كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(فَصْلٌ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ)
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي: " وَإِذَا عَلِمَ مِنْ رَجُلٍ بِإِقْرَارِهِ أَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ بِزُورٍ عَزَّرَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ بِالتَّعْزِيرِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَشَهَرَ أَمْرَهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَفَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلٍ قَبِيلٍ وَقَفَهُ فِي قَبِيلِهِ أَوْ فِي سُوقِهِ وَقَالَ إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زور فاعرفوه ". (حكم شهادة الزور)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا شَهَادَةُ الزُّورِ فَمِنَ الْكَبَائِرِ.
رَوَى خُرَيْمُ بْنُ فَاتِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاةَ الصُّبْحِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا وَقَالَ " عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " ثُمَّ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] .
وَرَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار ".
(ما يتعلق بشهادة الزور من الأحكام) .
وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ.
وَهَذَا يُعْلَمُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: مِنْ إِقْرَارِهِ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ.
وَالثَّانِي: مِنِ اسْتِحَالَتِهِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلٍ، أَوْ زِنًا، فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ.
وَالثَّالِثُ: بِأَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ.
فَأَمَّا إِنْ شَهِدَ بِمَا أَخْطَأَ فِيهِ أَوِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةُ زُورٍ وَلَكِنْ يُوَبَّخُ عَلَيْهَا، لِتَسَرُّعِهِ إِلَى الشَّهَادَةِ قَبْلَ تَحَقُّقِهَا.
فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى عَدَالَتِهِ لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِهَا.
فَأَمَّا تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ فَلَا يَقْضِي فِيهِ بِالتَّكْذِيبِ وَالرَّدِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَكْذِيبُ إِحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ تَكْذِيبِ الْأُخْرَى، فَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي عَدَالَةِ إِحْدَاهُمَا.
(فَصْلٌ)
: وَالْحُكْمُ الثَّانِي: تَأْدِيبُ شَاهِدِ الزُّورِ.
وَتَأْدِيبُهُ التَّعْزِيرُ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدٌّ.
وَلَا يَبْلُغُ بِتَعْزِيرِهِ أَرْبَعِينَ وَغَايَتُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يُبْلَغُ بِالْحَدِّ فِي غَيْرِ حَدٍّ "، وَرُوِيَ عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ بَلَغَ مَا لَيْسَ بِحَدٍّ حَدًّا فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ ".
وَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَ مَالِكٌ، مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى أَكْثَرِ الْحُدُودِ.
وَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْمِائَةَ، وَيَجُوزُ بِمَا دُونَهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَبْلُغُ بِهِ ثَمَانِينَ، وَيَجُوزُ فِيمَا دُونَهَا.
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْأَرْبَعِينَ وَيَجُوزُ بِمَا دُونَهَا.
لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ حَدُّ الْخَمْرِ فِي الْحُرِّ فَكَانَ غَايَةُ تَعْزِيرِ الْحُرِّ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ.
ثُمَّ هَذِهِ الْغَايَةُ لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا فِي كُلِّ مُعَزَّرٍ، لِأَنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُعَزَّرِ وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الِاجْتِهَادِ فَمَنْ أَدَّى الِاجْتِهَادُ إِلَى تَعْزِيرِهِ بِالضَّرْبِ اجْتُهِدَ فِي عَدَدِهِ، فَإِنْ أَدَّى الاجتهاد إلى تعزيرها بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ لَمْ يَزِدْهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَدَّى الِاجْتِهَادُ إِلَى تَعْزِيرِهِ بِالْحَبْسِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ إِلَى الضَّرْبِ، وَإِنْ أَدَّى الِاجْتِهَادُ إِلَى تَعْزِيرِهِ بِالْقَوْلِ وَالزَّجْرِ، لَمْ يَعْدِلْ بِهِ إِلَى ضَرْبٍ وَلَا حَبْسٍ وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا حُكْمَ التَّعْزِيرِ فِي بابه.
(فصل: في التشهير بشاهد الزور)
وَالْحُكْمُ الثَّالِثُ: إِشْهَارُ أَمْرِهِ.
لِرِوَايَةِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " اذْكُرُوا الْفَاسِقَ بِمَا فِيهِ يَحْذَرُهُ النَّاسُ ".
وَلِأَنَّ فِي الشُّهْرَةِ زَجْرًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِهِ.
وَإِشْهَارُ أَمْرِهِ، أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَسْجِدٍ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ سُوقٍ فِي سُوقِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ فِي قَبِيلَتِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلٍ فِي قَبِيلِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَبِيلَةِ وَالْقَبِيلِ: أَنَّ الْقَبِيلَةَ بَنُو الْأَبِ الْوَاحِدِ وَالْقَبِيلَ: الْأَخْلَاطُ الْمُجْتَمِعُونَ مِنْ آبَاءٍ شَتَّى.
فَيَقُولُ فِي النِّدَاءِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاعْرِفُوهُ.
وَلَا يُزَادُ فِي هَذِهِ الشُّهْرَةِ تَسْوِيدُ وَجْهِهِ وَلَا حَلْقُ شَعْرِهِ ولا ندائه بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي شُهْرَتِهِ وَهَذِهِ مُثْلَةٌ نَكْرَهُهَا لنهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْهَا.
فَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّاهِدُ بِالزُّورِ مِنْ ذَوِي الصِّيَانَةِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُصَانُ عَنْ هَذَا النِّدَاءِ وَيُقْتَصَرُ منه على إشاعة أمره ليقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ ".
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بِالتَّسْوِيَةِ فِي النِّدَاءِ بَيْنَ ذَوِي الصِّيَانَةِ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ الصِّيَانَةَ قَدْ خرج منها بزوره.
(فصل: في الأثر المترتب على توبة شاهد الزور)
وَالْحُكْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقْضَى بِفِسْقِهِ فَلَا تُسْمَعُ لَهُ شَهَادَةٌ مِنْ بَعْدِ مَا لَمْ يَتُبْ مِنْهَا.
فَإِنْ تَابَ أَمْسَكَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ حَتَّى يَسْتَمِرَّ عَلَيْهَا وَيَتَحَقَّقَ صِدْقُ مُعْتَقَدِهِ فِيهَا فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَفِي النِّدَاءِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُنَادَى بِهَا كَمَا نُودِيَ بِفِسْقِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يُنَادَى عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ وَإِنْ نُودِيَ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ لِأَنَّ ظُهُورَ التَّوْبَةِ بِأَفْعَالِهِ أَقْوَى، وَلِأَنَّ فِي النِّدَاءِ بِذْلَةً.
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إِذَا لَمْ يَثِقْ بِسَلَامَةِ الشُّهُودِ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُقَدِّمَ وَعْظَهُمْ وَتَخْوِيفَهُمْ وَتَحْذِيرَهُمْ فَقَدْ كَانَ شُرَيْحٌ إِذَا حَضَرَهُ شَاهِدَانِ لِلشَّهَادَةِ، قَالَ لَهُمَا: " حَضَرْتُمَا وَلَمْ أَسْتَدْعِكُمَا، وَإِنِ انْصَرَفْتُمَا لَمْ أَمْنَعْكُمَا، وَإِنْ قُلْتُمَا سَمِعَتُ مِنْكُمَا، فَاتَّقِيَا اللَّهَ فَإِنِّي مُتَّقٍ بِكُمَا ".
(حُكْمُ القاضي بعلمه)
(مسألة)
: قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ " اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْخَصْمِ يُقِرُّ عِنْدَ الْقَاضِي فَقَالَ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَشَاهِدٍ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَقَطَعَ بِأَنَّ سَمَاعَهُ الْإِقْرَارَ مِنْهُ أَثْبَتُ مِنَ الشَّهَادَةِ وَهَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ أَقْضِي عَلَيْهِ بِعِلْمِي وَهُوَ أَقْوَى مِنْ شَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ وَبِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَهُوَ أَقْوَى مِنَ النُّكُوَلِ وَرَدَّ الْيَمِينَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ بِعِلْمِهِ فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَهُ فِي زَمَانِ وِلَايَتِهِ وَفِي مَوَاضِعِ عَمَلِهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا بِمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ، وَلَا بِمَا عَلِمَهُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ عَمَلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَهُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَلَا يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَهُ فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ إِلَّا فِي الْحُدُودِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعَيْنِ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
فَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ نَصَّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي مِنَ الْأُمِّ: لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِكُلِّ مَا عَلِمَ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالثَّانِي: لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى مِثْلِ مَا عَلِمَ فَيَكُونُ عِلْمُهُ وَجَهْلُهُ سَوَاءً.
وَأَظْهَرُ قَوْلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِهِ جَوَازُ حُكْمِهِ بِعِلْمِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقْطَعْ بِهِ حَذَارًا مِنْ مَيْلِ الْقُضَاةِ.
فَأَمَّا حُكْمُهُ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَدَبِ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مَذْهَبِهِ فِيهَا فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَجْمَعَانِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي تَخْرِيجِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا بِعِلْمِهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ الْقَاضِيَ مِنَ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ ، فَلَوْ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ لَقَرَنَهُ بِالشَّهَادَةِ.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْحَضْرَمِيِّ فِي دَعْوَاهُ الْأَرْضَ عَلَى الْكِنْدِيِّ: " شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ " فَدَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ.
وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ عَلِمَ مِنْ كُفْرِ الْمُنَافِقِينَ مَا لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ بِعِلْمِهِ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّهُ تَقَاضَى إِلَيْهِ نَفْسَانِ فَقَالَ
أحدهما: أنت شاهدي، فقال: " إن شِئْتُمَا شَهِدْتُ وَلَمْ أَحْكُمْ أَوْ أَحْكُمُ وَلَا أَشْهَدُ ".
وَتَرَافَعَ إِلَى شُرَيْحٍ خَصْمَانِ فَقَالَ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ نَعَمْ أَنْتَ شَاهِدِي.
قَالَ شُرَيْحٌ أَنْتَ الْأَمِيرُ حَتَّى أَحْضُرَ فَأَشْهَدَ لَكَ " وَلَمْ يُعَاصِرْهُمَا مُخَالِفٌ.
وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ مَنْدُوبٌ لِلْإِثْبَاتِ وَالْقَاضِيَ مَنْدُوبٌ لِلْحُكْمِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ قَاضِيًا بِشَهَادَتِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي شَاهِدًا لِحُكْمِهِ.
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ بِأَقَلِّ مِنِ اثْنَيْنِ فَلَوْ جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ لَصَارَ إِثْبَاتُ الْحَقِّ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ.
وَلَوْ صَارَ الْقَاضِي كَالشَّاهِدَيْنِ لَصَحَّ عَقْدُ النِّكَاحِ بِحُضُورِهِ وَحْدَهُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَفِي امْتِنَاعِ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يجوز أن يقفوا مَا لَهُ بِهِ عِلْمٌ.
وَبِمَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ: " بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كُنَّا وَأَنْ لَا نَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ".
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ فِي حَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ ".
وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْأَقْوَى أَوْلَى مِنَ الْحُكْمِ بِالْأَضْعَفِ عَلَى مَا وَصَفَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْحُكْمُ فِي الشَّهَادَةِ بِغَالِبِ الظَّنِّ وَبِالْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ الْيَقِينِ وَالْقَطْعِ فَلَمَّا جَازَ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ كَانَ بِالْعِلْمِ أَوْلَى وَأَجْوَزَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَانَ الْحُكْمُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ أَوْلَى، وَلَمَّا جَازَ الْحُكْمُ بِقَوْلِ الرَّاوِي عَنِ الرَّسُولِ كَانَ الْحُكْمُ بِقَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَوْلَى.
وَلِأَنَّهُ لما جَازَ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِعِلْمِهِ، جَازَ أَنْ يَحْكُمَ فِي غَيْرِهِمَا بِعِلْمِهِ، لِثُبُوتِهِ بِأَقْوَى أَسْبَابِهِ.
وَلِأَنَّ مَنْعَ الْقَاضِي مِنَ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ مُفْضٍ إِلَى وُقُوفِ الْأَحْكَامِ أَوْ فِسْقِ الْحُكَّامِ فِي رَجُلٍ سَمِعَهُ الْقَاضِي يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا أَوْ يُعْتِقُ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْعِتْقَ أَوِ الطَّلَاقَ فَإِنِ اسْتَحْلَفَهُ وَمَكَّنَهُ فَسَقَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ وَقَفَ الْحُكْمَ وَإِذَا حَكَمَ بِعِلْمِهِ سَلِمَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ؟ ".
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ لَمْ أَحُدَّهُ بِهِ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِهِ عِنْدِي ".
وَلِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَوْضُوعَةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ لِإِسْقَاطِهَا بِالشُّبْهَةِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا، بِأَنَّ حُكْمَهُ بِعِلْمِهِ كَحُكْمِهِ بِالشَّهَادَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا سَمِعَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْمُحَاكَمَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَلِأَنَّ عِلْمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ عِلْمُ شَهَادَةٍ وَبَعْدَهَا عِلْمُ حُكْمٍ فَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِ الْحُكْمِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِ الشَّهَادَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِعِلْمِهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْحُدُودِ بِعِلْمِهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا عَدَاهُمَا مُعْتَبَرًا بِهِمَا، إِنْ جَازَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْعِلْمِ اسْتَوَى مَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا كَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِالْعِلْمِ اسْتَوَى مَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا كَالْحُدُودِ فَبَطَلَ بِهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فَهُوَ أَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ التَّحَاكُمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا عَلِمَهُ قَبْلَ التَّحَاكُمِ فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ عِلْمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ عِلْمُ شَهَادَةٍ وَبَعْدَهَا عِلْمُ حُكْمٍ، فَهُوَ أَنَّ عِلْمَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ يَصِيرُ عِلْمَ حكم بعد الولاية.
(فصل: شروط نفوذ حكم القاضي بعلمه) .
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَوْجِيهِ الْقَوْلَيْنِ وَإِبْطَالِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ فَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ حُكْمِهِ بِعِلْمِهِ وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ نُفُوذُ حُكْمِهِ بِعِلْمِهِ مُعْتَبَرًا بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ لِلْمُنْكِرِ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ لَهُ عَلَيْكَ مَا ادَّعَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ وَحَكَمْتُ عَلَيْكَ بِعِلْمِي.
فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ وَأَغْفَلَ الْآخَرَ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ.
وَإِنْ قِيلَ بِمَنْعِهِ مِنَ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إِذَا أَقَرَّ عِنْدَهُ الْخُصُومُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُقِرِّ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ، لِئَلَّا يَصِيرَ حَاكِمًا بِعِلْمِهِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اعْتِبَارِ هَذَا إِذَا مُنِعَ مِنَ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ.
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى اعْتِبَارِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُقِرِّ بِإِقْرَارِهِ، حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ، لِئَلَّا يَصِيرَ حَاكِمًا بِعِلْمِهِ.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ قَوْلُ الْحُسَيْنِ الْكَرَابِيسِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي إِقْرَارِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِالْإِقْرَارِ وَلَيْسَ حُكْمٌ بِالْعِلْمِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ بِحَدّ للَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ إِنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِي الْحُدُودِ.
بِعِلْمِهِ، فَإِنْ مَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ إِلَّا بِالشَّهَادَةِ، لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ، وَإِنْ أُجِيزَ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ.
وَعَلَى هَذَا إِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ حُكْمِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْكُمُ بِهَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ فِي حُكْمِهِ دُونَ عِلْمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّهَادَةِ، لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ لِكَذِبِهَا.
فَأَمَّا إِذَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَيِّنَةً قَامَتْ عِنْدَهُ فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْهَا وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ بالبينة دون العلم.
(فصل: تحكيم الخصمين شخصا)
وَإِذَا حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلًا مِنَ الرَّعِيَّةِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمَا فِيمَا تَنَازَعَاهُ فِي بَلَدٍ فِيهِ قَاضٍ أَوْ لَيْسَ فِيهِ قَاضٍ جَازَ.
لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ تَحَاكَمَا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا حَكَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْإِمَامَةِ كَانَ التَّحْكِيمُ فِيمَا عَدَاهَا أَوْلَى.
وَهَكَذَا حَكَّمَ أَهْلُ الشُّورَى فيها عبد الرحمن بن عوف.
(نفوذ حكم المحكم) .
وَإِذَا جَازَ التَّحْكِيمُ فِي الْأَحْكَامِ فَنَفَاذُ حُكْمِهِ مُعْتَبَرٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَكَّمُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالتَّحْكِيمِ حَاكِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ بَطَلَ تَحْكِيمُهُ، وَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَتَّفِقَ الْخَصْمَانِ عَلَى التَّرَاضِي بِهِ، إِلَى حِينِ الْحُكْمِ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْ رَضِيَا بِهِ ثُمَّ رَجَعَا أَوْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ تَحْكِيمُهُ وَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ سَوَاءٌ حَكَمَ لِلرَّاضِي أَوْ لِلرَّاجِعِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّحَاكُمُ فِي أَحْكَامٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَالْأَحْكَامُ تَنْقَسِمُ فِي التَّحْكِيمِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ: وَهُوَ حُقُوقُ الْأَمْوَالِ، وَعُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ، وَمَا يَصِحُّ فِيهِ الْعَفْوُ وَالْإِبْرَاءُ.
وَقِسْمٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ، وَهُوَ مَا اخْتَصَّ الْقُضَاةُ بِالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوِلَايَاتِ عَلَى الْأَيْتَامِ وَإِيقَاعِ الْحَجْرِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ.
وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: النِّكَاحُ وَاللِّعَانُ وَالْقَذْفُ وَالْقِصَاصُ.
فَفِي جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِوُقُوفِهَا عَلَى رِضَا الْمُتَحَاكِمَيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ وَحُدُودٌ يَخْتَصُّ الْوُلَاةُ بِهَا.
فَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً لَا وَلِيَّ لَهَا خَطَبَهَا رَجُلٌ فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ لِيُزَوِّجَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي بَادِيَةٍ لَا يَصِلَانِ إِلَى حَاكِمٍ جَازَ تَحْكِيمُهُمَا وَتَزْوِيجُ الْمُحَكَّمِ لَهُمَا.
وَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَحَيْثُ يَقْدِرَانِ فِيهِ عَلَى الْحَاكِمِ كَانَ فِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: فِيمَا يَصِيرُ الْحُكْمُ بِهِ لَازِمًا لَهُمَا.
وَفِيهِ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمَا الْحُكْمُ إِلَّا بِالْتِزَامِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ كَالْفُتْيَا، لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ عَلَى خِيَارِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ وَجَبَ أَنْ يَقِفَ عَلَى خِيَارِهَا فِي الِانْتِهَاءِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَكُونُ بحُكْم الْمُحَكَّمِ لَازِمًا لَهُمَا وَلَا يَقِفُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَى خِيَارِهِمَا، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضَيَا بِهِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ " فَكَانَ الْوَعِيدُ دَلِيلًا عَلَى لُزُومِ حُكْمِهِ كَمَا قَالَ فِي الشَّهَادَةِ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] فَدَلَّ الْوَعِيدُ عَلَى لُزُومِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ وَكَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " مَنْ عَلِمَ عِلْمًا وَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " فَدَلَّ الْوَعِيدُ عَلَى لُزُومِ الْحُكْمِ بِمَا أَبْدَاهُ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَأَمِّرُوا عَلَيْكُمْ وَاحِدًا " فَصَارَ بِتَأْمِيرِهِمْ لَهُ نَافِذَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ كَنُفُوذِهِ لَوْ كَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ وَلِذَلِكَ انْعَقَدَتِ الْإِمَامَةُ بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ.
وَحَكَى أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ فِيهِ وَجْهًا ثَالِثًا: أَنَّ خِيَارَهُمَا فِي التَّحْكِيمِ يَنْقَطِعُ بِشُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ، فَإِذَا شَرَعَ فيه صار لازما لهما، وإن كان قيل شُرُوعِهِ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِهِمَا لِأَنَّ خِيَارَهُمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْحُكْمِ مُفْضٍ إِلَى أَنْ لَا يَلْزَمَ بِالتَّحْكِيمِ حُكْمٌ إِذَا رَأَى أَحَدُهُمَا تَوَجَّهَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ التَّحْكِيمُ لَغْوًا.
فَإِذَا صَارَ نَافِذَ الْحُكْمِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ
لَزِمَ الْمُتَنَازِعَيْنِ إِلَيْهِ حُكْمُهُ، وَكَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَأْخُوذًا بِهِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ الْحُكْمَ إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَازِعَيْنِ.
وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي أَنْ يَرُدَّ حُكْمَهُ إِلَّا مَا يَرُدُّهُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ.
وَإِذَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا أَشْهَدَ بِهِ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي حَكَمَ فِيهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، كَمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ بَعْدَ الْعَزْلِ.
فَإِنْ تَعَدَّى الْحُكْمُ إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنِ الْحُكْمِ، وَلَا يَتَّصِلُ بِهِ إِلَّا عَنْ سَبَبٍ مُوجِبٍ كَتَحَاكُمِهِمَا إِلَيْهِ فِي دَيْنٍ فَأَقَامَ بِهِ مُدَّعِيهِ بَيِّنَةً شَهِدَتْ بِوُجُوبِ الدَّيْنِ، وَأَنَّ فُلَانًا ضَامِنُهُ لَزِمَ حُكْمُهُ فِي الدَّيْنِ وَلَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ فِي الضَّمَانِ لِوُجُودِ الرِّضَا مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَعَلِمَ الرِّضَا مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْحُكْمِ، وَلَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ إِلَّا بِسَبَبٍ مُوجِبٍ كَتَحَاكُمِهِمَا إِلَيْهِ فِي قَتْلٍ خَطَأٍ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ الَّتِي لَمْ تَرْضَ بِحُكْمِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ لِوُجُوبِهَا عَلَى الرَّاضِي بِحُكْمِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الدِّيَةَ عَلَى الجاني ثم تَتَحَمَّلهَا عَنْهُ الْعَاقِلَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِابْتِدَاءٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَإِذَا رَضِيَ الْمُتَنَازِعَانِ بِتَحْكِيمِ اثْنَيْنِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْم وَاحِد مِنْهُمَا حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى الْحُكْمِ كَمَا اتَّفَقَا عَلَى النَّظَرِ.
وَإِنْ كَانَ التَّحْكِيمُ مِنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ لِمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُمَا وَلَا عَلَيْهِمَا وَالَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُمَا وَالِدٌ وَوَلَدٌ وَالَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا عَدُوٌّ فَيَنْظُرُ: فَإِنْ حَكَمَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ لِمَنْ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ مِنَ الْأَجَانِبِ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ.
وَإِنْ حَكَمَ لِمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ عَلَى مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ مِنَ الْأَجَانِبِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِوِلَايَةِ التَّحْكِيمِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بولاية
الْقَضَاءِ، لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّحْكِيمِ مُنْعَقِدَةٌ بِاخْتِيَارِهِمَا فَصَارَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ رَاضِيًا بِحُكْمِهِ عَلَيْهِ وَخَالَفَتِ الْوِلَايَةُ الْمُنْعَقِدَةُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا.
وَإِنْ حَكَمَ لِعَدُوِّهِ نَفَذَ حُكْمُهُ.
وَإِنْ حَكَمَ عَلَى عَدُوِّهِ فَفِي نُفُوذِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ بِوِلَايَةِ التَّحْكِيمِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَوِلَايَةِ التَّحْكِيمِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ أَسْبَابَ الشَّهَادَةِ خَافِيَةٌ وَأَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِوِلَايَةِ التَّحْكِيمِ لِانْعِقَادِهَا عَنِ اخْتِيَارِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ لِانْعِقَادِهَا بِغَيْرِ اختياره.
(الاستخلاف على القضاء)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ إِذْ وَلَّى الْقَضَاءَ رَجُلًا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ الْقَضَاءَ مَنْ رَأَى فِي الطَّرَفِ مِنْ أَطْرَافِهِ فَيَجُوزُ حُكْمُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْإِمَامُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى غَيْرِ الْقَضَاءِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ لِأَنَّ كُلَّ الْأُمُورِ مَوْكُولَةٌ إِلَى نَظَرِهِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِبَعْضِهَا فَيَخْتَصُّ بِمُبَاشَرَتِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ لِي حِمَارًا وَلِهَذَا بَقَرَةً وَأَنَّ بَقَرَتَهُ قَتَلَتْ حِمَارِي.
فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: " اقْضِ بَيْنَهُمَا " فَقَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْبَهَائِمِ فَقَالَ لِعُمَرَ: " اقْضِ بَيْنَهُمَا " فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لَعَلِّي: " اقْضِ بَيْنَهُمَا " فَقَالَ عَلِيٌّ: أَكَانَا مرسلين؟ فقالا: لا قال: أكانا مشدودين؟ قال: لَا.
قَالَ: أَفَكَانَتِ الْبَقَرَةُ مَشْدُودَةً وَالْحِمَارُ مُرْسَلًا؟ قال: لَا.
قَالَ: أَفَكَانَ الْحِمَارُ مَشْدُودًا وَالْبَقَرَةُ مُرْسَلَةً؟ قَالَا: نَعَمْ.
قَالَ: " عَلَى صَاحِبِ الْبَقَرَةِ الضَّمَانُ ".
قال أصحابنا: تأويل الْمَسْأَلَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ قَضَيَا بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَإِنَّ عَلِيًّا قَضَى بِوُجُوبِ الضمَان عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مَعَهَا.
فَقَدِ اسْتَخْلَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على القضاء بمشهده وإن أمكنه القضاء نفسه.
فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ رَدَّهُ إِلَى عُمَرَ بَعْدَ قَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ، وَرَدَّهُ إِلَى عَلِيٍّ بَعْدَ قَضَاءِ عُمَرَ، وَالْحُكْمُ إِذَا نَفَذَ انْقَطَعَ بِهِ التنازع.
قِيلَ: لِأَنَّ جَوَابَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ خَرَجَ مِنْهُمَا مَخْرَجَ الْفُتْيَا دُونَ الْحُكْمِ فَلِذَلِكَ رَدَّهُ إِلَى عَلِيٍّ حَتَّى حَكَمَ بِاللَّفْظِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَوْ كَانَ جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ حُكْمًا لما استجاز رده إلى غيره.
(استخلاف القاضي غَيْرِهِ)
فَأَمَّا الْقَاضِي إِذَا قَلَّدَهُ الْإِمَامُ عَمَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ تَقْلِيدِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ سَوَاءٌ قَلَّ عَمَلُهُ أَوْ كَثُرَ.
لَكِنَّهُ إِنْ قَلَّ وَقَدَرَ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ كَانَ فِي الِاسْتِخْلَافِ مُخَيَّرًا، وَإِنْ كَثُرَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ كَانَ الِاسْتِخْلَافُ عَلَيْهِ وَاجِبًا.
ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ مِصْرًا كَبِيرًا وَسَوَادًا كَثِيرًا قَضَى فِي الْمِصْرِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى السَّوَادِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فَاخْتَصَّ فِي الْمَتْبُوعِ لَا بِالتَّابِعِ.
وَإِنْ كَانَا مِصْرَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ كَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ كَانَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَقْضِيَ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
وَلَهُ إِذَا حَكَمَ فِي أَحَدِهِمَا أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى بَلَدِ خَلِيفَتِهِ يَنْقُلَ خَلِيفَتَهُ إِلَى بَلَدِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ عَيَّنَ لَهُ الْحُكْمَ فِي أَحَدِهِمَا وَالِاسْتِخْلَافَ عَلَى الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَمَّا عُيِّنَ لَهُ وَتَكُونُ وِلَايَتُهُ عَلَى الْبَلَدِ الْآخَرِ مَقْصُورَةً عَلَى اخْتِيَارِ النَّاظِرِ فِيهِ دُونَ الْحُكْمِ.
فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْإِمَامُ عَلَى مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ فِيهِ صَارَتْ وِلَايَتُهُ عَلَيْهِ مَقْصُورَةً عَلَى تَنْفِيذِ وِلَايَةِ الْمُسْتَخْلَفِ وَمُرَاعَاتِهِ وَخَرَجَتْ عَنْ وِلَايَةِ الْحُكْمِ وَالِاخْتِيَارِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُ هَذَا الْمُسْتَخْلَفِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ عَزَلَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ بِاخْتِيَارِهِ لِأَنَّ التَّعْيِينَ عَلَيْهِ قَدْ مَنَعَهُ مِنِ اسْتِخْلَافِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُعَيَّنُ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْقَضَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَنْفِيذُ اسْتِخْلَافِهِ لِفَسَادِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِخْلَافُ غَيْرِهِ لِمَنْعِ التَّعْيِينِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي بَلَدِ حُكْمِهِ لِعُمُومِ الْإِذْنِ.
فَإِنْ تَنَازَعَ خَصْمَانِ فِيهِ وَفِي خَلِيفَتِهِ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْمُحَاكَمَةَ إِلَيْهِ وَطَلَبَ الْآخَرُ الْمُحَاكَمَةَ إِلَى خَلِيفَتِهِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي فِي يَوْمِ التَّنَازُعِ نَاظِرًا فَالدَّاعِي إِلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الدَّاعِي إِلَى خَلِيفَتِهِ لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي فِيهِ تَارِكًا وَخَلِيفَتُهُ نَاظِرًا كَانَ الدَّاعِي إِلَى خَلِيفَتِهِ أَوْلَى مِنَ الدَّاعِي إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أَعْجَلُ.
فَإِنْ جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ عَلَى الْقَضَاءِ رِزْقًا نُظِرَ: فَإِنْ سَمَّى الرِّزْقَ لَهُ اخْتُصَّ بِهِ دُونَ
خُلَفَائِهِ وَإِنْ سَمَّاهُ لِلْقَضَاءِ شَارَكَهُ فِيهِ خُلَفَاؤُهُ، بِحَسَبِ كِفَايَاتِهِمْ فِي النَّظَرِ وَكَثْرَةِ الْعَمَلِ، فَإِنْ عَزَلَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ وَقَامَ بِعَمَلِهِ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ رِزْقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَهُ.
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْهَاهُ الْإِمَامُ فِي التَّقْلِيدِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ سَوَاءٌ قَلَّ عَمَلُهُ أَوْ كَثُرَ، لَكِنَّهُ إِنْ قَلَّ عَمَلُهُ بَاشَرَ الْحُكْمَ فِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، لِأَجْلِ الْمَنْعِ مِنْهُ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ فَلَا وِلَايَةَ لِخَلِيفَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْدِيَ خَصْمًا.
فَإِنْ حَكَمَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ تَرَافَعَا إِلَيْهِ كَانَ كَالْحُكْمِ مِنَ الرَّعَايَا فِي جَوَازِ حُكْمِهِ.
وَفِي لُزُومِهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي حُكْمِ الْمُحَكَّمِ.
وَإِنْ كَثُرَ عَمَلُهُ لَزِمَهُ إِعْلَامُ الْإِمَامِ بِعَجْزِهِ عَنِ النَّظَرِ فِي جَمِيعِهِ، لِيَكُونَ الْإِمَامُ بَعْدُ بَيْنَ خِيَارَيْنِ إِمَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ أَوْ يَقْتَصِرَ بِهِ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّا عَدَاهُ.
وَلَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ.
وَأَوْلَى الْأَمْرَيْنِ بِالْإِمَامِ صَرْفُهُ عَنِ الزِّيَادَةِ لِيَكُونَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلِاخْتِيَارِ، وَلَا يَرُدُّ الِاخْتِيَارَ إِلَى غَيْرِهِ، لِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ صِحَّةِ الِاخْتِيَارِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْإِمَامُ أَوْ أَعْلَمَهُ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَكَثْرَةُ عَمَلِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِصْرًا كَثِيرَ السَّوَادِ كَالْبَصْرَةِ فَيَكُونُ نَظَرُهُ مُخْتَصًّا بِالْبَلَدِ، اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ، وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ سَوَادِهِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ فَإِنِ اسْتَعْدَى إِلَيْهِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ، لِخُرُوجِهِ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَصَارَ كَالْحَاضِرِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ فَفِي وُجُوبِ إِحْضَارِهِ وَجْهَانِ مَضَيَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى مِصْرَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ كَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي النَّظَرِ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ لِاشْتِمَالِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا.
فَإِذَا نُظِرَ فِي أَحَدِهِمَا فَفِي انْعِزَالِهِ عَنِ الْآخَرِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدِ انْعَزَلَ عَنْهُ لِتَعَذُّرِ حُكْمِهِ فِيهِ بِالْعَجْزِ فَصَارَ كَتَعَذُّرِ حُكْمِهِ بِآفَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ عَنْهُ وَيَكُونُ بَاقِيَ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِمَا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُطْلِقَ الْوِلَايَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ، فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا حِينَ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِيهِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ قَلَّ عَمَلُهُ أَوْ كَثُرَ.
لِأَنَّ الْقَضَاءَ نِيَابَةٌ فَاعْتُبِرَ فِيهَا لَفْظُ الْمُسْتَنِيبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ إِنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، قَلَّ عَمَلُهُ أَوْ كَثُرَ اعْتِبَارًا بِعُمُومِ وِلَايَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ: إِنَّ اسْتِخْلَافَهُ مُعْتَبَرٌ بِعَمَلِهِ فَإِنْ قَلَّ وَقَدَرَ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَإِنْ كَثُرَ وَعَجَزَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ اعْتِبَارًا بِالْوَكِيلِ إِذَا وُكِّلَ فِي عَمَلٍ قَدَرَ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ زِيَادَةِ الْعَمَلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِيمَا قَدَرَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِالْحَاجَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى جَمِيعِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِيهِ كَالْإِذْنِ فَعَلَى هَذَا إِنِ اسْتَخْلَفَ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ خَلِيفَتَهُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى سَلَامَتِهِ.
وَإِنِ اسْتَخْلَفَ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ فَفِي جَوَازِ عَزْلِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى سَلَامَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْهُ كَالْوَكِيلِ.
وَالثَّانِي: لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عنه في حقوق المسلمين.
(مسألة)
: قال الشافعي: " لَوْ عُزِلَ فَقَالَ قَدْ كُنْتُ قَضَيْتُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ لَمْ يُقْبَلْ إِلَا بِشُهُودٍ ".
قَالَ الماوردي: فالكلام فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِي وِلَايَتِهِ.
وَالثَّانِي: فِي عَزْلِهِ.
وَالثَّالِثُ: فِي حُكْمِهِ.
وَالرَّابِعُ: فِي قَوْلِهِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي وِلَايَتِهِ فَمُعْتَبَرَةٌ بِمَا تَضَمَّنَهُ عَهْدُهُ مِنْ حُدُودِ الْعَمَلِ وَصِفَةِ النَّظَرِ مِنْ عُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ وَعَلَى الْإِمَامِ فِيهِ حَقٌّ وَعَلَى الْقَاضِي فِيهِ حَقٌّ.
فَأَمَّا مَا عَلَى الْإِمَامِ مِنْ حَقٍّ فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: تَقْوِيَةُ يَدِهِ حَتَّى لَا يَعْجِزَ عَنِ اسْتِيفَاءِ حَقٍّ وَدَفْعِ ظُلْمٍ.
وَالثَّانِي: مُرَاعَاةُ عَمَلِهِ حَتَّى لَا يَتَخَطَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا يُخِلُّ بِبَعْضِهِ.
وَالثَّالِثُ: مُرَاعَاةُ أَحْكَامِهِ وَإِنْ تَحَرَّى عَمَلَ السَّدَادَ مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ وَلَا تَقْصِيرٍ.
وَلِذَلِكَ مَا اخْتَرْنَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُثْبِتَ نُسْخَةَ الْعَهْدِ فِي دِيوَانِهِ لِتُعْتَبَرَ أَفْعَالُهُ بِمَا تَضَمَّنَهَا وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ مُرَاعَاتِهِ فِي مَبَادِئِ نَظَرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُهُ فِيمَا بَعْدُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخِلَّ بِمُرَاعَاتِهِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَدَبَ لَهُ مَنْ يُرَاعِيهِ وَيُنْهِي إِلَيْهِ مَا يَجْرِي فِيهِ.
وَلِذَلِكَ قَلَّدَ الْإِمَامُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ لِيَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ فِي مُرَاعَاةِ الْقُضَاةِ.
وَأَمَّا مَا عَلَى الْقَاضِي مِنَ الْحَقِّ فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْمَلَ بِمَا تَضَمَّنَهُ عَهْدُهُ مِنْ عَمَلٍ، وَنَظَرٍ فَلَا يَتَجَاوَزُ عَمَلَهُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْهُ وَلَا يتعدى جُعِلَ إِلَيْهِ مِنْ خُصُوصِ النَّظَرِ وَلَا يُخِلُّ بِمَا جُعِلَ إِلَيْهِ مِنَ الْعُمُومِ النَّظَرِ.
وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِقِرَاءَةِ عَهْدِهِ عَلَى أَهْلِ عَمَلِهِ لِيَعْلَمُوا مِنْهُ مَا إِلَيْهِ وَمَا لَيْسَ إِلَيْهِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ عَهْدِهِ شَاهِدَانِ قَدْ شَهِدَا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ لِيَشْهِدُوا بِهِ عِنْدَ أَهْلِ عَمَلِهِ حَتَّى يَلْتَزِمُوا طَاعَتَهُ.
فَإِنْ أَعْوَزَتِ الشَّهَادَةُ وَاقْتَرَنَ بِقِرَاءَةِ الْعَهْدِ مِنْ شَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ مِنَ الْقُرْبِ مِنْ بَلَدِ الْإِمَامِ وَانْتِشَارِ الْحَالِ وَاشْتِهَارِهَا لَزِمَتْهُمُ الطَّاعَةُ.
وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ شَاهِدُ حَالٍ لَمْ تَلْزَمِ الطَّاعَةُ.
وَالثَّانِي: مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى الْقَاضِي: أَنْ يَسْتَمِدَّ مَعُونَةَ الْإِمَامِ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ، مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقٍّ أَوْ دَفْعِ ظُلْمٍ، حَتَّى لَا يَفُوتَ حَقٌّ قَدْ نُدِبَ لِاسْتِيفَائِهِ وَلَا يَتِمَّ ظُلْمٌ قَدْ نُدِبَ لِرَفْعِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُخِلَّ بِالنَّظَرِ مَعَ الْمَكِنَةِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فِي أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ الْخُصُومُ عَنِ الْمُحَاكَمَةِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِرَاحَةِ، وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْقُضَاةِ لِلِانْقِطَاعِ بِمِثْلِهِ.
فَإِنْ كَانَ مُرْتَزَقًا لَمْ يَسْتَحِقَّ رِزْقُهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى عَمَلِهِ.
فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ وَنَظَرَ اسْتَحَقَّ الرِّزْقَ.
وَإِنْ وَصَلَ وَلَمْ يَنْظُرْ فَإِنْ كَانَ مُتَصَدِّيًا لِلنَّظَرِ يَسْتَحِقُّهُ وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ، كَالْأَجِيرِ فِي الْعَمَلِ إِذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ إِلَى مُسْتَأْجِرِهِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ اسْتَحَقَّ أُجْرَتَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّ لِلنَّظَرِ فَلَا رِزْقَ لَهُ، كَالْأَجِيرِ إِذَا لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْعَزْلِ فَهُوَ: عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْزِلَهُ الْإِمَامُ الْمُوَلِّي.
فَإِنْ كَانَ عَزْلُهُ عَنِ اجْتِهَادٍ أَدَّى إِلَيْهِ، إِمَّا لِظُهُورِ ضَعْفِهِ وَإِمَّا لِوُجُودِ مَنْ هُوَ أَكْفَأُ مِنْهُ جَازَ أَنْ يَعْزِلَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ الِاجْتِهَادُ إِلَى عَزْلِهِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِالنَّظَرِ فِي عَمَلِهِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي عَزْلِ مِثْلِهِ.
فَإِنْ عَزْلَهُ انْعَزَلَ وَإِنْ كَانَ الِاجْتِهَادُ بِخِلَافِهِ.
لِأَنَّ عَزْلَهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْإِمَامِ لَا يُرَدُّ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا.
وَعَزْلُهُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ فَإِنْ قَلَّدَ غَيْرَهُ وَاقْتَرَنَ بِتَقْلِيدِهِ شَوَاهِدُ الْعَزْلِ كَانَ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ عَزْلًا لَهُ.
وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ شَوَاهِدُ الْعَزْلِ كَانَ الْأَوَّلُ عَلَى وِلَايَتِهِ وَالثَّانِي مُشَارِكًا لَهُ فِي نَظَرِهِ.
وَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ جَمِيعُ خُلَفَائِهِ إِنْ كَانَ خَاصَّ الْعَمَلِ.
وَلَا يَنْعَزِلُ مَنْ وَلَّاهُ عَلَى الْأَيْتَامِ وَالْوُقُوفِ مِنْ أُمَنَائِهِ لِنَظَرِهِمْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
فَإِنْ نَظَرَ هَذَا الْمَعْزُولُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ فَفِي نُفُوذِ أَحْكَامِهِ قَوْلَانِ كَالْوَكِيلِ إِذَا عَقَدَ بَعْدَ عَزْلِ مُوَكِّلِهِ وَقَبْلَ عِلْمِهِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحْكَامَهُ بَاطِلَةٌ، إِذَا قِيلَ إِنَّ عَقْدَ الْوَكِيلِ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَحْكَامَهُ جَائِزَةٌ إِذَا قِيلَ إِنَّ عَقْدَ الْوَكِيلِ جَائِزٌ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: بَلْ أَحْكَامُهُ جَائِزَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَتْ عُقُودُ الْوَكِيلِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَاضِيَ نَاظِرٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُوَلِّي، وَالْوَكِيلَ نَاظِرٌ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَوْتَ الْإِمَامِ الْمُوَلِّي لَا يُوجِبُ عَزْلَ الْقَاضِي وَمَوْتَ الْمُوَكِّلِ مُوجِبٌ لِعَزْلِ الْوَكِيلِ فَقَوِيَ الْقَاضِي بِهَذَيْنِ الْفَرْقَيْنِ عَلَى الْوَكِيلِ فَصَحَّ لِأَجْلِهَا أَحْكَامُ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ عُقُودُ الْوَكِيلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ.
فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ جَازَ اعْتِزَالُهُ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُنِعَ مِنَ الِاعْتِزَالِ وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ وَلِذَلِكَ نَفَذَ فِيهِ عَزْلُ الْإِمَامِ وَإِنْ خَالَفَ
الْأَوْلَى لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَزِلَ إِلَّا بَعْدَ إِعْلَامِ الْإِمَامِ وَاسْتِعْفَائِهِ لِأَنَّهُ مَوْكُولٌ لِعَمَلٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِضَاعَتُهُ.
وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنَ النَّظَرِ إِذَا وَجَدَ غَيْرَهُ حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْعَمَلُ مِنْ نَاظِرٍ.
فَإِنْ أَعْفَاهُ قَبْلَ ارْتِيَادِ غَيْرِهِ جَازَ إِنْ كَانَ لَا يَتَعَذَّرُ وَلَمْ يَجُزْ إِنْ تَعَذَّرَ.
وَيَتِمُّ عَزْلُهُ بِاسْتِعْفَائِهِ وَإِعْفَائِهِ وَلَا يَتِمُّ بِأَحَدِهِمَا.
فَإِنْ نَظَرَ بَيْنَ اسْتِعْفَائِهِ وَإِعْفَائِهِ صَحَّ نَظَرُهُ.
وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ قَدْ عَزَلْتُ نَفْسِي عَزْلًا؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ يَكُونُ مِنَ الْمُوَلِّي وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ نَفْسَهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْزِلَهَا وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يَسْتَعْفِيَ فَيُعْفَى.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ تَحْدُثَ أَسْبَابُ الْعَزْلِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مَوْتٌ وَعَجْزٌ وَجَرْحٌ.
فَأَمَّا الْمَوْتُ: فَهُوَ مَوْتُ الْمُوَلِّي فلا يخلو المولى من ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ إِمَامًا عَامَّ الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وِلَايَاتُ الْقُضَاةِ وَإِنْ بَطَلَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وِكَالَةُ الْوَكِيلِ لِأَنَّ تَوْلِيَةَ الْإِمَامِ لِلْقَاضِي اسْتِنَابَةٌ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ الْمُسْتَنَابِ فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ.
قَدْ قَلَّدَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ قَضَاءَ مَكَّةَ وَصَدَقَاتِ أَهْلِهَا فَلَمَّا مَاتَ اخْتَبَأَ عَتَّابٌ وَامْتَنَعَ مِنَ الْقَضَاءِ فَأَظْهَرَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَقَالَ: إِنْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ بَاقُونَ، فَعَادَ عَتَّابٌ إِلَى نَظَرِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُوَلِّي قَاضِيَ نَاحِيَةٍ أَوْ صُقْعٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ فِيهِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ، فَيَكُونُ مَوْتُهُ مُبْطِلًا لِوِلَايَاتِ خُلَفَائِهِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَاصُّ النَّظَرِ خَاصُّ الْعَمَلِ فَخَالَفَ مَوْتُ الْإِمَامِ فِي عُمُومِ نَظَرِهِ وَعُمُومِ عَمَلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِمَامَ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْرَاكِ الْأَمْرِ فِي مَوْتِهِ بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُوَلِّي هُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ الْعَامُّ الْوِلَايَةِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ فَهُوَ عَامُّ الْعَمَلِ خَاصُّ النَّظَرِ.
فَعُمُومُ عَمَلِهِ: أَنَّهُ وَالٍ عَلَى الْبِلَادِ كُلِّهَا.
وَخُصُوصُ نَظَرِهِ: أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْقَضَاءِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَشَابَهَ الْإِمَامَ فِي عُمُومِ عَمِلِهِ، وَخَالَفَهُ فِي خُصُوصِ نَظَرِهِ.
فَفِي انْعِزَالِ الْقُضَاةِ بِمَوْتِهِ وجهان:
أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَزِلُونَ لِعُمُومِ نَظَرِهِ كَالْإِمَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَنْعَزِلُونَ بِمَوْتِهِ لِخُصُوصِ نَظَرِهِ كَقَاضِي إِقْلِيمٍ.
وَأَمَّا الْعَجْزُ: فَهُوَ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْقَاضِي عَجْزٌ يَمْنَعُهُ مِنَ النَّظَرِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا يُمْنَعُ مِنَ التَّقْلِيدِ كَالْعَمَى وَالْخَرَسِ فَقَدِ انْعَزَلَ بِحُدُوثِهِ فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّقْلِيدِ كَالزَّمَانَةِ فَلَا يَنْعَزِلُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَعْجَزُ بِهَا عَنِ النَّهْضَةِ وَلَا يَعْجَزُ بِهَا عَنِ الْحُكْمِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْمَرَضُ فَإِنْ أَعْجَزَهُ عَنِ النَّهْضَةِ وَلَمْ يُعْجِزْهُ عَنِ الْحُكْمِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِهِ وَإِنْ أَعْجَزَهُ عَنِ النَّهْضَةِ وَالْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ مَرْجُوُّ الزَّوَالِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ انْعَزَلَ بِهِ.
وَأَمَّا الْجَرْحُ: وَهُوَ الْفِسْقُ فَإِنْ حَدَثَ فِي الْمُوَلِّي كَانَ كَمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ، كَمَا يَنْعَزِلُ بِالْمَوْتِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُوَلِّي.
وَإِنْ حدث الفسق في القاضي المولى فإن استدامه مُصِرًّا عَلَيْهِ أُنْزِلَ بِهِ.
وَإِنْ حَدَثَ الْفِسْقُ في القاضي المولى فإن استدامه مصرا عليه انْعَزَلَ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ إِقْلَاعُهُ عَنْ نَدَمٍ وَتَوْبَةٍ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ فِسْقُهُ قَدْ ظَهَرَ قَبْلَ التَّوْبَةِ انْعَزَلَ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَتَّى تَابَ مِنْهُ لَمْ يَنْعَزِلْ بِهِ لِانْتِفَاءِ الْعِصْمَةِ عَنْهُ.
وَإِنَّ هَفَوَاتِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ مَقَالَةٌ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهَا إِلَّا مَنْ عُصِمَ.
وَإِذَا انْعَزَلَ بِالْفِسْقِ فَحَكَمَ فِي حَالِ انْعِزَالِهِ فَإِنْ كَانَ إِلْزَامًا بِإِقْرَارٍ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ حُكْمًا بِشَهَادَةٍ بَطَلَ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْحُكْمِ وَيُنْهِيَ حَالَهُ إِلَى الْإِمَامِ إِلَى مَنْ وَلَّاهُ مِنَ الْقَضَاءِ لِيُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَلَا يَغْتَرَّ بِهِ النَّاسُ إِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَتَقِفُ أَحْكَامُهُمْ إِنْ عَرَفُوهُ.
وَهُوَ فِي إِنْهَاءِ حَالِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُظْهِرَ الِاسْتِعْفَاء وَيَكْتُمَ حَالَهُ لِيَكُونَ حَافِظًا لِسَتْرِهِ، وَهُوَ أَوْلَاهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَ بِحَالِهِ وَسَبَبِ انْعِزَالِهِ، وَإِنْ كَرِهَ لَهُ هَتْكَ سِتْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ " وَإِنْ خَرَجَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَأْثَمِ الْإِمْسَاكِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حُكَمِهِ: فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا تَمَّمَهُ وَأَمْضَاهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَعَزْلِهِ، فَهُوَ عَلَى نَفَاذِهِ وَإِمْضَائِهِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ مَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ تَمَامِهِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَجُوزُ لِلثَّانِي أَنْ يَبْنِيَ عَلَى فِعْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَتِمَّ وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهُ وَهُوَ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَادَ وَلَا يُزَادُ.
مِثْلَ: حَدُّ الْقَذْفِ إِذَا عُزِلَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِهِ وَبَقَاءِ بَعْضِهِ فَيَجُوزُ لِلثَّانِي أَنْ يَبْنِيَ عَلَى فِعْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ بِهِمَا.
وَكَاللِّعَانِ إِذَا عُزِلَ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ أَوْ بَعْضِهِ وَقَبْلَ لِعَانِ الزَّوْجَةِ أَوْ بَعْضِهِ فَيَبْنِي الثَّانِي عَلَى حُكْمِ الْأَوَّلِ وَلَا يَسْتَأْنِفُهُ حَتَّى يَتِمَّ اللِّعَانُ بِهِمَا.
وَكَتَحَالُفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا فَيَعْزِلُ بَعْدَ يَمِينِ أَحَدِهِمَا وَقَبْلَ يَمِينِ الْآخَرِ، فَيَبْنِي الثَّانِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِحْلَافِ الْأَوَّلِ وَلَا يَسْتَأْنِفُ التَّحَالُفَ.
وَكَالْأَيْمَانِ فِي الْقِسَامَةِ إِذَا عُزِلَ وَقَدْ حَلَفَ الْمُقْسِمُ بَعْضَ الْأَيْمَانِ وَبَقِيَ بَعْضُهَا فَيَبْنِي الثَّانِي عَلَى إِحْلَافِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْأَيْمَانَ وَلَا يَسْتَأْنِفَهَا إِلَى نَظَائِرِ هَذَا.
وَهَذَا الْبِنَاءُ مُعْتَبَرٌ بِتَصَادُقِ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ إِنْ تَكَاذَبَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَسْتَأْنِفُهُ الثَّانِي وَلَا يَبْنِي عَلَى حُكْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ مُقْتَرِنًا بِالْحُكْمِ.
مِثْلَ حُكْمِهِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ بِإِعْسَارِ الزَّوْجِ وَلَا يَفْسَخُهُ حَتَّى يَعْزِلَ، فَلَيْسَ لِلثَّانِي فَسْخُهُ بِحُكْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ.
وَكَمَا لَوْ حَكَمَ بِبَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ ثُمَّ عُزِلَ قَبْلَ بَيْعِهِ لَمْ يَكُنْ لِلثَّانِي بَيْعُهُ بِحُكْم الْأَوَّل حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ بِهِ.
وَكَمَا لَوْ أَذِنَ لِوَلِّيِ يَتِيمٍ فِي بَيْعِ مَالِهِ فِي مَصَالِحِهِ فَلَمْ يَبِعْهُ الْوَلِيُّ، حَتَّى عُزِلَ، مُنِعَ مِنَ الْبَيْعِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الثَّانِي الْإِذْنَ فِيهِ.
وَكَمَا لَوْ حَكَمَ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ وَلَمْ يُسَلِّطِ الشَّفِيعُ عَلَى الْأَخْذِ حَتَّى عَزَلَ، فَلَيْسَ لِلثَّانِي تَسْلِيطُهُ بِحُكْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ بِالشُّفْعَةِ وَالتَّسْلِيطِ إِلَى نَظَائِرِ هَذَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُهُ فِي الْبِنَاءِ وَالِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ سَمَاعُ البينة، وله في العزل بعد سماعها ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَسْمَعَهَا وَلَا يَحْكُمَ بِقَبُولِهَا حَتَّى يَعْزِلَ فَلَا يَجُوزُ لِلثَّانِي أَنْ يَحْكُمَ بِقَبُولِهَا بِسَمَاعِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الشَّهَادَةَ.
فَإِنْ قِيلَ أَفَلَيْسَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ حَتَّى يَحْكُمَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ بِقَبُولِهَا وَإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بِمَا تَضَمَّنَهَا فَهَلَا كَانَ الثَّانِي بَعْدَ الأول بمثابته؟ .
قِيلَ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الثَّانِي قَادِرٌ عَلَى سَمَاعِهَا كَالْأَوَّلِ وَلَا يَقْدِرُ الْغَائِبُ عَلَى سَمَاعِهَا كَالْحَاضِرِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْزِلَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَبُولِهَا وَبَعْدَ إِلْزَامِ الْحَقِّ الَّذِي تَضَمَّنَهَا، فَعَلَى الثَّانِي إِذَا أَشْهَدَ الْأَوَّلُ عَلَى نَفْسِهِ بإلزام أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حُكْمِ الْأَوَّلِ فِي تَنْفِيذِ الْإِلْزَامِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْزِلَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَبُولِهَا وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِإِلْزَامِ مَا تَضَمَّنَهَا فَلَا تَخْلُو حَالُ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَحْيَاءً أَوْ مَوْتَى.
فَإِنْ كَانُوا أَحْيَاءً مَوْجُودِينَ، لَمْ يَكُنْ لِلثَّانِي أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حُكْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ سَمَاعَ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ تَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِشُهُودِ الْفَرْعِ.
وَإِنْ كَانُوا مَوْتَى أَوْ غَيْرَ مَوْجُودِينَ فِي الْأَحْيَاءِ جَازَ لِلثَّانِي أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حُكْمِ الْأَوَّلِ، فَيَحْكُمُ بِالْإِلْزَامِ بِحُكْمِ الْأَوَّلِ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْقُدْرَةِ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ يُبِيحُ الْحُكْمَ بِشُهُودِ الْفَرْعِ.
وَكَمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِلْزَامِ بِحُكْمِ الْكَاتِبِ بِالْقَبُولِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ حَكَمَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْبِرَ بِهِ فِي وِلَايَتِهِ فَقَوْلُهُ فِيهِ مَقْبُولٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ اسْتِدْلَالًا بأنه لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُنْكِرِ إِلَّا بِالشَّهَادَةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْمُنْكِرِ إِلَّا بِالشَّهَادَةِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ أَنْ يَحْكُمَ فِي وِلَايَتِهِ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِالْحُكْمِ فِي وِلَايَتِهِ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ فِعْلَ شَيْءٍ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ كَمَنْ مَلَكَ عِتْقَ عَبْدِهِ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِعِتْقِهِ.
فَأَمَّا اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ فَخَارِجٌ عَنْهَا لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةً وَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ وِلَايَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُخْبِرَ بَعْدَ عَزْلِهِ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ حَكَمَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا لَمْ يَقْبَلِ الْقَاضِي قَوْلَهُ وَحْدَهُ، حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْلِكِ الْحُكْمَ بَعْدَ عَزْلِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ بَعْدَ عَزْلِهِ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ أَقَرَّ الْمُطَلِّقُ بِرَجْعَةِ زَوْجَتِهِ فِي عِدَّتِهَا قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ عِدَّتِهَا، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهَا، وَلَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَلَمْ يَمْلِكِ الْإِقْرَارَ بِهَا.
وَلَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ قَبْلَ بَيْعِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَلَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عِتْقَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا يَمْلِكُ عِتْقَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ.
وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَمِرٌّ.
وَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ بَعْدَ الْعَزْلِ فَإِنْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ لَزِمَ بِالشَّهَادَةِ.
فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي شَاهِدًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ لِيَشْهَدَ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ انْقَسَمَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْهَدَ بِإِقْرَارِ مُقِرٍّ عِنْدَهُ، فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِإِقْرَارٍ، وَلَيْسَتْ بِحُكْمٍ وَلَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ إِلَى اسْتِرْعَاءٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ اسْتِرْعَاءٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ بحُكْمٍ أَمْضَاهُ عَلَيْهِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِيهِ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِيهِ وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً عَلَى فِعْلِهِ كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ.
وَهَذَا جَمْعٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مِنْ فِعْلِ الْوَلَدِ فَجَازَتْ شَهَادَتُهَا فِيهِ وَالْحُكْمُ مِنْ فِعْلِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّ حَاكِمًّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِكَذَا وَيُرْسِلَ ذِكْرَ الْحَاكِمِ بِهِ فَلَا يُعْزِيهِ إِلَى نَفْسِهِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تُقْبَلُ حَتَّى يُعْزِيَهُ إِلَى غَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحَاكِمُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقْبَلُ مَا لَمْ يعْزِه إِلَى نَفْسِهِ تَغْلِيبًا لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ.
( [مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ له القاضي] )
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَكُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَمَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ شَهَادَتُهُ رُدَّ حُكْمُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ فَمَرْدُودٌ كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَقْبُولٌ.
وَهَلْ يَكُونُ إِقْرَارًا أَوْ حُكْمًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ إِقْرَارًا، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ فِي كُلِّ مَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِ وَيُرَدُّ فِيمَا لَا
يَلْزَمُ بِالْإِقْرَارِ، كَشُفْعَةِ الْجِوَارِ إِذَا قَالَ: قَدْ حَكَمْتُ بِهَا عَلَى نَفْسِي لِلْجَارِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ حُكْمًا عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهَا بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ لَزِمَتْهُ، وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِمُقَاسَمَةِ الْإِخْوَةِ لِلْجَدِّ فِي الْمِيرَاثِ وَكَانَ جَدًّا نَفَذَ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ أَخًا لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ لَهَا.
فَأَمَّا حُكْمُهُ لِأَحَدٍ مِنْ وَالِدَيْهِ، وأن يعدوا، أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ مَوْلُودِيهِ وَإِنْ سَفُلُوا، فَمَرْدُودٌ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ جَوَازهُ.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ الشَّهَادَةِ لَهُمْ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الْحُكْمِ لَهُمْ.
فَأَمَّا حُكْمُهُ عَلَى وَالِدَيْهِ وَمَوْلُودَيْهِ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ جَازَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ.
فَأَمَّا مَنْ عَدَا طَرَفَيْهِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مِنْ أَقَارِبِهِ كَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ فَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ.
فَلَوْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِ وَلَدُهُ وَوَالِدُهُ فَحَكَمَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ لِوَالِدِهِ وولده.
والوجه الثاني: يجوز؛ لأنها قَدِ اسْتَوَيَا فِي الْبَعْضِيَّةِ فَانْتَفَتْ عَنْهُ تُهْمَةُ الْمُمَايَلَةِ فَصَارَ حَاكِمًا عَلَى وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ.
(فصل: استخلاف القاضي ولده أو والده) .
وَإِذَا أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي أَعْمَالِهِ وَالِدًا أَوْ وَلَدًا جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ لَهُمْ وَلَا يَحْكُمَ، إِذَا كَانُوا مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُمْ غَيْرُهُمْ لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَعْضِيَّةِ الَّتِي تُجْرِيهِمْ مَجْرَى نَفْسِهِ، فَحُكْمُهُ بِنَفْسِهِ جَائِزٌ فَجَازَ بِمَنْ هُوَ بَعْضُهُ، وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الْإِمَامُ فِي أَعْمَالِهِ مَنْ يَرَى مِنْ أَوْلَادِهِ.
وَخَالَفَ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ بِنَفْسِهِ، فَجَازَ أَنْ يقتضي من يجري بالقضية يجري نَفْسِهِ.
فَأَمَّا إِذَا رَدَّ الْإِمَامُ إِلَى الْقَاضِي اخْتِيَارَ قَاضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَالِدَهُ وَلَا وَلَدَهُ؛ لِأَنَّ رَدَّ الِاخْتِيَارِ إِلَيْهِ يَمْنَعُهُ مِنِ اخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فَمَنَعَهُ ذَلِكَ مِنِ اخْتِيَارِ ممَنْ يَجْرِي بِالْبَعْضِيَّةِ مَجْرَى نَفْسِهِ.
(فصل: محاكمة القاضي خصمه)
فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ مُحَاكَمَةَ خَصْمٍ جَازَ أَنْ يُحَاكِمَهُ إِلَى قُضَاتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ وُلَاةٌ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْهُ وِلَايَاتُهُمْ.
قَدْ حَاكَمَ عَلِيٌّ يَهُودِيًّا فِي دِرْعٍ إِلَى شُرَيْحٍ وَهُوَ قَاضِيهِ.
فَأَمَّا إِنْ حَاكَمَ الْإِمَامُ خَصْمَهُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ جَازَ، ثُمَّ نُظِرَ، فَإِنْ قَلَّدَهُ خُصُوصَ هَذَا النَّظَرِ صَارَ قَاضِيًا خَاصًّا قَبْلَ التَّرَافُعِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ رِضَا الْخَصْمِ، وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْهُ النَّظَرُ قَبْلَ التَّرَافُعِ اعْتُبِرَ فِيهِ رِضَا الْخَصْمِ.
فَأَمَّا الْقَاضِي إِذَا أَرَادَ مُحَاكَمَةَ خَصْمٍ لَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ، جَازَ أَنْ يُحَاكِمَهُ إِلَى الْإِمَامِ أَوْ إِلَى مَنْ يَرُدُّ إِلَيْهِ الْإِمَامُ الْحُكْمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ.
وَإِنْ بَعُدَ عَنْ بَلَدِ الْإِمَامِ وَعَنْ بَلَدٍ فِيهِ قَاضٍ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ وَأَرَادَ أَنْ يُحَاكِمَ خَصْمَهُ إِلَى خَلِيفَتِهِ، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَمَا لِلْإِمَامِ مُحَاكَمَةُ خَصْمِهِ إِلَى خَلِيفَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ الْقُضَاةِ خُلَفَاءُ الْإِمَامِ وَلَيْسَ كل القضاء خُلَفَاءَ هَذَا الْقَاضِي، فَجَازَ لِلْإِمَامِ مَا لَمْ يجز لهذا القاضي والله أعلم.
.
بسم الله الرحمن الرحيم (الشهادات في البيوع)
(مختصر من الجامع من اختلاف الحكام والشهادات ومن أحكام القرآن ومن مسائل شتى سمعتها منه لفظا)
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فَاحْتَمَلَ أَمْرُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا تَرْكُهُ وَالَآخَرُ حَتْمًا يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ بِتَرْكِهِ فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في آية الدين والدين تبايع بالإشهاد وقال فيها ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانته﴾ دل على أن الأولى دلالة على الحظ لما في الإشهاد من منع التظالم بالجحود أو بالنسيان ولما في ذلك من براءات الذمم بعد الموت لا غير وكل أمر ندب الله إليه فهو الخير الذي لا يعتاض منه من تركه وقد حفظ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه بايع أعرابيا فرسا فجحده بأمر بعض المنافقين ولم يكن بينهما إشهاد فلو كان حتما ما تركه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الشَّهَادَةُ، فَهِيَ إِحْدَى الْوَثَائِقِ فِي الْحُقُوقِ وَالْعُقُودِ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الرَّهْنِ وَالضَّمَانِ لِجَوَازِهَا فِيمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الرَّهْنُ وَالضَّمَانُ، وَنَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا احْتِيَاطًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: 282] ، وقال تعالى: ﴿فاستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةِ وَمَنْ يَكْتُمْهَا، فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] .
فَدَلَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ عَلَى الْأَمْرِ بِالشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ، وَدَلَّ مَا تَأَخَّرَ مِنَ الْآيَتَيْنِ عَلَى وُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَى الشُّهُودِ، فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا.
وَمَا يُشْهَدُ فِيهِ ضَرْبَانِ: حُقُوقٌ وَعُقُودٌ.
فَأَمَّا الْحُقُوقُ فَالشَّهَادَةُ فِيهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لِحِفْظِهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فِي الْعُقُودِ، فَالشَّهَادَةُ فِيهَا تَنْقَسِمُ ثلاثة أقسام:
أحدهما: مَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ وَاجِبَةً فِيهِ، وَشَرْطًا فِي صِحَّتِهِ، وَهِيَ عُقُودُ الْمَنَاكِحِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كتاب النكاح.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ وَثِيقَةً، وَلَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ عَقْدِهِ كَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْقِرَاضِ وَالْوَكَالَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِي وُجُوبِهَا فِيهِ، وَهُوَ عُقُودُ الْبِيَاعَاتِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْبَيْعِ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَدَاوُدُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْبَيْعِ وَاجِبَةٌ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وَهَذَا أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمُ رَجُلٌ أَتَى السَّفِيهَ مَالَهُ، فَهُوَ يَدْعُو عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] ، وَرَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ، فَهُوَ يَدْعُو عَلَيْهَا لِلْخَلَاصِ مِنْهَا وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ طَلَاقَهَا، وَرَجُلٌ بَاعَ بَيْعًا فَلَمْ يُشْهِدْ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الشَّهَادَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَدَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] وَالدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا فِي البيوع، والكتاب يكون للشهادة، ثم قال ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْبَيْعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِرْشَادِ وَالِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْحَتْمِ وَالْوُجُوبِ.
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: تَخَلَّفْتُ عَنِ النَّاسِ فِي السَّيْرِ، فلحقني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " بِعْنِي جَمَلَكَ وَأَسْتَثْنِي لَكَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: فَبِعْتُهُ مِنْهُ " فَدَلَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ابْتَاعَ مِنْ أَعْرَابِيٍّ شَيْئًا فَاسْتَتْبَعَهُ لِيَقْضِيَهُ الثَّمَنَ فَلَمَّا رَآهُ الْمُشْرِكُونَ فَطَفِقُوا وَطَلَبُوهُ بِأَكْثَرَ، فَقَالَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " قَدِ ابْتَعْتُهُ فَجَحَدَهُ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ لِي، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ لَكَ.
قَالَ: بِمَ تَشْهَدُ، وَلَمْ تَحْضُرْ، فَقَالَ: نُصَدِّقُكَ عَلَى أَخْبَارِ السَّمَاءِ وَلَا نُصَدِّقُكَ عَلَى أَخْبَارِ الْأَرْضِ؟ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذا
الشَّهَادَتَيْنِ " فَلَوْ وَجَبَتِ الشَّهَادَةُ فِي الْبَيْعِ لَمَا تَرَكَهَا فِي ابْتِيَاعِهِ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ " فَذَكَرَ شُرُوطَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّهَادَةَ.
وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ فِي الْبَيْعِ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ كَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ معارضة مَحْضَةٍ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الشَّهَادَةُ كَالْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّ مَا صَحَّ فِيهِ الْإِبَاحَةُ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الشَّهَادَةُ كَبَيْعِ الشَّيْءِ التَّافِهِ، وَلِأَنَّ مَا قُصِدَ بِهِ تَمْلِيكُ الْمَالِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الشَّهَادَةُ كَالْهِبَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَمْرَهُ بِهَا بَعْدَ الْبَيْعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: مَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَنْهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ وَلَيْسَ بِمُتَّصِلٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ مَا قَرَّرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
(بَابُ عِدَّةِ الشُّهُودِ وَحَيْثُ لَا يَجُوزُ فِيهِ النساء وَحَيْثُ يَجُوزُ وَحُكْمِ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ)
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَدَلَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِقَوْلِهِ ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء﴾ وقال سعد يا رسول الله أرأيت لو وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بأربعة شهداء؟ فقال " نعم ": وجلد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثلاثة لما لم يقم الرابع وقال الله جل ثناؤه في الإمساك والفراق ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فانتهى إلى شاهدين ودل على ما دل قبله من نفي أن يجوز فيه إلا رجال لا نساء معهم لأنه لا يحتمل إلا أن يكونا رجلين وقال الله جل ثناؤه في آية الدين ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ ولم يذكر في شهود الزنا ولا الفراق ولا الرجعة امرأة ووجدنا شهود الزنا يشهدون على حد لا مال والطلاق والرجعة تحريم بعد تحليل وتثبيت تحليل لا مال والوصية إلى الموصى إليه قيام بما أوصي به إليه لا أن له مالا ولا أعلم أحدا من أهل العلم خالف في أنه لا يجوز في الزنا إلا الرجال وأكثرهم قال ولا في الطلاق ولا في الرجعة إذا تناكر الزوجان وقالوا ذلك في الوصية فكان ذلك كالدلالة على ظاهر القرآن وكان أولى الأمور بأن يصار إليه ويقاس عليه والدين مال فما أخذ به المشهود له مالا جازت فيه شهادة النساء مع الرجال وما عدا ذلك فلا يجوز فيه إلا الرجال (قال الشافعي) رحمه الله: وفي قول الله تبارك وتعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ وقال: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ دلالة على أن لا تجوز شهادة النساء حيث يجزن إلا مع الرجل ولا يجوز منهن إلا امرأتان فصاعدا وأصل النساء أنه قصر بهن عن أشياء بلغها الرجال أنهم جعلوا قوامين عليهن وحكاما ومجاهدين وأن لهم السهمان من الغنيمة دونهن وغير ذلك فالأصل أن لا يجزن فإذا أجزن في موضع لم يعد بهن ذلك الموضع وكيف أجازهن محمد بن الحسن في الطلاق والعتاق وردهن في الحدود (قال الشافعي) رحمه الله: وفي إجماعهم على أن لا يجزن على الزنا ولم يستنبن في الإعواز من الأربعة دليل
على أن لا يجزن في الوصية إذ لم يستنبن في الإعواز من شاهدين ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الشَّهَادَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ الْعَدَدُ وَالْجِنْسُ وَالْعَدَالَةُ فَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَمُعْتَبَرَةٌ فِي كُلِّ شَهَادَةٍ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ بِحَالٍ، وَأَمَّا الْعَدَدُ وَالْجِنْسُ فَيُعْتَبَرَانِ بِالْمَشْهُودِ فِيهِ وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ لَا امْرَأَةَ فِيهِمْ، وَهُوَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْبَهَائِمِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية.
وقال تعالى: ﴿ولولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: " نَعَمْ " شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا أَبُو بَكْرَةَ، وَنَافِعٌ وَنُفَيْعٌ وَتَوَقَّفَ زِيَادٌ عَنْ إِكْمَالِ الشَّهَادَةِ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ، وَلَمْ يَرْجُمِ الْمُغِيرَةَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانِ لَا امْرَأَةَ فِيهِمَا، وَهُوَ مَا سِوَى الزِّنَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَحَدِّ الْحِرَابَةِ، وَالْجَلْدِ فِي الْخَمْرِ وَالْقَتْلِ فِي الرِّدَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ جمهور الفقهاء.
وقال الحسن البصري: كلما أَوْجَبَ الْقَتْلَ لَا أَقْبَلُ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الزِّنَا مُخْتَلِفٌ فَبَعْضُهُ يُوجِبُ الرَّجْمَ، وَبَعْضُهُ يُوجِبُ الْجَلْدَ، وَالشَّهَادَةُ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُخَالِفَ مَا عَدَاهُ فِيمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ، وَلَا يُوجِبُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ فِيهِ وَاحِدَةً، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ مَقْبُولَةٌ كَالْأَمْوَالِ، وَهَذَا فَاسِدٌ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ، وَلِأَنَّ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَكَانَتِ الشَّهَادَةُ فِيهَا أَغْلَظَ مِنَ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِهَا مِمَّا لَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كَمَا أَنَّ الزِّنَا لَمَّا كَانَ أَغْلَظَ مِنَ السَّرِقَةِ لِتَعَدِّيهِ إِلَى اثْنَيْنِ وَاخْتِصَاصِهِ بإسقاط نسب الوالد كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ أَغْلَظَ مِنْهَا فِيمَا عَدَاهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ عَدَدُ الشَّهَادَةِ فِيهِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا، وَفِيهِ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ لَا امْرَأَةَ فِيهِمْ، لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِحَدِّ الزِّنَا كَالشَّهَادَةِ عَلَى فِعْلِ الزِّنَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ فَأَشْبَهَ الْإِقْرَارُ بِمَا عَدَاهُ.
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ تَخْتَلِفُ فِي الْجِنْسِ وَالْعَدَدِ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ أَوْسَعُهَا، وَهُوَ مَا يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانِ وَشَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ، وَهُوَ الْمَالُ وَمَا كَانَ مَقْصُودُهُ الْمَالَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: مَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَهُوَ الْوِلَادَةُ وَالِاسْتِهْلَالُ وَالرَّضَاعُ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ مِنَ الْعُيُوبِ الْمَسْتُورَةِ بِالْعَوْرَةِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْوِلَادَةِ قَبُولَ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا، وَالْكَلَامُ مَعَهُ يَأْتِي.
فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ قُبِلَ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ أَغْلَظُ، وَلَا يُقْبَلُ فيه شاهد ويمين.
والقسم الثاني: مَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِحَالٍ، وَهُوَ كُلُّ مَا لم يكن حالا وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْقِصَاصِ، وَالْقَذْفِ، وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَعَقْدِ الْوِكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَلَا يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: أَقْبَلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إِلَّا فِي الْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ حَقٍّ إِلَّا مَا خَصَّهُ دَلِيلٌ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ حَتَّى يَثْبُتَ مَعَ الشُّبْهَةِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَالْأَمْوَالِ.
وَدَلِيلُنَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا سِوَى الْأَمْوَالِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَقَالَ فِي الْوَصِيَّةِ: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 106] فَنَصَّ عَلَى شَهَادَةِ الرِّجَالِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَالزِّنَا.
فَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عَقِيلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا، فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمْ، لِأَنَّ المراسيل حجة عندهم، ولأن كلما لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ إِذَا لَمْ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَمْ يُقْبَلْنَ فِيهِ مَعَ الرِّجَالِ، كَالْقِصَاصِ.
وَإِنِ اعْتَرَضُوا بِالْوِكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ الْمَالَ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، فَهَلَّا جَازَ إِثْبَاتُهُمَا بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟
قِيلَ: لَيْسَ فِي عَقْدِ الْوِكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ مَالٌ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَوْلِيَةٌ أُقِيمَ الرَّجُلُ فِيهَا مَقَامَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ ضَرْبَانِ: حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، فَلَمَّا وَقَعَ الْفَرْقُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا فِي الْعَدَدِ.
فَأَعْلَاهَا الزِّنَا، وَأَدْنَاهَا الْخَمْرُ، وَجَبَ أَنْ يَقَعَ الْفَرْقُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بَيْنَ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا فِي الْجِنْسِ فَأَعْلَاهَا، حُقُوقُ الْأَبْدَانِ، وَأَدْنَاهَا، حُقُوقُ الْأَمْوَالِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ، فَهُوَ أَنَّهَا نَصٌّ فِي الْأَمْوَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمَالُ الْعُمُومِ فِيهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهَا وَالْإِبَاحَةُ لَهَا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا، وَاخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الصَّدَاقِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي النِّكَاحِ سُمِعَ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي النِّكَاحِ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ مَالٌ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ، وَيَصِحُّ انْفِرَادُ هَذَا بِهِ.
وَلَوِ ادَّعَتِ الزَّوْجَةُ الْخُلْعَ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَلَوِ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ، وَأَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ سُمِعَ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إِنَّ بَيِّنَةَ الزَّوْجَةِ لِإِثْبَاتِ الطَّلَاقِ، وَبَيِّنَةَ الزوج لإثبات المال.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِنْ شَهِدَتِ امْرَأَتَانِ لِرَجُلٍ بمال حلف معهن وَلَقَدْ خَالَفَهُ عَدَدٌ أَحْفَظُ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهَذَا إِجَازَةُ النِّسَاءِ بِغَيْرِ رَجُلٍ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ أَرْبَعًا فَيُعْطِيَ بِهِنَّ حَقًّا فإن قال إنهما مع يمين رجل فيلزمه أن لا يجيزهما مع يمين امرأة والحكم فيهما واحد (قال الشافعي) رحمه الله: وكان القتل والجراح وشرب الخمر والقذف مما لم يذكر فيه عدد الشهود فكان ذلك قياسا على شاهدي الطلاق وغيره مما وصفت ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا أَرَادَ بِهِ مَالِكًا لِأَنَّهُ يُوافِقُ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْأَمْوَالِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ ثُمَّ تَجَاوَزَ مَالِكٌ، فَقَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الشَّافِعِيُّ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَامَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ مَقَامَ شَهَادَةِ رَجُلٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] ثُمَّ ثَبَتَ جَوَازُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ بِالْمَرْأَتَيْنِ وَالْيَمِينِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282] وفي قوله (فتذكر) قراءاتان:
إِحْدَاهُمَا: بِالتَّشْدِيدِ مِنَ النِّسْيَانِ.
وَالثَّانِيَةُ: بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: يَكُونَانِ كَالذَّكَرِ، فَيَكُونُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ نَصًّا، وَبَالْأُولَى تَنْبِيهًا.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ شَهَادَةَ الرَّجُلَيْنِ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّجُلَيْنِ مَقْبُولَةٌ فِي الْحُدُودِ وَالْأَمْوَالِ، وَشَهَادَةَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ مَرْدُودَةٌ فِي الْحُدُودِ، وَإِنْ قُبِلَتْ فِي الْأَمْوَالِ، وَالْحُكْمُ بِالْيَمِينِ أَضْعَفُ مِنَ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ لِتَقَدُّمِهَا عَلَى الْيَمِينِ، فَحَكَمْنَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ لِاجْتِمَاعِ قَوِيٍّ مَعَ ضَعِيفٍ كَمَا حَكَمْنَا بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَمْ نَحْكُمْ بَامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ لِاجْتِمَاعِ ضَعِيفٍ مَعَ ضَعِيفٍ، وَكَمَا لَمْ نَحْكُمْ فِي الْأَمْوَالِ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّمَا أُعْطَى مَعَ يَمِينِ رَجُلٍ.
قِيلَ: فَيَلْزَمُكَ أَنْ لَا تُعْطِيَ مَعَ يَمِينِ امْرَأَةٍ وَأَنْتَ تُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْيَمِينِ وَفِي هذا انفصال عن استدلاله.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: (قال) " ولا يحل حُكْمُ الْحَاكِمِ الْأُمُورَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ يَقْضِي بِالظَّاهِرِ وَيَتَوَلَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّرَائِرَ فَقَالَ: " مَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قطعة من النار " فلو
شهدا بزور أن رجلا طلق امرأته ثلاثا ففرق الحاكم بينهما كانت له حلالا غير أنا نكره أن يطأها فيحدا ويلزم من زعم أن فرقته فرقة تحرم بها على الزوج ويحل لأحد الشاهدين أن يتزوجها فيما بينه وبين الله عز وجل أن يقول لو شهدا له بزور أن هذا قتل ابنه عمدا فأباح له الحاكم دمه أن يريق دمه ويحل له فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا حُكِمَ الْحَاكِمُ لِطَالِبِ حَقٍّ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فَإِنْ كَانَا صَادِقَيْنِ كَانَ حُكْمُهُ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَا كَاذِبَيْنِ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا فِي الظَّاهِرِ وَبَاطِلًا فِي الْبَاطِنِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَسْتَبِيحَ مَا حَكَمَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَالًا أَوْ فَرْجًا أَوْ قَتْلًا، وَهَكَذَا لَوْ طُولِبَ بِمَالٍ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ كَالْوَدَائِعِ، وَالشِّرَكِ، وَالْمُضَارَبَاتِ، فَأَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ إِنْكَارِهِ وَإِنْ كان صادقا برىء في الظاهر والباطن، وإن كان كاذبا برىء فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، وَلَمْ يَسْتَبِحْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحِيلُ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْأُمُورَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْفُرُوجِ دُونَ الْقَتْلِ وَالْأَمْوَالِ حَتَّى قَالَ فِي شاهدين زُورٍ شَهِدَا لِرَجُلٍ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ حَلَّ لَهُ إِصَابَتُهَا وَوَرِثَهَا: إِنْ مَاتَتْ وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ الشَّاهِدَيْنِ.
وَقَالَ: لَوْ شَهِدَا بِزُورٍ عَلَى رَجُلٍ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ، وَحَلَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الزُّورِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَقَالَ فِي شَاهِدَيْ زُورٍ شَهِدَا لِرَجُلٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ بِنْتُهُ ثَبَتَ نَسَبُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَصَارَ مَحْرَمًا لَهَا وَوَرِثَهَا إِنْ مَاتَتْ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَجَحَدَتْهُ فَشَهِدَ لَهُ بِنِكَاحِهَا شَاهِدَانِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي.
فَاعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا أَحِلَّ بِهِ لَهُ فَقَالَ: شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ.
أَيْ: جَعَلَاكِ زَوْجَتَهُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ مَا لَزِمَ بِهِ الْحُكْمُ أَنْفَذُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَشَاهِدَيِ الصِّدْقِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَنْفُذُ مَعَ ظُهُورِ الصِّدْقِ، فَجَازَ أَنْ يُنْفَذَ مَعَ ظُهُورِ الْكَذِبِ كَاللِّعَانِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إِذَا نَفَذَ بَاجْتِهَادِهِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ نُفِّذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، كَتَوْرِيثِ الْجَدِّ جَمِيعَ الْمَالِ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَكَانْقِطَاعِ الْفُرْقَةِ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَجَازَ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِذَلِكَ، وَإِنِ اعْتَقَدَ خِلَافَهُ كَذَلِكَ فِي الْمَحْكُومِ لَهُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِهِمَا فِي الْحَالَيْنِ.
وَدَلِيلُنَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: 188] الْآيَةَ.
وَفِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ دلائل كالنصوص فقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِالظُّلْمِ.
وَالثَّانِي: بِالْحَرَامِ.
وَلَا يَنْفَكُّ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ مِنْهَا.
وَفِي قَوْله تعالى: ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَتَتَرَافَعُوا فِيهَا إِلَى الْحُكَّامِ.
وَالثَّانِي: وَتَحْتَجُّوا بِهَا عِنْدَ الْحُكَّامِ.
وَهَذِهِ صِفَةُ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالزُّورِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ أي: أموال فريق من الناس.
﴿بالإثم﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَهَذَا نَصٌّ.
وَالثَّانِي: بِالْجُحُودِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّصِّ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِمَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ " وَهَذَا نَصٌّ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْضِي بِالظَّاهِرِ، وَأَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي الْبَاطِنِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا.
وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرُفِعَ الْقَاتِلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَدَفَعَهُ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ
الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْوَلِيِّ: " أَمَا إِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَتَلْتَهُ دخلت النار " سَبِيلَهُ فَخَرَجَ يَجُرُّ نَسْعَتَهُ فَسُمِّيَ ذَا النَّسْعَةِ.
فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد إذنه في قتله أخبر أنه كان صادقا، فأحرم قَتْلَهُ، فَدَلَّ عَلَى نُفُوذِ الْحُكْمِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ
وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ فَهُوَ أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ أَفْسَدُ مِنْ شَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ، وَحُكْمُ الْأَمْوَالِ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْفُرُوجِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْفُذِ الْحُكْمُ فِي الْبَاطِنِ بِشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ كان أولى أن لا تنفذ في الفروج بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَلَمَّا لَمْ يَنْفُذْ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فِي الْأَمْوَالِ كَانَ أُولَى أَنْ لَا تَنْفُذَ فِي الْفُرُوجِ، وَيَتَحَرَّرُ مِنِ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ لَا يَنْفُذُ بِهَا حُكْمُ الْبَاطِنِ فِي الْأَمْوَالِ لَمْ يَنْفُذْ فِي الْفُرُوجِ قِيَاسًا عَلَى شَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ.
وَالْقِيَاسُ الثَّانِي: إِنَّ كُلَّ حُكْمٍ لَا يَنْفُذُ فِي الْبَاطِنِ بِشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ لَمْ يَنْفُذْ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ فِي الْأَمْوَالِ.
فَإِنْ قَالُوا: الْأَمْوَالُ لَا مَدْخَلَ لِلْحُكَّامِ فِي نَقْلِهَا، وَلَهُمْ مَدْخَلٌ فِي نَقْلِ الْفُرُوجِ بِتَزْوِيجِ الْأَيَامَى، وَوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالْعُنَّةِ وَالْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ، فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ.
وَالْعَبْدُ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَشَاهِدُ الزُّورِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
قِيلَ: الْجَوَابُ عن فرقة بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ لَهُ فِي نَقْلِ الْأَمْوَالِ وِلَايَةً كَالْفُرُوجِ: لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُبِيحَ عَلَى الصَّغِيرِ مَالَهُ لِحَاجَتِهِ وَعَلَى الْمُفْلِسِ مَالَهُ لِحَاجَةِ غُرَمَائِهِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ فِي نَقْلِ الْفُرُوجِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ فِي نَقْلِ الْأَمْوَالِ، لِأَنَّهُ لَا يُزَوِّجُ، وَلَا يَفْسِخُ إِلَّا بِاخْتِيَارٍ، وَلَوْ مَلَكَ الْوَلَايَةَ لَنَقَلَهَا بِالِاخْتِيَارِ.
وَعَنْ فَرْقِهِ بَيْنَ شَهَادَةِ الزُّورِ وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَمَّا اسْتَوَيَا فِي إِبْطَالِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِمَا قَبْلَ الْحُكْمِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِيهِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ سَمِعَ شَهَادَةَ الزُّورِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بُزُورٍ، كَمَا يَسْمَعُ شَهَادَةَ الْعَبْدِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَبْدٍ، فَلَمَّا كَانَ خَطَؤُهُ فِي الْعَبْدِ مُبْطِلًا لِحُكْمِهِ فِي الْحَالَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَطَؤُهُ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ مُبْطِلًا لِحُكْمِهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فَاسِقًا وَحُكْمُهُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ مَرْدُودٌ فِي الْحَالَيْنِ نَصًّا، وَرَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ فِي الْحَالَيْنِ اجْتِهَادًا، ثُمَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ إِنَّ الْحُكْمَ يَبْطُلُ بِفَسَادِ الشَّهَادَةِ كَمَا يَبْطُلُ إِذَا خَالَفَ بِاجْتِهَادِهِ نصا، فلما كان فساده مخالفة النَّصِّ يَبْطُلُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فساد بِشَهَادَةٍ مُوجِبًا لِإِبْطَالِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
فَإِنْ قِيلَ: مَا خَالَفَ النَّصَّ لَا يَكُونُ حُكْمًا.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ مَا أَمْضَاهُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ لَا يَكُونُ حُكْمًا، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِشَهَادَةِ زُورٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَالْحُكْمِ بِالْقِصَاصِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ: شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ، فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّهُ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَكَانَ أَسْوَأَ حَالًا مِمَّا ضعف إسناده.
والثاني: أنه لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَ الشُّهُودِ، فَلَمْ يُبْطِلْ شَهَادَتَهُمْ، وَالْخِلَافُ إِذَا عَلِمَهَا.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُمْ لَا يَحْمِلُونَهُ عَلَى قَوْلِهِ: شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ، لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْحَاكِمَ مُزَوِّجًا لَهَا دُونَ الشَّاهِدِ، وَقَدْ كَانَ شُرَيْحٌ يَقْضِي فِي أَيَّامِ عَلِيٍّ، فَإِذَا حَكَمَ لِرَجُلٍ بِشَاهِدَيْنِ، قَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِنَّ حُكْمِي لَا يُبِيحُ لَكَ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْكَ، وَلَوْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ فِيهِ لَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى شَهَادَةِ الصِّدْقِ فَهُوَ اسْتِحَالَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِالْقَبُولِ؛ لِقَبُولِ الصِّدْقِ وَرَدِّ الْكَذِبِ وَنُفُوذِ الْحُكْمِ فِي الظَّاهِرِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْجَهْلِ بِالْكَذِبِ، وَلَوْ عَلِمَ لَمَا نَفَذَ فِي الظَّاهِرِ كَمَا لَمْ يَنْفُذْ فِي الْبَاطِنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى اللِّعَانِ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَنْفُذْ بِالْكَذِبِ، وَإِنَّمَا نَفَذَ بِاللِّعَانِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ اللِّعَانَ اسْتِئْنَافُ فُرْقَةٍ وَالْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، إِنَّمَا هُوَ تَنْفِيذٌ لِفُرْقَةٍ سَابِقَةٍ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَمْ يَصِحَّ تَنْفِيذُ مَعْدُومٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ أَنْ لَيْسَ فِي الْبَاطِنِ مَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ، فَلِذَلِكَ نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَخَالَفَ شَهَادَةَ الزُّورِ الَّتِي تُخَالَفُ الظَّاهِرُ فِيهَا الْبَاطِنَ، فَلِذَلِكَ نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، وَسَنَشْرَحُ مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ مَا يَسْتَقِرُّ بِهِ حكمه.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الظَّاهِرِ لَا يُحِيلُ الْأُمُورَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ انْقَسَمَتْ أَحْكَامُهُ سِتَّةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُحْكَمَ بِشَهَادَةِ صِدْقٍ أَوْ يَمِينِ صِدْقٍ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ، فَحُكْمُهُ نَافِذٌ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَعَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ فِيمَا كَانَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلِلْمَحْكُومِ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُحْكَمَ بِشَهَادَةِ زُورٍ أَوْ يَمِينٍ كَاذِبَةٍ فِيمَا لَا تختلف فيه مذاهب الفقهاء، كشاهدين زُورٍ شَهِدَا لِرَجُلٍ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ مُنْكِرَةٍ، فَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِنِكَاحِهَا، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَحَرَامٌ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ، وَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ فِي الْبَاطِنِ، وَلَيْسَ لَهَا نِكَاحُهُ فِي الظَّاهِرِ.
وَلَوْ طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا، وَأَنْكَرَهَا، وَحَاكَمَتْهُ فَأَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ لَهَا حَلَّتْ لَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ، وَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ فِي الْبَاطِنِ، وَمُنِعَتْ مِنَ التَّزْوِيجِ بِغَيْرِهِ فِي الظَّاهِرِ ثَمَّ عَلَى هَذَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُحْكَمَ بِمَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ لِبَاطِنِهِ، وَلَا تَنْبَرِمُ عَلَانِيَتُهُ بَعْدَ حُكْمِهِ كَرَجُلٍ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى رَجُلٍ وَجَحَدَهُ الْمُشْتَرِي، وَحَاكَمَهُ، فَأَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهَا وَعَادَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى بَائِعِهَا، فَالْأَوْلَى لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْمِلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى الِاسْتِقَالَةِ، وَيَحْمِلَ الْبَائِعَ عَلَى الْإِقَالَةِ؛ لِتَحِلَّ لِبَائِعِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ فَعَلَ، فَلَمْ يُجِبِ الْمُشْتَرِي إِلَى الِاسْتِقَالَةِ وَلَا الْبَائِعُ إِلَى الْإِقَالَةِ، فَفِيهَا لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَعُودَ إِلَى الْبَائِعِ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي لِيَبِيعَهَا، فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَمَا بَاعَهَا بِهِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ لَزِمَهُ رَدُّهَا، وَمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا كَانَ حَقًّا لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْبَاطِنَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الْجَحُودَ يَجْرِي مَجْرَى الرَّدِّ بِالْإِقَالَةِ، فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ إِعَادَتَهَا إِلَى مِلْكِهِ أَظْهَرَ الْإِقَالَةَ، وَحَكَمَ لَهُ بَعْدَ إِظْهَارِهَا، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ إِعَادَتَهَا إِلَى مِلْكِهِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ، وَكَانَتْ فِي يَدِهِ لِيَسْتَوْفِيَ بِبَيْعِهَا مَالَهُ مِنْ ثَمَنِهَا، وَفِي جَوَازِ تَفَرُّدِهِ بِبَيْعِهَا وَجْهَانِ:
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْجُحُودَ يَجْرِي مَجْرَى الْفَلَسِ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَى الثَّمَنِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا قَالَ، قَدِ اخْتَرْتُ عَيْنَ مَالِي بِاسْتِرْجَاعِهَا، وَفِي جَوَازِ تَفَرُّدِهِ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ وَجْهَانِ، ثُمَّ هِيَ حَلَالٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ لِلْمُشْتَرِي يَسْتَوْفِي ثَمَنَهَا مِنْ بَيْعِهَا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْكُمَ بِمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أضرب:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ بِأَقْوَى الْمَذْهَبَيْنِ أَصْلًا، فَحُكْمُهُ نَافِذٌ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَحْكُمَ بِأَضْعَفِ الْمَذْهَبَيْنِ أَصْلًا مِمَّا يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الْقُضَاةِ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَهَلْ يَفْتَقِرُ بُطْلَانُهُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ لَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْكُمَ فِيمَا يَحْتَمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ أَنْ يَنْقُضَهُ عَلَيْهِ، فَحُكْمُهُ نَافِذٌ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ لَهُ وَعَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ كَانَ لَازِمًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَمُبَاحًا لِلْمَحْكُومِ لَهُ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ كَانَ لَازِمًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي إِبَاحَتِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ إِذَا خَالَفَ مُعْتَقَدَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَبِيحُهُ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْتَبِيحُهُ فِي الْبَاطِنِ وَإِنِ اسْتَبَاحَهُ فِي الظَّاهِرِ لِاعْتِقَادِهِ بِحَظْرِهِ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: الْحُكْمُ فِي الْمَنَاكِحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَنَحْوِهِ، فَلِلزَّوْجَيْنِ فِيهَا حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: فِي عَقْدِهِ.
وَالثَّانِي: فِي حِلِّهِ.
فَأَمَّا حَالُ الْعَقْدِ، فَلِلزَّوْجَيْنِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَيَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَا بِالْعَقْدِ بِاجْتِهَادِهِمَا مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَلَا اسْتِفْتَاءِ مُجْتَهِدٍ، وَإِنْ كَانَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَفِي جَوَازِ انْفِرَادِهِمَا بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادِ حَاكِمٍ وَاسْتِفْتَاءِ مُجْتَهِدٍ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ مَا لَمْ يَمْنَعْهُمَا ذُو حُكْمٍ لِمَا فِي الِاجْتِهَادِ مِنْ إِبَاحَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا ذُو حُكْمٍ لِمَا فِي الِاجْتِهَادِ مِنْ حَظْرِهِ.
فَأَمَّا حَالُ الرَّفْعِ وَالْحِلِّ، فَلَهُمَا حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَخْتَلِفَ الزَّوْجَانِ فِيهِ فَلَا يَرْتَفِعُ، وَيَنْحَلُّ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ فَلَهُمَا حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِأَنْفُسِهِمَا، وَنُظِرَ: فَإِنْ زَوَّجَهُمَا حَاكِمٌ لَمْ يَرْتَفِعْ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ وَإِنْ تَزَوَّجَا بِاسْتِفْتَاءِ ففيه مُجْتَهِدٍ، فَفِيمَا يَرْتَفِعُ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ بِاسْتِفْتَاءِ مُجْتَهِدٍ اعْتِبَارًا بِعَقْدِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ لِتَجَاوُزِهِ إِلَى مَنْ يَعْقِدُ النِّكَاحَ مِنْ بَعْدِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَفِيمَا يَرْتَفِعُ بِهِ الْعَقْدُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ بِاجْتِهَادِهِمَا اعْتِبَارًا بِعَقْدِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، لِتَجَاوُزِهِمَا إِلَى مَنْ يَعْقِدُ النِّكَاحَ مِنْ بَعْدِهِ.
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: مَا وَقَفَتِ اسْتِبَاحَتُهُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِعُنَّةِ الزَّوْجِ وَإِعْسَارِهِ بِالنَّفَقَةِ، فَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِالْعُنَّةِ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِتَأْجِيلِ الزَّوْجِ سَنَةً، ثُمَّ يَحْكُمُ بِعُنَّتِهِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، فَإِذَا حَكَمَ بِالْعُنَّةِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، فَفِي الْفَسْخِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: إِنَّهُ لَا يَقَعُ الْفَسْخُ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ كَمَا لَمْ تَثْبُتِ الْعُنَّةُ إِلَّا بِحُكْمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ تَنْفَرِدَ الزَّوْجَةُ بِالْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ بِالْعُنَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا الْفَسْخُ بِإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِجَوَازِ الْفَسْخِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ الْفَسْخُ إِلَّا أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْحَاكِمُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ تَتَوَلَّاهُ الزَّوْجَةُ.
فَأَمَّا إِذَا أُعْتِقَتِ الزَّوْجَةُ تَحْتَ عَبْدٍ، فَلَهَا أَنْ تَنْفَرِدَ بِفَسْخِ النِّكَاحِ، لِأَنَّ فَسْخَهُ بِالْعِتْقِ تَحْتَ عَبْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمٍ، لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا عُيُوبُ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَفْسَخَ بِهَا إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَعِيبَةً أَوْ أَرَادَتِ الزَّوْجَةُ أَنْ تَفْسَخَ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مَعِيبًا، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا جَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ الزَّوْجَانِ بِالْفَسْخِ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا لَمْ يَجُزِ الْفَسْخُ بِهَا إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِجَوَازِ الْفَسْخِ ثُمَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ الْفَسْخُ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ الْحَاكِمُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ إِذَا تَوَلَّاهُ مُسْتَحِقُّهُ وَهَكَذَا رُجُوعُ الْبَائِعِ بِعَيْنِ مَالِهِ إِذَا أفلس
الْمُشْتَرِي لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِفَلَسِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ بِالْأَعْيَانِ الْمَبِيعَةِ، فَإِذَا حَكَمَ فِي الْفَلَسِ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ بِهِ الْبَائِعُ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ الْبَائِعُ إِذَا حَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ، وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ هَذَا فِي نَظَائِرِهِ، وَبَاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(بَابُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَمِنَ كِتَابِ اخْتِلَافِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وأبي حنيفة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَالْوِلَادَةُ وَعُيُوبُ النِّسَاءِ مِمَّا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا فِي أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيهِ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْوِلَادَةُ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُقْبَلَ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ الْجَوَازِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُبَاشِرُهُ إِلَّا النِّسَاءُ.
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ أَبْدَانِهِنَّ، فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ فِيهِ، وَهُوَ مَا حَرُمَ عَلَى ذَوِي الْمَحَارِمِ تَعَمُّدُ النَّظَرِ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْفَرْجِ كَالْقَرْنِ، وَالرَّتْقِ أَوْ كَانَ مِمَّا عَدَاهُ مِنْ بَرَصٍ أَوْ غَيْرِهِ، تَعْلِيلًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ لَا يُشَاهِدُهُ الرِّجَالُ، وَتَعْلِيلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ لَا يُبَاشِرُهُ إِلَّا النِّسَاءُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهِيَ عَوْرَةٌ مِنَ الْمَرْأَةِ تَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَلِمَ جَوَّزْتُمْ فِيهَا شَهَادَةَ النِّسَاءِ مَعَ مُشَارَكَتِهِنَّ لِلرِّجَالِ فِي التَّحْرِيمِ؟
قِيلَ: لِأَنَّهَا فِي حُقُوقِ الرِّجَالِ أَغْلَظُ تَحْرِيمًا مِنْهَا فِي حُقُوقِ النِّسَاءِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا فِي الرِّجَالِ مُخْتَصٌّ بِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: سَتْرُ الْعَوْرَةِ.
وَالثَّانِي: قَطْعُ الشَّهْوَةِ.
وَتَحْرِيمُهَا فِي النِّسَاءِ مُخْتَصٌّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَلَمَّا دَعَتِ الضَّرُورَةُ فِيهِ إِلَى الشَّهَادَةِ أُبِيحَتْ لِأَخَفِّ الْجِنْسَيْنِ حَظْرًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَوْرَاتِ أَبْدَانِهِنَّ كَالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، فَلَا يُقْبَلُ فِي عُيُوبِهِ إِلَّا شَهَادَةُ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ إِجْمَاعًا، لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعَوْرَةِ فِي حقوق الرجال والنساء، فلم تدع الضرورة إلى فيه انفراد النساء.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَهُوَ فِيمَا كَانَ عَوْرَةً مَعَ الْأَجَانِبِ، وَلَمْ يَكُنْ عَوْرَةً مَعَ ذَوِي الْمَحَارِمِ، كَالَّذِي عَلَا عَنِ السُّرَّةِ وَانْحَدَرَ عَنِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَمِنْهُ الرَّضَاعُ مِنَ الثَّدْيَيْنِ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، لِتَحْرِيمِهِ عَلَى الْأَجَانِبِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، لِإِبَاحَتِهِ لِذَوِي الْمَحَارِمِ، وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الرَّضَاعِ.
(فَصْلٌ)
: وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ تُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ جَازَ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ الرِّجَالِ مُنْفَرِدِينَ، وَشَهَادَةُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ إِذَا بَقِيَ الرِّجَالُ فِي الْمُشَاهَدَةِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، وَلَهُمْ فِي مُشَاهَدَةِ الْوِلَادَةِ وَالْعُيُوبِ الْبَاطِنَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولُوا: حَانَتْ مِنَّا الْتِفَاتَةٌ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، فَرَأَيْنَا فَهُمْ بَاقُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَتُهُمْ، وَكَذَلِكَ فِي الزِّنَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ لِغَيْرِ شَهَادَةٍ، فَرَأَيْنَا، فَقَدْ فَسَقُوا بِتَعَمُّدِ النَّظَرِ لِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَكَذَلِكَ فِي الزِّنَا.
والحال الثالث: أَنْ يَقُولُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، فَفِي فِسْقِهِمْ بِهَذَا النَّظَرِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: إِنَّهُ يَحْرُمُ فِي الزِّنَا، وَغَيْرِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَيَصِيرُوا بِهَذَا النَّظَرِ فَسَقَةً، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَحِلُّ فِي الزِّنَا وَغَيْرِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ نَظَرٌ لِحِفْظِ حَقٍّ، فَيَكُونُوا عَلَى عَدَالَتِهِمْ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ يُحَرَّمُ فِي غَيْرِ الزِّنَا، وَيَحِلُّ فِي الزِّنَا، لِأَنَّ الزَّانِيَ هَاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ وَغَيْرَ الزَّانِي حَافِظٌ لَهَا، فَيُفَسَّقُوا بِالنَّظَرِ فِي غَيْرِ الزِّنَا، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُمْ، وَلَا يُفَسَّقُوا بِالنَّظَرِ فِي الزِّنَا، وتقبل فيه شهادتهم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " واختلفوا في عددها فقال عطاء لا يكون في شهادة النساء لا رجل معهن في أمر النساء أقل من أربع عدول (قال الشافعي) رحمه الله: وبهذا نأخذ ولما ذكر الله النساء فجعل امرأتين يقومان مقام رجل في الموضع الذي أجازهما فيه دل والله أعلم إذ أجاز المسلمون شهادة النساء في موضع أن لا يجوز منهن إلا أربع عدول لأن ذلك معنى حكم الله عز وجل (قال الشافعي) وقلت لمن يجيز شهادة امرأة في الولادة كما يجيز الخبر بها لا من قبل الشهادة وأين الخبر من الشهادة أتقبل امرأة عن امرأة أن امرأة رجل ولدت هذا الولد قال لا قلت فتقبل في الخبر أخبرنا