الحاوي الكبيرصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْإِقْرَارِ

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

سَوَاءٍ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِ التِّجَارَةِ فَكَذَلِكَ أَرْشُ كُلِّ جِنَايَةٍ، وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حُقُوقِ التِّجَارَةِ لَمْ يُجِزْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَالِ التِّجَارَةِ كَأَرْشِ الْبَكَارَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ، فَالسَّرِقَةُ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِيهَا الْقَطْعُ لِعَدَمِ الْحِرْزِ أَوْ لِنَقْصِ النِّصَابِ كَانَ كَالْمَالِ الْمُسْتَحَقِّ عَنْ جِنَايَةٍ وَاسْتِهْلَاكٍ إِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَإِنْ كَذَّبَهُ السَّيِّدُ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ عَلَى السَّيِّدِ مَعَ التَّكْذِيبِ.
وَإِنْ وَجَبَ فِيهَا الْقَطْعُ بِكَمَالِ النِّصَابِ وَوُجُودِ الْحِرْزِ كَانَ إِقْرَارُهُ نَافِذًا عَلَى يَدِهِ فِي الْقَطْعِ وَلَا يُرَاعَى فِيهِ تَصْدِيقُ السَّيِّدِ لِتَعَلُّقِهِ بِبَدَنِهِ.
فَأَمَّا الْمَالُ فَإِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ فِيهِ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ السَّيِّدُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ فِيهِ وَيَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ بِهِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ السَّيِّدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَقْبُولُ الْإِقْرَارِ فِيهِ وَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَيُبَاعُ لِأَدَائِهِ لِأَنَّ اقْتِرَانَهُ بِالْقَطْعِ يَنْفِي عَنْهُ التُّهْمَةَ وَلِأَنَّهُ إِقْرَارٌ وَاحِدٌ قَدْ حُكِمَ بِبَعْضِهِ فَحُكِمَ بِبَاقِيهِ فَلَوْ كَانَ مَا أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ فِي الْمُسْتَهْلَكِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُقْبَلَ إِقْرَارُهُ فِي الْعَيْنِ، وَإِنْ قُبِلَ إِقْرَارُهُ فِي الْمُسْتَهْلَكِ فَفِي قَبُولِ إِقْرَارِهِ فِي الْعَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ أَيْضًا كَالْمُسْتَهْلَكِ.
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ يَدٌ لِسَيِّدِهِ فَصَارَ إِقْرَارُهُ بِتِلْكَ إِقْرَارًا فِيمَا بِيَدِ سَيِّدِهِ فَرُدَّ وَلَمْ يُقْبَلْ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَمَقْبُولُ الْإِقْرَارِ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ السَّيِّدِ وَيَتَعَلَّقُ مَا أَقَرَّ بِهِ بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ وَلَا مَالَ مَعَهُ فَتَكُونُ دُيُونُ مُعَامَلَاتِهِ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهَا بَعْدَ عِتْقِهِ وَغُرْمُ جِنَايَتِهِ فِي رَقَبَتِهِ يُؤَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ كَالْعَبْدِ.
وَأَمَّا الَّذِي نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ مَمْلُوكٌ فِي نِصْفِهِ الْحُرِّ نَافِذُ الْإِقْرَارِ كَالْحُرِّ وَفِي نِصْفِهِ الْمَرْقُوقِ كَالْعَبْدِ وَاللَّهُ أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ رجلٌ لفلانٍ عَلَيَّ ألفٌ فَأَتَاهُ بألفٍ فقال هي هذه الَّتِي أَقَرَرْتُ لَكَ بِهَا كَانَتْ لَكَ عِنْدِي وديعةٌ فَقَالَ بَلْ هَذِهِ وَدِيعَةٌ وَتِلْكَ أُخْرَى فالقول

قول المقر مع يمينه لأن من أودع شيئاً فجائز أن يقول لفلانٍ عندي ولفلانٍ عليّ لأنه عليه ما لم يهلك وقد يودع فيتعدى فيكون عليه ديناً فلا ألزمه إلا باليقين ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا ابْتَدَأَ الْمُقِرُّ فَقَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ ثُمَّ أَتَاهُ بِهَا وَقَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ الَّتِي كُنْتُ أَقْرَرْتُ بِهَا كَانَتْ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةً فَأَنْكَرَهُ الْمُقَرُّ لَهُ وَقَالَ: هَذِهِ لَعَمْرِي وَدِيعَتِي فِي يَدِكَ وَتِلْكَ أَلْفٌ أُخْرَى دَيْنٌ لِي فِي ذِمَّتِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَيَّ مُسْتَعْمَلٌ فِي الدُّيُونِ دُونَ الْوَدَائِعِ فَصَارَ ظَاهِرَ الْإِقْرَارِ يُوجِبُ تَصْدِيقَ الْمُقَرِّ لَهُ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: - أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُرُوفَ الصِّفَاتِ تَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ فَجَازَ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ بِمَعْنَى عِنْدِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا احْتَمَلَهُ الْإِقْرَارُ فَهُوَ مَقْبُولٌ مِنَ المقر، وما قاله المقر ههنا مُحْتَمَلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيُّ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَيَّ يَعْنِي رَدَّهَا.
وَالثَّانِي: عَلَيَّ لِأَنَّنِي تَعَدَّيْتُ فِيهَا فَضَمِنْتُهَا.
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ بِهَا وَدِيعَةً قَدْ تَلِفَتْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ لِأَنَّ مَا تَلِفَ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ فَيُحْتَمَلُ عَلَيَّ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلى.
وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى الرَّدِّ، وَلَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِغَيْرِ التَّعَدِّي فَلَمْ يَكُنْ لِسُقُوطِ ضَمَانِهَا وَجْهٌ فَلَزِمَهُ الْغُرْمُ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ فِي ذِمَّتِي أَلْفٌ، ثُمَّ أَحْضَرَ أَلْفًا وَقَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ الَّتِي أَقْرَرْتُ لَهُ بِهَا كَانَتْ لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةً، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: بَلْ هَذِهِ الْوَدِيعَةُ وَتِلْكَ دَيْنٌ غَيْرُهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا لِاحْتِمَالِ قَوْلِهِ فِي ذِمَّتِي لِتَعْدِيَةٍ فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُقِرِّ بِأَلْفٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَشَارَ إِلَيْهَا أَنَّهَا وَدِيعَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُضَافَ إِلَى ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ بَعْدَ التَّلَفِ فَتَنَافَيَا والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي أَلْفُ درهمٍ وَدِيعَةً أو مضاربةً ديناً كانت ديناً لأنه قد يتعدى فيها فتكون مضمونة عليه ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ وَالْمُضَارَبَةَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا سُقُوطَ الضَّمَانِ عَنْهَا فَقَدْ يَقَعُ التَّعَدِّي فِيهِمَا فَيَجِبُ ضمانها وَمَا وَجَبَ ضَمَانُهُ بَعْدَ الْأَمَانَةِ جَازَ أَنْ يَصِيرَ دَيْنًا بِالِاسْتِهْلَاكِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ وَدِيعَةً ديناًَ مُتَنَافِيًا وَلَا مُمْتَنِعًا، فَصَارَ مُقِرًّا بِأَلْفٍ هِيَ دَيْنٌ مَضْمُونٌ فِي ذِمَّتِهِ عَنْ وَدِيعَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ وَلَا وَجْهَ لِإِلْغَاءِ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ صِلَةَ الْوَدِيعَةِ بِالدَّيْنِ وَإِثْبَاتُ حُكْمِ الْوَدِيعَةِ فِي سقوط الضمان لإمكان اجتماعهما بما بيننا.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ دَفَعَهَا إِلَيَّ أَمَانَةً عَلَيَّ أَنِّي ضامنٌ لها لم يكن بشرط ضَمَان مَا أَصْلُهُ أَمَانَةٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كما قال: كان عقد كل أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ لَمْ يَصِرْ مَضْمُونًا بِاشْتِرَاطِ الضَّمَانِ وَكُلُّ عَقْدٍ كَانَ مَضْمُونًا كَالْعَوَارِيِّ لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ بِاشْتِرَاطِ سُقُوطِهِ لِأَنَّ الْعُقُودَ مُعْتَبَرَةٌ بِمَا اسْتَقَرَّ مِنْ أَحْكَامِ أُصُولِهَا وَلَا يُغَيَّرُ الشَّرْطُ الْأَصْلُ عَنْ حُكْمِهِ فَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ فُلَانًا دَفْعَ إِلَيْهِ وَدِيعَةً عَلَى أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا فَهِيَ أَمَانَةٌ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ درهم وهي وَدِيعَةٌ دَفَعَهَا إِلَيَّ بِشَرْطِ الضَّمَانِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ الْأَلْفَ بِذِكْرِ الْوَدِيعَةِ فَلَمْ تَصِرْ بِالشَّرْطِ مَضْمُونَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَكُونُ مَضْمُونَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِقْرَارِهِ بِقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ ثُمَّ قَوْلِهِ مِنْ بَعْدُ: دَفَعَهَا إِلَيَّ بِشَرْطِ الضَّمَانِ ظَاهِرُهُ شَرْطُ جَوَازِ التَّصَرُّفِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفُ درهمٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنْ قَالَ نَقَدَ فيه ألفاً قيل كم لك منه؛ فما قال إنه لَهُ مِنْهُ اشْتَرَاهُ بِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا أَنْظُرُ إِلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ لِأَنَّهُمَا قَدْ يُغْبَنَانِ وَيَغْبِنَانِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا قَالَ: لِزَيْدٍ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهُوَ إِقْرَارٌ مُجْمَلٌ لَا يُوقَفُ عَلَى مُرَادِهِ إِلَّا بِبَيَانِهِ لِاحْتِمَالِهِ وُجُوهًا فَيُسْأَلُ عَمَّا أَرَادَ بِهِ فَإِذَا قَالَ أَرَدْتُ أَنَّهُ نَقَدَ فِي ثَمَنِهِ أَلْفًا، فَهَذَا خَبَرٌ أَنَّهُ مَلَكَ مِنْهُ بِالِابْتِيَاعِ شيئاً أيهمه وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَهُ.
فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ صَارَ إِقْرَارُكَ مَعْلُومَ الْجِهَةِ مَجْهُولَ الْقَدْرِ فَهَلْ شَرَيْتُمَاهُ صفقه أو صفقتين؟ فإن قال: شربناه صَفْقَةً، قِيلَ لَهُ: فَكَمْ نَقَدْتَ فِي ثَمَنِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: أَلْفًا، كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّ ثَمَنَهُ أَلْفَانِ إِحْدَاهُمَا لَهُ.
وَإِنْ قَالَ نفدت فِيهِ أَلْفَيْنِ.
كَانَ إِقْرَارًا بِثُلُثِهِ وَإِنْ قَالَ: نَقَدْتُ فِيهِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ كَانَ إِقْرَارًا بِرُبْعِهِ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلَا أَنْظُرُ إِلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ رَدًّا عَلَى مَالِكٍ حِينَ زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ نَقَدَ في ثمنه ألفاً، لم أسأله وقيمت الْعَبْدَ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا كَانَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنَّ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَ لَهُ عشره، فَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ فِي اعْتِبَارِ قِيمَتِهِ بِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ أَنَّهُمَا قَدْ يُغْبَنَانِ وَيَغْبِنَانِ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ يَكُونُ تَارَةً أَزْيَدَ مِنَ الْقِيمَةِ وَتَارَةً أَنْقَصَ فلم يجز من أجل ذلك أن نعتبر الْقِيمَةُ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْنَاهُ صَفْقَتَيْنِ سُئِلَ عَنْ قَدْرِ حِصَّتِهِ وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ قَدْرِ مَا نَقَدَ فِي ثَمَنِهِ لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّفْقَتَيْنِ قَدْ يَخْتَلِفُ وَلَيْسَ كَالصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِذَا بَيَّنَ لِنَفْسِهِ قَدْرًا مِنْهُ مِنْ ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَصَارَ هُوَ الْقَدْرُ الْمُقَرُّ بِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ أَنَّ الْعَبْدَ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً أَرْشُهَا أَلْفٌ قُبِلَ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ لِاحْتِمَالِ إِقْرَارِهِ وَأَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ فَيُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ مِنْهَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ الْعَبْدِ.

فَصْلٌ

: وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِذَلِكَ أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِهِ قُبِلَ مِنْهُ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِشَيْءٍ مِنْ ثَمَنِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ فَصَارَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي احْتِمَالِ إِقْرَارِهِ وَيُبَاعُ الْعَبْدُ فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ دُفِعَتْ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِهِ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَ مِنْهَا لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ يَتَعَيَّنُ الْمِلْكُ بِهَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي الْجِنَايَةِ، فَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُ الْعَبْدِ عَنْ أَلْفٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ وَإِنْ زَادَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِهِ أَنَّ الْعَبْدَ مَرْهُونٌ عِنْدَهُ بِأَلْفٍ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي احْتِمَالِ إِقْرَارِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَدْخُلُ فِي الِاحْتِمَالِ وَيُقْبَلُ مِنْهُ لِأَنَّ لِلْأَلْفِ تَعَلُّقًا بِرَقَبَتِهِ فِي اسْتِيفَائِهَا مِنْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَدْخُلُ فِي الِاحْتِمَالِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْبَيَانِ لِأَنَّ حَقَّ الرَّهْنِ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي الْعَبْدِ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ حَقَّ الرَّهْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ وَالرَّهْنِ فَكَانَ أَوْكَدَ مَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ.
فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَسَائِلِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ، لِأَنَّهُمَا حَرْفَا صِفَةٍ يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَلَيْسَتِ الْأَلْفُ جُزْءًا مِنَ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا مِنَ الْعَبْدِ فَاسْتَوَى الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ وفي، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ بِقِيمَةِ أَلْفٍ، فَهَذَا إِقْرَارٌ بِمِلْكِ جُزْءٍ مِنَ الْعَبْدِ قَدْرُهُ بِقِيمَةِ أَلْفٍ، فَهَلْ يَصِيرُ الْإِقْرَارُ مُقَدَّرًا بِالْقِيمَةِ أَوْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى بَيَانِهِ؟ على وجهين:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي، أَنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى بَيَانِهِ وَلَا يَصِيرُ مُقَدَّرًا بِالْقِيمَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ وَلَا تَقِفُ فِي الْأَحْوَالِ عَلَى حَدٍّ وَلَا النَّاسُ فِيهَا مُجْمِعُونَ عَلَى قَدْرٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَدَّرَ الْإِقْرَارُ بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ تَمَلُّكَ شَيْءٍ بِقِيمَةٍ مُطْلَقَةٍ.
فَلِهَذَيْنِ مَا رُجِعَ إِلَى بَيَانِهِ فِي الْقَدْرِ فَإِنْ بَيَّنَ قَدْرًا يَتَقَيَّمُ بِأَلْفٍ أَوْ أَقَلَّ قُبِلَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَدَّرُ إِقْرَارُهُ بِالْقِيمَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطبري وأن العبد يقيم فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ مَلَكَ مِنْهُ بِقِسْطِ الْأَلْفِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَصِيرُ الْمُقَرُّ لَهُ مَالِكًا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ لِأَنَّ مَنْ يُوجِبُ التَّبْعِيضَ فَلَا بُدَّ مِنْ إِخْرَاجِ بَعْضِهِ مِنْ إِقْرَارِهِ وَزَعَمَ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ اسْتِشْهَادًا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَالَ: لِفُلَانٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ أَلْفٌ وَكَانَ الْمَالُ كُلُّهُ أَلْفًا أَنَّهُ إِقْرَارٌ بِجَمِيعِهِ، وَأَنَّ مِنْ قَدْ يَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ تَارَةً وَلِلتَّمْيِيزِ أُخْرَى.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) {الحج: 30) أَيِ اجْتَنِبِ الْأَوْثَانَ الرِّجْسَ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِكَةٌ رَجَعَ فِي قَدْرِ الشَّرِكَةِ إِلَى بَيَانِهِ فَمَا بَيَّنَهُ مِنْ سَهْمٍ وَإِنْ قَلَّ قُبِلَ مِنْهُ.
وَقَالَ أبو يوسف: لَا أَقْبَلُ مِنْهُ أَقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) {النساء: 12) وَكَانَ الثُّلُثُ فِي الشَّرْعِ حَدًّا فِي الشَّرِكَةِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الثُّلُثَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْرًا لِحَقِّ الْمُشْتَرِكِ فِيهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَدْرًا لِلسَّهْمِ الْمُشَارِكِ بِهِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا حَدًّا لِأَقَلِّ الشَّرِكَةِ لَمَنَعَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَنْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ فِيهِ وَلَصَارَ حَدًّا لِأَكْثَرِ مَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفُ درهمٍ كَانَ إِقْرَارًا عَلَى أَبِيهِ بدينٍ وَلَوْ قَالَ فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي كَانَتْ هِبَةً إلا أن تريد إِقْرَارًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُمَا وَالْجَوَابُ مِنْهُمَا.
فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مِنْهُمَا أَنْ يَقُولَ: لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهَذَا إِقْرَارٌ عَلَى أَبِيهِ بِدَيْنٍ فِي تَرِكَتِهِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهَذِهِ هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ فَتَكُونُ غَيْرَ لَازِمَةٍ إِلَّا أَنْ يريد إقرارً بدين.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ حَيْثُ كَانَ فِي الْأُولَى مُقِرًّا بِدَيْنٍ وَاجِبٍ وَفِي الثَّانِيَةِ بِهِبَةٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأُولَى: فِي مِيرَاثِ أَبِي فَأَضَافَ الْمِيرَاثَ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّ مِلْكَ أَبِيهِ قَدْ زَالَ عَنِ الْمَالِ بِمَوْتِهِ وَلَا يَصيرُ مِيرَاثُ الْأَبِ لَهُ إِلَّا لِدَيْنٍ يَتَعَلَّقُ فَلِذَلِكَ صَارَ إِقْرَارًا بِدَيْنٍ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ: فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي فَأَضَافَ مِلْكَ الْأَبِ إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مِيرَاثَ أَبِيهِ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا فَانْصَرَفَ الْإِقْرَارُ عَنِ الدَّيْنِ إِلَى الْهِبَةِ لِاحْتِمَالِهَا.
وَمِثَالُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنْ يَقُولَ: لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ نِصْفُهَا وَمِنْ دَارِي نِصْفُهَا لِأَنَّ هَذَا كَانَ إِقْرَارُهُ هَذَا هِبَةً غَيْرَ لَازِمَةٍ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي ألف درهمٍ عاريةً كانت مضمونةً ". وهذا صحيح، وجملته أن عارية الدراهم جائزة وفي جواز إجارتها وجهان لفرق بينهما نذكره في موضعه، فإذا قَالَ: لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ عَارِيَّةٍ كَانَتْ مضمونة لأن العارية مضمونة فاستوى حكم قوله: عارية مضمونة كما يستوي حكم قوله: مغصوبة ومضمونة.
وهكذا لو قال: له عندي ألف درهم قرضاً كانت مضمونة لأن القرض مضمون والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو أقر في عبد في يده لفلانٍ وأقر العبد لغيره فالقول قول الذي هو في يَدِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا حُكِمَ بِرِقِّ الْعَبْدِ فِي يَدِ رَجُلٍ وَالْحُكْمُ بِرِقِّهِ يَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الْبَيِّنَةُ الْقَائِمَةُ بِرِقِّهِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا بِسَبْيٍ فَلَا يقبل فيه إِلَّا شَاهِدَانِ: وَإِمَّا لِوِلَادَتِهِ مِنْ أَمَتِهِ عَنْ إِصَابَةِ زَوْجٍ أَوْ سِفَاحٍ فَيُقْبَلُ فِيهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَشْهَدْنَ بِوِلَادَتِهِ.
وَالثَّانِي: الْيَدُ وَهُوَ أَنْ يَلْتَقِطَ صَغِيرًا مَجْهُولَ النَّسَبِ فَيَدَّعِيهِ الْمُلْتَقِطُ عَبْدًا فَيَحْكُمُ لَهُ بِرِقِّهِ فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفَ الِاسْتِرْقَاقِ فِي اسْتِخْدَامِهِ ثُمَّ بَلَغَ وَأَنْكَرَ الرِّقَّ لَمْ يُؤَثِّرْ إِنْكَارُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِرِقِّهِ.
وَالثَّالِثُ: الْإِقْرَارُ أَنْ يَدَّعِيَ رِقَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيُصَدِّقُ الْمُدَّعِي عَلَى اسْتِرْقَاقِهِ فَيَصِيرُ عَبْدًا بِإِقْرَارِهِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ النَّسَبِ فَإِنْ عُرِفَ لَهُ نَسَبٌ يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ.

وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ مِنْهُ إِقْرَارٌ بِالْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهَا ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَهَا بِالرِّقِّ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ.
فَإِذَا حُكِمَ بِرِقِّهِ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ وَكَانَ فِي يَدَيْ سَيِّدِهِ فَأَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ لِزَيْدٍ وَأَقَرَّ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ لِعَمْرٍو فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ دُونَ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ فَصَارَ إِقْرَارُهُ إِقْرَارًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَنَفَذَ فِيهِ إِقْرَارُ السَّيِّدِ لِأَجْلِ يَدِهِ، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ السَّيِّدِ نُظِرَ فِيهِ فَإِنْ قَبِلَ زَيْدٌ إِقْرَارَ السَّيِّدِ حُكِمَ لَهُ بِرِقِّهِ وَكَانَ عَمْرٌو إِنِ ادَّعَى رِقَّهُ خَصْمًا لِزَيْدٍ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ إِقْرَارَ السَّيِّدِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ حُرًّا يَرْتَفِعُ رِقُّهُ بِإِنْكَارِ مَنْ صَارَ مَحْكُومًا لَهُ بِمُلْكِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى رِقِّهِ وَلَا يَصِيرُ حُرًّا لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمِلْكِ لَا تُزِيلُ عَنِ السَّبْيِ حُكْمَ الْمِلْكِ.
فَعَلَى هَذَا، هَلْ تَرْتَفِعُ عَنْهُ يَدُ السَّيِّدِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ عَنْهُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ بِالْإِقْرَارِ فَعَلَى هَذَا مَنْ سَبَقَ إِلَى ادِّعَائِهِ مِلْكًا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ سَوَاءٌ سَبَقَ إِلَى الدَّعْوَى مَنِ اعْتَرَفَ لَهُ الْعَبْدُ بِالْمِلْكِ وَهُوَ عَمْرٌو أَوْ غَيْرُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تقر يَدُ السَّيِّدِ الْمُقَرِّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَسْتَحِقُّ بِالْيَدِ دَفْعَ الْمُدَّعِي عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمِلْكِهِ فَإِنْ صَدَّقَهُ ثَانِيًا عَلَى مَا مَلَكَهُ لَمْ يَصِرْ مَالِكًا لِلْعَبْدِ فِي إِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ زَالَ مِلْكُهُ فَلَمْ يَنْفُذْ إِقْرَارُهُ وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ بِالْإِقْرَارِ الثَّانِي رَفْعُ يَدِهِ وَلَا يُمْنَعُ الثَّانِي مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْمِلْكِ لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي تَرَكَهُ أَبُوهُ لفلانٍ ثُمَّ وَصَلَ أَوْ لَمْ يَصِلْ دَفَعَهُ أَوْ لَمْ يَدْفَعْهُ فَقَالَ بَلْ لفلانٍ آخَرَ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ وَلَا يُصَدِّقُ عَلَى إِبْطَالِ إِقْرَارِهِ فِي مالٍ قَدْ قَطَعَهُ لِلْأَوَّلِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ وَارِثُ مَيِّتٍ قَدْ تَرَكَ أَبُوهُ عَبْدًا: هَذَا الْعَبْدُ الَّذِي تَرَكَهُ أَبِي لِزَيْدٍ لَا بَلْ لِعَمْرٍو، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ الله وصل أو لم يصل هل يُلْزَمُ غُرْمَ قِيمَتِهِ لِلثَّانِي أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرْنَا وَجْهَهُمَا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَوْضُوعِهِمَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْقَوْلَانِ إِذَا سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ كَانَ هَذَا الدَّافِعَ، لَهُ غَرِمَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْقَوْلَانُ فِي

الْمَوْضِعَيْنِ مَعًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لأنه قال ههنا: دَفَعَهُ أَوْ لَمْ يَدْفَعْهُ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ وَسَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا فِي إِقْرَارِهِ لِلْأَوَّلِ أَوْ خَاطِئًا لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي الْأَمْوَالِ سَوَاءٌ.
وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا إِنْ أَخْطَأَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِدَ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَاهُ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا شَهِدَا عَلَى رجلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَرَدَّا ثُمَّ اشْتَرَيَاهُ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْبَائِعُ رَدَّ الثَمَنَ وَكَانَ لَهُ الْوَلَاءُ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا عُتِقَ بِإِقْرَارِهِمَا وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَتَرَكَ مَالًا كَانَ مَوْقُوفًا حَتَى يُصَدِّقَهُمَا فَيَرُدُّ الثَّمَنَ إليهما والولاء له دونهما (قال المزني) رحمه الله أصل قوله أن من له حق منعه ثم قدر عليه أخذه ولا يخلو المشتريان في قولهما في العتق من صدقٍ أو كذبٍ فإن كان قولهما صدقاً فالثمن دينٌ لهما على الجاحد لأنه باع مولى له وما ترك فهو لمولاه ولهما أخذ الثمن منه وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمَا كَذِبًا فَهُوَ عَبْدُهُمَا وَمَا ترك فهو لهما واليقين أن لهما قدر الثمن من مال الميت إذا لم يكن له وارثٌ غير بائعه وترك أكثر من الثمن وإن كان ما ترك أقل من الثمن لم يكن لهما غيره ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي عَبْدٍ ادَّعَى عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَأَنْكَرَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ عَلَى الرِّقِّ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالْعِتْقِ وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ لَا غَيْرَ فَإِنْ شَهِدَ عَلَى السَّيِّدِ بِعِتْقِهِ شَاهِدَانِ فَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا وَعُتِقَ الْعَبْدُ بِهَا وَصَارَ حُرًّا وَلِلسَّيِّدِ وَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِعِتْقِهِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ مُوجِبٌ لِلْوَلَاءِ وَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِالْوَلَاءِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ بَعْدِ الْعِتْقِ إِلَى حِينِ الْحُكْمِ إِلَّا قَدْرَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ رُدَّا وَكَانَ الْعَبْدُ عَلَى الرِّقِّ وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ كَتَصَرُّفِهِ مِنْ قَبْلُ فِي تَمَلُّكِ اكْتِسَابِهِ وَالْتِزَامِ نَفَقَتِهِ وَالتَّمْكِينِ مِنْ بِيعِهِ.
فَإِذَا عَادَ الشَّاهِدَانِ بِعِتْقِهِ فَاشْتَرَيَاهُ صَحَّ الشِّرَاءُ وَلَزِمَهُمَا الثَّمَنُ وَكَانَ الْعَقْدُ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ بيعاً ومن جهة الشاهدين اقتداءاً وَإِنَّمَا صَحَّ الشِّرَاءُ وَإِنِ اعْتَقَدَا حُرِّيَّتَهُ اسْتِنْقَاذًا لَهُ مِنْ رِقِّ ظُلْمٍ وَأَسْرِ عُدْوَانٍ كَالْمُسْلِمِ إِذَا اشْتَرَى مَأْسُورًا مِنْ مُشْرِكٍ صَحَّ الشِّرَاءُ وَإِنْ كَانَ حُرًّا اسْتِنْقَاذًا مِنْ أَسْرِ الظُّلْمِ وَيَدِ التَّغَلُّبِ لَا لِمِلْكِ مَا اشْتَرَى كَمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ثُمَّ بَذَلَ للزوج في خلعها ما لا صَحَّ الْخُلْعُ وَلَزِمَهُ الْعِوَضُ وَإِنِ اعْتَقَدَ الْفُرْقَةَ قَبْلَ الْخُلْعِ اسْتِنْقَاذًا لَهَا مِنْ فَرْجٍ حَرَامٍ فَلِذَلِكَ صَحَّ الشِّرَاءُ وَلَزِمَ الثَّمَنُ وَلَيْسَ كَمَنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ مِنَ الرَّضَاعِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِنْقَاذٌ مِنْ مَعْصِيَةٍ وَلَا غَرَضٌ يَصِحُّ لِقَاصِدٍ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ الشِّرَاءِ وَلَزِمَ الثَّمَنُ عُتِقَ عَلَيْهِمَا وَصَارَ حُرًّا بِسَابِقِ إِقْرَارِهِمَا لِأَنَّ قَوْلَهُمَا وَإِنْ كَانَ يُرَدُّ عَلَى غَيْرِهِمَا فَهُوَ إِقْرَارٌ مِنْهُمَا نَافِذٌ عَلَيْهِمَا فَصَارَ كَمَنْ أَتَى بِمَالٍ مِنْ دَيْنٍ لَهُ فَامْتَنَعَ مِنْ قَبْضِهِ وَقَالَ: هُوَ مَغْصُوبٌ مِنْ فُلَانٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ مَا لَمْ يُكْمِلْ بِقَوْلِهِ بَيِّنَةً عَادِلَةً وَكَانَ لِغَرِيمِهِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَبْضِهِ أَوْ إِبْرَائِهِ فَإِذَا قَبَضَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِغَصْبِهِ مِنْهُ بِسَابِقِ إِقْرَارِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ رُدَّ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا عُتِقَ صَارَ حُرًّا مَلَكَ كَسْبَهُ وَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ عَنْهُ.
وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْعَبْدِ أَمَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ.
وَلَوْ كَانَتِ الْأَمَةُ قَدْ وَلَدَتْ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَمَلَكَ الشَّاهِدَانِ أَوْلَادَهَا عُتِقُوا لِإِقْرَارِهِمَا بِعِتْقِ الْأُمِّ، وَأَوْلَادُ الْحُرَّةِ أَحْرَارٌ.
فَلَوْ مَلَكَ الشَّاهِدَانِ أَنَّ النِّصْفَ مِمَّنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ عُتِقَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ النِّصْفُ وَلَا تَقْوِيمَ عَلَيْهِمَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي لِأَنَّنَا لَمْ نُمْضِ الْعِتْقَ عَلَيْهِمَا بِمُبَاشَرَةٍ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا أَمْضَيْنَاهُ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا وَلِأَنَّهُمَا وَالْعَبْدَ مُعْتَرِفُونَ بحرية جميعه والبائع مُعْتَرِفٌ بِرِقِّ جَمِيعِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُعْتَرِفٌ بِمَا يُوجِبُ التَّقْوِيمَ فَسَقَطَ ثُمَّ هَكَذَا الْكَلَامُ لَوْ كَانَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ هُوَ الْمُشْتَرِي فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَنُفُوذِ الْعِتْقِ إِذْ هُوَ بِهِ مُقِرٌّ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِهِ وَلَكِنْ وِرِثَهُ عُتِقَ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ حُصُولَ مِلْكِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كان موجب لِعِتْقِهِ بِالْإِقْرَارِ.
فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ نُفُوذُ عِتْقِهِ فَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ الْمُشْتَرِيَيْنِ يُقِرَّانِ بِهِ لِلْبَائِعِ، وَالْبَائِعُ بِإِنْكَارِ الْعِتْقِ مُنْكِرٌ لَهُ.
فَإِذَا عَادَ الْبَائِعُ فَاعْتَرَفَ بِالْعِتْقِ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِهِ فِي حَيَاةِ الْعَبْدِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ تَرَكَ مَالًا أَوْ لَمْ يَتْرُكْ، وَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا عَلَى حَالِ الْإِنْكَارِ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ الْمَحْكُومُ بعتقه على الشاهدين وترك ما لا وَجَبَ أَنْ يُعَانَ مِنْهُ حَتَّى يُوَارَى فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ بِغَيْرِ الْوَلَاءِ مِنْ ذِي فَرْضٍ أَوْ عَصَبَةٍ فَلَهُ مِيرَاثُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ وَلَا بِالْوَلَاءِ فَمِيرَاثُهُ مَوْقُوفٌ لِوُقُوفِ وَلَائِهِ حَتَّى يُتَبَيَّنَ فَيُورَثُ بِهِ.
فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَبَ الشَّاهِدَانِ الْمُشْتَرِيَانِ مِنْ تَرِكَتِهِ قَدْرَ ما ورثاه في ثمنه، قال المزني لهما لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو قَوْلُهُمَا بِالْعِتْقِ مِنْ صِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ.
فَإِنْ كَانَ صِدْقًا فَالثَّمَنُ دَيْنٌ لَهُمَا عَلَى الْبَائِعِ الْجَاحِدِ وَالتَّرِكَةُ مَالُهُ وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا الْوُصُولُ إِلَى الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يَتَوَصَّلَا مِنْهُ إِلَى أَخْذِهِ.
وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمَا كَذِبًا فَهُوَ عَبْدُهُمَا وَمَا تَرَكَهُ مَالٌ لَهُمَا فَصَارَا مَالِكَيْنِ لِقَدْرِ الثَّمَنِ مِنْهُ يَقِينًا.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَمْرَ على ما ذكره المزني وأنه يحكم للمشترين بِقَدْرِ الثَّمَنَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ وَإِنَّمَا قَالَ الشافعي ههنا: كَانَ مَالُهُ مَوْقُوفًا يَعْنِي فِي اسْتِحْقَاقِهِ إِرْثًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِيَانِ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا وَنَسَبَ قَائِلَ هَذَا الْوَجْهِ الْمُزَنِيُّ إِلَى الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ تَعْلِيلًا بِأَنَّ مَا بَذَلَهُ الْمُشْتَرِيَانِ فِدْيَةٌ تَطَوُّعًا بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَا فَلَمْ يَجُزْ لَهُمَا بَعْدَ التَّطَوُّعِ الرُّجُوعُ بِهَا وَهَذَا التَّعْلِيلُ مِنْ قَائِلِهِ خَطَأٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ الْأَسِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِ مُتَطَوِّعٌ بِمَا بَذَلَ مِنْ ثَمَنِهِ عَلَى وَجْهِ الْفِدْيَةِ ثُمَّ لَهُ ارْتِجَاعُهُ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ غَنِمَ الْمَالَ مِنْ يَدِ الْمُشْرِكِ لَمْ يَمْلِكْهُ الْغَانِمُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَالٌ لِمُسْلِمٍ.
قال الشافعي رضي الله عنه: ولم أَسْلَمَ الْمُشْرِكُ وَالْمَالُ فِي يَدِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ وَلِبَاذِلِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَكَذَا مَا بَذَلَهُ الْمُشْتَرِيَانِ وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا مِنْهُمَا يَجُوزُ لَهُمَا ارْتِجَاعُهُ مَعَ التَّطَوُّعِ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ ثُمَّ قَالَ هِيَ نقضٌ أَوْ زيفٌ لَمْ يُصَدَّقْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الدِّرْهَمَ فِي حَقِيقَتِهِ عِبَارَةٌ عَنْ وَزْنٍ وَقَدْرٍ وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمَضْرُوبِ غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ مِنْهُ وَمَقَادِيرُهَا مُخْتَلِفَةٌ فِي الْبِلَادِ.
فَدَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ أَوْسَطُهَا وَهِيَ الَّتِي وَزْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ دَوَانِقَ وَكُلُّ دَانَقٍ مِنْهَا ثَمَانِ حَبَّاتٍ وَوَزْنُ كُلِّ عَشْرَةِ مِنْهَا سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَهِيَ أَوْسَطُ الدَّرَاهِمِ قَدْرًا وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الْهِرَقْلِيَّةُ.
وَالدِّرْهَمُ الثَّانِي وَهُوَ الْبَغْلِيُّ وَهُوَ أَعْلَاهَا وَوَزْنُهُ ثَمَانِيَةُ داونق يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمِ الْإِسْلَامِ ثُلُثَ وَزْنِهِ، وَالدِّرْهَمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الطَّبَرَيُّ وَهُوَ أَدْنَاهَا وَوَزْنُهُ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ بِنَقْصٍ عَنْ دِرْهَمِ الْإِسْلَامِ ثُلُثَ وَزْنِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ ذَلِكَ دَرَاهِمُ بِلَادٍ تُقَارِبُ فِي الْقَدْرِ وَزْنَ هَذِهِ كَالدِّرْهَمِ الْخُوَارَزْمِيِّ وَوَزْنُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّرْهَمِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَأَقَرَّ الرَّجُلُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ: هِيَ مِنْ دَرَاهِمَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مَقْبُولٌ مِنْهُ سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا أَوْ مُن

ْفَصِلً

ا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الْأَغْلَبُ مِنْ دَرَاهِمَ النَّاسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْمَعْهُودُ عرفاً من مطلق دراهم الناس.

فإذا قَالَ: أَرَدْتُ الدَّرَاهِمُ الْبَغْلِيَّةَ فَمَقْبُولٌ لِزِيَادَتِهَا عَلَى دَرَاهِمِ غَالِبِ النَّاسِ، وَإِنْ قَالَ: مِنَ الدَّرَاهِمِ الطَّبَرِيَّةِ وَهِيَ طَبَرَيَّةُ الشَّامِ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا فَهُوَ مَقْبُولٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ نَقْصَ الْوَزْنِ كَنَقْصِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْأَعْدَادِ.
وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ مُنْفَصِلًا فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّتِي هِيَ وَزْنُ دَرَاهِمِهِمْ.
أَوْ لَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَكَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ مِنْهُمْ وَلَكِنْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ لِأَنَّهُمَا نَقَصَا عَدَدًا وَقَدْرًا.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَفِيهِ كَأَهْلِ طَبَرِيَّةِ الشَّامِ إِذَا أَقَرَّ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ مُنْفَصِلًا: أَرَدْتُ الدِّرْهَمَ الطَّبَرَيِّ، أَوْ كَأَهْلِ خُوَارِزْمَ إِذَا قَالَ الْمُقِرُّ فِيهَا بِالدَّرَاهِمِ: أَرَدْتُ الدِّرْهَمَ الْخُوَارِزْمِيَّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ أبو حامد المروررذي فِي جَامِعِهِ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ كَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي إِطْلَاقِ الْبَيْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ عُرْفَ الْبِلَادِ فِي الْإِقْرَارِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي الْبَيْعِ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالْأَلْفِ: هِيَ زَيْفٌ فَهَذَا نَقَصَ الْجِنْسُ دُونَ الْقَدْرِ فَلَا يَخْلُو حَالُ تِلْكَ الزَّيْفِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا فِضَّةٌ أَمْ لَا.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا فِضَّةٌ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ لَا يَتَنَاوَلُهَا فَصَارَ كَالِاسْتِثْنَاءِ الرَّافِعِ لِكُلِّ الْجُمْلَةِ يَكُونُ مَرْدُودًا مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا فِضَّةٌ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا قُبِلَ مِنْهُ وَإِنْ قَالَهُ مُنْفَصِلًا لَمْ يُقْبَلْ كَالِاسْتِثْنَاءِ لِبَعْضِ الْجُمْلَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ تِلْكَ دَرَاهِمُهُمْ فَيُخْرِجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ كَبِيرٌ، فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ مِنْ وَزْنِ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ وَزْنُهُ سِتَّةُ دَوَانِقَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْبَغْلِيَّ الَّذِي هُوَ أَزْيَدُ مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ بِإِرَادَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ صَغِيرٌ، وَقَالَ أَرَدْتُ الطَّبَرِيَّ الَّذِي وَزْنُهُ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ قُبِلَ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَصْغَرُ الدَّرَاهِمِ وَزْنًا فَكَانَ إِقْرَارُهُ لِبَيَانِهِ مُحْتَمَلًا وَخَالَفَ حَالَ الْإِطْلَاقِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن قَالَ هِيَ مِنْ سَكَّةِ كَذَا وَكَذَا صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ كَانَ أَدْنَى الدَّرَاهِمِ أَوْ أَوْسَطُهَا جائزةً بغير ذلك الْبَلَدِ أَوْ غَيْرُ جَائِزَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ أَعْطَاهُ أَيَّ ثوبٍ أَقَرَّ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَلْبَسُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ (قال المزني) رحمه الله فِي قَوْلِهِ إِذَا

قَالَ لَهُ عَلَيَّ دُرَيْهِمٌ أَوْ دُرَيْهِمَاتٍ فَهِيَ وازنةٌ قضاءٍ على قوله وإذا قال له علي دراهم فهي وازنةٌ ولا يشبه الثوب نقد البلد كما لو اشترى بدرهم سلعةً جاز لمعرفتهما بنقد البلد وإن اشتراها بثوبٍ لم يجز لجهلهما بالثوب ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُقِرَّ بِالدَّرَاهِمِ يُرْجَعُ إِلَى بَيَانِهِ فِي صِفَتِهَا وَسَكَّتِهَا فَإِنْ قَالَ: هِيَ مِنْ دَرَاهِمِ الْبَصْرَةِ أَوْ سَكَّةِ بَغْدَادَ قُبِلَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَعْلَى أَوْ أَدْنَى مُتَّصِلًا أَوْ مُن

ْفَصِلً

ا. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَلْزَمُهُ فِي إِطْلَاقِ إِقْرَارِهِ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنْ بَيَّنَ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ لَمْ أَقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَى اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُطْلَقَ الدَّرَاهِمِ وَزْنًا يُوجِبُ حَمْلَهَا عَلَى دراهم الإسلام ولا يرجع إلى بيانه فيما وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ الدَّرَاهِمِ جِنْسًا يُوجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الْعُرْفِ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلَا يُرْجَعُ إِلَى بَيَانِهِ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُطْلَقُ ذِكْرِهَا فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ حَمْلَهَا عَلَى دَرَاهِمِ الْبَلَدِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقُ ذِكْرِهَا فِي الْإِقْرَارِ يُوجِبُ حَمْلَهَا عَلَى دَرَاهِمِ الْبَلَدِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِقْرَارُ بِالْمُطْلَقِ مِنَ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى بَيَانِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى ثِيَابِ بَلَدِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ بِالْمُطْلَقِ مِنَ الدَّرَاهِمِ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى بَيَانِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى دَرَاهِمِ بَلَدِهِ وَلَيْسَ إِذَا لَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُ الثِّيَابِ فِي الْبَيْعِ وَجَازَ إِطْلَاقُ الدَّرَاهِمِ فِيهِ أَنْ يَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِقْرَارَ هُوَ إِخْبَارٌ بِمُسْتَحَقٍّ فِي الذِّمَّةِ وَقَدْ يَصِحُّ أَنْ يُسْتَحَقَّ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ بِقَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ تَسْمِيَةٍ فِي عَقْدٍ فَصَحَّ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ فِي بَيَانِ إِقْرَارِهِ وَخَالَفَ الْبَيْعَ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْبَيْعَ ابْتِدَاءٌ حَتَّى يُوجِبَ إِطْلَاقَهُ الْعُرْفُ الْمَقْصُودُ فِيهِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْوَزْنِ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ فَلِأَنَّ غَيْرَهَا يُوجِبُ نَقْصًا فِي الْقَدْرِ فَلَمْ يُقْبَلْ فِي الِانْفِصَالِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَهَذَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِي الْقَدْرِ فَصَحَّ وَقُبِلَ كَالصِّحَاحِ والمكسرة والله أعلم بالصواب.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ درهمٌ فِي دينارٍ فَإِنْ أَرَادَ دِرْهَمًا وديناراً وإلا فعليه درهمٌ ". قال الماوردي: وهذا صحيح إذا قال: له عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي دِينَارٍ فَإِنْ أَرَادَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا وَجَبَا عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُرِدْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِرْهَمٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدِّينَارَ ظَرْفًا وَالظَّرْفُ لَا

يَدْخُلُ فِي الْإِقْرَارِ كَمَا لَوْ قَالَ: ثَوْبٌ فِي سَفَطٍ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ فِي دِرْهَمٍ فَإِنْ أَرَادَهُمَا لَزِمَاهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمَا لَزِمَهُ الدِّينَارُ الْمُتَّصِلُ بِلَفْظِ الْإِقْرَارِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الدِّرْهَمُ الَّذِي جَعَلَهُ ظَرْفًا، فَإِنْ قِيلَ فَالدِّرْهَمُ لَا يَكُونُ ظَرْفًا لِلدِّينَارِ وَلَا الدِّينَارُ ظَرْفًا لِلدِّرْهَمِ، قِيلَ هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا عِيَانًا جَازَ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا حُكْمًا.

فَصْلٌ

: وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي ثَوْبٍ فَعَلَيْهِ الدِّرْهَمُ دُونَ الثَّوْبِ لِأَنَّ الثَّوْبَ ظَرْفٌ وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي ثَوْبٍ مَرْوِيٍّ اشْتَرَيْتُهُ مُؤَجَّلًا فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ إِقْرَارًا بَاطِلًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ دِرْهَمًا مِنْ سَلَمٍ افْتَرَقَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَكَانَ بَاطِلًا.
وَإِنْ كَذَّبَهُ فَفِي بُطْلَانِهِ قَوْلَانِ مِنْ تَبْعِيضِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِقْرَارَهُ بَعْدَ إِبْطَالِهِ كَمَنْ قَالَ ضُمِّنْتُ أَلْفًا عَلَى أَنَّنِي بِالْخِيَارِ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ مَرْوِيٌّ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ إِلَى أَجَلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلَهُ عَلَيْهِ الثَّوْبُ دُونَ الْخَمْسَةِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الْخَمْسَةُ دُونَ الثَّوْبِ وعلية ذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَعْطَانِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ سَلَمًا فِي ثَوْبٍ مَرْوِيٍّ مُؤَجَّلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ اعْتِرَافٌ بِعَقْدِ سَلَمٍ يَسْتَحِقُّ فِيهِ الثَّوْبَ الْمُسْلَمَ فِيهِ دُونَ الثَّمَنِ وَإِنْ كَذَّبَهُ صَارَ مُنْكِرًا لِلْعَقْدِ فَاسْتَحَقَّ الثَّمَنَ وَاللَّهُ أعلم بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ درهمٌ ودرهمٌ فَهُمَا دِرْهَمَانِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَى الْأَوَّلِ بِوَاوِ النَّسَقِ فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحُكْمِ كَمَا لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الْإِقْرَارُ وَالطَّلَاقُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فِي لُزُومِ طَلْقَتَيْنِ وَيُخَالِفُهُ فِي الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فِي أَنَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُطَلِّقُ ثَلَاثًا.
وَالثَّانِي: يُطَلِّقُ اثْنَتَيْنِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالثَّالِثَةِ اسْتِئْنَافًا.
وَلَوْ قَالَ فِي الْإِقْرَارِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ يُخْرِجُ الدِّرْهَمَ الثَّالِثَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالطَّلَاقِ وَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ مُؤَكَّدٌ فِي الْعَادَةِ فَجَازَ أَنْ يجمل الثَّالِثَ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى التَّأْكِيدِ، وَالْإِقْرَارُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ فِي الْعَادَةِ فَحُمِلَ الثَّالِثُ مِنْ لَفْظِهِ على الاستئناف.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ درهمٌ فدرهمٌ قِيلَ إِنْ أَرَدْتَ فدرهمٌ لازمٌ فَهُوَ درهمٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ دِرْهَمَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ.

وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ: يَلْزَمُهُ فِي الْأُولَى دِرْهَمَانِ كَمَا يَلْزَمُهُ فِي الطَّلَاقِ طَلْقَتَانِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ.
وَهَذَا بَيِّنٌ ظَاهِرٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالطَّلَاقِ أَنَّ الدِّرْهَمَ فِي الْإِقْرَارِ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُوصَفَ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ: فَدِرْهَمٌ أَجْوَدُ مِنْهُ أَوْ أَرْدَأُ، وَالطَّلَاقُ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ فَزَالَ الِاحْتِمَالُ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يُوصَفُ الطَّلَاقُ.
بِمِثْلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ طَلَاقُ سُنَّةٍ وَطَلَاقُ بِدْعَةٍ قِيلَ: لَيْسَ هَذَا صِفَةً لِلطَّلَاقِ وَإِنَّمَا هُوَ حَالٌ يَرْجِعُ إِلَى صِفَاتِ الْمُطَلَّقَةِ وَالْمُطَلِّقِ لِأَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ فِي الْأَحْوَالِ عَلَى السَّوَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ الْفَاءُ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ وَالنَّسَقِ كَالْوَاوِ فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَوِيَا فِي حُكْمِ الْإِقْرَارِ، قِيلَ: الْفَاءُ قَدْ تَصْلُحُ لِلْعَطْفِ وَالصِّفَةِ فَلَمَّا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا الْيَقِينُ وَخَالَفَتِ الْوَاوُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلْعَطْفِ دُونَ الصِّفَةِ وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمُ ثُمَّ دِرْهَمٌ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّ ثُمَّ مَوْضُوعَةٌ لِعَطْفِ التراخي والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ درهمٌ تَحْتَ درهمٍ أَوْ درهمٌ فوق درهمٍ فعليه درهمٌ لجواز أَنْ يَقُولَ فَوْقَ درهمٍ فِي الْجَوْدَةِ أَوْ تَحْتَهُ فِي الرَّدَاءَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ تَحْتَ دِرْهَمٍ، أَوْ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ، أَوْ دِرْهَمٌ تَحْتَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ فَوْقَهُ دِرْهَمٌ فَإِنْ أَرَادَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ دِرْهَمَيْنِ فَهُمَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمَا فَالَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشافعي ههنا فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ وَاخْتَارَهُ الرَّبِيعُ، لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّعْلِيلِ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَالْمَوَاهِبِ مِنَ الْأُمِّ عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ لِأَنَّهُ الْأَظْهَرُ مِنْ حَالِ الْكَلَامِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ وأظهر والله أعلم بالصواب.

مسألة:

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكذلك لو قَالَ درهمٌ مَعَ درهمٍ أَوْ درهمٌ مَعَهُ دينارٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُ مَعَ دينارٍ لِي ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ: إِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمٌ مَعَهُ دِرْهَمٌ أَوْ مَعَ دِينَارٍ أَوْ مَعَهُ دِينَارٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ مَا لَمْ يُرِدِ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: مَعَ دِينَارٍ لِي، وَلَا يَلْزَمُ فِي الْإِقْرَارِ إِلَّا الْيَقِينَ وَيَجِيءُ فِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ أَنَّ عَلَيْهِ دِرْهَمَيْنِ.

فَصْلٌ

: فَلَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مَعَ عَمْرٍو، فَالظَّاهِرُ مِنْ إِقْرَارِهِ أَنَّهُ مُقِرٌّ لِزَيْدٍ بِدِرْهَمٍ هُوَ مَعَ عَمْرٍو وَالْيَقِينُ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِدِرْهَمٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَيُرْجَعُ إِلَى بَيَانِهِ فَإِنْ بَيَّنَ الْأَظْهَرَ مِنْ حَالَتَيْ إِقْرَارِهِ قَبِلْنَا وَإِنْ بَيَّنَ الْيَقِينَ مِنْهُ وَأَنَّ الدِّرْهَمَ لَهُمَا قَبِلْنَاهُ.
وَمِثْلُهُ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يَقُولَ: يَا هِنْدُ أَنْتِ طَالِقٌ

مَعَ زَيْنَبَ، فَتُطَلَّقُ هِنْدُ دُونَ زَيْنَبَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَهَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ زَانِيَةٌ مَعَ زَيْنَبَ كَانَ قَاذِفًا لِلْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ والله أعلم بالصواب.

مسألة:

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ درهمٌ قَبْلَهُ درهمٌ أَوْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ دِرْهَمان ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ أَوْ قَبْلَ دِرْهَمٍ أَوْ بَعْدَ دِرْهَمٍ، فَعَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ دِرْهَمَانِ، لِأَنَّ قَبْلَ وَبَعْدَ يَقْتَضِي التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي الْمَحَلِّ دُونَ الصِّفَةِ وَمَحَلُّ الدِّرْهَمِ الْأَوَّلِ هُوَ الذِّمَّةُ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ شَيْئًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ وَعَلَّلَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ قَبْلَ وَبَعْدَ رَاجِعٌ إِلَى الزَّمَانِ فَلَزِمَهُ دِرْهَمَانِ والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ قَفِيزُ حِنْطَةٍ مَعَهُ دينارٌ كان عليه قفيزٌ لأنه قد يقول مع دينارٍ لي ولو قال له عليّ قفيزٌ لَا بَلْ قَفِيزَانِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا قفيزان ". قال الماوردي: وهذا صحيح، إذ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ قَفِيزُ حِنْطَةٍ لَا بَلْ قَفِيزَانِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا قَفِيزَانِ وَقَالَ أبو حنيفة يَلْزَمُهُ فِي الِاسْتِحْسَانِ قَفِيزَانِ وَفِي الْقِيَاسِ ثَلَاثَةُ أَقْفِزَةٍ وَوَافَقْنَا اسْتِحْسَانًا وَخَالَفْنَا قِيَاسًا: اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ رَاجِعٌ بِذَلِكَ عَنِ الْقَفِيزِ الْأَوَّلِ مُثْبِتٌ بَعْدَهُ لِقَفِيزَيْنِ آخَرَيْنِ فَلَزِمَ الْجَمِيعَ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ الرُّجُوعُ.
وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْقِيَاسِ شَرْعًا، وَفِي مُقْتَضَى اللِّسَانِ لُغَةً مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ الْمُتَّصِلَ بِالْإِقْرَارِ أَكْثَرُ امْتِزَاجًا مِنَ اللَّفْظِ الْمُن

ْفَصِلِ

عَنْهُ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ قَفِيزٌ ثُمَّ أَمْسَكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ بَعْدَ انْفِصَالِ كَلَامِهِ: عَلَيَّ قَفِيزَانِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا قَفِيزَانِ لَا غَيْرَ، فَإِذَا قَالَ مُتَّصِلًا بِهِ: عَلَيَّ قَفِيزٌ لَا بَلْ قَفِيزَانِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إِلَّا قَفِيزَانِ لَا غَيْرَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ لَا بَلْ قَفِيزَانِ يُوجِبُ ضَمَّهُمَا إِلَى الْقَفِيزِ الْأَوَّلِ قِيَاسًا لَوَجَبَ إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ قَفِيزٌ لَا بَلْ أَكْثَرُ مِنْ قَفِيزٍ وَقَدْ أَجْمَعُوا قِيَاسًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا قَفِيزٌ وَشَيْءٌ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لَا بَلْ قَفِيزَانِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ لَا بَلْ قَفِيزَانِ، لَيْسَ بِنَفْيٍ لِلْقَفِيزِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاكُ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُثْبَتَ الْبَاقِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الْمَنْفِيُّ وَالْقَفِيزُ دَاخِلٌ فِي الْقَفِيزَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إِثْبَاتُ الْقَفِيزَيْنِ نَفْيًا لِلْقَفِيزِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَفْهُومَ اللِّسَانِ فِي اللُّغَةِ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا لَا بَلْ رَجُلَيْنِ، أَنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْ رُؤْيَةِ رَجُلَيْنِ بِكَلَامِهِ كُلِّهِ غَيْرُ رَاجِعٍ بِآخِرِهِ عَنْ أَوَّلِهِ.
وَفِي هَذَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لَا نَفْيٌ فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ لُغَةً وَقِيَاسًا.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا خَالَفَ بَيْنَ جِنْسَيْنِ فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ لَا بَلْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ فَعَلَيْهِ الْأَمْرَانِ دِينَارٌ وَقَفِيزٌ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُدْخِلِ الْأَوَّلَ فِي الثَّانِي لِاخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ صَارَ رُجُوعًا وَلَمْ يَكُنِ اسْتِدْرَاكًا، وَالْمُقِرُّ إِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ بِغَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ رُجُوعُهُ عَنِ الْأَوَّلِ وَلَزِمَهُ اعْتِرَافُهُ بِالثَّانِي كَمَنْ طَلَّقَ إِحْدَى نِسَائِهِ فَأَخَذَ بِالْبَيَانِ فَقَالَ: هِيَ حَفْصَةُ لَا بَلْ هِيَ عَمْرَةُ طُلِّقَتَا جَمِيعًا.
فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ لَا بَلْ دِرْهَمٌ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لِدُخُولِ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنِ اسْتِدْرَاكًا وَكَانَ رُجُوعًا فَلَزِمَاهُ مَعًا والله أعلم بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو قال لَهُ عَلَيَّ دينارٌ لَا بَلْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ كان مقرًّا بهما ثابتاً على القفيز راجعاً عن الدينار فلا يقبل رجوعه وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دينارٌ فقَفِيزُ حِنْطَةٍ لزمه الدينار ولم تلزمه الحنطة ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ فَقَفِيزُ حِنْطَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِينَارٌ لِمَا عَلَّلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَفِيزَ حِنْطَةٍ خَيرٌ مِنْهُ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ فَدِرْهَمٌ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِينَارٌ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يُرِيدَ: فَدِرْهَمٌ أَقَلُّ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ، فَكَذَا فِي الْجِنْسَيْنِ.
فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ فَعَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّهَا عَدَدٌ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْعَشَرَةِ وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابُنَا، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إِلَى عَشْرَةٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ زفر عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَدٌّ لِلِابْتِدَاءِ وَالْعَاشِرَ حَدٌّ لِلِانْتِهَاءِ فَلَمْ يَدْخُلَا لخروج من المحدود.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة: عَلَيْهِ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّ الْعَاشِرَ حَدٌّ خَارِجٌ عَنِ الْمَحْدُودِ وَالْأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ بِهِ فَدَخَلَ فِي الْمَحْدُودِ إذ دخل.
وَقَالَ محمد بن الحسن: يَلْزَمُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فيه لعاشر مَعَ كَوْنِهِ حَدًّا وَهَذَا مَذْهَبٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ يَوْمَ السَّبْتِ بِدِرْهَمٍ وَأَقَرَّ لَهُ يَوْمَ الْأَحَدِ بدرهمٍ فَهُوَ درهمٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ دُفْعَتَيْنِ فَهُوَ إِقْرَارٌ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُخَالِفْ بَيْنَ صِفَتَيْهِمَا أَوْ سَبَبَيْهِمَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسِ حُكْمٍ فَهُوَ إِقْرَارٌ بِدِرْهَمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَكْتُوبًا فِي صَكٍّ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ لَفْظَ الْإِقْرَارِ وَالطَّلَاقِ يَشْتَرِكَانِ فِي حُكْمِ اللُّزُومِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ، هَذَا إِذَا أَقَرَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهُمَا بِدِرْهَمٍ لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ وَلِأَنَّ إِعَادَةَ الْإِقْرَارِ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ أَغْلَظُ حُكْمًا مِنْ تَكْرَارِ اللَّفْظِ فِي الْمَجْلِسِ فَلَمَّا كَانَ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ، فَإِذَا أَعَادَ الْإِقْرَارَ فِي وَقْتَيْنِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهُ دِرْهَمَانِ.
وَدَلِيلُنَا مَفْهُومُ الْخِطَابِ لِسَانًا ثُمَّ مُقْتَضَى الشَّرْعِ حِجَاجًا، فَأَمَّا مَفْهُومُ الْخِطَابِ فِي اللُّغَةِ وَاللِّسَانِ فَهُوَ أَنَّ الْإِقْرَارَ إِخْبَارٌ وَتَكْرَارُ الْخَبَرِ لَا يُوجِبُ تَكْرَارَ الْمُخْبَرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ زَيْدًا، ثُمَّ قَالَ ثَانِيَةً: رَأَيْتُ زَيْدًا لَمْ يَقْتَضِ مَفْهُومُ كَلَامِهِ تَكْرَارَ رُؤْيَةٍ لِزَيْدٍ فَكَذَلِكَ مُوجِبُ إِقْرَارِهِ.
وَأَمَّا مُقْتَضَى الشَّرْعِ حِجَاجًا فَهُوَ أَنَّ تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ أَوْكَدُ لُزُومًا مِنْ تَكْرَارِهِ فِي مَجْلِسَيْنِ فَلَمَّا لَمْ يَتَضَاعَفِ الْإِقْرَارُ بِتَكْرَارِهِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتَضَاعَفَ فِي الْمَجْلِسَيْنِ، وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَتَكَرَّرْ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسَيْنِ كَالْمَكْتُوبِ فِي صَكٍّ، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمُجْمَلِ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ لَا يُوجِبُ مُضَاعَفَةَ الْإِقْرَارِ بِشَيْئَيْنِ وَإِعَادَتِهِ الْمُفَسَّرَ عِنْدَ الشُّهُودِ لَا يَصِيرُ إِقْرَارًا بِحَقَّيْنِ فَكَذَا الْمُفَسَّرُ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
وَيَتَحَرَّرُ فِيهِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِقْرَارٌ لَا يَتَكَرَّرُ بِالْمُجْمَلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ بِالْمُفَسَّرِ كَالْإِقْرَارِ عِنْدَ الشُّهُودِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِقْرَارٌ لَا يَتَكَرَّرُ عِنْدَ الشُّهُودِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَالْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِشْهَادِهِ بِالطَّلَاقِ فَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ إِيقَاعٌ وَالْإِقْرَارٌ إِخْبَارٌ فَإِذَا أَعَادَ لَفْظَ طَلَاقِهِ وَقَعَ بِهِ طَلَاقٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَإِذَا أَعَادَ لَفْظَ إِقْرَارِهِ لَمْ يَكُنْ خَبَرًا غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ لَكَانَ إِقْرَارُهُ بِالْمَالِ لَا يَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ كَمَا لَا يَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ الْمَالُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ فَالْمَعْنَى فِي لُزُومِ الدِّرْهَمَيْنِ أَنَّهُ قَدْ عَطَفَ عَلَى الْأَوَّلِ مِثْلَهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَالنَّسَقِ فَلَزِمَاهُ، وَلَوْ حَذَفَ الْوَاوَ لَمْ يَلْزَمَاهُ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا خَالَفَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ أَوْ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ لَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ، وَمُخَالَفَتُهُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ أَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَصْرِيٌّ، وَفِي الْيَوْمِ الْآخَرِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَغْدَادِيٌّ.
وَمُخَالَفَتُهُ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ أَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ ثَوْبٍ، وَفِي الْيَوْمِ الْآخَرِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ فَيَلْزَمُهُ الدِّرْهَمَانِ لِأَنَّهُمَا صَارَا مُخْتَلِفَيْنِ فَسَقَطَ احْتِمَالُ التَّكْرَارِ فيهما والله أعلم بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا قَالَ له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَكَمَا قَالَ لِأَنَّهُ وَصَلَ فَلَوْ سَكَتَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ مِنْ بَعْدِهِ هِيَ وديعةٌ وَقَدْ هَلَكَتْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ ضَمِنَ ثُمَّ ادَّعَى الْخُرُوجَ فَلَا يُصَدَّقُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَأَلْفَاظُ الْإِقْرَارِ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عندي.
والثالث: أني يَقُولَ لَهُ بِيَدِي.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ قِبَلِي.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ فِي ذِمَّتِي.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي ذِمَّتِي، فَكَقَوْلِهِ: لَهُ فِي ذِمَّتِي أَلْفُ دِرْهَمٍ فَيَقْتَضِي الدُّيُونَ الثَّابِتَةَ فِي الذِّمَمِ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ فَإِنِ ادَّعَى هَلَاكَهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ ذِمَّتِهِ لِأَنَّ هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَا يُوجِبُ تَعَلُّقَهَا بِالذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً بِيَدِهِ فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهَا الَّتِي أَقَرَّ بِهَا فِي ذِمَّتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِذَا أَنْكَرَهُ الْمُقَرُّ لَهُ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ إِلَّا بَعْدَ التَّلَفِ فَامْتَنَعَ أَنَّ تَكُونَ هَذِهِ الْوَدِيعَةُ الْبَاقِيَةُ هِيَ الثَّابِتَةُ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَضْمَنُهَا بِالتَّعَدِّي فَتَصِيرُ ثَابِتَةً فِي ذِمَّتِهِ إِنْ هَلَكَتْ فَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي يَدِي، فَكَقَوْلِهِ: لَهُ فِي يَدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَيَقْتَضِي الْأَعْيَانَ الَّتِي لَمْ يَسْتَقِرَّ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَمِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً كَالْغُصُوبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَمَانَةً كَالْوَدَائِعِ وَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمُقِرِّ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ الْأَلْفَ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا فِي يَدِهِ هِيَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ قُبِلَ مِنْهُ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ أَغْلَظُ ثُبُوتًا لِكَوْنِهِ دَيْنًا مَضْمُونًا مِمَّا بِيَدِهِ وَقَدْ تَكُونُ أَمَانَةً وَمَضْمُونَةً وَقَدْ يَسْتَهْلِكُ مَا بِيَدِهِ فَيَصِيرُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ قَالَ هِيَ وَدِيعَةٌ فَإِنْ أَحْضَرَهَا قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنِ ادَّعَى هَلَاكَهَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَ دَعْوَاهُ الْهَلَاكُ مُنْفَصِلًا عَنْ حَالِ الْإِخْبَارِ قَبْلَ مِنْهُ لِأَنَّ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْوَدِيعَةِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَهْلِكَ عقيب إقراره، وإن وصل وقال لَهُ بِيَدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً وَقَدْ هَلَكَتْ فَفِي قَبُولِ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ مَا قَدْ هَلَكَ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مِنْهُ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ.
فَصْلٌ : وَأَمَّا قَوْلُهُ: قِبَلِي، فَكَقَوْلِهِ: لِفُلَانٍ قِبَلِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَلَفْظٌ مُحْتَمَلٌ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا فِي الذِّمَّةِ مِنَ الدُّيُونِ وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا فِي الْيَدِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالِاحْتِمَالِ فِيهِمَا عَلَى سَوَاءٍ، فَإِذَا بَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ صَارَ بِالْإِرَادَةِ مُقْتَضًى وَكَلَامُهُ فَيَكُونُ عَلَى مَا أَوْضَحْنَاهُ مِنْ حُكْمِهِ.
فَصْلٌ : وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَلَيَّ: فَكَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَيَقْتَضِي مَا كَانَ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ مِنْ عَيْنٍ وَدَيْنٍ، وَخَالَفَ قَوْلُهُ: فِي ذِمَّتِي مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ: أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ يَقْتَضِي مَا ثبت فيهما مِنْ دَيْنٍ وَلَا يَقْتَضِي مَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ ضَمَانِ عَيْنٍ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ مِنَ المجاز إذا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي احْتِمَالِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ : فَأَمَّا قَوْلُهُ: عِنْدِي فَكَقَوْلِهِ: لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ أَوْ أَمَانَةٍ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ دَيْنٍ مَضْمُونٍ وَخَالَفَ قَوْلُهُ بِيَدِي مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ: أَنَّ مَا بِيَدِهِ لَا يَنْصَرِفُ إِلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِالْأَعْيَانِ الَّتِي بِيَدِهِ.
فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَصُورَة

ُ مَسْأَلَةِ

الْكِتَابِ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ يَذْكُرُ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَلَمْ يَدَّعِ تَلَفَهَا فَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ فِيهَا، وَقَدْ مَضَى خِلَافُ أبي حنيفة وَالْكَلَامُ مَعَهُ وَإِنِ ادَّعَى تَلَفَهَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ مُنْفَصِلًا عَنْ إِقْرَارِهِ فَقَوْلُهُ فِي تَلَفِهَا وَسُقُوطِ غُرْمِهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ سَوَاءٌ وَصَلَ إِقْرَارَهُ بِالْوَدِيعَةِ فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِيعَةً، أَوْ لَمْ يَصِلْ وَلَوْ كَانَ قَالَ: لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا مِنْ بَعْدُ قُبِلَ مِنْهُ لِمَا ذكرنا من الفرق بين قوله عليّ وعندي.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ فَيَقُولُ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً وَقَدْ تَلِفَتْ فَفِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ وَسُقُوطِ الْغُرْمِ عَنْهُ قَوْلَانِ: مِنْ تَبْعِيضِ - الْإِقْرَارِ فِيمَنْ قَالَ: ضَمِنْتُ أَلْفًا عَلَى أَنَّنِي بِالْخِيَارِ فَيَبْطُلُ أَوَّلُ كَلَامِهِ بِآخِرِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: يُقْبَلُ لِارْتِبَاطِ بَعْضِ الْكَلَامِ بِبَعْضِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ إِبْطَالَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى كَإِبْطَالِهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَاللَّهُ أعلم بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهُ مِنْ مَالِي أَلْفُ دِرْهَمٍ سئل فَإِنْ قَالَ هِبَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُتَبَيَّنَ فلا يلزمه إلا أن يقر ورثته ولو قال له من داري هذه نصفها فَإِنْ قَالَ هِبَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُتَبَيَّنَ لم يلزمه إلا أن يقر ورثته ولو قال له من هذه الدار نصفها لزمه ما أقر به ". قال الماوردي: وهذا صحيح.
إذا قال: له مِنْ مَالِي أَلْفُ دِرْهَمٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا هِبَةٌ لَا تُلْزَمُ إِلَّا بِالْقَبْضِ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْمَالَ إِلَى نَفْسِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْمَالَ وَهُوَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يُعْمِلَ إِقْرَارَهُ بِمَا يَزُولُ مَعَهُ الِاحْتِمَالُ بِأَنْ يَقُولَ: لَهُ مِنْ مَالِي أَلْفُ دِرْهَمٍ وَاجِبَةٌ أَوْ بِحَقٍّ فَيَكُونُ إِقْرَارٌ بِدَيْنٍ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ دَارِي هَذِهِ نَصِفُهَا كَانَتْ هِبَةً إِنِ ادَّعَاهَا أَوْ وَارِثُهُ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ تَلْزَمْ إِلَّا بِالْقَبْضِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ فِي إِضَافَتِهَا إِلَى نَفْسِهِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِ لَهَا.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ مِيرَاثِي عَنْ أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَتْ هِبَةً.
فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ يَسْتَوِي حُكْمُهَا لِاسْتِوَاءِ تَعْلِيلِهَا إِلَّا أَنْ يَقُولَ: بِحَقٍّ وَاجِبٍ فَيَصِيرُ إِقْرَارًا بِمِلْكٍ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِانْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، كَانَ هذا إقرار لَازِمًا لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِاسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يُضِفْهُ إِلَى مِلْكِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: مِنْ هَذِهِ الدَّارِ نَصِفُهَا كَانَ إِقْرَارًا بِحَقٍّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ إِقْرَارًا بِدَيْنٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ يَسْتَوِي حُكْمُهَا لِاسْتِوَاءِ تَعْلِيلِهَا.

فَصْلٌ

: وَلَوْ قَالَ: لَهُ فِي مَالِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: كَانَ إِقْرَارًا بِدَيْنٍ وَخَالَفَ فِي الْجَوَابِ بَيْنَ قَوْلِهِ: مِنْ مَالِي، فَجَعَلَهُ هِبَةً وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فِي مَالِي، فَجَعَلَهُ إِقْرَارًا وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّهُ بِقَوْلِهِ: فِي مَالِي، جَعَلَ مَالَهُ ظَرْفًا لِلْأَلْفِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ إِضَافَةُ الْمَالِ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ ثُبُوتِ الْأَلْفِ فِيهِ لِغَيْرِهِ وَإِذَا قَالَ: مِنْ مَالِي لَمْ يَصِرِ الْمَالُ ظَرْفًا وَكَانَتِ الْأَلْفَ جُزْءًا مِنَ الْمَالِ فَيَمْنَعُ إِضَافَةُ الْمَالِ إِلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا إذا قال: له من دَارِي هَذِهِ نِصْفُهَا فَهُوَ هِبَةٌ وَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ، وَيَسْتَوِي قَوْلُهُ فِي دَارِي، وَمِنْ دَارِي، وَيُخَالِفُ قَوْلَهُ: فِي مَالِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ أَلْفٍ مِنَ الْمَالِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُسَمَّى الْبَاقِي مَالًا وَاسْتِحْقَاقُ نِصْفِ الدَّارِ يَمْنَعُ أَنْ يُسَمَّى الْبَاقِي دَارًا.
وَلَوْ قَالَ فِي مِيرَاثِي عَنْ أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، كَانَ كَقَوْلِهِ: مِنْ مِيرَاثِي عَنْ أَبِي وَخَالَفَ قَوْلَهُ: فِي مَالِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِنِصْفِهَا لِرَجُلٍ وَكَذَّبَهُ الشَّرِيكُ وقال أبو حنيفة كَانَ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالنِّصْفِ ثُلُثُ الدَّارِ وَلِلْمُقِرِّ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ النِّصْفِ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِلشَّرِيكِ الْمُكَذِّبِ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّ الْمُقِرَّ بِالنِّصْفِ يَقُولُ: لِي وَلِشَرِيكِي النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لَكَ أَيُّهَا الْمَقَرُّ لَهُ.
فَيَكُونُ ذَلِكَ مَثَلًا مَالِي - فَإِذَا تَفَرَّدَ الشَّرِيكُ بِتَكْذِيبِهِ بِالنِّصْفِ - صَارَ النِّصْفُ الْبَاقِي بَيْنَنَا أَثْلَاثًا لِي مِنْهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَلَكَ مِنْهُ سَهْمَانِ مِثْلَا مَالِي.
وحكى أبو العباس ابن الرَّجَاءِ الْبَصْرِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَذْهَبَهُ سُؤَالُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالنِّصْفِ: أَلَهُ فِي الدَّارِ بَاقِي مِلْكٍ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ: لَا شَيْءَ لِي فِي الدَّارِ صَحَّ إِقْرَارُهُ فِيهَا بِالنِّصْفِ وَكَانَ النِّصْفُ الْآخَرُ لِلشَّرِيكِ.
وَإِنْ قَالَ: لِي نِصْفُهَا لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ بِرُبْعِهَا، وَكَانَ الرُّبْعُ الْآخَرُ لَهُ، وَالنِّصْفُ لِلشَّرِيكِ لِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ شَرِيكِهِ فَقُبِلَ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَرُدَّ عَلَى شَرِيكِهِ، وَهَذَا وَجْهٌ.
وَلَوْ قِيلَ يُلْزَمُ إِقْرَارَهُ فِي النِّصْفِ كُلِّهِ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ.
فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ مُشَاعَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِبَيْتٍ مِنْهُ لِرَجُلٍ فَكَذَّبَهُ الشَّرِيكُ يَكُونُ إِقْرَارُهُ مَرْدُودًا مَا لَمْ يَقْتَسِمَا، فَإِذَا اقْتَسَمَا وَصَارَ الْبَيْتُ لِلْمُقِرِّ لَهُ لَزِمَهُ بِالْإِقْرَارِ الْمُتَقَدِّمِ تَسْلِيمُهُ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَوْ صَارَ الْبَيْتُ لِلشَّرِيكِ ضُرِبَ لِلْمُقَرِّ لَهُ مَعَ الْمُقِرِّ بِقِيمَةِ الْبَيْتِ فِيمَا صَارَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ.

وَعَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ رَجَاءٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ رُبْعُ الْبَيْتِ مَشَاعًا وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنِ احْتِمَالِ التَّخْرِيجِ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ الْبَيْتِ مَشَاعًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّا دُونَهُ بِقِسْمَتِهِ.
فَإِنِ اقْتَسَمَاهُ وَصَارَ الْبَيْتُ فِي حِصَّةِ الْمُقِرِّ لَزِمَهُ تَسْلِيمُ جَمِيعِهِ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ صَارَ لِلشَّرِيكِ لَزِمَ الْمُقِرَّ أَنْ يَغْرَمَ لِلْمُقَرِّ لَهُ قِيمَةَ مَا بَقِيَ مِنَ الْبَيْتِ بَعْدَ مَا صَارَ لَهُ بِالْإِقْرَارِ مِنْ رُبْعٍ أَوْ نِصْفٍ.
وَإِنَّمَا لَزِمَ غُرْمُ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُعَاوِضًا عَلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ إِلَّا بِنَاءَهَا صَحَّ وَكَانَ إِقْرَارًا بِالْأَرْضِ دُونَ الْبِنَاءِ وَقَالَ: أبو حنيفة يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ بِجَمِيعِ الدَّارِ وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْبِنَاءِ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُسَمَّى دَارًا بِغَيْرٍ بِنَاءٍ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ إِلَّا نَصِفُهَا، صَحَّ الْإِقْرَارُ بِنِصْفِهَا وَلَوْ كَانَ النِّصْفُ بِانْفِرَادِهِ لَا يُسَمَّى دَارًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِغَيْرِ حُكْمِ الْجُمْلَةِ عَنْ إِطْلَاقِهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْمَعَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا أَقَرَّ بِحَائِطٍ لَمْ يَدْخُلْ أَرْضُ الْحَائِطِ فِي إِقْرَارِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَدْخُلُ الْأَرْضُ فِي إِقْرَارِهِ بِالْحَائِطِ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِنِصْفِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي إِقْرَارِهِ.
وَكَفَى بِمُنَاقَضَةِ قَوْلِهِ كَسْرًا لِمَذْهَبِهِ وَقَدْ وَافَقَ أنه لو أقر به بنخلة لم يدخ قرارها في الإقرار كما لو أقر بِنِصْفِهَا فَهَلَّا اسْتَوَى فِي الْحَائِطِ حُكْمُ الْإِقْرَارِ بِنِصْفِهِ وَجَمِيعِهِ كَمَا اسْتَوَى فِي النَّخْلَةِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ يَصِحُّ أَنْ يَخْتَلِفَ لَهُ الْحُكْمُ.
فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا لِي، صَحَّ وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ إِلَّا هَذَا الْبَيْتَ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ وَرُجُوعٌ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الِاسْتِثْنَاءِ مُخْتَلِفَةٌ فَكَانَ اسْتِثْنَاءً وَلَمْ يَكُنْ رُجُوعًا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: هَذَا الْخَاتَمُ لِزَيْدٍ وَفَصُّهُ لِي صَحَّ، وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أبي حنيفة أَلَّا يَصِحَّ لِأَنَّ اسْمَ الْخَاتَمِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ إِلَّا بِفَصِّهِ.
فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ: هَذِهِ الثَّمَرَةُ لِزَيْدٍ مِنْ نَخْلَتِي هَذِهِ، وَهَذَا الْعَبْدُ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ وَهَذَا الْبَيْضُ لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّجَاجَةِ كَانَ إِقْرَارًا بِمَا أَسْمَى مِنَ الثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ وَالْبَيْضِ دُونَ أَصْلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنَ النَّخْلَةِ وَالْأَمَةِ وَالدَّجَاجَةِ وَلَيْسَ مِلْكُ النَّمَاءِ مُوجِبًا لِتَمَلُّكِ الْأَصْلِ لِجَوَازِ حُدُوثِهِ بِابْتِيَاعٍ أو هبة والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَكَ هِبَةَ عَارِيَّةٍ أَوْ هِبَةَ سُكْنَى كَانَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْهَا مَتَى شَاءَ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ هِبَةَ عَارِيَّةٍ أَوْ هِبَةَ سُكْنَى، قُبِلَ مِنْهُ وَكَانَ إِقْرَارًا بِإِعَارَتِهَا وَإِبَاحَةِ سُكْنَاهَا وَلَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِمِلْكِ رَقَبَتِهَا لِأَنَّهُ وَصَلَ إِقْرَارَهُ بِمَا اقْتَضَاهُ فَصَارَ أَوَّلُ كَلَامِهِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَكَ لَكَانَ إِقْرَارًا بِمِلْكِهَا فَلَمَّا وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ: عَارِيَّةَ أَوْ هِبَةَ سُكْنَى خَرَجَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَكَ إِقْرَارًا بِمِلْكٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا قَدْ رفع أول كلامه بآخر، فَهَلَّا كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْتُهَا.
قِيلَ لَهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي ادِّعَاءِ الْقَضَاءِ رَافِعٌ لِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ فَلَمْ يُقْبَلْ، وَفِي وَصْلِهِ ذَلِكَ بِالْعَارِيَّةِ مُثْبِتٌ لِحُكْمِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى صِفَةٍ مُحْتَمَلَةٍ فَيُقْبَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَكَ هِبَةً، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِقْرَارًا بِمِلْكٍ حَتَّى يَصِلَ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ إِلَّا بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ أَوِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَوْ قَالَ لَكَ سُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ فَهَذَا إِقْرَارٌ لَازِمٌ بِمِلْكِ السُّكْنَى عَنْ إِجَارَةٍ فِي الظَّاهِرِ فَإِنِ ادَّعَاهَا وَطَلَبَ الْأُجْرَةَ لَزِمَ الْمُقَرَّ لَهُ دَفْعُ الْأُجْرَةِ إِنْ قَبِلَ الْإِقْرَارَ لِأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ السُّكْنَى مُلِكَتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَإِنْ رَدَّ الْإِقْرَارَ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ كَمَا لَا سكنى له والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو أقر للميت بحق وَقَالَ هَذَا ابْنُهُ وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ قُبِلَ مِنْهُ (قال المزني) هذا خلاف قوله فيما مضى من الْإِقْرَارِ بِالْوَكَالَةِ فِي الْمَالِ وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لِمَيِّتٍ بَدَيْنٍ لَزِمَهُ دَفْعُ الدَّيْنِ إِلَى وَارِثِهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِوَكَالَةٍ قُبِضَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُ الدَّيْنِ إِلَى وَكِيلِهِ وَسَوَّى الْمُزَنِيُّ بَيْنَهُمَا فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ دَفْعَ الْمَالِ إِلَى الْوَكِيلِ كَمَا أَوْجَبَ الْمَالَ إِلَى الْوَرَثَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ مِنْ تَسَاوِي حُكْمِهِمَا.
فَإِذَا صَحَّ مَا وَصَفْنَاهُ وَأَقَرَّ لِمَيِّتٍ بَدَيْنٍ وَقَالَ: هَذَا ابْنُهُ وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَيِّتِ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا أَوْ لَا يُعْرَفُ.
فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا لَزِمَهُ تَسْلِيمُ الْمَالِ إِلَيْهِمَا عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى الثُّمُنُ إِلَى الزَّوْجَةِ وَالْبَاقِي إِلَى الِابْنِ فَلَوْ عَادَ بَعْدَ إِقْرَارِهِ فَقَالَ: بَلِ ابْنُ الْمَيِّتِ وَزَوْجَتُهُ هَذَانِ الْأَخِيرَانِ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُ ذَلِكَ إِلَى الْأَوَّلَيْنِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ غُرْمُ ذَلِكَ لِلْآخَرَيْنِ أَمْ لَا؟ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لَزِمَهُ غُرْمُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ مِمَّنْ قَالَ: غَصَبْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو.

فَصْلٌ وَإِنَّ عُرِفَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ غَيْرُ مَنْ ذَكَرَهُ الْمُقِرُّ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِدَفْعِهِ إِلَى وَارِثِهِ الْمَعْرُوفِ فَإِنِ اعْتَرَفَ الْوَارِثُ الْمَعْرُوفُ بِمَنْ ذَكَرَهُ الْمُقِرُّ اشْتَرَكُوا فِي الْإِرْثِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ تَفَرَّدَ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَإِنْ دَفَعَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لَمْ يُغَرَّمْ لِلْأَوَّلِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ شَيْئًا لِأَنَّ أَمْرَ الْحَاكِمِ بِدَفْعِ جَمِيعِهِ إِلَى الْمَعْرُوفِ حُكْمٌ مِنْهُ بِإِبْطَالِ مِيرَاثِ غَيْرِهِ، وَإِنْ دَفَعَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ غُرِّمَ لِلْأَوَّلِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ قَدْرَ حَقِّهِ فِي الِاشْتِرَاكِ لِثُبُوتِ حَقِّ الْمَعْرُوفِ قَوْلًا وَاحِدًا سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ ديناً لتقديم الْإِقْرَارِ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنَ الدَّيْنِ إِلَى مَنْ أَقَرَّ بِهِمْ مِنَ الْوَرَثَةِ ثُمَّ قَدِمَ صَاحِبُ الدَّيْنِ حَيًّا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُقِرِّ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُقَرُّ لَهُ على أخذه إن قدر عليه.

فصل

: وإن أَقَرَّ لِوَرَثَةِ فُلَانٍ بِمَالٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ تَعْرِيفٍ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَلَى الْوَارِثِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الْإِرْثَ وَأَنْكَرَهُ مَنْ قَلَّ سَهْمُهُ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ المقر لاحتماله والله أعلم.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ جَارِيَتِي هَذِهِ فَأَوْلَدْتَهَا فَقَالَ بَلْ زَوَّجْتَنِيهَا وَهِيَ أَمَتُكَ فَوَلَدُهَا حُرٌّ وَالْأَمَةُ أُمُّ ولدٍ بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ وَإِنَّمَا ظَلَمَهُ بِالثَّمَنِ وَيَحْلِفُ وَيُبَرَّأُ فَإِنْ مَاتَ فَمِيرَاثُهُ لِوَلَدِهِ مِنَ الْأَمَةِ وَوَلَاؤُهَا مَوْقُوفٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ وَطَأَ أَمَةً تَسَلَّمَهَا مِنْ سَيِّدِهَا ثُمَّ اخْتَلَفَ السَّيِّدُ وَالْوَاطِئُ، فَقَالَ السَّيِّدُ: بِعْتُكَهَا بِأَلْفٍ فِي ذِمَّتِكَ فَأَنْتَ وَاطِئٌ فِي مِلْكٍ، وَقَالَ الْوَاطِئُ: بَلْ زَوَّجْتَنِيهَا فَأَنَا وَاطِئٌ فِي نِكَاحٍ، فَيَصِيرُ السَّيِّدُ مُدَّعِيًا عَلَى الْوَاطِئِ بِشِرَائِهَا وَالْوَاطِئُ مُنْكِرٌ ثُمَّ الْوَاطِئُ مُدَّعٍ عَلَى السَّيِّدِ بِتَزْوِيجِهَا وَالسَّيِّدُ مُنْكِرٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَاطِئِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْلَدَهَا بِوَطْئِهِ أَمْ لَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَوْلَدَهَا حَلَفَ الْوَاطِئُ لِلسَّيِّدِ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا اشْتَرَى وَحَلَفَ السَّيِّدُ لِلْوَاطِئِ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا زَوَّجَ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ واحد منهما على نفي ما ادعى عليه فَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو حَالُهُمَا فِي الْيَمِينِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْلِفَا فَلَا يَلْزَمُ الواطئ الشراء، ليمينه ولا يلزم اليد التَّزْوِيجُ لِيَمِينِهِ وَلِلسَّيِّدِ بَيْعُهَا لَا يَخْتَلِفُ لِأَنَّهُ لم يقر فيها بها يَمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِهَا لِلْوَاطِئِ بِثَمَنٍ يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ عَلَى الْوَاطِئِ الثَّمَنَ الَّذِي ادَّعَاهُ لَمْ يَمْلِكِ الْوَاطِئُ عَلَيْهِ الْأَمَةَ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا لَهُ وَتَحْرُمُ عَلَى الْوَاطِئِ إِصَابَتُهَا بَعْدَ أيمَانِهِمَا وَجْهًا وَاحِدًا.
وَهَلْ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ أَمْ لَا؟ على وجهين:

أَحَدُهُمَا: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِمَّا ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا عَلَى مَلِكِ الْوَاطِئِ وَإِنَّمَا ظَلَمَهُ بِمَنْعِ الثَّمَنِ فَجَعَلَ لَهُ بَيْعَهَا لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى ثَمَنِهَا.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَوْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهَا بَعْدَ بَيْعِهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي ادَّعَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ تَمَلُّكُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: ثُمَّ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَةُ الْوَاطِئِ بِثَمَنٍ وَلَا مَهْرٍ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِالْبَيْعِ وَالْمَهْرُ لَا يَدَّعِيهِ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِوَطْئِهِ فِي مِلْكٍ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْمَالَ فَهَذَا الْحُكْمُ إِنْ حَلَفَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْكُلَا فَهُوَ نُكُولٌ عَنْ يَمِينِ نَفْيٍ وَإِنْكَارٍ وَتُرَدُّ عَلَيْهِمَا يَمِينُ الدَّعْوَى فِي الْإِثْبَاتِ فَيَحْلِفُ السَّيِّدُ بِاللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ الْأَمَةَ بِالْأَلْفِ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْوَاطِئَ نَاكِلٌ عَنْ يَمِينِ إِنْكَارِهِ لِلشِّرَاءِ وَالثَّمَنِ.
وَيَحْلِفُ الْوَاطِئُ بِاللَّهِ لَقَدْ زَوَّجَهُ السَّيِّدُ لِأَنَّ السَّيِّدَ نَاكِلٌ عَنْ يَمِينِ إنكاره بِالتَّزْوِيجِ.
فَإِنْ نَكَلَا عَنْهَا أَيْضًا لَمْ يَحْكُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ مِمَّا ادَّعَاهُ مِنْ تَزْوِيجٍ وَلَا شِرَاءٍ وَحَرُمَتْ عَلَى الْوَاطِئِ بِنُكُولِهِ عَمَّا ادَّعَاهُ مِنَ النِّكَاحِ وَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَى السَّيِّدِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ حَلَفَ السَّيِّدُ وَنَكَلَ الْوَاطِئُ حكم السَّيِّدُ عَلَى الْوَاطِئِ بِالشِّرَاءِ وَقُضِيَ لَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ وَحَرُمَتْ عَلَى السَّيِّدِ وَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْوَاطِئِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ حَلَفَ الْوَاطِئُ وَنَكَلَ السيد حكم له بالتزويج وبطل عَنْهُ دَعْوَى الشِّرَاءِ وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى السَّيِّدِ حَلَّالٌ لِلْوَاطِئِ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَإِنْ حَلَفَا مَعًا قُضِيَ بِيَمِينِ السَّيِّدِ فِي الشِّرَاءِ وَلُزُومِ الثَّمَنِ عَلَى يَمِينِ الْوَاطِئِ فِي ادِّعَاءِ التَّزْوِيجِ لِأَنَّ تَزْوِيجَهُ لَهَا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ ابْتِيَاعِهَا وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى السَّيِّدِ حَلَالٌ لِلْوَاطِئِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْلِفَ السَّيِّدُ وَيَنْكُلَ الْوَاطِئُ فَهَذِهِ الْيَمِينُ مِنَ السَّيِّدِ إِنَّمَا هِيَ لِنَفْيِ مَا ادَّعَاهُ الْوَاطِئُ مِنَ التَّزْوِيجِ وَقَدْ نَكَلَ الْوَاطِئُ عَنْ يَمِينِ إِنْكَارِهِ لِمَا ادَّعَاهُ السَّيِّدُ مِنَ الشِّرَاءِ وَيُرَدُّ عَلَى السَّيِّدِ الْيَمِينَ لِيَحْلِفَ ثَانِيَةً عَلَى إِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الشِّرَاءِ فَتَكُونُ يَمِينُهُ الْأُولَى لِنَفْيِ التَّزْوِيجِ وَالثَّانِيَةُ لِإِثْبَاتِ الشِّرَاءِ وَلُزُومِ الثَّمَنِ فَتَحْرُمُ عَلَى السَّيِّدِ وَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْوَاطِئِ وَجْهَانِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا فَلَا ثَمَنَ لَهُ وَالْجَارِيَةُ فِي يَدِهِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَاطِئِ جَمِيعًا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْلِفَ الْوَاطِئُ وَيَنْكُلَ السَّيِّدُ فَهَذِهِ الْيَمِينُ مِنَ الْوَاطِئِ إِنَّمَا هِيَ لِنَفْيِ مَا ادَّعَاهُ السَّيِّدُ مِنَ الشِّرَاءِ وَقَدْ نَكَلَ السَّيِّدُ عَنْ يَمِينِ إِنْكَارِهِ لِمَا ادَّعَاهُ الْوَاطِئُ مِنَ التَّزْوِيجِ فَتُرَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ الْيَمِينُ لِيَحْلِفَ بِهَا ثَانِيَةً عَلَى إِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ التَّزْوِيجِ فَتَكُونُ يَمِينُهُ الْأُولَى لِنَفْيِ الشِّرَاءِ وَالثَّانِيَةُ لِإِثْبَاتِ التَّزْوِيجِ فَإِذَا حَلَفَ حُكِمَ بِهَا زَوْجَةً لَهُ وَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا

فَلَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ وَلِلسَّيِّدِ فِي الْحَالَيْنِ بَيْعُهَا لِبَقَاءِ مِلْكِهِ بِإِنْكَارِ الشِّرَاءِ.
فَهَذَا حُكْمُهَا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَاطِئُ قَدْ أَحْبَلَهَا.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَاطِئُ قَدْ أَحْبَلَهَا وَأَوْلَدَهَا فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَدَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَتَضَمَّنُ أَحْكَامًا: فَدَعْوَى السَّيِّدِ الشِّرَاءَ تَتَضَمَّنُ اسْتِحْقَاقَ الثَّمَنِ وَأَنَّ الْأَمَةَ أُمُّ وَلَدٍ وَأَنَّ الْأَوْلَادَ أَحْرَارٌ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْوَاطِئَ مَالِكًا ودعوى الواطئ الزوجة تَتَضَمَّنُ إِقْرَارًا بِالْمَهْرِ وَثُبُوتًا لِلزَّوْجِيَّةِ وَأَنَّ الْأَمَةَ وَأَوْلَادَهُ مِنْهَا مَرْقُوقُونَ لِلسَّيِّدِ فَيُلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا ضَرَّهُ مِنْ دَعْوَاهُ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا مَا يَنْفَعُهُ لِأَنَّهُ مَتْهُومٌ فِيمَا نَفَعَهُ فَصَارَ مُدَّعِيًا لَهُ وَغَيْرَ مَتْهُومٍ فِيمَا ضَرَّهُ فَصَارَ مُقِرًّا بِهِ وَالَّذِي يَضُرُّ السَّيِّدَ مِنْ دَعْوَاهُ حُرِّيَّةُ الْأَوْلَادِ وَكَوْنُ الْأَمَةِ أُمَّ وَلَدٍ وَالَّذِي يَنْفَعُهُ اسْتِحْقَاقُ الثَّمَنِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ادِّعَاءِ الثَّمَنِ وَلَزِمَهُ عِتْقُ الْأَوْلَادِ وَكَوْنُ الْأَمَةِ أُمَّ وَلَدٍ، وَمِثَالُهُ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ بَيْعَ عَبْدِهِ بِأَلْفٍ عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَعْتَقَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ فَيُنْكِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشِّرَاءَ وَالْعِتْقَ فَيَصِيرُ الْعَبْدُ حُرًّا عَلَى السَّيِّدِ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي اسْتِحْقَاقِ ثَمَنِهِ.
وَكَمَنِ ادَّعَى عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ خَالَعَهَا بِأَلْفٍ عَلَيْهَا فَأَنْكَرَتْ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ادِّعَاءِ الْمَالِ.
وَالَّذِي يَضُرُّ الْوَاطِئَ مِنْ دَعْوَاهُ الْإِقْرَارُ بِالْمَهْرِ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَدَّعِيهِ، وَالَّذِي يَنْفَعُهُ ادِّعَاءُ الزَّوْجِيَّةِ وَثُبُوتُ النِّكَاحِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَعَلَى الْوَاطِئِ الْيَمِينُ لِلسَّيِّدِ فِي إِنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ السَّيِّدُ مِنَ الشِّرَاءِ وَالثَّمَنِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ لَزِمَهُ، وَهَلْ تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ الْيَمِينُ لِلْوَاطِئِ فِي إِنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ الْوَاطِئُ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ الزَّوْجِيَّةِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهُ فِي إِيقَاعِ الْحُرِّيَّةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ رَجَعَ عَنْ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الشِّرَاءِ وَصَدَّقَ الْوَاطِئَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرُّجُوعِ عَنِ الشِّرَاءِ وَلَا فِي التَّصْدِيقِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ عَلَى إِنْكَارِهِ لَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْوَاطِئِ فِي إِثْبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أن اليمين عليه واجبة لإنكاره ما لَا يَجْعَلُ ثُبُوتَهُ رَافِعًا لِضَرَرِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ رَجَعَ عَنْ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الشِّرَاءِ وَصَدَّقَ الْوَاطِئَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرُّجُوعِ عَنِ الشِّرَاءِ وَقُبِلَ فِي التَّصْدِيقِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ وَكَانَتْ فِي الْحُكْمِ أُمَّ وَلَدٍ وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ عَلَى إِنْكَارِهِ وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْوَاطِئِ فَإِذَا حَلَفَ حُكِمَ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَالْتَزَمَا مِنَ الْأَيْمَانِ مَا بَيَّنَّا تَوَجَّهَ الْكَلَامُ بَعْدَهُ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: لُزُومُ الْمَهْرِ.

وَالثَّانِي: جَوَازُ الْوَطْءِ.
وَالثَّالِثُ: وُجُوبُ النَّفَقَةِ.
وَالرَّابِعُ: اسْتِحْقَاقُ الْإِرْثِ.
فَأَمَّا لُزُومُ الْمَهْرِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ السَّيِّدُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ فَفِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمَهْرِ أَوِ الثَّمَنِ لِاعْتِرَافِهِ لِلسَّيِّدِ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ، لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِدَفْعِ شَيْءٍ مِنْهُ أَمَّا الثَّمَنُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ بِيَمِينِهِ وَأَمَّا الْمَهْرُ فَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَدَّعِيهِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْوَطْءُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى السَّيِّدِ لإقراره بأنها أم ولد لغيره، هل يحل وطئها لِمُدَّعِي الزَّوْجِيَّةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يحل له وطئها لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى إِبَاحَتِهِ إِمَّا بِالْمِلْكِ عَلَى قَوْلِ السَّيِّدِ وَإِمَّا بِالزَّوْجِيَّةِ عَلَى قَوْلِ الْوَاطِئِ فَصَارَ كَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: بِعْتُكَ أَمَتِي وَقَبَضْتُ عَنْهَا وقال: بل وهبتنيها فَيَجُوزُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَطَأَهَا وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي سَبَبِ مِلْكِهَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى إِبَاحَتِهِ مَعَ اخْتِلَافِ سَبَبِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ لا يحل له وطئها لِأَنَّهُمَا بِإِنْكَارِ الْعَقْدَيْنِ قَدْ أَبْطَلَا أَنْ يَكُونَ لِلْوَاطِئِ أَمَةٌ وَلَا زَوْجَةٌ فَصَارَ كَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: بِعْتُكَ أَمَتِي بِأَلْفٍ لَمْ أَقْبِضْهَا، وَقَالَ: بَلْ وَهَبْتَنِيهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَطَأَهَا لِأَنَّهُمَا وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى سَبَبِ الْإِبَاحَةِ فَهُنَاكَ ثَمَنٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمَنْعَ مِنَ الْإِبَاحَةِ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ وَخَالَفَ حَالَ الْمُقِرِّ بِقَبْضِهِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَنَفَقَتَانِ: نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ.
وَنَفَقَةُ الْأُمِّ.
أَمَّا نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ فَعَلَى الْأَبِ الْوَاطِئِ لَا يُخْتَلَفُ لِأَنَّهُمْ قَدْ عُتِقُوا بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ وَالْوَلَدِ إِذَا أُعْتِقَ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ الْمُنَاسِبِ بِدُونِ مَوْلَاهُ الْمُعْتِقِ.
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأُمِّ فَإِنْ جَعَلْنَا الْوَاطِئَ مُدَّعِي الزَّوْجِيَّةَ أَنْ يَطَأَ وَيَسْتَمْتِعَ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ دُونَ السَّيِّدِ بَدَلًا مِنِ اسْتِمْتَاعِهِ.
وَإِنْ مُنِعَ الْوَاطِئُ مِنْ وَطْئِهَا وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا عَنْهُ لَا يُخْتَلَفُ.
وَأَيْنَ تَجِبُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي كَسْبِهَا إِنْ كَانَ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ مَلَكَ الْكَسْبَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وأبي علي بن أبي هريرة أن نَفَقَتَهَا عَلَى السَّيِّدِ وَيَكُونُ كَسْبُهَا مَوْقُوفًا لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إِسْقَاطِ النَّفَقَةِ.

فَصْلٌ : وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَهُوَ ثَلَاثَةُ مَوَارِيثَ: مِيرَاثُ الْوَاطِئِ وَمِيرَاثُ الْأَوْلَادِ وَمِيرَاثُ الْأُمِّ.
فَأَمَّا مِيرَاثُ الْوَاطِئِ فَلِأَوْلَادِهِ لِكَوْنِهِمْ أَحْرَارًا وَلَا شَيْءَ لِلْأُمِّ فِيهِ لِأَنَّ أَحْسَنَ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ يَتَحَرَّرُ عِتْقُهَا بِمَوْتِهِ.
وَأَمَّا مِيرَاثُ الْأَوْلَادِ فَلِأَبِيهِمْ إِنْ كَانَ حَيًّا وَلَا شَيْءَ لِأُمِّهِمْ فِيهِ لِأَنَّهَا قَبْلَ مَوْتِ الْأَبِ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُ الْأَوْلَادِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ فَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ مِنْ تَرِكَتِهِمْ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حُرَّةً بِمَوْتِ أَبِيهِمْ ثُمَّ الْبَاقِي بَعْدَهُ لِعَصَبَتِهِ إِنْ كَانَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَمَوْقُوفٌ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالْوَلَاءِ الْمَوْقُوفِ.
وَأَمَّا مِيرَاثُهَا فَإِنْ كَانَ مَوْتُهَا بَعْدَ عِتْقِهَا بِمَوْتِ الْوَاطِئِ فَموروثٌ لِأَوْلَادِهَا إِنْ كَانُوا، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَمَوْقُوفٌ لِأَنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِالْوَلَاءِ الْمَوْقُوفِ.
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهَا قَبْلَ عِتْقِهَا بِمَوْتِ الْوَاطِئِ فَلَا مِيرَاثَ لِأَوْلَادِهَا لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُورَثُ وَيَكُونُ مَوْقُوفًا بَيْنَ الْوَاطِئِ وَالسَّيِّدِ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِالْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ وَالْمِلْكُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ طَلَبَ السَّيِّدُ بَاقِي ثَمَنِهَا مِنَ الْمَوْقُوفِ مِنْ مَالِهَا حِينَ قُضِيَ لَهُ عَلَى الْوَاطِئِ الْمَهْرُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ أَوْ طَلَبَ جَمِيعَ الثَّمَنِ حِينَ لَمْ يُقْضَ لَهُ عَلَى الْوَاطِئِ بِشَيْءٍ فَلَهُ ذَلِكَ، وَيُدْفَعُ إِلَيْهِ تَعْلِيلًا لِمَا ذَكَرْنَا فِي الشَّاهِدَيْنِ إِذَا طَلَبَا ثَمَنَ الْعَبْدِ الَّذِي ابْتَاعَاهُ بعدما شهدا بعتقه مما ترك بعد موته.
فَصْلٌ : إِذَا ادَّعَى رجلٌ جَارِيَةً فِي يَدِ غَيْرِهِ فَجَحَدَهَا صَاحِبُ الْيَدِ وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَاسْتَحَقَّ الْجَارِيَةَ وَأَوْلَدَهَا وَلَدًا ثُمَّ قَالَ: كَذَبْتُ فِي دَعْوَايَ وَيَمِينِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي رَدِّ الْجَارِيَةِ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحُكْمِ وَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ أَوْلَادِهَا لِإِقْرَارِهِ بِمِلْكِهَا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحُكْمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إلا أن يشتريها منه لأنه يدفع الْقِيمَة لَا يَصِيرُ مَالِكًا لِأَنَّهُ يُغَرَّمُ قِيمَةَ مُسْتَهْلَكٍ فَإِذَا اشْتَرَى قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ سَقَطَتِ الْقِيمَةُ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَنْهَا بَدَلٌ وَاحِدٌ وَإِنِ اشْتَرَاهَا بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ كَانَتِ الْقِيمَةُ قِصَاصًا من ثمنها وتراجعا ال

فصل

وبالله التوفيق.

مسألة:

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَلَفَ صَاحِبُهُ مَعَ نُكُولِهِ وَاسْتَحَقَّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا قَالَ جَوَابًا عَنِ الدَّعْوَى: لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ، فَلَيْسَ هَذَا جَوَابًا بِإِقْرَارٍ وَلَا إِنْكَارًا وَهُوَ كَالْمَسْكُوتِ مِنْهُ عَنِ الْجَوَابِ فَيَقُولُ لَهُ الْحَاكِمُ: إِنْ أَجَبْتَ عَنِ الدَّعْوَى بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ وَإِلَّا جَعَلْنَاكَ نَاكِلًا وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى خَصْمِكَ.
يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا فَحَسَنٌ.

وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَسْتَقِرُّ بِحُكْمِ النُّكُولِ إِلَّا بِتَكْرَارِهِ ثَلَاثًا.
وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ بِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ النُّكُولِ يَسْتَقِرُّ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِتَكْرَارِهِ ثَلَاثًا إِلَّا مَا عَلِمَهُ مِنْ حُكْمِ النُّكُولِ بِالْأَوَّلِ وَلِأَنَّ النُّكُولَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْإِنْكَارِ، وَلَيْسَ التَّكْرَارُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَبَرًا فَلَمْ يَكُنْ فِي النُّكُولِ مُعْتَبَرًا.

فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَا أُنْكِرُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا وَيَحْتَمِلُ لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مُحِقًّا فَلَمْ يَصِرْ مَعَ الِاحْتِمَالِ مُقِرًّا، وَلَوْ قَالَ: لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مُحِقًّا لَمْ يَصِرْ مُقِرًّا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ مُحِقًّا فِي دِينِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مُحِقًّا بِهَذِهِ الدَّعْوَى كَانَ مُقِرًّا لِانْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أُقِرُّ لَمْ يَصِرْ مُقِرًّا لِأَنَّهُ مَوْعِدٌ.
وَلَوْ قَالَ أَنَا مُقِرٌّ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ لَا يَكُونُ مُقِرًّا لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَا مُقِرٌّ بِبُطْلَانِ دَعْوَاكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ يَكُونُ مُقِرًّا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ جَوَابًا عَنِ الدَّعْوَى انْصَرَفَ الْإِقْرَارُ إِلَيْهَا وَكَانَ أَبْلَغَ جَوَابًا مِنْ نِعَمْ.
فَصْلٌ : فَأَمَّا إِنْ أَجَابَ عَنِ الدَّعْوَى بِأَنْ قَالَ بَلَى أَوْ نَعَمْ أَوْ أَجَلْ أَوْ صَدَقَتْ أَوْ أَيْ لَعَمْرِي كَانَ مُقِرًّا بِجَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي مَحَلِّ الْجَوَابِ لِتَصْدِيقٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْمَعَانِي وَإِنْ قَالَ لَعَلَّ وَعَسَى وَيُوشِكُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لِأَنَّهَا أَلْفَاظٌ لِلشَّكِّ وَالتَّرَجِّي وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَظُنُّ وَأُقَدِّرُ وَأَحْسَبُ وَأَتَوَهَّمُ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ لِمَا تَضَمَّنَتْهَا مِنَ الشَّكِّ وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ فِي عِلْمِي كَانَ إِقْرَارًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقِرُّ بِهَا فِي عِلْمِهِ وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَكُونُ إِقْرَارًا لِتَشْكِيكِهِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا فِي عِلْمِي صَحَّتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أبي يوسف وَبَطَلَتْ عِنْدَ أبي حنيفة.

فصل

: وإذا قال الطالب أقضيني الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ فَقَالَ نَعَمْ، أَوْ أَجَلْ أَوْ غَدًا أَوْ أَنْظِرْنِي بِهَا، كَانَ إِقْرَارًا وَإِذَا قَالَ: أَنْظِرْنِي أَوِ ارْفُقْ بِي أَوْ أَنْفِذْ رَسُولَكَ إِلَيَّ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا لِاحْتِمَالِهِ.
وَلَوْ قَالَ اشْتَرِ عَبْدِي هَذَا أَوْ قَالَ أَعْطِنِي عَبْدِي هَذَا فَقَالَ نَعَمْ كَانَ إِقْرَارًا بِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَا أَفْعَلُ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا وَقَالَ أبو حنيفة يَكُونُ إِقْرَارًا وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ إِنْكَارَ الْجَوَابِ لَا يَكُونُ إِقْرَارًا بِالْجَوَابِ.
فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ جَوَابًا عَنِ ادِّعَاءِ أَلْفٍ عَلَيْهِ خُذْ أَوِ اتَّزِنْ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ خُذِ الْجَوَابَ مِنِّي وَاتَّزِنْ حَقًّا إِنْ كَانَ لَكَ عَلَى غَيْرِي، وَلَوْ قَالَ خُذْهَا أَوِ اتَّزِنْهَا فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا يَكُونُ إِقْرَارًا وَبِهِ قَالَ أَهْلَ الْعِرَاقِ لِأَنَّ هَاءَ الْكِنَايَةِ فِي الْجَوَابِ تَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّعْوَى.
وَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَا يَكُونُ إِقْرَارًا لِأَنَّهُ قَدْ يَزِنُ وَيُعْطِي مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَجَابَ عَنِ الدَّعْوَى بِأَنْ قَالَ: صِحَاحٌ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا وَلَوْ قَالَ: هِيَ صِحَاحٌ قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: يَكُونُ إِقْرَارًا لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِصِفَتِهَا فَصَارَ إِقْرَارًا بِهَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالصِّفَةِ إِقْرَارٌ بِالْمَوْصُوفِ وَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَا يَكُونُ إِقْرَارًا لِأَنَّهَا صِفَةٌ تَرْجِعُ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الدَّعْوَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لإقرار لم يذكر.

فصل

: وإذ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ رَافِعَةٌ لِحُكْمِ مَا نِيطَ بِهَا وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا فِي حِسَابِي أَوْ مَا خَرَجَ بِخَطِّي أَوْ مَا أَقَرَّ بِهِ زَيْدٌ عَنِّي فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِقْرَارٌ يُلْزِمُ لِأَنَّهُ مُحِيلٌ بِالْإِقْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِمُقِرٍّ.
فَلَوْ قَالَ: مَا شَهِدَ بِهِ زَيْدٌ عَلَيَّ فَهُوَ لَازِمٌ لِي، وَلَمْ يَصِرْ مُقِرًّا بِمَا شَهِدَ بِهِ فَإِنْ كَمُلَتْ بِزَيْدٍ بَيِّنَةُ عَدْلٍ حُكِمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ دُونَ إِقْرَارِهِ وَقَالَ مَالِكٌ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا شَهِدَ بِهِ زَيْدٌ وَإِنْ لَمْ تَصِرْ بَيِّنَةً مَسْمُوعَةً لِأَنَّهُ أَلْزَمَ ذَلِكَ نَفْسَهُ وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ إذا لم تكم بِزَيْدٍ بَيِّنَةُ عَدْلٍ فَهِيَ حِوَالَةٌ بِالْإِقْرَارِ.
فَصْلٌ : وإذا قال: لفلان علتي أَلْفٌ إِنْ شَاءَ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لِأَنَّهُ على الْإِقْرَارَ بِصِفَةٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ مَاتَ عَمْرٌو وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ مُتُّ كَانَ عِنْدَ أبي حنيفة إِقْرَارًا مَاتَ أَوْ عَاشَ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِإِقْرَارٍ مَاتَ أَوْ عَاشَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِقْرَارِ بِشَرْطٍ.

فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ أَوْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ شَكٍّ وَقَالَ أبو حنيفة: عَلَيْهِ أَلْفٌ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ عَنْهَا بَعْدَ إِثْبَاتِهَا وَالتَّعْلِيلُ بِالشَّكِّ فِي نَفْيِ اللُّزُومِ أَصَحُّ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْكَلَامِ وَأَشْبَهُ بِمَفْهُومِ الْخِطَابِ فَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ لِزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْإِقْرَارِ لَهُ فَصَارَ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ أَوْ لَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ مُقِرًّا لِأَحَدِهِمَا بِالْأَلْفِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ وَلَا يَسْقُطُ الْإِقْرَارُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَوْ أَقَرَّ بِوَاحِدٍ مِنْ عَبْدَيْنِ لَمْ يَبْطُلْ إِقْرَارُهُ مَعَ الْجَهْلِ بِتَعْيِينِ الْمُقَرِّ بِهِ كَذَا إِذَا أَقَرَّ لِوَاحِدٍ مِنْ رَجُلَيْنِ لَمْ يَبْطُلْ إِقْرَارُهُ مَعَ الْجَهْلِ بِتَعْيِينِ الْمُقَرِّ لَهُ وَخَالَفَ قَوْلُهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ أَوْ لَا لِكَوْنِهِ شَاكًّا فِي ثُبُوتِ الْإِقْرَارِ وَسُقُوطِهِ وَهُوَ فِي هَذِهِ ال

ْمَسْأَلَةِ

مُتَيَقِّنٌ لِلْإِقْرَارِ شَاكٌّ فِي مُسْتَحِقِّهِ فَافْتَرَقَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ وَهَبْتُ لَكَ هَذِهِ الدَّارَ وَقَبَضْتَهَا ثُمَّ قَالَ لَمْ تَكُنْ قَبَضْتَهَا فَأُحْلِفَ أَحْلِفَتَهُ لقد قبضها فإن نكل رددت الْيَمِينُ عَلَى صَاحِبِهِ وَرَدَدْتُهَا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ الْهِبَةُ إِلَّا بِالْقَبْضِ عَنْ رِضَا الْوَاهِبِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ اسْتِيفَاؤُهُ فِي الْإِقْرَارِ بِقَبْضِ الرَّاهِنِ.
فَإِذَا أَقَرَّ مَالِكُ الدَّارِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِهِبَتِهَا لِرَجُلٍ وَأَنَّهُ أَقْبَضَهُ إِيَّاهَا وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى قَبْضِهَا وَهِبَتِهَا ثُمَّ عَادَ الْوَاهِبُ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُقْبِضْهَا وَأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِقْرَارِهِ سَهْوٌ أَوْ كَذِبٌ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَالدَّارُ الْمَوْهُوبَةُ عَلَى مِلْكِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَقْبَضَ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَ فَإِنْ أَكْذَبَهُ وَادَّعَى الْقَبْضَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِقْرَارِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّ الْوَاهِبَ مُقِرٌّ بِالْقَبْضِ رَاجِعٌ فِيهِ فَيَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ فَإِنْ سَأَلَ الْوَاهِبُ إِحْلَافَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِاللَّهِ لَقَدْ قَبَضَهَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَاهِبِ عِنْدَ إِقْرَارِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ بِإِقْبَاضِهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ.
فَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ غَائِبَةً وَأَقَرَّ أَنَّ وَكِيلَهُ أُقْبِضَ أُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ مِنْ إِحْلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِاللَّهِ لَقَدْ قَبَضَ لِأَنَّهُ قَدْ يُخْبِرُهُ الْوَكِيلُ ثُمَّ يَعْلَمُ كَذِبَهُ أَوْ يُزَوَّرُ عَلَى الْوَكِيلِ كِتَابٌ مِنْهُ بِالْقَبْضِ ثُمَّ يُعْلَمُ تَزْوِيرُهُ فَإِنْ حَلَفَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الْقَبْضِ اسْتَقَرَّ لَهُ الْمِلْكُ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْوَاهِبِ فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا كَانَتِ الدَّارُ عَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ حَاضِرَةً فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُقْبِضَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ غَائِبَةً فَأَقَرَّ بِإِقْبَاضِهَا بِنَفْسِهِ فَفِي إِجَابَتِهِ إِلَى إِحْلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى قَبْضِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يُجَابُ إِلَى إِحْلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْوَاهِبِ وَالدَّارُ لَهُ لِاحْتِمَالِ مَا ادَّعَاهُ أَنْ يَكُونَ سَابِقَ الْإِقْرَارِ عَنِ اتِّفَاقٍ أَنْ يُعْقِبَهُ الْإِقْبَاضَ وَذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ النَّاسُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهُ لَا يُجَابُ إِلَى إِحْلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ كَذَّبَ هَذِهِ الدَّعْوَى بِسَابِقِ إِقْرَارِهِ فَرُدَّتْ وَلَيْسَ لِتَخْرِيجِ الِاحْتِمَالِ وَجْهٌ إِلَّا عَلَى كَذِبٍ فِي إِحْدَى الْحَالَيْنِ فَكَانَ حَمْلُ الْإِقْرَارِ عَلَى الصِّدْقِ وَالدَّعْوَى عَلَى الْكَذِبِ أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا قَالَ الْوَاهِبُ: قَدْ وَهَبْتُ لَهُ هَذِهِ الدَّارَ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ مِنْهَا فَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ عِنْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَانَ قَوْلُهُ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ مِنْهَا مَحْمُولًا عَلَى الْإِقْبَاضِ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَاهُ وَقَدْ رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ نَصًّا فِي جامعه الكبير.

وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ سُئِلَ عَنِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ مِنْهَا لِاحْتِمَالِهِ مَعَ كَوْنِ الدَّارِ فِي يَدِهِ فَمَا قَالَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَبْضِ قُبِلَ وَاللَّهُ أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بألفٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ عُتِقَ وَالْأَلْفُ عَلَيْهِ وَإِنْ أنكر فهو حر والسيد مدعى الْأَلْفِ وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ إِنْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفًا فَأَنْتَ حرٌّ فَهَذَا عِتْقٌ بِصِفَةٍ وَلَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ لِأَنَّ الْأَلْفَ الَّتِي يُعْطِيهَا الْعَبْدُ فِي حَالِ الرِّقِّ هِيَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ فَلَا تَصِحُّ مُعَاوَضَةُ الْإِنْسَانِ بِمَالِهِ عَلَى مَالِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ وَلَمْ تَكُنْ مُعَاوَضَةً وَخَالَفَ قَوْلُهُ لِزَوْجَتِهِ إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ جَعَلْنَاهُ مُعَاوَضَةً لِأَنَّ الزَّوْجَةَ تَمْلِكُ.
فَلَوِ ادَّعَى السَّيِّدُ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِهِ وَأَنْكَرَ الْعَبْدُ لَمْ تَكُنْ دَعْوَى لِأَنَّهَا لَا تَتَضَمَّنُ اسْتِحْقَاقَ مَالٍ وَكَانَ إِقْرَارًا مِنْهُ بِالْعِتْقِ لَا يُرَاعي فِيهِ تَصْدِيق الْعَبْدِ، وَلَوِ ادَّعَى الْعَبْدُ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ كَانَ مُدَّعِيًا عِتْقًا يُنْكِرُهُ السَّيِّدُ فَيَحْلِفُ لَهُ وَيَكُونُ الْعَبْدُ عَلَى رِقِّهِ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ ضَمِنْتَ لِي أَلْفًا تُؤَدِّيهَا إِلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ فَهَذَا غَيْرُ مُعَاوَضَةٍ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِيهِ مُوجِبٌ لِمَالٍ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ مِلْكُهُ فَصَارَ مُعَاوَضَةً عَلَى عِتْقِهِ فَغَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ، وَإِنْ تَضَمَّنَ عِتْقًا بِصِفَةٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالضَّمَانِ.
وَلَوِ ادَّعَى السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَلَى أَلْفٍ ضَمِنَهَا وَأَنْكَرَ الْعَبْدُ حَلَفَ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَعُتِقَ الْعَبْدُ عَلَى السَّيِّدِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِعِتْقِهِ وَصَارَ كَمَنْ قال لرجل: بعتك عبدي بألف عليك فأعتقه، فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي إِنْكَارِ الْأَلْفِ وَقَدْ عَتَقَ الْعَبْدَ عَلَى السَّيِّدِ إِقْرَارُهُ بِالْعِتْقِ وَلَوِ ادَّعَى الْعَبْدُ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ حَلَفَ لَهُ وَكَانَ الْعَبْدُ عَلَى رِقِّهِ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنْ يَبِيعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَلْفٍ وَيَقْبَلُ الْعَبْدُ ذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ ابْتِيَاعًا فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ وَمُخْتَصَرِهِ جَوَازُ ذَلِكَ وَصِحَّتُهُ قَالَ الرَّبِيعُ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِهِ فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَحْكِيَانِهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَا يُخْرِجَانِهِ مَذْهَبًا لِتَفَرُّدِ الرَّبِيعِ بِتَخْرِيجِهِ لِنَفْسِهِ وَكَانَ أَبُو حامد المورروذي والإسفراييني يحكيانه ويخرجانه وتبعهما متأخروا أَصْحَابِنَا فِي جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الْأَصَحُّ، جَوَازُهُ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ مِنْ عَقْدِ الْكِتَابَةِ حُكْمًا وَأَعْجَلُ مِنْهُ تَحْرِيرًا وَعِتْقًا.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ تَخْرِيجُ الرَّبِيعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إِنْ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي يَدِهِ فَذَاكَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ مَالٌ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلثَّمَنِ مَحَلٌّ ثَبَتَ فِيهِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ بَيْعُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ بَاطِلًا لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ ثَمَنًا وَلَا يَلْتَزِمُ بِهِ ثَمَنًا عِتْقًا وَلَا يَكُونُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَلَا لِاخْتِلَافِهِمَا فِيهِ أَثَرٌ.
فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الصَّحِيحِ فَجَوَازُهُ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بِمِلْكِهِ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لِأَحَدٍ رِقٌّ عَلَى نَفْسِهِ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَادَّعَى السَّيِّدُ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِهِ وَأَنْكَرَهُ الْعَبْدُ حَلَفَ لِسَيِّدِهِ وَبَرِئَ ظَاهِرًا مِنْ ثَمَنِهِ وَعُتِقَ عَلَى سَيِّدِهِ لِإِقْرَارِهِ بِعِتْقِهِ.
فَإِنْ قِيلَ إِذَا أَقَرَّ بِمِلْكِ نَفْسِهِ بَيْعًا عَلَى ثَمَنٍ فَهَلَّا إِذَا فَاتَه الثَّمَنُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَمَا إِذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِابْتِيَاعِ عَبْدِهِ عَلَى ثمن أنكره رجع عليه بعبده قبل الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْبَيْعِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَلَمْ يَصِحَّ بِإِقْرَارِ أَحَدِهِمَا وَالْعِتْقُ لَا يَقِفُ عَلَى مُتَعَاقِدَيْنِ فَلَزِمَ بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ يَصِحُّ نَقْضُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ لِإِعْوَازِ الثَّمَنِ بِفَلَسِ الْمُشْتَرِي فَكَانَ إِعْوَازُهُ بِالْإِنْكَارِ أَحَقُّ بِالْفَسْخِ وَالْعِتْقُ لَا يَصِحُّ نَقْضُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَلَا الرُّجُوعُ فِيهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَمِثْلُ مَسْأَلَتِنَا فِي الْبَيْعِ أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي عِتْقَهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَيُنْكِرُهُ فَيُعْتَقُ عَلَى الْبَائِعِ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَقِفُ عَلَى غَيْرِهِ والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَقَرَّ لرجلٍ بِذِكْرِ حَقٍّ مِنْ بيعٍ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَقْبِضِ الْمَبِيعَ أَحَلَفْتُهُ مَا قَبَضَ وَلَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إِلَّا بِالْقَبْضِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ مُطْلَقَةٍ ثُمَّ ادَّعَى مِنْ بَعْدُ أَنَّهَا ثَمَنُ مَبِيعٍ لَمْ يَقْبِضْهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُ.
فَأَمَّا إِذَا أضاف إقراره إلى ثمن مبيع فقال له: عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِذِكْرِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضِ الْعَبْدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ مَا قَبَضَ الْعَبْدَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ.
وَقَالَ أبو حنيفة إِنَّ عَيَّنَ الْعَبْدَ الَّذِي هِيَ مِنْ ثَمَنِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مِنْ ثَمَنِ هَذَا الْعَبْدِ، كَانَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ وَقَالَ: مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ.
وَقَالَ أبو حنيفة ومحمد.
هُوَ مُقِرٌّ بِالْأَلْفِ مُدَّعٍ أَنَّهَا مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهَا مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ إِنَّهُ لَمْ يَقْبِضِ الْعَبْدَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهَا مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ اسْتِدْلَالًا مِنْهُمَا بِأَنَّ مَا يَعْقُبُ الْإِقْرَارَ مِنْ قَوْلٍ بِرَفْعِهِ

مَرْدُودٌ كَدَعْوَاهُ الْقَضَاءَ وَاسْتِثْنَائِهِ الْكُلَّ وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ عَقْدَ الْمُعَاوَضَةِ يَجْمَعُ ثَمَنًا وَمُثَمَّنًا، فَلَمَّا كَانَ إِقْرَارُهُ بِالْمُثَمَّنِ مِنْ عَبْدٍ بَاعَهُ غَيْرَ لَازِمٍ لَهُ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِقَبْضِ ثَمَنِهِ، كَذَلِكَ إِقْرَارُهُ بِثَمَنِ عَبْدٍ ابْتَاعَهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِقَبْضِ الْعَبْدِ الَّذِي ابْتَاعَهُ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ عِوَضٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لُزُومُ الْإِقْرَارِ بِهِ لَهُ مَوْقُوفًا عَلَى لُزُومِ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ وَخَالَفَ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْإِقْرَارِ وَفِي ادِّعَائِهِ الْقَضَاءَ مُتَّصِلًا بِالْإِقْرَارِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ وَيَسْتَوِيَانِ.
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الثَّمَنَ قَبْلَ الْقَبْضِ غَيْرَ لَازِمٍ أَدَاؤُهُ فَقُبِلَ فِيهِ قَوْلُهُ وَالدَّيْنُ لَازِمٌ فَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْقَضَاءِ قَوْلُهُ.
فَلَوِ ادَّعَى الْبَائِعُ تَسْلِيمَ الْعَبْدِ الَّذِي بَاعَهُ اسْتَوْجَبَ قَبْضَ ثَمَنِهِ وَأَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي التَّسْلِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مُدَّعِي الْقَضَاءَ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُدَّعِيَ الْقَضَاءِ لَا يَثْبُتُ بِدَعْوَاهُ حَقٌّ فَجَازَ أَنْ يقبل قوله ومدعي تسليم المبيع ويثبت فِي دَعْوَاهُ حَقًّا فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ قَالَ: أَقْرَضَنِي فَلَانٌ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْهَا، كَانَ قَوْلُهُ عِنْدَنَا مَقْبُولًا وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ.
وَقَالَ أبو حنيفة وَصَاحِبَاهُ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَالْأَلْفُ لَازِمَةٌ لَهُ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا بَيَّنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ لِأَنَّ الْقَرْضَ يُلْزَمُ بِالْقَبْضِ فَإِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْمُقِرُّ فِي إِقْرَارِهِ فَلَيْسَ بِمُقِرٍّ بِلُزُومِهِ وَاللَّهُ أعلم بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ شاهدٌ عَلَى إِقْرَارِهِ بألفٍ وَآخَرُ بِأَلْفَيْنِ فَإِنْ زَعَمَ الَّذِي شَهِدَ بِالْأَلْفِ أَنَّهُ شَكَّ فِي الْأَلْفَيْنِ وَأَثْبَتَ أَلْفًا فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ ألفٌ بِشَاهِدَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ الْأَلْفَ الْأُخْرَى حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَكَانَتْ لَهُ وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ مِنْ ثَمَنِ عبدٍ وَقَالَ الْآخَرُ مِنْ ثَمَنِ ثيابٍ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الأَلْفَيْنِ غَيْرُ الْأَلْفِ فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا بيمينٍ مَعَ كُلِّ شاهدٍ مِنْهُمَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِأَلْفَيْنِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الشَّهَادَةِ من أحد أمرين: إما أن يختلف جهاتها.
أو لا يختلف.
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُهُمَا فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ مِنْ ثَمَنِ دَارٍ فَلَمْ يَجْتَمِعِ الشَّاهِدَانِ عَلَى أَحَدِ الْحَقَّيْنِ لِأَنَّ ثَمَنَ الْعَبْدِ غَيْرَ ثَمَنِ الدَّارِ فَاخْتَلَفَا وَيُقَالُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ: احْلِفْ إِنْ شِئْتَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَاسْتَحَقَّ مَا شَهِدَ بِهِ فَإِنْ حَلَفَ مَعَهُمَا حُكِمَ لَهُ بِثَلَاثَةِ

آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ جِهَتَيْنِ كُلُّ جِهَةٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِنْ حَلَفَ مَعَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ حُكِمَ لَهُ بِالْحَقِّ الَّذِي حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ دُونَ الْحَقِّ الَّذِي نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ بِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْجِهَتَانِ فَشَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ أَوْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ مُطْلَقَةً أَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً وَالْأُخْرَى مُقَيَّدَةً صَارَ الشَّاهِدَانِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى إِثْبَاتِ أَلْفٍ وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةِ أَلْفٍ فَحُكِمَ لِلْمُدَّعِي بِأَلْفٍ بِشَاهِدَيْنِ وَلَهُ أَلْفٌ ثَانِيَةٌ بِشَاهِدٍ إِنْ حَلَفَ مَعَهُ حُكِمَ لَهُ بِهَا فَيَصِيرُ آخِذًا لِأَلْفٍ بِشَاهِدَيْنِ وألف بشاهد يمين.
وَقَالَ أبو حنيفة: هَذَا اخْتِلَافٌ فِي الشَّهَادَةِ يَمْنَعُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا فِيهَا عَلَى شَيْءٍ فَلَا أَحْكُمُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْقَدْرِ وَصِيغَةِ اللَّفْظِ يَمْنَعُ مِنْ أن يكونا متفقين على قدر وصار كَاخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَةِ الْحَقِّ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا يَجُوزُ إِسْقَاطُهَا مَعَ إِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهَا عَلَى شُرُوطِهَا كَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَلَى شُرُوطِهَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا مَعَ إِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهَا وَلَا تَكُونُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا بِحَقَّيْنِ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْآخَرِ بِأَحَدِ الْحَقَّيْنِ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَعَبْدٍ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَلِأَنَّ التَّنَافِيَ فِي الشَّهَادَةِ يُوجِبُ مُضَاعَفَةَ الْإِقْرَارِ وَالْمُوَافَقَةَ تُوجِبُ الْمُدَاخَلَةَ فِي الْإِقْرَارِ.
فَلَمَّا كَانَ إِقْرَارُهُ بِأَلْفٍ إِذَا أَقَرَّ بَعْدَهَا بِأَلْفَيْنِ أَوْجَبَ دُخُولَ الْأَلْفِ فِي الْأَلْفَيْنِ دَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمَا وَعَدَمِ تُنَافِيهِمَا.
وَلِأَنَّ لَفْظَ الْأَلْفِ عَلَى صِيغَتِهِ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ الْأَلْفَيْنِ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ عَلَامَةُ التَّثْنِيَةِ فَكَانَ أَحَقَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَنْ تَنْضَمَّ إِلَيْهِ أَعْدَادٌ زَائِدَةٌ وَزِيَادَةُ الْأَعْدَادِ عِنْدَهُ لَا يَقْتَضِي التَّنَافِي كَشَهَادَةِ أَحَدِهِمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَزِيَادَةُ التَّثْنِيَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَقْتَضِيَ التَّنَافِيَ وَيَبْطُلُ بِهَذَا مَا ادَّعَاهُ مِنِ اخْتِلَافِهِمَا فِي صِيغَةِ اللَّفْظِ.
فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْقَدْرِ فَالشَّاهِدُ بِأَلْفَيْنِ قَدْ أَثْبَتَ أَلْفًا وَزَادَ أَلْفًا وَالْآخَرُ قَدْ أثبت ألفاً فصار عَلَيْهَا مُتَّفِقَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى غَيْرَ مُتَّفِقَيْنِ وَلَا مُخْتَلِفَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِمِائَةٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ حُكِمَ بِمِائَةٍ مِنْ جُمْلَتِهَا بِشَاهِدَيْنِ وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُ صِيغَةِ اللَّفْظِ مِنْهُمَا مَانِعًا مِنْ دُخُولِ الْأَقَلِّ فِي الْأَكْثَرِ وَاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِهِ وَهَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى إِقْرَارِهِ بِأَلْفٍ بِالْعَرَبِيَّةِ وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ بِالْفَارِسِيَّةِ كَانَا مُتَّفِقَيْنِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِأَلْفٍ مِنْهَا وَتَفَرَّدَ الْآخَرُ فِي شَهَادَتِهِ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ عَدَمِ التَّنَافِي فِي شَهَادَتِهِمَا وَدُخُولِ الْأَلْفِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا أَحَدُهُمَا فِي الْأَلْفَيْنِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا الْآخَرُ عَجَّلَ الْحَاكِمُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ الْحُكْمَ بِأَلْفٍ وَتَوَقَّفَ عَلَى إِحْلَافِهِ فِي إِثْبَاتِ الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ حَتَّى يَسْأَلَ الشَّاهِدَ بِالْأَلْفِ: هَلْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهَا؟ فَإِنْ قَالَ: لَا

عِلْمَ لِي بِهَا، أُحْلِفَ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ الْآخَرِ وَقُضِيَ لَهُ بِالْأَلْفِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ اسْتِحْقَاقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَهَا وَلَكِنْ قَبْضَهَا مِنَ الْمُقِرِّ بِهَا فَشَهِدْتُ بِالْأَلْفِ الْبَاقِيَةِ وَلَمْ أَشْهَدْ بِالْأَلْفِ الْمَقْبُوضَةِ، قِيلَ لِلْمُدَّعِي قَدْ حَصَلَ لَكَ أَلْفٌ بِشَاهِدَيْنِ وَأَلْفٌ ثَانِيَةٌ بِشَاهِدٍ وَعَلَيْكَ بِقَبْضِهَا شَاهِدٌ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ شَاهِدِهِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِهَا لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَكْمُلْ، وَإِنْ أَجَابَ إِلَى الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُحَلِّفَهُ مَعَهُ أَمْ لَا؟ . عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلِّفَهُ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِقَبْضِهَا قَدْ قَابَلَ الشَّاهِدَ فِي إِثْبَاتِهَا فَتَعَارَضَا فَلَمْ يَجُزْ إِحْلَافُهُ مَعَ الشَّهَادَةِ وَتَعَارُضِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُحَلِّفُهُ لِأَنَّ يَمِينَهُ مَعَ شَاهِدِهِ لِكَمَالِ بَيِّنَةٍ فَجَرَتْ مَجْرَى شَاهِدٍ آخَرَ.
وَلَا يَجُوزُ لِحَاكِمٍ أَنْ يَمْنَعَ شَاهِدًا ثَانِيًا أَنْ يَشْهَدَ بِهَا فَكَذَا لَا يَمْنَعُ الْمُدَّعِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا فَعَلَى هَذَا إِذَا أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ مَعَ شَاهِدِهِ فَقَدْ تَمَّتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَيُقَالُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَدْ لَزِمَتْكَ أَلْفٌ ثانية بشاهد ويمين لك أَنْ تَدْفَعَهَا بِشَاهِدٍ فَإِنْ حَلَفْتَ مَعَهُ تَمَّتْ بَيِّنَتُكَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَسَقَطَتْ عَنْكَ وَإِنْ لَمْ تحلف لزمتك لأن البينة بها عليك تامة والبينة لك بدفعها غير تامة.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى مِنْهُ أَلْفًا فَشَهِدَ لَهُ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ بِاقْتِصَارِهِ فِي الدَّعْوَى عَلَى أَلْفٍ مُكَذِّبًا لِلشَّاهِدِ لَهُ بِأَلْفَيْنِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مُكَذِّبًا لِلزِّيَادَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا ادَّعَى فَعَلَى هَذَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَيْنِ ويبقى مع الشَّاهِدُ بِالْأَلْفِ فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُكَذِّبًا لَهُ لِجَوَازِ اقْتِصَارِهِ فِي الدَّعْوَى عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ وَلِجَوَازِ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّاهِدُ بِقَبْضِهِ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِي الدَّعْوَى تَكْذِيبُ الشَّاهِدِ مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ ثَمَنَ عَبْدِهِ أَلْفًا فَيَشْهَدُ بِأَنَّ ثَمَنَهُ أَلْفَانِ فَتُرَدُّ الشَّهَادَةُ لِتَكْذِيبِهِمَا بِالدَّعْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ تَكَفَّلَ لَهُ بمالٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ وَأَنْكَرَ الْمَكْفُولُ لَهُ الْخِيَارَ فَمَنْ جَعَلَ الْإِقْرَارَ وَاحِدًا أَحْلَفَهُ عَلَى الْخِيَارِ وَأَبْرَأَهُ لأنه لا يجوز بخيار ومن زعم أنه ببعض إِقْرَاره أَلْزَمَهُ مَا يَضُرُّهُ وَأَسْقَطَ مَا ادَّعَى المخرج به (قال المزني) رحمه الله قوله الذي لم يختلف أن الإقرار واحدٌ وكذا قال في المتايعين إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْخِيَارِ أَنَّ

الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَقَدْ قَالَ إذا أقر بشيءٍ فوصفه ووصله قَبْلَ قَوْلِهِ وَلَمْ أَجْعَلْ قَوْلًا وَاحِدًا إِلَّا حكماً واحداً ومن قال أجعله في الدراهم والدنانير مقراً وفي الأجل مدعياً لزمه إذا أقر بدرهم نقد البلد لزمه فإن وصل إقراره بأن يقول طبري جعله مدعياً لأنه ادعى نقصاً من وزن الدرهم ومن عينه ولزمه لو قال له عليّ ألفٌ إلا عشرة أن يلزمه ألفاً وله أقاويل كذا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الضَّمَانَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَاطِلٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة: جَائِزٌ لِدُخُولِ الضَّامِنِ فِيهِ عَلَى شَرْطِهِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِهِ أَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ فَبَطَلَ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ كَالرَّهْنِ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ وَالْإِثْبَاتَ وَالْخِيَارُ يُنَافِي اللُّزُومَ وَالْإِثْبَاتَ، وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْعَقْدِ مَا يُنَافِيهِ أَبْطَلَهُ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ مَوْضُوعٌ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَبْنِ وَطَلَبِ الْحَظِّ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَلِذَلِكَ كَانَ مَقْصُورًا عَلَى الثَّلَاثِ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَبْنِ بِهَا وَمُخْتَصًّا بِالْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْمُغَابَنَةِ وَلَيْسَ الضَّمَانُ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ يُسْتَدْرَكُ بِالْخِيَارِ فِيهِ الْمُغَابَنَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِاشْتِرَاطِهِ كَالنِّكَاحِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ضمان مال ضمن تَمَام الدَّعْوَى أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَ الْمَالِ الْمَضْمُونِ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمَجْهُولِ عِنْدَنَا بَاطِلٌ وَلُزُومُهُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَا يَلْزَمُ بَاطِلٌ فَتَصِحُّ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَلَيْسَ تَسْمِيَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَرَطًا فِي الدَّعْوَى عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ فَإِذَا كَمُلَتِ الدَّعْوَى بِأَنْ قَالَ: ضَمِنَ لِي أَلْفَا دينا عَلَى غَرِيمٍ.
سُئِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الضَّمَانَ عَنْهَا، فَإِذَا أَنْكَرَ حَلَفَ وَإِنِ اعْتَرَفَ بِالضَّمَانِ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ ففيه ثلاثة مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَقُولَ قَدْ ضَمِنْتُ إِلَّا بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَوْ يَقُولُ: إِنَّمَا ضَمِنْتُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، لِأَنَّهُ إِذَا ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ إِنَّمَا فَمَعْلُومٌ مِنْ صِيغَةِ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَصِلَ الضَّمَانَ بِغَيْرِهِ فَتَصِيرُ الصِّلَةُ لِتَقَدُّمِ أَمَارَتِهَا كَالْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى إِقْرَارِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَقْبُولًا وَلَا يَلْزَمُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ ضَمَانٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقِرَّ بِالضَّمَانِ مُطْلَقًا ثُمَّ يَدَّعِي بَعْدَ انْفِصَالِ كَلَامِهِ أَنَّ ضَمَانَهُ كَانَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَقَدْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ بِالْإِقْرَارِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْخِيَارِ وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِفِ فِيهِ الْمَذْهَبُ كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُقِرَّ بِالضَّمَانِ مَوْصُولًا بِالْخِيَارِ فَيَقُولُ: ضَمِنْتُ لَهُ أَلْفًا عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُدَّعِي عَلَى الْخِيَارِ فَالضَّمَانُ بَاطِلٌ وَإِنْ كَذَّبَهُ عَلَى الْخِيَارِ وَادَّعَى إِطْلَاقَ الضمان ففيه قولان منصوصان:

أحدهما: أن قَوْلهُ فِي ادِّعَاءِ الْخِيَارِ مَقْبُولٌ وَإِقْرَارَهُ بِالضَّمَانِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَلٍ فِي كَلَامِهِ عُرْفًا فَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ شَرَعَا كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَلِأَنَّهُ لما كانت صلة إقراره بمشيئة الله تعالى مقبولة فِي رَفْعِ الْإِقْرَارِ كَانَ صِلَتَهُ بِمَا يَصِلُ من حكمه من الخيار مقبولة فِي بُطْلَانِ الضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِقْرَارُهُ بِالْبَيْعِ إِذَا وَصَلَهُ بِصِفَةٍ يَبْطُلُ مَعَهَا مَقْبُولًا وَلَا يُجْعَلُ فِي الْبَيْعِ مُقِرًّا وَفِي الْفَسَادِ مُدَّعِيًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ بِالضَّمَانِ إِذَا وَصَلَهُ بِمَا يَبْطُلُ مَعَهُ مَقْبُولًا وَلَا يُبَعَّضُ إِقْرَارُهُ فَيُجْعَلُ فِي الضَّمَانِ مُقِرًّا وَفِي الْخِيَارِ مُدَّعِيًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ فِي ادِّعَاءِ الْخِيَارِ مَرْدُودٌ وَإِقْرَارَهُ بِالضَّمَانِ لَازِمٌ يَنْقُضُ إِقْرَارَهُ وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُقَرُّ لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ مُقَرَّرَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِمَا يَضُرُّهُ لَزِمَهُ وَمَنِ ادَّعَى مَا يَنْفَعُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَهُوَ فِي الضَّمَانِ مُقِرٌّ بِمَا يَضُرُّهُ وَفِي الْخِيَارِ مدع بمَا يَنْفَعُهُ، وَلِأَنَّهُ أَسْقَطَ أَوَّلَ كَلَامِهِ بِآخِرِهِ فَصَارَ كَاسْتِثْنَاءِ جَمِيعِ مَا أَقَرَّ بِهِ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَبْعِيضِ الْإِقْرَارِ إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْتُهُ إِيَّاهَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي الْقَضَاءِ وَلَا يُبَعَّضُ إِقْرَارُهُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَيُبَعَّضُ عَلَيْهِ إِقْرَارُهُ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ كَانَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مُؤَجَّلَةٌ إِلَى سَنَةٍ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَيُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّأْجِيلِ شَيْءٌ مِنَ الْإِقْرَارِ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أن القرائن والصلاة أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يُقْبَلُ فِي الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِمَالٍ ثُمَّ يَقُولُ: مِنْ شَرِكَةٍ كَذَا، فَيُقْبَلُ مِنْهُ وَصْلٌ أَوْ فَصْلٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يُقْبَلُ فِي الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا أَلْفًا، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَصْلٌ أَوْ فَصْلٌ لِفَسَادِهِ فِي الْكَلَامِ وَإِحَالَتِهِ فِي مَفْهُومِ الْخِطَابِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يُقْبَلُ فِي الِاتِّصَالِ وَلَا يُقْبَلُ فِي الِانْفِصَالِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالنَّقْصِ وَالزَّيْفِ وَمَا لَا يَرْفَعُ جَمِيعَ الْإِقْرَارِ إِنْ وَصَلَ قُبِلَ، وَإِنْ فَصَلَ لَمْ يُقْبَلْ، فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ وَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ؟ قِيلَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْبَعْضِ مَسْمُوعٌ فِي الْكَلَامِ وَصَحِيحٌ فِي مَفْهُومِ الْخِطَابِ فَجَازَ وَاسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ غَيْرُ مَسْمُوعٍ فِي كَلَامِهِمْ وَلَا يَصِحُّ فِي مَفْهُومِ خِطَابِهِمْ فَبَطَلَ لِإِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا صَحِيحًا.

وَالثَّانِي: أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْبَعْضِ مُثْبِتٌ لِحُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَصَحَّ وَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مُبْطِلٌ لِحُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَصِحُّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا لَا يُقْبَلُ فِي الِانْفِصَالِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي قَبُولِهِ فِي الِاتِّصَالِ وَهُوَ مَا رَفَعَ جَمِيعَ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ وَالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَكَانَ صَحِيحًا فِي كَلَامِ النَّاسِ وَمَفْهُومِ خِطَابِهِمْ كَقَوْلِهِ: ضَمِنْتُ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ، أَوْ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْتُهُ، أَوْ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ مُؤَجَّلٌ، فَهَذَا قَدْ يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَصِحُّ فِي كَلَامِهِمْ وَإِنَّمَا بَطَلَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا بِمَفْهُومِ الْخِطَابِ وَاسْتِحَالَةُ الْكَلَامِ بِاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ الَّذِي هُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي الْكَلَامِ فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ إِنِ اتَّصَلَ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ لِصِحَّتِهِ فِي الْكَلَامِ.
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ جَمْعًا بَيْنَ مَا رَفَعَ أَوَّلَ كَلَامِهِ لَفْظًا وَبَيْنَ مَا رَفَعَهُ حُكْمًا.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ قَبُولَ إِقْرَارِهِ فِي الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ تَبْعِيضٍ ثُمَّ احْتَجَّ لِنُصْرَتِهِ بِالْبَيْعِ إِذَا أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ بِخِيَارٍ ادَّعَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِيهِ.
فَيُقَالُ لِلْمُزْنِيِّ: إِنْ أَرَدْتَ خِيَارَ الثَّلَاثِ الْجَائِزَ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَإِنْ أَرَدْتَ خِيَارَ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمُبْطِلَ لِلْعَقْدِ فَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ فِيهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالضَّمَانِ أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يُمَلِّكُ بِهِ عِوَضَ مَا مُلِكَ عَلَيْهِ وَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي فَسَادِهِ لِرُجُوعِهِ إِلَى الْعِوَضِ وَلَيْسَ كَالضَّمَانِ الَّذِي لَا يُقَابِلُهُ لِنَفْسِهِ مَا يَبْطُلُ لِبُطْلَانِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسَادِهِ ثُمَّ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَلَا أَجْعَلُ قَوْلًا وَاحِدًا إِلَّا حُكْمًا وَاحِدًا وَهَذَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ بِاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ ضَمِنَ لَهُ عُهْدَةَ دارٍ اشْتَرَاهَا وَخَلَاصَهَا واستحقت رجع بالثمن عَلَى الضَامِنِ إِنْ شَاءَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: ضَمَانُ دَرْكِ الْبَيْعِ جَائِزٌ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ وَضَمَانُ الدَّرْكِ وَالْعُهْدَةِ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ وَإِنِ اخْتَلَفَا لَفْظًا.
وَقَالَ أبو يوسف: سَأَلْتُ أبا حنيفة عَنِ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْعُهْدَةُ، الْعُهْدَةُ الْكِتَابُ، فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ضَمَانِ الدَّرْكِ بِضَمَانِ الْعُهْدَةِ وَهَذِهِ عِبَارَةٌ قَدْ أَلَّفَهَا النَّاسُ وَاتَّسَعُوا فِيهَا فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهَا مَعَ أَنَّ إِنْكَارَ الْعِبَارَةِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْحُكْمِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: ضَمَانُ الدَّرْكِ بَاطِلٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَا يَجِبُ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَوْ لا يستحق.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ ضَمَانٌ مَجْهُولٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اسْتِحْقَاقِ الْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وزفر: إن ضمان الدَّرْك بِأَمْرِ الْبَائِعِ صَحَّ وَإِنَّ ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بَطَلَ، لِالْتِزَامِهِ حُكْمَ عَقْدِهِ وَهَذَا خَطَأٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ صَحَّ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِهِ وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو إِلَى ضَمَانِ الدَّرْكِ لِمَا لِلنَّاسِ مِنْ حَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى التَّوَثُّقِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَقَدْ لَا يُوثَقُ بِذِمَّةِ الْبَائِعِ لِهَوَانِهَا فَاحْتِيجَ إِلَى التَّوْثِيقِ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ وَالْوَثَائِقُ ثَلَاثٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.
وَالشَّهَادَةُ إِنَّمَا تُقَيِّدُ التَّوْثِيقَ مِنْ ذِمَّتِهِ لَا غَيْرَ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي هَذَا الْمَقْصُودِ وَالرَّهْنُ فِيهِ اسْتِدَامَةُ ضَرَرٍ لِاحْتِبَاسِهِ إِلَى مُدَّةٍ لَا يُعْلَمُ غَايَتُهَا وَأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَصِلُ إِلَى غَرَضِهِ مِنَ الثَّمَنِ إِذَا أَعْطَاهُ رِهَانَهُ وَهَذَا الضَّرَرُ زَائِلٌ عَنِ الضَّمَانِ وَالتَّوَثُّقُ الْمَقْصُودُ حَاصِلٌ بِهِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ وَجَوَازِهِ وَلَا يَكُونُ ضَمَانًا مَوْقُوفًا كما قال أبو العباس لأن المبيع إذا كَانَ مُسْتَحَقًّا حِينَ الْعَقْدِ فَالضَّمَانُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ فَلَا ضَمَانَ فَلَمْ يَتَرَدَّدْ بَيْنَ حَالٍ نَظَرًا فَيَصِيرُ مَوْقُوفًا وَلَا يَكُونُ ضماناً مجهولاً لأن الثمن معلوم ويكون اسْتِحْقَاقُ بَعْضِهِ مُفْضِيًا إِلَى جَهَالَتِهِ كَمَا يَكُونُ ضَمَانُهُ ألفا إِذَا قَامَتْ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ بَيِّنَةٌ بِأَدَاءِ بَعْضِهِ فَسُقُوطُ الضَّمَانِ فِيهِ مُفْضٍ إِلَى جَهَالَتِهِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ضَمَانَ الدَّرْكِ جَائِزٌ فَهُوَ مُوجِبٌ لِغُرْمِ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وَسَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُثْمَانِ الْبَتِّيِّ أَنَّ ضَمَانَ الدَّرْكِ مُوجِبٌ لِتَخْلِيصِ الْمَبِيعِ مَا كَانَ مَوْجُودًا إِلَّا أَنْ يَتْلَفَ فَيَغْرَمُ مِثْلَهُ وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا أَوْ عَقَارًا.
وَحُكِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ: أَنَّ ضَامِنَ الدَّرْكِ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ ضَمَانِهِ لَزِمَهُ تَخْلِيصُ الْمَبِيعِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ غَرِمَ ثَمَنَهُ.
وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَاسِدٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ مُوجِبٌ لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَفَسَادُهُ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ مَا تَضَمَّنَهُ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالْمَدْفُوعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْتَحَقِّ غَيْرُ مُمْكِنٍ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْمُسْتَحِقِّ فَلَمْ يَنْصَرِفِ الضَّمَانُ إِلَيْهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِنْ ضَمِنَ لَهُ خَلَاصَ الْمَبِيعِ فَقَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى جَوَازِهِ وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ بِهِ تَعَلُّقًا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ ضَمِنَ لَهُ عُهْدَةَ دَارِهِ وَخَلَاصِهَا وَهَذَا خَطَأٌ عَلَيْهِ فِي التَّأْوِيلِ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْخَلَاصِ إِنَّمَا هُوَ خَلَاصُ مَا يَجِبُ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنَ الثَّمَنِ أَلَا تَرَاهُ قَالَ: فَالثَّمَنُ عَلَى الضَّامِنِ؟ وَإِنَّمَا بَطَلَ ضَمَانُ خَلَاصِهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ.
فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ضَمَانَ الدَّرْكِ مُوجِبٌ لِغُرْمِ الثَّمَنِ فَالْمُشْتَرِي يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الِاسْتِحْقَاقُ.
وَالْإِقَالَةُ.
وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل