كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَإِنْ كَانَ لَا يَرَى اسْتِبَاحَةَ ذَلِكَ: جَازَ تَقْلِيدُهُ الْقَضَاءَ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ سَوَاءٌ كَانَ عَادِلًا أَوْ بَاغِيًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلَا تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ مُتَأَوِّلٌ بِشُبْهَةٍ خَرَجَ بِهَا مِنَ الْفِسْقِ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ لَمَّا صَحَّ من الباغي أو يُقَلَّدَ الْقَضَاءَ، صَحَّ مِنْهُ أَنْ يُنَفِّذَ الْقَضَاءَ، وَصَارَ فِي الْحُكْمِ كَالْعَادِلِ، كَمَا كَانَ فِي التَّقْلِيدِ كَالْعَادِلِ.
فَإِذَا حَكَمَ نُفِّذَتْ أَحْكَامُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ، وَلَمْ يُرَدَّ مِنْهَا إِلَّا مَا يُرَدُّ مِنْ أَحْكَامِ قُضَاةِ أَهْلِ الْعَدْلِ إِنْ خَالَفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ.
فَعَلَى هَذَا: لَوْ حَكَمَ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ نُفِّذَ حُكْمُهُ، لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ حَكَمَ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْهُمْ فِيمَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ قَبْلَ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَهَا: لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي حَالِ الْقَتْلِ نُفِّذَ حُكْمُهُ لِاحْتِمَالِهِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَسَقَطَ عَنْهُمُ الضَّمَانُ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا كَتَبَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ إِلَى قَاضِي الْعَدْلِ كِتَابًا فِي حُكْمٍ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَظَاهَرَ بِقَبُولِهِ، وَيَتَلَطَّفَ فِي رَدِّهِ اسْتِهَانَةً بِهِ وَزَجْرًا لَهُ عَنْ بَغْيِهِ.
فَإِنْ قَبِلَهُ وَحَكَمَ بِهِ جَازَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ وَلَا يُنَفِّذَ حُكْمَهُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي بُطْلَانِ وِلَايَتِهِ وَرَدِّ أَحْكَامِهِ.
وَهَكَذَا يَجُوزُ لِقَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ كِتَابًا بِحُكْمٍ وَإِنْ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَعَلَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَمْنَعُ مِنْهُ.
فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ سَأَلَ عَلِيًّا - رضوان الله عليه - أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَعْمَلُ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا وَأَخَذَهُ مُعَاوِيَةُ فِي الطَّرِيقِ، وَكَانَ يَعْمَلُ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا، فَقَالَ: غَلِطْتُ غَلْطَةً لَا أعذر أَكِيسُ بَعْدَهَا وَاسْتَمرّ.
فَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ فَلَيْسَ بِقَوْلٍ مُخْتَلِفٍ وَإِنَّمَا وَهِمَ بِهِ الْمُزَنِيُّ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ مِنْهُمْ عَدْلٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَرَى أَنْ يَشْهَدَ لِمُوَافِقِهِ بِتَصْدِيقِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
شَهَادَةُ أَهْلِ الْبَغْيِ إذا كانوا عدولاً مقبولة، ولا يكونوا بِمَا تَأَوَّلُوهُ مِنَ الْبَغْيِ فُسَّاقًا، لِحُدُوثِهِ مِنْهُمْ عَنْ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُمْ فُسَّاقٌ، لَكِنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، لِأَنَّهُ فِسْقٌ مِنْ تَدَيُّنٍ وَاعْتِقَادٍ، وَلِذَلِكَ قُبِلَتْ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا كَانُوا عُدُولًا فِي دِينِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هُمْ فُسَّاقٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا فِي صِحَّةِ الْعَدَالَةِ مِنْهُمْ وَأَنْ لَا يَصِيرُوا بِالتَّأْوِيلِ الْمُسَوِّغِ فُسَّاقًا أَنَّ الِانْفِصَالَ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى غَيْرِهِ إِذَا كَانَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ مَسَاغٌ لَا يَقْتَضِي التَّفْسِيقَ، كَالْمُنْتَقِلِ فِي فُرُوعِ الدِّينِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَفْسُقُ بِالِانْتِقَالِ، لِأَنَّهُ عَدَلَ إِلَى مَذْهَبٍ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا إِذَا اجْتَنَبَ مَا يَجْتَنِبُهُ عُدُولُ أَهْلِ الْعَدْلِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ:
أحدهما: أَنْ يَرَى مَنْ خَالَفَهُ مُبَاحَ الدَّمِ وَالْمَالِ، فيكون بهذه الاستباحة فاسقاً.
والحالة الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْتَقِدَ رَأْيَ الْخَطَّابِيَّةِ، وَهُمْ قَوْمٌ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ لِمُوَافِقِهِمْ عَلَى مُخَالِفِهِمْ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ، فَيُصَدِّقُهُ، ثُمَّ يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
وَبَنَوْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي أَنَّ الْكَذِبَ فِي الْقَوْلِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ مُوجِبٌ لِلْكُفْرِ وَإِحْبَاطِ الطَّاعَاتِ.
فَشَهَادَةُ هَؤُلَاءِ مَرْدُودَةٌ، وَفِي عِلَّةِ رَدِّهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْفِسْقُ، لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ يَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ.
وَالثَّانِي: التُّهْمَةُ مَعَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي مُمَاثَلَةِ مُوَافِقِهِ، فَصَارَ كَشَهَادَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى عَدَالَةٍ.
فَعَلَى هَذَا: تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إِذَا شَهِدَ بِالْحَقِّ مُطْلَقًا، وَإِنْ شَهِدَ عَلَى إِقْرَار مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَفِي رَدِّ شهادته وجهان:
أَحَدُهُمَا: تُرَدُّ شَهَادَتُهُ فِي الْمُقَيَّدِ كَرَدِّهَا فِي الْمُطْلَقِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْعِلَّةَ فِي رَدِّهَا الْفِسْقُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا تُرَدُّ إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْعِلَّةَ فِي رَدِّهَا التُّهْمَةُ، لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي الْمُطْلَقِ أَنَّهُ لِتَصْدِيقِ مُوَافِقِهِ، وَلَا يُتَّهَمُ فِي الْمُقَيَّدِ بِالْإِقْرَارِ أَنْ يَقُولَ: أَقَرَّ عِنْدِي وَلَمْ يُقِرَّ لِأَنَّهُ كَذِبٌ يُوجِبُ عِنْدَهُمُ الْكُفْرَ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ قُتِلَ بَاغٍ فِي الْمُعْتَرَكِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَالشَّهِيدِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ كَالْمَوْتَى إِلَّا مَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ: فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ اسْتِهَانَةً بِهِ وَعُقُوبَةً لَهُ، لِمُخَالَفَتِهِ فِي الدِّينِ كَأَهْلِ الْحَرْبِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فُرِضَ عَلَى أُمَّتِي غَسْلُ مَوْتَاهَا وَالصَّلَاةُ عَلَيْهَا) .
وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مَقْتُولٌ بِحَقٍّ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَتْلُهُ من غسله والصلاة عليه كالزاني والمتقص مِنْهُ، بَلْ هَذَا أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الزَّانِيَ فَاسْقٌ، وَهَذَا مُتَرَدِّدُ الْحَالِ بَيْنَ فِسْقٍ وَعَدَالَةٍ.
فَأَمَّا اسْتِهَانَتُهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَهَانَ بِمَخْلُوقٍ فِي إِضَاعَةِ حُقُوقِ الْخَالِقِ.
وَأَمَّا جَعْلُ ذَلِكَ عُقُوبَةً، فَالْعُقُوبَةُ إِنَّمَا تَتَوَجَّهُ إِلَى مَنْ يَأْلَمُ بِهَا، وَلِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُعَاقَبُ بِهَا الْحَيُّ مِنْهُمْ.
قِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ قُرْبَةً لَهُمْ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ فِي مَعْرَكَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَفِي غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ فِي الْمَعْرَكَةِ عَلَى حَقٍّ كَالْقَتِيلِ فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، لِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قُتِلُوا شُهَدَاءَ فَغُسِّلُوا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقْتَلُوا فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ.
وَقُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِصِفِّينَ فَغَسَّلَهُ عَلِيٌّ وَصَلَّى عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَتْلُهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كالمقتول في غير المعركة.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأَكْرَهُ لِلْعَدْلِ أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَ ذِي رَحِمٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَفَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ وَأَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ قَتْلِ ابْنِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
يُكْرَهُ لِلْعَادِلِ قَتْلُ ذِي رَحِمٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَقِتَالُهُ، وَيَعْدِلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: 15] .
وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَفَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَفَّ أَبَا بَكْرٍ عَنْ قَتْلِ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلِأَنَّ فِيهِ اعْتِيَادًا لِلْعُقُوقِ وَاسْتِهَانَةً بِالْحُقُوقِ.
وَلِأَنَّ لَهُ فُسْحَةً فِي أَنْ يَعْدِلَ عَنْ ذِي رَحِمِهِ وَيَكِلَ قَتْلَهُ أَوْ قِتَالَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ لَهُ جَازَ، وَلَمْ يُحَرَّجْ وَإِنْ كُرِهَ لَهُ.
رُوِيَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَتَلَ أَبَاهُ مُشْرِكًا، وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِرَأْسِهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى ظَهَرَ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَسُبُّكَ، ثُمَّ وَلَّى مُنَكَّسًا إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ عُذْرَهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم.
. الآية﴾ [المجادلة: 22] .
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَأَكْرَهُ أَنْ يَعْمِدَ قتل ذي رحمه.
عَمْدُ الْقَتْلِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ رَمْيُهُ عَمْيًا يَرْمِي إِلَى صَفِّهِمْ سَهْمًا، لَا يَقْصِدُ بِهِ أَحَدًا بِعَيْنِهِ، فَيَقْتُلُ بِهِ مَنْ أَصَابَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا أَوْلَى مَا فَعَلَهُ الْعَادِلُ فِي قِتَالِهِ، فَيَكُونُ عَامِدًا فِي الْقَتْلِ غَيْرَ متعمد للمقتول.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، يُقَاتِلُ أَهْلَ الْعَدْلِ وَيَنْكِي فِيهِمْ فَهَذَا مُبَاحٌ لَا حَرَجَ فِيهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَتْلُ دَفْعٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ قَدْ كَفَّ عَنِ الْقِتَالِ، وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ صَفِّهِمْ، فَفِي عَمْدِ قَتْلِهِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَحْظُورٌ، لِأَنَّ الْقَصْدَ بِقِتَالِهِمُ الْكَفُّ، وَهَذَا كَاف فَصَارَ كَالْأَسِيرِ الَّذِي يَحْرُمُ اعْتِمَادُ قَتْلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ رَدْءٌ لَهُمْ وَعَوْنٌ، فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ مُقَاتَلَتِهِمْ فَقَدْ شَهِدَ حَرْبَ الْجَمَلِ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَكَانَ نَاسِكًا عَابِدًا وَرِعًا يُدْعَى السَّجَّادَ.
فَرَآهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاقِفًا فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِ وَقَالَ: إِيَّاكُمْ وَصَاحِبَ الْبُرْنُسِ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
(وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ ... قَلِيلِ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ)
(هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ ... فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ)
(يُنَاشِدُنِي حم وَالرُّمْحُ مُشْرَعٌ ... فَهَلَّا تَلَا حم قَبْلَ التَّقَدُّمِ)
(عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا ... عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يَظْلِمِ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَمَا أَخَذَهُ عَلِيٌّ بِدَمِهِ، وَلَا زجره على قتله.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأَيُّهُمَا قَتَلَ أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ قَتَلَ الْعَادِلُ أَبَاهُ وَرِثَهُ وَإِنْ قَتَلَهُ الْبَاغِي لَمْ يَرِثْهُ وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَتَوَارَثَانِ لِأَنَّهُمَا مُتَأَوِّلَانِ وَخَالَفَهُ آخَرُ فَقَالَ لا يتوارثان لأنهما قاتلان (قال الشافعي) رحمه الله:
وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ فَيَرِثُهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ وَرَثَتِهِمَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي مِيرَاثِ الْقَاتِلِ قَدْ مَضَتْ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ.
فَإِذَا اقْتَتَلَ الْوَرَثَةُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَوَارُثِهِمْ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - إنَّهُ يُوَرثُ الْعَادِلُ مِنَ الْبَاغِي، وَلَا يُوَرَّثُ الْبَاغِي مِنَ الْعَادِلِ، لِأَنَّ قَتْلَ الْعَادِلِ ظُلْمٌ، وَقَتْلَ الْبَاغِي حق.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - أَنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ، فَيُوَرَّثُ الْعَادِلُ مِنَ الْبَاغِي وَيُوَرَّثُ الْبَاغِي مِنَ الْعَادِلِ لِأَنَّهُمَا مُتَأَوِّلَانِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مالك - أنه إن قتله في عميا تَوَارَثَا، لِأَنَّ الْعَمْيَاءَ خَطَأٌ، وَهُوَ يُوَرِّثُ الْخَاطِئَ، وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا لَمْ يَتَوَارَثَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - إنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ بِحَالٍ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ لِعُمُومِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا ميراث لقاتل.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَنْ أُرِيدَ دَمُهُ أَوْ مَالُهُ أَوْ حَرِيمُهُ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نفس من أراده (قال الشافعي) رحمه اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَنْ أُرِيدَ دَمُهُ أَوْ مَالُهُ أَوْ حَرِيمُهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ أَرَادَهُ وَإِنْ أَتَى الْقِتَالُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَكُونُ دَمُ الطَّالِبِ هَدَرًا مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَطْلُوبِ مَلْجَأٌ يَلْجَأُ إِلَيْهِ، مِنْ حِصْنٍ يُغْلِقُهُ عَلَيْهِ أَوْ مَهْرَبٍ لَا يُمْكِنُ لُحُوقُهُ فِيهِ لِرِوَايَةِ الضِّحَاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ نَفْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حَرِيمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ جَارِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) .
فَإِنْ وَجَدَ الْمَطْلُوبُ مَلْجَأً يَلْجَأُ إِلَيْهِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ: لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ.
.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَبَاحَ قِتَالَهُ: إِذَا لَمْ يَأْمَنْ رَجْعَتَهُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ مِنْ قِتَالِهِ: إِذَا أَمِنَ رَجْعَتَهُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْقِتَالِ فَوُجُوبُهُ مُعْتَبَرٌ بِمَا أَرَادَهُ الطَّالِبُ، وَذَلِكَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ مَالَ الْمَطْلُوبِ دُونَ دَمِهِ وَحَرِيمِهِ، فَهَذَا الْقِتَالُ مُبَاحٌ وَالْمَطْلُوبُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قِتَالِ الطَّالِبِ وَبَيْنَ الِاسْتِسْلَامِ وَتَسْلِيمِ مَالِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ الطَّالِبُ حَرِيمَ الْمَطْلُوبِ، لِإِتْيَانِ الْفَاحِشَةِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْهَا وَيَمْنَعَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُرِيدَ الطَّالِبُ نَفْسَ الْمَطْلُوبِ، فَفِي وُجُوبِ قِتَالِهِ وَدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْهَا وَيَدْفَعَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] . كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ مِنَ الْجُوعِ إِحْيَاءُ نَفْسِهِ بِأَكْلِ مَا وَجَدَهُ مِنَ الطَّعَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِتَالُ وَالدَّفْعُ، وَيَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِسْلَامِ، طَلَبًا لِثَوَابِ الشَّهَادَةِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ إليك يدي لأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: 28] .
وَلِأَنَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ مَنَعَ عَنْهُ عَبِيدَهُ، فَكَفَّهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَغْمَدَ سَيْفَهُ فَهُوَ حُرٌّ.
وَأَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا انْغَمَسَ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى قُتِلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا أَيَحْجِزُهُ عَنِ الْجَنَّةِ شَيْءٌ فَقَالَ: لَا، إِلَّا الدَّيْنُ، فَانْغَمَسَ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى قُتِلَ، ورسول الله يَرَاهُ وَلَا يَمْنَعُهُ.
فَأَمَّا الْمُضْطَرُّ جُوعًا إِذَا وَجَدَ طَعَامًا وَهُوَ يَخَافُ التَّلَفَ.
فَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِلطَّعَامِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى ثَمَنِهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ إِحْيَاءُ نَفْسِهِ بِأَكْلِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، بِخِلَافِ مَنْ أُرِيدَ دَمُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
لِأَنَّ فِي الْقَتْلِ شَهَادَةً يَرْجُو بِهَا الثَّوَابَ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الْأَكْلِ شَهَادَةً يُثَابُ عَلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى ثَمَنِهِ فَفِي وُجُوبِ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِأَكْلِهِ وَجْهَانِ.
وَهَكَذَا لَوْ وَجَدَ مَيْتَةً كَانَ فِي وُجُوبِ أَكْلِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ تَغْلِيبًا لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - يَكُونُ مُخَيَّرًا فِيهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ مِنَ الْتِزَامِ ذَنْبٍ لَا يعذر عليه.
(مسألة)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَالْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَمَانِ كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ حُرٍّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ لِأَهْلِ بَغْيٍ أَوْ حَرْبٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
وَأَصْلُ هَذَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ) .
قِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ عَبِيدَهُمْ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْأَمَانُ ضَرْبَانِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ.
فَأَمَّا الْعَامُّ: فَهُوَ الْهُدْنَةُ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهَا إِلَّا الْإِمَامُ دُونَ غَيْرِهِ، لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ، فَإِنْ تَوَلَّاهَا غَيْرُهُ، لَمْ يَلْزَمْ.
وَإِذَا اخْتُصَّتْ بِالْإِمَامِ، كَانَ إِمَامُ أَهْلِ الْعَدْلِ أَحَقَّ بِعَقْدِهَا مِنْ إِمَامِ أَهْلِ الْبَغْيِ.
فَإِنْ عَقَدَهَا إِمَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ بَطَلَتْ، كَمَا تَبْطُلُ بِعَقْدِ غَيْرِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ إِمَامَةَ الْبَاغِي لَا تَنْعَقِدُ.
وَأَمَّا الْأَمَانُ الْخَاصُّ: فَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ لِكُلِّ مُشْرِكٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَمَانُ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، مِنْ حرٍّ كَانَ أَوْ مِنْ عَبْدٍ، مِنْ عَادَلٍ أَوْ بَاغٍ فَيَكُونُ أَمَانُ الْبَاغِي لَازِمًا لِأَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ، وَأَمَانُ الْعَادِلِ لَازِمًا لِأَهْلِ الْعَدْلِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ.
فَإِنْ أَمنَ أَهْلُ الْبَغْيِ قَوْمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ حَتَّى سَبَوْهُمْ وَغَنِمُوهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا سَبْيَهُمْ وَغَنَائِمَهُمْ، وَلَزِمَهُمْ رَدُّ السَّبْيِ وَالْغَنَائِمِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَّنَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ وَسَبَاهُمْ وَغَنِمَهُمْ أَهْلُ الْبَغْيِ، حَرُمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَمَلَّكُوهُمْ، وَحَرُمَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَبْتَاعُوهُمْ.
وَعَلَى إِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ مِنْهُمْ وَيَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَهَكَذَا لَوْ أَمَّنَ أَهْلُ الْبَغْيِ قَوْمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ غَدَرُوا بِهِمْ فَسَبَوْهُمْ وَغَنِمُوهُمْ، لَمْ يَحِلَّ ابْتِيَاعُ السَّبْيِ وَالْغَنَائِمِ مِنْهُمْ، وَلَزِمَ أَهْلَ الْعَدْلِ رَدُّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْعَدْلِ وَأَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، قُسِّمَ سَبْيُهُمْ وَغَنَائِمُهُمْ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجْمَعُهُمْ وَإِنْ جَرَى الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ.
وَيَنْفَرِدُ إِمَامُ أَهْلِ الْعَدْلِ بِقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ بَيْنَهُمْ، وَيَخْتَصُّ بِإِجَازَةِ الْخُمْسِ إِلَيْهِ لِيَنْفَرِدَ بِوَضْعِهِ فِي مُسْتَحِقِّيهِ لِصِحَّةِ إِمَامَتِهِ، وَبُطْلَانِ إِمَامَةِ غَيْرِهِ.
وبالله التوفيق.
(بَابُ الْخِلَافِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ)
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً اسْتُمْتِعَ بِدَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ وإذا انقضت الحرب فذلك رد قلت أرأيت إن عارضك وإيانا معارض يستحل مال من يستحل دمه فقال الدم أعظم فإذا حل الدم حل المال هل لك من حجة إلا أن هذا في أهل الحرب اللذين ترق أحرارهم وتسبى نساؤهم وذراريهم والحكم في أهل القبلة خلافهم وقد يحل دم الزاني المحصن والقاتل ولا تحل أموالهما بجنايتهما والباغي أخف حالا منهما ويقال لهما مباحاً الدم مطلقاً ولا يقال للباغي مباح الدم وإنما يقال يمنع من البغي إن قدر على منعه بالكلام أو كان غير ممتنع لا يقاتل لم يحل قتاله قال إني إنما آخذ سلاحهم لأنه أقوى لي وأوهن لهم ما كانوا مقاتلين فقلت له فإذا أخذت ماله وقتل فقد صار ملكه كطفل أو كبير لم يقاتلك قط أفتقوى بمال غائب غير باغ على باغ؟ فقلت له أرأيت لو وجدت لهم دنانير أو دراهم تقويك عليهم أتأخذها؟ قال لا قلت فقد تركت ما هو أقوى لك عليهم من السلاح في بعض الحالات قال فإن صاحبنا يزعم أنه لا يصلى على قتلى أهل البغي قلت ولم وهو يصلي على من قتله في حد يجب عليه قتله ولا يحل له تركه؟ والباغي محرم قتله موليا وراجعاً عن البغي ولو ترك الصلاة على أحدهما دون الآخر كان من لا يحل إلا قتله بترك الصلاة أولى (قال) كأنه ذهب إلى أن ذلك عقوبة لينكل بها غيره قلت وإن كان ذلك جائزاً فاصلبه أو حرقه أو حز رأسه وابعث به فهو أشد في العقوبة قال لا أفعل به شيئاً من هذا قلت له هل يبالي من يقاتلك على انك كافر لا يصلى عليك وصلاتك لا تقربه إلى ربه؟ وقلت له أيمنع الباغي أن تجوز شهادته أو يناكح أو شيئاً مما يجري لأهل الإسلام؟ قال لا قلت فكيف منعته الصلاة وحدها؟) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا ظَفِرَ أَهْلُ الْعَدْلِ بِدَوَابِّ أَهْلِ الْبَغْيِ وَسِلَاحِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ
يُمْلَكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا أَنْ يُسْتَعَانَ بِهَا فِي قِتَالِهِمْ، وَتُحْبَسُ عَنْهُمْ مُدَّةَ الْحَرْبِ كَمَا تُحْبَسُ فِيهَا أَسْرَاهُمْ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ رُدَّ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَانَ عَلَى حَرْبِهِمْ بِدَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] .
فَكَانَ الْأَمْرُ بِقِتَالِهِمْ عَلَى عُمُومِهِ، الْمُشْتَمِلِ عَلَى دَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ، وَلِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ جَازَ قتالها بغير سلامها وَدَوَابِّهَا جَازَ قِتَالُهَا بِسِلَاحِهَا وَدَوَابِّهَا كَأَهْلِ الْحَرْبِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ حَبْسُهُ عَنْهُمْ إِضْعَافًا لَهُمْ جَازَ قِتَالُهُمْ بِهِ، مَعُونَةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ كَافٍ لَهُمْ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ.
فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ مَالِهِ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ كَأَهْلِ الْعَدْلِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَم يجز أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَنْ مَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَنْ مَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَلِأَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ يَمْلِكُونَ رِقَابَهَا وَمَنَافِعَهَا، فَلَمَّا لَمْ تُسْتَبَحْ بِالْبَغْيِ أَنْ تُمْلَكَ عَلَيْهِمْ رِقَابُهَا لَمْ يُسْتَبَحْ أَنْ تُمْلَكَ بِهِ مَنَافِعُهَا.
فَأَمَّا الْآيَةُ: فَلَا دَلِيلَ فِيهَا، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتِ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ، وَلَمْ تَتَضَمَّنْ صِفَةَ الْقِتَالِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ: فَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ رِقَابَهَا، جَازَ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ مَنَافِعَهَا، وَأَهْلُ الْبَغْيِ بِخِلَافِهِمْ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَبْسِهَا: فَلَيْسَ جَوَازُ حَبْسِهَا مُبِيحًا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، كَمَا جَازَ حَبْسُ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ اسْتِخْدَامُهُمْ وَالِانْتِفَاعُ بِهِمْ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِدَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ، فَإِنِ اسْتَمْتَعَ بِهَا أَهْلُ الْعَدْلِ لَزِمَهُمْ أُجْرَةُ مِثْلِهَا كَالْغَاصِبِ.
فَإِنْ تَلِفَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْعَدْلِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهَا ضَمِنُوا رِقَابَهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ من غير استعمال لم يضمنوها، لأهم حَبَسُوهَا عَنْهُمْ بِحَقٍّ.
وَلَوْ حَبَسُوهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ مَعَ إِمْكَانِ رَدِّهَا عَلَيْهِمْ: ضَمِنُوهَا، لِتَلَفِهَا بَعْدَ وُجُوبِ رَدِّهَا.
فَأَمَّا إِنِ اضْطَرَّ أَهْلُ الْعَدْلِ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِدَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ عِنْدَ خَوْفِ الِاصْطِلَامِ لِيَنْجُوا عَلَى دَوَابِّهِمْ هَرَبًا مِنْهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ بِسِلَاحِهِمْ دَفْعًا لَهُمْ: جَازَ وَلَمْ يَحْرُمْ، لِأَنَّ حَالَ الضَّرُورَةِ يُخَالِفُ حَالَ الِاخْتِيَارَ، كَمَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامَ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَهُ في حال الاختيار.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَجُوزُ أَمَانُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَيْنِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَالْبَغْيِ فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ جاز أمانه وإلا لم يجز قلت فما الفرق بينه يقاتل أو لا يقاتل؟ قال قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) قلت فإن قلت ذلك على الأحرار فقد أجزت أمان عبد وإن كان على الإسلام فقد رددت أمان عبد مسلم لا يقاتل قال فإن كان القتل يدل على هذا؟ قلت ويلزمك في أصل مذهبك أن لا تجيز أمان امرأة ولا زمن لأنهما لا يقاتلان وأنت تجيز أمانهما (قال) فأذهب إلى الدية فأقول دية العبد لا تكافئ دية الحر قلت فهذا أبعد لك من الصواب (قال) ومن أين؟ قلت دية المرأة نصف دية الحر وأنت تجيز أمانها ودية بعض العبيد أكثر من دية المرأة ولا تجيز أمانه وقد تكون دية عبد لا يقاتل أكثر من دية عبد يقاتل فلا تجيز أمانه فقد تركت أصل مذهبك (قال) فإن قلت إنما عني مكافأة الدماء في القود قلت فأنت تقيد بالعبد الذي لا يسوي عشرة دنانير الحر الذي ديته ألف دينار كان العبد يحسن قتالاً أو لا يحسنه قال إني لأفعل وما هو على القود قلت ولا على الدية ولا على القتال قال فعلام هو؟ قلت على اسم الإسلام) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ سَوَّى بَيْنِ أَمَانِ الرَّجُلِ وَأَمَانِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ مُوَافِقٌ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَجَازَ أَمَانَ أَمِّ هَانِئٍ عَامَ الْفَتْحِ، وَقَالَ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أَمَّ هَانِئٍ.
وَأَمَّا أَمَانُ الْعَبْدِ: فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ جَائِزٌ كَأَمَانِ الْحُرِّ، سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ أَمَانُهُ إِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ، اسْتِدْلَالًا بِمَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ وَأَجَابَهُ عَلَيْهِ.
وَهِذِهِ مَسْأَلَةٌ تَأْتِي فِي كِتَابِ السِّيَرِ، وَتُسْتَوْفَى فِيهِ.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: " لِأَهْلِ الْبَغْيِ وَالْحَرْبِ) فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمَانِ لِأَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ.
يَصِحُّ الْأَمَانُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ.
فَأَمَّا الْأَمَانُ لِأَهْلِ الْبَغْيِ فَإِسْلَامُهُمْ أَمَانٌ لَهُمْ يَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ إِذَا كَفُّوا، وَمِنْ قَتْلِهِمْ إِذَا أُسِرُوا.
فَإِنْ أَمَّنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَغِيِ: لَمْ يُؤَثِّرْ أَمَانُهُ إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُؤَمِّنَهُ بَعْدَ كَفِّهِ عَنِ الْقِتَالِ وَقَبْلَ أَسْرِهِ، فَيَمْنَعُ أَمَانُهُ مِنْ أَسْرِهِ، وَلَا يُؤَثِّرُ أَمَانُهُ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَلَا يُؤَثِّرُ أَمَانُهُ وَهُوَ عَلَى قِتَالِهِ، وَعَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحربي.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِذَا امْتَنَعَ أَهْلُ الْبَغْيِ بِدَارِهِمْ مِنْ أَنْ يَجْرِيَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ فَمَا أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التُّجَّارِ وَالْأَسْرَى فِي دَارِهِمْ مِنْ حُدُودِ النَّاسِ بَيْنَهُمْ أَوْ لِلَّهِ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ وَلَا الْحُقُوقُ بِالْحُكْمِ وَعَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى تَأْدِيَتُهَا إِلَى أَهْلِهَا قُلْتُ فَلِمَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ قِيَاسًا عَلَى دَارِ المحاربين يقتل بعضهم بعضاً ثم يظهر عليهم فلا يقاد منهم قلت هم مخالفون للتجار والأسرى في المعنى الذي ذهبت إليه خلافاً بينا أرأيت لو سبى المحاربون بعضهم بعضاً ثم أسلموا أندع السابي يتخول المسبى مرقوقاً له قال نعم قلت أفتجيز هذا في التجار والأسرى في دار أهل البغي؟ قال لا قلت فلو غزانا أهل الحرب فقتلوا منا ثم رجعوا مسلمين أيكون على أحد منهم قود؟ قال: لا قلت فلو فعل ذلك التجار والأسرى ببلاد الحرب غير مكرهين ولا شبه عليهم؟ قال يقتلون قلت أيسع قصد قتل التجار والأسرى ببلاد الحرب فيقتلون؛ قال بل يحرم قلت أرأيت التجار والأسرى لو تركوا الصلاة والزكاة في دار الحرب ثم خرجوا إلى دار الإٍسلام أيكون عليهم قضاء ذلك؟ قال: نعم قلت ولا يحل لهم في دار الحرب إلا ما يحل لهم في دار الإسلام؟ قال لا قلت فإذا كانت الدار لا تغير ما أحل لهم وحرم عليهم فكيف أسقطت عنهم حق الله وحق الآدميين الذي أوجبه الله عليهم؟ ثم أنت لا تحل لهم حبس حق قبلهم في دم ولا غيره وما كان لا يحل لهم حبسه فإن على الإمام استخراجمه عندك في غير هذا الموضع؛ قال فأقيسهم بأهل الردة الذين أبطل ما أجابوا قلت فأنت تزعم أن أهل البغي يقاد منهم ما لم ينصبوا إماماً ويظهروا حكما والتجار والأسارى لا إمام لهم ولا امتناع ونزعم لو قتل أهل البغي بعضهم بعضاً بلا شبهة أقدت منهم قال ولكن الدار ممنوعة من أن يجري عليهم الحكم
قلت أرأيت لو أن جماعة من أهل القبلة محاربين امتنعوا في مدينة حتى لا يجري عليهم حكم فقطعوا الطريق وسفكوا الدماء وأخذوا الأموال وآتوا الحدود؟ قال يقام هذا كله عليهم قلت فهذا ترك معناك وقلت له أيكون على المدنيين قولهم لا يرث قاتل عمد ويرث قاتل خطأ إلا من الدية؟ فقلت لا يرث القاتل في الوجهين لأنه يلزمه اسم قاتل فكيف لم تقل بهذا في القاتل من أهل البغي والعدل لأن كلا يلزمه اسم قاتل وأنت تسوي بينهما فلا تقيد أحداً بصاحبه؟) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا أَرَادَ بِهِ أَبَا حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا فَعَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ فِي دَارِهِمْ مَا يُوجِبُ حُدُودًا أَوْ حُقُوقًا، ثُمَّ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ، لَمْ تُقَمْ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ وَلَمْ تُسْتَوْفَ مِنْهُمُ الْحُقُوقُ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي دَارِ أَهْلِ الْبَغْيِ لَمْ يُؤَاخَذُوا بِمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ حُقُوقٍ وَارْتَكَبُوهُ مِنْ حُدُودٍ.
وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا فَعَلُوهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ هَدَرًا، فَجَمَعَ بَيْنَ الدَّارِينَ لِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِ الْإِمَامِ وَتَدْبِيرِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: إنَّ دَارَ الْحَرْبِ يَسْقُطُ جَرَيَانُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِيهَا عَلَى أَهْلِهَا، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ حَدٌّ، ولا يستو مِنْهُمْ حَقٌّ، وَلَا يَسْقُطُ جَرَيَانُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَنْ دَخَلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ.
وَدَارُ الْبَغْيِ لَا تَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِيهَا عَلَى أَهْلِهَا وَغَيْرِ أَهْلِهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا فِيهَا وَأَبَاحَتْ دَارُ الشِّرْكِ مَا فِيهَا) .
فَفَرَّقَ بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ وبين الشِّرْكِ فِي الْحَظْرِ، فَلَمْ يَجُزِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِبَاحَةِ.
وَلِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ جَارٍ عَلَى أَهْلِهِ أَيْنَ كَانُوا، كَمَا أَنَّ حُكْمَ الشِّرْكِ جَارٍ عَلَى أَهْلِهِ حَيْثُ وُجِدُوا.
وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تُغَيِّرَ الدَّارُ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ لَتَغَيَّرَتْ فِي الْعِبَادَاتِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، فَيَلْتَزِمُونَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَلْتَزِمُونَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ.
فَلَمَّا بَطَلَ هَذَا، وَاسْتَوَى إِلْزَامُهُمْ لَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ.
فَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ يَدَ الْإِمَامِ قَدْ زَالَتْ عَنْ دَارِ الْبَغْيِ فَسَقَطَ عَنْهُ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ إنَّ الْحُدُودَ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ لِمُخَاطَبَتِهِمْ بِهَا وَارْتِكَابِهِمْ لِمُوجِبِهَا، وَالْإِمَامُ مُسْتَوْفٍ لَهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا كَفَّ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا أقامها والله أعلم.
(باب حكم المرتد)
(مسألة)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَيِّ كُفْرٍ كَانَ مَوْلُودًا عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ قُتِلَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الرِّدَّةُ فِي اللُّغَةِ فَهِيَ الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21] .
وَأَمَّا الرِّدَّةُ فِي الشَّرْعِ: فَهِيَ الرُّجُوعُ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ.
وَهُوَ مَحْظُورٌ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ من الخاسرين﴾ [المائدة: 5] .
وقال الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217] الْآيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137] الْآيَةَ.
وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: إنَّهُمُ الْيَهُودُ، آمَنُوا بِمُوسَى ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، ثُمَّ آمَنُوا بِمُوسَى بَعْدَ عَوْدِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسَى، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ -.
وَالثَّانِي: إنَّهُمُ الْمُنَافِقُونَ، آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمَوْتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالثَّالِثُ: إنَّهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَصَدُوا تَشْكِيكَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ ثُمَّ الْكُفْرَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِثُبُوتِهِمْ عَلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
فَإِذَا ثَبَتَ حَظْرُ الرِّدَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلْقَتْلِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِجْمَاعِ صَحَابَتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
رَوَى أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) .
وَرَوَى عُثْمَانُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ) .
وَقَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَهْلَ الرِّدَّةِ وَوَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ حَتَّى أَسْلَمُوا.
وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَتَلَ أُمَّ قِرْفَةَ الْفَزَارِيَّةَ قَتْلَ مُثْلَةٍ، شَدَّ رِجْلَيْهَا بِفَرَسَيْنِ، ثُمَّ صَاحَ بِهِمَا فَشَقَّاهَا.
وَهَذَا التَّنَاهِي مِنْهُ فِي نَكَالِ الْقَتْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَتْبُوعًا فيه فالانتشار الرِّدَّةِ فِي أَيَّامِهِ، وَتَسَرُّعِ النَّاسِ إِلَيْهَا، لِتَكُونَ هَذِهِ الْمُثْلَةُ أَشَدَّ زَجْرًا لَهُمْ عَنِ الرِّدَّةِ، وَأَبْعَثَ لَهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ.
وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ أن قوماً غلوا في علي - عليه السلام - وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ إِلَهٌ، فَأَجَّجَ لَهُمْ نَارًا وَحَرَّقَهُمْ فِيهَا.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ بِالسَّيْفِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) فَقَالَ - عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -:
(لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرَا ... أَجَّجَتُ نَارًا وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا)
وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قال: شهدت علياً - عليه السلام - وَقَدْ أَتَى بِالْمُسْتَوْرِدِ بْنِ قَبِيصَةَ الْعِجْلِيِّ وَقَدْ تَنَصَّرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: حُدِّثْتُ عَنْكَ أَنَّكَ تَنَصَّرْتَ.
فَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ: أَنَا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَأَنَا أَيْضًا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيهِ - فَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيَ عَليّ.
فَقَالَ علي - رضوان الله عليه -: طؤه، فَوُطِئَ حَتَّى مَاتَ.
فَقُلْتُ لِلَّذِي يَلِينِي: مَا قَالَ؟
قَالَ: إِنَّ الْمَسِيحَ رَبُّهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَدِمَ الْيَمَنَ وَبِهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ يَهُودِيًّا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ مُنْذُ شَهْرَيْنِ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِذَلِكَ، فَقُتِلَ:
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْقَتْلِ بِرِدَّةِ الْمُسْلِمِ إِلَى الْكُفْرِ، فَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ مَوْلُودًا عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ، أَوْ صَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ صَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، لَمْ يُقْتَلْ بِالرِّدَّةِ لِضَعْفِ إِسْلَامِهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ.
لِأَنَّهُ لَمَّا جَرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِي الْعِبَادَاتِ وَأَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَوَارِيثِ وَالشَّهَادَاتِ، وَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي الرِّدَّةِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا كَانَ فِي غَيْرِ الرِّدَّةِ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا تَبَعُّضَ فِيهِ، فَلَمْ تُبَعَّضْ فِيهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ.
وَبِهِ يَفْسُدُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ ضَعْفِهِ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأَيُّ كُفْرٍ ارْتَدَّ إِلَيْهِ مِمَّا يُظْهِرُ أَوْ يُسِرُّ مِنَ الزَّنْدَقَةِ ثُمَّ تَابَ لَمْ يُقْتَلْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
لَا يَخْلُو حَالُ الكفر إِذَا ارْتَدَّ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَتَظَاهَرَ بِهِ أَهْلُهُ كَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ.
أَوْ يُسِرُّونَهُ كَالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَظَاهَرُ بِهِ أَهْلُهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ مِنْهُ إِذَا ارْتَدَّ إِلَيْهِ سَوَاءٌ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ كَافِرًا وَأَسْلَمَ.
وَحَكَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَحْسَبُهُ مَالِكًا أَنَّ الْمَوْلُودَ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِذَا ارْتَدَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ بِحَالٍ، فَكَانَ أَغْلَظَ حُكْمًا مِمَّنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَهَذَا فَاسِدٌ.
وَلَكِنَّهُ لَوْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ أَوْلَى، لِأَنَّ تَوْبَةَ الْمَوْلُودِ عَلَى الْإِسْلَامِ أَقْوَى، لِأَنَّهُ قَدْ
أَلِفَ الْإِسْلَامَ، وَتَوْبَةُ الْمَوْلُودِ عَلَى الْكُفْرِ أَضْعَفُ، لِأَنَّهُ قَدْ أَلِفَ الْكُفْرَ، فَلَمَّا فَسَدَ هَذَا كَانَ عَكْسُهُ أَفْسَدَ.
وَدَلَائِلُ هَذَا تَأْتِي فِيمَا يَلِيهِ.
وَإِنْ كَانَ الْكُفْرُ مِمَّا يُسِرُّهُ أَهْلُهُ كَالزَّنْدَقَةِ: قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، تَسْوِيَةً بَيْنَ رِدَّةِ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَبَيْنَ الرِّدَّةِ إِلَى كُلِّ كُفْرٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
فَفَرَّقَ بَيْنَ بَعْضِ الْكُفْرِ وَبَعْضِهِ فِي الرِّدَّةِ، كَمَا فَرَّقَ فِي الْأَوَّلِ - إِنْ كَانَ قَائِلًا بِهِ - بَيْنَ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْضِهِمْ فِي الرِّدَّةِ.
وَالزِّنْدِيقُ عِنْدَهُ: مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَسَرَّ الْكُفْرَ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: كَقَوْلِنَا.
وَالْأُخْرَى: كَقَوْلِ مَالِكٍ.
احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: 90] .
وَلِأَنَّ الزِّنْدِيقَ يَتَظَاهَرُ بِالْإِسْلَامِ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ، وَهُوَ بَعْدَ التَّوْبَةِ هَكَذَا، فَصَارَ كَمَا قَبْلَهَا فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ التَّوْبَةُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى سَوَاءٍ.
قَالَ: وَلِأَنَّ الزَّنْدَقَةَ أَعْظَمُ فَسَادًا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحِرَابَةِ لِجَمْعِهَا بَيْنَ فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَلَمَّا لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَةُ الْمُحَارِبِينَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تُقْبَلَ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ أَنَّهُ يَسْتَدْفِعُ بِهَا الْقَتْلَ، كَمَا كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ تَوْبَةِ الْمُحَارِبِ اسْتِدْفَاعَ الْقَتْلِ بِهَا، فَوَجَبَ أَنْ تُحْمَلَ تَوْبَتُهُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهَا فِي دَفْعِ الْقَتْلِ بِهَا، كَمَا حُمِلَتْ تَوْبَةُ الْمُحَارِبِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهَا.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94] .
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَسْتَ مُؤْمَنًا - بِفَتْحِ الْمِيمِ - مِنَ الْأَمَانِ.
وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالْكَسْرِ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَفِيهَا عَلَى كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ دَلِيلٌ لِمَا حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ سَبَبِ نُزُولِهَا:
" أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: مِرْدَاسُ بْنُ عُمَرَ الْفَدَكِيُّ كَانَتْ لَهُ غُنَيْمَاتٌ لَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ لَهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَبَدَرَ إِلَيْهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ وَقَدْ أَسْلَمَ؟
قَالَ: إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا.
قَالَ: هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ.
ثُمَّ حَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دِيَّتَهُ إِلَى أَهْلِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ غَنَمَهُ) .
وَرَوَى عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ " أَنَّ رَجُلًا سَارَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمْ يُدْرَ مَا سَارَّهُ، حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: بَلَى، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ.
قَالَ: أَلَيْسَ يُصَلِّي.
قَالَ: بَلَى، وَلَا صَلَاةَ لَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أولئك الذين نهاني الله عنهم) .
وروى عبيد اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ قَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي لشجرة، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ .
قَالَ: لَا تَقْتُلُهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ) .
فَدَلَّتِ الْآيَةُ وَالْخِبْرَانِ عَلَى الْأَخْذِ بِالظَّاهِرِ دُونَ السَّرَائِرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ) .
وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ قَبِلَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ظَاهِرَ إِسْلَامِهِمْ، وَإِنْ تَحَقَّقَ بَاطِنُ كُفْرِهِمْ، بِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ سَرَائِرِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون.
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 1 - 2] . وَقُرِئَ: إِيمَانَهُمْ - بِكَسْرِ [الْهَمْزَةِ] مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْأَوَّلُ مِنَ الْيَمِينِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: 56] .
فَلَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بما أطلعه الله تعالى عليه من سرائرهم الَّتِي تَحَقَّقَ بِهَا كُفْرُهُمْ، وَاعْتَبَرَ مَا تَظَاهَرُوا بِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ تَحَقَقَ فِيهِ كَذِبُهُمْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَمْثَالُهُمْ مِنَ الزَّنَادِقَةِ مُلْحَقِينَ بِهِمْ وَدَاخِلِينَ فِي حُكْمِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا كَفَّ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَلَوْ عَرَفَهُمْ لَمَا كَفَّ عَنْهُمْ.
قِيلَ: قَدْ كَانُوا أَشْهَرَ مِنْ أَنْ يَخْفَوْا، هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بن أبي ابن سَلُولَ وَهُوَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، قَدْ تَظَاهَرَ بِالنِّفَاقِ وَأَبْدَى مُعْتَقَدَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا:
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12] .
وَقَوْلُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8] .
فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهَا مِنَ الْغُزَاةِ جَرَّدَ ابْنُهُ عَلَيْهِ سَيْفَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَقُلْ إِنَّكَ الْأَذَلُّ وَرَسُولُ اللَّهِ الْأَعَزُّ، لَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي هَذَا، فَقَالَهَا.
وَلِأَنَّ إِقْرَارَهُ بِالزَّنْدَقَةِ أَقْوَى مِنْ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إِذَا أَقَرَّ بِهَا كَانَ أَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ فِي قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِهَا.
وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ التَّوْبَةِ فِي جَهْرِ الْكُفْرِ وَسِرِّهِ، لَكَانَ قَبُولُ تَوْبَةِ الْمُسَاتِرِ أَوْلَى مِنْ قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُجَاهِرِ، لِأَنَّ الْجَهْرَ بِهِ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ مُعْتَقَدِهِ، وَالِاسْتِسْرَارِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مُعْتَقَدِهِ، فَلَمَّا بَطُلَ هَذَا كَانَ عِلَّتُهُ أَبْطَلَ، وَلِأَنَّهَا تَوْبَةٌ مِنْ كُفْرٍ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ كَالْجَهْرِ.
فَأَمَّا الجواب عن قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: 90] .
فَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَ فِيهَا مَا يَتَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا، لِأَنَّ مَنِ ازْدَادَ كُفْرًا لَمْ يتب، ومن
تَابَ لَمْ يَزْدَدْ كُفْرًا، وَإِذَا تَنَافَى ظَاهِرُهُمَا صَارَ تَأْوِيلُهَا مَحْمُولًا عَلَى تَقَدُّمِ التَّوْبَةِ عَلَى مَا حَدَثَ بَعْدَهَا مِنْ زِيَادَةِ الْكُفْرِ، فَيُحْبِطُ حَادِثُ الْكُفْرِ سَابِقَ التَّوْبَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ بِالتَّوْبَةِ مُظْهِرٌ لِلْإِسْلَامِ مُسْتَبْطِنٌ لِلْكُفْرِ، وَهَكَذَا هُوَ قَبْلَهَا.
فَهُوَ أَنَّنَا مَا كُلِّفْنَا مِنْهُ إِلَّا الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مَوْكُولٌ إِلَى رَبِّهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تُحَاسِبُوا الْعَبْدَ حِسَابَ الرَّبِّ) .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تُؤَثِّرَ التَّوْبَةُ فِي بَاطِنِهِ كَتَأْثِيرِهَا فِي ظَاهِرِهِ.
وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَارِبِ فَلَا يَصِحُّ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِي مَعْنَى الْحُكْمِ، لِأَنَّ الْحِرَابَةَ يُقْتَلُ فِيهَا بِظَاهِرِ فِعْلِهِ، فَلَمْ تُؤَثِّرِ التَّوْبَةُ فِي رَفْعِهِ، وَالرِّدَّةُ يُقْتَلُ فِيهَا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ الدَّالِّ عَلَى مُعْتَقَدِهِ، فَجَازَ أَنْ يَرْفَعَهَا مَا جَانَسَهَا مِنَ الْقَوْلِ فِي تَوْبَتِهِ، وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى زَوَالِ مُعْتَقَدِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا اسْتِدْفَاعُ الْقَتْلِ.
فَهُوَ أَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ فِي الْمُرْتَدِّ كَمَا لَا يَمْنَعُ إِسْلَامُ الْحَرْبِيِّ إِذَا قُدِّمَ لِلْقَتْلِ مِنْ قَبُولِ إِسْلَامِهِ وَالْكَفِّ عن قتله والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ امْرَأَةً كَانَتْ أَوْ رَجُلًا عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ يَسْتَوِي فِي الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَتُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ كَمَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: تُحْبَسُ الْمُرْتَدَّةُ وَلَا تُقْتَلُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَلَا تُحْبَسُ عَنْ سَيِّدِهَا.
اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) . فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَبِمَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ أَبِي النُّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
قَالَ: " لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ إِذَا ارْتَدَّتْ وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ لَمْ يُقْتَلْ بِالرِّدَّةِ كَالصَّبِيِّ.
وَلِأَنَّ كُلَّ حُرٍّ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ لَمْ يُقْتَلْ بِالرِّدَّةِ كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ.
وَلِأَنَّهَا كَافِرَةٌ لَا تُقَاتِلُ فَلَمْ تُقْتَلْ كَالْكَافِرَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْقُونَةُ الدَّمِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُسْتَبَحْ دَمُهَا بِالرِّدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ، لَعَوْدِهَا بَعْدَهُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَهُ، وَبِعَكْسِهَا الرَّجُلُ.
وَدَلِيلُنَا: عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الرَّجُلُ لِقَوْلِهِ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ وَلَوْ أَرَادَ الْمَرْأَةَ لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ فَقَالَ: مَنْ بَدَّلَتْ دِينَهَا.
قِيلَ: لَفْظَةُ مَنْ لِلْعُمُومِ تَسْتَغْرِقُ الْجِنْسَ، فَاشْتَمَلَتْ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
.﴾ [النساء: 24] الْآيَةَ وَلِأَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ، اسْتَحَقَّهُ مَنْ دَخَلَهَا منْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عليها - قَالَتْ: " ارْتَدَّتِ امْرَأَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ تُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ) .
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ: " أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ ارْتَدَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ رَجَعَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ) .
وَرَوَاهُ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " فَعُرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَأَبَتْ أَنْ تُسْلِمَ، فَقُتِلَتْ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّهُ كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ فَوَجَبَ أَنْ يسْتَحقّ بِهِ الْقَتْلَ كَالرَّجُلِ، وَهَذِهِ عِلَّةٌ وَرَدَ النَّصُّ بِهَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ.
.) .
فَكَانَتْ أَوْكَدَ مِنَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَهَكَذَا نَسْتَنْبِطُ مِنْ هَذَا النَّصِّ عِلَّةً أُخْرَى، فَنَقُولُ: كُلُّ مَنْ قُتِلَ بِزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ قُتِلَ بِكُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ كَالرَّجُلِ، وَمِنْهُ عِلَّةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّ كُلَّ مَنْ قُتِلَ بِالنَّفْسِ قَوَدًا قُتَلَ بِالرِّدَّةِ حَدًّا كَالرَّجُلِ، فَيَكُونُ تَعْلِيلُ النَّصِّ فِي الثَّلَاثَةِ مُسْتَمِرًّا.
وَلِأَنَّهُ حَدٌّ يُسْتَبَاحُ بِهِ قَتْلُ الرَّجُلِ فَجَازَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِهِ قَتْلُ الْمَرْأَةِ كَالزِّنَا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ والوالدان.
فَهُوَ أَنَّ خُرُوجَهُ عَلَى سَبَبٍ، رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، فَقَالَ: " لِمَ قُتِلَتْ وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ) وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَرْبِيَّاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: النَّهْيُ عَامٌّ فَلِمَ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى سَبَبِهِ.
قِيلَ: لَمَّا عَارَضَهُ قَوْلُهُ: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَجَبَ تَخْصِيصُ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبِهِ، وَحَمْلُ الْآخرِ عَلَى عُمُومِهِ، لِأَنَّ السَّبَبَ مِنْ إِمَارَاتِ التَّخْصِيصِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
فَهُوَ أن رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَفَّانَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى هَذَا كَذَّابٌ يَضَعُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الثِّقَاتِ.
وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ عَاصِمٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأَنْكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَسَكَتَ وَتَغَيَّرَ.
وَأَنْكَرَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَمَا كَانَ بِهَذَا الضَّعْفِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ فِي الدِّينِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ على الصبي:
فهو انتفاضه بِالشَّيْخِ الْهَرِمِ وَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِالرِّدَّةِ، وَلَا يُقْتَلُونَ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، وَالْأَصْلُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الرِّدَّةُ.
وَأَمَّا الجَوَاب عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْكَافِرَةِ الْحَرْبِيَّةِ:
فَمُنْكَسِرٌ بِالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ لَا يُقْتَلُونَ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ وَيُقْتَلُونَ بِالرِّدَّةِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْحَرْبِيَّةِ أَنَّهَا مَالٌ مَغْنُومٌ وَلَيْسَتِ الْمُرْتَدَّةُ مَالًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِحَقْنِ دَمِهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ بِالرِّدَّةِ بعد الإسلام.
فَبَاطِلٌ بِالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَالرُّهْبَانِ وَأَصْحَابِ الصَّوَامِعِ، دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَيُقْتَلُونَ بِالرِّدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّةَ لَمَّا جَازَ إِقْرَارُهَا عَلَى كُفْرِهَا لَمْ تُقْتَلْ، وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُ الْمُرْتَدَّةِ عَلَى كُفْرِهَا قُتِلَتْ، لِأَنَّ وُقُوعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ يَمْنَعُ مِنْ تساويهما في الحكم والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " (وَقَالَ فِي الثَّانِي) فِي اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثًا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ عُمَرَ يُتَأَنَّى بِهِ ثَلَاثًا وَالْآخَرُ لَا يُؤَخَّرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يأمر فيه بأناة وهو لو تؤتي به بعد ثلاث كهيئته قبلها) .
(مسألة)
قال الشافعي رحمه الله: " وهذا ظاهر الخبر (قال المزني) وأصله الظاهر وهو أقيس على أصله) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ قَبْلَ قَتْلِهِ، فَإِنْ تَابَ حُقِنَ دَمُهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ قُتِلَ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ وَإِنْ وُلِدَ فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ.
اسْتِدْلَالًا: بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) فَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ إِلَّا بِالْقَتْلِ دُونَ الِاسْتِتَابَةِ.
ولِأَنَّ قَتْلَ الرِّدَّةِ حَدٌّ كَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا، فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمِ اسْتِتَابَةُ الزَّانِي لَمْ يَلْزَمِ اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رَوَاهُ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: " ارْتَدَّتِ امْرَأَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَمَرَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ تُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَة خَبَرٍ؟
فَقَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَقَتَلْنَاهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، اللَّهُمَّ لم أحضر ولم أمر.
. ولم أرضى إِذْ بَلَغَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِهِ.
وَرُوِيَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَتَبَ إِلَى عثمان - رضي الله عنهما - فِي قَوْمٍ ارْتَدُّوا فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: ادْعُهُمْ إِلَى دِينِ الْحَقِّ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ أَجَابُوا فَخَلِّ سَبِيلَهُمْ
وإن امتنعوا فاقتلهم، فأجاب بعضهم فخلا سَبِيلَهُ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ فَقَتَلَهُ.
وَلِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حُدُوثِ الرِّدَّةِ أَنَّهُ لِاعْتِرَاضِ شُبْهَةٍ، فَلَمْ يَجُزِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقَتْلِ قَبْلَ كَشْفِهَا وَالِاسْتِتَابَةِ مِنْهَا كَأَهْلِ الْحَرْبِ، لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ، وَإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِتَابَةِ.
وَأَمَّا الزِّنَا فَالتَّوْبَةُ لَا تُزِيلُهُ، وَهِيَ تُزِيلُ الرِّدَّةَ، فَلِذَلِكَ اسْتُتِيبَ مِنَ الرِّدَّةِ وَلَمْ يُسْتَتَبْ مِنَ الزِّنَا.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ الْأَمْرُ بِاسْتِتَابَتِهِ قَبْلَ قَتْلِهِ، فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، لِأَنَّ وُجُوبَ الِاسْتِتَابَةِ يُوجِبُ حَظْرَ دَمِهِ قَبْلَهَا، وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونِ الدَّمِ لَوْ قُتِلَ قَبْلَهَا، فَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ وَاجِبَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، مِنَ الْخَبَرِ وَالْأَثَرِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِتَابَةَ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ فِي حُكْمِ إِبْلَاغِ الدَّعْوَةِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِبْلَاغُ الدَّعْوَةِ وَاجِبَةٌ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِتَابَةُ.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ إِقْلَاعُهُ عَنْ رِدَّتِهِ، وَالِاسْتِتَابَةُ أَخَصُّ بِالْإِقْلَاعِ عَنْهَا مِنَ الْقَتْلِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ أَوْجَبَ مِنْهُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ حُكْمُ الِاسْتِتَابَةِ فِي الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَهَلْ يُعَجَّلُ قَتْلُهُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنَ التَّوْبَةِ أَوْ يُؤَجَّلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ - أَنَّهُ يُعَجَّلُ قَتْلُهُ وَلَا يُؤَجَّلُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الْإِنْظَارَ فَيُؤَجَّلُ ثَلَاثًا لِقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) . وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَمْ يُؤَجَّلْ فِيهِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُؤَجَّلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُنْظَرُ مَا كَانَ يَرْجُو التَّوْبَةَ.
وَدَلِيلُ تَأْجِيلِهِ ثَلَاثًا: قَوْلُ عَمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ أُخْبِرَ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، اللَّهُمَّ لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ.
. الْخَبَرَ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ قَضَى بِعَذَابِ قَوْمٍ ثُمَّ أَنْظَرَهُمْ ثَلَاثًا فَقَالَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مكذوب﴾ [هود: 65] .
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ اسْتِبْصَارُهُ فِي الدِّينِ وَرُجُوعُهُ إِلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الِارْتِيَاءِ وَالْفِكْرِ، فَأُمْهِلَ بِمَا يُقَدَّرُ فِي الشَّرْعِ مِنْ مُدَّةِ أَقَلِّ الْكَثِيرِ، وَأَكْثَرِ الْقَلِيلِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ:
فَعَلَى هَذَا: فِي تَأْجِيلِهِ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ إِنْ قِيلَ: إِنَّ الِاسْتِتَابَةَ مُسْتَحَبَّةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إِنْ قيل: إن الاستتابة واجبة.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " ويوقف ماله) . قال الماوردي: حكم الردة مشتمل عَلَى
فَصْلَ
يْنِ:
أَحَدُهُمَا: حُكْمُهَا فِي نَفْسِ الْمُرْتَدِّ، وَهُوَ الْقَتْلُ وَقَدْ مَضَى.
وَالثَّانِي: حُكْمُهَا فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بَقَاءُ مَالِهِ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ.
فَأَمَّا بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَثَالِثًا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِهِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - إِنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَانَ أَنَّ مَالَهُ كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ بَانَ أَنَّ مَالَهُ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، فَيَصِيرُ مَالُهُ مُعْتَبَرًا بِنَفْسِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي زَكَاةِ الْمَوَاشِي - إنَّ مَالَهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، إِلَى أَنْ يُقْتَلَ بِالرِّدَّةِ، فَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ مَالِكٍ، فَلَمَّا لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ إِلَّا بِالْمَوْتِ، عُلِمَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ.
وَالثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِي تَخْرِيجِهِ: - ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْمُدَبِّرِ - إنَّ تَدْبِيرَ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ فِي أَحَدِ أَقَاوِيلِهِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ مِلْكَهُ خَارِجٌ عَنْهُ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى تَعْلِيلِهِ بِأَنَّ مِلْكَهُ خَارِجٌ عَنْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَطَائِفَةٍ - أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ خُرُوجَ مَالِهِ عَنْ تَصَرُّفِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِالرِّدَّةِ مَا عَادَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَمْلِيكٍ مُسْتَجَدٍّ، وَمَنَعُوا مِنْ تَخْرِيجِهِ قَوْلًا ثَالِثًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ إنَّهُ أَرَادَ بِهِ زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْ مَالِهِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى
الْإِسْلَامِ عَادَ الْمَالُ إِلَى مِلْكِهِ كَالْخَلِّ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَمْرًا زَالَ عَنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا عَادَ إِلَى مِلْكِهِ.
وَخَرَّجَ قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ فِي مَالِهِ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ -:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَالَهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَمُوتَ - وَهُوَ الْأَصَحُّ - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي: إنَّ مَالَهُ قَدْ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ قُتِلَ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَادَ إِلَى مِلْكِهِ بِإِسْلَامِهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَالَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَمَالُهُ لَمْ يَزَلْ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عُلِمَ أَنَّ مَالَهُ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ.
وَعَلَى هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ يَكُونُ حُكْمُ مَا اسْتَفَادَ مِلْكُهُ فِي رِدَّتِهِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوِ اصْطِيَادٍ أَوِ احْتِشَاشٍ.
فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ: إِنَّ مِلْكَهُ الْمُتَقَدِّمَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، مَلَكَ مَا اسْتَفَادَهُ فِي رِدَّتِهِ، وَصَارَ مُضَافًا إِلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي: إنَّ مَالَهُ خَرَجَ بِالرِّدَّةِ عَنْ مِلْكِهِ، لَمْ يَمْلِكْ مَا اسْتَفَادَهُ فِي رِدَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْلِكْ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَلِكُهُ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّالِثِ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، كَانَ مَا اسْتَفَادَهُ فِي الرِّدَّةِ مَوْقُوفًا مُرَاعًى:
فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ مَلَكَهُ مَعَ قَدِيمِ مِلْكِهِ.
وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ لَمْ يَمْلِكْهُ.
فَإِنْ كَانَ عَنْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ: بَطُلَتْ، وَعَادَ إِلَى الْوَاهِبِ وَالْمُوصِي.
وَإِنْ كَانَ اصْطِيَادًا أَوِ احْتِشَاشًا: كَانَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي جَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ.
فَظُهُورُ الرِّدَّةِ مِنْهُ مُوجِبَةٌ لِوُقُوعِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ لِعِلَّتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ تَظَاهُرَهُ بِهَا مَعَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ إِبَاحَةِ دَمِهِ دَلِيلٌ عَلَى سَفَهِ رَأْيِهِ وَضَعْفِ تَمْيِيزِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ انْتِقَالَ مَالِهِ عَنْهُ إِلَى مَنْ بَايَنَهُ فِي الدَّيْنِ يُوجِبُ حِفْظُهُ عَلَيْهِ، لِتُوَجَّهَ التُّهْمَةُ إِلَيْهِ، حَتَّى لَا يُسْرِعَ إِلَى اسْتِهْلَاكِهِ عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ: صَحَّ الْحَجْرُ، وَفِي مَعْنَى حَجْرِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ كَحَجْرِ السَّفَهِ وَفِي مَعْنَاهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ عِلَّةَ حَجْرِهِ سَفَهُ رَأْيِهِ، وَضِعْفُ تَمْيِيزِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَحَجْرِ الْمَرَضِ وَفِي مَعْنَاهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ عِلَّةَ حَجْرِهِ تُوَجِّهُ التُّهْمَةَ إِلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَالِهِ.
وَيَكُونُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ مَمْنُوعًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي تَصَرُّفِهِ اسْتِهْلَاكٌ لِمَا لَهُ كَالْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا وَالصَّدَقَاتِ وَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ، سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّ حَجْرِهِ حَجْرُ سَفَهٍ أَوْ حَجْرُ مَرَضٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَازَتْ وَصَايَاهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ حَجْرَهُ حَجْرُ مَرَضٍ، كَمَا تَجُوزُ وَصَايَا الْمَرِيضِ.
قِيلَ: لِأَنَّ لِلْمَرِيضِ فِي مَالِهِ الثُّلُثَ، فَأُمْضِيَتْ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِهِ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَدِّ ثُلُثٌ تُجْعَلُ وَصَايَاهُ مِنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ تَصَرُّفِهِ: مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِهْلَاكٌ كَالْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ بِأَعْوَاضٍ مِثْلِهَا، فَيَكُونُ فِي صِحَّتِهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَعْنَى حَجْرِهِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ جَمِيعَهَا جائزة إِذَا قِيلَ: إِنَّ حَجْرَهُ حَجْرُ سَفَهٍ لِأَنَّ عُقُودَ السَّفِيهِ بَاطِلَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَهَا جَائِزَةٌ إِذَا قِيلَ: إِنَّ حَجْرَهُ حَجْرُ مَرَضٍ، لِأَنَّ عُقُودَ الْمَرِيضِ جَائِزَةٌ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، يَكُونُ حُكْمُ إِقْرَارِهِ بِالدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ.
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ بُطْلَانُ إِقْرَارِهِ بِجَمِيعِهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ حَجْرُ سَفَهٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: صِحَّةُ إِقْرَارِهِ بِجَمِيعِهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ حَجْرُ مَرَضٍ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ لَمْ يَحْجُرِ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، فَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَجَوَازِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: إنَّ تَصَرُّفَهُ جَائِزٌ مَمْضِيٌّ سواء قتل بالردة أو عاد إلى الإسلام، لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ سَوَاءٌ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ أَوْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ فِي سَفَهِ رَأْيِهِ وَظُهُورِ تهمته.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّ تَصَرُّفَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى:
فَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ: كَانَ جَمِيعُ تَصَرُّفِهِ بَاطِلًا مَرْدُودًا لِتَحَقُّقِ الْعِلَّتَيْنِ فِيهِ.
وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ: كَانَ جَمِيعُ تَصَرُّفِهِ جَائِزًا مُمْضِيًّا، لِانْتِفَاءِ الْعِلَّتَيْنِ عَنْهُ.
فَعَلَى هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ تَنْقَسِمُ عُقُودُهُ فِي رِدَّتِهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ، فَيَكُونُ فِي صِحَّتِهِ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: يَكُونُ جَائِزًا.
وَالثَّانِي: يَكُونُ بَاطِلًا.
وَالثَّالِثُ: يَكُونُ مَوْقُوفًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، ففيه قولان:
أحدها: بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اشْتَمَلَ عَلَى أَمْرَيْنِ يَصِحُّ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ فِي أَحَدِهِمَا، وَلَا يَصِحُّ فِي الْآخَرِ كَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ، لِأَنَّهُمَا يَشْتَمِلَانِ عَلَى طَلَاقٍ وَعِتْقٍ، يَصِحُّ فِيهِمَا الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ، وَعَلَى مُعَاوَضَةٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُغَلَّبِ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُغَلَّبُ مِنْهُمَا حُكْمُ الْعِوَضِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
أَحَدُهُمَا: جَائِزٌ.
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُغَلَّبُ مِنْهُمَا حُكْمُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، فَيَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: جَائِزٌ.
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ.
وَالثَّالِثُ: مَوْقُوفٌ.
وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا قُتِلَ فَمَالُهُ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَجِنَايَتِهِ
وَنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَيْءٌ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَكَمَا لَا يَرِثُ مُسْلِمًا لَا يَرِثُهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي حُكْمِ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ.
فَأَمَّا حُكْمُ مَالِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ مُرْتَدًّا، فَالْكَلَامُ فِيهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْحُقُوقِ.
وَالثَّانِي: فِي اسْتِحْقَاقِ بِاقِيهِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ فَثَلَاثَةٌ: دُيُونٌ، وَجِنَايَاتٌ، وَنَفَقَاتٌ فَأَمَّا الدُّيُونُ: فَمَا وَجَبَ مِنْهَا قَبْلَ الرِّدَّةِ فَمُسْتَحَقٌّ، وَمَا وَجَبَ مِنْهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ فَإِنْ كَانَ عَنْ تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَمْضِيٍّ اسْتُحِقَّ، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَنْ تَصَرُّفٍ بَاطِلٍ مَرْدُودٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ.
وَأَمَّا الْجِنَايَاتُ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ: فَمُسْتَحَقَّةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ ضَامِنٌ لِمَا أَتْلَفَ.
وَأَمَّا النَّفَقَاتُ: فَمَا وَجَبَ مِنْهَا قَبْلَ الرِّدَّةِ فَمُسْتَحَقٌّ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ أَوْ نَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ، إِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِالِافْتِرَاضِ عَلَيْهَا.
وَإِنْ سَقَطَتْ بِالتَّأْخِيرِ كَانَ سُقُوطُهَا مَعَ الرِّدَّةِ أَحَقَّ.
وَأَمَّا مَا وَجَبَ مِنْهَا فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ:
فَإِنْ قِيلَ بِبَقَاءِ مَالِهِ عَلَى مِلْكِهِ: وَجَبَتْ.
وَإِنْ قِيلَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ مَالِهِ، فَفِي وُجُوبِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَجِبْ لِعَدَمِ مَحَلِّهَا كَالْإِعْسَارِ بِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَجِبُ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَمَّا لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، وَلَا يَزُولُ عَمَّا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ كَالْمَوْتِ يَزُولُ بِهِ مِلْكُ الْمَيِّتِ إِلَّا عَمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ كَفَنِهِ وَمَؤونَة دَفْنِهِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَوْرُوثُ مِنْ بَاقِي مَالِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُسْتَحِقِّهِ عَلَى سِتَّةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: - وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - إنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا، وَلَا يَرِثُهُ مُسْلِمٌ وَلَا كَافِرٌ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: رَبِيعَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَالثَّانِي: - وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - أَنَّ مَا كَسَبَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا كَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ يَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَدُّ امْرَأَةً فَيَكُونَ جَمِيعُ مَا كَسَبَتْهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَبَعْدَهَا لِوَرَثَتِهَا الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّالِثُ: - وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - أَنَّ جَمِيعَ مَا كَسَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَبَعْدَهَا يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً.
وَالرَّابِعُ: - وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - إنَّهُ إِنِ اتُّهِمَ بِرِدَّتِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا إَزْوَاءَ وَرَثَتِهِ، كَانَ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ كَانَ فَيْئًا لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْخَامِسُ: - وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ - إنَّهُ يَكُونُ مَوْرُوثًا لِمَنِ ارْتَدَّ إِلَى دِينِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ الْكُفَّارِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ.
وَالسَّادِسُ: وَهُوَ مَذْهَبُ عَلْقَمَةَ وَقَتَادَةَ، وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ - إنَّ مَالَهُ يَنْتَقِلُ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ دِينِهِ الَّذِينَ ارْتَدَّ إِلَيْهِمْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَمِيعِهِمْ: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) .
وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَرِثْ مُسْلِمًا لَمْ يَرِثْهُ مُسْلِمٌ كَالْحَرْبِيِّ.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ مَضَى حِجَاجُهَا في كتاب الفرائض.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُقْتَلُ السَّاحِرُ إِنْ كَانَ مَا يَسْحَرُ بِهِ كُفْرًا إِنْ لَمْ يَتُبْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ - أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ - إنَّ السَّاحِرَ يَجِبُ قَتْلُهُ، وَلَمْ يَقْطَعَا بِكُفْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: - وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - إنَّ السَّاحِرَ لَا يَكُونُ كَافِرًا بِالسِّحْرِ، وَلَا يَجِبُ
بِهِ قَتْلُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا يَسْحَرُ بِهِ كُفْرًا، فَيَصِيرُ بِاعْتِقَادِ الْكُفْرِ كَافِرًا يَجِبُ قَتْلُهُ بِالْكُفْرِ لَا بِالسِّحْرِ - وَقَدْ دَلَلْنَا لَهُمْ وعليهم بما أجزأ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُقَالُ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ أَنَا أُطِيقُهَا وَلَا أُصَلِّيهَا لَا يَعْمَلُهَا غَيْرُكَ فَإِنْ فَعَلْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ كَمَا تَتْرُكُ الْإِيمَانَ وَلَا يَعْمَلُهُ غَيْرُكَ فَإِنْ آمَنْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ ضَرْبَانِ: جَاحِدٌ وَمُعْتَرِفٌ.
فأما الجاحد لوجوبها: فهو مرد تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّدَّةِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ.
وَأَمَّا الْمُعْتَرِفُ بِوُجُوبِهَا التَّارِكُ لِفِعْلِهَا: فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: - وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - إنَّهُ يَكْفُرُ بِتَرْكِهَا كَمَا يَكْفُرُ بِجُحُودِهَا.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيْمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ.
وَالثَّانِي: - وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ - إنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِهَا وَلَا يُقْتَلُ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دمائهم وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا) .
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - إنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا لَا بِكُفْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَلَا إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ) . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُصَلِّي مُبَاحُ الدَّمِ.
- وَقَدْ مَضَى مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْمَعَانِي مَا أَقْنَعَ -.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا كَانَ قَتْلُهُ بِتَرْكِهَا وَاجِبًا، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ تَرْكِهَا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ سُؤَالِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْأَلُ عَنْ تَرْكِهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا قَدْرُ فِعْلِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْأَلُ عَنْهَا إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، فَإِذَا سُئِلَ عَنْهَا وَأَجَابَ بِأَنَّهُ نَسِيَ، قِيلَ لَهُ: صِلِّ فَقَدْ ذُكِّرْتَ.
فَإِنْ قَالَ: أَنَا مَرِيضٌ.
قِيلَ: صَلِّ كَيْفَ أَطَقْتَ.
وَإِنْ قَالَ: لَسْتُ أُصَلِّي كَسَلًا وَاسْتِثْقَالًا.
قِيلَ لَهُ: تُبْ وَصَلِّ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا غَيْرُكَ.
فَإِنْ تَابَ وَصَلَّى عَادَ إِلَى حَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ وَلَمْ يَصُلِّ فَهُوَ الَّذِي اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ.
وَمَذْهَبُنَا فِيهِ: وُجُوبُ قَتْلِهِ حَدًّا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَيَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِفَةِ قَتْلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِنَّهُ يُقْتَلُ ضَرْبًا بِالسَّيْفِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَطَائِفَةٍ - إنَّهُ يُضْرَبُ بِمَا لَا يُوجي مِنَ الْخَشَبِ، وَيُسْتَدَامُ ضَرْبُهُ حَتَّى يَمُوتَ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَنْ قَتَلَ مُرْتَدًّا قَبْلَ أَنْ يُسْتَتَابَ أَوْ جَرَحَهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجُرْحِ فَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ وَيُعَزَّرُ الْقَاتِلُ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِقَتْلِهِ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ الْحَاكِمُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ، أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَخْتَصُّ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ قَتْلَهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَنْفَرِدُ الْأَئِمَّةُ بِإِقَامَتِهَا كَالْحُدُودِ.
فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ لَمْ يَضْمَنْهُ الْقَاتِلُ وَعُزِّرَ.
لِأَنَّ الرِّدَّةَ قَدْ أَبَاحَتْ دَمَهُ، فَصَارَ قَتْلُهُ هَدْرًا كَالْحَرْبِيِّ إِذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ لَمْ يَضْمَنْهُ لِإِبَاحَةِ دَمِهِ، لكن يعذر قَاتِلُ الْمُرْتَدِّ وَلَا يُعَزَّرُ قَاتِلُ الْحَرْبِيِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا:
إِنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ حَدٌّ يَتَوَلَّاهُ الْإِمَامُ فعزر المفتات علي.
وَقَتْلُ الْحَرْبِيِّ جِهَادٌ يَسْتَوِي الْكَافَّةُ فِيهِ، فَلَمْ يُعَزَّرِ الْمُنْفَرِدُ بِقَتْلِهِ.
فَأَمَّا إِذَا جُرِحَ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ وَسَرَى الْجُرْحُ إِلَى نَفْسِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَمَاتَ مِنْهُ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: إنَّ دَمَهُ هَدَرٌ لَا يُضْمَنُ، لِأَنَّهَا عَنْ جِنَايَةٍ فِي الرِّدَّةِ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ، فَكَانَ مَا حَدَثَ بَعْدَهَا غَيْرُ مَضْمُونٍ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
قَالَ الرَّبِيعُ: وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ ضَامِنٌ لِنِصْفِ ديته.
لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ فِي حَالِ الْجِنَايَةِ، وَمُسْلِمٌ فِي حَالِ السَّرَايَةِ، فَسَقَطَ نِصْفُ الدِّيَةِ بِرِدَّتِهِ، وَوَجَبَ نِصْفُهَا بِإِسْلَامِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ تَخْرِيجِ الرَّبِيعِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَيْسَ بِمَحْكِيٍّ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَلَا تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَذْهَبِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الْقَاتِلُ فَقَدْ مَضَى فِي الْجِنَايَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يُسْبَى لِلْمُرْتَدِّينَ ذُرِّيَّةٌ وَإِنْ لَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ قَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ وَلَا ذَنْبَ لَهُمْ فِي تَبْدِيلِ آبَائِهِمْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُرْتَدُّونَ إِذَا كَانُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمِ يَلْحَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَا خِلَافَ نَعْرِفُهُ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ تَغْلِيبًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُرْمَةِ إِسْلَامِهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤْكَلَ ذَبَائِحَهُمْ، وَلَا يَنْكِحُوا تَغْلِيبًا لِحُكْمِ شِرْكِهِمْ، وَلَا تُقْبَلُ جِزْيَتُهُمْ، وَلَا يُهَادَنُوا، لِأَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ وَعَقْدَ الْهُدْنَةِ مَوْضُوعَانِ لِلْإِقْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ.
فَأَمَّا إِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّونَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوِ انْفَرَدُوا بِدَارٍ صَارَتْ لَهُمْ كَدَارِ أَهْلِ الحرب فقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - فِي جَوَازِ سَبْيِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ.
فَذَهَبَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إِلَى جَوَازِ سَبْيِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الْكُفْرِ - وَبِهِ قَالَ شَاذٌّ مِنَ الْفُقَهَاءِ -. وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى تَحْرِيمِ سَبْيِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِسْلَامِهِمْ، كَمَا يَحْرُمُ سَبْيُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
- وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ -.
فإن قيل: فقد سبى أبو بكر - رضي الله عنه - بَنِي حَنِيفَةَ حِينَ ارْتَدُّوا مَعَ مُسَيْلِمَةَ.
قِيلَ: إِنَّمَا سَبَاهُمْ سَبْيَ قَهْرٍ وَإِذْلَالٍ لِتَضْعُفَ بِهِمْ قُوَّتُهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ سَبْيَ غَنِيمَةٍ وَاسْتِرْقَاقٍ.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْمُرْتَدَّةِ إِذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْمُرْتَدِّ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ: بأن علي بن أبي طالب - عليه السلام - اسْتَرَقَّ مِنْ سَبي بَنِي حَنِيفَةَ أُمَّ ابْنِهِ محمد وأولدها.
وَبَنَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ كَالْحَرْبِيَّةِ فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حَظْرِ الْقَتْلِ عِنْدَهُ وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ.
ثُمَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ: أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ مَنَعَ مِنِ اسْتِرْقَاقِ الرَّجُلِ مَنَعَ مِنِ اسْتِرْقَاقِ الْمَرْأَةِ كَالْإِسْلَامِ طَرْدًا وَالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ عَكْسًا.
فَأَمَّا مَا حَكَاهُ مِنَ اسْتِرْقَاقِ عَلِيٍّ أُمَّ وَلَدِهِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - إنَّهُ كَانَ مَذْهَبًا لَهُ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَصَارَ خِلَافًا لَا يَقَعُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ - أنها كانت أمة سوداء سندية لِبَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى إِمَائِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ - إنَّهَا كانت حرة تزوجها علي - عليه السلام - بِرِضَاهَا، فَأَوْلَدَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ دُونَ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَهُوَ الأشبه بأفعاله - رضوان الله عليه وسلامه -.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا ذُرِّيَّةُ الْمُرْتَدِّ: وَهُمْ صِغَارُ أَوْلَادِهِ مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ، فَهُمْ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ الْجَارِي عَلَيْهِمْ بِإِسْلَامِ آبَائِهِمْ، وَلَا يَزُولُ عَنْهُمْ بِرِدَّةِ آبَائِهِمْ، لِأَنَّ رِدَّةَ آبَائِهِمْ جِنَايَةٌ مِنْهُمْ فَاخْتَصُّوا بِهَا دُونَهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِمَعْصِيَةِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا تَعَدَّى إِلَيْهِمْ إِسْلَامُ آبَائِهِمْ فَصَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِمْ فَهَلَّا تَعَدَّى إِلَيْهِمْ رِدَّةُ آبَائِهِمْ فَصَارُوا مُرْتَدِّينَ بِرِدَّتِهِمْ؟
قِيلَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) فَجَازَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِسْلَامُ مِنْ حُكْمِ الْكُفْرِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْفَعَ الْكُفْرُ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا وَلَمْ يَكُنْ كَافِرًا، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ عَلَى الْكُفْرِ.
فَإِذَا ثَبَتَ إِسْلَامُ أَوْلَادِهِمْ فَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ، وَتَجِبُ نَفَقَاتُهُمْ فِي أَمْوَالِ آبَائِهِمُ الْمُرْتَدِّينَ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَخْتَلِفُ بِالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ.
فَإِنْ مَاتُوا: غُسِّلُوا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَدُفِنُوا فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَتْ أَحْكَامُ الْحَيَاةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمُتْ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجْرِي عَلَى الْمَرْأَةِ أَحْكَامُ الْحَيَاةِ، وَعَلَى الرَّجُلِ أَحْكَامُ الْمَوْتِ، فَيُقَسَّمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ مُدَبِّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، وَتَحِلُّ عَلَيْهِ دُيُونُهُ الْمُؤَجَّلَةُ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ رَجَعَ بِمَا بَقِيَ فِي أَيْدِي وَرَثَتِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ الْبَاقِيَةِ وَلَمْ
يَرْجِعْ بِمَا اسْتَهْلَكُوهُ وَقَدْ نَفَذَ عِتْقُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبِّرِيهِ، وَلَا يَتَأَجَّلُ مَا حُكِمَ بِحُلُولِهِ مِنْ دُيُونِهِ.
احْتِجَاجًا: بِأَنَّ الرِّدَّةَ تُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ، فَصَارَتْ كَالْمَوْتِ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّهُ حَيٌّ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوَرَّثَ كَسَائِرِ الْأَحْيَاءِ.
وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ إِسْلَامُهُ مِنْ رِدَّتِهِ لَمْ يُقَسَّمْ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ كَالْمُرْتَدِّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَلِأَنَّ مَنْ مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ، مَنَعَتْ دَارُ الْحَرْبِ مِنْ إِجْرَاءِ حِكَمِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ كَالْمُرْتَدَّةِ.
وَقِيَاسُهُ مُنْتَقَضٌ بِالرِّدَّةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ مَا خَلَّفَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ، فَإِنْ عَادَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَأَخَذَ مَالَهُ سِرًّا أَوْ كَانَ قَدْ حَمَلَهُ حِينَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُغْنَمَ مَالُهُ وَكَانَ فِي أَمَانٍ مِنَّا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يُغْنَمَ مَالُهُ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الدَّارِ.
وَاعْتِبَارُهُ عندنا بالمالك أولى كالمسلم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ إِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا بَلَغَ أَوْلَادُ المرتدين بعد الحكم بإسلامهم فلهم حالتان:
أحدهما: أَنْ يَقُومُوا بِعِبَادَاتِ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ حُقُوقِهِ، فَيُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَلَا يُكَلِّفُونَ التَّوْبَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ حُكْمُ الرِّدَّةِ، وَلَا خَرَجُوا فيما بعده من حكم الإسلام.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمْتَنِعُوا بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ عِبَادَاتِ الْإِسْلَامِ، فَيُسْأَلُوا عَنِ امْتِنَاعِهِمْ، فَإِنِ اعْتَرَفُوا بِالْإِسْلَامِ وَامْتَنَعُوا مِنْ فِعْلِ عِبَادَاتِهِ كَانُوا عَلَى إِسْلَامِهِمْ وَأَخَذُوا بِمَا تَرَكُوهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ بِمَا يُؤْخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ تَرَكُوا الصَّلَاةَ قُتِلُوا بِهَا، وَإِنْ تَرَكُوا الزَّكَاةَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوا الصِّيَامَ أُدِّبُوا وَحُبِسُوا.
وَإِنْ أَنْكَرُوا الْإِسْلَامَ وَجَحَدُوهُ: صَارُوا حِينَئِذٍ مُرْتَدِّينَ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الرِّدَّةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَيُسْتَتَابُونَ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قَتَلُوا بِالرِّدَّةِ كَآبَائِهِمْ.
وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلًا آخَرَ: إنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ الْمُقَرِّينَ عَلَى الْكُفْرِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِالْإِسْلَامِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ سَهْوٌ مِنَ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي تَخْرِيجِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ فَيَفْسُدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ)
فَإِنِ ارْتَدُّوا قَبْلَ بُلُوغِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِرِدَّتِهِمْ حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ أَوْلَادُ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْ يَكُنْ لِإِسْلَامِهِمْ حُكْمٌ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنَ الصَّبِيِّ إِسْلَامٌ وَلَا رِدَّةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ إِسْلَامُ الصَّبِيِّ وَرِدَّتُهُ وَلَا يُقْتَلُ بِهَا.
احْتِجَاجًا: بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فأبواه يهودانه أن يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْ لِسَانِهِ، فَإِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) .
فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَا أَعْرَبَ لِسَانُهُ عَنْهُ مِنَ الْإِسْلَامِ أَوِ الرِّدَّةِ صَحِيحًا، وَلِأَنَّهُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ، فَصَحَّ مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ كَالْبَالِغِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ) .
وَرَفْعُهُ عَنْهُ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُجْرَى عَلَى اعْتِقَادِهِ حُكْمٌ.
وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الِاعْتِقَادُ لِإِسْلَامٍ وَلَا رِدَّةٍ كَالْمَجْنُونِ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ قَتْلُ الرِّدَّةِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ حُكْمُ الرِّدَّةِ كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي لَا تَكُونُ رِدَّةً.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ: فَهُوَ أَنَّ إِعْرَابَ لِسَانِهِ عَنْهُ يَكُونُ بِبُلُوغِهِ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْبَالِغِ: فَلَا يَصِحُّ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ، فَوَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ الرِّدَّةِ، كَمَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا في العقود والأحكام.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَنْ وُلِدَ لِلْمُرْتَدِّينَ فِي الرِّدَّةِ لَمْ يُسْبَ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ لَمْ يُسْبَوْا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّينَ قَبْلَ الرِّدَّةِ.
فَأَمَّا أَوْلَادُهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ: وَهُمُ الْمَوْلُودُونَ لَهُمْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ رِدَّتِهِمْ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدَ أَبَوَيْهِمْ مُسْلِمًا: فَهُمْ مُسْلِمُونَ لَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الرِّدَّةِ، وَكَانُوا كَالْمَوْلُودِينَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُمْ مُرْتَدِّينَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا بِغَيْرِهِمْ، فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - إنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الرِّدَّةِ، إِلْحَاقًا بِآبَائِهِمْ فَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ كَآبَائِهِمْ.
لَكِنْ لَا يُقْتَلُونَ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ مِنَ التَّوْبَةِ.
فَإِنْ مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُورَثُوا، وَكَانَ مَالُهُمْ فَيْئًا.
فيكونوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُوَافِقِينَ لِلْمَوْلُودِينَ قَبْلَ الرِّدَّةِ مِنْ وَجْهٍ: وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يُسْبَوْنَ وَلَا يُسْتَرَقُونَ، وَمُخَالِفِينَ لَهُمْ مِنْ وَجْهٍ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الرِّدَّةِ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ، وَيَجْرِي عَلَى الْمَوْلُودِينَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِآبَائِهِمْ، فَيَكُونُوا كُفَّارًا لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ وَصَفُوا الْإِسْلَامَ فَثَبَتَتْ فِيهِمْ حُرْمَتُهُ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُولَدُوا فِي إِسْلَامِ آبَائِهِمْ وَلَا وَصَفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَانْتَفَتْ عَنْهُمْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ بِهِمْ وَبِآبَائِهِمْ.
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ كَأَوْلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرُّوا بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ عَلَى كُفْرِهِمْ، لِدُخُولِهِمْ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ.
وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى خِيَارِهِ فِيهِمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أشياء: قتل أو استرقاق أو فدا أو من.
فيكونوا مُخَالِفِينَ لِلْمَوْلُودِينَ قَبْلَ الرِّدَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ، وَإِنْ جَرَى حُكْمُهُ عَلَى الْمَوْلُودِ قَبْلَ الرِّدَّةِ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْمَوْلُودِ قَبْلَ الرِّدَّةِ.
(فَصْلٌ)
وَلَا فَرْقَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا بَيْنَ أَنْ يُولَدُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: إِنْ وُلِدُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ سَبْيُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ وَإِنْ وُلِدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ سَبْيُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ.
احْتِجَاجًا: بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا فِيهَا وَأَبَاحَتْ دَارُ الشِّرْكِ مَا فِيهَا) .
قَالَ: وَلِأَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا نَقَضَ عَهْدَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَجَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَذَلِكَ وَلَدُ الْمُرْتَدِّ.
وَدَلِيلُنَا فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الدَّارَيْنِ فِي حُكْمِ الرِّدَّةِ: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إله إلا الله، فإذا قَالُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا) .
وَلَمْ يُفَرَّقْ فِيهِمْ بَيْنَ الدَّارَيْنِ.
وَلِأَنَّ حُكْمَ الدَّارِ مُعْتَبَرٌ بِأَهْلِهَا فَهِيَ تَابِعَةٌ وَلَيْسَتْ مَتْبُوعَةً.
وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ إِذَا وُلِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ إِذَا وُلِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالَّذِي أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، وَمِنْ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ إِذَا وُلِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ إِذَا وُلِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَوَلَدِ الْحَرْبِيِّينَ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى تَغْلِيبِ حُكْمِ الْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصِ.
وَأَمَّا نَاقِضُ الذِّمَّةِ فَلَمْ نَعْتَبِرْ نَحْنُ وَلَا هُمْ فِيهِ حُكْمَ الْوِلَادَةِ، وَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ وَسَبْيُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَجُزْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ [إِذَا نَقَضَ عَهْدَهُ فَلِذَلِكَ مَا افْتَرَقَ حُكْمُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ وَخَالَفَ الْمُرْتَدُّ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا أن نبلغه مأمنه] .
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: وَإِنِ ارْتَدَّ مُعَاهَدُونَ وَلَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ وَعِنْدَنَا لَهُمْ ذَرَارِيٌّ لَمْ نَسْبِهِمْ وَقُلْنَا إِذَا بَلَغُوا لَكُمُ الْعَهْدَ إِنْ شِئْتُمْ وَإِلَّا نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ ثُمَّ أَنْتُمْ حَرْبٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ أَقَامُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ عَقَدَهُ الْإِمَامُ لَهُمْ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ثُمَّ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَلَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ، وَخَلَّفُوا أَمْوَالَهُمْ وَذَرَّارِيَّهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، زَالَ الْأَمَانُ عَنْهُمْ، وَصَارُوا حَرْبًا يُقْتَلُونَ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ الْأَمَانُ بَاقِيًا فِي ذَرَارِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْبَى الذَّرَارِيُّ وَلَا تُغْنَمُ الْأَمْوَالُ، وَإِنْ كَانُوا فِي عَقْدِ الْأَمَانِ تَبَعًا.
لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَهُ الْحَرْبِيُّ لِمَالِهِ دُونَ نَفْسِهِ، بِأَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَأْخُذُ أَمَانًا لِمَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَى دار الإسلام لتجارة أو ديعة فَيَكُونُ الْمَالِكُ حَرْبًا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ، وَيَكُونُ مَالُهُ سِلْمًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُغْنَمَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ دُونَ مَالِهِ، فَيَكُونُ الْمَالِكُ سِلْمًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ،
وَيَكُونُ الْمَالُ سَبْيًا يَجُوزُ أَنْ يُغْنَمَ.
وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ مَعَ ذُرِّيَّتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَمَانَ لَهُ دُونَهُمْ وَلَهُمْ دُونَهُ، فَإِذَا اشْتَمَلَ عَقْدَ أَمَانِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ [ثُمَّ نَقَضَ أَمَانَهُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ زَالَ أَمَانُ نَفْسِهِ وَبَقِيَ أَمَانُ ذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ] فَلَا تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَلَا يُغْنَمُ الْمَالُ.
وَلَوْ أَخْرَجَ مَعَهُ حِينَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ذُرِّيَّتَهُ وَمَالَهُ، انْتَقَضَ أَمَانُ مَالِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَجَازَ غَنِيمَةُ مَالِهِ وَاسْتِرْقَاقُ ذُرِّيَّتِهِ، لِأَنَّ إِخْرَاجَهُمَا مَعَهُ نَقْضٌ لِأَمَانِهِمَا وَأَمَانِهِ.
وَلَوْ خَلَّفَهُمَا لَبَقِيَ أَمَانُهُمَا مَعَ زَوَالِ أَمَانِهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ نَقْضَ أَمَانِهِ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِأَمَانِ مَا خَلَّفَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ، فَسَوَاءٌ حَارَبَنَا بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَفَّ عَنَّا يَجِبُ عَلَيْنَا حِفْظُ ذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ، وَتَقَرّ الذُّرِّيَّةُ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُعَاهَدُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
فَإِذَا بَلَغُوا: خَيَّرَهُمُ الْإِمَامُ بَيْنَ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ الْعَوْدِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنِ اخْتَارُوا الْعَوْدَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ لَزِمَهُ أَنْ يُبْلِغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُوا بَعْدَ بُلُوغِهِمْ حَرْبًا.
وَإِنِ اخْتَارُوا الْمُقَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَقَرَّهُمْ فِيهَا عَلَى إِحْدَى حَالَتَيْنِ:
إِمَّا بِجِزْيَةٍ يَبْذُلُونَهَا أَوْ بِعَهْدٍ يَسْتَأْنِفُونَهُ.
لِأَنَّ أَمَانَهُمْ بِالْعَهْدِ مُقَدَّرٌ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَغَيْرُ مُقَدَّرٍ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَيَجُوزُ أَمَانُهُمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ أَمَانُهُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ سَنَةً، لِأَنَّهُمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ، وَهُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ أَهْلِهَا.
وَأَمَّا مَالُهُ: فَمُقَرٌّ عَلَى مِلْكِهِ مَا بَقِيَ حَيًّا عَلَى حُرِّيَّتِهِ، وَلَهُ إِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَمُوتَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُسْتَرَقَّ.
فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ: فَفِي مَالِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُغْنَمُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِالْأَمَانِ عَلَى مَالِهِ دُونَ وَرَثَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ مَوْرُوثًا عَنْهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَأَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَتَوَارَثُونَ لِارْتِفَاعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ مَالُهُ بَاقِيًا عَلَى وَرَثَتِهِ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِيهِ مَقَامَهُ، فَانْتَقَلَ إِلَيْهِمْ بِحُقُوقِهِ وَالْأَمَانُ مِنْ حُقُوقِ الْمَالِ فَصَارَ مَوْرُوثًا كَالْمَالِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَارِثُ انْتَقَلَ إِلَى وَارِثِهِ كَذَلِكَ أَبَدًا.