كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا سَائِرُ شُهُورِ السَّنَةِ، وَأَيَّامُهَا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، مَا أَنَا ذَاكِرُهُ فَمِنْ ذَلِكَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي فَضْلِ صِيَامِهِ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ.
فَصْلٌ
: وَمِنْ ذَلِكَ شَهْرُ رَجَبٍ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ وَرُوِيَ الْأَصَبُّ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي رَجَبًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصُبُّ فِيهِ الرَّحْمَةَ صَبًّا، وَسُمِّيَ أَصَمَّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ فِيهِ الْقِتَالَ، فَلَا يُسْمَعُ فِيهِ سَفْكُ دَمٍ، وَلَا حَرَكَةُ سِلَاحٍ ورَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " صِيَامُ أَوَّلِ يومٍ مِنْ رَجَبٍ كَفَّارَةُ ثَلَاثِ سِنِينَ وَصِيَامُ الْيَوْمِ الثَّانِي كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ وَصِيَامُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَفَّارَةُ سَنَةٍ ثُمَّ كُلُّ يَوْمٍ كَفَّارَةُ شهرٍ ".
فَصْلٌ
: وَمِنْ ذَلِكَ شَعْبَانُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرٌ من وحر صَدْرِهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةَ أيامٍ مِنْ كل شهرٍ " يعني بشهر الصبر شعبان، وقيل رمضان وقيل وحر صَدْرِهِ يَعْنِي: غِشَّ صَدْرِهِ وَبَلَابِلِهِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ إِنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَى نَقُولَ إِنَّهُ لَا يَصُومُ وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَهَذِهِ الشُّهُورُ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا تَفْضِيلُ الصِّيَامِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا الْأَيَّامُ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا السُّنَّةُ بِصِيَامِهَا، فَمِنْهَا يَوْمُ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَضْلَ الصِّيَامِ فِيهَا، وَمِنْهَا صِيَامُ الْأَيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ قَدْ رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصُومُ ثَلَاثَةَ أيامٍ مِنَ الشَهْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُمِ الْغُرَّ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْغُرُّ الْبَيْضُ بِطُلُوعِ الْقَمَرِ فِي جَمِيعِهَا.
رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ عَنْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ " وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ عَنَى بِالشَّهْرِ رَمَضَانَ وَسِرِّهِ الْأَيَّامَ السِّتَّةَ الَّتِي تَلِيهِ مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِالشَّهْرِ مُسْتَهَلَّ الشَّهْرِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْهِلَالَ شهراً قال الشاعر:
(أخوان مِنْ نجدٍ عَلَانِيَةً ... وَالشَّهْرُ مِثْلُ قُلَامَةِ الظُّفْرِ)
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ أَمَرَ بِصِيَامِ الشَهْرِ مِنْ كُلِّ شهرٍ، وفيه ثلاثة تأويلات:
أحدهما: أنها أيام الْبِيضُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا الْأَيَّامُ الْأُوَلُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ أَكْثَرُهُ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَيَّامِ الْبِيضِ، هَلْ كَانَتْ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَتْ؟ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا كَانَتْ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَتْ بِشَهْرِ رَمَضَانَ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، إِنَّهَا سُنَّةٌ لَمْ تَزَلْ، وَاخْتَلَفُوا فِي زَمَانِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الثَّانِيَ عَشَرَ، وَمَا يَلِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الثَّالِثَ عَشَرَ وَمَا يَلِيهِ.
فَصْلٌ
: وَمِنْهَا صِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَكَرِهَ صِيَامَهَا مَالِكٌ وأبو حنيفة لِأَنَّ فِي صِيَامِهَا ذَرِيعَةً إِلَى زِيَادَةِ الصَّوْمِ فَشَابَهَتْ يَوْمَ الشَّكِّ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ صِيَامَهَا سُنَّةٌ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بستةٍ مِنْ شوالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَهْرَ كُلَّهُ " يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرًا فَتَحْصُلُ لَهُ بِشَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِثَلَاثِمِائَةِ حَسَنَةٍ وَبِسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، وَذَلِكَ عَدَدُ أيام السنة.
فَصْلٌ
: وَمِنْهَا صِيَامُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقَدْ روى أبو هريرة (و) أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يَدَعُ صِيَامَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقَالَ هُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ لِي فِيهِمَا عَمَلٌ صَالِحٌ " فَيُخْتَارُ صِيَامُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الشَّهْرِ، وَالْأَيَّامِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَالسَّلَفِ مِنْ بَعْدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذك أضعاف جده، وَتَرْكُ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ عِبَادَاتِهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ بِرَحْمَتِهِ.
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عمرو بن العاصي عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: صُمْ يَوْمًا وَلَكَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ قَالَ: زِدْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنَّ فِيَّ قُوَّةً قَالَ: صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ تِسْعَةُ أيامٍ قَالَ: زِدْنِي يَا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَكَ ثَمَانِيَةٌ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَضُمُّ الثَّمَانِيَةَ إِلَى التِّسْعَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ فَتَكُونُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَتَبْقَى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ فَيَصِيرُ لَهُ بِالْحَسَنَةِ عَشْرًا.
باب النهي عن صيام يومي الفطر والأضحى وأيام التشرق
قال الشافعي رضي الله عنه: " وأنهى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التشريق لنهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عنها.
ولو صامها متمتع لا يجد هدياً عنه عندنا (قال المزني) قد كان قال يجزيه ثم رجع عنه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نهى عن صيام سبعة أيام العيدان وَأَيَّامِ مِنًى وَيَوْمِ الشَكِّ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ.
فَأَمَّا الْعِيدَانِ فَنَهَى عَنْ صَوْمِهِمَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَأَمَّا أَيَّامُ مِنًى، فَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَذْهَبُ فِي الْقَدِيمِ إِلَى جَوَازِ صِيَامِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ، وَمَنَعَ مِنْ صِيَامِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَغَيْرِهِ، وَحَرَّمَهَا كَالْعِيدَيْنِ فَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا تَطَوُّعًا وَلَا نَذْرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَ أبي حنيفة فِي جَوَازِ صِيَامِهَا نَذْرًا، وَأَمَّا يَوْمُ الشَّكِّ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى نَهْيِ الصَّوْمِ فِيهِ، وَأَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، فَأَمَّا يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَقَدْ رَوَى نَهْيَ صَوْمِهِ جَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرًا فِي الطَّوَافِ فَقُلْتُ لَهُ: أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَرَبِّ هَذِهِ الْكَعْبَةِ وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَنَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَلَكَنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْهُ.
فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذَا النَّهْيِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ كَالْفِطَرِ وَالْأَضْحَى.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: إِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ فِيمَنْ أَفْرَدَ صَوْمَهُ دون ومن وَصَلَهُ بِغَيْرِهِ، لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
فَقَالَ لَهَا: أَصُمْتِ يَوْمًا قَبْلَهُ؟ فَقَالَتْ: لَا فَقَالَ لَهَا: أَتَصُومِينَ يَوْمًا بَعْدَهُ؟ فَقَالَتْ: لَا فَقَالَ فَأَفْطِرِي وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَى نَهْيِ الصَّوْمِ فِيهِ أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ وَالدُّعَاءِ فِيهَا فَكَانَ مَنْ أَضْعَفَهُ؟ الصَّوْمُ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ كَانَ صَوْمُهُ مَكْرُوهًا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُضْعِفْهُ الصَّوْمُ عَنْ حُضُورِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَصُومَهُ، قَدْ دَاوَمَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على صوم شبعان، ومعلوم أنه فِيهِ جُمُعَاتٍ كَانَ يَصُومُهَا كَذَلِكَ رَمَضَانُ فَعُلِمَ أَنَّ مَعْنَى نَهْيِ الصَّوْمِ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا، والله أعلم.
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانَ وَطَلَبِ الْقِرَاءَةِ
قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سعدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ كَانَ أَجْوَدَ النَاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ ما يكون في شهر رمضان وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيعرض عليه القرآن فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة (قال الشافعي) وأحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء به ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
يُخْتَارُ لِلنَّاسِ أَنْ يُكْثِرُوا مِنَ الْجُودِ وَالْإِفْضَالِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَبِالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهْرٌ شَرِيفٌ قَدِ اشْتَغَلَ النَّاسُ فِيهِ بِصَوْمِهِمْ عَنْ طَلَبِ مَكَاسِبِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ فِيهِ عَلَى عِيَالِهِ وَيُحْسِنَ إِلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ وَجِيرَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِفْطَارُ صَائِمٍ أَنْ يُفْطِرَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا.
وَرَوَتْ أُمُّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ أَكَلَ
عِنْدَهُ مُفْطِرُونَ إِلَّا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ الْقَوْمُ يَأْكُلُونَ " وَيُخْتَارُ لَهُ أَنْ يَقُولَ إِذَا أَفْطَرَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ التَوْفِيقَ لِمَا قَرَّبَ إِلَيْهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.