كِتَابُ الْبُيُوعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَالدَّوَاخِلُ هِيَ وُجُوهُ الحيطان.
والخوارج هي ظهور الحيطان وَأَنْصَافُ اللَّبْنِ فِيهِ تَأْوِيلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ كُسُورُ أَنْصَافِ اللَّبْنِ إِلَى أَحَدِهِمَا وَالصَّحِيحُ مِنْهُ إِلَى الْآخَرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِفْرِيزٌ يُخْرِجُهُ الْبِنَاءُ فِي أَعْلَى الْحَائِطِ نَحْوَ نِصْفِ لَبِنَةٍ لِيَكُونَ وِقَايَةً لِلْحَائِطِ مِنَ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا مَعَاقِدُ الْقَمْطِ فَتَكُونُ فِي الْأَخْصَاصِ وَهِيَ الْخُيُوطُ الَّتِي يُشَدُّ بِهَا الْخُصُّ.
لِأَنَّ الْقَمْطَ جَمْعُ قِمَاطٍ وَهُوَ الْخَيْطُ.
فَإِذَا تَنَازَعَ جَارَانِ حَائِطًا بَيْنَهُمَا وَكَانَ إِلَى أَحَدِهِمَا الدَّوَاخِلُ وَأَنْصَافُ اللَّبْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى خُصًّا وَكَانَ إِلَى أَحَدِهِمَا مُعَاقِدُ الْقَمْطِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة.
وَجَعَلَ أبو يوسف ومحمد هَذِهِ دَلَائِلَ عَلَى الْمِلْكِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا جِدَارًا بَيْنَهُمَا فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حُذَيْفَةَ أَنْ يَحْكُمَ فَحَكَمَ بِالْجِدَارِ لِمَنْ إِلَيْهِ مَعَاقِدُ الْقِمْطِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَصَبْتَ.
قَالُوا: لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ فِي بِنَاءِ الْحَائِطِ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ إِلَى مَالِكِهِ وَظُهُورُهُ إِلَى غَيْرِهِ وَمَعَاقِدُ الْخُصِّ تَكُونُ إِلَى مَالِكِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ بِظَاهِرِ الْعَادَةِ.
كَمَا يُحْكَمُ بِهَا فِي اتِّصَالِ الْبُنْيَانِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِعُمُومِ قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ".
وَلِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ قَدْ يُقْصَدُ بِهَا فِي الْبِنَاءِ الْجَمَالُ.
فَرُبَّمَا أَحَبَّ الْإِنْسَانُ أَنْ يَجْعَلَ أَجْمَلَ بُنْيَانِهِ، وَأَحْسَنَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَرُبَّمَا أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهُ خَارِجًا فِيمَا يَرَاهُ النَّاسُ.
فَلَمْ يَجُزْ مَعَ اخْتِلَافِ الْعَادَةِ فِيهِ فِي سَائِرِ الْأَغْرَاضِ أَنْ يُجْعَلَ دَالًّا عَلَى الْمِلْكِ كَالتَّزَاوِيقِ وَالنَّقْشِ لَا يَكُونُ وُجُودُهُ مِنْ جَانِبِ أَحَدِهِمَا دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ كَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَهُوَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ رَاوِيَهُ دَهْثَمُ بْنُ قِرَانٍ وَهُوَ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.
فَإِنْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَعَاقِدَ الْقَمْطِ عِلَّةً فِي الْحُكْمِ وَإِنَّمَا جُعِلَ تَعْرِيفًا لِمَنْ حُكِمَ لَهُ كَمَا لَوْ قِيلَ حُكِمَ لِلْأَسْوَدِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ السَّوَادَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ وَإِنَّمَا يَكُونُ سِمَةً وَتَعْرِيفًا لِمَنْ وَجَبَ لَهُ الْحُكْمُ.
وَأَمَّا ادعاؤهم العرف لمعتاد فِيهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِ الأغراض فيه.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ أَحَلَفْتُهُمَا وَأَقْرَرْتُ الْجُذُوعَ بِحَالِهَا وَجَعَلْتُ الْجِدَارَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَرْتَفِقُ بِجِدَارِ الرَّجُلَ بِالْجُذُوعِ بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا تَنَازَعَ الْجَارَانِ حَائِطًا بَيْنَهُمَا وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ.
قَالَ أبو حنيفة: صَاحِبُ الْجُذُوعِ أَحَقُّ بِهِ إِذَا كَانَتْ جُذُوعُهُ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَكَانَ بَدَلُ الجذوع متصلا فيهما فِيهِ سَوَاءً اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ وَضْعَ الْجُذُوعِ أَوْكَدُ مِنَ اتِّصَالِ الْبِنَاءِ.
لِأَنَّ وَضْعَ الْجُذُوعِ يُثْبِتُ يَدًا وَارْتِفَاقًا.
وَاتِّصَالُ الْبِنَاءِ يُثْبِتُ أَحَدَهُمَا وَهُوَ الِارْتِفَاقُ دُونَ الْيَدِ فَلَمَّا كَانَ اتِّصَالُ الْبِنَاءِ إلا عَلَى الْمِلْكِ كَانَ وَضْعُ الْجُذُوعِ أَوْلَى بِأَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمِلْكِ.
وَلِأَنَّ وَضْعَ الْجُذُوعِ تَصَرُّفٌ فِي الْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى الْمِلْكِ كَالْأَزُجِّ وَالْقُبَّةِ.
وَلِأَنَّ وَضْعَ الْجُذُوعِ هُوَ تَرْكِيبٌ عَلَى الْحَائِطَيْنِ يَجْرِي مَجْرَى رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ دَابَّةً لَوْ تَنَازَعَهَا رَاكِبُهَا وَأخذ بِلِجَامِهَا كَانَ رَاكِبُهَا أَحَقَّ بِهَا مِمَّنْ هُوَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا فَكَذَلِكَ الْحَائِطُ إِذَا تَنَازَعَهُ صَاحِبُ الْجُذُوعِ وَغَيْرُهُ.
كَانَ صَاحِبُ الْجُذُوعِ أَحَقَّ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ هُوَ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَكُنْ قَلِيلُهُ دَالًّا عَلَى الْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ كَثِيرُهُ دَالًّا عَلَى الْمِلْكِ كَالْقَصَبِ وَالرُّفُوفِ.
وَلِأَنَّ مَا أَمْكَنَ إِحْدَاثُهُ بَعْدَ كَمَالِ الْبِنَاءِ لَمْ يَكُنْ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ الْبِنَاءِ كَالْجِصِّ وَالنَّقْشِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ صَاحِبِ الْأَجْذَاعِ وَالْحَائِطِ طَرِيقٌ نَافِذَةٌ كَالسَّابَاطِ لَمْ يَكُنْ وَضْعُ أَجْذَاعِهِ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ لَهُ، كَذَلِكَ إِذَا اتَّصَلَ بِمِلْكِهِ.
لِأَنَّ وَضْعَ الْجُذُوعِ لَوْ كَانَ يَدًا لَاسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِي الِاتِّصَالِ بِالْمِلْكِ وَالِانْفِصَالِ عَنْهُ.
وَلِأَنَّ وَضْعَ الْأَجْذَاعِ فِي الْحَائِطِ قَدْ يَكُونُ بِالْمِلْكِ تَارَةً وَبِالْإِذْنِ أُخْرَى وَبِالْحُكْمِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ
تَارَةً.
فَلَمْ يَجُزْ مَعَ اخْتِلَافِ أَسْبَابِهِ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى أَحَدِهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْمِلْكِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِاتِّصَالِ الْبُنْيَانِ فَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ بَعْدَ كَمَالِ الْبُنْيَانِ فَجَازَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمِلْكِ لِافْتِرَاقِهِ بِهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجُذُوعُ.
وَبِمِثْلِهِ يَكُونُ الْجَوَابُ عَنِ الْأَزُجِّ وَالْقُبَّةِ إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ حُدُوثُ مِثْلِهِ بَعْدَ الْبُنْيَانِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ رَاكِبِ الدَّابَّةِ وَقَائِدِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُمَا فِي الدَّابَّةِ سَوَاءٌ تَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرَّاكِبَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْآخِذِ بِلِجَامِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ وَضْعِ الْجُذُوعِ وَتَرْكِيبِهَا عَلَى الْحَائِطِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الإجماع مانع من ركوب دابة الإنسان لا بِإِذْنِهِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ رُكُوبُهَا دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ.
وَالْخِلَافُ مُنْتَشِرٌ فِي أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَضَعَ أَجْذَاعَهُ جَبْرًا فِي حَائِطِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ وَضْعُهَا دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرُّكُوبَ لَمَّا كَانَ تَصَرُّفًا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بَيْنَ وُجُودِهِ فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِ الْمِلْكِ جَازَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْمِلْكِ.
وَلَمَّا كَانَ وَضْعُ أَجْذَاعِ السَّابَاطِ الَّذِي لَا يَتَّصِلُ بِالْمِلْكِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ وَضْعُ الْأَجْذَاعِ دَالًّا عَلَى الْمِلْكِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ وَضْعَ الْجُذُوعِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا وَتُقَرُّ الْجُذُوعُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضَعَهَا بِحَقٍّ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكِ الْحَائِطَ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا تَنَازَعَا حَائِطًا فِي عَرْصَةٍ هِيَ لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْعَرْصَةِ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ.
وَهَكَذَا لَوْ تَنَازَعَا عُلُوَّ حَائِطٍ أَسْفَلُهُ لِأَحَدِهِمَا كَانَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ثُبُوتِ الْيَدِ.
وَلَكِنْ لَوْ تَنَازَعَا عَرْضه حَائِط هُوَ لِأَحَدِهِمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَكُونُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهَا أظهر.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا فِيهَا سَوَاءٌ كَوَضْعِ الْجُذُوعِ.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِحَائِطٍ هَلْ يَدْخُلُ قَرَارُهُ فِي إِقْرَارِهِ.
أَوْ بَاعَ حَائِطًا هَلْ يَدْخُلُ قَرَارُهُ فِي بَيْعِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَرْتَفِقُ بِجِدَارِ الرَّجُلِ بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ.
فَقَدْ رُوِيَ فِي الْقَدِيمِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ.
وَاللَّهِ لِأَرْمِيَنَّهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
فَكَانَ يَذْهَبُ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ لِلْجَارِ أَنْ يَضَعَ أَجْذَاعَهُ فِي جِدَارِ جَارِهِ جَبْرًا بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ تَعَلُّقًا بِهَذَا الْحَدِيثِ.
ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ أَجْذَاعَهُ فِي جِدَارِ جَارِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْلَاكِ الَّتِي لِجَارِهِ إِلَّا بِأَمْرِهِ.
وَلِأَنَّ الشَّرِيكَ فِي الْمِلْكِ أَقْوَى مِنْ جَارِ الْمِلْكِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ، فَالْجَارُ أَوْلَى، وَهَذَا قَوْلُ أبي حنيفة.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَحْمُولًا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّدْبِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ وَالْحَتْمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَارَ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ صَاحِبِ الْحَائِطِ مِنْ وَضْعِ أَجْذَاعِهِ فِي حَائِطِهِ وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِالْجَارِ فِي مَنْعِ ضَوْءٍ أَوْ إِشْرَافٍ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِلْأُصُولِ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَرْتَفِقُ بِجِدَارِ الرَّجُلِ بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ وَهُوَ فِي الْجَدِيدِ لَا يَقُولُ هَذَا، قُلْنَا فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بأمره يعني مجاهرا وبغير أَمْرِهِ يَعْنِي سَاتِرًا.
وَالثَّانِي: بِأَمْرِهِ يَعْنِي بِاخْتِيَارِهِ وبغير أَمْرِهِ يَعْنِي بِإِجْبَارِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْقَدِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ جَارِهِ مِنْ وَضْعِ أَجْذَاعِهِ فِي جِدَارِهِ.
وَكَانَ لِلْجَارِ أَنْ يَضَعَ فِي الْجِدَارِ مَا احْتَمَلَهُ مِنَ الْأَجْذَاعِ
ولو صالحه من وضع الْأَجْذَاعِ عَلَى عِوَضٍ لَمْ يَجُزْ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَاضَ عَلَيْهِ.
وَلَوِ انْهَدَمَ الْحَائِطُ لَمْ يَلْزَمْ مَالِكُهُ أَنْ يَبْنِيَهُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ.
فَإِنْ بناء كَانَ لِلْجَارِ أَنْ يُعِيدَ أَجْذَاعَهُ فِيهِ.
وَلَوْ أَرَادَ الْجَارُ بِنَاءَ الْحَائِطِ عِنْدَ امْتِنَاعِ صَاحِبِهِ من بنائه كان له ذَلِكَ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إِلَى حَقِّهِ مِنْ وَضْعِ أَجْذَاعِهِ فِيهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ.
فَلَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يَضَعَ أَجْذَاعَهُ فِي الْجِدَارِ إِلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَيَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ، لِأَنَّ مَا لَا يَمْلِكُ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا، فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَتْ عَارِيَةً وَجَازَ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ عَدَدَ الْأَجْذَاعِ وَلَا يَعْلَمُ طُولَهَا وَلَا مَوْضِعَ تَرْكِيبِهَا، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِمَنَافِعِ الْعَارِيَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهَا.
ثُمَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْعَارِيَةِ مَا بَقِيَ الْحَائِطُ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْأَجْذَاعِ يُرَادُ لِلِاسْتِدَامَةِ فَكَانَ إِطْلَاقُهُ الْإِذْنَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ.
كَمَنْ أَعَارَ أَرْضَهُ لِدَفْنِ مَيِّتٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَارِيَتِهِ وَإِخْرَاجِ الْمَيِّتِ مِنْهَا بَعْدَ دَفْنِهِ وَلَكِنْ لَوِ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَأَعَادَهُ مَالِكُهُ فَهَلْ لِصَاحِبِ الْأَجْذَاعِ أَنْ يُعِيدَ وَضْعَهَا فِيهِ بِالْإِذْنِ الْمُتَقَدِّمِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَحِقًّا عَلَى التَّأْيِيدِ كَمَا لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ بَاقِيًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنٍ مُسْتَحْدَثٍ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْعَارِيَةِ قَدِ انْقَطَعَ بِانْهِدَامِ الْحَائِطِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَحَقَّ تَأْيِيدَ ذَلِكَ لِمَا فِي نَزْعِهَا مِنَ الْأَضْرَارِ بِهِ وَقَدْ لَحِقَهُ ذَلِكَ بِانْهِدَامِهِ.
وَلَكِنْ لَوْ أَعَارَ أَرْضًا لِدَفْنِ مَيِّتٍ فَنَبَشَهُ سَبُعٌ أُعِيدَ دفنه فيها من غير إذن ستحدث وَجْهًا وَاحِدًا.
وَلَوْ أَكَلَهُ السَّبُعُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَنَ غَيْرُهُ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ لِذَهَابِ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِمَنْفَعَةِ الْعَارِيَةِ.
وَلَوْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي وَضْعِ جِذْعٍ فِي حَائِطِهِ فَانْكَسَرَ الْجِذْعُ كَانَ لَهُ إِعَادَةُ غَيْرِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الرُّجُوعِ فِي عَارِيَةِ الْقَبْرِ لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ.
فَإِذَا أَكَلَهُ السَّبُعُ انْقَضَتْ حُرْمَتُهُ عَنِ الْمَكَانِ.
وَالْمَنْعُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي مَوْضِعِ الْأَجْذَاعِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرَرِ بِانْهِدَامِ السَّقْفِ وَهَذَا
مَوْجُودٌ بَعْدَ انْكِسَارِ الْجِذْعِ، فَأَمَّا إِذَا أَخَذَ مِنْهُ عَلَى وَضْعِ أَجْذَاعِهِ عِوَضًا فَلَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ عَدَدِ الْأَجْذَاعِ وَطُولِهَا وَامْتِلَائِهَا وَمَوْضِعِهَا مِنَ الْحَائِطِ وَقَدْرِ دُخُولِهَا فِيهِ.
لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَحْرُسُ مِنَ الْجَهَالَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ إِذَا انْتَفَتِ الْجَهَالَةُ عَنْهُ هَلْ يَكُونُ بَيْعًا أَوْ إِجَارَةً، عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ بَيْعًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ.
فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ عَلَى التَّأْيِيدِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ مُدَّةٍ فِيهِ وَمَتَى انْهَدَمَ الْحَائِطُ ثُمَّ بُنِيَ أُعِيدَ وَجْهًا وَاحِدًا.
بِخِلَافِ الْعَارِيَةِ الَّتِي لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهَا الْجَهَالَةُ بِمُدَّةِ مَنْفَعَتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ عِنْدِي أَصَحُّ أَنَّهُ يَكُونُ إِجَارَةً وَلَا يَكُونُ بَيْعًا.
لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ لَا عَيْنٍ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِاشْتِرَاطِ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ تَتَقَدَّرُ بِهَا الْمَنْفَعَةُ وَيُؤْخَذُ بِقَلْعِ ذَلِكَ عِنْدَ انْقِضَائِهَا.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا إِنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ صَحَّ وَكَانَتْ إِجَارَةً، وَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى إِجْرَاءِ مَسِيلِ مَاءٍ فِي أَرْضِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَوْضِعِهِ وَتَقْدِيرِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ ثُمَّ إِنْ قَدَّرَ بِمُدَّةٍ صَحَّ وَكَانَتْ إِجَارَةً وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ كَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ بَيْعًا لِمَا حُدَّ مِنَ الْأَرْضِ لِإِجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهِ عَلَى التَّأْيِيدِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ بَاطِلًا إِذَا قِيلَ إِنَّهُ يَكُونُ إِجَارَةً.
وَأَمَّا إِنْ صَالَحَهُ عَلَى سَقْيِ مَاشِيَتِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ قَدْرَ مَا تَشْرَبُهُ الْمَاشِيَةُ مَجْهُولٌ.
وَهَكَذَا الزَّرْعُ وَلَكِنْ لَوْ صَالَحَهُ عَلَى نِصْفِ الْعَيْنِ أَوْ ثُلُثِهَا جَازَ وَكَانَ بَيْعًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ فِيهِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ.
وَلَوْ قَدَّرَهُ بِمُدَّةٍ خَرَجَ عَنِ الْبَيْعِ إِلَى الْإِجَارَةِ فَكَانَ بَاطِلًا لِأَنَّ إِجَارَةَ عَيْنِ الْمَاءِ مِنْهَا لَا يَجُوزُ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَمْ أَجْعَلْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ كَوَّةً وَلَا يَبْنِيَ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا كَانَ الْحَائِطُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ كَوَّةً وَلَا يَضَعَ فِيهِ جِذْعًا وَلَا يُسَمِّرَ فِيهِ وَتَدًا إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.
وَجَوَّزَ الْعِرَاقِيُّونَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَفْعَلَ فِي الْحَائِطِ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ مِنْ فَتْحِ كَوَّةٍ وَإِيتَادِ وَتَدٍ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْمُعْتَادِ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَفَرُّدَ أَحَدِهِمَا بِالتَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ هَدْمُ بَعْضِ الْحَائِطِ فَلَمْ يَجُزْ كَالْبَابِ.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا كَانَ كَوَضْعِ الْجُذُوعِ فِيهِ فَيَكُونَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَائِطَ مَوْضُوعٌ لِلْحَيْلُولَةِ وَوَضْعُ الْأَجْذَاعِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْحَيْلُولَةِ.
وَفَتْحُ الْكَوَّةِ يَمْنَعُ مِنْهَا.
فَلَوْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي فَتْحِ كَوَّةٍ ثُمَّ أَرَادَ سَدَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.
لِأَنَّهُ زِيَادَةُ بِنَاءٍ عَلَى حَائِطِهِ.
وَالشَّرِيكَانِ فِي الْحَائِطِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا الْبِنَاءُ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فِيهِ.
وَكُلمَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَفْعَلَهُ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لِلْجَارِ أَنْ يَفْعَلَهُ.
فَلَوْ صَالَحَ جَارَهُ عَلَى فَتْحِ كَوَّةٍ فِي حَائِطِهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ صُلْحٌ عَلَى الْهَوَاءِ وَالضَّوْءِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَتَحَ كَوَّةً فِي حَائِطِهِ فَأَرَادَ جَارُهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي وَجْهِهَا حَائِطًا فِي مِلْكِهِ يَمْنَعُهُ الضَّوْءَ مِنَ الْكَوَّةِ جَازَ وَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْكَوَّةِ أَنْ يَمْنَعَهُ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِهِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ دَارٌ ظَهْرُهَا إِلَى زُقَاقٍ مَرْفُوعٍ فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ مِنْ ظَهْرِ دَارِهِ إِلَى الزُّقَاقِ كَوَّةً أو ينصب شباك لِلضَّوْءِ جَازَ وَلَمْ يُمْنَعْ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِهِ.
وَلَوْ أَرَادَ فَتْحَ بَابٍ إِلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ فَتْحَهُ لِلِاسْتِطْرَاقِ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي اسْتِطْرَاقِ الزُّقَاقِ الْمَرْفُوعِ.
وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ فَتْحَهُ لِيَنْصِبَ عَلَيْهِ بَابًا وَلَا يَسْتَطْرِقُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ هَدْمَ حَائِطِهِ كُلِّهِ جَازَ فَإِذَا أَرَادَ هَدْمَ بَعْضِهِ فَأَوْلَى بِالْجَوَازِ.
وَلِأَنَّهُ لو أراد يَحُولَ بَيْنَ دَارِهِ وَالزُّقَاقِ بِبِنَاءٍ جَازَ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمَا بِبَابٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُوهِمُ بِذَلِكَ عِنْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلِاسْتِطْرَاقِ.
لِأَنَّ الْبَابَ مِنْ شَوَاهِدِ اسْتِحْقَاقِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَدْمُ بَعْضِ الْحَائِطِ فِيهِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا كَانَ فِي الزُّقَاقِ الْمَرْفُوعِ دَارَانِ لِرَجُلَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي أَوَّلِهِ وَالْأُخْرَى في آخره فأراد صاحب الدار الأولى تَغْيِيرَ بَابِهِ وَنَقْلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ تَقْدِيمَهُ إِلَى بَابِ الزُّقَاقِ كَانَ لَهُ.
لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الِاسْتِطْرَاقَ إِلَى غَايَةٍ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا فَصَارَ تَارِكًا لِبَعْضِ حَقِّهِ.
وَإِنْ أَرَادَ تَأْخِيرَ بَابِهِ إِلَى صَدْرِ الزُّقَاقِ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتَجَاوِزًا لِحَقِّهِ فِي الِاسْتِطْرَاقِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُجَوِّزُ لَهُ ذَلِكَ وَيَجْعَلُ عَرْصَةَ الزُّقَاقِ كُلَّهَا مُشْتَرِكَةً بينهما تخريجا
مِنْ عَرْصَةِ السُّفْلِ، إِذَا تَنَازَعَهَا صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
فَأَمَّا صَاحِبُ الدَّارِ الَّتِي فِي صَدْرِ الزُّقَاقِ إِنْ أَرَادَ تَقْدِيمَ بَابِهِ جَازَ إِنْ لَمْ يُرِدْ إِدْخَالَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى دَارِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ إِدْخَالَ مَا وَرَاءَ الْبَابِ الْمُسْتَحْدَثِ إِلَى صَدْرِ الزُّقَاقِ فِي دَارِهِ فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا: هَلْ عَرْصَةُ الزُّقَاقِ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ الدَّارَيْنِ أَمْ لَا؟
فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ مَنَعَ صَاحِبَ الصَّدْرِ مِنْ إِدْخَالِ ذَلِكَ فِي دَارِهِ.
وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا لَيْسَتْ مُشْتَرِكَةً وَإِنَّ مَا يَتَجَاوَزُ بَابَ الْأَوَّلِ يَخْتَصُّ بِمِلْكِ صَاحِبِ الصَّدْرِ جَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الدَّارِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقِرَّ بَابَهُ فِي مَوْضِعِهِ وَيَفْتَحَ دُونَهُ بَابًا ثَانِيًا جَازَ وَلَمْ يُمْنَعْ.
وَقَالَ أبو حنيفة: أَمْنَعُهُ مِنْ فَتْحِ بَابٍ ثَانٍ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَدْخَلًا وَاحِدًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى مَدْخَلَيْنِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلِاسْتِطْرَاقِ فِيهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَدْخَلٍ أَوْ مَدْخَلَيْنِ.
وَلِأَنَّ مَوْضِعَ الْبَابِ الْمُسْتَحْدَثَ لَوْ أَرَادَ هَدْمَهُ لِغَيْرِ بَابٍ جَازَ فَكَذَا الْبَابُ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ دَارَانِ مُتَلَاصِقَانِ وباب كل واحدة منها إِلَى زُقَاقٍ مَرْفُوعٍ فَأَرَادَ هَدْمَ الْحَائِطِ الَّذِي بَيْنَ الدَّارَيْنِ جَازَ.
وَلَوْ أَرَادَ فَتْحَ بَابٍ مِنْ إِحْدَى الدَّارَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى غَيْرِ نَافِذٍ لِيَسْتَطْرِقَهُ لَمْ يَجُزْ.
وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة وَمَالِكٍ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَطْرِقًا إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الدَّارَيْنِ مِنَ الزُّقَاقِ الَّذِي لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِطْرَاقِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزُّقَاقَ مَرْفُوعٌ فَيَجْعَلُهُ بِفَتْحِ الْبَابِ مُسْتَطْرَقًا غَيْرَ مَرْفُوعٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَخَبَّرَنَا بِهِ الإمام أبو علي الحسين بْنُ صَالِحِ بْنِ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَقَسَّمْتُهُ بَيْنَهُمَا إِنْ شَاءَا إِنْ كَانَ عَرْضُهُ ذِرَاعًا أُعْطِيهِ شِبْرًا فِي طُولِ الْجِدَارِ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَزِيدَ مِنْ عَرْصَةِ دَارِكَ أَوْ بَيْتِكَ شِبْرًا آخَرَ لِيَكُونَ لَكَ جِدَارٌ خَالِصٌ فَذَلِكَ لَكَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا كَانَ الْحَائِطُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَأَرَادَ إِجْبَارَ شَرِيكِهِ عَلَيْهَا عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهَا لَمْ يخل ذلك من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ بِنَاءً لَا عَرْصَةَ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَرْصَةً لَا بِنَاءَ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: أن يكون مَعًا.
فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ بِنَاءً لَا عَرْصَةَ لَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَسَّمَ جَبْرًا لِأَنَّ الْبِنَاءَ لَا يُعْلَمُ مَا فِيهِ لِيَتَسَاوَيَا فِي الِاقْتِسَامِ بِهِ إِلَّا بَعْدَ هَدْمِهِ وَفِي هَدْمِهِ ضَرَرٌ فَلَمْ يَدْخُلْهُ إِجْبَارٌ فَإِنِ اصْطَلَحَا عَلَيْهِ جاز.
وإن كان ذلك عرصة لأبناء فِيهَا دَخَلَهَا الْإِجْبَارُ فِي الْقِسْمَةِ فَإِنْ دَعَا الطَّالِبُ إِلَى قسْمَةِ عَرْصَة الْحَائِطِ طُولًا أُجِيبَ إِلَيْهَا وَمِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ طُولُ الْعَرْصَةِ عَشَرَةَ أذرع وعرضها ذراع فيدعوا إِلَى قِسْمَةِ الطُّولِ لِيَكُونَ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْعَشَرَةِ فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ فَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّ أَيَّ النِّصْفَيْنِ حَصَلَ لَهُ بِالْقُرْعَةِ نَفَعَهُ، فَإِنْ دعي إلى القسمة عرضا ليكون له شبرا مِنَ الْعَرْضِ فِي الطُّولِ كُلِّهِ فَفِي جَوَازِ الْجَبْرِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ لَا يُجَابُ إِلَيْهَا وَلَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ مَا دَخَلَتْهَا الْقُرْعَةُ.
وَدُخُولُ الْقُرْعَةِ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ مُضِرٌّ، لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ مَا يَلِي صَاحِبَهُ، فَلَا يَنْتَفِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ مِمَّا صَارَ إِلَيْهِ، وَعَادَتْ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِ، وَالْقِسْمَةُ إِذَا عَادَتْ بِضَرَرِ الشَّرِيكَيْنِ لَمْ يَدْخُلْهَا الْإِجْبَارُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ يُجَابُ إِلَيْهَا، وَيُقْسَمُ عَرْضُ الْعَرْصَةِ بَيْنَهُمَا، وَيُدْفَعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ منهما النصف الذي يليه بغير ذرعه، لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تَدْخُلُ فِي الْقِسْمَةِ لِتَمْيِيزِ مَا اشْتَبَهَ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَالْأَنْفَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ مَا يَلِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِدُخُولِ الْقُرْعَةِ وَجْهٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَزِيدَ مِنْ عَرْصَةِ دَارِكَ أَوْ بَيْتِكَ شِبْرًا آخَرَ لِيَكُونَ لَكَ، جِدَارًا خَالِصًا فَذَلِكَ لَكَ.
وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ مَشُورَةً كَمَا عَابَهُ مَنْ جَهِلَ مَعْنَى كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ يَنْتَفِعُ بِمَا صَارَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ وَجْهَ الْمَنْفَعَةِ، بِأَنْ يَضُمَّ إِلَى الْعَرْصَةِ شِبْرًا لِيَصِيرَ جِدَارًا كَامِلًا.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ بِنَاءً وَعَرْصَةً نُظِرَ فِي طَالِبِ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ دُعِيَ إليها عرضا
لِيَكُونَ لَهُ شِبْرٌ مِنْ عَرْضِ الْبِنَاءِ، وَالْعَرِصَةِ مِنَ الطُّولِ كُلِّهِ، لَمْ يُجَبْ إِلَيْهَا جَبْرًا، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا تَرَاضِيًا وَاخْتِيَارًا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَصِيرُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ نِصْفِ الْعَرْضِ مُضِرٌّ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ.
لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ هَدْمَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلَّا بِهَدْمِ مَا لِشَرِيكِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ أَرَادَ وَضْعَ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَقَعَ الثِّقَلُ عَلَى مَا لِشَرِيكِهِ فَأَضَرَّ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَازَ ذَلِكَ بِتَرَاضِيهِمَا؟ قِيلَ إِنْ تَرَاضَيَا بِهَدْمِهِ فِي الْحَالِ وَالِاقْتِسَامِ بِآلَتِهِ جَازَ.
وَإِنْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَتِهِ بِنَاءً قَائِمًا، وَتَحْدِيدَ مَا لكل واحد منهما متصلا لم يجز وإن لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ دُخُولِ الضَّرَرِ فِيمَا بَعْدُ.
وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ يَدْعُو إِلَى قِسْمَتِهِ طُولًا، لِيَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ طُولًا فِي الْعَرْضِ كُلِّهِ جَازَتْ بِالتَّرَاضِي.
وَفِي جَوَازِ الْإِجْبَارِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لَا يُجَابُ إِلَيْهَا وَلَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَدْمِ النِّصْفِ الَّذِي صَارَ لَهُ إِلَّا بِهَدْمِ شَيْءٍ مِنْ نِصْفِ صَاحِبِهِ فَصَارَتْ ضَرَرًا عَلَيْهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُجْبِرُهُ عَلَى هَذِهِ الْقِسْمَةِ بِالْقُرْعَةِ، لِأَنَّ الضَّرَرَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هَدْمِ حِصَّتِهِ يَسِيرٌ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْقِسْمَةِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ وَلَهُ إِزَالَةُ الضَّرَرِ بِقَطْعِ الْحَائِطِ بَيْنَهُمَا بِالْمِنْشَارِ، فَلَا يَنْهَدِمُ مِنْ حِصَّةِ الآخر شيء.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ هَدَمَاهُ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهُ وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا شَاءَ عَلَيْهِ إِذَا بَنَاهُ فَالصُّلْحُ فَاسِدٌ وَإِنْ شَاءَا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قُسِّمَتْ أَرْضُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا هَدَمَ الشَّرِيكَانِ حَائِطًا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اصْطَلَحَا عِنْدَ بِنَائِهِ بِمَالِهِمَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهُ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ مَا شَاءَ مِنْ أَجْذَاعٍ وَغَيْرِهَا، فَهَذَا صُلْحٌ بَاطِلٌ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ بَذَلَ بِصُلْحِهِ عَلَى الثُّلُثِ بَعْدِ مِلْكِهِ النِّصْفَ سُدْسًا بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَبَذْلُ الْمِلْكِ فِي الصُّلْحِ إِذَا كَانَ عَبَثًا بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَصِحُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ الِانْتِقَالَ لِمِلْكِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ ارْتِفَاقًا مَجْهُولًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا ثَبَتَ بُطْلَانُ الصُّلْحِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَكَانَا قَدْ عَمِلَا بِهِ وَوَضَعَا فَوْقَ الْحَائِطِ مَا شَاءَا فَالْمِلْكُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يأخذا صَاحِبَهُ بِقَلْعِ مَا وَضَعَهُ فِي الْحَائِطِ مِنْ أَجْذَاعِهِ.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ فَهُوَ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ، فَفَسَدَ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْإِذْنِ.
وَلِأَنَّ الْإِذْنَ يَقْتَضِي وَضْعَ مَا يَسْتَأْنِفُهُ، كَمَا يَقْتَضِي وَضْعَ مَا تَقَدَّمَهُ ثُمَّ كَانَ مَمْنُوعًا مِنَ الْمُسْتَأْنِفِ، فَكَذَلِكَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا وَجْهَ، لِأَنْ يُقِرَّ أَجْذَاعَ مَنْ شَرَطَ الزِّيَادَةَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ وَضْعِ مَا شَاءَ مِنْ أَجْذَاعِهِ.
(فَصْلٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ شَاءَا أَوْ أَحَدُهُمَا، قُسِّمَتْ أَرْضُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْكَلَامِ بِحَسْبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْعَرْصَةِ جَبْرًا بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ.
فَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إِيقَاعِهَا جَبْرًا إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْعَرْصَةِ طُولًا لَا عَرْضًا.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إِيقَاعِهَا جَبْرًا عَلَى الْأَمْرَيْنِ طُولًا وَعَرْضًا وَقَدْ مَضَى مشروحا.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ السُّفْلُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَالْعُلُوُّ فِي يَدَيْ آخَرَ فَتَدَاعَيَا سَقْفَهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّ سَقْفَ السُّفْلِ تَابع لَهُ وَسَطْحَ الْعُلُوِّ أَرْضٌ لَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: إِذَا كَانَ بَيْتٌ سُفْلُهُ لِرَجُلٍ وَعُلُوُّهُ لِآخَرَ، فَاخْتَلَفَا فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا وَتَدَاعَيَاهُ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْعُلُوِّ إِلَّا بِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أبي حنيفة أَنَّهُ يَكُونُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى مِلْكِهِ كَالْجِدَارِ الْمَبْنِيِّ فِي أَرْضِهِ.
وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ غَلَطٌ وَكَوْنُ السَّقْفِ بَيْنَهُمَا أَصَحُّ.
لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ وَتَصَرُّفِهِمَا فِيهِ،
فَهُوَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ سَقْفٌ وَمِرْفَقٌ، وَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَرْضٌ وَمَقْعَدٌ، وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَالِهِمَا وَمُجَاوِرٌ لِمِلْكَيْهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِيهِ كَالْحَائِطِ إِذَا كَانَ بَيْنَ دَارَيْهِمَا.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا، فَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ كَمَا كَانَ يَتَصَرَّفُ مِنْ قَبْلُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَإِحْرَازُ الْمَتَاعِ الْمُعْتَادِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ وَلَا تَعَدٍّ.
كَالْحَائِطِ إِذَا اخْتَلَفَا فِيهِ وَكَانَتْ عَلَيْهِ جُذُوعٌ لِأَحَدِهِمَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا وَأُقِرَّتِ الْأَجْذَاعُ عَلَى حَالِهَا.
وَأَمَّا صَاحِبُ السُّفْلِ فَارْتِفَاقُهُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَظِلًّا بِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى تَعْلِيقِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّ السَّقْفَ لَمْ يُوضَعْ غَالِبًا إِلَّا لِلِاسْتِظْلَالِ.
وَلَا وَجْهَ لِمَا أَجَازَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ تَعْلِيقِ زِنْبِيلٍ عَلَيْهِ.
وَوَضْعِ خُطَّافٍ فِيهِ.
لِأَنَّ إِيتَادَ الْوَتَدِ فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ أَسْبَلُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي السَّقْفِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْهُ.
(فَصْلٌ)
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي حَائِطٍ السُّفْلَ، فَهُوَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ إِلَى مُنْتَهَى وَضْعِ الْأَجْذَاعِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي حَائِط الْعُلُوّ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ مِمَّا فَوْقَ أَجْذَاعِ السَّقْفِ، لِأَنَّهُ فِي يَدَيْ صَاحِبِ الْعُلُوِّ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ.
وَمَا كَانَ مِنَ الْحَائِطِ بَيْنَ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ فِي خِلَالَ أَجْذَاعِ السَّقْفِ فَهُوَ بَيْنُهُمَا، لِأَنَّهُ تَبَعٌ للسقف المشترك بينهما.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ سَقَطَ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ السُّفْلِ عَلَى بِنَائِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا انْهَدَمَ الْبَيْتُ الَّذِي سُفْلُهُ لِرَجُلٍ وَعُلُوُّهُ لِآخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِهِ مَهْدُومًا فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمَا فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى بِنَائِهِ فَذَلِكَ لَهُمَا، وَيَخْتَصُّ صَاحِبُ السُّفْلِ بِبِنَاءِ السُّفْلِ إِلَى انْتِهَاءِ وَضْعِ الْأَجْذَاعِ.
وَصَاحِبُ الْعُلُوِّ بِبِنَاءِ الْعُلُوِّ إِلَى حَيْثُ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ، وَلَا لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالنُّقْصَانِ عَنْهُ.
فَلَوِ اخْتَلَفَا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا أَنَّ ارْتِفَاعَ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ عِشْرُونَ ذِرَاعًا، فَقَالَ صَاحِبُ السُّفْلِ، السُّفْلُ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَارْتِفَاعُ الْعُلُوِّ خمسة أذرع،
وَقَالَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ بَلِ ارْتِفَاعُ السُّفْلِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ وَارْتِفَاعُ الْعُلُوِّ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا.
فَقَدِ اخْتَلَفَا عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ السُّفْلِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ لَا نِزَاعَ فِيهَا وَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ لَا نِزَاعَ فِيهَا، وَاخْتَلَفَا فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ ادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَيْدِيهِمَا مَعًا عَلَيْهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَتَحَالَفَا عَلَيْهَا وَيُجْعَلُ الْعَشَرَةُ الْمُخْتَلَفُ عَلَيْهَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا مَعًا بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ.
ثُمَّ يَشْتَرِكَانِ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ، بَعْدَ أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبِنَاءِ حَقِّهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّقْفُ لِأَحَدِهِمَا، فَيَخْتَصُّ الَّذِي هُوَ لَهُ بِبِنَائِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَمْتَنِعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ مِنَ الْبِنَاءِ، وَيَدْعُوَ صَاحِبُ السُّفْلِ إِلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِبِنَاءِ سُفْلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ صَاحِبِ الْعُلُوِّ بِبِنَاءِ عُلُوِّهِ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي بِنَائِهِ، وَيَقْدِرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِحَقِّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّقْفُ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي إِجْبَارِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْمُبَانَاةِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ: أَنْ يَمْتَنِعَ صَاحِبُ السُّفْلِ مِنْ بِنَائِهِ وَيَدْعُوَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ إِلَيْهِ لِيَبْنِيَ الْعُلُوَّ عَلَيْهِ فَفِي إِجْبَارِهِ قَوْلَانِ:
وَهَكَذَا الشَّرِيكَانِ فِي حَائِطٍ قَدِ انْهَدَمَ، إِذَا دُعِيَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْبِنَاءِ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ.
هَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى الْبِنَاءِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبِنَاءِ لِيَصِلَ الْآخَرُ إِلَى حَقِّهِ.
لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ مِنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ ".
فلما نفى لحقوق الْإِضْرَارِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْإِجْبَارِ.
وَلِمَا رُوِيَ: أن الضحاك بن خليفة أنبع ماء بالعريص وَأَرَادَ أَنْ يُجْرِيَهُ إِلَى أَرْضِهِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ إِمْرَارِهِ عَلَى أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ فَامْتَنَعَ مُحَمَّدٌ مِنْ ذَلِكَ وَتَخَاصَمَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ لَيَمُرَّنَّ بِهِ أَوْ أُمِرُّهُ عَلَى بَطْنِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ " قُضِيَ عَلَى بَعْضِ الْأَنْصَارِ، بِمِثْلِ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ".
وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَضَى بِمِثْلِ ذَلِكَ لِلْزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَلَى بَعْضِ الْأَنْصَارِ حَتَّى قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ ابن عمتك فتعمر وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ: " فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شجر بينهم ". فَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ وَالْأَثَرُ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنِ الْجَارِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ يُزَالُ بِالْإِجْبَارِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتُحِقَّتِ الشُّفْعَةُ لِزَوَالِ الضَّرَرِ بِهَا وَوَجَبَتِ الْقِسْمَةُ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِيَنْتَفِيَ الْإِضْرَارُ مَعَهَا، كَانَ وُجُوبُ الْمُبَانَاةِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ تَضَاعُفِ الضَّرَرِ أَوْلَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وبه قال أبي حنيفة أَنَّهُ لَا إِجْبَارَ فِي ذَلِكَ وَيُتْرَكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى أَنْ يَخْتَارَ الْبِنَاءَ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ".
وَلِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى عِمَارَةِ مِلْكِهِ، وَلَا عِمَارَةِ مِلْكِ غَيْرِهِ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى عِمَارَتِهِ فِي حَالِ الِاشْتِرَاكِ كَالزَّرْعِ وَالْغِرَاسِ طَرْدًا وَكَنَفَقَةِ البهائم عكسا.
ولأنه لا يخلوا أَنْ يَكُونَ الْإِجْبَارُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، أَوْ لِمَصْلَحَةِ غَيْرِهِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى واحد منهما.
فأما الجواب عن قوله " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ " فَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ اسْتِعْمَالُهُ فِي نَفْيِ الضَّرَرِ عَنِ الطَّالِبِ بِإِدْخَالِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، بِأَوْلَى مِنْ نَفْيِهِ عَنِ الْمَطْلُوبِ بِإِدْخَالِهِ عَلَى الطَّالِبِ.
إِذْ لَيْسَ يُمْكِنُ نَفْيُهُ عَنْهُمَا، فَتَنَاوَبَ الْأَمْرَانِ فِيهِ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَهُوَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِعُمُومِهَا وَلَعَلَّ إِجْرَاءَ الْمَالِ قَدْ كَانَ مُسْتَحَقًّا مِنْ قَبْلُ.
لِأَنَّ الإجماع لا يلزم أحد أَنْ يُجْرِيَ مَاءَ غَيْرِهِ عَلَى أَرْضِهِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ.
وَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ بِهَا، فَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْغَيْرِ إِضْرَارٌ بِهَا.
لِأَنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ مَا قُدِّرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْعِمَارَةِ وَالْمُبَانَاةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَلَيْسَتْ غُرْمًا، وَإِنَّمَا هِيَ لِتَمْيِيزِ الْمِلْكَيْنِ وَإِقْرَارِ الْحَقَّيْنِ وَالْعِمَارَةُ غُرْمٌ مَحْضٌ فَافْتَرَقَا.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِإِجْبَارِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ عَلَى قَوْلِهِ فِي
الْقَدِيمِ.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَخَذَ بِالْعِمَارَةِ فِي الْحَالِ.
فَإِنْ كَانَ فِي حَائِطٍ مُشْتَرَكٍ كَانَتِ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ فِي سُفْلٍ وَعُلُوٍّ اخْتَصَّ صَاحِبُ السُّفْلِ بِعِمَارَةِ سُفْلِهِ وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ بِعِمَارَةِ عُلُوِّهِ، وَاشْتَرَكَا فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَ الْمُمْتَنِعُ مُعْسِرًا قِيلَ لِلطَّالِبِ الدَّاعِي إِلَى الْعِمَارَةِ صَاحِبُكَ مُعْسِرٌ، وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَعْمُرَ جَمِيعَهُ بِمَالِكَ وَتَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِكَ إِذَا أَيْسَرَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ أَوْ تَكُفَّ.
فَإِنْ بَادَرَ الطَّالِبُ بِعِمَارَةِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ حَاكِمٍ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْمُمْتَنِعُ مُوسِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَصَارَ مُتَطَوِّعًا بِالنَّفَقَةِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ إِذَا أَيْسَرَ بِهَا، لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهَا حُكْمًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ لَا رُجُوعَ لَهُ بِهَا لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ وُجُوبُهَا إِلَّا بِحُكْمٍ.
فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَيْسَ لِلثَّانِي أَنْ يَمْنَعَ شَرِيكَهُ مِنْ بَيْعِ حِصَّتِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا إِلَّا بَعْدَ أَخْذِ نَفَقَتِهِ، فَيَصِيرَ كَالْمَرْهُونِ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ أبو حَامِدٍ الْمَرْوَرُّوذِيِّ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنَ الْبَيْعِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ بِسَبَبِهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ إنَّهُ لَا إِجْبَارَ فِي الْعِمَارَةِ تَرْكًا وَمَنْعًا مِنَ الْمُخَاصَمَةِ، وَقِيلَ لِطَالِبِهَا إِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْمُرَ مُتَطَوِّعًا لِتَصِلَ إِلَى حَقِّكَ لَمْ تُمْنَعْ، وَلَا رُجُوعَ لَكَ بِشَيْءٍ مِنْ نَفَقَتِكَ، وَلَا لَكَ مَنْعُ صَاحِبِكَ من بيع حصته والانتفاع بها.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ تَطَوَّعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ بِأَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَبْنِيَ عُلُوَّهُ كَمَا كَانَ فَذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ صَاحِبِ السُّفْلِ مِنْ سُكْنَاهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
لَيْسَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ مَنْعُ صَاحِبِ الْعُلُوِّ مِنْ بِنَاءِ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى حَقِّهِ مِنَ الْعُلُوِّ إِلَّا بِبِنَاءِ السُّفْلِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّطَوُّعِ بِهَا.
وَلَا لَهُ إِذَا بَنَاهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ السُّفْلِ مِنْ سُكْنَى سُفْلِهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ.
فَأَمَّا الِارْتِفَاقُ بِحَائِطِ السُّفْلِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَنَاهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ بِآلَةِ صَاحِبِ السُّفْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنَ الِارْتِفَاقِ بِحَائِطِهِ كَمَا جَرَتِ العادة به.
وَإِنْ كَانَ قَدْ بَنَاهُ بِآلَةِ نَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالِاسْتِنَادِ عَلَيْهِ.
وَلَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الْقَرَارِ وَالِارْتِفَاقِ بِهِ فَلَوْ كَانَ لَهُ مِنْ قَبْلُ رَسْمٌ فِي وَضْعِ جِذْعٍ أَوْ نَصْبِ رَفٍّ أَوْ إِيتَادِ وَتِدٍ كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الرَّسْمُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ جَارِيًا بِهِ.
لِأَنَّ رَسْمَهُ كَانَ فِي حَائِطِهِ الْمَبْنِيِّ بآلته.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَنَقْضُ الْجُدْرَانِ لَهُ وَمَتَى شَاءَ أَنْ يَهْدِمَهَا هَدَمَهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا تَطَوَّعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ بِبِنَاءِ السُّفْلِ، ثُمَّ أَرَادَ هدمه لم تخل الآلة التي بنا بِهَا السُّفْلَ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِلْكًا لَهُ أَوْ مِلْكًا لِصَاحِبِ السُّفْلِ.
فَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا لِصَاحِبِ السُّفْلِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالنَّفَقَةِ وَلَيْسَ لَهُ هَدْمُ الْبِنَاءِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ.
وَلَيْسَ لَهُ فِي هَدْمِ ذَلِكَ نَفْعٌ فَصَارَ كمن غصب نقرة فضربها دراهما، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ ثَوْبًا، أَوْ طِيبًا فَضَرَبَهُ لَبِنًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ إِعَادَةُ الدَّرَاهِمِ نَقْرَةً، وَالثَّوْبِ غَزْلًا، وَاللَّبَنِ طِينًا، لِأَنَّهُ عَيْبٌ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ نَفْعًا.
وَإِنْ كَانَتِ الْآلَةُ مِنَ الْآجُرِّ وَالْجِصِّ وَاللَّبِنِ وَالطِّينِ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ فَلَهُ هَدْمُ ذَلِكَ وَاسْتِرْجَاعُ آلَتِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ.
فَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَاحِبُ السُّفْلِ قِيمَةَ ذَلِكَ، فَهَلْ يُجْبَرُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ عَلَى قَبُولِهَا أَمْ لَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
إِنْ قِيلَ: إِنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ إِذَا سَأَلَهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ.
يَجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ إِذَا بَذَلَهَا صَاحِبُ السُّفْلِ، لِأَنَّهُ بَذَلَ لَهُ مَا لَوْ طَالَبَ بِهِ مِنْ قَبْلُ لَلَزِمَهُ.
وَإِنْ قِيلَ إِنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ.
لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْعُلُوِّ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ إِذَا تَطَوَّعَ بِالْبِنَاءِ، لِأَنَّهُ بَذَلَ لَهُ مَا لَوْ طولب به لم يلزمه.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكَذَلِكَ الشُّرَكَاءُ فِي نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْإِصْلَاحِ لِضَرَرٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يُمْنَعُ الْمَنْفَعَةَ فَإِنْ أَصْلَحَ غَيْرَهُ فَلَهُ عَيْنُ مَالِهِ مَتَى شَاءَ نَزَعَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الشُّرَكَاءِ، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ نَهْرٌ فأفسد أو عين فغارت أو بئر ما فَانْطَمَثَ وَدَعَا بَعْضُهُمْ إِلَى حَفْرِ ذَلِكَ وَإِصْلَاحِهِ وَامْتَنَعَ الْبَاقُونَ، فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُونَ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ يُجْبَرُونَ وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ لَا يُجْبَرُونَ، فَإِنِ اخْتَارُوا جَمِيعًا حَفْرَهُ وَإِلَّا تُرِكُوا.
وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى الْحَفْرِ جَبْرًا، أَوِ اخْتِيَارًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَؤُونَةِ الْحَفْرِ كَيْفَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ.
فَذَهَبَ أبو حنيفة إِلَى أَنَّ أَهْلَ النَّهْرِ يَجْتَمِعُونَ مَعَ الْأَوَّلِ فَيَحْفِرُونَ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى الْأَوَّلُ إِلَى آخِرِ مِلْكِهِ.
خَرَجَ وَحَفَرَ الْبَاقُونَ مَعَ الثَّانِي، وَخَرَجَ عِنْدَ آخِرِ مِلْكِهِ، وَحَفَرَ الْبَاقُونَ مَعَ الثَّالِثِ هَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْأَخِيرِ، فَيَنْفَرِدَ وَحْدَهُ بِحَفْرِ مَا يَلِيهِ.
قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَاءَ أَهْلِ النَّهْرِ كُلَّهُ يَجْرِي عَلَى أَرْضِ الْأَوَّلِ فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكُوا جَمِيعًا فِي حَفْرِهِ وَلَيْسَ يَجْرِي مَاءُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْفِرَ مَعَهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَؤُونَةَ الْحَفْرِ مُقَسَّطَةٌ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَسَّطَهَا عَلَى مِسَاحَاتِ الْأَرَضِينَ وَقَدْرِ جَرَيَانِهَا.
لِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ فِيهِ يَسْبَحُ عَلَيْهَا عَلَى قَدْرِ مِسَاحَاتِهَا وَجَرَيَانِهَا وَمِنْهُمْ من قسطها على قدر مساحة وجوه الأرضين الَّتِي عَلَى النَّهْرِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وقول أصحابه لأن مؤنة الْحَفْرِ تَزِيدُ بِطُولِ مِسَاحَةِ الْوَجْهِ الَّذِي عَلَى النَّهْرِ، وَتَقِلُّ بِقِصَرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا بِهِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا تَطَوَّعَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فِي الْبِئْرِ أَوِ النَّهْرِ، بِحَفْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ بَاقِي شُرَكَائِهِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالسَّقْيِ مِنْهُ عَلَى مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ مِنْ قَبْلُ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِيهِ.
وَإِنْ تَفَرَّدَ هَذَا بِآثَارِ الْحَفْرِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ آلَةٌ قَدْ نَصَبَهَا لاستسقاء الماء كالرشا ودلو عَلَى بِئْرٍ أَوْ دُولَابٍ وَبَكَرَةٍ عَلَى بِئْرٍ فَلَهُ مَنْعُ شُرَكَائِهِ مِنَ الِاسْتِسْقَاءِ بِآلَتِهِ، لِأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ لَا حَقَّ فِيهَا لِغَيْرِهِ.
فَإِذَا أَرَادُوا تَعْلِيقَ رِشَا وَدَلْوٍ، أَوْ نَصبَ دُولَابٍ وَبَكَرَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَنْعًا مِنَ اسْتِسْقَاءِ الْمَاءِ الَّذِي هُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ.
فَإِنْ كَانَتِ الْبِئْرُ لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا رِشَا وَدَلْوًا وَاحِدًا قِيلَ لَهُ أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تُمَكِّنَهُمْ مِنَ السَّقْيِ بِرِشَاكَ وَدَلْوِكَ، وَبَيْنَ أَنْ تَرْفَعَ رِشَاكَ وَدَلْوَكَ عِنْدَ اكْتِفَائِكَ لِيَنْصِبُوا لِأَنْفُسِهِمْ رِشَا وَدَلْوًا، فَإِنْ رَضِيَ بِتَمْكِينِهِمْ مِنَ السَّقْيِ بِرِشَاهُ، وَدَلْوِهِ.
وَأَبَوْا أَنْ يَسْقُوا إِلَّا بِرِشَاهُمْ وَدَلْوِهِمْ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَمْ فِي وَضْعِ دَلْوِهِمْ وَرِشَاهُمْ وَلَمْ يَلْزَمْهُمُ الِاسْتِقَاءُ بَدَلْوِهِ وَرِشَاهُ، لِأَنَّهَا عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْتِزَامُ ضمانها.
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الدعوى والبينات على كتاب اختلاف أَبِي حَنِيفَةَ: " فَإِذَا أَفَادَ صَاحِبُ السُّفْلِ مَالًا أَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ فِي السُّفْلِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قُلْتُ أَنَا الْأَوَّلُ أَوْلَى بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الثَّانِي مُتَطَوِّعٌ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يُرَاضِيَهُ عَلَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا كِتَابُ الدَّعْوَى عَلَى كِتَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَمِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا قَالَهُ فِيهِ، فَذَهَبَ الْمُزَنِيُّ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّهُ أَجْبَرَ فِيهِ عَلَى الْبِنَاءِ وَالْمُحَافَرَةِ، كَمَا أَجْبَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ.
فَصَارَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ وُجُوبَ الْمُبَانَاةِ وَالْمُحَافَرَةِ.
فَإِنْ أُعْسِرَ بِهَا الْمُمْتَنِعُ وَأَنْفَقَ الطَّالِبُ، رَجَعَ عَلَيْهِ عِنْدَ يَسَارِهِ بِمَا أَنْفَقَ إِذَا كَانَ قَدْ أَنْفَقَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْإِجْبَارَ عَلَى الْمُبَانَاةِ وَالْمُحَافَرَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ مَعَ سُقُوطِ الْإِجْبَارِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ السُّفْلِ قَدْ أَذِنَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ، فَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ عِنْدَ يَسَارِهِ، بِمَا أَنْفَقَ، لِأَنَّهُ أَنْفَقَ بِإِذْنِهِ وَنَائِبًا عَنْهُ.
أَوْ يَكُونَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ اتَّفَقَا عَلَى الْهَدْمِ لِيَبْنِيَا ذَلِكَ مِنْ بَعْدُ، فَإِذَا هَدَمَاهُ أُجْبِرَ صَاحِبُ السُّفْلِ عَلَى الْبِنَاءِ، قَوْلًا وَاحِدًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ كَانَ يُخْرِجُ الْإِجْبَارَ فِي هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ كَالَّذِي مَضَى، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا، لِأَنَّهُمَا لَمَّا اصْطَلَحَا عَلَى الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ صَارَ الْبِنَاءُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ الَّذِي الْتَزَمَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ لِيَفِيَ بِشَرْطِهِ.
فَلَوْ أُعْسِرَ بِالْبِنَاءِ، كَانَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ لِيَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ بِمَا أَنْفَقَ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ، فَيَكُونُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى عَلَى أبي حنيفة هُوَ مَا ذَكَرْنَا.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخْلَةٌ أَوْ شَجَرَةٌ فَاسْتَعْلَتْ وَانْتَشَرَتْ أَغْصَانُهَا عَلَى دَارِ رَجُلٍ فَعَلَيْهِ قَطْعُ مَا شَرَعَ فِي دَارِ غَيْرِهِ فَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى تَرْكِهِ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا كَانَ فِي دَارِ رَجُلٍ نَخْلَةٌ أَوْ شَجَرَةٌ، فَاسْتَعْلَتْ أَغْصَانُهَا وَانْتَشَرَتْ إِلَى دَارِ جَارِهِ، وَطَالَبَهُ الْجَارُ بِإِزَالَةِ مَا انْتَشَرَ فِي دَارِهِ مِنَ الْأَغْصَانِ فَذَلِكَ لَهُ.
وَعَلَى صَاحِبِ الشَّجَرَةِ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى إِزَالَةِ ذَلِكَ عَنْهُ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ دَارًا مَلَكَ الِارْتِفَاقَ بِعُلُوِّهَا وَالْهَوَاءَ فِيهَا، فَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ إِسْقَاطُ حَقِّهِ فَإِنْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ يَابِسَةً، قَطَعَ الْأَغْصَانَ الْمُنْتَشِرَةَ عَنْهَا.
وَإِنْ كَانَتْ رَطْبَةً ثَنَاهَا وَشَدَّهَا إِلَى الشَّجَرَةِ أَوْ قَطَعَهَا إِنْ شَاءَ.
فَإِنْ بَادَرَ صَاحِبُ الدَّارِ فَقَطَعَ مَا انْتَشَرَ فِي دَارِهِ مِنَ الْأَغْصَانِ، فَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً لَا تَنْثَنِي جَازَ وَلَمْ يَضْمَنْ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ يُضَمَّنُ إِذَا قَطَعَهَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ اتِّفَاقًا فَلَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِيهِ مُؤَثِّرًا.
فَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْأَغْصَانُ رَطْبَةً فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الشَّجَرَةِ بِقِطَعِ الْغُصْنِ مِنْهَا، لِأَنَّ قَطْعَهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عنه بأن يثني الغصن إلى الشجرة ويشد مَعَهَا فَصَارَ يَقْطَعُهُ مُتَعَدِّيًا،.
فَإِنْ طَالَبَ صَاحِبُ الْغُصْنِ أَنْ يُصَالِحَهُ الْجَارُ عَلَى تَرْكِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْغُصْنُ فِي الْهَوَاءِ لَمْ يَسْتَنِدْ عَلَى حَائِطِهِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزِ الصُّلْحُ وَكَانَ بَاطِلًا.
لِأَنَّهُ صُلْحٌ عَلَى الْهَوَاءِ، وَالصُّلْحُ عَلَى الْهَوَاءِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ فَلَمْ يَجُزْ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ كَالْمَرَافِقِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْغُصْنُ قَدِ اسْتَنَدَ عَلَى حَائِطِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْغُصْنُ يَابِسًا فَالصُّلْحُ عَلَى إِقْرَارِهِ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى وَضْعِ جِزْعٍ فِي حَائِطِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْغُصْنُ رَطْبًا فَفِي الصُّلْحِ عَلَى إِقْرَارِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورِ الْبَغْدَادِيِّينَ إِنَّ الصُّلْحَ عَلَى إِقْرَارِهِ بَاطِلٌ، لأنه ينمى مَعَ الْأَوْقَاتِ فَصَارَ صُلْحًا عَلَى مَجْهُولٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصُّلْحَ عَلَيْهِ جَائِزٌ، وَيَكُونُ مَا حَدَثَ فِيهِ مِنَ النَّمَاءِ تَبَعًا لَا يَبْطُلُ بِالْجَهَالَةِ، كَمَا لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِجَهَالَةِ مَا كَانَ تَبَعًا لَهُ مِنَ الْمَرَافِقِ وَالْأَسَاسِ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ.
(فَصْلٌ)
إِذَا غَرَسَ الرَّجُلُ غَرْسًا فِي أَرْضِهِ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْغَرْسَ إِذَا كَبُرَ وَطَالَ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُهُ إِلَى دَارِ الْجَارِ، لَمْ يَكُنْ لِلْجَارِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقَلْعِهِ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ قَلْعَ الْأَغْصَانِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي دَارِهِ وَلَيْسَتْ فِي الْحَالِ مَوْجُودَةً.
وَقَدْ لَا تُوجَدُ مِنْ بَعْدُ، وَإِنْ وُجِدَتْ فَقَدْ يَزُولُ مِلْكُ الْجَارِ فِيمَا بَعْدُ.
وَهَكَذَا لَوْ أَرَادَ حَفْرَ بِئْرٍ فِي أَرْضِهِ، وَكَانَتْ تَصِلُ نَدَاوَةُ الْبِئْرِ إِلَى حَائِطِ جَارِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ حَفْرِهَا، لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِهِ، كَمَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ وَقُودِ النَّارِ وَإِنْ تَأَذَّى بِالدُّخَانِ.
(فَصْلٌ)
إِذَا مَالَ حَائِطُ الرَّجُلِ إِلَى دَارِ جَارِهِ، فَطَالَبَهُ الْجَارُ بِإِزَالَةِ الْمَيْلِ عَنْ دَارِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَعَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَهْدِمَهُ لِيَزُولَ الْمَيْلُ.
أَوْ يَهْدِمَ مِنْهُ الْقَدْرَ الْمَائِلَ.
لِيَتَصَرَّفَ الْجَارُ فِي هَوَاءِ دَارِهِ كُلِّهِ.
وَلَوْ كَانَ مَيْلُ الْحَائِطِ إِلَى دَارِ صَاحِبِهِ، وَكَانَ الْجَارُ خَائِفًا مِن انْهِدَامِهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْ هَدْمُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ حَقًّا وَلَا أتلف عليه ملكا، وانهدامه في الثاني مضنون وَقَدْ لَا يَكُونُ.
(فَصْلٌ)
حَكَى أَبُو بَكْرِ بن إدريس عن أبي حامد المروروذي أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ سُئِلَ عَنْ شَجَرَةِ الْأُتْرُجِّ إِذَا انْتَشَرَتْ أَغْصَانُهَا إِلَى مِلْكِ رَجُلٍ، وَدَخَلَ رَأَسُ الْغُصْنِ فِي بَرْنِيَّةٍ لَهُ وَانْعَقَدَتْ فِيهِ أُتْرُجَّةٌ وَكَبُرَتْ، وَلَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُهَا إِلَّا بقطع الغصن والأترجة أو كسر البرنية ما الْوَاجِبُ؟
فَقَالَ الْوَاجِبُ قَطْعُ الْغُصْنِ وَالْأُتْرُجَّةِ لِتَسْلَمَ الْبَرْنِيَّةُ، لِأَنَّ الْغُصْنَ لَمَّا شَرَعَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ كَانَ مَأْخُوذًا بِإِزَالَتِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُزِلْهُ صَارَ مُسْتَعْدِيًا بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَ تَعَدِّيهِ.
وَيَكُونُ الْقَطْعُ الْمُتَقَدِّمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ صَاحِبِ الْبَرْنِيَّةِ تَعَدٍّ فِي وَضْعِهَا فِي مِلْكِهِ.
فَقِيلَ لِأَبِي حَامِدٍ مَا تَقُولُ فِي الْبَرْنِيَّةِ إِذَا كَانَتْ وَدِيعَةً.
فِي بَيْتِ رَجُلٍ، فَوَضَعَهَا فِي سَطْحِهِ حَتَّى وَقَعَتْ فِيهَا أُتْرُجَّةٌ مِنْ غُصْنِ جَارِهِ فَقَالَ: يَقْطَعُ الْأُتْرُجَّةَ لِتَسْلَمَ الْبَرْنِيَّةُ.
لِأَنَّ قَطْعَ الْغُصْنِ قَدْ كَانَ مُسْتَحَقًّا مِنْ قَبْلُ.
وَذَلِكَ أَسْبَقُ مَنْ وَضْعِ الْبَرْنِيَّةِ، فَقِيلَ لَهُ فَمَا تَقُولُ إِنْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ فِي دَارِهِ وَالْبَرْنِيَّةُ فِي يَدِهِ قَالَ يُقْطَعُ الْغُصْنُ أَيْضًا لِتَسْلَمَ الْبَرْنِيَّةُ.
لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِوَضْعِ الْبَرْنِيَّةِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ غُصْنُ الشَّجَرَةِ فِيهَا.
فَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي حَيَوَانٍ بَلَعَ لُؤْلُؤَةً.
قَالَ لَا آمُرُ بِذَبْحِهِ وَأَتْرُكُهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ خَيْطًا وَخَاطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ لَمْ يُكَلَّفِ الرَّدَّ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ أَوْ عَلَى دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِالْقَبْضِ فَإِنْ قَبَضَ بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ جَازَ فِيمَا قَبَضَ وَانْتُقِضَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ إِذَا رَضِيَ بِذَلِكَ الْمُصَالِحُ الْقَابِضُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ فَاعْتَرَفَ بِهَا وَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ إِذَا تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ.
لِأَنَّ أَخْذَ الدَّرَاهِمِ عِوَضًا عَنِ الدَّنَانِيرِ صَرْفٌ يَلْزَمُ فِيهِ التَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ
وَهَذَا يُوَافِقُنَا عَلَيْهِ أبو حنيفة فَلَزِمَهُ أَنْ يَجْعَلَ الصُّلْحَ مُعَاوَضَةً يَبْطُلُ بِالْإِنْكَارِ.
وَلَوْ كَانَ لِإِسْقَاطِ الْخُصُومَةِ حَتَّى يَجُوزَ مَعَ الْإِنْكَارِ لَجَازَ فِيهِ إِسْقَاطُ حُكْمِ الرِّبَا وَإِنْ تَقَابَضَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَقَابَضَا جَمِيعَ الْأَلْفِ قَبْلِ الِافْتِرَاقِ فَقَدِ انْتَجَزَ الصُّلْحُ وَانْبَرَمَ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ بِالدَّنَانِيرِ وَاسْتَوْفَى مَا تَضَمَّنَهُ عَقْدُ الصُّلْحِ مِنَ الدَّرَاهِمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَيَعُودُ الْمُصَالِحُ إِلَى حَقِّهِ مِنَ الدَّنَانِيرِ فَيُطَالِبُ بِهَا دُونَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَقَابَضَا بَعْضَ الدَّرَاهِمِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَيَبْقَى بَعْضُهَا فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ.
فَأَمَّا فِي الْمَقْبُوضِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّ الْفَسَادَ الطَّارِئَ بَعْدَ الْعَقْدِ بمثابة الفساد المقترن بالعقد، يكون الصُّلْحُ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ لِبُطْلَانِهِ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ.
وَعَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا إِنَّ الْفَسَادَ الطَّارِئَ بَعْدَ الْعَقْدِ مُخَالِفٌ لِمَا فَارَقَ الْعَقْدَ.
وَإِنَّ فَسَادَ بَعْضِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الصَّفْقَةُ بِمَا يَأْتِي مِنَ الْفَسَادِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ مَا بَقِيَ إِذَا عَرِيَ عَنِ الْفَسَادِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الصُّلْحُ فِي الْمَقْبُوضِ جَائِزًا قَوْلًا وَاحِدًا.
ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْمُصَالَحِ فَإِنْ كَانَ مَا اخْتَارَ الْفَسْخَ عِنْدَ فِرَاقِهِ قَبْلَ قَبْضِ الْبَقِيَّةِ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي الْفَسْخِ لِأَنَّ فِرَاقَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْبَاقِي رِضًى مِنْهُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهَا بَعْدَ التَّرَاضِي.
وَإِنْ كَانَ أَنْكَرَ فِرَاقَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْبَاقِي فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ أَوْ يَفْسَخَ فَإِنْ فَسَخَ رَدَّ مَا قَبَضَ وَطَالَبَ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ.
وَإِنْ أَقَامَ فَعَلَى طَرِيقَةِ أَبِي إِسْحَاقَ يَجْعَلُ فِيمَا يَأْخُذُ بِهِ الْمَطْلُوبَ الْمَقْبُوضَ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَأْخُذُهُ بِكُلِّ الدَّنَانِيرِ.
وَالثَّانِي: بِالْحِسَابِ وَالْقِسْطِ.
وَعَلَى طَرِيقَةِ غَيْرِهِ يُجْعَلُ الْمَقْبُوضُ مَأْخُوذًا بحسابه وقسطه قولا واحدا.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا صَالَحَهُ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى نِصْفِهَا فَهَذَا حَطِيطَةٌ وَإِبْرَاءٌ يَجُوزُ أَنْ يُفَارِقَهُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ.
لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِبْرَاءِ لَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى قَبْضِ مَا بَقِيَ.
(فَصْلٌ)
وَلَوْ صَالَحَهُ مِنَ الْمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ فَفِي اسْتِحْقَاقِ قَبْضِهِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّ وَيَجُوزُ الِافْتِرَاقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
لِأَنَّهُ لَا رِبَا فِي بَيْعِ الدَّنَانِيرِ بِثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَحِقُّ وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ فِيهِ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْقَبْضِ فِيهِ يَجْعَلُهُ بَيْعَ دَيْنٍ بدين.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ فِي دَارٍ فِي أيديهم يحق لِرَجُلٍ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ وَالْوَارِثُ الْمُقِرُّ مُتَطَوِّعٌ لَا يَرْجِعُ عَلَى إِخْوَتِهِ بِشَيْءٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ دَارًا عَلَى وَرَثَتِهِ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الدَّارَ لَهُ وَأَنَّ الْمُتَوَفَّى كَانَ قَدْ أَخَذَهَا مِنْهُ إِمَّا بِغَصْبٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَةٍ فَصَدَّقَهُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ عَلَى دَعْوَاهُ وَأَقَرَّ لَهُ بِالدَّارِ وَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مَالٍ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ مِنَ الدَّارِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى جَمِيعِ الدَّارِ عَنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ جَمِيعِ الدَّارِ لِنَفْسِهِ.
فَإِنْ صَالِحَهُ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ صَحَّ الصُّلْحُ فِيهَا وَكَانَ الْمُدَّعِي عَلَى مُطَالَبَتِهِ بَاقِي الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِبَاقِي الْوَرَثَةِ شُفْعَةٌ فِيمَا صَالَحَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمْ بِإِنْكَارِ الدَّعْوَى مُعْتَرِفُونَ بِإِبْطَالِ الصُّلْحِ وَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ لَهُمُ الشُّفْعَةَ فِيمَا صَالَحَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ لَا بِالْإِرْثِ.
وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى جَمِيعِ الدَّارِ عَنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ صَحَّ الصُّلْحُ إِنْ كَانَ بِإِذْنِهِمْ وَفِي حِصَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَجْهَانِ مَضَيَا فِيمَنْ صَالَحَ عَنْ غَيْرِهِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ أَيْضًا وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ فَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ فِي حِصَصِ بَاقِي الْوَرَثَةِ وَهَلْ يَبْطُلُ فِي حِصَّةِ الْمُصَالِحِ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ جَمِيعِ الدَّارِ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ مَنِ ابْتَاعَ دَارًا بَعْضُهَا فِي يَدِهِ وَبَعْضُهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى انْتِزَاعِ ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ صَحَّ الصُّلْحُ فِي الْجَمِيعِ.
وَإِلَّا بَطَلَ الصُّلْحُ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ.
وَهَلْ يَبْطُلُ فِيمَا بيده على قولين.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بَيْتًا فِي يَدَيْهِ فَاصْطَلَحَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لأحدهما سطحه والبناء على جدرانه بناء معلوم فَجَائِزٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قُلْتُ أَنَا لَا يَجُوزُ أَقِيسُ عَلَى قَوْلِهِ فِي إِبْطَالِهِ أَنْ يُعْطَى رَجُلٌ مَالًا عَلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي بِنَائِهِ حَقًّا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ عَلَى جُدْرَانِهِ بِنَاءً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِمَسْطُورِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِي رَجُلٍ ادَّعَى بَيْتًا فِي يَد رَجُلٍ فَأَقَرَّ لَهُ صَاحِبُ الْيَدِ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ صالح المقر بِأَنْ وَهَبَ لَهُ عُلُوَّ الْبَيْتِ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ بِنَاءً مَعْلُومًا فَهَذَا جَائِزٌ وَيَكُونُ صُلْحَ هِبَةٍ لَا صُلْحَ عَلَى مُعَاوَضَةٍ فَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْمَسْأَلَةُ تَقَدَّمَتْ مَعَ بَيَانِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِي رَجُلٍ ادَّعَى بَيْتًا فِي يَدي رَجُلٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِسُفْلِ الْبَيْتِ دُونَ عُلُوِّهِ.
ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى السُّفْلِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِالْعُلُوِّ الَّذِي لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِيَبْنِيَ عَلَى الْعُلُوِّ بِنَاءً مَعْلُومًا.
[فهذا صلح جائز لأنه بيع سفل يعلو لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ بِنَاءً مَعْلُومًا فَيَكُونُ صُلْحَ مُعَاوَضَةٍ] فَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قول أبي الطيب ابن سَلَمَةَ إِنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِيمَنِ ادَّعَى بَيْتًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ فَاعْتَرَفَ لَهُ بِجَمِيعِهِ ثُمَّ إِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ تَرَكَ لِلْمُقِرِّ سُفْلَ الْبَيْتِ تَرْكَ إِبْرَاءٍ لِيَبْنِيَ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الْعُلُوِّ بِنَاءً مَعْلُومًا.
فَهَذَا صُلْحٌ جَائِزٌ وَيَكُونُ صُلْحَ حَطِيطَةٍ وَإِبْرَاءٍ فَهَذَا قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ مَنَعَ جَوَازَ الصُّلْحِ عَلَى سَقْفِ بَيْتِهِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ بِنَاءً مَعْلُومًا كَمَا لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى إِخْرَاجِ جَنَاحٍ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا وَهَذَا خَطَأٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَمْنَعُ مِنْ تَسَاوِي حُكْمِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى إِخْرَاجِ الْجَنَاحِ صُلْحٌ عَلَى الْهَوَاءِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ بِهِ عِوَضًا.
وَالصُّلْحُ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى السَّقْفِ صُلْحٌ عَلَى مَمْلُوكٍ فَجَازَ أَنْ يُمْلَكَ بِهِ عِوَضًا كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى الْبِنَاءِ فِي قرار أرضه.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوِ اشْتَرَى عُلُوَّ بَيْتٍ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ عَلَى جُدْرَانِهِ وَيَسْكُنَ عَلَى سَطْحِهِ أَجَزْتُ ذَلِكَ إذا سمينا مُنْتَهَى الْبُنْيَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْأَرْضِ فِي احْتِمَالِ مَا يُبْنَى عَلَيْهَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا عِنْدِي غَيْرُ مَنْعِهِ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي أَنْ يَقْتَسِمَا دَارًا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا السُّفْلُ وَلِلْآخَرِ الْعُلُوُّ حَتَّى يَكُونَ السُّفْلُ وَالْعُلُوُّ لِوَاحِدٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عُلُوَّ بَيْتٍ دُونَ سُفْلِهِ.
وَمَنَعَ أبو حنيفة مِنْ إِفْرَادِ الْعُلُوِّ بِالْعَقْدِ دُونَ السُّفْلِ لِأَنَّ الْعُلُوَّ تَبَعٌ يَجْرِي مَجْرَى الْمَرَافِقِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْعُلُوَّ عَيْنٌ مَمْلُوكَةٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فَجَازَ أَنْ يُفْرَدَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ كَالسُّفْلِ.
وَلِأَنَّ الْبِنَاءَ تَبَعٌ لِلْعَرْصَةِ فِي الْبَيْعِ وَيَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ وَكَذَلِكَ الْعُلُوُّ وَهَذَا دَلِيلٌ وَانْفِصَالٌ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ بِيعِ الْعُلُوِّ مُنْفَرِدًا دُونَ السُّفْلِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا إِذَا تَبَايَعَاهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَا فِي الْعَقْدِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَا الْعَقْدَ.
فَإِنِ اشْتَرَطَا أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الشَّرْطِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَا عَلَيْهِ بِنَاءً مَعْلُومًا بِصِفَاتِهِ طُولًا وَعَرْضًا وَيَصِفَانِ آلَتَهُ آجُرٌّ وَجَصٌّ وَلَبِنٌ وَطِينٌ فَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ وَشَرْطٌ لَازِمٌ.
وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَلَا لِلْبَائِعِ الْمَنْعُ مِنْهُ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ يَبْنِيَ مَا شَاءَ فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ لِلْجَهَالَةِ بِهِ وَبَيْعٌ بَاطِلٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ بُطْلَانِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ.
وَخَالَفَ الْأَرْضَ إِذَا عَاوَضَهُ عَلَى الْبِنَاءِ فِيهَا.
لِأَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَمِلُ مَا يُبْنَى عَلَيْهَا فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرِهِ بِالشَّرْطِ.
وَالْعُلُوُّ لَا يَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا إِلَى حَدٍّ مُقَدَّرٍ فَافْتَرَقَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَا الْبِنَاءَ وَلَا يَشْتَرِطَا قَدْرَهُ وَلَا وَصَفَا طُولَهُ وَعَرْضَهُ بَلْ يَكُونُ الشَّرْطُ مُطْلَقًا فَفِي الشَّرْطِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَازِمٌ وَيَبْنِي عَلَيْهِ مَا احْتَمَلَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَقَدَّرُ عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِالْمُعْتَادِ الْمَأْلُوفِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى تَقْدِيرِهِ بِالشَّرْطِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْعَادَاتِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ وَأَهْلُ الْخِبْرَةِ لَا يَتَّفِقُونَ فِيهِ وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْحَالِ وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْبَيْعُ بَاطِلًا.
لِفَسَادِ مَا ضُمِّنَ مِنَ الشَّرْطِ فَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ إِذَا تَبَايَعَاهُ بِشَرْطِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إِذَا تَبَايَعَاهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَيْهِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَسْكُنَ فِيهِ وَيَرْتَفِقَ بِهِ كَيْفَ شَاءَ بَعْدَ أَنْ لَا يَبْنِيَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ صَحَّ هَذَا الْعَقْدُ وَقَدْ تَضَمَّنَهُ شَرْطٌ أَوْقَعَ عَلَيْهِ حَجْرًا فِي مِلْكِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَرْضًا عَلَى أَنْ لَا يَبْنِيَ فِيهَا.
قِيلَ الشَّرْطُ لَمْ يَتَضَمَّنْ حَجْرًا فِيمَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ.
وَإِنَّمَا تَضَمَّنَ الْمَنْعَ مِنْ إِحْدَاثِ مَا لَيْسَ عَلَى مِلْكِهِ فِي الْحَالِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعُلُوِّ حَيْثُ جَازَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْأَرْضِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ
بَيْعُهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْنِيَ فِيهَا أَنَّ الْأَرْضَ الْمَبِيعَةَ لَمْ يَبْقَ لِلْبَائِعِ فِيهَا حَقٌّ.
وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِالْبُنْيَانِ فِيهَا ضَرَرٌ فَبَطَلَ الْعَقْدُ فِيهَا بِاشْتِرَاطِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعُلُوُّ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الْبَائِعِ وَفِي الْبِنَاءِ عَلَيْهِ إِضْرَارٌ بِهِ فَصَارَ الشَّرْطُ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِحَقِّهِ فَافْتَرَقَا.
فَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ إذا شرط أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إِذَا تَبَايَعَاهُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ شَرْطٍ فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَبْنِي عَلَيْهِ مَا احْتَمَلَهُ.
لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مِنْ مَنَافِعِ مِلْكِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ لَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالسُّفْلِ وَتَكُونُ مَنْفَعَتُهُ مَقْصُورَةً عَلَى السُّكْنَى وَالِارْتِفَاقِ بِمَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ زِيَادَةٍ.
فَأَمَّا الْبَيْعُ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا لَازِمٌ وَإِنَّمَا الْوَجْهَانِ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى إِبْطَالِ بَيْعِ الْعُلُوِّ مُفْرَدًا عَنِ السُّفْلِ كَقَوْلِ أبي حنيفة.
وَتَعَلُّقًا بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الصُّلْحِ عَلَى إِشْرَاعِ الْجَنَاحِ الَّذِي قَدْ مَضَى الِانْفِصَالُ عَنْهُ.
ثُمَّ لِمَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ قِسْمَةِ دَارٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا سُفْلُهَا وَلِلْآخَرِ عُلُوُّهَا.
فَجَعَلَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْعُلُوَّ لَا يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُزَنِيُّ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا مَنَعَ مِنْ قِسْمَةِ الدَّارِ أَنْ يَكُونَ عُلُوُّهَا لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَسُفْلُهَا لِلْآخَرِ إِجْبَارًا أَوْ كُرْهًا.
لِأَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ تُوجِبُ تَعْدِيلَ الْمِلْكِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ لِيَكُونَ شَطْرُ الدَّارِ عُلُوًّا وَسُفْلًا لِأَحَدِهِمَا وَشَطْرًا لِلْآخَرِ بِقَدْرِ السِّهَامِ فِي الْمِلْكِ.
فَأَمَّا إِذَا تَرَاضَيَا الشَّرِيكَانِ بِقِسْمَةِ الدَّارِ عَلَى أَنْ يَكُونَ سُفْلُهَا لِأَحَدِهِمَا وَعُلُوُّهَا لِلْآخَرِ جَازَ.
وَالصُّلْحُ إِنَّمَا هُوَ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ لَا يَصِحُّ مَعَ الْإِجْبَارِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُعْتَبَرَ فيه قسمة الإجبار.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَتْ مَنَازِلُ سُفْلٍ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَالْعُلُوُّ فِي يَدَيْ آخَرَ فَتَدَاعَيَا الْعَرْصَةَ فَهِيَ بَيْنَهُمَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
وَصُورَتُهَا أَنْ يَكُونَ عُلُوُّهَا لِرَجُلٍ وَسُفْلُهَا لِغَيْرِهِ وَاخْتَلَفَا فِي عَرْصَةِ الدَّارِ فَادَّعَاهَا صَاحِبُ السُّفْلِ وَقَالَ هِيَ لِي وَادَّعَاهَا صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَقَالَ هِيَ لِي، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَرْصَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا مَمَرٌّ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَوْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا مَمَرٌّ.
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ مَمَرٌّ وَاسْتِطْرَاقٌ لِأَنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى عُلُوِّهِ بَعْدَ اجْتِيَازِهِ فِيهَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ يَتَحَالَفَا عَلَيْهَا.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَصَرِّفٌ فِيهَا فَصَارَتْ بِأَيْدِيهِمَا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ مَمَرٌّ وَلَا لَهُ فِيهَا اسْتِطْرَاقٌ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ محولة عن ممره وموضع استطراقه بِبَابٍ أَوْ بِنَاءٍ كَدَوَاخِلِ الْبُيُوتِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ لَا يَخْتَلِفُ لِأَنَّهُ قَدْ تَفَرَّدَ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ فَصَارَ مُنْفَرِدًا بِالْيَدِ عَلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِمَمَرِّهِ وَمَوْضِعِ اسْتِطْرَاقِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ دُونَهُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَمَرُّهُ فِي بَعْضِ الصَّحْنِ وَبَاقِيهِ مُتَّصِلٌ بِهِ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ اسْتِطْرَاقٌ فِيهِ.
فَالْقَدْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ مَمَرًّا أَوِ اسْتِطْرَاقًا يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَمَا وَرَاءَهُ مِمَّا لَا حَقَّ لَهُ فِي اسْتِطْرَاقِهِ وَلَا حَائِلَ دُونَهُ فِيهِ وَجْهَانِ: -
أَصَحُّهُمَا: يَكُونُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ لِتَفَرُّدِهِ بِالْيَدِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ إِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا.
لِاتِّصَالِهِ بِمَا هَذَا حُكْمُهُ.
وَمِنْ هذين الوجهين مضى تخريج الوجهين في عرضة الزقاق المرفوع.
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ كَانَ فِيهَا دَرَجٌ إِلَى عُلُوِّهَا فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ كَانَتْ مَعْقُودَةً أَوْ غَيْرَ مَعْقُودَةٍ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ مَمَرًّا وَإِنِ انْتُفِعَ بِمَا تَحْتَهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا اخْتَلَفَ صَاحِبُ السُّفْلِ وَصَاحِبُ الْعُلُوِّ فِي دَرَجَةٍ فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَهَا مِرْفَقٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَمْ لَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهَا مِرْفَق لِصَاحِبِ السُّفْلِ بَلْ كَانَتْ صَمَّاءَ فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ لِأَنَّهَا لَا تُتَّخَذُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِلَّا مَمَرًّا فَصَارَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ أَحَقَّ بِهَا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا وَالْيَدِ عَلَيْهَا.
فَكَانَ أَحَقَّ بِهَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا مِرْفَقٌ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِرْفَقًا كَامِلًا كَبَيْتٍ أَوْ خِزَانَةٍ تَصْلُحُ لِلسُّكْنَى أَوْ إِحْرَازِ الْقِيَاسِ فَتَكُونُ الدَّرَجَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
كَالسَّقْفِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا تَصَرُّفًا وَلَهُ عَلَيْهَا يَدًا فَصَارَا فِيهَا سَوَاءً.
إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ مُخْتَصٌّ بِالتَّصَرُّفِ فِي سُفْلِهَا وَالِارْتِفَاقِ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ الصُّعُودُ عَلَيْهَا.
وَصَاحِبُ الْعُلُوِّ مُخْتَصٌّ بِالصُّعُودِ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا تَحْتَهَا.
كَالسَّقْفِ الْمَجْعُولِ بَيْنَ صَاحِبِ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ لَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ إِلَّا بِمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمِرْفَقُ نَاقِصًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَهَا رَفٌّ أَوْ مَوْضِعُ جُبٍّ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْتًا كَامِلًا فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَالْبَيْتِ لِارْتِفَاقِهِمَا بِهَا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهَا أَكْمَلُ وَيَدَهُ عَلَيْهَا أقوى وهذا قول أبي حامد.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ زَرْعًا فِي أَرْضٍ فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى دَرَاهِمَ فَجَائِزٌ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ زَرْعَهُ أَخْضَرَ مِمَّنْ يَقْصِلُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ زَرْعٌ فِي أَرْضٍ ادَّعَاهُ مُدَّعٍ فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ وَصَالَحَهُ عَلَيْهِ بِمَالٍ بَذَلَهُ لَهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الزَّرْعِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُها: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِحَالٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِكُلِّ حَالٍ كَالزَّرْعِ إِذَا اشْتَدَّ وَكَانَ بَارِزَ الْحَبِّ كَالشَّعِيرِ فَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا مُطْلَقًا وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ كَمَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُفْرَدًا بِحَالٍ كَالْبَذْرِ قَبْلَ نَبَاتِهِ وَمَا اشْتَدَّ مِنَ الزَّرْعِ إِذَا كَانَ مَسْتُورًا فِي أَكْمَامِهِ كَالْحِنْطَةِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ كَمَا أَنَّ بَيْعَهُ بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَإِنْ صَالَحَ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ صَحَّ الصُّلْحُ.
وَإِنْ صَالَحَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْأَرْضِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلْمُصَالِحِ بَاذِلِ الْمَالِ أَوْ لَا تَكُونَ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ لَهُ بَطَلَ صُلْحُهُ عَلَى الزَّرْعِ بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ كَمَا يَبْطُلُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ لَهُ فَفِي صُلْحِهِ وَجْهَانِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ فَصَارَ كَمُشْتَرِي الزَّرْعِ مَعَ الْأَرْضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ بَاطِلٌ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ الْقَطْعُ لِأَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ قَدِ انْفَرَدَ بِالزَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ تَبَعًا لِمَا لَمْ يَدْخُلِ فِيهِ مِنَ الْأَرْضِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ الزَّرْعِ لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَسَّمَ الزَّرْعُ أَخْضَرَ وَلَا يُجْبَرُ شَرِيكُهُ عَلَى أَنْ يَقْلَعَ مِنْهُ شَيْئًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
وَإِذَا كَانَ الزَّرْعُ فِي يَدَيْ رَجُلَيْنِ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَصَالَحَهُ الْمُصَدِّقُ عَلَى نِصْفِهِ بِمَالٍ فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ.
كَسُنْبُلِ الشَّعِيرِ وَمَا بَرَزَ مِنَ الْحُبُوبِ الْمُشْتَدَّةِ جَازَ الصُّلْحُ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ اشْتِرَاطُ الْقَطْعِ فِيهِ كَالزَّرْعِ الَّذِي هُوَ بَقْلٌ لَمْ يَشْتَدَّ نُظِرَ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ لِلْمُقِرِّ الْمُصَالِحِ فَهَذَا الصُّلْحُ بَاطِلٌ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَطْعِ فِي نِصْفِ الزَّرْعِ مُشَاعًا غَيْرُ مُمْكِنٍ وَقِسْمَتُهُ لَا تَلْزَمُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ لِلْمُقِرِّ الْمُصَالِحِ فَفِي صِحَّةِ الصُّلْحِ وَجْهَانِ:
إِنْ قِيلَ إِنَّ اشْتِرَاطَ الْقَطْعِ فِيهِ لَازِمٌ بَطَلَ الصُّلْحُ لِتَعَذُّرِ اشْتِرَاطِهِ فِيهِ وَإِنْ قِيلَ إِنَّ اشْتِرَاطَ الْقَطْعِ فِيهِ غَيْرُ لَازِمٍ صَحَّ الصُّلْحُ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الزَّرْعُ كُلُّهُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَقَرَّ لِمُدَّعِيهِ بِنِصْفِهِ وَصَالَحَهُ عَلَيْهِ كَانَ الصُّلْحُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ بُطْلَانِهِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ لَهُ وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ لَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُصَالِحًا عَلَى نِصْفِهِ مُشَاعًا فَتَعَذَّرَ اشْتِرَاطُ قَطْعِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وهو حسبي.
(كتاب الحوالة)
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا اتبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْحَوَالَةِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
فَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ رَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْهَا طَرِيقَيْنِ وَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ الثَّالِثَ.
أَحَدُهَا: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ".
وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) .
وَالثَّالِثُ: تَفَرَّدَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ، فَرَوَاهُ أَبُو بِشْرِ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ " وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فِيمَا نَحْكِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيمَا بَعْدُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْحَوَالَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ بِمُحِيلٍ، وَمُحْتَالٍ، وَمُحَالٍ عَلَيْهِ وَمُحَالٍ بِهِ.
فَأَمَّا الْمُحِيلُ، فَهُوَ الَّذِي كَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِ، فَنَقَلَهُ بِالْحَوَالَةِ إِلَى ذِمَّةِ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا لِنَقْلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا لِأَنَّ رِضَاهُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، لِأَنَّ
الْحَقَّ إِذَا لَزِمَهُ فَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ لَا نَقْلُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا سُئِلَ نَقْلَ الحق إلى عين يعطها بَدَلًا مِنَ الْحَقِّ لَمْ يَلْزَمْهُ وَكَذَا لَوْ سُئِلَ نَقْلَهُ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى لَمْ يَلْزَمْهُ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْمُحْتَالُ فَهُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى وَرِضَاهُ بِنَقْلِ الْحَقِّ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ، وَلَيْسَ قَبُولُهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ وَقَالَ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ قَبُولُهَا إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ وَاجِبٌ عليه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ ". وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدًا وَمَقَالًا " فَكَانَ عَامًّا.
وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي فِي الذِّمَمِ قَدْ تَنْتَقِلُ تَارَةً إِلَى ذِمَّةٍ بِالْحَوَالَةِ، وَتَارَةً إِلَى عَيْنٍ بِالْمُعَاوَضَةِ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ نَقْلَهُ إِلَى الْعَيْنِ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، فَنَقْلُهُ إِلَى الذِّمَّةِ أَوْلَى أَلَّا يَلْزَمَ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، لِأَنَّهُ بِنَقْلِهِ إِلَى عَيْنٍ أُخْرَى قَدْ وَصَلَ إِلَى حَقِّهِ وَبِنَقْلِهِ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى لَمْ يَصِلْ إِلَى حَقِّهِ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ قَدْ يَكُونُ تَارَةً سِلْمًا وَتَارَةً دَيْنًا فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ قَبُولُ الْحَوَالَةِ فِي السِّلْمِ، لَمْ يَلْزَمْ قَبُولُ الْحَوَالَةِ فِي الدَّيْنِ أَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ وَارِدٌ بَعْدَ حَظْرٍ وَهُوَ نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَنِ انْتَقَلَ الْحَقُّ بِالْحَوَالَةِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّتِهِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِنَّ رِضَاهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ، بَلْ تَتِمُّ بِرِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ سَوَاءٌ رَضِيَ بِذَلِكَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَرْضَ وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ الْحَوَالَةُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِرِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَلَمْ يَرْضَ بِهَا لَمْ تَصِحَّ، وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة وَمَالِكٌ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَنْ كَانَ وَجُودُهُ فِي الْحَوَالَةِ شَرْطًا كَانَ رِضَاهُ فِيهَا شَرْطًا كَالْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ.
وَلِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ أَصْلًا وَبِالرَّهْنِ فَرْعًا، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُوَلّى الرَّهْنَ غَيْرُهُ فَأَوْلَى أَلَّا يَكُونَ لَهُ أَنْ يُوَلّى الذِّمَّةَ غَيْرُهُ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَسْهَلَ اقْتِضَاءً وَأَسْهَلَ مُعَامَلَةً وَأَسْمَحَ قَبْضًا، فَلَا يَرْضَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِمُعَامَلَةِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ بِخِلَافِ مُعَامَلَتِهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ بَقَاءُ الدَّيْنِ بِالْحَوَالَةِ مَوْقُوفًا عَلَى قَبُولِهِ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، مَمْلُوكُ الذِّمَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ رِضَاهُ مُعْتَبَرًا فِي نَقْلِ الْمِلْكِ، كبيع العبد المملوك، ولأن بالحوالة يزول ملكه عَنِ الدَّيْنِ كَالْإِبْرَاءِ.
فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ رِضَا الْمُبَرَّأِ مُعْتَبَرًا فِي صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ، لَمْ يَكُنْ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرًا فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ، وَلِأَنَّ مَالِكَ الدَّيْنِ مُخَيَّرٌ فِي اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، كَالْوَكِيلِ وَكَذَلِكَ بِالْمُحْتَالِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ فَالْمَعْنَى فِي الْمُحِيلِ أَنَّهُ مَالِكٌ فَكَانَ رِضَاهُ مُعْتَبَرًا فِي زَوَالِ مِلْكِهِ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ مَمْلُوكٌ، وَالْمَعْنَى فِي الْمُحْتَالِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَتِمَّ الْبَرَاءَةُ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ، لَمْ تَتِمَّ الْحَوَالَةُ بِهِ إِلَّا عَنْ رِضَاهُ، وَلَمَّا تَمَّتِ الْبَرَاءَةُ عَنِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ تَمَّتِ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الرَّهْنِ فَهُوَ إِنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمَّا لَمْ يَمْلِكِ الرَّهْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُحِيلُ مَالِكًا لِلدَّيْنِ جَازَ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى غَيْرَهُ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَمْ يَرْضَ إِلَّا بِمُعَامَلَتِهِ وَلَا دَخَلَ إِلَّا تَحْتَ مِلْكِهِ فَمُنْتَقَضٌ بِالْوَكِيلِ ثُمَّ يُقَالُ هُوَ كَمَا قَدْ مُلِكَتْ ذِمَّتُهُ كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَا خِيَارَ لَهُ فِي تَمْلِيكِ رَقَبْتِهِ أَشْبَهُ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْمُحَالُ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَتَحَوَّلُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلِلْحَقِّ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا مُسْتَقِرًّا، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ لَازِمٍ وَلَا مُسْتَقِرٍّ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَازِمًا مُسْتَقِرًّا كَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأَثْمَانِ الْمَقْبُوضِ بِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فَالْحَوَالَةُ بِهِ إِذَا كَانَتْ عَلَى مِثْلِ صِفَتِهِ جَائِزَةٌ فَلَوْ كَانَ الْحَقُّ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِدَنَانِيرَ وَلَوْ كَانَ بِصِحَاحٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِمُكَسَّرَةٍ.
وَلَوْ كَانَ حَالًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ بِمُؤَجَّلٍ، حَتَّى يُحِيلَهُ بِمِثْلِهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِدَرَاهِمَ وَفِي الصِّحَاحِ بِصِحَاحٍ، وَفِي الْحَالِّ بِحَالٍّ، وَفِي الْمُؤَجَّلِ بِمُؤَجَّلٍ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الْمُسْتَقِرُّ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْقَرْضِ وَمَا اسْتُهْلِكَ بِالْغَصْبِ فَالْحَوَالَةُ بِهِ جَائِزَةٌ.
كَمَا تَجُوزُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالسَّلَمِ، فَقَدْ خَرَّجَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي جَوَازِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَجْهَيْنِ مِن اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَوَالَةِ، هَلْ هِيَ بَيْعٌ أَوْ عَقْدُ إِرْفَاقٍ، فَجَوَّزَ الْحَوَالَةَ بِهِ إِنْ قِيلَ إِنَّهَا عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَأَبْطَلَهَا إِنْ قِيلَ إِنَّهَا بَيْعٌ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ غَيْرَ لَازِمٍ وَلَا مُسْتَقِرٍّ كَمَالِ الْجَعَالَةِ وَعِوَضِ الْكِتَابَةِ فَالْحَوَالَةُ بِهِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ مَا لَمْ يَجِبْ قَبْلَ الْحَوَالَةِ لَمْ يَصِرْ وَاجِبًا بِالْحَوَالَةِ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَفِي جَوَازِ الْحَوَالَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ تَجُوزُ إِنْ قِيلَ إِنَّهَا عَقْدُ إِرْفَاقٍ
وَالثَّانِي: لَا تَجُوزُ إِنْ قِيلَ إِنَّهَا بَيْعٌ.
فَأَمَّا وُجُوبُ الْحَقِّ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ فَمَتَى لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحَقُّ الَّذِي أَحَالَ بِهِ عَلَيْهِ، فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ تَحَوُّلِ الْحَقِّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ وَاجِبًا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ وَاجِبًا لِلْمُحْتَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ وَتَجْرِي مَجْرَى الضَّمَانِ لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ فَعَلَى هَذَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِقَبُولِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالْحَوَالَةِ قَبْلَ أَدَائِهَا، فَإِنْ أَدَّاهَا بِأَمْرٍ رَجَعَ بِهَا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرٍ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هِيَ بَيْعٌ أَوْ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَمَعُونَةٍ، عَلَى وَجْهَيْنِ
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ السَّلَمِ إِنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ قَدْ عَاوَضَ عَلَى ذِمَّةٍ بِذِمَّةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا عَقْدُ مَعُونَةٍ وَإِرْفَاقٍ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنَ الْبُيُوعِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ.
فَإِذَا قِيلَ إِنَّهَا بَيْعٌ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هِيَ بَيْعُ دَيْنٍ بَدَيْنٍ يَخْتَصُّ بِالشَّرْعِ أَوْ بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ عَلَى وَجْهَيْنِ: ثُمَّ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الثَّلَاثِ فَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَعَلَى الوجه الذي نقول إِنَّهَا عَقْدُ مَعُونَةٍ وَإِرْفَاقٍ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مَوْضُوعٌ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَبْنِ في عقود المعاوضات وعلى الوجه الذي نقول إِنَّهَا [عَقْدُ بَيْعٍ فَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ
أَحَدُهُمَا: لَا يَدْخُلُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَهَذَا على الوجه الذي نقول إِنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
وَالثَّانِي: يَدْخُلُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ إِذَا قِيلَ] إِنَّهَا بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ هَلْ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ فِيهَا وَالضَّمَانِ أَمْ لَا فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ إِنْ قِيلَ إِنَّهَا بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ إِنْ قِيلَ إِنَّهَا بيع دين بدين.
﴿مسألة﴾
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي هَذَا دَلَالَة أَنَّ الْحَقَّ يَتَحَوَّلُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَيَبْرَأُ مِنْهُ الْمُحِيلُ فَلَا يَرْجِعُ عليه أبدا كان المحال عَلَيْهِ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ
مُعْدِمًا " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا قَبِلَ الْمُحْتَالُ الْحَوَالَةَ فَقَدِ انْتَقَلَ الْحَقُّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا فَإِنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ جَحَدَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِشَيْءٍ وَقَالَ أبو حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْمُحْتَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ إِذَا مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ جَحَدَ الْحَقَّ حَيًّا، وَقَالَ أبو يوسف ومحمد: يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَإِذَا أَفْلَسَ حَيًّا وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ خليد بن جعفر عن أبي إياس معونة بْنِ قُرَّةَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ يَرْجِعُ صَاحِبُهَا لَا تَوَى عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمُسْتَقِرَّةَ فِي الذِّمَمِ قَدْ تَنْتَقِلُ تَارَةً إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَوَالَةِ وَتَارَةً إِلَى عَيْنٍ بِالْمُعَاوَضَةِ فَلَمَّا كَانَ تَلَفُ الْعَيْنِ قَبْلَ قَبْضِهَا يُوجِبُ عَوْدَ الْحَقِّ إِلَى الذِّمَّةِ الْأُولَى، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَلَفُ الذِّمَّةِ قَبْلَ قَبْضِ الْحَقِّ مِنْهَا.
يُوجِبُ عَوْدَ الْحَقِّ إِلَى الذِّمَّةِ الْأُولَى.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا إِنَّهُ حَقٌّ انْتَقَلَ مِنَ الذِّمَّةِ إِلَى جِهَةٍ فَاتَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الذِّمَّةِ الَّتِي كَانَ ثَابِتًا فِيهَا.
كَالْأَعْيَانِ التَّالِفَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا.
قَالُوا: وَلِأَنَّ خَرَابَ الذِّمَّةِ لَا يَخْلُو أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْعَيْبِ أَوِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ جَرَى مَجْرَى الِاسْتِحْقَاقِ فَقَدْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى الذِّمَّةِ الْأُولَى وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الْعَيْبِ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الرُّجُوعِ إِلَى الذِّمَّةِ الْأُولَى.
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ خَرَابُ الذِّمَّةِ بِالْفَلَسِ يُوجِبُ عِنْدَكُمْ عَوْدَ الْحَقِّ إِلَى الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ كَانَ مَا يُوجِبُ عَوْدَهُ إِلَى الذِّمَّةِ الْأُولَى أَوْلَى وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ " فَكَانَ الدَّلِيلُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمَا كَانَ لِاشْتِرَاطِ الْمُلَاءَةِ فَائِدَةٌ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَقِّهِ رَجَعَ فَلَمَّا شَرَطَ الْمُلَاءَةَ عَلِمَ أَنَّ الْحَقَّ قَدِ انْتَقَلَ بِهَا انْتِقَالًا لَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ فَاشْتَرَطَ الْمُلَاءَةَ حِرَاسَةً لِحَقِّهِ.
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي قَوْلُهُ: فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ فَأَوْجَبَ عُمُومُ الظَّاهِرِ اتِّبَاعَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَبَدًا، أَفْلَسَ أَوْ لَمْ يُفْلِسْ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِحَزْنٍ جَدِّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَالٌ، فَأَحَالَهُ بِهِ عَلَى إِنْسَانٍ فَمَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَرَجَعَ حَزْنٌ إِلَى عَلِيٍّ، وَقَالَ: قَدْ مَاتَ مَنْ أَحَلْتَنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: قَدِ اخْتَرْتَ عَلَيْنَا غَيْرَنَا أَبْعَدَكَ اللَّهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَلَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمَا اسْتَجَازَ عَلِيٌّ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ وَهُوَ فِعْلٌ مُنْتَشِرٌ فِي الصَّحَابَةِ لَا نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا.
فَإِنْ عُورِضَ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ، كَانَ الْجَوَابُ عَنْهُ مَا نَذْكُرُهُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ سُقُوطُ الْمُطَالَبَةِ عَمَّنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ بَقَاءِ عَلَقَةٍ يمنع مِنْ عَوْدِهِ كَمَا لَوْ سَقَطَ بِقَبْضٍ أَوْ إِبْرَاءٍ، وَلِأَنَّ تَعَذُّرَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْحَوَالَةِ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ حَيًّا، وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ فِي ذِمَّتِهِ فَمَوْتُهُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ الَّذِي ثَبَتَ الْحَقُّ لِأَجْلِهِ كَالْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِذَا مَاتَ لَمْ يُوجِبْ مَوْتُهُ فَسْخَ الشِّرَاءِ وَلِأَنَّ انْتِقَالَ الْحَقِّ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مِثْلِهِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالْمُرَاضَاةِ قِيَاسًا عَلَى الْإِبْدَالِ فِي الْأَعْيَانِ وَلِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِالْحَقِّ تَجْرِي مَجْرَى الْقَبْضِ بِدَلِيلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ صَرْفٌ يَجُوزُ الِافْتِرَاقُ فِيهِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ قَبَضَ لَبَطَلَ بِالِافْتِرَاقِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمُحِيلَ لَوْ مَاتَ جَازَ لِوَرَثَتِهِ الِاقْتِسَامُ بِالتَّرِكَةِ لِبَقَاءِ حَقِّهِ فِيهَا فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مَقْبُوضٌ وَالْحُقُوقُ الْمَقْبُوضَةُ إِذَا تَلِفَتِ الرُّجُوعُ بِهَا كَالْأَعْيَانِ الْمَقْبُوضَةِ وَلِأَنَّ الْحَوَالَةَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ مَعْنَاهُ، وَهُوَ تُحَوُّلُ الْحَقِّ بِهِ كَمَا أَنَّ الضَّمَانَ مُشْتَقٌّ مِنَ انْضِمَامِ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعُودَ الْحَقُّ بَعْدَ تَحَوُّلِهِ إِلَّا بِمِثْلِ مَا انْتَقَلَ بِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ فَمِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّهَا رِوَايَةُ خُلَيْدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ،
وَالثَّانِي: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ لَمْ يَلْقَ عُثْمَانَ وَالْحَدِيثُ الْمُنْقَطِعُ غَيْرُ لَازِمٍ
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ قَالَ فِي الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ فَكَانَ شَكًّا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ لِأَنَّ فِي الْكَفَالَةِ يَرْجِعُ وَفِي الْحَوَالَةِ لَا يَرْجِعُ، وَالشَّكُّ يَمْنَعُ مِنْ تَعْيِينِهِ فِي الْحَوَالَةِ.
وَالرَّابِعُ: إِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لِأَنَّهُ قَالَ لَا تَوَى عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَيُحْمَلُ أَنَّهُ لَا تَوَى عَلَى مَالِ الْمُحْتَالِ وَلَيْسَ أَحَدُ الِاسْتِعْمَالَيْنِ أَوْلَى وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْأَعْيَانِ التَّالِفَةِ فَهُوَ إِنَّ الْحَوَالَةَ قَبْضٌ لِلْحَقِّ بِدَلِيلِ مَا مَضَى وَمَا تَلِفَ بَعْدَ قَبْضِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ بِهِ كَالْأَعْيَانِ التَّالِفَةِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْعَيْبِ أَوِ الِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْعَيْبِ وَالْعُيُوبُ الْحَادِثَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا تَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِهَا كَالْأَعْيَانِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا أَلْزَمُوهُ عَلَى مَذْهَبِنَا مِنَ الرُّجُوعِ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ عِنْدَ فَلَسِ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ إِنَّنَا جَمِيعًا قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الرُّجُوعَ فِي الْحَوَالَةِ دُونَ الْمَبِيعِ وَنَحْنُ نُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي الْمَبِيعِ دُونَ الْحَوَالَةِ فَهَذَا فَرْقٌ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَاعُ.
ثُمَّ الْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إنَّ الْعَلَقَ فِي الْحَوَالَةِ مُنْقَطِعَةٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعُودَ الْحَقُّ فِيهَا وَالْعَلَقُ فِي الْمَبِيعِ بَاقِيَةٌ لِبَقَاءِ عَيْنِهِ فَجَازَ أَنْ يَعُودَ الْحَقُّ إِلَى المبيع بالفلس الحادث.
مسألة
: قال الشافعي رضي الله عنه: " غرمنه أو لم يغرمنه ولو كان كما قال محمد بن الحسن إذا أفلس أو مات مفلسا رجع على المحيل لما صبر المحتال على من أحيل لأن حقه ثابت على المحيل ولا يخلو من أن يكون حقه قد تحول عني فصار إلى غيري فلم يأخذني بما برئت منه لأن أفلس غيري أو لا يكون حقه تحول عني فلم أبرأني منه قبل أن يفلس المحال عليه واحتج محمد بن الحسن بأن عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ يَرْجِعُ صَاحِبُهَا لَا تَوَى عَلَى مال مسلم وهو عندي يبطل من وجهين ولو صح ما كان له فيه شيء لأنه لا يدري قال ذلك في الحوالة أو الكفالة ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا أَحَالَهُ بِالْحَقِّ عَلَى رَجُلٍ فَكَانَ وَقْتَ الْحَوَالَةِ مُعْسِرًا لَمْ يَرْجِعِ الْمُحْتَالُ كَمَا لَوْ حَدَثَ إِعْسَارٌ سَوَاءٌ غَرَّهُ بِذِكْرِ يَسَارِهِ أَوْ لَمْ يَغُرَّهُ وقال مالك: إن غره بذكر يساره يَرْجِعْ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَغُرَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ بِالْغُرُورِ فِي الْعَيْبِ وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُحْتَالُ بِالْغُرُورِ فِي الْيَسَارِ.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الْإِعْسَارَ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرُّجُوعَ إِذَا لَمْ يَكُنْ غُرُورًا وَكَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ مَعَ الْغُرُورِ وَالْعُيُوب لَمَّا رَجَعَ بِهَا مَعَ عَدَمِ الْغُرُورِ بِهَا رَجَعَ بِهَا مَعَ الْغُرُورِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إِعْسَارَ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ قَدْ يصل إليه من غير المحيل فلم يكون لَهُ الرُّجُوعُ بِهَا مَعَ الْغُرُورِ، وَالْعُيُوبُ قَدْ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْبَائِعِ فَلِذَلِكَ رَجَعَ بِهَا مَعَ الْغُرُورِ فَصَحَّ أَنْ لَا رُجُوعَ لِلْمُحْتَالِ بِإِعْسَارِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ إِعْسَارًا حَادِثًا أَوْ سَالِفًا مَغْرُورًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مَغْرُورٍ.
(مَسَائِلُ الْمُزَنِيِّ)
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ المزني: " هذه مسائل تحريت فيها معاني جوابات الشافعي في الحوالة (قال المزني) قلت أنا من ذَلِكَ وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهُ ثُمَّ أَحَالَ الْبَائِعُ بِالْأَلْفِ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَاحْتَالَ ثُمَّ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَرَدَّهُ بَطُلَتِ الْحَوَالَةُ وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدَ بَعْدَ أَنْ قَبَضَ الْبَائِعُ مَا احْتَالَ بِهِ رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَكَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْهُ بَرِيئًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ أَحَالَ الْبَائِعَ بِالْأَلْفِ عَلَى رَجُلٍ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ أَلْفٌ، فَكَانَ الْمُشْتَرِي مُحِيلًا وَالْبَائِعُ مُحْتَالًا وَالْأَجْنَبِيُّ مُحَالًا عَلَيْهِ، وَفِي مَذْهَبِنَا عَلَى مَا بَيَّنَّا إِنَّ الْحَوَالَةَ تَتِمُّ بِالْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ وَلَيْسَ رِضَا
المحال عليه شرطا فيها فصارت الحوالة هاهنا تَامَّةً بِالْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي.
ثُمَّ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوَالَةِ وَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا مُتَقَدِّمًا فَرَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ بِعَيْبِهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: -
إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ الْأَلْفَ مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهَا مِنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ بِرَدِّ الْعَبْدِ وَبَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْهَا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا عَنْ أَمْرِ الْمَالِكِ، وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي إِذَا رَدَّ الْعَبْدَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِهَا لِأَنَّ رَدَّ الْمَبِيعِ بِالْعَيْبِ يُوجِبُ اسْتِرْجَاعَ الثَّمَنِ.
فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَقْبِضِ الْحَوَالَةَ قَبْلَ رَدِّ الْمُشْتَرَى عليه العبد بالعيب، فقد قال المزني هاهنا فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ إِنَّ الْحَوَالَةَ قَدْ بَطَلَتْ.
وَهَكَذَا قَالَ فِي حِكَايَةٍ شَاذَّةٍ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ جَامِعِهِ الْكَبِيرِ: الْحَوَالَةُ ثَابِتَةٌ لَا تُبْطِلُ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ، عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ، وَجُمْهُورِ النُّسَخِ مِنْ جَامِعِهِ الْكَبِيرِ فَإِنَّ مَنْ حَكَى عَنِ الْجَامِعِ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ خَاطِئٌ فِي النَّقْلِ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَمَّتْ بِالْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَقَدِ اتَّفَقْنَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى إِبْطَالِ سَبَبِهَا فَوَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَسِخَ الْبَيْعُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَكُونَ الْبَائِعُ عَلَى حَقِّهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ الْحَوَالَةَ ثَابِتَةٌ لَا تَبْطُلُ عَلَى الْحِكَايَةِ الشَّاذَّةِ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ وَإِنَّ مَا قَالَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ خَطَأٌ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَهَذِهِ أَسْوَأُ الطُّرُقِ.
وَكَانَ مِنْ دَلِيلِهِ عَلَى صِحَّتِهَا مَعَ فَسَادِهَا بِالنَّقْلِ الصَّرِيحِ وَبُطْلَانِهَا بِالْحِجَاجِ الصَّحِيحِ أَنْ قَالَ أَخْذُ الْبَائِعِ بالثمن حوالة كأخذه بالثمن عوضا فَلَمَّا كَانَ إِذَا أَخَذَ بِالثَّمَنِ عِوَضًا أَوْ ثَوْبًا ثُمَّ تَرَادَّا بِعَيْبٍ لَمْ يَنْفَسِخْ مِلْكُ الْبَائِعِ عَنِ الْعِوَضِ الَّذِي أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ دُونَ الْعِوَضِ، كَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ بِالثَّمَنِ حَوَالَةً لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ وَكَانَ عَلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهَا، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ فَاسِدٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذكره إن أخذه بالثمن عوضا هو عقد بيع ثَانٍ فَلَمْ يَكُنْ فَسْخُ أَحَدِهِمَا مُوجِبًا لِفَسْخِ الْآخَرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَخْذُ الْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ فَإِذَا انْفَسَخَ بَطَلَ مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ كِلَا النَّقْلَيْنِ صَحِيحٌ، وَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَالْمَوْضُوعُ الَّذِي أَبْطَلَ الْحَوَالَةَ إِذَا كَانَ رَدُّ الْعَبْدِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَهَذِهِ طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَعْدَ قَبْضِهَا قَدِ انْقَطَعَتْ عُلْقَتُهَا وَانْبَرَمَتْ وَلَمْ يَلْحَقْهَا الْفَسَادُ وَهِيَ قَبْلَ قَبْضِهَا مَوْقُوفَةٌ
عليه وَأَصَحُّ هَذِهِ الطُّرُقِ إِنْ صَحَّ النَّقْلَانِ مَعًا الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ النَّقْلَانِ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى.
فَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الْعَبْدُ حُرًّا، أَوْ مُسْتَحِقًّا فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ - عِنْدَ كَافَّةِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ بِحَالٍ.
وَالطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَبْطَلَ الْحَوَالَةَ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ مُتَقَدِّمًا فَلَا يَجُوزُ حُدُوثُ مِثْلِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَثْبَتَهَا إِذَا جَازَ حُدُوثُ مِثْلِ الْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَكَانَ الْقَوْلُ فِي حُدُوثِهِ قَوْلَ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ فَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ وَرُدَّتْ عَلَى الْمُشْتَرِي - وَحَلَفَ وَاسْتَحَقَّ الرَّدَّ، فَالْحَوَالَةُ ثَابِتَةٌ لَا تَبْطُلُ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَبْطُلُ بِاتِّفَاقِ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ كَمَا كَانَ تَمَامُهَا بِهِمَا، - وَإِذَا أَنْكَرَ الْبَائِعُ تَقَدُّمَ الْعَيْبِ صَارَ بُطْلَانُهَا لَوْ أُبْطِلَتْ بِقَوْلِ الْمُحْتَالِ وَحْدَهُ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَالْحَوَالَةُ لَا تَبْطُلُ بِقَوْلِهِ وحده وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي.
(قال المزني) وفي إبطال الحوالة نظر (قال) وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ أَحَالَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِهَذِهِ الألف رجلا له عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ تَصَادَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي تَبَايَعَاهُ حُرُّ الْأَصْلِ فَإِنَ الْحَوَالَةَ لَا تَنْتَقِضُ لِأَنَّهُمَا يُبْطِلَانِ بِقَوْلِهِمَا حَقًّا لِغَيْرِهِمَا، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْمُحْتَالُ أَوْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ انْتَقَضَتِ الْحِوَالَةُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا بِأَلْفٍ وَيَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ أَلْفٌ فَيُحِيلُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْأَلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، فَيَصِيرُ الْبَائِعُ مُحِيلًا، وَالْأَجْنَبِيُّ الْغَرِيمُ مُحْتَالًا، وَالْمُشْتَرِي مُحَالًا عَلَيْهِ، وَالْحَوَالَةُ عَلَى مَا وَصَفْنَا تتم بالمحيل والمحتال فتصير حينئذ هاهنا تَامَّةً بِالْبَائِعِ وَالْغَرِيمِ الْأَجْنَبِيِّ.
ثُمَّ إِنِ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ بَانَ حُرَّ الْأَصْلِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَقُومَ بِحُرِّيَّتِهِ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ فَتَبْطُلَ الْحَوَالَةُ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مَقْبُولَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَلَّا تَقُومَ بَيِّنَةٌ وَإِنَّمَا يَتَصَادَقُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى حُرِّيَّتِهِ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْغَرِيمُ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ، وَأَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَتْ بِثَمَنِهِ بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ أَيْضًا، لِأَنَّ مَنْ تَمَّتْ بِهِ الْحَوَالَةُ قَدِ اعْتَرَفَ بِبُطْلَانِ الْحَوَالَةِ وَهُوَ الْبَائِعُ الْمُحِيلُ وَالْغَرِيمُ الْمُحْتَالُ، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَمَّتْ بِالْبَائِعِ وَالْغَرِيمِ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِالْبَائِعِ وَحْدَهُ.
وَهَكَذَا لَوْ صَدَّقَهُمَا عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ الَّذِي تَبَايَعَاهُ وَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِثَمَنِهِ وَذَكَرَ أَنَّهَا بِمَالِ غَيْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَرِيمِ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ وَالْحَوَالَةُ بِحَالِهَا صَحِيحَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا إِذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ بِعَيْبٍ وَتَفَاسَخَا الْبَيْعَ فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا الْغَرِيمُ عَلَى أَنَّ الْأَلْفَ ثَمَنُهُ لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ وَإِنْ صَادَقَهُمَا عَلَى أَنَّ الْأَلْفَ مِنْ ثَمَنِهِ فَإِنْ تَرَادَّا الْبَيْعَ وَتَفَاسَخَا بِالْعَيْبِ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالَةُ لِأَنَّهَا إِذَا تَمَّتْ لَمْ يَكُنْ فَسْخُهَا مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِ مَنْ لَمْ يَكُنْ تَمَامُهَا مُعْتَبَرًا بِهِ وَإِنْ تَفَاسَخَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَفِي بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ لِمَا عَلَّلْنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَبْطُلُ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إِذَا نَفِذَ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْفَسْخِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعَقْدِ فَلَمْ يَبْقَ له علقة.
(قال المزني) : " ولو أَحَالَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَضَمِنَهَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُحِيلُ أَنْتَ وَكِيلِي فِيهَا وَقَالَ الْمُحْتَالُ بَلْ أَنْتَ أَحَلْتَنِي بِمَالِي عَلَيْكَ وَتَصَادَقَا عَلَى الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالُ مُدَّعٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي رَجُلٍ أَحَالَ رَجُلًا بِأَلْفٍ عَلَى رَجُلٍ، وَكَانَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ مَالٌ، وَالْحَوَالَةُ مُطْلَقَةٌ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ الْمُحِيلُ بِأَنَّهَا مِنْ حَقِّكَ، وَلَا بِأَنَّكَ نَائِبٌ فِي قَبْضِهَا عَنِّي، وَلَيْسَتْ مِنْ حَقِّكَ بَلْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُحِيلُ: أَرَدْتَ الْوَكَالَةَ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ لِتَكُونَ نَائِبًا فِي قَبْضِهَا عَنِّي فَهِيَ لِي فِي يَدِكَ، وَلَيْسَتْ مِنْ حَقِّكَ، وَقَالَ الْمُحْتَالُ بَلْ هِيَ حَوَالَةٌ مِنْ حَقِّي، وَلَسْتُ نَائِبًا فِيهَا عَنْكَ وَلَا وَكِيلًا لَكَ، فَمَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ، إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُحِيلِ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ مُدَّعى عَلَيْهِ يَمْلِكُ الْحَوَالَةَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُحِيلِ فِي بَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ، وَصَارَ لَفْظُ الْحَوَالَةِ مُسْتَعَارًا فِي الْوَكَالَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحْتَالِ لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَافَقَ دَعْوَاهُ فَكَانَ حَمْلُ الْحُكْمِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ، فَعَلَى قَوْلِ الْمُزَنِيِّ، حَيْثُ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُحِيلِ، لَا يَخْلُو حَالُ الْمُحْتَالِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: -
إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ الْحَوَالَةَ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهَا، لِأَنَّ الْمُحِيلَ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بالْوَكَالَة، فَالْمُحْتَالُ مُنْكِرُهَا بِادِّعَاءِ الْحَوَالَةِ.
فإن خالف وَقَبَضَهَا فَهَلْ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
عَلَى وَجْهَيْنِ مِن اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا، هَلْ تَكُونُ حَوَالَةً فَاسِدَةً، أَوْ وَكَالَةً فَاسِدَةً؟ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: إِنَّهَا تَكُونُ حَوَالَةً فَاسِدَةً فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: تَكُونُ وَكَالَةً فَاسِدَةً فَعَلَى هَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهَا فَقَدْ بَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ دَفَعَهَا عَنْ إِذْنِ مَالِكِهَا.
ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً أَوْ تَالِفَةً
فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي يَدِ الْمُحْتَالِ كَانَ لِلْمُحِيلِ انْتِزَاعُهَا مِنْ يَدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ مَنْعُهُ مِنْهَا إِلَّا أَنْ لَا يَصِلَ إِلَى حَقِّهِ لِمَطْلِهِ إِلَّا بِهَا، فَيَجُوزُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَحْبِسَهَا عَلَيْهِ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً لَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْمُحِيلَ يَقُولُ تَلِفَتْ عَلَى مِلْكِي أَمَانَةً فِي يَدِكَ فَهِيَ تَالِفَةٌ مِنْ مَالِي وَالْمُحْتَالُ يَقُولُ تَلِفَتْ بَعْدَ أَنْ أَخَذْتُهَا مِنْ حَقِّي فَقَدِ اسْتَوْفَيْتُ حَقِّي مِنْكَ.
فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُحْتَالِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أن تكون الْمُحْتَالُ قَدْ قَبَضَهَا، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا، فَلَهُ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْ بَعْدُ، لِأَنَّ قَوْلَ الْمُحِيلِ لَمْ يُقْبَلْ فِي إِبْطَالِ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهَا فَقَدْ بَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَلَيْسَ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بَاقِيَةً أَوْ تَالِفَةً.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ: وَلَوْ أَحَالَ رَجُلٌ بِأَلْفٍ وَضَمِنَهَا لَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ، وَضَمِنَهَا لَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: -
أَحَدُهَا: إِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وَلَيْسَ ضَمَانُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْحَوَالَةَ تَتِمُّ بِالْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَالزُّبَيْرِيِّ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْحَوَالَةَ تَتِمُّ بِالْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ وَرِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِي حَوَالَةٍ عَلَى مَنْ لَا حَقَّ عَلَيْهِ لِلْمُحِيلِ، فَتَجْرِي مَجْرَى الضَّمَانِ وَلَا تَصِحُّ إلا برضاه وقبوله.
(مسألة)
(قال المزني) : " وَلَوْ قَالَ الْمُحْتَالُ أَحَلْتَنِي عَلَيْهِ لِأَقْبِضَهُ لَكَ وَلَمْ تُحِلْنِي بِمَالِي عَلَيْكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَالْمُحِيلُ مُدَّعٍ لِلْبَرَاءَةِ مِمَّا عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا بِعَكْسِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهَا وَهُوَ إِنَّهُمَا اخْتَلَفَا بَعْدَ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ فَقَالَ الْمُحِيلُ أَحَلْتُكَ بِمَالِكِ عَلَيَّ، وَقَالَ الْمُحْتَالُ بَلْ أَحَلْتَنِي لِأَقْبِضَهُ لَكَ نِيَابَةً عَنْكَ وَحَقِّي باقي فِي ذِمَّتِكَ، فَعَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ: الْقَوْلُ قَوْلُ المحتال، لأن المحيل مدعي للبراءة من حقه فكان فالقول قَوْلَ الْمُحْتَالِ: وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ سُرَيْجٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ، فَإِذَا قِيلَ بِمَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُحْتَالِ، لَا يَخْلُو حَالُ الْحَوَالَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ قَدْ قُبِضَتْ أَوْ لَمْ تُقْبَضْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَالُ قَبَضَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْ بَعْدُ،