الحاوي الكبيرصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْعِتْق

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَابُ عِتْقِ الشِّرْكِ فِي الصِّحَّةِ والمرض والوصايا في العتق

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (من أعتق شركا له في عبد وكان لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مَا عَتَقَ وَهَكَذَا رَوَى ابن عمر عن رسول الله ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّمَا عِتْقُ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ مِنَ الْقُرَبِ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وما أدراك ما العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 11، 12، 13] يَعْنِي عِتْقَ رَقَبَةٍ مِنَ الرق.
وروي عن النبي أَنَّهُ قَالَ: " فِي جَهَنَّمَ عَقَبَةٌ لَا يَقْتَحِمُهَا إلا من فك رقبة ". وقال تعالى: ﴿وإذا تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37] يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْعِتْقِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ مُنْعَمًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وَفِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَفِي الْكِتَابَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْعِتْقِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ فِدَاءَهُ مِنَ النَّارِ ". وَرَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ ". وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَذَرَتْ أَنْ تَعْتِقَ عَشَرَةً مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَسُبِيَ قَوْمٌ مَنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنْ سَرَّكِ أَنْ تَعْتِقِي الصَّمِيمَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَأَعْتِقِي هَؤُلَاءِ ".

وَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَلْمَانَ، وَشُقْرَانَ، وَثَوْبَانَ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَاشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلَالًا وَكَانَ يُعَذَّبُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِلَالٌ سَيِّدُنَا وَعَتِيقُ سَيِّدِنَا.
وَفِي قَوْلِهِ بلال سيدنا ثلاثة تأويلات: أحدها: قوله " سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ ". وَالثَّانِي: لِسَابِقَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّوَاضُعَ وَكَسْرَ النَّفْسِ.
وَقَدْ أَعْتَقَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، عَبِيدًا وإماءا وَكَذَلِكَ أَهْلُ الثَّرْوَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي عَصْرِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبَعْدَهُ، فَدَلَّ عَلَى فَضْلِ الْعِتْقِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَكْثَرُهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) وَلِأَنَّ فِي الْعِتْقِ فَكًّا مِنْ ذُلِّ الرِّقِّ بِعِزِّ الْحُرِّيَّةِ وَكَمَالِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ نُقْصَانِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ بَعْدَ الْمَنْعِ مِنْهُ وَتَمَلُّكِ الْمَالِ بَعْدَ حَظْرِهِ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ مِنَ الْمُعْتِقِ وَأَجْزَلِ النِّعَمِ عَلَى الْمُعْتَقِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَّرَ بِهِ الذُّنُوبَ وَجَبَرَ بِهِ الْمَآثِمَ وَمَحَا بِهِ الْخَطَايَا وَمَا هُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ فَهُوَ عِنْدَ الله عظيم.

فَصْلٌ:

فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْعِتْقُ ضَرْبَانِ: وَاجِبٌ وَتَطَوُّعٌ.
فَالْوَاجِبُ خَاصٌّ فِي بَعْضِ الرِّقَابِ.
وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ.
وَالتَّطَوُّعُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الرِّقَابِ مِنْ مُؤْمِنَةٍ وَكَافِرَةٍ وَسَلِيمَةٍ وَمَعِيبَةٍ.
وَالْعِتْقُ يَقَعُ بِالْقَوْلِ الصريح وكناية.
وَالصَّرِيحُ لَفْظَتَانِ: أَعْتَقْتُكَ، وَحَرَّرْتُكَ.
يَقَعُ الْعِتْقُ بِهِمَا مَعَ وُجُودِ النِّيَّةِ وَعَدَمِهَا.
وَالْكِنَايَةُ: قَوْلُهُ حَرَّمْتُكَ، وَسَبَيْتُكَ، وَأَطْلَقْتُكَ، وَخَلَّيْتُكَ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُعْتِقْ وَلَا يُعْتِقُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ كَالطَّلَاقِ وَيَصِحُّ مُعَجَّلًا وَمُؤَجَّلًا وَنَاجِزًا وَعَلَى صِفَةٍ وَبِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ اعْتِبَارًا بِالطَّلَاقِ وَبِعِلْمِ العبد وبغير علمه ومع إرادته وكراهته.
فَصْلٌ وَإِذَا كَانَ الْعِتْقُ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَهُوَ يَسْرِي كَسِرَايَةِ الطَّلَاقِ وَسِرَايَتُهُ أَعَمُّ مِنْ سِرَايَةِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ يَسْرِي إِلَى مِلْكِ الْمُعْتَقِ وَإِلَى غَيْرِ مِلْكِهِ وَسِرَايَةُ الطَّلَاقِ لَا تَسْرِي إلا

إِلَى مِلْكِ الْمُطَلَّقِ، فَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ بَعْضًا مِنْ عَبْدِهِ كَقَوْلِهِ: نِصْفُهُ حُرٌّ عَتَقَ جَمِيعُهُ وَلَمْ يَقِفِ الْعِتْقُ الَّذِي بَاشَرَهُ.
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ غُلَامٍ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: " وهو حُرٌّ كُلُّهُ لَيْسَ لَكَ شَرِيكٌ ". وَإِذَا أَعْتَقَ له ىشركاء فِي عَبْدٍ شِرْكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُهُ مِنْهُ وَرُوعِيَتْ حَالُهُ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَرَى عِتْقُهُ إِلَى شَرِيكِهِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ قِيمَةُ حِصَّتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا عَلَى مِلْكِهِ وَلَا أَنْ يَعْتِقَهَا فِي حق نفسه، وإن كان المعتق موسراً لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَكَانَتْ حِصَّتُهُ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِهِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَبْقَاهَا وَلَا يُجْبَرُ الْعَبْدُ عَلَى الِاسْتِسْعَاءِ فِيمَا رَقَّ مِنْهُ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتَتَبَعَّضُ فِي الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَبَعَّضَ فِيهِ فَيَكُونُ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ مَرْقُوقًا.
وَالْوَاجِبُ تَكْمِيلُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا كَانَ شريكه بالخيار بين ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتِقَ حِصَّتَهُ مُبَاشَرَةً فَيَكُونُ الولاء بينهما.
والحالة الثالثة: أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي حِصَّتِهِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بالسوية ويكون الولاء بينهما.
والحالة الثانية: أَنْ يَأْخُذَ الْمُعْتِقُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ وَيَكُونُ الْمُعْتَقُ فِيهِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَاهُ فِي حِصَّتِهِ فِيهِ بِقِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا كَانَ الشَّرِيكُ فِي حِصَّتِهِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَعْتِقَهَا وَإِمَّا أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِيهَا.
وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِ حِصَّتِهِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى عِتْقِهِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالْعِتْقِ لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ: يُعْتَقُ حِصَّةُ الْمُعْتِقِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُعْتَقُ حِصَّةُ الشَّرِيكِ عَلَى الْمُعْتِقِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يكن له مال! استسعى العبد غير مشقوق عليه ".

قَالُوا: وَهَذَا نَصٌّ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ تَنَافِيَ أَحْكَامِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ تَمْنَعُ مِنْ تَبْعِيضِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ كَمَا امْتُنِعَ مِنْ تَبْعِيضِ الزَّوْجِيَّةِ إِبَاحَةً وَحَظْرًا.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ مَا لَمْ تُبَعَّضِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ فِي مِلْكِ الْوَاحِدِ.
لَمْ تُبَعَّضْ فِي مِلْكِ الِاثْنَيْنِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ عِتْقَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَجْعَلُ الْعَبْدَ فِيمَا يَمْلِكُهُ مِنْ حُرِّيَّةِ نَفْسِهِ كَالْغَاصِبِ فِي حَقِّ الْآخَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَسْعِيَ فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ كَمَا يُؤْخَذُ الْغَاصِبُ بِقِيمَةِ غَصْبِهِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ فَأُعْتِقَ وَرُقَّ مِنْهُ مَا رُقَّ ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِتْقِهِ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ دُونَ حَقِّ الْمُعْسِرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَرَوَى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعاهم وجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أَرْبَعَةً.
فَمَنَعَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ جَزَّأَهُمْ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجَزِّئُهُمْ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، وَأَعْتَقَ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَسْتَرِقُّهُمْ، وَأَوْجَبَ اسْتِسْعَاءَهُمْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يُوجِبْهُ فَصَارَ مَذْهَبُهُ مُخَالِفًا لِلْخَبَرِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَدْفُوعًا بِهِ، لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ عِتْقٌ بَعِوَضٍ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْعَبْدُ كَالْكِتَابَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقَوَّمْ عَلَى الْمُعْتِقِ الْمُعْسِرِ فَأَوْلَى أَن لَا يُقَوَّمَ عَلَى الْعَبْدِ بِالسِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْمُعْسِرِ لِلْعِلْمِ بِإِعْسَارِ الْعَبْدِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَإِعْسَارِ الْمُعْتِقِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
وَلِأَنَّ مَا يَقْتَضِيهِ التَّقْوِيمُ هُوَ الْعِتْقُ لِدُخُولِ الضَّرَرِ بِهِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ فَلَمَّا سَقَطَ التَّقْوِيمُ فِي حَقِّ الْمُعْتِقِ بِإِعْسَارِهِ وَهُوَ مُبَاشِرٌ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ عَنِ الْعَبْدِ بِمَا قَدْ يَجُوزُ أَن لَا يَصِلَ إِلَيْهِ مِنْ سِعَايَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ ضَرَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ ". فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ احْتِجَاجِهِمْ بِالْخَبْرَيْنِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ الرواية فيه.

وَالثَّانِي: اسْتِعْمَالُهُ.
فَأَمَّا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فَمِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ فِيمَا رَوَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْهُ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ أَبِي عِيسَى عَنْ سَعِيدٍ وَلَمْ يَذْكُرِ السِّعَايَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ السِّعَايَةِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ قَتَادَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ مَنْ هُوَ أَضْبَطُ مِنْ سَعِيدٍ وَهُوَ مِسْعَرٌ الْحَافِظُ وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ السِّعَايَةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ رواه هشام بن قَتَادَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ " وَأَنَّ قَتَادَةَ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ فَذَكَرَ قَتَادَةُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَوَهِمَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فَضَمَّهُ إِلَى رِوَايَتِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ: رِوَايَةُ هَمَّامٍ أَصَحُّ، لِأَنَّه

ُ فَصَّلَ

مَذْهَبَ قتادة عن روايته وسعيد أزواجها فِي الرِّوَايَةِ.
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْخَبَرِ فِي السِّعَايَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُرَاضَاةِ، دُونَ الْإِجْبَارِ إِذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ وَأَجَابَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ، لِأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ وَالْإِجْبَارُ شَاقٌّ، وَلِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ اسْتِفْعَالٌ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِلطَّلَبِ كَقَوْلِهِمُ اسْتَسْلَفَ وَاسْتَصْعَبَ وَاسْتَقْرَضَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى اسْتِسْعَائِهِ فِي خِدْمَةِ الشَّرِيكِ وَاكْتِسَابِهِ لَهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ لَا لِإِطْلَاقِ الِاسْتِسْعَاءِ فِي احْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ تَنَافِيَ أَحْكَامِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ يَمْنَعُ مِنَ الجمع بينهما فهو أن نُغَلِّبُ أَحَدَهُمَا وَلَا نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَزَالَ التَّنَافِي.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ امْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ الْوَاحِدِ فَهُوَ أَنَّ اخْتِيَارَهُ لِلْمُعْتِقِ أَوْجَبَ سرايته على مِلْكِهِ، وَلَمْ يُوجِبْ سِرَايَتَهُ إِلَى مِلْكِ شَرِيكِهِ إِذَا اسْتَقَرَّ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَعْلِهِمُ الْعَبْدَ كَالْغَاصِبِ فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَبْدِ فِعْلٌ وَلَا لَهُ عَلَى رِقِّهِ يَدٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ كَالْغَاصِبِ الْمُتَعَدِّي بِيَدِهِ وَاسْتِهْلَاكِهِ.

مسألة

: قال الشافعي رضي الله عنه: (ويحتمل قوله فِي عِتْقِ الْمُوسِرِ وَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُعْتَقُ بِالْقَوْلِ وَبِدَفْعِ الْقِيمَةِ وَالْآخَرُ أَنْ يَعْتِقَ الْمُوسِرُ وَلَوْ أَعْسَرَ كان العبد حرا واتبع بما ضمن وهذا قول يصح فيه القياس (قال المزني) وبالقول الأول قال فِي كِتَابِ الْوَصَايَا فِي الْعِتْقِ وَقَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ يَعْتِقُ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ وهكذا قال في كِتَابِ اخْتِلَافِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي حَنِيفَةَ وقال أيضا فإن مات المعتق أخذ بما لزمه من أرش المال لا يمنعه الْمَوْتُ حَقًّا لَزِمَهُ كَمَا لَوْ جَنَى جِنَايَةً والعبد حر في شهادته وميراثه وجناياته قبل القيمة ودفعها (قال المزني) وقد قَطَعَ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى أَصَحُّ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وقطعه به في أربعة مواضع أولى به من أحد قولين لم يقطع به وهو القياس على أصله في القرعة أن المعتق يَوْمَ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ حَتَّى أَقْرَعَ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ والموتى فهذا أولى بقوله (قال المزني) رحمه الله قد قال الشافعي لو أَعْتَقَ الثَّانِي كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا وَفِي ذَلِكَ دليل لو كان ملكه بحاله لو عتق بإعتاقه إياه وَقَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ بَيْنَهُمَا إنَّهُ إِنْ أَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا كَالْعِتْقِ وَإِنَّ شَرِيكَهُ إِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ كَانَ مَهْرُهَا عَلَيْهِ تَامًّا وَفِي ذَلِكَ قضاء لما قلنا وَدَلِيلٌ آخَرُ لَمَّا كَانَ الثَّمَنُ فِي إِجْمَاعِهِمْ ثمنين أحدهما في بيع عن تراض يجوز فيه التغابن والآخر قيمة متلف لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّقْسِيطِ فَلَمَّا حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على المعتق الموسر بِالْقِيمَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا قِيمَةُ مُتْلَفٍ عَلَى شَرِيكِهِ يَوْمَ أَتْلَفَهُ فَهَذَا كُلُّهُ قَضَاءٌ لِأَحَدِ قوليه على الآخر وبالله التوفيق) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَصِحُّ فِيهِ الْقِيَاسُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عِتْقَ الْمُوسِرِ يَسْرِي إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي عِتْقِهَا عَلَيْهِ بِمَاذَا يَقَعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ، وَاخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ وَكِتَابِ الْوَصَايَا أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ بِنُطْقِهِ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، فَيَدْفَعُهَا بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ إِلَى شَرِيكِهِ وَهُوَ قَبْلَ دَفْعِهَا عَلَى بَقَاءِ حِصَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْأَشْبَهُ ذَكَرَهُ عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ وَحَرْمَلَةُ، أَنَّ الْعِتْقَ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَإِذَا دَفَعَ الْقِيمَةَ بَانَ أَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ بِاللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ عَنِ الرِّقِّ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ فِي مِلْكِ الْمَبِيعِ مَتَى يَنْتَقِلُ عَنِ الْبَائِعِ إِلَى الْمُشْتَرِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: بِالْعَقْدِ قَبْلَ مُضِيِّ زمان الخيار.

وَالثَّانِي: بِالْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ الْخِيَارِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى.
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا.
فَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ فَدَلِيلُهُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَكَانَ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ " وَلِأَنَّ فِيهِ الْحِصَّةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ عِتْقِهِ فَدَلَّ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِيهَا بِلَفْظَةٍ.
وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إنَّهُ لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ فَدَلِيلُهُ، رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّمَا عَبْدٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ قِسْمَةَ عَدْلٍ لَيْسَتْ بِوَكْسٍ وَلَا شَطَطٍ ثم يعتق " ولأن العتق عن عرض فَتَحْرِيمُهُ يَدْفَعُ الْعِوَضَ كَالْكِتَابَةِ.
وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ: إنَّ الْعِتْقَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَدَلِيلُهُ أَنَّ تَعَارُضَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي الْوَقْفَ وَالْمُرَاعَاةَ لِاسْتِعْمَالِ الْخَبْرَيْنِ، وَلِأَنَّ فِي الْوَقْفِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ وَالْعَبْدِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ إِدْخَالِهِ عَلَى الشَّرِيكِ بِتَعْجِيلِ الْعِتْقِ أَوْ عَلَى الْعَبْدِ بِتَأْخِيرِهِ، وَيَكُونُ وَقْفُ عِتْقِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ أَيَسْلَمُ فَيَخْرُجُ الْعِتْقُ مِنْ ثُلُثِهِ، أَوْ يَتْلَفُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ كَانَ تَحْرِيرُ عِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى سَلَامَةِ مَالِهِ، فَإِنْ سَلِمَ عَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ مِنْ حِينِ تَلَفَّظَ بِعِتْقِهِ وَإِنْ تَلِفَ مَالُهُ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ إِلَّا ثُلُثُهُ، وَأَنَّ بَاقِيَهُ لَمْ يَزَلْ مَوْقُوفًا.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَشْهَرَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ وَهُوَ الْأَوَّلُ أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ تُعْتَقُ بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَتَكَلَّمَ عَلَى قِيمَتِهِ فُصُولًا بَعْضُهَا تَحْقِيقٌ لِمَذْهَبِهِ وَبَعْضُهَا نُصْرَةٌ لِصِحَّتِهِ.
فَالْفَصْلُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا فِي الْعِتْقِ وَقَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ يَعْتِقُ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ وَهَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فَجَعَلَ الْمُزَنِيُّ تَكْرَارَ هَذَا الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ فِيهَا إِثْبَاتًا لَهُ وَنَفْيًا لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَ لِأَنَّ أَقَاوِيلَهُ إِذَا فُرِّقَتْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى

تَكْرَارِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَلَوْ كَانَ مَا تَوَهَّمَ صَحِيحًا لَاقْتَضَى إِذَا كَرَّرَ أَحَدَهُمَا فِي مَوَاضِعَ وَكَرَّرَ الْأُخْرَى فِي مَوَاضِعَ أَنْ يَكُونَ نَافِيًا لَهُمَا وَالَّذِي يَقْتَضِي تَحْقِيقَ مَذْهَبِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَقُولَ وَبِهَذَا أَقُولُ وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَحْتَجْ لَهُ.
فَأَمَّا تَكْرَارُهُ وَالتَّفْرِيعُ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْثِيرَ لَهُمَا كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِزِيَادَةِ الشُّهُودِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَهَا تَأْثِيرٌ فِي أَنَّ غَيْرَهَا لَا يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَصِيرُ بِهَا أرجح من غيره فجرح بِهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُرَجِّحْ بِهَا آخَرُونَ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي قَالَ الْمُزَنِيُّ: فَقَالَ - يَعْنِي الشَّافِعِيَّ - فَإِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ أَخَذَ مَا لَزِمَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا يَمْنَعُ الْمَوْتُ حَقًّا لَزِمَهُ، كَمَا لَوْ جَنَى جِنَايَةً، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ احْتِجَاجًا أَنَّ أَخْذَ قِيمَةِ الْحِصَّةِ مِنْ شَرِيكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَلِيلٌ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي حَيَاتِهِ وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا، لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ شَرِيكِهِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ فِي أَحَدِهَا، فَقَدْ كَانَ مِنْهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِعِتْقِهِ، فَكَانَ مَأْخُوذًا بِعِتْقِهِ فِي تَرِكَتِهِ كَمَا لَوْ جَرَحَ عَبْدًا فَسَرَى الْجُرْحُ إِلَى نَفْسِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أُخِذَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ وَجَبَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَمَاتَ، كَانَ غُرْمُ مَا تَلِفَ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ وَجَبَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي حَيَاتِهِ، لِأَنَّنَا إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ إنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ، كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، مَا وَجَبَ عَلَيْهِ غُرْمُهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي: إنَّهُ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِعِتْقِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ غُرْمُ الْقِيمَةِ فِي تَرِكَتِهِ، لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِعِتْقِهِ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ فِي شَهَادَتِهِ، وَحُدُودِهِ، وَمِيرَاثِهِ، وَجِنَايَاتِهِ، قَبْلَ الْقِيمَةِ وَبَعْدَهَا، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ قِيلَ بِنُفُوذِ عِتْقِهِ بِاللَّفْظِ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ فِي شَهَادَاتِهِ، وَوَاجِبَاتِهِ وَجِنَايَاتِهِ، وَحُدُودِهِ، وَمِيرَاثِهِ.
وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ لَا يُعْتَقُ، إِلَّا بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ فِي هَذَا كُلِّهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عِتْقَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ، كَانَتْ أَحْكَامُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، مَوْقُوفَةً، فَإِنْ عَتَقَ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ فِي جَمِيعِهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ بِهَا، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ فِي جَمِيعِهَا، فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى أَحَدِ أَقَاوِيلِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ.
وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: فَقَدْ قَطَعَ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى أَصَحُّ قَالَ الْمُزَنِيُّ، وَمَا

قَطَعَ بِهِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، أَوْلَى مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْنِ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، إِنْ كَانَ مِنْهُ قَطْعًا بِصِحَّتِهِ كَانَ تَحْقِيقًا لِمَذْهَبِهِ وَعُدُولًا عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ قطع به، لأن ذَكَرَهُ فِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَالْمُزَنِيُّ عَدْلٌ فِيمَا رَوَاهُ مَعْمُولٌ بِمَا حَكَاهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ رِوَايَتِهِ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ، فَلَا امْتِنَاعَ مِنْ تَصْحِيحِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ.
وَالْفَصْلُ الْخَامِسُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْقَدِيمِ، إنَّ الْعِتْقَ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ، حَتَّى أَقْرَعَ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ، وَالْأَمْوَاتِ، فَهَذَا بِقَوْلِهِ أَوْلَى.
فَيُقَالُ لَهُ.
أَمَّا الْقُرْعَةُ بَيْنَ مَنْ أَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ إِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ قيمتهم بعد موته، واجبة، وَخُرُوجُهَا لِأَحَدِهِمْ، مُوجِبٌ لِتَقَدُّمِ عِتْقِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ، وَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ، بَانَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذْهَبُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِتْقِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ قَبْلَ أخذ قيمته، وقوع الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ صَادَفَ مِلْكَهُ، فَوَقَعَ وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الْقُرْعَةُ لِاسْتِرْقَاقِ مَا عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ، فَصَارَ الْعِتْقُ مُتَقَدِّمًا، وَاسْتِدْرَاكُهُ بِالْعَجْزِ مُتَأَخِّرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِتْقُهُ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ سَرَى إِلَى غَيْرِ مِلْكِهِ، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ السِّرَايَةُ إِلَّا بِدَفْعِ بَدَلِهِ، لِئَلَّا يُزَالَ مِلْكُهُ الْمُسْتَقِرُّ بِغَيْرِ بَدَلٍ مُسْتَقِرٍّ، ثُمَّ يُسْتَخْرَجُ مِنْ مَعْنَى الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِتْقَ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ بِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ لَمَّا لَمْ يَتَحَرَّرْ إِلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْوَرَثَةِ، مِثْلَا قِيمَتِهِ وَجَبَ أَن لَا تُعْتَقَ حِصَّةُ الشَّرِيكِ، إِلَّا بِأَنْ يَصِلَ إِلَى قِيمَتِهِ فيصير ما ذكره دليل عَلَيْهِ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ أَعْتَقَ الثَّانِي، كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا، وفي ذلك دليلا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكُهُ بِحَالَةِ الْعِتْقِ، بِإِعْتَاقِهِ إِيَّاهُ، قِيلَ: قَدْ ذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّ عِتْقَ الشَّرِيكِ لَا يَقَعُ إِذَا قِيلَ إِنَّ حِصَّتَهُ قَدْ عَتَقَتْ عَلَى الْمُعْتِقِ بِلَفْظِهِ، وَيُعْتَقُ عَلَى الشَّرِيكِ إِذَا قِيلَ إِنَّ حِصَّتَهُ لَا تُعْتَقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَخَلَصَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَنْصُوصِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّ عِتْقَ الشَّرِيكِ لَا يَقَعُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ إِنْ قِيلَ إنَّ الْعِتْقَ قَدْ سَرَى إِلَى حِصَّتِهِ، فَقَدْ أَعْتَقَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْعِتْقَ لَا يَسْرِي إِلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَا لِلْمُعْتِقِ حَقُّ السِّرَايَةِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ، فَأَوْقَعَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي مِلْكِهِ حَجْرًا مَنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِعِتْقٍ وَغَيْرِهِ، وَالْحَجْرُ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْعِتْقِ مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، كَالْأَمَةِ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَسْخِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِلْبُضْعِ لِمَا فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجَةِ مِنَ الْفَسْخِ، وَصَارَ حَقُّهَا فِيهِ مَوْقِعًا لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي طَلَاقِهِ،

فَإِنْ فَسَخَتْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ وَإِنْ أَقَامَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِرَفْعِ الْحَجْرِ بِالْإِقَامَةِ.
وَالْفَصْلُ السَّابِعُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ بَيْنَهُمَا إنَّهُ إِنْ أَحْبَلَهَا أَحَدُهُمَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، كَالْعِتْقِ وَإِنَّ شَرِيكَهُ إِنْ وَطِئَهَا، قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، كَانَ مَهْرُهَا عَلَيْهِ تاما.
وفي ذلك قضاء لما قبل، لِأَنَّ إِحْبَالَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لَهَا جَارٍ مَجْرَى عِتْقِهِ، لَهُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِالْإِحْبَالِ، فَإِذَا وَطِئَهَا الشَّرِيكُ الْآخَرُ، كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَهْرِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ، لَا تَصِيرُ لِلْمُحْبِلِ أُمَّ وَلَدٍ، إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ وَطِئَهَا الشَّرِيكُ، كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ دَفَعَ الْمُحْبِلُ الْقِيمَةَ بَانَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ بِالْإِحْبَالِ، وَكَانَ عَلَى الشَّرِيكِ، إِذَا وَطِئَ جَمِيعُ الْمَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعِ الْقِيمَةَ بَانَ أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِوَطْئِهَا إِلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْإِحْبَالِ وَالْعِتْقِ فَرْقٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي اسْتِشْهَادِهِ بِهِ دَلِيلٌ.
وَالْفَصْلُ الثَّامِنُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ وَدَلِيلٌ آخَرُ لَمَّا كَانَ الثَّمَنُ فِي إِجْمَاعِهِمْ بِتَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا بيع عَنْ تَرَاضٍ، يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ وَالْآخَرُ فِيهِ متلف لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّقْسِيطِ، فَلَمَّا حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الْمُوسِرِ الْمُعْتِقِ بِالْقِيمَةِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهَا قِيمَةُ مُتْلَفٍ عَلَى شَرِيكِهِ، يَوْمَ أَتْلَفَهُ، فَهَذَا كُلُّهُ قَضَاءٌ لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ وَبِاللَّهِ التوفيق.
فيقال للمزني: جعلت الأثمان ضربين: [الأول] ضَرْبٌ لِأَعْيَانٍ ثَابِتَةٍ بِعَقْدٍ عَنْ تَرَاضٍ يَجُوزُ فيه التغابن كالبيع.
[الثاني] وضرب يَكُونُ فِيهِ مُتْلَفًا وَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ كَالشَّرِيكِ فَجَعَلْتَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ لِمَا اسْتَحَقَّ فِيهَا مِقْدَارًا، لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ، أَنَّهُ قِيمَةُ مُتْلَفٍ بِالْعِتْقِ.
وَهَاهُنَا ضَرْبٌ ثَالِثٌ، يُسْتَحَقُّ فِيهِ مُقَدَّرٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّغَابُنُ وَلَيْسَ بِمُتْلَفٍ، وَلَا مُسْتَهْلَكٍ وَهُوَ الشَّفِيعُ يَنْتَزِعُ الشِّقْصَ مِنَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الْمُقَدَّرِ الَّذِي لَا يُسْتَحْدَثُ فِيهِ التَّغَابُنُ، وَلَيْسَ بِتَالِفٍ، وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ، عَلَى زَيْدٍ اسْتَحَقَّ بَيْعَهُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ الْمُقَدَّرَةِ، وَلَيْسَ بِتَالِفٍ فَلَمَّا كَانَ هَذَا ضَرْبًا ثَالِثًا تَقَدَّرَ فِيهِ الثَّمَنُ وَزَالَ عَنْهُ التَّغَابُنُ، وَهَذَا بَاقٍ غَيْرُ تَالِفٍ دَخَلَتْ فِيهِ حِصَّةُ الشَّرِيكِ الْمُقَدَّرَةُ عَنْ غير متلف.

وَهَذَا مِنَ الضَّرْبِ الثَّالِثِ وَإِنْ خَرَجَ عَنِ الضَّرْبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ نُفُوذَ الْعِتْقِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ يَكُونُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى التَّفْرِيعِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنْهَا.
فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ إنَّهُ يُعْتَقُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ عَلَيْهَا، هَلْ يَقْتَرِنُ بِعِتْقِ مِلْكِهِ، أَوْ يَتَعَقَّبُهُ بِالسِّرَايَةِ بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي مِلْكِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ بِالسِّرَايَةِ بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي مِلْكِهِ وَلَا يُعْتَقُ الْجَمِيعُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَفْظِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَلَفَّظَ بِعِتْقِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ لَمْ يُعْتَقْ بِلَفْظِهِ، فَدَلَّ عَلَى عِتْقِهِ بِالسِّرَايَةِ دُونَ لَفْظِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَهُ شَاذٌّ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ جَمِيعَهُ يُعْتَقُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عِتْقَ مُبَاشَرَةٍ، لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، لِأَنَّ عِتْقَهُمَا عَنْ لَفْظٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا بِاللَّفْظِ، وَيَكُونُ الْمُعْتَقُ مَأْخُوذًا بِالْقِيمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، عَقِيبَ عِتْقِهِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي بِقِيمَتِهِ مَعَ عِتْقِهِ، وَلَوْ مَاتَ العبد عقيب العتق، مات حراً، وما له لِوَرَثَتِهِ، وَلَمْ تَسْقُطِ الْقِيمَةُ عَنْ مُعْتِقِهِ، وَيَمْلِكُ إِكْسَابَ نَفْسِهِ، وَتَسْقُطُ نَفَقَتُهُ، وَزَكَاةُ فِطْرِهِ، عَنْ مُعْتِقِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ لَوْ أَعْسَرَ بِهَا، بَعْدَ يَسَارِهِ كَانَتْ دَيْنًا يُحَاصُّ بِهَا الشَّرِيكُ جَمِيعَ غُرَمَائِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمُعْتِقُ وَالشَّرِيكُ فِي قِيمَةِ الْحِصَّةِ، وَتَعَذَّرَتِ الْبَيِّنَةُ بِهَا، كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمُعْتِقِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ أَمَةٌ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا، وَقَبْلَ دَفْعِ قِيمَتِهَا، عَتَقَ مَعَهَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَةُ وَلَدِهَا.
وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ كَانَ مَوْرُوثًا وَوَارِثًا.
وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، كَانَ فِيهِ غُرَّةُ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ كَجَنِينِ الْحُرَّةِ.
وَإِذَا قِيلَ بِالثَّانِي: إنَّهُ لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَهَلْ يَكُونُ الْعِتْقُ مُعْتَبَرًا بِالدَّفْعِ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتِقِ، أَمْ بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَةِ الشَّرِيكِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ الْعِتْقُ مُعْتَبَرًا بِدَفْعِ الْمُعْتَقِ، وَتَمْكِينِ الشَّرِيكَيْنِ قَبْضَهُ، سَوَاءٌ قَبَضَهُ مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، لِأَنَّ الْعِتْقَ وَاقِعٌ بِهَا فَاعْتُبِرَ بِفِعْلِ مَنْ كَانَ الْعِتْقُ وَاقِعًا فِي حَقِّهِ، فَعَلَى هَذَا تَصِيرُ الْقِيمَةُ دَاخِلَةً فِي مِلْكِ الشَّرِيكِ بِدَفْعِ الْمُعْتِقِ لَهَا، وَتَمَكُّنِ الشَّرِيكِ مِنْ قَبْضِهَا، وَلَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ مَالِ الشَّرِيكِ دُونَ الْمُعْتِقِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَقُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، حَتَّى يَقْبِضَهَا الشَّرِيكُ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الْعِتْقِ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، إِنَّمَا وَجَبَ لِيَصِلَ إِلَى حَقِّهِ مِنْهَا، وَهُوَ قَبْلَ الْقَبْضِ غَيْرُ وَاصِلٍ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ، فَإِنْ تَمَانَعَ مِنَ الْقَبْضِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ

تَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ مَالِ الْمُعْتِقِ دُونَ الشَّرِيكِ، وَعَلَى الْمُعْتِقِ غُرْمُهَا، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا لَوْ أَبْرَأَ الشَّرِيكَ مِنَ الْقِيمَةِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا الْمُعْتِقُ، لِوُقُوعِ الْعِتْقِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ الْإِبْرَاءُ دَفْعًا، وَهَذَا بِخِلَافِ إِبْرَاءِ الْمُكَاتَبِ حَيْثُ عَتَقَ بِهِ، وَقَامَ مَقَامَ أَدَائِهِ بِهِ، لِأَنَّ عِتْقَ الْكِتَابَةِ عَنْ مُرَاضَاةٍ فَغَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ، وَهَذَا الْمُعْتِقُ عَنْ إِجْبَارٍ فَغَلَبَ فِيهَا حَكْمُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ، وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا عَلَى الْمُعْتِقِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَيَكُونُ لِمُعْتِقِهِ نِصْفُ وَلَائِهِ.
يَسْتَحِقُّ بِهِ نِصْفَ مِيرَاثِهِ، وَنِصْفُهُ الْآخَرُ رِقًّا لِشَرِيكِهِ يَمْلِكُ بِهِ نِصْفَ مَا تَرَكَهُ الْعَبْدُ مِنْ مَالٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ قِيمَةَ حِصَّتِهِ لِمَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَحَبْسِهِ عَلَى الْمُعْتِقِ فِي حَقِّهِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ دَفْعُ الْقِيمَةِ مُوجِبًا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ فِيهِ، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ، لأنه لا يجوز انه يُغْرَّمَ بِحُكْمِ الْعِتْقِ مَا لَا يُنَفَّذُ فِيهِ الْعِتْقُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَقُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِذَا كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ أَمَةٌ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ، كَانَتْ حِصَّةُ الْمُعْتِقِ مِنْهُ مَوْلُودَةً عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ مِنْهُ مَوْلُودَةً عَلَى الرِّقِّ، وَالْمُعْتِقُ مَأْخُوذٌ بِقِيمَتِهَا كَالْأُمِّ، وَيُعْتَقَانِ مَعًا عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ.
وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ جَنِينٍ حُرٍّ، وَنِصْفُ دِيَةِ جَنِينٍ مَمْلُوكٍ، فَيَكُونُ فِيهِ نِصْفُ الْغُرَّةِ، وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ يَرِثُ الْمُعْتِقُ مَا وَجَبَ بِحُرِّيَّتِهِ، وَيَمْلِكُ الشَّرِيكُ، مَا وَجَبَ بِرِقِّهِ، وَلَا يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ حِصَّةَ الشَّرِيكِ مِنَ الْجَنِينِ وَجْهًا، وَاحِدًا، لِأَنَّ الْجَنِينَ، لَا يُضْمَنُ إِلَّا بِالْجِنَايَةِ، ثُمَّ نَفَقَةُ الْعَبْدِ، وَزَكَاةُ فِطْرِهِ سَاقِطَةٌ عَنْ مُعْتِقِهِ، وَمُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرِيكِ الْمَالِكِ لِرِقِّ حِصَّتِهِ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ إِلَّا بَعْدَ عِتْقِهَا، بِأَخْذِ قِيمَتِهَا وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الشَّرِيكِ دُونَ الْمُعْتِقِ، لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ، فَلَمْ يَزُلْ إِلَّا بِقَوْلِهِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالثَّالِثِ: إنَّ الْعِتْقَ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ، مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ بَانَ بِهَا، تَقَدَّمَ الْعِتْقُ بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ وَجَرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْقِيمَةِ لَمْ يَعْتِقْ وَجَرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَدَفْعُ الْقِيمَةِ وَاجِبٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ بَذَلَهَا الْمُعْتِقُ أُجْبِرَ الشَّرِيكَ عَلَى قَبْضِهَا، وَإِنْ طَلَبَهَا الشَّرِيكُ أُجْبِرَ الْمُعْتِقُ عَلَى دَفْعِهَا، وَإِنْ أَمْسَكَ الشَّرِيكُ عَنِ الطَّلَبِ، وَأَمْسَكَ الْمُعْتِقُ عَنِ الدَّفْعِ، كَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُعْتِقَ بِالدَّفْعِ، وَالشَّرِيكَ بِالْقَبْضِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُمَا بِذَلِكَ لِمَا اسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِمَا مِنْ

تَكْمِيلِ عِتْقِهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ الْعَبْدُ مَعَ إِمْسَاكِهِمَا كَانَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ، لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ دَفْعِ الْقِيمَةِ اسْتَحَقَّهَا الشَّرِيكُ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ دَفْعَهَا يُوجِبُ تَقَدُّمَ عِتْقِهِ بِاللَّفْظِ، وَيَكُونُ وَلَاءُ نِصْفِهِ مُسْتَحَقًّا لِلْمُعْتِقِ وَوَلَاءُ نِصْفِهِ الْبَاقِي مَوْقُوفًا عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ إِكْسَابُ الْعَبْدِ فِي حَيَاتِهِ يَمْلِكُ مِنْهَا نِصْفَهَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَنِصْفُهَا مَوْقُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرِيكِ الْمَالِكِ لِرِقِّهِ وَيُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَدْرِ رِقِّهِ.
وَإِذَا أَعْسَرَ الْمُعْتِقُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ يَسَارِهِ، انظر بها إلى مسيرته وَكَانَ قَدْرُ الرِّقِّ، وَالْكَسْبِ عَلَى وَقْفِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ عَلَى إِعْسَارِهِ ارْتَفَعَ الْوَقْفُ وَتَصَرَّفَ الشَّرِيكُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَرَقِّ وَمَلَكَ مَا قَابَلَهُ من الكسب.
وبالله التوفيق.

مَسْأَلَةٌ

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ وَصَاحِبُهُ مُوسِرٌ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ عَتَقَ نَصِيبُ الْمُدَّعِي وَوُقِفَ وَلَاؤُهُ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ كُلُّهُ وَادَّعَى قِيمَةَ نَصِيبِهِ عَلَى شَرِيكِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ، وَأَنَّ عِتْقَهُ سَرَى إِلَى حِصَّتِهِ، وَطَالَبَهُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ، فَلَا يَخْلُو الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُقِرَّ بِالْعِتْقِ، أَوْ يُنْكِرَ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ عَتَقَتْ عَلَيْهِ حِصَّتُهُ بِإِقْرَارِهِ، وفي عتق حصة شريكه ثلاثة أقاويل: أحدهما: يُعْتَقُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيُؤْخَذُ بِقِيمَتِهَا، وَيَكُونُ لَهُ وَلَاءُ جَمِيعِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُعْتَقُ حِصَّةُ الشَّرِيكِ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ إِلَيْهِ وَيُؤْخَذُ بِدَفْعِهَا حَتَّى يَتَكَامَلَ الْعِتْقُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أنَّ عِتْقَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، فَإِذَا دُفِعَتْ بَانَ تَقَدُّمُ الْعِتْقِ بِاللَّفْظِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعِتْقَ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَهِيَ شَاهِدَانِ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ لِمِلْكِهِ وَكَانَ عِتْقُ حِصَّةِ الْمُدَّعِي عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا شَاهِدٌ، وَامْرَأَتَانِ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي عِتْقٍ، وَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ وَحِصَّتُهُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَفِي عِتْقِ حِصَّةِ الْمُدَّعِي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ حِصَّتَهُ تُعْتَقُ عَلَيْهِ، إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِنَفْسِ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يضره، وينفع غيره، فقيل إِقْرَارُهُ، عَلَى نَصِيبِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ، دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ بِالْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ إنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ بِدَفْعِ القيمة،

أَوْ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ عَتَقَتْ حِصَّةُ الْمُدَّعِي عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ إِلَى حِصَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ لَزِمَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَصَارَ كَمَنْ وَرِثَ مِنْ رِقِّ ابْنِهِ سَهْمًا، عَتَقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى بَاقِيهِ.
وَكَانَ وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهُ، مَوْقُوفًا، لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِذَا لَمْ تُعْتَقْ حِصَّةُ الْمُدَّعِي عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي كَانَتْ مُقَرَّةً عَلَى مِلْكِهِ، وَفِي جَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِاسْتِقْرَار مِلْكِهِ عَلَيْهَا بِإِبْطَالِ السِّرَايَةِ إِلَيْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِإِقْرَارِهِ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ، فَلَوْ عَادَ الْمُنْكِرُ فَاعْتَرَفَ بِالْعِتْقِ بَعْدَ جُحُودِهِ، عَتَقَ مِلْكَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ سِرَايَةُ عِتْقِهِ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثلاثة.

مسألة

: قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنِ ادَّعَى شَرِيكُهُ مِثْلَ ذَلِكَ عَتَقَ الْعَبْدُ وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ قَالَ وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ إذا لم يعتق نصيب الأول ثم يُعْتَقْ نَصِيبُ الْآخَرِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَقُ بِالْأَوَّلِ (قال المزني) قد قطع بِجَوَابِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ صَاحِبَهُ زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ كله وقد عتق نَصِيبَ الْمُقِرِّ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ أَخْذِهِ قِيمَتَهُ فَتَفَهَّمْ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ لَزِمَهُ وَمَنِ ادَّعَى حَقًّا لَمْ يَجِبْ لَهُ وهذا مقر للعبد بعتق نصيبه فيلزمه ومدع على شريكه بقيمة لا تجب له ومن قَوْلِهِ وَجَمِيعُ مَنْ عَرَفْتُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ لو قال لشريكه بعتك نصيبي بثمن وسلمته إِلَيْكَ وَأَنْتَ مُوسِرٌ وَأَنَّكَ قَبَضْتَهُ وَأَعْتَقْتَهُ وَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْعِتْقِ لِنَصِيبِهِ نَافِذٌ عَلَيْهِ مدع لثمن لا يجب له فهذا وذاك عندي في القياس سواء وهذا يقضي لأحد قوليه على الآخر (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إِذَا أَعْتَقْتَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَأَعْتَقَهُ كان حراً في مال المعتق) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهَا أَنْ يَعُودَ الشَّرِيكُ الْمُنْكِرُ، لِمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِتْقِ، فَيَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَ، فَتُعْتَقُ عَلَيْهِ حِصَّتُهُ وَتَلْزَمُهُ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَيَكُونُ عِتْقُهَا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُهَا: يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ دَيْنًا، فِي ذِمَّتِهِ، وَلَهُ وَلَاءُ جَمِيعِهِ، وَيَكُونُ عِتْقُهُ فِي الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ مَوْقُوفًا عَلَى دَفْعِ قِيمَتِهِ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ إِنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِهَا أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ، فَسَرَى الْعِتْقُ إِلَى نَصِيبِهِ، وَاسْتَحَقَّ بِهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ، وَيُنْكِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَعْوَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ مَعَ عَدَمِ البينة، فإن

حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، قُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَإِنْ حَلَفَا مَعًا، أَوْ نَكَلَا فَفِي عِتْقِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ عَتَقَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ، إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ فَيَصِيرُ جَمِيعُ الْعَبْدِ حُرًّا، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِوَلَائِهِ.
فَإِنْ تَصَادَقَا بَعْدَ التَّحَالُفِ وَالْإِنْكَارِ، حُمِلَا عَلَى مُقْتَضَى تَصَادُقِهِمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَذِهِ الدَّعْوَى إِذَا قِيلَ بِالْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ إنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ لَا يعتق إلى بِدَفْعِ الْقِيمَةِ أَوْ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا عَلَى رِقِّهِ، وَفِي جَوَازِ تَصَرُّفِهِمَا فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ عَاوَدَ الْمُزَنِيُّ تَصْحِيحَ الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ مِنْ سِرَايَةِ الْعِتْقِ إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ بِخَمْسَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: إِنْ قَالَ قَدْ قَطَعَ يَعْنِي (الشَّافِعِيَّ) بِجَوَابِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ صَاحِبَهُ زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ كُلُّهُ، وَقَدْ أَعْتَقَ نَصِيبَ الْمُقِرِّ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ أَخْذِهِ قِيمَتَهُ فَتَفَهَّمْ فَيُقَالُ لِلْمُزَنِيِّ هَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَحَدِ أَقَاوِيلِهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ، وَلَمْ يَقُلْهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ اقْتِصَارًا بِالتَّفْرِيعِ عَلَى أَحَدِهِمَا اخْتِصَارًا وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِيهِ تَفْرِيعُهُ عَلَى أَحَدِ أَقَاوِيلِهِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ لَزِمَهُ، وَمَنِ ادَّعَى حَقًّا لَمْ يَجِبْ لَهُ، وَهَذَا مُقِرٌّ لِلْعَبْدِ بِعِتْقِ نَصِيبِهِ فَلَزِمَهُ، وَمُدَّعٍ عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةً لَا تَجِبُ لَهُ.
وَهَذَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ تَحْقِيقًا لِاخْتِيَارِهِ، وَتَعْلِيلًا لِصِحَّتِهِ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ صَحَّحَ هَذَا التَّعْلِيلَ وَأَجْرَاهُ فِي كُلِّ مَعْلُولٍ بِهِ، لَكِنَّهُ تَعْلِيلٌ لِحُكْمِ الْقَوْلِ إِذَا جَعَلَ الْعِتْقَ سَارِيًا بِاللَّفْظِ، وَلَيْسَ بِتَعْلِيلٍ لِصِحَّتِهِ أَنَّهُ يَسْرِي بِاللَّفْظِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ نَقَضَ تَعْلِيلَهُ، وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا فِي كُلِّ مَعْلُولٍ بِهِ، فَإِنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَ عَبْدًا عَلَى زَيْدٍ بِثَمَنٍ لَمْ يَقْبَضْهُ، وَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَهُوَ مُقِرٌّ لَهُ بِالْعَبْدِ، وَمُدَّعٍ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِهِ، كَمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الثَّمَنَ وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لَهُ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ فِي قَوْلِهِ: (وَجَمِيعُ مَنْ عَرَفْتُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ لَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ بِعْتُكَ نَصِيبِي بِثَمَنٍ، وَأَسْلَمْتُهُ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ مُوسِرٌ، وَأَنَّكَ قَبَضْتَهُ وَأَعْتَقْتَهُ، وَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْعِتْقِ لِنَصِيبِهِ، نَافِذٌ عَلَيْهِ، وَمُدَّعٍ لِثَمَنٍ لَا يَجِبُ لَهُ.
وَهَذَا وَذَاكَ عِنْدِي فِي الْقِيَاسِ سَوَاءٌ، وَهَذَا قَضَاءٌ لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ) وَهَذَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ احْتِجَاجًا عَلَى وُقُوعِ الْعِتْقِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ بِاللَّفْظِ وَالسِّرَايَةِ بِأَنَّ الشَّرِيكَ لَوِ ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ أَنَّهُ بَاعَهُ حِصَّتَهُ بِثَمَنٍ لَهُ فَقَبَضَهُ، وَأَنَّهُ سَلَّمَ الْحِصَّةَ إِلَيْهِ وَعَتَقَهَا، وَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ التَّسْلِيمَ وَالْعِتْقَ فَحِصَّةُ الْمُدَّعِي قَدْ عَتَقَتْ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا إِذَا كَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ.
وَلَوْ قَالَ عَتَقْتُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ كَانَ فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُعْتَقُ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ مُعْتِقًا لِمِلْكٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فِي حُكْمِ الْحَجْرِ لِارْتِهَانِهِ عَلَى ثَمَنِهِ ثُمَّ إِذَا لَزِمَهُ الْعِتْقُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سِرَايَةِ الْعِتْقِ بِاللَّفْظِ دُونَ الْقِيمَةِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ جَعَلَهُ مُعْتِقًا لِمِلْكٍ يُنَفَّذُ فِيهِ الْعِتْقُ، فَلِذَلِكَ عَتَقَ عليه بهذه الدعوة، وَفِي مَسْأَلَةِ السِّرَايَةِ جَعَلَهُ مُعْتِقًا لِغَيْرِ مِلْكِهِ فَجَازَ أَن لَا تَقَعَ فِيهِ السِّرَايَةُ حِينَ لَمْ يَقَعْ عِتْقُ الْمُبَاشَرَةِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالسِّرَايَةِ يَتَفَرَّعُ عَنْ عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْفَرْعِ مَعَ عَدَمِ أَصْلِهِ.
وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: (لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لصاحبه إذا أعتقته فهو حر فأعتقته كَانَ حُرًّا فِي مَالِ الْمُعْتِقِ) وَهَذَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ إِلْزَامًا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ بِسِرَايَةِ اللَّفْظِ دُونَ دَفْعِ الْقِيمَةِ بِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ، فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَقَدْ عَتَقَهُ فِي حِصَّتِهِ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَعَتَقَتْ حِصَّةُ الشَّرِيكِ عَلَيْهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي عَلَّقَهَا بِعِتْقِ صَاحِبِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا لَمْ يُعْتِقْ عَلَى الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ بِالصِّفَةِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ أَوْ يَقَعُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِالصِّفَةِ إِذَا قِيلَ إِنَّ عِتْقَهَا فِي حَقِّ الْمُعْتِقِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ قَوْلُ سَائِرِ أَصْحَابِهِ إنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِالصِّفَةِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا عَتَقَ عَلَى الْمُعْتِقِ بِالسِّرَايَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ عِتْقُهُ عَلَى عِتْقِ الصِّفَةِ، وَإِنْ قِيلَ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَقَدْ أَوْقَعَ عِتْقَهُ حَجْرًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ عَلَى عِتْقِ بَاقِيهِ فَلَمْ يُنَفَّذْ عِتْقُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ عَقَدَ الشَّرِيكُ صِفَةَ عِتْقِهِ فِي حَالٍ هُوَ فِيهَا غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
قِيلَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ يَصِيرُ فِيهَا مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي ثَانِي حَالٍ.

وَالْفَصْلُ الْخَامِسُ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ جَعَلَ قِيمَتَهُ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِعِتْقِهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُرٌّ قَبْلَ دَفْعِ قِيمَتِهِ.
قِيلَ لِلْمُزَنِيِّ: لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ قِيمَةَ حِصَّةِ الشَّرِيكِ مُعْتَبَرَةً بِوَقْتِ الْعِتْقِ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لَكِنْ لَا يَدُلُّ اعْتِبَارُهَا بِالْعِتْقِ عَلَى وُجُوبِهَا وَقْتَ الْعِتْقِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ، اعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ وَإِنْ وَجَبَتْ بِمَوْتِهِ، وَكَالضَّارِبِ بَطْنَ الْأَمَةِ، إِذَا أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا اعْتُبِرَتْ دِيَةُ جَنِينِهَا بِقِيمَتِهَا وَقْتَ ضَرْبِهَا وَإِنْ وَجَبَتْ بِإِلْقَائِهِ مَيِّتًا.
وَقَدْ أَطَالَ الْمُزَنِيُّ فَأَطَلْنَا وَلَوِ اخْتَصَرَ كَانَ أَوْلَى بِهِ وَبِنَا وَإِنْ مَضَى في خلال الكلام أحكام مستفادة.

مسألة

: قال الشافعي رضي الله عنه: (وَسَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ مسلم وكافر (قال المزني) وقد قطع بعتقه قبل دفع قيمته وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ جَعَلَ قِيمَتَهُ يَوْمَ تَكَلَّمَ بِعِتْقِهِ فَدَلَّ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الوقت حر قبل دفع قيمته) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو حَالُ الْعَبْدِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أن يكون بين مسلمين يعتق أحدهما حصته فَاعْتِبَارُهُ بِيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ، فَلِلْعَبْدِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمَا فِي عِتْقِهِ، مَا لَمْ يَتَحَاكَمُوا فِيهِ إِلَيْنَا، فَإِنْ تَحَاكَمُوا فِيهِ إِلَى حَاكِمِنَا فَفِي وُجُوبِ حُكْمِهِ بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ وَيَكُونُ فِيهِ مُخَيَّرًا وَهُمْ فِيهِ مُخَيَّرُونَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الِالْتِزَامُ، وَيَحْكُمُ بِمَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا.
فَعَلَى حَاكِمِنَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فِيهِ، وَعَلَيْهِمَا الْتِزَامُ حُكْمِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِحَقِّ الْمُسْلِمِ، فَيُنَفَّذُ عِتْقُ الْمُعْتِقِ وَيُنْظَرُ حَالُهُ.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَقِيلَ يَسْرِي عِتْقُهُ بِلَفْظِهِ، لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فِي دَفْعِ الْقِيمَةِ، مَا لَمْ يُطَالِبْ بِهَا الشَّرِيكُ، وَكَانَ لَهُ جَمِيعُ وَلَائِهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، لِأَنَّهُ كَالنَّسَبِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُعْتِقُ حِصَّةَ الشَّرِيكِ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ أَوْ إِنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى، فَعَلَى الحاكم أن يأخذ المعتق ليتعجل القيمة لتعجيل بِهَا عِتْقَ الْمُسْلِمِ وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ رِقٌّ لِكَافِرٍ، فَإِنْ عَجَّلَهَا وَإِلَّا أَخَذَهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ جَبْرًا، فَإِنْ قَبِلَهَا الشَّرِيكُ وَإِلَّا أَعْتَقَهَا عليه حكما.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا، فَلِلْعَبْدِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَيَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الشَّرِيكَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَسَوَاءٌ كَانَ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا فَلَا يَخْلُو حَالُ مُعْتِقِهِ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْلِمَ، أَوِ الْكَافِرَ.
فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، عَتَقَتْ حِصَّتُهُ، وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهَا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ بِنُفُوذِ عِتْقِهِ بِسِرَايَةِ لَفْظِهِ، وُقِفَتِ الْقِيمَةُ عَلَى مُطَالَبَةِ الشَّرِيكِ بِهَا.
وَإِنْ قِيلَ إِنَّ عِتْقَهُ لَا يَسْرِي إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، أُخِذَ بِتَعْجِيلِهَا لِأَنْ يَتَعَجَّلَ عِتْقَهَا، وَلَا يَسْتَدِيمُ الْكَافِرُ مِلْكَ رِقِّهَا.
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ، وَقِيلَ لِلشَّرِيكِ الْكَافِرِ لَا يَقَرُّ مِلْكُكَ عَلَى اسْتِرْقَاقِ مُسْلِمٍ، وَأَنْتَ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَعْتِقَهُ، أَوْ تَبِيعَهُ عَلَى مُسْلِمٍ، فَإِنْ دَبَّرَهُ لم يقر تدبيره لما فيه اسْتِيفَاءِ رِقِّهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَإِنْ كَاتَبَهُ فَفِي إِقْرَارِهِ عَلَى كِتَابَتِهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ هُوَ الْكَافِرَ نَفَذَ عِتْقُهُ فِي حِصَّتِهِ، وَنُظِرَ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ وَأُقِرَّ رِقُّ بَاقِيهِ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا.
فَإِنْ قِيلَ بِسِرَايَةِ عِتْقِهِ بِلَفْظِهِ، عَتَقَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ فِيهَا كَالْمُسْلِمِ، لِأَنَّهُ يُغَرَّمُ قِيمَةَ مُتْلَفٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عِتْقَهُ لَا يَقَعُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا التَّقْوِيمِ، هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ، أَوْ مَجْرَى قِيمَةِ مُسْتَهْلَكٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، وَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، أَنَّهُ تَقْوِيمُ مُسْتَهْلَكٍ.
فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ كَتَقْوِيمِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَيُؤْخَذُ بِتَعْجِيلِ الْقِيمَةِ لِيَتَعَجَّلَ بِهَا الْعِتْقَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ جَوَازُ تَقْوِيمِهِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ ابْتِيَاعِ الْكَافِرِ لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ: أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ التَّقْوِيمُ، وَيَكُونُ مِلْكُ رِقِّهِ بَاقِيًا عَلَى الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَلَا يَبْطُلُ التَّقْوِيمُ، وَيُعْتَقُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ كَمَا يُعْتَقُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا أَظْهَرُهُمَا فِي التَّقْوِيمِ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُهُمَا فِي الْبَيْعِ، لِإِفْضَاءِ التَّقْوِيمِ إِلَى العتق وإفضاء البيع إلى الملك.

مسألة

: قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا أَدَّى الْمُوسِرُ قِيمَتَهُ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ) .

قال الماوردي: إنما يريد بيسار المعتق أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِقَدْرِ قِيمَةِ الْبَاقِي مِنْ رِقِّهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَاضِلَةٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَسَوَاءٌ صَارَ بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ فَقِيرًا أَوْ كَانَ غَنِيًّا.
فَإِذَا تَحَرَّرَ عَتَقَ بَاقِيَهُ بِدَفْعِ القيمة على الأوقاويل كُلِّهَا، وَكَانَ لَهُ وَلَاءُ جَمِيعِهِ بِعِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ وَعِتْقِ السِّرَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ بِهِمَا عَلَى سَوَاءٍ، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " وَهُوَ مُعْتَقٌ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالسِّرَايَةِ، وَسَوَاءٌ تَمَاثَلَ الْعِتْقَانِ، أَوْ تَفَاضَلَا، وَأَنَّهُ يَسْرِي عِتْقُ الْيَسِيرِ إِلَى الْكَثِيرِ كَمَا يَسْرِي عِتْقُ الْكَثِيرِ إِلَى الْيَسِيرِ، وَاعْتِبَارُ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ وَقْتَ الْعِتْقِ.
فَلَوْ كَانَ مُوسِرًا وَقْتَ الْعِتْقِ مُعْسِرًا وَقْتَ التَّقْوِيمِ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي بِاللَّفْظِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ حُدُوثُ اعْتِبَارِهِ، وَكَانَتِ الْقِيمَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ يُؤْخَذُ بِهَا إِذَا أَيْسَرَ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، فَمَا لَمْ يُحَاكِمْهُ الشَّرِيكُ فِيهَا، كَانَتْ حِصَّتُهُ عَلَى وَقْفِهَا، وَإِنْ حَاكَمَهُ فِيهَا وَطَلَبَ الْقِيمَةَ، أَوْ فَسَخَ الْوَقْفَ لِيَتَصَرَّفَ فِي حِصَّتِهِ، كَشَفَ عَنْ حَالِ الْمُعْتِقِ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ إِعْسَارُهُ، حُكِمَ بِفَسْخِ الْوَقْفِ كَمَا يُحْكَمُ لِلزَّوْجَةِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَجَازَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي حِصَّتِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا بِبَعْضِ الْحِصَّةِ مُعْسِرًا بِبَعْضِهَا، عَتَقَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِصَّةِ قَدْرُ مَا أَيْسَرَ بِقِيمَتِهِ، وَكَانَ فِيمَا أَعْسَرَ به منها في حكم المعسر.

مسألة

: قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَكَانَ شَرِيكُهُ عَلَى مِلْكِهِ يَخْدِمُهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فَمَا اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ فَهُوَ لُهْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمُعْتَبَرُ بِإِعْسَارِهِ أَن لَا يَمْلِكَ قِيمَةَ الْحِصَّةِ الْبَاقِيَةِ لِشَرِيكِهِ، وَلَا قِيمَةَ شَيْءٍ مِنْهَا وَقْتَ عِتْقِهِ، فَإِنْ مَلَكَهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَدِ اسْتُحِقَّ فِيهَا يَصِيرُ بِاسْتِحْقَاقِهَا فِي الدَّيْنِ مُعْسِرًا بِهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لَا يَسْتَحِقُّ تَعْجِيلَهُ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْيَسَارِ فِي عِتْقِ الْحِصَّةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي يَدِهِ مَا هُوَ مُقَرٌّ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الدَّيْنِ هَلْ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ؟ : أَحَدُهُمَا: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْيَسَارِ، إِذَا قِيلَ إِنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِعْسَارِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ مِنْ وجوب

الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ، فَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا بِهَا نَفَذَ عِتْقُهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَسْرِي عِتْقُهُ مَعَ إِعْسَارِهِ كَمَا يَسْرِي مَعَ يَسَارِهِ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ دَيْنًا عَلَيْهِ يُؤْخَذُ بِهَا إِذَا أَيْسَرَ كَمَا يَسْرِي الطَّلَاقُ فِي الزَّوْجَةِ إِذَا طَلَّقَ بَعْضَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَجْتَمِعَ طَلَاقٌ وَإِبَاحَةٌ، كَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَ حُرِّيَّةٌ وَرِقٌّ.
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَقَدْ عَتَقَ فَأَعْتَقَ ". وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الشَّرِيكِ، بِأَن لَا يَخْتَلِفَ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فِي عَبْدِهِ الْمُشْتَرَكِ، وَأَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ كَامِلَ التَّصَرُّفِ، وَسِرَايَةُ الْعِتْقِ مَعَ إِعْسَارِ الْمُعْتِقِ أَعْظَمُ ضَرَرًا عَلَى الشَّرِيكِ مِنِ اسْتِبْقَاءِ رِقِّهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْفَعَ أَقَلُّ الضَّرَرَيْنِ بِأَعْظَمِهِمَا، وَوَجَبَ أَنْ يُرْفَعَ أَعْظَمُهُمَا بِأَقَلِّهِمَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْصُلَ فِي الزَّوْجَةِ شِرْكٌ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، وَجَازَ أَنْ يَقَعَ فِي الرِّقِّ شِرْكٌ بَيْنَ مَالِكَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَعَّضَ الطَّلَاقُ وَجَازَ أَنْ يَتَبَعَّضَ الرِّقُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ طَلَاقَ بَعْضِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِبَاقِيهَا، وَعِتْقَ بَعْضِ الْعَبْدِ لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِخْدَامِ بَاقِيهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ بَاقِيَةٌ عَلَى رِقِّهَا بِإِعْسَارِ الْمُعْتِقِ، فَقَالَ الْمُعْتِقُ: أَنَا أَسْتَدِينُ وَأَقْتَرِضُ قِيمَةَ حِصَّةِ الشَّرِيكِ إِنْ حَدَثَ لَهُ يَسَارٌ بَعْدَ الْعِتْقِ، كَانَ الشَّرِيكُ أَمْلَكَ بِحِصَّتِهِ ولم يؤخذ بإجابته.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَبَعَّضَتْ فِي الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ بِإِعْسَارِ مُعْتِقِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: (يَخْدِمُ سَيِّدَهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فَمَا اكْتَسَبَ فِيهِ فَهُوَ لَهُ) ، فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُهَايَأَةِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُهَايَأَةَ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، فَلَمَّا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ أُجْرِيَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ لِبَعْضِهِ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فِيهَا مُهَايَأَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ مَعَ الشَّرِيكِ الْبَاقِي لِنُقْصَانِ تَصَرُّفِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْمُهَايَأَةِ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَيَجُوزَ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَ الشَّرِيكِ الثَّانِي، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْحُرِّيَّةِ كَامِلٌ فِي حَقِّهِ مِنَ الْكَسْبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ مَأْلُوفٌ بِصِنَاعَةٍ مَعْرُوفَةٍ يَتَمَاثَلُ فِيهَا كَسْبُ أَيَّامِهِ كُلِّهَا جَازَ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَ الشَّرِيكِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ مَأْلُوفٌ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا مَعَهُ وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ لِلشَّرِيكَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ، لِأَنَّهُمَا قَدْ يَعْدِلَانِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَسْبِ إِلَى الِاسْتِخْدَامِ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ كَسْبِهِ.

فَإِذَا صَحَّتِ الْمُهَايَأَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَهِيَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ، وَإِذَا كَانَا مُقِيمَيْنِ عَلَيْهَا، يَوْمًا لِلْعَبْدِ، وَيَوْمًا لِلسَّيِّدِ، دَخَلَ فِيهَا مَأْلُوفُ الْكَسْبِ، وَمَأْلُوفُ النَّفَقَةِ، فَاخْتُصَّ الْعَبْدُ بِمَا كَسَبَهُ فِي يَوْمِهِ، وَيُحْمَلُ فِيهِ مَا لَزِمَهُ مِنْ نَفَقَتِهِ، وَاخْتُصَّ السَّيِّدُ فِي يَوْمِهِ بِمَا كَسَبَ الْعَبْدُ، وَيُحْمَلُ فِيهِ مَا لَزِمَهُ مِنْ نَفَقَتِهِ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْلُوفِ مِنَ الْكَسْبِ، كَالْكَنْزِ وَاللُّقَطَةِ، وَغَيْرُ الْمَأْلُوفِ مِنَ النَّفَقَةِ، كَزَكَاةِ الْفِطْرِ، فَفِي دُخُولِهَا فِي الْمُهَايَأَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْمُهَايَأَةِ، كَالْمَأْلُوفِ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَا فِي يَوْمِ الْعَبْدِ اخْتُصَّ بِالْكَنْزِ، وَاللُّقَطَةِ، وَتَحَمُّلِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَا فِي يَوْمِ السَّيِّدِ اخْتُصَّ بِذَلِكَ دُونَ الْعَبْدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، أَنَّهُمَا لَا يَدْخُلَانِ فِي الْمُهَايَأَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هَذَا فِي زَمَانِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، وَيَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ فِي زَمَانِ أَحَدِهِمَا، مُوجِبًا لِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ مَا عَدَاهُمَا مِنَ المألوف جاريا على المهايأة.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ مَاتَ وَلَهُ وَارِثٌ وَرِثَهُ بِقَدْرِ وَلَائِهِ فَإِنْ مَاتَ لَهُ مُوَرِّثٌ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ شَيْئًا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) الْقِيَاسُ أَنْ يَرِثَ مِنْ حيث يورث وقد قال الشافعي إِنَّ النَّاسَ يَرِثُونَ مِنْ حَيْثُ يُوَرَّثُونَ وَهَذَا وَذَاكَ فِي الْقِيَاسِ سَوَاءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ المسألة فيمن عتق بَعْضهُ، وَرقَّ بَعْضهُ، هَلْ يَرِثُ وَيُورَثُ؟ وَهُمَا

فَصْلَ

انِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ يَرِثُ إِذَا مَاتَ لَهُ موروث، أم لا؟ . وفي بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خِلَافٌ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَرِثُ كَالْحُرِّ مِيرَاثًا كَامِلًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّهُ يَرِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، وَيُحْجَبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَذَهَبَ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ، وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ إِذَا كَانَ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ الرِّقِّ وَإِنْ قَلَّ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّقِّ فِيمَا سِوَى الْمِيرَاثِ، مِنْ نِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ، وَوِلَايَتِهِ، وَشَهَادَتِهِ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّقِّ فِي مِيرَاثِهِ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ مَانِعٌ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَإِذَا لَمْ يَزُلِ الرِّقُّ لَمْ يَزُلْ مَانِعُ الْمِيرَاثِ.
قَالَ الْمُزَنِيُّ: (الْقِيَاسُ أَنْ يَرِثَ مِنْ حَيْثُ يُوَرَّثُ) . قِيلَ قَدْ يُوَرَّثُ مَنْ لَا يَرِثُ، كَالْجَنِينِ يُوَرَّثُ وَلَا يَرِثُ، وَالْعَمَّةُ تُوَرَّثُ وَلَا تَرِثُ،

وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ، تَرِثُ وَلَا تُوَرَّثُ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا قِيَاسًا مُسْتَمِرًّا فِي غَيْرِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: (النَّاسُ يَرِثُونَ مِنْ حَيْثُ يُوَرَّثُونَ) قِيلَ لَهُ: لَمْ يَقُلْهُ الشَّافِعِيُّ تَعْلِيلًا عَامًّا، فَيَجْعَلُهُ قِيَاسًا مُسْتَمِرًّا، وَإِنَّمَا قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِمَاءِ أَبِيهِ وَلَمْ يُوَرِّثْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِيرَاثَ أَبٍ، وَوَرَّثَ الْوَلَدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِيرَاثَ ابْنٍ، فَقَالَ: النَّاسُ يَرِثُونَ مِنْ حَيْثُ يُوَرَّثُونَ؛ لِأَنَّهُ كَمل النَّسَبِ، وَلَمْ يكْملِ الْمِيرَاثُ فَتَوَجَّهَ الرَّدُّ بِهِ لِلشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَتَوَجَّهِ الرَّدُّ بِهِ للمزني.

فَصْلٌ

وَإِذَا مَاتَ هَذَا الَّذِي تَبَعَّضَتْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ هَلْ يُوَرَّثُ أَمْ لَا؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: لَا يُوَرَّثُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَيَكُونُ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرِثْ بِحُرَّيَّتِهِ، لَمْ يُوَرَّثْ بِهَا.
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يَكُونُ مَوْرُوثًا عَنْهُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِ رِقِّهِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ: يَكُونُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَسَيِّدِ رِقِّهِ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ وَرِقِّهِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ.
فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فِي طَائِفَةٍ يُخَرِّجُونَ هَذِهِ النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: تَكُونُ لِسَيِّدِهِ دُونَ وَرَثَتِهِ.
وَالثَّانِي: تَكُونُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِهِ.
وَالثَّالِثُ: تَكُونُ بَيْنَهُمَا تُوَرَّثُ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ، تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَائِفَةٌ مِنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ، يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَخْرِيجِ هَذِهِ النُّصُوصِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ، وَيَحْمِلُونَهَا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا كَانَ قَدْ مَاتَ فِي زَمَانِ سَيِّدِهِ وَقَدِ اسْتُهْلِكَ مَا كَانَ قَدْ مَلَكَهُ بِحُرِيَّتِهِ يَكُونُ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ دُونَ وَرَثَتِهِ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ إِذَا كَانَ قَدْ مَاتَ فِي زَمَانِ نَفْسِهِ، وَقَدْ أَخَذَ السَّيِّدُ مَا مَلَكَهُ عند برقه، فَيَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِهِ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُهَايَأَةٍ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ بِالْحَقَّيْنِ، كَانَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالسَّيِّدِ مِيرَاثًا بِالْحُرِّيَّةِ، وَمِلْكًا بِالرِّقِّ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ، يَكُونُ جَمِيعُ مَا يُخَلِّفُهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا بِالْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ، مُنْتَقِلًا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، لَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي حُرِّيَّتِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْوَرَثَةُ، لِبَقَاءِ أَحْكَامِ رِقِّهِ، فَكَانَ بَيْتُ الْمَالِ أَوْلَى الْجِهَاتِ بِاسْتِحْقَاقِهِ.

مسألة

: قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَا تَكُونُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهَا عَبْدًا وَبَعْضُهَا حُرًّا كَمَا لَا تَكُونُ امْرَأَةٌ بَعْضُهَا طَالِقًا وَبَعْضُهَا غَيْرَ طَالِقٍ قِيلَ لَهُ أَتَتَزَوَّجُ بَعْضَ امْرَأَةٍ كَمَا تَشْتَرِي بَعْضَ عَبْدٍ أَوْ تُكَاتِبُ الْمَرْأَةَ كَمَا تُكَاتِبَ الْعَبْدَ أَوْ يَهَبُ امْرَأَتَهُ كَمَا يَهَبُ عَبْدَهُ فَيَكُونُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَكَانَهُ؟ قَالَ: لَا، قِيلَ: فَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَبْعَدَ مِنَ الْعَبْدِ مِمَّا قِسْتَهُ عَلَيْهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَصَدَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا أَبَا حَنِيفَةَ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى فِي وُجُوبِ السِّعَايَةِ، حِينَ مَنَعَا أَنْ تَكُونَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهَا حُرٌّ وَبَعْضُهَا مَمْلُوكٌ، لِأَنَّ مَنْ مَنَعَ مِنَ اجْتِمَاعِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، أَوْجَبَ السِّعَايَةَ وَمِنْ جَوَّزَ اجْتِمَاعَهُمَا لَمْ يُوجِبْهَا؛ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ لَا يَمْنَعَانِ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُوجِبَا السِّعَايَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مَنَعَا مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا؛ فَلِذَلِكَ أَوْجَبَا السِّعَايَةَ وَكَانَ مِنْ دَلِيلِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ اجْتِمَاعِهِمَا شَيْئَانِ: أَوْرَدَ الشَّافِعِيُّ أَحَدَهُمَا وَانْفَصَلَ عَنْهُ، وَأَعْرَضَ عَنِ الْآخَرِ، لِأَنَّهُ أَضْعَفُ منه.
فأما الذي أورده الشافعي أنْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهَا حُرٌّ، وَبَعْضُهَا رِقٌّ، لِتَنَافِي أَحْكَامِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُهَا طَالِقٌ، وَبَعْضُهَا غَيْرُ طَالِقٍ، لِتَنَافِي أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ وَالطَّلَاقِ.
فَانْفَصَلَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ بِالْفَرْقِ الْمَانِعِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ، وَالْعَبْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْعَبْدِ بِأَنْ يَمْلِكَهُ جَمَاعَةٌ يَجُوزُ لِأَنَّ الرِّقَّ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ، وَالِاشْتِرَاكَ فِي الزَّوْجَةِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا جَمَاعَةٌ، لَا يَجُوزُ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ مَمْلُوكٌ، لِأَنَّ رِقَّهُ يَتَبَعَّضُ في مالكيته فَيَتَبَعَّضُ فِي أَحْكَامِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ الْوَاحِدَةُ بَعْضُهَا طَالِقٌ، وَبَعْضُهَا غَيْرُ طَالِقٍ، لِأَنَّ نِكَاحَهَا لَا يَتَبَعَّضُ فِي الْأَزْوَاجِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَعَّضَ فِي أَحْكَامِهِ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ وَيُورَثَ وَيُوهَبَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمِلْكُ، وَالْمِلْكُ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ وَالزَّوْجَةُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ وَلَا تُوهَبَ وَلَا تُورَثَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الِاسْتِمْتَاعُ، وَالِاسْتِمْتَاعُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ.
وَأَمَّا الثَّانِي: مِنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، أَنْ قَالُوا: الْإِيمَانُ أَصْلٌ لِلْحُرِّيَّةِ، وَالْكُفْرُ أَصْلٌ لِلرِّقِّ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَمِعَ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجْتَمِعَ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ فِي النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ الْكُفْرُ مُوجِبًا لِلرِّقِّ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْكَافِرُ حُرًّا، وَلَا الْإِيمَانُ مُوجِبًا لِلْحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهُ قد يكون المؤمن مسترقا، وإنما كان سَبَبًا لَهُمَا يَزُولَانِ مَعَ بَقَائِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَطْرَأَ الْإِيمَانُ عَلَى رِقٍّ ثَابِتٍ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَطْرَأَ الْإِيمَانُ

عَلَى كُفْرٍ ثَابِتٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَمِعَ الإيمان الكفر، وَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَعْتَقَ شَرِيكَانِ لِأَحَدِهِمَا النِّصْفُ وَلِلْآخَرِ السُدُسُ مَعًا أَوْ وَكَّلَا رَجُلًا فَأَعْتَقَ عَنْهُمَا مَعًا كَانَ عَلَيْهِمَا قِيمَةُ الْبَاقِي لِشَرِيكَيْهِمَا سَوَاءً لَا أَنْظُرُ إِلَى كَثِيرِ الْمِلْكِ وَلَا قَلِيلِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا يقْضِي لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي الشُفْعَةِ أَنَّ مَنْ لَهُ كَثِيرُ مِلْكٍ وَقَلِيلُهُ فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نَصِفُهُ وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ، وَأَعْتَقَ صَاحِبًا النِّصْفِ وَالسُّدُسِ حَقَّهُمَا مَعًا وَاجْتِمَاعُهُمَا عَلَيْهِ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أوجه: أحدهما: أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى اجْتِمَاعِ اللَّفْظَيْنِ حَتَّى لَا يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِحَرْفٍ، وَلَا مَدٍّ وَلَا تَشْدِيدٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعَلِّقَا عِتْقَهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، كَقَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إِنْ دَخَلَ هَذَا الْعَبْدُ الدَّارَ، أَوْ طَارَ هَذَا الْغُرَابُ فَنَصِيبِي مِنْهُ حُرٌّ، فَإِذَا دَخَلَ الدَّارَ، أَوْ طَارَ الْغُرَابُ عَتَقَ نَصِيبُهُمَا مَعًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُوَكِّلَا فِي عِتْقِهِ وَكِيلًا، فَيَعْتِقَهُ عَنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عِتْقُهُمَا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَانَا مُوسِرَيْنِ، قُوِّمَتْ حِصَّةُ الثَّالِثِ، وهي الثلث، وعليهما بِالسَّوِيَّةِ نِصْفَيْنِ.
وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَ الْمُعْتِقِينَ فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثُلُثَا وَلَائِهِ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ ثُلُثُ وَلَائِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا قَدْرُ الْمِلْكَيْنِ وَيُسَوِّي بَيْنَ مَنْ قَلَّ سَهْمُهُ، وَكَثُرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوَّمُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْمِلْكَيْنِ، وَيُفَضَّلُ بَيْنَهُمَا لِتَفَاضُلِهِمَا فِي الْمَالَيْنَ، لِأَنَّ التَّقْوِيمَ مُسْتَحَقٌّ بِسِرَايَةِ عِتْقِهِمَا، وَسِرَايَةِ كَثِيرِ الْعِتْقِ أَكْثَرُ مِنْ سِرَايَةِ قَلِيلِهِ.
ودليلنا رواية ابن عمر أن النبي قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ " فَاسْتَوَى فِيهِ الْوَاحِدُ، وَالْجَمَاعَةُ، لِإِطْلَاقِ أَمْرِهِ، وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي إِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى شَرِيكِهِمَا بِقَلِيلِ الْمَلِكِ وَكَثِيرِهِ، لِأَنَّ قَلِيلَهُ مُدْخِلٌ لِلضَّرَرِ عَلَيْهِ مِثْلُ كَثِيرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي التَّقْوِيمِ الْمُوجِبِ لِرَفْعِ ضَرَرِهِمَا، وَلِأَنَّ عِتْقَهُمَا يَجْرِي مَجْرَى الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا، وَهُمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي جِنَايَةٍ تَفَاضَلَا فِي عَدَدِ جِرَاحِهَا فَجَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جِرَاحَةً، وَجَرَحَهُ الْآخَرُ مِائَةَ جِرَاحَةٍ كَانَتِ الدِّيَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَعْدَادِهِمَا، وَلَا تَتَقَسَّطُ عَلَى أَعْدَادِ جِرَاحِهِمَا، كَذَلِكَ الْعِتْقُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا، بِأَعْدَادِ الْمُعْتِقِينَ، وَلَا يَتَقَسَّطُ عَلَى أَمْلَاكِ الْمُعْتِقِينَ، وَسِرَايَةُ الْعِتْقِ كسرية الْجِنَايَةِ، فَلَمْ يُسَلَّمْ لِمَالِكٍ اسْتِدْلَالُهُ.

فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: (إِذَا اسْتَوَيَا فِي التَّقْوِيمِ مَعَ تَفَاضُلِهِمَا فِي الْمِلْكِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَا فِي الشُّفْعَةِ، كَذَلِكَ إِذَا تَفَاضَلَا فِي الْمِلْكِ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْأَخْذِ) . قِيلَ فِي الشُّفْعَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا عَلَى هَذَا، وَأَنْ يَشْتَرِكَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَالسُّدُسِ فِيهَا بِالسَّوِيَّةِ كَالْعِتْقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَتَفَاضَلَانِ فِيهَا بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْعِتْقِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْمِلْكِ، فَتُقُسِّطت عَلَيْهِ، وَالتَّقْوِيمُ مُسْتَحَقٌّ بِالْعِتْقِ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ بالتزام مؤونة القسم وغيره، والمؤونة مُعْتَبِرَةٌ بِالْمِلْكِ، فَتَقَسَّطَتِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمِلْكِ، وَالتَّقْوِيمُ مُسْتَحَقٌّ بِدُخُولِ الضَّرَرِ بِالْعِتْقِ، الْجَارِي مَجْرَى الْجِنَايَةِ، فَتَقَسَّطَتْ عَلَى الْمُعْتِقِينَ، دُونَ الْمِلْكِ؛ وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَكَانَ صَاحِبُ النِّصْفِ مُوسِرًا، وَمُعْتِقُ السُّدُسِ مُعْسِرًا، قُوِّمَتِ الْحِصَّةُ كُلُّهَا عَلَى مُعْتِقِ النِّصْفِ، وَلَوْ كَانَ مُعْتِقُ السُّدُسِ مُوسِرًا وَمُعْتِقُ النِّصْفِ مُعْسِرًا، قُوِّمَتِ الْحِصَّةُ كُلُّهَا عَلَى مُعْتِقِ السُّدُسِ، وَلَوْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لَمْ تُقَوَّمْ عَلَى واحد منهما، وكانت الحصة على ورقها لِمَالِكِهَا، فَلَوِ ادَّعَى عَلَيْهَا الْيَسَارَ فَأَنْكَرَاهُ حَلِفَا لَهُ، وَلَا تَقْوِيمَ عَلَيْهِمَا، وَفِي عِتْقِ الْحِصَّةِ عَلَى مَالِكِهَا بِهَذِهِ الدَّعْوَى قَوْلَانِ، يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي أَحَدِهِمَا، إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ فِي حِصَّتِهِ يَقَعُ بِالسِّرَايَةِ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي إِذَا قِيلَ إِنَّهَا لَا تُعْتَقُ، إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ.
وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُ الْمُعْتِقِينَ عَلَى الْآخَرِ الْيَسَارَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُعْسِرًا، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي حَقِّهِ وَتُسْمَعُ مِنْ مَالِكِ الْحِصَّةِ، لِتَأْثِيرِهَا فِي حَقِّهِ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِيَسَارِهِ مُشَارِكًا لَهُ فِي تَحَمُّلِ الْقِيمَةِ، وَلَا يُسْمَعُ مِنْ مَالِكِ الْحِصَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي حَقِّهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُعْتِقِ وَالثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ النَّصِيبِ لَا يَخْرُجُ مِلْكُهُ مِنْهُ إِلَّا بِمَا يَرْضَى (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قَدْ قَطَعَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قول الغارم وهذا أولى بقوله وأقيس على أصله على ما شرحت من أحد قوليه لأنه يقول في قيمة ما أتلف أن القول قول الغارم ولأن السيد مدع للزيادة البينة والغارم منكر فعليه اليمين) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِيمَةَ حِصَّةِ الشريك معتبرة بوقت العتق على الأقاويل كلها، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ نُقْصَانٍ، لِأَنَّ عِتْقَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إِتْلَافًا، أَوْ سَبَبًا، لِلْإِتْلَافٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبٌ لِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ عِنْدَ حُدُوثِهِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ إذا كانت قتلا، أو سببنا أفضى إلى القتل، وتعتبر قيمته قتل عِتْقِ بَعْضِهِ، لِأَنَّ عِتْقَ الْبَعْضِ مُوكِسٌ لِقِيمَتِهِ، وَهَذَا الْوَكْسُ بِعِتْقِهِ الْجَارِي مَجْرَى جِنَايَتِهِ، فَأَمَّا مَا حَدَثَ بَعْدَ الْعِتْقِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي قِيمَةِ الْحِصَّةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فِي نُفُوذِ عِتْقِهَا فَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا عَتَقَتْ بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ، لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُعْتِقُ، وَكَذَلِكَ إِنْ قِيلَ بِالثَّانِي إِنَّ عِتْقَهَا مَوْقُوفٌ مُرَاعًى لَمْ يَضْمَنْهَا، لِأَنَّ دَفْعَ الْقِيمَةِ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ عِتْقِهَا، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا تُعْتَقُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ وَمَعَهَا فَفِي ضَمَانِ الْمُعْتِقِ لِمَا حَدَثَ مِنْ زِيَادَةِ الْقِيمَةِ، بَعْدَ عِتْقِهِ وَقَبْلَ دَفْعِهَا، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُهَا، لِأَنَّ سَبَبَ الْإِتْلَافِ فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَالْإِتْلَافِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ دُونَ النُّقْصَانِ، كَالْغَاصِبِ فِي ضَمَانِهِ لِأَكْثَرِ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَادِثَةٌ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَهْلِكَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَاهُ فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، فَاخْتَلَفَا فِيهَا فَقَالَ: الْمُعْتِقُ مِائَةٌ، وَقَالَ الشَّرِيكُ مِائَتَانِ.
فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَاقِيًا لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيمَتُهُ بتطاول الزمان، فلا اعتبار باختلافهما ويقومها ثِقَتَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِذَا قَوَّمَاهَا لَمْ يَخْلُ حَالُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقِيمَةِ مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُوَافِقَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُعْتِقُ، وَهُوَ الْمِائَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُوَافِقَ مَا ادَّعَاهُ الشَّرِيكُ وَهُوَ الْمِائَتَانِ فَيَسْتَحِقُّهَا وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ وَسَطًا بَيْنَهُمَا، غَيْرَ مُوَافِقَةٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ مِائَةٌ وَخَمْسِينَ، فَيُحْكَمَ بِهَا عَلَيْهِمَا وَلَا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، وَلَا نَقْتَنِعُ مِنَ الْمُعْتِقِ بِأَقَلَّ مِنْهُمَا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى أَكْثَرِهِمَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، فَلَا يُحْكَمُ لِلشَّرِيكِ إِلَّا بِمِائَتَيْنِ، لِأَنَّهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا مُبَرَّأٌ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.
وَالْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً عَنْ أَقَلِّهِمَا وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ بِخَمْسِينَ، فَلَا نَقْتَنِعُ مِنَ الْمُعْتَقِ بِأَقَلَّ مِنْ مائة، لأنه قد أ 5 قر بِهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ تَقْوِيمُهُ فِي زَمَانِ الْعِتْقِ، إِمَّا لِمَوْتِهِ، أَوْ غَيْبَتِهِ، وَإِمَّا لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِهِ بِالْكِبَرِ بَعْدَ الصِّغَرِ، أَوْ بِالْمَرَضِ بَعْدَ الصِّحَّةِ، أَوْ بِالزَّمَانَةِ بَعْدَ السَّلَامَةِ، فَفِي اخْتِلَافِهَا فِي القيمة قولان:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا قَوْلُ الْمُعْتِقِ مَعَ يَمِينِهِ، إِذَا قِيلَ إِنَّ عِتْقَهُ قَدْ يَسْرِي إِلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ بِلَفْظِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ غَارِمًا، وَالْقَوْلُ فِي الْغُرْمِ قَوْلُ الْغَارِمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا قَوْلُ الشَّرِيكِ مَعَ يَمِينِهِ، إِذَا قِيلَ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ، إِلَى أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ حِصَّتِهِ، لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهَا يَدًا لَا تُنْتَزَعُ مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، إِلَّا بِقَوْلِهِ كَالثَّمَنِ فِي الشُّفْعَةِ، إِذَا اخْتَلَفَ فِيهِ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ الرَّبِيعُ فِي كِتَابِ (الْأُمِّ) ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا وَهُوَ مِنْ تَخْرِيجِهِ وَلَيْسَ بِقَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ تَحَالُفَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مُوجِبٌ لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ فَأَفَادَ وَتَحَالُفَ هَذَيْنِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِرَفْعِ الْعِتْقِ، فَلَمْ يُفِدْ وَهُمَا بَعْدَ التَّحَالُفِ عَلَيْهَا بَاقِيَانِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا.
وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ أَعَادَ نُصْرَةَ اخْتِيَارِهِ، وَفِي بَعْضِ مَا مَضَى مِنْ كَلَامِهِ وَجَوَابِهِ مَقْنَعٌ.
والله اعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ هُوَ خَبَّازٌ وَقَالَ الْغَارِمُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُعْتِقِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ فَيَدَّعِي الشَّرِيكُ أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ صَانِعًا خَبَّازًا، أَوْ نَجَّارًا، أَوْ كَاتِبًا فَلَهُ الْقِيمَةُ الزَّائِدَةُ بِصَنْعَتِهِ، وَيَقُولُ الْمُعتِقُ هُوَ غَيْرُ صَانِعٍ فَلَكَ الْقِيمَةُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ بِصَنْعَتِهِ، فَلِلْعَبْدِ حَالَتَانِ: حَيٌّ وَمَيِّتٌ.
فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ الْغَارِمِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى طَرِيقَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي قَدْرِ الْقِيمَةِ، فَكَانَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ، وَإِنَّمَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُعْتِقِ الْغَارِمِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الشَّرِيكَ يَدَّعِي حُدُوثَ صَنْعَةٍ لَيْسَتْ فِي الْخِلْقَةِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَيْسَتْ فِيهِ هَذِهِ الصَّنْعَةُ، فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مُنْكِرِهَا دُونَ مُدَّعِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا يُمْكِنُ اخْتِبَارُ حَالِهِ اخْتُبِرَتْ فِيهِ تِلْكَ الصَّنْعَةُ فَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُهَا رُدَّتْ دَعْوَى الشَّرِيكِ، فِيهَا وَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَلَا تلزمه إلى قِيمَتُهُ غَيْرَ صَانِعٍ، فَإِنْ قَالَ الشَّرِيكُ قَدْ كَانَ يُحْسِنُ الصَّنْعَةَ، وَقْتَ الْعِتْقِ لَكِنَّهُ نَسِيَهَا بِعِلَّةٍ، فَإِنْ كَانَ زَمَانُ الْعِتْقِ قَرِيبًا،.
لَا تُنْسَى الصَّنْعَةُ فِي مِثْلِهِ لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِنْ تَطَاوَلَ وَجَازَ أَنْ تُنْسَى تِلْكَ الصَّنْعَةُ فِي مِثْلِهِ سُمِعَتْ مِنْهُ وَأُحْلِفَ عَلَيْهَا الْمُعْتِقُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قِيمَتُهُ غَيْرَ صانع.

وَلَوْ قَالَ الشَّرِيكُ هُوَ يُحْسِنُ هَذِهِ الصَّنْعَةَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَتَمَهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ إِظْهَارِهَا.
فَقَوْلُهُ مُحْتَمَلٌ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَبْدِ دُونَ الْمُعْتِقِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَهُ عَلَى الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَا يَدَّعِيَهُ عَلَى الْمُعْتِقِ، لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِكِتْمَانِهِ فَتَتَوَجَّهَ الدَّعْوَى إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُ عَلَى النَّفْيِ أَنَّهُ كَتَمَ مَا يُحْسِنُ، وَلَوِ اخْتُبِرَ الْعَبْدُ فَكَانَ يُحْسِنُ الصَّنْعَةَ نُظِرَ، فَإِنْ قَصُرَ زَمَانُ مَا بَيْنَ الْعِتْقِ وَالتَّقْوِيمِ عَنْ تَعَلُّمِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ، ثَبَتَ تَقَدُّمُهَا، وَلَمْ يَحْلِفِ الشَّرِيكُ عَلَيْهَا، وَاسْتَحَقَّ قِيمَتَهُ صَانِعًا، وَإِنْ تَطَاوَلَ وَاتَّسَعَ لِتَعَلُّمِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ، صَارَ تَقَدُّمُهَا دَاخِلًا فِي الْجَوَازِ فَصَارَ كَادِّعَائِهَا فِي مَيِّتٍ، فَيَكُونُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَيِّتِ مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا عَلَى الطَّرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُعْتِقِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ.
أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ الْعِتْقِ غَيْرُ صَانِعٍ، وَلَمْ يَحْلِفْ أَنَّهُ غَيْرُ صَانِعٍ كَمَا يُحْلَفُ فِي الْمَيِّتِ والله أعلم.

مسألة

: قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ هُوَ سَارِقٌ أَوْ آبِقٌ وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ حَتَّى يَعْلَمَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قَدْ قَالَ فِي الْغَاصِبِ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ أَنَّ بِهِ دَاءً أَوْ غَائِلَةً وَالْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْحُرِّ يَجْنِي عَلَى يَدِهِ فَيَقُولُ الْجَانِي، هِيَ شَلَّاءُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَارِمِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى اخْتِلَافُهُمَا فِي الصَّنْعَةِ الزَّائِدَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي اخْتِلَافِهَا فِي عَيْبٍ يُنْقِصُ مِنَ الْقِيمَةِ فَيَدَّعِي الْمُعْتِقُ أَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، أَوْ آبِقًا، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ عَبْدٍ سَارِقٍ، أَوْ آبِقٍ وَيَقُولُ الشَّرِيكُ كَانَ سَالِمًا لَيْسَ بِسَارِقٍ، وَلَا آبِقٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الشَّرِيكِ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ غَيْرُ سَارِقٍ، وَلَا آبِقٍ وَلَهُ قِيمَةُ عَبْدٍ سَلِيمٍ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ على طريقتين: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَ فِي الزِّيَادَةِ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْغَارِمِ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُ الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ، فَيَكُونُ فِي الزِّيَادَةِ بِالصَّنْعَةِ الْقَوْلُ قَوْلَ مُنْكِرِهَا، وَهُوَ الْغَارِمُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ وَيَكُونُ فِي النُّقْصَانِ بِالْعَيْبِ الْقَوْلُ قَوْلَ مُنْكِرِهَا، وَهُوَ الْمَالِكُ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ مِنَ الْعَيْبِ فَأَمَّا الْغَاصِبُ إِذَا اخْتَلَفَ مَعَ الْمَالِكِ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ فَادَّعَى الْغَاصِبُ أَنَّهُ بِهِ دَاءٌ، أَوْ غَائِلَةٌ فَقَدْ حَكَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْغَاصِبِ، دُونَ الْمَالِكِ وَجُعِلَ فِي ضَمَانِ الْعِتْقِ الْقَوْلُ فيه

قَوْلُ الْمَالِكِ دُونَ الْمُعْتِقِ وَضَمَانُ الْغَاصِبِ وَالْمُعْتِقِ سِيَّانِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ مَعَ تَسَاوِي الضَّمَانَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَعْوَى الْغَاصِبِ كَانَتْ فِي نَقْصٍ يَعُودُ إِلَى أَصْلِ الْخِلْقَةِ مِنْ شَلَلٍ، أَوْ خَرَسٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِلْقَةً فِيهِ، وَطَارِئًا عَلَيْهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْغَاصِبِ الْغَارِمِ، دُونَ الْمَالِكِ، لِأَنَّ الْمَالِكَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَلَلٌ وَلَا خَرَسٌ، وَلَوْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي دَعْوَى الْمُعْتِقِ لَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ دُونَ الْمَالِكِ كَالْغَاصِبِ.
وَالَّذِي قَالَهُ فِي دَعْوَى الْمُعْتِقِ إنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَالِكِ كَانَ فِي ادِّعَاءِ نَقْصٍ طَارِئٍ، لَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةَ، كَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ سَارِقًا وَلَا آبِقًا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَالِكِ دُونَ الْمُعْتِقِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِسَارِقٍ وَلَا آبِقٍ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ، كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَالِكِ كَالْمُعْتِقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ فِي الغصب قول الغاصب في النقض وَالْقَوْلَ فِي الْعِتْقِ قَوْلُ الْمَالِكِ فِي النَّقْصَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَصْبِ، وَالْعِتْقِ: أَنَّ الْغَصْبَ اسْتِهْلَاكُ مُحْصَنٍ لَا يَمْلِكُ بِغُرْمِهِ شَيْئًا، فَجَعَلَ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَ الْمُسْتَهْلِكِ وَالْعِتْقَ مُعَاوَضَةً يَمْلِكُ الْمُعْتِقُ بِهِ الْوَلَاءَ، فَجَعَلَ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلَ الْمُتَعَوِّضِ فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْأَعْضَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَعْضَاءٍ ظَاهِرَةٍ يُمْكِنُ الْمَجْنِيُّ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى سَلَامَتِهَا، فَالْقَوْلُ فِي نَقْصِهَا قَوْلُ الْجَانِي.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَعْضَاءٍ بَاطِنَةٍ، يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى سَلَامَتِهَا، فَفِي نَقْصِهَا إِذَا ادَّعَاهُ الْجَانِي قَوْلَانِ ذَكَرْنَاهُمَا في الجنايات، والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عِتْقًا بَتَاتًا ثُمَّ مَاتَ كَانَ فِي ثُلُثِهِ كَالصَّحِيحِ فِي كُلِّ مَالِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ الْمَوْتُ مُعْتَبَرٌ فِي ثُلُثِ الْمُعْتِقِ، فَإِنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ تَحَرَّرَ الْعِتْقُ، وَنَفَذَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الثُّلُثِ رُدَّ، وَعَادَ الْمُعْتَقُ رَقِيقًا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ وَحُكِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَأَصْلِ التَّرِكَةِ لِصَدَقَاتِ الزَّوْجَاتِ، وَمَا يَصْرِفُهُ فِي النَّفَقَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَهَذَا خَطَأٌ خَالَفَ بِهِ مَنْ سِوَاهُ.

وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِيهِ بِرِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعاهم، وجزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وهذا نص يدفع كل خلاف.
فإن أَعْتَقَ الْمَرِيضُ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ كَانَ عِتْقُهُ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، كَمَا يَكُونُ عِتْقُ الصَّحِيحِ مِنْ كُلِّ مَالِهِ، وَيَسْرِي عِتْقُهُ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ إِذَا احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ، كَمَا يَسْرِي عِتْقُ الصَّحِيحِ إِذَا احْتَمَلَهُ كُلُّ مَالِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الثُّلُثِ مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّسِعَ الثُّلُثُ لِعِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ، وَعِتْقِ السِّرَايَةِ، فَيَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي جَمِيعِهِ بِالْمُبَاشَرَةِ ثُمَّ بِالسِّرَايَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ثُلُثِهِ قِيمَةُ حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ وَلَائِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَعْجِزَ الثُّلُثُ عَنْ عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ، وَعِتْقِ السِّرَايَةِ لِاسْتِحْقَاقِ تَرِكَتِهِ فِي دينِهِ، وَيُرَدُّ عِتْقُهُ فِي جَمِيعِهِ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَبِالسِّرَايَةِ، وَيَعُودُ إِلَى الرِّقِّ، وَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَّسِعَ الثُّلُثُ لِأَحَدِ الْمُعْتَقِينَ، وَيَعْجِزَ عَنِ الْآخَرِ، فَيَجْعَلُ الثُّلُثَ مَصْرُوفًا فِي عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ عِتْقِ السِّرَايَةِ، لِأَنَّ عِتْقَ الْمُبَاشَرَةِ أَصْلٌ وَعَتَقَ السِّرَايَةِ فَرْعٌ كَعِتْقِ الْمُعْسِرِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَتَّسِعَ الثُّلُثُ لِأَحَدِهِمَا، وَبَعْضِ الْآخَرِ، فَيُكْمَلُ عِتْقُ الْمُبَاشَرَةِ، وَيُجْعَلُ النَّقْصُ فِي عِتْقِ السِّرَايَةِ كَعِتْقِ مَنْ أَيْسَرَ بِبَعْضِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ يَتَّسِعَ الثُّلُثُ لِبَعْضِ أَحَدِهِمَا، وَيَعْجِزَ عَنِ الْبَاقِي، فَيُجْعَلُ الْبَعْضُ نَافِذًا فِي عِتْقِ المباشرة، ويرد الباقي في عتق المباشر، وَيُبْطَلُ عِتْقُ السِّرَايَةِ، فَلَوْ قَالَ الْوَرَثَةُ: نَحْنُ نُمْضِي عِتْقَ الْمُبَاشَرَةِ، وَنَغْرَمُ عِتْقَ السِّرَايَةِ كَانَ لَهُمْ تَكْمِيلُ الْعِتْقِ فِي الْمُبَاشَرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَجَاوُزُهُ إِلَى عِتْقِ السِّرَايَةِ، لِأَنَّ الْمُعْتِقَ مُعْسِرٌ بِهِ، وَهُوَ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ فِي جِنَايَةٍ مُنِعَ، فَكَانَ وَرَثَتُهُ بِالْمَنْعِ أَحَقُّ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ نَصِيبٍ مِنْ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يُعْتَقْ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْهُ إِلَّا مَا أَوْصَى بِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: إِذَا وَصَّى بِعِتْقِ شِرْكٍ لَهُ فِي عَبْدٍ أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، كَانَ عِتْقُ حِصَّتِهِ مُعْتَبَرًا فِي ثُلُثِهِ، وَمُسْتَحَقٌّ تَحْرِيرُهَا عَلَى وَرَثَتِهِ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَعْتِقَهَا الْوَرَثَةُ عنه، لو قَالَ: إِذَا مُتُّ، فَنَصِيبِي مِنْهُ حُرٌّ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ عِتْقُ الْوَرَثَةِ لَهُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَوْتَ فِي هَذَا صِفَةً للعتق، وجعل

الْمَوْتَ فِي ذَلِكَ وَصِيَّةً بِالْمُعْتَقِ، ثُمَّ يَسْتَوِيَانِ فِي اعْتِبَارِهِمَا مِنَ الثُّلُثِ، فَإِذَا احْتَمَلَ الثُّلُثُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْرِي الْعِتْقُ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ مُتَّسِعًا لِقِيمَتِهَا، لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ بِالْمَوْتِ إِلَّا قَدْرَ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي وَصِيَّتِهِ، فَلَوْ وَصَّى بِعِتْقِ نَصِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَبِعِتْقِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِعِتْقِهَا إِذَا احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ بِالْوَصِيَّةِ مُسْتَثْنًى لَهُمَا مِنْ مَالِهِ، فَصَارَ مُوسِرًا بِهِمَا كَالْحُرِّ، فَصَارَ عِتْقُ نَصِيبِهِ مُبَاشَرَةً، وَعِتْقُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ سِرَايَةً، وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ نَصِيبِهِ، وَلَا تَسْرِي إلى نصيب شريكيه لأمرين: أحدهما: أنه موصي بِعِتْقِ مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ غَيْرَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عِتْقَ السِّرَايَةِ مَا سَرَى بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ وَلَا وَصِيَّةَ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عِتْقِ الْحَيِّ، وَمَعْدُومٌ فِي عِتْقِ الْمَيِّتِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْمُوصِي يَمْلِكُ جَمِيعَ الْعَبْدِ، فَوَصَّى بِعِتْقِ بَعْضِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْحَيِّ إِذَا أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ، هَلْ يُنَفَّذُ الْعِتْقُ فِي جَمِيعِهِ مُبَاشَرَةً أَوْ سِرَايَةً؟ فأحد الوجهين: ان يُعْتَقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْعَبْدِ مُبَاشَرَةً، فَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ بَعْضِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى الْحَيِّ بِالسِّرَايَةِ، فَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ بَعْضِهِ عَتَقَ ذَلِكَ الْبَعْضُ، وَلَمْ يَسْرِ إِلَى جَمِيعِهِ، وَإِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ عِتْقِ مَا أَوْصَى بِهِ رُدَّ الْعِتْقُ إِلَى مَا اتَّسَعَ لَهُ الثُّلُثُ إِلَّا أَنْ يُمْضِيَهُ الْوَرَثَةُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَيَمْضِي عِتْقُهُ وَبِاللَّهِ التوفيق.

بَابٌ فِي عِتْقِ الْعَبِيْدِ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الثلث

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: {ولو أعتق رجل ستة مملوكين لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ جُزِّئُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمْ كَمَا أَقْرَعَ النبي في مثله وَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ثُلُثَ الْمَيِّتِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً لِلْوَارِثِ وهكذا كل ما لم يحتمل الثلث أقرع بينهم ولا سعاية لأن في إقراع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بينهم وفي قوله إن كان معسراً فقد عتق منه ما عتق إبطالا للسعاية من حديثين ثابتين.
وحديث سعيد بن أبي عروبة في السعاية ضعيف وخالفه شعبة وهشام جميعا ولم يذكروا فيه استسعاء وهما أحفظ منه) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبِيدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ، وَلَمْ يُمْضِ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمْ جُزِّئُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ بِالْعَدَدِ إِنْ تَمَاثَلُوا، أَوْ بِالْقِيمَةِ إِنْ تَفَاضَلُوا عَلَى مَا سَنَصِفُهُ مِنْ بَعْدُ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِتَتَمَيَّزَ الْحُرِّيَّةُ بِهَا، وَيَتَمَيَّزُ الرِّقُّ بِهَا فِي ثُلُثِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانُوا سِتَّةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ السِّتَّةَ إِتْبَاعًا لِلْخَبَرِ، فَإِذَا جَزَّأَهُمْ، وَهُمْ ستة جعل كل اثنين جزءاً، وأإقرع بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، جَمَعَهُمَا جُزْءٌ خَرَجَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً جَمَعَهُمْ جُزْءَانِ خَرَجَتْ عليهم قرعة الرق.
وقال أبو حنيفة: لَا تَجْزِئَةَ، وَلَا قُرْعَةَ، وَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ واحد منهم ثلاثة، ويستسعيا فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ، لِتَتَكَامَلَ حُرِّيَّتُهُ بِالْعِتْقِ وَالسِّعَايَةِ، فَخَالَفَنَا فِي ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: التَّجْزِئَةُ لِتَتَكَامَلَ بِهَا حُرِّيَّةُ بَعْضِهِمْ، وَرِقُّ بَعْضِهِمْ، فَنَحْنُ نُجَزِّئُهُمْ، وَهُوَ لَا يُجَزِّئُهُمْ.
وَالثَّانِي: تَمْيِيزُ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الرِّقِّ بِالْقُرْعَةِ نَحْنُ نَقْرَعُ لِتَمْيِيزِهِمَا، وَهُوَ لَا يُقْرِعُ.
وَالثَّالِثُ: وُجُوبُ السِّعَايَةِ لِيَمْنَعَ بِهَا مِنْ حُرِّيَّةِ بَعْضِ الْعَبْدِ، وَاسْتِرْقَاقِ بَعْضِهِ، وَنَحْنُ لَا نُوجِبُهَا، وَيُجَوِّزُ حُرِّيَّةَ بَعْضِهِ، وَاسْتِرْقَاقَ بَعْضِهِ.
وَأَمَّا السِّعَايَةُ، وَتَبْعِيضُ الْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا.
وَأَمَّا التَّجْزِئَةُ وَالْقُرْعَةُ، فَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُخْتَصٌّ بِهِمَا: فَأَمَّا التَّجْزِئَةُ

لِتَتَكَامَلَ بِهَا الْحُرِّيَّةُ فِي جُزْءٍ، وَيَتَكَامَلَ بِهَا الرِّقُّ فِي جُزْأَيْنِ، فَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ كَالْوَصِيَّةِ لِاعْتِبَارِهِمَا فِي الثُّلُثِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِسِتَّةِ أَعْبُدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أُمْضِيَتِ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَا يَكْمُلُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِتْقُهُمْ بِمَثَابَتِهِ فِي حُرِّيَّةِ الثُّلُثِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَا يَكْمُلُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوَصِيَّةِ التَّمْلِيكُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الِاشْتِرَاكِ، فَلَمْ يَلْزَمْ تَكْمِيلُهُ بِالْقُرْعَةِ، وَالْمَقْصُودَ بِالرِّقِّ إِزَالَةُ أَحْكَامِ الرِّقِّ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الِاشْتِرَاكِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَكْمِيلُهُ بِالْقُرْعَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُوصِي لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِجَازَةِ حَقِّهِ بِالْقِسْمَةِ، فَاسْتَغْنَى عَنْ تَكْمِيلِهِ بِالْوَصِيَّةِ، وَالْمُعْتِقَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَافْتَقَرَ إِلَى تَكْمِيلِهِ بِالْقُرْعَةِ.
وَالِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي: أَنْ قَالُوا: إِنَّ حُكْمَ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِ مَالِهِ كَحُكْمِ الصَّحِيحِ فِي كُلِّ مَالِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ مَلَكَ الثُّلُثَ مِنْ سِتَّةِ أَعْبُدٍ، فَأَعْتَقَهُمْ لَمْ يَكْمُلْ عِتْقُهُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، وَعَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَهَ وَهُوَ قَدْرُ مَا يَمْلِكُهُ، فَوَجَبَ مِثْلُهُ فِي الْمَرِيضِ إِذَا مَلَكَهُمْ، وَأَعْتَقَهُمْ، وَحَقُّهُ فِي الثُّلُثِ مِنْهُمْ أَنْ يَعْتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَهُ وَلَا يَكْمُلُ عِتْقُهُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَالِكَ الثُّلُثِ يَكُونُ مُكَمِّلًا لَهُمْ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ فَمُنِعَ وَالْمَرِيضَ يُكَمِّلُ لِلثُّلُثِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَالِكَ الثُّلُثِ لَوْ عَيَّنَ عِتْقَهُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ لَمْ يَجُزْ، وَالْمَرِيضَ لَوْ عَيَّنَ عِتْقَهُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ جَازَ فَافْتَرَقَا.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْقُرْعَةُ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا الْحُرِّيَّةُ مِنَ الرِّقِّ، فَمَنَعَ مِنْهَا أَبُو حَنِيفَةَ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُرْعَةَ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ تَنْقُلُ الْحُرِّيَّةَ إِلَى الرِّقِّ، وَالرِّقَّ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْأَزْلَامِ الَّتِي مَنَعَ مِنْهَا الشَّرْعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90] وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُرْعَةَ إِنَّمَا دَخَلَتْ لتمييز عتق مطلق غير معين فلم ينقل الحرية إلى

رِقٍّ، وَلَا رِقًّا إِلَى حُرِّيَّةٍ، أَلَا تَرَى لَوْ عُيِّنَ الْعِتْقُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ لَمْ يُنْقَلْ بِالْقُرْعَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ.
وَإِنَّمَا يُقْرَعُ إِذَا أَطْلَقَ الْعِتْقَ فِي السِّتَّةِ، وَاسْتَحَقَّ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ دَخَلَتْ لِتَمْيِيزِ مَا يُعْتَقُ، وَيُرَقُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقُرْعَةَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْأَزْلَامِ الَّتِي هِيَ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الْأَزْلَامِ أَنَّهَا هِيَ الْآمِرَةُ، وَهِيَ النَّاهِيَةُ، وَكَانُوا يَكْتُبُونَ عَلَى أَحَدِهِمَا: أَمَرَنِي رَبِّي، وَعَلَى الْآخَرِ: نَهَانِي رَبِّي، وَآخَرُ يَجْعَلُونَهُ عَقْلًا، وَيُجْرُونَهَا مَجَارِيَ النُّجُومِ الَّتِي يَعْتَقِدُ الْمُنَجِّمُ أَنَّهَا هِيَ الْفَاعِلَةُ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِإِبَاحَةِ شَيْءٍ مِنْهَا.
وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ لِحُكْمٍ وَجَبَ بِالشَّرْعِ، لِأَنَّهَا قَدْ عَمِلَ بِهَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الشَّرْعِ، وَوَافَقَ عَلَيْهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُجْعَلَ الْقُرْعَةُ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا مَجْرَى الْأَزْلَامِ الَّتِي نَهَى الشَّرْعُ عَنْهَا.
وَالِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي: أَنْ قَالُوا لَوْ كَانَتِ الْقُرْعَةُ دَلِيلًا لَمْ تَتَنَاقَضْ، لَأَنَّ أَدِلَّةَ اللَّهِ لَا تَتَنَاقَضُ، وَاسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ مُوجِبٌ لِلتَّنَاقُضِ، لِأَنَّهَا لَوْ أُعِيدَتْ ثَانِيَةً لَخَرَجَتْ بِغَيْرِ مَا خَرَجَ بِهِ الْأَوَّلُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُسْتَعْمَلَ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ دُخُولِ الْقُرْعَةِ فِي قِسْمَةِ الْأَمْلَاكِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا فِي الْعِتْقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِيهَا، لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مَرَّةً، فَكَانَتْ دَلِيلًا فِي الْأَوَّلِ، وَلَمْ تَكُنْ دَلِيلًا فِي الثَّانِي فَلَمْ يَدْخُلْهَا إِذَا كَانَتْ دَلِيلًا تَنَاقُضٌ وَإِنْ دَخَلَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا تَنَاقُضٌ.

فَصْلٌ

وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنَ التَّجْزِئَةِ وَالْقُرْعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: نَصٌّ وَاسْتِدْلَالٌ.
فَأَمَّا النَّصُّ: فَوَارِدٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ اثْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، " فَقَالَ قَوْلًا شَدِيدًا ثُمَّ دَعَاهُمْ، فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ". والطريق الثانية: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَوَاهُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَرَدَّ أَرْبَعَةً إِلَى الرق ".

فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ خَالَفَ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، لِتَتَكَامَلَ الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجَزِّئُهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِتَمْيِيزِ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الرِّقِّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ كَمَّلَ الْحُرِّيَّةَ فِي اثْنَيْنِ، وَالرِّقَّ فِي أَرْبَعَةٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ، وَيُرِقُّ ثُلُثَيْهِ، وَمَا خَالَفَ النَّصَّ كَانَ مَدْفُوعًا.
فَإِنْ قَالُوا: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا قُلْتُمُوهُ، وَهُوَ أَنَّ قوله: " جزأهم ثلاثة أجزاء " أي جُزْءًا حُرِّيَّةً، وَجُزْأَيْنِ رِقًّا.
وَقَوْلُهُ: " أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ " أَيِ اسْتِقْصَاءً فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ اشْتِقَاقًا مِنَ الْمُقَارَعَةِ، لَا مِنَ الْقُرْعَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَرَعَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا اسْتَقْصَى عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: أَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً أَيْ أَعْتَقَ سَهْمَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ.
قِيلَ: هَذَا تَأْوِيلٌ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَيَبْطُلُ بِالدَّلِيلِ.
أَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَعْنَى جَزَّأَهُمْ أَيْ جَعَلَ جُزْءًا حُرِّيَّةً، وَجُزْأَيْنِ رِقًّا، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ هَذِهِ تَجْزِئَةُ الْأَحْكَامِ دُونَ الْأَعْيَانِ، وَحَمْلُ التَّجْزِئَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْأَحْكَامِ؛ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَجْزِئَةَ الْأَحْكَامِ مَعْلُومَةٌ بِالْعِتْقِ، فَاسْتَغْنَتْ عَنْ تَجْزِئَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَالثَّانِي: أَنَّهَا فِعْلٌ، وَالْفِعْلُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْأَعْيَانِ دُونَ الْأَحْكَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ، إِنَّ مَعْنَى أَقْرَعَ أَيِ اسْتَقْصَى فِي الْقِيمَةِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقُرْعَةَ بَيْنَهُمْ لَا تَكُونُ قُرْعَةً فِي قِيمَتِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " أَعْتَقَ اثْنَيْنِ " أَيْ سَهْمَيْنِ " وَأَرَقَّ أَرْبَعَةَ " أَسْهُمٍ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ لَكَانَ الْعِتْقُ بَيْنَهُمَا وَالرِّقُّ سَهْمَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّجْزِئَةَ مُغْنِيَةٌ عَنْ هَذَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا لَا يُفِيدُ، وَهَذَا مُغْنٍ عَنِ التَّجْزِئَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْعَلَ مَا لَا يُفِيدُ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِمْ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى جَوَازِ التَّجْزِئَةِ لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ، وَتَكْمِيلِ الرق.

وَالثَّانِي: عَلَى جَوَازِ الْقُرْعَةِ لِتَمْيِيزِ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الرِّقِّ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّجْزِئَةِ لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّجْزِئَةَ مُوَافِقَةٌ لِأُصُولِ الْوَصَايَا أَن لَا يَمْضِي فِي الْوَصَايَا إِلَّا مَا يَحْصُلُ لِلْوَرَثَةِ إِلَّا مِثْلَاهُ، فَإِذَا جُزِّئُوا أَثْلَاثًا، وَعَتَقَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، رَقَّ أَرْبَعَةٌ لِلْوَرَثَةِ، فَصَارَ لَهُمْ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ، وَإِذَا أُعْتِقَ ثُلُثُهُمْ عَلَى مَا قَالُوا، وَاسْتَسْعُوا فِي بَاقِيهِمْ خَرَجَ بِالْعِتْقِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ، وَتَرَدَّدَ مَالُ السِّعَايَةِ بَيْنَ أَنْ يَحْصُلَ، فَيَتَأَخَّرَ بِهِ حُقُوقُ الْوَرَثَةِ، وَبَيْنَ أَن لَا يَحْصُلَ، فَتَبْطُلُ بِهِ حُقُوقُ الْوَرَثَةِ، وَمَا أَدَّى إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَتِ الْأُصُولُ مَانِعَةً مِنْهُ.
وَالِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي: أَنَّ فِي التَّجْزِئَةِ إِيصَالُ الْوَرَثَةِ إِلَى حُقُوقِهِمْ مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ، فَيَصِيرُ الْمُعْتِقُ مُسْتَوْعِبًا لِتَرِكَتِهِ، وَحَقِّهِ فِي ثُلُثِهَا، وَالْوَارِثُ مَمْنُوعٌ مِنْهَا، وَقَدِ اسْتَحَقَّ ثُلُثَيْهَا.
وَمَا أَدَّى إِلَى هَذَا كَانَ الشَّرْعُ مَانِعًا مِنْهُ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْقُرْعَةِ لِتَمْيِيزِ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الرِّقِّ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، اسْتَشَارَ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي الْقُرْعَةِ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَأَشَارَا عَلَيْهِ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، فَعَمِلَ بِهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي عَصْرِهِ مُخَالِفٌ فِيهَا، فَصَارَ قَوْلُ ثَلَاثَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ انْعَقَدَ بِهِمُ الْإِجْمَاعُ.
وَالِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا اسْتُعْمِلَتِ الْقُرْعَةُ فِي قِسْمَةِ الْأَمْلَاكِ الْمُشْتَرَكَةِ لِيَتَمَيَّزَ بِهَا نَقْلُ أَمْلَاكٍ عَنْ مُلَّاكٍ، كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي مِلْكِ الْوَاحِدِ لِيَتَمَيَّزَ بِهَا حُرِّيَّةُ مِلْكِهِ مِنْ رِقِّهِ أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ فِي مِلْكِ جَمَاعَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْعِتْقِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ بِنَفْيِ التُّهْمَةِ أَحَقَّ.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَجْزِئَتِهِمْ، وَالْإِقْرَاعِ بَيْنَهُمْ، فَحُكْمُهُمْ مَوْقُوفٌ فِي بَقَاءِ الْمُعْتِقِ فِي مَرَضِهِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْعِتْقِ، لِجَوَازِ أَنْ يَحْدُثَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُمْ، فَيَرِقُّوا، وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الرِّقِّ لِجَوَازِ أَنْ يُفِيدَهَا مَا لَا يَخْرُجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ، فَيُعْتَقُوا وَلَا يجزأون، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْرُوثٍ فِي حَيَاتِهِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَصِحَّ، فَلَا يُورَثُ، وَتَكُونُ أَكْسَابُ الْعَبِيدِ الْمُعْتَقِينَ مَوْقُوفَةً عَلَى مَا يَسْتَبِينُ.
فَإِذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ وَجَبَتِ التَّجْزِئَةُ، وَاسْتُعْمِلَتِ الْقُرْعَةُ وَاعْتُبِرَ قَدْرُ التَّرِكَةِ لِيَكُونَ الْعِتْقُ مُعْتَبِرًا بِثُلُثِهَا إذا أقنع

الْوَرَثَةَ مِنْ إِجَازَتِهِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ فِي مَرَضِهِ مَالٌ يَخْرُجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِهِمْ قَبْلَ مَوْتِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ مَالُهُ، فَلَا يَصِلُ إِلَى وَرَثَتِهِ أَوْ يَرْكَبَهُ دَيْنٌ يُسْتَرَقُّونَ فِي قَضَائِهِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَانَ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْعِتْقِ حُرًّا بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ، وَمَلَكَ جَمِيعَ أَكْسَابِهِ فِي حَيَاةِ مُعْتِقِهِ.
وَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ مَمْلُوكًا لَمْ يَزُلْ، وَجَمِيعُ أَكْسَابِهِ تَرِكَةٌ مَوْرُوثَةٌ، وَلَا تَقَعُ بِالْقُرْعَةِ حُرِّيَّةٌ وَلَا رِقٌّ، وَإِنَّمَا لِتَتَمَيَّزَ بِهَا الْحُرِّيَّةُ مِنَ الرِّقِّ.
وَحُكِيَ عن مالك أن بِالْقُرْعَةِ يَقَعُ الْعِتْقُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " حِينَ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ السِّتَّةِ أَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ". وَهَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ خُرُوجُهُمْ مِنَ الثُّلُثِ مُوجِبًا لِعِتْقِهِمْ بِلَفْظِ الْمَالِكِ، وَجَبَ إِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُمْ أَنْ تَكُونَ حُرِّيَّةُ مَنْ عَتَقَ مِنْهُمْ بِلَفْظِ الْمَالِكِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عِتْقَهُمْ بِالْقُرْعَةِ مُبْطِلٌ لِعِتْقِ الْمَالِكِ، وَإِبْطَالَ عِتْقِ الْمَالِكِ مُوجِبٌ لِإِبْطَالِ الْقُرْعَةِ، وَكُلَّ حُكْمٍ عُلِّقَ بِسَبَبٍ أَدَّى ثُبُوتُهُ إِلَى إِبْطَالِ سَبَبِهِ، بَطَلَ الْحُكْمُ بِإِثْبَاتِ سَبَبِهِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ النَّبِيَّ (أَقْرَعَ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً) ، فَلَمْ يَكُنِ الْعِتْقُ إِلَّا مِنَ الْمَالِكِ، فَصَارَتِ الْقُرْعَةُ تَمْيِيزًا لِلْعِتْقِ مِنَ الرِّقِّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

باب كيفية القرعة بين المماليك وغيرهم

مسألة

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (أَحَبُّ الْقُرْعَةِ إِلَيَّ وَأَبْعَدُهَا مِنَ الْحَيْفِ عِنْدِي أَنْ تُقْطَعَ رِقَاعٌ صِغَارٌ مُسْتَوِيَةٌ فَيُكْتَبَ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمُ ذِي السَّهْمِ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ تُجْعَلُ فِي بَنَادِقَ طِينٍ مُسْتَوِيَةٍ وَتُوزَنُ ثُمَّ تُسْتَجَفُّ ثُمَّ تُلْقَى فِي حِجْرِ رَجُلٍ لَمْ يَحْضُرِ الْكِتَابَةَ وَلَا إِدْخَالَهَا فِي الْبُنْدُقِ وَيُغَطَّى عَلَيْهَا ثَوْبٌ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَدْخِلْ يَدَكَ فَأَخْرِجْ بُنْدُقَةً فَإِذَا أَخْرَجَهَا فُضَّتْ وَقُرِئَ اسْمُ صَاحِبِهَا وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْجُزْءُ الَّذِي أَقْرَعَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَقْرِعْ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي الَذِي يَلِيْهِ وَهَكَذَا مَا بَقِيَ مِنَ السّهْمَانِ شَيْءٌ حَتَّى تَنْفَدَ وَهَذَا فِي الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْقُرْعَةَ تَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ لِتَمْيِيزِ مَا اشْتَبَهَ إِذَا تَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ بِغَيْرِهَا، لِتَزُولَ فِيهِ التُّهْمَةُ، وَيَخْرُجَ عَنْ تَوَهُّمِ الْمُمَايَلَةِ فَوَجَبَ أَنْ تُسْتَعْمَلَ عَلَى أَحْوَطِ الْمُمْكِنَاتِ فِيهَا، وَهِيَ عَلَى مَا وَصَفَهَا الشَّافِعِيُّ أَحْوَطُ ممكن فيها، فاعتبر فما وَصَفَهُ مِنْهَا خَمْسَةُ أَشْيَاءَ مُبَالَغَةً فِي الِاحْتِيَاطِ، وَاحْتِرَازًا مِنَ الْحِيلَةِ، وَبُعْدًا مِنَ التُّهْمَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كَيْفَمَا أَقْرَعَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ بِأَقْلَامِ دَوَاتِهِ أَجْزَأَ، وَهَذَا عُدُولٌ عَنِ الِاحْتِيَاطِ، وَتَعَرُّضٌ لِلِارْتِيَابِ الَّذِي يُمْنَعُ مِنْهُ الْحُكَّامُ.
وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أَنْ تَكُونَ الرِّقَاعُ فِي بَنَادِقَ طِينٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الشَّمْعِ وَالْحَدِيدِ، لِأَنَّ الشَّمْعَ لَيِّنٌ تَتِمُّ فِيهِ الْحِيلَةُ، وَالْحَدِيدُ شَدِيدٌ لَا يَنْفَتِحُ، وَإِنْ لِينَ بِالنَّارِ رُبَّمَا أُحْرِقَتْ رِقَاعُهُ.
وَاخْتَارَ ثَانِيًا: بِأَنْ تَكُونَ الْبَنَادِقُ مُتَسَاوِيَةَ الْوَزْنِ، وَالصِّفَةِ، مُدَوَّرَةً قَدْ مُلِّسَتْ، لِئَلَّا تَخْتَلِفَ فَتَتَمَيَّزَ.
وَاخْتَارَ ثَالِثًا: أَنْ تُجَفَّفَ حَتَّى تَيْبَسَ، فَلَا تَتِمُّ فِيهَا حِيلَةٌ.
وَاخْتَارَ رَابِعًا: أَنْ تُوضَعَ مُغَطَّاةً، وَيُؤْمَرَ مَنْ لَمْ يُشَاهِدُهَا بِالْإِخْرَاجِ حَتَّى لَا يَرَى مَا تَتَوَجَّهُ بِهِ إِلَيْهِ تُهْمَةٌ.
وَاخْتَارَ خَامِسًا: أَنْ يَكُونَ الْمُخْرِجُ قَلِيلَ الْفِطْنَةِ ظَاهِرَ السَّلَامَةِ لِيَبْعُدَ مِنَ الْإدْغَالِ،

وَالْحِيلَةِ، فَهَذَا أَحْوَطُ مَا يُمْكِنُ فِيهَا، وَلَيْسَ بَعْدَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي صِفَتِهَا مِنْ هَذِهِ الْفُصُولِ الْخَمْسَةِ احْتِيَاطٌ يُؤْمَرُ بِهِ الْحُكَّامُ، فَإِنْ قَصَّرَ فِي بَعْضِهَا أَسَاءَ، وَلَمْ يُبْطَلْ حُكْمُهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الْإِقْرَاعِ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي الْعِتْقِ وَالدَّيْنِ والتبدئة بالعتق

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَيُجَزَّأُ الرَّقِيقُ إِذَا أُعْتِقَ ثُلُثُهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ إِذَا كَانَتْ قِيَمُهُمْ سَوَاءً وَيُكْتَبُ سَهْم الْعِتْقِ فِي وَاحِدٍ وَسَهْمَا الرِّقِّ فِي اثْنَيْنِ ثَمَّ يقال: أخرج على هذا الجزء بعينه ويعرف فإن خرج عليه سهم العتق عتق ورق الجزءان الآخران وإن خرج على الجزء الأول سهم الرق رق ثم قيل أخرج فإن خرج سهم العتق على الجزء الثاني عتق ورق الثالث وإن خرج سهم الرق عليه عتق الثالث وإن اختلفت قيمهم ضم قليل الثمن إلى كثير الثمن حتى يعتدلوا فإن تفاوتت قيمهم فكان قيمة واحد مائة وقيمة اثنين مائة وقيمة ثلاثة مائة جزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم على القيم فإن كانت قيمة واحد مائتين واثنين خمسين، وثلاثة خمسين فإن خرج سهم العتق على الواحد عتق منه نصفه وهو الثلث من جميع المال والآخرون رقيق وإن خرج سهم اثنين عتقا ثم أعيدت القرعة بين الثلاثة والواحد وأيهم خرج سهمه بالعتق عتق منه ما بقي من الثلث ورق ما بقي منه ومن غيره وإن خرج السهم على الاثنين أو الثلاثة فكانوا لا يخرجون معا جزئوا ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم كذلك حتى يستكمل الثلث ويجزأون ثلاثة أجزاء أصح عندي من أكثر من ثلاثة) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْبَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ اسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ، وَيَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: فِي التَّجْزِئَةِ.
وَالثَّانِي: فِي التَّعْدِيلِ.
وَالثَّالِثُ: فِي الْإِخْرَاجِ.
فأما التجزئة، فهو أن يجزئوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ عِتْقَ الثُّلُثِ لِأَنَّ مَخْرَجُهُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ عِتْقَ الرُّبُعِ جَزَّأُوا أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ لِأَنَّ مَخْرَجَهُ من أربعة.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل