كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَسْئِلَتِهِ: لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ أَثْبَتَ رِدَّتَهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ وَإِنْ مَنَعَ مِنِ اسْتِتَابَتِهِ فِي سُكْرِهِ فَصَارَ مُؤَاخَذًا بِالرِّدَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذًا بِالطَّلَاقِ، فَأَمَّا اسْتِتَابَتُهُ فَفِي تَأْخِيرِهَا إِلَى صَحْوِهِ قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَأْخِيرَهَا اسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ وَلَوِ اسْتَتَابَهُ فِي سُكْرِهِ صَحَّ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثاني: أن تأخيرها إلى أناقته وَاجِبٌ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ لِأَنَّ الرِّدَّةَ عَلَيْهِ فَكَانَ مَأْخُوذًا بِهَا وَالتَّوْبَةُ لَهُ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّوْبَةِ زَوَالُ الشُّبْهَةِ وَوُضُوحُ الْحَقِّ وَالسَّكْرَانُ يُعَارِضُهُ الشُّبَهُ وَيَخْفَى عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلِذَلِكَ رِدَّتُهُ وَلَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ مَعَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ تَرَكَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُتَظَاهِرٌ وَلَا إِيلَاءَ عَلَيْهِ يُوقَفُ لَهُ لَا يَكُونُ الْمُتَظَاهِرُ بِهِ مُولِيًا ولا المولى بالإيلاء متظاهرا وهو مطيع لله تعالى بترك الجماع في الظهار عاص له لو جامع قبل أن يكفر وعاص بالإيلاء وسواء كان مضاراً بترك الكفارة أو غير مضار إلا أنه يأثم بالضرار كما يأثم لو آلى أقل من أربعة أشهر يريد ضراراً ولا يحكم عليه بحكم الإيلاء ولا بحال حكم الله عما أنزل فيه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِعَوْدِهِ وَمُنِعَ مِنْ إِصَابَتِهَا إِلَّا بِتَكْفِيرِهِ فَأَخَّرَ الْكَفَّارَةَ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ سَوَاءً قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ظِهَارٍ صَارَ مُولِيًا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ إِصَابَتَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قَصْدَ الْإِضْرَارَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ظِهَارٍ صَارَ مُولِيًا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْمُولِيَ قَاصِدٌ لِلْإِضْرَارِ بِهَا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ إِصَابَتِهَا فَكَذَلِكَ كُلُّ زَوْجٍ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِالِامْتِنَاعِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُولِيًا بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ لَكَانَ مُولِيًا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ كَالْحَالِفِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مُتَنَافِيَانِ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ الظِّهَارَ يَمْنَعُ مِنَ الْوَطْءِ حَتَّى يُكَفِّرَ وَإِنْ وَطِئَ كَانَ عَاصِيًا، وَالْإِيلَاءُ يُوجِبُ الْوَطْءَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَإِنْ وَطِئَ كَانَ طَائِعًا فَلَمْ يَجُزْ مَعَ تَنَافِي حُكْمِهِمَا أَنْ يَتَدَاخَلَا وَلَوْ جَازَ أَنْ يَتَدَاخَلَا فَيَصِيرُ الْمُتَظَاهِرُ مُولِيًا لَجَازَ أَنْ يَصِيرَ الْمُولِي مُتَظَاهِرًا وَفِي فَسَادِ هَذَا الْعَكْسِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا الطَّرْدِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِيلَاءَ قَصْدٌ لِلْإِضْرَارِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُولِيَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِصَابَةِ بَعْدَ الْوَقْفِ إِلَّا بِأَنْ يَلْتَزِمَ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَمَنْ أَخَّرَ الْوَطْءَ فِي الظِّهَارِ فَلَيْسَ يَلْتَزِمُ إِنْ وَطِئَ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ فَلَمْ يكن مولياً.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (ولو تظاهر يريد طلاقا كان طلاقا أَوْ طَلَّقَ يُرِيدُ ظِهَارًا كَانَ طَلَاقًا وَهَذِهِ أُصُولٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا يَكُونُ الظِّهَارُ طَلَاقًا بِالْإِرَادَةِ وَلَا الطَّلَاقُ ظِهَارًا بِالْإِرَادَةِ لِأُمُورٍ مِنْهَا:
أَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُسِخَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ مُرِيدًا لِلطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِنَسْخِهِ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الظِّهَارِ وَلَمْ يُوقَعْ عَلَيْهِ بِالْإِرَادَةِ حُكْمُ الطَّلَاقِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي التَّحْرِيمِ لِجِنْسٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ كِنَايَةً فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ فِي حُكْمٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لِتَنَافِي اجْتِمَاعِهِمَا، وَلَا يَفْسُدُ بِالْعِتْقِ حَيْثُ جَعَلْنَاهُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْحَرَائِرِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِيهِنَّ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) حَيْثُ صَارَ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَإِنْ كَانَ على عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ صَرِيحًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّنَا رَاعَيْنَا مَا كَانَ صَرِيحًا فِي التَّحْرِيمِ لَا فِي الْكَفَّارَةِ وَهُوَ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي التَّحْرِيمِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِيهِ كَالْعِتْقِ جَازَ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ لِاخْتِلَافِ الجنسين.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا ظِهَارَ مِنْ أَمَةٍ وَلَا أُمِّ وَلَدٍ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ من نسائهم﴾ كما قال: ﴿يؤلون من نسائهم﴾ ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فَعَقَلْنَا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِنَا وَإِنَّمَا نِسَاؤُنَا أَزْوَاجُنَا وَلَوْ لَزِمَهَا وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَزِمَهَا كَلُّهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا ظَاهَرَ الرَّجُلُ مَنْ أَمَتِهِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ يَكُونُ مُظَاهِرًا وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] وَهُوَ بِالظِّهَارِ مِنَ الْأَمَةِ قَائِلٌ مُنْكَرًا وَزُورًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا، وَلِأَنَّهَا ذَاتُ فَرْجٍ مُبَاحٍ فَصَحَّ مِنْهَا الظِّهَارُ كَالْحُرَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى حُكْمُ قَوْلِهِ (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الظِّهَارِ فِيهِمَا.
وَدَلِيلُنَا: مَعَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا لِلزَّوْجَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُسِخَ حُكْمُهُ عَنْهُنَّ وَأُثْبِتَ مَحَلُّهُ فِيهِنَّ، وَلِأَنَّ مَا أَثْبَتَ التَّحْرِيمَ فِي الزَّوْجَةِ لَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ فِي الْأَمَةِ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَلْحَقْهَا الطَّلَاقُ لَمْ يحلقها
الظِّهَارُ كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّهُ قَائِلٌ مُنْكَرًا وَزُورًا فَكَانَ مُظَاهِرًا.
قُلْنَا: الْمُرْتَدُّ أَبْلَغُ فِي قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ مِنَ الْمُظَاهِرِ وَلَا يَصِيرُ مظاهراً، وإنما يصير مظاهرً إِذَا قَالَ مُنْكَرًا وَزُورًا بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ فَلَمَّا رُوعِيَ خُصُوصُ اللَّفْظِ وَجَبَ أَنْ يُرَاعَى خُصُوصُ الْمَحَلِّ عَلَى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ فِي الْأَمَةِ قَائِلًا مُنْكَرًا وَزُورًا.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْحُرَّةِ فَالْمَعْنَى فِي صِحَّةِ الظِّهَارِ مِنْهَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَخَالَفَتْهَا الْأَمَةُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ: بِاسْتِوَائِهِمَا فِي لَفْظِ التَّحْرِيمِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ قَوْلَهُ (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) يَجْرِي مَجْرَى الْيَمِينِ وَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْأَيْمَانِ فَكَذَلِكَ اسْتَوَيَا فِي لَفْظِ التَّحْرِيمِ وَالظِّهَارُ مُلْحَقٌ بِالطَّلَاقِ الْمُخْتَصِّ بِأَحَدِهِمَا فَلَمْ يَسْتَوِيَا فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا يَكُونُ ظِهَارًا وَمَا لَا يَكُونُ ظهاراً)
(مسألة:)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (الظِّهَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنْ قَالَ أَنْتِ مِنِّي أَوْ أَنْتِ مَعِي كَظَهْرِ أُمِّي وَمَا أَشْبَهَهُ فَهُوَ ظِهَارٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَهُوَ الظِّهَارُ عُرْفًا وَاشْتِقَاقًا فَإِنْ قَالَ أَنْتِ مِنِّي أَوْ عِنْدِي أَوْ مَعِي كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا، لِأَنَّ هَذِهِ حُرُوفٌ يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فِي الظِّهَارِ عَنْ حُكْمِ الصَّرِيحِ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ قَالَ فَرْجُكِ أَوْ رَأْسُكِ أَوْ ظَهْرُكِ أَوْ جِلْدُكِ أَوْ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ هَذَا ظِهَارًا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ: بَدَنُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ نَفْسُكِ أَوْ ذَاتُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَقَوْلِهِ أنت علي كظهر أمي يكون (بها) مُظَاهِرًا وَهِيَ أَلْفَاظٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهَا فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
فَأَمَّا إِذَا ظَاهَرَ مِنْ بَعْضِ جَسَدِهَا كَقَوْلِهِ فَرْجُكِ أَوْ رَأْسُكِ أَوْ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ أو ظهرك (أو جلدك) عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ ظِهَارًا مِنْهَا جَمِيعًا كَالطَّلَاقِ إِذَا أَوْقَعَهُ عَلَى بَعْضِ جَسَدِهَا وَقَعَ عَلَى جَمِيعِهَا وَسَوَاءً كَانَ الْعُضْوُ الَّذِي ظَاهَرَ مِنْهُ قَدْ تَحْيَا بِفَقْدِهِ كَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ أَوْ مِمَّا لَا تَحْيَا بِفَقْدِهِ كَالرَّأْسِ وَالْبَطْنِ.
وَعَلَى قول أبي حنفية لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا إِلَّا بِالْأَعْضَاءِ الَّتِي لَا تَحْيَا بِفَقْدِهَا كَالطَّلَاقِ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ وَذَكَرْنَا مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ مَا أَقْنَعَ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ كَبَدَنِ أُمِّي أَوْ كَرَأْسِ أُمِّي أَوْ كَيَدِهَا كَانَ هَذَا ظِهَارًا لِأَنَّ التَّلَذُّذَ بِكُلِّ أُمِّهِ مُحَرَّمٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا مَعْهُودُ الظِّهَارِ عُرْفًا وَشَرْعًا فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَيُشَبِّهُهَا بِظَهْرِ أُمِّهِ، فَإِذَا شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ أُمِّهِ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ أَوْ كَبَطْنِ أُمِّي أَوْ كَيَدِ أمي أو كرجل أمي أو كفرج أُمِّي فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ بِكُلِّ ذَلِكَ مُظَاهِرًا تَعْلِيلًا بِأَنَّ التَّلَذُّذَ بِكُلِّ أُمِّهِ مُحَرَّمٌ كَالظَّهْرِ وَهَكَذَا لَوْ شَبَّهَ عُضْوًا من زوجته
بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ فَقَالَ: رَأْسُكِ عَلَيَّ كَرَأْسِ أُمِّي، أَوْ رِجْلُكِ عَلَيَّ كَرِجْلِ أُمِّي أَوْ يديك عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَنْصُوصِ وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيمَنْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ أُمِّهِ مِنَ النِّسَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي أَوْ بِنْتِي قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ يَكُونُ مُظَاهِرًا لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ كَأُمِّهِ وَقَالَ فِي القديم: لا يكون مظاهرا لأنه عدل عن الْأُمِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا.
إِلَى غَيْرِهَا، فَعَلَى تَعْلِيلِ هَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا إِذَا عَدَلَ عَنِ الظَّهْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ فَهَلْ يَجِيءُ فِيهِ تَخْرِيجُ هَذَا الْقَوْلِ إِنَّهُ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِيءُ فِيهِ تَخْرِيجُهُ وَيَكُونُ فِي تَشْبِيهِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ الظَّهْرِ مِنْ أَعْضَاءِ أُمِّهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ، يَكُونُ مُظَاهِرًا لِأَنَّ التَّلَذُّذُ بِجَمِيعِهَا مُحَرَّمٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْقَدِيمُ لا يكون مظاهرا لأنه عدل من الظَّهْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ تَخْرِيجَ هَذَا الْقَوْلِ فِيهِ وَيَكُونُ مُظَاهِرًا قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ عُدُولِهِ عَنْ أُمِّهِ إِلَى غَيْرِهَا وَبَيْنَ عُدُولِهِ عَنْ ظَهْرِ أُمِّهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَائِهَا أَنَّ حُرْمَةَ أُمِّهِ أَغْلَظُ فِي التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا فِي التَّشْبِيهِ بِغَيْرِهَا، وَأَعْضَاءُ أُمِّهِ فِي الْحُرْمَةِ سَوَاءٌ فَكَانَ مُظَاهِرًا فِي التَّشْبِيهِ بِغَيْرِ ظَهْرِهَا.
وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَجْهًا ثَالِثًا فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ أَعْضَاءِ أُمِّهِ فَقَالَ: مَا كَانَ مِنْ أَعْضَاءِ أُمِّهِ مَخْصُوصًا بِالْكَرَامَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَهُوَ كَالرَّأْسِ وَالثَّدْيِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا فِي التَّشْبِيهِ بِهِ فَيَجْعَلُهُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ أُمِّي أَوْ كَثَدْيِ أُمِّي غَيْرَ مُظَاهِرٍ وَمَا كَانَ بِخِلَافِ هَذَا مِنْ أَعْضَائِهَا الَّتِي لَا تُقْصَدُ بِالْكَرَامَةِ وَتَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ كَانَ بِهَا مُظَاهِرًا، فَإِنْ صَحَّ هَذَا التَّخْرِيجُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا فَهَلْ يَكُونُ كِنَايَةً فِي الظِّهَارِ يَصِيرُ بِهِ مَعَ النِّيَّةِ مُظَاهِرًا أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَكُونُ كِنَايَةً يَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا إِذَا نَوَاهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَالْعُرْفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَكُونُ كِنَايَةً وَلَا يَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا وَإِنْ نَوَاهُ كَمَا لَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِغَيْرِ أُمِّهِ كِنَايَةً وَلَا يَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا وَإِنْ نَوَاهُ تَعْلِيلًا بِالْعُرْفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَبَدَنِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا لَا يَخْتَلِفُ لِأَنَّ الْبَدَنَ يَشْتَمِلُ عَلَى الظَّهْرِ وَغَيْرِهِ فَصَارَ التَّشْبِيهُ بِهِ أَعَمَّ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَنَفْسِ أُمِّي فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ يَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا لِأَنَّ النَّفْسَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الذَّاتِ فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ كَبَدَنِ أُمِّي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ كِنَايَةً إِنْ نَوَى الظِّهَارَ بِهِ كَانَ مُظَاهِرًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الذَّاتَ فِي التَّحْرِيمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْكَرَامَةَ فِي التَّعْظِيمِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَرُوحِ أُمِّي فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يَكُونُ صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ كَالْبَدَنِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً لِأَنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمَرْئِيَّةِ الَّتِي يُتَعَلَّقُ بِهَا حَظْرًا أَوْ إِبَاحَةً وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِذَا شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ لَا تَحْيَا بِفَقْدِهِ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ وَإِنْ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ تَحْيَا بِفَقْدِهِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَشْبِيهِ عُضْوٍ مِنْ زَوْجَتِهِ بِأُمِّهِ وَالْخِلَافُ فِيهَا بِنَاءٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ مَضَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ كَأُمِّي أَوْ مِثْلَ أُمِّي وَأَرَادَ الْكَرَامَةَ فَلَا ظِهَارَ وَإِنْ أَرَادَ الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ وَإِنْ قَالَ لَا نِيَّةَ لِي فَلَيْسَ بِظِهَارٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِنْ كِنَايَاتِ الظِّهَارِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أَوْ مِثْلَ أُمِّي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِثْلَهَا فِي الْكَرَامَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِثْلَهَا فِي التَّحْرِيمِ فَلِأَجْلِ هَذَا الِاحْتِمَالِ جَعَلْنَاهُ كِنَايَةً إِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا وَإِنْ قَالَ وَلَا نِيَّةَ [لَهُ] لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا وَجُمْلَةُ الْأَلْفَاظِ فِي الظِّهَارِ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ صَرِيحًا يَكُونُ بِهِ مُظَاهِرًا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ فَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَكُونُ كِنَايَةً يُرَاعِي فِيهِ النِّيَّةَ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلَ أُمِّي.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً وَلَا يَقَعُ بِهِ الظِّهَارُ وَإِنْ نَوَاهُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ زَوْجَتِي هَذِهِ أَوْ كَظَهْرِ أَمَتِي هَذِهِ أَوْ كَظَهْرِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَيَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَنَفْسِ أُمِّي وَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ أَوْ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: كَزَوْجِ أُمِّي وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَكُونُ ظِهَارًا صَرِيحًا أَوْ لَيْسَ بِظِهَارٍ صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: كَظَهْرِ أُخْتِي أَوْ بِنْتِي وَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَمْ لَا وَهُوَ قَوْلُهُ كَبَطْنِ أُمِّي أَوْ كَيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ امْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ قَامَتْ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْأُمِّ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النسب) (قال المزني) رحمه الله تعالى وحفظي وغيري عنه لا يكون متظاهراً بمن كانت حلالا في حال ثم حرمت بسبب كما حرمت نساء الآباء وحلائل الأبناء بسبب وهو لا يجعل هذا ظهاراً ولا في قوله كظهر أبي) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الظِّهَارُ الْمَعْهُودُ عُرْفًا وَشَرْعًا فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْأُمِّ فَيَقُولُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا الللائي ولدتهم وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] وَكَذَلِكَ إِذَا شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِجَدَّاتِهِ كَأُمِّ الْأُمِّ أَوْ أُمِّ الْأَبِ كَانَ مُظَاهِرًا، لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ مُظَاهِرًا بِالنَّصِّ أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى النَّصِّ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: بِالنَّصِّ لِأَنَّ الْجَدَّةَ تُسَمَّى أُمًّا.
وَالثَّانِي: بِالْقِيَاسِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْوِلَادَةِ كَالْأُمِّ.
فَأَمَّا إِذَا شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أُمَّهَاتِهِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنَسَبٍ.
وَالثَّانِي: مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ.
فَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَنْسَابِ كَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ وَالْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ وَهَذَا تَحْرِيمٌ أَزَلِيٌّ اقْتَرَنَ بِوُجُودِ الْعَيْنِ فَإِذَا شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِأَحَدِ هَؤُلَاءِ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي أَوْ خَالَتِي أَوْ عَمَّتِي فَهَلْ يَكُونُ مُظَاهِرًا أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأُمَّ أَغْلَظُ حُرْمَةً فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَاوِيَهَا غَيْرُهَا فِي الْحُكْمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِالنَّصِّ التَّنْبِيهَ لَنَصَّ عَلَى الْأَدْنَى لِيُنَبِّهَ عَلَى الْأَعْلَى وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْأُمُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْأَدْنَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ يَكُونُ مُظَاهِرًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ صَارَ بِهَذَا التَّحْرِيمِ قَائِلًا مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا كَالْأُمِّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا كَالتَّشْبِيهِ بِالْأُمِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ فِي الْأُمِّ مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالْأَنْسَابِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي يَكْفُرُ بِاسْتِبَاحَتِهِ فَصَارَ مُظَاهِرًا بِهِ كَالْأُمِّ.
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَسْبَابِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: سَبَبٌ لَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهُ كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ وَخَالَتِهَا وَعَمَّتِهَا يَحْرُمْنَ مَا كَانَ مُقِيمًا عَلَى نِكَاحِ امْرَأَتِهِ فَإِذَا فَارَقَهَا حَلَلْنَ لَهُ فَلَا يَكُونُ بِتَشْبِيهِ زَوْجَتِهِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مُظَاهِرًا فَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِ زَوْجَتِي، أَوْ كَظَهْرِ خَالَتِهَا، أَوْ كَظَهْرِ عَمَّتِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا لَا يَخْتَلِفُ لِأَنَّ ظَهْرَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا عَلَيْهِ قَبْلَ نِكَاحِ زَوْجَتِهِ وَلَا يَحْرُمْنَ عَلَيْهِ بَعْدَ فِرَاقِهَا فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِنَّ التَّحْرِيمُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: سَبَبٌ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهُ وَذَلِكَ شيئان الرضاع والمصاهرة وتحريمها عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَزَلِيٌّ وَطَارِئٌ فَأَمَّا الطَّارِئُ مِنْهُمَا فَهُوَ أَنْ يَحْدُثَ التَّحْرِيمُ بِهِمَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
مِثَالُهُ فِي الرَّضَاعِ: أَنْ تَرْتَضِعَ صَبِيَّةٌ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ بَعْدَ وِلَادَتِهِ فَتَصِيرُ أُخْتًا مُحَرَّمَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً.
وَمِثَالُهُ فِي الْمُصَاهَرَةِ: أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَبُوهُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ أَوْ تَكُونَ بِنْتَ امْرَأَتِهِ أَوْ أُمَّ زَوْجَتِهِ فَتَصِيرُ مُحَرَّمَةً بِالْمُصَاهَرَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً، فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا إِذَا شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِأَحَدِ هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ إِذَا شَبَّهَهَا بِامْرَأَةٍ لا لَاعَنَ مِنْهَا؟ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ طَرَأَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَخَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ التَّحْرِيمِ فِي الِانْتِهَاءِ لِخُرُوجِهِ عَنْهُ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَأَمَّا الْأَزَلِيُّ: فَمِثَالُهُ فِي الرَّضَاعِ: أَنْ تَرْتَضِعَ صَبِيَّةٌ مِنْ أُمِّهِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ فَلَا يُوجَدُ إِلَّا وَالتَّحْرِيمُ مَوْجُودٌ.
وَمِثَالُهُ فِي الْمُصَاهَرَةِ: أَنْ يَتَزَوَّجَ أَبُوهُ امْرَأَةً قَبْلَ وِلَادَتِهِ ثُمَّ يُولَدُ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يُوجَدُ إِلَّا وَتَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ مَوْجُودٌ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالْأَنْسَابِ، فَإِنْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِوَاحِدَةٍ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِهَا هَلْ يَكُونُ مُظَاهِرًا أَمْ لَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ تَحْرِيمُ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ فَاعْتَبِرْهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ طُرُوئِهِ أَوْ أَزَلِيَّتِهِ فَلَا تَجْعَلْهُ مُظَاهِرًا بِهِ إِنْ كَانَ طَارِئًا وَاجْعَلْهُ مُظَاهِرًا بِهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ إِنْ كَانَ أَزَلِيًّا، وَالشَّافِعِيُّ وَإِنْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَقَدْ فَصَّلَهُ المزني
وَالرَّبِيعُ عَنْهُ وَهُمَا أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ فَلَا وَجْهَ لِمَنْ وَهِمَ مِنْ أَصْحَابٍ فَسَوَّى بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ وَإِنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَرَامًا كَالْأُمِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ ظَهْرَ الْأُمِّ مَحَلُّ الِاسْتِمْتَاعِ فَاخْتُصَّ بِتَحْرِيمِ الْمُظَاهَرَةِ وَلَيْسَ ظَهْرُ الْأَبِ مَحَلًّا لَهُ فَانْتَفَى عَنْهُ تَحْرِيمُ الْمُظَاهَرَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْأُمَّ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ فَاخْتَصَّتْ بِالظِّهَارِ وَلَيْسَ الْأَبُ مَحَلًّا لَهُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ظِهَارٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنَا عَلَيْكِ كَظَهْرِ أُمِّكِ كَانَ كِنَايَةً إِنْ أَرَادَ بِهِ الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا وَيَجْرِي مَجْرَى الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ: أَنَا طَالِقٌ مِنْكِ حَيْثُ جَعَلْنَاهُ كِنَايَةً وَخَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا ظَاهَرَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ لَهُ: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَصِحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا وَلَمْ تَلْزَمْهَا كَفَّارَةٌ.
وَقَالَ الحسن البصري، والنخعي: يكون مُظَاهِرَةً مِنْهُ كَالرَّجُلِ وَتَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا تَكُونُ مُظَاهِرَةً مِنْ زَوْجِهَا فَإِنْ قَالَتْ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ لَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ إِذَا تَزَوَّجَتْهُ لِرِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ: إِنْ تَزَوَّجْتُ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ سَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ فَأُمِرَتْ أن تعتق رقبة وتزوجه وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] فَخَصَّ الرِّجَالَ، وَلِأَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَصَارَ مُعْتَبَرًا بِالطَّلَاقِ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلطَّلَاقِ مِنَ النِّسَاءِ حُكْمٌ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلظِّهَارِ مِنْهُنَّ حُكْمٌ.
فأما الخير فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالتَّكْفِيرِ مِنْ قَوْلِهَا ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَنَ بِظِهَارِهَا يَمِينٌ فَأَمَرَهَا بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَيَلْزَمُ الْحِنْثُ بِالظِّهَارِ كَمَا يَلْزَمُ بِالطَّلَاقِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الظِّهَارَ مُلْحَقٌ بِالطَّلَاقِ فَيَقَعُ مُعَجَّلًا بِأَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَمُؤَجَّلًا بِأَنْ يَقُولَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا قَبْلَ الشَّهْرِ فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ صار مظاهراً، ويقع على صفة أن يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شِئْتِ فَإِنْ شَاءَتْ فِي الْحَالِ صَارَ مُظَاهِرًا، وَإِنْ لَمْ تَشَأْ فِي الْحَالِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا، وَلَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ فَمَتَى شَاءَ زَيْدٌ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي كَانَ مُظَاهِرًا وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَلَيْسَ بِمُظَاهِرٍ، وَيَقَعُ بِأَنْ يَحْلِفَ بِهِ فَيَحْنَثُ مِثْلَ قَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَمَتَى حَنِثَ بِكَلَامِ زَيْدٍ صَارَ مُظَاهِرًا.
وَيَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقُولُ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ فَقَالَ: إِذَا ظَاهَرَ فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ وَهُوَ مَذْهَبٌ فِي الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ.
وَالثَّانِي: يَقَعُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ لَهُ قَوْلًا ثَانِيًا وَلَا مَذْهَبًا مُعْتَمَدًا كَمَا لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ فِي الطَّلَاقِ وَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَخْرِيجَهُ صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ يَصِحُّ ظِهَارُهُ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ طَلَاقُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ جِنْسَ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ فَجَازَ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَجِنْسُ الظِّهَارِ مَحْظُورٌ فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَمَنْ قَالَ بِتَخْرِيجِ هَذَا الْقَوْلِ قَالَ بِهِ فِي تَعْلِيقِ الظِّهَارِ بِشَرْطٍ أَوْ عَلَى صِفَةٍ، أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا وَيَقَعُ نَاجِزًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ قَالَ إِذَا نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمي فنكحها لم يكن متظاهراً لأن التحريم إنما يقع من النساء على من حل له ولا معنى للتحريم في المحرم ويروى مثل ما قلت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثم علي وابن عباس وغيرهم وهو القياس) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ طَلَاقٌ قَبْلَ نِكَاحٍ لَمْ يَنْعَقِدْ ظِهَارٌ وَلَا إِيلَاءٌ قَبْلَ نِكَاحٍ فَإِذَا نَكَحَهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا، وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا عُقَيْبَ ظِهَارِهِ مِنْ غَيْرِ عَوْدٍ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا بِعَقْدٍ فَفِي عَوْدِ ظِهَارِهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى فِي الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ.
وَلَوْ قَالَ وَتَزَوَّجَهَا صَغِيرًا: إِذَا بَلَغْتِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا إِذَا بَلَغَ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ.
وَلَوْ قَالَ وَهُوَ بَالِغٌ وَهِيَ صَغِيرَةٌ إِذَا بَلَغْتِ فَأَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا إِذَا بَلَغَتْ لِأَنَّهُ عَقَدَ الظِّهَارَ فِي وَقْتٍ لَوْ عجله صح.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي يُرِيدُ الظِّهَارَ فَهِيَ طَالِقٌ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالطَّلَاقِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ كَظَهْرِ أُمِّي إِلَّا أَنَّكِ حَرَامٌ بالطلاق كظهر أمي) .
قال الماوردي: محال فلا معنى له.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ وَالطَّلَاقَ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي الظِّهَارِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَرِيحٌ فِي حُكْمِهِ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي زَوْجَةٍ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدِّمَ الطَّلَاقَ عَلَى الظِّهَارِ وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَيَقُولُ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي طُلِّقَتْ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَظَهْرِ أُمِّي فَلَا يَخْلُو فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ ينوي به أنها تصير عليه ب (الطلاق) مُحَرَّمَةً كَظَهْرِ أُمِّهِ فَيَصِيرَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِحُكْمِ الطَّلَاقِ وَتَأْكِيدًا لِإِثْبَاتِهِ وَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَلَا يَصِيرُ بِهِ آثِمًا لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ تَحْرِيمَ مُحَرَّمَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَكُنْ آثِمًا لِقَصْدِهِ بِتَحْرِيمِ مُحَرَّمَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: يَقْتَضِي عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا وَلَا آثِمًا قِيلَ: يَكُونُ فِي الْمُحْرِمَةِ مُظَاهِرًا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُخْرِجُهَا مِنَ الزَّوْجِيَّةِ وَالطَّلَاقُ يُخْرِجُهَا مِنَ الزَّوْجِيَّةِ وَلَا يَحْرُمُ بِأَنْ يَسْتَمْتِعَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُحْرِمَةِ وَيَحْرُمُ بِأَنْ يَسْتَمْتِعَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُطَلَّقَةِ: فَإِنْ قَالَ فِي الْمُحْرِمَةِ إِنَّهَا عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بِالْإِحْرَامِ الطَّارِئِ لَا بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِاحْتِمَالِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ الَّذِي تَقَدَّمَهُ ظِهَارًا فَيَكُونُ مُطَلِّقًا وَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا لِأَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَا يَزُولُ عَنْ حُكْمِهِ بِالنِّيَّةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الظِّهَارَ بِانْفِرَادِهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الْمُتَقَدِّمِ فَيُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا إِمَّا لِكَوْنِهِ ثَالِثًا أَوْ دُونَهَا بِعِوَضٍ أَوْ فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا لَمْ يَقَعِ الظِّهَارُ مِنْهَا كَمَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا كَانَ مُظَاهِرًا وَلَمْ يَكُنْ عَائِدًا فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ فَهَلْ يَصِيرُ عَائِدًا بِنَفْسِ الرَّجْعَةِ أَوْ بِمُضِيِّ زَمَانِهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْ حَتَّى مَضَتِ الْعِدَّةُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا فَفِي عَوْدِ الظِّهَارِ فِي
النِّكَاحِ الثَّانِي قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى.
وَإِذَا عَادَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَبِمَاذَا يَصِيرُ عَائِدًا عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَهُ مُرْسَلًا لَا يَنْوِي بِهِ شَيْئًا فَلَا يَكُونُ بِهِ مُظَاهِرًا فَإِنَّ قَوْلَهُ كَظَهْرِ أُمِّي كَلَامٌ مَبْتُوتٌ يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الصَّرِيحِ حَتَّى يُسْتَكْمَلَ بِقَوْلِ أَنْتِ عَلَيَّ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ صَرِيحًا وَإِذَا خَرَجَ بِنُقْصَانِهِ عَنْ حُكْمِ الصَّرِيحِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ حُكْمٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُقَدِّمَ الظِّهَارَ عَلَى الطَّلَاقِ فَيَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ فَيَكُونُ مُظَاهِرًا بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ: فَأَمَّا قَوْلُهُ طَالِقٌ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ أَنَّهَا تَصِيرُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الظِّهَارِ كَالْمُطَلَّقَةِ فَلَا تَصِيرُ بِالنِّيَّةِ كَالْمُطَلَّقَةِ لِأَنَّ حُكْمَ الظِّهَارِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الطَّلَاقِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ أَنْ يَصِيرَ الظِّهَارُ الَّذِي تَقَدَّمَ طَلَاقًا فَيَصِيرُ ظِهَارًا وَلَا يَصِيرُ بِالنِّيَّةِ طَلَاقًا لِأَنَّ صَرِيحَ الظِّهَارِ لَا يَصِيرُ طَلَاقًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ بَعْدَ الظِّهَارِ فَيَكُونُ مظاهر وَمُطَلِّقًا وَيَمْنَعُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ مِنْ أَنْ يَصِيرَ عَائِدًا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَهُ مُرْسَلًا لَا يَنْوِي بِهِ شَيْئًا فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَبْتُوتُ اللَّفْظِ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ.
وَالثَّانِي: لَمَّا رُوعِيَتْ نِيَّتُهُ فِيهِ صَارَ كِنَايَةً لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ حُكْمٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ مِنْ صَرِيحِ أَلْفَاظِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ مَا إِذَا تَلَفَّظَ بَعْدَهُ بِالطَّلَاقِ صَارَ مُضْمَرًا فِيهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي وَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُؤَخِّرَ الظِّهَارَ فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَنَّ مَا تَرَكَهُ بِتَأْخِيرِ الظِّهَارِ حَرْفَانِ:
أَحَدُهُمَا: حَرْفٌ لِلْمُوَاجَهَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتِ،
وَالثَّانِي: حَرْفُ الِالْتِزَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيَّ وَالَّذِي تَرَكَهُ مِنَ الطَّلَاقِ حَرْفُ الْمُوَاجَهَةِ دُونَ الِالْتِزَامِ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الطَّلَاقِ الْمُتَقَدِّمِ والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يُرِيدُ الطَّلَاقَ فَهُوَ ظِهَارٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ وَكِنَايَةً فِي الظِّهَارِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّحْرِيمُ أَوْجَبَ كَفَّارَةً مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةٍ فَهَلْ يَكُونُ صَرِيحًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا وَصَفْنَا وَقَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي فَلَهُ فِي التَّحْرِيمِ أَرْبَعَةُ أحوال:
أحدها: أَنْ يَنْوِيَ لَهُ الظِّهَارَ فَيَكُونُ ظِهَارًا فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ لَهُ الطَّلَاقَ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا وَيَجْرِي مَجْرَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَكُونُ ظِهَارًا وَلَا يَكُونُ طلاقاً لأنه قد اجتمع فيه قرينتان:
أحدهما: خَفِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ وَهِيَ النِّيَّةُ.
وَالْأُخْرَى: ظَاهِرَةٌ تَدُلُّ عَلَى الظِّهَارِ وَهِيَ قَوْلُهُ كَظَهْرِ أُمِّي فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الظَّاهِرَةِ عَلَى الْخَفِيَّةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَهُ مَنْصُوصًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهَذَا خَطَأٌ وَوُجُودُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ سَهْوٌ لِأَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ كِنَايَةٌ إِذَا اقْتَرَنَ بِالنِّيَّةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الصَّرِيحِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أمي.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَنْوِيَ بِهِ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ من أصحابنا يكون ظهاراً.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَلَّا يَكُونَ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ فَيَكُونُ ظِهَارًا لِأَنَّهُ لَمَّا اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِ كَظَهْرِ أُمِّي صَارَ ظِهَارًا فِيهِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ وَاعْتِرَافُهُ مَصْرُوفًا إليه والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ لِأُخْرَى قَدْ أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا أَوْ أنت شريكتها أو أنت كهي ولم ينو ظهاراً لم يلزمه لأنها تكون شريكتها فِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ أَوْ عَاصِيَةٌ أَوْ مطيعة له) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو حَالُهُ إِذَا ظَاهَرَ مِنْ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَقَالَ لِلْأُخْرَى قَدْ أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا أَوْ أَنْتِ مِثْلَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ شَرِيكَتَهَا فِي الظِّهَارِ فَيَصِيرُ بِهِ مُظَاهِرًا مِنَ الثَّانِيَةِ كَظِهَارِهِ مِنَ الْأُولَى فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ آلَى مِنْ أَحَدِهِمَا وَقَالَ لِلْأُخْرَى أَنْتِ شَرِيكَتُهَا يُرِيدُ فِي الْإِيلَاءِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنَ الثَّانِيَةِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قِيلَ الْفَرْقُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ لَا يَنْعَقِدُ بِالْإِضْمَارِ وَلَا بالكناية والظهار كالطلاق ينصح بالكناية والمضمر.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِهِ شَرِيكَتَهَا فِي الْكَرَامَةِ أَوْ فِي الْهَوَانِ أَوْ مِثْلَهَا فِي الطَّاعَةِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا مِنَ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ كَلَامَهُ يَحْتَمِلُ مَا أَرَادَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ لَهُ إِرَادَةٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا مِنَ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ قَدْ صَارَ بِاعْتِبَارِ النِّيَّةِ كِنَايَةً إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْإِرَادَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ.
وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يَكُونُ مُظَاهِرًا مِنَ الثَّانِيَةِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَأَثْبَتَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا ثَانِيًا اعْتِبَارًا بِالظِّهَارِ وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْحِكَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ الْجَدِيدِ وَفِي الْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ إِنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةً كَمَا يُطَلِّقُهُنَّ مَعًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْقَدِيمِ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا يَمِينٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْكَفَّارَاتِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَهَذَا بِقَوْلِهِ أَوْلَى) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو ظِهَارُهُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفْرِدَهُنَّ فِيهِ وَيُظَاهِرَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِقَوْلٍ مُنْفَرِدٍ فَيَلْزَمُهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفَّارَةٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَجْمَعَهُنَّ فِي الظِّهَارِ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَقُولُ لَهُنَّ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَفِي الْكَفَّارَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ لَفْظَةَ الظِّهَارِ وَاحِدَةٌ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَالْمُظَاهِرِ مِنْ وَاحِدَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الظِّهَارَ يُلْحَقُ بِالْإِيلَاءِ وَمُعْتَبَرٌ بِالْأَيْمَانِ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ حِينَ ظَاهَرَ: كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ إِنَّهُ لَوْ آلَى مِنْ أَرْبَعٍ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَدَدٍ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ فِي الْحِنْثِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَذَلِكَ إِذَا ظَاهَرَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ إِذَا طَلَّقَ أَرْبَعًا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي رَجْعَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَلِكَ ظِهَارُهُ مِنَ الْأَرْبَعِ يُجْزِئُ عَنْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ وَالْإِمْلَاءِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفَّارَةٌ فَيَلْزَمُ فِي الْأَرْبَعِ إِنْ عَادَ مِنْهُنَّ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُتَظَاهِرٌ مِنْ أَرْبَعٍ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ كَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى فِي الطَّلَاقِ حُكْمُ الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ فِي الرُّجُوعِ وَالرَّجْعَةِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الظِّهَارِ فِي الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ، فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ؛ وَلِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ أَوْجَبَتْ تَكْفِيرًا لِتَحْرِيمِهِ وَمَأْثَمِهِ فَلَمَّا تَضَاعَفَ مَأْثَمُهُ وَتَحْرِيمُهُ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَجَبَ أَنْ يَتَضَاعَفَ تَكْفِيرُهُ، وَمِثْلُ هَذَينِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَذْفِ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ عَدَدٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ: يُحَدُّ لِجَمِيعِهِمْ حَدًّا وَاحِدًا لِأَنَّ لفظة لقذف وَاحِدَةٌ وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ: يُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدًّا؛ لِأَنَّهُ مَقْذُوفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة:)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا مِرَارًا يُرِيدُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ ظِهَارًا غَيْرَ الْآخَرِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ تَظَاهُرٍ كَفَّارَةٌ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ تَطْلِيقَةٍ تَطْلِيقَةٌ وَلَوْ قَالَهَا مُتَتَابِعًا فَقَالَ أَرَدْتُ ظِهَارًا وَاحِدًا فَهُوَ وَاحِدٌ كَمَا لَوْ تَابَعَ بِالطَّلَاقِ كَانَ كَطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الظِّهَارُ غَيْرُ مَحْصُورِ الْعَدَدِ وَلَيْسَ كَالطَّلَاقِ الْمَحْصُورِ بِثَلَاثٍ، فَإِذَا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ كَرَّرَ الظِّهَارَ مِرَارًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُتَوَالِيًا فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ بِالتَّكْرَارِ التَّأْكِيدَ فَيَكُونُ ظِهَارًا وَاحِدًا تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَالطَّلَاقُ إِذَا كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا كَانَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الِاسْتِئْنَافَ فَيَكُونُ بِكُلِّ لَفْظَةٍ مِنْهَا مُظَاهِرًا فَإِنْ تَقَرَّرَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ كَانَ ظِهَارُهُ خَمْسًا وَلَوْ كَرَّرَ الطَّلَاقَ خَمْسًا لَمْ يَكُنْ إِلَّا ثَلَاثًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَصْرِ الطَّلَاقِ وَإِنْ سَأَلَ الظِّهَارَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَدْ كَرَّرَ مِنْ ظِهَارِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَكُونُ مُظَاهِرًا خَمْسَ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الظِّهَارُ الثَّانِي فِي زَمَانِ عَوْدِهِ مِنَ الظِّهَارِ الْأَوَّلِ وَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا فِي وَقْتِ الْعَوْدِ وَكَمَا لَا يَكُونُ عَائِدًا فِي وَقْتِ الظِّهَارِ فَيَصِيرُ الثَّانِي عَوْدًا وَالثَّالِثُ عَوْدًا ظِهَارًا ثَانِيًا وَالرَّابِعُ عَوْدًا فِي الثَّانِي الَّذِي كَانَ ثَالِثًا وَالْخَامِسُ ظِهَارًا ثَالِثًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ خَطَأٌ لِأَنَّ الْعَوْدَ بِالزَّمَانِ وَالظِّهَارَ بِالْقَوْلِ فَلَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ فِي مُضِيِّ زَمَانِ الْعَوْدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُمْسِكًا أَوْ مُتَكَلِّمًا وَلَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ فِي كَلَامٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا أَوْ خِطَابًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَصَارَ مُظَاهِرًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَعَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ثَلَاثًا فَفِيمَا يَلْزَمُ مِنَ الْكَفَّارَةِ قولان:
أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ: يَلْزَمُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَتَدَاخَلُ الْكَفَّارَاتُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ كَالْحُدُودِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَا بَعْدَ الظِّهَارِ الْأَوَّلِ لَمْ يُفِدْ مِنَ التَّحْرِيمِ غَيْرَ مَا أَفَادَهُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يُوجِبْ مِنَ الْكَفَّارَةِ غَيْرَ مَا أَوْجَبَهُ الْأَوَّلُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِكُلِّ ظِهَارٍ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ فَيَلْزَمُهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ خَمْسُ كَفَّارَاتٍ وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ كَثُبُوتِ الْأَوَّلِ اقْتَضَى أَنْ يُوجِبَ مِثْلَ مَا أَوْجَبَهُ الْأَوَّلُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ تَكْرَارَ ظِهَارِهِ فَلَا يُرِيدُ بِهِ تَأْكِيدًا وَلَا اسْتِئْنَافًا فَيَكُونُ ظِهَارًا وَاحِدًا لَا يَجِبُ فِيهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ حَمْلًا عَلَى التَّأْكِيدِ، وَلَوْ أَطْلَقَ تَكْرَارَ الطَّلَاقِ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى التَّأْكِيدِ وَلَا يَلْزَمُ إِلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ كَالظِّهَارِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِخِلَافِ الظِّهَارِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّلَاقَ يَنْقُضُ الْمِلْكَ فَكَانَ التَّكْرَارُ مُؤَثِّرًا فِيهِ وَالظِّهَارُ لَا يَنْقُضُ الْمِلْكَ فَلَمْ يُؤَثِّرِ التَّكْرَارُ فِيهِ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: تَكْرَارُ الظِّهَارِ مُتَفَرِّقًا، كَأَنَّهُ ظَاهَرَ مِنْهَا فِي يَوْمٍ ثُمَّ أَعَادَ
الظِّهَارَ مِنْ غَدِهِ ثُمَّ أَعَادَهُ مِنْ بَعْدِ غَدِهِ.
فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَيْضًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّأْكِيدَ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا كَالْمُتَوَالِي وَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَرَّرَ الطَّلَاقَ مُفَرَّقًا وَأَرَادَ بِهِ التَّأْكِيدَ لَمْ يَكُنْ تَأْكِيدًا بِخِلَافِ الْمُتَوَالِي.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الطَّلَاقَ مُزِيلٌ لِلْمِلْكِ فَرُوعِيَ الْوَلَاءُ فِي تَأْكِيدِهِ وَالظِّهَارَ غَيْرُ مُزِيلٍ لِلْمِلْكِ فَلَمْ يُرَاعَ الْوَلَاءُ فِي تَأْكِيدِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الِاسْتِئْنَافَ فَيَكُونُ اسْتِئْنَافًا يَسْتَوِي فِيهِ الطَّلَاقُ وَالظِّهَارُ فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ التَّالِي بَعْدَ التَّكْفِيرِ عَنِ الظِّهَارِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ فِي الثَّانِي كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ وَكَذَلِكَ فِيمَا يَلِيهِ إِذَا كَفَّرَ عَمَّا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَكْفِيرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقَدِيمُ يَلْزَمُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ: يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ ظِهَارٍ مِنْهُ كَفَّارَةٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَنْوِيَ تَأْكِيدًا وَلَا اسْتِئْنَافًا فَيُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأَوَّلِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْأَوَّلِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَالطَّلَاقِ وَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأْكِيدِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا مَضَى.
مَسْأَلَةٌ: قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ إِذَا تَظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَتَظَاهَرَ مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ظِهَارٌ كَمَا لَوْ طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ ظِهَارَ زَوْجَتِهِ بِظِهَارِهِ مِنْ غَيْرِهَا كَقَوْلِهِ لَهَا: إِذَا تَظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَخْلُ حَالُ تِلْكَ مِنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً أَوْ أَجْنَبِيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً لَهُ أُخْرَى كَرَجُلٍ لَهُ زَوْجَتَانِ حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ.
فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ مَتَّى تَظَاهَرْتُ مِنْ عَمْرَةَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِذَا تَظَاهَرَ مِنْ عَمْرَةَ صَحَّ ظِهَارُهُ مِنْهَا بِالْمُوَاجَهَةِ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَصَارَ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ حَفْصَةَ بِالصِّفَةِ وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الظِّهَارِ.
قُلْنَا: لأنه في الجمع بينهما مظاهراً مِنْهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُظَاهِرٌ مِنْهُمَا بِكَلِمَتَيْنِ فَلَزِمَهُ لَهُمَا كَفَّارَتَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأُخْرَى أَجْنَبِيَّةً فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَذْكُرَهَا بِالِاسْمِ وَلَا يَصِفَهَا بِالْأَجْنَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ: إِذَا تَظَاهَرْتُ مِنْ عَمْرَةَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَعَمْرَةُ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَمْ يَتَظَاهَرْ مِنْ عَمْرَةَ فَهُوَ غَيْرُ مُتَظَاهِرٍ مِنْ زَوْجَتِهِ حَفْصَةَ، وَإِنْ تَظَاهَرَ مِنْ عَمْرَةَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَتَظَاهَرَ مِنْهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ تَظَاهَرَ مِنْهَا بَعْدَ نِكَاحِهَا صَحَّ ظِهَارُهُ مِنْهَا لِأَنَّ الظِّهَارَ صَارَ مِنْهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ فَصَارَ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ بِالصِّفَةِ لِأَنَّهَا قَدْ وُجِدَتْ بِالظِّهَارِ الصَّحِيحِ فِي عَمْرَةَ، وَإِنْ تَظَاهَرَ مِنْ عَمْرَةَ قَبْلَ نِكَاحِهَا كَانَ ظِهَارُهُ مِنْهَا فَاسِدًا لِأَنَّهُ يُصْبِحُ مِنْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ، وَإِذَا فَسَدَ ظِهَارُهُ مِنْهَا لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ حَفْصَةَ لِأَنَّهُ جَعَلَ ظِهَارَهُ مِنْهَا مَشْرُوطًا بِظِهَارِهِ مِنْ عَمْرَةَ، فَإِذَا فَسَدَ ظِهَارُ عَمْرَةَ عَدِمَ الشَّرْطَ الْمُعْتَبَرَ فِي ظِهَارِ حَفْصَةَ وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِذَا طَلَّقْتُ عَمْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تُطَلَّقْ عَمْرَةُ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ وَلَا زَوْجَتُهُ لِأَنَّ كَلَامَهُ لِعَمْرَةَ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ لَيْسَ بِطَلَاقٍ كَذَلِكَ الظِّهَارُ، وَإِنَّمَا كَانَ هَكَذَا لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ إِذَا تَعَلَّقَ بِهَا فِي الشَّرْعِ أَحْكَامٌ كَانَ وُجُودُ الْأَحْكَامِ مَشْرُوطًا فِي صِحَّةِ الْأَسْمَاءِ، وَعَدَمُهَا دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ كَاسْمِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا مَعَ الصِّحَّةِ وَيَزُولُ عَنْهُمَا بِالْفَسَادِ فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِظِهَارِي مِنْ عَمْرَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ لَفْظَ الظِّهَارِ فِي اللُّغَةِ دُونَ حُكْمِهِ فِي الشَّرْعِ يُحْمَلُ عَلَى
قَوْلِهِ وَصَارَ ظِهَارُهُ مِنْ عَمْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً مُوجِبًا لِلظِّهَارِ مِنْ حَفْصَةَ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ التَّلَفُّظُ بِالِاسْمِ اللُّغَوِيِّ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَصِفَهَا مَعَ ذِكْرِ الِاسْمِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: إِذَا تَظَاهَرْتُ مِنْ عَمْرَةَ أَجْنَبِيَّةً فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَقَدْ جَعَلَ كَوْنَهَا أَجْنَبِيَّةً شَرْطًا فِي ظِهَارِهِ مِنْهَا لِأَنَّهُ حَذَفَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الْمَوْضُوعَيْنِ لِلتَّعْرِيفِ وَنَصَبَ عَلَى الْحَالِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: إِذَا تَظَاهَرْتُ مِنْ عَمْرَةَ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَمَتَى تَظَاهَرَ مِنْ عَمْرَةَ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ حَفْصَةَ لِأَنَّهُ مَتَى تَظَاهَرَ مِنْهَا بَعْدَ نِكَاحِهَا لَمْ تَكُنْ أَجْنَبِيَّةً وَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الظِّهَارِ مِنْهَا أَجْنَبِيَّةً فَصَارَ الشَّرْطُ فِي وُقُوعِ الظِّهَارِ عَلَى حَفْصَةَ مَعْدُومًا فِي الظِّهَارِ مِنْ عَمْرَةَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ التَّعْرِيفِ فَيَقُولُ: إِذَا تَظَاهَرْتُ مِنْ عَمْرَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَأَنْتِ يَا حَفْصَةُ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإِنْ تَظَاهَرَ مِنْ عَمْرَةَ قَبْلَ نِكَاحِهَا لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا لِفَسَادِ ظِهَارِهِ مِنْ عَمْرَةَ، وَإِنْ تَظَاهَرَ مِنْ عَمْرَةَ، صَحَّ ظِهَارُهُ مِنْهَا.
وَهَلْ يَصِيرُ مُظَاهِرًا مِنْ حَفْصَةَ أَمْ لَا.
عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا مِنْ حَفْصَةَ تَعْلِيلًا بِأَنَّ دُخُولَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ يَجْعَلُ هَذِهِ الصِّفَةَ فِيهَا شَرْطًا فَإِذَا تَظَاهَرَ مِنْهَا بَعْدَ نِكَاحِهَا لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ فَلَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ حَفْصَةَ، تَعْلِيلًا بِأَنَّ دُخُولَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ لِلتَّعْرِيفِ دُونَ الشَّرْطِ، وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْأَيْمَانِ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ هَذِهِ الْبُسْرَةَ فَأَكَلَهَا رُطَبًا وَلَا كَلَّمْتُ هذا الصبي فكلمه شيخاً في حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ تَعْلِيلًا بِإِجْرَائِهِ مَجْرَى الشَّرْطِ.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ بِالتَّعْرِيفِ أَحَقُّ.
والله أعلم.
(باب ما يوجب على المتظاهر الكفارة)
(من كتابي الظهار قديم وجديد وما دخله مِنَ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى والشافعي رحمه الله عليهم)
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] الْآيَةَ قَالَ وَالَّذِي عَقَلْتُ ممَا سَمِعْتُ فِي ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ الْآيَةَ أَنَّهُ إِذَا أَتَتْ عَلَى الْمُتَظَاهِرِ مُدَّةٌ بَعْدَ الْقَوْلِ بِالظِّهَارِ لَمْ يُحَرِّمْهَا بِالطَّلَاقِ الَّذِي تَحْرُمُ بِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَأَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ عَادَ لِمَا قَالَ فَخَالَفَهُ فَأَحَلَّ مَا حَرَّمَ وَلَا أَعْلَمُ مَعْنًى أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهَا تَجِبُ بِلَفْظِ الظِّهَارِ مِنْ غَيْرِ عَوْدٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالظِّهَارِ وَلَا بِالْعَوْدِ وَلَا يَسْتَقِرُّ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي الِاسْتِبَاحَةِ كَالطَّهَارَةِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هِيَ شرط في فعل الصلاة فإن وطء قَبْلَ التَّكْفِيرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الظِّهَارُ وَكَانَ شَرْطًا فِي اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ الثَّانِي فَإِنْ وَطِئَ ثَانِيَةً لَمْ تَجِبْ وَكَانَ شَرْطًا فِي اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ أَبَدًا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا تَجِبُ بِالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا.
وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِي الْعَوْدِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: -
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ طَلَاقِهَا مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا الطَّلَاقُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ إِعَادَةُ الظِّهَارِ ثَانِيَةً بَعْدَ أُولَى فَيَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُ الْوَطْءُ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا مُجَاهِدٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالظِّهَارِ وَحْدَهُ وَأَنَّ الْعَوْدَ فِيهِ
إِعَادَتُهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ تَقَدُّمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عُجْرَةَ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَكَانَ بِهِ لَمَمٌ وَكَانَ إِذَا أَخَذَهُ لَمَمُهُ ذَهَبَ لِيَخْرُجَ فَتَمْنَعُهُ فَيَقُولُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ لَمْ تُرْسِلِينِي لَأَجْلِدَنَّكِ مِائَةً فَنَزَلَ فِيهِمَا قُرْآنُ الظِّهَارِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالْمُنْكَرِ الزُّورِ وَالظِّهَارُ هُوَ الْمُنْكَرُ وَالزُّورُ دُونَ الْعَوْدِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنِ الظِّهَارِ فَكَانَ الْعَوْدُ فِيهِ هُوَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ كَمَا قَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] يَعْنِي إِلَى فِعْلِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَكَمَا قَالَ في الربا (عفا الله عما سلف) فَإِنْ عَادَ يَعْنِي إِلَى ذَلِكَ الْمَنْهِيِّ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَلِأَنَّ الظِّهَارَ قَدْ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُقِلَ حُكْمُهُ إِلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُعْتَبَرًا بِلَفْظِهِ كَالطَّلَاقِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] فَجَعَلَ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةً بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الظِّهَارُ وَالْآخَرُ الْعَوْدُ فَاقْتَضَى أَنْ لَا تَجِبَ بِأَحَدِهِمَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَيُحْمَلُ عَلَى الْعَوْدِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ تَقَدُّمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
قِيلَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى هَذَا لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وَفِي ذِكْرِهِ بِاللَّفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا التَّأْوِيلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَمَا لَزِمَتِ الْكَفَّارَةُ فِي الظِّهَارِ إِلَّا لِمَنْ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَلَبَطَلَ حُكْمُهُ الْآنَ لِانْقِرَاضِ مَنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ وَسَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بالكفارة عن ظهارهما ولم يسلهما عَنْ ظِهَارِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَوْ كَانَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ لَسَأَلَهُمَا فَإِنْ قِيلَ: فَمَا سَأَلَهُمَا عَنِ الْعَوْدِ فَلَوْ كَانَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ لَسَأَلَ قِيلَ: الْعَوْدُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّلَاقِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا لَمْ يُطَلِّقَا فَعُلِمَ بِذَلِكَ عَوْدُهُمَا.
لِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ كَانَا طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُقِلَا فِي الشَّرْعِ إِلَى مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْإِيلَاءِ تَجِبُ بِشَرْطَيْنِ الْيَمِينُ وَالْوَطْءُ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ فِي الظِّهَارِ بِشَرْطَيْنِ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ: فَهُوَ أَنْ لَيْسَ فِي تَكْرَارِ ظِهَارِهِ دليلاً عَلَى تَقَدُّمِهِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قوله ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ فَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الزُّورِ مِنْ شُرُوطِ التَّحْرِيمِ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطَيْنِ الظِّهَارُ والعود.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: الْعَوْدُ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هُوَ الرُّجُوعُ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ تَحْرِيمُ الظِّهَارِ، وَالرُّجُوعُ فِيهِ أَنْ يُحَرِّمَهَا بِالطَّلَاقِ فَكَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالطَّلَاقِ: فَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ مُطْلَقٌ وَالظِّهَارَ مُقَيَّدٌ وَلَوْ جَازَ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَانَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ الْمُقَيِّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ هَذَا كَانَ حَمْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مُوجِبِهِ أَوْلَى.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا دَاوُدُ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَوْدَ إِعَادَةُ الظِّهَارِ ثَانِيَةً بَعْدَ أُولَى بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قالوا﴾ فتجئ منه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الشَّيْءِ هُوَ فِعْلُ مِثْلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] يَعْنِي إِلَى مِثْلِ مَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الشِّرْكِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ عَوْدُ الظِّهَارِ إِعَادَةَ مَثْلِهِ.
وَالثَّانِي: قَالَ (لِمَا قَالُوا) فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْعَوْدُ قَوْلًا لَا إِمْسَاكًا كَمَا قُلْتُمْ وَلَا فِعْلًا كَمَا قَالَهُ غَيْرُكُمْ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَوْدَ إلى غير القول لقال (ثم يعودون) كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) فَلَمَّا قَالَ (لِمَا قَالُوا) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِعَادَةُ الْقَوْلِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: 8] يَعْنِي مِنْ قَوْلِ النَّجْوَى.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تعالى: ﴿يعودون لما قالوا﴾ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَوْدِ فِي الْأَفْعَالِ دُونَ الْأَقْوَالِ يُقَالُ: عَادَ يَعُودُ عَوْدًا فِي الْفِعْلِ، وَأَعَادَ يُعِيدُ إِعَادَةً فِي الْقَوْلِ، فَلَوْ أَرَادَ إِعَادَةَ الْقَوْلِ لَقَالَ (ثُمَّ يُعِيدُونَ لِمَا قَالُوا) .
وَالثَّانِي: أَنَّ إِعَادَةَ الْقَوْلِ مُحَالٌ كَإِعَادَةِ أَمْسِ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ اجْتِمَاعُ زَمَانَيْنِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِضْمَارٍ، فَدَاوُدُ يُضْمِرُ مِثْلَ مَا قَالُوا فِي التَّحْرِيمِ بِالْقَوْلِ وَنَحْنُ نُضْمِرُ بَعْضَ مَا قَالُوهُ مِنَ التَّحْرِيمِ بِالْإِمْسَاكِ، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الْإِضْمَارِ أَوْلَى لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الشَّيْءِ هُوَ الرُّجُوعُ عَنْهُ دُونَ الْمُقَامِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) .
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ مُفَارَقَةُ الْحَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا إِلَى حَالٍ كَانَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8] .
وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
( ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وَإِنْ عَادَ لِلْإِحْسَانِ فَالْعَوْدُ أَحْمَدُ)
وَالْحَالُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا: تَحْرِيمُ الظِّهَارِ، وَالَّتِي كَانَ عَلَيْهَا: إِبَاحَةُ النِّكَاحِ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِمْسَاكِهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِبَاحَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِعَادَةِ التَّحْرِيمِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ وَسَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بالكفارة عن طهارهما وَلَمْ يَسَلْهُمَا عَنْ إِعَادَتِهِ وَلَوْ كَانَ عَوْدُ القول شرط لَسَأَلَ، وَلِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ مُعَلَّقَةٌ بِلَفْظٍ وَشَرْطٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ يُخَالِفُ اللَّفْظَ دُونَ إِعَادَتِهِ كَالْإِيلَاءِ وَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي تَلْزَمُ بِهِ الْأَحْكَامُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ كَالْأَيْمَانِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعَوْدَ فِي الشَّيْءِ هُوَ فِعْلُ مِثْلِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَوْدِ الِانْتِقَالُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ دُونَ الْمُقَامِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَوْدَ إِلَى مِثْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِبَاحَةِ دُونَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيمِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ وَصَفَ الْعَوْدَ بِالْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَوْدٌ إِلَى الْقَوْلِ بِنَقْضِهِ وَإِبْطَالِهِ لَا بِتَصْحِيحِهِ وَإِثْبَاتِهِ فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا أَشْبَهَ.
وَالثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْأَخْفَشُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا لِأَنَّ قَوْلَهُ (ثُمَّ يعودون) . كلام تام وقوله (لما قالوا) عَائِدٌ إِلَى تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ (ثُمَّ يَعُودُونَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِمَا قَالُوا) .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى غَيْرِ الْقَوْلِ لَقَالَ (ثُمَّ يَعُودُونَ فِيمَا قَالُوا) فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى الْقَوْلِ لَقَالَ (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قالوا) وَسَطٌ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ، فَاقْتَضَى أَنْ يُحْمَلَ الْعَوْدُ عَلَى تَعَيُّنِ الْحَالِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
(تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالًا)
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ هَاهُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الْقَوْلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99] أَيِ الْمُتَيَقَّنُ، وَكَقَوْلِهِمُ اللَّهُ رَجَائِي وَأَمَلِي أَيْ مَرْجُويَ وَمُؤَمَّلِي، وَالْقَوْلُ هُوَ التَّحْرِيمُ فَكَانَ الْعَوْدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لما قالوا﴾ وَثُمَّ مَوْضُوعَةٌ فِي اللُّغَةِ لِلْمُهْلَةِ وَالتَّرَاخِي فَأَوْجَبَتْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ زَمَانٌ لَيْسَ بِعَوْدٍ فَكَانَ حَمْلُ الْعَوْدِ عَلَى الْعَزْمِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظِّهَارِ مُهْلَةٌ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ خَوْلَةَ حِينَ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ أَوْسًا ظَاهَرَ مِنْهَا وَقَدْ عَزَمَ عَلَى وَطْئِهَا فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْوَطْءِ هُوَ الْعَوْدُ، وَلِأَنَّهُ بِالظِّهَارِ عَازِمٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْعَوْدُ فِيهِ الْعَزْمَ عَلَى فِعْلِ الْوَطْءِ لِأَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى ضِدِّهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قالوا﴾ وَالْعَوْدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا عِنْدَنَا أَوْ قَوْلًا عِنْدَ غَيْرِنَا، وَلَيْسَ الْعَزْمُ قَوْلًا وَلَا فعلاً لم يَجُزْ أَنْ يَكُونَ عَوْدًا.
وَلِأَنَّ أَوْسَ بْنَ الصامت ظاهر من زوجته خولة فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْكَفَّارَةِ وَلَمْ يَسَلْهُ عَنْ عَزْمِهِ عَلَى الْوَطْءِ وَلَوْ كَانَ الْعَزْمُ شَرْطًا لَسَأَلَهُ:
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدَ رُوِّينَا أَنَّ خَوْلَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى وَطْئِهَا فَعَنْهُ جَوَابَانِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَا أَثْبَتَهَا أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ وَلَا مَا أَفْصَحَتْ بِهِ مِنَ الشَّكْوَى وَمَضَى هَذَا الذِّكْرُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَوْسٍ دُونَهَا وَلَوْ كَانَ وُجُوبُهَا مُتَعَلِّقًا بِالْعَزْمِ لَكَانَ هو مسؤول عَنْهَا وَلَمَا اكْتَفَى بِقَوْلِهَا دُونَهُ، وَلِأَنَّهُ أَمْسَكَهَا زَوْجَةً بَعْدَ الظِّهَارِ مُدَّةً يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ كَالْعَازِمِ عَلَى الْوَطْءِ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِلَفْظٍ وَشَرْطٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُخَالَفَةَ ذَلِكَ اللَّفْظِ كَالْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ الْعَزْمَ وَحَدِيثَ النَّفْسِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (عُفِيَ عَنْ أَمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِسْيَانَ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا وَأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ لِلتَّرَاخِي وَالْمُهْلَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ثُمَّ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 46] ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: 118] ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: 17] لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الصِّفَاتِ وَهِيَ تَتَعَاقَبُ.
وَالثَّانِي: أَنَّنَا نَسْتَعْمِلُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي التَّرَاخِي وَالْمُهْلَةِ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ أَبَاحَ
الْإِمْسَاكَ وَالْوَطْءَ وَالظِّهَارُ حَرَّمَهُمَا فَالْعَوْدُ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى إِبَاحَتِهَا فَصَارَ مُتَرَاخِيًا عَنِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ: فَقَدْ مَضَى الْجَوَابُ عَنْهُ.
. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ بِالظِّهَارِ هُوَ عَازِمٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَهُوَ أَنَّهُ بِالظِّهَارِ مُحَرِّمٌ وَلَيْسَ بِعَازِمٍ عَلَى التَّحْرِيمِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ فَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْعَوْدَ الْوَطْءُ بِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ وَطِئَ بَعْدَ ظِهَارِهِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْكَفَّارَةِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ السَّبَبِ شَرْطًا فِي وُجُوبِ التَّكْفِيرِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا زَنَا فَرُجِمَ وَسَرَقَ سَارِقٌ رِدَاءَ صَفْوَانَ فَقُطِعَ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ تَشَابَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي كَوْنِهِمَا طَلَاقًا وَفِي الْإِسْلَامِ فِي إِيجَابِهِمَا الْكَفَّارَةَ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْإِيلَاءِ تَجِبُ بِالْوَطْءِ فَكَذَلِكَ فِي الظِّهَارِ، وَلِأَنَّهُ بِالظِّهَارِ مُحَرِّمٌ لِوَطْئِهَا فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْعَوْدُ فِيهِ مُخَالَفَتَهُ بِوَطْئِهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا مُعَلَّقًا بِالْمَسِيسِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ أَوْسًا بِالْكَفَّارَةِ قَبْلَ وَطْئِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْتِزَامِهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا، وَلِأَنَّهُ أَمْسَكَهَا زَوْجَةً بَعْدَ الظِّهَارِ مُدَّةً يَقْصُرُ فِيهَا عَلَى الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ كَالْوَطْءِ وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَوْدِ مِنْ كَوْنِهِ إِمْسَاكًا عَنِ الطَّلَاقِ أَعَمُّ الْأَقْوَالِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِهِ وَبِإِعَادَةِ الْقَوْلِ وَبِالْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ وَبِالْوَطْءِ فَكَانَ أَوْلَى كَالْعِلَلِ يَكُونُ الْأَعَمُّ مِنْهَا أَوْلَى مِنَ الْأَخَصِّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَمْرِهِ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بِالْكَفَّارَةِ بَعْدَ وَطْئِهِ وَهُوَ أَنَّ الْوَطْءَ تَالٍ لِلسَّبَبِ الْمَنْقُولِ وَهُوَ الظِّهَارُ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِالتَّكْفِيرِ عَائِدًا إِلَيْهِمَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا، فَلَمَّا أَمَرَ أَوْسًا بِالْكَفَّارَةِ قَبْلَ وَطْئِهِ دَلَّ على تعلق وجوبها بما تقدم وطئه مِنْ ظِهَارِهِ وَإِمْسَاكِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ التَّشْبِيهِ بِالْإِيلَاءِ فَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِيهِمَا يَمْنَعُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْكَفَّارَةِ فِي الظِّهَارِ قَبْلَ الْوَطْءِ وَالْإِيلَاءِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَجُزِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْكَفَّارَةِ فِي الظِّهَارِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ مُخَالَفَةَ التَّحْرِيمِ تَكُونُ بِالْوَطْءِ وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَكُونُ بِالْإِمْسَاكِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ لَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فَاعْتَبَرَ فِي الْأَمْرِ بِهَا الْإِصَابَةَ، فَاقْتَضَى أَنْ لَا تَجِبَ قَبْلَهَا ثُمَّ قَدَّمَهَا عَلَى الْإِصَابَةِ فَاقْتَضَى أَنْ لَا تَجِبَ بِهَا، لِأَنَّ الْوُجُوبَ الْمُتَعَلِّقَ بِسَبَبٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وُجُودِ السَّبَبِ، وَاقْتَضَى أَنْ لَا تَجِبَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّكْفِيرِ قَبْلَهَا فَامْتَنَعَ بِهَذَا التَّنْزِيلِ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى إِبْطَالِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعَوْدِ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ دَلَائِلِ الْمُخَالِفِينَ لَنَا، بِأَنَّ الْعَوْدَ لَوْ كَانَ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ طَلَاقِهَا بَعْدَ الظِّهَارِ لَوَجَبَ إِذَا ظَاهَرَ مِنَ الرَّجْعِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ عَائِدًا إِنْ أَمْسَكَ عَنْ طَلَاقِهَا وَأَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا لِمَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَلَاقِهَا قَالَ: وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ يَكُونُ مُظَاهِرًا وَلَا يَكُونُ عَائِدًا فَبَطَلَ ثُبُوتُ ظِهَارِهِ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَافِعًا وَبَطَلَ بِإِسْقَاطِ عَوْدِهِ أَنْ يَكُونَ الْإِمْسَاكُ عَوْدًا، قَالَ: وَلِأَنَّ الْإِمْسَاكَ بَعْدَ الظِّهَارِ اسْتِصْحَابٌ لَهُ وَالْمُسْتَصْحِبُ لِلشَّيْءِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُ وَالْمُخَالِفُ لِلشَّيْءِ لَا يَكُونُ عَائِدًا إِلَيْهِ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْإِمْسَاكُ عَوْدًا، قَالَ: وَلِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ لَهُ وَالْمَحَلُّ لَا يَكُونُ مُفَارِقًا فَلَمْ يَصِرْ عَائِدًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى مُخَالِفِينَا قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ شَرْطًا عَقَّبَهُ بِالْجَزَاءِ وَالْجَزَاءُ إِذَا عُلِّقَ بِشَرْطٍ اقْتَضَى وَجُوبَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ بِالْكَفَّارَةِ قَبْلَ وَطْئِهِ وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْكَفَّارَةِ فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ الْوَطْءِ وَبَعْدَهُ وَأَنْ لَيْسَ الْوَطْءُ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِسَبَبٍ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ عِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، وَلِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ بِعِتْقٍ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالْإِصَابَةِ، فَهُوَ أَنَّهُ عَلَّقَهَا بِالْعَوْدِ بَعْدَ الظِّهَارِ وَمَنَعَ الْإِصَابَةَ قَبْلَهَا فَبَطَلَ مَا فَهِمْتُهُ فِيهِ وَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنْ ظِهَارِ الرَّجْعِيَّةِ فَهُوَ أَنَّ الْعَوْدَ عِنْدَنَا هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ تَحْرِيمِهَا بَعْدَ الظِّهَارِ وَالرَّجْعِيَّةُ مُحَرَّمَةٌ فَلَمْ يَصِرْ بترك الطلاق عائداً، والظهار يقع عليهما إِذَا كَانَتْ فِي حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ وَالرَّجْعِيَّةُ تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الزَّوْجِيَّةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الظِّهَارُ فَلَمَّا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الرَّجْعَةِ حُكْمُ الظِّهَارِ دُونَ الْعَوْدِ.
وَأَمَّا الجواب عن قوله إن إِنَّ الْمُسْتَدِيمَ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا وَالْمُخَالِفَ لَا يَكُونُ عَائِدًا، فَهُوَ أَنَّهُ اسْتَدَامَ إِمْسَاكَهَا وَالظِّهَارُ يَمْنَعُ مِنْهُ فَصَارَ مُخَالِفًا وَالْمُخَالِفُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى عَائِدًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: 8] .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْعَوْدِ يَكُونُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ، فَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعَوْدُ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾ [يس: 39] وأنه عائداً إِلَى مَا قَبْلَ الظِّهَارِ فَصَارَ مُفَارِقًا وَلَوْلَا مَا قَدَّمْنَاهُ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ لَكَانَ الْكَلَامُ مع أبي حنيفة أبسط وأطول.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْعَوْدِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِمْسَاكِهَا بَعْدَ الظِّهَارِ مُدَّةً يَقْدِرُ عَلَى تَحْرِيمِهَا بَعْدُ بِطَلَاقٍ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِمَا حَدَثَ بَعْدُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ لِعَانٍ إِجْمَاعًا وَلَا بِمَا حَدَثَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ قَوْلِهَا وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْعَوْدِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ سَقَطَتِ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ بَعْدَ وُجُوبِهَا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ الصَّدَقَةُ فِي مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْعَزْمِ عَلَى مُنَاجَاتِهِ، ثُمَّ لَوْ وَجَبَتْ بِالْعَزْمِ سَقَطَتْ بِفَوْتِ الْمُنَاجَاةِ فَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَا وَجَبَ مِنَ الْكَفَّارَاتِ لَمْ يَسْقُطْ بِغَيْرِ أَدَاءٍ كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْوَطْءُ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ تَسْقُطْ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَذَلِكَ إِذَا فَاتَ بِالْمَوْتِ، فَأَمَّا صَدَقَةُ الْمُنَاجَاةِ فَمَنْسُوخَةُ الْحُكْمِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا لِحُكْمٍ ثَابِتٍ، عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْمُنَاجَاةِ قَدْ كَانَ وُجُوبُهَا بِالْعَزْمِ عَلَى الْمُنَاجَاةِ مَوْقُوفًا عَلَى فِعْلِ الْمُنَاجَاةِ وَجَرَى تَقْدِيمُهَا مَجْرَى تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَخَالَفَ عَوْدَ الظِّهَارِ لِاسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمَوْتِ بَعْدَ الظِّهَارِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ زَمَانِ الْعَوْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ زَمَانِ الْعَوْدِ لَمْ تَسْقُطْ بِهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ زَمَانِ الْعَوْدِ وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ عُقَيْبَ ظِهَارِهِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ زَمَانُ طَلَاقِهَا أَوْ تَمُوتَ الزَّوْجَةُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَا أَمْسَكَهَا بَعْدَ الظِّهَارِ وَلَا قَدَرَ عَلَى طَلَاقِهَا بِالْمَوْتِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا إِذَا تَعَقَّبَ الظِّهَارَ رِدَّةٌ، فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَعَتْ بِهَا الْفُرْقَةُ سَوَاءً كَانَتْ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ مِنْ جِهَتِهَا وَقَامَتْ مُقَامَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ فِي إِسْقَاطِ الْعَوْدِ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ قَامَتْ مُقَامَ الطَّلَاقِ الثَّانِي الرَّجْعِيِّ فِي سُقُوطِ الْعَوْدِ، وَكَانَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كانا عَلَى النِّكَاحِ وَصَارَ عَائِدًا وَفِيمَا يَصِيرُ بِهِ عَائِدًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ بِالْإِسْلَامِ عَائِدًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ زَمَانُ الْعَوْدِ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَطَلَ النِّكَاحُ، فَإِنِ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَهُ فَفِي عَوْدِ الظِّهَارِ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى ثُمَّ بِمَاذَا يَصِيرُ عَائِدًا وَجْهَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ: وَلَوْ تَعَقَّبَ الظِّهَارَ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ لَمْ يَقْدِرِ الزَّوْجُ فِيهِ عَلَى الطَّلَاقِ صَارَ عَائِدًا لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُحَرِّمُ بِخِلَافِ الرِّدَّةِ، وَالْقَصْدُ فِي الْعَوْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الْجُنُونُ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أن يتماسا﴾ وَقَّتَ لِأَنْ يُؤَدِّيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمُمَاسَّةِ حَتَّى يُكَفِّرَ وَكَانَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ عُقُوبَةً مُكَفِّرَةً لِقَوْلِ الزُّورِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا تَحْرِيمُ وَطْئِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَمَأْخُوذٌ مِنَ النَّصِّ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يتماسا﴾ فَجَعَلَ الْوَطْءَ غَايَةً لِوَقْتِ التَّكْفِيرِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَكَانَ هَذَا عُقُوبَةً مُكَفِّرَةً لِقَوْلِ الزُّورِ لِأَنَّهُ قَدْ أَثِمَ بِهِ فَكَفَّرَ عَنْ مَأْثَمِهِ، فَلَوْ أَنَّهُ وَطِئَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ كَانَ عَاصِيًا بِوَطْئِهِ كَمَعْصِيَتِهِ بِالْوَطْءِ فِي إِحْرَامٍ أَوْ حَيْضٍ وَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ وَلَا تَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمُنْتَصِرُ بْنُ دُوسْتَ وَمُجَاهِدٌ تَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ فَتَلْزَمُهُ كَفَّارَاتٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيُّ تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْقِيَاسِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ الْبَيَاضِيَّ وَقَدْ وَطِئَ فِي ظِهَارِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً فَلَمْ يُسْقِطْهَا وَلَمْ يُضَعِّفْهَا فَكَانَ نَصًّا يبطل به القولين.
ولأن الكفارة عبارة مُؤَقَّتَةٌ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَلَمْ يَكُنْ فَوَاتُ وَقْتِهَا مُبْطِلًا لَهَا وَلَا مُوجِبًا لِمُضَاعَفَتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا تَعْجِيلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ قَبْلَ وُجُوبِهَا، فَإِنْ كَانَ مُكَفِّرًا بِالصَّوْمِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوِ الْإِطْعَامِ فإن كان قبل الظهار والعود لم يجزه لِأَنَّ حُقُوقَ الْأَمْوَالِ إِذَا تَعَلَّقَ وُجُوبُهَا بِشَرْطَيْنِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الظِّهَارِ وَقَبْلَ الْعَوْدِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا عُقَيْبَ ظِهَارِهِ ثُمَّ يُكَفِّرَ قَبْلَ مُرَاجَعَتِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا لِوُجُودِ أَحَدِ شُرُوطِهَا كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بَعْدَ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ وَكَتَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مَعَ وُجُودِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، لِأَنَّ الثَّانِيَ مِنْهُمَا مَحْظُورٌ فَصَارَ بِالتَّعْجِيلِ مُتَهَيِّأً لِارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ بِالْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ إِذَا كَانَ الْحِنْثُ معصية.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِذَا مُنِعَ الْجِمَاعَ أَحْبَبْتُ أَنْ يُمْنَعَ الْقُبَلَ وَالتَّلَذُّذَ احْتِيَاطًا حَتَّى يُكَفِّرَ فَإِنْ مَسَّ لَمْ تَبْطُلِ الْكَفَّارَةُ كَمَا يُقَالُ لَهُ أَدِّ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِ كَذَا وَقَبْلَ وَقْتِ كَذَا فَيَذْهَبُ الوقت فيؤديها بعد الوقت لأنها فرصه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا وَطْءُ الْمُظَاهِرِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَحْرِيمَهُ بِالنَّصِّ
وَالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ كَالْقُبْلَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالتَّلَذُّذِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ فَفِي تَحْرِيمِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هَاهُنَا وَفِي كِتَابِ الْأُمِّ إِنَّ اجْتِنَابَهُ احْتِيَاطٌ وَفِعْلَهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ لِأَنَّهُ قَالَ أَحْبَبْتُ أَنْ يُمْنَعَ الْقُبْلَةَ وَالتَّلَذُّذَ احْتِيَاطًا وَوَجْهُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ قبل أن يتماسا﴾ وَالْمَسُّ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَطْءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالصَّوْمِ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ التَّلَذُّذِ بِمَا سِوَاهُ كَذَلِكَ فِي الظِّهَارِ لِبَقَاءِ النَّفْعِيَّةِ وَاسْتِبَاحَةِ الدَّوَاعِي مِنَ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْقَدِيمِ إِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّلَذُّذُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْقَدِيمِ رَأَيْتُ أَنْ يُمْنَعَ الْقُبَلَ وَالتَّلَذُّذَ وَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ وَوَجْهُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أن يتماسا﴾ وَحَقِيقَةُ الْمَسِّ الْتِقَاءُ الْبَشْرَتَيْنِ وَلِأَنَّهُ بِالظِّهَارِ قَدْ جَعَلَ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ كَتَحْرِيمِ أُمِّهِ وَكُلُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِأُمِّهِ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ فِي الظِّهَارِ، وَلِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ فَوَجَبَ أَنْ تَحْرُمَ عَلَى الْمُظَاهِرِ كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يُوقِعُ تَحْرِيمَهَا فِي الزَّوْجَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنَ الْوَطْءِ وَتَوَابِعِهِ كَالْإِحْرَامِ وَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَصَابَهَا وَقَدْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فِي لَيْلِ الصَّوْمِ لَمْ يُنْتَقَضْ صَوْمُهُ وَمَضَى عَلَى الْكَفَّارَةِ وَلَوْ كَانَ صَوْمُهُ يُنْتَقَضُ بِالْجِمَاعِ لَمْ تُجْزِئْهُ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْجِمَاعِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا كَفَّرَ الْمُظَاهِرُ بِالصِّيَامِ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَبْلَ الْوَطْءِ كَالْعِتْقِ وَهُوَ نَصٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] فَإِنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ عَامِدًا بَطَلَ صَوْمُهُ وَتَتَابُعُهُ وَاسْتَأْنَفَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بَعْدَ وَطْئِهِ، وَإِنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ نَاسِيًا لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ وَلَا تَتَابُعُهُ، وَإِنْ وَطِئَ فِي لَيْلِ الصَّوْمِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا لَمْ يَبْطُلِ الصَّوْمُ وَلَا التَّتَابُعُ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَبْطُلُ تَتَابُعُ الصَّوْمِ فِي الْوَطْءِ فِي اللَّيْلِ وَيَبْطُلُ بِوَطْئِهِ نَاسِيًا فِي النَّهَارِ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وَمِنْهَا دَلِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْوَطْءِ فِيهِ وَقَبْلَهُ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَ بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ لَيْسَ قَبْلَهُمَا مَسِيسٌ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ
لَيْسَ فِيهِمَا مَسِيسٌ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْعُدُولُ إِلَى مَا أَمْكَنَهُ وَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُمَا مَعًا، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي شَهْرَيْ صِيَامِ الظِّهَارِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ التَّتَابُعُ كَالْوَطْءِ عَمْدًا بِالنَّهَارِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمُ وَطْءٍ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ فَاسْتَوَى حُكْمُهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَالِاعْتِكَافِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾ فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيَامِ شَهْرَيْنِ لَيْسَ قَبْلَهُمَا وَلَا فِيهِمَا مَسِيسٌ وَهُوَ لَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ وَطْئِهِ فَكَانَ الْبِنَاءُ أَقْرَبَ إِلَى الظَّاهِرِ مِنَ الِاسْتِئْنَافِ، لِأَنَّ صَوْمَ شَهْرَيْنِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ أَقْرَبُ إِلَى الْوَاجِبِ مِنْ صَوْمِ شَهْرَيْنِ هُمَا جَمِيعًا بَعْدَ الْمَسِيسِ، فَكَانَ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيِّ بِهَا مِنْ هَذَا الوجه لا من جهة النصفيتوجه احْتِجَاجُ الْكَرْخِيِّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يَبْطُلْ بِهِ الصَّوْمُ فَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ التَّتَابُعُ كَوَطْءِ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا وَكَالْوَطْءِ فِي لَيْلِ صِيَامِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
فَإِنْ قِيلَ فَوَطْءُ الْمُظَاهِرِ مُحَرَّمٌ لَيْلًا وَنَهَارًا فَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ بِهِ التَّتَابُعُ بِاللَّيْلِ كَمَا يَبْطُلُ بِهِ فِي النَّهَارِ كَتَحْرِيمِهِ فِيهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَطْءُ فِي لَيْلِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلَا وَطْءُ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فَكَانَ التَّحْرِيمُ عِلَّةً فِي إِبْطَالِ التَّتَابُعِ فَلَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ: قِيلَ: مَا لَمْ يَبْطُلِ التَّتَابُعُ بِمُبَاحِهِ لَمْ يَبْطُلْ بِمَحْظُورِهِ كَالزِّنَا وَمَا أُبْطِلَ التَّتَابُعُ بِمَحْظُورِهِ بَطَلَ بِمُبَاحِهِ كَالْأَكْلِ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ لِشِدَّةِ الْمَجَاعَةِ خَوْفًا مِنَ التَّلَفِ يُبْطِلُ صَوْمَهُ وَتَتَابُعَهُ، وَإِنْ فَعَلَ مُبَاحًا كَمَا لَوْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَفِعْلِ مَحْظُورٍ وَإِذَا بَطَلَ تَعْلِيلُهُ بِالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ كَانَ تعليل التتابع بصحة الصوم وفساده أول فَصَحَّ الْقِيَاسُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ.
وَقِيَاسٌ ثَانٍ: هُوَ أَنَّهُ وَطْءٌ فِي أَثْنَاءِ تَكْفِيرٍ فَجَازَ أَنْ لَا يَبْطُلَ بِهِ التَّكْفِيرُ كَالْإِطْعَامِ.
وَقِيَاسٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمَا يُضَادُّ الصَّوْمَ إِذَا وَقَعَ لَيْلًا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي حُكْمِ الصَّوْمِ كَالْأَكْلِ.
وَاسْتِدْلَالٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أن هذا الصوم مشروط بشرطين التَّتَابُعِ وَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَالتَّتَابُعُ صِفَةٌ فِي الْمُؤَدَّى وَقَبْلَ الْمَسِيسِ صِفَةٌ فِي الْأَدَاءِ كَالصَّلَاةِ عُلِّقَتْ بِشَرْطَيْنِ الْوَقْتُ وَالتَّرْتِيبُ وَإِنْ ثَبَتَ الْفِعْلُ ثُمَّ كَانَ عَدَمُ الْوَقْتِ أَوْ بَعْضِهِ لَا يَسْقُطُ حُكْمُ التَّرْتِيبِ كَذَا الصَّوْمُ هَاهُنَا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ مِنَ الْآيَةِ بِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَهُوَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْوَطْءُ وَهُوَ فَاسِدٌ حَرَامٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ مِنْهَا بِأَنَّهُ يَقَدِرُ عَلَى صَوْمِ شَهْرَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَسِيسٌ فَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ فِي الْبِنَاءِ يَأْتِي بِأَحَدِ الشَّهْرَيْنِ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ وَبِالثَّانِي قَضَاءً بعد المعصية.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى وَطْءِ النَّهَارِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْوَطْءَ لَمَّا أَبْطَلَ الصَّوْمَ أَبْطَلَ التَّتَابُعَ وَوَطْءُ اللَّيْلِ لَمَّا لَمْ يُبْطِلِ الصَّوْمَ لَمْ يُبْطِلِ التَّتَابُعَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الِاعْتِكَافِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ وَطْءَ اللَّيْلِ صَادَقَ زَمَانَ الْعِبَادَةِ فَأَشْبَهَ وَطْءَ النَّهَارِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ اللَّيْلِ لَمْ يُصَادِفْ زَمَانَ الْعِبَادَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ تَظَاهَرَ وَأَتْبَعَ الظِّهَارَ طَلَاقًا تَحِلُّ فِيهِ قَبْلَ زَوْجٍ يَمْلِكُ الرَجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَوْ طَلَّقَهَا سَاعَةَ نَكَحَهَا لِأَنَّ مُرَاجَعَتَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ أَكْثَرُ من حبسها بعد الظهار (قال المزني) رحمه الله هذا خلاف، أصله كل نكاح جديد لم يعمل فيه طلاق ولا ظهار إلا جديد وقد قال في هذا الكتاب لو تظاهر منها ثم اتبعها طلاقاً لا يملك الرجعة ثم نكحها لم يكن عليه كفارة لأن هذا ملك غير الأول الذي كان فيه الظهار ولو جاز أن يظاهر منها فيعود عليه الظهار إذا نكحها جاز ذلك بعد ثلاث وزوج غيره وهكذا الإيلاء قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ وأولى بقوله والقياس أن كل حكم كان في ملك فإذا زال ذلك ما فيه من الحكم فلما زال ذلك النكاح زال ما فيه من الظهار والإيلاء) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ إِذَا طَلَّقَ عُقَيْبَ ظِهَارِهِ لَمْ يَكُنْ عَائِدًا وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَوْدَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِمْسَاكِهَا بَعْدَ الظِّهَارِ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا الطَّلَاقُ وَهُوَ بِالطَّلَاقِ غَيْرُ مُمْسِكٍ سَوَاءً كَانَ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا لِأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقَيْنِ مَعًا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَرَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ فَالظِّهَارُ بِحَالِهِ وَيَصِيرُ عَائِدًا فِيهِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ وَبِمَاذَا يَصِيرُ عَائِدًا فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَالَهُ هَاهُنَا وَفِي كِتَابِ الْأُمِّ يَكُونُ عَائِدًا بِنَفْسِ الرَّجْعَةِ، وَإِنِ أَتْبَعَ الرَّجْعَةَ طَلَاقًا لَمْ تَسْقُطِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ بِإِمْسَاكِهِ عَنِ الطَّلَاقِ عَائِدًا فَأَوْلَى أَنْ يَصِيرَ بِالرَّجْعَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلطَّلَاقِ عَائِدًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا بِالرَّجْعَةِ حَتَّى يَمْضِيَ بَعْدَهَا زَمَانُ الْعَوْدِ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الطَّلَاقِ مُدَّةً يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الطَّلَاقِ، فَإِنِ أَتْبَعَ الرَّجْعَةَ طَلَاقًا لَمْ يَكُنْ عَائِدًا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ تُرَادُ لِلرَّدِّ إِلَى الزَّوْجِيَّةِ وَالْعَوْدُ هُوَ إِمْسَاكُهَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ وَذَلِكَ لا يكون إذا بَعْدَ الرَّجْعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا فَلَمْ يُرَاجِعْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ سَقَطَ الظِّهَارُ فِي هَذَا النِّكَاحِ، فَإِنْ نَكَحَهَا بِعَقْدٍ مُسْتَجَدٍّ كَانَ عَوْدُ الظِّهَارِ فِيهِ مُعْتَبَرًا بِالطَّلَاقِ الَّذِي
تَقَدَّمَهُ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثًا فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ كُلِّهِ وَأَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ إنَّ الظِّهَارَ لَا يَعُودُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي الْقَدِيمِ إِنَّ الظِّهَارَ يَعُودُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الثَّلَاثِ فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ كُلِّهِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ الظِّهَارَ يَعُودُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الْجَدِيدِ إِنَّ الظِّهَارَ لَا يَعُودُ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الظِّهَارَ لَا يَعُودُ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: بِعَوْدِ الظِّهَارِ فَبِمَاذَا يَصِيرُ عَائِدًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ تَخَرَّجَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ عَائِدًا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنِ اتَّبَعَ النِّكَاحَ طَلَاقًا لَمْ تَسْقُطِ الْكَفَّارَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِيرُ عَائِدًا بِمُضِيِّ زَمَانِ الْعَوْدِ بَعْدَ النِّكَاحِ وَإِنِ اتَّبَعَ النِّكَاحَ طَلَاقًا لَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَنْ لَا يَعُودَ الظِّهَارُ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (قَالَ وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا ثَمَّ لَاعَنَهَا مَكَانَهُ بِلَا فَصْلٍ سَقَطَ الظِّهَارُ وَلَوْ كَانَ حَبَسَهَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ اللِّعَانُ فَلَمْ يُلَاعِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا لَاعَنَ الْمُظَاهِرُ بَعْدَ أَنْ مَضَى عَلَيْهِ زَمَانُ الْعَوْدِ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِاللِّعَانِ كَمَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ وَإِنْ شَرَعَ فِي اللِّعَانِ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَانِ الْعَوْدِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ قَذَفَ بِالزِّنَا وَدَخَلَ فِي اللِّعَانِ فَأَتَى بِالشَّهَادَاتِ وَبَقِيَتِ اللَّعْنَةُ الْخَامِسَةُ، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ عَقَبَهَا بِاللَّعْنَةِ الْخَامِسَةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ فَلَا يَكُونُ عَائِدًا لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَامِسَةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ أَغْلَظُ مِنْ تَحْرِيمِهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا ثُمَّ ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ عَقَبَهُ بِاللِّعَانِ فَأَخَذَ فِي الشَّهَادَاتِ الْأَرْبَعِ ثُمَّ بِاللَّعْنَةِ الْخَامِسَةِ فَفِي عَوْدِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ عَائِدًا فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِلَّا بِاللَّعْنَةِ الْخَامِسَةِ وَالشَّهَادَاتُ الْأَرْبَعُ لَا تُحَرِّمُ فَكَانَ أَخْذُهُ فِيهَا شُرُوعًا فِي غَيْرِ التَّحْرِيمِ فَلِذَلِكَ صَارَ عَائِدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ تَحْرِيمَ اللِّعَانِ لَا يَقَعُ بِاللَّعْنَةِ الْخَامِسَةِ إِلَّا بَعْدَ الشَّهَادَاتِ
الْأَرْبَعِ فَصَارَ أَخْذُهُ فِيهَا شُرُوعًا فِي التَّحْرِيمِ وَلِأَنَّهُ بِأَخْذِهِ فِي الشَّهَادَاتِ الْأَرْبَعِ كَالْمُطَوَّلِ شُرُوعُهُ فِي التَّحْرِيمِ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ سُقُوطَ الْعَوْدِ، كَمَنْ قَالَ لَهَا بَعْدَ الْعَوْدِ أَنْتِ يَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ طَالِقٌ فَأَطَالَ ذِكْرَ الِاسْمِ بِالنَّسَبِ كَانَ كَمَنِ اقْتَصَرَ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي سُقُوطِ الْعَوْدِ كَذَلِكَ هَذَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَدِّمَ الظِّهَارَ ثُمَّ يَعْقُبُهُ بِالْقَذْفِ ثُمَّ يَعْقُبُهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْحَاكِمِ وَالشُّرُوعِ فِي اللِّعَانِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَكُونُ عَائِدًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ قَذْفَهَا بِالزِّنَا لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّحْرِيمِ وَلَا مِنْ جُمْلَةِ اللِّعَانِ فَصَارَ عَائِدًا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا يَكُونُ عَائِدًا وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ تَعْلِيلًا بِأَنَّ اللِّعَانِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِقَذْفٍ فَصَارَ الْقَذْفُ مِنْ أَسْبَابِ اللِّعَانِ، وَكَذَلِكَ التَّوَجُّهُ إِلَى الْحَاكِمِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِاللِّعَانِ وَزُعِمَ أَنَّهُ وُجِدَ لِلْمُزَنِيِّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الظِّهَارُ الْقَذْفَ أَوْ تَقَدَّمَ الْقَذْفُ الظِّهَارَ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَوَاءً بَيْنَ مَنْ يُقَدِّمُ الظِّهَارَ عَلَى الْقَذْفِ وَبَيْنَ مَنْ يُقَدِّمُ الْقَذْفَ عَلَى الظِّهَارِ فِي ثُبُوتِ الْعَوْدِ لَا فِي سُقُوطِهِ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال المزني رضي الله عنه (قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى لَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا يَوْمًا فَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى انْقَضَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ آلَى فَسَقَطَتِ الْيَمِينُ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ اليمين (قال المزني) رحمه الله أَصْلُ قَوْلِهِ إِنَّ الْمُتَظَاهِرَ إِذَا حَبَسَ امْرَأَتَهُ مُدَّةً يُمْكِنُهُ الطَلَاقُ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهَا فَقَدْ عاد ووجبت عليه الكفارة وقد حبسها هذا بعد التظاهر يوما يمكنه الطلاق فيه فتركه فعاد إلى استحلال ما حرم فالكفارة لازمة له في معنى قوله وكذا قال لو مات أو ماتت بعد الظهار وأمكن الطلاق فلم يطلق فعليه الكفارة) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الظِّهَارَ ضَرْبَانِ: مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ.
فَالْمُطْلَقُ: أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَلَا يَقْدُرُ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ وَالْعَوْدُ فِيهِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِمْسَاكِهَا بَعْدَ الظِّهَارِ مُدَّةً يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الطَّلَاقِ.
فَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَلَا يُطْلِقُهُ عَلَى التَّأْبِيدِ فَفِي كَوْنِهِ مُظَاهِرًا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الظِّهَارِ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ كَالْأُمِّ فَإِذَا قَدَّرَهُ بِمُدَّةٍ يَخْرُجُ بِالتَّقْدِيرِ مِنْ حُكْمِ الظِّهَارِ وَصَارَ كَمَنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ
حَرُمَتْ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ وَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا جمعاً بين تأقيت الْمُدَّةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا فَعَلَى هَذَا لَا يُرَاعِي فِيهِ الْعَوْدَ لِسُقُوطِ الظِّهَارِ.
فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ: فَإِنْ لَمْ يَطَأْ حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَطِئَ فِي الْمُدَّةِ فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى ظَاهِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَيَصِيرُ بِخُرُوجِهِ مِنَ الظِّهَارِ مُحَرِّمًا لَهَا بِغَيْرِ ظِهَارٍ فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ كَالْإِيلَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ وَالْإِيلَاءُ يَمِينٌ وَهَذَا غَيْرُ حَالِفٍ، وَيَكُونُ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْإِيلَاءِ وَهَذَا الظِّهَارِ فَعَادَ جَوَابُهُ إِلَى الْإِيلَاءِ دُونَ الظِّهَارِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الطِّيبِ بْنِ سَلَمَةَ.
(فَصْلٌ:)
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ مُظَاهِرًا بِالْمُؤَقَّتِ كَمَا يَكُونُ مُظَاهِرًا بِالْمُطْلَقِ الْمُؤَبَّدِ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ الظِّهَارَ كَالطَّلَاقِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ شَهْرًا صَارَ طَلَاقُهُ مُؤَبَّدًا كَذَلِكَ إِذَا ظَاهَرَ مِنْهَا شَهْرًا صَارَ مُؤَبَّدًا فَيَسْتَوِي تقدير المدة وتأبيدها في الظهار كما يسستوي فِي الطَّلَاقِ فَيُفَرَّقُ تَقْدِيرُ التَّحْرِيمِ وَتَأْبِيدُهُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهَا فِي الظِّهَارِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْوَقْتَ إِذَا دَخَلَ فِي الظِّهَارِ وَقَدْ قَابَلَهُ التَّأْبِيدُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهَا فَصَارَ مُظَاهِرًا لِتَحْقِيقِهِ التَّشْبِيهَ، وَإِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهَا لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا لِأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِتَحْرِيمِ التَّشْبِيهِ فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ عَائِدًا بِأَنْ يَطَأَ فِي الْمُدَّةِ فَإِنْ لَمْ يَطَأْ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَلَيْسَ بِعَائِدٍ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، فَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الظِّهَارِ الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ فِي الْعَوْدِ: فَيَكُونُ الْعَوْدُ فِي الظِّهَارِ الْمُطْلَقِ إِمْسَاكَهَا مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ والظهار المقيد وطئها فِي مُدَّةِ الظِّهَارِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَوْدَيْنِ فِيهِمَا: أَنَّ لِلْمُقَيَّدِ غَايَةً فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْإِمْسَاكُ تَوَقُّعًا لِانْقِضَائِهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِرْ عَوْدًا وَلَيْسَ لِلْمُطْلَقِ فَكَانَ الْإِمْسَاكُ مُنَافِيًا لَهَا وَلِذَلِكَ صَارَ عَوْدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَاخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَكُونَ عَائِدًا فِيهِ بِالْإِمْسَاكِ كَعَوْدِهِ فِي الظِّهَارِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ لَمْ يَخْتَلِفْ صِفَتُهَا بِالتَّقْيِيدِ وَالْإِطْلَاقِ كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.
وَأَجَابَ قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ عَمَّا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ أَرَادَ عَقْدَ الظِّهَارِ بِالْوَطْءِ فِي مُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ وَإِنْ وَطِئَهَا صَارَ مُظَاهِرًا وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ إِذَا مَضَى عَلَيْهِ زَمَانُ الْعَوْدِ وَإِنْ لَمْ يَطَأْ حَتَّى مَضَى لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا فلم
تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنَّمَا حَمَلَ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْإِضْمَارِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ فِي عِلَّةِ الْعَوْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ تَظَاهَرَ وَآلَى قِيلَ إِنْ وَطِئْتَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ خَرَجْتَ مِنَ الْإِيلَاءِ وَأَثِمْتَ وَإِنِ انْقَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وُقِفْتَ فَإِنْ قُلْتَ أَنَا أُعْتِقُ أَوْ أُطْعِمُ لَمْ نُمْهِلْكَ أَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُكَ الْيَوْمَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَإِنْ قُلْتَ أَصُومُ قِيلَ إِنَّمَا أُمِرْتَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ بِأَنْ تَفِيءَ أَوْ تُطَلِّقَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ لَكَ سَنَةٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ ثَبَتَ حُكْمُهُمَا فَإِنْ قَدَّمَ الظِّهَارَ وَعَادَ فِيهِ ثُمَّ آلَى صَارَ بَعْدَ الظِّهَارِ مُولِيًا وَلَا يَمْنَعُ تَحْرِيمُ الظِّهَارِ مِنْ ثُبُوتِ الْإِيلَاءِ لِأَنَّهَا بَعْدَ الظِّهَارِ زَوْجَتُهُ وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَتَكُونُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ بِالظِّهَارِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا سَبَبٌ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَتَحْرِيمِهَا بِإِحْرَامِهِ، وَإِنْ قَدَّمَ الْإِيلَاءَ ثُمَّ عَقَبَهُ الظِّهَارَ ثَبَتَ ظِهَارُهُ وَصَارَ عَائِدًا فِيهِ وَلَا يَمْنَعُ عَقْدُ الْيَمِينِ فِي الْإِيلَاءِ مِنْ ثُبُوتِ الظِّهَارِ بَعْدُ لِأَنَّهَا بعد الإيلاء زوجته كهي قبل وَيَكُونُ زَمَانُ الظِّهَارِ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ كَفَّرَ عَنْ ظِهَارِهِ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ بِعِتْقٍ أَوْ إِطْعَامٍ أَوْ صَوْمِ شَهْرَيْنِ أَجْزَأَهُ وَسَقَطَ بِالتَّكْفِيرِ حُكْمُ الظِّهَارِ وَصَارَ بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ كَمُولٍ غَيْرِ مُظَاهِرٍ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الظِّهَارِ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ مُتَنَافِيَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُوجِبٌ لِلْوَطْءِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَهُوَ الْإِيلَاءُ.
وَالثَّانِي: مَانِعٌ مِنَ الْوَطْءِ حَتَّى يُكَفِّرَ وَهُوَ الظِّهَارُ فَإِنْ سَأَلَ أَنْ يُمْهَلَ فِي الْإِيلَاءِ حَتَّى يُكَفِّرَ عَنِ الظِّهَارِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ أَوِ الْإِطْعَامِ أُمْهِلَ مُدَّةً يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ كَالْيَوْمِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ زَمَانَهُ قَرِيبٌ يَجُوزُ الْإِنْظَارُ لِمِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَفِّرُ بِالصِّيَامِ لَمْ يُمْهَلْ لأنه صَوْمَ شَهْرَيْنِ إِذَا ضُمَّا إِلَى أَرْبَعَةِ التَّرَبُّصِ صَارَتِ الْمُدَّةُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَمُنِعَ مِنْهُ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ وَطُولِبَ بِحُكْمِ الْإِيلَاءِ، فَإِنْ طَلَّقَ فِيهِ خَرَجَ بِالطَّلَاقِ عَنْ حَقِّ الْإِيلَاءِ وَكَانَ عَلَى ظِهَارِهِ وَإِنْ أَرَادَ الْوَطْءَ فِيهِ أَفْتَيْنَاهُ بِأَنَّ الظِّهَارَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ الْوَطْءَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْهُ.
وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْهُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يجب عليها منع نفسها منه وعليه تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسِهَا إِذَا دَعَاهَا لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَهَا فَعَلَى هَذَا إِنْ مَكَّنَتْهُ سَقَطَ حَقُّهَا فَكَانَ الْإِثْمُ عَلَيْهِ دُونَهَا، وَإِنْ منعته سقط مُطَالَبَتُهَا كَمَا لَوْ مَنَعَتْهُ مِنْ غَيْرِ ظِهَارٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهَا مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ إِذَا دَعَاهَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهَا وَيَخْتَصُّ بِهَا كَالرَّجْعَةِ فَصَارَ التَّحْرِيمُ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا فَعَلَى هَذَا لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ جَارِيَةٌ فِي فَسْخٍ
وَهَذِهِ بِالظِّهَارِ غَيْرُ جَارِيَةٍ فِي فَسْخٍ، فَهَلْ يتحتم بتحريم الوطء عليها طَلَاقُهَا وَيَتَعَيَّنُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَيَتَحَتَّمُ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَعَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْآخَرُ كَالْكَفَّارَاتِ فَعَلَى هَذَا إِنْ طَلَّقَ طَوْعًا وَإِلَّا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ جَبْرًا قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ عَجْزَهُ عَنِ الْوَطْءِ بِالتَّحْرِيمِ كَعَجْزِهِ عَنْهُ بِالْمَرَضِ ثُمَّ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي الْمَرَضِ كذلك لا يتعين عليه من الظِّهَارِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الطَّلَاقِ وَبَيْنَ أَنْ يَفِيءَ بِالْإِيلَاءِ غَيْرَ مَعْذُورٍ ثُمَّ يُؤْخَذُ بِالتَّكْفِيرِ عَنْ ظِهَارِهِ وَلَا يُمْهَلُ فِيهِ مَعَ الْمُهْلَةِ مِنْهُ، فَإِذَا كَفَّرَ زَالَ عُذْرُهُ وَلَزِمَهُ أَنْ يَفِيءَ بِالْإِصَابَةِ فَيْءَ مَعْذُورٍ كَالْمَرِيضِ إِذَا صَحَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(باب عتق المؤمنة في الظهار من كتابين قديم وجديد)
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الظِّهَارِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) {قَالَ) فَإِذَا كَانَ وَاجِدًا لَهَا أَوْ لِثَمَنِهَا لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْكَفَّارَةُ فِي الظِّهَارِ ذَاتُ أَبْدَالٍ مُرَتَّبَةٍ وَهِيَ عِتْقٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يتماسا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يستطيع فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 3، 4] .
فَإِذَا ثَبَتَ تَرْتِيبُ الْبَدَلِ لَمْ يَكُنِ الْعُدُولُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ (عَدَمِ) الْمُبْدَلِ.
فَمَتَى كَانَ وَاجِدًا لِلرَّقَبَةِ أَعْتَقَ وَلَمْ يَصُمْ، وَإِنْ كَانَ عَادِمًا لَهَا وَاجِدًا لِثَمَنِهَا كَانَ كَالْوَاجِدِ لَهَا فِي الْمَنْعِ مِنَ الصَّوْمِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يجد فصيام شهرين﴾ وَالْقَادِرُ عَلَى الثَّمَنِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْوُجُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيباً﴾ ، فَكَانَ الْوَاجِدُ لِثَمَنِ الْمَاءِ فِي حُكْمِ الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حُقُوقَ الْأَمْوَالِ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِالذِّمَمِ كَانَ الْوَاجِدُ لِأَثْمَانِهَا فِي حُكْمِ الْوَاجِدِ لَهَا فِي اسْتِحْقَاقِ فَرْضِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيام﴾ ، فَكَانَ الْوَاجِدُ لِثَمَنِ الْهَدْيِ فِي حُكْمِ الْوَاجِدِ لِلْهَدْيِ فِي أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الصَّوْمِ، وَكَمَا تَقُولُ إِنَّ الْوَاجِدَ لِصَدَاقِ الْحُرَّةِ فِي حُكْمِ مَنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فِي أن لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَهُوَ وَاجِدٌ لِثَمَنِهَا جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى ابْنِ لَبُونٍ وَلَمْ يَكُنِ الْوَاجِدُ لِثَمَنِهَا كَالْوَاجِدِ لَهَا.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ (فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ
لَبُونٍ ذَكَرٌ) فَرَاعَى وُجُودَ ابْنَةِ الْمَخَاضِ فِي الْمَالِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ وُجِدَ شَرْطُ الْبَدَلِ فَجَازَ الْعُدُولُ إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي عِتْقِ الظِّهَارِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شهرين متتابعين﴾ فَلَمْ يُرَاعِ مَالًا دُونَ مَالٍ فَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالثَّمَنِ.
وَالثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَهُوَ أن زكاة المكان فِي الْعَيْنِ فَرَاعَيْنَا وُجُودَ الْعَيْنِ دُونَ الثَّمَنِ وَالْكَفَّارَةِ فِي الذِّمَّةِ فَسَوَّيْنَا بَيْنَ وُجُودِ الْعَيْنِ وَالثَّمَنِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ وُجُودَ الثَّمَنِ كَوُجُودِ الرَّقَبَةِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الصَّوْمِ فَكَانَ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الثَّمَنِ غَائِبًا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الصَّوْمُ وَانْتَظَرَ بِالْعِتْقِ قُدُومَ مَالِهِ، وَلَوْ كَانَ مَا يَمْلِكُهُ الْمُتَمَتِّعُ مِنْ ثَمَنِ دَمِ الْهَدْيِ غَائِبًا عَنْهُ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَحِلَّ هَدْيِ الْمُتَمَتِّعِ مُعَيَّنٌ فَرُوعِيَ وَجُودُهُ قَبْلَهُ فِي مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ زَمَانَ الصَّوْمِ فِي التَّمَتُّعِ مُعَيَّنٌ فَرُوعِيَ وُجُودُ الْهَدْيِ قَبْلَهُ، وَزَمَانَ الصَّوْمِ فِي الظِّهَارِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَرُوعِيَ وُجُودُ الرَّقَبَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَوْ وَجَدَ الْمُظَاهِرُ الثَّمَنَ وَلَمْ يَجِدِ الرَّقَبَةَ انْتَظَرَ وُجُودَهَا وَلَمْ يَصُمْ، وَلَوْ وَجَدَ الْمُتَمَتِّعُ الثَّمَنَ وَلَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَنْتَظِرُ الْقُدْرَةَ عَلَى ابْتِيَاعِهَا وَلَا يصوم كالمتظاهر.
والوجه الثاني: ويعدل إِلَى الصَّوْمِ وَلَا يَنْتَظِرُ بِخِلَافِ الْمُتَظَاهِرِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعْيِينِ زَمَانِ الصَّوْمِ فِيهِ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ فِي الظِّهَارِ، فَلَوْ لَمْ يَجِدِ الْمُتَظَاهِرُ الرَّقَبَةَ إِلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّرَاءُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّوْمُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الْمُتَمَتِّعُ الْهَدْيَ إِلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّرَاءُ وَفِي إِجْزَاءِ الصَّوْمِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَشَرَطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي رَقَبَةِ الْقَتْلِ مُؤْمِنَةً كَمَا شَرَطَ الْعَدْلَ فِي الشَّهَادَةِ وَأَطْلَقَ الشُّهُودَ فِي مَوَاضِعَ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ مَا أَطْلَقَ عَلَى مَعْنَى مَا شَرَطَ وَإِنَمَا رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّدَقَاتِ فَلَمْ تَجُزْ إِلَّا لِلْمُؤْمِنْينَ فَكَذَلِكَ مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الرِّقَابِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
. لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إِلَّا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ عِتْقٍ فِي كُلِّ كَفَّارَةٍ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي عِتْقِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا مُؤْمِنَةٌ، وَبِمَذْهَبِهِ فِي الْكَفَّارَاتِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَجُوزُ فِي عِتْقِ الظِّهَارِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ سِوَى الْقَتْلِ عِتْقُ
الْكَافِرَةِ الْكِتَابِيَّةِ سِوَى الْوَثَنِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَعَطَاءٍ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَتَحْرِيرُ رقبة فَكَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِطْلَاقُهَا الْمُقْتَضِي مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِيمَانِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ تَكُونُ نسخ وَنَسْخُ الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ أَوْ بِأَخْبَارِ التَّوَاتُرِ وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهَا رَقَبَةٌ تَامَّةٌ فِي عِتْقِهَا قُرْبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ تَجْرِيَ فِي كُلِّ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَالْمُؤْمِنَةِ فاحترزوا في قولهم تامة من ذوات النقض وَبِقَوْلِهِمْ فِي عِتْقِهَا قُرْبَةٌ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِي عِتْقِهَا قَالُوا وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ فَوَجَبَ أَلَّا يُمْنَعَ مِنَ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَعِتْقِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ قَالُوا وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْصِيَةٌ فِي الدِّينِ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَنَّهَا جَزَاءٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَالْمُعْتِقِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ فِيهَا بِأَنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ وَعُرْفَ خِطَابِهِمْ يَقْتَضِي حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ فَحَمْلُ عُرْفِ الشَّرْعِ عَلَى مُقْتَضَى لِسَانِهِمْ وَقَدْ قَيَّدَ اللَّهُ تَعَالَى كَفَّارَةَ الْقَتْلِ بِالْإِيمَانِ وَالْمُطْلَقُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ مُطْلَقُهَا عَلَى مَا قُيِّدَ مِنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ كَمَا قَيَّدَ الشَّهَادَةَ بِالْعَدَالَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذوي عدل منكم﴾ وأطلقها في قوله واستشهدوا شاهدين من رجالكم فَحُمِلَ مِنْهُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ كَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى مُوَافَقَتِهِ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِعُرْفِ اللِّسَانِ إِذَا جَمَعَ شَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا لَمْ يُحْمَلْ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُطْلَقِ إِلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعُرْفِ اللِّسَانِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَمْ يُوجِبْ حَمْلَهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا أَصْلٌ فَاسِدٌ وَطَرِيقُهُ غير مستمر من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْإِطْعَامَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَأَطْلَقَهُ فَلَمْ يَحْمِلْ هَذَا الْمُطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ فِي دُخُولِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ كَمَا دخل في كفارة الظهار.
الثاني: أَنَّهُ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي صِيَامِ الظِّهَارِ وَأَطْلَقَهُ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوا إِطْلَاقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّتَابُعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي الْوُضُوءِ غَسْلَ أَرْبَعَةِ أَعْضَاءٍ وَاقْتَصَرَ فِي التَّيَمُّمِ مِنْهَا عَلَى عُضْوَيْنِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ إِطْلَاقَ التَّيَمُّمِ لَا يُحْمَلُ عَلَى تَقْيِيدِ الْوُضُوءِ فَيُسْتَحَقُّ فِيهِمَا تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ مُسْتَمِرٌّ فَلَيْسَ يُفَسَّرُ بِمَا ذَكَرُوهُ أَمَّا الْإِطْعَامُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَدْخُلُ وَلَا يَفْسُدُ بِهِ هَذَا الْأَصْلُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الصِّفَةِ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ وَاجِبًا.
فَأَمَّا فِي إِثْبَاتِ أَصْلِ الْحُكْمِ فَلَا وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ حُكْمٍ لَا صِفَةٍ.
وَأَمَّا صِيَامُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَفِي اسْتِحْقَاقِ تَتَابُعِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُسْتَحِقٌّ فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْأَصْلُ لِأَنَّنَا نَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا لَمْ يَتَنَازَعْهُ أَصْلَانِ، وَالصَّوْمُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُوجِبُ التَّتَابُعَ وَهُوَ صَوْمُ الظِّهَارِ.
وَالثَّانِي: يُوجِبُ التَّفْرِقَةَ وَهُوَ صَوْمُ التَّمَتُّعِ وَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْآخَرِ فَتُرِكَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ بَيْنَ تَتَابُعِهِ وَتَفْرِقَتِهِ كَمَا فُعِلَ مِثْلُهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لَمَّا أُطْلِقَ وَهُوَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ تَتَابُعِهِ وَتَفْرِقَتِهِ.
وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَلَمْ يُحْمَلْ إِطْلَاقُهُ عَلَى تَقْيِيدِ الْوُضُوءِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَمْ يُذْكَرْ وَحَمْلُ الْمُطْلَقِ إِنَّمَا يَخْتَصُّ بِالصِّفَةِ وَلِذَلِكَ حَمَلْنَا إِطْلَاقَ الْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَرَافِقِ لِتَقْيِيدِ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ فَصَارَ الْأَصْلُ بِهِ مُسْتَمِرًّا، وَخَالَفَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ الشَّافِعِيَّ وَسَائِرَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى لَا بِمُوجِبِ اللِّسَانِ وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ، وَهَذَا لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَمَوْضُوعِ كَلَامِهِمْ لِأَنَّهُمْ تَارَةً يُكَرِّرُونَ الْكَلِمَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَتَارَةً يَحْذِفُونَهَا لِلْإِيجَازِ وَتَارَةً يُسْقِطُونَ بَعْضَهَا لِلتَّرْخِيمِ وَتَارَةً يَتْرُكُونَ الصِّفَةَ إِذَا تَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرٌ كَالشَّهَادَةِ وَتَارَةً يُنَبَّهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَتَارَةً بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، فَمَنْ عَرَفَ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ فِي كَلَامِهِمْ لَمْ يُنْكِرْ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ طَرِيقِ اللِّسَانِ دُونَ الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فِي الْكَفَّارَةِ يُوجِبُهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الشَّرِيدِ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمَعَهُ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا رَقَبَةٌ أَفَتُجْزِئُ هَذِهِ عَنْهَا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (أَيْنَ رَبُّكِ؟) فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) وَرُوِيَ: (فَإِنَّهَا تُجْزِيكَ) فَكَانَ الدَّلِيلُ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اعْتِبَارُ الْإِيمَانِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَمَا اعْتَبَرَهُ.
وَالثَّانِي: تَعْلِيقُهُ بِالْإِجْزَاءِ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا اعْتَبَرَ الْإِيمَانَ وَعَلَّقَهُ بِالْإِجْزَاءِ لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيَّ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ.
رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى بِجَارِيَةٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أَفَأَعْتِقُ هَذِهِ فَقَالَ لَهَا: (أَتَشْهَدِينَ أن لا إله إلا الله وأنني رَسُولُ اللَّهِ) قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: (تَصُومِينَ) قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) وَقَالُوا هَذِهِ زِيَادَةٌ فَكَانَ الْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى.
وَعَنْ هَذَا جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ أَوْلَى إِذَا كَانَ الْخَبَرُ وَاحِدًا وَهَذَانِ خَبَرَانِ فِي قَضِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (عَلَيَّ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ) لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الرِّقَابِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا عِتْقُ الْمُؤْمِنَةِ فَصَارَ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ أَشْبَهَ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ نَذْرٍ وَلَا قَتْلٍ.
وَيُدَلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: أَنَّهُ تَكْفِيرٌ بِعِتْقٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِهِ الْإِيمَانُ كَالْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَلِأَنَّ كُلَّ عِتْقٍ لَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَالْمَعْصِيَةِ وَلِأَنَّهَا مَنْقُوصَةٌ بِالْكُفْرِ لَمْ تُجْزِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَلَا تُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَالْوَثَنِيَّةِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فِي أَمْوَالِنَا حُقُوقَ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ وَضْعُ الزَّكَاةِ إِلَّا فِي الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَنَا عَلَيْهِ وَخَالَفَنَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَضْعُ الْكَفَّارَاتِ بِالْعِتْقِ إِلَّا فِي الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْمُشْرِكِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ اسْتِرْقَاقَ الْمُشْرِكِينَ إِذْلَالًا وَصَغَارًا وَأَمَرَ بِالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ إِيجَابًا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ بِرَفْعِ الذُّلِّ وَالِاسْتِرْقَاقِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِرَفْعِ اسْتِرْقَاقِهِ قُرْبَةً هُوَ الْمَأْذُونُ فِي اسْتِرْقَاقِهِ مَذَلَّةً.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ عِتْقَ الْكَفَّارَةِ ثَبَتَ عَلَى التَّأْبِيدِ وَالْكَافِرُ لَا يَتَأَبَّدُ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُضَ الْعَهْدَ ويلحق بدار الحرب ثم يسبأ فَيَسْرِقَ وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي عِتْقِ الْمُسْلِمِ فَلِذَلِكَ أَجْزَأَ عِتْقُ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ مُتَأَبِّدٌ وَلَمْ يَجْزِ عِتْقُ الْكَافِرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَأَبِّدٍ.
فَأَمَّا الْآيَةُ فَالْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِهِمْ بِعُمُومِ إِطْلَاقِهَا تَخْصِيصُهَا بِمَا ذَكَرْنَا وَالْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِهِمْ مِنْهَا: بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حُكْمِ النَّصِّ بِدَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ نَسْخًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَخْصِيصُ بَعْضِ مَا شَمِلَهُ الْعُمُومُ وَإِخْرَاجُ بَعْضِهِ فَصَارَ نَقْصًا لَا زِيَادَةً وَإِنَّمَا صَارَ تَخْصِيصًا لِأَمْرَيْنِ: