الحاوي الكبيرصفحات 64-103
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصداق

صفحات 64-103
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بِهِ، فَكَانَ قَوْلُهُ مَا هُوَ مِنِّي تَأْكِيدًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَلَدِهِ: أَنْتَ وَلَدُ زِنًا، كَانَ قَاذِفًا لِأُمِّهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ: مَا هُوَ مِنِّي؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى نَفْيِ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مِنْ زِنًا وَيَكُونُ مِنْهُ، بِأَنْ يَكُونَ قَدْ زَنَى قَبْلَ تَزَوُّجِهِ بِهَا وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ عَقْدِهِ فَيَكُونُ لَاحِقًا بِهِ؛ وَلِأَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ زِنًا وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ فِيهِ لاحقاً، ولا يؤمن من الملاعن اعْتِقَادُ مَذْهَبِهِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ أَنْ يُضِيفَ إِلَى قَوْلِهِ: إنَّهُ وَلَدُ زِنًا، مَا هُوَ مِنِّي وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْوَلَدَ حَتَّى اسْتَكْمَلَ لِعَانَهُ وَلِعَانَ الزَّوْجَةِ قِيلَ: قَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَلَمْ يَنْتِفِ الْوَلَدُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْفِيَهُ اسْتَأْنَفَ لِوَقْتِهِ لِعَانه خَاصًّا لِنَفْيِ الْوَلَدِ كَامِلًا بِالشَّهَادَاتِ وَاللَّعْنَةِ الْخَامِسَةِ.
وَلَمْ تُلَاعِنْ مَعَهُ الزَّوْجَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلِعَانِهَا فِي نَفْيِ الْوَلَدِ وَلَا فِي إِثْبَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِإِسْقَاطِ الزِّنَا عَنْهَا وَقَدْ سَقَطَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ لِعَانِهَا، وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَفِي كِتَابِ " الْأُمِّ " وَقَالَ فِي " الْإِمْلَاءِ " تُعِيدُ الزَّوْجَةُ لِعَانَهَا بَعْدَ إِعَادَةِ الزَّوْجِ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اختيار حَتَّى لَا يَنْفَرِدَ الزَّوْجُ بِلِعَانٍ لَا تُسَاوِيهِ فيه الزوجة.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَإِنْ كَانَ حَمْلًا قَالَ وَإِنَّ هَذَا الْحَمْلَ إِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ لَحَمْلٌ مِنْ زِنًا مَا هُوَ مِنِّي ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي جَوَازِ اللِّعَانِ مِنَ الْحَمْلِ إِذَا كَانَ النِّكَاحُ ثَابِتًا وَحَدُّ الْقَذْفِ وَاجِبًا وَسَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الْحَمْلَ مُتَحَقَّقٌ أَوْ مَظْنُونٌ، وَفِي جَوَازِ لِعَانِهِ مِنَ الْحَمْلِ بَعْدَ طَلَاقِهِ وَقَبْلَ وَضْعِهِ قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيهِ هَلِ الْحَمْلُ مُتَحَقَّقٌ أَوْ مَظْنُونٌ.
فَإِنْ أَرَادَ نَفْيَهُ فِي لِعَانِهِ مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ قَالَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: وَإِنَّ هَذَا الْحَمْلَ إِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ لَحَمْلٌ مِنْ زِنًا مَا هُوَ مِنِّي مِثْلَ مَا قَالَ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ فَإِنْ أَغْفَلَ ذِكْرَهُ فِي لِعَانِهِ كَانَ كَإِغْفَالِ الْوَلَدِ فِيهِ، فَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَ اللِّعَانَ لِنَفْيِهِ جَازَ أَنْ يُعِيدَهُ وَإِنْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ قَوْلًا وَاحِدًا لِيَسْتَدْرِكَ بِهِ مَا كَانَ مُجَوَّزًا في لعانه الأول.
(مسألة) قال الشافعي: " فَإِنْ قَالَ هَذَا فَقَدْ فَرَغَ مِنَ الالتعَانِ فإن أخطأ الإمام فلم يذكر نفي الولد أو الحمل في اللعان قال للزوج إن أردت نفيه أعدت اللعان ولا تعيد المرأة بعد إعادة الزوج اللعان إن كانت فرغت منه بعد التعان الزوج ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لَيْسَ عَلَى الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الْتِعَانِهِمَا حَدٌّ وَلَا تَعْزِيرٌ لِقَذْفٍ وَلَا زنا.
وقال أبو حنيفة: يعذران بَعْدَ الِالْتِعَانٍ لِتَحَقُّقِ الْكَذِبِ فِي اجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَتَعَيَّنُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، وَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَذِبُهُ لَمْ يُعَزَّرْ كَالشَّهَادَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ الْمُتَدَاعِيَتَيْنِ، وَكَالْيَمِينِ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا تَعْزِيرَ فِيهَا عَلَى الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِنِ اخْتَلَفَا وَلَا عَلَى الْحَالِفَيْنَ وَإِنْ تَكَاذَبَا.
كَذَلِكَ فِي الْتِعَانِهِمَا، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ كَأَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّ التَّعْزِيرَ مَوْضُوعٌ لِلزَّجْرِ وَالنَّكَالِ، وَمَا فِي اللِّعَانِ من الزجر والنكال أعظم.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَإِنْ أَخْطَأَ وَقَدْ قَذَفَهَا بِرَجُلٍ وَلَمْ يَلْتَعِنْ بِقَذْفِهِ فَأَرَادَ الرَّجُلُ حَدَّهُ أَعَادَ عَلَيْهِ اللِّعَانَ وقال في كتاب الطلاق من أحكام القرآن: وإلا حد له إن لم يلتعن وفي الإملاء على مسائل مالك: ولما حكم الله تعالى على الزوج يرمي المرأة بالقذف ولم يستثن أن يسمي من يرميها به أو لم يسمه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجَمُلَتُهُ أَنَّهُ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ سَمَّاهُ فَلَا يَخْلُو فِيهِ مِنْ ثَلَاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَلْتَعِنَ.
وَالثَّالِث: أَنْ لَا يَفْعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
فَأَمَّا الْحَالُ الْأَوْلَى وَهُوَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ لَهُمَا وَوَجَبَ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهِمَا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الزِّنَا جَازَ لِيَرْفَعَ بِهِ الْفِرَاشَ، وَيَنْفِيَ بِهِ النَّسَبَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ اللِّعَانُ فِيمَا لَمْ يَثْبُتْ مِنَ الزِّنَا كَانَ فِيمَا ثَبَتَ أَجَوْزَ.

(فَصْلٌ)

أَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَلْتَعِنَ، فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِي لِعَانِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ مَنْ رَمَاهُ بِهَا أَوْ لَا يَذْكُرُ، فَإِنْ ذَكَرَهُ فِي لِعَانِهِ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ لَهُمَا، وَوَجَبَ بِهِ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الزَّوْجَةِ، وَلَمْ يَجِبْ بِهِ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمُسَمَّى مَعَهَا، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَتَسَاوَيَانِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا بِاللِّعَانِ كَمَا اسْتَوَيَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا بِالْبَيِّنَةِ؟ قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَامَّةٌ فِي حُقُوقِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَجَانِبِ وَاللِّعَانَ خَاصٌّ فِي حُقُوقِ الْأَزْوَاجِ دُونَ الْأَجَانِبِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلزَّوْجَةِ إِسْقَاطُهُ بِلِعَانِهَا جَازَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهَا، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْأَجْنَبِيِّ إِسْقَاطُهُ بِلِعَانِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْأَجْنَبِيَّ الْمُسَمَّى فِي لِعَانِهِ حِينَ طَالَبَ بِحَدِّ قَذْفِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: قوله في " الإملاء "، " وأحكام الْقُرْآنِ ": وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ فِي اللِّعَانِ تَبَعٌ لِلزَّوْجَةِ، لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَصِحُّ مَعَهُ لَوْ أُفْرِدَ بِالْقَذْفِ، فَإِذَا سَقَطَ حَدُّ الزَّوْجَةِ بِاللِّعَانِ سَقَطَ حَدُّ مَنْ تَبِعَهَا فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَذْفٌ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ فَإِذَا تَحَقَّقَ بِاللِّعَانِ فِعْلُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا تَحَقَّقَ مِنَ الْآخَرِ، لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ زَانِيَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ، يُحَدُّ لِلْأَجْنَبِيِّ إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ فِي لِعَانِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ لَمْ يُسَمَّ فِي اللِّعَانِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِاللِّعَانِ كَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْقُطْ قَذْفُ الْأَجْنَبِيِّ بِعَفْوِ الزَّوْجَةِ لَمْ يَسْقُطِ اللِّعَانُ مِنْهَا، وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَبَعًا لَهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذِكْرُ الْأَجْنَبِيِّ فِي اللِّعَانِ شَرْطًا فِي سُقُوطِ قَذْفِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ شَرْطًا، فَإِذَا أَخَلَّ بِذِكْرِهِ قِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ لَهُ حَدُّ الْقَذْفِ إِلَّا أَنْ تَلْتَعِنَ ثَانِيَةً مِنْ قَذْفِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُفْرِدَ اللِّعَانَ بِقَذْفِهِ وَهُوَ لَوِ انْفَرَدَ بِالْقَذْفِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْرَدَ بِاللِّعَانِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْقَذْفَ إِذَا شَارَكَ فِيهِ الزَّوْجَةَ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي الِالْتِعَانِ مِنْهُ مُشَارِكًا لِلزَّوْجَةِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي إِعَادَةِ اللِّعَانِ مِنْ قَذْفِهِ بِإِعَادَةِ ذِكْرِ الزَّوْجَةِ فِيهِ وَلَا يُفْرَدُ بِالذِّكْرِ دُونَهَا كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ فِي اللِّعَانِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجَةِ إِعَادَةُ اللِّعَانِ لِسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهَا بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يُلَاعِنَ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الزَّوْجَةَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا بِلِعَانِ الزَّوْجِ فَجَازَ أَنْ يَتَلَاعَنَ بَعْدَ لِعَانِهِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِهِ حَدٌّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَاعِنَ بعد لعانه.

(فصل)

وأما الحالة الثَّالِثَةُ: فَهُوَ أَنْ لَا يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ وَلَا يُلَاعِنَ، فَقَدْ صَارَ قَاذِفًا لِاثْنَيْنِ وَقَذْفُ الِاثْنَيْنِ ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقذفهما بِزِنَائَيْنِ بِلَفْظَيْنِ فَيَقُولُ: زَنَيْتَ يَا زَيْدُ، وَزَنَيْتَ يَا عَمْرُو، أَوْ يَقُولُ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ: زَنَيْتَ يَا رَجُلُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَزَنَيْتِ يَا امْرَأَةُ بِغَيْرِ هَذَا الرَّجُلِ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدُّ الْقَذْفِ وَلَا يَدْخُلُ أَحَدُ الْحَدَّيْنِ في الآخر.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقْذِفَهُمَا بِزِنَائَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ لِرَجُلَيْنِ أَوِ امْرَأَتَيْنِ زَنَيْتُمَا، فَفِي الْحَدِّ لَهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ، يحد لهما حد واحد؛ لأن اللفظ بقذفهما واحداً.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ يُحَدُّ لَهُمَا حَدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِاثْنَيْنِ بِزِنَائَيْنِ فَصَارَ كَقَذْفِهِ لَهُمَا بِلَفْظَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْذِفَهُمَا بِزِنَاءٍ وَاحِدٍ فَيَقُولَ لِامْرَأَةٍ: زَنَيْتِ بِهَذَا الرَّجُلِ، أَوْ يَقُولَ لِرَجُلٍ: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَالصَّحِيحُ ومما عليه جمهور أصحابنا أنه لا يجب فيه حداً واحداً، لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِزِنًا وَاحِدٍ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالزِّنَائَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ قَذْفَ الِاثْنَيْنِ بِالزِّنَا الْوَاحِدِ قَذْفٌ وَاحِدٌ وَقَذْفَ الِاثْنَيْنِ بِزِنَائَيْنِ قَذْفَانِ فَجَازَ أَنْ يجب في القذف الواحد حد واحداً، وَفِي الْقَذْفَيْنِ حَدَّانِ، وَإِذَا وَجَبَ فِي الْقَذْفِ بِالزِّنَا الْوَاحِدِ حَدٌّ وَاحِدٌ فَهُوَ مُشْتَرِكٌ فِي حَقِّ الْمَقْذُوفَيْنِ بِهِ، فَأَيُّهُمَا طَالَبَ بِالْحَدِّ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ كَامِلًا، لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا حتى يعفو عَنْهُ مَعًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الزَّوْجَةِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي قَذْفِ الزَّوْجِ لَهُمَا من أربعة أحوال: أحدهما: أَنْ يُصَدِّقَاهُ عَلَى الزِّنَا فَيَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ عَنِ الزَّوْجِ وَيَجِبُ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهِمَا، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ إِنْ شَاءَ لِرَفْعِ الْفِرَاشِ وَنَفْيِ النَّسَبِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُكَذِّبَاهُ وَيُطَالِبَاهُ بِحَدِّهِمَا فَيُحَدُّ لَهُمَا حَدًّا وَاحِدًّا عَلَى الْأَصَحِّ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ طَالَبَهُ أَحَدُهُمَا وَعَفَا عَنْهُ الْآخَرُ حُدَّ لِلطَّالِبِ حَدًّا كَامِلًا وَلَهُ إِسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ سَوَاءٌ طَالَبَتْهُ بِهِ الزَّوْجَةُ أَوِ الْأَجْنَبِيُّ لِاخْتِصَاصِهِ بِالزَّوْجَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تُصَدِّقَهُ الزَّوْجَةُ وَيُكَذِّبَهُ الْأَجْنَبِيُّ.
فَقَدْ سَقَطَ حَدُّ الْقَذْفِ عَنِ الزَّوْجِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ لِتَصْدِيقِهَا، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ لِتَكْذِيبِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ كَامِلًا، وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ لِاخْتِصَاصِهِ بِالزَّوْجِيَّةِ وَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجَةِ حَدُّ الزِّنَا بِإِقْرَارِهَا وَحَدُّ الْقَذْفِ لِلْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْإِقْرَارِ قَاذِفَةً لَهُ.
وَالْحَالُ الرابعة: أن يصدقه وتكذبه الزوجة فيسقط الزَّوْجِ حَدُّ الْقَذْفِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ لِتَصْدِيقِهِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ لِتَكْذِيبِهَا وَوَجَبَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ حَدُّ الزِّنَا بِإِقْرَارِهِ وَحَدُّ الْقَذْفِ لِلزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْإِقْرَارِ قَاذِفًا لَهَا، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْقَذْفِ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ مِنْهَا، لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يُسْقِطُ حَدَّ الْقَذْفِ إِلَّا فِي حَقِّ الزَّوْجِ دُونَ الْأَجَانِبِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: وَرَمَى الْعَجْلَانِيُّ امْرَأَتَهُ بِابْنِ عَمِّهِ أَوْ بِابْنِ عمها شريك بن السحماء وذكر للنبي أَنَّهُ رَآهُ عَلَيْهَا وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فَالْتَعَنَ وَلَمْ يُحْضِرْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَرْمِيَّ بِالْمَرْأَةِ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا الْتَعَنَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الزَّوْجِ لَلَذِيَ قَذَفَهُ بِامْرَأَتِهِ حَدٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُ لَأَخَذَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَبَعَثَ إِلَى الْمَرْمِيِّ فَسَأَلَهُ فَإِنْ أَقَرَّ حُدَّ وَإِنْ أَنْكَرَ حُدَّ لَهُ الزَّوْجُ وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ وَسَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِيكًا فَأَنْكَرَ فَلَمْ يُحَلِّفْهُ وَلَمْ يَحُدَّهُ بِالْتِعَانِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَحُدَّ الْعَجْلَانِيَّ الْقَاذِفَ لَهُ بِاسْمِهِ ". قال الماوردي: أما رواية المزني هاهنا عَنِ الشَّافِعِيِّ: قَالَ: رَمَى الْعَجْلَانِيُّ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: إِنَّ الْمُزَنِيَّ غَلَطَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا النَّقْلِ وَأنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ هُوَ الَّذِي قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ دُونَ الْعَجْلَانِيِّ وَقَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " عَنْ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا لَاعَنَ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْمَقْذُوفِ بِزَوْجَتِهِ سَوَاءٌ سَمَّاهُ فِي لِعَانِهِ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، لِأَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ، وَلَمْ يُسَمِّهِ فِي لِعَانِهِ فَلَمْ يَحُدَّهُ لَهُ وَلَوْ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ لِأَعْلَمَ شَرِيكًا بِهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ إِنْ شَاءَ، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْتِعَانِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُحَدُّ، وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَلَيْسَ فِي تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِعْلَامَ شَرِيكٍ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ، لِأَنَّ شَرِيكًا قَدْ عَلِمَ بِالْحَالِ فَأَمْسَكَ وَلَمْ يُطَالِبْ، وَلِأَنَّ الْمَدِينَةَ مَعَ صِغَرِهَا وَقِلَّةِ أَهْلِهَا، وَاشْتِهَارِ لِعَانِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ فِي قَذْفِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى شَرِيكٍ وَهُوَ حَاضِرٌ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْقَذْفِ فَإِذَا عَلِمَ وَأَمْسَكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعْلَامُهُ، وَلَا اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ لَهُ.

(فَصْلٌ)

أَمَّا الْمَقْصُودُ الثَّانِي بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَهُوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اخْتِلَافِ النَّقْلِ فِيهَا، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يُحْضِرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَرْمِيَّ بِالْمَرْأَةِ.
وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ: وَسَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِيكًا فَأَنْكَرَ، فَصَارَ ظَاهِرُ هَذَا النَّقْلِ مُخْتَلِفًا، لِأَنَّهُ حَكَى أَنَّ شَرِيكًا لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ أنَّهُ حَضَرَ وَسُئِلَ، وَإِثْبَاتُ الشَّيْءِ وَنَفْيُهُ مُتَنَافٍ مُسْتَحِيلٌ.
وَعَنْ هَذَا جَوَابَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا النَّقْلِ خِلَافٌ مُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يُحْضِرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِيكًا - يَعْنِي وَقْتَ اللِّعَانِ.
وَقَوْلُهُ: وَسَأَلَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِيكًا يَعْنِي وَقْتَ وَضْعِ الْوَلَدِ عَلَى شَبَهِهِ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ فِي صِحَّةِ قَذْفِهِ فَلَمْ يُمْتَنَعْ ذَلِكَ وَلَمْ يُسْتَحَلَّ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَخَذَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَوْ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يُحْضِرْ شَرِيكًا وَلَا سَأَلَهُ.
فَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " وَفَرَّعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَمِعَ مِنْ غَيْرِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحْضَرَ شَرِيكًا، أَوْ حَضَرَ فَسَأَلَهُ فَأَنْكَرَ فَذَكَرَهُ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَرْجِعْ عَمَّا أَخَذَهُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِصِحَّةِ أَحَدِ النَّقْلَيْنِ، وَإِمَّا لِأَنْ يُبَيِّنَ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّقْلَيْنِ، وَإِمَّا لِسَهْوِهِ عَنِ الْأَوَّلِ لِتَشَاغُلِهِ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَكَانَ هَذَا سَبَبَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ نَقْلُهُ وَاللَّهُ أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " (وقال) في اللعان لَيْسَ لِلْإِمَامِ إِذَا رُمِيَ رَجُلٌ بِزِنًا أَنْ يبعث إليه عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ فَإِنْ شُبِّهَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ النَّبِيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعَثَ أُنَيْسًا إِلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ فَقَالَ: " إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " فَتِلْكَ امْرَأَةٌ ذَكَرَ أَبُو الزَّانِي بِهَا أَنَّهَا زَنَتْ فَكَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ فإن أقرت حدت وسقط الحد عمن قدفها وإن أنكرت حد قاذفها وكذلك لو كان قاذفها زوجها (قال) ولما كان القاذف لامرأته إذا التعن لو جاء المقذوف بعينه لم يؤخذ له الحد لم يكن لمسألة المقذوف معنى إلا أن يسأل ليحد ولم يسأله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإنما سأل المقذوفة والله عز وجل أعلم للحد الذي يقع لها إن لم تقر بالزنا ولم يلتعن الزوج ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا سَمِعَ قَذْفًا بِالزِّنَا فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أحدهما: أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ الْقَاذِفُ وَلَا يَتَعَيَّنَ الْمَقْذُوفُ كأن سمع رجلاً يقول زنا رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِي، أَوْ زَنَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، فَالْقَاذِفُ مُتَعَيَّنٌ وَالْمَقْذُوفُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَلَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ لِلْجَهْلِ بِمُسْتَحَقِّ الْحَدِّ، وَلَا يَسْأَلُ عَنْ تَعْيِينِ الْمَقْذُوفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تسؤكم﴾ [المائدة: 101] . وَمِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: أن فلانا زنا، أو سمعت الناس وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ الْمَقْذُوفُ وَلَا يتعين القاذف.

يقولون: زنا فَلَانٌ، فَلَا حَدَّ عَلَى حَاكِي الْقَذْفِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاذِفٍ، وَلَا يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَاذِفِ، لِأَنَّ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ بِحَدٍّ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَوِ الْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ المقذوف هل زنا أَمْ لَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِهَزَّالٍ: " هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ ". وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ الْقَاذِفُ وَالْمَقْذُوفُ، كَقَوْلِ رجل للإمام: زنا فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةٌ، فَيَكُونُ الْقَاذِفُ وَالْمَقْذُوفُ مُعَيَّنَيْنِ، فلا يجوز للإمام أن يسأل المقذوف هل زنا أَمْ لَا؟ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ ". وَهَلْ يَلْزِمُ الْإِمَامَ إِعْلَامُ الْمَقْذُوفِ بِحَالِ قَذْفِهِ لِيُطَالِبَ قَاذِفَهُ بِحَدِّهِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إِعْلَامُهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَهُ بِالْقَذْفِ حَقٌّ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَزِمَ الْإِمَامَ حِفْظُهُ عَلَيْهِ بِإِعْلَامِهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ إِنْ شَاءَ كَمَا يَلْزَمُهُ إِعْلَامُهُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ أَمْوَالِهِ، لِجَمْعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ فِي قَوْلِهِ: " أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ " وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُنَيْسًا حِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا لِهَذَا، وَأَنَّهُ زنا بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ: " يَا أُنَيْسُ اغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " فَكَانَ إِيفَادُ أُنَيْسٍ إليها لا ليسألها عن الزنى هَلْ زَنَتْ أَمْ لَا؟ وَلَكِنْ لِيُخْبِرَهَا بِحَالِ قَاذِفِهَا، فَإِنْ أَكْذَبَتْهُ وَطَلَبَتْ حَدَّهُ حُدَّ لَهَا، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ وَاعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا حُدَّتْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِعْلَامُهُ، لِأَنَّهَا حُدُودٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " جَنْبُ الْمُؤْمِنِ حِمًى ". وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ أن يعدي قَذْفَ الْغَائِبِ إِلَى قَذْفِ حَاضِرٍ مُطَالِبٍ كَرَجُلٍ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِرَجُلٍ سَمَّاهُ فَلَاعَنَ الزَّوْجُ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمِ الْإِمَامَ إِعْلَامُهُ، لِأَنَّ لِعَانَ الزَّوْجِ يُسْقِطُ مِنَ الْقَذْفِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْلِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِيكًا حِينَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَذْفُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِزِنَاهَا بِهِ فَحَضَرَ أَحَدُهُمَا مُطَالِبًا بِالْحَدِّ لَمْ يَلْزَمِ الْإِمَامَ إِعْلَامُ الْآخَرِ، لِأَنَّ الْحَاضِرَ إِذَا اسْتَوْفَى الْحَدَّ فَهُوَ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ الْغَائِبِ، لِأَنَّ فِي زَوَالِ الْمَعَرَّةِ عَنْ أَحَدِهِمَا بِالْحَدِّ فِي قَذْفِهِمَا زَوَالًا لِلْمَعَرَّةِ عَنْهُمَا، لِأَنَّ الزِّنَا وَاحِدٌ، فَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ قَذْفُ الْغَائِبِ بِحَاضِرٍ فَيُطَالِبُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إِعْلَامُ الْغَائِبِ لِيَسْتَوْفِيَ بِالْمُطَالَبَةِ حَقَّهُ إِنْ شَاءَ كَمَا أَوْفَدَ أُنَيْسًا إِلَى الْمَرْأَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَأْيُّ الزَّوْجَيْنِ كَانَ أَعْجَمِيًّا الْتَعَنَ بِلِسَانِهِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ لِسَانَهُ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْقَذْفُ بِالْأَعْجَمِيَّةِ لِمَنْ يَعْرِفُهَا فَكَالْقَذْفِ بِالْعَرَبِيَّةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ عَرَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا، فَأَمَّا اللعان بالأعجمية فإن كان ممن يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ جَازَ لِعَانُهُ بِالْأَعْجَمِيَّةِ، لِأَنَّ اللِّعَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ يَمِينًا أَوْ شَهَادَةً وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ بالعربية نُظِرَ فِي أَصْلِ لِسَانِهِ وَعُمُومِ كَلَامِهِ فَإِنْ كَانَ عَرَبِيَّ اللِّسَانِ وَالْكَلَامِ وَهُوَ يَعْرِفُ الْأَعْجَمِيَّةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَاعِنَ إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللِّعَانَ مَحْمُولُ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْقُرْآنُ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِهِ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْعَرَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي عُدُولِ الْعَرَبِيِّ عَنْ لِسَانِهِ اسْتِرَابَةً تَضْمَنُ احْتِمَالًا يَمْنَعُ مِنْ تَغْلِيظِ اللِّعَانِ، فَإِنْ كَانَ أَصْلُ لِسَانِهِ أَعْجَمِيًّا، وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَفِي جَوَازِ لِعَانِهِ بِالْأَعْجَمِيَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ فِي اللِّعَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ اعْتِبَارًا بِزَوَالِ الِاسْتِرَابَةِ مِنْ مِثْلِهِ فِي جَرْيِهِ عَلَى عَادَةِ لِسَانِهِ.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ أَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يُلَاعِنَ بَيْنَ الْأَعْجَمِيَّيْنِ بِالْأَعْجَمِيَّةِ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِهِمَا أَوْ غَيْرَ عَارِفٍ، فَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِلِسَانِهِمَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تُرْجُمَانٍ وَجَعَلَ الحاضرين للعانهما من يعرفون الأعجمية، أن يَكُونُ فِيهِمْ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا الْعَدَدُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا احْتَاجَ إِلَى تُرْجُمَانٍ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّرْجَمَةِ هَلْ تَكُونُ خَبَرًا أَوْ شَهَادَةً.
فَجَعَلَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ خَبَرًا وَاعْتَمَدَ فِيهَا عَلَى تَرْجَمَةِ الْوَاحِدِ كَالْأَخْبَارِ، وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ شَهَادَةٌ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُتَرْجِمِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ إِلَّا مِنَ الْمُتَرْجِمِ فَصَارَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةً بِإِقْرَارٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهَا حُكْمُ الشَّهَادَاتِ، وَسَنَسْتَوْفِي الْكَلَامَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ " الشَّهَادَاتِ ". (فَصْلٌ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّرْجَمَةَ شَهَادَةٌ فَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي لِعَانٍ قَدْ يَجْرِي عَلَيْهِ بَعْضُ أَحْكَامِ الزِّنَا وَالشَّهَادَةُ فِي الزِّنَا مُعْتَبَرَةٌ بِمَا تَضَمَّنَهَا فَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ الزِّنَا لَمْ تَثْبُتْ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا فَعَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكُونُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِأَنَّهَا تُوجِبُ حَدَّ الزِّنَا كَمَا تُوجِبُهُ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلِ الزِّنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلِ الزِّنَا أَغْلَظُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا لَمْ تَكْمُلْ أَوْجَبَتْ حَدَّ الْقَذْفِ وَعَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ لَا تُوجِبُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالتَّرْجَمَةُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا عَدَدُ الشُّهُودِ عَلَى فِعْلِ الزِّنَا، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهَا عَدَدُ الشُّهُودِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ فِيهِمْ عَدَدُ الْإِقْرَارِ بِهِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَضَمَّنَ اللِّعَانُ إِقْرَارًا بِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَرْبَعَةً وَفِي الثَّانِي شَاهِدَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِمْ عَدَدُ الْإِقْرَارِ بِغَيْرِ الزِّنَا فِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى شَاهِدَيْنِ لأنه ليس في المتلاعنين أقر بالزنا، فإن أقر به أَحَدُهُمَا اعْتُبِرَ حِينَئِذٍ فِي إِقْرَارِهِ شَهَادَةُ الْمُقِرِّ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةً عَلَى الِاخْتِيَارِ دُونَ الْوُجُوبِ، أَوْ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْحُضُورِ دون المترجمين.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ الْتَعَنَ بِالْإِشَارَةِ وَإِنِ انْطَلَقَ لِسَانُهُ بَعْدَ الْخَرَسِ لَمْ يُعِدْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي لِعَانِ الْأَخْرَسِ وَذَكَرْنَا خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا وَمَنْعَهُ مِنْ لِعَانِ الْأَخْرَسِ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، بِمَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ، فَلَوْ لَاعَنَ الْأَخْرَسُ بِالْإِشَارَةِ ثُمَّ انْطَلَقَ لِسَانُهُ لَمْ يُعِدِ اللِّعَانَ وَأَجْزَأَ ما تقدم منه بالإشارة.
(مسألة) قال الشافعي: " ثُمَّ تُقَامُ الْمَرْأَةُ فَتَقُولُ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ زَوْجِيَ فُلَانًا وَتُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا ثم تعود حتى تقول ذلك أربع مرات فإذا فرغت وقفها الإمام وذكرها الله تعالى وقال احذري أن تبوئي بغضب من الله إن لم تكوني صادقة في أيمانك فإن رآها تمضي وحضرتها امرأة أمرها أن تضع يدها على فيها وإن لم تحضرها ورآها تمضي قال لها قولي وعلي غضب الله إن كان مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا فإذا قالت ذلك فقد فرغت قال وإنما أمرت بوقفهما وتذكيرهما الله لأن ابن عباس رضي الله عنهما حكى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمر رجلاً حين لاعن بين المتلاعنين أن يضع يده على فيه في الخامسة وقال إنها موجبة ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ صفة العان فِي الْمَرْأَةِ بَعْدَ لِعَانِ الرَّجُلِ وَاسْتَوْفَيْنَا حُكْمَهُ بما أغنى.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّهَادَاتِ أَرْبَعًا ثَمَّ فَصَلَ بَيْنَهُنَّ بِاللَّعْنَةِ فِي الرَّجُلِ وَالْغَضَبِ فِي الْمَرْأَةِ دَلَّ عَلَى حَالِ افْتِرَاقِ اللِّعَانِ وَالشَّهَادَاتِ وأن اللعنة والغضب بعد الشهادة موجبان على من أوجبا عليه بأن يجترئ على القول أو الفعل ثم على الشهادة بالله باطلاً ثم يزيد فيجترئ على أن يلتعن وعلى أن يدعو بلعنة الله فينبغي للإمام إذا عرف من ذلك ما جهلا أن يقفهما نظراً لهما بدلالة الكتاب والسنة ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِمَّا أَرَادَ بِهِ الشَّافِعِيُّ أَبَا حَنِيفَةَ فِي إِثْبَاتِ اللِّعَانِ يَمِينًا حِينَ جَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ وَعَلَيْهِ بِمَا أَقْنَعَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

(بَابُ مَا يَكُونُ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ مِنَ الفرقة ونفي الولد وحد المرأة من كتابين قديم وجديد)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ الشَّهَادَةَ وَالِالْتِعَانَ فَقَدْ زَالَ فِرَاشُ امْرَأَتِهِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا بِحَالٍ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ الْتَعَنَتْ أَوْ لَمْ تَلْتَعْنَ وإنما قلت هذا لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا سبيل لك عليها " ولم يقل حتى تكذب نفسك وقال في المطلقة ثلاثاً " حتى تنكح زوجاً غيره " ولما قال عليه الصلاة والسلام " الولد للفراش " وكانت فراشاً لم يجز أن ينفي الولد عن الفراش إلا بأن يزول الفراش وكان معقولاً في حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إذ ألحق الولد بأنه أمه نفاه عن أبيه وإن نفيه عنه بيمينه بالتعانه لا بيمين المرأة على تكذيبه بنفيه ومعقول في إجماع المسلمين أن الزوج إذا أكذب نفسه لحق به الولد وجلد الحد إذ لا معنى للمرأة في نفسه وأن المعنى للزوج فيما وصفت من نفيه وكيف يكون لها معنى في يمين الزوج ونفي الولد وإلحاقه والدليل على ذلك ما لا يختلف فيه أهل العلم من أن الأم لو قالت ليس هو منك إنما استعرته لم يكن قولها شيئا إذا عرف أنها ولدته على فراشه إلا بلعان لأن ذلك حق للولد دون الأم وكذلك لو قال هو ابني وقالت بل زنيت فهو من زنا كان ابنه ألا ترى أن حكم الولد في النفي والإثبات إليه دون أمه فكذلك نفيه بالتعانه دون أمه ". قال الماوردي: وقصد الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْكَلَامَ عَلَى

فَصْلَ

يْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحْكَامَ اللِّعَانِ مُخْتَصَّةٌ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ اللِّعَانِ مُؤَبَّدٌ لَا يَزُولُ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنْ أَحْكَامِ اللِّعَانِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَحْكَامَ اللِّعَانِ أَرْبَعَةٌ وَخَامِسٌ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجَةِ، فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ، فَارْتِفَاعُ الفراش، وتأييد التَّحْرِيمِ وَنَفْيُ النَّسَبِ، وَسُقُوطُ حَدِّ الْقَذْفِ، وَأَمَّا الْخَامِسُ الْمُخْتَصُّ بِالزَّوْجَةِ فَهُوَ وُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تَلْتَعِنَ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ ثَبَتَتْ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ وَلِعَانُ الزَّوْجَةِ مَقْصُورٌ عَلَى سُقُوطِ الزِّنَا عَنْهَا.

وَعَلَّقَ مَالِكٌ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِلِعَانِهِمَا مَعًا، وَعَلَّقَهَا أَبُو حَنِيفَةَ بِلِعَانِهِمَا وَحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمَا.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي تأييد التَّحْرِيمِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ تَحْرِيمَ اللِّعَانِ مُؤَبَّدٌ لَا يَزُولُ أَبَدًا، فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْتِعَانِهِ لَزِمَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ شَيْئَانِ - وُجُودُ الْحَدِّ، وَلُحُوقُ النَّسَبِ، وَبَقِيَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ رَفْعِ الْفِرَاشِ وتأييد التَّحْرِيمِ بِحَالِهِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: الزُّهْرِيُّ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ، مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَلَّتْ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي لِعَانِهِ حَدٌّ فِي قَذْفٍ فَلَمْ يَجْعَلْ تَحْرِيمَ اللِّعَانِ مُؤَبَّدًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنْ أَكْذَبَ نفسه وهي في العدة حَلَّتْ لَهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ نِكَاحٍ مُسْتَجَدٍّ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنْ أَكْذَبَ نفسه هي فِي الْعِدَّةِ حَلَّتْ لَهُ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَدَّتِهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ النَّسَبُ كَمَا لَا يَرْتَفِعُ بِهِ التَّحْرِيمُ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَهَذِهِ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فَحَلَّتْ لَهُ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجِيَّةِ فَلَمْ يَتَأَبَّدْ كَالطَّلَاقِ وَخَالَفَ تَحْرِيمَ الرِّضَاعِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بالزوجية، ولأنه بتحريم إذا عري عن الحرمة لم يتأيد ثُبُوتُهُ كَالرِّدَّةِ طَرْدًا وَالرِّضَاعِ عَكْسًا، وَلِأَنَّ مَا اسْتُفِيدَ حُكْمُهُ بِاللِّعَانِ جَازَ أَنْ لَا يَتَأَبَّدَ ثُبُوتُهُ كَالنَّسَبِ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْمُتَلَاعِنَانِ إِذَا تَفَرَّقَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ". وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنْ عُوَيْمِرَ الْعَجْلَانِيَّ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَهُمَا وَقَالَ: " لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا " فَدَلَّ هَذَا الخبران على تأييد التَّحْرِيمِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تَحِلَّ لَوَجَبَ أَنْ يَذْكُرَ شَرْطَ الْإِحْلَالِ كَمَا قَالَ فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] . وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ تَحْرِيمُ عَقْدٍ لَا يَرْتَفِعُ بِغَيْرِ تَكْذِيبٍ وَحَدٍّ فَوَجَبَ أَنَّ لَا يَرْتَفِع بِالتَّكْذِيبِ وَالْحَدِّ كَالْمُصَاهَرَةِ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلْفُرْقَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ تَحْرِيمُهُ بِالتَّكْذِيبِ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: مِنْهَا تَحْرِيمٌ يَرْتَفِعُ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مَعَ بَقَاءِ الْعِدَّةِ.
وَمِنْهَا تَحْرِيمٌ يَرْتَفِعُ بِعَقْدٍ كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ بَعْدَ الْعِدَّةِ.
وَمِنْهَا تَحْرِيمٌ بِعَقْدٍ وَإِصَابَةِ زَوْجٍ كَالطَّلَاقِ الثلاث.
ومنها تحريم مؤيد كَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ وَالرِّضَاعِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُ اللِّعَانِ مُلْحَقًا بِالْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فِي شُرُوطِ الْإِبَاحَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِالرَّابِعِ فِي تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ فَأَمَّا عُمُومُ الْآيَةِ فَمَخْصُوصٌ بِنَصِّ السُّنَّةِ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَعَ تَسْلِيمِ الْوَصْفِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ هُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمَّا كَانَ مِنْهُ مَا لَا يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ ضَعُفَ عَنْ تَحْرِيمِ الْأَبَدِ، وَخَالَفَ تَحْرِيمَ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ مَعَهُ الْعَقْدُ لِقُوَّتِهِ أَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الرِّدَّةَ قَدْ لَا تَقَعُ بِهَا الْفُرْقَةُ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَتَأَبَّدْ تَحْرِيمُهَا إِذَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِخِلَافِ اللِّعَانِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى النَّسَبِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يُلْحِقَهُ بِالتَّكْذِيبِ، وَارْتِفَاعُ التَّحْرِيمِ حَقٌّ لَهُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فَصَارَ فِي النَّسَبِ مُقِرًّا وَفِي ارْتِفَاعِ التَّحْرِيمِ مُدَّعِيًا وَالْإِقْرَارُ مُلْزِمٌ وَالدَّعْوَى غَيْرُ مُلْزِمَةٍ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا لَاعَنَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ ابْتَاعَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِتَأْبِيدِ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ بِاللِّعَانِ، وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنِ ابْتَاعَهَا فَفِي إِحْلَالِهَا لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا عَلَى تَحْرِيمِهَا كَالْمُلَاعَنَةِ إِذَا اشْتَرَاهَا - فَلَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ الْمِلْكِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِالْمِلْكِ قَبْلَ زَوْجٍ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ مُخْتَصٌّ بِالنِّكَاحِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَتَحْرِيمَ اللِّعَانِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالنِّكَاحِ لِوُقُوعِهِ فِي النِّكَاحِ الفاسد ووطء الشبهة.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِذَا الْتَعَنَ ثُمَّ قَالَتْ صَدَقَ إِنِّي زَنَيْتُ فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ وَلَا حَدَّ عليها وكذلك إن كانت محدودة فدخل عليه أن لو كان فاسقاً قذف عفيفة مسلمة والتعنا نفي الولد وهي عند المسلمين أصدق منه وإن كانت فاسقة فصدقته

لم ينف الولد فجعل ولد العفيفة لا أب له وألزمها عارة وولد الفاسقة له أب لا ينفى عنه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَبَا حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا فَصَدَّقَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهَا، وَلَا يَنْتَفِيَ من ولدها، ولا يوجب حد الزنا، وبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلَيْنِ لَهُ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ وَالشَّهَادَةُ لَا تُقَامُ عَلَى مُعْتَرِفٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَهُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ فَجَوَّزَ لَهُ نَفْيَ وَلَدِ الْعَفِيفَةِ وَأَلْحَقَ بِهِ وَلَدَ الزَّانِيَةِ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الشَّنَاعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى وَهَاءِ أُصُولِهِ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي اللِّعَانِ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا مِنْ أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُصَدِّقَةِ عَلَى الزِّنَا الْمُعْتَرِفَةِ بِهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تُصَدِّقَ الزَّوْجَ قَبْلَ لِعَانِهِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنَّ صَدَّقَتْهُ بَعْدَ لِعَانِهِ ثَبَتَتْ أَحْكَامُ اللِّعَانِ بِهِ مِنْ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ وَتَحْرِيمِ التَّأْبِيدِ وَنَفْيِ النَّسَبِ، وَلَيْسَ لِإِقْرَارِهَا بِالزِّنَا بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ تَأْثِيرٌ إِلَّا فِي مَنْعِهَا مِنَ الِالْتِعَانِ بَعْدَهُ، لِأَنَّ لِعَانَهَا لِإِسْقَاطِ حَدِّ الزِّنَا عَنْهَا بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَالْمُقِرَّةُ بِالزِّنَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهَا بِالْإِقْرَارِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا بِاللِّعَانِ، فَإِنْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِقْرَارِ صَارَ الْحَدُّ وَاجِبًا عَلَيْهَا بِاللِّعَانِ دُونَ الْإِقْرَارِ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا مَقْبُولٌ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ وَجَازَ لَهَا أَنْ تُلَاعِنَ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا بِلِعَانِ الزَّوْجِ، فَأَمَّا إِنْ صَدَّقَتْهُ عَلَى الزِّنَا قَبْلَ لِعَانِهِ أو في تضاعيفه فقط سَقَطَ حَدُّ الْقَذْفِ عَنِ الزَّوْجِ بِتَصْدِيقِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ لِأَنَّهُ لمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَ وَلَدَ الْمُكَذِّبَةِ الظَّاهِرَةِ الْعِفَّةِ فَلِأَنْ يَنْفِيَ وَلَدَ الْمُصَدِّقَةِ الظَّاهِرَةِ الْفُجُورِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَفِي جَوَازِ لِعَانِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ، لِأَنَّ اللِّعَانَ مَوْضُوعٌ لِسُقُوطِ الْحَدِّ وَنَفْيِ النَّسَبِ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا وَعَدَمِ الْوَلَدِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ وَتَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تُلَاعِنَ بَعْدَ لِعَانِهِ مَا أَقَامَتْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا فَإِنْ رَجَعَتْ عَنْهُ لَاعَنَتْ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي: " وَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ يُكْمِلُ الزَّوْجُ اللِّعَانَ وَرِثَ صَاحِبَهُ وَالْوَلَدُ غَيْرُ مَنْفِيٍّ حَتَّى يَكْمُلَ ذَلِكَ كُلُّهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي اللِّعَانِ وَقَبْلَ كَمَالِهِ تَوَارَثَا، وَنُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا هِيَ الزَّوْجَةَ فَقَدْ بَانَتْ بِالْمَوْتِ وَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ وَلَدٍ أَوْ لَا وَلَدَ لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ وَلَدٍ فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ

وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ لِعَانِهِ قَبْلَ مَوْتِهَا، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ قَدْ مَاتَ جَازَ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَرِثُ الولد وإن ورث الزَّوْجَةَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الزَّوْجِيَّةِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، وَنَفْيَ الْوَلَدِ يَمْنَعُ مِنْ نِسْبَتِهِ قَبْلَ النَّفْيِ، فَلِذَلِكَ وَرِثَ الزَّوْجَةَ إِذَا مَاتَتْ قَبْلَ لِعَانِهِ، وَلَمْ يَرِثِ الْوَلَدَ إِذَا مَاتَ قَبْلَ لِعَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجَةِ وَلَدٌ زَالَ حُكْمُ نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ وَبَقِيَ حَدُّ الْقَذْفِ وَهُوَ عِنْدَنَا مَوْرُوثٌ فَإِنْ طَالَبَهُ بِهِ الْوَرَثَةُ كَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ لِإِسْقَاطِهِ وَلَا يَمْنَعَهُ اللِّعَانُ لِإِسْقَاطِهِ وَلِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ مِيرَاثِهَا لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالْمَوْتِ لَا باللعان، فإن قيل: أفليس إذا ورثها حَقَّهُ مِنْ حَدِّ قَذْفِهَا؟ فَهَلَّا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ كَمَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْقِصَاصِ إِذَا وَرِثَ بَعْضَهُ؟ . قِيلَ: لِأَنَّ مِيرَاثَ الْقِصَاصِ مُشْتَرَكٌ عَلَى الْفَرَائِضِ فَإِذَا وَرِثَ بَعْضَهُ سَقَطَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ حَدُّ الْقَذْفِ، لِأَنَّ كُلَّهُ مِيرَاثٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ كُلَّهُ، فَإِنْ عفى الْوَارِثُ عَنِ الْحَدِّ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَدِ ارْتَفَعَ بِالْمَوْتِ، وَالْحَدُّ قَدْ سَقَطَ بِالْعَفْوِ وَلَيْسَ هُنَاكَ وَلَدٌ يُنْفَى فَلَمْ يَبْقَ مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى اللِّعَانِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ فَفِي قِيَامِ الْإِمَامِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ لَهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، لِأَنَّ الْإِمَامَ مَقَامَ الْوَرَثَةِ فِي الْمَالِ فَقَامَ مَقَامَهُمْ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ.
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ لِإِسْقَاطِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ وَإِنِ اسْتَوْفَى مِيرَاثَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ لِبَيْتِ الْمَالِ حُقُوقًا مُسْتَفَادَةً تُخَالِفَ حَدَّ الْقَذْفِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُلَاعِنَ.

(فَصْلٌ)

وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ قَبْلَ إِكْمَالِ اللِّعَانِ هُوَ الزَّوْجَ فَلِلزَّوْجَةِ مِيرَاثُهَا مِنْهُ لِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ إِلَى الْمَوْتِ وَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ نَفْيُهُ وَهُوَ وَارِثٌ مَعَهُمْ، لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا زَوْجٌ.
وَحَدُّ الْقَذْفِ قَدْ بَطَلَ اسْتِيفَاؤُهُ بِمَوْتِ مَنْ لَزِمَهُ وَلَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ كَالْقِصَاصِ فَلِذَلِكَ بَطَلَ حكمه.

(مسألة)

قال الشافعي: " فَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يُكْمِلَ اللِّعَانَ حُدَّ لَهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا شَرَعَ فِي اللعان إما في حياتها أبو بَعْدَ مَوْتِهَا، ثُمَّ امْتَنَعَ أَنْ يُكْمِلَهُ حُدَّ لَهَا حَدَّ الْقَذْفِ سَوَاءٌ بَقِيَ مِنْ لِعَانِهِ أَقَلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ، وَحَتَّى لَوْ أَتَى بِالشَّهَادَاتِ الْأَرْبَعِ وَبَقِيَتِ اللَّعْنَةُ الْخَامِسَةُ حُدَّ لَهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ لِعَانِهِ وَلَا يتسقط الْحَدُّ عَلَى أَعْدَادِ اللِّعَانِ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللِّعَانَ فِي سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ وَوُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهَا كَالْبَيِّنَةِ يُقِيمُهَا وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ حُدَّ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهَا تَأْثِيرٌ كَذَلِكَ اللِّعَانُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا تَعَلَّقَ بِعَدَدٍ مِنَ الْأَيْمَانِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِبَعْضِهَا كَالْقَسَامَةِ، وَكَذَلِكَ فِي اللِّعَانِ، وَهَكَذَا لَوْ شَرَعَتِ الزَّوْجَةُ فِي اللِّعَانِ بَعْدَ الْتِعَانِ الزَّوْجِ ثُمَّ امْتَنَعَتْ مِنْ إِتْمَامِهِ حُدَّتْ حَدَّ الزِّنَا وَكَانَ مَا مَضَى مِنْ لِعَانِهَا مُلْغَى.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي: " وَإِنْ طَلَبَ الْحَدَّ الَّذِي قَذَفَهَا بِهِ لَمْ يُحَدَّ لِأَنَهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ حُدَّ فِيهِ مَرَةً والولد للفراش فلا ينفى إلا على ما نفى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وذلك أن العجلاني قذف امرأته ونفى حملها لما استبانه فنفاه عنه باللعان ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ سَمَّاهُ فَإِنِ الْتَعَنَ الزَّوْجُ وَسَمَّاهُ فِي لِعَانِهِ سَقَطَ حَدُّ قَذْفِهَا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ فَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ لِقَذْفِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يُحَدُّ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إِعَادَةُ اللِّعَانِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَالثَّانِي: يُحَدُّ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْقُطَ بِلِعَانِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَلْتَعِنْ مِنْ زَوْجَتِهِ وَحُدَّ لَهَا ثُمَّ جَاءَ الْمُسَمَّى بِهَا مُطَالِبًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ لَهُ وَعَلَّلَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ قَدْ حُدَّ فِيهِ مَرَّةً يَعْنِي أَنَّ الزِّنَا الَّذِي قَذَفَهُمَا بِهِ وَاحِدٌ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ وَقَدِ اسْتَوْفَى مِنْهُ فَلَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَخَرَّجَ قَوْلًا آخَرَ إِنَّهُ يُحَدُّ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِيمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ هَذَا التَّخْرِيجِ، فَإِنْ قِيلَ بِتَخْرِيجِهِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَفِي جَوَازِ لِعَانِهِ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ قذف قد كان مُجَوَّزًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِحَدِّ الزَّوْجَةِ فِي اللِّعَانِ فَلَمْ يَجُزْ مَعَ سُقُوطِ اللِّعَانِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ أَنْ يُفْرَدَ بِاللِّعَانِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي: " ولو أَكْمَلَ اللِّعَانَ وَامْتِنَعَتْ مِنَ اللِّعَانِ وَهِيَ مَرِيضَةٌ أَوْ فِي بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ وَكَانَتْ ثَيِّبًا رجمت وإن كانت بكرا لم تحد حتى تصح وينقضي الحر والبرد لقول الله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ الآية والعذاب الحد فلا يدرأ عنها إلا باللعان ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِعَانَ الزَّوْجِ مُسْقِطٌ لِحَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ، وَلِعَانَ الزَّوْجَةِ بَعْدَهُ مُسْقِطٌ لِحَدِّ الزِّنَا عَنْهَا.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا اللِّعَانُ فَأَيُّهُمَا امْتَنَعَ مِنْهُ حُبِسَ حَتَّى يَلْعَنَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُحَدُّ الزَّوْجُ وَلَا يُحْبَسُ، وَلَا تُحَدُّ الزَّوْجَةُ وَتُحْبَسُ حَتَّى تُلَاعِنَ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا أَقْنَعَ، فَإِذَا امْتَنَعَتِ الزَّوْجَةُ مِنَ اللِّعَانِ وَجَبَ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهَا، وَكَانَ مُعْتَبَرًا بِحَالِهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَعَلَيْهَا جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالرَّجْمُ.
فَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً وَالزَّمَانُ معتدلاً أقيم عليها كان وَاحِدٍ مِنَ الْحَدَّيْنِ إِذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا، وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ خَارِجًا عَنِ الِاعْتِدَالِ بِشِدَّةِ حَرٍّ أَوْ شِدَّةِ بِرْدٍ أُخِّرَ جَلْدُهَا إِلَى زَمَانِ الِاعْتِدَالِ لِئَلَّا يُفْضِيَ بِحَدِّهِ الزَّمَانَ إِلَى تَلَفِهَا، وَلَا يُؤَخَّرُ رَجْمُهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّجْمِ تَلَفُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةً فَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الرَّجْمَ رُجِمَتْ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ رُوعِيَ مَرَضُهَا، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ أُنْظِرَتْ إِلَى وَقْتِ الصِّحَّةِ ثُمَّ جُلِدَتْ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُهُ جُلِدَتْ بِمَا يُؤْمَنُ بِهِ تَلَفُهَا مِنْ أَثْكَالِ النَّخْلِ وَأَطْرَافِ النِّعَالِ، وَخَالَفَ الرَّجْمَ الْمَقْصُودَ بِهِ التَّلَفُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُؤَخَّرُ رَجْمُهَا فِي الْمَرَضِ إِذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهَا بِإِقْرَارٍ ولعان حتى برأ، وَلَا يُؤَخَّرُ إِذَا وَجَبَ بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ بَعْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَيَسْقُطُ إِذَا وَجَبَ بِاللِّعَانِ بِالْإِجَابَةِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بِالْإِقْرَارِ بِعَكْسِ هَذَا أَنَّهُ يُؤَخَّرُ إِذَا وَجَبَ بِالْبَيِّنَةِ لِجَوَازِ رُجُوعِهَا وَلَا يُؤَخَّرُ إِذَا وَجَبَ بِالْإِقْرَارِ وَاللِّعَانِ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ بِذَلِكَ حُرْمَةَ نَفْسِهِ، وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ تسقط بالبينة كسقوطها بالإقرار.
ويمكن رجوع الْبَيِّنَةِ كَمَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِي الإِقْرَارٍ، فَلَمْ يكن للفرق بينهما وجه.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يُلَاعِنُ بِحَمْلٍ لَعَلَّهُ رِيحٌ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ أَحَاطَ الْعِلْمَ بِأَنْ لَيْسَ حَمْلٌ أَمَا تُلَاعِنُ بِالْقَذْفِ؟ قَالَ بَلَى قِيلَ فَلِمَ لَا يُلَاعِنُ مَكَانَهُ؟ ")) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ مِنَ الْحَامِلِ، وَيَنْفِيَ حَمْلَهَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ مِنْ حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ.
وَإِنْ خَالَفَ وَلَاعَنَ فِي حَمْلِهَا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِلِعَانِهِ وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ الْحَمْلُ بِلِعَانٍ، وَصَارَ لَاحِقًا بِهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نَفْيِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ خَالَفَ فِيهِ السُّنَّةَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِي وَامْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ وَلَاعَنَ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ إِنْ كَانَ

غِلَظًا أَوْ رِيحًا فَهِيَ حَائِلٌ وَيَجُوزُ أَنْ يلاعن عنها، وإن كان صحيحاً فهي كذات وَلَدٍ، فَهَلَّا لَاعَنَ مِنْهَا، وَقَدْ مَضَى مِنَ الكلام معه فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى.
وَإِنْ كَانَ لِعَانُهُ مِنَ الْحَامِلِ جَائِزًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُعَجِّلَ نَفْيَهُ قَبْلَ وَضْعِهِ فَيَنْتَفِيَ عَنْهُ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً، أَوْ يُؤَخِّرَ نَفْيَهُ حَتَّى تَضَعَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَبَيَّنٍ قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَإِنْ عَجَّلَ بِاللِّعَانِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ وَلَمْ يَنْتَفِ بِهِ الْحَمْلُ كَانَ لَهُ إِذَا وَلَدَتْ وَأَرَادَ نَفْيَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لِنَفْيِهِ لِعَانًا يَنْفَرِدُ بِهِ الزَّوْجُ دُونَ الزَّوْجَةِ، وَلَمْ يَكُنْ تَأْخِيرُهُ فِي وَقْتِ الْحَمْلِ مَانِعًا مِنْ جَوَازِ نَفْيِهِ بَعْدَ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَظْنُونًا غير متيقن.

(مسألة)

قال الشافعي: " وزعم لو جامعها وَهُوَ يَعْلَمُ بِحَمْلِهَا فَلَمَّا وَضَعَتْ تَرَكَهَا تِسْعًا وَثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَهِيَ فِي الدَّمِ مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثَمَّ نَفَى الْوَلَدَ مَعَهُ كَانَ ذَلِكَ له فيترك ما حكم به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - للعجلاني وامرأته وهي حامل من اللعان ونفى الولد عنه كما قلنا ولو لم يكن ما قلنا سنة كان يجعل السكات في معرفة الشيء في معنى الإقرار فزعم في الشفعة إذا علم فسكت فهو إقرار بالتسليم وفي العبد يشتريه إذا استخدمه رضي بالعيب ولم يتكلم فحيث شاء جعله رضا ثم جاء إلى الأشبه بالرضا والإقرار فلم يجعله رضا وجعل صمته عن إنكاره أربعين ليلة كالإقرار وأباه في تسع وثلاثين فما الفرق بين الصمتين ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يُؤَخِّرَ الزَّوْجُ نَفْيَ الْحَمْلِ حَتَّى تَضَعَ، فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَ نَفْيَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْوَضْعِ وَعَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْتِعَانِهِ لَعَنَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ نَفْيُهُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَفْيَهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ اسْتِحْسَانًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَهَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ: لَهُ نَفْيُهُ عَلَى التَّرَاخِي مَتَى شَاءَ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ خِيَارَ نَفْيِهِ لِعَيْبٍ دَخَلَ عَلَى فِرَاشِهِ فَجَرَى مَجْرَى خِيَارِ الْعُيُوبِ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَى الْفَوْرِ، لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ بِمُدَّةٍ لَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّرَ بِالشَّرْعِ دُونَ الِاسْتِحْسَانِ، وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ فِي الْخِيَارِ حَدٌّ مَشْرُوعٌ وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي خِيَارِ نَفْيِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُعْتَبَرَ مَا سِوَاهُ، لِأَنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ بَعْضُ أَحْوَالِ الْوِلَادَةِ فَلَمْ يَكُنِ اعْتِبَارُهَا فِي خِيَارِ نَفْيِهِ بِأَوْلَى مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ فِي أَقَلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ أَوْ بِمُدَّةِ رَضَاعِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ كَانَ نَفْيُهُ فِي الْحَمْلِ عَلَى التَّرَاخِي وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ عَلَى الْفَوْرِ؟ قِيلَ: لأنه قبل الولادة مظنون وبعدها متقين.
(مسألة) قال الشافعي: " وَزَعَمَ بِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجِ الشَّهَادَةَ لِيَخْرُجَ بِهَا مِنَ الحد فإذا لم يخرج من معنى القذف لَزِمَهُ الْحَدُّ قِيلَ لَهُ وَكَذَلِكَ

كل من أحلفته ليخرج من شيء وكذلك قلت إن نكل عن اليمين في مال أو غصب أو جرح عمد حكمت عليه بذلك كله قال نعم قلت فلم لا تقول في المرأة إنك تحلفها لتخرج من الحد وقد ذكر الله تعالى أنها تدرأ بذلك عن نفسها العذاب فإذا لم تخرج من ذلك فلم لم توجب عليها الحد كما قلت في الزوج وفيمن نكل عن اليمين وليس في التنزيل أن الزوج يدرأ بالشهادة حدا وفي التنزيل أن للمرأة أن تدرأ بالشهادة العذاب وهو الحد عندنا وعندك وهو المعقول والقياس وقلت له لو قالت لك لم حبستني وأنت لا تحبس إلا بحق؟ قال أقول حبستك لتحلفي فتخرجي به من الحد فقالت فإذا لم أفعل فأقم الحد علي قال لا قالت فالحبس حد قال لا فقال قالت فالحبس ظلم لا أنت أقمت علي الحد ولا منعت عني حبساً ولن تجد حبسي في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس على أحدها قال فإن قلت فالعذاب الحبس فهذا خطأ فكم ذلك مائة يوم أو حتى تموت وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المؤمنين﴾ أفتراه عني الحد أم الحبس؟ قال بل الحد وما السجن بحد والعذاب في الزنا الحدود ولكن السجن قد يلزمه اسم عذاب قلت والسفر والدهق والتعليق كل ذلك يلزمه اسم عذاب قال والذين يخالفوننا في أن لا يجتمعا أبدا وروي فيه عن عمر وعلي وابن مسعود رضوان الله عليهم لا يجتمع المتلاعنان أبدا رجع بعضهم إلى ما قلنا وأبى بعضهم ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا أَرَادَ بِهِ أَبَا يُوسُفَ، فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ اللِّعَانِ، وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ على الزوجة إذا امتنعت منه ويحسبها حَتَّى تُلَاعِنَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحَدَّانِ مَعًا وَيُحْبَسَانِ حَتَّى يُلَاعِنَانِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُمَا يُحَدَّانِ وَلَا يُحْبَسَانِ، فَصَارَ أَبُو يُوسُفَ مُوَافِقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي حَبْسِ الزَّوْجَةِ، وَمُوَافِقًا لِلشَّافِعِيِّ فِي حَدِّ الزَّوْجِ، وَحَبْسُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَطَأٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 48] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا لِلشَّهَادَةِ مُوجِبٌ لِتَوَجُّهِ الْعَذَابِ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قَالَ: فَالْحَبْسُ عَذَابٌ، قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] أَفَيُحْبَسُ الشُّهُودُ مَعَهُمَا؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: جَعَلْتَ الْحَبْسَ عَذَابًا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ الْعَذَابُ الْمَخْصُوصُ بِالزِّنَا وَالْقَذْفِ، أَوْ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّهُ الْعَذَابُ الْمَخْصُوصُ بِالزِّنَا قِيلَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَذَّبَ الزَّانِيَ بِالْحَدِّ لَا بِالْحَبْسِ.
وَإِنْ

أَوْجَبَ الْحَبْسَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ، قِيلَ: لَهُ: لِمَ خَصَّصْتَ الْحَبْسَ مِنْ بَيْنِ أَنْوَاعِهِ؟ هَلَّا عَدَلْتَ إِلَى الدَّهْقِ، وَالتَّعْلِيقِ وَالْإِعْزَارِ وَالتَّجْوِيعِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أَحَبَسْتَهُمَا عَلَى حَقٍّ أَوْ غَيْرِ حَقٍّ؟ . فَإِنْ قَالَ: لِحَقٍّ، قِيلَ هَلَّا اسْتَوْفَيْتَ ذَلِكَ الْحَقَّ وَمَنَعْتَ مِنَ الْحَبْسِ؟ فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى إِلَّا مِنْهَا فَلِذَلِكَ حُبِسَتْ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: فَمَا ذَلِكَ الْحَقُّ؟ فَإِنْ ذَكَرَهُ لَمْ يَجِبِ الْحَبْسُ، وَإِنْ لَمْ يُذْكُرْهُ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ حَقٌّ، ثُمَّ يُقَالُ لِأَبِي يُوسُفَ: حَدَدْتَ الزَّوْجَ وَلَمْ يَدْرَأِ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ بِلِعَانِهِ، وَلَمْ تَحُدَّ الزَّوْجَةَ وَقَدْ دَرَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِلِعَانِهَا الْحَدَّ عَنْهَا فَكَانَ عَكْسُ مَقَالَتِكَ أَوْلَى لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(باب ما يكون قذفا ولا يكون ونفي الولد بلا قذف وقذف ابن الملاعنة وغير ذلك)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ ولداً فقال ليس مني فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ حَتَى يَقِفَهُ فَإِنْ قَالَ لَمْ أَقْذِفْهَا وَلَمْ تَلِدْهُ أَوْ وَلَدَتْهُ مِنْ زَوْجٍ قَبْلِي وَقَدْ عُرِفَ نِكَاحُهَا قَبْلَهُ فَلَا يَلْحَقُهُ إِلَّا بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ وَهِيَ زَوْجَةٌ لَهُ لِوَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ مِنْهُ فِيهِ لِأَقَلِّ الْحَمْلِ وَإِنْ سَأَلَتْ يَمِينَهُ أَحْلَفْنَاهُ وَبَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ أَحْلَفْنَاهَا وَلَحِقَهُ فَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ لَمْ يَلْحَقُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا أَتَتِ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ فَقَالَ: هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَذْفًا صَرِيحًا لِاحْتِمَالِهِ فَيُؤْخَذُ بِبَيَانِ مُرَادِهِ، وله في البيان أربعة أحوال: أَنْ يُبَيِّنَهُ بِمَا يَكُونُ قَذْفًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ بِذَلِكَ أَنَّهَا زَنَتْ فَجَاءَتْ بِهِ مِنَ الزِّنَا فَيَصِيرُ قَاذِفًا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُبَيِّنَ فَيَقُولُ: أَرَدْتُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنِّي شَبَهًا فَلَا يُشْبِهُنِي خَلْقًا وَخُلُقًا، وَلَمْ يَكُنْ قَاذِفًا وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ حَلَفَ وَبَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينِ عَلَيْهَا فَإِنْ حَلَفَتْ صَارَ قَاذِفًا وَحُدَّ إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَ وَلَيْسَ لَهُ نَفْيُ الْوَلَدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْحَدْ نَسَبَهُ.

(فَصْلٌ)

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيِّنَ ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَلِدْهُ وَإِنَّمَا الْتَقَطَتْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى وِلَادَتِهَا؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ مُمْكِنَةٌ، لِأَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تَخْلُو فِي الْأَغْلَبِ مِنْ حُضُورِ النِّسَاءِ لَهَا، وَالْبَيِّنَةُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَشْهَدْنَ بِوِلَادَتِهَا كَالرِّضَاعِ وَالِاسْتِهْلَالِ، فَإِنْ شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ ذَكَرَا مُشَاهَدَةَ الْوِلَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدِ النَّظَرِ سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّجُلِ أَغْلَظُ، فَإِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِوِلَادَتِهَا ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ إِلَّا بِاللِّعَانِ، فَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ فَهَلْ تَرْجِعُ إِلَى الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُرْجَعُ إِلَى الْقَافَةِ كَمَا يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي إِلْحَاقِهِ بِالرَّجُلِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَلْحَقُوهُ بِهَا صَارَ كَالْبَيِّنَةِ عَلَى وِلَادَتِهَا فَيَلْحَقُ بِهَا وَبِزَوْجِهَا إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْأُمِّ ويجوز أن

يُرْجَعَ إِلَيْهِمْ فِي إِلْحَاقِهِ بِالْأَبِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْأُمَّ يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ بِهَا وَلَدُهَا قَطْعًا بِالْمُشَاهَدَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِاجْتِهَادِ الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ مَدْخَلٌ وَلَا يَلْحَقُ الْأَبَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ وَغَلَبَةِ الظَّنِّ فَجَازَ اجْتِهَادُ الْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ بِهِ، فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ الزَّوْجُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنَّهَا مَا وَلَدَتْهُ، فَإِذَا حَلَفَ انْتَفَى عَنْهُ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا فَحَلَفَتْ بِاللَّهِ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ، فَإِذَا حَلَفَتْ لَحِقَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ، فَإِنْ نَكَلَتْ فَهَلْ تُوقِفُ الْيَمِينَ عَلَى بُلُوغِ الْوَلَدِ لِيَحْلِفَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ عَلَى فِرَاشِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُوقَفُ الْيَمِينَ وَقَدِ انْقَطَعَ حكمها، لأن حقها في اليمين في بَطَل بِنُكُولِهَا وَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنِ الزَّوْجِ بِإِنْكَارِهَا وَنُكُولِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُوقِفُ الْيَمِينَ عَلَى بُلُوغِهِ؛ لِأَنَّ إِنْكَارَ الزَّوْجِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقَّانِ، حَقٌّ لَهَا فِي الْوِلَادَةِ، وَحَقُّ الْوَلَدِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ، فَإِذَا بَطَلَ حَقُّهَا بِنُكُولِهَا لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الْوَلَدِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ حَلَفَ الْوَلَدُ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَحِقَ بِالزَّوْجِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ وَكَانَ مَنْفِيًّا عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ، وَهَلْ يَلْحَقُ بِهَا أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْحَقُ بِهَا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْتِقَاطِ الْمَنْبُوذِ: أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ فِيهِ دَعْوَى الْمَرْأَةِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِمَا فِي لُحُوقِهِ بِهَا مِنْ إِلْحَاقِهِ بِزَوْجِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْحَقُ بِإِقْرَارِهَا وَلَا يَلْحَقُ بِزَوْجِهَا مَعَ إِنْكَارِهِ.

(فَصْلٌ)

وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ مِنْ زَوْجٍ كَانَ لَهَا قَبْلَهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُعْرَفَ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَهُ أَوْ لَا يُعْرَفَ فَإِنْ لَمْ يُعَرَفْ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَهُ قِيلَ هَذَا الْبَيَانُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْكَ فَبَيِّنْهُ بِمَا يُمْكِنُ لِيُقْبَلَ، وَإِنْ عُرِفَ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَهُ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يُعْرَفَ وَقْتُ طَلَاقِ الْأَوَّلِ وَعَقْدِ الثَّانِي وَوَقْتُ الْوِلَادَةِ أَوْ لَا يُعْرَفَ ذَلِكَ كُلُّهُ.
فَإِنْ عُرِفَ وَقْتُ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَوَقْتُ عَقْدِ الثَّانِي وَوَقْتُ الولادة، فللولد أربعة أحوال: أحدها: أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَ مِنْ طَلَاقِ الْأَوَّلِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِ الثَّانِي فَيَنْتَفِي عَنِ الثَّانِي لِلُحُوقِهِ بِالْأَوَّلِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ طَلَاقِ الْأَوَّلِ، وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ عَقْدِهِ الثَّانِي.
فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أن لا يحلق بِالْأَوَّلِ وَلَا بِالثَّانِي، وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ طلاق الأول ولأقل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِ الثَّانِي فَيَنْتَفِي عَنْهُمَا وَهُوَ بَعْدَ يَمِينِهِ

مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفِرَاشِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِ الْوَلَدِ وَلِإِمْكَانِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ، فَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الزَّوْجَةِ يَمِينُهَا أَنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ غَيْرِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهَا فِي ذَلِكَ عَلَى يَقِينٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِذَا حَلَفَتْ لَحِقَ بِالزَّوْجِ وَلَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ وَإِنْ نَكَلَتْ عَنِ الْيَمِينِ فَهَلْ تُوقَفُ عَلَى بُلُوغِ الْوَلَدِ أَمْ لَا؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْمُزَنِيُّ: " (قَالَ) فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَوْ قَالَ لَهَا مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي وَلَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ وَلَمْ أُصِبْهَا قَدْ تُخْطِئُ فَلَا يكون حملاً فيكون صادقاً وهي غير غَيْرُ زَانِيَةٍ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ فَمَتَى اسْتَيْقَنَّا أَنَّهُ حَمْلٌ قُلْنَا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَأْخُذَ نُطْفَتَكَ فَتُدْخِلَهَا فَتَحْمَلَ مِنْكَ فَتَكُونَ صَادِقًا بِأَنَّكَ لَمْ تُصِبْهَا وَهِيَ صَادِقَةٌ بِأَنَّهُ وَلَدُكَ فَإِنْ قَذَفْتَ لَاعَنَتْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَظْهَرَ بِالزَّوْجَةِ حَمْلٌ فَيَقُولُ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي وَلَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ وَلَمْ أُصِبْهَا، قِيلَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَمْلُ غِلَظًا أَوْ رِيحًا فَلَا يَعْجَلُ، فَإِنْ تَيَقَّنَاهُ حَمْلًا صَحِيحًا قِيلَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ تُدْخِلَ نَطْفَتَكَ فَتَعْلَقَ مِنْهَا فَيَكُونُ الْحَمْلُ مِنْكَ وَهِيَ عَفِيفَةٌ.
وَأَنْتَ صَادِقٌ فَلَا يَنْتَفِي عَنْكَ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَلَا اعْتِبَارَ فِي الشَّرْعِ بِمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الطِّبِّ: إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ فِي الرَّحِمِ مِنْ مَخْرَجِ الذَّكَرِ وَأَصَابَهَا الْهَوَاءُ فَبَرُدَتْ لَمْ يكون مِنْهَا عُلُوقٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " وَهُوَ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ وَلَا يَنْتَفِي بِالْإِمْكَانِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنَا عَقِيمٌ وَهِيَ عَفِيفَةٌ وَلَيْسَ الْوَلَدُ مِنِّي قِيلَ: هَذَا ظَنٌّ فَاسِدٌ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: هِيَ عَاقِرٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَلِدَ الْعَاقِرُ وَيُولَدَ لِلْعَقِيمِ.
هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ زَكَرِيَّا يَقُولُ: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وقد بلغت من الكبر عتيا﴾ [آل عمران: 4] فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9] فَجَاءَهُمَا الْوَلَدُ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ بِهَذَا الْقَوْلِ إِذَا صَدَّقَهَا عَلَى الْوِلَادَةِ إِلَّا أَنْ يَنْسِبَهُ إِلَى وَطْءِ غَيْرِهِ دَخَلَ عَلَى فِرَاشِهِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ عَلَيْهِ فَيَنْتَفِي عَنْهُ بِلِعَانِهِ بَعْدَ إِضَافَتِهِ إِلَى وَطْءِ غَيْرِهِ على ما سنشرحه.

(مسألة)

قال الشافعي: " فَإِنْ نَفَى وَلَدَهَا وَقَالَ لَا أُلَاعِنُهَا وَلَا أَقْذِفُهَا لَمْ يُلَاعِنْهَا وَلَزِمَهُ الْوَلَدُ وَإِنْ قَذَفَهَا لاعنها لأنه إذا لاعنها بغير قذف فإنما يدعي أنها لم تلده وقد حكت أنها ولدته وإنما أوجب الله اللعان بالقذف فلا يجب بغيره ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَدُ الْمَرْأَةِ لَاحِقٌ زَوْجَهَا إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَلِدَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَقْتِ عَقْدِهِ إِذَا أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا، وَلَا يَقِفُ

لُحُوقُهُ عَلَى اعْتِرَافِ الزَّوْجِ بِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَهُ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ إِلَّا بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، إِمَّا بِأَنْ يَقُولَ لَمْ تَلِدْهُ وَإِنَّهَا الْتَقَطَتْهُ أَوِ اسْتَعَارَتْهُ فَيَحْلِفُ إِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ وَيَنْتَفِي عَنْهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِمَّا أَنْ يَقْذِفَهَا إِذَا اعْتَرَفَتْ بِوِلَادَتِهَا وَيُلَاعِنَ مِنْهَا فَيَنْتَفِي عَنْهُ بِقَذْفِهِ وَلَا يَنْتَفِي بِغَيْرِهِمَا وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لَهُ.

(مسألة)

قال الشافعي " وَلَوْ قَالَ لَمْ تَزْنِ بِهِ وَلَكِنَّهَا عَصَتْ لَمْ يُنْفَ عَنْهُ إِلَّا بِلِعَانٍ وَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ اخْتَلَطَ فِيهَا كَلَامُ أَصْحَابِنَا وَلَمْ يَتَحَرَّرْ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى فُصُولِهَا مِنَ الْأَقْسَامِ وَنَجْتَهِدُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ فِي تَحْرِيرِ الْأَجْوِبَةِ.
فَإِنْ نَسَبَ وَلَدَ امْرَأَتِهِ إِلَى وَطْءِ غَيْرِهِ لَمْ يخل من أربعة أقسام: أحدها: أن يقذفهما بِالزِّنَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْذِفَ الرَّجُلَ دُونَ الْمَرْأَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْذِفَ الْمَرْأَةَ دُونَ الرَّجُلِ.
وَالرَّابِعُ: أَلَّا يَقْذِفَ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَقْذِفَهُمَا مَعًا بِالزِّنَا فَيَقُولُ: زَنَيْتِ بفلان، أو زنا بِكِ رَجُلٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَهَا وَيَنْفِيَ بِهِ وَلَدَهَا سَوَاءٌ سَمَّى الزَّانِيَ أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، فَإِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ سَمَّى الزَّانِيَ وَالْعَجْلَانِيَّ لَمْ يُسَمِّهِ، وَهَذَا الْقِسْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(فَصْلٌ)

أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَقْذِفَ بِالزِّنَا الرَّجُلَ دُونَ الْمَرْأَةِ، فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: اغْتُصِبْتِ فَاسْتُكْرِهْتِ عَلَى نَفْسِكِ فَيَكُونُ قَذْفًا لِلْمُغْتَصِبِ دُونَهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ بِهَذَا الْقَذْفِ وَيَنْفِيَ وَلَدَهَا سَوَاءٌ سَمَّى الْمُغْتَصِبَ أَوْ لم يسمه، وحكي، عن الزني فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ: إِنَّهُ إِنْ سَمَّى الْمُغْتَصِبَ لَاعَنَ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ لَمْ يُلَاعِنْ، لِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا سَمَّاهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ، وَاللِّعَانُ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي قَذْفٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَنَظَرْتُ فِي جَامِعِهِ فَلَمْ أَرَهُ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ مُحْتَمِلًا وَلَيْسَ لِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ إِنْ صَحَّ عَنْهُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَقْذُوفِ مِنْ شُرُوطِ اللِّعَانِ كَالْمَقْذُوفِينَ، وَلَا سُقُوطُ الْحَدِّ بِمَانِعٍ مِنْ لِعَانِهِ فِي نَفْيِ النَّسَبِ كَالْمَجْنُونِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا الْوَطْءُ فِي إِفْسَادِ الْفِرَاشِ كَغَيْرِهِ وَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي نَفْيِ النَّسَبِ بِلِعَانِهِ.

(فَصْلٌ)

أَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَقْذِفَ الْمَرْأَةَ دُونَ الرَّجُلِ، فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: تَشَبَّهْتِ لَهُ بِزَوْجَتِهِ فَأَصَابَكِ يَظُنُّكِ زَوْجَتَهُ فَأَنْتِ زَانِيَةٌ لِعِلْمِكِ بِهِ وَهُوَ غَيْرُ زَانٍ لِجَهْلِهِ بِكِ، فيحوز عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ النَّسَبِ وَسُقُوطِ الْحَدِّ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: لَا يُلَاعِنُ لِنَفْيِ النَّسَبِ بِهَذَا الْقَذْفِ، لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ فِي حَقِّ الرَّجُلِ يُوجِبُ لُحُوقَ الْوَلَدِ بِهِ إِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ فَيَنْتَفِي عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ، وَإِذَا أَمْكَنَ نَفْيُ النَّسَبِ بِغَيْرِ لِعَانٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ كَوَلَدِ الْأَمَةِ لَمَّا جَازَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ بِادِّعَاءِ الِاسْتِبْرَاءِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئُ غَيْرَ مُسَمَّى فَلَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، وَلَوْ كَانَ مُسَمًّى لَجَازَ أَنْ يُنْكِرَ الْوَاطِئُ فَلَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، وَلَوِ اعْتَرَفَ بِالْوَطْءِ لَجَازَ أَنْ لَا تُلْحِقَهُ الْقَافَةُ بِهِ، وَلَوْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِ احْتَاجَ الزَّوْجُ إِلَى إِسْقَاطِ الْحَدِّ بِلِعَانِهِ فَصَارَ اللِّعَانُ مُسْتَحَقًّا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، فَجَازَ أَنْ يَتَضَمَّنَهُ نَفْيُ النَّسَبِ الَّذِي قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَذْفُ نَفْيَهُ وَإِنْ لَحِقَ بِهِ.
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ لَا يَقْذِفَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِالزِّنَا فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: وَجَدَكِ عَلَى فِرَاشِهِ فَظَنَّكِ زَوْجَتَهُ وَظَنَنْتِيهِ زَوْجَكِ.
فَلَا يَكُونُ قَاذِفًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا زَانٍ، فَلَا يَجِبُ بِهَذَا الرَّمْيِ حَدٌّ، وَيَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى نَفْيِ النَّسَبِ، فَإِنْ كَانَ حَمْلًا فَلَا لِعَانَ بِهِ، وَلَا تَنَازُعَ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غِلَظًا أَوْ رِيحًا، فَإِذَا وَضَعَتْ رُوعِيَ حَالُ الْمَرْمِيِّ بِوَطْئِهَا فَإِنْ كَانَ مُسَمًّى مُعْتَرِفًا بِوَطْئِهَا فَلَا لِعَانَ، وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِالزَّوْجِ اضْطُرَّ إِلَى نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَرْمِيُّ بِهَا مُنْكِرًا لِوَطْئِهَا أَوْ كَانَ مَجْهُولًا غَيْرَ مُسَمًّى اضْطُرَّ إِلَى نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ، وَفِي جَوَازِ لِعَانِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ قَذْفٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إِنَّهُ يَصِحُّ لِعَانُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ قَذْفٍ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْوَطْءَ مُفْسِدٌ لِفِرَاشِهِ كَالزِّنَا فَاسْتَوَيَا فِي نَفْيِ نَسَبِهِ بِاللِّعَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَزْنِيَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِمَا فِي رَمْيِهِمَا بِالزِّنَا، فَعَلَى هَذَا يَقُولُ فِي لِعَانِهِ: أشهد بالله أنني لمن الصادقين فيما رميتها بِهِ مِنْ إِصَابَةِ غَيْرِي لَهَا عَلَى فِرَاشِي وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ تِلْكَ الْإِصَابَةِ مَا هُوَ مِنِّي.
فَإِذَا أَكْمَلَ لِعَانَهُ انْتَفَى عَنْهُ النَّسَبُ وَلَمَ تُلَاعِنِ الْمَرْأَةُ بَعْدَهُ، لِأَنَّ هَذَا اللِّعَانَ لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا الْحَدَّ، لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ وَطْءَ شُبْهَةٍ وَلَمْ يُثْبِتِ الزِّنَا وَوَطْءُ الشُّبْهَةِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَلْتَعِنْ لِأَنَّ لِعَانَهَا مَقْصُورٌ عَلَى إِسْقَاطِ الْحَدِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ كَلَامٍ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ

يُلَاعِنَ مِنْهُ حَتَّى يَتَضَمَّنَ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ، لِأَنَّ اللِّعَانَ مَقَامُ خِزْيٍ فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِلَّا فِي مِثْلِهِ، وَلِأَنَّ فَحْوَى الْكِتَابِ وَنَصَّ السُّنَّةِ جَاءَتْ بِمِثْلِهِ، فَعَلَى هَذَا فِي كَيْفِيَّةِ قَذْفِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بِصَرِيحِ الزِّنَا وَلَوْ كَانَ فِيهِ إِكْذَابٌ لِنَفْسِهِ، حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بِمَعَارِيضِ الزِّنَا، كَقَوْلِهِ: فَجَرَتْ بِوَطْءِ غَيْرِي، أَوْ وُطِئَتْ وَطْأً حَرَامًا، لِئَلَّا يُصَرِّحَ بِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ، وَهَذَا أَشْبَهُ، فَإِنْ وَقَعَ الِاقْتِصَارُ مِنْهُ عَلَى مَعَارِيضِ الْقَذْفِ، بَنَى لَفْظَ لِعَانِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ وَطْءِ الْفُجُورِ أَوِ الْوَطْءِ الْحَرَامِ، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مَا هُوَ مِنِّي، وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تُلَاعِنَ بَعْدَهُ سَوَاءٌ أَضَافَ الْفُجُورَ إِلَيْهَا أَوْ إِلَى الْوَاطِئِ، لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَنَعْ مِنْهُ إِلَّا بِالْقَذْفِ الصَّرِيحِ، فَإِنْ قَذَفَهَا لَاعَنَ، وَلَاعَنَتْ بَعْدَهُ، وَإِنْ قَذَفَهُ دُونَهَا لَاعَنَ وَلَمْ تُلَاعِنْ بَعْدَهُ، وَإِنْ قَذَفَهَا دُونَهُ لَاعَنَ وَلَاعَنَتْ بَعْدَهُ، لِأَنَّ لِعَانَهُ مِنْ قَذْفِهَا مُوجِبٌ لِلْحَدِّ عَلَيْهَا.
فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهَا إِلَّا بِلِعَانِهَا، وَلِعَانِهِ وَقَذْفُ الْوَاطِئِ وَحْدَهُ، غَيْرُ مُوجِبٍ لِحَدِّهَا فَلَمْ يَحْتَجْ إلى لعانها، والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " ولو قال لابن ملاعنة لست ابن فُلَانٍ أُحْلِفَ مَا أَرَادَ قَذْفَ أُمِّهِ وَلَا حَدَّ فَإِنْ أَرَادَ قَذْفَ أُمِّهِ حَدَدْنَاهُ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ بِهِ الَّذِي نَفَاهُ حُدَّ إِنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً إِنْ طَلَبَتِ الْحَدَّ وَالتَّعْزِيرَ إِنْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً أَوْ أَمَةً (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِابْنِهِ لَسْتَ بِابْنِي إِنَّهُ لَيْسَ بِقَاذِفٍ لِأُمِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعَزّيَهُ إِلَى حَلَالٍ وَهَذَا بِقَوْلِهِ أَشْبَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لِوَلَدِ الرَّجُلِ لَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَلَدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ ابْنَ مُلَاعَنَةٍ قَدْ نَفَاهُ أَبُوهُ بِلِعَانِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ابْنَ مُلَاعَنَةٍ قَدِ اسْتَلْحَقَهُ أَبُوهُ بَعْدَ نَفْيِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ ابْنَ غَيْرِ مُلَاعِنَةٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ابْنَ مُلَاعَنَةٍ قَدْ نَفَاهُ أَبُوهُ بِلِعَانِهِ، فَيَقُولُ لَهُ أَجْنَبِيٌّ: لَسْتَ بِابْنِ فُلَانٍ، فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَسْتَ بِابْنِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ نَفَاهُ بِلِعَانِهِ فَلَا يَكُونُ قَاذِفًا لِأُمِّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ أُمَّهُ زَنَتْ بِهِ فَيَصِيرُ قَاذِفًا لِأُمِّهِ: فَصَارَ مِنْ مَعَارِضِ الْقَذْفِ وَكِنَايَاتِهِ فَوَجَبَ مَعَ الْمُطَالَبَةِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ إِلَى بَيَانٍ فِي إِرَادَتِهِ، وَلَهُ فِي بَيَانِهِ ثَلَاثة أَحْوَالٍ: أحدها: أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَذْفَ أُمِّهِ.

وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُرِيدَ بِهِ قَذْفَهَا.
وَالثَّالِث: أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ إِرَادَةٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ قَذْفَ أُمِّهِ حُدَّ لَهَا، وَإِنْ لَاعَنَ الزَّوْجُ مِنْهَا، لِأَنَّ لِعَانَهُ بَيِّنَةٌ فِي حَقِّهِ وَلَيْسَتْ بَيِّنَةً فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَصَارَتْ عَلَى عِفَّتِهَا مَعَ الْأَجَانِبِ وَإِنِ ارْتَفَعَتْ عِفَّتُهَا مَعَ الزَّوْجِ، فَيُحَدُّ لَهَا إِنْ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً، وَيُعَزَّرُ لَهَا إِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً أَوْ أَمَةً، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَنَفَى النَّسَبَ، وَقَضَى أَلَّا تَرْمِيَ وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، فَمَنْ رَمَاهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ، وَمُطْلَقُ جَوَابِهِ فِي قَذْفِهَا وَتَفْصِيلُ هَذَا الْإِطْلَاقِ أَشْبَهُ بِالْحَقِّ عِنْدِي، وَهُوَ أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الْمُلَاعَنَةِ، فَإِنْ لَاعَنَتْ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ كَانَتْ عَلَى عِفَّتِهَا مَعَ الْأَجَانِبِ فَيُحَدُّ قَاذِفُهَا، وَإِنْ لَمْ تُلَاعِنْ وَحُدَّتْ فِي الزِّنَا، ذَهَبَتْ عِفَّتُهَا، وَلَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهَا، لِأَنَّهُ يَتَنَافَى ثُبُوتُ الْعِفَّةِ وَوُجُوبُ الْحَدِّ كَمَا يَتَنَافَى إِذَا وَجَبَ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ قَذْفَ أُمِّهِ وَأَرَادَ بِهِ نَفْيَهُ عَنِ الْأَبِ بِلِعَانِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فِي الْحُكْمِ كَذَلِكَ، فَإِنِ ادَّعَتِ الْأُمُّ أَنَّهُ أَرَادَ قَذْفَهَا أَوِ ادَّعَى ذَلِكَ الِابْنُ بَعْدَ مَوْتِهَا أُحْلِفَ بِاللَّهِ مَا أَرَادَ قَذْفَهَا وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَتْ بِاللَّهِ لَقَدْ أَرَادَ قَذْفَهَا أَوْ حَلَفَ وَلَدُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِذَا حَلَفَتْ حُدَّ لَهَا حَدُّ الْقَذْفِ، وَإِنْ نَكَلَتْ أَوْ نَكَلَ وَلَدُهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةُ قَذْفٍ فلا حد عليه لأن الكناية إذا تجردت عَنْ نِيَّتِهِ سَقَطَ حُكْمُهَا كَالْكِنَايَةِ فِي الطَّلَاقِ، فَإِذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ إِرَادَةَ الْقَذْفِ أُحْلِفَ عَلَى مَا مَضَى.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ابْنَ مُلَاعَنَةٍ اسْتَحْلَفَهُ أَبُوهُ وَأَقَرَّ أَنَّهُ وَلَدُهُ، فَيَقُولُ لَهُ أَجْنَبِيٌّ: لَسْتَ بِابْنِ فُلَانٍ، فَظَاهِرُهُ الْقَذْفُ، لِأَنَ الِاحْتِمَالَ فِيهِ بَعْدَ الِاسْتِلْحَاقِ أَقَلُّ، فَصَارَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ الْقَذْفَ، فَيُؤْخَذُ بِالْحَدِّ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَسَاوَى فِيهِ الِاحْتِمَالُ فِيهِ هَذَا مَا لَمْ يَدَّعِ احْتِمَالًا مُمْكِنًا، فَإِنِ ادَّعَاهُ وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَكُنِ ابْنَ فُلَانٍ حِينَ نَفَاكَ بِلِعَانِهِ وَإِنْ صِرْتَ ابْنًا لَهُ بَعْدَ اسْتِلْحَاقِهِ، فَقَوْلُهُ مُحْتَمَلٌ فَيُقْبَلُ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِاحْتِمَالِ مَا قَالَ، وَإِمْكَانِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ، وَقَالَ: أَرَدْتُ زِنَا الْعَيْنِ أَوِ الْيَدِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
فَهَلَّا كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَعَ احْتِمَالِهِ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ إِذَا رَمَاهَا بِالزِّنَا كَانَ قَذْفًا صَرِيحًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَأُخِذَ بِالْحَدِّ وَلَمْ يَنْوِ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَكُونُ تَعْرِيضًا بِقَذْفٍ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ فَلِذَلِكَ جَازَ مَعَ الِاحْتِمَالِ أَنْ يَنْوِيَ.
وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَبَيْنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَا يُحَدُّ حَتَّى يُسْأَلَ، لِأَنَّ لَفْظَهُ كِنَايَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ.

وَفِي هَذَا الْقِسْمِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ الْقَذْفُ فَحُدَّ بِالظَّاهِرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ ثَابِتَ النَّسَبِ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى أُمِّهِ لِعَانٌ قَطُّ، فَيَقُولُ لَهُ أَجْنَبِيٌّ: لَسْتَ بِابْنِ فُلَانٍ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا لِأُمِّهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، لِأَنَّ فِي الْمُسْتَلْحِقِ بَعْدَ الِالْتِعَانِ مِنَ الِاحْتِمَالِ مَا لَيْسَ فِي هَذَا، فَلِذَلِكَ كَانَ قَذْفًا فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَذْفًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَجْنَبِيِّ وَحَكَى الْمُزَنِيُّ عَنْهُ في الأب إذا قال لابنه: ليست بِابْنِي، أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَاذِفًا لِأُمِّهِ حَتَّى يُرِيدَ بِهِ الْقَذْفَ، فَخَالَفَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأَجْنَبِيِّ فَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ مِنَ الْأَبِ قَذْفًا، وَجَعَلَهُ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ قَذْفًا، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ طُرُقٍ: أحدها: وَقَدْ أَوْمَأَ الْمُزَنِيُّ إِلَيْهَا: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأَجْنَبِيِّ وَتَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ قَذْفًا صَرِيحًا مِنَ الْأَبِ وَالْأَجْنَبِيِّ جَمِيعًا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَجْنَبِيِّ فَيُحَدَّانِ مَعًا إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَ الْأَبُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْأَجْنَبِيِّ.
وَوَجْهُهُ: أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ عَنْ أَبِيهِ مَوْضُوعٌ فِي الْعُرْفِ لِقَذْفِ أُمِّهِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ مُعْتَبَرًا وَالْحُكْمُ بِهِ مُتَعَلِّقًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَذْفًا صَرِيحًا مِنَ الْأَبِ وَلَا مِنَ الْأَجْنَبِيِّ لِظُهُورِ الِاحْتِمَالِ فِيهِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ لَيْسَ بِابْنِهِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْأَنْسَابِ، فَخَرَجَ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ عَنْ حُكْمِ الصَّرِيحِ، وَمَا الَّذِي يَكُونُ حُكْمُهُ حِينَئِذٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَقْذُوفًا فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ حَالَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَغَلَّظْ عَلَى الْمُسْتَلْحِقِ بَعْدَ النَّفْيِ لَمْ يَكُنْ أَضْعَفَ مِنْهُ فَعَلَى هَذَا يُؤْخَذُ بِالْحَدِّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَمْ أُرِدْ بِهِ الْقَذْفَ، فَيَحْلِفُ عَلَيْهِ وَلَا يُحَدُّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ كِنَايَةٌ يَنْوِي فِيهِ وَلَا يُحَدُّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَذْفَ، بِخِلَافِ الْمُسْتَلْحِقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَلْحِقَ لَمَّا اعْتَلَّ نَسَبُهُ بِاللِّعَانِ صَارَ الظَّاهِرُ مِنْ نَفْيِهِ قَذْفَ أُمِّهِ، وَغَيْرُ الْمُسْتَلْحِقِ لَمَّا لَمْ يَعْتَلَّ نَسَبُهُ صَارَ الظَّاهِرُ مَنْ نَفْيِهِ مُخَالَفَةَ أَبِيهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ، فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى لِأَصْحَابِنَا وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ طَرِيقَةَ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ فِيهِمَا فَيَكُونُ قَذْفًا مِنَ الْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَكُونُ قَذْفًا مِنَ الْأَبِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ لِلْأَبِ مِنْ تَأْدِيبِ وَلَدِهِ بِالضَّرْبِ وَالْإِغْلَاظِ فِي الْقَوْلِ مَا لَيْسَ لِلْأَجْنَبِيِّ فَصَارَ ذَلِكَ مِنَ الْأَبِ إِغْلَاظًا فِي الْقَوْلِ الْمَحْمُولِ عَلَى التَّأْدِيبِ، وَمِنَ الْأَجْنَبِيِّ إِغْلَاظَ قَذْفٍ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّأْدِيبِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - أَنَّ اخْتِلَافَ الْجَوَابِ فِيهِمَا مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِيهِمَا، فَالَّذِي قَالَهُ فِي الْأَبِ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَذْفًا إِذَا قَالَهُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَقَبْلَ اسْتِقْرَارِ نَسَبِهِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَوْ أَرَادَ نَفْيَهُ فِيهَا بِاللِّعَانِ لِأَمْكَنَهُ، وَالَّذِي قَالَهُ فِي الْأَجْنَبِيِّ: أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا إِذَا قَالَهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ نَسَبِهِ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لِأَبِيهِ نَفْيُهُ فِيهَا بِاللِّعَانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَذْفًا مِنَ الْأَبِ وَالْأَجْنَبِيِّ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ النَّسَبِ وَلَا يَكُونُ قَذْفًا مِنْهُمَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ لِضَعْفِ النَّسَبِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ، وَقُوَّتِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " وَإِذَا نَفَيْنَا عَنْهُ وَلَدَهَا بِاللِّعَانِ ثُمَّ جَاءَتْ بعده بولده لَأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا يَلْزَمُهُ لَهُ نَسَبُ وَلَدِ الْمَبْتُوتَةِ فَهُوَ وَلَدُهُ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ نَفْيَ النَّسَبِ بِاللِّعَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْفِيَ بِهِ حَمْلًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْفِيَ بِهِ وَلَدًا.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَنْفِيَ بِهِ حَمْلًا فَإِذَا وَضَعَتْ وَاحِدًا أَوْ عَدَدًا انْتَفَى عَنْهُ جَمِيعُهُمْ، لِأَنَّ الْحَمْلَ مَا اشْتَمَلَ الْبَطْنُ عَلَيْهِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَخِيرِ مِنْهُمْ فَلَوْ وَضَعَتْ وَلَدًا فَانْتَفَى عَنْهُ وَانْقَضَتْ بِهِ عَدَّتُهَا فِي الظَّاهِرِ، ثُمَّ وَضَعَتْ بِهِ وَلَدًا آَخَرَ، نَظَرَ فِي زَمَانِ وَضْعِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وِلَادَةِ الْأَوَّلِ فَهُمَا مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْحَمْلَيْنِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَهِيَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْهُمَا كَانَا حَمْلًا وَاحِدًا اشْتَمَلَ الْبَطْنُ عَلَيْهِمَا، فَانْتَفَيَا عَنْهُ بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ، وَعَلِمْنَا أَنَّهَا كَانَتْ بَاقِيَةً فِي عِدَّتِهَا إِلَى وَضْعِ الثَّانِي.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَتْ وَلَدًا ثَالِثًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ انْتَفَى الثَّالِثُ مَعَ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ بِاللِّعَانِ الْمُتَقَدِّمِ لِاشْتِمَالِ الْبَطْنِ عَلَى الثَّلَاثَةِ فِي وَقْتِ نَفْيِ الْحَمْلِ بِاللِّعَانِ، وَعِدَّتُهَا مُنْقَضِيَةٌ بِوَضْعِ الثَّالِثِ، فَأَمَّا إِنْ وَضَعَتِ الْوَلَدَ الثَّانِيَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وِلَادَةِ الْأَوَّلِ فَهُوَ مِنْ حَمْلٍ ثَانٍ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ الثَّانِي مِنْ حَمْلٍ ثَانٍ فَهِيَ مثبوته بِاللِّعَانِ وَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ انْقِضَاءً تيقناً به استبراء رحمها فلم يحلق بِهِ الثَّانِي لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِصَابَتِهِ

قَبْلَ اللِّعَانِ لِأَنَّهُ انْتَفَى عَنْهُ بِاللِّعَانِ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ الْوَلَدَيْنِ فِي الِاسْتِلْحَاقِ، فَإِنِ اسْتَلْحَقَ الْأَوَّلَ لَحِقَ بِهِ، لِأَنَّهُ انْتَفَى عَنْهُ بِاللِّعَانِ وَإِنِ اسْتَلْحَقَ الثَّانِيَ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَنْفِيَ بِلِعَانِهِ وَلَدًا، فَإِذَا اعْتَدَّتْ مِنْ فُرْقَةِ اللِّعَانِ بِالْأَقْرَاءِ ثُمَّ وَضَعَتْ بَعْدَهُ وَلَدًا ثَانِيًا لَمْ يَخْلُ وَضْعُهُ مِنْ ثَلَاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا إِلَى أَرْبَعِ سِنِينَ.
وَالثَّالِث: أَنْ تَضَعَهُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ.
فَأَمَّا الْحَالُ الْأُولَى: وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَتَّى يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ ثَانٍ، بِخِلَافِ الْتِعَانِهِ مِنَ الْحَمْلِ، لِأَنَّ الْتِعَانَهُ مِنَ الْحَمْلِ مُتَوَجَّهٌ إِلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْبَطْنُ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَانْتَفَى جَمِيعُهُمْ بِاللِّعَانِ الْوَاحِدِ، وَإِذَا كَانَ اللِّعَانُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، كَانَ النَّفْيُ مَقْصُورًا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ اللِّعَانُ، وَلَمْ يَتَضَمَّنْ إِلَّا الْأَوَّلَ فَانْتَفَى عَنْهُ دُونَ الثَّانِي، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِالثَّانِي أَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يُلَاعِنْ مِنْهُ لَحِقَ بِهِ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ حَيْثُ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالْحَمْلُ الْوَاحِدُ لَا يَتَبَعَّضُ فِي اللُّحُوقِ بِاثْنَيْنِ كَمَا لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ الْوَاحِدُ بِاثْنَيْنِ فَجَعَلْنَا الْأَوَّلَ تَبَعًا لِلثَّانِي فِي الِاسْتِلْحَاقِ وَلَمْ نَجْعَلِ الثَّانِيَ تَبَعًا لِلْأَوَّلِ فِي النَّفْيِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِلْحَاقِ [بَعْدَ النَّفْيِ جَائِزٌ، وَالنَّفْيُ بَعْدَ الِاسْتِلْحَاقِ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ وَلَا يَنْتَفِي بِالْإِمْكَانِ، فَيَغْلُظُ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ حُكْمُ الِاسْتِلْحَاقِ] وَعَلَى حُكْمِ النَّفْيِ فَصَارَ الْأَغْلَظُ مَتْبُوعًا وَالْأَخَفُّ تَابِعًا فَإِذَا لَحِقَهُ لم يحد لقذف الأم لِأَنَّ لُحُوقَ الْوَلَدِ لَا يَقْتَضِي تَكْذِيبَهُ فِي الْقَذْفِ، كَمَا لَوْ لَاعَنَ مِنْهَا وَلَمْ يَنْفِ وَلَدَهَا.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: فَهُوَ أَنْ تَضَعَ الثَّانِيَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وِلَادَةِ الْأَوَّلِ وَلِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ اللِّعَانِ فَيَكُونُ الْوَلَدُ الثَّانِي مِنْ حَمْلٍ ثَانٍ، وَلَا يَكُونُ مِنْ حَمْلِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ فَيَصِيرُ الْوَلَدُ الثَّانِي لَاحِقًا بِهِ دُونَ الْأَوَّلِ مَا لَمْ تَصِرْ ذَاتَ زَوْجٍ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا، لِأَنَّ وَلَدَ الْمَبْتُوتَةِ يَلْحَقُ بِزَوْجِهَا إِلَى أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ فِرَاقِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ قَدْ نَفَيْتُمْ عَنْهُ إِذَا الْتَعَنَ مِنَ الْحَمْلِ مَنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؟ .

قُلْنَا: إِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا فِي اللُّحُوقِ لِافْتِرَاقِهِمَا في معنى الاستبراء واختلافما فِي إِمْكَانِ اللُّحُوقِ فَصَارَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَامِلَ إِذَا لَاعَنَ مِنْهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَوَضْعُ الْحَمْلِ يَقِينٌ فِي اسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَهُ لِلزَّوْجِ مَا فِي الرَّحِمِ، وَذَاتُ الْوَلَدِ إِذَا لَاعَنَ مِنْهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ وَالِاسْتِبْرَاءُ بِالْأَقْرَاءِ غَلَبَةُ ظَنٍّ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَحِيضَ عَلَى الْحَمْلِ وَيُرَى دَمُ فَسَادٍ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الرَّحِمُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَاءِ الزَّوْجِ وانعقاد الولد منه.
والثاني: أنه يمنع مِنْ ذَاتِ الْحَمْلِ إِذَا الْتَعَنَ مِنْهَا أَنْ يَطَأَهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ فَامْتَنَعَ أن يكون الحمل الثاني منه [وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَاتِ الْوَلَدِ إِذَا الْتَعَنَ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ الثَّانِي مِنْهُ] . فَلِهَذَيْنِ مَا فَرَّقْنَا فِي الثَّانِي بَيْنَ الْحَمْلَيْنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ الثَّانِي وَلَمْ يَنْتَفِع مِنْهُ إِلَّا بِلِعَانٍ فَإِنِ الْتَعَنَ مِنْهُ احْتَاجَ فِيهِ إِلَى قَذْفٍ ثَانٍ، لِأَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَا الْأَوَّلِ قَدِ انْقَطَعَ مَاؤُهُ بِوِلَادَةِ الْأَوَّلِ فَصَارَ الْوَلَدُ الثَّانِي مِنْ مَاءٍ ثَانٍ فَاقْتَضَى أَنْ يُضَافَ فِي اللِّعَانِ إِلَى زِنًا ثَانٍ، فَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ مِنَ الثَّانِي لَحِقَ بِهِ دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حَمْلَيْنِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ فِي الْحَمْلَيْنِ أَنْ يَكُونَا مِنَ اثْنَيْنِ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَصَاعِدًا مِنْ وَقْتِ لِعَانِهِ، فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِصَابَتِهِ فِي الزَّوْجِيَّةِ قَبْلَ لِعَانِهِ لِتَجَاوُزِهِ مدة أكثر الحمل.

(مسألة)

قال الشافعي: " وإذا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى الْآخَرَ فَهُمَا ابْنَاهُ وَلَا يَكُونُ حَمْلٌ وَاحِدٌ بولدين إلا من واحد (قال الشافعي) رحمه الله وَإِنْ كَانَ نَفْيُهُ بِقَذْفٍ لِأُمِّهِ فَعَلَيْهِ لَهَا الْحَدُّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَذَلِكَ سَوَاءٌ وَهُمَا مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ لِاشْتِمَالِ الْبَطْنِ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ نَفَى أَحَدَهُمَا بِاللِّعَانِ وَاعْتَرَفَ بِالْآخَرِ، أَوْ نَفَى أَحَدَهُمَا وَأَمْسَكَ عَنْ نَفْيِ الْآخَرِ فَذَلِكَ سَوَاءٌ وَهُمَا لَاحِقَانِ بِهِ، لِأَنَّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ وَأَمْسَكَ عَنْ نَفْيِهِ لَاحِقٌ بِهِ، وَهُوَ مِنْ حَمْلِ الْأَوَّلِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَتْبَعَهُ الْأَوَّلُ فِي اللُّحُوقِ وَإِنْ نَفي لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْحَمْلَ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ، فَصَارَ الْأَوَّلُ تَابِعًا لِلثَّانِي فِي الْإِقْرَارِ، وَلَمْ يَصِرِ الثَّانِي تَابِعًا لِلْأَوَّلِ فِي الْإِنْكَارِ، لِأَنَّ الشَّرِيكَ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ الْإِقْرَارُ وَلَا يَتَعَدَّى إِلَيْهِ

الْإِنْكَارُ؟ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ أَخَوَيْنِ ادَّعَيَا دَارًا وَرِثَاهَا عَنْ أَبِيهِمَا فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرَ، فَكَانَ النِّصْفُ الْمُقَرُّ شِرْكَةً بَيْنَهُمَا فَتَعَدَّى الْإِقْرَارُ إِلَى الْمُكَذَّبِ وَلَمْ يَتَعَدَّ الْإِنْكَارُ إِلَى الْمُصَدَّقِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهَيْنِ مَضَيَا.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الثَّانِيَ يَلْحَقُ بِهِ مَعَ الْأَوَّلِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِحَال اللُّحُوقِ، فَإِنْ كَانَ لُحُوقُ الثَّانِي لِإِمْسَاكِهِ عَنْ نَفْيِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي لُحُوقِهِمَا بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إِمْسَاكِهِ تَكْذِيبُ الْقَذْفِ، وَإِذَا كَانَ لُحُوقُ الثَّانِي لِاعْتِرَافٍ بِهِ وَقَدْ كَانَ قَالَ فِي لِعَانِهِ فِي نَفْيِ الْأَوَّلِ إِنَّهُ منْ زنَا وَجَبَ عَلَيْهِ إِذَا أَلْحَقْنَاهُمَا بِالِاعْتِرَافِ حَدُّ الْقَذْفِ لِمَا فِي الِاعْتِرَافِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ تَكْذِيبِ نَفْسِهِ فِي قَذْفِهِمَا بِالَآخَرِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا نَفَى بِاللِّعَانِ وَلَدَيْنِ تَوْأَمَيْنِ انْتَفَى الْوَلَدُ عَنْهُ وَلَمْ يَنْتَفِيَا عَنْهُ فِي الْأُمِّ وَكَانَا مُلْحَقَيْنِ بِهَا دُونَهُ وَهَكَذَا تَوْأَمُ الزِّنَا يحلقان بِالزَّانِيَةِ دُونَ الزَّانِي، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ أُمِّهِ يَقِينًا وَمِنْ أَبِيهِ ظَنًّا، فَرَفَعَ الشَّرْعُ حُكْمَ الظَّنِّ فِي الزَّانِي وَلَمْ يَرْفَعْ حُكْمَ الْيَقِينِ فِي الزَّانِيَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَرِثَا الْأُمَّ وَوَرِثَتْهُمَا وَلَمْ يَرِثَا الزَّانِيَ وَلَا الْمُلَاعِنَ وَلَمْ يَرِثَاهُمَا، وَفِيمَا يَتَوَارَثُ بِهِ هَذَانِ التَّوْأَمَانِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: مِيرَاثُ أَخٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِعِلْمِنَا قَطْعًا أَنَّهُمَا مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ مِيرَاثَ أَخٍ لِأُمٍّ، لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُمَا أَبٌ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَا أَخَوَيْنِ مِنْ أَبٍ وصار أَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ لِأَنَّ لَهُمَا أُمًّا فَوَرِثَا بِالْأُمِّ لَمَّا وَرِثَاهَا، وَلَمْ يَرِثَا بِالْأَبِ لَمَّا لَمْ يَرِثَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَوْأَمَ الْمُلَاعَنَةِ يَتَوَارَثَانِ مِيرَاثَ أَخٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَتَوْأَمَ الزِّنَا يَتَوَارَثَانِ مِيرَاثَ أَخٍ لِأُمٍّ، لِأَنَّ تَوْأَمَ الْمُلَاعَنَةِ لو استلحقا صار أَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَتَوْأَمَ الزِّنَا لَا يَصِيرَانِ بِالِاسْتِلْحَاقِ أَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَافْتَرَقَا.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي: " وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ الْتَعَنَ نُفِيَ عَنْهُ الحي والميت ولو نفى ولدها بلعان ثم ولدت آخر بعده بيوم فأقر به لزماه جميعاً لأنه حمل واحد وحد لها إن كان قذفها ولو لم ينفه وقف فإن نفاه وقال التعاني الأول يكفيني لأنه حمل واحد لم يكن ذلك له حتى يلتعن من الآخر (وقال) بعض الناس لو مات أحدهما قبل اللعان لاعن ولزمه الولدان وهما عندنا وعنده حمل واحد فكيف يلاعن ويلزمه الولد؟ قال من قبل أنه ورث الميت قلت له ومن زعم أنه يرثه)) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الِالْتِعَانِ جَازَ أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ بَعْدَ موته.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا مَاتَ قَبْلَ اللِّعَانِ وَرِثَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أن من مات على حكم استقر الْحُكْمُ بِمَوْتِهِ، كَمَنْ مَاتَ عَبْدًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتِقَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ مَاتَ كَافِرًا لَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بَعْدَ مَوْتِهِ، كَذَلِكَ هَذَا الْوَلَدُ مَاتَ ابْنًا فَلَمْ تَرْتَفِعْ بُنُوَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِالْمَوْتِ قَدْ صَارَ وَارِثًا لَهُ وَمِيرَاثُهُ اعْتِرَافٌ بِهِ وَالْمُعْتَرِفُ بِالْوَلَدِ لَا يَجُوزُ لَهُ نَفْيُهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْتَفِعَ بِاللِّعَانِ فِرَاشُ زَوْجَتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفِيَ بِهِ نَسَبَ وَلَدِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ نَسَبَ الْحَيِّ أَقْوَى مِنْ نَسَبِ الْمَيِّتِ.
فَلَمَّا جَازَ أن ينفي باللعان أقوى النسبين كما أَنْ يَنْفِيَ أَضْعَفَهُمَا أَوْلَى.
لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى نَفْيِهِ فِي الْحَيَاةِ أَمْرَانِ: أَنْ لَا يَنْتَسِبَ إليه، وأن لا يلزمه مونته وَهَذَانِ مَوْجُودَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَوُجُودِهِمَا قَبْلَهُ، فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَوِيَ الْحَالَانِ فِي نَفْيِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ النَّسَبُ [يَوْمَ] الْمَوْتِ جَازَ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِيَسْتَوِيَ حُكْمُ اللُّحُوقِ وَالنَّفْيِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا اسْتَوَيَا قَبْلَهُ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ إِلَى الْمَوْتِ يَمْنَعُ مِنَ ارْتِفَاعِهِ بَعْدَهُ كَالْكُفْرِ وَالرِّقِّ فِيمَا تَقَدَّمَهُمَا، فَذَلِكَ مَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ نَفْيُ النَّسَبِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ ارْتِفَاعَهُ مِنْ أَصْلِهِ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ فِيمَا بَعْدُ عَنِ النَّسَبِ فَجَازَ أَنْ يَنْفِيَهُ لِيَرْتَفِعَ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ رَفْعِ الْفِرَاشِ بِاللِّعَانِ، أَنَّهُ رَافِعٌ فِي الْحَالِ مَعَ ثُبُوتِهِ مِنْ قَبْلُ وَقَدِ ارْتَفَعَ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ لِرَفْعِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَأْثِيرٌ بِخِلَافِ النِّسَبِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمِيرَاثِ فَهُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ وَارِثٍ إِذَا الْتَعَنَ مِنْهُ، فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُمُ الِاسْتِدْلَالُ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا فَكَانَا وَلَدَيْنِ الْتَعَنَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَنَفَاهُ وَمَاتَ الْآخَرُ قَبْلَ نَفْيِهِ فَإِنَّ الْتِعَانَهُ مِنَ الْحَيِّ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْمَيِّتِ عَنْهُ حَتَّى يُلَاعِنَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ مِنْهُ لَحِقَ بِهِ الْمَيِّتُ وَالْحَيُّ جَمِيعًا، لِأَنَّهُمَا مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنِ الْتَعَنَ مِنْهُ انْتَفَيَا عَنْهُ بِلِعَانَيْنِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي اللِّعَانِ الثَّانِي إِلَى قَذْفٍ يَتَقَدَّمُهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ حَمْلٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَذْفُ لَهُ وَمَاؤُهُ وَاحِدٌ فَافْتَقَرَ إِلَى قَذْفٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُلَاعِنُ مِنَ الْمَيِّتِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْحَيُّ وَالْمَيِّتُ لِأَنَّهُمَا من حمل واحد.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَقَالَ أَيْضًا - يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ - لَوْ نَفَاهُ بلعان وَمَاتَ الْوَلَدُ فَادَّعَاهُ الْأَبُ ضُرِبَ الْحَدّ وَلَمْ يثبت النسب فإن كان الابن المنفي ترك ولداً حد أبوه وثبت نسبه منه وورثه (قال الشافعي) رحمه الله ولا فرق بينه ترك ولداً أو لم يتركه لأن هذا الولد المنفي إذا مات منفي النسب ثم أقر به لم يعد إلى النسب لأنه فارق الحياة بحال فلا ينتقل عنها وكذلك ابن المنفي في معنى المنفي وهو لا يكون ابنا بنفسه فكيف يكون ابنه بالولد المنفي الذي قد انقطع نسب الحي منه والذي ينقطع به نسب الحي ينقطع به نسب الميت لأن حكمهما واحد (قال الشافعي) رحمه الله ولو قتل وقسمت ديته ثم اقر به لحقه وأخذ حصته من دينه ومن ماله لأن أصل أمره أن نسبه ثابت وإنما هو منفي ما كان أبوه ملاعنا مقيماً على نفيه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِيمَنْ نَفَى وَلَدَهُ بِاللِّعَانِ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ فَاعْتَرَفَ بِهِ وَاسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ - هَلْ يَلْحَقُ بِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ إِذَا اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ سَوَاءٌ تَرَكَ وَلَدًا أَوْ لَمْ يَتْرُكْ غَنِيًّا مَاتَ أَوْ فَقِيرًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ تَرَكَ الْمَنْفِيُّ وَلَدًا أُلْحِقَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ مَاتَ غَنِيًّا ذَا مَالٍ لَحِقَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ فَقِيرًا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ، وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: بِأَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَتْ بِالْمَوْتِ أَسْبَابُهُ فَصَارَ قَطْعًا لِاسْتِلْحَاقِهِ، وَهُوَ بَاقِي الْأَسْبَابِ بِالْوَلَدِ فَبَقِيَ حُكْمُ استلحاقه.
والثاني: أنه بعدم الولد متهم الاستلحاق فِي إِجَازَةِ الْمِيرَاثِ فَرَدَّ إِقْرَارَهُ بِالتُّهْمَةِ وَمَعَ وجود الولد غير [متهم] فلزم إقراره.
والثالث: أنه فِي اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ حَقَّينِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ وَالْآخَرُ عَلَيْهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَتَّصِلَ بِحَيٍّ يَثْبُتُ لَهُ مِنْ حَقِّ الِاسْتِلْحَاقِ مِثْلُ مَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِأَنَّ مَوْتَ الْغَنِيِّ بَاقِي الْعَلَقِ فَكَانَ لِاسْتِلْحَاقِهِ تَأْثِيرٌ فَثَبَتَ، وَمَوْتَ الْفَقِيرِ مُنْقَطِعُ الْعَلَقِ فَلَمْ يَبْقَ لِاسْتِلْحَاقِهِ تَأْثِيرٌ فَلَمْ يَثْبُتْ.

وَدَلِيلُنَا: أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِلْحَاقِ نَسَبِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْوَلَدِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مقبول الاعتراف في الحياة وبعد الموت، لأن لا يَكُونَ عَلَى الْجُحُودِ مُصِرًّا وَلِلْوَعِيدِ مُسْتَحِقًّا، وَقَدْ يَتَحَرَّرُ مِنْ مَعْنَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِلْحَاقٌ يَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ الْحَيِّ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ نَسَبُ الْمَيِّتِ كَالَّذِي تَرَكَ وَلَدًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَالْغَنِيِّ مَعَ مَالِكٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتِلْحَاقٌ يَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ ذِي الْوَلَدِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُ الْأَبِ مَنْ نسب غير ذي الْوَلَدِ الْحَيِّ، وَلِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ مَأْخُوذٌ مَنْ نَسَبَ الْأَبِ فَلَا يُؤْخَذُ مَنْ نَسَبَ الْوَلَد، لِأَنَّ الْفُرُوعَ تُرَدُّ إِلَى أُصُولِهَا، وَلَا تُرَدُّ الْأُصُولُ إِلَى فُرُوعِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَكَسَ فِيهِمَا أُصُولَ الشَّرْعِ فَجَعَلَ نَسَبَ الْأَبِ مَأْخُوذًا مِنْ نَسَبِ الْوَلَدِ.
وَلَمْ يَجْعَلْ نَسَبَ الْوَلَدِ مَأْخُوذًا مِنْ نَسَبِ الْأَبِ، وَمَا انْعَكَسَتْ بِهِ أُصُولُ الشَّرْعِ كَانَ مَدْفُوعًا، وَبِمْثِلِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي اعْتِبَارِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ اسْتِلْحَاقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الْمَوْتِ، أَوْ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الْمَوْتِ لِجَوَازِ اسْتِلْحَاقِهِ مَعَ الْوَلَدِ وَالْمَوْتُ مَوْجُودٌ وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ فِي الْمِيرَاثِ، لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فَقِيرًا لَمْ يَلْحَقْ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَتْهُومٍ وَتَرَكَ وَلَدًا لَا يَرْثُ لِرِقٍّ أَوْ كُفْرٍ أَلْحَقُوهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَتْهُومًا، وَإِذَا بَطَلَ تَعْلِيقُ الْمَنْعِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ ثَبَتَ تَسَاوِي حُكْمِهِ فِي الْحَيَاةِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَطْعِ الْأَسْبَابِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ، وَبَقَائِهَا مَعَ وُجُودِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَسْبَابَ بَاقِيَةٌ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ كَبَقَائِهَا مَعَ وُجُودِهِ، لِأَنَّهُ قد تعلق بالأسباب مع الْحُقُوقِ لَهَا وَعَلَيْهَا مِنْ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ وَغَيْرِهِ مَا لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنِ انْقَطَعَ بِهَا الْحُقُوقُ الْمُسْتَقْبَلَةُ لَمْ تُقْطَعْ بِهَا الْحُقُوقُ الْمَاضِيَةُ، وَإِنِ انْقَطَعَ بِهَا حَقُّ الْآدَمِيِّ.
لَمْ يَنْقَطِعْ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ أَبْطَلْنَا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ وُجُودَ الْوَلَدِ يَجْمَعُ حَقَّيِ النَّسَبِ وَيُعْدَمَانِ بِفَقْدِهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالنَّسَبِ أَحْكَامٌ سِوَى أَحْكَامِ الْوَلَدِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِعَدَمِ الْوَلَدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حُكْمَ النَّسَبِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ أَغْلَظُ وَمَعَ عَدَمِهِ أَخَفُّ.
فَلَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ فِي أَغْلَظِ حَالَيْهِ كَانَ ثُبُوتُهُ فِي أَخَفِّهِمَا أَوْلَى.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَعَدَمِهِ فَلَهُ مِيرَاثُهُ بِالْأُبُوَّةِ سَوَاءٌ حَجَبَ الْوَارِثَ أَوْ شَارَكَهُ بَاقِيَهُ كَانَتِ التَّرِكَةُ أَوْ مَقْسُومُهُ، وَلَوْ كَانَ الِابْنُ قَدْ مَاتَ قَتِيلًا، وَرِثَ الْأَبُ مَالَهُ وَدِيَتَهُ، وَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَزَلْ ثَابِتَ النسب من وقت الولادة.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ زَنَيْتُ بِكَ وَطَلَبَا جَمِيعًا مَا لَهُمَا سَأَلْنَا فَإِنْ قَالَتْ عَنَيْتُ أَنَّهُ أَصَابَنِي وَهُوَ زَوْجِي أُحُلِفَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَيَلْتَعِنُ أَوْ يُحَدُّ وَإِنْ قَالَتْ زَنَيْتُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَنِي فَهِيَ قَاذِفَةٌ لَهُ وَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ لَهُ بِالزِّنَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ لَهَا مُبْتَدِئًا: يَا زَانِيَةُ فَهُوَ قَذْفٌ لَهَا صَرِيحٌ لَا يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ وَأَمَّا قَوْلُهَا لَهُ فِي جَوَابِ قَذْفِهَا لَهُ: زَنَيْتُ بِكَ، فَهُوَ مُحْتَمِلٌ إِذَا كَانَ جَوَابًا، فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا صَرِيحًا إِلَّا أَنْ تُرِيدَ بِهِ الْقَذْفَ وَالَّذِي يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْجَوَابُ أَحَدُ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ ذَكَرَ مِنْهَا الشَّافِعِيُّ اثْنَيْنِ، وَأَغْفَلَ الثَّالِثَ: أَحَدُهَا: أَنْ تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِالزِّنَا وَقَذْفَهَا لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِالزِّنَا وَلَا تُرِيدَ قَذْفَهُ بِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تُرِيدَ قَذْفَهُ بِالزِّنَا وَلَا تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا تُرِيدَ قَذْفَهُ وَلَا إِقْرَارَهَا بِهِ، فَأَمَّا الأول وهو أن تريد إقرارها بالزنا وقدفه بِهِ فَهُوَ أَنْ تَقُولَ: أَرَدْتُ بِهِ أَنَّهُ زنا بِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، فَكُنْتُ زَانِيَةً بِهِ وَكَانَ زَانِيًا بِي، فَهَذَا الْبَيَانُ هُوَ أَغْلَظُ أَحْوَالِهِمَا فِي حَقِّهَا وَحَقِّ الزَّوْجِ، فَعَلَيْهَا حَدَّانِ: أَحَدُهُمَا: حَدُّ الزِّنَا لِإِقْرَارِهَا بِهِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُرَاعَى فِيهِ الْمُطَالَبَةُ.
وَالثَّانِي: حَدُّ الْقَذْفِ لِلزَّوْجِ، لِأَنَّهَا قَاذِفَةٌ لَهُ.
وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِطَلَبِهِ وَقَدْ سَقَطَ عَنِ الزَّوْجِ حَدُّ الْقَذْفِ بِتَصْدِيقِهَا لَهُ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَدَّانِ عَلَيْهَا لَمْ يَتَدَاخَلَا، لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ الْمُوجِبُ وَالْحُكْمُ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ اجْتِمَاعِهِمَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنْ لَا يُجْمَعَ فِي السَّرِقَةِ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْغُرْمِ، وَنَحْنُ نُجْرِيهِ عَلَى أَصْلِنَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْغُرْمِ وَإِنْ كَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ نَصٌّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ قَائِمًا يَخْطُبُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اقْعُدْ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَ لَهُ: ماذا فعلت؟ فقالت: زَنَيْتُ بِبِنْتِ امْرَأَتِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عُمَرَ وَعَلِيًّا وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بِنْتِ امْرَأَتِهِ وَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: مَا زَنَيْتُ، فَأَمَرَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ، فَجَمَعَ عَلَيْهِ الْحَدَّيْنِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تُرِيدَ إِقْرَارَهَا بِالزِّنَا وَلَا تُرِيدَ قَذْفَهُ بِالزِّنَا، فَهُوَ أَنْ تَقُولَ: أَرَدْتُ أَنِّي زَنَيْتُ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَزَوَّجَنِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، إِمَّا بِأَنْ تَقُولَ: اسْتَدْخَلْتُ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ نِمْتُ عَلَى فِرَاشِهِ فَوَطِئَنِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِي، فَكُنْتُ زَانِيَةً بِهِ وَلَمْ يَكُنْ زَانِيًا بِي، فَهَذَا الْبَيَانُ أَغْلَظُ الْأَحْوَالِ فِي حَقِّهَا وَأَخَفُّهَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَعَلَيْهَا

حَدُّ الزِّنَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ، وَقَدْ سَقَطَ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهَا أَرَادَتْ قَذْفَهُ أَحْلَفَهَا أَنَّهَا مَا أَرَادَتْهُ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ تُرِيدَ قَذْفَهُ بِالزِّنَا وَلَا تُرِيدَ إِقْرَارَهَا به، فهو أن تقول: زنا بِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي وَأَنَا نَائِمَةٌ أَوْ مُسْتَكْرَهَةٌ، فَهُوَ زَانٍ بِي وَأَنَا غَيْرُ زَانِيَةٍ بِهِ، فَهَذَا الْبَيَانُ أَخَفُّ الْأَحْوَالِ فِي حَقِّهَا وأغلظها فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَعَلَيْهَا حَدُّ قَذْفِهِ، وَعَلَيْهِ حَدُّ قَذْفِهَا، وَلَا قِصَاصَ فِي 7 الْحَدَّيْنِ، وَلَهُ إِسْقَاطُ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْ نَفْسِهِ بِاللِّعَانِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا حَدُّ الْقَذْفِ بِلِعَانِهَا، فَإِنْ أَكْذَبَهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدِ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا أَحْلَفَهَا أَنَّهَا لَمْ تُرِدْهُ، لِمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ سُقُوطِ حَدِّ قَذْفِهَا عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ.
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ تُرِيدَ لَا إِقْرَارًا بِالزِّنَا وَلَا قَذْفَهُ، فَهُوَ أَنْ تَقُولَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ أَصَابَنِي بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَنِي فَإِنْ كُنْتُ زَانِيَةً فِيهِ زَنَيْتُ، فَهَذَا أَخَفُّ أَحْوَالِهَا فِي حقها وحق الزوج، فيكون قولها من الْأَمْرَيْنِ مَقْبُولًا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا وَلَا حَدُّ الْقَذْفِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ قَدْ يَخْرُجُ فِي مُقَابَلَةِ اللَّفْظِ بِمِثْلِهِ وَيُخَالِفُهُ فِي حُكْمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] . وَالِابْتِدَاءُ سَيِّئَةٌ وَالْجَزَاءُ لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54] . فَالِابْتِدَاءُ مَكْرٌ وَالْجَزَاءُ لَيْسَ بِمَكْرٍ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْجَوَابِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَدْ يَكُونُ نَفْيًا لِمَا تَضَمَّنَهُ الِابْتِدَاءُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: مَا زَنَيْتُ إِلَّا بِكَ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ زَانِيًا لَمْ أَكُنْ زَانِيَةً، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: دَخَلْتَ الدَّارَ فَيَقُولُ: مَا دَخَلْتُهَا إِلَّا مَعَكَ: يُرِيدُ أَنَّكَ لَمَّا لَمْ تَدْخُلِ الدَّارَ، لَمْ أَدْخُلْهَا، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَرْقُ مَا بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْجَوَابِ، وَلِأَجْلِهِمَا جَعَلْنَا الِابْتِدَاءَ صَرِيحًا، وَالْجَوَابَ كِنَايَةً، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُهُمَا فِي الْأَمْرَيْنِ مَقْبُولًا، وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ أَحْوَالِهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي حَالِ الزَّوْجِ فَلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ مِنْ هَذَا الوجه أربعة أحوال: أحدها: أَنْ يُصَدِّقَهَا فِي الْأَمْرَيْنِ، أَنَّهَا مَا أَرَادَتْ إِقْرَارًا بِالزِّنَا وَلَا قَذْفَهُ بِهِ، فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا يَلْزَمُهَا حَدُّ قَذْفٍ وَلَا زِنًا، وَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهَا إِمَّا أَنْ يُلَاعِنَ [فَإِنْ لَاعَنَ سَقَطَ حَدُّ الْقَذْفِ عَنْهُ وَوَجَبَ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تُلَاعِنَ] ، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلْتَعِنُ مِنْهَا وَقَدْ صَدَّقَهَا، قِيلَ: إِنَّمَا صَدَّقَهَا عَلَى أَنْ لَمْ تُقِرَّ بِالزِّنَا، وَلَمْ يُصَدِّقْهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَزْنِ فَلِذَلِكَ الْتَعَنَ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُكَذِّبَهَا فِي الْأَمْرَيْنِ وَيَقُولَ: بَلْ أَرَدْتِ إِقْرَارًا بِالزِّنَا وَقَذْفِي بِهِ.
فَلَهُ إِحْلَافُهَا عَلَى الْأَمْرَيْنِ.
أَمَّا الزِّنَا فَيَحْلِفُ أَنَّهَا مَا أَرَادَتِ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا، وَلَا تحلف

أَنَّهَا مَا زَنَتْ، وَتَكُونُ يَمِينَهَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ لَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لأن منكر الزنا لا تجب [عليه اليمين] . وَأَمَّا الْقَذْفُ فَتَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّهَا مَا أَرَادَتْ قَذْفَهُ، وَلَا تَحْلِفُ أَنَّهَا قَذَفَتْهُ، وَهَلْ يَلْزَمُهَا فِي الْأَمْرَيْنِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَمِينَانِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَمِينٌ وَاحِدَةٌ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ فِيهَا بِشَخْصٍ وَاحِدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَمِينَانِ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا يُخَالِفُ حُكْمَ الْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَتْ عَلَى الْأَمْرَيْنِ سَقَطَ عَنْهَا حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ الْقَذْفِ كَمَا لَوْ صَدَّقَهَا وَوَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهَا إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَهَا، وَإِنْ نَكَلَتْ عَنِ الْيَمِينِ فِي الْأَمْرَيْنِ أُحْلِفَ الزَّوْجُ عليها أنها أرادت الإقرار بالزناه وَأَرَادَتْ قَذْفَهُ بِالزِّنَا وَهَلْ يَحْلِفُ يَمِينًا أَوْ يَمِينَيْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنَ احْتِمَالِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِذَا حَلَفَ وَسَقَطَ عَنْهُ حَدُّ قَذْفِهَا وَوَجَبَ عَلَيْهَا حَدُّ قَذْفِهِ وَلَمْ تُحَدَّ لِلزِّنَا لِأَنَّهَا لَا تُحَدُّ فِي الزِّنَا بِيَمِينِ غَيْرِهَا.
وَإِنَّمَا كَانَتْ يَمِينُ الزَّوْجِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ مِنْ أَحْوَالِ الزَّوْجِ: أَنْ يُصَدِّقَهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدِ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا، وَيُكَذِّبَهَا فِي أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ قَذْفَهُ بِالزِّنَا، فَيُحَلِّفُهَا أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ قَذْفَهُ فَإِذَا حَلَفَتْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لِقَذْفٍ وَلَا زِنًا وَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهَا إِلَّا أَنْ يَلْتَعِنَ، وَإِنْ نَكَلَتْ حَلَفَ وَحُدَّتْ لَهُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَكَانَ لَهَا عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ إِلَّا أَنْ يَلْتَعِنَ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُكَذِّبَهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدِ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا وَيُصَدِّقَهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ قَذْفَهُ بِالزِّنَا، فَلَهُ إِحْلَافُهَا أَنَّهَا لَمْ تُرِدِ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا، فَإِذَا حَلَفَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ قَذْفِهَا إِلَّا أَنْ يَلْتَعِنَ، وَإِنْ نَكَلَتْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ فَيَسْقُطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَبَيْنَ أَنْ يَلْتَعِنَ فَيَسْقُطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَيَجِبَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا إلا أن يلتعن.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَتْ لَهُ: بَلْ أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي كَانتْ قَالَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالْقَذْفِ إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهِ قَذْفًا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ أَوِ اللِّعَانُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ يَا زَانِيَةُ، فَتَقُولُ لَهُ أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي، فَمَا ابْتَدَأَهَا بِهِ قَذْفٌ صَرِيحٌ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَ، وَمَا أَجَابَتْهُ بِهِ كِنَايَةٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهَا كَالَّذِي تَقَدَّمَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ قَذْفٌ صَرِيحٌ يُوجِبُ الْحَدَّ، وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ مَعَارِيضَ الْقَذْفِ قَذْفٌ كَالصَّرِيحِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ صَرِيحِ اللَّفْظِ وَكِنَايَتِهِ وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَهُمَا.

وَالثَّانِي: أَنْ مَعَارِيضَ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا لَا تَكُونُ كَصَرِيحِ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا، فَكَذَلِكَ مَعَارِيضُ الْقَذْفِ بِهِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْجَوَابُ قَذْفًا بِالزِّنَا لَكَانَ إِقْرَارًا بِالزِّنَا، لِأَنَّ قَوْلَهَا: أَزْنَى مِنِّي يُوجِبُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الزِّنَا وَأَنْ يَكُونَ هَذَا أَبْلَغَ فِي الزِّنَا عَمَلًا، وَهَكَذَا يَكُونُ حَالُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ، لِأَنَّ الزَّانِيَ فَاعِلٌ وَالزَّانِيَةَ مُمَكِّنَةٌ، وَمَالِكٌ لَا يَجْعَلُهَا مُقِرَّةً فَلَزِمَهُ أَنْ لَا يَجْعَلَهَا قَاذِفَةً.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهَا: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي كِنَايَةٌ إِذَا كَانَ جَوَابًا، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَا وَطِئَنِي غَيْرُكَ فَإِنْ كُنْتُ زَانِيَةً فَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي لِأَنَّكَ فَاعِلٌ وَأَنَا مُمَكِّنَةٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الِابْتِدَاءِ بِهَذَا الْقَوْلِ: هَلْ يَكُونُ كِنَايَةً كَالْجَوَابِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ كِنَايَةً كَالْجَوَابِ، لِأَنَّ أَزْنَى صِفَة فَاسْتَوَى فِي الِابْتِدَاءِ وَالْجَوَابِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا صَرِيحًا فِي الِابْتِدَاءِ وَكِنَايَةً فِي الْجَوَابِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الْجَوَابِ رَدًّا، وَفِي الِابْتِدَاءِ جَرْحًا، كَمَا يَكُونُ قَوْلُهَا: زَنَيْتُ بِكَ فِي الْجَوَابِ كِنَايَةً، وَفِي الِابْتِدَاءِ صريح، وكذلك هذا.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ أَنْتِ أَزْنَى مِنْ فُلَانَة أَوْ أَزْنَى النَّاسِ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَذْفًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَذْفًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ أَزْنَى مِنْ فُلَانَة.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَكُنْ قَذْفًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَذْفًا فَجَعَلَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ فِي زَوْجَتِهِ وَفِي فُلَانَةٍ الْمُشَبّهِ بِهَا، وَتَابَعَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا الْجَوَابِ.
وَقَالُوا: يُسْأَلُ الزَّوْجُ وَيَنْوِي فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكِ أَزْنَى من فلانة الزانية كان قافذاً لَهَا وَلِفُلَانَةَ وَعَلَيْهِ لَهُمَا حَدَّانِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكِ أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ، وَلَيْسَتْ فُلَانَةُ زَانِيَةً، لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لَهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّ التَّشَبُّهَ تَقْتَضِي تَسَاوِيَهُمَا فِي الصِّفَةِ وَقَدْ نَفَى الزِّنَا عَنْ فُلَانَةَ فَصَارَ مَنْفِيًّا عَنِ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، لِأَنَّ لَفْظَ الْكِنَايَةِ الْمَنَوِيَّ فِيهِ يَسْقُطُ حُكْمُهُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَهَذَا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَتَابَعَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى شَرْحِهِ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا صَرِيحًا فِي زَوْجَتِهِ، وَكِنَايَةً فِي قَذْفِ فُلَانَةَ، أَمَّا كَوْنُهُ قَذْفًا صَرِيحًا لِزَوْجَتِهِ فلانة قَدْ صَرَّحَ فِيهَا بِلَفْظِ الزِّنَا وَأَدْخَلَ أَلِفَ الْمُبَالَغَةِ زِيَادَةً فِي تَأْكِيدِ الْقَذْفِ كَمَا دَخَلَتْ أَلِفُ الْمُبَالَغَةِ فِي أَكْثَرِ مُبَالَغَةٍ فِي التَّعْظِيمِ، فَكَانَتْ إِنْ لَمْ تَزِدْهُ فِي هَذَا الْقَذْفِ شَرًّا لَمْ تُفِدْهُ خَيْرًا.

وقد قال الشاعر: (هو أزناهما بظنون أفا ... ليس مِمَّنْ يُقَادُ بِالتَّقْلِيدِ)

فَرَأَى النَّاسُ ذَلِكَ قَذْفًا لِلْأُمِّ، وَلِهَذَا الشِّعْرِ حَدِيثٌ فِي هِجَاءِ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ قُتِلَ بِهِ الشَّاعِرُ فَوَضَحَ بِمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي قَذْفِ زَوْجَتِهِ يُحَدُّ فِيهِ وَلَا يَنْوِي، وَأَمَّا فُلَانَةُ الَّتِي جَعَلَ زَوْجَتَهُ أَزْنَى مِنْهَا، فَيُحْتَمَلُ مِنْ لَفْظِهِ فِيهَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ، إِمَّا الِاشْتِرَاكُ وَإِمَّا السَّلْبُ، فَالِاشْتِرَاكُ كَقَوْلِهِمْ: زِيدٌ أَعْلَمُ مِنْ عَمْرٍو فَيَكُونُ شَرِيكًا بَيْنَهُمَا فِي الْعِلْمِ وَتَفْضِيلًا لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو فِيهِ، وَأَمَّا السَّلْبُ فَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يومئذ خيرا مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: 24] . فَكَانَ ذَلِكَ سَلْبًا لِلْخَيْرِ عَنْ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُمْ فِيهَا، وَإِذَا احْتَمَلَ لَفْظُهُ فِي فُلَانَةَ الِاشْتِرَاكَ وَالسَّلْبَ صَارَ كِنَايَةً يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْجَمْعَ وَالتَّشْرِيكَ كَانَ قَذْفًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ السَّلْبَ وَالنَّفْيَ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ.

(فَصْلٌ)

أَمَّا ال

ْمَسْأَلَةُ

الثَّانِيَةُ: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ أَزْنَى النَّاسِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَذْفًا، فَجَعَلَهُ كِنَايَةً فِي الْقَذْفِ [فَعَلَّلَ] أَصْحَابُنَا هَذَا الْجَوَابَ حِينَ تَابَعُوهُ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِجَمِيعِ النَّاسِ فِي الْمُبَالَغَةِ، وَنَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ لَيْسُوا زُنَاةً، فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ يَقِينًا فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا صَرِيحًا، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا صَرِيحًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَفْظَ الْمُبَالِغَةِ فِي الصِّفَةِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْجَمَاعَةِ فِيهِمْ مُشَارِكٌ فِيهَا مُخَالِفٌ حُمِلَتْ عَلَى الْمُشَارِكِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَةِ، وَلَمْ تُحْمَلْ عَلَى الْمُخَالِفِ فِي نَفْيِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: زِيدٌ أَعْلَمُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، - وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِالْبَصْرَةِ عُلَمَاءَ وَغَيْرَ عُلَمَاءَ - كَانَ مَحْمُولًا عَلَى إِثْبَاتِ عِلْمِهِ فِي التَّشْرِيكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُهَّالِهَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْتِ أَزْنَى النَّاسِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي النَّاسِ زُنَاةً وَغَيْرَ زُنَاةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى مُبَالَغَةِ إِضَافَتِهِ إِلَى الزُّنَاةِ، وَلَيْسَ فِي الْقَذْفِ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ جَعَلَهَا أَزْنَى مِنْ كُلِّ زَانٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّنَا لَوْ أَخْرَجْنَا هَذَا اللَّفْظَ مِنْ صَرِيحِ الْقَذْفِ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ تَيَقُّنِ كَذِبِهِ لَخَرَجَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ مِنْ كِنَايَةِ الْقَذْفِ، وَلَا يَصِيرُ قَاذِفًا وَإِنْ أَرَادَهُ، لِأَنَّ الْقَذْفَ مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَأَمَّا مَا قُطِعَ فِيهِ بِالصِّدْقِ أَوْ قُطِعَ فِيهِ بِالْكَذِبِ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لِبِنْتِ شَهْرٍ: زَنَيْتِ، لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لِاسْتِحَالَتِهِ، وَلَوْ قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لِاسْتِحَالَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ قَذْفًا وَإِنْ أَرَادَهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ صَرِيحِ الْقَذْفِ وَكِنَايَتِهِ تَصْحِيحًا لِهَذَا التَّعْلِيلِ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل