الحاوي الكبيرصفحات 166-205
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السير

صفحات 166-205
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مُسْتَحِقِّيهَا، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِهَا، وَلِأَنَّ حِفْظَ مَا قُسِّمَ أَسْهَلُ وَالْمَؤُونَةَ فِي نَقْلِهِ أَخَفُّ فَكَانَ أَوْلَى.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَسَّمَ غَنَائِمَ بَدْرٍ بِالْمَدِينَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّا رَوَيْنَا خِلَافَهُ، فَتَعَارَضَتِ الرِّوَايَتَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ تَشَاجَرُوا فِيهَا، فَأَخَّرَهَا لِتَشَاجُرِهِمْ، حَتَّى جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1] فَحِينَئِذٍ قَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى رَأْيِهِ، وَأَدْخَلَ فِيهِمْ ثَمَانِيَةً لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، ثَلَاثَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَخَمْسَةً مِنَ الْأَنْصَارِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ مَكْحُولٍ مُرْسَلٌ، وَالنَّقْلُ الْمَشْهُورُ بِخِلَافِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَأْخِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ غَنِيمَةَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمُ فَشَكُّوا فِي اسْتِبَاحَتِهَا، فَأَخَّرُوهَا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217] . الْآيَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ لَمْ يَعْلَمْ مُسْتَحِقَّ الْغَنِيمَةِ وَكَيْفَ تُقَسَّمُ، فَأَخَّرَهَا حَتَّى اسْتَعْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا لَمْ يُقْبَضْ مِنَ الْمَبِيعَاتِ مَضْمُونٌ عَلَى بَائِعِهِ، فَمَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهَذَا غير مضمون فافتقرا.
وَالثَّانِي: أَنَّ يَدَ الْغَانِمِينَ أَثْبَتُ لِأَنَّ يَدَ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الدَّارِ وَيَدَ الْغَانِمِينَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِيلَاءِ وَالْمُشَاهَدَةِ، فَصَارَ كَرَجُلٍ فِي دَارِ رَجُلٍ وَفِي يَدِهِ ثَوْبٌ، فَادَّعَاهُ صَاحِبُ الدَّارِ لِأَنَّ صاحب اليد أحق من صاحب الدار، ولأن صَاحِبَ الدَّارِ يَدُهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَيَدُ الْقَابِضِ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهِدَةِ فَكَانَتْ أَقْوَى وَكَانَ بِالْمِلْكِ أَحَقَّ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلِاسْتِرْجَاعِ فَهُوَ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِيمَا اتَّصَلَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ قِسْمَتِهَا، فَكَذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا مَعَ بَقَاءِ دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ الظَّفَرُ فَيَسْتَقِرَّ عَلَيْهَا مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ أَوْ يد.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَلَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا وَيَعْلِفُوا دَوَابَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ صَيَّرَهُ إِلَى الْإِمَامِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَجُوزُ لِأَهْلِ الْجِهَادِ إِذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ أَنْ يَأْكُلُوا طَعَامَهُمْ، وَيَعْلِفُوا دَوَابَّهُمْ مَا أَقَامُوا فِي دَارِهِمْ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ، لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمِ يَوْمِ خَيْبَرَ، قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَالْتَزَمْتُهُ، وَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ مِنْهُ أَحَدًا شَيْئًا ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَبْتَسِمُ، فَدَلَّ تَبَسُّمُهُ مِنْهُ وَتَرْكُهُ عَلَيْهِ عَلَى إِبَاحَتِهِ لَهُ.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ وَيَنْصَرِفُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَلِأَنَّ أزواد المجاهدين تنفذ وَيَصْعُبُ نَقْلُهَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَظْفَرُونَ بِمَنْ يَبِيعُهَا عَلَيْهِمْ فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى إِبَاحَتِهَا لَهُمْ.
فَإِذَا ثَبَتَ إِبَاحَتُهَا لَهُمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تُعْتَبَرُ الْحَاجَةُ فِي اسْتِبَاحَتِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّ الْحَاجَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي اسْتِبَاحَتِهَا وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا وَيَعْلِفُوا دَوَابَّهُمْ، مَعَ الْحَاجَةِ وَالْغِنَى وَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَاعْتِبَارًا بِطَعَامِ الْوَلَائِمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة إِنَّهُمْ لَا يَسْتَبِيحُونَهُ إِلَّا مَعَ الْحَاجَةِ اعْتِبَارًا بِأَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ طَعَامِ غَيْرِهِ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إِلَّا عِنْدَ حَاجَتِهِ، وَاعْتِبَارُهُ بِالْمُضْطَرِّ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يَسْتَبِيحُ إِلَّا عِنْدَ خَوْفِ التَّلَفِ وَهَذَا مُبَاحٌ، وَإِنْ لَمْ يَخَفِ التَّلَفَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُضْطَرَّ ضَامِنٌ، وَهَذَا غَيْرُ ضَامِنٍ فَافْتَرَقَا.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ إِبَاحَةِ الْأَكْلِ، جَازَ أَنْ يَأْكُلَ مَا يَقْتَاتُهُ وَمَا يَتَأَدَّمُ بِهِ وَيَتَفَكَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَقْتَصِدُ عَلَى الْأَقْوَاتِ وَحْدَهَا بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ حُجَّةُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدَّخِرَ مِنْهُ إِذَا اتَّسَعَ قَدْرُ مَا يَقْتَاتُهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ، فَإِنْ ضَاقَ كَانَ أُسْوَةَ غَيْرِهِ فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَ الْمَوَاشِيَ لِيَأْكُلَهَا، وَلَا يَذْبَحْهَا لِغَيْرِ الْأَكْلِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْبَهَائِمِ إِلَّا لِمَأْكَلِهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ جُلُودَهَا حِذَاءً وَلَا سِقَاءً لِاخْتِصَاصِ الْإِبَاحَةِ بِالْأَكْلِ، فَأَشْبَهَ طَعَامَ الْوَلَائِمِ، ولا يجوز أن يعدل عن المأكول وَالْمَشْرُوبِ إِلَى مَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ، فَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ فَضَرْبَانِ: طلاء ومأكول.

فَأَمَّا الطِّلَاءُ مِنَ الدُّهْنِ وَالضِّمَادِ فَمَحْسُوبٌ عَلَيْهِ إِنِ اسْتَعْمَلَهُ، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إِلَّا بِقِيمَةٍ مَحْسُوبَةٍ عَلَيْهِ مِنْ سَهْمِهِ لِخُرُوجِهَا عَنْ مَعْهُودِ الْمَأْكُولِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ وَغَيْرُ مَحْسُوبَةٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ ضَرُورَتَهُ إِلَيْهَا أَدْعَى، فَكَانَتِ الْإِبَاحَةُ أَوْلَى.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَا تُؤْكَلُ إِلَّا تَدَاوِيًا، حُسِبَتْ عَلَيْهِ مِنْ سَهْمِهِ وإن أكلت لدواء غير دَوَاءٍ لَمْ تُحْسَبْ عَلَيْهِ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا عُلُوفَةُ دَوَابِّهِمْ وَبَهَائِمهِمْ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي جِهَادِهِ، مِنْ فَرَسٍ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ وَبَهِيمَةٍ يَحْمِلُ عَلَيْهَا رَحْلَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْلِفَهَا مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ مَا تَعْتَلِفُهُ الْبَهَائِمُ مِنْ شَعِيرٍ وَتِبْنٍ وَقَتٍّ، وَلَا يَتَعَدَّى الْعُرْفَ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ ضَرُورَتَهَا فِيهِ كَضَرُورَتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا اسْتُصْحِبَ لِلزِّينَةِ وَالْفُرْجَةِ كَالْفُهُودِ وَالنُّمُورِ وَالْبُزَاةِ الْمُعَدَّةِ لِلِاصْطِيَادِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلِفَهَا مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي الْجِهَادِ، فَإِنْ أُطْعِمْهَا كَانَ مَحْسُوبًا عَلَيْهَا وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا حَمَلَهُ لِلِاسْتِظْهَارِ بِهِ لِحَاجَةٍ رُبَّمَا دَعَتْ إِلَيْهِ كَالْجَنِيبَةِ الَّتِي يَسْتَظْهِرُ بِهَا لِرُكُوبِهِ، أَوْ بِهَائِمَ يَسْتَظْهِرُ بِهَا لِحُمُولَتِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْلِفَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لِأَنَّهَا عُدَّةٌ يَقْوَى بِهَا عَلَيْهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يتعدى بها مال لنفسه، وإن علفها من أموالهم كان محسوبا عليها مِنْ سَهْمِهِ اعْتِبَارًا لِحَاجَتِهِ فِي الْحَالِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا، وَكَمَا لَا يُسْهَمُ إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ وَإِنِ اسْتَظْهَرَ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْعُلُوفَةَ إِلَى إِنْعَالِ دَوَابِّهِ، وَلَا أَنْ يُوقِحَ حَوَافِرَهَا وَيَدْهِنَ أَشَاعِرَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا مَا عَدَا الطَّعَامَ وَالْعُلُوفَةَ مِنَ الثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَالْآلَةِ وَالْمَتَاعِ فَجَمِيعُهُ غَنِيمَةٌ مُشْتَرَكَةٌ يُمْنَعُ مِنْهَا، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَبِسَ ثَوْبًا مِنْهَا فَأَخْلَقَهُ، أَوْ رَكِبَ دَابَّةً فَهَزَلَهَا اسْتَرْجَعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَغَرِمَ نَقْصَهُ كَالْغَاصِبِ.
رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا خَلِقَ رَدَّهُ فِيهِ " وَلِأَنَّ الْمُضْطَرَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَسْتَبِيحُ أَكْلَ الطَّعَامِ دُونَ الثِّيَابِ، فَكَذَلِكَ الْمُجَاهِدُ فِي دَارِ

الْحَرْبِ فَإِنِ اشْتَدَّتْ ضَرُورَةُ بَعْضِ الْمُجَاهِدِينَ إِلَى ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ اسْتَأْذَنَ فِيهِ الْإِمَامَ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الثِّيَابِ مَا يَدْفَعُ بِهِ ضَرُورَتَهُ، وَيَكُونُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ مِنْ سَهْمِهِ، وَإِذَا نُفِقَتْ دَابَّتُهُ أَوْ قُتِلَتْ فِي الْمَعْرَكَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بَدَلَهَا مِنَ الْمَغْنَمِ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمُجَاهِدُ أَوْ قُتِلَ لَمْ يَلْزَمْ غُرْمُ دِيَتِهِ، فَإِنِ اشْتَدَّتْ ضَرُورَتُهُ إِلَى مَا يَرْكَبُهُ لِقِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ حَتَّى يُعْطِيَهُ إِمَّا مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ نَفْلًا، وَإِمَّا مِنَ الْغَنِيمَةِ سَلَفًا مِنْ سَهْمِهِ، يَفْعَلُ مِنْهَا مَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَرَطَ لَهُمُ الْإِمَامُ أَنَّ مَنْ قُتِلَ فَرَسُهُ فِي الْمَعْرَكَةِ كَانَ لَهُ مِثْلُهَا أَوْ ثَمَنُهَا، جَازَ لِيُحَرِّضَهُمْ عَلَى الْإِقْدَامِ، وَوَفَّى بِشَرْطِهِ وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ مِثْلَهَا أَوْ ثَمَنَهَا بِحَسَبِ الشَّرْطِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى حُكْمِ ضَمَانِ الْمُسْتَهْلِكِ فِي غُرْمِ قِيمَةِ الدَّابَّةِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى الْمِثْلِ وَالثَّمَنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَتَّسِعُ حُكْمُهَا وَيَكُونُ مَا يَدْفَعُهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ، سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمُعَدِّ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.

(فَصْلٌ)

وَيَجُوزُ أَنْ يُتَابِعَ الْمُجَاهِدُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَا أَخَذُوهُ مِنْ طَعَامِهِمْ رِطْلًا بِرِطْلَيْنِ، وَلَا يَكُونُ رِبًا إِذَا بَاعَهُ مُجَاهِدٌ عَلَى مُجَاهِدٍ، لِأَنَّهُ مُبَاحُ الْأَصْلِ بَيْنَهُمْ فَسَقَطَ فِيهِ حُكْمُ الرِّبَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ، وَإِنْ كَانَ تَحْرِيمُ الرِّبَا عِنْدَهُ فِي دَارِ الْمُشْرِكِينَ كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ بِذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ، وَيَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى بَيْعِ الْمَأْكُولِ بِمَأْكُولٍ كَمَا كَانَ مَقْصُورًا عَلَى إِبَاحَةِ الْمَأْكُولِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِيهِ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ لِإِبَاحَةِ أَصْلِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُجَاهِدُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُجَاهِدٍ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَلَا بِثَمَنِهِ وَلَا بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَيَكُونُ مَبِيعًا بَاطِلًا عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَإِنْ عُقِدَ عَلَى شُرُوطِ الصِّحَّةِ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْأَكْلِ دُونَ الْبَيْعِ كَطَعَامِ الْوَلَائِمِ، وَهَكَذَا لَوْ دَفَعَهُ الْمُجَاهِدُ قَرْضًا لِغَيْرِهِ مُنِعَ إِنْ كَانَ مُقْتَرِضُهُ غَيْرَ مُجَاهِدٍ وَلَمْ يُمْنَعْ إِنْ كَانَ مُقْتَرِضُهُ مُجَاهِدًا وَيَصِيرُ مُقْتَرِضُهُ أَحَقَّ بِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ اسْتِرْجَاعَ بَدَلِهِ، وَإِذَا أَرَادَ الْمُجَاهِدُ أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا لَهُ حَمَلَهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى مُجَاهِدٍ أَوْ غَيْرِ مُجَاهِدٍ جَازَ وَحُرِّمَ لَهُ فِيهِ الرِّبَا، وَإِنْ أَقْرَضَهُ اسْتَحَقَّ اسْتِرْجَاعَ بَدَلِهِ بِخِلَافِ الْمَأْخُوذِ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْحَرْبِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِإِبَاحَةِ هَذَا وَحَظْرِ ذَاكَ (فَصْلٌ) وَإِذَا خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُمْ مِنْ بَقَايَا مَا أَخَذُوهُ مِنْ طَعَامِهِمْ فَفِي وُجُوبِ رَدِّهِ إِلَى الْمَغْنَمِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ هَاهُنَا أَنَّ عَلَيْهِمْ رَدَّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ لِارْتِفَاعِ الْحَاجَةِ، فَإِنِ اسْتَهْلَكُوهُ كَانَ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ مِنْ سِهَامِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي سِيَرِ الْأَوْزَاعِيِّ، لَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّهُ، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طَعَامًا وَعَسَلًا، فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمْسُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: مَا بَقِيَ معهم من الطعام قبل قسم الغنيمة رده فِي الْغَنَائِمِ، وَمَا بَقِيَ بَعْدَ قِسْمَتِهَا بَاعُوهُ وَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: إِنْ لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ كَانُوا أَحَقَّ به قبل الغنم وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا، وَتَكُونُ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَدَ اسْتِبَاحَةٍ، وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَدَ مِلْكٍ، وَإِنْ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي رَدُّوهُ إِلَى الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقَسْمِ، وَعَلَى الْإِمَامِ بَعْدَ الْقَسْمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ بَيْعُهُ وَلَا التَّصَدُّقُ بِثَمَنِهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْغَانِمِينَ وَتَكُونُ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَدَ اسْتِبَاحَةٍ، وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَدَ حَظْرٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَأْكُلُوهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَأْكُلُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي: " وَمَا كَانَ مِنْ كُتُبِهِمْ فِيهِ طِبٌّ أَوْ مَا لَا مَكْرُوهَ فِيهِ بِيعَ وَمَا كَانَ فِيهِ شِرْكٌ أُبْطِلَ وَانْتُفِعَ بِأَوْعِيَتِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: كُتُبُهُمْ مَغْنُومَةٌ عَنْهُمْ، لِأَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَيْسَ بِمَحْظُورٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مَا فِيهِ طِبٌّ، أَوْ حِسَابٌ، أَوْ شِعْرٌ، أَوْ أَدَبٌ فَتُتْرَكُ عَلَى حَالِهَا وَتُقَسَّمُ فِي الْمَغْنَمِ مَعَ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُتُبِ شِرْكِهِمْ وَشُبَهِ كُفْرِهِمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُتْرَكَ عَلَى حَالِهَا، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ لِأَنَّهُمَا قَدْ بُدِّلَا وَغُيِّرَا عَمَّا أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَجَرَتْ فِي الْمَنْعِ مِنْ تَرْكِهَا عَلَى حَالِهَا مَجْرَى كُتُبِ شِرْكِهِمْ، فَتُغْسَلُ وَلَا تُحْرَقُ بِالنَّارِ، وَإِنِ اخْتَارَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِحْرَاقَهَا، لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يُصَانُ عَنِ الْإِحْرَاقِ، وَلِأَنَّ فِي أَوْعِيَتِهَا إِذَا غُسِلَتْ مَنْفَعَةً لَا يَجُوزُ اسْتِهْلَاكُهَا، عَلَى الْغَانِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَسْلُهَا مُزِّقَتْ، حَتَّى يَخْفَى مَا فِيهَا مِنَ الشِّرْكِ، ثُمَّ بِيعَتْ فِي الْمَغْنَمِ إِنْ كَانَ لَهَا قِيمَةٌ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا خُمُورُهُمْ فَتُرَاقُ وَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى غيرهم لتحريها، وَتَحْرِيمِ أَثْمَانِهَا، فَأَمَّا أَوَانِيهَا فَإِنْ أَمْكَنَ حَمْلُهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِنَفَاسَتِهَا وَكَثْرَةِ أَثْمَانِهَا ضُمَّتْ إِلَى الْغَنَائِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهَا فَإِنْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَارِهِمْ قُسِّمَتْ بَيْنَهُمْ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا بَعْدَ غَسْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَغْسِلُوا عَلَى دَارِهِمْ كُسِّرَتْ وَلَمْ تُتْرَكْ عَلَيْهِمْ صِحَاحًا لِئَلَّا يعاود الانتفاع بها في حظور وَأَمَّا خَنَازِيرُهُمْ فَتُقْتَلُ سَوَاءً كَانَتْ مُؤْذِيَةً أَوْ غَيْرَ مُؤْذِيَةٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ: تُقْتَلُ إِنْ كَانَ فِيهَا عَدْوَى وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَرْكَهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَدْوَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعْجِيلَ قَتْلِهَا خَوْفَ ضَرَرِهَا وَإِنْ كَانَتْ عَادِيَةً وَإِنْ وَجَبَ قَتْلُهَا عَادِيَّةً وغير عادية

لِأَنَّ الْخَمْرَ تُرَاقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَدْوَى، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ قَتْلُهَا تَرَكَهَا كَمَا يَتْرُكُهُمْ إِذَا تَعَذَّرَ قَتْلُهُمْ وَأَمَّا جَوَارِحُ الصَّيْدِ فَمَا كَانَ مُبَاحَ الْأَثْمَانِ مِنَ الْفُهُودِ وَالنُّمُورِ وَالْبُزَاةِ قُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ مَعَ الْغَنَائِمِ، فَأَمَّا الْكِلَابُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَلَا يُتَعَرَّضُ لِأَخْذِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِيهَا فَمَا كَانَ مِنْهَا عَقُورًا مُؤْذِيًا قُتِلَ، وَتُرِكَ مَا عَدَاهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهَا إِمَّا فِي صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَرْثٍ فَيَجُوزُ أَخْذُهَا لِيَخْتَصَّ بِهَا مِنَ الْغَانِمِينَ أَهْلِ الِانْتِفَاعِ بِهَا، فَيُدْفَعُ كِلَابُ الصَّيْدِ إِلَى أَهْلِ الصَّيْدِ خَاصَّةً، وَتُدْفَعُ كِلَابُ الْمَاشِيَةِ إِلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ، وَكِلَابُ الْحَرْثِ إِلَى أَهْلِ الْحَرْثِ، وَلَا يُعَوَّضُ بَقِيَّةُ الْغَانِمِينَ عَنْهَا، لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغَانِمِينَ مَنْ يَنْتَفِعُ بها أعدها لِأَهْلِ الْخُمْسِ، لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مُبَاحًا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ صَيْدٍ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا وَجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَا يَكُونُ مِثْلَهُ مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ صَيْدٌ، وَأَشْجَارٌ، وَأَحْجَارٌ، وَثِمَارٌ، وَنَبَاتٌ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ آثَارُ الْمِلْكِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ مَوْسُومًا أَوْ مُقَرَّطًا، أَوْ تَكُونَ الْأَشْجَارُ مَقْطُوعَةً، وَأَنْ تَكُونَ الْأَحْجَارُ مَصْنُوعَةً، وَأَنْ تَكُونَ الثِّمَارُ مَقْطُوفَةً، وَأَنْ يَكُونَ النَّبَاتُ مَجْذُوذًا فَهَذِهِ آثَارٌ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، فَتَكُونُ غَنِيمَةً لَا يَنْفَرِدُ بِهَا وَاجِدُهَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْآثَارِ تَمْنَعُ مِنَ اسْتِبَاحَتِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ الْمُبَاحِ فِي دَارِ الشِّرْكِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى خَلْقِهِ الْأَصْلِيِّ لَيْسَ فِيهَا آثَارُ يَدٍ وَلَا صَنْعَةٌ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِي أَمْلَاكِهِمْ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ لَا يَمْلِكُهَا وَاجِدُهَا اعْتِبَارًا بِأُصُولِهَا إِلَّا الصَّيْدَ، فَإِنْ كَانَ مَرْبُوطًا فَهُوَ فِي حُكْمِهَا غَنِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَمَا فِيهِ مِنْ أَحْجَارٍ وَأَشْجَارٍ وَثِمَارٍ وَنَبَاتٍ وَعَسَلِ نَحْلٍ وَصَيْدٍ مُبَاحٍ تَبَعٌ لِأَصْلِهِ، يَأْخُذُهُ وَاجِدُهُ وَلَا يَكُونُ غَنِيمَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ جَمِيعُهُ غَنِيمَةً يُمْنَعُ وَاجِدُهُ مِنْهُ إِلَّا الْحَشِيشَ وَحْدَهُ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " المسلمون شركاء في ثلاث الماء والنار والكلاء " وَمَا عَدَاهُ غَنِيمَةٌ تُقَسَّمُ بَيْن

الْغَانِمِينَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ ذُو قِيمَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَغْنُومًا كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا كَانَ أَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ عَلَى الْإِبَاحَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْحَشِيشِ، وَلِأَنَّهَا دَارٌ يُسْتَبَاحُ حَشِيشُهَا فَاسْتَبَاحَ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ مِنْ مُبَاحِهَا كَدَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ أَغْلَظُ حَظْرًا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ فَكَانَ مَا اسْتُبِيحَ فِيهَا أَوْلَى أَنْ يُسْتَبَاحَ فِي دَارِ الشِّرْكِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِالْحَشِيشِ أَنَّ مَعْنَى أَصْلِهِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ وَهَذَا غَيْرُ مَمْلُوكٍ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا مَعَادِنُ بِلَادِهِمْ: فَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً فَهِيَ غَنِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوَاتٍ مُبَاحٍ فَهِيَ كَمَعَادِنِ مَوَاتِنَا، وَنُظِرَ مَا فِيهِ فَإِنْ كَانَ ظَهَرَ بِعَمَلٍ تَقَدَّمَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَا يَمْلِكُهُ آخِذُهُ، وَإِنْ كَانَ كَامِنًا فَهُوَ مِلْكُهُ أَخَذَهُ.
وَأَمَّا الرِّكَازُ فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوَاتٍ مُبَاحٍ أَوْ طَرِيقٍ سَابِلٍ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ طَابِعٌ قَرِيبُ الْعَهْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرْبَابُهُ أَحْيَاءً فَهَذَا غَنِيمَةٌ لَا يَمْلِكُهَا وَاجِدُهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ طَابِعٌ قَدِيمٌ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرْبَابُهُ أَحْيَاءً، فَهَذَا رِكَازٌ يَمْلِكُهُ وَاجِدُهُ، وَعَلَيْهِ إِخْرَاجُ خُمْسِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا اسْتُشْكِلَ وَاحْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ غَنِيمَةً اعْتِبَارًا بِالدَّارِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ رِكَازًا اعْتِبَارًا بِالْمَالِ.
وَأَمَّا مَا وُجِدَ مِنْ عِدَّةِ الْمُحَارِبِينَ، وَآلَةِ الْقِتَالِ، مِنْ خِيَمٍ وَسِلَاحٍ فَعَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ لُقَطَةً.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِيهِ، فَيُنْظَرَ فَإِنْ وُجِدَ فِي مُعَسْكَرِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ غَنِيمَةً، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لُقَطَةً اعتبارا باليد.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ فَإِنْ أُشْكِلَ بُلُوغُهُمْ فَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ طِفْلٍ وَمَنْ أَنْبَتَ فهو بالغ والإمام في البالغين بالخيار بين أن يقتلهم بلا قطع يد

ولا عضو أو يسلم أهل الأوثان ويؤدي الجزية أهل الكتاب أو يمن عليهم أو يفاديهم بمال أو بأسرى من المسلمين أو يسترقهم فإن استرقهم أو أخذ منهم فسبيله سبيل الغنيمة أسر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أهل بدر فقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ومن على أبي عزة الجحمي على أن لا يقاتله فأخفره وقاتله يوم أحد فدعا عليه أن لا يفلت فما أسر غيره ثم أسر ثمامة بن أثال الحنفي فمن عليه ثم أسلم وحسن إسلامه وفدى النبي عليه السلام رجلا من المسلمين برجلين من المشركين ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَسْرَى ضَرْبَانِ: ذُرِّيَّةٌ، وَمُقَاتِلَةٌ.
فَأَمَّا الذُّرِّيَّةُ فَهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَيُسْتَرَقُّونَ عَلَى مَا سَيَأْتِي حُكْمُهُ، وَأَمَّا الْمُقَاتِلَةُ فَهُمُ الرِّجَالُ، وَكُلُّ مَنْ بَلَغَ مِنَ الذُّكُورِ فَهُوَ رَجُلٌ، سَوَاءٌ اشْتَدَّ وَقَاتَلَ أَمْ لَا وَيَكُونُ الْإِنْبَاتُ فِيهِمْ بُلُوغًا، أَوْ فِي حُكْمِ الْبُلُوغِ، عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النبيِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَكَمَ أن مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي قُتِلَ وَمَنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ اسْتُرِقَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " هَذَا حُكْمُ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ " يعني سبع سموات، وَالْإِمَامُ فِي رِجَالِهِمْ إِذَا أَقَامُوا عَلَى شِرْكِهِمْ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ - يَجْتَهِدُ فِيهَا رَأْيَهُ - لِيَفْعَلَ أَصْلَحَهَا، فَيَكُونُ خِيَارَ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ لَا خِيَارَ شَهْوَةٍ وَتَحَكُّمٍ.
وَخِيَارُهُ فِي الْأَرْبَعَةِ بَيْنَ أن يقتل، أو يستوق أَوْ يُفَادَى عَلَى مَالٍ أَوْ أَسْرَى، أَوْ يَمُنَّ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَنْ يُقْتَلَ: أَوْ يسترق أو يفادى على مال أو أسرى، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمُنَّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَنْ يُقْتَلَ، أَوْ يُسْتَرَقَّ، أَوْ يُفَادَى عَلَى مَالٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَادَى بِأَسْرَى، وَلَا أَنْ يَمُنَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ: أَنْ يُقْتَلَ، أَوْ يُسْتَرَقَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَادَى، وَلَا أَنْ يَمُنَّ، فَصَارَ الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِمَا، أَمَّا الْقَتْلُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] . وَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ: مَنْ لِلصَّبِيَّةِ: فَقَالَ النَّارُ، وَقَتَلَ النَّضِرَ بْنَ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا.
وَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَرَقَّ سَبْيَ بَنِي قُرَيْظَةِ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ.
وَأَمَّا الْفِدَاءُ وَالْمَنُّ، فَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُمَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي فِدَاءِ أَسْرَى بَدْرٍ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ

الدنيا} [الأنفال: 67] يعني المال و ﴿الله يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: 67] ، يَعْنِي الْعَمَلَ بِمَا يُفْضِي إِلَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَاوَرَ فِيهِمْ أَصْحَابَهُ، فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِاسْتِبْقَائِهِمْ، وَأَخْذِ فِدَائِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ، وَأَشَارَ عُمَرُ بِقَتْلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ، وَأَعْدَاءُ رَسُولِهِ، فَعَمِلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَفَادَى كُلَّ أَسِيرٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا فَعَلَهُ مِنَ الْفِدَاءِ، وَقَالَ ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عظيم﴾ [الأنفال: 68] . وفيه تأويلان: أحدهما: ﴿ولولا كتاب من الله سبق﴾ أَنَّهُ سَيَحِلُّ الْمَغَانِمَ لَكُمْ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من فداء الأسرى عذاب عظيم قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: " لَوْلا كِتَابٌ مِنَ الله سبق " أَنْ لَا يُؤَاخِذَ أَحَدًا بِعَمَلٍ أَتَاهُ عَلَى جهالة ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ من الفداء ﴿عذاب عظيم﴾ قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ: وَإِذَا مَنَعَ مِنَ الفداء كالمنع مِنَ الْمَنِّ أَوْلَى وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَرَبَ رِقَابَهُمْ صَبْرًا بَعْدَ الْقُدْرَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قِتَالُهُمُ الْمُفْضِي إِلَى ضَرْبِ رِقَابِهِمْ فِي المعركة: ﴿حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق﴾ يَعْنِي بِالْإِثْخَانِ الْجِرَاحَ، وَبِشَدِّ الْوَثَاقِ الْأَسْرَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الْأَسْرِ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فداء﴾ والمن والعفو، وَالْفِدَاءُ مَا فُودِيَ بِهِ الْأَسِيرُ، مِنْ مَالٍ أَوْ أَسِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أوزارها﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَوْزَارُ الْكُفْرِ بِالْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِي: أَثْقَالُ السِّلَاحِ بِالظَّفَرِ فَوَرَدَ بِإِبَاحَةِ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ نَصُّ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يَجُوزُ دَفْعُهُ، ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ بَعْدَ أَنْ رَبَطَهُ إِلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ أَسْرًا، فَمَضَى وَأَسْلَمَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَمَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ لِقِتَالِهِ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى مَكَّةَ قَالَ: سَخِرْتُ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَعَادَ إلى قتاله في أحد فدعى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ لَا يُفْلِتَ فَمَا أُسِرَ يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ، فَقَالَ: امْنُنْ عَلَيَّ فَقَالَ: " هَيْهَاتَ، تَرْجِعُ إِلَى قَوْمِكَ فَتَقُولُ سَخِرْتُ مِنْ مُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَينِ " وَضَرَبَ عُنُقَهُ وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى طَرِيقِ الْخَبَرِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى طَرِيقِ التَّحْذِيرِ.
وَيَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الْفِدَاءِ بِالْأَسْرَى، مَا رَوَاهُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَادَى يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ، وَعَلَى الْفِدَاءِ بِالْمَالِ مَا فَادَى بِهِ أَسْرَى بَدْرٍ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَنْكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ إِبَاحَتِهِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْإِبَاحَةُ فَزَالَ الْإِنْكَارُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَيَّدَ إِنْكَارَهُ بِشَرْطٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿حتى يثخن في الأرض﴾ وَفِي إِثْخَانِهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَثْرَةُ الْقَتْلِ.
وَالثَّانِي: الِاسْتِيلَاءُ وَالظَّفَرُ، وَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا، فَزَالَ الْإِنْكَارُ وَارْتَفَعَ الْمَنْعُ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ أَمِيرَ الْجَيْشِ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، يَفْعَلُ مِنْهُمَا أَصْلَحَهَا فِي كُلِّ أَسِيرٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا نَظَرَ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَظِيمَ الْعَدَاوَةِ شَدِيدَ النِّكَايَةِ، فَهُوَ الْمَنْدُوبُ إِلَى قَتْلِهِ فَيَقْتُلُهُ صَبْرًا، يَضْرِبُ الْعُنُقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: 12] . وَلَا يُمَثِّلُ بِهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْمُثْلَةِ، وَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الْقَتْلِ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ". فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالعرنيين، فقطع أيدين، وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ فِي حَرِّ الرَّمْضَاءِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مُتَقَدَّمِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُهى.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ جَزَاءً وَقِصَاصًا، لِأَنَّهُمْ قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمَثَّلُوا بِهِ فَقَاتَلَهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يُعَذِّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ ". فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَمَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حِينَ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِالْيَمَامَةِ جَمَاعَةً مِنَ الْأَسْرَى وَأَلْقَاهُمْ فِي حُفَيْرَةٍ وَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ، وَأَخَذَ رَأْسَ زَعِيمِهِمْ فَأَوْقَدَهُ تَحْتَ قِدْرِهِ، قِيلَ عَنْهُ جَوَابَانِ: أحدهما: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنْكَرَا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَبَرِئَا إِلَى اللَّهِ مِنْ فِعْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَانَتْ حَالًا لَمْ يَنْتَشِرْ فِيهَا حُكْمُ النَّهْيِ، فَفَعَلَ خَالِدٌ مِنْ ذَلِكَ مَا اقْتَضَاهُ حُكْمُ السِّيَاسَةِ عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي مُتَقَدَّمِ الْإِسْلَامِ، وَكَانُوا أَوَّلَ قَوْمٍ تظاهروا

بِالرِّدَّةِ بَعْدَ قَبْضِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَآمَنُوا بِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَأَظْهَرَ بِمَا فَعَلَ مِنْ إِحْرَاقِهِمْ بِالنَّارِ، أَعْظَمَ الْعُقُوبَاتِ لِارْتِكَابِهِمْ أَعْظَمَ الْكُفْرِ ثُمَّ عَلِمَ بِالنَّهْيِ فَكَفَّ وَامْتَنَعَ، فَإِنِ ادَّعَى وَاحِدٌ مِمَّنْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُ عَانَتِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ نَبَتَ شَعْرُ عَانَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ مَعَ الْبَيِّنَةِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْإِنْبَاتِ هَلْ يَكُونُ بُلُوغًا أَوْ دَلَالَةً عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ بُلُوغٌ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ وَقُتِلَ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ دَلَالَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمْ يُقْتَلْ فَهَذَا حُكْمُ الْقَتْلِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ فَمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَوِيُّ الْبَطْشِ ذَلِيلُ النَّفْسِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِرْقَاقِ وَلَهُ حَالَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْجِزْيَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَالْمَجُوسِ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَيُقَرَّ عَلَى كُفْرِهِ بِالرِّقِّ كَمَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ بِالْجِزْيَةِ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ.
فَفِي جَوَازِ إِقْرَارِهِ عَلَى كُفْرِهِ بِالِاسْتِرْقَاقِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وسنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَيُقَرَّ عَلَى كُفْرِهِ بِالرِّقِّ، وَإِنْ لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ إِقْرَارُهُ بِالْأَمَانِ جَازَ إِقْرَارُهُ بِالِاسْتِرْقَاقِ، كَالْكِتَابِيِّ طَرْدًا وَكَالْمُرْتَدِّ عَكْسًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالِاسْتِرْقَاقِ كَمَا لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْجِزْيَةِ، وَيَبْقَى خِيَارُ الْإِمَامِ فِيهِ بَيْنَ الْقَتْلِ أَوِ الْفِدَاءِ أَوِ الْمَنِّ، وَلَا فَرْقَ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ بَيْنَ الْعَرَبِ مِنْهُمْ وَالْعَجَمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ كَانُوا عَجَمًا جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ وَإِنْ كَانُوا عَرَبًا وَجَبَ قَتْلُهُمْ وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ لِمُبَالَغَةِ الْعَرَبِ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِخْرَاجِهِ مِنْ بَلَدِهِ، فَصَارُوا بِذَلِكَ أَغْلَظَ جُرْمًا وَصَارَ قَتْلُهُمْ مُحَتَّمًا، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحْدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ عُقُوبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهَا الْعَرَبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ كَالْقَتْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ إِذَا كَانَ أَعْجَمِيًّا، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ إِذَا كَانَ عَرَبِيًّا كَأَهْلِ الْكِتَابِ فَهَذَا حُكْمُ الِاسْتِرْقَاقِ.

(فَصْلٌ)

" وَأَمَّا الْفِدَاءُ بِالْمَالِ، فَمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَثِيرُ الْمَالِ، مَأْمُونُ الْعَاقِبَةِ، وَافْتَدَى نَفْسَهُ بِمَالٍ، قُبِلَ مِنْهُ الْفِدَاءُ، وَأَطْلَقَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ غَنِيمَةً تُقَسَّمُ بين

الْغَانِمِينَ، وَيَكُونُ الَّذِي اسْتَأْسَرَهُ فِي فِدَائِهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْغَانِمِينَ سَوَاءً كَمَا يَكُونُ الْغَانِمُ لِلْمَالِ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءً.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ فِدَاءُ أَسْرَى بَدْرٍ بِأَخْذِهِ مَنِ اسْتَأْسَرَهُمْ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَقَدْ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَأَنْفَذَتْ فِي جُمْلَةِ فِدَائِهِ قِلَادَةً كَانَتْ لَهَا جَهَّزَتْهَا بِهَا خَدِيجَةُ، فَلَمَّا أَبْصَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَرَفَهَا وَرَقَّ لَهَا، وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا مَالَهَا فَافْعَلُوا فَلَوْلَا حَقُّهُمْ فِيهِ لَتَفَرَّدَ بِالرَّدِّ وَلَمَا سَأَلَهُمْ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدهما: أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ اسْتِطَابَةً لِقُلُوبِهِمْ وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ فِيهِ نَافِذًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُ الْأَسْرَى وَالْغَنَائِمِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حَقٌّ لِجَمِيعِهِمْ لَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَاسْتَطَابَ نُفُوسَهُمْ فِيهِ.
وَأَمَّا الْفِدَاءُ وَالْأَسْرَى: فَهُوَ لِمَنْ كَانَ فِي أَيْدِي قَوْمِهِ أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ مُشْفِقُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْرَى وَمُفْتَدُونَ لَهُ بِمَنْ فِي أَيْدِيهِمْ فَيُفَادِي بِهِ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَادَى كُلَّ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُفَادِيَ كُلَّ رَجُلٍ إِلَّا بِرَجُلٍ جَازَ وَلَوْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ أَنْ يُفَادِيَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ، فَهَذَا حُكْمُ الْفِدَاءِ

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْمَنُّ بِغَيْرِ الْفِدَاءِ، فَهُوَ فِيمَنْ عُلِمَ مِنْهُ ميلا إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ طَاعَةٌ فِي قَوْمِهِ يَتَأَلَّفُهُمْ بِهِ فَهُوَ الَّذِي يُمَنُّ عَلَيْهِ كَمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ فَعَادَ مُسْلِمًا فِي عَدَدٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَعُودَ إِلَى قِتَالِهِ، كَمَا شَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على أبي عزة الجحمي، فَلَمْ يَفِ بِهِ وَعَادَ لِقِتَالِهِ، وَظَفِرَ بِهِ فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْأَسْرَى عَبْدٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَالٌ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ غَنَائِمُهُمْ وَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى اسْتِرْقَاقِهِ، لِأَنَّهُ مُسْتَرَقٌّ، وَكَانَ الْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَ الْغَنَائِمِ مَعَ الْأَمْوَالِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ خَالَفَ عَاقِبَتَهُ، وَيُعَوِّضَ الْغَانِمِينَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ مَالٌ بِخِلَافِ مَنْ قَتَلَهُ مِنَ الْأَحْرَارِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَدِيَ بِهِ أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعَوِّضَ عَنْهُ الْغَانِمِينَ وَسَنَذْكُرُ مَنْ أَسْلَمَ.
(فَصْلٌ) : فَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ هَذَا الْأَسِيرَ فَلَا يَخْلُو حَالُ قَتْلِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نُفُوذِ حُكْمِ الْإِمَامِ فِيهِ أَوْ يَكُونَ قَبْلَهُ.
فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ نُفُوذِ حُكْمِ الْإِمَامِ فِيهِ، فَلَا يَخْلُ حُكْمُهُ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أحكام:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ، لَكِنْ يُعَزَّرُ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ فِي قَتْلِ مَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقَتْلِهِ وَإِنْ كَانَ قَتْلُهُ مُبَاحًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدِ اسْتَرَقَّهُ فَيَضْمَنُهُ قَاتِلُهُ بِقِيمَتِهِ عَبْدًا، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ مِنَ الْغَنِيمَةِ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ فَادَى بِهِ عَلَى مَالٍ أَوْ أَسْرَى فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْتُلَهُ قَبْلَ فرض الإمام فدا، فَيَضْمَنَ دِيَتَهُ، مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ صَارَ له بالفداء أمان فضمن دِيَتَهُ وَصَارَ بَقَاءُ الْفِدَاءِ مُوجِبًا لِصَرْفِ الدِّيَةِ إِلَى الْغَنِيمَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْدَ فَرْضِ الْإِمَامِ فِدَاءً وَقَبْلَ إِطْلَاقِهِ فَيَضْمَنُهُ بِالدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ دُونَ الْغَانِمِينَ لِاسْتِيفَاءِ فِدَائِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْدَ قَبْضِ فِدَائِهِ، وَإِطْلَاقِهِ إِلَى مَأْمَنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَوْدِهِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَسْرِهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مِنْ أَقْسَامِ الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ مَنَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ بَعْدَ الْمَنِّ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتُلَهُ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي مَأْمَنِهِ فَيَضْمَنَهُ بِالدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْدَ حُصُولِهِ فِي مَأْمَنِهِ فَلَا يَضْمَنَهُ وَيَكُونَ دَمُهُ هَدْرًا.
وَأَمَّا إِذَا قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْإِمَامُ فِيهِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَكِنْ يُعَزَّرُ أَدَبًا، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، يَضْمَنُهُ بِالدِّيَةِ لِلْغَانِمِينَ لِافْتِيَاتِهِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا خَطَأٌ خَطَأٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ مَا لَمْ يَحْدُثْ حَظْرٌ فَأَشْبَهَ الْمُرْتَدَّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَتْلَ الْإِمَامِ لَهُ لَمَّا لَمْ يُوجِبْ ضَمَانًا لَمْ يُوجِبْ قَتْلَ غَيْرِهِ كَالْحَرْبِيِّ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي: " وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْأَسْرِ رُقُّوا وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَسْرِ فَهُمْ أَحْرَارٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ إِسْلَامِهِمْ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَسْرِهِمْ، فَيَسْقُطَ خِيَارُ الْإِمَامِ فِيهِمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ، وَلَا يُسْتَرَقَّ، وَلَا يُفَادَى، وَهُمْ كَمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْقِتَالِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمُوا وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْهَرَبِ أَوْ كَانُوا فِي حِصَارٍ، أَوْ مَضِيقٍ قَدْ أُحِيطَ بِهِمْ، وَلَوْ فِي بِئْرٍ، لِأَنَّهُمْ قَبْلَ الْإِسَارِ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّصُوا فَجَرَى عَلَى إِسْلَامِهِمْ حُكْمُ الاختيار.

وَقَدْ أَسْلَمَ ابْنَا شُعْبَةَ الْيَهُودِيَّانِ فِي حِصَارٍ فَأَحْرَزَا بِإِسْلَامِهِمَا دِمَاءَهُمَا وَأَمْوَالَهُمَا، وَهَكَذَا مَنْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ قَبْلَ الْإِسَارِ حُقِنَ بِهَا دَمُهُ، وَحَرُمَ بِهَا اسْتِرْقَاقُهُ، وَصَارَتْ لَهُ بِهَا ذِمَّةٌ كَسَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنْ أَقَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَنَعْنَا عَنْهُ نُفُوسَنَا وَغَيْرَنَا، وَإِنْ أَقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنَعْنَا عَنْهُ نُفُوسَنَا، وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ نَمْنَعَ مِنْهُ غَيْرَنَا.

(فَصْلٌ)

: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُسْلِمُوا بَعْدَ الْإِسَارِ وَحُصُولِهِمْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَيَسْقُطُ الْقَتْلُ عَنْهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، وَيَحْقِنُوا بِهِ دِمَاءَهُمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمَوَالَهُمْ " فَثَبَتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مُوجِبٌ لِحَقْنِ دمائهم، فإن بذلوا الجزية بعد الإسراء وَلَمْ يُسْلِمُوا نُظِرِ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَمْ تُقْبَلْ جِزْيَتُهُمْ، وَلَمْ تُحْقَنْ بها دماؤهم ووإن كان مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَفِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَقَبُولِ الْجِزْيَةِ بَعْدَ الْإِسَارِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَحَدُهُمَا: تُحْقَنُ بِهَا دِمَاؤُهُمْ بَعْدَ الْإِسَارِ كَمَا تُحْقَنُ بِهَا دِمَاؤُهُمْ قَبْلَ الْإِسَارِ كَالْإِسْلَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُحْقَنُ بِهَا دِمَاؤُهُمْ بَعْدَ الْإِسَارِ وَإِنْ حُقِنَتْ بِهَا قَبْلَهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: 29] وَلَيْسَ لَهُمْ بَعْدَ الْإِسَارِ يَدٌ.
(فَصْلٌ) فَإِذَا سَقَطَ قَتْلُهُمْ بَعْدَ الْإِسَارِ بِالْإِسْلَامِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا، فَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْإِسَارِ رُقُّوا، وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْإِسَارِ فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا رَقِيقًا بِالْإِسْلَامِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِرْقَاقٍ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهُمْ لَا يَصِيرُونَ رَقِيقًا حَتَّى يُسْتَرَقُّوا، فَخَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَدْ رُقُّوا بِالْإِسْلَامِ، لِأَنَّ كُلَّ أَسِيرٍ حَرُمَ قَتْلُهُ رُقَّ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ خِيَارُ الْإِمَامِ فِي الْفِدَاءِ وَالْمَنِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ إنهم لا يرقوا إِلَّا بِالِاسْتِرْقَاقِ، لِأَنَّ سُقُوطَ الْخِيَارِ مِنَ الْقَتْلِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ فِي الْبَاقِي، كَالْكَفَّارَةِ إِذَا سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الْعِتْقِ لِعَدَمِهِ لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ فِيمَا عَدَاهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِمَامُ عَلَى خِيَارِهِ فِيهِ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ أَوِ الْفِدَاءِ أَوِ الْمَنِّ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْعُقَيْلِيَّ أُسِرَ وَأُوثِقَ فِي الْحَرَّةِ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِمَ أُخِذْتُ وَأُخِذَتْ سَابِقَةُ الْحَاجِّ، فَقَالَ: بِجَرِيرَتِكَ وَجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ مِنْ ثَقِيفٍ، فَقَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَعَطْشَانُ فَأَسْقِنِي، فَأَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ، فَقَالَ: لَهُ أَسْلِمْ، فَأَسْلَمَ فَقَالَ: لَوْ قُلْتَهَا قَبْلَ هَذَا لَأَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ، وَفَادَاهُ بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَقُّ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى يُسْتَرَقَّ وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ فِي الْفِدَاءِ وَالْمَنِّ

وَقَوْلُهُ: وَأُخِذَتْ سَابِقَةُ الْحَاجِّ يَعْنِي بِهَا نَاقَةً كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَابِقَةَ الْحَاجِّ، أَخَذَهَا الْمُشْرِكُونَ وَصَارَتْ إِلَى الْعُقَيْلِيِّ، فَأُخِذَتْ مِنْهُ بَعْدَ أَسْرِهِ، فَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ سَابِقَةَ الْحَاجِّ قَدْ أُخِذَتْ مِنِّي فَفِيمَ أُوخَذُ بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ: " بِجَرِيرَتِكَ وَجَرِيرَةِ قَوْمِكَ " يَعْنِي بجنايتك وجناية قومك، لأنهم نقصوا عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يُؤْخَذُ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ، مِنْ قومه.
قيل: لما كان منهم ومشاركا لهم فِي أَفْعَالِهِمْ صَارَ مُشَارِكًا لَهُمْ فِي الْأَخْذِ بجنايتهم، فأما إن سقط عنه القتل به الْإِسَارُ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ لَمْ يُرَقَّ بِبَذْلِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، حَتَّى يُسْتَرَقَّ وَكَانَ الْإِمَامُ فِيهِ عَلَى خِيَارِهِ بَيْنَ اسْتِرْقَاقِهِ وَمُفَادَاتِهِ وَالْمَنِّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ بَقَاءَ كُفْرِهِ يُوجِبُ إِبْقَاءَ أحكامه.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَإِذَا الْتَقَوْا وَالْعَدُوَّ فَلَا يُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ وَمَنْ فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ " (قال الشافعي) هذا على معنى التنزيل فإذا فر الواحد من الاثنين فأقل إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ من المسلمين قلت أو كثرت بحضرته أو مبينة عنه فسواء ونيته في التحريف والتحيز ليعود للقتال المستثنى المخرج من سخط الله فإن كان هربه على غير هذا المعنى خفت عليه إلا أن يعفو الله أن يكون قد باء بسخط من الله " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ قَبْلَ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ، وَمِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] فَأَمَرَ بِمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ بَعْدَ لِقَائِهِ، وَالثَّبَاتِ لِقِتَالِهِ، وقال تعالى: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: 200] . الْآيَةَ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَابِرُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَرَابِطُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ.
وَالثَّانِي: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ، وَصَابِرُوا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدَكُمْ، وَ " رَابِطُوا " عَدُوِّي وَعَدُّوَكُمْ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200] . أَيْ لِتُفْلِحُوا وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِتُؤَدُّوا فَرْضَكُمْ.
وَالثَّانِي: لِتُنْصَرُوا عَلَى عَدُوِّكُمْ.

وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي ابْتِدَاءِ فَرْضِ الْجِهَادِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُصَابِرَ فِي الْقِتَالِ عَشَرَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يأيها النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65] وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَعْلَمُونَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِي: لَا يَعْلَمُونَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْقِتَالِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ ذَلِكَ عَنْهُمْ عِنْدَ كَثْرَتِهِمْ، وَاشْتِدَادِ شوكتهم لعلمه لدخول الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ، فَأَوْجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لَاقَى الْمُشْرِكِينَ مُحَارِبًا أَنْ يَقِفَ بِإِزَاءِ رَجُلَيْنِ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ بِإِزَاءِ عَشَرَةٍ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ منكم ألف يغلبون أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66] وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعُونَةِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: بِمَشِيئَةِ الله، ﴿والله مع الصابرين﴾ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَعَ الصَّابِرِينَ عَلَى الْقِتَالِ فِي مَعُونَتِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَالثَّانِي: مَعَ الصَّابِرِينَ عَلَى الطَّاعَةِ فِي قَبُولِ عَمَلِهِمْ وَإِجْزَالِ ثَوَابِهِمْ، فَصَارَ فَرْضًا عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ لَاقَى عَدُوَّهُ زَحْفًا فِي الْقِتَالِ أَنْ يُقَاتِلَ رَجُلَيْنِ مُصَابِرًا لِقِتَالِهِمَا وَلَا يَلْزَمُهُ مُصَابَرَةَ أَكْثَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْوَاحِدَ إِذَا انْفَرَدَ أَنْ يُصَابِرَ قِتَالَ رَجُلَيْنِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا لَاقَوْا عَدُوَّهُمْ أَنْ يُصَابِرُوا قِتَالَ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ حَالِهِمْ، وَمَوْعِدٌ مِنْهُ إِذَا صَابَرُوا مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ أَنْ يَغْلِبُوا، وَلَيْسَ بِأَمْرٍ مَفْرُوضٍ اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْخَبَرِ دُونَ الْأَمْرِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَقَتَادَةُ: هُوَ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْأَمْرِ، لَكِنَّهُ خَاصٌّ فِي أَهْلِ بَدْرٍ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ، وَقَدْ يُوجَدُ أَحْيَانًا خِلَافُهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ بِأَهْلِ بَدْرٍ لِنُزُولِ الْآيَةِ، بَعْدَ بَدْرٍ، وَأَنَّ مَنْ قَاتَلَ بِبَدْرٍ إِنْ لم نخفف عَنْهُمْ لَمْ يُغْلَظْ عَلَيْهِمْ، فَثَبَتَ أَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ فَرْضَ الْمُصَابَرَةِ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقِفُوا مُصَابِرِينَ لِقِتَالِهِمْ مِثْلَيْهِمْ، وَلَا يَلْزَمَهُمْ مُصَابَرَةُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْهِمْ فَلَهُمْ فِي القتال حالتان.

إحداهما: أن يرجو الظَّفَرَ بِهِمْ إِنْ صَابَرُوهُمْ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ مُصَابَرَةُ عَدُوِّهُمْ حَتَّى يَظْفَرُوا بِهِمْ، سَوَاءٌ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، وَهَذَا أَكْثَرُ مُرَادِ الْآيَةِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أن لا يرجو الظَّفَرَ بِهِمْ، فَهَاهُنَا يُعْتَبَرُ الْمُشْرِكُونَ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ أَنْ يُوَلُّوا الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ، وَيَرْجِعُوا عَنْ قِتَالِهِمْ فَإِنْ أَقَامُوا عَلَى الْمُصَابَرَةِ وَالْقِتَالِ كَانَ مُقَامُهُمْ أَفْضَلَ إِنْ لَمْ يَتَحَقَّقُوا التَّلَفَ وَفِي جَوَازِهِ إِنْ تُحُقِّقَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَلُّوا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَابِرُوا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُصَابِرُوا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَلُّوا، وهذان الوجهان بناء على الاختلاف الوجهين فِيمَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ عَنْهُمَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَلُّ حرم عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُوَلُّوا عَنْهَا وَيَنْهَزِمُوا مِنْهُمْ إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَحَرَّفُوا لِقِتَالٍ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَحَيَّزُوا إلى فئة لقول الله تعالى: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فلا تولوهم الأدبار وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 15، 16] الْآيَةَ، فَدَلَّ هَذَا الْوَعِيدُ عَلَى أَنَّ الْهَزِيمَةَ لِغَيْرِ هَذَيْنِ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي، وَقَدْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْكَبَائِرَ، فَذَكَرَ فِيهَا الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَمْ يَفِرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ ". فَأَمَّا التَّحَرُّفُ لِلْقِتَالِ فَهُوَ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْقِتَالِ إِلَى مَوْضِعٍ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقِتَالِ، بِأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَضِيقٍ إِلَى سَعَةٍ، وَمِنْ حَزْنٍ إِلَى سُهُولَةٍ، وَمِنْ مَعْطَشَةٍ إِلَى مَاءٍ، وَمِنَ اسْتِقْبَالِ الرِّيحِ وَالشَّمْسِ إِلَى اسْتِدْبَارِهِمَا، وَمِنْ مَوْضِعِ كَمِينٍ إِلَى حِرْزٍ أَوْ يُوَلِّيَ هَارِبًا لِيَعُودَ طَالِبًا، لِأَنَّ الْحَرْبَ هَرَبٌ وَطَلَبٌ وَكَرٌّ وَفَرٌّ فَهَذَا وَمَا شَاكَلَهُ هُوَ التَّحَرُّفُ لِقِتَالٍ.
وَأَمَّا التَّحَيُّزُ إِلَى فِئَةٍ فَهُوَ أَنْ يُوَلِّيَ لِيَنْضَمَّ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَعُودَ مَعَهُمْ مُحَارِبًا وَسَوَاءٌ كَانَتِ الطَّائِفَةُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ:: " قَرِيبَةً أَوْ مُبِينَةً " يَعْنِي مُتَأَخِّرَةً، حَتَّى لَوِ انْهَزَمَ مِنَ الرُّومِ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْحِجَازِ، كَانَ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ: أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنِ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ غَيْرَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ فَهُمْ عُصَاةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَسَقَةٌ فِي دِينِهِمْ، إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا.

وَهَلْ يَكُونُ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ مُعَاوَدَةُ الْقِتَالِ اسْتِدْرَاكًا لِتَفْرِيطِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أن من شرط صحتها ومعاودة الْقِتَالِ اسْتِدْرَاكًا لِتَفْرِيطِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ مِنْ صِحَّتِهَا الْعَوْدُ وَلَكِنْ يَنْوِي أَنَّهُ مَتَى عَادَ لَمْ يَنْهَزِمْ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فُرْسَانًا وَالْمُشْرِكُونَ رَجَّالَةً، فِي جَوَازِ انْهِزَامِهِمْ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ، أَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ رَجَّالَةً وَالْمُشْرِكُونَ فُرْسَانًا فِي تَحْرِيمِ انْهِزَامِهِمْ مِنْ مِثْلِ عَدَدِهِمْ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِذَا لَقِيَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ طَلَبَاهُ وَلَمْ يَطْلُبْهُمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَنْهَزِمَ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَأَهِّبٍ لِقِتَالِهِمَا، وَإِنْ طَلَبَهُمَا وَلَمْ يَطْلُبَاهُ فَفِي جَوَازِ انْهِزَامِهِ عَنْهُمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَنْهَزِمَ عَنْهُمَا بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ فِي الْجَمَاعَةِ دُونَ الِانْفِرَادِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْهَزِمَ عَنْهُمَا إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ، أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ كَالْجَمَاعَةِ، لِأَنَّ طَلَبَهُ لَهُمَا قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ.
(فَصْلٌ) فَإِنْ تَحَقَّقَتِ الْجَمَاعَةُ الْمُقَاتِلَةُ لِمِثْلَيْ عَدُوِّهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ صَابَرُوهُمْ هَلَكُوا، فَفِي جَوَازِ هَزِيمَتِهِمْ مِنْهُمْ غَيْرَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَنْهَزِمُوا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَنْهَزِمُوا، لِأَنَّ فِي التَّعَرُّضِ لِلْجِهَادِ أَنْ يكون قاتلا أو مقتولا، ولأنهم يَقْدِرُونَ عَلَى اسْتِدْرَاكِ الْمَأْثَمِ فِي هَزِيمَتِهِمْ أَنْ ينووا التحرف لقتال، أوالتحيز إلى فئة، والله أعلم.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَنَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ مَنْجَنِيقًا أَوْ عَرَادَةً وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمُ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ وَقَطَعَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَهَا وَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ وَأَمَرَ بِالْبَيَاتِ وَالتَّحْرِيقِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ، وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ بِكُلِّ مَا عَلِمَ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الظَّفَرِ بِهِمْ مِنْ نَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ وَالْعَرَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الطَّائِفِ حِينَ حَاصَرَهَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ مَنْجَنِيقًا أَوْ عَرَادَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَشُنَّ عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ وَهُمْ غَارُّونَ لَا يَعْلَمُونَ، قَدْ شَنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْغَارَةَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَضَعَ عَلَيْهِمُ الْبَيَاتَ لَيْلًا، وَيَحْرِقَ عَلَيْهِمْ دِيَارَهُمْ ويلقي عليهم

النِّيرَانَ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ، وَيَهْدِمَ عَلَيْهِمُ الْبُيُوتَ، وَيُجْرِيَ عليهم السيل وبقطع عَنْهُمُ الْمَاءَ، وَيَفْعَلَ بِهِمْ جَمِيعَ مَا يُفْضِي إِلَى هَلَاكِهِمْ، وَلَا يَمْنَعُ مَنْ فِيهِمْ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ، وَإِنْ أفضى إلى هلاك نسائهم وأطفالهم، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَمْنَعْهُ مَنْ فِي بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْهُمْ مِنْ شَنِّ الْغَارَاتِ عَلَيْهِمْ، وَلَا مِنْ ثَقِيفٍ مِنْ نَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ إِنَّمَا كَانَ فِي السَّبْيِ الْمَغْنُومِ أَنْ يُقْتَلُوا صَبْرًا، وَلِأَنَّهُمْ غَنِيمَةٌ فَأَمَّا وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ دَارُ إِبَاحَةٍ يَصِيرُونَ فِيهَا تَبَعًا لِرِجَالِهِمْ.
رَوَى الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنْ دَارِ الشِّرْكِ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَقَالَ: " هُمْ مِنْهُمْ " يَعْنِي فِي حُكْمِهِمْ، فأما إن كان فيهم أساري مسلمين، فَلَا يَخْلُو جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْ يَخَافُوا اصْطِدَامَ الْعَدُوِّ، أَوْ يَأْمَنُوهُ، فَإِنْ خَافُوا اصْطِدَامَهُ جَازَ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا يُفْضِي إِلَى هَلَاكِهِمْ، وَإِنْ هَلَكَ مَعَهُمْ مَنْ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ سَلَامَةَ الْأَكْثَرِ مَعَ تَلَفِ الْأَقَلِّ أَوْلَى.
وَإِنْ أَمِنُوا اصْطِدَامَهُمْ نُظِرَ فِي عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَسْرَى، فَإِنْ كَثُرَ وَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ إِنْ رَمَوْا كُفَّ عَنْ رَمْيِهِمْ وَتَحْرِيقِهِمْ، وَإِنْ قَلُّوا وَأَمْكَنَ أَنْ يُسَلِّمُوا إِنْ رَمَوْا جَازَ رَمْيُهُمْ، وَقَدْ تَوَقَّى الْمُسْلِمينَ مِنْهُمْ، لِأَنَّ إِبَاحَةَ الدَّارِ يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْإِبَاحَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا حَظْرٌ كَمَا أَنَّ حَظْرَ دَارِ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْحَظْرِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُبَاحُ الدَّمِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا فِيهَا وَأَبَاحَتْ دَارُ الشِّرْكِ مَا فِيهَا ".

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " وَقَطَعَ بِخَيْبَرَ وَهِيَ بَعْدَ النَّضِيرِ وَالطَّائِفِ وَهِيَ آخر غزوة غزاها قط عليه السلام لقي فيها قتالا فبهذا كله أقول وما أصيب بذلك من النساء والولدان فلا بأس لأنه على غير عمد فإن كان في دارهم أساري مسلمون أو مستأمنون كرهت النصب عليهم بما يعم من التحريق والتغريق احتياطا غير محرم له تحريما بينا وذلك أن الدار إذا كانت مباحة فلا يبين أن يحرم بأن يكون فيها مسلم يحرم دمه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا ذُكِرَ يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ نَخْلَهُمْ وَشَجَرَهُمْ، وَيَسْتَهْلِكَ عَلَيْهِمْ زَرْعَهُمْ وَثَمَرَهُمْ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الظَّفَرِ بِهِمْ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] وَهَذَا فَسَادٌ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى الشَّامِ وَنَهَاهُمْ عَنْ قَطْعِ شَجَرِهَا وَلِأَنَّهَا قَدْ تَصِيرُ دَارَ إِسْلَامٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَاصَرَ بَنِي النَّضِيرِ فِي حُصُونِهِمْ بِالْبُوَيْرَةِ حِينَ نقضوا

عَهْدَهُمْ فَقَطَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ عَدَدًا مِنْ نَخْلِهِمْ ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَرَاهُمْ إِمَّا بِأَمْرِهِ وَإِمَّا لِإِقْرَارِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ قَطْعِهَا فَقِيلَ لِإِضْرَارِهِمْ بِهَا، وَقِيلَ: لِتَوْسِعَةِ مَوْضِعِهَا لِقِتَالِهِمْ فِيهِ، فَقَالُوا وَهُمْ يَهُودُ أَهْلِ الْكِتَابِ: يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيٌّ تُرِيدُ الصَّلَاحَ، فَمِنَ الصَّلَاحِ عَقْرُ الشَّجَرِ وَقَطْعُ النَّخْلِ، وَقَالَ شَاعِرُهُمْ سِمَاكٌ الْيَهُودِيُّ: (أَلَسْنَا وَرِثْنَا كِتَابَ الْحَكِيمِ ... عَلَى عَهْدِ مُوسَى وَلَمْ يَصْدِفِ)

(وَأَنْتُمْ رِعَاءٌ لِشَاءٍ عِجَافٍ ... بِسَهْلِ تِهَامَةَ وَالْأَخْيَفِ)

(تَرَوْنَ الرِّعَايَةَ مَجْدًا لَكُمْ ... لَدَى كُلِّ دَهْرٍ لَكُمْ مُجْحِفِ)

(فَيَا أَيُّهَا الشَّاهِدُونَ انْتَهُوا ... عَنِ الظُّلْمِ وَالْمَنْطِقِ الْمُؤْنِفِ)

(لَعَلَّ اللَّيَالِيَ وَصَرْفَ الدُّهُورِ ... يُدْرِكْنَ عَنِ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ)

(بِقَتْلٍ النَّضِيرِ وَإِجْلَائِهَا ... وَعَقْرِ النَّخِيلِ وَلَمْ تُخْطَفِ)

فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: (هُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ ... وَهُمْ عُمْيٌ عن التوراة نور)

(كفرتم بالقرآن وقد أوتيتم ... بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ)

(فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ)

فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ أَجْرٍ؟ أَوْ هَلْ عَلَيْنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ وِزْرٍ؟ فَحِينَئِذٍ أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5] وَفِي اللِّينَةِ ثَلَاثَةُ أقاويل: أحدهما: أَنَّهَا الْعَجْوَةُ مِنَ النَّخْلِ، لِأَنَّهَا أُمُّ الْإِنَاثِ، كَمَا أَنَّ الْعِتْقَ أُمُّ الْفُحُولِ، وَكَانَتَا مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ، وَلِذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِمْ قَطْعُهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْفَسِيلَةُ، لِأَنَّهَا أَلْيَنُ مِنَ النَّخْلَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا جَمِيعُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ لِلِينِهَا بِالْحَيَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف: 56] فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الظَّفَرِ بِالْمُشْرِكِينَ وَقُوَّةُ الدِّينِ كَانَ صَلَاحًا، وَلَمْ يَكُنْ فَسَادًا، وَفِي الْآيَةِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأرض بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان.
والثاني: لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِالْجَوْرِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا بِالْعَدْلِ.

وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ فَعَلَ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِهِمْ، فَقَطَعَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ نَخْلًا، وَقَطَعَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِهِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهَا لُزُومًا عَلَى بَقَاءِ الْحُكْمِ فِي قَطْعِهَا وَأَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ النُّفُوسِ أَعْظَمُ وَقَتْلَهَا أَغْلَظُ، فَلَمَّا جَازَ قَتْلُ نُفُوسِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، كَانَ قَطْعُ نَخْلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ عَلَيْهِمْ أَوْلَى، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِجَوَابِهِ مَا ذَكَرْنَا.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَخْلُ حَالُ نَخْلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ فِي مُحَارَبَتِهِمْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ نَعْلَمَ أَنْ لَا نَصِلَ إِلَى الظَّفَرِ بِهِمْ إِلَّا بِقَطْعِهَا، فَقَطْعُهَا وَاجِبٌ، لِأَنَّ مَا أَدَّى إِلَى الظَّفَرِ بِهِمْ وَاجِبٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الظَّفَرِ بِهِمْ وَبِهَا مِنْ غَيْرِ قَطْعِهَا، فَقَطْعُهَا مَحْظُورٌ، لِأَنَّهَا مَغْنَمٌ، وَاسْتِهْلَاكُ الْغَنَائِمِ مَحْظُورٌ، وَعَلَى هَذَا حَمْلُ نهي أبي بكر - رضي الله عنه - عَنْ قَطْعِ الشَّجَرِ بِالشَّامِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَنْفَعَهُمْ قَطْعُهَا وَيَنْفَعَنَا قَطْعُهَا فَقَطْعُهَا مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: لَا يَنْفَعُهُمْ قَطْعُهَا وَلَا يَنْفَعُنَا قَطْعُهَا فَقَطْعُهَا مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي هَدْمِ مَنَازِلِهِمْ عَلَيْهِمْ، عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ [الحشر: 2] وفيه ثلاث تَأْوِيلَاتِ: أَحَدُهَا: بِأَيْدِيهِمْ فِي نَقْضِ الْمُوَادَعَةِ، وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُقَابَلَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.
وَالثَّانِي: بِأَيْدِيهِمْ فِي إِخْرَابِ دَوَاخِلِهَا، حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، وَبِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَابِ ظَوَاهِرِهَا، حَتَّى يَصِلُوا إِلَيْهَا، وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
وَالثَّالِثُ: بِأَيْدِيهِمْ فِي تَرْكِهَا، وَبِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِإِجْلَائِهِمْ عَنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي: " وَلَكِنْ لَوِ الْتَحَمُوا فَكَانَ يَتَكَامَلُ الْتِحَامُهُمْ أَنْ يفعلوا ذلك رأيت لهم أن يفعلوا وكانوا مأجورين لأمرين أحدهما: الدفع عن أنفسهم والآخر نكاية عدوهم ولو كانوا غير ملتحمين فترسوا بأطفالهم فقد قيل يضرب المتترس منهم ولا يعمد الطفل وقد قيل يكف " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ إِذَا تَتَرَّسَ الْمُشْرِكُونَ بِأَطْفَالِهِمْ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ شَرْعَنَا يَمْنَعُ مِنْ تَعَمُّدِ قَتْلِهِمْ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي الْتِحَامِ الْقِتَالِ مَعَ إِقْبَالِهِمْ عَلَى حَرْبِنَا فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِمْ وَلَا حَرَجَ فِيمَا أَفْضَى مِنْهُ إِلَى قَتْلِ أَطْفَالِهِمْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَرْكَ قِتَالِهِمْ بِهَذَا مُفْضٍ إِلَى تَرْكِ جِهَادِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ مُقْبِلُونَ عَلَى حَرْبِنَا فَحَرُمَ أَنْ نُوَلِّيَ عَنْهُمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَتَرَّسُوا بِهِمْ فِي غَيْرِ الْتِحَامِ الْقِتَالِ عِنْدَ مُتَارِكَتِهِمْ لَنَا، وَقَدْ بَدَأْنَا بِقِتَالِهِمْ وَهُمْ فِي حِصَارِنَا، فَخَافُونَا فِيهِ ففعلوا ذلك، لتمتنع من رَمْيِهِمْ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مَكْرًا مِنْهُمْ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ حِصَارِهِمْ، وَلَا الِامْتِنَاعُ مِنْ رَمْيِهِمْ وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِ أَطْفَالِهِمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَفْعَلُوهُ دَفْعًا عَنْهُمْ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ حِصَارِهِمْ، وَفِي الْمَنْعِ مِنْ رَمْيِهِمْ وَضَرْبِهِمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ رَمْيِهِمْ كَالْمُقَاتِلِينَ تَغْلِيبًا لِفَرْضِ الْجِهَادِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَمْنَعَ مِنْ رَمْيِهِمْ، وَيُؤَخَّرَ الْكَفُّ عَنْهُمْ بِخِلَافِ الْمُقَاتِلِينَ لِأَنَّ جِهَادَهُمْ نَدْبٌ وَجِهَادُ الْمُقَاتِلِينَ فَرْضٌ، وَإِذَا قَابَلَ النَّدْبَ حَظْرٌ كَانَ حُكْمُ الْحَظْرِ أَغْلَبَ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي: " وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ رَأَيْتُ أَنْ يَكُفَّ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مُلْتَحِمِينَ فَيُضْرَبُ الْمُشْرِكَ وَيَتَوَقَّى الْمُسْلِمَ جَهْدَهُ فَإِنْ أَصَابَ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُسْلِمًا قَالَ فِي كِتَابِ حُكْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ كَانَ عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَالدِّيَّةُ مَعَ الرقبة (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ هَذَا عِنْدِي بمختلف ولكنه يقول إن كان قتله مع العلم بأنه محرم الدم مع الرقبة فإذا ارتفع العلم فالرقبة دون الدية " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَتَتَرَّسَ الْمُشْرِكُونَ بِمَنْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِمَّا لِيَدْفَعُونَا عَنْهُمْ، وَإِمَّا لِيَفْتَدُوا بِهِمْ نُفُوسَهُمْ، فَالْكَلَامُ فِيهَا يَشْتَمِلُ عَلَى

فَصْلَ

يْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْكَفِّ عَنْهُمْ.
وَالثَّانِي: فِي ضَمَانِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَفِّ عَنْهُمْ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُفَّ عَنْ رَمْيِهِمْ قَوْلًا وَاحِدًا، بِخِلَافٍ مَا لَوْ تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِهِمْ فِي جَوَازِ رَمْيِهِمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لَأَنَّ نَفْسَ الْمُسْلِمِ مَحْظُورَةٌ لِحُرْمَةِ دِينِهِ، وَنُفُوسَ أَطْفَالِهِمْ مَحْظُورَةٌ لِحُرْمَةِ الْمَغْنَمِ، وَلَوْ كَانَ فِي

دَارِهِمْ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يَتَتَرَّسُوا بِهِ جَازَ رَمْيُهُمْ بِخِلَافِ لَوْ تَتَرَّسُوا بِهِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا تَتَرَّسُوا بِهِ كَانَ مَقْصُودًا، وَإِذَا لَمْ يَتَتَرَّسُوا بِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَهَذَا حُكْمُهُ فِي وُجُوبِ الْكَفِّ عَنْ رَمْيِهِمْ، فَأَمَّا الْكَفُّ عَنْ حِصَارِهِمْ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْمَنَ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ، فَيَجُوزُ حِصَارُهُمْ وَالْمُقَامُ عَلَى قِتَالِهِمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَأْمَنَ عَلَيْهِمْ، وَيَغْلِبَ فِي الظَّنِّ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ، إِنْ أَقَمْنَا عَلَى قِتَالِهِمْ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْنَا فِي الْكَفِّ عَنْهُمْ ضَرَرٌ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُفَّ عن حصارهم استبقاءا لِنُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يَتَعَجَّلَ بِقَتْلِهِمْ ضَرَرًا وَلَيْسَ فِي مُتَارَكَتِهِمْ ضَرَرٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَيْنَا فِي الْكَفِّ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ضَرَرٌ لِخَوْفِنَا مِنْهُمْ عَلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ، وَحَرَمِهِمْ، فَلَا يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَلَا الِامْتِنَاعُ عَنْ قِتَالِهِمْ فَإِنْ قَتَلُوهُمُ اسْتِدْفَاعًا لِأَكْثَرِ الضَّرَرَيْنِ بِأَقَلِّهِمَا وَكَانَ وُجُوبُ الْمُقَامِ عَلَى قِتَالِهِمْ مُعْتَبَرًا بِالضَّرَرِ الْمُخَوِّفِ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ مُعَجَّلًا وَجَبَ الْمُقَامُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزِ الْمُقَامُ إِلَّا عِنْدَ تَجَدُّدِهِ وَحُدُوثِهِ، فَهَذَا حُكْمُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِهِمْ قَبْلَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ

(فَصْلٌ)

: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَتَرَّسُوا بِهِمْ بَعْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ لِأَجْلِ الأسرى، فإن فَرْضَ قِتَالِهِمْ قَدْ تَعَيَّنَ بِالْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَا أَقَامُوا عَلَى حَرْبِهِمْ، ويتعمدون بِالرَّمْيِ وَيَتَوَقَّوْا رَمْيَ مَنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ وَلَّوْا عَنِ الْحَرْبِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُمْكِنَ اسْتِنْقَاذُ الْأَسْرَى مِنْهُمْ إِنِ اتَّبَعُوا، فَوَاجِبٌ أَنْ يَتَّبِعُوا حَتَّى يَسْتَنْقِذَ الْأَسْرَى مِنْهُمْ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ حِرَاسَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يمكن اسنتقاذ الْأَسْرَى مِنْهُمْ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخَافَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ اتِّبَاعِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ إِذَا انْهَزَمُوا لِتَحْرِيمِ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَخَافَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَّا كَخَوْفِهِمْ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ وَلَا يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَأَمِيرُ الْجَيْشِ فِيهِمْ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ فِي اعْتِمَادِ الأصلح من اتباعه، أَوِ الْكَفِّ عَنْهُمْ

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي ضَمَانِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَهُ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتُلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ دَعَتْهُ إِلَى قَتْلِهِ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَأَنَّ دَارَ الشِّرْكِ لَا تُبِيحُ دَمَ مُسْلِمٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَدْعُوَهُ الضَّرُورَةُ إِلَى قَتْلِهِ، لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى دَفْعِ الشِّرْكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَخْرِيجًا مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْمُكْرَهِ إِذَا قَتَلَ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَوَد إِذَا قَتَلَ كَوُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْمُكْرِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الضَّرُورَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ إِذَا قَتَلَ، لِأَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْمُكْرَهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَتَكُونُ هَذِهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ مَعَ الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهَا دِيَةُ عَمْدٍ سَقَطَ الْقَوَدُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَعْمِدَ قَتْلَهُ وَلَا يَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] . فَاقْتَصَرَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ دُونَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ دَارَ الْكُفْرِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَهُ، وَلَا يَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَجْهَلُ بِحَالِهِ مَعَ الْغَالِبِ مِنْ حُكْمِ الدَّارِ شُبْهَةٌ فِي سقوط القود، وعليه الداية وَالْكَفَّارَةُ، وَتَكُونُ دِيَةَ عَمْدٍ يَتَحَمَّلُهَا فِي مَالِهِ.
وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ لِجَهْلِهِ بِإِسْلَامِهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَعْمِدَ قَتْلَهُ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا دِيَةَ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِإِبَاحَةِ الدَّارِ.
والقول الثاني: عليه الداية تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَتَكُونُ دِيَةَ خَطَأٍ تَتَحَمَّلُهَا العاقلة.

(مسألة)

: قال الشافعي: " لَوْ رَمَى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابَ مُسْتَأْمَنًا وَلَمْ يَقْصِدْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا رَقَبَةٌ وَلَوْ كان عالما بِمَكَانِهِ ثُمَّ رَمَاهُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ إِلَى الرَّمْيِ فَعَلَيْهِ رَقَبَةٌ وَدِيَةٌ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي تَحْرِيمِ دِمَائِهِمَا كَالْمُسْلِمِ إِنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ يَجِبُ تَوَقِّيهِمْ، كَمَا يَجِبُ تَوَقِّي الْمُسْلِمِ فَإِنْ أُصِيبَ أَحَدُهُمْ قَتِيلًا كَانَ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] . وَيَسْتَوِي أَحْكَامُهَا إِلَّا فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَوَدُ لِسُقُوطِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ.
وَالثَّانِي: قَدْرُ الدِّيَةِ لِاخْتِلَافِهِمَا بالإسلام والكفر، وهما في ما عَدَاهُنَّ سَوَاءٌ، فَإِنْ وَجَبَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَا فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ، وَإِنْ وَجَبَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْقَوَدُ وَالْكَفَّارَةُ، وَجَبَ فِي دِيَةِ الذِّمِّيِّ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، فَإِنْ وَجَبَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ كَانَ الذِّمِّيُّ بِمَثَابَتِهِ يَجِبُ فِي قَتْلِهِ الْكَفَّارَةُ، دُونَ الدِّيَةِ، وَيَسْتَوِي الْمُسْتَأْمَنُ وَالذِّمِّيُّ فِي ضَمَانِهِمَا بِالدِّيَةِ أَوْ بِالْكَفَّارَةِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَلْزَمُنَا دَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُ، وَالْمُسْتَأْمَنَ لَا يَلْزَمُنَا دَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُ، وبالله التوفيق.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَلَوْ أَدْرَكُونَا وَفِي أَيْدِينَا خَيْلُهُمْ أَوْ مَاشِيَتُهُمْ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا عَقْرُهُ إلا أن يذبح لمأكله ولو جاز ذلك لغيظهم بقتلهم طلبنا غيظهم بقتل أطفالهم ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا غَنِمْنَا خَيْلَهُمْ وَمَوَاشِيَهُمِ ثُمَّ أَدْرَكُونَا وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ عَنْهَا جَازَ تَرْكُهَا عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهَا وَعَقْرُهَا طَلَبًا لِغَيْظِهِمْ، أَوْ قَصْدًا لِإِضْعَافِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ قَتْلُهَا وَعَقْرُهَا لِإِحْدَى حَالَتَيْنِ، إِمَّا لِغَيْظِهِمْ، وَإِمَّا لِإِضْعَافِهِمُ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا أَفْضَى إِلَى إِضْعَافِهِمْ جَازَ اسْتِهْلَاكُهُ عَلَيْهِمْ كَالْأَمْوَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ نَمَاءَ الْحَيَوَانِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِتْلَافِهِ عَلَيْهِمْ كَالْأَشْجَارِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إِلَّا لِمَأكَلِهِ " وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ أَوْ تُتَّخَذَ غَرَضًا ". وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهَا سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهَا " قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا: قَالَ: " أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَأْكُلَهَا وَلَا يَقْطَعَ رَأْسَهَا وَيَرْمِيَ بِهَا " وَهَذِهِ أَخْبَارٌ تَمْنَعُ مِنْ عَقْرِهَا وَقَتْلِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إِذَا قُدِرَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ، إِذَا عَجَزَ عَنِ اسْتِنْقَاذِهِ كَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَلِأَنَّهُ

لَوْ جَازَ قَتْلُهَا لِغَيْظِهِمْ بِهَا كَانَ غَيْظُهُمْ بِقَتْلِ نِسَائِهِمْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ مَحْظُورٌ وَلَوْ قَتَلَهُ لِإِضْعَافِهِمْ كَانَ إِضْعَافُهُمْ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ فَبَطَلَ الْمَعْنَيَانِ فِي قَتْلِ الْبَهَائِمِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِهْلَاكِ الْأَمْوَالِ، وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْنَعُ مِنْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ وَيُبِيحُ قَتْلَ الْحَيَوَانِ، وَالشَّافِعِيُّ يُبِيحُ قَطْعَ الْأَشْجَارِ وَيَمْنَعُ مِنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ، فَصَارَا مُجْمِعَيْنِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَشْجَارِ وَالْحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمُبَاحِ مِنْهُمَا وَالْمَحْظُورِ، فَصَارَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْتَنِعًا وَإِبَاحَةُ الْأَشْجَارِ، وَحَظْرُ الْحَيَوَانِ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لِمَالِكِهِ، وَالْأُخْرَى لِخَالِقِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ حُرْمَةُ الْمَالِكِ لِكُفْرِهِ، بَقِيَتْ حُرْمَةُ الْخَالِقِ فِي بَقَائِهِ عَلَى حَظْرِهِ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ مَالِكُ الْحَيَوَانِ مِنْ تَعْطِيشِهِ وَإِجَاعَتِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ أَسْقَطَ حُرْمَةَ ملكه بَقِيَتْ حُرْمَةُ خَالِقِهِ، وَحُرْمَتُهُ أَكْبَرُ مِنْ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ، وَأَكْثَرُ مِنْ حَقِّ الْمَالِكِ وَحْدَهُ فَإِذَا سَقَطَ حُرْمَةُ مَالِكِهِ لِكُفْرِهِ جَازَ اسْتِهْلَاكُهُ لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى مَالِكِ الْمَالِ وَالشَّجَرِ اسْتِهْلَاكُهُ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِهْلَاكُ حَيَوَانِهِ.

(مسألة)

: قال الشافعي: " لَوْ قَاتَلُونَا عَلَى خَيْلِهِمْ فَوَجَدْنَا السَّبِيلَ إِلَى قَتْلِهِمْ بِأَنْ نَعْقِرَ بِهِمْ فَعَلْنَا لِأَنَّهَا تَحْتَهُمْ أَدَاةٌ لِقَتْلِنَا وَقَدْ عَقَرَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ بأبي سفيان بن حرب يوم أحد فانعكست بِهِ فَرَسُهُ فَسَقَطَ عَنْهَا فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ لِيَقْتُلَهُ فَرَآهُ ابْنُ شَعُوبٍ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَاسْتَنْقَذَ أَبَا سُفْيَانَ مِنْ تَحْتِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ إِذَا قَاتَلُونَا عَلَى خَيْلِهِمْ جَازَ لَنَا أَنْ نَعْقِرَهَا عَلَيْهِمْ، لِنَصِلَ بِعُقْرِهَا إِلَى قَتْلِهِمْ وَالظَّفَرِ بِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مُمْتَنِعُونَ بِهَا فِي الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ أَكْثَرَ مِنَ امْتِنَاعِهِمْ بِحُصُونِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ، فَصَارَتْ أَذًى لَنَا فَجَازَ اسْتِهْلَاكُهَا لِأَجْلِ الْأَذَى، كَمَا جَازَ اسْتِهْلَاكُ مَا صَالَ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ اسْتِهْلَاكُ مَا لَمْ يَصِلْ، وَقَدْ عَقَرَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ فَرَسَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ فَرَآهُ ابْنُ شَعُوبٍ فَبَدَرَ إِلَى حَنْظَلَةَ وَهُوَ يَقُولُ: (لَأَحْمِيَنَّ صَاحِبِي وَنَفْسِي ... بِطَعْنَةٍ مِثْلِ شُعَاعِ الشَّمْسِ)

ثُمَّ طَعَنَ حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَنْقَذَ أَبَا سُفْيَانَ مِنْهُ فَخَلَصَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ يَقُولُ: (فَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلَبِ مِنْهُمْ ... لَدَى غُدْوَةٍ حَتَّى دَانَتْ لِغُرُوبِ 9 ... (أُقَاتِلُهُمْ وادعي يال غالب ... وَأَدْفَعُهُمْ عَنِّي بُرِكُنِ صَلِيبِ)

(وَلَوْ شِئْتُ نَحَّتْنِي كُمَيْتٌ لِحَمْرَةٍ ... وَلَمْ أَحْمِلِ النَّغْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ)

فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ شَعُوبٍ فَقَالَ مُجِيبًا لَهُ حِينَ لَمْ يَشْكُرْهُ: (وَلَوْلَا دِفَاعِي يَا ابْنَ حَرْبٍ وَمَشْهَدِي ... لَأَلْفَيْتَ يَوْمَ النَّعْفِ غَيْرَ مُجِيبِ)

(وَلَوْلَا مَكَرِّي الْمُهْرَ بِالنَّعْفِ قَرْقَرَتْ ... ضِبَاعٌ عَلَيْهِ أَوْ ضِرَاءُ كَلِيبِ)

وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَأَى حَنْظَلَةَ وَقَدْ عَقَرَ فَرَسَ أَبِي سُفْيَانَ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ.

(فَصْلٌ)

: وَإِذَا كَانَ رَاكِبُ الْفَرَسِ مِنْهُمُ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا كَانَا يُقَاتِلَانِ عَلَيْهَا، جَازَ عَقْرُهَا مِنْ تَحْتِهِمَا كَمَا لَوْ كَانَ رَاكِبُهَا رَجُلًا مُقَاتِلًا، وَإِنْ كَانَا لَا يُقَاتِلَانِ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْكُوبَةٍ.

(فَصْلٌ)

: وَلَوْ أَدْرَكُونَا وَمَعَنَا خَيْلُهُمْ وَهُمْ رَجَّالَةٌ إِنْ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِمْ وَرَكِبُوهَا قَهَرُونَا بِهَا جَازَ عَقْرُهَا لِاسْتِدْفَاعِ الْأَذَى بِهَا، كَمَا لَوْ كَانُوا رُكْبَانًا عَلَيْهَا.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي: " فِي كِتَابِ حُكْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا تَرَكْنَا قتل الرهبان اتباعا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وَقَالَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَيُقْتَلُ الشُّيُوخُ وَالْأُجَرَاءُ والرهبان قتل دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فلم ينكر قتله (قال) ورهبان الديات والصوامع والمساكن سواء ولو ثبت عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خلاف هذا لأشبه أن يكون أمرهم بالجد على قتال من يقاتلهم ولا يتشاغلون بالمقام على الصوامع عن الحرب كالحصون لا يشغلون بالمقام بها عما يستحق النكاية بالعدو وليس أن قتال أهل الحصون حرام وكما روي عنه أنه نهى عن قطع الشجر المثمر ولعله لأنه قد حظر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقطع على بني النضير وحضره يترك وعلم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعدهم بفتح الشام فترك قطعه لتبقى لهم منفعته إذا كان واسعا لهم ترك قطعه (قال المزني) رحمه الله: هذا أولى القولين عندي بالحق لأن كفر جميعهم واحد وكذلك سفك دمائهم بالكفر في القياس واحد ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْمُقَاتِلَةُ أَوْ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَهُوَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خِيَارِ الْإِمَامِ فِيهِمْ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُمْ أَهْلُ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ مِنْهُمْ دُونَ الْقِتَالِ، فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ أَيْضًا شُبَّانًا كَانُوا أَوْ شُيُوخًا، قَدَرُوا عَلَى الْقِتَالِ أَوْ لَمْ يَقْدِرُوا، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عِلْمٌ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالُ عَمَلٌ وَالْعِلْمُ أَصْلٌ لِلْعَمَلِ، وَقَدْ أَفْصَحَ الْمُتَنَبِّي حَيْثُ قَالَ: (الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي)

وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ أَنْكَى وَأَضَرُّ وَهُوَ مِنَ الشَّيْخِ أَقْوَى وَأَصَحُّ، هَذَا دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ أَشَارَ عَلَى هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَنْ يَتَجَرَّدُوا لِلْقِتَالِ، وَلَا يُخْرِجُوا مَعَهُمُ الذَّرَارِيَ، فَخَالَفَهُ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ وَخَرَجَ بِهِمْ فَهُزِمُوا فَقَالَ دريد في ذلك:

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

سقط

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل