كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى حُكْمُ الْكُفْرِ بِتَأْوِيلٍ وَغَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الْفِسْقِ بِتَأْوِيلٍ وَغَيْرِ تَأْوِيلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَأَوُّلُهُ الشُّبَهَ فِي الْفُرُوعِ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّقْلِيدِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْأُصُولِ.
فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْفِسْقُ بَعْدَ صِحَّةِ تَقْلِيدِهِ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ.
وفي بطلانها بالضرب الثاني وجهان:
أصحهما ها هنا لَا تَبْطُلُ.
وَأَصَحُّهُمَا هُنَاكَ لَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ إِلَّا بِتَعْدِيلٍ كَامِلٍ وَلَا يَنْعَزِلُ إلا بجرح كامل.
(فَصْلٌ)
: وَالشَّرْطُ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ: وَعِلْمُهُ بِهَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرَيْنِ
أَحَدُهُمَا: عِلْمُهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أُصُولِهَا الَّتِي يَسْتَنْبِطُ بِهَا أَحْكَامَهَا.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَتُهُ بِفُرُوعِهَا فِيمَا انْعَقَدْ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، أَوْ حَصَلَ فِيهِ اخْتِلَافٌ لِيَتِّبِعَ الْإِجْمَاعَ، وَيَجْتَهِدَ فِي الِاخْتِلَافِ؛ لِيَصِيرَ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ وَيَقْضِيَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ وَيَسْتَقْضِيَ.
فَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَقْضِيَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ بَاطِلَةً وَحُكْمُهُ وَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ مَرْدُودًا.
وَجَوَّزَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ تَقْلِيدَ الْعَامِّيِّ الْقَاضِي لِيَسْتَفْتِيَ فِي أَحْكَامِهِ الْعُلَمَاءَ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يَحْكُمَ فِي الِاسْتِفْتَاءِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِأَنَّهُمَا مَعًا حُكْمٌ بِعِلْمٍ.
قَالُوا وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا جَازَ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا كَالْعَالِمِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَا تَوَصَّلَا بِهِ إِلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ، وَيَحْكُمُ بِقِيمَةِ الْمُقَوِّمَيْنِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَا تَوَصَّلَا بِهِ إِلَى صِحَّةِ الْقِيمَةِ، جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِفُتْيَا الْمُفْتِي مَعَ الْجَهْلِ بِمَا تَوَصَّلَ بِهِ إِلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] وَالدَّلِيلُ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ الْمُسَاوَاةِ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَهُ زَجْرًا فَصَارَ أَمْرًا.
وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَالَّذِي فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحُكْمَ فَجَارَ عَنْهُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ " فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ الْعَامِّيِّ فِي الْوَعِيدِ لِأَنَّهُ قَضَى عَلَى جَهْلٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا اسْتَفْتَى لَمْ يَقْضِ عَلَى جَهْلٍ وَإِنَّمَا يَقْضِي بِعِلْمٍ.
فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَضَى بِعِلْمٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَاهِلٌ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ، وَإِنْ عَلِمَ فَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْجَوَابَيْنِ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا بِجَهْلٍ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُفْتِيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا كَالْفَاسِقِ.
ثُمَّ الْحُكْمُ أَغْلَظُ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مُلْزِمٌ وَالْمُفْتِيَ غَيْرُ مُلْزِمٍ.
وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، كَغَيْرِ الْمُسْتَفْتِي.
وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَلْتَزِمُهُ غَيْرُ مُلْزِمِهِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ كَالْفَتَاوَى.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْعَامِّيِّ الْمُسْتَفْتِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَامِّيَّ مُضْطَرٌّ وَالْحَاكِمَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَامِّيَّ يَلْتَزِمُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالْحَاكِمَ يُوجِبُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالشَّهَادَةِ كَالْعَالِمِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا رُوعِيَ فِي الشَّهَادَةِ آلَتُهَا: وَهُوَ فِي التَّحَمُّلِ الْعَقْلُ وَالْبَصَرُ وَالسَّمْعُ وَفِي الْأَدَاءِ الْعَقْلُ وَاللِّسَانُ، وَجَبَ أَنْ يُرَاعَى فِي الْحُكْمِ آلَتُهُ: وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ لَنَا دَلِيلًا.
وَالثَّانِي: فِي مَعْنَى الْأَصْلِ أَنَّ الْعَالِمَ لَمَّا جَازَ أَنْ يُفْتِيَ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ، وَالْعَامِّيُّ لَمْ يجز أن يفتي لم يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِطَرِيقِ الشَّهَادَةِ وَالتَّقْوِيمِ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يُنَصَّبْ لَهُ عَلَى صِدْقِ الشَّاهِدِينَ وَالْمُقَوِّمِينَ دَلِيلٌ فَجَازَ لَهُ تَقْلِيدُهُمْ وَقَدْ نُصِّبَ لَهُ عَلَى الْأَحْكَامِ دَلِيلٌ فَلَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمِ الْمُفْتِيَ مَعْرِفَةُ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ وَالتَّقْوِيمِ لَمْ يَلْزَمِ الْحَاكِمَ وَلَمَّا لَزِمَ الْمُفْتِيَ مَعْرِفَةُ طَرِيقِ الْأَحْكَامِ لَزِمَ الْحَاكِمَ.
(فَصْلٌ)
: وَالشَّرْطُ السَّابِعُ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ الْأَرْبَعَةِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْدِلُ عَنْ بَعْضِهَا وَيَعْتَقِدُ إِبْطَالَ شَيْءٍ منها نظر.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقُولُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ، لِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقُولُ بِحُجَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَيُجَوِّزُ مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ أَصْلٌ مُتَّبَعٌ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ فَهُمْ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ نَفَى الْقِيَاسَ وَعَمِلَ بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ وَعَدَلَ عَمَّا لَا نَصَّ فِيهِ إِلَى أَقَاوِيلِ سَلَفِهِمْ وَجَعَلُوهَا كَالنَّصِّ فِي الْعَمَلِ بِهَا.
مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ هَؤُلَاءِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِتَقْلِيدِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ.
وَالثَّانِي: لِتَرْكِهِمْ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ: مَنْ يَعْدِلُ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ إِلَى فَحْوَى الْكَلَامِ وَدَلِيلِ الْخِطَابِ وَسَلْكِ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَيَعْدِلُ عَنْ تَعْلِيلِ النُّصُوصِ بِمَعَانِيهَا كَأَهْلِ الظَّاهِرِ، فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِمُ الْقَضَاءَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مِنْ تَرْكِ أَصْلٍ مَشْرُوعٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ؛ لأنه يَعْتَبِرُونَ وَاضِحَ الْمَعَانِي وَإِنْ عَدَلُوا عَنْ خَفِيِّ الْقِيَاسِ.
(فَصْلٌ: تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ الْقَضَاءَ مَعَ وُجُودِ الأفضل)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ السَّبْعَةِ صَحَّ تَقْلِيدُ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ مَوْجُودًا؛ لِأَنَّ تَقْلِيدَ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ جَائِزٌ فِي الْقَضَاءِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ فِي الْإِمَامَةِ، فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، كَالْقَضَاءِ وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ فِي وَاحِدٍ وَالْقَضَاءَ فِي عَدَدٍ.
وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَدْرِكُ خَطَأَ الْقُضَاةِ وَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ من يستدرك خطأه.
(حكم القاضي بغير مذهبه)
فإذا تقلد القضاة بِوُجُودِ الشُّرُوطِ السَّبْعَةِ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ.
وَإِنِ اعْتَزَى إِلَى مَذْهَبٍ مِنْ مَذَاهِبِ أَئِمَّةِ الْوَقْتِ كَمَنْ أَخَذَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَلِّدَ صَاحِبَ مَذْهَبِهِ، وَعَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَ مَنِ اعْتَزَى عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِي حَالَةٍ إِلَى الْعَمَلِ فِيهَا بِقَوْلِ أَبِي
حَنِيفَةَ، أَوْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِيهَا إِلَى الْعَمَلِ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ جَازَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَسَاعَدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: قَدِ اسْتَقَرَّتِ الْيَوْمَ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ وَتَعَيَّنَ الْأَئِمَّةُ الْمُتَّبَعُونَ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ لِمَنِ اعْتَزَى إِلَى مَذْهَبٍ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِهِ فَمَنَعَ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنَعَ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَجْلِ التُّهْمَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْقُضَاةُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الْمُمَايَلَةِ، وَأَوْجَبُوا عَلَى كُلِّ مُنْتَحِلٍ لِمَذْهَبٍ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ صَاحِبِهِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الرَّأْيُ يَقْتَضِيهِ فَأُصُولُ الشَّرْعِ تُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: الْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ أَوْ بِاجْتِهَادِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْ مِمَّنِ اعْتُزِيَ إِلَى مَذْهَبِهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لَمَّا تَوَسَّطَ أَمْرَ الشُّورَى وَانْتَصَبَ لِاخْتِيَارِ الْإِمَامِ مِنْهُمْ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ عَلِيٌّ: بَلْ عَلَى كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَعَدَلَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ فَبَايَعَهُ.
فَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلِيًّا امْتَنَعَ مِنْ تَقْلِيدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُمَا وَأَجَابَ عُثْمَانُ إِلَى تَقْلِيدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُمَا أنه أَعْلَمُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمَّا رَأَى أَنَّهُمَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِمَا دَعَا إِلَى تَقْلِيدِهِمَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ هُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِمُعَاذٍ: " بِمَ تَحْكُمُ؟ " قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ.
قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الحمد لله الذي وفق رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ ".
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ اجْتِهَادِ رَأْيِهِ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِاجْتِهَادِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ أَعْلَمَ وَلِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرِكَيْنِ فِي آلَةِ الِاجْتِهَادِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا تَقْلِيدُ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ وَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ لْهُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ كَالْمُفْتِي.
وَلِأَنَّ مَا حَرُمَ مِنَ التَّقْلِيدِ عَلَى الْمُفْتِي حَرُمَ عَلَى الْحَاكِمِ، كَالتَّقْلِيدِ مع النص.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيرَةِ وَالسِّيَاسَةِ دُونَ الْأَحْكَامِ والله أعلم.
(إبطال الاستحسان)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَحْسِنَ بِغَيْرِ قِيَاسٍ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُشَرِّعَ فِي الدِّينِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الِاسْتِحْسَانُ فِيمَا أَوْجَبَتْهُ أَدِلَّةُ الْأُصُولِ وَاقْتَرَنَ بِهِ اسْتِحْسَانُ الْعُقُولِ فَهُوَ حُجَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا.
فَأَمَّا اسْتِحْسَانُ الْعُقُولِ إِذَا لَمْ يُوَافِقْ أَدِلَّةَ الْأُصُولِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَالْعَمَلُ بِدَلَائِلِ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْجَبُ وَهِيَ أَحْسَنُ فِي الْعُقُولِ مِنْ الِانْفِرَادِ عَنْهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الِاسْتِحْسَانُ فِي الشَّرْعِ حُجَّةٌ تُوجِبُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي بَيَانِ مَذْهَبِهِ فِيهِ:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ.
وَهَذَا مِمَّا نُوَافِقُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَحْسَنُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْقَوْلُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ كَمَا خَصَّ خُرُوجَ الْجِصِّ وَالنَّوَرَةِ من علة الربا وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا.
وَهَذَا أَصْلٌ نُخَالِفُهُ فِيهِ؛ وَلِلْكَلَامِ عَلَيْهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَتْرُكَ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ بِأَضْعَفِهِمَا إِذَا كَانَ حسنا، كالشهادة على الزنا في الزوايا.
وَهَذَا نُخَالِفُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ عِنْدَنَا أَحْسَنُ مِنْ أَضْعَفِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَا غَلَبَ فِي الظَّنِّ وَحَسُنَ فِي الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا أَصْلٍ وَإِنْ دَفَعَهُ مِنْ دَلَائِلِ الشَّرْعِ أَصْلٌ.
هَذَا هُوَ أَفْسَدُ الْأَقَاوِيلِ كلها.
(أدلة القائلين بالاستحسان)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْعَمَلِ بِالِاسْتِحْسَانِ فِي الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18] . وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ ".
قَالُوا وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَحْكَامٍ عَدَلُوا عَنِ الْأُصُولِ فِيهَا إِلَى الِاسْتِحْسَانِ، مِنْهَا دُخُولُ الْوَاحِدِ إِلَى الْحَمَّامِ، يَسْتَعْمِلُ مَاءً غَيْرَ مُقَدَّرٍ، وَيَقْعُدُ فِيهِ زَمَانًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ، وَيُعْطِي عَنْهُ عِوَضًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ، وَيَشْرَبُ مِنَ السَّاقِي مَاءً غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَيُعْطِي عَنْهُ عِوَضًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ، وَيَشْتَرِي الْمَأْكُولَ بِالْمُسَاوَمَةِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ يَتَلَفَّظُ فِيهِ بِبَدَلٍ وَقَبُولٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَقَدْ عَمِلَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ اسْتِحْسَانًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ حُجَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِحُجَّةٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ الِاحْتِجَاجِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُ الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: 59] فَجَعَلَ الْأَحْسَنَ فِي التَّنَازُعِ مَا كَانَ مَأْخُوذًا عَنْ أَوَامِرِ الله ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَفَى بِالتَّنَازُعِ قُبْحًا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء: 83] فَنَفَى الْعِلْمَ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَنْبِطِ.
وَالِاسْتِنْبَاطُ هُوَ الْبِنَاءُ عَلَى مَعَانِي الْأُصُولِ دُونَ الظَّنِّ والاستحسان.
ولأن في الظن والاستحسان اتباع لِهَوًى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26] .
وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَجَبَ اتِّبَاعُ الْإِجْمَاعِ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10] وَلَمْ يَقُلْ إِلَى الِاسْتِحْسَانِ وَلِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ بِالدَّلِيلِ يُوجِبُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
وَالِاسْتِحْسَانُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُوقِعُ الِاخْتِلَافَ فِيهِ لِاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختلافا كبيرا﴾ [النساء: 82] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِحْسَانُ بِالْعَقْلِ مُغْنِيًا فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ عَنْ أُصُولِ الشَّرْعِ لَاسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَجَازَ لَهُ أَنْ يُشَرِّعَ فِي الدِّينِ بِعَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْعٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 76] يَعْنِي: غَيْرَ مَأْمُورٍ وَلَا مَنْهِيٍّ.
وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ أَقْوَى مِنَ الِاسْتِحْسَانِ لِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ دُونَ الِاسْتِحْسَانِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ الِاسْتِحْسَانُ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِحْسَانُ دَلِيلًا لَجَازَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي تَرْكِ الِاسْتِحْسَانِ دَلِيلًا فَيَؤُولُ إِثْبَاتُهُ إلى إبطاله.
(الجواب على أدلة القائلين به)
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿الذي يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18] فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ الْأَحْسَنِ دُونَ الْمُسْتَحْسَنِ وَالْأَحْسَنُ مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ حَسَنًا وَالْمُسْتَحْسَنُ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْغَيْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا فَافْتَرَقَا، وَلَزِمَ اتِّبَاعُ الْأَحْسَنِ دُونَ الْمُسْتَحْسَنِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَارِدٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ مِنْ ثَوَابِ الطَّاعَاتِ وَعِقَابِ الْمَعَاصِي فَيَتَّبِعُونَ الْأَحْسَنَ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا جُعِلَ لَهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، وَنُدِبَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] فَجُعِلَ لَهُ الْقِصَاصُ وَنُدِبَ فِيهِ إِلَى الْعَفْوِ فَكَانَ الْعَفْوُ أَحْسَنَ مِنَ الْقِصَاصِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ " فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَخْلُو مُرَادُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يُرِيدَ مَا رَآهُ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ حَسَنًا فَهُوَ الْإِجْمَاعُ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.
أَوْ يُرِيدُ مَا رَآهُ بَعْضُهُمْ حَسَنًا فَلَيْسَ بَعْضُهُمُ الَّذِي اسْتَحْسَنَهُ بِأَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ الَّذِي اسْتَقْبَحَهُ وَهَذَا يَتَعَارَضُ فَصَارَ مَحْمُولًا عَلَى الْإِجْمَاعِ دُونَ الِاخْتِلَافِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى اسْتِحْسَانِ مَا خَالَفَ الْأُصُولَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا انْعَقَدَ فَصِرْنَا إِلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالِاسْتِحْسَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا تَرَاضَى بِهِ النَّاسُ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ وَتَسَامَحُوا بِهِ فِي عُرْفِهِمْ لَمْ يُعَارِضُوا فِيهِ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الرِّبَا وَاسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ، وَلَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا فِيهِ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى مُوجَبِ الْأُصُولِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَنْكَرَ الشَّافِعِيُّ الِاسْتِحْسَانَ، وَقَالَ بِهِ فِي مَسَائِلَ:
مِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُتْعَةِ " وَاسْتَحْسَنَ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا " وَقَالَ فِي الشُّفْعَةِ: " إِنَّهُ يُؤَجَّلُ ثَلَاثًا وَذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ مِنِّي وَلَيْسَ بِأَصْلٍ "، وَقَالَ فِي أَيْمَانِ الْحُكَّامِ: " وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْحُكَّامِ يَحْلِفُ بِالْمُصْحَفِ، وَذَلِكَ عِنْدِي حَسَنٌ " وَقَالَ فِي الْأَذَانِ: " حَسَنٌ أَنْ يَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ ".
قِيلَ: لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِحْسَانِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ لِدَلِيلٍ اقْتَرَنَ بِهِ:
أَمَّا اسْتِحْسَانُهُ الْمُتْعَةَ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَهُ، وَمَذْهَبُهُ فِي الْقَدِيمِ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا انْفَرَدَ بِقَوْلٍ لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ فَهُوَ حُجَّةٌ.
وَأَمَّا اسْتِحْسَانُهُ الشُّفْعَةَ أَنْ يُؤَجَّلَ ثَلَاثًا فَلِأَنَّ النَّاسَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَأْجِيلِهِ فِي قَرِيبِ الزَّمَانِ فِي مَبِيتِهِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ وَإِمْهَالِهِ لِزَمَانِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَلِبَاسِهِ فَجَعَلَ الْقَرِيبَ مُقَدَّرًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] فَجَعَلَهَا حَدًّا لِلْقُرْبِ.
وَأَمَّا اسْتِحْسَانُهُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْلِفَ بِالْمُصْحَفِ فَلِأَنَّ الْأَيْمَانَ قَدْ تُغَلَّظُ فِي كَثِيرِ الْأَمْوَالِ فَجَازَ أَنْ تُغَلَّظَ بِالْمُصْحَفِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ الْخَوْفِ وَالتَّحَرُّجِ.
وَأَمَّا اسْتِحْسَانُهُ أَنْ يَضَعَ أُصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ فَلِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يَفْعَلُهُ بِمَشْهَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَلِأَنَّهُ أَمَدُّ لِصَوْتِهِ.
فَلَمْ يَخْلُ مَا اسْتَحْسَنَهُ مِنْ دَلِيلٍ اقْتَرَنَ بِهِ.
وَالِاسْتِحْسَانُ بِالدَّلِيلِ مَعْمُولٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا نُنْكِرُ الْعَمَلَ بِالِاسْتِحْسَانِ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ دَلِيلٌ.
(تَقْسِيمُ الشَّافِعِيِّ لِلْقِيَاسِ)
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي: " وَالْقِيَاسُ قِيَاسَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ وَالْآخَرُ أَنْ يُشْبِهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ مِنْ أَصْلٍ وَيُشْبِهَ الشَّيْءَ مِنْ أَصْلٍ غْيرِهِ فَيُشْبِهُهُ هَذَا بِهَذَا الْأَصْلِ وَيُشْبِهُهُ الْآخَرُ بِأَصْلِ غَيْرِهِ وَمَوْضِعُ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ أَشْبَهَهُ أَحَدُهُمَا فِي خَصْلَتَيْنِ وَالْآخَرُ فِي خَصْلَةٍ أَلْحَقَهُ بِالَذِي أَشْبَهَهُ فِي الْخَصْلَتَيْنِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ قَدَّمْنَا مِنْ أَقْسَامِ الْقِيَاسِ مَا أَقْنَعَ وَأَوْضَحْنَا مِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا كَفَى.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا " وَالْقِيَاسُ قِيَاسَانِ " فَفِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ، أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَوَّلِ قِيَاسَ الْمَعْنَى وَبِالثَّانِي قِيَاسَ الشَّبَهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَعَلَ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَقِيَاسُ الْمَعْنَى يَجُوزُ خِلَافُهُ إِذَا كَانَ خَفِيًّا، وَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ إِذَا كَانَ جَلِيًّا، فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ الْجَلِيَّ دُونَ الْخَفِيِّ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَهُمَا مَعًا فَالْجَلِيُّ لَا يَجُوزُ خِلَافُ حُكْمِهِ وَالْخَفِيُّ لَا يَجُوزُ تَرْكُ قِيَاسِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَأْوِيلِ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقِيَاسِ الْأَوَّلِ مَا لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مِنْ قِيَاسَيِ الْمَعْنَى وَقِيَاسِ التَّحْقِيقِ مِنْ قِيَاسي الشَّبَهِ، لِأَنَّ خِلَافَهُمَا لَا يَجُوزُ، وَأَرَادَ بِالْقِيَاسِ الثَّانِي: مَا يَجُوزُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ مِنْ قِيَاسي الْمَعْنَى وَقِيَاسُ التَّقْرِيبِ مِنْ قِيَاسي الشَّيْءِ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَحْمُولًا عَلَى مَعْنَى لَفْظِهِ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَحْمُولًا عَلَى معنى حكمه.
( [حُكْمُ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَتَخْطِئَتُهُ لِلْمُجْتَهِدِينَ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79] قَالَ الْحَسَنُ لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمِدَ هَذَا لِصَوَابِهِ وَأَثْنَى عَلَى هَذَا بِاجْتِهَادِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ مَا أَغْنَى، وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ بَيَانِ مَذْهَبِهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى طَلَبِ الْعَيْنِ، وَإِصَابَةِ الْحُكْمِ فِي الْحَادِثَةِ.
وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادَ لِيَعْمَلَ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِ أَقَاوِيلِ الْمُجْتَهِدِينَ، لَا فِي جَمِيعِهَا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ الْحَقَّ فِي جَمِيعِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُصِيبَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَأَنَّ كُلَّهُمْ مُخْطِئٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَفِي الْحُكْمِ، إِلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُصِيبًا عِنْدَ اللَّهِ، وَفِي الْحُكْمِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَجَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا عِنْدَ اللَّهِ وفي الحكم.
( [الاعتراض على الشافعي بأن له في المسألة الواحدة قولين] )
فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الِاجْتِهَادِ اعْتَرَضَ بِهَا عَلَيْهِ مَنْ خَالَفَهُ فِي إِنْكَارِ الْقَوْلَيْنِ، فَقَالُوا: كَيْفَ اسْتَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ فِي حَادِثَةٍ بِقَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ وَأَكْثَرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ عَلَيْهِ طَلَبَ الْعَيْنِ وَأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُخْطِئٌ إِلَّا وَاحِدًا.
فَكَانَ حُكْمُهُ بِالْقَوْلَيْنِ خَطَأً مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ خَالَفَ بِذَلِكَ أُصُولَ مَذْهَبِهِ فِي الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْقَوْلَيْنِ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ طَلَبِ الْعَيْنِ، وَيَجْعَلُ الْحَقَّ فِي جَمِيعِ الْأَقَاوِيلِ، وَيَجْعَلُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، فَنَقَضَ بِفُرُوعِ الِاجْتِهَادِ أُصُولَ مَذْهَبِهِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَكَفَى بِهَذَا التَّنَاقُضِ فَسَادًا لِقَوْلِهِ وَوَهَنًا لِمَذْهَبِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ ابْتَدَعَ بِذَلِكَ طَرِيقَةً خَرَقَ بِهَا إِجْمَاعَ مَنْ تَقَدَّمَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى زَمَانِهِ مَنْ أَجَابَ فِي حُكْمٍ بِقَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي حَالٍ وَاحِدٍ، وَكَانُوا مِنْ بَيْنِ مَنِ اسْتَقَرَّ لَهُ جَوَابٌ ذَكَرَهُ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ فَأَمْسَكَ عَنْهُ، وَلَمْ يُجِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ بِقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ مَا أَبَانَ وَلَيْسَ فِي الْقَوْلَيْنِ بَيَانٌ، وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ بِالْقَوْلَيْنِ كَخَرْقِهِ بِغَيْرِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ التَّنَاقُضَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ مُمْتَنِعٌ، وَالْحَلَالَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَالْحَرَامَ لَيْسَ بِحَلَالٍ، وَالْإِثْبَاتَ لَيْسَ بِنَفْيٍ، وَالنَّفْيَ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ، وَهُوَ بِالْقَوْلَيْنِ قَدْ حَلَّلَ الشَّيْءَ فِي أَحَدِهِمَا وَحَرَّمَهُ فِي الْآخَرِ، وَأَثْبَتَهُ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَاهُ الْآخَرُ، وَمَا أَضَافَ إِلَى الشَّرْعِ مُمْتَنِعًا فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَدْفُوعًا بِهِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِرْسَالُ الْقَوْلَيْنِ فِي أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لضعف اجتهاده، أو لرأيه في تكافئ الْأَدِلَّةِ، وَضَعْفُ الِاجْتِهَادِ نَقْصٌ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فيه تابعا غير متبوع، وتكافئ الْأَدِلَّةِ وَإِنْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ فَقَدْ خَالَفَهُمْ فِيهِ الْأَكْثَرُونَ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ تَكَافُئِهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمٌ فِيهَا وَلَا مَذْهَبَ يَعْتَقِدُهُ فِيهَا.
فَأَبْطَلُوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ بِالْقَوْلَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ كَانَ مَا اعْتَرَضُوا بِهِ كَثِيرًا.
فَنَحْنُ نَذْكُرُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ عَنْهَا أَقْسَامَ الْقَوْلَيْنِ فَإِذَا تَوَجَّهَ الِاعْتِرَاضُ بِهَا عَلَى أَحَدِ الْأَقْسَامِ لَزِمَ الِانْفِصَالُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ سقط.
(فصل: [أنواع قولي الشافعي] )
وذكره الشَّافِعِيُّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ يَنْقَسِمُ إِلَى عَشَرَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَيِّدَ جَوَابَهُ فِي مَوْضِعٍ وَيُطْلِقَهُ فِي آخَرَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ " إِنَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ " وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: " أَقَلُّهُ يَوْمٌ " يُرِيدُ بِهِ مَعَ لَيْلَتِهِ، وَهَذَا مَعْهُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَجَاءَ الْقُرْآنُ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى مَا قَيَّدَ مِنْ جِنْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] . حُمِلَ إِطْلَاقُهُ فِي الْعَدَالَةِ عَلَى مَا قُيِّدَ بِهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَمِثْلُ هَذَا لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِيهِ.
وَإِنْ وَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَخَرَّجَهُ قَوْلًا ثَانِيًا، فَلَمْ يَعُدْ وَهْمُهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَلْفَاظُهُ، وَمَعَانِيهَا مُتَّفِقَةٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ في
الْمُظَاهِرِ: " وَإِذَا مُنِعَ الْجِمَاعَ، أَحْبَبْتُ أَنْ يُمْنَعَ الْقُبَلَ وَالتَّلَذُّذَ " وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: " رَأَيْتُ أَنْ يُمْنَعَ " يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِحْبَابَ، فَإِنْ حَمَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ كَانَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي تَأْوِيلِ لَفْظِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " رَأَيْتُ " يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِيجَابِ، وَلَا يَمْتَنِعَ وُجُودُ مِثْلِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِيهِ اعْتِرَاضٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ حَالِهِ، كَالصَّدَاقِ إِذَا ذُكِرَ فِي السِّرِّ مِقْدَارًا وَذُكِرَ فِي الْعَلَانِيَةِ أَكْثَرَ مِنْهُ، قَالَ فِي مَوْضِعٍ: الصَّدَاقُ صَدَاقُ السِّرِّ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: " الصَّدَاقُ صَدَاقُ الْعَلَانِيَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ لِاخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِيهِ، وَلَكِنْ لِاخْتِلَافِ حَالِ الصَّدَاقَيْنِ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِصَدَاقِ السِّرِّ عَقْدٌ فَهُوَ الْمُسْتَحَقُّ، وَيَكُونُ صَدَاقُ الْعَلَانِيَةِ مُجْمَلًا وَإِنِ اقْتَرَنَ الْعَقْدُ بِصَدَاقِ الْعَلَانِيَةِ فَهُوَ الْمُسْتَحَقُّ وَكَانَ صَدَاقُ السِّرِّ مَوْعِدًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَبَانَ ذَلِكَ.
قِيلَ: قَدْ أَبَانَهُ بِمَا قَرَّرَهُ مِنْ أُصُولِ مَذْهَبِهِ، وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ أَوْ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ: فَاخْتِلَافُ الْقِرَاءَةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] . أَوْ " لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ " فَلَامَسْتُمْ يوجب الوضوء على اللامس والملموس وَلَمَسْتُمْ يُوجِبُهُ عَلَى اللَّامِسِ دُونَ الْمَلْمُوسِ، وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ كَالْمَرْوِيِّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في باين الْمَوَاقِيتِ " أَنَّهُ صَلَّى عِشَاءَ الْآخِرَةِ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي حِينَ ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ نِصْفُهُ ".
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: " حِينَ ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ ". فَلِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ وَالرِّوَايَةِ مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ إِنْكَارٌ فِيهِ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدَّلِيلِ أَوْجَبَ اخْتِلَافَ الْمَدْلُولِ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى ظَاهِرٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ بَلَغَتْهُ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ نَقَلَتْهُ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَى قَوْلٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِيَامِ التَّمَتُّعِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] . فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ وَأَوْجَبَ صِيَامَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِأَنَّهَا الظَّاهِرُ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ ثُمَّ رُوِيَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِهَا ". فَعَدَلَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَمَّا عَمِلَ بِهِ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَأَوْجَبَ صِيَامَهَا، بَعْدَ إِحْرَامِهِ وَقَبْلَ عَرَفَةَ، اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَلَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْعُدُولِ، لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي الْحَالَيْنِ بِدَلِيلٍ.
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَحَدِهِمَا فِي حَالٍ ثُمَّ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى وَمِثْلُ هَذَا لَا يُنْكَرُ.
قَدْ فَعَلَهُ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ فَأَسْقَطَهُمْ بِهِ فِي أَوَّلِ قَوْلِهِ وَأَشْرَكَهُمْ مَعَهُ فِي آخِرِ قَوْلِهِ، وَحَكَمَ فِي
الْمُشْرِكَةِ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ بِالتَّشْرِيكِ، وَفِي الْعَامِ الثَّانِي بِإِسْقَاطِ التَّشْرِيكِ وَقَالَ: " تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَاهُ "، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ عَلَى أَقَاوِيلَ وَقَالَ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ: " اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِنَّ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ بَيْعَهُنَّ جَائِزٌ ". وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَّا وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ فِي الْأَحْكَامِ فَسَمَّاهَا أَصْحَابُهُمْ " رِوَايَاتٍ " وَسَمَّاهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَقَاوِيلَ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لَمْ يَبْتَدِعْهَا الشَّافِعِيُّ، وَهِيَ أَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ وَأَبْعَثُ عَلَى الِاجْتِهَادِ.
وَالْقِسْمُ السَّابِعُ: أَنْ تَبْلُغَهُ سُنَّةٌ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ وَقَدْ عَمِلَ بِالْقِيَاسِ فَيَجْعَلُ قَوْلَهُ مِنْ بَعْدُ مَوْقُوفًا عَلَى ثُبُوتِ السُّنَّةِ، كَالَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ وَالْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، رُوِيَا لَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ ضَعِيفَيْنِ فَقَالَ بِمُوجَبِ الْقِيَاسِ بِأَنْ لَا صِيَامَ عَنِ الْمَيِّتِ، وَلَا غُسْلَ مِنْ غُسْلِهِ، ثُمَّ قَالَ مَا رُوِيَ وَقَالَ: " إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ قُلْتُ بِهِ ". فَأَظْهَرَ مُوجَبَ الْقِيَاسِ وَأَوْجَبَ الْعُدُولَ عَنْهُ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ.
وَقَالَ: كُلُّ قَوْلٍ قُلْتُهُ فَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خِلَافُهُ فَأَنَا أَوَّلُ رَاجِعٍ عَنْهُ.
وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَأَنْ يَقِفَهُ عَلَى السُّنَّةِ إِنْ ثَبَتَتْ، وَعَلَى الْقِيَاسِ إِنْ لَمْ تَثْبُتْ.
وَالْقِسْمُ الثَّامِنُ: أَنْ يَقْصِدَ بِذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ إِبْطَالَ مَا تَوَسَّطَهُمَا، وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ مِنْهَا مَا فَرَّعَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ، وَقَدْ قَدَّرَهَا مَالِكٌ بِوَضْعِ الثُّلُثِ: " لَيْسَ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ إِمَّا أَنْ تُوضَعَ جَمِيعُهَا أَوْ لَا يُوضَعُ شَيْءٌ مِنْهَا " وَمِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَارِيَةِ الْمُوصَى بِهَا إِذَا وَلَدَتْ أَوْ وُهِبَ لَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ لَمَّا جَعَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ بَعْضَ وَلَدِهَا وَبَعْضَ مَا وُهِبَ لَهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي وَبَعْضَهُ لِلْمُوصَى لَهُ: " لَيْسَ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ إِمَّا أَنْ يَمْلِكَهَا الْمُوصَى لَهُ بِالْمَوْتِ فَيَكُونُ كُلَّ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَمْلِكَهَا بِالْقَبُولِ، فَكُلُّ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ وَلَيْسَ لِتَبْعِيضِهِ مَعَ عَدَمِ قَوْلٍ ثَالِثٍ وَجْهٌ، وَهَذَا تَحْقِيقٌ يَبْطُلُ بِهِ مَا خَالَفَ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْقِسْمُ التَّاسِعُ: أَنْ يَذْكُرَ الْقَوْلَيْنِ إِبْطَالًا لِمَا عَدَاهُمَا وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ مَوْقُوفًا عَلَى مَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِلًا بِهِمَا، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ وَالْعَمَلُ.
أَمَّا الشَّرْعُ: فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: " الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ". فَنَفَى أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي غَيْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَجَعَلَهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ فَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ فِي أَهْلِ الشُّورَى جَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ نَفَى بِهِمْ طَلَبَ الْإِمَامِ فِي غَيْرِهِمْ وَوَقَّفَ الْإِمَامَةَ فِيهِمْ عَلَى مَنْ يُؤَدِّي الِاجْتِهَادُ إِلَيْهِ مِنْهُمْ.
وَهَذَا عَمَلٌ انْعَقَدَ بِهِ إِجْمَاعُهُمْ.
وَالْقِسْمُ الْعَاشِرُ: أَنْ يَذْكُرَ الْقَوْلَيْنِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الِاجْتِهَادِ وَجْهًا، وَلَا يَقْطَعُ بِأَحَدِهِمَا لِاحْتِمَالِ الْأَدِلَّةِ، وَلَا يَعْمَلُ بِهَا لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ، ويفرع
عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ صَحَّ.
وَلَيْسَ يُنْكِرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ التَّوَقُّفُ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ.
هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ تَوَقَّفَ فِي أَشْيَاءَ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ.
رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: " الْمُؤْمِنُ وَقَّافٌ وَالْمُنَافِقُ وَثَّابٌ ". وَيَكُونُ مَقْصُودُ الشَّافِعِيِّ بِذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِبْطَالُ مَا عَدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَجْهٌ وَالثَّانِي إِثْبَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَجْهًا وَلَيْسَ يُجِيبُ بِهِمَا إِذَا اسْتُفْتِي فَيُخَيِّرُ السَّائِلَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا يَجْتَهِدُ رَأْيَهُ فِي الْجَوَابِ بِأَحَدِهِمَا فَلَمْ يَصِرْ قَائِلًا بِهِمَا وَلَا مُعْتَقِدًا لِصِحَّتِهِمَا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ الْأَصَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ فِي الْحَالِ بِالْأَصَحِّ وَهَذَا إِنَّمَا قَالَهُ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَسَائِلِ قِيلَ إِنَّهَا سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً.
فَلَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاعْتِرَاضِ، وَلَا أُبْطِلَ مَا قَرَّرَهُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الِاجْتِهَادِ.
وَفِي هَذَا التَّقْسِيمِ انْفِصَالٌ عَنْ الِاعْتِرَاضِ فَسَقَطَ بِهِ الِاعْتِرَاضُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الِاعْتِرَاضُ عليه بأجور المجتهدين] )
(مسألة)
: قال الشافعي: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجتهد فأخطأ فله أجر " (قال الشافعي) فأخبره أنه يثاب على أحدهما أكثر مما يثاب على الآخر فلا يكون الثواب فيما لا يسع ولا في الخطأ الموضوع (قال المزني) رحمه الله: أنا أعرف أن الشافعي قال لا يؤجر على الخطأ وإنما يؤجر على قصد الصواب وهذا عندي هو الحق ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ جَعَلَ لِلْخَاطِئِ أَجْرًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ مُخْتَلِفًا.
فَأَمَّا جَعْلُهُ لِلْخَاطِئِ أَجْرًا، فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُسْتَحِقًّا لِلْأَجْرِ عَلَى خَطَئِهِ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ، فَإِنْ أَصَابَ ظَفِرَ مَعَ أَجْرِ الِاجْتِهَادِ بِأَجْرِ الصَّوَابِ فَصَارَ لَهُ أَجْرَانِ أَحَدُهُمَا بِاجْتِهَادِهِ وَالْآخَرُ بِصَوَابِهِ.
وَإِنْ أَخْطَأَ ظَفِرَ بِأَجْرِ اجْتِهَادِهِ، وَحُرِمَ أَجْرَ صَوَابِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَإِنْ عَمِلَ بِهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا ".
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ فَأَشْهَرُ الْحَدِيثَيْنِ هَذَا وَهُوَ الْمُتَدَاوَلُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " وَالْحَدِيثُ الثَّانِي مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " اخْتَصَمَ إِلَى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجُلَانِ وَأَنَا جَالِسٌ فَقَالَ يَا عَمْرُو اقْضِ بَيْنَهُمَا.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنْتَ شَاهِدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ عَلَى مَاذَا؟ قَالَ عَلَى أَنَّكَ إِذَا أَصَبْتَ فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَإِنِ اجْتَهَدْتَ فَأَخْطَأْتَ فَلَكَ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ.
فَاخْتَلَفَ أَجْرُ الْمُصِيبِ فِي الْخَبَرَيْنِ فَجَعَلَ لَهُ فِي الْأَوَّلِ أَجْرَيْنِ وَجَعَلَ لَهُ فِي الثَّانِي عَشْرًا.
وَفِي هَذَا الِاخْتِلَافِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ أَجْرَيْنِ إِذَا وَصَلَ إِلَى الصَّوَابِ بِأَوَّلِ اجْتِهَادٍ وَجَعَلَ لَهُ عَشْرًا إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ بِتَكْرَارِ الِاجْتِهَادِ لِيَكُونَ أَجْرُهُ بِحَسَبِ قِلَّةِ اجْتِهَادِهِ وَكَثْرَتِهِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ أُجِرَ بِالْعَشْرِ لِمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَأُجِرَ فِي الْآخَرِ بِأَجْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُضَاعَفَةٍ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ أُجِرَ وَفِي المضاعفة عشر.
( [نقض الحكم] )
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنِ اجْتَهَدَ مِنَ الحكام فقضى باجتهاده ثُمَّ رَأَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ خَطَأٌ أَوْ وَرَدَ عَلَى قَاضٍ غَيْرِهِ فَسَوَاءٌ فَمَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ مَا فِي مَعْنَى هَذَا ردَّهُ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَمْ يَرُدَّهَ وَحَكَمَ فِيمَا اسْتَأْنَفَ بِالَذِي هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا بَانَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ فِي حُكْمِهِ أَوْ بَانَ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْقُضَاةِ قَدْ أَخْطَأَ فِي حُكْمِهِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْطِئَ فِيمَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُخْطِئَ فِيمَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
فَإِنْ أَخْطَأَ فِيمَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ أَنْ يُخَالِفَ أَوْلَى الْقِيَاسَيْنِ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ أَوْ أَولَاهُمَا مِنْ قِيَاسِ التَّقْرِيبِ فِي الشَّبَهِ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ نَافِذًا لَا يُتَعَقَّبُ بِفَسْخٍ وَلَا نَقْضٍ.
فَإِنَّ عُمَرَ لَمْ يُشَرِّكْ فِي عَامٍ وَشَرَّكَ فِي عَامٍ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تُشَرَِّكْ فِي العام
الْمَاضِي بَيْنَ وَلَدِ الْأُمِّ وَبَيْنَ وَلَدِ الْأَبِ وَالْأُمِّ فَكَيْفَ تُشَرِّكُ الْآنَ؟ قَالَ تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا قضينا.
وَحَكَمَ أَبُو بَكْرٍ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي الْعَطَاءِ وَلَمْ يُفَضِّلْ بِالسَّابِقَةِ وَقَالَ: " إِنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ وَإِنَّمَا أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ " وَلَمْ يَفْرِضْ لِلْعَبِيدِ مَعَ سَادَاتِهِمْ.
وَفَضَّلَ عُمَرُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالسَّابِقَةِ وَفَرَضَ لِلْعَبِيدِ.
وَسَوَّى عَلِيٌّ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَفَرَضَ لِلْعَبِيدِ كَفِعْلِ عُمَرَ.
وَلَمْ يَنْقُضْ بَعْضُهُمْ حُكْمَ بَعْضٍ لِنُفُوذِهِ بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ نَقَضَ عَلِيٌّ حُكْمَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمِّ أَحَدِهِمَا أَخٌ لِأُمٍّ حِينَ حَكَمَ بِالْمِيرَاثِ لِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ وَأَجْرَاهُمَا مَجْرَى أَخَوَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَبٍ وَالْآخَرُ لِأَبٍ وَأُمٍّ.
فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رَدَّهُ عَنْهُ قَبْلَ نُفُوذِ حُكْمِهِ بِهِ.
وَالثَّانِي: نَقَضَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ نُفُوذِهِ، لِأَنَّهُ خَالَفَ فِيهِ ظَاهِرَ النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 12] .
وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ نَقْضُ مَا ثَبَتَ بِاجْتِهَادٍ مُسَوَّغٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ دُونِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ بَانَ لَهُ فَسَادُ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِهِ حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا يَقُولُهُ فِي الْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ إِنْ بَانَ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ خَطَأُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اجْتِهَادِهِ قَبْلَ صَلَاتِهِ عَمِلَ عَلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ لَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا خَالَفَ مَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ أَنْ يُخَالِفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّحْقِيقِ نَقَضَ بِهِ حُكْمَهُ وَحُكْمَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِنْ خَالَفَ مَعْنَى نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ أَوْ خَفِيٍّ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ وَإِنْ خَالَفَ إِجْمَاعًا نُقِضَ حُكْمُهُ.
وَهَذَا قَوْلٌ مُسْتَبْعَدٌ، لَكِنَّهُ مَحْكِيٌّ عَنْهُمَا، ثُمَّ نَاقَضَا فِي هَذَا القول.
فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ نُقِضَ حُكْمُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ حَكَمَ بِالْقُرْعَةِ بَيْنَ الْعَبِيدِ نُقِضَ حُكْمُهُ وَإِنْ حَكَمَ بِجَوَازِ بَيْعِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ نُقِضَ حُكْمُهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنْ حَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ نُقِضَ حُكْمُهُ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ مَعَ اسْتِبْعَادِهِ مُتَنَاقِضٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] . يَعْنِي إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ الرَّسُولِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ردوا الجهالات إلى السنن ".
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ".
وَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادِهِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمَلُ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَكَانَ لَا يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَوَرَّثَهَا عُمَرُ.
وَكَانَ يُفَاضِلُ بَيْنَ دِيَاتِ الْأَصَابِعِ حَتَّى رُوِيَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ ".
وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ: لَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ أَمْسِ فَرَاجَعْتَ الْيَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَكَانَتْ إِجْمَاعًا.
وَلِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَصْلٌ لِلْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى مَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فَلَمَّا نُقِضَ حُكْمُهُ بِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ كَانَ نَقْضُهُ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْلَى.
وَوُضُوحُ فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ يُغْنِي عَنِ اسْتِيفَاءِ أَدِلَّتِهِ.
( [هَلْ يَتَعَقَّبُ الْقَاضِي حُكْمَ مَنْ قَبْلَهُ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي: " وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلَهُ وَإِنْ تَظَلَّمَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ نُظِرَ فِيهِ فَرَدَّهُ أَوْ أَنْفَذَهُ عَلَى مَا وَصَفْتُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا تَقَلَّدَ عَمَلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَقَّبَ أَحْكَامَ مَنْ قَبْلَهُ وَلَا يَتَتَبَّعَهَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا نُفُوذُهَا عَلَى الصِّحَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَاظِرٌ فِي مُسْتَأْنَفِ الْأَحْكَامِ دُونَ مَاضِيهَا.
فَلِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَقَّبَهَا.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَقَّبَهَا مِنْ غَيْرِ مُتَظَلِّمٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ ذَلِكَ لَهُ - وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ - عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَقَّبَهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ الِاحْتِيَاطِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَقَّبَهَا مِنْ غَيْرِ مُتَظَلِّمٍ إِلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَتَشَاغَلُ بِمَاضٍ لَمْ يَلْزَمْهُ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَتَتَبَّعُ قَدَحًا فِي الْوُلَاةِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ.
فَإِنْ تَظَلَّمَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَوَّلِ مُتَظَلِّمٌ لَمْ تَخْلُ ظُلَامَتُهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي حُكْمٍ أَوْ غَيْرِ حُكْمٍ.
فَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ حُكْمٍ كَدَعْوَى دَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ عَقْدٍ عَقَدَهُ مَعَهُ كَانَ الْأَوَّلُ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْخُصُومِ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ إِحْضَارُهُ وَسَمَاعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ.
وَإِنْ كَانَ التَّظَلُّمُ مِنْهُ فِي حُكْمٍ حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْمَعِ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى مِنْهُ مُجْمَلَةً حَتَّى يَصِفَهَا بِمَا تَصِحُّ الدَّعْوَى بِمِثْلِهِ.
فَإِذَا وَصَفَهَا نَظَرَ الْحَاكِمُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِمِثْلِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَضَ، لِأَنَّهُ خَالَفَ فِيهَا مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْخَفِيَّ، أَوْ خَالَفَ فِيهَا مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ، رَدَّ الْمُتَظَلِّمَ عَنْهُ وَلَمْ يُعِدْهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ حُكْمَهُ نَافِذٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مِمَّا يُنْقَضُ مِثْلُهُ، لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْإِجْمَاعِ أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ مِنْ قِيَاسي الْمَعْنَى أَوْ قِيَاسِ التَّحْقِيقِ مِنْ قِيَاسِي الشَّبَهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا بَعْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْهُ فِيمَا يَسْتَجِيزُ بِهِ الْحَاكِمُ إِحْضَارَ الأول على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُ إِحْضَارَهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى يُقِيمَ بِهَا الْمُتَظَلِّمُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَوَّلِ نُفُوذُهَا عَلَى الصِّحَّةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ فِيهَا عَنِ الظَّاهِرِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَلِأَنْ تُصَانَ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبِذْلَةِ إِلَّا بِمَا يُوجِبُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنِ اقْتَرَنَ بِدَعْوَاهُ أَمَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْ كِتَابِ قَضِيَّةٍ أَوْ مَحْضَرٍ ظَاهِرِ الصِّحَّةِ أَحْضَرَ بِهِ الْأَوَّلَ، وَإِنْ تَجَرَّدَتِ الدَّعْوَى عَنْ أَمَارَةٍ لَمْ تُحْضِرْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْضِرُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، لِاحْتِمَالِ الدَّعْوَى وَحَسْمِ التَّظَلُّمِ وَرَفْعِ الشَّنَاعَةِ.
فَإِذَا حَضَرَ الْأَوَّلُ اسْتَأْنَفَ الْمُتَظَلِّمُ دَعْوَاهُ.
فَإِذَا كَمَّلَهَا سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهَا إِنْ أَوْجَبَتْ غُرْمًا، وَلَمْ يَسْأَلْهُ إِنْ لَمْ تُوجِبْ غُرْمًا.
لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ الْعَزْلِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي مَاضِي أَحْكَامِهِ.
وَمَقْبُولٌ فِيمَا لَزِمَهُ غُرْمُهُ.
وَعَمَلُ الْحَاكِمِ فِيهِ عَلَى الْبَيِّنَةِ بِمَا تَقُومُ بِهِ.
فَإِنِ اعْتَرَفَ بِمَا يُوجِبُ الْغُرْمَ أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ.
وَإِنْ أَنْكَرَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ إِحْلَافِهِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ لَا يُحَلِّفُهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ حُكْمٍ وَلَيْسَ بِاسْتِهْلَاكِ فِعْلٍ وَظَاهِرُ الْأَحْكَامِ نُفُوذُهَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَجِبُ صِيَانَةُ الْحُكَّامِ فِيهَا عَنِ الْبِذْلَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ تَسْتَوِي فِيهَا الْكَافَّةُ وَلَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِمْ وَلَكِنْ لَوِ ادَّعَى الْمُتَظَلِّمُ أَنَّهُ ارْتَشَى مِنْهُ مَالًا عَلَى الْحُكْمِ فَالرِّشْوَةُ ظُلْمٌ كَالْغُصُوبِ فَيَجُوزُ إِحْضَارُ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَإِحْلَافُهُ عَلَيْهَا إِنْ أنكر.
(اتخاذ المترجم)
:
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَإِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ لَمْ تُقْبَلِ التَّرْجَمَةُ عَنْهُ إِلَا بِعَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ لِسَانَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يَعْرِفُ لِسَانَ الْأَعْجَمِيِّ فَلَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى تَرْجُمَانٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ لِسَانَ الْأَعْجَمِيِّ احْتَاجَ إِلَى مُتَرْجِمٍ يُتَرْجِمُ لِلْحَاكِمِ مَا قَالَهُ الْأَعْجَمِيُّ.
(حكم الترجمة)
وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ التَّرْجَمَةِ هَلْ هِيَ شَهَادَةٌ أَوْ خَبَرٌ؟ .
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا شَهَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدَدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: التَّرْجَمَةُ خَبَرٌ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى عَدَدٍ، بَلْ تُقْبَلُ فِيهَا تَرْجَمَةُ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَ عَدْلًا.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ لَمَّا قُبِلَتْ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَانَتِ التَّرْجَمَةُ
بِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ تَرْجَمَةُ الْأَعْمَى وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ جَرَتْ مَجْرَى الْخَبَرِ الذي تقبل فيه روايته.
ودليلنا أنه تثبت إِقْرَارٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَفْتَقِرَ إِلَى الْعَدَدِ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ نَقَلَ إِقْرَارًا لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَنْ تَكُونَ شَهَادَةً تَفْتَقِرُ إِلَى عَدَدٍ، فَوَجَبَ إِذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ تَفْتَقِرُ إِلَى عَدَدٍ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَنْكَرَ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إخبار الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ تُقْبَلَ فِيهَا إِخْبَارُ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ فِي التَّرْجَمَةِ جَازَ أَنْ يُقْبَلَ فِيهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي التَّرْجَمَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَرْجَمَةِ الْأَعْمَى فَهُوَ أَنَّ التَّرْجَمَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى السَّمَاعِ دُونَ الْبَصَرِ وَشَهَادَةُ الْأَعْمَى مَقْبُولَةٌ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالسَّمَاعِ وَإِنْ رُدَّتْ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْبَصَرِ.
(فصل: ترجمة الوالد والولد والمرأة) .
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّرْجَمَةَ شَهَادَةٌ وَلَيْسَتْ بِخَبَرٍ فَلَا تُقْبَلُ فِيهَا تَرْجَمَةُ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا.
فَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَتْ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ كَالْإِقْرَارِ بِالْأَمْوَالِ سُمِعَتْ تَرْجَمَةُ الْمَرْأَةِ وَحُكِمَ فِيهَا بِتَرْجَمَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَالشَّهَادَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ كَالْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ وَالْمَنَاكِحِ، لَمْ تُسْمَعْ فِيهِ تَرْجَمَةُ الْمَرْأَةِ، وَنُظِرَ: فَإِنْ كَانَتْ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ كَغَيْرِ الزِّنَا حَكَمْنَا فِيهِ بِتَرْجَمَةِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِالزِّنَا فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ بِخِلَافِ فِعْلِ الزِّنَا فَعَلَى هَذَا يَحْكُمُ فِيهِ بِتَرْجَمَةِ شَاهِدَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَحْكُمُ فِيهِ إِلَّا بِتَرْجَمَةِ أَرْبَعَةٍ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْخَصْمَيْنِ مِنْ أَنْ يَكُونَا أَعْجَمِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْجَمِيًّا شَهِدَ الْمُتَرْجِمَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمَا قَالَهُ الْأَعْجَمِيُّ مِنْ دَعْوَى أَوْ جَوَابٍ وَأَدَّيَاهُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ دُونَ الْخَبَرِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُمَا يَذْكُرَانِهِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ دُونَ الشَّهَادَةِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا افْتَقَرَ إِلَى عَدَدِ الشَّهَادَةِ وَجَبَ أَنْ يَفْتَقِرَ إِلَى لفظهما ثم
يَذْكُرُ الْحَاكِمُ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ الْعَرَبِيِّ وَيَسْمَعُ جَوَابَهُ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَا أَعْجَمِيَّيْنِ فَهَلْ لِلْمُتَرْجِمَيْنِ عَنْ أَحَدِهِمَا أَنْ يُتَرْجِمَا عَنِ الْآخَرِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّاهِدَيْنِ إِذَا تَحَمَّلَا عَنْ أَحَدِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ هَلْ يَتَحَمَّلَانِ عَنِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ أَمْ لَا؟ .
فَإِنْ قيل: بجوازه في التحمل، قبل بِجَوَازِهِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ فِي التَّحَمُّلِ مَنَعَ مِنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ.
فَأَمَّا تَرْجَمَةُ مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ لِلْخَصْمِ الْأَعْجَمِيِّ فَهِيَ خَبَرٌ مَحْضٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ الْحُكَّامِ الْمُلْزِمِينَ.
فَيَجُوزُ فِيهَا تَرْجَمَةُ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَرْجِمُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ هُوَ الْمُتَرْجِمَ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ وَجْهًا وَاحِدًا لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ عِنْدَ الحاكم وغير الحاكم بالوجوب والإلزام.
(الشهود)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي كَتَبَ حِلْيَةَ كُلِّ رَجُلٍ وَرَفَعَ فِي نَسَبِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أَوْ وِلَايَةٍ إِنْ كَانَتْ لَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ صِنَاعَتِهِ وَكُنْيَتِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ وَعَنْ مَسْكَنِهِ وَعَنِ مَوْضِعِ بِيَاعَتِهِ وَمُصَلَّاهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الشُّهُودِ إِذَا شهدوا عند القاضي من ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ عَدَالَتَهُمْ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ وَيَعْمَلَ عَلَى عِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمْ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْلَمَ فِسْقَهُمْ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ أَوْ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَيَعْمَلَ عَلَى عِلْمِهِ فِي فِسْقِهِمْ، فَيَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ فِيمَا عَدَاهُ قَوْلَانِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلَا فِسْقٍ: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْلَمَ إِسْلَامَهُمْ، أَوْ لَا يَعْلَمَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إِسْلَامَهُمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ، حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ بِظَاهِرِ الدَّارِ فِي سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ وَإِنْ أَجْرَيْنَا عَلَى اللَّقِيطِ حُكْمَ الْإِسْلَامِ بِظَاهِرِ الدَّارِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَةِ مِنْ إِلْزَامِ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِاللَّقِيطِ.
وَإِنْ عَلِمَ إِسْلَامَهُمْ وَجَهِلَ عَدَالَتِهِمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ حَتَّى يَبْحَثَ عَنْ عَدَالَةِ ظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ فَيَحْكُمَ بِهَا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ.
وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ سِيمَا حَسَنٌ وَسَمْتٌ جَمِيلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ وَيَعْمَلَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ عَدَالَتِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْهَا إِلَّا فِي الْحُدُودِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا، أَوْ يَجْرَحُهُمُ الْخَصْمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْهَا فِيمَا عَدَاهُمَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ لَهُمْ سِيَمَا جَمِيلٌ وَسَمْتٌ حَسَنٌ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِيمَا وَسَمْتٌ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ، إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143] .
وَدَلِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " وَسَطًا " وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ.
(هُمْ وَسَطٌ تَرْضَى الْأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ ... إِذَا نَزَلَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ)
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَهُمْ بِمَا رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا شَهِدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ.
فَقَالَ لَهُ: " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالصِّيَامِ مِنَ الْغَدِ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ عَدَالَتِهِ، وَعَمَلَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي فِرْيَةٍ " فَحَكَمَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، إِلَّا مَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: " الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَلَّى السَّرَائِرَ، وَدَرَأَ الْحُدُودَ بِالْأَيْمَانِ وَالْبَيِّنَاتِ " وَهَذَا عَهْدٌ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ.
وَقَالُوا: وَلِأَنَّ الْفِسْقَ طَارِئٌ بِمَا يَسْتَحْدِثُهُ مِنْ فِعْلِ الْمَعَاصِي بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَدَامَ حُكْمُ عَدَالَتِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهَا مِنْ فِسْقِهِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ إِسْلَامُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ وَجَبَ اعْتِبَارُ عَدَالَتِهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
وَلِأَنَّ الرُّوَاةَ لِأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ لَمَّا اعْتُبِرَتْ عَدَالَةُ ظَاهِرِهِمْ دُونَ بَاطِنِهِمْ كَانَ فِي الشَّهَادَاتِ أَوْلَى.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ فِي شُهُودِ الْمَنَاكِحِ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ، كَذَلِكَ شُهُودُ غَيْرِ الْمَنَاكِحِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا﴾ فَأَمَرَ بِالْعَدْلِ، وَنَهَى عَنِ الْفَاسِقِ، فَوَجَبَ الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِمْ أَوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمْ، وَلَا يَحْكُمُ بِالْعَدَالَةِ عَنْ جَهَالَةٍ كَمَا لَا يَحْكُمُ بِالْفِسْقِ عَنْ جَهَالَةٍ لِاحْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ.
وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُكَ وَلَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا أَعْرِفَكَ فَائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَنَا أَعْرِفُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ،.
قَالَ: هُوَ جَارُكَ الْأَدْنَى تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الْوَرَعِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَصَاحِبُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَلَسْتَ تَعْرِفُهُ ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُكَ فَدَلَّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنِ الْعَدَالَةِ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ إِنَّ كُلَّ عَدَالَةٍ شُرِطَتْ فِي الشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ الْجَهَالَةِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْحُدُودِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهَا فِي الْحُدُودِ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهَا فِي غَيْرِ الْحُدُودِ كَمَا لَوْ طَعَنَ فِيهَا الْخَصْمُ.
وَلِأَنَّ كُلَّ عَدَالَةٍ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهَا إِذَا طَعَنَ فِيهَا الْخَصْمُ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَطْعَنِ الْخَصْمُ كَالْحُدُودِ.
وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَدَالَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي صِفَةِ الِاعْتِبَارِ، فَهُمُ اعْتَبَرُوهَا بِالظَّاهِرِ وَنَحْنُ نَعْتَبِرُهَا بِالْبَحْثِ وَالْبَحْثُ أَقْوَى مِنَ الظَّاهِرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالِاعْتِبَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَالِاسْتِظْهَارِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِإِسْلَامِهِ بِالظَّاهِرِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ فِيهَا كُفَّارًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَالَتِهِ بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ فُسَّاقًا.
فَأَمَّا الجواب عن قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ شَهِدُوا فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ".
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَهَادَتُهُمْ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسَالَةَ رَبِّهِمْ [أَلَا تَرَى كَيْفَ] قَالَ: ﴿وَيَكُونَ الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: 143] أن ما شهدتهم بِهِ حَقٌّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ " فَهُوَ أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ عَمَلِ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي مُوجِبٌ لِعَدَالَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِيهِمْ إِذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَالْبَحْثُ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْعِلْمِ بِهَذَا.
وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْفِسْقَ طَارِئٌ فَهُوَ أَنَّ الْعَدَالَةَ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَالْفِسْقَ بِفِعْلِ الْمَعَاصِي، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفِعْلَيْنِ طَارِئٌ، فَلَمْ يَكُنِ الْأَخْذُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَمَّا اعْتُبِرَ ظَاهِرُ إِسْلَامِهِ اعْتُبِرَ ظَاهِرُ عَدَالَتِهِ فَهُوَ أَنَّ الْإِسْلَامَ اعْتِقَادٌ يَخْفَى فَعَمِلَ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالْعَدَالَةُ وَالْفِسْقُ بِأَفْعَالٍ تَظْهَرُ فَأَوْجَبَتِ الْبَحْثَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عَدَالَةِ الرُّوَاةِ: فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تُعْتَبَرُ فِيهِمْ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَالشَّهَادَةِ وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِمْ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ وَيُعْتَبَرُ فِي الشُّهُودِ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ يَسْتَوِي فيه الْمُخْبِرُ وَغَيْرُ الْمُخْبِرِ، فَكَانَتِ التُّهْمَةُ مُنْتَفِيَةً وَالِاعْتِبَارُ أَخَفَّ، وَالشَّهَادَةُ يَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَكَانَتِ التُّهْمَةُ مُتَوَجِّهَةً وَالِاعْتِبَارُ أَغْلَظَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ [قَدْ يُقْبَلُ فِي الرِّوَايَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ مَنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي الشَّهَادَةِ وَيُقْبَلُ خَبَرُ الرَّاوِي مَعَ وُجُودِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَتُقْبَلُ مِنْهَا رِوَايَةُ الْوَاحِدِ عَنِ الْوَاحِدِ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَنْعَنَةُ، لِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ.
وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ لَا يَجُوزُ فِي الشَّهَادَةِ] كَذَلِكَ حال العدالة.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عَدَالَةِ شُهُودِ الْمَنَاكِحِ فَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَذْهَبُ إِلَى اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، كَالشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُهُمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِمْ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَدَالَةَ الْبَاطِنِ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا غَيْرُ الْحُكَّامِ، فَاخْتَصَّ اعْتِبَارُهَا بِالْأَحْكَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُقُودَ الْمَنَاكِحِ تَكْثُرُ، وَفِي تَأْخِيرِهَا إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ الْبَاطِنِ ضَرَرٌ شَاقٌّ فَخَالَفَتْ شهادة الأحكام.
(فصل: اعتراف المشهود عليه بعدالة الشهود)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمْ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ، فَاعْتَرَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِعَدَالَتِهِمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ، عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّهِ فَأَسْقَطَ اعْتِبَارَهُ فِيهِمْ بِاعْتِرَافِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتَزْكِيَتِهِ لَهُمْ، لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ حُكْمًا بِعَدَالَتِهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ أن يحكم بها بتزكية الخصم.
(تدوين أسماء الشهود وحليتهم)
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُثْبِتَ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ، وَكُنَاهُمْ، وَيَرْفَعَ فِي أَنْسَابِهِمْ، أَوْ وَلَائِهِمْ، وَيَذْكُرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ صَنَائِعَ وَمَكَاسِبَ، وَبِقَاعِ مَسَاكِنِهِمْ، وَيُثْبِتَ حُلَاهُمْ وَأَوْصَافَهُمْ فِي أَلْوَانِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، لِئَلَّا تُشْتَبَهُ الْأَسْمَاءُ وَالْأَنْسَابُ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّهُ قَالَ: شَيْئَانِ مَا عَمِلَ بِهِمَا قَبْلِي أَحَدٌ، وَلَا يَتْرُكُهُمَا بَعْدِي أَحَدٌ.
تَحْلِيَةُ الشُّهُودِ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُمْ سرا.
(تزكية الشهود) .
فَإِذَا فَرَغَ الْحَاكِمُ مِنْ إِثْبَاتِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَسْمَاءِ الشُّهُودِ وَحُلَاهُمْ، أَذِنَ لَهُمْ فِي الِانْصِرَافِ لِيَبْحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا، بِأَصْحَابِ مَسَائِلِهِ، عَلَى مَا سَنَصِفُهُ مِنْ بَعْدُ لِيَثْبُتَ عِنْدَهُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَدَالَةٍ أَوْ فِسْقٍ.
وَيَكُونُ الْكَشْفُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ وَاجِبًا عَلَى الْحَاكِمِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِعَدَالَتِهِمْ.
وَقَالَ الْمَغْرِبِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ دُونَ الْحَاكِمِ.
إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي دُونَ الْحَاكِمِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ وَالْجَرْحَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْحَاكِمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكَشْفُ عَنْهُمَا مُسْتَحَقًّا عليه.
(تفريق الشهود) .
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأُحِبُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سُدَّةُ عُقُولٍ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ ثَمَّ يَسْأَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَتِهِ عَنْ شَهَادَتِهِ وَالْيَوْمِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ وَالْمَوْضِعِ وَمَنْ فِيهِ لِيُسْتَدَلَّ عَلَى عَوْرَةٍ إِنْ كَانَتْ فِي شَهَادَتِهِ وَإِنْ جَمَعُوا الْحَالَ الْحَسَنَةَ وَالْعَقْلَ لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ عَدَالَتُهُ مِنَ الشُّهُودِ أَنْ يَرَاهُمْ عَلَى كَمَالٍ أَوِ اخْتِلَالٍ.
فَإِنْ رَآهُمْ عَلَى وُفُورِ الْعَقْلِ وَشِدَّةِ التَّيَقُّظِ وَظُهُورِ الْحَزْمِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اخْتِبَارِهِمْ وَلَا أَنْ يُفَرِّقَهُمْ لِسُؤَالِهِمْ وَاقْتَصَرَ عَلَى إِثْبَاتِ أَسْمَائِهِمْ لِيَتَوَلَّى أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ.
وَإِنْ رَآهُمْ عَلَى اخْتِلَالٍ مِنْ قِلَّةِ الْحَزْمِ وَضَعْفِ الرَّأْيِ وَاضْطِرَابِ الْعَقْلِ اخْتَبَرَهُمْ قَبْلَ إِثْبَاتِ أَسْمَائِهِمْ.
وَاخْتِبَارُهُمْ يَكُونُ بِتَفْرِيقِهِمْ وَسُؤَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ عَنْ صِفَةِ شَهَادَتِهِ، فِي سَبَبِهَا، وَزَمَانِهَا، وَمَكَانِهَا، لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ عِنْدَ الِارْتِيَابِ كَالَّذِي رُوِيَ أَنَّ أَرْبَعَةً مِنْ حَوَاشِي نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ هَمُّوا بِإِصَابَةِ امْرَأَةٍ فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِمْ فَشَهِدُوا عَلَيْهَا عِنْدَ دَاوُدَ بِالزِّنَا فَهَمَّ بِرَجْمِهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَاسْتَدْعَى أَرْبَعَةً مِنَ الصِّبْيَانِ فَشَهِدُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ فَرَّقَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ فَاخْتَلَفُوا فَرَدَّ شَهَادَتَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ دَاوُدَ فَفَرَّقَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمْ وَقِيلَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ فَرَّقَ الشُّهُودَ دَانْيَالَ شَهِدَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا، فَفَرَّقَهُمْ وَسَأَلَهُمْ فَاخْتَلَفُوا فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُمْ.
وَحُكِيَ أَنَّ سَبْعَةً خَرَجُوا فِي سَفَرٍ فَفُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تَدَّعِي عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ فَفَرَّقَهُمْ وَأَقَامَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى سَارِيَةٍ وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلًا وَاسْتَدْعَى أَحَدَهُمْ وَسَأَلَهُ فَأَنْكَرُ فَقَالَ عَلِيٌّ اللَّهُ أَكْبَرُ فَظَنُّوا حِينَ سَمِعُوا تَكْبِيرَهُ أنه كبر إِقْرَارِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَأَقَرُّوا، فَقَالَ الْأَوَّلُ: أَنَا مَا أَقْرَرْتُ.
فَقَالَ " قَدْ شَهِدَ عَلَيْكَ أَصْحَابُكَ ". فَثَبَتَ أَنَّ تَفْرِيقَ الشُّهُودِ مَعَ الِارْتِيَابِ نُدِبَ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَنَفْيِ الِارْتِيَابِ.
فَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ تَفَرُّقِهِمْ رَدَّهُمْ وَلَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إثبات أسمائهم والبحث عن عدالتهم.
(وعظ الشهود) .
وَإِنِ اتَّفَقُوا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا وَعَظَهُمْ بِمَا يَخَافُونَ بِهِ فَضِيحَةَ الدُّنْيَا وَعَذَابَ الْآخِرَةِ.
رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَأَنْكَرَ، فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِيَ شَاهِدَيْنِ فَشَهِدَا لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: وَالَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مَا كَذَبْتُ فِي الْإِنْكَارِ وَلَقَدْ كَذِبَا عَلَيَّ فِي الشَّهَادَةِ وَلَوْ سَأَلْتَ عَنْهُمَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِمَا اثْنَانِ، وَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَالَ قَدْ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ إِنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا وَتَرْمِي بِمَا فِي حَوَاصِلِهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَإِنْ صَدَقْتُمَا فَاثْبُتَا وَإِنْ كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا فغطيا رؤوسهما وَانْصَرَفَا.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالسَّرِقَةِ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَاللَّهِ مَا سَرَقْتُ، وَوَاللَّهِ مَا سَرَقْتُ، وَوَاللَّهِ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ، فَوَعَظَهُمَا عَلِيٌّ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَذَهَبَا فِي الزِّحَامِ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ صَدَقَا لَثَبَتَا وَلَمْ يَقْطَعِ الرَّجُلَ.
وَلِأَنَّ الْحَسَدَ وَالتَّنَافُسَ قَدْ يَبْعَثُ مَنْ قَلَّتْ أَمَانَتُهُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْكَذِبِ: إِمَّا اعْتِمَادًا لِإِضْرَارٍ، أَوِ ارْتِشَاءً عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، فَلَزِمَ الْحَاكِمَ التَّحَفُّظُ فِيهَا فِيمَنْ جَهِلَ حَالَهُ اخْتَبَرَهُ بِمَا أَمْكَنَ مِنْ الِاخْتِبَارِ وَالْوَعْظِ.
فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ وَعْظِهِ سَتَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْضَحْهُ إِلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْهُ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ فَيَكْشِفُ حَالَهُ لِيَتَحَرَّزَ مِنْهُ الْحُكَّامُ.
فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الْوَعْظِ عَلَى شَهَادَتِهِ أَثْبَتَ اسْمَهُ حِينَئِذٍ لِلْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(صِفَاتُ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ أَوِ الْمُزَكِّينَ)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ جَامِعِينَ لِلْعَفَافِ فِي الطُّعْمَةِ وَالْأَنْفُسِ وَافِرِي الْعُقُولِ بَرَآءَ مِنَ الشَّحْنَاءِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ أَوِ الْحَيْفِ عَلَيْهِمْ أَوِ الْحَيْفِ عَلَى أَحَدٍ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ أَوِ الْمُمَاطَلَةِ لِلنَّاسِ وَأَنْ يَكُونُوا جَامِعِينَ لِلْأَمَانَةِ فِي أَدْيَانِهِمْ لَا يَتَغَفَّلُونَ بِأَنْ يَسْأَلُوا الرَّجُلَ عَنْ عَدُوِّهِ فَيُخْفِيَ حَسَنًا وَيَقُولَ قَبِيحًا فَيَكُونُ جَرْحًا وَيَسْأَلُوهُ عَنْ صَدِيقِهِ فَيُخْفِيَ قَبِيحًا وَيَقُولَ حَسَنًا فَيَكُونَ تَعْدِيلًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا احْتَاجَ الْقَاضِي إِلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ عَوَّلَ فِيهِمْ عَلَى أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ، لِيَعْرِفَ مِنْهُمُ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ.
ثُمَّ وَصَفَ الشَّافِعِيُّ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ، بِسَبْعَةِ أَوْصَافٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونُوا جَامِعِينَ لِلْعَفَافِ فِي الطُّعْمَةِ وَالْأَنْفُسِ.
وَالْعَفَافُ فِي الطُّعْمَةِ أَنْ لَا يَأْكُلُوا الْحَرَامَ وَالشُّبَهَ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى قَبُولِ الرَّشْوَةِ.
وَالْعَفَافُ فِي الْأَنْفُسِ أَنْ لَا يُقْدِمُوا عَلَى ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ أَوْ مُشْتَبَهٍ فَيَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّحْرِيفِ وَالْكَذِبِ.
وَالْوَصْفُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا وَافِرِي الْعُقُولِ لِيَصِلُوا بِوُفُورِ عُقُولِهِمْ إِلَى غَوَامِضِ الْأُمُورِ بِلُطْفٍ، وَيَتَحَرَّزُوا بِوُفُورِ عُقُولِهِمْ أَنْ يَتِمَّ عَلَيْهِمْ خِدَاعٌ أَوْ حِيلَةٌ، فَيَجْمَعُوا بِوُفُورِ عُقُولِهِمْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَالْوَصْفُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا بَرَآءَ مِنَ الشَّحْنَاءِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ فَلَا يَكُونُوا مِمَّنْ يُعَادِي النَّاسَ وَيَحْسُدُهُمْ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ فِي طِبَاعِهِ الْعَدَاوَةُ وَالْحَسَدُ، كَانَ مِنَ الْخَيْرِ بَعِيدًا، وَمِنَ الشَّرِّ قَرِيبًا، فَلَمْ يُوثَقْ بِخَبَرِهِ.
وَالْوَصْفُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ فِي نَسَبٍ أَوْ مَذْهَبٍ فَيَمِيلُ مَعَ مُوَافِقِهِ فِي تَحْسِينِ قَبِيحِهِ، وَيَمِيلُ عَلَى مُخَالِفِهِ فِي تَقْبِيحِ حَسَنِهِ.
وَالْوَصْفُ الخامس: أن يكون بعيدا عن مماظة الناس والمماظة اللَّجَاجُ؛ لِأَنَّ اللَّجُوجَ يَنْصُرُ هَوَاهُ، وَيَرْتَكِبُ مَا يَهْوَاهُ، وَلَا يَرْجِعُ عَنِ الْخَطَأِ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ فَلَمْ يُؤْمَنْ بِلُجَاجِهِ أَنْ يَعْدِلَ مَجْرُوحًا، أَوْ يَجْرَحَ مُعَدَّلًا.
وَالْوَصْفُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونُوا جَامِعِينَ لِلْأَمَانَةِ لِيُورِدَ بِأَمَانَتِهِ مَا سَمِعَهُ وَعَرِفَهُ وَلَا يَتَأَوَّلُ فِيهِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ إِلَى أَضْعَفِهِمَا وَعَنْ أَظْهَرِ الْحَالَيْنِ إِلَى أَخْفَاهُمَا.
وَالْوَصْفُ السَّابِعُ: أَنْ لَا يَسْتَرْسِلَ فَيَسْأَلَ عَدُوًّا مُبَايِنًا مُنَابِذًا وَلَا صَدِيقًا مُوَاصِلًا، لِأَنَّ الْعَدُوَّ يُظْهِرُ الْقَبِيحَ وَيُخْفِي الْحَسَنَ، وَالصَّدِيقُ يُظْهِرُ الْحَسَنَ وَيُخْفِي الْقَبِيحَ، وَلِيَعْدِلْ إِلَى سُؤَالِ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمْ يَتَظَاهَرْ بِعَدَاوَةٍ، وَلَمْ يَتَخَصَّصْ بِصَدَاقَةٍ، لِأَنَّ رَأْيَهُ أَسْلَمُ، وَقَوْلَهُ أَصْدَقُ، وَهَذَا الْوَصْفُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْمَسَائِلِ وَلَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَتِهِ.
فَإِذَا تَكَامَلَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ فِي أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ وَإِنْ كَانَ كَمَالُهَا مُتَعَذَّرًا صَارُوا أَهْلًا أَنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِمْ فِي الْبَحْثِ وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي التَّعْدِيلِ والجرح.
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَيَحْرِصُ عَلَى أَنْ لَا يُعْرَفَ لَهُ صَاحِبُ مَسْأَلَةٍ فَيُحْتَالَ لَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ احْتِيَاطِ الْحُكَّامِ فِي أَنْ لَا يُعْرَفَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ مَسَائِلَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ لَا يُعْرَفُوا بَيْنَ النَّاسِ بِأَنْسَابِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ وَإِنَّمَا احْتَاطُوا بِذَلِكَ حَتَّى لَا يُحْتَالَ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ سَأَلُوا عَنْ حَالِهِ.
وَالَّذِي يُؤْمَرُ بِأَنْ لَا يُعْرَفُوا عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ:
أَحَدُهَا: عِنْدَ الْمَشْهُودِ لَهُ حَتَّى لَا يَحْتَالَ فِي تَعْدِيلِ شُهُودِهِ.
وَالثَّانِي: عِنْدَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَحْتَالَ فِي جَرْحِ شُهُودِهِ.
وَالثَّالِثُ: عِنْدَ الشُّهُودِ حَتَّى لَا يَحْتَالُوا فِي تعديل أنفسهم.
والرابع: عند المسؤولين عَنِ الشُّهُودِ حَتَّى لَا يَحْتَالَ لَهُمُ الْأَعْدَاءُ فِي الْجَرْحِ وَالْأَصْدِقَاءُ فِي التَّعْدِيلِ.
(مَا يَجِبُ أن يعلمه أصحاب المسائل) .
(مسألة)
: قال الشافعي: " وأن يكتب لِأَصْحَابِ الْمَسَائِلِ صِفَاتِ الشُّهُودِ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَأَسْمَاءَ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ وَمَبْلَغَ ما شهدوا فيه ثم لا يسألون أحدا حتى يخبروه بمن شهدوا له وعليه وبقدر ما شهدوا فيه فإن المسؤول قد يعرف ما لا يعرف الحاكم من أن يكون الشاهد عدوا للمشهود عليه أو شريكا فيما شهد فيه وتطيب نفسه على تعديله في اليسير ويقف في الكثير ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْفَصْلُ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْحَاكِمُ، فِيمَا يُلْقِيهِ إِلَى أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: صِفَاتُ الشُّهُودِ، بِأَسْمَائِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ، وَصِنَاعَتِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، وَحِلْيَةِ أَبْدَانِهِمْ، وَأَلْوَانِهِمْ، حَتَّى لَا يَشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ المسؤول عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: مَنْ شَهِدُوا لَهُ لِئَلَّا يَكُونَ وَالِدًا، أَوْ وَلَدًا أَوْ شَرِيكًا، مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ.
وَالثَّالِثُ: مَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَكُونَ عَدُوًّا فَيَرُدَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهِ.
وَالرَّابِعُ: مَا شَهِدُوا بِهِ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَرَوْنَ قَبُولَ قَوْلِهِمْ فِي الْيَسِيرِ، وَلَا يَرَوْنَهُ فِي الْكَثِيرِ.
وَهَذَا أَحْوَطُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
فَيُثْبِتُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ لِأَصْحَابِ مَسَائِلِهِ فِي رِقَاعٍ.
وَقَدْ يُسَمَّى أَصْحَابُ الْمَسَائِلِ الْمُزَكِّينَ ثُمَّ الْحَاكِمُ بِالْخِيَارِ مَعَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَحْوَطُ، أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ أَرْبَعَ رِقَاعٍ يَدْفَعُ مِنْهَا رُقْعَتَيْنِ إِلَى مُزَكِّيَيْنِ آخَرَيْنِ لِيَسْأَلَا عَنْ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ وَيَدْفَعَ رُقْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ إِلَى مُزَكِّيَيْنِ آخَرَيْنِ لِيَسْأَلَا عَنِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ فَيَسْمَعُ تَزْكِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ مِنْ مُزَكِّيَيْنِ، وَيَصِيرُ الْمُزَكُّونَ أَرْبَعَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْتَصِرَ على رقعتين فيهما ذكر الشاهدين، فيدع إِحْدَاهُمَا إِلَى أَحَدِ
الْمُزَكِّيَيْنِ، لِيَسْأَلَ عَنِ الشَّاهِدَيْنِ، وَيَدْفَعَ الْأُخْرَى إِلَى الْمُزَكِّي الْآخَرِ لِيَسْأَلَ عَنِ الشَّاهِدَيْنِ، فَتَصِيرُ التَّزْكِيَةُ فيهما مسموعة من مزكيين.
(عمل أصحاب المسائل) .
فَإِذَا تَوَجَّهَ بِهَا أَصْحَابُ الْمَسَائِلِ الْمُزَكُّونَ، كَانَ أَوَّلُ مَا يَسْأَلُونَ عَنْهُ أَحْوَالَ الشُّهُودِ.
فَإِنْ وَجَدُوهُمْ مَجْرُوحِينَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنْ غَيْرِهِمْ.
وَإِنْ وَجَدُوهُمْ مُعَدَّلِينَ سَأَلُوا عَمَّنْ شَهِدُوا لَهُ.
فَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُ مِنْ شَهَادَتِهِمْ لَهُ، لَمْ يَسْأَلُوا عَمَّا عَدَاهُ.
وَإِنْ ذكروا جواز شهادتهم له، سألوا عَمَّنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ.
فَإِنْ ذَكَرُوا مَا يَمْنَعُ مِنْ شَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ، لَمْ يَسْأَلُوا عَمَّا عَدَاهُ.
وَإِنْ ذَكَرُوا جَوَازَ شَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ، ذَكَرُوا حِينَئِذٍ الْقَدْرَ الَّذِي شَهِدُوا فِيهِ.
ثُمَّ عَلَى أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَشْهَدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمَا عَرَفُوهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعِ إِنِ اجْتَمَعَتْ أَوِ افْتَرَقَتْ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حُكْمًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَإِنْ لَزِمَ اعْتِبَارُ جَمِيعِهَا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.
(لَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ إِلَّا من اثنين بلفظ الشهادة)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَا يَقْبَلُ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُ وَلَا تَعْدِيلَهُ وَلَا تَجْرِيحَهُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِتَعْدِيلِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ وَلَا بِجَرْحِهِ إِلَّا بِشَهَادَةِ مُزَكِّيَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ.
فَإِنْ شَهِدَ بِالتَّعْدِيلِ أَوِ الْجَرْحِ وَاحِدٌ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ فِي تَعْدِيلٍ وَلَا جَرْحٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: يَحْكُمُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ وَأَجْرَاهُ مَجْرَى الْخَبَرِ، وَخَالَفَ فِيهِ كَخِلَافِهِ فِي التَّرْجَمَةِ.
اسْتِدْلَالًا بِقَبُولِ خَبَرِهِ فِي الدِّيَانَاتِ، فَكَانَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ أَوْلَى، وَأَجَازَ سَمَاعَ قَوْلِهِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ دُونَ الشَّهَادَةِ.
وَأَجَازَ تَعْدِيلَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ كَمَا أَجَازَ خَبَرَهُمَا.
وَكُلُّ هَذَا فَاسِدٌ عِنْدَنَا، فَلَا يَسْمَعُ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ تَعْدِيلَ وَالِدٍ وَلَا وَلَدٍ وَلَا يَقْبَلُ فِيهِ إِلَّا مَا يَقْبَلُ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ
إِثْبَاتُ حُكْمٍ عَلَى خَصْمٍ بِقَوْلِ غَيْرِهِ فَصَارَ هُوَ الْحَقَّ الْمَطْلُوبَ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى ما استدل به في الترجمة.
(شهادة النساء في التعديل والجرح)
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ وَإِنْ شَهِدَ شُهُودُ الْأَصْلِ بِمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مِنَ الْأَمْوَالِ أَوِ الْوِلَادَةِ أَوْ عُيُوبِ النِّسَاءِ.
وَقَبِلَهَا أَبُو حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ خَبَرٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ.
وَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّهَا شَهَادَةٌ وَلَيْسَتْ بِخَبَرٍ ثُمَّ هِيَ شَهَادَةٌ بِغَيْرِ المال فلم تقبل شهادتهن فيه وإن قبلته في الأموال.
(فصل: هل يحكم القاضي في التزكية بأصحاب المسائل أو بأهل الخبرة؟ .)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ مَحْضَةٌ يَحْكُمُ فِيهَا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يَحْكُمُ الْقَاضِي فِي تَعْدِيلِهِمْ وَجَرْحِهِمْ بِأَصْحَابِ مَسَائِلِهِ؟ أَوْ بِمَنْ عَدَّلَهُمْ وَجَرَحَهُمْ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْحَابَ مَسَائِلِهِ هم الشهود عند بِالتَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ، وَهُمُ الْمُتَحَمِّلُونَ عَنِ الْجِيرَانِ وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ.
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَسْمَعُهُ أَصْحَابُ الْمَسَائِلِ مِنَ الْجِيرَانِ وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ دُونَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْحُكَّامِ.
وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمُ الْعَدَدُ.
وَيَعْتَبِرُ أَنْ يَقَعَ فِي نُفُوسِ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَعْدِيلٍ وَجَرْحٍ فَرُبَّمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُ الْوَاحِدِ فَجَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا ارْتَابَ بِالِاثْنَيْنِ فَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَزِيدَ.
وَيَجُوزُ لِأَصْحَابِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَسْأَلُوا الْجَارَ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ تَعْدِيلَهُ وَجَرْحَهُ؟ وَلَا يَجُوزُ للحاكم أن يسأل أصحاب المسائل من أن عَلِمْتُمُ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ؟ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
أَنَّ الَّذِي يَشْهَدُ بِالتَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ هُمْ مَنْ عَرِفَهُمَا مِنَ الْجِيرَانِ وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَيَكُونُ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ رُسُلَهُمْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ مَسْمُوعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ، وَهُمُ الْجِيرَانُ وَأَهْلُ الْخِبْرَةِ دُونَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَهِيَ لَا تُسْمَعُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شهود الأصل.
فَعَلَى هَذَا إِذَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ الْمَسَائِلِ رُسُلَ مَنْ عَدَّلَ وَجَرَحَ، كَانَ مَا يَذْكُرُهُ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ خَبَرًا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ دُونَ الشَّهَادَةِ، وَيُسَمُّوا لِلْحَاكِمِ مَنْ عَدَّلَ وَجَرَّحَ، ثُمَّ تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ بِالتَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ مِنَ الْجِيرَانِ وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ عَلَى شرط الشهادة.
(فصل: هل يشهد على تعديل الثاني من شهدا على الأول) .
وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ أَوْ مِنَ الْجِيرَانِ بِحَسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ بِتَعْدِيلِ أَحَدِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَا بِتَعْدِيلِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ قَوْلَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ هُمَا فَرْعٌ لِأَصْلٍ وَفِي التَّزْكِيَةِ هُمَا شَاهِدَانِ عَلَى الْأَصْلِ.
(مِنِ احْتِيَاطَاتِ الْحُكَّامِ فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ) .
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَيُخْفِي عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَسْمَاءَ مَنْ دَفَعَ إِلَى الْآخَرِ لِتَتَّفِقَ مَسْأَلَتُهُمَا أَوْ تَختَلِفَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: وَهُوَ مِنِ اسْتِظْهَارِ الْحَاكِمِ، أَنْ يُخْفِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ مَا دَفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى لَا يَجْمَعَهُمُ الْهَوَى عَلَى اتِّفَاقٍ فِي جَرْحٍ أَوْ تَعْدِيلٍ.
وَإِذَا شَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي بِجَرْحٍ أَسَرُّوهُ، وَلَمْ يَجْهَرُوا بِهِ.
وَإِنْ شَهِدُوا بِتَعْدِيلٍ جَازَ أَنْ يَجْهَرُوا بِهِ، لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِإِخْفَاءِ المساوي، وَإِظْهَارِ الْمَحَاسِنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تُسْمَعَ شَهَادَتُهُمْ بِالْجَرْحِ مَعَ غَيْبَةِ الْمَجْرُوحِ، وَلَا يَلْزَمُ إِعَادَتُهَا مَعَ حُضُورِهِ وَتُسْمَعُ شَهَادَتُهُمْ بِالتَّعْدِيلِ مَعَ الْحُضُورِ، وَلِأَنَّ الْمُعَدِّلَ مَحْكُومٌ بِقَوْلِهِ، فَاحْتَاجَ الْحَاكِمُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ.
وَتُسْمَعُ شَهَادَتُهُمْ بِالتَّعْدِيلِ مَعَ غَيْبَةِ الْمُعَدَّلِ وَتُعَادُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ مَعَ حُضُورِهِ، لِئَلَّا يَقَعَ الْغَلَطُ فِي اتِّفَاقِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَنْسَابِ، فَيَزُولُ الِاشْتِبَاهُ بِالْإِشَارَةِ مَعَ الْحُضُورِ.
(حُكْمُ شَهَادَاتِ التَّعْدِيلِ إِذَا اخْتَلَفَتْ) .
(مسألة)
قال الشافعي: " فَإِنِ اتَّفَقَتْ بِالتَّعْدِيلِ أَوِ التَجرِيحِ قَبِلَهُمَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَعَادَهَا مَعَ غَيْرِهِمَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: لَيْسَ يَخْلُو حَالُ الشَّاهِدَيْنِ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِالتَّعْدِيلِ فَيَحْكُمُ بِالْعَدَالَةِ وَيُنَفِّذُ الْحُكْمَ بِشُهُودِ الْأَصْلِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْجَرْحِ، فَيَحْكُمُ بِهِ وَيُسْقِطُ شُهُودَ الْأَصْلِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فَيَشْهَدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَدَالَةِ، وَيَشْهَدَ الْآخَرُ بِالْجَرْحِ، فَلَا يَحْكُمُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ، وَيُنَفِّذُ غَيْرَهُمَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيمَنْ يُنَفِّذُهُ بَعْدَهُمَا عَلَى وَاحِدٍ، لِأَنَّ بِالْوَاحِدِ تكبل بَيِّنَةُ الْجَرْحِ أَوِ التَّعْدِيلِ، وَلَوِ اسْتَظْهَرَ بِإِنْفَاذِ اثْنَيْنِ كَانَ أَحْوَطَ.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَعَادَهُمَا مَعَ غَيْرِهِمَا فَيَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعِيدَهُمَا ثَانِيَةً لِلْبَحْثِ فَرُبَّمَا ظَهَرَ لِمَنْ عَدَّلَ جَرْحٌ يُوَافِقُ فِيهِ صَاحِبَهُ أَوْ ظَهَرَ لِمَنْ جَرَحَ تَعْدِيلٌ يُوَافِقُ فِيهِ صَاحِبَهُ وَيَسْمَعُ الْحَاكِمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُجُوعَهُ إِلَى مَا بَانَ لَهُ مِنْ خِلَافِ شَهَادَتِهِ الْأُولَى.
وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَعَادَهُمَا يَعْنِي عَنِ الشَّهَادَةِ إِلَى حَيْثُ شَاءَ، لِيَنْظُرَ مَا يَشْهَدُ بِهِ الثَّالِثُ، فَإِنْ أَتَاهُ الثَّالِثُ فَشَهِدَ عِنْدَهُ بِالتَّعْدِيلِ كَمُلَتْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ، فَحَكَمَ بِهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ شَهَادَةَ الْخَارِجِ، وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ بِالْجَرْحِ كَمُلَتْ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ، فَحَكَمَ بِهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ شَهَادَةَ الْخَارِجِ، وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ بِالْجَرْحِ كَمُلَتْ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ فَحَكَمَ بِهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ شَهَادَةَ الْمُعَدِّلِ.
(بَيِّنَةُ الْجَرْحِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَإِنْ عُدِّلَ رَجُلٌ بِشَاهِدَيْنِ وَجُرِحَ بِآخَرَيْنِ كَانَ الْجَرْحُ أَوْلَى لِأَنَّ التَّعْدِيلَ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْجَرْحَ عَلَى الْبَاطِنِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: إِذَا شَهِدَ بِعَدَالَةِ رَجُلٍ شَاهِدَانِ وَشَهِدَ بِجَرْحِهِ شَاهِدَانِ كَانَتْ شَهَادَةُ الْجَرْحِ أَوْلَى مِنْ شَهَادَةِ التَّعْدِيلِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ مَا عَلَّلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّعْدِيلِ عَلَى الظَّاهِرِ وَبِالْجَرْحِ عَلَى الْبَاطِنِ، وَالْحُكْمَ بِالْبَاطِنِ أَقْوَى مِنَ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَصَارَ كَمَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِالْإِسْلَامِ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالرِّدَّةِ، كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ أَوْلَى مِنَ الشَّهَادَةِ بِالْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ ظَاهِرٌ، وَالرِّدَّةَ بَاطِنَةٌ، وَكَمَنَ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِالْقَضَاءِ، كَانَتْ شَهَادَةُ الْقَضَاءِ أَوْلَى، لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِبَاطِنٍ.
وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ فِي الْجَرْحِ إِثْبَاتًا، وَفِي التَّعْدِيلِ نَفْيًا، وَالْإِثْبَاتُ أَوْلَى من النفي،
كَمَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ بِطَلَاقِهَا، كَانَتْ شَهَادَةُ الطَّلَاقِ أَوْلَى، لِمَا تَضَمَّنَهَا مِنْ إِثْبَاتِ مَا نُفِيَ بِغَيْرِهَا.
فَلَوْ شَهِدَ بِالْجَرْحِ اثْنَانِ وَشَهِدَ بِالتَّعْدِيلِ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ أَكْثَرَ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ.
وَلَكِنْ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِجَرْحِهِ.
فِي سَنَةٍ أَوْ بَلَدٍ، ثُمَّ شَهِدَ اثْنَانِ بِتَعْدِيلِهِ فِي سَنَةٍ بَعْدَهَا، أَوْ فِي بَلَدٍ آخَرَ، انْتَقَلَ إِلَيْهِ، حَكَمَ بِتَعْدِيلِهِ دُونَ جَرْحِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتُوبُ وَيَنْتَقِلُ مِنَ الْفِسْقِ إِلَى الْعَدَالَةِ، وَيَهْفُو كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ يَسْتَقِيمُونَ.
(لَا يقبل الجرح إلا بيقين)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ إِلَا بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ بِالسَّمَاعِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْفِسْقَ قَدْ يَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: بِالْأَفْعَالِ، كَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ.
وَالثَّانِي: بِالْأَقْوَالِ، كَالْقَذْفِ وَالْكَذِبِ وَالسِّعَايَةِ وَالنَّمِيمَةِ.
وَالثَّالِثُ: بِالِاعْتِقَادِ، كَاسْتِحْلَالِ الْمَحْظُورَاتِ وَالتَّدَيُّنِ بِالْبِدَعِ الْمُسْتَنْكَرَاتِ.
فَالْأَفْعَالُ: تُعْلَمُ بِالْمُعَايَنَةِ، وَالْأَقْوَالُ: تُعْلَمُ بِالسَّمَاعِ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِقَادُ.
فَلَا تُقْبَلُ مِنَ الْجَارِحِ إِذَا شَهِدَ بِأَفْعَالِ الْجَرْحِ إِلَّا إِذَا شَاهَدَهَا.
وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ إِذَا شَهِدَ بِأَقْوَالِ الْجَرْحِ إِلَّا إِذَا سَمِعَهَا.
وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ إِذَا قَالَ بَلَغَنِي وَقِيلَ لِي.
وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْأَعْمَى بِالْجَرْحِ بِالْأَفْعَالِ وَلَا فِي الْأَقْوَالِ، أَمَّا الْأَفْعَالُ فَإِنَّهُ لَمْ يَرَهَا، وَأَمَّا الْأَقْوَالُ فَلِأَنَّهُ، وَإِنْ سَمِعَهَا فَلَيْسَ يَتَحَقَّقُهَا مِنَ الْمَجْرُوحِ لِاشْتِبَاهِ صَوْتِهِ بِصَوْتِ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِهَا عَنِ الْإِخْبَارِ فَإِنْ كَانَتْ أَخْبَارَ آحَادٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُخْبِرِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَخْبَارِ الِاسْتِفَاضَةِ أَوِ التَّوَاتُرِ الَّتِي لَا يَعْتَرِضُهَا ارْتِيَابٌ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا، كَمَا يَشْهَدُ بِالْأَنْسَابِ، وَبِالْأَمْلَاكِ، وَالْمَوْتِ، وَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِلْبَصِيرِ فِي الْعِلْمِ بِهَا.
فَإِذَا عَلِمَ الشَّاهِدُ الْجَرْحَ إِمَّا بِالْمُعَايَنَةِ لِلْأَفْعَالِ أَوْ بِالسَّمَاعِ لِلْأَقْوَالِ أَوْ بِالْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ بِالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بالحق وهم يعلمون﴾ .
فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِهَذَا الْجَرْحِ عِنْدَ الْحَاكِمِ هُمُ الْجِيرَانَ وَأَهْلَ الْخِبْرَةِ كَانَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةً فِي شَهَادَتِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِهَا أَصْحَابَ مَسَائِلِهِ تَحَمَّلُوهَا عَنْ عِلْمِهَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِهَا عَنْهُمْ، لِأَنَّ أَصْحَابَ مَسَائِلِهِ قَدْ نُدِبُوا لِلْبَحْثِ عَنْهَا، وَلَوْ تَحَمَّلُوهَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَقَدَّمُوا الشَّهَادَةَ بِهَا وَلَمَا احْتَاجُوا إِلَى الْمَسْأَلَةِ عَنْهَا.
وَلَا يَصِيرُ أَصْحَابُ الْمَسَائِلِ إِذَا شَهِدُوا بِهَا قَذَفَةً، وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ.
وَيَصِيرُ الْجِيرَانُ بِهَا قَذَفَةً.
إِنْ لَمْ تُكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْمَسَائِلِ نُدِبُوا لِلْإِخْبَارِ بِمَا سَمِعُوهُ، وَلَمْ يُنْدَبِ الْجِيرَانُ إِلَيْهِ وَسَوَاءٌ ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَسَائِلِ هَذَا الْجَرْحَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، لَكِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِهِ إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَحْكُمُ بِهِ إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الخبر.
(ذكر سبب الجرح)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَا يَقْبَلُهُ مِنْ فَقِيهٍ دَيِّنٍ عَاقِلٍ إِلَّا بِأَنْ يَقِفَهُ عَلَى مَا يَجْرَحُهُ بِهِ فَإِنَّ النَّاسَ يَتَبَايَنُونَ فِي الْأَهْوَاءِ فَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ بِالتَأْوِيلِ وَهُوَ بِالْجَرْحِ عِنْدَهُمْ أَوْلَى وَأَكْثَرُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ بَغْيًا حَتَّى يُعَدَّ الْيَسْيرُ الَذِي لَا يَكُونُ جَرْحًا جَرْحًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ حَتَّى يَذْكُرُوا لَهُ أَسْبَابَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ، إِذَا شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّهُ عَدْلٌ، أَوْ فَاسِقٌ، وَلَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ سَبَبِ مَا صَارَ بِهِ عِنْدَهُمْ عَدْلًا، أَوْ فَاسِقًا.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مِنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وَلِأَنَّهُمْ إِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا صَارُوا قَذَفَةً يُحَدُّونَ، فَكَانَتِ الشَّهَادَةُ بِفِسْقِهِ أَسْلَمَ وَأَسْتَرَ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ عِلْمِهِمْ بِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ فِسْقِهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس ".
ولأن الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ إِلَى الْحُكَّامِ دُونَ الشُّهُودِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ، وَلَمْ يُعْمَلْ فِيهِ عَلَى رَأْيِ الشُّهُودِ؛ وَلِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَشَارِبُ النَّبِيذِ
مُخْتَلِفٌ فِي حَدِّهِ وَفِسْقِهِ فَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُفَسِّقُهُ وَلَا يَحُدُّهُ، وَمَالِكٌ يُفَسِّقُهُ وَيَحُدُّهُ، وَالشَّافِعِيُّ يَحُدُّهُ وَلَا يُفَسِّقُهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ إِلَّا قَوْلُ مَنْ يُنَفِّذُ حُكْمَهُ وَهُمُ الْحُكَّامُ دُونَ الشُّهُودِ.
وَقَدْ حَكَى الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ أَنَّ رَجُلًا جَرَحَ شَاهِدًا عِنْدَ حَاكِمٍ، فَقِيلَ لَهُ لِمَ جَرَحَتْهُ؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُهُ يَبُولُ قَائِمًا! قِيلَ: وَلِمَ يصير فاسقا إذا بال قائما؟ قال: ولأنه يَرْشُشُ عَلَى سَاقَيْهِ قِيلَ: أَفَرَأَيْتَهُ يَرْشُشُ عَلَى سَاقَيْهِ حِينَ بَالَ؟ قَالَ: لَا.
فَإِذَا جَازَ أَنْ يُجْرَحَ الشَّاهِدُ بِمِثْلِ هَذَا وَلَيْسَ بِجَرْحٍ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الشَّهَادَةَ بِالْجَرْحِ، حَتَّى يَصِفَ لَهُ مَا يَصِيرُ بِهِ مَجْرُوحًا.
وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ فِي الْمَذَاهِبِ يُفَسِّقُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ بِالْمُخَالَفَةِ فَاسِقًا، فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَفْسِرَهُمْ عَمَّا صَارَ بِهِ فَاسِقًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِالْخَبَرِ، فَقَدْ عَارَضَهُ مَا ذَكَرْنَا فَيَسْقُطَانِ فَيَحْمِلُ السَّتْرَ فِيمَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَالذِّكْرَ فِيمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُمْ يَصِيرُونَ قَذَفَةً فَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّ أَصْحَابَ الْمَسَائِلِ لَا يَصِيرُونَ بِهِ قَذَفَةً وَإِنْ صَارَ الْجِيرَانُ بِهِ قَذَفَةً لَكِنْ لَيْسَ لِأَصْحَابِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ بِالْقَذْفِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوهُ بَعْدَ اسْتِخْبَارِهِمْ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَسْأَلُوا عَنْ سَبَبِ الْعِلْمِ لَمْ يَسْأَلُوا عَنْ سَبَبِ الْفِسْقِ فَهُوَ أَنَّ سَبَبَ الْعِلْمِ بِهِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ وَسَبَبُ فِسْقِهِمْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فوجب أن يسألوا عنه
(فصل: بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِمَّنْ تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَتُهُ) .
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْمَعُ الشَّهَادَةَ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ حَتَّى يَسْأَلَ الشُّهُودَ عَنْ سَبَبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَيَسْتَوِي سُؤَالُهُ عَنِ الشَّهَادَةِ بِالتَّعْدِيلِ وَعَنِ الشَّهَادَةِ بِالْجَرْحِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّلَ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُجْرَحَ مَنْ لَيْسَ بِمَجْرُوحٍ، فَوَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا.
وَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ بِالتَّعْدِيلِ إِلَّا مِمَّنْ تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَتُهُ وَطَالَتْ خِبْرَتُهُ وَلَا يَسْمَعُهَا مِمَّنْ قَرُبَتْ مُدَّةُ مَعْرِفَتِهِ لِجَوَازِ التَّصَنُّعِ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ.
وَيَسْمَعُ الشَّهَادَةَ بِالْجَرْحِ مِمَّنْ تَقَدَّمَتْ مَعْرِفَتُهُ وَمِمَّنْ حَدَثَتْ مَعْرِفَتُهُ؛ لِأَنَّ الْجَرْحَ بِحُدُوثِ فِعْلٍ قَدْ يَكُونُ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ كَمَا يَكُونُ فِي بَعِيدِهَا.
فَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِأَسْبَابِ الْجُرْحِ، اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ رَأْيَهُ فِيهَا فَإِذَا صَارَ بِهَا مَجْرُوحًا
عِنْدَهُ، حَكَمَ بِفِسْقِهِ وَرَدَّ شَهَادَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا مَجْرُوحًا عِنْدَهُ، لَمْ يَحْكُمْ بِفِسْقِهِ، وَلَا بِعَدَالَتِهِ، وَتَوَقَّفَ عَنِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ.
وَإِنْ شَهِدُوا بِأَسْبَابِ الْعَدَالَةِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِيهَا فَإِنْ صَارَ بِهَا عَدْلًا عِنْدَهُ حَكَمَ بِعَدَالَتِهِ وَأَمْضَى الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِرْ بِهَا عَدْلًا عِنْدَهُ لَمْ يَحْكُمْ بِعَدَالَتِهِ وَلَا بِفِسْقِهِ وَتَوَقَّفَ عَنِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ.
(هَلِ السُّؤَالُ عَنْ سَبَبِ التعديل شرط) .
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَا يَقْبَلُ التَعْدِيلَ إِلَّا بِأَنْ يَقُولَ عَدْلٌ عَلَيَّ وَلِي ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْأَلُ عَنْ أَسْبَابِ التَّعْدِيلِ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ أَسْبَابِ الْجَرْحِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّعْدِيلِ أَنْ يَجِدُوهُ سَلِيمًا مِنَ الْهَفَوَاتِ، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى شَرْحِ السَّبَبِ، وَالْجَرْحُ بِحُدُوثِ أَفْعَالِهِ الْمُوجِبَةِ لِفِسْقِهِ، فَوَجَبَ شَرْحُهَا.
فَعَلَى قَوْلِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ يَكُونُ السُّؤَالُ عن سبب العدالة استظهارا وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَاجِبٍ.
وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ في زماننا.
وعلى هذا قول الشافعي: وَلَا يَقْبَلُ التَعْدِيلَ إِلَّا بِأَنْ يَقُولَ: " عَدْلٌ عَلَيَّ وَلِي ".
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِ؛ عَدْلٌ عَلَيَّ وَلِي هَلْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا عَلَى الْوُجُوبِ شَرْطًا فِيهَا؟ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَأْكِيدًا لَهَا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي سعد الْإِصْطَخْرِيِّ إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَأْكِيدًا، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّعْدِيلِ تَقْتَضِي الْحُكْمَ بِهَا لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وطائفة، أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ شَرْطًا مُعْتَبَرًا فِي صِحَّةِ التَّعْدِيلِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّاهِدُ لَمْ يَثْبُتِ التَّعْدِيلُ عَلَى ظَاهِرِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِي الْعِلَّةِ.
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، وَفِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّاهِدُ بِالتَّعْدِيلِ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، لِأَنَّهُ مِنْ وَالِدَيْهِ أَوْ مَوْلُودَيْهِ أَوْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَمُبَايِنِيهِ فَإِذَا قَالَ: عَدْلٌ عَلَيَّ وَلِي زَالَ هَذَا الِاحْتِمَالُ.
فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إِذَا علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة.
وَعَلَى تَعْلِيلِ أَبِي إِسْحَاقَ يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَإِنْ علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا فَهُوَ وَإِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي التَّعْدِيلِ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ رِضًا مَحْمُولٌ على التَّأْكِيدِ دُونَ الْوُجُوبِ، لِأَنَّ الْعَدْلَ رِضًا.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ شَهَادَتَهُ بِأَنَّهُ رِضًا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّعْدِيلِ، لِأَنَّ التَّعْدِيلَ سَلَامَةٌ، وَالرِّضَا كَمَالٌ.
وَاسْتَزَادَ بَعْضُ الْقُضَاةِ مِنْهُمْ فِي التَّعْدِيلِ أَنْ يَذْكُرَ الشُّهُودُ: " أَنَّهُ مَأْمُونٌ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ".
وَهَذَا تَأْكِيدٌ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْعَدَالَةِ أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، فَلَمْ يَلْزَمْ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ نَذْكُرَ أَحْكَامَهَا، كَمَا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا صِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَتَقْوَاهُ، وَتَحَرُّجَهُ.
فَهَذَا شَرْحُ الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ سُؤَالَ الشَّاهِدِ عَنْ أَسْبَابِ الْعَدَالَةِ اسْتِظْهَارٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ سُؤَالَهُ عَنْ أَسْبَابِهَا وَاجِبٌ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ التَّعْلِيلِ، مِنْ جَوَازِ الِاحْتِمَالِ فِي التَّعْدِيلِ، كَجَوَازِ الِاحْتِمَالِ فِي التَّفْسِيقِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الشَّاهِدُ مُؤَدِّيًا لِأَسْبَابِ التَّعْدِيلِ، وَالْقَاضِي هُوَ الْحَاكِمُ بِالْعَدَالَةِ وَتَكُونُ اسْتَزَادَتُهُ مِنَ الشُّهُودِ، أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ عَدْلٌ عَلَيَّ وَلِي اسْتِخْبَارًا عَنْ حُكْمِ الْعَدَالَةِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى سَبَبِهَا.
وَهَلْ يَكُونُ هَذَا الِاسْتِخْبَارُ لَازِمًا فِي حَقِّ الْحَاكِمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا فِي حَقِّ الشَّاهِدِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ [لِيَكُونَ حُكْمُهُ] ، بِالتَّعْدِيلِ عَلَى أَحْوَطِ الْأُمُورِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِأَسْبَابِ التَّعْدِيلِ تُغْنِي عَمَّا سِوَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(لَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ إِلَّا من ذي المعرفة الباطنة)
(مسألة)
: قال الشافعي: " ثَمَّ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ بَاطِنَةً مُتَقَادِمَةً وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّعْدِيلِ تُخَالِفُ الشَّهَادَةَ بِالْجَرْحِ، مِنْ وَجْهَيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَثَالِثٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمَا فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالتَّعْدِيلِ لَا تُقْبَلُ إِلَّا مِمَّنْ كَانَ قَدِيمَ الْمَعْرِفَةِ، وَتُقْبَلُ فِي الْجَرْحِ مِمَّنْ كَانَ حَدِيثَ الْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَنَّعُ الْعَدَالَةَ فِي قَرِيبِ الزَّمَانِ، فَلَمْ تُقْبَلْ إِلَّا مِنْ قَدِيمِ الْمَعْرِفَةِ، وَيَحْدُثُ الْجَرْحُ فِي قَرِيبِ الزَّمَانِ، فَقُبِلَ مِنْ حَدِيثِ الْمَعْرِفَةِ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الظَّاهِرَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا فِي الظَّاهِرِ، مَجْرُوحًا فِي الْبَاطِنِ، وَالْمُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَيُقْبَلُ الْجَرْحُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالْبَاطِنَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ بِهِ مَنْ عُرِفَ ظَاهِرُهُ، كَمَا يُعْلَمُ بِهِ مَنْ عُرِفَ بَاطِنُهُ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ الثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالْجَرْحِ إِلَّا بَعْدَ ذِكْرِ سَبَبِهِ، فَهَلْ يَكُونُ ذِكْرُ السَّبَبِ فِي التَّعْدِيلِ شَرْطًا فِي الشَّهَادَةِ بِهِ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ شَرْطٌ جَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ بِالتَّعْدِيلِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ بِشَرْطٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ بِالتَّعْدِيلِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
(تَعْدِيلُ الْعَلَانِيَةِ)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَيَسْأَلُ عَمَّنْ جَهِلَ عَدْلَهُ سِرًّا فَإِذَا عُدِّلَ سَأَلَ عَنْ تَعْدِيلِهِ عَلَانِيَةً لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُعَدَّلَ سِرًّا هُوَ هَذَا لَا يُوَافِقُ اسْمٌ اسْمًا ولا نسب ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِمَّا إِذَا ابْتَدَأَ أَصْحَابُ الْمَسَائِلِ بِالشَّهَادَةِ فِيمَنْ بَحَثُوا عَنْهُ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عِلْمٌ بِمَا يَشْهَدُونَ بِهِ، مِنْ جَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ، فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يَبْعَثَهُمْ عَلَى الْجَهْرِ بِالشَّهَادَةِ، حَذَرًا أَنْ يَشْهَدُوا بِالْجَرْحِ الْمَأْمُورِ بِسَتْرِهِ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِالْعَدَالَةِ، جَازَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الشَّهَادَةِ سِرًّا وَجَهْرًا.
فَإِنْ شَهِدُوا بِالْجَرْحِ، حَكَمَ بِهِ، وَلَمْ يُعْلِنْهُ.
وَإِنْ شَهِدُوا بِالتَّعْدِيلِ، أَعْلَنَهُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِيُرَغِّبَ النَّاسَ فِي حُسْنِ الذِّكْرِ، وَجَمِيلِ الثَّنَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ جَرْحِهِ مَا يَخْفَى عَلَى غَيْرِهِ.
ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْمُعَدَّلِ؛ فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي النَّاسِ، بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، فِي الِاسْمِ، وَالنَّسَبِ، اقْتَصَرَ الْحَاكِمُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِتَعْدِيلِهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِشَارَةِ الشُّهُودِ إِلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْهُورٍ فِي النَّاسِ، وَجَازَ أَنْ يُشْتَبَهَ الِاسْمُ وَالنَّسَبُ أَخَذَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ بِتَعْيِينِهِ، عِنْدَ حُضُورِهِ، بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ، إِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي شَهِدْنَا عِنْدَكَ بِتَعْدِيلِهِ، لِيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ، فِي اسْمِهِ، وَنَسَبِهِ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُوَافِقَ اسْمٌ اسْمًا، وَنَسَبٌ نَسَبًا.
وَهَذَا التَّعْيِينُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَحَمَلَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، تَأْكِيدًا، اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ.
وَحَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِي الْمَشْهُورِ، وَعَلَى الْوُجُوبِ فِي المجهول أصح.
(فصل: هل الحكم بالعدالة يستقر على التأييد)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا وَحَكَمَ بِالشَّهَادَةِ فِي التَّعْدِيلِ عَلَى مَا شَرَحْنَا وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ تَنْفِيذُ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، ثُمَّ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أن الحكم بعدالته قد استقر على التأييد مَا لَمْ يَطْرَأْ جَرْحٌ يَظْهَرُ مِنْ بَعْدُ، فَيَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِ مَتَى شَهِدَ عِنْدَهُ، اسْتِصْحَابًا بِالظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ يُعِيدُ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِ فِي كُلِّ مُدَّةٍ يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ فِيهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ فِي كُلِّ شَهَادَةٍ، لِأَنَّهُ شَاقٌّ، وَخَارِجٌ عَنِ الْعُرْفِ.
وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَعْتَدُّ بِمُضِيِّهَا الْبَحْثُ عَنْ عَدَالَتِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ.
وَقَدَّرَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
فَإِذَا أَعَادَ الْبَحْثَ عَنْهُ مِرَارًا، اسْتَقَرَّتْ فِي النُّفُوسِ عَدَالَتُهُ، وَتَحَقَّقَتْ أَمَانَتُهُ، فَإِنْ تَجَدَّدَتْ مِنْهُ اسْتِرَابَةٌ أَعَادَ الْبَحْثَ وَالْكَشْفَ وَإِنْ لَمْ تَحْدُثِ اسْتِرَابَةٌ لم يعدها.
(فصل: تمييز الشهود وتعيينهم)
فَأَمَّا تَمْيِيزُ الشُّهُودِ وَتَعْيِينُهُمْ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ حَتَّى يَعْتَمِدَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَسْمَعَ شَهَادَةَ غَيْرِهِمْ كَالَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا فَهُوَ مُسْتَحْدَثٌ، أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، وَكَانَ مَالِكِيًّا مَيَّزَ شُهُودَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ غَيْرِهِمْ، وَتَلَاهُ مَنْ تَعَقَّبَهُ مِنَ الْقُضَاةِ إِلَى وَقْتِنَا لِيَكُونَ الشُّهُودُ أَعْيَانًا مَعْدُودِينَ حَتَّى لَا يَسْتَشْهِدَ الْخُصُومَ بِمَجْهُولِ الْعَدَالَةِ فَيُغَرِّرُوا وَلَا يَطْمَعُ فِي الشَّهَادَةِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهَا فَيَسْتَرْسِلُوا.
وَهَذَا مَكْرُوهٌ مِنْ أَفْعَالِ الْقُضَاةِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحْدَثٌ، خُولِفَ فِيهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ.
وَلَيْسَ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُهُودٌ يَقْبَلُهُمْ، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ غَيْرَهُمُ، اقْتِصَارًا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِي النَّاسِ مِنَ الْعُدُولِ أَمْثَالَهُمْ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِ
الْعُدُولِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَخُصُّ، وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَخُصَّ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَجَدَّدُ لِلنَّاسِ حُقُوقٌ يَشْهَدُهَا مَنِ اتَّفَقَ، فَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ إِلَّا شَهَادَةَ مُعَيَّنٍ بَطَلَتْ.
وَلِأَنَّ فِي التَّعْيِينِ مَشَقَّةً تَدْخُلُ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْمُسْتَشْهِدِ، لِمَسْأَلَةِ الطَّالِبِ وَإِجَابَةِ الْمَطْلُوبِ.
وَلِأَنَّ مَنْ قَلَّتْ أَمَانَتُهُ مِنَ النَّاسِ إِذَا عَلِمُوا أَنْ لَا تُقْبَلَ فِيهِمْ شَهَادَةُ مَنْ حَضَرَهُمْ تَجَاحَدُوا، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمُوا تَنَاصَفُوا.
[وَقَدْ يَتَهَافَتُ النَّاسُ فِي الْمَعَاصِي عِنْدَ الْإِيَاسِ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَيَمْتَنِعُونَ مِنْهَا عِنْدَ ظَنِّهِمْ قَبُولَ شَهَادَتِهِمْ] .
(الْقَوْلُ فِي كَاتِبِ الْقَاضِي)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا حَتَّى يَجْمَعَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَاقِلًا وَيَحْرِصُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا لَا يُؤْتَى مِنْ جَهَالَةٍ نَزِهًا بَعِيدًا مِنَ الطَّبْعِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: لَا يَسْتَغْنِي قُضَاةُ الْأَمْصَارِ وَالْوُلَاةُ عَلَى الْأَعْمَالِ عَنْ كَاتِبٍ يَنُوبُ عَنْهُمْ فِي ضَبْطِ الْأُمُورِ لِيَتَشَاغَلَ الْوُلَاةُ بِالنَّظَرِ، وَيَتَشَاغَلَ الْكَاتِبُ بِالْإِثْبَاتِ، وَإِنْشَاءِ الْكُتُبِ.
قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كُتَّابٌ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ الْقَضِيَّةَ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَاتِبٌ، يُقَالُ لَهُ السِّجِلُّ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: تَعْرِفُ السُّرْيَانِيَّةَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: " فَإِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ إِلَيَّ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ كُتُبِي كُلُّ أَحَدٍ فَتَعَلَّمِ السُّرْيَانِيَّةَ " قَالَ زَيْدٌ فَتَعَلَّمْتُهَا فِي نِصْفِ شَهْرٍ.
وَلِفَضْلِ الْكِتَابَةِ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا فَادَى أَسْرَى بَدْرٍ شَرَطَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِدَاءٌ أَنْ يُعَلِّمَ عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْكِتَابَةَ، فَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ.
وَقَدْ كَانَ لِلْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كُتَّابٌ مَشْهُورُونَ وَكَذَلِكَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ.