الحاوي الكبيرصفحات 311-350
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 311-350
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تَسْتَتِرَ إِنْ كَانَ الثَّوْبُ قَرِيبًا مِنْهَا،، وَتَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ الثَّوْبُ بَعِيدًا مِنْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهَا " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ حُكْمَ الْعَوْرَاتِ وَتَفْصِيلَهَا وَدَلَّلْنَا عَلَى إِيجَابِ سَتْرِهَا، وَذَكَرْنَا عَوْرَةَ الرَّجُلِ، وَعَوْرَةَ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ، وَعَوْرَةَ الْأَمَةِ، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ تِلْكَ الْجُمْلَةُ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ رَأْسَ الْأَمَةِ وَشَعْرَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَأَنَّ صَلَاتَهَا مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلْزَمُهُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ وَرَأْسُ الْأَمَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَلَمْ يَلْزَمْهَا سَتْرُهُ، فَإِذَا صَلَّتِ الْأَمَةُ بَعْضَ الصَّلَاةِ وَرَأْسُهَا مَكْشُوفٌ ثُمَّ أُعْتِقَتْ قَبْلَ تَمَامِهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ رَأْسِهَا لِكَوْنِهَا حُرَّةً فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا إلا مستورة وإذ تقرر الأمر على هذا فليس يخلوا حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ واحدة لِمَا تَسْتُرُ رَأْسَهَا أَوْ عَادِمَةً، فَإِنْ عَدِمَتْ مَا تَسْتُرُ بِهِ بَنَتْ عَلَى صَلَاتِهَا وَأَجْزَأَتْهَا سَوَاءٌ عَلِمَتْ بِعِتْقِهَا أَمْ لَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْعُرْيَانِ الَّذِي لَا يَجِدُ ثوباً فيصلي عريان، ولا إعادة عليه وإن كانت واحدة لِمَا تَسْتَتِرُ بِهِ فَلَهَا حَالَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ تَعْلَمَ عِتْقَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالثَّانِي: أَنْ لَا تعلم به إلا بعد تَقْضِيَ تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَإِنْ عَلِمَتْ بِعِتْقِهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَيْسَ يَخْلُو الثَّوْبُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، فَإِنْ كان الثوب قريباً وجب عليه تَنَاوُلُهُ وَالِاسْتِتَارُ بِهِ، فَإِذَا اسْتَتَرَتْ بِهِ فِي الْحَالِ بَنَتْ عَلَى صَلَاتِهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي أَخْذِهِ اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ قَلِيلٌ فَأَمَّا إِنِ اسْتَدْبَرَتِ الْقِبْلَةَ فِي أَخْذِهَا فَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ الِاسْتِدْبَارَ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ بَعِيدًا، أَوْ كَانَ قَرِيبًا فَلَمْ تَأْخُذْهُ مُضِيَّ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَبُعْدِهِ فَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا بِمَاذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهَا عَلَى وَجْهَيْنِ إِنَّمَا بَطَلَتْ صَلَاتُهَا بِرُؤْيَةِ الثَّوْبِ كَمَا يَبْطُلُ تَيَمُّمٌ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رُؤْيَةُ الثَّوْبِ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَالْمُتَيَمِّمِ لَوَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهَا وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ قَرِيبًا كَالْمُتَيَمِّمِ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ صَلَاتِهَا وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ قَرِيبًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ الثَّوْبِ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ صَلَاتَهَا إِنَّمَا بَطَلَتْ بِالْمُضِيِّ لِأَخْذِ الثَّوْبِ وَتَطَاوُلِ الْعَمَلِ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنَّهَا ما لم تمضي فَهِيَ عَلَى صَلَاتِهَا حَتَّى تَمْضِيَ وَإِنْ دُفِعَ الثَّوْبُ إِلَيْهَا فَاسْتَتَرَتْ بِهِ بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهَا وَأَجْزَأَهَا

وَالْجَوَابُ: أَنَّهَا تَمْضِي لِأَخْذِ الثَّوْبِ وَلَا انْتَظَرَتْ من تناولها إياه فَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ وَإِنْ لَمْ يَمْضِ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ مَضَى، لَكِنْ إِنِ انْتَظَرَتْ مَنْ تناولها الثوب فناولها إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ شَيْءٍ فِي الصَّلَاةِ ولا إحداث عمل فيها طَوِيلٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: قد بطلت صلاتها، ولأن الِانْتِظَارَ عَمَلٌ طَوِيلٌ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ إِنَّ صَلَاتَهَا لَا تَبْطُلُ، وَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى وَيُجْزِئُهَا، لِأَنَّ الِانْتِظَارَ لَيْسَ بفعل يبطل الصلاة كالراكع إِذَا أَحَسَّ بِالدَّاخِلِ فَانْتَظَرَهُ جَازَ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّوْبِ فِي وُجُوبِ أَخْذِهِ، وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ، وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا بَطَلَتْ بِرُؤْيَتِهِ صَلَاتُهُ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ فِعْلَ الطَّهَارَةِ يَجِبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ، فإن أحرام بها سقط فرضها، فإن أرحم بِهَا ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي وَقْتٍ سَقَطَ عَنْهُ فِعْلُ الطَّهَارَةِ فِيهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ يَجِبُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا وَجَدَ الثَّوْبَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي زَمَانٍ يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِصْحَابُ الطَّهَارَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ كَمَا يَلْزَمُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا قِيلَ: إِنَّمَا يَسْتَصْحِبُ حُكْمَ الطَّهَارَةِ مَعَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَا الطَّهَارَةَ، وَهُوَ فِي الثَّوْبِ يَسْتَعْمِلُ السِّتْرَ مَعَ أَفْعَالِهَا، لَا حُكْمَ السِّتْرِ فَافْتَرَقَا وَالْفَرْقُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ استدامة الثوب كابتدائه في الحكم بدلة أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، وَهُوَ لَابِسُهُ حَنِثَ وَاسْتِدَامَةُ الطَّهَارَةِ مُخَالِفَةٌ لِابْتِدَائِهَا فِي الْحُكْمِ بِدَلَالَةِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَطَهَّرُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ وُجُودُ الثَّوْبِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ كَوُجُودِهِ فِي ابْتِدَائِهَا، فَلَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ وَلَمْ يَكُنْ وُجُودُ الْمَاءِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ كَوُجُودِهِ فِي ابْتِدَائِهَا فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِعْمَالُهُ وَالْفَرْقُ الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ قَدْ أَتَى بِبَدَلِ الْمَاءِ فَجَازَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَالْعُرْيَانُ لَمْ يَأْتِ بِالسِّتْرِ وَلَا بِبَدَلِهِ، لِأَنَّ الْعُرْيَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنِ السِّتْرِ فَلَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِعَدَمِ الْبَدَلِ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ إذا انقطع حيضها لما لم تأتي بِالطَّهَارَةِ عَنِ النَّجَاسَةِ، وَلَا بِبَدَلِ الطَّهَارَةِ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، أَنْ لَا تَعْلَمَ الْأَمَةُ بِعِتْقِهَا إِلَّا بَعْدَ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْصُوصُهُ أَنَّ الْإِعَادَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ، كَمَنْ صَلَّى وَهُوَ جُنُبٌ، أَوْ مُحْدِثٌ، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ خَرَجَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ: إِنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا مِنْ أَيْنَ خَرَجَ هَذَا الْقَوْلُ

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُتَيَمِّمِ إِذَا صَلَّى بَعْدَ طَلَبِ الْمَاءِ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ فِي رَحْلِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ: فِي الْمُسَافِرِينَ إِذَا رَأَوْا سَوَادًا وَظَنُّوهُمْ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِبِلٌ أَوْ وَحْشٌ والله أعلم

(مسألة)

: قال المُزنيّ: " وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي عُرياناً لَا يَجِدُ ثَوْبًا ثُمَّ يَجِدُهُ، وَالْمُصَلِّي خَائِفًا ثُمَّ يَأْمَنُ، وَالْمُصَلِّي مَرِيضًا يُومِئُ ثُمَّ يَصِحُّ أَوْ يُصَلِّي وَلَا يُحْسِنُ أُمَّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُحْسِنُ إِنَّ مَا مَضَى جَائِزٌ عَلَى مَا كُلِّفَ وَقَابَضَ عَلَى مَا كُلِّفَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذِهِ مَسَائِلُ قَصَدَ الْمُزَنِيُّ بِإِيرَادِهَا نَصَّ قَوْلِهِ فِي الْمُتَيَمِّمِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ وَالْجَوَابُ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ لَا يَصِحُّ، وَالْفَرْقُ بينهما قد مضى، فإذا وجد المصلي عريان فِي تَضَاعِيفِ صَلَاتِهِ ثَوْبًا فَعَلَيْهِ أَخْذُهُ، كَالْأَمَةِ سَوَاءً عَلَى مَا مَضَى مِنَ التَّقْسِيمِ وَالْجَوَابِ، وَكَذَلِكَ الْخَائِفُ إِذَا صَلَّى مُومِيًا ثُمَّ أَمِنَ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ أَمِنًا، وَأَجْزَأَهُ؛ فَأَمَّا الْأُمِّيُّ إِذَا تَعَلَّمَ الْفَاتِحَةَ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ فِيمَا مَضَى مِنْهَا فَتُجْزِئُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا الرَّكْعَةُ الَّتِي تَعَلَّمَ فِيهَا الْفَاتِحَةَ فَلَيْسَ يَخْلُو حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أقسام: [القسم الْأَوَّلُ] إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَلَا يَلْزَمُهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهَا لِأَنَّهُ تَعَلَّمَهَا بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَعَلَّمَهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّمَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ وَقَبْلَ الْإِتْيَانِ بِبَدَلِهَا، فَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهَا لِإِدْرَاكِ مَحَلِّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَلَّمَهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَ الْإِتْيَانِ بِبَدَلِهَا، فَعَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتِ بِبَدَلِهَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي إِدْرَاكِ الْمَحَلِّ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبَدِّلِ " الْمُتَيَمِّمِ " إِذَا رَأَى الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِهِ في الصلاة " (مسألة) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَعَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَنْ يؤدِّبُوا أَوْلَادَهُمْ، ويُعلّموهم الطهارة وَيَضْرِبُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذَا عقلُوا " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ يَلْزَمُ الْآبَاءَ حَتْمًا وَاجِبًا أَنْ يُعَلِّمُوا صِبْيَانَهُمُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ إِذَا عَقَلُوا وهم إذا بلغوا سبع سنين، ويلزموهم أَنْ يَضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا حِينَ الْبُلُوغِ، وَهُوَ فِي الْجَوَارِي لِتِسْعٍ وَالْغِلْمَانِ لِعَشْرٍ وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا قُوا أنفسَكُم وأَهليكُم ناراً﴾

[التحريم: 6] . وَرَوَى عُمَرُ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَده أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مُرُوهم بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ "، وَلِأَنَّ فِي تَعْلِيمِهِمْ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ إِلْفًا لَهَا وَاعْتِيَادًا لفِعلها، وَفِي إِهْمَالِهِمْ وَتَرْكِ تَعْلِيمِهِمْ مَا لَيْسَ يَخْفَى ضَرَرُهُ مِنَ التَّكَاسُلِ عَنْهَا عِنْدَ وُجُوبِهَا، وَالِاسْتِيحَاشِ مِنْ فِعْلِهَا وَقْتَ لُزُومِهَا، فَأَمَّا تَعْلِيمُهُمْ ذَلِكَ لِدُونِ سَبْعِ سِنِينَ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في الغالب لَا يَضْبِطُونَ تَعْلِيمَ مَا يَعْلَمُونَ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى فِعْلِ مَا يُؤْمَرُونَ، فَإِذَا بَلَغُوا سَبْعًا مَيَّزُوا وَضَبَطُوا مَا عَلِمُوا، وَتَوَجَّهَ فَرْضُ التَّعْلِيمِ عَلَى آبَائِهِمْ، لَكِنْ لَا يَجِبُ ضَرْبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا، وَإِذَا بَلَغُوا عَشْرًا وَجَبَ ضَرْبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَا مُمْرِضٍ، فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤْمَنُ عَلَيْهِمُ التَّلَفُ مِنْ ضَرْبِهَا، فَإِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ صَارُوا مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ وَتَوَجَّهَ نَحْوَهُمُ الْخِطَابُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ فِعْلُ الطَّهَارَةِ والصلاة وجميع العبادات

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " فَمَنِ احْتَلَمَ أَوْ حَاضَ أَوِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لَزِمَهُ الْفَرْضُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
أَمَّا الْبُلُوغُ فِي الْغِلْمَانِ، فَقَدْ يَكُونُ بِالسِّنِّ وَالِاحْتِلَامِ، فَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَهُوَ الْإِنْزَالُ، وَهُوَ الْبُلُوغُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] . وَأَمَّا السِّنُّ فَإِذَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً صَارَ بَالِغًا لِحَدِيثِ ابْنِ عمر وخالفه أبو حنيفة فِي سِنِّ الْبُلُوغِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ مَعَهُ فِي كِتَابِ " الْحَجِّ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَّا غِلَظُ الصَّوْتِ، وَاخْضِرَارُ الشَّارِبِ، وَنُزُولُ الْعَارِضَيْنِ، فليس ببلوغ لا يختلف، فأما إِنْبَاتُ الشَّعْرِ فِي الْعَانَةِ فَإِنْ كَانَ زَغَبًا لَمْ يَكُنْ بُلُوغًا، وَإِنْ كَانَ شَعْرًا قَوِيًّا كان بلوغاً في المشركين، ولما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَكَمَ بِقَتْلِ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِذَلِكَ، وَقَالَ: " لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ أَرْقِعَةٍ، يَعْنِي: سَبْعَ سموات.
قَالَ وَكُنَّا نَكْشِفُ مُؤْتَزَرَهُمْ فَمَنْ أَنْبَتَ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ جَعَلْنَاهُ فِي الذَّرَارِيِّ.
فَأَمَّا حُكْمُنَا فِي بُلُوغِ الْمُشْرِكِينَ بِالْإِنْبَاتِ فَهَلْ هُوَ بُلُوغٌ فِيهِمْ حَقِيقَةً أَوْ دَلَالَةٌ عَلَى بُلُوغِهِمْ، عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بُلُوغٌ فِيهِمْ وَالثَّانِي: أنه دلالة على بلوغهم، فإن قُلْنَا: إِنَّهُ بُلُوغٌ فِيهِمْ كَانَ بُلُوغًا فِي الْمُسْلِمِينَ كَالِاحْتِلَامِ، وَإِذَا قُلْنَا دَلَالَةٌ فِيهِمْ فَهَلْ يَكُونُ دَلَالَةً فِي الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يَكُونُ دَلَالَةً فِيهِمْ وَالثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ لَا يَكُونُ دَلَالَةً وَلَا يَحْكُمُ فِي بُلُوغِهِمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُ الْمُسْلِمَ فِي الْإِنْبَاتِ إِذَا جُعِلَ بُلُوغًا، لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ فِيهِ تَخْفِيفَ أَحْكَامِهِ فَلَهُ حَجْرُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ، وَقَبُولُ شَهَادَتِهِ وَكَوْنُهُ مِنْ أهل الولايات، والكافر غير منهم لِأَنَّ أَحْكَامَهُ تُغَلَّظُ فَيُقْتَلُ إِنْ كَانَ حَرْبِيًّا، وَلَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ إِنْ كَانَ وَثَنِيًّا، وَتُؤْخَذُ جِزْيَتُهُ إِنْ كَانَ كِتَابِيًّا وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى جَعْلِ الْإِنْبَاتِ بُلُوغًا فِي الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْسَابِهِمُ الَّتِي لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إِلَى جَعْلِ الْإِنْبَاتِ بُلُوغًا فِيهِمْ، فَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَتَبْلُغُ بِجَمِيعِ مَا يَبْلُغُ بِهِ الْغُلَامُ وَتَبْلُغُ أَيْضًا بِشَيْئَيْنِ آخَرَيْنِ: وَهُمَا الْحَيْضُ وَالْحَمْلُ فَأَمَّا الْحَيْضُ فَبُلُوغٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُنظر إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا " وَأَمَّا الْحَمْلُ فَيُعْلَمُ بِهِ سِنُّ الْبُلُوغِ إِلَّا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ بُلُوغٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلق من ماءٍ دافق يخرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلب وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 45، 46] فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْحَمْلَ يُخْلَقُ مِنْ مَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَتَرَائِبِ النِّسَاءِ، فَعُلِمَ بِالْحَمْلِ وُجُودُ الْإِنْزَالِ مِنْهَا فَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَيَكُونُ بَالِغًا بِالسِّنِّ، فَأَمَّا الْحَيْضُ وَالْإِنْزَالُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحِيضَ وَالثَّانِي: أَنْ يُنْزِلَ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجْمَعَ الْأَمْرَيْنِ الْحَيْضَ وَالْإِنْزَالَ.
فَأَمَّا الْحَيْضُ وَحْدَهُ فَلَا يَكُونُ بُلُوغًا فِيهِ بِحَالٍ، سَوَاءٌ خَرَجَ دَمُ الْحَيْضِ مِنْ فَرْجِهِ أَوْ ذَكَرِهِ أَوْ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْإِنْزَالُ وَحْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَكَرِهِ لَمْ يَكُنْ بُلُوغًا لِجَوَازِ كَوْنِهِ امْرَأَةً، وَإِنْ كَانَ مِنْ فَرْجِهِ لَمْ يَكُنْ بُلُوغًا لِجَوَازِ كَوْنِهِ رَجُلًا؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ فَرْجِهِ وَذَكَرِهِ مَعًا كَانَ بُلُوغًا يَقِينًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ بَلَغَ بِالْإِنْزَالِ مِنْ ذَكَرِهِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ بَلَغَتْ بِالْإِنْزَالِ مِنْ فَرْجِهَا، وَأَمَّا الْإِنْزَالُ وَالْحَيْضُ إِذَا اجْتَمَعَا فَإِنْ كَانَا مَعًا مِنْ فَرْجِهِ لَمْ يَكُنْ بُلُوغًا وَإِنْ كَانَا مَعًا مِنْ ذَكَرِهِ لَمْ يَكُنْ بُلُوغًا، وَإِنْ كَانَ الْإِنْزَالُ مِنْ ذَكَرِهِ وَدَمُ الْحَيْضِ مِنْ فَرْجِهِ فمذهب الشافعي أنه بلوغ لجمع بَيْنَ بُلُوغِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " " إِنْ أَنْزَلَ وَحَاضَ لَمْ يَكُنْ بُلُوغًا " وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا ثَانِيًا، وَإِنَّمَا لَهُ أَحَدُ تَأْوِيلَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ أَنْزَلَ أَوْ حَاضَ، فَأَسْقَطَ الْكَاتِبُ أَلِفًا وَإِنْ كَانَا مَعًا مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ

(بَابُ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِقَوْمٍ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَجَاءَ قَوْمٌ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ يَنْوُونَ الْعَصْرَ أَجْزَأَتْهُمُ الصَّلَاةُ جَمِيعًا وَقَدْ أَدَّى كُلٌّ فَرْضَهُ وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يُصَلِّيَ بِقَوْمِهِ هِيَ لَهُ نَافِلَةٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةٌ وَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ الْقُنُوتَ ثُمَّ يَعْتَدُّ بِهَا مِنَ الْعَتَمَةِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَبَنَى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَتَمَةِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَإِذَا جَازَ أَنْ يَأْتَمَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً خَلْفَ الْمُصَلِّي فَرِيضَةً فَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي فَرِيضَةً خَلْفَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً وَفَرِيضَةً وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: قَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ لِلْمُتَنَفِّلِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْمُفْتَرِضِ، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُفْتَرِضِ، فِي فَرْضَيْنِ مِثْلَيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، مِثْلُ الظُّهْرِ خَلْفَ الْعَصْرِ، أَوِ الْعَصْرُ خَلْفَ الظُّهْرِ، وَهَذَا أَوْسَعُ الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالزُّهْرِيِّ وَشُعْبَةَ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ نِيَّةُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِحَالٍ لَا فِي فَرْضٍ وَلَا فِي نَفْلٍ، فَلَا يَأْتَمُّ الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَلَا الْمُتَنَفِّلُ بِالْمُفْتَرِضِ، وَلَا الْمُفْتَرِضُ بالمقترض فِي فَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، حَتَّى يَكُونَا مِثْلَيْنِ، فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَهَذَا أَضْيَقُ الْمَذَاهِبِ وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة، يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ الْمُتَنَفِّلُ بِالْمُفْتَرِضِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَلَا الْمُفْتَرِضُ بِالْمُفْتَرِضِ فِي فَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ مِنَ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى تَبَايُنِ مَذَاهِبِهِمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ " فَكَانَ أَمْرُهُ بالإتمام عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِ أَوْ خَفِيَ مِنْ نِيَّتِهِ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ " وَفِي اخْتِلَافِ النِّيَّةِ اخْتِلَافُ الْقُلُوبِ، قَالُوا وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ الِاقْتِدَاءُ فِيهَا بِالْإِمَامِ كَالْمُصَلِّي الْجُمُعَةَ خَلْفَ الْمُصَلِّي الظُّهْرَ

قَالُوا: وَلِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَ إِمَامَهُ فِي مَفْرُوضِ صَلَاتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَادِحًا فِيهَا، قِيَاسًا عَلَى مُخَالِفِيهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ مَا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَرَجَ إِلَى بَطْنِ النَّخْلِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ بَنِي سُلَيْمٍ، فَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ فَرِيقَيْنِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ ". وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، وَقِيلَ صَلَاةُ الْعَصْرِ وروي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى بِطَائِفَةٍ الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَسَلَّمَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فرضه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَالْأُخْرَى نَافِلَةٌ، وَكِلَاهُمَا لِلْمَأْمُومِينَ فَرِيضَةٌ، فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي كَانُوا يُصَلُّونَ الْفَرْضَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قُلْنَا: إِعَادَةُ الْفَرْضِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَلَا مَرْوِيٍّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ خَمْسِينَ صَلَاةً أَمَرَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، ثُمَّ رَدَّهَا بِشَفَاعَتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى خَمْسٍ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْفَرْضُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَفْرِضْهَا عَشْرًا، وَلَا أَمَرَ بِإِعَادَةِ فَرْضٍ مِنْهَا بَعْدَ صِحَّةِ أَدَائِهَا، أَلَا تَرَى إِلَى مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْوَادِي وَصَلَّى الصُّبْحَ قِيلَ لَهُ: أَتَقْضِي الصُّبْحَ فِي وَقْتِهَا مِنَ الْغَدِ؟ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا ثُمَّ يَأْمُرُكُمْ بِهِ ". وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَنِي سَلَمَةَ فَيُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى مَعَهُ وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَصَلَّاهَا بِهِمْ، وَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَخَرَجَ رجل من صلاته فأتم لنفسه، فلما قِيلَ لَهُ نَافَقْتَ؟ فَقَالَ: آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَسْأَلُهُ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ مُعَاذًا يُصَلِّي مَعَكَ، ثُمَّ يُصَلِّي بِنَا وَإِنَّكَ أَخَّرْتَ الْعِشَاءَ، فَصَلَّى مَعَكَ ثُمَّ صَلَّى بِنَا، وَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ وَنَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لمعاذ: أقتانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ سُورَةِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى؛ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُؤَدِّي فَرْضَهُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، ثُمَّ يُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ، فَتَكُونُ لَهُمْ فَرِيضَةً وَلَهُ نافل فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُ أبي حنيفة: كَانَتْ صَلَاتُهُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَافِلَةً، وَبِقَوْمِهِ فَرِيضَةً، قِيلَ: هَذَا لَا يَصِحُّ لثلاثة أشياء:

أَحَدُهَا: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ يَقُولُ: كَانَ معاذٌ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ، هِيَ لَهُمْ فَرِيضَةٌ وَلَهُ نَافِلَةٌ " وَجَابِرٌ لَا يَقُولُ هَذَا إِلَّا عَنْ عِلْمٍ وَالثَّانِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ " فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُعَاذٍ مَعَ سَمَاعِ هَذَا أَنْ يُصَلِّيَ النَّافِلَةَ عِنْدَ قِيَامِ الْمَكْتُوبَةِ وَالثَّالِثُ: أن معاذ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فَرْضَهُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِهِ إِمَامًا بِقَوْمِهِ، وَهُوَ لَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَفْضَلَ الْحَالَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ اخْتِيَارُ أَنْقَصِهِمَا وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ قَالَ: " يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " قَالَتْ بَنُو سَلَمَةَ هَذَا أَقْرَؤُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَعْنُونَ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ، وَكَانَ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يؤمُّكم مُعَاذٌ، إِنَّ صَلَاةَ غَيْرِ الْبَالِغِ نَافِلَةٌ لَهُ، فَقَدْ جَوَّزَ لِلْمُفْتَرِضِينَ أَنْ يُصَلُّوا خَلْفَهُ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَسَمِعَ مِنْ خَلْفِهِ صَوْتًا، فَقَالَ عَزَمْتُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُ هَذَا إِلَّا قَامَ فَتَوَضَّأَ وَأَعَادَ صَلَاتَهُ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أَعَادَ الثَّانِيَةَ فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ بَلْ قَالَ لَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَوْ عَزَمْتَ عَلَيْنَا كُلِّنَا فَقُمْنَا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ كُنْتُ سَيِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسَيِّدًا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ عَزَمْتُ عليكم كلكم وأنا معكم ثم مضوا فتوضؤا وَعَادُوا فَصَلَّى بِهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فَكَانَتْ صَلَاةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَافِلَةً، وَصَلَاةُ مَنْ خَرَجَتْ مِنْهُ الرِّيحُ فَرِيضَةً، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُتَّفِقَتَانِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ تُؤَدَّى جَمَاعَةً وَفُرَادَى فَجَازَ أَنْ تُؤَدَّى إِحْدَاهُمَا خَلْفَ الْأُخْرَى أَصْلُهُ: مَعَ أبي حنيفة صَلَاةُ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ وَقَوْلُنَا: مُتَّفِقَتَانِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ، احْتِرَازًا مِنَ الْمُفْتَرِضِ يُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي " الْكُسُوفَ "، وَقَوْلُنَا: فُرَادَى احْتِرَازًا مِنَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الظُّهْرِ، وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَمَّا اشْتُرِطَتْ لِلْفَضِيلَةِ لَا لِلْفَرِيضَةِ جَازَ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي النِّيَّةِ، كَالنَّوَافِلِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْمُسَاوَاةُ فِي النية شرطاً معتبر المنع الْمُتَنَفِّلَ مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّيَّةِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي النِّيَّةِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ "

قُلْنَا: الْمُرَادُ بِهِ الِاقْتِدَاءُ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ أَفْعَالِهِ دُونَ نِيَّتِهِ، وَمَا خَفِيَ مِنْ أَفْعَالِهِ لِأَنَّ فِي الِابْتِدَاءِ بِهَا تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، فَلَمْ يَصْرِفِ الْخَبَرَ إلا إلى أَمْكَنَ تَكْلِيفُهُ مِنْ أَفْعَالِهِ الظَّاهِرَةِ، أَلَا تَرَاهُ قال: فإذا كبر فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ " وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْجُمُعَةِ، فَالْمَعْنَى فِي الْجُمُعَةِ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِهَا الْإِمَامُ كَانَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يُوَافِقَ نِيَّةَ الْإِمَامِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ شَرْطًا فِي سَائِرِ الْفَرَائِضِ لَمْ تَكُنْ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِي النِّيَّةِ شَرْطًا فِيهَا وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَدِلُّ بِهِ حَنَفِيًّا: انْتَقَضَ عَلَيْهِ بِالْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ، وَإِنْ كَانَ مَالِكِيًّا: قيل قياسك هذا يعترض عليه بالسنة الثانية وَالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ، وَيَنْكَسِرُ بِصَلَاةِ الْمُقِيمِ خَلْفَ الْمُسَافِرِ قَدِ اخْتَلَفَتْ نِيَّاتُهُمَا وَتَفَاضَلَتْ أَفْعَالُهُمَا؟ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَأَنْتَ مَعَهُمْ عَلَى جَوَازِهَا ثُمَّ يُقَالُ لأبي حنيفة قَدْ نَاقَضْتَ أَصْلَكَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا: أَنَّكَ مَنَعْتَ مِنَ اخْتِلَافِ الْفَرْضَيْنِ وَأَجَزْتَ النَّذْرَ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ وَإِنْ قَالَ صَلَاةُ النَّذْرِ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ فَرْضًا قِيلَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا، ثُمَّ فِي الْمَنْعِ مِنَ اخْتِلَافِ الْفَرْضَيْنِ هُوَ أَنَّ نِيَّةَ الْمَأْمُومِ تَضَمَّنَتْ زِيَادَةً لَمْ تَتَضَمَّنْهَا نِيَّةُ إِمَامِهِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَنْذُورَةِ وَالثَّانِي: أَنَّكَ قُلْتَ إِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ لِسَهْوٍ وَقَعَ فِيهَا ثُمَّ أَدْرَكَهُ مُؤْتَمٌّ فَأَحْرَمَ خَلْفَهُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ سُجُودُ السَّهْوِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَفِي هَذَا نَقْضٌ لِأَصْلِكَ، فَإِنْ قَالَ: سُجُودُ السَّهْوِ عِنْدِي وَاجِبٌ، فَقَدْ صَلَّى مُفْتَرِضٌ خَلْفَ مفترض

قِيلَ: لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عِنْدِي فَلَا نَقُولُ إِنَّهُ فَرْضٌ، وَلَوْ جَعَلْتَهُ فَرْضًا لَمْ يَكُنْ ظُهْرًا، وَأَنْتَ تَمْنَعُ مِنَ اخْتِلَافِ الْفَرْضَيْنِ وَالثَّالِثُ: إِنْ قُلْتَ لَوْ صَلَّى بِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فَلَوْ سَهَا الْإِمَامُ فَصَلَّاهَا كَانَتْ فَرْضَهُ، وَكَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْجَمَاعَةِ نَافِلَةً فَأَجَزْتَ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ النَّافِلَةِ فَإِنْ قِيلَ كَانَتْ لَهُمْ فَرْضًا حِينَ أَمَّهُمْ، وَإِنَّمَا صَارَتْ نَافِلَةً لِفِعْلِهِ الْجُمُعَةَ فَقَدْ سَقَطَ الْفَرْضُ بِالْفَرْضِ قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ الْفَرْضَ إِذَا صَحَّ لَمْ يَنْقَلِبْ نَفْلًا، وَلَوْ جَازَ لَكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا جَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ فَرْضَهُمْ سَقَطَ حِينَ صَارَتْ صَلَاتُهُمْ نَافِلَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَحَسَّ الْإِمَامُ بِرَجُلٍ وَهُوَ رَاكِعٌ لَمْ يَنْتَظِرْهُ وَلْتَكُنْ صَلَاتُهُ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَالَ المُزني: وَرَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِانْتِظَارِهِ، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِتَقْدِيمِهَا عَلَى مَنْ قَصَّرَ فِي إِتْيَانِهَا، وَهَذَا كَمَا قَالَ انْتِظَارُ الْإِمَامِ فِي صَلَاتِهِ قَوْمًا يُدْرِكُونَ الْجَمَاعَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبَانِ يُكْرَهَانِ وَضَرْبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأَمَّا الضَّرْبَانِ الْمَكْرُوهَانِ: فَأَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْتَظِرَ فِي صَلَاتِهِ اجْتِمَاعَ النَّاسِ وَتَكَاثُرَهُمْ، فَيُبْطِلُ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَقِرَاءَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ لِيَكْثُرَ جَمْعُهُمْ، وَيَتَلَاحَقَ آخِرُهُمْ بِأَوَّلِهِمْ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ انْتِظَارُهُ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ يَخُصُّهُ بِهِ، إِمَّا إِكْرَامًا لِذِي مَوَدَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ إِعْظَامًا لِذِي رِيَاسَةٍ أَوْ مَهَابَةٍ، فَهَذَانِ الضَّرْبَانِ مِنَ الِانْتِظَارِ مَكْرُوهَانِ لِأَنَّ فِيهِ إِسْقَاطَ حَقِّ السَّابِقِ الْحَاضِرِ بِانْتِظَارِ مَنْ لَيْسَ بِحَاضِرٍ، وَتَرْكَ الْخُشُوعِ بِقَضَاءِ الْحُقُوقِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: فَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَصُورَتُهُ: أَنْ يُحِسَّ الْإِمَامُ وَهُوَ رَاكِعٌ بِرَجُلٍ يُرِيدُ الدُّخُولَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَظِرْهُ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، كَانَ أَوْلَى وَأَفْضَلَ.
وَإِنِ انْتَظَرَهُ لِيُدْرِكَ الرَّكْعَةَ مَعَهُ جَازَ، وَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ وَيَكُونُ مُسِيئًا بِهِ أَمْ لَا، عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ: لَا يُكْرَهُ لَهُ وَلَا يَكُونُ مُسِيئًا بَلْ هُوَ مُبَاحٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة؛ فَقَدْ أَشْرَكَ بَيْنَ الْعَمَلِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وتعالى

وَبَيْنَ الْعَمَلِ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْإِشْرَاكَ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ، كَمَا وَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَفْتَى بِشِرْكِهِ وَإِبَاحَةِ دَمِهِ، فَأَخْرَجَهُ عَنِ الْمِلَّةِ بِوَهْمِهِ، وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى قَوْلِهِ وَكَيْفَ يَكُونُ مُشْرِكًا بِالِانْتِظَارِ وَقَدِ اسْتَحَبَّهُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَكَانَ أَصْحَابُنَا الْبَصْرِيُّونَ يُخَرِّجُونَ الْقَوْلَيْنِ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الْكَرَاهَةِ، فَإِذَا قِيلَ بِقَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ: فَوَجْهُهُ مَا رُوي عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ صَلَّى وَأَجْلَسَ الْحَسَنَ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ رَكِبَ الْحَسَنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، فَلَمَّا فَرَغَ قِيلَ لَهُ أَطَلْتَ السُّجُودَ.
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ ابْنِي رَكِبَنِي فَأَطَلْتُ السُّجُودَ لِيَقْضِيَ وَطَرَهُ ". فَلَمَّا اسْتَجَازَ بِطَوِيلِهِ لِيَقْضِيَ الْحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَطَرَهُ جَازَ انْتِظَارُ الدَّاخِلِ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِ " ذَاتِ الرِّقَاعِ " وَانْتَظَرَ الطَّائِفَةَ الْأُولَى قَائِمًا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ صَلَاتِهِ لِيُتِمَّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ انْتَظَرَ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ جَالِسًا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، لِيُتِمَّ صَلَاتَهَا ثُمَّ يُسَلِّمَ بِهَا، فَلَمَّا انْتَظَرَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الِانْتِظَارِ لِإِدْرَاكِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَإِذَا قِيلَ بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ فَوَجَّهَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ ". وَفِي انْتِظَارِهِ تَطْوِيلٌ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ وَتَثْقِيلٌ، وَلِأَنَّهُ يَسْقُطُ خُشُوعُهُ بِانْتِظَارِهِ وَتَوَقُّعِ مَجِيئِهِ، وَإِتْيَانُ مَا يُسْقِطُ الْخُشُوعَ مَكْرُوهٌ؛ وَلِأَنَّ انْتِظَارَهُ لِيُدْرِكَ الصَّلَاةَ مَعَهُ يَدْعُوهُ إِلَى تَرْكِ الْمُبَادَرَةِ وَالتَّوَانِي عَنِ الْإِسْرَاعِ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَإِذَا لَمْ يَنْتَظِرْهُ تَخَوَّفَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ فَارْتَدَعَ عَنِ الْإِبْطَاءِ وَانْزَجَرَ عَنِ التَّوَانِي فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ أَتَمَّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ لَمْ يَحِلَّ لِلْإِمَامِ انْتِظَارُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ الِانْتِظَارُ في وسط الصلاة أولى:

(مسألة)

: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيُؤْتَمُّ بِالْأَعْمَى وَالْعَبْدِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ أَمَّا الْعَبْدُ فَلَا تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أُوثِرُهَا وَلَا أَكْرَهُهَا، وَلَا أُوثِرُ إِمَامَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا أَكْرَهُ إِمَامَتَهُ وَأُوثِرُ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، يُرِيدُ أَنَّ إِمَامَةَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ سَوَاءٌ، غَيْرَ أَنَّ إِمَامَةَ الْبَصِيرِ أَفْضَلُ، وَلَوْ كَانَتْ إِمَامَةُ الْأَعْمَى لَا تُكْرَهُ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُمُ ابْنُ سِيرِينَ وَرُبَّمَا أُضِيفَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ كَرِهُوا إِمَامَةَ الْأَعْمَى، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَتَوَقَّى الْأَنْجَاسَ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقُومُ عَلَى صَوَابِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهَا وَيُصَوَّبَ نَحْوَهَا، فَاعْتَوَرَهُ النَّقْصُ بِهَذَيْنِ

وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مِرَارًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَكَانَ ضَرِيرًا.
وَكَانَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ يُصَلِّي بِقَوْمِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ويعلمه وَكَانَ ضَرِيرًا، لَا يَنْهَاهُ وَلَا يَأْمُرُ قَوْمَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلُوا بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَنْكَفَّ بَصَرُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ، فَيَكْثُرُ خُشُوعُهُ وَيُخْلِصُ قَلْبُهُ، وَلِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ عُضْوٍ وَفَقْدُ الْأَعْضَاءِ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْإِمَامَةِ كَالْأَقْطَعِ فَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ لَا يَتَوَقَّى الْأَنْجَاسَ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ طَهَارَتُهُ وَالشَّيْءَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ وَظَاهِرِهِ وَلَوِ اعْتَبَرْنَا هَذَا لَرَأَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الْبُصَرَاءِ بهذا الوصف فلم يكن الأعمى مختصاً به وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ يُرشد إِلَى الْقِبْلَةِ وَيُوَجَّهُ نَحْوَهَا، فَذَاكَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّا فِي وَقْتِ ائْتِمَامِهِمْ بِهِ فَإِنَّهُ عَلَى ثِقَةٍ مِنَ الْقِبْلَةِ وَيَقِينٍ كَالْبَصِيرِ

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِمَامَتُهُ جَائِزَةٌ وَلَا تُكْرَهُ، وَإِمَامَةُ الْحُرِّ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ مِجْلَزٍ أَنَّهُ كَرِهَ إِمَامَتَهُ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ إِمَامَتَهُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِنَقْصِهِ بِالرِّقِّ وَالدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ إِمَامَتِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِمَنْ وُلِّيَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ وُلّي عَلَيْكُمْ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ مَا أَقَامَ بِكُمُ الصَّلَاةَ ". وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى خَلْفَ مَوْلًى لَهُ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ صُهَيْبَ بْنَ سِنَانٍ الرُّومِيَّ فَصَلَّى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَكَانَ عَبْدًا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
فَلَمْ يَكْرَهْ إِمَامَتَهُ أحد من الصحابة، وروى المسور بن محزمة قَالَ: كُنَّا نَخْتَلِفُ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَجَمَاعَةٌ فَتَأْمُرُ عَبْدًا لَهَا يُقَالُ لَهُ أَبُو عَمْرٍو فَيُصَلِّي بِنَا عِنْدَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ إِمَامَتَهُ جَائِزَةٌ وَغَيْرُ مَكْرُوهَةٍ فَإِمَامَةُ الْحُرِّ أَفْضَلُ مِنْهُ، لِنَقْصِهِ بِرِقِّهِ وَكَمَالِ الْحُرِّ بَحُرِّيَّتِهِ، وَثُبُوتِ وِلَايَتِهِ وَجَوَازِ شَهَادَتِهِ، وَإِمَامَةُ الْحُرِّ الضَّرِيرِ أَفْضَلُ مِنْ إِمَامَةِ الْعَبْدِ الْبَصِيرِ، لِأَنَّ الرِّقَّ نَقْصٌ، فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ اسْتِئْذَانُ سَيِّدِهِ فِي الْإِمَامَةِ، قِيلَ إِنْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ بِقَدْرِ صَلَاتِهِ فِي الِانْفِرَادِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْذَانُهُ، وَإِنْ تَطَاوَلَ عَنْ حَدِّ الِانْفِرَادِ كَالْجُمُعَةِ لَزِمَهُ اسْتِئْذَانُهُ لِمَا فِيهَا مِنْ تَفْوِيتِ خِدْمَتِهِ (فَصْلٌ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَكْرَهُ إِمَامَةَ وَلَدِ الزِّنَا وَإِمَامَةَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَهَى رَجُلًا كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ.
فَإِنْ أَمَّ

قَوْمًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، لِرِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " يَؤُمُّكُمْ أقرؤُكم وَإِنْ كَانَ وَلَدَ زِنًا ". وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ التَّابِعِينَ الْفُضَلَاءَ صَلَّوْا خَلْفَ زِيَادٍ بِالْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ، وَهُوَ مِمَّنْ فِي نَسَبِهِ نَظَرٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِجَمَاعَةٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ بِقَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ " وَرُوِيَ " مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ صَلَّى بِقَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ " فَإِنْ أَمَّهُمْ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَإِيَّاهُمْ

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " وَأَكْرَهُ إِمَامَةَ مَنْ يُلْحِنُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُحِيلُ الْمَعْنَى، فَإِنْ لحن أَوْ لَفَظَ بِالْعَجَمِيَّةِ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْهُ دُونَهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا أَجْزَأَتْهُمْ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ أَمَّا اللحَنَة فِي الْقُرْآنِ فَإِمَامَتُهُ مَكْرُوهَةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " يؤمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ". وَاللُّحَنَةُ لَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَةَ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا سَمِعَهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ وَمَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ وَتُشْرَعُ الْقِرَاءَةُ بِهِ، فَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ فِي قِرَاءَتِهِ فَإِنْ أَمَّ مَنْ يَلْحَنُ وَصَلَّى النَّاسُ خَلْفَهُ جَمَاعَةٌ لَمْ يَخْلُ لَحْنُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْفَاتِحَةِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ.
فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ: فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُحِيلَ الْمَعْنَى بِلَحْنِهِ وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُحِيلَهُ فَإِنْ لَمْ يُحِلِ الْمَعْنَى بِلَحْنِهِ كَانَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ جَائِزَةً، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَوِّمَ لِسَانَهُ بِقَصْدِ الصَّوَابِ، وَمُعَاطَاةِ الْإِعْرَابِ وَإِنْ أَحَالَ الْمَعْنَى بِلَحْنِهِ فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْبِقَ بِهِ لِسَانُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا تَعَهُّدٍ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا

، فَصَلَ

اتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ، لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا وَجَبَ مِنَ الْقُرْآنِ سَلِيمًا وَكَانَ النَّقْصُ فِيمَا لَا يَضُرُّ تَرْكُهُ، فَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ وَلَا أَثَّرَ فِي صِحَّتِهَا وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ إِحَالَةَ الْمَعْنَى بِلَحْنِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالصَّوَابِ فِيهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ مَعَ إِسَاءَتِهِ وَإِثْمِهِ، لِأَنَّ إِحَالَةَ الْمَعْنَى تُزِيلُ إعجاز اللفظ، ويبطل حكمه، ويخرجه مِنْ جُمْلَةِ الْقُرْآنِ إِلَى جِنْسِ الْكَلَامِ، فَيَصِيرُ كَالْمُتَكَلِّمِ عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ، فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ، فَأَمَّا مَنْ خَلْفَهُ مِنَ

الْمَأْمُومِينَ فَإِنْ عَلِمُوا بِحَالِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ كَالْمُصَلِّي خَلْفَ جُنُبٍ وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَكُونَ لَحْنُهُ فِي الْفَاتِحَةِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُحِيلَ الْمَعْنَى بِلَحْنِهِ وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُحِيلَهُ، فَإِنْ لَمْ يُحِلِ الْمَعْنَى فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ، وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] بفتح الدال ﴿وإياك نستعين اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: 5، 6] بِكَسْرِ النُّونِ مِنْ نَسْتَعِينُ وَفَتْحِ الْأَلِفِ مِنَ اهْدِنَا، فَهَذَا اللَّحْنُ وَأَشْبَاهُهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِلَفْظِهِ وَإِنْ أَسَاءَ فِي الْعِبَارَةِ بِلَحْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ سُوءُ عِبَارَتِهِ مَعَ اسْتِيفَاءِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُؤَثِّرًا فِي صَلَاتِهِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُحِيلَ الْمَعْنَى بِلَحْنِهِ، كَقَوْلِهِ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ بِضَمِّ التَّاءِ، وَلَا الظَّالِّينَ بِالظَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ عَلَى الشَّيْءِ، لَا مِنَ الضَّلَالِ إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى.
فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِإِحَالَةِ الْمَعْنَى مَعَ مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ، فَهَذَا فَاسِقٌ بَلْ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنَادًا كَانَ كَافِرًا وَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَلَاتِهِ، عادل عن وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ بَاطِلَةٌ إِنْ عَلِمُوا بِحَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بحاله فصلاتهم جائزة، إلا أن يحكم بكفر الْإِمَامُ لِاسْتِهْزَائِهِ فَلَزِمَهُمُ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بحاله كالمؤتم الكافر وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِإِحَالَةِ الْمَعْنَى، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الصَّوَابِ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهَا سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ قِرَاءَةَ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ نَاسِيًا وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ سَلَامِهِ أَعَادَ قِرَاءَةَ مَا أَحَالَ مَعْنَاهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا عَرِيَتْ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ سَلَامِهِ وَقَدْ تَطَاوَلَ الزَّمَانُ.
فَفِي صَلَاتِهِ قَوْلَانِ مَضَيَا أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ وَالثَّانِي: جَائِزَةٌ وَأَمَّا مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَإِنْ جَوَّزْنَا صَلَاتَهُ فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ وَإِنْ أَبْطَلْنَا صَلَاتَهُ كَانَتْ صَلَاتُهُمْ بَاطِلَةٌ إِنْ عَلِمُوا بِحَالِهِ، وَجَائِزَةٌ إِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِحَالِهِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يِقْدِرَ عَلَى الصَّوَابِ إِمَّا لِبُطْءِ ذِهْنِهِ وَقِلَّةِ ضَبْطِهِ، أَوْ لِاضْطِرَابِ لِسَانِهِ وَتَعَذُّرِ اسْتِقَامَتِهِ، فَصَلَاتَهُ فِي نَفْسِهِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا لَا يُمْكِنُهُ الزِّيَادَةُ عليه.
فأما

صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي مِثْلِ حَالِهِ بِإِحَالَةِ الْمَعْنَى بِلَحْنِهِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ وَلِاسْتِوَائِهِمَا فِي النَّقْصِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَادِرًا عَلَى إِتْمَامِ الْقِرَاءَةِ بِإِصَابَةِ الْمَعَانِي وَاجْتِنَابِ اللَّحْنِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْقَارِئِ إِذَا صَلَّى خَلْفَ الْأُمِّيِّ فَيَكُونُ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، فَلَوِ اخْتَلَفَ لَحْنُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَأَحَالَ الْإِمَامُ بِلَحْنِهِ مَعْنَى كَلِمَةٍ أَصَابَ الْمَأْمُومُ مَعْنَاهَا، وَأَحَالَ مَعْنَى كَلِمَةٍ سِوَاهَا فَفِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَائِزَةٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اللَّحْنِ وَإِنِ اخْتَلَفَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بَاطِلَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ يَفْضُلُ عَلَى إِمَامِهِ فِيمَا قَصَّرَ عَنْهُ، وَإِنِ اعْتَوَرَهُ النَّقْصُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ وَيُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ لَا يَلْحَنُ فِيهِنَّ أَوْ لَا يُحْسِنُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسَبِّحُ وَلَا يَلْحَنُ، فَفِي إِيجَابِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ إِذَا صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُحِيلُ بِلَحْنِهِ مَعْنَى الْفَاتِحَةِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الْأَعْجَمِيُّ إِذَا لَفَظَ بِأَعْجَمِيَّةٍ فَأَحَالَ مَعْنَى الْكَلِمَةِ بِعَجَمِيَّتِهِ كَأَنَّهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِالْهَاءِ أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِالْحَاءِ مُعْجَمَةً، فَهَذَا مُحِيلٌ لِلْمَعْنَى بِكُلِّ حَالٍ، وَهِيَ اللُّكْنَةُ، لِأَنَّ اللُّكْنَةَ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى الْكَلَامِ اللُّغَةُ الْأَعْجَمِيَّةُ، وَالطَّمْطَمَةُ، أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مُشَبَّهًا بِكَلَامِ الْعَجَمِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَنْ أَحَالَ المعنى على ما مضى من الجواب سواه، وَقَدْ رَوَى عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ آلِ السَّائِبِ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمَكَّةَ وَكَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ فَأَخَّرَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَقَدَّمَ غَيْرَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهَمَّ بِالْمِسْوَرِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ فَكَانَ فِي الْحَجِّ فَخَشِيتُ أَنْ يَسْمَعَ بَعْضُ الْحَاجِّ فَيَأْخُذُ بِعَجَمِيَّتِهِ فَقَالَ لَهُ: أَصَبْتَ

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَكْرَهُ إِمَامَةَ مَنْ بِهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ، فإنْ أَمَّ أَجْزَأَ إِذَا قَرَأَ مَا يُجزئُ فِي الصَّلَاةِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ أَمَّا التَّمْتَمَةُ: فَهِيَ التَّرَدُّدُ فِي التَّاءِ، وَأَمَّا الْفَأْفَأَةُ فَهِيَ التَّرَدُّدُ فِي الْفَاءِ، فَتُكْرَهُ إِمَامَةُ التَّمْتَامِ وَالْفَأْفَاءِ؛ لِزِيَادَتِهِمْ عَلَى الْكَلِمَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، فَإِنْ أمُّوا جاز وصحت صلاته مَنِ ائْتَمَّ بِهِمْ، لِإِتْيَانِهِمْ بِالْوَاجِبِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَمَا أَتَوْهُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ، كَمَنْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ نَاسِيًا وَأَمَّا الْعُقْلَةُ فَهِيَ: الْتِقَاءُ اللِّسَانِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْكَلِمَةِ ثُمَّ تَأْتِي الْكَلِمَةُ سَلِيمَةً بَعْدَ جُهْدٍ فَهَذَا كَالتِّمْتَامِ تَجُوزُ إِمَامَتُهُ وَإِنْ كُرِهَتْ؛ وَكَذَلِكَ الرَّدَّةُ وَهِيَ: تَكَرُّرُ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ إِرَادَتِهَا مِنْ غَيْرِ تَمَالُكٍ لِلْإِمْسَاكِ عَنْهَا، فَأَمَّا الْغُنَّةُ فَهِيَ: أَنْ يَشْرَبَ صَوْتُ الْخَيْشُومِ، وَالْخُنَّةُ أَشَدُّ مِنَ الْغُنَّةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْإِمَامَةِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ تَأْتِي سَلِيمَةً

(مسألة)

: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَؤُمُّ الْأَرَتُّ، وَلَا الْأَلْتَغُ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْأَرَتُّ فَهُوَ: الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلِمَةِ إِلَّا بِإِسْقَاطِ بَعْضِهَا، وَأَمَّا الْأَلْتَغُ فَهُوَ: الَّذِي يَعْدِلُ بِحَرْفٍ إِلَى حَرْفٍ فَيَجْعَلُ الرَّاءَ غَيْنًا وَاللَّامَ يَاءً وَالسِّينَ شِينًا، فَإِمَامَةُ هَذَيْنِ غير جائرة إِلَّا لِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِمَا؛ وَإِنَّمَا لم تجز إمامتها، لِأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ بِجَمِيعِ حُرُوفِهَا، فَإِذَا عَدَلَ بِحَرْفٍ مِنْهَا أَوْ تَرَكَهُ كَانَ كَمَنْ تَرَكَ جَمِيعَهَا، فَإِنِ ائْتَمَّ بِهِمَا قَارِئٌ سَلِيمُ اللِّسَانِ كَانَ كَالْقَارِئِ الْمُصَلِّي خَلْفَ أُمِّيٍّ، فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ، فَلَوِ اخْتَلَفَتْ لُغَةُ رَجُلَيْنِ فَقَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَرْفًا أَتَى بِهِ الْآخَرُ سَلِيمًا لَمْ يَجُزْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْجِزُ عَنْ صَاحِبِهِ فِي الْحَرْفِ الَّذِي أَتَى بِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِيهِ، وَيَجُوزُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي النَّقْصِ، فَأَمَّا الْحُبْسَةُ فِي اللِّسَانِ فَهُوَ تَعَذُّرُ الْكَلَامِ عِنْدَ إِرَادَتِهِ وَأَمَّا اللَّفَفُ فَهُوَ: إِدْخَالُ حَرْفٍ فِي حَرْفٍ وَالْعَمْعَمَةُ: أَنْ يُسْمِعَ الصَّوْتَ وَلَا يُبَيِّنَ لَكَ تَقْطِيعَ الْحُرُوفِ؛ وَالْكَلَامُ فِي إِمَامَتِهِ هُوَ كَالْكَلَامِ فِي الْأَرَتِّ، وَالْأَلْتَغِ سَوَاءٌ، فَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحَرِّكَ لِسَانَهُ بِالْقِرَاءَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ نَاطِقًا وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ أَخَرَسَ (القول في إمامة الرجل المرأة)

(مسألة) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَأْتَمُّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلَا بِخُنْثَى، فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْمَرْأَةِ بِحَالٍ، فَإِنْ فِعَلَ أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَهَذَا قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَإِنَّهُ شَذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ فَجَوَّزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْمَرْأَةِ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يؤم القوم أقرأهم ". قَالَ: وَلِأَنَّ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِالرِّجَالِ صح أن يكون إما ما لِلرِّجَالِ كَالرِّجَالِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ نَقْصَ الرِّقِّ أَشَدُّ مِنْ نَقْصِ الْأُنُوثِيَّةِ، بِدَلَالَةِ أَنَّ الْعَبْدَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقْتَلَ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ بِالْعَبْدِ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إِمَامًا لِلْأَحْرَارِ كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِإِمَامَتِهِمْ أَوْلَى وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 23] قال الشافعي فقصرت مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُنَّ وِلَايَةٌ وَقِيَامٌ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أخِّروهن مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ "، فَإِذَا وَجَبَ تَأْخِيرُهُنَّ حَرُمَ تَقْدِيمُهُنَّ؛ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَى امْرَأَةٍ " ولأن المرأة عورة، وفي إمامتها افتنان بِهَا؛ وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - التَّصْفِيقَ لَهَا بَدَلًا مِنَ التَّسْبِيحِ لِلرَّجُلِ فِي نوائب الصلاة

خَوْفًا مِنَ الِافْتِتَانِ بِصَوْتِهَا، وَكَذَلِكَ فِي الِائْتِمَامِ بِهَا، وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ وِلَايَةٌ وَمَوْضِعُ فَضِيلَةٍ وَلَيْسَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ، أَلَا تَرَاهَا لَا تَلِي الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى وَلَا الْقَضَاءَ وَلَا عَقْدَ النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ إِمَامَةُ الصَّلَاةِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ " فَالْقَوْمُ يَنْطَلِقُ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نساءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11] . فَلَوْ دَخَلَ النِّسَاءُ فِي الْقَوْمِ لَمْ يُعِدْ ذِكْرَهُنَّ فِيمَا بَعْدُ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: (وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم الحصن أَمْ نِسَاءُ)

فَأَمَّا الرَّجُلُ: فَالْمَعْنَى فِيهِ كَوْنُهُ من أهل الولايات، وممن لا يخشى الافتنان بِصَوْتِهِ؛ وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلِأَنَّ نَقْصَ الرِّقِّ دُونَ نَقْصِ الْأُنُوثِيَّةِ، لِأَنَّهُ عَارِضٌ يَزُولُ وَالْأُنُوثِيَّةُ نَقْصٌ ذَاتِيٌّ لَا يَزُولُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي الْعَبْدِ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهِ

(فصل: [القول في إمامة الخنثى] )

لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْخُنْثَى، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَلَا لِلْخُنْثَى أَنْ يَأْتَمَّ بِالْمَرْأَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، لَكِنْ يَجُوزُ للخنثى أن يأتم بالرجل والمرأة والخنثى، فَلَوِ ائْتَمَّ رَجُلٌ بِخُنْثَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِحَالِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ عَلِمَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ، فَلَوْ لَمْ يُعِدْ حَتَّى بَانَ أَنَّ الْخُنْثَى رَجُلٌ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَوِ ائْتَمَّ بِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ خُنْثَى فَلَمْ يُعِدْ حَتَّى بَانَ أَنَّهُ رَجُلٌ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَ بِحَالِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ وَقَدْ خُرِّجَ فِيهَا قَوْلٌ آخَرُ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ رَأَى سَوَادًا فَظَنَّ أَنَّهُمْ عَدْوٌ فَصَلَّى صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّهُمْ غَيْرُ عَدُوٍّ، وَلَكِنْ لَوِ ائْتَمَّ خُنْثَى بِامْرَأَةٍ فَلَمْ يُعِدْ حَتَّى بَانَ أَنَّ الْخُنْثَى امْرَأَةٌ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ إِحْرَامَهُ انْعَقَدَ فَاسِدًا، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ إِمَامَهُ امْرَأَةٌ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ عَلِمَ فَلَمْ يُعِدْ حَتَّى بَانَ امْرَأَةً فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ، كَمَا إِذَا عَلِمَ بِحَالِهَا عِنْدَ إِحْرَامِهِ، وَيَجِيءُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ أَنَّ خُنْثَى مُشْكِلًا زَالَ عَنْهُ الْإِشْكَالُ وَبَانَ امْرَأَةً كَرِهْنَا لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِامْرَأَةٍ فَإِنِ ائْتَمَّ بِهَا جَازَ، لِأَنَّا قَدْ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ امْرَأَةً، وَلَوْ بَانَ رَجُلًا كَرِهْنَا لِغَيْرِهِ مِنَ الرِّجَالِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ فَإِنِ ائْتَمَّ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يُعِدْ لِأَنَّا قَدْ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ رَجُلًا، وَاللَّهُ تعالى أعلم بالصواب

(مسألة)

: فَأَمَّا الصَّبِيُّ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَيَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِهِ فِي الْفَرَائِضِ كُلِّهَا إِذَا كَانَ مُرَاهِقًا، إِلَّا الْجُمُعَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ

وَقَالَ أبو حنيفة: لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَا تَجُوزُ إِمَامَتُهُ وَهَذَا خَطَأٌ لِرِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: كنتُ بالحاضرة وكان كل مَنْ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَمُرُّ بِنَا فَإِذَا رَجَعَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَذَا وَكَذَا فَأَحْفَظُ، وَكُنْتُ عَاقِلًا حَافِظًا، فَحَفِظْتُ أَكْثَرَ الْقُرْآنِ ثُمَّ انْطَلَقَ بِي قَوْمِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفْدًا، فَعَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ وَقَالَ يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَقَالُوا هَذَا أَقْرَؤُنَا يَعْنُونَنِي فَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ وَعَلَى جَنَائِزِهِمْ وَأَنَا ابْنُ تِسْعٍ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا نَأْخُذُ الصِّبْيَانَ مِنَ الْكُتَّابِ لِيُصَلُّوا بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَنَعْمَلُ لَهُمُ الْقَبَلِيَّةَ وَالْحَسَكَاتِ

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " وأكرَه إِمَامَةَ الْفَاسِقِ، وَالْمُظْهِرِ لِلْبِدَعِ، وَلَا يُعِيدُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِمَا " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ صَحِيحٌ، أَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] . أَيْ خَرَجَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: فُلَانٌ فَاسِقٌ إِذَا كَانَ عريان قَدْ تَجَرَّدَ مِنْ أَثْوَابِهِ، وَتَقُولُ: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا؛ فَالْفَاسِقُ فِي دِينِهِ: هُوَ الْخَارِجُ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِكُرِهَ إِمَامَتُهُ، وَيُمْنَعُ مِنْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ " فَأَجْهَرَ بِالْفَضْلِ فِي الذِّكْرِ وَنَبَّهَ عَلَى الْفَضْلِ فِي غَيْرِ الذِّكْرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أصلحكم وأودعكم وَأَرْشَدُكُمْ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لِيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ ". وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " انْتَقِدُوا أَئِمَّتَكُمُ انْتِقَادَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ " فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ إِمَامَةَ الْفَاسِقِ مَمْنُوعٌ مِنْهَا فَالْفِسْقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْمِلَّةِ وَيُبَايِنَ بِهِ أَهْلَ الشَّرِيعَةِ وَيَصِيرَ بِهِ كَافِرًا، كَشَارِبِ الْخَمْرِ بِعَيْنِهَا وَيَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهَا وَتَحْلِيلَهَا، أَوْ مَنْ زَنَى أَوْ لَاطَ مُصِرًّا لَا يَرَى ذَلِكَ حَرَامًا، وَلَا أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَإِذَا اسْتَحَلَّ الْأَمْوَالَ الْمَحْظُورَةَ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوِ اسْتباح سَفْكَ الدِّمَاءِ الْمَحْقُونَةِ اجْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ الْفِسْقِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِمَامَتُهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ، فَمَنِ ائْتَمَّ بِهِ كَانَ كَمَنِ ائْتَمَّ بِكَافِرٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ الْحُكْمَ فِيهِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنَ الْفِسْقِ مَا لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ، وَلَا يُبَايِنُ بِهِ أَهْلَ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْفِعْلِ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي الِاعْتِقَادِ.
فَالْفَاسِقُ بِفِعْلِهِ ك " شارب الْخَمْرِ " نَادِمًا، وَالْمُقْدِمِ عَلَى

الْمَحْظُورَاتِ خَائِفًا مُسْتَنْفِرًا، وَالْفَاسِقُ بِاعْتِقَادِهِ كَمَنْ يَرَى سَبَّ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَتَكْفِيرَهُمْ كَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ فَهَذَانِ الضَّرْبَانِ مِنَ الْفِسْقِ لَا يَكُونُ بِهِمَا كَافِرًا وَإِمَامَةُ مَنْ هَذَا وَصْفُهُ مَكْرُوهَةٌ وَلَا إِعَادَةَ عَلَى مَنِ ائْتَمَّ بِهِ قَالَ مَالِكٌ: الْفَاسِقُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَفِي الْمُتَأَوِّلِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ

وَالدَّلَالَةُ عَلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، رِوَايَةُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ.
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَسًا صَلَّوْا خَلْفَ الْحَجَّاجِ، وَكَفَى بِهِ فَاسِقًا، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا صَحَّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا كَالْعَدْلِ (الْقَوْلُ فِي صلاة القارئ خلف الأمي)

(مسألة)

: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ بِمَنْ يَقْرَأُ أَعَادَ الْقَارِئُ وإن ائتم به مثله أجزأه (قال المزني) قد أجاز صلاة من ائتم بجنب والجنب ليس في صلاة فكيف لا يجوز من ائتم بأمي والأمي في صلاة وقد وضعت القراءة عن الأمي ولم يوضع الطهر عن المصلي وأصله أن كلا مصل عن نفسه فكيف يجزئه خلف العاصي بترك الغسل ولا يجزئه خلف المطيع الذي لم يقصر وقد احتج بان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى قاعداً بقيام وفقد القيام أشد من فقد القراءة فتفهم (قال المزني) القياس أن كل مصل خلف جنب وامرأة ومجنون وكافر يجزئه صلاته إذا لم يعلم بحالهم لأن كل مصل لنفسه لا تفسد عليه صلاته بفسادها على غيره قياساً على أصل قول الشافعي في صلاة الخوف للطائفة الثانية ركعتها مع الإمام إذا نسي سجدةً من الأولى وقد بطلت هذه الركعة الثانية على الإمام وأجزأتهم عنده (قال) ولا يكون هذا أكثر ممن ترك أم القرآن فقد أجاز لمن صلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وإن لم يقرأ بها إمامُهُ وهو في معنى ما وصفت " قال الماوردي: أما الأمي في اللسان فَهُوَ: الْبَاقِي عَلَى أُمِّيَّتِهِ يَعْنِي: عَلَى خِلْقَتِهِ الأولة لَا يَعْلَمُ شَيْئًا وَكُلُّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا وَلَا يَعْلَمُهُ جَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أُمِّيٌّ من ذَلِكَ الشَّيْءِ لَكِنَّ الَّذِي أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ أُمِّيٌّ هُوَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ قَارِئٌ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، فَإِنِ ائْتَمَّ بِهِ وَكَانَ عَالِمًا بِحَالِهِ عِنْدَ إِحْرَامِهِ فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، لِفَسَادِ إِحْرَامِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ نَصَّ فِي الْجَدِيدِ؛ أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ مَعًا

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَعَلَيْهِ نَصٌّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ فِي الْقَدِيمِ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَأَوْجَبَهَا فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَلَى الْجَدِيدِ تَعْلِيلُهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ فِي الْقَدِيمِ فَقَالَ: لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَأْتِي بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةٍ يُسِرُّ فِيهَا وَلَا تَلْزَمُهُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا، وَهُوَ فِي الْجَدِيدِ يَرَى وُجُوبَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ مَعًا فَإِنْ قِيلَ: بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَسُقُوطِ الْإِعَادَةِ فِيهِ؛ فَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ وَهُوَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا صَحَّتْ خَلْفَ الْجُنُبِ وَالْجُنُبُ عَاصٍ لَا طَهَارَةَ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ صَلَاتِهِ، فَالْأُمِّيُّ الَّذِي لَيْسَ بعاصٍ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ يَصِحُّ مِنْهُ جَمِيعُ أَرْكَانِ صَلَاتِهِ، إِلَّا الْقِرَاءَةَ الَّتِي قَدِ انْتَقَلَ إِلَى بَدَلِهَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَلِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِمَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ الرُّكْنِ أَصْلُهُ: ائْتِمَامُ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ وَهَذَا نُكْتَةُ هَذَا الْقَوْلِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لَوْ نَسِيَ سجدة من الركعة الأولة حَتَّى قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ ثُمَّ أَحْرَمَتِ الطَّائِفَةُ الثانية خلفه كان عمله في الثانية كلا عَمَلٍ، إِلَّا السَّجْدَةَ يَجْهَرُ بِهَا الْأُولَى، وَصَحَّتْ لِلطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ رَكْعَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا، فَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي خَلْفَ أُمِّيٍّ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّ فَقْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا تُؤَثِّرُ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَوُجُوبِ الْإِعَادَةِ هُوَ أَظْهَرُ الْأَقَاوِيلِ وَأَصَحُّهَا رواية ابن مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " يؤم القوم أقرأهم لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " وَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " يؤمكم أقرأكم " فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهَا، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنِ الْمَأْمُومِ إِذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا وقراءة السُّورَةَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَإِذَا كَانَ أُمِّيًّا لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ لَمْ تَصِحَّ إِمَامَتُهُ وبهذا المعنى فرقنا بين الأمي والجنب، والقاعدة؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَالْقِيَامَ لَا يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ فَلَمْ يَكُنْ فَقْدُهُمَا قَادِحًا فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا إِذَا نَسِيَ سَجْدَةً مِنَ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الخوف ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي الثَّانِيَةِ قَائِمًا اعْتَدَّ بِهَا للمأموم لِأَنَّ الْإِمَامَ مِنْ أَهْلِ الْقِرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ، وَالْأُمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ الْعِلَّةُ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ عَدَمُ الْقِرَاءَةِ وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِيهَا أَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا أَلَا تَرَى لَوْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا فَنَسِيَ الْقِرَاءَةَ جَازَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، لِأَنَّ إِمَامَهُ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الْإِمَامُ الْأُمِّيُّ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ وَقَالَ أبو حنيفة: صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ بَاطِلَةٌ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ

عَنِ الْمَأْمُومِ وَإِذَا تَضَمَّنَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهَا وَالْأُمِّيُّ عَاجِزٌ عَنْهَا وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ... وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ كُلَّ مَنِ ائْتَمَّ بِغَيْرِهِ فِي صَلَاةٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَجَبَ إِذَا أَمَّهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ أَنْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَصْلُهُ الْإِمَامُ الْأُمِّيُّ بَدَلًا مِنَ الْقَارِئِ بِالْقَارِئِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ إِذَا أُئِم بِمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لَهُ أَصْلُهُ: إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ وَلِأَنَّ الْأُصُولَ كُلَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ فَسَادَ صَلَاةِ الْإِمَامِ تَتَعَدَّى إِلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَلَا يَتَعَدَّى فَسَادُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إِلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ أَلَا تَرَى لَوْ صَلَّى خَلْفَ جُنُبٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا إِذَا عَلِمَ بِحَالِهِ، وَعِنْدَ أبي حنيفة مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُتَطَهِّرًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا علماً بِجَنَابَتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَسَادَ صَلَاةِ الْقَارِئِ خَلْفَ الْأُمِّيِّ لَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْأُمِّيِّ فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِوُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ تَحَمُّلَهَا بِالْإِمَامَةِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ إِذَا سَلَّمَ لَهُمْ ضَمَانَ تَحَمُّلِهَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا وَجَبَ تَحَمُّلًا عَنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ لَا رُكْنًا مَفْرُوضًا مِنْ صَلَاتِهِ فَوَجَبَ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا أَنْ تَبْطُلَ الصَّلَاةُ التي وجبت فيها الصلاة متحملها، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ضَمِنَ شَيْئًا ضَمَانًا فَاسِدًا أَنَّ الْحَقَّ لَازِمٌ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ دُونَ الضَّامِنِ فَلِذَلِكَ هَذَا

(فَصْلٌ)

: إِذَا صَلَّى مَنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ خَلْفَ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا وَيُحْسِنُ مَا عَدَاهَا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ كَصَلَاةِ الْقَارِئِ خَلْفَ الْأُمِّيِّ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالْعَاجِزُ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى غَيْرِهَا مَعَ مَنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ كَالْأُمِّيِّ مَعَ الْقَارِئِ أَلَا تَرَاهُ لَوْ كَانَ يُحْسِنُهَا فَقَرَأَ غَيْرَهَا لَمْ تُجْزِهِ وَلَوْ كَانَا مَعًا لَا يُحْسِنَانِ الْفَاتِحَةَ.
إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا يُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ وَالْآخَرَ أَكْثَرَ مِنْهَا فَأَوْلَاهُمَا بِالْإِمَامَةِ أَكْثَرُهُمَا قِرَاءَةً لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ " فَإِنْ أَمَّ مَنْ يُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَسَاوَيَا فِي فَقْدِ الْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِمَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَصَارَتْ مَنْزِلَتُهُ مَنْزِلَةَ مَنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا إِذَا أَمَّ مَنْ يُحْسِنُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ؛ فَلَوْ صَلَّى قَارِئٌ خَلْفَ رَجُلٍ لَا يَعْلَمُ أَقَارِئٌ هُوَ أَمْ أُمِّيٌّ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةُ إِسْرَارٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَدْ قَرَأَ وَتُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أُمِّيًّا، وَإِنْ كَانَتْ صلاة جهر ولم يسمعه قَرَأَ فِيهَا وَلَا عَلِمَهُ قَارِئًا فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهَا، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُسِرًّا بِقِرَاءَتِهَا أَوْ نَاسِيًا لَهَا، وَعَلَيْهِ الإعادة بغلبة الحكم الظَّاهِرِ فَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ قَدْ قَرَأْتُ سِرًّا فِي نَفْسِي وَصَدَّقَهُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ كَانَ أَوْلَى قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالِاخْتِيَارُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ فَصِيحَ اللِّسَانِ، حَسَنَ الْبَيَانِ، مرتلاً للقرآن

( [القول في إمامة الكافر] )

(مسألة)

: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنِ ائْتَمَّ بكافرٍ ثُمَّ عَلِمَ أَعَادَ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا إِسْلَامًا مِنْهُ وَعُزِّرَ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَكُونُ إِمَامًا بِحَالٍ وَالْمُؤْمِنُ يَكُونُ إِمَامًا فِي الْأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ إِذَا صَلَّى الْكَافِرُ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِسْلَامًا مِنْهُ وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ صَلَّى جَمَاعَةً كَانَ ذَلِكَ إِسْلَامًا مِنْهُ إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَإِنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ كَانَ ذَلِكَ إِسْلَامًا مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِسْلَامًا مِنْهُ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ فَجَعَلَ عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ دَلَالَةً عَلَى الْإِيمَانِ، وَلَيْسَتْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ بُنْيَانَهُ، وَإِنَّمَا عِمَارَتُهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَبِرِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا " وَرُوِيَ " فَهُوَ مُسْلِمٌ لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا " وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ رَأَيْتُمُوهُ مُلَازِمَ الْمَسْجِدِ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ "، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَلَا إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ ". فَلَمَّا حَقَنَ دَمَهُ بِالصَّلَاةِ فَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِسْلَامِهِ، ويقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " قَالُوا: وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا الْبَيْتُ أَتَى بِهَا عَلَى كَمَالِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ بِإِسْلَامِهِ قِيَاسًا عَلَى الْأَذَانِ، لِأَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَقَوْلُهُمْ أَتَى بِهَا عَلَى كَمَالِهَا احْتِرَازًا مِنْ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مِنْ كَمَالِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَى قِيَاسِهِمُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ مُسْلِمًا وَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ، وَكَذَا الصَّلَاةُ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿واقتلوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] فَرَفَعَ حُكْمَ الشِّرْكِ وَاسْتِبَاحَةَ الْقَتْلِ بِالتَّوْبَةِ وَالصَّلَاةِ مَعًا، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الصَّلَاةِ وَحْدَهَا بَاقِيًا عَلَى حُكْمِ الشِّرْكِ حَتَّى تُوجَدَ التَّوْبَةُ، وَهِيَ الشَّهَادَتَانِ

وبقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وأمرت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ". فَجَعَلَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَمًا فِي تَحْرِيمِ قِتَالِهِمْ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ دُونَ الصَّلَاةِ، وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ فَقَالَ: " إِذَا لَمْ أَعْدِلْ أَنَا فَمَنْ يَعْدِلُ " وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَاءَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَوَجَدَهُ يُصَلِّي فَرَجَعَ، وَقَالَ مَا قَتَلْتُهُ لِأَنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَقَدْ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ، فَبَعَثَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَاءَهُ ليقتله، فرجع كَذَلِكَ، فَبَعَثَ بِعَلِيٍّ وَرَاءَهُ وَقَالَ إِنَّكَ لَنْ تُدْرِكَهُ فَذَهَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا بِالصَّلَاةِ، وَقَدْ أَخْبَرَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِصَلَاتِهِ لَمْ يَأْمُرْ عُمَرَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِقَتْلِهِ فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِسْلَامًا مِنْهُ.
قِيلَ: تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - السُّؤَالَ عَنْ كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ دَلِيلٌ عَلَى اتِّفَاقِ الْحُكْمِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِفِعْلِهِ مُنْفَرِدًا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِفِعْلِهِ جَامِعًا كَالْمُصَلِّي فِي السَّفَرِ، وَلِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَا يَكُونُ كَافِرًا بِتَرْكِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَ فِعْلِهِ، أَصْلُهُ إِذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا، وَلِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَوْ فَعَلَهُ مُنْفَرِدًا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ يَجِبُ إِذَا فَعَلَهُ فِي جَمَاعَةٍ أَلَّا يُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ كَالْجِهَادِ، وَلِأَنَّهُ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِسْلَامِهِ كَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 18] فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِمَارَةِ الْبِنَاءُ دون إقامة الصلاة اعتباراً بحقيقة الاسم وعرفه، كيف وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: 18] فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعِمَارَةِ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعِدْ ذِكْرَ الْإِقَامَةِ ثَانِيَةً وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ لَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا إِقَامَةُ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَنْ عَمَّرَ مَسَاجِدَ اللَّهِ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمُؤْمِنُ مَنْ يُعَمِّرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ، فَجَعَلَ الْإِيمَانَ دَلَالَةً عَلَى الْعِمَارَةِ ودلالة على الإيمان وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من استقبل قبلتنا.
. الحديث " فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ، وَإِنْ صَلَّى صَلَاتَنَا كَانَ لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا، غَيْرَ أَنَّ الْكَافِرَ لَا صَلَاةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لا تصح إلا بعد تقديم الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَلَا إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ "

وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُلَازِمُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ " فمتروك الظاهرة بِاتِّفَاقٍ، لِأَنَّهُ بِمُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فَإِنْ قَالُوا: أَرَادَ بِهِ إِذَا لَازَمَ الْمَسْجِدَ مُصَلِّيًا قِيلَ لَهُمْ: إِنْ أَرَادَ بِهِ إِذَا لَازَمَ الْمَسْجِدَ مُتَشَهِّدًا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " فَالْمُرَادُ بِهِ تَثْبِيتُ حُكْمِ تَارِكِهَا دُونَ فَاعِلِهَا، أَلَا تَرَاهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ " فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ " عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْأَذَانِ فَنُبَيِّنُ أَوَّلًا مَذْهَبَنَا فِيهِ، ثُمَّ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنْ قَالَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ فَلَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ قَالَ ابْتِدَاءً لَا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلًا مُسْلِمًا بِنِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَاصِدًا بِإِتْيَانِهِ إِظْهَارَ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ كَمَا لَوْ قَالَ حَاكِيًا.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَكُونُ مسلماً إذا أتى يَصِيرُ الْأَذَانُ أَصْلًا لَهُمْ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: عِبَادَةٌ يَخْتَصُّ بِالْبَيْتِ أَنْ لَا يُسْلِمَ فِي الْأَذَانِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِالشَّهَادَتَيْنِ فَيَ الْأَذَانِ لَا بِالْأَذَانِ وَالْإِتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَيْتِ، بَلْ يَجُوزُ مُسْتَقْبِلًا لِلْبَيْتِ وَمُسْتَدْبِرًا، وَقَوْلُهُمْ أَتَى بِكَمَالِهِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْأَذَانُ لِأَنَّهُ إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَذَانِ صَارَ مُسْلِمًا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلِ الْأَذَانَ وَإِذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهَا انْتَقَضَتِ الْعِلَّةُ بِالْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا، عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُمْ إِنْ قَالُوا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لَمْ يَصِحَّ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إِسْلَامِهِ عِنْدَهُمْ وَإِنْ قَالُوا فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى إِسْلَامِهِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَذَانِ يَصِيرُ مُسْلِمًا، عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي الشَّهَادَتَيْنِ إِنَّمَا صَارَ بِهَا مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ مُنْفَرِدًا كَانَ مُسْلِمًا، وَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا أَتَى بِهَا مُنْفَرِدًا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ، عَلَى أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا صَلَاةُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِكُفْرِهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ إِمَامِهِ الْكَافِرِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُظْهِرًا لِكُفْرِهِ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُعَاهَدِين

َ، فَصَلَ

اةُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ بَاطِلَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ كَالْمُصَلِّي خَلْفَ جُنُبٍ، وَهَذَا غَلَطٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَافِرَ مَعَهُ عِلْمٌ ظاهر يدل على كفره، لأنه يوجد لا يدين بلبس الغيار، وشد الزُّنَّارِ، وَتَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ، فَإِذَا خَفِيَ عَلَيْهِ فَلِتَفْرِيطِهِ وَقِلَّةِ تَأَمُّلِهِ وَالثَّانِي: أَنَّ إِمَامَةَ الْكَافِرِ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ، وَإِمَامَةُ الْجُنُبِ قَدْ تَجُوزُ بِحَالٍ، وَهُوَ الْمُتَيَمِّمُ إِذَا صَلَّى بِالْمُتَطَهِّرِ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَجْنَبَ جَمَاعَةٌ وَلَا يَجِدُونَ مَاءً وَلَا تُرَابًا وَخَافُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ جَازَ أَنْ يَأْتَمُّوا بِأَحَدِهِمْ مَعَ الْعِلْمِ بِجَنَابَتِهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وجب اختلاف حكمهما في الإتمام بهما، وبطلت صلات مَنِ ائْتَمَّ بِالْكَافِرِ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِكُفْرِهِ كَالزَّنَادِقَةِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِزَوَالِ الْعِلْمِ الدَّالِّ عَلَى كُفْرِهِ، وَهَذَا غَلَطٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ إِمَامَةِ الْكَافِرِ بِكُلِّ حَالٍ، فَلَوِ ائْتَمَّ بِمَنْ لَا يُعْرَفُ بِالْكُفْرِ وَلَا بِالْإِسْلَامِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الدَّارِ إِسْلَامُ أَهْلِهَا إِلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِكُفْرِهِ مَنْ يَسْكُنُ إِلَيْهِ وثيق بِهِ فَيُعِيدُ صَلَاتَهُ، فَلَوِ ائْتَمَّ بِمُرْتَدٍّ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فَلَوْ شَكَّ فِي إِسْلَامِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ رِدَّتِهِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ اعْتِبَارًا بِالْيَقِينِ، فَلَوِ ائْتَمَّ بِرَجُلٍ كَانَتْ لَهُ حَالَانِ: حَالُ رِدَّةٍ وَحَالُ إِسْلَامٍ، وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ أَمَّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أُحِبُّ أَنْ يُعِيدَ " وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِسْلَامِ لَهُ فِي الْحَالِ يَرْفَعُ حُكْمَ رِدَّتِهِ، وَيَدُلُّ فِي الظَّاهِرِ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ، وَلَوْ أَنَّ كَافِرًا أَسْلَمَ ثُمَّ جَحَدَ إِسْلَامَهُ وَقَدِ ائْتَمَّ بِهِ مُسْلِمُونَ.
فَمَنِ ائْتَمَّ بِهِ مِنْهُمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَقَبْلَ جُحُودِهِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فِي الظَّاهِرِ، وَمَنِ ائْتَمَّ بِهِ بَعْدَ جُحُودِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ بِالْجُحُودِ مُرْتَدٌّ

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَنْ أَحْرَمَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ جَاءَ الْإِمَامُ فَتَقَدَّمَ بِجَمَاعَةٍ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكْمِلَ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمَ يَكُونَانِ لَهُ نَافِلَةً وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ مَعَهُ وَكَرِهْتُ لَهُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا صَلَاةَ انفرادٍ ثم يجعلها صلاة جماعةٍ وهذا يخالف صلاة الذين افتتح بهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الصلاة ثم ذكر فانصرف فاغتسل ثم رجع فأمهم لأنهم افتتحوا الصلاة جماعةً وقال في القديم قال قائل يدخل مع الإمام ويعتد بما مضى (قال المزني) هذا عندي على أصله أقيس لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يكن في صلاةٍ فلم يضرهم وصح إحرامهم ولا إمام لهم ثم ابتدأ بهم وقد سبقوه بالإحرام وكذلك سبقه أبو بكر ببعض الصلاة ثم جاء فأحرم وائتم به أبو بكر وهكذا القول بهذين الحديثين وهو القياس عندي على فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أَحْرَمَ الرجل منفرداً بفرض وقته من ظهر أبو عَصْرٍ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْإِمَامُ فَأَنْشَأَ الْإِحْرَامَ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً، فَيُخْتَارُ لِهَذَا الْمُنْفَرِدِ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمَ، يَكُونَانِ لَهُ نَافِلَةً، وَيَبْتَدِئُ الْإِحْرَامَ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ لِيُؤَدِّيَ فَرْضَهُ فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَابْتَدَأَ الْإِحْرَامَ خَلْفَ الْإِمَامِ جَازَ، وَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ مَا ابْتَدَأَهُ مُنْفَرِدًا، وَإِنْ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا وَلَمْ يَتْبَعِ الْإِمَامَ جَازَ، وَإِنْ تَبِعَ الْإِمَامَ بِإِحْرَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَلَّقَ صَلَاتَهُ بِصَلَاتِهِ فَقَدْ أَسَاءَ، وَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ وَيَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ فِي الْجَدِيدِ لِمَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَمَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ بِإِمَامَيْنِ أَجَازَ هَذَا، وَمَذْهَبُهُ فِي الْجَدِيدِ جَوَازُ الصَّلَاةِ بِإِمَامَيْنِ، وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ فِي صَلَاتِهِ قَوْلًا ثَالِثًا، إِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَهُ بِقَدْرِ الْإِحْرَامِ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَهُ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ، وَجَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِذَا قِيلَ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ، فَوَجْهُهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا " فَأَمَرَ أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الْمَأْمُومِ عُقَيْبَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ، فَوَجَبَ إِذَا سَبَقَهُ بِالتَّكْبِيرِ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ صَلَاتَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الِائْتِمَامُ فِيهَا بِالْإِمَامِ أَصْلُهُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ وَقَفَ خَلْفَ الْإِمَامِ لِيُحْرِمَ مَعَهُ فَسَبَقَ إِمَامَهُ بِالْإِحْرَامِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى بُطْلَانِهِ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا لعلةة مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ إِمَامِهِ فِي مَوْقِفِهِ وَأَفْعَالِهِ، ثُمَّ تَقَرَّرَ أَنَّهُ إِنْ تَقَدَّمَ إِمَامَهُ فِي مَوْقِفِ الصَّلَاةِ، لَمْ يَجُزْ، فكذلك إذا تقدمه في أفعالها.
وإذا قبل بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي، فَوَجْهُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحْرَمَ بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ لَهُمْ " كُونُوا كَمَا أَنْتُمْ " وَدَخَلَ وَاغْتَسَلَ وَخَرَجَ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً وَاسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ وَبَنَى الْقَوْمُ عَلَى إِحْرَامِهِمْ، فَلَمَّا سَبَقُوهُ بِالْإِحْرَامِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِاسْتِئْنَافِهِ وَقَدْ خَرَجُوا بِالْجَنَابَةِ مِنْ إِمَامَتِهِ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إِذَا سَبَقَ الْإِمَامَ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَأَحْرَمَ بِهِمْ، ثُمَّ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خِفَّةً فَتَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَصَلَّى النَّاسُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَدْ سَبَقُوهُ بِالْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ فَلَمَّا جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْتَتِحَ صَلَاةَ انْفِرَادٍ ثُمَّ يَأْتَمَّ

بِهِ رَجُلٌ فَتَصِيرُ جَمَاعَةً، جَازَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَفْتَتِحَ الصَّلَاةَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ يَأْتَمُّ بِرَجُلٍ فَتَصِيرُ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنْ نَقُولَ: إِنَّهَا صَلَاةٌ افْتَتَحَهَا مُنْفَرِدًا فَجَازَ أَنْ تَصِيرَ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ كَالْإِمَامِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ طَرَفَانِ ابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي ابْتِدَائِهَا جَامِعًا وَفِي انْتِهَائِهَا مُنْفَرِدًا إِذَا أَحْدَثَ إِمَامُهُ أَوْ مَاتَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي ابْتِدَائِهَا مُنْفَرِدًا وَفِي انْتِهَائِهَا جَامِعًا، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الِانْفِرَادِ أَنْقَصُ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَبِنَاءَ الْأَفْضَلِ عَلَى الْأَنْقَصِ جَائِزٌ فِيمَا يَصِحُّ إِتْيَانُهُ مُنْفَرِدًا، كَبِنَاءِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ عَلَى صَلَاةِ الْمُقِيمِ

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: " وَأُحِبُّ أَنْ يُكْمِلَهَا رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمَ يَكُونَانِ لَهُ نَافِلَةً " فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ نَقْلِ الْفَرْضِ إِلَى النَّفْلِ وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِهِ فِي نَقْلِ صَلَاةٍ إِلَى صَلَاةٍ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ، لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ، كَظُهْرٍ إِلَى عَصْرٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ فَرْضِهِ الْأَوَّلِ، لِتَغْيِيرِ النِّيَّةِ، وَلَا عَنِ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْهُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ نَفْلٌ إِلَى نَفْلٍ، لِأَنَّهُمَا إِنْ كَانَا مِثْلَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِتَغْيِيرِ النِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ كَانْتِقَالٍ مِنْ وِتْرٍ إِلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لم يجب، لأن افتتاحها بِالنِّيَّةِ وَاجِبٌ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ نَفْلٍ إِلَى فَرْضٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي ابْتِدَائِهَا فَأَمَّا نَقْلُ فَرْضٍ إِلَى نَفْلٍ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: انْتِقَالُ حُكْمٍ، وَالثَّانِي: انْتِقَالُ فِعْلٍ، فَأَمَّا انْتِقَالُ الْحُكْمِ فَجَائِزٌ، كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ الْوَقْتِ قَبْلَ دُخُولِهِ، فَهِيَ لَهُ نَافِلَةٌ وَإِنْ نَوَاهَا فَرْضًا، فَأَمَّا انْتِقَالُ الْفِعْلِ فَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ إِحْرَامُهُ بِفَرْضٍ، ثُمَّ يُغَيِّرُ النِّيَّةَ وَيَنْقِلُ صَلَاتَهُ مِنَ الْفَرْضِ إِلَى النَّفْلِ فَفِيهِ قَوْلَانِ، مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ مِنْهُمَا بُطْلَانُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّعْلِيلِ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالثَّانِي: وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ قَوْلِهِ وَأُحِبُّ أَنْ يُكْمِلَ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ تَكُونَانِ لَهُ نَافِلَةً، فَيَجُوزُ نَقْلُ الْفَرْضِ إِلَى النَّافِلَةِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنِ امْتَنَعَ مِنْ تَخْرِيجِ هَذَا الْقَوْلِ وَحَمَلَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ انْتَقَلَتْ فِي الْحُكْمِ نَافِلَةً، لَا أَنَّهَا انْتَقَلَتْ بِتَغْيِيرِ النِّيَّةِ كَالضَّرْبِ الْأَوَّلِ

(باب موق

ف صل

اة المأموم مع الإمام) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَمَّ رَجُلٌ رَجُلًا قَامَ الْمَأْمُومُ عَنْ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ خُنْثَى مُشْكِلًا أَوِ امْرَأَةً قَامَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا خَلْفَهُ وَحْدَهُ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَّ أَنَسًا وَعَجُوزًا مُنْفَرِدَةً خَلْفَ أَنَسٍ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَمَّ رَجُلٌ رَجُلًا فَالسُّنَّةُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَقِفُ الْمَأْمُومُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يَقِفُ خَلْفَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ آخَرُ وَقَفَا خَلْفَهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ تَقَدَّمَ وَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ رِوَايَةُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَّهُ وَامْرَأَةً، فَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْمَرْأَةَ وَرَاءَهُ ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا وَجَدَ خِفَّةً مِنْ مَرَضِهِ خَرَجَ وَوَقَفَ عَلَى يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلِرِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَتَوَضَّأَ، وَقَامَ لِيُصَلِّيَ، فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ مِثْلَ وُضُوئِهِ، وَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي بِيَمِينِهِ وَأَدَارَنِي مِنْ وَرَائِهِ وَأَقَامَنِي عَلَى يَمِينِهِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَنْوِي بِهِ التَّحِيَّةَ لِلْمَأْمُومِينَ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يُحَيِّي فِيهَا، فَلَوْ خَالَفَ الْمَأْمُومُ ذَلِكَ فَوَقَفَ خَلْفَهُ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ كَانَتْ صَلَاتُهُ جَائِزَةً؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ فَنَقَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى يَمِينِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْشَأَ الصَّلَاةَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ فَأَمَّا إِنْ أَمَّ رَجُلَيْنِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَا صَفًّا خَلْفَهُ، لِمَا رَوَى أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَّهُ وَيَتِيمًا فَوَقَفَا خَلْفَهُ، وَوَقَفَتْ جَدَّةُ أَنَسٍ خَلْفَهُمَا وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ أَمَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَخَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ فَأَقَامَهُمَا خَلْفَهُ صَفًّا، فَلَوْ وَقَفَا عَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ أَوْ وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ

يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ فَصَلَاةُ جَمَاعَتِهِمْ جَائِزَةٌ، فَلَوْ أَمَّ رَجُلًا فَوَقَفَ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ لِيَأْتَمَّ بِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ الْمَأْمُومُ لِيَقِفَ هُوَ وَالْجَائِي صَفًّا، وَلَا يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ عَنْ مَوْقِفِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَقَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ يَسَارِهِ إِلَى يَمِينِهِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ يُصَلِّي وَحْدَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَمِينِهِ، فَدَخَلَ أَبُو صَخْرٍ وَوَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَّرَنَا بِيَدَيْهِ حَتَّى صِرْنَا خَلْفَهُ، وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ تَابِعٌ وَالْإِمَامَ مَتْبُوعٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ انْتِقَالِ أَحَدِهِمَا فَالتَّابِعُ أَوْلَى

(فَصْلٌ)

: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَّ امْرَأَةً وَحْدَهَا وَقَفَتْ خَلْفَهُ وَلَمْ تَقِفْ إِلَى جَنْبِهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، " خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا " وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَّ خُنْثَى مُشْكِلًا وَقَفَ خَلْفَهُ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ الرَّجُلِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَّ أَنَسًا وَعَجُوزًا مُفْرَدَةً خَلْفَ أَنَسٍ، فَلَوْ أَمَّ رَجُلًا وَخُنْثَى وَامْرَأَةً وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَالْخُنْثَى خَلْفَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ الْخُنْثَى فَلَوْ أَمَّ رِجَالًا وَصِبْيَانًا فَأَصَحُّ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الرِّجَالَ يَكُونُونَ أَمَامَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ يَقِفُ الصِّبْيَانُ خَلْفَ الرِّجَالِ، لِمَا رَوَى عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أَهْلُ الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى " وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْأَوْلَى أَنْ يَقِفَ كُلُّ صَبِيٍّ بَيْنَ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى تَعْلِيمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ أَمَّ رِجَالًا وَصِبْيَانًا وَخَنَاثَى وَنِسَاءً تَقَدَّمَ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، ثُمَّ بَعْدَهُمُ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ بَعْدَ الصِّبْيَانِ الْخَنَاثَى، ثم بعدهم النساء

(مسألة)

: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وركع أبو بكر وَحْدَهُ وَخَافَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا اصْطَفَّ النَّاسُ خَلْفَ إِمَامِهِمْ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ الدُّخُولَ مَعَهُمْ، فَالْمُخْتَارُ لَهُ أَنْ يَقِفَ فِي صَفِّهِمْ وَيَجْذِبَ إِلَيْهِ فَيَقِفَانِ جَمِيعًا خَلْفَهُ، فَإِنْ أَبَى وَوَقَفَ وَحْدَهُ مُنْفَرِدًا فَقَدْ أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ، وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا تصح صلاته إذا انفرد تعلقاً برواية أبي سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ

عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلى فأبصر رجلاً صلى خلف الصف فَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَبِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ علي بن شيبان عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ النَّاسِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: " أَعِدْ صلاتك، فإنه لا صلاة لفذٍّ خَلْفَ الصَّفِّ " وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَلْهَثُ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ الَّذِي رَكَعَ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ؟ فَقُلْتُ أَنَا، قَالَ: " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تُعِدْ " فَلَوْ كَانَ انْفِرَادُهُ قَادِحًا فِي صَلَاتِهِ لَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ نَهَاهُ وَقَالَ: لَا تَعُدْ، قُلْنَا: فِي مَعْنَى نَهْيِهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَهَاهُ عَنِ السَّعْيِ وَاللَّهْثِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُعِدْ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ خَلْفَ الصَّفِّ مَعَ غَيْرِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا كَالْمَرْأَةِ خَلْفَ الرِّجَالِ فَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَدَلَالَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَوْ كانت باطلة لأمره بالإعادة قبل اتهامها، وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ فَغَيْرُ كَامِلَةٍ

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا إِذَا تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى إِمَامِهِ فِي الْمَوْقِفِ فَوَقَفَ قُدَّامَ إِمَامِهِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ وَالضَّرْبُ الثَّانِي: بِغَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى إِمَامِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ: صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ أَكْثَرُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَوْقِفِ الْمَسْنُونِ، وَمُخَالَفَةُ الْمَوْقِفِ الْمَسْنُونِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، كَالْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ إِذَا وَقَفَ عَلَى يَسَارِ إِمَامِهِ أَوِ الْجَمَاعَةُ إِذَا وَقَفُوا عَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ: صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، وَالِائْتِمَامُ الِاتِّبَاعُ، وَالْمُتَقَدِّمُ عَلَى إِمَامِهِ لَا يَكُونُ تَابِعًا بَلْ يَكُونُ مَتْبُوعًا، وَلِأَنَّ عَلَى الْمَأْمُومِ اتِّبَاعَ إِمَامِهِ في موقفه وأفعاله، فلما لم لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ فِي إِحْرَامِهِ وأفعاله صَلَاتِهِ لَمْ يَجُزْ لْهُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ فِي مَوْقِفِ صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهَا وَالثَّانِي: فِي غَيْرِ مَسْجِدِهَا فِي مَنَازِلِهَا، فَإِنْ صَلَّى فِي غَيْرِ مَسْجِدِهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِهَا، وَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى إِمَامِهِ قَوْلَانِ كَمَا مَضَى، وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِهَا فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْتَدِيرَ النَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَرَاءَ الْإِمَامِ وَتُجَاهَهُ، وَيَكُونُ مَوْقِفُ الْإِمَامِ عِنْدَ الْمَقَامِ مُسْتَقْبِلًا لِبَابِ الْكَعْبَةِ، مُسْتَدْبِرًا لِبَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَإِنْ وَقَفَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ أَجْزَأَهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ مِنَ الْمَأْمُومِينَ فإن كان الإمام منها على النحو الذراع تأخر المأمومين نَحْوَ الذِّرَاعَيْنِ، فَإِنْ فَعَلَ هَذَا الَّذِينَ هُمْ وَرَاءَ الْإِمَامِ كَانَ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِمْ قَوْلَانِ كَمَا مَضَى، وَإِنْ فَعَلَهُ الَّذِينَ هُمْ فِي مُقَابَلَتِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " إِنَّ صَلَاتَهُمْ جَائِزَةٌ، وَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": إِذَا تَوَجَّهَ الْإِمَامُ إِلَى الْكَعْبَةِ فَائْتَمَّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ أَقْرَبُ إِلَيْهَا مِنَ الْإِمَامِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قال أَبُو إِسْحَاقَ إِنَّ فِي صَلَاتِهِمْ قَوْلَيْنِ كَمَا مَضَى، وَحُمِلَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ إِنَّ صَلَاتَهُمْ جَائِزَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا اسْتِعْمَالًا لِظَاهِرِ نَصِّهِ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا إِلَى الْبَيْتِ أَقْرَبُ مِنَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَوْصُوفِينَ بِالتَّقَدُّمِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مُقَابَلَتِهِ وَمُحَاذَاتِهِ وَغَيْرُهُمْ إِذَا كَانَ إِلَى الْقِبْلَةِ أَقْرَبَ صَارَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، فَخَرَجَ بِالتَّقَدُّمِ مِنَ اتِّبَاعِهِ، وَسَرَى ذَلِكَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَالْفَرْقُ الثَّانِي: إِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَى الْبَيْتِ مِنَ الْإِمَامِ فَيُمْكِنُهُمْ مُشَاهَدَةُ أَفْعَالِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَغَيْرُهُمْ إِذَا تَقَدَّمَ إِمَامَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَلَا عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ بِفِعْلِهِ، فَافْتَرَقَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبُطْلَانِهَا

(فَصْلٌ)

: وَإِذَا سَبَقَ الْمَأْمُومُ إِمَامَهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَرَكَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَسَجَدَ قَبْلَ سُجُودِهِ فَإِنْ سَبَقَهُ قَاصِدًا لِمُخَالَفَتِهِ مُعْتَقِدًا إِخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْ إِمَامَتِهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُ

غَيْرُ مُؤْتَمٍّ بِهِ لِمُخَالَفَةِ أَفْعَالِهِ، وَلَا مُنْفَرِدًا عَنْهُ لِاعْتِقَادِ إِمَامَتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمًّا وَلَا مُنْفَرِدًا كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ إِمَامِهِ فَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ كَأَنْ رَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ وَاسْتَدَامَ الرُّكُوعَ مَعَهُ فَقَدْ أَسَاءَ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ رَأْسِ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوَّلَ رَأْسُهُ رَأْسَ حِمَارٍ " وَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مُقْتَدِيًا بِإِمَامِهِ فِي الركن الذي سبقه في فَاقْتَضَى أَنْ يُجْزِئَهُ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ مَعَهُ، وَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنَيْنِ مِنَ الرَّكْعَةِ كَأَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ ثُمَّ رَكَعَ الْإِمَامُ أَوْ رَفَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ الْإِمَامُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ تَصِحَّ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ إِمَامَهُ فِي مُعْظَمِ فِعْلِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ سَبَقَهُ بِالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَنْ تُجْزِئَهُ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ بِإِجْمَاعٍ

(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ صَلَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يصلي وعائشة رضي الله عنها معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أبي حنيفة فِيهَا وَدَلَّلْنَا لَهُ وَعَلَيْهِ بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ

(مسألة)

: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ فِي طَرَفِهِ وَلَمْ تَتَّصِلِ الصُّفُوفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أو فوق ظهر المسجد بصلاة أجزأه كذلك صلى أبو هريرة فوق ظهر المسجد بصلاةٍ الإمام في الْمَسْجِدِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا صلى المأموم في طرق الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي طَرَفِهِ الْآخَرِ فَالِاعْتِبَارُ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِصَلَاةِ إِمَامِهِ، وَطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهَا مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أوجه إما بمشاهدة وبسماع تَكْبِيرِهِ أَوْ بِمُشَاهَدَةِ مَنْ خَلْفَهُ أَوْ بِسَمَاعِ تَكْبِيرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ بِصَلَاتِهِ عَالِمًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، قَرُبَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ بَعُدَ، حَالَ مَا بَيْنَهُمَا حَائِلٌ أَوْ لَمْ يَحُلْ، اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ إِلَيْهِ أَوْ لَمْ تَتَّصِلْ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْوَاحِدَ إِنَّمَا يُبْنَى لِجَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا لِقِلَّةِ جَمَاعَتِهِمْ وَكَثْرَتِهَا فَصَغُرَتْ مَسَاجِدُ الْمَحَالِّ لِقِلَّةِ جَمَاعَتِهَا، وَكُلُّ مَنْ أَحَاطَ بِهِ الْمَسْجِدُ فَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ

وَاحِدَةٍ وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مَعَ إِمَامِهِ فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ وَرَاءَهُ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِصَلَاةِ إِمَامِهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ عَلَيْهِ اتِّبَاعَهُ فِي أَفْعَالِهِ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِهَا يَمْنَعُ مِنَ اتِّبَاعِهِ فِيهَا، فَلَوْ صَلَّى الْمَأْمُومُ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ مُصْطَفًّا بِهِ أَوْ عَلَى سَطْحِهِ، وَكَانَ عَالِمًا بصلاة إمامه فصلاته جائزة؛ لما رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ وَرِحَابَهُ كَالْمَسْجِدِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجُنُبَ مَمْنُوعٌ مِنَ اللُّبْثِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ

(فَصْلٌ)

: وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَالْمَأْمُومُ فِي أَرْضِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى عُلُوٍّ مِنَ الْأَرْضِ لِيُعْلِمَ الْمَأْمُومِينَ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ كَانَ جَائِزًا مُسْتَحَبًّا، وَصَلَاةُ جَمَاعَتِهِمْ جَائِزَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ تَعْلِيمَهُمْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ سَوَاءً وَكَرِهَ أبو حنيفة وَمَالِكٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْلُوَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ تَعَلُّقًا بِرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ [هَمَّامٍ] قَالَ: صَلَّى بِنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فَصَعِدَ دِكَّةً فَجَذَبَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَنْزَلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قال له بان مَسْعُودٍ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لَوْ أَعْلَمُ مَا قَبِلْتُ مِنْكَ وَدَلِيلُنَا رواية أبي حازم عن سهل بن السَّاعِدِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَرَكَعَ وَرَفَعَ وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى حتى نزل فسجد ثم رقا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي ". وَيُحْمَلُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْلِيمَ مَنْ خَلْفَهُ بَلْ هو الظاهر لأنهم صحابة وَقَدْ عَلِمُوا الصَّلَاةَ مِثْلَ عِلْمِهِ

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ صَلَّى قُرْبَ الْمَسْجِدِ، وَقُرْبُهُ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ مِنْ أَنْ يَتَّصِلَ بِشَيْءٍ بِالْمَسْجِدِ، لَا حَائِلَ دُونَهُ فَيُصَلِّي مُنْقَطِعًا عَنِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِنَائِهِ عَلَى قَدْرِ مِائَتَيْ ذراعٍ أَوْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْمَأْمُومِ إِذَا صَلَّى مَعَ إِمَامِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَالِاعْتِبَارُ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ بثلاثة شرائط: أحدهما: الْعِلْمُ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِهَا مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ مَضَتْ وَالثَّانِي: الْقُرْبُ وَأَبْعَدُهُ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ بِثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ أَوْ نَحْوِهَا وَذَلِكَ أَبْعَدُ رَمْيَةِ سَهْمٍ، وَغَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فجعل الثلاث مائة ذِرَاعٍ حَدًّا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ

وَأَصْلُهُ حِرَاسَةُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَصْحَابِهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِيَدْفَعُوا عَنْهُمْ أَذَى عَدُوِّهِمْ وَأَبْعَدُ أَذَاهُمْ رَمْيُ السِّهَامِ، وَغَايَتُهُ فِي الْغَالِبِ مَا ذَكَرْنَا وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ سُورِ الْمَسْجِدِ مِنْ جِدَارٍ أَوْ غَيْرِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا سُورُ الْمَسْجِدِ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِلَى جَوَازِ صَلَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ حَائِلٍ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهَا، لِأَنَّ سُورَ الْمَسْجِدِ مِنْ مَصَالِحِهِ وَبَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِهِ فَصَارَ كَالسَّوَارِي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ: إِنَّ ذَلِكَ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ أَبْوَابُهُ الْمُغْلَقَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُصْمَتَةً أَوْ مُشَبَّكَةً، لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِنِسْوَةٍ صَلَّينَ فِي سُتْرَةٍ لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَنْزِلِهَا وَالْمَسْجِدِ إِلَّا سُورُ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ بَابَ مَنْزِلِهَا كَانَ يَنْفُذُ إِلَيْهِ فَإِذَا كَمُلَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ الثَّلَاثَةُ صَحَّتْ صَلَاةُ مَنْ خَارِجُ الْمَسْجِدِ عَلَى مَا بَيَّنْتُهُ وَإِنْ عُدِمَ شَرْطٌ مِنْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالنَّخَعِيُّ وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَنَسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يُصَلِّي بِصَلَاةِ الْإِمَامِ مَنْ عَلِمَهَا قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا حَالَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ أَمْ لَا، وَهَذَا غَلَطٌ وَبِمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَالَ [بِهِ] سائر الفقهاء والدلالة على صحة قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] . وَمَا قَالَهُ مِنْ إِيجَابِ السَّعْيِ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ لَهُمْ سَبِيلُ الْعِلْمِ بِهَا وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ " مَعْنَاهُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا صَلَاةَ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِلَّا فَصَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا فِي مَنْزِلِهِ جَائِزَةٌ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَضَلَلْتُمْ " يَعْنِي: بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِلنِّسْوَةِ اللَّائِي صَلَّيْنَ فِي مَنْزِلِهَا: " لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ "

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الشَّرَائِطِ فَلَيْسَ يَخْلُو حَالُ الْمَأْمُومِ الْوَاقِفِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ الْإِمَامُ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ أَوْ وَرَاءَهُ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إِلَّا أَنْ يكون محل ذيل الباب مفتوح يُشَاهَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَصَلَاةُ مَنْ فِيهِ وَيَكُونُ عَلَى قُرْبٍ، وَاعْتِبَارُ الْقُرْبِ مِنْ سُورِ الْمَسْجِدِ لَا مِنْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَلَا مِنَ انْتِهَاءِ الصُّفُوفِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ مُحَاذِيًا لِبَابِ الْمَسْجِدِ مُشَاهِدًا لَهُ وَلِأَصْلِهِ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سوره دون الثلاث مائة ذراع صحت صلاته وصلات مَنِ اتَّصَلَ بِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَوَرَاءً وَلَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ مَنْ يُقَدِّمُهُ إِمَامُهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ إِذَا لَمْ يُشَاهِدِ الْمَسْجِدَ صَارَ تَابِعًا لِمَنْ شَاهَدَهُ، فَإِذَا تَقَدَّمَ عَلَى مَتْبُوعِهِ كَانَ كَالْمُتَقَدِّمِ عَلَى إِمَامِهِ فَلَوِ اتَّصَلَ الصَّفُّ عَنْ يَمِينِهِ أَمْيَالًا وَيَسَارِهِ أَمْيَالًا وَوَرَاءَهُ أَمْيَالًا صَحَّتْ صَلَاةُ جَمِيعِهِمْ مَا لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ حَائِلٌ مِنْ سُتْرَةٍ أَوْ جِدَارٍ، وَلَا يَبْعُدُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمْ حَائِلٌ فصلات مَنْ وَرَاءَ الْحَائِلِ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ بَعُدَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ فَصَلَاةُ الْمُنْقَطِعِ الْبَعِيدِ بَاطِلَةٌ وَاعْتِبَارُ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنْ أَوَاخِرِ الصُّفُوفِ

الْخَارِجَةِ وَلَيْسَ الطُّرُقُ النَّافِذَةُ حَائِلًا بَيْنَ بَعْضِهِمْ وبعض بل حكمها حكم غيرها مِنَ الْمَرْفُوعِ سَوَاءٌ وَقَالَ أبو حنيفة: الطُّرُقُ النافذة حائلاً يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ خَطَأٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَنَسًا صَلَّى فِي بُيُوتِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف والمسجد طَرِيقٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ حَائِلًا يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ لَمْ تَصِحَّ الْجُمَعُ فِي الصَّحْرَاءِ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا طُرُقٌ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ لَوِ اتَّصَلَتْ فِي الصَّحْرَاءِ أَمْيَالًا جَازَ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ مَنْ قال إن الطريق حائل

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وكذلك الصحراء والسفينة والإمام في أخرى ولو أجزت أبعد من هذا أجزت أن يصلي على ميل ومذهب عطاء أن يصلي بصلاة الإمام من علمها ولا أقول بهذا (قال المزني) قد أجاز القرب في الإبل بلا تأقيت وهو عندي أولى لأن التأقيت لا يدرك إلا بخبر " قال الماوردي: في أخرى أَمَّا الْمُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ وَجَوَازَ صَلَاتِهِ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِصَلَاةِ إِمَامِهِ، أَوْ بِصَلَاةِ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ، وَكَانَ عَلَى قُرْبٍ وَاعْتِبَارُ الْقُرْبِ فِي أَوَاخِرِ الصُّفُوفِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ فَاعْتِبَارُ ذَلِكَ مِنْ مَوْقِفِهِ، فَأَمَّا الْمُصَلِّي فِي سَفِينَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ قَائِمًا، فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ، أَوْ صِغَرِ السَّفِينَةِ صَلَّى كَيْفَ أَمْكَنَهُ، وَأَعَادَ إِذَا قَدَرَ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ، كَالْمَرْبُوطِ عَلَى خَشَبَةٍ قَالَ: فَلَوْ غَرِقَتِ السَّفِينَةُ وَتَعَلَّقَ رَجُلٌ بِلَوْحٍ وَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ صَلَّى مُومِيًا، فَإِنِ اسْتَقْبَلَ بِهَا الْقِبْلَةَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَلَّاهَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَعَادَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ مُومِيًا إِلَى الْقِبْلَةِ وَلَا يُعِيدُ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ مُومِيًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَيُعِيدَ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَى تَرْكِ الْقِبْلَةِ كَمَا هُوَ مُضْطَرٌّ إِلَى الْإِيمَاءِ، أَنَّ غَيْرَ الْخَائِفِ قَدْ سَقَطَ فَرْضُهُ بِالْإِيمَاءِ وَهُوَ الْمَرِيضُ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ ها هنا غير الْخَائِفِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَ تَرْكِ الْقِبْلَةِ فَلَمْ تَصِحَّ هَا هُنَا

(فَصْلٌ)

: فَلَوْ أَرَادَ أَهْلُ السَّفِينَةِ أَنْ يَأْتَمُّوا بِأَحَدِهِمْ وَيُصَلُّوا جَمَاعَةً جَازَ، لِأَنَّ كُلَّ مَكَانٍ جَازَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ جَازَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ كَالْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَتِ السَّفِينَةُ ذات طبقتين علوا وَسُفْلٍ فَإِنْ صَلَّوْا جَمِيعًا فِي إِحْدَى الطَّبَقَتَيْنِ عُلُوٍّ أَوْ سُفْلٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ صَلَّى بَعْضُهُمْ فِي سُفْلِهَا وَإِمَامُ جَمِيعِهِمْ وَاحِدٌ: فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ مَنْفَذٌ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَعْلَمُ بَعْضُهُمْ بِصَلَاةِ بَعْضٍ، صَحَّتْ صَلَاةُ جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مَنْفَذٌ يشاهد الأسفلون منه الأعلون أَوْ بَعْضَهُمْ، وَالْأَعْلَوْنَ مِنْهُ الْأَسْفَلِينَ أَوْ بَعْضَهُمْ، فَصَلَاةُ مَنْ فِي طَبَقَةِ الْإِمَامِ جَائِزَةٌ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي عُلُوِّهَا صَحَّتْ صَلَاةُ أَهْلِ الْعُلُوِّ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ

أَهْلِ السُّفْلِ، وَإِنْ كَانَ فِي سُفْلِهَا صَحَّتْ صَلَاةُ أَهْلِ السُّفْلِ وَبَطَلَتْ صَلَاةُ أَهْلِ الْعُلُوِّ، لِأَنَّ الْحَائِلَ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِائْتِمَامِ

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا إِذَا صَلَّى الْإِمَامُ فِي سَفِينَةٍ وَالْمَأْمُومُ فِي أُخْرَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَلَا يَخْلُو حَالُ السَّفِينَتَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَا مُغَطَّاتَيْنِ، أَوْ مَكْشُوفَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُغَطَّاةً وَالْأُخْرَى مَكْشُوفَةً، فَإِنْ كَانَتَا مُغَطَّاتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فِي السَّفِينَةِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي دَارٍ وَالْمَأْمُومُ فِي أُخْرَى، وَإِنْ كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ أَوْ كَانَا عَلَى ظَهْرِ سَفِينَتَيْنِ مُغَطَّاتَيْنِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَا مَشْدُودَتَيْنِ أَوْ مُرْسَلَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّفِينَتَيْنِ مَشْدُودَةً بِالْأُخْرَى صَارَتَا كَالسَّفِينَةِ الْوَاحِدَةِ، وَصَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، وَإِنْ كَانَتَا مُرْسَلَتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا رَبْطٌ وَلَا شِدَادٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ فِي السَّفِينَةِ الْأُخْرَى جَائِزَةٌ إِذَا عَلِمَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ قُرْبٌ وَكَانَ اعْتِبَارُ الْقُرْبِ مِنْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ إِنْ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ مِنْ آخَرِ صَفٍّ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِي سَفِينَةٍ وَالْمَأْمُومُ عَلَى الشَّطِّ، أَوِ الْإِمَامُ عَلَى الشَّطِّ وَالْمَأْمُومُ فِي سَفِينَةٍ، أَوِ الْإِمَامُ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ نَهْرٍ وَالْمَأْمُومُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ جَائِزَةٌ إِذَا عَلِمَ بِصَلَاةِ إِمَامِهِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا قُرْبٌ، وَلَيْسَ الْمَاءُ حَائِلًا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِدًا أَوْ جَارِيًا وَقَالَ أبو حنيفة، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الِاصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ الْمَاءَ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ فِيهِ كَانَ حَائِلًا كَالْحَائِطِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ مَا اتُّخِذَ حَائِلًا وَمَنَعَ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، وَالْمَاءُ لَيْسَ بِحَائِلٍ، وَإِنَّمَا لَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ خَوْفًا مِنَ الْهَلَاكِ، فصار كالنار الحسك الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ خَوْفُ الْهَلَاكِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِائْتِمَامِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ حَائِلًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ لَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّابِحِ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ حَائِلًا لِلسَّابِحِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ حَائِلًا لِغَيْرِ السَّابِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ حَائِلٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنْ صَلَّى فِي داء قُرْبَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا بِأَنْ تَتَّصِلَ الصُّفُوفُ وَلَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَأَمَّا فِي عُلُوِّهَا فَلَا يُجْزِئُ بِحَالٍ لِأَنَّهَا بَائِنَةٌ مِنَ المسجد وروي عن عائشة أن نسوة صلين في حجرتها فقالت لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حجاب " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا صَلَّى رَجُلٌ فِي دَارٍ تُجَاوِرُ الْمَسْجِدَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ

فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ تَتَّصِلَ الصُّفُوفُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى الطَّرِيقِ، وَمِنَ الطَّرِيقِ إِلَى الدِّهْلِيزِ، وَمِنَ الدِّهْلِيزِ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ صَلَاةُ مَنْ فِي الصَّحْنِ وَصَلَاةُ مَنْ وَرَاءَهُمْ جَائِزَةً، وَصَلَاةُ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ وَوَقَفَ أَمَامَهُمْ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ لَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُمْ، فَأَمَّا صَلَاةُ مَنْ فِي عُلُوِّ الدَّارِ وَسُورِهَا فَبَاطِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، لِتَعَذُّرِ اتِّصَالِ الصُّفُوفِ، وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا صَلَاةَ مَنْ فِي الدَّارِ إِذَا اتَّصَلَتْ بِهِ الصُّفُوفُ لِرِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَرُوِيَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي حُجْرَتِهِ، فَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ تُلَاصِقُ الْمَسْجِدَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا سُور

ٌ فَصَلَّ

ى بِهَا قَوْمٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَالصُّفُوفُ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ فَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي إِسْحَاقَ صَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ، لِأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ سُورَ الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِحَائِلٍ وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ صَلَاتُهُمْ بَاطِلَةٌ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لِلنِّسْوَةِ اللَّاتِي صَلَّيْنَ فِي حُجْرَتِهَا لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ، وَلَمْ يكن بين حجرتها وبين المسجد إلى سُورُهُ، فَلَوِ اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ مِنْ سَطْحِ الْمَسْجِدِ إِلَى سَطْحِ الدَّارِ الْمُلَاصِقَةِ كَانَتْ صَلَاتُهُمْ جَائِزَةً، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ أَبْطَلَهَا؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ الصُّفُوفِ مَعَ الْعِلْمِ بِالصَّلَاةِ يُوجِبُ صِحَّةَ الِائْتِمَامِ، كَمَا لَوِ اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ إِلَى مَنْ فِي الدَّارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ صَلَّى رَجُلٌ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا أَوْ جَبَلِ الْمَرْوَةِ أَوْ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ وَهُوَ فِي الْعُرْفِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَمَنْ خَرَجَ مِنْ إِمَامَةِ الْإِمَامِ فَأْتَمَّ لِنَفْسِهِ لَمْ يَبِنْ أَنْ يُعِيدَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ صَلَاةِ مُعَاذٍ بَعْدَمَا افْتَتَحَ مَعَهُ فَصَلَّى لِنَفْسِهِ، وأعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِذَلِكَ فَلَمْ نَعْلَمْهُ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ صَلَاةِ إِمَامِهِ وَأَتَمَّ مُنْفَرِدًا لِنَفْسِهِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا جَازَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ وَيُجْزِئُهُ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ صَلَّى بِذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَرَّقَ أَصْحَابَهُ فَرِيقَيْنِ، فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً، ثُمَّ خَرَجَتْ فَبَنَتْ عَلَى صَلَاتِهَا فَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا فَدَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إِذَا أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ صَلَاةِ إِمَامِهِ وَأَتَمَّ مُنْفَرِدًا لِنَفْسِهِ، فَلَا يخو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ معذور فقد أساء في بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ صَلَاةَ الِانْفِرَادِ تُخَالِفُ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ المنفرد

يَلْزَمُهُ سَهْوُ نَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ سَهْوُ غَيْرِهِ وَإِذَا اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُهُمَا جَرَيَا مَجْرَى الصَّلَاتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الِانْفِرَادِ كَمَا لَمْ يَجُزْ نَقْلُ ظُهْرٍ إِلَى عَصْرٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ، صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ إِمَامَةِ مُعَاذٍ غَيْرَ مَعْذُورٍ فَلَمْ يَأْمُرْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا تَقْضِي بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، أَصْلُهُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَصَوْمُ النَّافِلَةِ، وَعَكْسُهُ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَصَوْمُ الْفَرْضِ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَعْدَمَ بِمُفَارَقَةِ إِمَامِهِ مَا اسْتَفَادَهُ مِنَ الِائْتِمَامِ وَهُوَ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لَا جَوَازُ الصَّلَاةِ

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا إِذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا لَا يَنْوِي إِمَامَةَ أَحَدٍ فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَحْرَمَ خَلْفَهُ يَنْوِي الِائْتِمَامَ بِهِ، أَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ امْرَأَةٌ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: صَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ بَاطِلَةٌ وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ الْمُؤْتَمُّ رَجُلًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهَا وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَتَوَضَّأَ وَقَامَ لِيُصَلِّيَ فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي بِيَمِينِهِ وَأَدَارَنِي مِنْ وَرَائِهِ وَأَقَامَنِي عَلَى يَمِينِهِ، فَصَحَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاتَهُ وَلَمْ يَنْوِ إِمَامَتَهُ، وَرَوَى ثَابِتٌ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُصَلِّي فَقُمْتُ بِجَنْبِهِ فَجَاءَ آخَرُ وَقَامَ بِجَنْبِي حَتَّى صِرْنَا وَسَطًا، فَلَمَّا أَحَسَّ تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى سَلَّمَ ثَمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قُلْتُ فَطِنْتَ بِنَا؟ قَالَ نَعَمْ، مَا صَنَعْتُ الَّذِي صنعته إلا لأجلكم وإنه لو أحرم بعشرة أَنْفُسٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَأْتَمَّ بِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إِمَامَتَهُ كَذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ (فَصْلٌ) : إِذَا ائْتَمَّ بِرَجُلَيْنِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِائْتِمَامِ بِهِمَا إِذْ قَدْ يَرْكَعُ أَحَدُهُمَا وَيَسْجُدُ الْآخَرُ فَإِنْ تَبِعَ السَّاجِدَ خَالَفَ الرَّاكِعَ، وَإِنْ تَبِعَ الرَّاكِعَ خَالَفَ السَّاجِدَ، وَالْمَأْمُومُ إِذَا اعْتَمَدَ خِلَافَ إِمَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَلَوِ ائْتَمَّ بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ إِمَامَهُ لَمْ يُمْكِنْهُ الِائْتِمَامُ بِهِ (فَصْلٌ) : لَوِ ائْتَمَّ بِرَجُلٍ هُوَ مُؤْتَمٌّ بِآخَرَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَنْ كَانَ مَتْبُوعًا وَلَمْ يَكُنْ تَابِعًا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ وَجَدَ الْخِفَّةَ فِي مَرَضِهِ خَرَجَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَتَقَدَّمَ فأمر أَبَا بَكْرٍ، وَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ، قِيلَ لَهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِمَامًا لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَمِيعِ النَّاسِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُعَرِّفُهُمْ أَفْعَالَ صَلَاتِهِ وَيُبَلِّغُهُمْ تَكْبِيرَهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ إِمَامًا مُؤْتَمًّا (فَصْلٌ) : فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، ثُمَّ شَكَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ هَلْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا؟ فَعَلَيْهِمَا الْإِعَادَةُ؛ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَشَكَّ كُلُّ

وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي فِعْلِ مَا لَزِمَهُ مِنْ حُكْمِ صَلَاتِهِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَا الْإِمَامُ كَانَتْ صَلَاتُهُمَا جَمِيعًا جَائِزَةً، وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَنْتَ أَنْتَ إِمَامِي وَأَنَا الْمُؤْتَمُّ بِكَ فَصَلَاتُهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَابِعًا لِتَابِعِهِ وَذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل