
وَالْفَرْقُ: وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْعَافِ الصَّاعِ، سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا فَدَلَّ هَذَا عَلَى تَحْرِيمِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِأَسَانِيدَ ثَابِتَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) وَرَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَخَبَّابُ بْنِ الْأَرَتِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ) .
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أَرَادَ بِتَحْرِيمِ قَلِيلِهِ الْأَخِيرَ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ السُّكْرُ فَصَارَ هُوَ الْمُحَرَّمَ دُونَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكَثِيرِ الَّذِي لَمْ يسكر ففيه ثلاثة أجوبة:
أحدهما: أَنَّ هَذَا تَكَلُّفُ تَأْوِيلٍ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَكَانَ مُطَّرَحًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَعُمُّ الْخَمْرَ وَالنَّبِيذَ فَلَمَّا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْخَمْرِ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فِي النبيذ.
والثالث: أنه إذا حرم القليل كالتحريم الْكَثِيرِ أَغْلَظَ كَالْخَمْرِ إِذَا حُرِّمَتْ بِغَيْرِ سُكْرٍ كان تحريمها بالسكر أغلظ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ شَرِبَ خَمْرًا لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ سَبْعَة أَيَّامٍ وَمَنْ
سكر منها لم تقبل صلاته أَرْبَعِينَ يَوْمًا) .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عن أبي سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عَلَى عُمُومَةٍ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْقِيهِمْ فَضِيخًا لَهُمْ، فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ مَذْعُورٌ، فَقُلْنَا: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: حُرِّمَتِ الخمر فقالوا لي: أكفها فكفأتها قال: وَهُوَ كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي عُمُومَتِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجِرَّاحِ، وَأَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، شَرَابًا لهم مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ وَالْفَضِيخُ مِنَ الْبُسْرِ.
فَجَعَلُوهُ خَمْرًا مُحَرَّمًا وَالْمِهْرَاسُ الْفَأْسُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن شراب من العسل فقال: " ذلك البتع) قلت: وينبذون من الشعير والذرة فقال: " ذلك المذر ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) .
وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنا ومعاذ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: " بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَيَسِّرَا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تعاصيا فقال معاذاً يا رسول الله إنك تبعثنا إِلَى بِلَادٍ كَثِيرٍ شَرَابُ أَهْلِهَا فَمَا نَشْرَبُ؟ قَالَ: اشْرَبُوا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) .
وَرَوَى أَحْمَدُ بن حنبل والحميدي في كِتَابِهِمَا فِي الْأَشْرِبَةِ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ عَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقلت؛ يا رسول الله، إنا بأرض بارة نُعَالِجُ بِهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا من هذا الفضيخ فنقوى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: هل يسكر؟ قلت نعم: قال: فاجتنبوه فَقُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَاقْتُلُوهُمْ) .
وَرَوَى الْحُمَيْدِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ حُبْشَانِ أَهْلِ اليمن قالوا: يا رسول الله إن أرضنا أرض بَارِدَةٌ وَإِنَّا نَعْمَلُ بِأَنْفُسِنَا، وَلَيْسَ لَنَا منْ ممتهن دُونَ أَنْفُسِنَا وَلَنَا شَرَابٌ نَشْرَبُهُ بِأَرْضِنَا، يُقَالُ له المذر فَإِذَا شَرِبْنَاهُ نَفَى عَنَّا الْبَرْدَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.
وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ) .
رَوَى أَبُو سعيد السحيتي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " الخمر مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ) ، فَإِنْ قَالُوا: يُسَمَّى مَا يُعْمَلُ مِنَ النَّخْلَةِ، خَمْرًا عَلَى طريق المجاز: لا يصح هذا، لأنه جمع بين العنبة والنخلة وَهُوَ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَكَذَلِكَ من النخلة.
فَإِنْ قِيلَ: فَنَحْمِلُهُ فِي الْعِنَبِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَفِي النَّخْلِ عَلَى الْمَجَازِ قِيلَ: لَا يَصِحُّ هَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ اللَّفْظَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْحَقِيقَةُ والمجاز على قوله: فلم يجز تأويله عليه عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ إِذَا وَافَقَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ صار حقيقة تقدم على حقيقة اللغة إذا خالفها.
وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ هِيَ الْخَمْرُ) وَهَذَا نَصٌّ فِي حَقِيقَةِ الِاسْمِ دُونَ مَجَازِهِ.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ نُعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا وَإِنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا، وإن من البسر خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا) .
وَهَذَا نَصٌّ لَا يَعْتَرِضُهُ تَأْوِيلٌ فَهَذِهِ نُصُوصُ السُّنَّةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: مَا يُعَاضِدُهَا فَمِنْ ذَلِكَ: مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَة من العنب والتمر والعسل والحنظة وَالشَّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ.
فَدَلَّ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِطْلَاقُ اسْمِ الْخَمْرِ على النبيذ والثاني: تعليل الخمر لأنه مَا خَامَرَ الْعَقْلَ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الِاسْمِ ما رواه صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا إِنَّ خَمْرَ الْمَدِينَةِ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، وَخَمْرُ أَهْلِ فَارِسَ الْعِنَبُ، وَخَمْرُ أَهْلِ الْيَمَنِ الْبِتْعُ، وَخَمْرُ الْحَبَشَةِ السُّكْرُكَةُ: وَهِيَ الْأُرْزُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ: عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عن السائب بن زيد أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ، فَشَمَّ مِنَ ابْنِهِ عبيد الله رائحة شارب، فسأله، فقال: إني شربت الطلا فَقَالَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ ابْنِي شَرِبَ شَرَابًا، وَإِنِّي سَائِلٌ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا حَدَدْتُهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَكَانَ مُسْكِرًا فَحَدَّهُ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ لما سأل عنه، أنشد قول أبي عبيدة بن الأبرص:
(هي الخمر لا شك تكنى الطِّلَا ... كَمَا الذِّئْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَةِ)
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُوتَى بِأَحَدٍ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ نَبِيذًا مُسْكِرًا إِلَّا حَدَدْتُهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " خَمْرُ الْبِتْعِ مِنَ الْعَسَلِ وَخَمْرُ المذر مِنَ الذُّرَةِ) .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عن ابن عمر ورجل سأله عن الفضيخ فقال: وما الفضيخ؟ قال: بُسْرٌ وَتَمْرٌ قَالَ: ذَاكَ الْفَضُوخُ، لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَهِيَ شَرَابُنَا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْجُوَيْرِيَةِ الْجَرْمِيَّ يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَأَنَا وَاللَّهِ أَوَّلُ الْعَرَبِ سألته عن الباذق فقال: سبق محمد الباذق فما أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ.
والْبَاذِقُ الْمَطْبُوخُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ.
فَهَذَا قَوْلُ: من ذكرنا من الصحابة وغيرهم، وليس له مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، ثُمَّ نُتْبِعُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ السُّنَنِ وَالْآثَارِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من النهي عن أوانيها.
وذلك ما روى الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ شريك عن معاذ عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ) ، وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَوَانِي مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ: أَمَّا الدُّبَّاءُ فَإِنَّا مَعَاشِرَ ثَقِيفٍ كُنَّا بِالطَّائِفِ نَأْخُذُ الدُّبَّاءَ يَعْنِي الْيَقْطِينَةَ مِنَ الْقَرْعِ فَنَخْرُطُ فِيهَا عَنَاقِيدَ الْعِنَبِ، ثُمَّ نَدْفِنُهَا حَتَّى تَهْدِرَ، ثُمَّ تَمُوتَ.
وَأَمَّا النَّقِيرُ فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَامَةِ كانوا ينقرون أصل النخلة ثم يشرفون فيها الرطب أو البسر حتى تهدر أو تموت.
وأما المزفت فالأوعية التي تُطْلَى بِالزِّفْتِ.
وَأَمَّا الْحَنْتَمُ فَجِرَارٌ حُمْرٌ كَانَتْ تحمل إلينا فيها الخمر.
وقال الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ الْجِرَارُ الْخُضْرُ خَاصَّةً وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّ نَوْعٍ مِنَ الْجِرَارِ حَنْتَمٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ ألوانها.
وهو الأصح لِرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ: عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " عن نبيذ الجر الْأَخْضَرِ وَالْأَبْيَضِ وَالْأَحْمَرِ) ؛ وَفِي نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوَانِي وَإِنْ كَانَ حكم جميعها واحد تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، فَجُعِلَ النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْأَوَانِي مُقَدَّمَةً ينوطون بِهَا عَلَى مَا يَرِدُ بَعْدَهَا مِنْ تَحْرِيمِ الخمر؛ لأنهم قد كانوا ألغوها فواطأهم لِتَحْرِيمِهَا.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التحريم؛ لأنه حرم عليهم المسكر وأباحهم غير المسكر، وهذه الأواني يتعجل إسكار شاربها فَنَهَى عَنْهَا لِيَطُولَ مُكْثُ مَا لَا يُسْكِرُ فِي غَيْرِهَا؛ وَلِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِإِرَاقَةِ مَا نَشَّ مِنَ الشَرَابِ وَأُتِيَ بِشَرَابٍ قَدْ نَشَّ فَضَرَبَ بِهِ عُرْضَ الْحَائِطِ وَقَالَ: " إِنَّمَا يَشْرَبُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ: عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لا تجمعوا بين الرطب والبسر وبين الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذًا) وَفِي نَهْيِهِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا فِي الِانْفِرَادِ وَالْجَمْعِ سَوَاءً.
أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ: أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ تَوْطِئَةً لَهُمْ فِي التحريم؛ لأنهم كانوا
يجمعون بينها لقوة شدتها وكثرة لذتها وَيُسَمُّونَهُ نَبِيذَ الْخَلِيطَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بَعْدَ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ جَمْعَهَا يُعَجِّلُ حُدُوثَ السُّكْرِ مِنْهَا لِيَدُومَ عليهم مكث ما لا يسكر إن انْفَرَدَ، وَلَا يُتَعَجَّلُ إِسْكَارُهُ إِذَا اجْتَمَعَ.
فَهَذِهِ دَلَائِلُ النُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ مِنَ السُّنَنِ وَالْآثَارِ فَأَمَّا دَلَائِلُ مَا يُوجِبُهُ الِاعْتِبَارُ مِنَ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ فَمِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا: الِاشْتِقَاقُ وَهُوَ: أَنَّ الْخَمْرَ سُمِّيَ خَمْرًا لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ.
إِمَّا لِأَنَّهُ خَامَرَ العقل أي غطاه.
وهو قول عمر.
أو لِأَنَّهُ يُخَمّرُ أَيْ يُغَطّى، وَمِنْ أَيِّهِمَا اشْتُقَّ فهو فِي النَّبِيذِ، كَوُجُودِهِ فِي الْخَمْرِ فَوَجَبَ أَنْ يشترك فِي الِاسْمِ؛ وَلِذَلِكَ قَالُوا لِمَنْ بَقِيَتْ فِيهِ نَشْوَةُ السُّكْرِ: مَخْمُورًا، اشْتِقَاقًا مِنَ اسْمِ الْخَمْرِ، سَوَاءٌ كَانَ سُكْرُهُ مِنْ نَبِيذٍ أَوْ خَمْرٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَلَوِ افْتَرَقَا فِي الِاسْمِ لافترقا في الصفة فقيل له في نشوة النبيذ: منبوذاً، كما قيل له في نشوة الخمر: مخموراً.
فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: فِي خَلِّ الْعِنَبِ: خَلَّ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَقُولُوا فِي خَلِّ التَّمْرَ: خَلَّ الْخَمْرِ.
فَإِنْ دَلَّ مَا نُصَّ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْمِ دَلَّ هَذَا عَلَى افْتِرَاقِهِمَا فِيهِ.
قِيلَ: هَذِهِ التَّسْمِيَةُ مَجَازٌ، وَلَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ يَسْتَمِرُّ فِيهَا قِيَاسٌ، وَيَصِحُّ فيها اشتقاق؛ ولأن خَلَّ الْعِنَبِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا، وَإِنْ حَدَثَ عن العنب، كما لا يسمى التَّمْرُ نَبِيذًا، وَإِنْ حَدَثَ عَنِ التَّمْرِ، وَلَوْ كان لهذه العلة سمي خمر الْعِنَبِ: خَلَّ الْخَمْرِ لَوَجَبَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ يُسَمَّى خَلُّ التَّمْرِ خَلَّ النَّبِيذِ، وَفِي فَسَادِ هَذَا التَّعْلِيلِ بُطْلَانُ هَذَا التَّعَارُضِ.
وَمِنْهَا الْمَعْنَى: وَهُوَ أَنَّ الْخَمْرَ مُخْتَصٌّ بِمَعْنَيَيْنِ، صِفَةٍ بِخَلِّهِ وَهِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَتَأْثِيرٍ يَحْدُثُ عَنْهُ وَهُوَ السكر يثبت بها اسم الخمر وتحريمه ويزول بارتفاعها اسْمُ الْخَمْرِ وَتَحْرِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَصِيرًا لَيْسَ فِيهِ شِدَّةٌ، وَلَا يَحْدُثُ عَنْهُ إِسْكَارٌ، ولم يَنْطَلِقْ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ وَإِذَا حَدَثَتْ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَصَارَ مُسْكِرًا انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَمْرِ، وجرى عليه حكمه في التحريم.
فإذا ارْتَفَعَتِ الشِّدَّةُ وَزَالَ عَنْهُ الْإِسْكَارُ، ارْتَفَعَ عَنْهُ اسْمُ الْخَمْرِ، وَزَالَ عَنْهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ، فَدَلَّ عَلَى تَعَلُّقِ الِاسْمِ وَالْحُكْمِ بِالصِّفَةِ وَالتَّأْثِيرِ دُونَ الْجِنْسِ، وَقَدْ وُجِدَتْ صِفَةُ الشِّدَّةِ وَتَأْثِيرُ السُّكْرِ فِي النَّبِيذِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ اسْمُ الْخَمْرِ وَحُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ؛ وَلِأَنَّ مَا زَالَتْ عَنْهُ الشِّدَّةُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ، كَذَلِكَ ما جلبته الشِّدَّةُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَامِضٍ خَلًّا؛ لِأَنَّا نَرَاهُ خَلَّا إِذَا حَدَثَتْ فِيهِ الْحُمُوضَةُ، وَغَيْرَ خَلٍّ إِذَا ارتفعت عنه الحموضة.
فإن لَمْ يَكُنْ كُلُّ حَامِضٍ خَلًّا لَمْ يَكُنْ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرًا قِيلَ: صِحَّةُ التَّعْلِيلِ مَوْقُوفٌ عَلَى اطِّرَادِهِ، وَهُوَ فِي الْخَمْرِ مُطَّرِدٌ فَصَحَّ وَفِي الْخَلِّ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَبَطَلَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَلِيلُ الْخَمْرِ مِثْلَ كَثِيرِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلُ النَّبِيذِ مِثْلَ كَثِيرِهِ؛ لِأَنَّهُمَا قد اجتمعا فِي حُكْمِ الْكَثِيرِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي حُكْمِ الْقَلِيلِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ شَرَابٌ مُسْكِرٌ فوجب أن يستوي حكم قليله وكثيره كَالْخَمْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ كَثِيرَ السَّقَمُونِيَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ حَرَامٌ، وَقَلِيلُهُ غَيْرُ حَرَامٍ.
قيل لأن تحريم السقمونيا لضرر هو مَوْجُودٌ فِي الْكَثِيرِ دُونَ الْقَلِيلِ، وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ لِشِدَّتِهِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، فَإِنْ مَنَعُوا مِنَ التَّعْلِيلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ ثُمَّ يقال: لما لم يمنع هذا مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ قَلِيلِ الْخَمْرِ وَكَثِيرِهِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ قَلِيلِ النَّبِيذِ وَكَثِيرِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ دَوَاعِيَ الْحَرَامِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُسَبَّبِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ السَّبَبِ، وَشُرْبَ الْمُسْكِرِ يَدْعُو إِلَى السُّكْرِ، وَشُرْبُ الْقَلِيلِ يدعو إلى شرب الكثر فَوَجَبَ أَنْ يُحَرَّمَ الْمُسْكِرُ لِتَحْرِيمِ السُّكْرِ وَيُحَرَّمَ الْقَلِيلُ لِتَحْرِيمِ الْكَثِيرِ.
فَإِنْ مَنَعُوا مِنْ هَذَا بِقُبْلَةِ الصَّائِمِ تَدْعُو إِلَى الْوَطْءِ وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ.
قِيلَ: إِذَا دَعَتْ إِلَى الْوَطْءِ حَرُمَتْ.
وَإِنَّمَا يُبَاحُ مِنْهَا مَا لَمْ يَدْعُ إِلَى الْوَطْءِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ عَلَّقَ عَلَى طَبْخِ الْأَشْرِبَةِ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، فَجَعَلَهُ مُحِلًّا لِلْحَرَامِ، وَمُحَرِّمًا لِلْحَلَالِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا طُبِخَ الْخَمْرُ حَلَّ، وَإِذَا طُبِخَ النَّبِيذُ حَرُمَ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ تَأْثِيرًا فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا حَلَّ مِنْ لَحْمِ الْجَمَلِ لَمْ يَحْرُمْ بِالطَّبْخِ، وَمَا حَرُمَ مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ لَمْ يَحِلَّ بِالطَّبْخِ، فَوَجَبَ إِسْقَاطُ تَأْثِيرِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ نيء الْخَمْرِ حَرَامٌ فَكَذَلِكَ مَطْبُوخُهُ، وَأَنَّ مَطْبُوخَ النَّبِيذِ حَرَامٌ فَكَذَلِكَ نَيِّئُهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ فِي الْأَشْرِبَةِ كَتَأْثِيرِ الطَّبْخِ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْطَأَ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالشَّمْسِ حُدُوثُ الشِّدَّةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِالطَّبْخِ حُدُوثَ الشِّدَّةِ: لِأَنَّهُمَا لَمَّا اسْتَوَيَا فِي التَّأْثِيرِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحُكْمِ.
وَمِنْهَا: مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مِنَ " الْأُمِّ) ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ إِذَا شَرِبَ أَقْدَاحًا، فَلَمْ يَسْكَرْ قَالُوا: حَلَالٌ، قَالَ: فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الْهَوَاءِ فَضَرَبَتْهُ الرِّيحُ فَسَكِرَ قَالُوا: يَكُونُ حَرَامًا قَالَ: يَا عجبا ينزل الشراب إلى جوفه حلالاً ويصير بالريح حراماً.
قالوا: يكون التحريم مراعاً، قِيلَ لَهُمْ: إِنَّمَا يَكُونُ مُرَاعًى مَعَ بَقَائِهِ، لأن المراعى موقوف والمقوف مَمْنُوعٌ وَالْمَمْنُوعُ مُحَرَّمٌ، وَإِنَّ مَا رَاعَيْتُمُوهُ بَعْدَ شُرْبِهِ أَبَحْتُمُوهُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَالشَّكُّ يَمْنَعُ مِنَ الْإِبَاحَةِ وَغُرِّرْتُمْ بِهِ فِي إِبَاحَةِ مَا تُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِ، وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذَا كَانَ حَرَامًا.
وَمِنْهَا: مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُزَنِيُّ عَلَيْهِمْ: أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ إِذَا كَانَتْ حُلْوَةً فَهِيَ حَلَالٌ، وَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا، فَإِذَا حَمُضَتْ وَصَارَتْ خَلَّا فَهِيَ حَلَالٌ، وَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَجَبَ إِذَا اشْتَدَّتْ وَأَسْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا وَاحِدًا، وَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا فَلَمَّا لَمْ يَحِلَّ جَمِيعُهَا وَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ جَمِيعُهَا.
وَلَمَّا لَمْ يُحِلَّ قَلِيلُهَا وكَثِيرَهَا وَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْخَمْرَ قَدِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهَا، وَالنَّبِيذُ قَدِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ فَمِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ: الْعُقَارُ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تُعَاقِرُ الْإِنَاءَ أَيْ تُقِيمُ فِيهِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهَا: الْمُدَامُ؛ لِأَنَّهَا تَدُومُ فِي الْإِنَاءِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهَا: القهوة وسميت به؛ لأنها تقهي عن الطعام.
أي يقطع شَهْوَتُهُ.
وَمِنْ أَسْمَائِهَا السُّلَافُ: وَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ من عينه بغير اعتصار، ولها خير ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ.
وَمِنْ أَسْمَاءِ النَّبِيذِ: السَّكَرُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسْكِرُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يطبخ.
ومن أسمائه: البازق، وَهُوَ الْمَطْبُوخُ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الْفَضِيخُ، وَهُوَ مِنَ البسر، سمي بذلك؛ لافتضاخ البسر منه.
ويسميه أهل البصرة العري.
ومنه البتع مِنَ الْعَسَلِ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَمِنْهُ الْمِزْرُ، وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ لِأَهْلِ الْحَبَشَةِ.
ومنه: المزاء وهو من أشربة أهل الشَّامِ، وَمِنْهُ: السَّكَرُ، وَهُوَ نَقِيعُ التَّمْرِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ وَمِنْهُ: السُّكْرُكَةُ وَهُوَ مِنَ الْأُرْزِ لِأَهْلِ الْحَبَشَةِ.
وَمِنْهُ: الْجِعَةُ وَهُوَ مِنَ الشعير ومنه الضعف وهو من عنب شرخ كَالْفَضِيخِ مِنَ الْبُسْرِ يُتْرَكُ فِي أَوْعِيَتِهِ حَتَّى يَغْلِيَ.
وَمِنْهُ الْخَلِيطَانِ وَهُوَ مَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ بُسْرٍ وَعِنَبٍ أَوْ بَيْنَ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ.
ومنه المغذي اسْتُخْرِجَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالشَّامِ مِنْ ماء الرمان وماء العنب.
وَمِنْهُ مَا يَتَغَيَّرُ بِالطَّبْخِ، فَمِنْهُ: الْمُنَصَّفُ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ بِالنَّارِ نِصْفُهُ وَبَقِيَ نِصْفُهُ، وَمِنْهُ: الْمُثَلَّثُ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُهُ وَبَقِيَ ثُلُثَاهُ، ومنه: الكلا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَمِنْهُ الْجَهْوَرِيُّ وَهُوَ مَا يَجْمُدُ، فَإِذَا أُرِيدَ شُرْبُهُ حل بالماء والنار وعليه يسميه أهل فارس البحتح إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَا تحصى فلما اختلفت أسماء الخمر واتفقت أحكامها لِلِاشْتِرَاكِ فِي مَعْنَى الشِّدَّةَ، وَاخْتَلَفَتْ أَسْمَاءُ النَّبِيذِ، وَاتَّفَقَتْ أَحْكَامُهُ مَعَ الشِّدَّةِ، وَجَبَ إِذَا اخْتَلَفَ اسم الخمر والنبيذ أن تتفق أحكامها لأجل الشدة، وهذا الاستدلال فِي سَائِرِ اخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَتَأْثِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى النَّبِيذِ اسْمَ الْخَمْرِ حَرَّمَهُ بِالنَّصِّ، وَمَنْ لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ اسْمَ الْخَمْرِ حَرَّمَهُ بِالْقِيَاسِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْجَوَابُ، عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ السَكَرِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ يَمْنَعُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ، بِبَعْضِهِ لِأَنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْخَمْرُ قَالَهُ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ النَّبِيذُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَا طَابَ وَلَمْ يُسْكِرْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ الْمُسْكِرُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ الْحَرَامُ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ الطَّعَامُ، قَالَهُ أبو عبيدة.
والسابع: أنه الخل.
ومع اختلاف هذا التأويل لن يَصِحَّ فِي أَحَدِهَا دَلِيلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعُمُومِ فِي أَسْمَاءِ السُّكْرِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ الْمُشْتَرِكِ.
إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أحدهم، هَلْ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهَا؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى جَوَازِ حَمْلِهِ عَلَى عُمُومِ الْأَعْيَانِ الْمُشْتَرِكَةِ فِي اسْمِ اللَّوْنِ وَالْعَيْنِ، كَمَا يَجُوزُ حَمْلُهُ على عموم الأجناس المتماثلة في قوله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: 2] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: 38] فِي حَمْلِهِ عَلَى كُلِّ زَانٍ وَسَارِقٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِ الْأَعْيَانِ وَإِنْ جَازَ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِ الْأَجْنَاسِ؛ لِتَغَايُرِ الْأَعْيَانِ: وَتَمَاثُلِ الْأَجْنَاسِ.
وقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِ الْأَعْيَانِ وَالْأَجْنَاسِ إِذَا دَخَلَهُمَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْعَيْنِ وَاللَّوْنِ، وَفِي الزَّانِي والسارق لا يجوز حملها عَلَى الْعُمُومِ مَعَ حَذْفِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، إِذَا قيل: اقطع سارقاً، واجلد زانياً فهذا واجب.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ استعمالاً للنصيين فيه.
والثالث: أنها إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ اتِّخَاذِهِ دُونَ إِبَاحَتِهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حسناً﴾ فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ) فَمِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ رَاوِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، وَلَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ: فَكَانَ مُنْقَطِعًا لَا يُلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَوَاهُ موقوفاً على ابن عباس غير مسند عن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الرِّوَايَةَ: " والمسكر من كل شراب) فمنها الراوي، فأسقط المسكر منها فَرُوي: " وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ) .
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ السُّكْرُ، لَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُسْكِرَ، لَأَنَّ السُّكْرَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الشَّارِبِ، فينهي عنه وإنما شرب المسكر فعله، فصار النهي متوجهاً إليه.
الخامس: أَنَّ تَحْرِيمَ السُّكْرِ فِي هَذَا الْخَبَرِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ فِيمَا رَوَيْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ، فَيَحْرُمُ السُّكْرُ وَالْمُسْكِرُ جَمِيعًا، وَتَكُونُ أَخْبَارُنَا أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا أَعَمُّ حُكْمًا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُسْكِرِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ السُّكْرِ، وَتَحْرِيمُ السُّكْرِ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْمُسْكِرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ السكر محرم بالعقل؛ لاستقباحه فيه، والمسكر محرم بالشر؛ لِزِيَادَتِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِبَ فِي طَوَافِهِ مِنَ السِّقَايَةِ نَبِيذًا فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ سُفْيَانَ، وقد سئل سفيان عن المذر فَقَالَ: ذَلِكَ شَرَابُ الْفَاسِقِينَ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " يَسْتَحِلُّ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا) .
وَالثَّانِي: أَنَّ نَبِيذَ السِّقَايَةِ كَانَ غَيْرَ مُسْكِرٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُصْنَعُ لِلْحُجَّاجِ إِذَا صَدَرُوا مِنْ مِنًى لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، لِيَسْتَطِيبُوا به شرب ماء زمزم وكان ثقيلاً، لا يستسقى أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْكِرٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَطَّبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حين شربه فدعى بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نبيذاً مشتداً قيل الجواب يجوز أن يكون قد قطب لحموضته وصب عليه الماء لغلظته.
وأما الجواب الثالث: أن نبيذ السقاية كان نقع الزَّبِيبِ، غَيْرَ مَطْبُوخٍ، وَهُوَ إِذَا أَسْكَرَ حَرُمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ حَمْلُهُ عليه وبطل اسْتِدْلَالُهُ بِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: كان ينبذ لَهُ إِلَى ثَلَاثٍ فَيَشْرَبُهُ ثُمَّ يَسْقِيهِ الْخَدَمَ ثم يهراق هو أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُهُ وَيَسْقِيهِ الْخَدَمَ إِذَا لِمَ يَشْتَدَّ ثُمَّ يُهْرَاقُ إِذَا اشْتَدَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيذَ لَا يَشْتَدُّ لِثَلَاثٍ حَتَّى تَطُولَ مُدَّتُهُ وَلِذَلِكَ كان يأمر بإراقة ما نش.
كذلك الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أباح النبيذ مَعَ ضَعْفِهِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَنْبِذُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ وَاشْرَبُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ) .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " اشْرَبُوا وَلَا تَسْكَرُوا) فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ به أبو الأحوص، ووهن فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " اشْرَبُوا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) .
وَالثَّانِي: أَنَّ السُّكْرَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الشَّارِبِ، فَيَتَوَجَّهُ النَّهْيُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ حمله عليه، وأما الجواب عن حديث عمر " إذا اغتلصت عَلَيْكُمْ فَاقْطَعُوا مُتُونَهَا بِالْمَاءِ) فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنه ضعيف؛ لأن رواية عبد الملك ابن أَخِي الْقَعْقَاعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اغْتِلَامَهَا هُوَ تَغَيُّرُهَا، إِمَّا إِلَى حموضة أو قوة، وليس في واحد منها سُكْرٌ وَلِذَلِكَ كُسِرَتْ بِالْمَاءِ لِتَزُولَ حُمُوضَتُهَا أَوْ قُوَّتُهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَأَلَ السَّكْرَانَ أَشَرِبْتَ خَمْرًا؟ قَالَ: لَا شَرِبْتُ الْخَلِيطَيْنِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُعُرَفُ إِسْنَادُهُ، وَلَا يُحْفَظُ لَفْظُهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ حُكْمٌ.
والثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيهِ جَوَابٌ مِنْ إِبَاحَةٍ وَلَا حَظْرٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْإِمْسَاكَ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْمَالِ قَوْلِهِ: " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " شَهِدْتُ تَحْرِيمَ النَّبِيذِ كَمَا شَهِدْتُمْ ثُمَّ شَهِدْتُ تَحْلِيلَهُ فَحَفِظْتُ وَنَسِيتُمْ) . فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ أَحَلَّ النَّبِيذَ لَمْ يَعْتَرِفْ بِتَحْرِيمِهِ قَبْلَهُ وَمَنْ حَرَّمَهُ لَمْ يَدَعْ إِحْلَالَهُ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الأوعية، قد رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نهى عن الأوعية إلا وعاء بوكاء) .
وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ والنقير وَالْمُزَّفَتِ وَأَبَاحَ مَا يُوكَأُ مِنْ أَوْعِيَةِ الْأَدِيمِ، ثم اختلف أصحابه عن النهي في هَذِهِ الظُّرُوفِ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ هَلْ نُسِخَ أم لا؟ فذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وَعَائِشَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى بَقَائِهَا عَلَى التَّحْرِيمِ فِيمَا لَمْ يُسْكِرْ وقال عُمَرُ: لَأَنْ تَخْتَلِفَ الْأَسِنَّةُ فِي جَوْفِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْرَبَ نَبِيذَ الْجَرِّ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " اجْتَنِبُوا الْحَنَاتِمَ وَالنَّقِيرَ) وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أشرب في سقا ثلاث على خمسة أَيْ يُشَدُّ وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ إِلَى إِبَاحَتِهَا فِيمَا لَمْ يُسْكِرْ وَنَسْخِ تَحْرِيمِهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِن الظُّرُوفَ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) .
وقد روى محارب بن دثار عن أبي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ وَأَنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّ زِيَارَتَهَا تَذْكِرَةٌ.
وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ أَنْ تَشْرَبُوا إِلَّا فِي ظَرْفِ الْأَدَمِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غير ألا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي أَنْ تَأْكُلُوهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا وَاسْتَمْتِعُوا) .
وَتَأْثِيرُ نَسْخِ الشُّرْبِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ فِي الكراهة دون التحريم، فمن ذهب إلى أنها مَنْسُوخَة كَرِهَ أَنْ يُشْرَبَ مِنْهَا إِلَّا مَا يُسْكِرُ وَمَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ لَمْ يَكْرَهْ شُرْبَ مَا لَا يُسْكِرُ مِنْهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُهُ فِي الْقَدِيمِ.
وأما الجواب عن آثار الصحابة رضي الله عنهم فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مَا يُخَالِفُهُ.
وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا، وَأَشْبَهُ بِأَفْعَالِهِمْ وَتَشَدُّدِهِمْ فِي دِينِ اللَّهِ، وَاجْتِنَابِ مَحْظُورَاتِهِ، وَشَرِبَ عُمَرُ مِنْ إِدَاوَةٍ حَدَّ شَارِبَهَا فَلِأَنَّ عُمَرَ شَرِبَ قَبْلَ إِسْكَارِهَا، وَشَرِبَ الرَّجُلُ بَعْدَ إِسْكَارِهَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ شُرْبِ ابن أبي ليلى عند علي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى مِثْلُهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عن استدلالهم بالمعاني: بِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى عَنِ النَّبِيذِ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّهِ، انْتَفَى عَنْهُ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي الِاسْمِ وَالتَّحْرِيمِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ إِذَا افْتَرَقَا فِي حُكْمٍ يَجِبُ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي كُلِّ حُكْمٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوَيَا فِي تَحْرِيمِ الْكَثِيرِ وَافْتَرَقَا عِنْدَهُ فِي تَحْرِيمِ الْيَسِيرِ، وَلَمْ يَكُنِ الفرق في الْيَسِيرِ مَانِعًا مِنَ التَّسَاوِي فِي الْكَثِيرِ.
كَذَلِكَ لَا يَكُونُ افْتِرَاقُهُمَا فِي التَّكْفِيرِ مُوجِبًا لِافْتِرَاقِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ التَّسَاوِي فِي التَّحْرِيمِ مَعَ الِافْتِرَاقِ فِي التَّكْفِيرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ يَسْتَوِيَانِ فِي التَّحْرِيمِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي التَّكْفِيرِ فَيُكَفَّرُ بِاسْتِحْلَالِ الْكَبَائِرِ وَلَا يُكَفَّرُ بِاسْتِحْلَالِ الصَّغَائِرِ، كَذَلِكَ الْخَمْرُ والنبيذ لا يمنع افتراقهما في التكفير استواءهما فِي التَّحْرِيمِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ التَّكْفِيرُ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِزَوَالِ التَّكْفِيرِ فِي اسْتِحْلَالِ النَّبِيذِ عَلَى إِبَاحَتِهِ، كَمَا دَلَّ التَّكْفِيرُ فِي اسْتِبَاحَةِ الْخَمْرِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِي التَّكْفِيرِ ارْتِفَاعُ الشُّبْهَةِ عَمَّا اسْتُحِلَّ مِنَ الْحَرَامِ وهذا موجود في الخمر، معدوم فِي النَّبِيذِ، كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ النبيذ النيء محرم، ولا يكفر مستحلة.
والجواب على أن مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفِيضًا فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الْبَيَانِ لَا فِي النَّقْلِ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ الْبَيَانُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى بِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَبُو طلحة بالنداء وهو على شراب، فَأَمَرَ أَنَسًا بِإِرَاقَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّقْلَ وَالْبَيَانَ مَعًا مُسْتَفِيضَانِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي التَّأْوِيلِ فِي الْبَيَانِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ بَيَانَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ نص الكتاب في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
فأخر بَيَانُ الْكِتَابِ عَنِ الِاسْتِفَاضَةِ فِي بَيَانِ السُّنَّةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ، بِأَنَّ تَحْرِيمَ مَا ثَبَتَ تَحْلِيلُهُ نَسْخٌ، وَالنَّسْخُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنَّصِّ الْمُسْتَفِيضِ الْمُتَوَاتِرِ، فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ تَحْرِيمَ النَّبِيذِ ابْتِدَاء شَرْع، وَلَيْسَ بِنَسْخٍ، لأنهم كانوا في صدر الإسلام مستدرجين لِاسْتِبَاحَتِهَا مِنْ قَبْلُ، فَجَاءَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا، وَمَا هذه سبيله يَجُوزُ إِثْبَاتُ حُكْمِهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ.
كَمَا نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وَيَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ كَمَا جَازَ إِثْبَاتُ الرِّبَا فِي الْأُرْزِ قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَسْخًا، لَكَانَ مَأْخُوذًا مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ نَصٌّ مُسْتَفِيضٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي آيَةِ الْخَمْرِ، أَنْ يُنْسَخَ بِمَا يَسْتَفِيضُ بَيَانُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَفِضْ نَقْلُهُ، كَمَا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَأَهْلُ قُبَاءَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَأَتَاهُمْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ بِنَسْخِهَا وَتَحْوِيلِهَا إِلَى الْكَعْبَةِ فاستداروا إليها وعملوا على قوله وَاحِد.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ، بِأَنَّ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى يَجِبُ أَنْ يَعُمَّ بَيَانُهُ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَلَا نُسَلِّمُهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى خاصاً مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، كَمَا أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ في الصلاة ما يعم بِهِ الْبَلْوَى، وَهُوَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُلْحَقًا بِالْخَمْرِ صَارَ إِمَّا دَاخِلًا فِي اسْمِهِ فَهُوَ نَصٌّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا لَهُ فِي الْمَعْنَى فَهُوَ فَرْعٌ، لِأَصْلٍ عَمَّ بَيَانُهُ فَصَارَ بَيَانُ الْفَرْعِ عَامًّا كأصله.
والثالث: أنه لما كان يمنع هذا من تحريم النبيذ التي عِنْدَهُ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَحْرِيمِ الْمَطْبُوخِ عِنْدَنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ النَّبِيذَ بِالْمَدِينَةِ أكثر، وهم إِلَى بَيَانِ تَحْرِيمِهِ أَحْوَجُ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ جَعَلَ النَّبِيذَ دَاخِلًا فِي اسْمِ الْخَمْرِ فَقَدْ جَعَلَ الْعُمُومَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِمَا، وَهُوَ أَصَحُّ وَجْهَيْ أَصْحَابِنَا فَزَالَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ بَيَانَ تَحْرِيمِهَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَلْ هُوَ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ.
وَلَئِنْ كَانَ النَّبِيذُ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْخَمْرِ، فَإِنَّ الْخَمْرَ بِالشَّامِ وَفَارِسَ أَكْثَرُ مِنَ
النَّبِيذِ.
وَالْبَعِيدُ أَحْوَجُ إِلَى عُمُومِ الْبَيَانِ مِنَ الْقَرِيبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي تَحْرِيمِ الْقَلِيلِ تَنْبِيهًا عَلَى الْكَثِيرِ فَجَازِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ.
بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا وَأَغْنَى عَنْهُ بِمُبَاحٍ مِنْ جِنْسِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا حَرَّمَ السُّكْرَ وَإِنْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ بِمُبَاحٍ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ أَنْ يُحَرِّمَ الْمُسْكِرَ وَإِنْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ بِمُبَاحٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ مِنْ جِنْسِهِ مَا لَا يُسْكِرُ فَأَغْنَى عَنِ الْمُسْكِرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ استدلالهم، بالترغيب بها فِي الْجَنَّةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَدْ عرفوا لذتها قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنِ الْمَعْرِفَةِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ خَمْرَ الْجَنَّةِ غَيْرُ مُسْكِرٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَصَفَهَا بِأَنْ لَا غَوْلَ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمَ.
أَيْ: لَا تَغْتَالُ عقولهم بالسكر، ولا يأثمون بارتكاب الحظر، والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: رضي الله عنه " وَفِيهِ الْحَدُّ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا شَارِبُ الْخَمْرِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ سَكِرَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا شَارِبُ النَّبِيذِ فَإِنْ سَكِرَ مِنْهُ حُدَّ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ مِنْهُ حُدَّ فِي قَوْلِ مَنْ حَرَّمَهُ، وَلَمْ يُحَدَّ فِي قَوْلِ مَنْ أَحَلَّهُ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى تَحْرِيمِهِ فَوَجَبَ فِيهِ الْحَدُّ كَالْخَمْرِ، وَهُمَا فِي الْحَدِّ سَوَاءٌ.
وَإِنْ كَانَ الْخَمْرُ أَغْلَظَ مَأْثَمًا كَمَا أَنَّ الْحَد فِي الْخَمْرِ يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ سَكِرَ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يَسْكَرْ، وَإِنْ كَانَ السُّكْرُ أَغْلَظَ مَأْثَمًا، فَهَذَا حُكْمُ الْحَدِّ، فَأَمَّا التَّكْفِيرُ فَلَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ النَّبِيذِ، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ الْخَمْرِ.
وَقَدْ مَضَى وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا التَّفْسِيقُ: فَيَفْسُقُ شَارِبُ الْخَمْرِ فِي قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا.
وَأَمَّا شَاربُ النَّبِيذِ فَيَفْسُقُ فِي كَثِيرهِ الْمُسْكِرِ والتفسيق في قليله معتبر بحال شاربه.
فإن تأوله فِي شُرْبِهِ، إِمَّا بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، أَوْ بِفُتْيَا فَقِيهٍ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَفْسُقْ، وَإِنْ حُدَّ.
وَإِنْ شَرِبَهُ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ فُسِّقَ وَحُدَّ، فَاسْتَوَى حَدُّهُ فِي الْحَالَيْنِ، وَإِنِ افْتَرَقَ بِفِسْقِهِ فِيهِمَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَفْسُقُ فِي الْحَالَيْنِ، كَمَا يُحَدُّ فِيهِمَا، ولا تبقى مَعَ وُجُوبِ حَدِّهِ عَدَالَةٌ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ شُرْبَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ لَا يُوجِبُ الْفِسْقَ إِذَا تَأَوَّلَهُ، كَشَارِبِ لَبَنِ الْأُتُنِ؛ وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ إِذَا تَابَ بَعْدَ شُرْبِهِ وَقَبْلَ حَدِّهِ.
فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَهُوَ عَدْلٌ كَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ أن يجب الحد عليه وهو عدل؛ لتسوية بَيْنَ حَالِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَدِّ والتفسيق في التأويل، لأن الْحَدَّ مَوْضُوعٌ لِلزَّجْرِ فَاسْتَوَى فِيهِ حَالُ الْمُتَأَوِّلِ وَغَيْرِ الْمُتَأَوِّلِ وَالتَّفْسِيقُ مُخْتَصٌّ بِالْحَظْرِ فَافْتَرَقَ فِيهِ حكم المتأول وغير المتأول.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَا يُحَدُّ إِلَّا بِأَنْ يَقُولَ شَرِبْتُ الْخَمْرَ أَوْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ يَقُولَ شَرِبْتُ ما يسكر أو يشرب من إناء هُوَ وَنَفَرٌ فَيَسْكَرُ بَعْضُهُمْ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّرَابَ مُسْكِرٌ وَاحْتُجَّ بِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَا أُوتَى بِأَحَدٍ شَرِبَ خَمْرًا أو نبيذا مسكراً إلا جلدته الجد) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْحَدِّ فِي شُرْبِ كُلِّ مُسْكِرٍ مِنْ خَمْرٍ أَوْ نَبِيذٍ، فَثُبُوتُ شُرْبِهِ لِلْمُسْكِرِ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ أوجه، ذكرها الشافعي ها هنا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَرِفَ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ اعترافه.
والثاني: يشهد عليه شاهدان أنه شرب الْمُسْكِرَ.
فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ، وَلَا يَلْزَمُ سُؤَالُ الشاهدين عن وصفهما للشهادة فِي شُرْبِ الْمُسْكِرِ، وَإِنْ لَزِمَ شُهُودَ الزِّنَا سؤالهم عن صفة الزنا، للفرق بينهما بأن الزِّنَا يَنْطَلِقُ عَلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَمَا لا يوجبه والشرب المسكر لا ينطلق على ما لا يُوجِبُ الْحَدَّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْرَبَ شَرَابًا يَسْكَرُ مِنْهُ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَشْرَبَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ شَرَابٍ يَسْكَرُ مِنْهُ بَعْضُهُمْ، فَيُعْلَمُ بِسُكْرِ بَعْضِهِمْ أَنَّ جَمِيعَهُمْ شَرِبَ مُسْكِرًا، فَإِذَا ثَبَتَ شُرْبُهُ لِلْمُسْكِرِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ، كَانَ وُجُوبُ حَدِّهِ بَعْدَ شُرْبِهِ مُعْتَبَرًا بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الشَّرَابَ مُسْكِرٌ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْرَبَهُ مُخْتَارًا، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهِ فَلَا حدَّ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لْقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
والرابع: ألا تَدْعُوَهُ ضَرُورَةٌ إِلَى شُرْبِهِ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ، لشدة عطش، أو تداوي مرض، لا يوجد الطِّبُّ مِنْ شُرْبِهِ بُدًّا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ شُرْبُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ
مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَإِذَا اسْتُكْمِلَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
(فَصْلٌ)
وَلَا يُحَدُّ بِرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ مِنْ فَمِهِ وَلَا إِذَا تَقَيَّأَ مُسْكِرًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَحُدُّهُ بِرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ وَبِقَيْءِ الْمُسْكِرِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي مَاعِزٍ: اسَتَنْكِهُوهُ، فَجَعَلَ لِلرَّائِحَةِ حُكْمًا، وَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَدَّ ابْنَهُ عُبَيْدَ الله بالرائحة.
وَلِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فِي الْخَمْرِ بِشَاهِدَيْنِ، شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَرِبَهَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَقَيَّأَهَا فَقَالَ عُثْمَانُ، مَا تَقَيَّأَهَا حَتَّى شَرِبَهَا.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يستدرك بِرَائِحَةِ الْخَمْرِ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهَا فَيُعْلَمُ بِالرَّائِحَةِ أَنَّهَا خمر جاز أن تستدرك بالرائحة بعد شربها.
ودليلنا قول الله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 34] وَلَيْسَ لَهُ بِالرَّائِحَةِ عِلْمٌ مُتَحَقِّقٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ.
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أن يكون قد تَمَضْمَضَ بِالْخَمْرِ ثُمَّ مَجَّهَا، وَلَمْ يَشْرَبْهَا فَلَمْ تدرك رَائِحَتُهَا مِنْ فَمِهِ عَلَى شُرْبِهَا، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا، وَلِأَنَّ رَائِحَةَ الْخَمْرِ مُشْتَرَكَةٌ، يجوز أن يوجد مِثْلُهَا فِي أَكْلِ النَّبْقِ، وَبَعْضِ الْفَوَاكِهِ.
فَلَمْ يُقْطَعْ بِهِ عَلَيْهَا.
وَلِأَنَّ رَائِحَةَ الْخَمْرِ قَدْ تُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ كَشَرَابِ التُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَرُبُوبِ الْفَوَاكِهِ.
فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يقطع بالرائحة عليها إذا شُوهِدَتْ.
لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ جِسْمِهَا يَنْفِي عَنْهَا ظُنُونَ الِاشْتِبَاهِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَانْفِصَالٌ.
فَأَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِاسْتِنْكَاهِ مَاعِزٍ، فَلِأَنَّهُ رَآهُ ثَائِرَ الشَّعْرِ، مُتَغَيِّرَ اللون، مقراً بالزنا.
فاشتبهت عليه حالته فِي ثَبَاتِ عَقْلِهِ أَوْ زَوَالِهِ، فَأَرَادَ اخْتِبَارَ حَالِهِ بِاسْتِنْكَاهِهِ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِالِاسْتِنْكَاهِ حُكْمًا، وَأَمَّا عمر رضي الله عنه: فَإِنَّهُ سَأَلَ ابْنَهُ حِينَ شَمِّ مِنْهُ الرَّائِحَةَ، فاعترف بشرب الطلا، فحده باعترافه.
وأما عثمان: فلأنه لَمَّا اقْتَرَنَ بِشَهَادَةِ الْقَيْءِ شَهَادَةُ الشُّرْبِ جَازَ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.
(فَصْلٌ)
وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ سُكْرِهِ فَيَعْتَرِفَ بِشُرْبِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحُدُّهُ بِالسُّكْرِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْكِرَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ مُخْتَارًا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا.
وَالثَّانِي: غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ.
وهو أن يشربها غير عالم بها، أو مكرهاً عليها، فَكَانَ إِدْرَاءُ الْحَدِّ عَنْهُ بِالشُّبْهَةِ أَوْلَى مِنْ إِثْبَاتِهِ بِهَا.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " ادرؤوا الحدود بالشبهة) والله أعلم.
(بَابُ عَدَدِ حَدِّ الْخَمْرِ)
(وَمَنْ يَمُوتُ مِنْ ضرب الإمام وخطأ السلطان)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ قَالَ أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِشَارِبٍ فَقَالَ " اضْرِبُوهُ) فَضَرَبُوهُ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثياب وحثوا عليه التراب ثم قال " نكبوه) فنكبوه ثُمَّ أَرْسَلَهُ قَالَ فَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلَ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الضَّرْبَ فَقَوَّمَهُ أَرْبَعِينَ فَضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ حَيَاتَهُ ثم عمر ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْخَمْرِ فَاسْتَشَارَ فَضَرَبَ ثمانين وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ استشار فقال علي نرى أن يجلد ثَمَانِينَ لِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وإذا هذي افترى أو كما قال فجلده عمر ثمانين في الخمر وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ليس أحد نقيم عليه حدا فيموت فأجد في نفسي شيئاً الحق قتله إلا حد الخمر فإنه شيء رأيناه بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فمن مات منه فديته إما قال في بيت المال وإما قال على عاقلة الإمام " الشك من الشافعي)) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا وُجُوبَ الْحَدِّ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَشُرْبِ كُلِّ مُسْكِرٍ.
سَكِرَ الشَّارِبُ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ.
فَأَمَّا صِفَةُ الْحَدِّ فَأَصْلُهُ: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ: عِنْ عَبْدِ الرحمن بن أزهر قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سأل عَنْ رَحْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَجَرَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَسْأَلُ عَنْ رَحْلِ خَالِدٍ حَتَّى أَتَاهُ، وقد خرج فأتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِشَارِبٍ فَقَالَ: " اضْرِبُوهُ) فَضَرَبُوهُ بِالْأَيْدِي، وَالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَحَثَوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نكبوه فنكبوه ثُمَّ أَرْسَلَهُ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلَ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الضَّرْبَ فَقَوَّمَهُ أَرْبَعِينَ.
فَضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ حَيَاتَهُ، ثم عمر رضي الله عنه ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْخَمْرِ فَاسْتَشَارَ فَضَرَبَ ثمانين، وروي أن عمر لما اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ
فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ
الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَخَذَ بِهَا عُمَرُ، وَجَلَدَ فِي بَقِيَّةِ أَيَّامِهِ ثمانين.
وجلد عثمان في أيامه أربعين وثمانين.
وجلد عثمان ثمانين، فروى سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى إِنْسَانٍ فَيَمُوتُ صَاحِبُهُ فَأَجِدَ فِي نفسي منه شيئاً، إلا الخمر، فإني كانت أَدِيهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يسنه فكان عُمَرُ أَوَّلَ مَنْ حَدَّ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ.
وَأَوَّلُ مَنْ حَدَّهُ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيُّ ثُمَّ حَدَّ عُمَرُ بَعْدَهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ.
وَحَدَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْوَلِيدَ بْنَ عقبة في الخمر، وقد صلى بالناس بالكوفة، فَقَالَ: أَزِيدُكُمْ فَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ حَدِّهِ، فَرَوَى عَنْهُ قَوْمٌ أَنَّهُ حَدَّهُ أَرْبَعِينَ.
وَرَوَى آخَرُونَ: أَنَّهُ حَدَّهُ ثَمَانِينَ.
وَحَدَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب النجاشي الحادي بالكوفة، وقد شرب الخمر في رَمَضَانَ فَحَدَّهُ ثَمَانِينَ ثُمَّ عِشْرِينَ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أما الثمانون قد عرفتها فما هذه العلاوة؟ فقال: على تجرئك عَلَى اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ حَدِّهِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَربَعُونَ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ مِنْهَا وَمَا زَادَ عَلَيْهَا إِلَى الثَّمَانِينَ تَعْزِيرٌ، يَقِفُ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وسفيان الثوري: حد الخمر ثمانون كالقذف، ولا يجوز الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَلَا النُّقْصَانُ مِنْهَا اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ سعيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ الْأَرْبَعِينَ.
وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ.
فَأَخَذَ بِهَا عُمَرُ.
فصار اجتهاد الصحابة موافقاً لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ بِالْجَرِيدَتَيْنِ ثَمَانُونَ.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جلد في الخمر بنعلين أربعين فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ جَلَدَ بَدَلَ كُلِّ نَعْلٍ سَوْطًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اجْتِهَادَ الصَّحَابَةِ كَانَ فِي صِفَةِ الْحَدِّ لَا فِي عَدَدِهِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَلَدَ شَارِبَ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ وَهَذَا نَصٌّ.
ومن الاعتبار أنه حد يجب على الحر، فلم يتقدر بالأربعين كالقذف ولأن حَدَّ الْقَذْفِ أَخَفُّ، وَحَدَّ الشُّرْبِ أَغْلَظُ لِمَا في النفوس من الداعي إِلَيْهِ، وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ إِنْ لَمْ يزد عليه فأولى أن لا ينقص عنه، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ لَوْ كَانَتْ تَعْزِيرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، لَأَنَّ التَّعْزِيرَ لا يجوز أن يكون مساوياً للحد.
وَدَلِيلُنَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ مَا رَوَاهُ حُصَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ الرَّقَاشِيُّ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَقَدْ أُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ.
شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَقَيَّأَهَا فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا تَقَيَّأَهَا حَتَّى شَرِبَهَا فَقَالَ لَعَلِيٍّ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
فقال علي للحسن: أقم عليه فقال الحسن: ولي حارها من تولى قارها أي: ولي صَعْبَهَا مَنْ تَوَلَّى سَهْلَهَا.
فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَبْدِ الله بن جعفر: أقم عليه الحد فجلده عَبْدُ اللَّهِ بِالسَّوْطِ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ: حَسْبُكَ جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ عُمَرُ ثمانين: وكل سنة أَحَبُّ إِلَيَّ وَهَذَا نَصٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
وَالثَّانِي: إِخْبَارُهُ بِأَنَّ كِلَا الْعَدَدَيْنِ سُنَّةٌ يُعْمَلُ بِهَا وَيَصِحُّ التَّخْيِيرُ فِيهَا.
وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ الْحَدَّ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِعَدَدٍ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ، كالزنا والقذف.
فإن قيل: فوجب ألا يُقَدَّرَ بِأَرْبَعِينَ كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ، قِيلَ: الْحُدُودُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْمِقْدَارِ، لِاخْتِلَافِهَا فِي الْأَسْبَابِ، فَجَازَ لَنَا اعْتِبَارُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فِي التَّفَاضُلِ، ولم يجز اعْتِبَارُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فِي التَّمَاثُلِ.
وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تَتَرَتَّبُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأجْرَامِ، فَمَا كَانَ جُرْمُهُ أغلظ كان حده أكثر.
ولأن الزِّنَا لَمَّا غَلُظَ جُرْمُهُ لِلِاشْتِرَاكِ فِيهِ غَلُظَ حده.
والقذف لما اختص كان حده اكثر بِالتَّعَدِّي إِلَى وَاحِدٍ كَانَ أَخَفَّ مِنَ الزِّنَا.
وَالْخَمْرُ لَمَّا اخْتَصَّ بِوَاحِدٍ لَمْ يَتَعَدَّ عَنْهُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَخَفَّ مِنَ الْقَذْفِ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثَيْ أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ فَمِنْ وجهين:
أَحَدُهُمَا: اضْطِرَابُ الْحَدِيثَيْنِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ نَصٌّ مَا اجْتَهَدَ فِيهِ الصَّحَابَةُ، ولعملوا فيه على الثقل.
والثاني: تحمل الرواية بجريدتين، والنعلين عَلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَقَطَّعَتْ فَأَخَذَ الثَّانِيَةَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَهُوَ مُرْسَلٌ، لَا يَلْزَمُ وَفِيهِ نَصٌّ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ لِاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِيهِ، فَصَارَ الْإِجْمَاعُ مَانِعًا مِنَ الْعَمَلِ بِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ أَضْعَفُ فَهُوَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ أَغْلَظُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَذْفَ مُتَعَدٍّ وَالشُّرْبَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَحَدَّ الشُّرْبِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا تَعَلَّقَ بِالْعِبَادِ أَغْلَظُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ تَعْزِيرًا ما جاز أن يساوي حَدًّا فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ بالتعزير إِذَا كَانَ سَبَبُهُ وَاحِدًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الأسباب مختلفة جاز؛ لأن لكل حُكْمًا وَتَعْزِيرُهُ فِي الْخَمْرِ لِأَسْبَابٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افترى.
والثاني: أن هذا تعزير، بعقد إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ فِي الْأَرْبَعِينَ، فَصَارَ مَخْصُوصًا من غَيْرِهِ.
ثُمَّ يُقَالُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَلَسْتَ تَقُولُ: إِنَّ أَكْثَرَ التَّعْزِيرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ، وَلَا يَجُوزُ إن يبلغ به الأربعين؛ لأنه لا يساوي أقل الحدود؟ فلذلك وجب أَنْ تَكُونَ الْأَرْبَعُونَ حَدًّا.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ ما وصفنا، من أن الثمانين في الخمر حَدٌّ وَتَعْزِيرٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّمَانِينَ.
ويجوز أن يقتصر على الأربعين.
وهو بما زَادَ عَلَيْهَا إِلَى الثَّمَانِينَ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الإمام.
فإن رآه عمل به وَإِنْ لَمْ يَرَهُ كَفَّ عَنْهُ.
فَأَمَّا صِفَةُ حَدِّهِ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ حَدَّهُ بِالثِّيَابِ، وَالنِّعَالِ، وَأَمَرَ بِتَبْكِيتِهِ