الحاوي الكبيرصفحات 86-125
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السير

صفحات 86-125
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَغَنِمَ، ثُمَّ تَسَارَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ طَوْعًا، وَأَدَّوْا صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَأَسْلَمَتْ هَمَذَانُ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِسْلَامُهُمْ خَرَّ سَاجِدًا، وَقَالَ: " السَّلَامُ عَلَى هَمَذَانَ " وَتَتَابَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ فِي الْإِسْلَامِ [قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَوَفْدُ زُبَيْدٍ]

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَتْ وُفُودُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُبَايِعُونَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَفِيهِمْ وَفْدُ زُبَيْدٍ، وعَلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ مَعْد يكَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فِيمَنِ ارْتَدَّ [وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ]

وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْكَذَّابُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَجَابُوا إِلَى الْإِسْلَامِ أَعْطَاهُمْ وَاخْتُلِفَ فِي مُسَيْلِمَةَ، هَلْ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ؟ ثُمَّ رَجَعَ مَعَ قَوْمِهِ إِلَى الْيَمَامَةِ فَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَأَنَّهُ شَرِيكُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيهَا، وَوَضَعَ عَنْهُمُ الصَّلَاةَ، وَأَحَلَّ الْخَمْرَ وَالزِّنَا [وَفْدُ كِنْدَةَ]

وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ كِنْدَةَ، عَلَيْهِمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا مُسْلِمِينَ وَفِيهَا قَدِمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ مُسْلِمًا، فِي شعبان وأنفذه عاملا على صدقات طيء وَأَسَدٍ وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ عَامِلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ وَبَعَثَ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي مَعْنٍ وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ عَامِلًا عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى نَجْرَانَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ وَجِزْيَتِهِمْ، وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي حَجِّهِ وَأَحَرْمَ كَإِحْرَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانَ قَدْ أَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ، وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ سَاقَ هَدْيًا فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَمَعَكَ هَدْيٌ؟ قَالَ: لَا، فَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، وَكَانَ إِحْرَامُهُمَا بحج

(فصل: [حَجَّةُ الْوَدَاعِ] )

ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حجة الوداع؛ وسيمت بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَدَّعَ فِيهَا النَّاسَ.
وَسُمِّيَتْ حَجَّةُ الْبَلَاغِ؛ لِأَنَّهُ بَلَّغَ أُمَّتَهُ فِيهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ خُطْبَتُهُ.
وَسُمِّيَتْ حَجَّةُ التَّمَامِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ تَمَامَهَا وَأَرَاهُمْ مَنَاسِكَهَا.
وَسُمِّيَتْ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ غَيْرَهَا.
وَقِيلَ: لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ غَيْرَهَا.
وَحَكَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ حَجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حَجَّتَيْنِ، وَرَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَصَارَتْ حِجَجُهُ ثَلَاثًا فِي رِوَايَتِهِمَا، فَخَرَجَ لَهَا مِنَ الْمَدِينَةِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَصَلَّى فِيهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ الظُّهْرَ مَقْصُورَةً رَكْعَتَيْنِ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا وَخَرَجَ بِجَمِيعِ نِسَائِهِ فِي الْهَوَادِجِ فَاخْتُلِفَ فِي إِحْرَامِهِ فَرَوَى خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَرَوَى عَنْهُ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُ قَرَنَ وَرَوَى عَنْهُ ثَلَاثَةٌ أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَسَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ هَدْيًا مُقَلَّدًا مُشْعَرًا وَدَخَلَ مَكَّةَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ مِنْ أَعْلَى كَدَاءٍ، وَقِيلَ: بَلْ دَخَلَهَا فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ نَهَارًا وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بني شيبة وطاف بالبيت سبعا مبتدءا مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَرَمَلَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْوَاطٍ مِنْهَا وَاضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ فِي جَمِيعِهَا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَكَانَ قَدِ اضْطَرَبَ بِالْأَبْطُحِ، فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ خَطَبَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ وَبَاتَ بِهَا، وَخَرَجَ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ إِلَى مِنًى وَبَاتَ بِهَا وَغَدَا مِنَ الْغَدِ إِلَى عَرَفَاتٍ وَصَلَّى فِي مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَوَقَفَ بِالْهِضَابِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَقَالَ: " كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ " فَوَقَفَ بِهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ مِنْهَا إِلَى مُزْدَلِفَةَ، يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ وَجَمَعَ بِمُزْدَلِفَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فِي وَقْتِ عِشَاءِ الْآخِرَةِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَبَاتَ بِهَا، وَأَخَذَ مِنْهَا حَصَى جِمَارِهِ

وسار منها إلى منى ليصل صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَقَدَّمَ الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَوَقَفَ عَلَى قُزَحَ رَاكِبًا، وَأَوْضَعَ السَّيْرَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَدَخَلَ مِنًى فَرَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَحَرَ وَحَلَقَ وَأَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ وَعَارِضَيْهِ وَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ وَاقْتَسَمَ شَعْرَهُ أَصْحَابُهُ وَأَمَرَ بِدَفْنِ مَا بَقِيَ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ قَمِيصًا وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى بِمِنًى " إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ فَلَا تَصُومُوا " وَقَالَ لِلنَّاسِ: " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ: وَنَحَرَ بِيَدِهِ مِنْ هَدْيِهِ نَيِّفًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَدَفَعَ الْحَرْبَةَ إِلَى عَلِيٍّ فَنَحَرَ بَاقِيَهَا، وَقَالَ: " ائْتُونِي مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ " فَطُبِخَتْ فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ مَعَهُ عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ قَالَ طَاوُسٌ: وَطَافَ رَاكِبًا عَلَى رَاحِلَتِهِ وَدَخَلَ الْبَيْتَ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَأَتَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا وَنَفَلَ وَشَرِبَ مِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ وَسَعَى وَعَادَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَجَمِيعَ الصَّلَوَاتِ وَخَطَبَ بِمِنًى بَعْدَ الظُّهْرِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَى بَيْنَ الحجرات وَتَدَاوَلَهَا الرُّوَاةُ وَذَكَرَهَا الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَوْرَدَهَا الجاحظ في كتاب البيان وقال: " الحمد لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقَوْى اللَّهِ وَأَحُثُّكُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَأَسْتَفْتِحُ اللَّهَ بِالَذِي هُوَ خَيْرٌ " أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَمِعُوا مِنِّي أُبَيِّنْ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا، فِي مَوْقِفِي هَذَا، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقُونَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ ربا موضوع، ولكم رؤوس أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبًا، وَأَوَّلُ رِبًا أَبْدَأُ بِهِ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ دَمُ عَامِرِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَإِنَّ مَآثِرَ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ غَيْرَ السِّدَانَةِ، وَالسِّقَايَةِ، وَالْعَمْدُ قَوَدٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ مَا قُتِلَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ، وَفِيهِ مِائَةُ بَعِيرٍ فَمَنِ ازْدَادَ فَهُوَ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بَأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، مِمَّا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: 37] ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ

خلق الله السموات والأرض ﴿وإن عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كتاب الله يوم خلق السموات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36] ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ وَوَاحِدٌ فَرْدٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ فَهُوَ الَذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقًّا، أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا وَلَا يُدْخِلْنَ بُيُوتَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ إِلَّا بِإِذْنِكُمْ وَلَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَعْضُلُوهُنَّ، وَتَهْجُرُوهُنَّ فِيَ الْمَضَاجِعِ، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِذَا انْتَهَيْنَ وَأَطَعْنَكُمْ فَعَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا النِّسَاءُ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ وَاسْتَوْصُوا بِهِنَّ خَيْرًا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مَالُ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَلَا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ اللهم فاشهد أَيُّهَا النَاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ كُلُّكُمْ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ أَكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالْوَا: نَعَمْ، قَالَ: فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ، فَلَا يَجُوزُ لِوَارِثٍ وَصِيَّةٌ فِي أَكْثَرَ مِنَ الثُلُثِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يقبل الله منه صرفا ولا عَدْلًا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، أَرِقَّاءَكُمْ أَرِقَّاءَكُمْ، أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مما تلبسون، فإن جاؤوا بِذَنْبٍ لَا تُرِيدُونَ أَنْ تَغْفِرُوهُ فَبِيعُوا عِبَادَ اللَّهِ، وَلَا تُعَذِّبُوهُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا يُبَلِغُ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِمَّنْ سَمِعَهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ كَانَتْ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ الْمُبَلِّغُ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَطَبَهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ زِيَادَةً فِي الْإِبْلَاغِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَرْدَفَ فِي حَجِّهِ هَذَا ثَلَاثَةً، أَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى ووأردف مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ مِنًى إِلَى مكة

قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَنَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ حِينَ وَقَفَ مَوْقِفَ إِبْرَاهِيمَ، وَاضْمَحَلَّ الشِّرْكُ، وَهُدِمَتْ مَنَابِرُ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ الْمَدِينَةَ مُسْلِمًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَأَمَّا مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَأَرْبَعُ عُمَرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أسلم من باليمن فيروز الدليمي، وَبَاذَانُ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَكَانَ فِي هَذِهِ السنة سريتان

(فصل: [ذِكْرُ حَوَادِثِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ تَجْهِيزُ جَيْشِ أسامة] )

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ فِيهَا جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَى أَهْلِ أُبْنَى وَهِيَ أَرْضُ السَّرَاةِ نَاحِيَةَ الْبَلْقَانِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ قَالَ أَصْحَابُ السِّيَرِ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالتَّأَهُّبِ لِغَزْوِ الرُّومِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَعَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَقَالَ: سِرْ إِلَى مَوْضِعِ مَقْتَلِ أَبِيكَ، فَأَوْطِئْهُمُ الْخَيْلَ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجَيْشَ، فَأَسْرِعِ السَّيْرَ وَاسْبِقِ الْأَخْبَارَ، وَخُذْ مَعَكَ الْأَدِلَّاءَ وَقَدِّمِ الْعُيُونَ وَاغْزُ صَبَاحًا عَلَى أَهْلِ أُبْنَى فَأَوْطِئْهُمُ الْخَيْلَ فَإِنْ ظَفَّرَكَ اللَّهُ بِهِمْ فَأَقْلِلِ اللُّبْثَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَحُمَّ وَصُدِعَ فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ عَقَدَ لِأُسَامَةَ لِوَاءً بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: " اغْزُ بِاسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ فَخَرَجَ بِلِوَائِهِ مَعْقُودًا وَعَسْكَرَ بِالْجُرْفِ وَانْتَدَبَ مَعَهُ وُجُوهَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَتَكَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ تَأْمِيرِ أُسَامَةَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَذَلِكَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُعَصَّبٌ قَدْ شَدَّ رَأْسَهُ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَلَئِنْ طَعَنْتُمُ فِيهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لِلْإِمَارَةِ لَخَلِيقًا، وَإِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ، وَإِنَّهُمَا أَهْلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَاسْتَوْصُوا بِهِ خَيْرًا، فَإِنَّهُ مِنْ خِيَارِكُمْ " وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَجَاءَ مَنِ انْتَدَبَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَدِّعُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيَمْضُونَ إِلَى الْمُعَسْكَرِ بِالْجُرْفِ، فَثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَجَعَلَ يَقُولُ: أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْأَحَدِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَدَخَلَ أُسَامَةُ فَوَجَدَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَغْمُورًا، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي كَدُّوهُ فِيهِ، فَقَبَّلَ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَخَرَجَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَعَادَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ودخل عليه فوجده مغيبا، فَقَالَ لَهُ: اغْدُ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَوَدَّعَهُ أُسَامَةُ وَخَرَجَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَأَنْفَذَتْ إِلَيْهِ أُمُّ أَيْمَنَ رَسُولًا تَقُولُ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَمُوتُ فَعُدْ فَأَقْبَلَ وَمَعَهُ عُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ فوجدوا

رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَتُوُفِّيَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الْأَوَّلِ فَدَخَلَ جَيْشُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ أَمَرَ جَيْشَ أُسَامَةَ بِالْخُرُوجِ، وَأَمَرَ أُسَامَةَ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَكَلَّمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي حَبْسِهِمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَامْتَنَعَ وَقَالَ: لَا أَسْتَوْقِفُ جَيْشًا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْمَسِيرِ، وَسَأَلَ أَبُو بَكْرٍ أُسَامَةَ أَنْ يَأْذَنَ لِعُمَرَ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ فَفَعَلَ.
وَسَارَ بِهِمْ أُسَامَةُ فِي هِلَالِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ إِلَى أَهْلِ أُبْنَى فِي عِشْرِينَ يَوْمًا فَشَنَّ عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ وَقَتَلَ مَنْ أَشْرَفَ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ قَاتِلَ أَبِيهِ، وَسَبَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَحَرَّقَ عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ، وَأَقَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَعَادَ مَوْفُورًا، وَمَا أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مُسْتَقْبِلِينَ لهم سرورا بسلامتهم

فصل: [وَفَاةُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -]

فِي مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَنْذَرَ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِمَوْتِهِ حِينَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ فَقَالَ: نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَحَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَقَالَ فِيهَا مَا قَالَ، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ مَوْتِهِ عَرَضَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: لَا أَظُنُّ إِلَّا قَدْ حَضَرَ، فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ وَالْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ فَكَانَ هَذَا نَذِيرًا بِمَوْتِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْبَقِيعِ لِيَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِهِ وَلِلشُّهَدَاءِ، وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ تَوْدِيعًا لِلْأَمْوَاتِ قَبْلَ الْأَحْيَاءِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ.
أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، أَتَانَا وَإِيَّاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، وَإِنَّا بِكُمْ لَاحِقُونَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَا بَعْدَهُمْ، فَكَانَ هَذَا نذيرا آخر بموته ثُمَّ بَدَأَ بِهِ مَرَضُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَحُمَّ وصدع قال أبو سعيد الخضري: وَكَانَ عَلَيْهِ صَالِبُ الْحُمَّى، مَا تَكَادُ تَقَرُّ يَدُ أَحَدِنَا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّتِهَا، فَجَعَلْنَا نُسَبِّحُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسَ أَحَدٌ أَشَدَّ بَلَاءً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا يشتد علينا البخلاء كَذَلِكَ يُضَاعَفُ لَنَا الْأَجْرُ " وَرَوَى سَعْدٌ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً قَالَ: " النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ " وَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ صَاحَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَ: مَهْ، إِنَّهُ لَا يَصِيحُ إِلَّا كَافِرٌ، وَكَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا أَوْ مرض هو مسح جيده عَلَى وَجْهِهِ قَالَ: " أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ وشفاء لَا يُغَادِرُ سَقَمًا " فَلَمَّا كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ تَسَانَدَ إِلَى عَائِشَةَ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ وَجَعَلَتْ تَمْسَحُهَا عَلَى وَجْهِهِ، وَتَقُولُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْهَا وَقَالَ: " ارْفَعِي عَنِّي فَإِنَهَا إِنَّمَا كَانَتْ تَنْفَعُ فِي الْمِرَّةِ أَسْأَلُ اللَّهَ

الرَّفِيقَ الْأَعْلَى، اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي جَنَّةَ الْخُلْدِ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا " وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إذا مرض قبل مرض موته فيقول: بسم اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، وَعَيْنُ اللَّهِ تَشْفِيكَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُسَدَّ كُلُّ بَابٍ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: مَا بَالُكَ فَتَحْتَ أَبْوَابَ رِجَالٍ وَسَدَدْتَ أَبْوَابَ رِجَالٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: " يَا عَبَّاسُ مَا فَتَحْتُ عَنْ أَمْرِي وَمَا سَدَدْتُ عَنْ أَمْرِي " وَاسْتَأْذَنَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نِسَاءَهُ أَنْ يَحْلِلْنَهُ مِنَ الْقَسْمِ لِيُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ فَأَذِنَّ لَهُ، وَحَلَلْنَهُ، فَانْتَقَلَ مِنْ بَيْتِ مَيْمُونَةَ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ فَلَدُّوهُ، فَأَفَاقَ، وَأَحَسَّ بِخُشُونَةِ اللَّدُودِ، فَقَالَ: " مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا لَدَدْنَاكَ، قَالَ بِمَاذَا: قَالُوا: بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ وَشَيْءٍ مِنْ وَرْسٍ، وَقَطَرَاتٍ مِنْ زَيْتٍ، فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكُمْ بِهَذَا؟ قَالُوا: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، قَالَ هَذَا رَطْبٌ أَصَابَتْهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ: لَا يَبَقِيَنَّ أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ إِلَّا عَمِّي الْعَبَّاسَ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَلُدُّ بَعْضًا وَالْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ، وَكَانَتْ صَائِمَةً لِقَسَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عُقُوبَةً لَهُمْ [ذِكْرُ الدَّنَانِيرِ الَّتِي قَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -]

وَكَانَ قَدْ بَقِيَ عِنْدَهُ مَالٌ أَصَابَهُ سِتَّةُ دَنَانِيرَ، تَرَكَهَا عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَاسْتَدْعَاهَا وَفَرَّقَهَا وَقَالَ: مَا ظَنَّ مُحَمَّدٌ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وَهِيَ عِنْدَهُ فَلَمَّا جَدَّ بِهِ الْمَوْتُ أَرْسَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمِصْبَاحِهَا إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَالَتْ: اقْطُرِي فِيهِ مِنْ سَمْنِ عُكَّتِكِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمسى في شديد الموت [ذكر ما قاله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في مرضه قبل الوفاة]

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِدَوَاةٍ وَصَحِيفَةٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يَهْجُرُ اسْتَفْهِمُوهُ فَأَعَادُوهُ فَقَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَأَوْصَى بِثَلَاثٍ فَقَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العرب، فأجيزرا الْوَفْدَ بِنَحْوٍ مِمَّا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ " وَسَكَتَ عَنِ الثالثة

وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَعَا فَاطِمَةَ فِي مَرَضِهِ هَذَا فَنَاجَاهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ نَاجَاهَا فَضَحِكَتْ فَلَمَّا مَاتَ سَأَلَتْهَا عَنْ بُكَائِهَا وَضَحِكِهَا فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي مَرَضِهِ هَذَا فَبَكَيْتُ ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ وَأَنَّنِي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَعْدَ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ فَضَحِكْتُ وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجتماع الأنصار في مسجده رجالهم ونساءهم وَصِبْيَانُهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ سَبْعِ آبَارٍ فَاغْتَسَلَ وَوَجَدَ رَاحَةً فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّكُمْ أَصْبَحْتُمْ تَزِيدُونَ وَأَصْبَحَتِ الْأَنْصَارُ لَا تَزِيدُ عَلَى هَيْأَتِهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ وَهُمْ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا وَكَرِشِي الَّتِي آكُلُ فِيهَا فَاحْفَظُونِي فِيهِمْ، أَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ، وَأَحْسِنُوا إِلَى مُحْسِنِهِمْ لِكُلِّ نَبِيٍّ تَرِكَةٌ وَإِنَّ الْأَنْصَارَ تَرِكَتِي، وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِنَّكُمْ تَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَا تَأَمُرُنَا؟ قَالَ: آمُرُكُمْ أَنْ تصيروا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ حَتَّى قُبِضَ وَلَمَّا ضَعُفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْخُرُوجِ لِلصَّلَاةِ بِأَصْحَابِهِ قَالَ؛ " أَصَلَّى النَاسُ؟ فَقَيِلَ لَا.
هُمْ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَكَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا وَقَفَ مَوْقِفَكَ بَكَى، وَلَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقَالَ: إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَاسِ، فَحَضَرَ أَبُو بَكْرٍ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَكَانَتْ صَلَاةَ عِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَتَأَخَّرَ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ، فَتَقَدَّمَ عُمَرُ، فَصَلَّى فَسَمِعَ تَكْبِيرَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: عُمَرُ، قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ في يوم االاثنين وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُكُونًا مِنْ وَجَعِهِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جعلني قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ وَخَرَجَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَتَوَكَّأُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَثَوْبَانَ مَوْلَاهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَهُمْ قِيَامٌ فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الصُّبْحِ، فَوَقَفَ عَلَى يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعَادَهُ إِلَى مَوْقِفِهِ وَجَلَسَ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ حَتَّى تَمَّتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَتَمَّ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَقَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: " لَمْ يُقْبَضْ نبي قط حتى يأمه رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ، وَمَاتَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَكَانَ عَدَدُ مَا صَلَى أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً وَقِيلَ لِعَائِشَةَ: لِمَ رَاجَعْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَعْدِلَ بِالصَّلَاةِ عَنْ أَبِيكِ إِلَى عُمَرَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ

[وَصَايَا سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -]

أَمَّا وَصَايَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَوَى ابْنُ أَبِي عَوْنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: نَعَى لَنَا نَبِيُّنَا نَفْسَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ فَلَمَّا دَنَا الْفِرَاقُ جَمَعَنَا فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَقَالَ: " مَرْحَبًا بِكُمْ حَيَّاكُمُ اللَّهُ بِالسَّلَامِ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، حَفِظَكُمُ اللَّهُ، جَبَرَكُمُ اللَّهُ رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وَقَاكُمُ اللَّهُ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُوصِي اللَّهَ بِكُمْ وَأَسْتَخْلِفُ عَلَيْكُمْ، وَأُحَذِّرُكُمُ اللَّهَ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ " فَإِنَّهُ قَالَ لِي وَلَكُمْ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83] وَقَالَ: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مثوى للمتكبرين﴾ [العنكبوت: 68] قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى أَجَلُكَ؟ قَالَ: " دَنَا الْفِرَاقُ وَالْمُنْقَلَبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَى وَإِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ يُغَسِّلُكَ؟ قَالَ: " رِجَالٌ مِنْ أَهْلِي الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى " قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ نُكَفِّنُكَ؟ قَالَ فِي ثِيَابِي هَذِهِ إِنْ شِئْتُمْ، أَوْ ثِيَابِ حَضَرٍ أَوْ حُلَّةٍ يَمَانِيَةٍ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْكَ؟ وَبَكَيْنَا وَبَكَى فَقَالَ: " مَهْلًا رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَجَزَاكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ خَيْرًا، إِذَا أَنْتُمْ غَسَّلْتُمُونِي وَكَفَّنْتُمُونِي فَضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي هَذَا عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، فِي بَيْتِي هَذَا، ثُمَّ اخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ حَبِيبِي وَخَلِيلِي جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيَلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ مَلَكُ الْمَوْتِ مَعَهُ جُنُودٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ ادْخُلُوا عَلَيَّ فَوْجًا فَوْجًا.
فَصَلُّوا عَلَيَّ وسلموا تسليما، ولا تؤذونني بباكية واقرأوا السلام على من غاب من أصحابي واقرأوا السلام على من تبعني على دِينِي مِنْ قَوْمِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَرَوَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ " وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ وَهُوَ يَقُولُ: " أَلَا لَا يَمُوتَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله "

وَدَخَلَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: يَا فَضْلُ؛ شُدَّ هَذِهِ الْعِصَابَةَ عَلَى رَأْسِي وَنَهَضَ عَلَى يَدِهِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثَمَّ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَصَبْتُ مِنْ عِرْضِهِ شَيْئًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَقْتَصَّ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَصَبْتُ مِنْ بَشَرِهِ شَيْئًا فَهَذَا بَشَرِي فَلْيَقْتَصَّ وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَصَبْتُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوْلَاكُمْ بِي رَجُلٌ كَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَأَخَذَهُ أَوْ حَلَّلَنِي، فَلَقِيتُ رَبِّي وَأَنَا مُحَلَّلٌ، وَلَا يَقُولَنَّ رَجُلٌ: إِنِّي أَخَافُ الْعَدَاوَةَ وَالشَّحْنَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ طَبِيعَتِي وَلَا خُلُقِي، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي عِنْدَكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أُكَذِّبُ قائلا ولا مستخلفه عَلَى يَمِينٍ، فِيمَ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي؟ قَالَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّهُ مَرَّ بِكَ سَائِلٌ فَأَمَرْتَنِي فَأَعْطَيْتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ.
قَالَ صَدَقَ، أَعْطِهَا إِيَّاهُ يَا فَضْلُ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي مَرَضِهِ هَذَا: يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ اعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ إِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا سَلُونِي مَا شِئْتُمْ فَلَمَّا حَلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَوْتُ قَالَ: يَا نَفْسُ مَا لَكِ تَلُوذِينَ كُلَّ مَلَاذٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ فَكَانَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ وَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ " ثم مات - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَفِي بَيْتِي وَدَوْلَتِي وَلَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَاتَ وَقَدْ أَسْنَدْتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى مَنْكِبِي فَقَالَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، قَالَ كَعْبٌ: كَذَلِكَ آخِرُ عَهْدِ الْأَنْبِيَاءِ وَبِهِ أُمِرُوا وَعَلَيْهِ يُبْعَثُونَ، ثُمَّ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حَبِرَةٍ، وَكَانَ بَدْءُ مَرَضِهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرٍ، وَقِيلَ: لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْهُ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ حَتَّى زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَهُوَ مِثْلُ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا، لِأَنَّهُ دَخَلَهَا فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يوم الاثنين ونبىء يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَرَفَعَ الْحَجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَقُبِضَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
فَكَانَ مُدَّةُ مَرَضِهِ ثَلَاثَةَ عشرة يَوْمًا، وَنَزَلَ عَلَى حَالِهِ مُسَجًّى لَمْ يُدْفَنْ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ فِي آخِرِهِ، وَقِيلَ: فِي اللَّيْلِ بَعْدَ أَنْ رَبَا قَمِيصُهُ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَاخْضَرَّتْ أَظْفَارُهُ وَكَانَ لَهُ يَوْمَ مَاتَ فِي رِوَايَةِ الجمهور ثلاثة وَسِتُّونَ سَنَةً.
أَقَامَ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَيْهَا عَشْرَ سِنِينَ يَخْرُجُ فِيهَا إِلَى غَزَوَاتِهِ ويعود

إِلَيْهَا، وَحَضَرَ غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَرْبَعَةٌ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَفَرَّدَ عَلِيٌّ بِغَسْلِهِ وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَسْتُرُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ وَكَانَ الْفَضْلُ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ وَكَانَ أُسَامَةُ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِمْ بِالْمَاءِ، وَلَمَّا أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ لِغَسْلِهِ سَمِعُوا هَاتِفًا يَقُولُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ: غَسِّلُوهُ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَلَا تَنْزِعُوهُ عَنْهُ، فَغُسِّلَ فِيهِ وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ غِلَاظٍ يَمَانِيَّةٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَحُنِّطَ وَكَانَ فِي حَنُوطِهِ مِسْكٌ وَلَمَّا فُرِغَ مِنْ إِكْفَانِهِ وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ وَدَخَلَ النَّاسُ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ أَفْوَاجًا، لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ كَانَ إِمَامَ الْأُمَّةِ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ ثُمَّ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الرِّجَالِ ثُمَّ النِّسَاءُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ.
وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَعَهُمَا نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَسَلَّمَ النَّاسُ كَمَا سَلَّمَا، ثُمَّ قَالَا: إِنَّا نَشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلَّغَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ جُمْلَةً إِلَيْهِ.
وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّهِ فَاجْعَلْنَا يَا إِلَهَنَا مِمَّنْ يَتَّبِعُ الْقَوْلَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ حَتَّى يعرفنا ونعرفه فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رَحِيمًا لَا نَبْتَغِي بِالْإِيمَانِ بَدَلًا، وَلَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا أَبَدًا فَقَالَ النَّاسُ آمِينَ آمِينَ وَتَفَرَّقُوا ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمْ فَوْجٌ بَعْدَ فَوْجٍ، وَابْتَدَأَ النَّاسُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ زَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ إِلَى أَنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ قَبْرِهِ فَقَالَ قَائِلٌ: عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَقَالَ قَائِلٌ: حَيْثُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَقَالَ قَائِلٌ: يُدْفَنُ مَعَ أَصْحَابِهِ بِالْبَقِيعِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ادْفِنُوهُ حَيْثُ قَبَضَهُ اللَّهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: مَا مَاتَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ فَرُفِعَ فَرَاشُهُ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ فَدُفِنَ تحته وكانت عائشة تقول لِأَبِي بَكْرٍ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ ثلاثة أقمار سقطن في حجري، فَلَمَّا دُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي حُجْرَتِهَا قَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِكِ وَهُوَ خَيْرُهَا وَاخْتَلَفُوا فِي حَفْرِ قَبْرِهِ لَحْدًا كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ ضَرِيحًا كَأَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يُلْحِدُ، وَأَبُو عُبَيْدَة بْنُ الْجَرَّاحِ يُضْرِحُ، فَأَنْفَذَ الْعَبَّاسُ رَجُلَيْنِ أَحَدَهُمَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ وَالْآخَرَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ خِرْ لِنَبِيِّكَ فَسَبَقَ مَجِيءُ أَبِي طَلْحَةَ، فَحَفَرَ لَهُ لَحْدًا فَأَخَذَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الِاخْتِيَارِ وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " اللَّحْدُ لَنَا، وَالشِّقُّ لِغَيْرِنَا "

وَنَزَلَ إِلَى قَبْرِهِ أَرْبَعَةٌ، اثْنَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَاثْنَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا فَرُوِيَ أَنَّهُمَا الْعَبَّاسُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَرُوِيَ أَنَّهُمَا: قَثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَنُصِبَ اللَّبِنُ عَلَى لَحْدِهِ، وَبُسِطَ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ كَانَ يَلْبَسُهَا وَقِيلَ: بَلْ أُلْقِيَتْ فِي قَبْرِهِ فَوْقَ لَحْدِهِ أَلْقَاهَا غُلَامٌ كَانَ يَخْدِمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لَا يَلْبَسُهَا بَعْدِي أَحَدٌ أَبَدًا فَتُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا فِي الْقَبْرِ، وَلَمْ تُخْرَجْ مِنْهُ وَجُعِلَ بَيْنَ قَبْرِهِ وَبَيْنَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ نَحْوُ سَوْطٍ

فَصْلٌ: وَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان أبو بكر في مسكنه بالسنح، ولم يَشْهَدْ مَوْتَهُ فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَسِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ عَلَى شَكٍّ فِي مَوْتِهِ وَهُمْ يَبْكُونَ وَعُمَرُ قَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيبًا يَتَوَعَّدُ النَّاسَ وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْ عُرِجَ بِرُوحِهِ كَمَا عُرِجَ بِرُوحِ مُوسَى وَغَابَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُقْطَعَ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلُهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْسَنُ كَمَا يَأْسَنُ الْبَشَرُ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ مَاتَ فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ أَيُمِيتُ اللَّهُ أَحَدَكُمْ إِمَاتَةً وَيُمِيتُ رَسُولَهُ إِمَاتَتَيْنِ، وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ فَلَيْسَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ التُّرَابَ فَيُخْرِجَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَا مَاتَ حَتَّى تَرَكَ السَّبِيلَ نَهْجًا وَاضِحًا

أَحَلَّ الْحَلَالَ وَحَرَّمَ الْحَرَامَ، وَنَكَحَ وَطَلَّقَ وَحَارَبَ وَسَالَمَ فَأَنْتُمْ أصحابه، وقالوا تربصوا نبيكم لعله علج بِرُوحِهِ، فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى رَبَا بَطْنُهُ فَابْتَدَأَ أَبُو بَكْرٍ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَاسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: مَاتَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَرَفَعَ رَأَسَهُ وَقَالَ: وَانَبِيَّاهْ ثُمَّ قَبَّلَ جَبْهَتَهُ وَرَفَعَ رَأَسَهُ وَقَالَ وَاخَلِيلَاهْ، ثُمَّ قَبَّلَ جَبْهَتَهُ وَرَفَعَ رَأَسَهُ وَقَالَ: وَاصَفِيَّاهْ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ وَبَكَى وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَطْيَبَ حَيَاتَكَ وَأَطْيَبَ مِيتَتَكَ لَأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَجْمَعَ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، فَأَمَّا الموتة التي كتبت عليها فقدمتها ثُمَّ سَجَّاهُ بِثَوْبِهِ وَخَرَجَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعُمَرُ فِي كَلَامِهِ، وَتَوَعُّدِهِ لِلنَّاسِ فَسَكَّتَهُ أَبُو بَكْرٍ فَسَكَتَ ثُمَّ صَعِدَ أَبُو بَكْرٍ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] . ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا حِينَ تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ عُمَرُ: هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَمَا سُمِعَ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا، وقال عمر ما حملني على مقالتي إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] . فَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُسْتَبْقَى فِي أُمَّتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِآخِرِ أَعْمَالِهَا، ثُمَّ أَخَذُوا فِي جَهَازِهِ وَكَانُوا مُمْسِكِينَ عَنِ التَّعْزِيَةِ بِهِ حَتَّى جَاءَتْهُمُ التَّعْزِيَةُ مِنْ شَخْصٍ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185] . إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ وَخَلَفًا مَنْ كُلِّ هَالِكٍ وَدَرْكًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ، فَحِينَئِذٍ عَزَّا الناس بعضهم بعضا

فصل: [سقيفة بني ساعدة]

وَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ وَأَخْرَجُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَكَانَ وَجِعًا مِنْ مَرَضٍ بِهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّ لَكُمْ سَابِقَةً فِي الدِّينِ أَرَادَ بِكُمْ رَبُّكُمُ الْفَضِيلَةَ، وَسَاقَ إِلَيْكُمُ الْكَرَامَةَ، بِإِعْزَازِ دِينِهِ وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ حَتَّى " أَثْخَنَ " اللَّهُ لِرَسُولِهِ بِكُمُ الْأَرْضَ، وَدَانَتْ لَهُ بِأَسْيَافِكُمُ الْعَرَبُ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ فَاشْتَدُّوا بِهَذَا الْأَمْرِ دُونَ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ، فَأَجَابُوهُ بِأَجْمَعِهِمْ، قَدْ وُفِّقْتَ فِي الرَّأْيِ وَأَصَبْتَ فِي الْقَوْلِ وَنَحْنُ نُوَلِّيكَ هَذَا الْأَمْرَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَرْسَلَ إِلَى أبو بَكْرٍ وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي جَهَازِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَشْعَرَهُ بِالْأَمْرِ، فَخَرَجَ وَمَضَى مَعَ عُمَرَ وَلَقِيَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَصَحِبَهُمَا وَلَقِيَهُمَا رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَهُمَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين﴾ [التوبة: 108] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نِعْمَ الْمَرْءُ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ " وَالْآخَرُ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ سَمِعَ النَّاسَ حِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَدِدْنَا لَوْ مُتْنَا قَبْلَهُ فَقَالَ مَعْنٌ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي مِتُّ قَبْلَهُ حَتَّى أُصَدِّقَهُ مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْتُهُ حَيًّا فَلَمَّا رأى أبو بَكْرٍ وَمَنْ مَعَهُ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا معشر المهاجرين؟ فقالوا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا الْأَنْصَارَ فَقَالَ: ارْجِعُوا فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ فَأَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا وَمَشَى إِلَيْهِمُ الثَّلَاثَةُ فجاؤوا وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: رُوَيْدًا فَسَكَتَ، وَكَانَ قَدْ زَوَّرَ فِي نَفْسِهِ كَلَامًا وَابْتَدَأَ أَبُو بكر فحمد الله واثنا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولًا إِلَى خَلْقِهِ وَشَهِيدًا عَلَى أُمَّتِهِ ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دون آلِهَةً شَتَّى يَزْعُمُونَ أَنَّهَا لَهُمْ عِنْدَهُ شَافِعَةٌ وَلَهُمْ نَافِعَةٌ وَإِنَّمَا هِيَ حَجَرٌ مَنْحُوتٌ وَخَشَبٌ مَنْجُورٌ، فَصَدَّقَهُ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ خَالَفَ جَمِيعَ الْعَرَبِ وَلَمْ يَسْتَوْحِشْ مِنْ قِلَّةِ الْعَدَدِ، فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَآمَنَ بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ بَعْدَهُ، وَلَا يُنَازِعُهُمْ فِيهِ إِلَّا ظَالِمٌ وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُمْ فِي الدِّينِ وَلَا سَابِقَتُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، رَضِيَكُمُ اللَّهُ أَنْصَارًا

لِدِينِهِ وَلِرَسُولِهِ وَجَعَلَ إِلَيْكُمْ هِجْرَتَهُ فَلَيْسَ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَتِكُمْ، فَنَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ فَقَامَ الْمُنْذِرُ بْنُ حُبَابِ بْنِ الْجَمُوحِ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ امْلِكُوا عَلَى أَيْدِيكُمْ، فَإِنَّ النَّاسَ فيكم ولن يجترىء عَلَى خِلَافِكُمْ وَلَنْ يُصْدِرَ النَّاسُ إِلَّا عَنْ رَأْيِكُمْ فَإِنْ أَبَى هَؤُلَاءِ إِلَّا مَا سَمِعْتُمْ فَمِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْهُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ: لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ فِي قَرْنٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَا تَرْضَى الْعَرَبُ أَنْ تُؤَمِّرَكُمْ وَنَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ، وَأَوْلَاهُمْ بِهَا مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ، لَنَا بِهِ الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ وَالسُّلْطَانُ الْبَيِّنُ، لَا يُنَازِعُنَا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا مُدْلٍ بِبَاطِلٍ أَوْ مُتَجَانِفٌ لِإِثْمٍ أَوْ مُتَوَرِّطٌ فِي هَلَكَةٍ فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَا تَسْتَمِعُوا مُقَالَةَ هَذَا وَأَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُوا بِنَصِيبِكُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، فَإِنْ أَبَوْا عَلَيْكُمْ فَاجْلُوهُمْ مِنْ بِلَادِكُمْ فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ، أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، وَاللَّهِ لَئِنْ شِئْتُمْ لَنُعِيدَنَّهَا جَذَعَةً، فَقَالَ عُمَرُ: إِذَنْ يَقْتُلُكَ اللَّهُ، فَقَالَ: بَلْ إِيَّاكَ يَقْتُلُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ نَصَرَ وَآوَى فَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ وَبَدَّلَ فَقَامَ بِشْرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو النُّعْمَانِ بْنُ بَشِيرٍ فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ إِنَّا وَإِنْ كُنَّا أَوَّلَ سَابِقَةٍ فِي الدِّينِ وَجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ فَمَا أَرَدْنَا بِهِ إِلَّا رِضَى رَبِّنَا وَطَاعَةَ نَبِيِّنَا أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا مِنْ قُرَيْشٍ وَقَوْمُهُ أَحَقُّ بِهِ وَأَوْلَى وَايْمُ اللَّهِ لَا يَرَانِي اللَّهُ أُنَازِعُهُمْ هَذَا الْأَمْرَ أَبَدًا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخَالِفُوهُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ، فَقَالَا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ ذَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَكَ، ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْكَ، فَمَدَّ يَدَهُ فَبَايَعَاهُ، وَقِيلَ: بَلْ سَبَقَهُمَا إِلَى الْبَيْعَةِ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ، وَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فِي الْأَوْسِ فَبَايَعُوهُ، وَتَتَابَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى بَيْعَتِهِ، وَأَقْبَلَتْ أَسْلَمُ بِجَمَاعَتِهَا حَتَّى تَضَايَقَتْ بِهِمُ السِّكَكُ فَبَايَعُوهُ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَسْلَمَ فَأَيْقَنْتُ بِالنَّصْرِ، وَقِيلَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَدْ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ لِلْبَيْعَةِ، فَخَرَجَ بِقَمِيصٍ مَا عَلَيْهِ إِزَارٌ حتى بايعه مخافة أن يبطىء عَنِ الْبَيْعَةِ، حَكَاهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وروى ابن حجر أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ قَالَ لِعَلِيٍّ: مَا بَالُ هَذَا الْأَمْرِ فِي أَقَلِّ حَيٍّ مِنْ قُرَيْش ﴿وَاللَّهِ لَئِنْ شِئْتَ لِأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْهِ خَيْلًا وَرِجَالًا﴾ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَبَا سُفْيَانَ طَالَمَا عَادَيْتَ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ فَلَمْ تَضُرَّهُ بِذَلِكَ شيئا! إنا وجدنا أبا بكر لهما أَهْلًا فَتَمَّتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ جَهَازِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ أَخَذَ بَعْدَهَا فِي جَهَازِهِ، لِئَلَّا يَكُونُوا فوضى على غير جماعة لتنطفىء بِهَا فِتْنَةُ الِاخْتِلَافِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -

الْبَيْعَةَ الْعَامَّةَ بَعْدَ الْبَيْعَةِ الْخَاصَّةِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَبْقَى فِيكُمْ كِتَابَهُ الَّذِي هَدَى بِهِ رَسُولَهُ، فَإِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هُدَاكُمُ اللَّهُ لِمَا هَدَاهُ لَهُ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، فَقُومُوا فَبَايِعُوا، فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ الْبَيْعَةَ الْعَامَّةَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ مِنْكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى أَدْفَعَ إِلَيْهِ حَقَّهُ وَالْقَوِيُّ مِنْكُمْ ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، لَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَدُعِيَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ إِلَى الْبَيْعَةِ فَأَبَى فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُعَنِّفَ بِهِ، فَأَشَارَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ بِتَرْكِهِ فَتُرِكَ وَخَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا مِثْلُكُمْ إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّكُمْ سَتُكَلِّفُونِي مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُطِيقُ وَإِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْعَالَمِينَ وَعَصَمَهُ من الآفات وإنما أنا منيع وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنِ اسْتَقَمْتُ فَتَابِعُونِي، وَإِنْ زِغْتُ فَقَوِّمُونِي، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قُبِضَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ أَلَا وَإِنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي، فَإِذَا أَتَانِي فَاجْتَنِبُونِي لَا أُؤَثِّرُ فِي أَشْعَارِكُمْ وَأَبْشَارِكُمْ وَإِنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ فِي أَجَلٍ قَدْ غُيِّبَ عَنْكُمْ عِلْمُهُ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا يَمْضِيَ هَذَا الأجل إلا في عمل صالح فافعلوا [ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله] وَسَابِقُوا فِي مَهَلٍ آجَالَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَكُمْ آجَالُكُمْ إِلَى انْقِطَاعِ الْأَعْمَالِ الْجِدَّ الْجِدَّ، الْوَحَا الْوَحَا النَّجَا النَّجَا، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ طَالِبًا حَثِيثًا، [أجلا مره سريع] احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء [والأخوات] وَلَا تَغْبِطُوا الْأَحْيَاءَ إِلَّا بِمَا تَغْبِطُونَ بِهِ الْأَمْوَاتَ اعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ بِمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ، وَتَذَكَّرُوا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَيْنَ كَانُوا أَمْسُ، وَأَيْنَ هُمُ الْيَوْمَ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98] أَلَا إِنَّ اللَّهَ أَبْقَى عَلَيْهِمُ التَّبِعَاتِ، وَقَطَعَ عَنْهُمُ الشَّهَوَاتِ، وَمَضَوْا وَالْأَعْمَالُ أَعْمَالُهُمْ وَالدُّنْيَا دُنْيَا غَيْرِهِمْ وَبَقِينَا خَلَفًا بَعْدَهُمْ، فَإِنْ نَحْنُ اعْتَبَرْنَا بِهِمْ نجونا وإن اغتررنا كنا منا مِثْلَهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ سَبَبٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْرًا، أو ويصرف عَنْهُ بِهِ شَرًّا إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ ثُمَّ جَمَعَ الْأَنْصَارَ وَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ بَعْثُ أُسَامَةَ فَاسْتَنْظَرُوهُ لِأَجْلِ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ فَأَبَى وَخَرَجَ إِلَى الْجُرْفِ يُشَيِّعُهُمْ وَهُوَ مَاشٍ وَأُسَامَةُ رَاكِبٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُودُ دَابَّةَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أُسَامَةُ: يَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَاللَّهِ لَتَرْكَبَنَّ أَوْ لَأَنْزِلَنَّ، فَقَالَ:

وَاللَّهِ لَا تَنْزِلُ وَوَاللَّهِ لَا أَرْكَبُ وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُغَبِّرَ قَدَمَيَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قِفُوا وَأُوصِيكُمْ بِعَشْرٍ فَاحْفَظُوهَا عَنِّي، لَا تَخُونُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَقْطَعُوا نَخْلًا وَلَا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلَا تَذْبَحُوا شَاةً وَلَا بَقَرَةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَسَوْفَ تَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، وَسَتَقْدَمُونَ عَلَى أَقْوَامٍ يَأْتُونَكُمْ بَآنِيَةٍ فِيهَا الطَّعَامُ، فَإِذَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا وَسَوْفَ تَلْقَوْنَ أَقْوَامًا قَدْ فَحَصُوا أوساط رؤوسهم وَتَرَكُوا حَوْلَهَا مِثْلَ الْعَصَائِبِ، فَاخْفقُوهُمْ بِالسَّيْفِ خَفْقًا امْضُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَشَرَعَ فِي قِتَالِ أهل الردة ومن اتبع من تنبأ من مسيلمة العنسي، وَطُلَيْحَةَ وَسَجَاحِ فَأَمَّا الْعَنْسِيُّ فَقُتِلَ غِيلَةً، وَكَانَ ظُهُورُ أَمْرِهِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقُتِلَ بَعْدَهُ مُسَيْلِمَةُ وَأَسْلَمَ طُلَيْحَةُ وَأَسْلَمَتْ سَجَاحِ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمَا، وَنَصَرَ اللَّهُ دِينَهُ وَحَقَّقَ صِدْقَ رَسُولِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ إِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ هَذَا آخِرُ مَا نُقِلَ مِنْ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي غَزَوَاتِهِ وَسَرَايَاهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بصحة ذلك

باب أصل فرض الجهاد

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " لَمَا مَضَتْ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُدَّةٌ مِنْ هِجْرَتِهِ أَنْعَمَ اللَّهُ فِيهَا عَلَى جَمَاعَاتٍ بِاتِّبَاعِهِ حَدَثَتْ لَهَا مَعَ عَوْنِ اللَّهَ قُوَّةٌ بِالْعَدَدِ لَمْ تَكُنْ قَبْلَهَا فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجِهَادَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وهو كره لكم﴾ وقال تعالى ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ مَعَ مَا ذَكَرْتُهُ فُرِضَ الْجِهَادُ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وإذ قد مضت سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في أعلام نُبُوَّتِهِ، وَتَرْتِيبِ شَرِيعَتِهِ وَمَا سَارَ بِأُمَّتِهِ فِي حَرْبِهِ وَغَزَوَاتِهِ الَّتِي لَا يَسْتَوْضِحُ الْعُلَمَاءُ طَرِيقَ الشَّرْعِ إِلَّا بِهَا فَهَذَا الْبَابُ يَشْمَلُ مِنْهَا عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْهِجْرَةِ وَالثَّانِي: فَرْضُ الْجِهَادِ فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ، فَالْكَلَامُ فِيهَا يَشْمَلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُكْمُهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالثَّانِي: حُكْمُهَا بَعْدَهُ.
فَأَمَّا حُكْمُهَا فِي زَمَانِهِ فَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا: قَبْلَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالثَّانِيَةُ: بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَيْهَا فَأَمَّا حُكْمُهَا وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْإِبَاحَةِ دُونَ الْوُجُوبِ، لِأَنَّهَا هِجْرَةٌ عَنِ الرَّسُولِ، فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ اشْتَدَّ بِهِمُ الْأَذَى وَتَتَبَّعَتْهُمْ قُرَيْشٌ بِالْمَكَارِهِ، رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ فِي الْإِذْنِ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ عَنْهُمْ فَقَالُوا مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] يَعْنِي مَكَّةَ ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء " 75] فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَا سَأَلُوا مِنَ الْهِجْرَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100]

وَفِيهَا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمُرَاغِمَ الْمُتَحَوِّلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَالسَّعَةُ: الْمَالُ وَالثَّانِي: إِنَّ الْمُرَاغَمَ طَلَبُ الْمَعَاشِ وَالسَّعَةُ: طِيبٌ الْعَيْشِ، فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ مُبَاحَةً لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْأَذَى أَوْ عَلَى دِينِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ فَأَمَّا الْآمِنُ عَلَى نَفْسِهِ وَدِينِهِ فَهِجْرَتُهُ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَعْصِيَةٌ إِلَّا لِحَاجَةٍ لِمَا فِي مَقَامِهِ مِنْ ظُهُورِ الْإِيمَانِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ قَدْ كَانَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهِيَ مُبَاحٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَفَى هَذِهِ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [النحل: 41] يَعْنِي: هَاجَرُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: 41] فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: نُزُولُ الْمَدِينَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالثَّانِي: النَّصْرُ عَلَى عَدُوِّهِمْ، قاله الضحاك وأما حكمهما بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْوُجُوبِ دُونَ الْإِبَاحَةِ، لِأَنَّهَا هِجْرَةٌ إِلَى الرَّسُولِ، فَقَدْ كَانَتْ هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ مَكَّةَ قَبْلَ الْفَتْحِ إِلَيْهِ وَهُمْ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي سَعَةِ مَالٍ وَعَشِيرَةٍ، لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى دِينِهِ كَالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَمِثْلُ هَذَا قَدْ كَانَ مَأْمُورًا بِالْهِجْرَةِ نَدْبًا، وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ حَتْمًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100] وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دِينِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْخُرُوجِ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ فَهَذَا قَدْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ عَلَيْهِ وَاجِبَةً، وَهُوَ بِالتَّأَخُّرِ عَنْهَا عَاصٍ لِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ بِالْمَقَامِ لِلْأَذَى وَيَمْتَنِعُ بِالتَّأَخُّرِ عَنِ النُّصْرَةِ، قَالَ اللَّهُ تعالى ﴿والذين تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دِينِهِ وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْخُرُوجِ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، إِمَّا لِضَعْفِ حَالٍ أَوْ عَجْزِ بَدَنٍ، فَهَذَا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْمَقَامِ حَرَجٌ وَلَا مَأْثَمٌ، وَهُوَ بِالتَّأَخُّرِ عَنِ الْهِجْرَةِ مَعْذُورًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرجال

وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا} [النساء: 98] يَعْنِي: لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً بِالْخَلَاصِ مِنْ مَكَّةَ وَلَا يَجِدُونَ سَبِيلًا فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَيَكُونُ فِي التَّوْرِيَةِ عَنْ دِينِهِ بِإِظْهَارِ الْكُفْرِ وَاسْتِبْطَانِ الْإِسْلَامِ مُخَيَّرًا كَالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَبَوَيْهِ حِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْهِجْرَةِ بِمَكَّةَ فَامْتَنَعَ أَبَوَاهُ مِنْ إِظْهَارِ الْكُفْرِ فَقُتِلَا، وَتَظَاهَرَ بِهِ عَمَّارٌ فَاسْتُبْقِيَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالِإيمان﴾ [النحل: 106] الْآيَةَ فَعَلَى هَذَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْهِجْرَةُ فِي زَمَانِنَا فَتَخْتَصُّ بِمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي الْهِجْرَةِ مِنْهَا إِلَى دَارِ إِسْلَامٍ، وَلَا تَخْتَصُّ بِدَارِ الْإِمَامِ

وَحَالُهُ يَنْقَسِمُ فِيهَا خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالِاعْتِزَالِ وَيَقْدِرَ عَلَى الدُّعَاءِ وَالْقِتَالِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّهَا صَارَتْ بِإِسْلَامِهِ وَاعْتِزَالِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ دُعَاءُ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ نُصْرَتِهِ بِجِدَالٍ أَوْ قِتَالٍ وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالِاعْتِزَالِ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى الدُّعَاءِ وَالْقِتَالِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ وَلَا يُهَاجِرَ، لِأَنَّ دَارَهُ قَدْ صَارَتْ بِاعْتِزَالِهِ دَارَ إِسْلَامٍ، وَإِنْ هَاجَرَ عَنْهَا عَادَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ وَالْقِتَالُ لِعَجْزِهِ عَنْهَا وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى الِاعْتِزَالِ وَلَا عَلَى الدُّعَاءِ وَالْقِتَالِ، فَهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَقَامُ، لِأَنَّهُ لَمْ تَصِرْ دَارُهُ دَارَ إِسْلَامٍ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَرْجُوَ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ بِمَقَامِهِ، فَالْأَوْلَى بِهِ أَنْ يُقِيمَ وَلَا يُهَاجِرَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَرْجُوَ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ بِهِجْرَتِهِ فَالْأَوْلَى بِهِ أَنْ يُهَاجِرَ وَلَا يُقِيمَ وَالثَّالِثُ: أَنْ تَتَسَاوَى أَحْوَالُهُ فِي الْمَقَامِ وَالْهِجْرَةِ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْمَقَامِ وَالْهِجْرَةِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَيَقْدِرَ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ وَهُوَ عَاصٍ إِنْ أَقَامَ، وَفِي مِثْلِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ قِيلَ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا تُرَاءَى نَارَاهُمَا وَمَعْنَاهُ: لَا يَتَّفِقُ رَأْيَاهُمَا، فَعَبَّرَ عَنِ الرَّأْيِ بالنار، لأن الإنسان يستضئ بالرأي كما يستضئ بالنار

وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ " أَيْ لَا تَقْتَدُوا بِآرَائِهِمْ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَيَضْعُفَ عَنِ الْهِجْرَةِ فَتَسْقُطَ عَنْهُ الْهِجْرَةِ، لِعَجْزِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِإِظْهَارِ الْكُفْرِ، وَيَكُونَ مُسْلِمًا بِاعْتِقَادِ الْإِسْلَامِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ أَنْ يَتَظَاهَرَ بِالْكُفْرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ وَالْعَاجِزُ عَنِ الْهِجْرَةِ مُضْطَرٌّ، وَيَكُونُ فَرْضُ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ آمَنَ فِيهَا بَاقِيًا مَا بَقِيَ لِلشِّرْكِ دَارٌ.
رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا تَنَقطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنَقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ". فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ". قِيلَ: فِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الْيَوْمِ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ دَارَ إِسْلَامٍ.
الثَّانِي: لَا فَضِيلَةَ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ الْيَوْمِ كَفَضِيلَتِهَا قَبْلَ الْيَوْمِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ أَشَقَّ مِنْهَا بَعْدَهُ فَكَانَ فَضْلُهَا أَكْثَرَ مِنْ فَضْلِهَا بَعْدَهُ.
وَفِي تَسْمِيَتِهَا هِجْرَةً وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ يَهْجُرُ فِيهَا مَا أَلِفَ مِنْ وَطَنٍ وَأَهْلٍ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يَهْجُرُ فِيهَا الْعَادَةَ مِنْ عَمَلٍ أَوْ كَسْبٍ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي فَرْضِ الْجِهَادِ فَلِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: وَهِيَ أَوَّلُ أَحْوَالِهِ، أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُدَّةَ مَقَامِهِ بِمَكَّةَ مَنْهِيًّا عَنِ الْقِتَالِ، مَأْمُورًا بِالصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَظْهِرِ الْإِنْذَارَ بِالْوَحْيِ.
وَالثَّانِي: فَرِّقِ الْقَوْلَ فِيهِمْ مُجْتَمِعِينَ وَفُرَادَى.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَعْرِضْ عَنْ قِتَالِهِمْ.

والثاني: أعرض عن استهزائهم.
والمستهزؤون خَمْسَةٌ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، وَأَبُو زَمْعَةَ وَالْأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا قَبْلَ بَدْرٍ، لِاسْتِهْزَائِهِمْ بِرَسُولِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68] . وَفِي خَوْضِهِمْ فِي آيَاتِهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَكْذِيبُهُمْ بِالْقُرْآنِ.
وَالثَّانِي: تَكْذِيبُهُمْ لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال تعالى: ﴿ادع إلى رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125] . يَعْنِي إِلَى دِينِ رَبِّكَ وَهُوَ الْإِسْلَامُ.
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ فِيهَا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: بِالْقُرْآنِ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ.
وَالثَّانِي: بِالرِّسَالَةِ وَهُوَ محتمل.
﴿والموعظة الحسنة﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: بِالْقُرْآنِ، مَنْ لَيْسَ مِنَ الْقَوْلِ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ.
وَالثَّانِي: بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] فِيهِ أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: بِالْعَفْوِ.
وَالثَّانِي: بِأَنْ تُوقِظَ الْقُلُوبَ وَلَا تُسَفِّهَ الْعُقُولَ.
وَالثَّالِثُ: بِأَنْ تُرْشِدَ الْخَلَفَ وَلَا تَذُمَّ السَّلَفَ.
وَالرَّابِعُ: عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتَمِلُونَ.
رَوَى نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أُمِرْنَا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ نُعَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ " وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني﴾ [آل عمران: 2] وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ: أَسْلَمْتُ نَفَسِي لِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ أَخْلَصْتُ قَصْدِي لِطَاعَةِ اللَّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فِي أَمْرِهِ عِنْدَ حِجَاجِهِمْ بِأَنْ يَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ عُدُولٌ عَنْ جَوَابِهِمْ وَتَسْلِيمٌ بِحِجَاجِهِمْ.
قِيلَ: فِيهِ جوابان:

أَحَدُهُمَا: إنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ إِخْبَارًا لَهُمْ بِمُعْتَقَدِهِ ثُمَّ هُوَ فِي الْجَوَابِ لَهُمْ، وَالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ السُّؤَالُ وَالثَّانِي: إنَّهُمْ مَا حَاجُّوهُ طَلَبًا لِلْحَقِّ، فَيَلْزَمُهُ الْجَوَابُ، وَإِنَّمَا حَاجُّوهُ إِظْهَارًا لِلْعِنَادِ، فَجَازَ لَهُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ بِمَا أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ.
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على هذا مرة مُقَامِهِ بِمَكَّةَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِي الْقِتَالِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَضْعُفُ عَنْهُ وَكَانَتْ رِسَالَتُهُ مُخْتَصَّةً بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنْذَارُ الْمُشْرِكِينَ.
وَالثَّانِي: مَا يَشْرَعُهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ.
ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ، ظَهَرَتْ لَهُ بِهَا قُوَّةٌ، فَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَيَكُفَّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ فَقَالَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ: أَمَرَ اللَّهُ فِيهَا رَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَالْكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ وفي قوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَعْتَدُوا بِقِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْكُمْ.
وَالثَّانِي: لَا تَعْتَدُوا بِالْقِتَالِ عَلَى غَيْرِ الدِّينِ فَكَانَ هَذَا قِتَالُ دَفْعٍ، وَهِيَ الْحَالُ الثَّانِيَةُ مِنْ أَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أن يجازي ولا يبتدىء، فَلَمَّا مَضَتْ بِهِ مُدَّةٌ ازْدَادَتْ فِيهَا قُوَّتُهُ وَكَثُرَ فِيهَا عَدَدُهُ نَقَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى حَالَةٍ ثَالِثَةٍ أَذِنَ لَهُ فِيهَا بِقِتَالِ مَنْ رَأَى إِذْنًا خَيَّرَهُ فِيهِ وَلَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ تَعَالَى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39] . فَلَمْ يَقْطَعِ الْإِخْبَارَ بِنَصْرِهِمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحَتِّمْ فَرْضَ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمَّا فَرَضَ الْجِهَادَ قَطَعَ بِنَصْرِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40] . فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُخَيَّرًا بَيْنَ الْكَفِّ وَالْقِتَالِ، فَأَسْرَى سَرَايَا وَغَزَا بَدْرًا وَهُوَ فِي الْجِهَادِ مُخَيَّرٌ، وَلِذَلِكَ خَرَجَ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ مَنْ أَمَرَهُ بِالْجِهَادِ مَعَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِجَابَتُهُ، لِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ طَاعَةِ رَسُولِهِ فِي أَوَامِرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْجِهَادُ فَرْضًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِمَا يُصْلِحُكُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الصَّلَاحِ بِالْحَيَاةِ.
وَالثَّانِي: لِمَا تَدُومُ بِهِ حَيَاتُكُمْ فِي الْجَنَّةِ بِالْخُلُودِ فِيهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى هَذَا التَّخْيِيرِ حَتَّى قَوِيَ أَمْرُهُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَقَوِيَتْ نُفُوسُ أَصْحَابِهِ بِمَا شاهدوه من

نَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَلَهُمْ وَحُدُوثِ الْقُوَّةِ بَعْدَ ضَعْفِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ فَنَقَلَهُ إِلَى الْحَالَةِ الرَّابِعَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ أَحْوَالِهِ، فَحِينَئِذٍ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْجِهَادَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، فَقَالَ فِيهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73] . وَجِهَادُ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ بِالْوَعْظِ إِنْ كَتَمُوا، وَبِالسَّيْفِ إن أعلنوا.
وفي قوله: ﴿واغلظ عليهم﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَبَرَّ لَهُمْ قَسَمًا.
وَالثَّانِي: لَا تَقْبَلْ لَهُمْ عُذْرًا.
وَقَالَ لِلْكَافَّةِ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78] . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إنَّهُ الصَّبْرُ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ طَلَبُ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ دُونَ الْغَنِيمَةِ.
وَرَوَى أَبُو مُرَاوِحٍ الْغِفَارِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا وأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا " ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْضَهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كره لكم﴾ [البقرة: 216] . وكتب: فمعنى: فُرِضَ، كَمَا قَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] . أَيْ: فُرِضَ.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لكم﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي نُفُوسِكُمْ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ شَاقٌّ عَلَى أَبْدَانِكُمْ، وَهَلْ ذَلِكَ قَبْلَ التَّعَبُّدِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعسى أن تحبوا شيئا وهو كره لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ، قَدْ تَكْرَهُونَ مَا تَكُونُ عَوَاقِبُهُ خَيْرًا لكم وتحبون ما تكن عَوَاقِبُهُ شَرًّا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الْقِتَالِ عَلَى أَنْ تَكْرَهُوهُ وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا بِالظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا الْمُوَادَعَةَ وَالْكَفَّ وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا بِالظُّهُورِ عَلَيْكُمْ، وَفِي الْآخِرَةِ بِنُقْصَانِ أُجُورِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَرْضُ الْجِهَادِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ تَرَتَّبَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ كَانَ فِي بتداء فَرْضِهِ مَخْصُوصَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَأَمَّا مَخْصُوصُ زَمَانِهِ ففيما

عَدَا الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُحَرِّمُ الْقِتَالَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، لِيَنْتَشِرُوا فِيهَا آمِنِينَ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36] . وَهِيَ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ وَوَاحِدٌ فَرْدٌ " وَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْقِتَالَ في الحرم فقال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67] فَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ فَرْضِ الْجِهَادِ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَتَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ، فَقَالَ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] . فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْقِتَالَ فِيهَا عَلَى الْعُمُومِ ابْتِدَاءً وَمُقَابَلَةً، ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ وَلَمْ يُبِحْ قِتَالَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194] وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
إنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنُهِيتَ يَا مُحَمَّدُ عَنْ قِتَالِنَا فِي الشَهْرِ الْحَرَامِ فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يُقَاتِلُوهُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بالشهر الحرام﴾ أَيْ: إِنِ اسْتَحَلُّوا قِتَالَكُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَاسْتَحِلُّوا مِنْهُمْ مِثْلَ مَا اسْتَحَلُّوا مِنْكُمْ وَفِي قوله تعالى: ﴿والحرمات قصاص﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي انْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ.
وَالثَّانِي: فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ حِفْظُ الْحُرُمَاتِ ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ وَقِتَالَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217] فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ حُرْمَةَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَمَعْصِيَةَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ مَعْصِيَةِ الْقِتَالِ، فَصَارَ لِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: الْأُولَى: تَحْرِيمُهُ فِيهَا لِمَنْ قَاتَلَ وَلَمْ يُقَاتِلْ.
وَالثَّانِيَةُ: إنَّهُ أُبِيحَ فِيهَا قِتَالُ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ.
وَالثَّالِثَةُ: إنَّهُ أُبِيحَ فِيهَا قِتَالُ مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذِهِ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ غَيْرُ مُبَاحَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ فِيهَا إِلَّا قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تَعْلِيلِ الْإِبَاحَة بقوله: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ وَهَذَا تَعْلِيلٌ عَامٌّ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْإِبَاحَةُ عَامَّةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَقَدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ عَلَى قِتَالِ قُرَيْشٍ فِي ذي القعدة،

وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَأَمَّا الْحَرَمُ فَقَدْ كَانَ الْقِتَالُ فِيهِ حَرَامًا عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَقَالَ: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾ [البقرة: 191] ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193] . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] . وَقَالَ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 191] . فَصَارَ لِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْحَرَامِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
الْأُولَى: تَحْرِيمُهُ فِيهِ لِمَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ.
والثانية: إِبَاحَتُهُ لِمَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ.
وَالثَّالِثَةُ: إِبَاحَتُهُ لِمَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْحَالُ الثَّالِثَةُ غَيْرُ مُبَاحَةٍ، وَلَا يَسْتَبِيحُ فِيهِ إِلَّا قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قاتل أهل مكة عام الفتح مبتدءا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَاتَلَ فِيهِ أَهْلَ الْمَعَاصِي فَكَانَ تَطْهِيرُ الْحَرَمِ مِنْهُمْ أَوْلَى.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا صَارَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَامًّا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ابْتِدَاءِ فَرْضِهِ، هَلْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْكِفَايَةِ؟ أَوْ لَمْ يَزَلْ عَلَى الْكِفَايَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّ ابْتِدَاءَ فَرْضِهِ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْكِفَايَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: 41] . وَفِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: شَبَابًا وَشُيُوخًا، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَالثَّانِي: أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ.
وَالثَّالِثُ: أَصِحَّاءَ وَمَرْضَى، وَهَذَا قَوْلُ جُوَيْبِرٍ.
وَالرَّابِعُ: رُكْبَانًا وَمُشَاةً، وَهَذَا قَوْلُ جُوَيْبِرٍ.
وَالْخَامِسُ: نَشَاطًا وَكَسَالَى، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالسَّادِسُ: على خفة النفير وثقله، وهذا ابْنِ جَرِيرٍ وَالسَّابِعُ: خِفَافًا إِلَى الطَّاعَةِ، وَثِقَالًا عَنِ الْمُخَالَفَةِ، وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثَامِنًا: خِفَافًا إِلَى الْمُبَارَزَةِ وَثِقَالًا فِي الْمُصَابَرَةِ: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[التوبة: 41] وَفِي الْجِهَادِ بِالْمَالِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ بِزَادٍ وَرَاحِلَةٍ.
وَالثَّانِي: بِبَذْلِ الْمَالِ لِمَنْ يُجَاهِدُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ.
وَفِي الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْخُرُوجُ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ.
وَالثَّانِي: الْقِتَالُ إِذَا حَضَرَ الْوَقْعَةَ: ﴿ذَلِكُمْ خير لكم﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن الجهاد خيرا مِنْ تَرْكِهِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْخَيْرَ فِي الْجِهَادِ لا في تركه.
﴿إن كنتم تعلمون﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَ اللَّهِ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.
وَالثَّانِي: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ لَكُمُ الْخَيْرَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى تَعْيِينِ الْفَرْضِ، ثُمَّ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] . يَعْنِي: تَابَ اللَّهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿خُلِّفُوا﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: خُلِّفُوا عَنِ السَّرِيَّةِ.
وَالثَّانِي: خُلِّفُوا عَنِ الْخُرُوجِ: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: 118] . لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين هجروهم ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ يَعْنِي: مِمَّا لَقُوهُ مِنْ جَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ: ﴿وظنوا ألا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: 118] أَيْ: تيقنوا أنهم لا يجدون ملجأ يلجأون إِلَيْهِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وَالصَّفْحِ عَنْهُمْ إِلَّا إِلَى اللَّهِ: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: 118] . أَيْ: قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ لِيَسْتَقِيمُوا، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: وَذَلِكَ بَعْدَ خَمْسِينَ لَيْلَةً مِنْ مَقْدَمِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ تَبُوكَ، فَلَوْ كَانَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَلَى الْكِفَايَةِ دُونَ الْأَعْيَانِ لَمْ يَخْرُجْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَقَدْ خَرَجَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، لَا يُؤَثِّرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ فِيهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ لَمْ يَزَلْ عَلَى الْكِفَايَةِ دُونَ الْأَعْيَانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُجَاهِدُوا جَمِيعًا لِأَنَّ فَرْضَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ لَهُمْ إِذَا جَاهَدُوا قَوْمًا أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُمْ، حَتَّى يتخلفوا لحفظ

الذَّرَارِيِّ وَطَاعَةِ الرَّسُولِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ليتفقهوا في الدين﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِيَتَفَقَّهَ الطَّائِفَةُ النَّافِرَةُ، إِمَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِهَادِهِ، وَإِمَّا مُهَاجَرَةً إِلَيْهِ فِي إِقَامَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَالثَّانِي: لِيَتَفَقَّهَ الطَّائِفَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ النُّفُورِ فِي سَرَايَاهُ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وفي المراد بقوله: ﴿وليتفقهوا في الدين﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِيَتَفَقَّهُوا فِيمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، وَتَأْيِيدِهِ لِدِينِهِ وَتَصْدِيقِ وَعْدِهِ وَمُشَاهَدَةِ معجزاته ليقوي إيمانهم، ويخيروا به قومهم إذا رجعوا إليهم.
والثاني: يتفقهوا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ وَمَعَالِمِ الشَّرْعِ، وَيَتَحَمَّلُوا عَنِ الرَّسُولِ مَا يَقَعُ بِهِ الْبَلَاغُ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ فَرَضَ الْجِهَاد عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أو انفروا جميعاً﴾ وفي قوله: ﴿خذوا حذركم﴾ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: احْذَرُوا عَدُوَّكُمْ.
وَالثَّانِي: خُذُوا سِلَاحَكُمْ، وقوله تعالى: (فانفروا ثبات) يعني: فرقاً وعصباً، (أو انفروا جميعاً) أَيْ: بِأَجْمَعِكُمْ.
فَخَيَّرَهُمُ اللَّه تَعَالَى بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْكَافَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَعَاهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، فَتَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمُ الْإِجَابَةُ حِينَ عَيَّنَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ، فَهَذَا تَوْجِيهُ الْوَجْهَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ فَرْضِهِ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ ابْتِدَاءَ فَرْضِهِ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَعَلَى الْكِفَايَةِ فِي غَيْرِهِمْ لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ انْقَطَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِنُصْرَتِهِ فَتَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ بَدْرٍ بِالْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً، وَمَا جَاهَدَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ قَبْلَ بَدْرٍ، فَتَعَيَّنَ الْفَرْضُ عَلَى مَنِ ابتدىء به، ولم يتعين على من لم يبتدأ بِهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَمَّى أَهْلَ الْفَيْءِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ مُهَاجِرِينَ، وَجَعَلَ فَرْضَ الْعَطَاءِ فِيهِمْ وَسَمَّى غَيْرَهُمْ وَإِنْ جَاهَدُوا أَعْرَابًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرِ: (قَدْ حَسَّهَا اللَّيْلُ بِعُصْلُبِيٍّ ... أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّارِيِّ)

(مُهَاجِرًا لَيْسَ بِأَعْرَابِيِّ ... )

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ الْآنَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْكِفَايَةِ دُونَ الْأَعْيَانِ فَالَّذِي يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ الْجِهَادِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: كَفُّ الْعَدُوِّ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَخَطَّفَهَا لِيَنْتَشِرَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا آمِنِينَ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ أَظَلَّ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ وَخَافُوهُ عَلَى بِلَادِهِمْ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ

عَلَى كُلِّ مَنْ أَطَاقَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي أَظَلَّهَا الْعَدُوُّ، وَكَانَ فَرْضُهُ عَلَى غَيْرِهِمْ بَاقِيًا عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَطْلُبَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَ الْمُشْرِكِينَ لِيُقَاتِلُوهُمْ عَلَى الدِّينِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ إِنْ لَمْ يُسْلِمُوا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الْجِهَادَ لِنُصْرَةِ دِينِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويكون الدين كله لله﴾ [البقرة: 193] . وَهَذَا مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ فَرْضُ الْجِهَادِ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِي الْأَوَّلِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَكَافَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتَصِرُوا فِي الْجِهَادِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ حَتَّى يَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا فَيَذُبُّوا عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَيُقَاتِلُوا عَلَى بِلَادِ الشِّرْكِ، فإن وقع الاقتصار على أحدهما: حرج أَهْلُ الْجِهَادِ لِإِخْلَالِهِمْ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةُ مَا إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَفَرْضُ الْأَعْيَانِ مَا لَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ إِلَّا عَنْ فَاعِلِهِ وَالْكِفَايَةُ فِي الْجِهَادِ تَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ وَيَقُومَ فِيهِ بِحَقِّهِ فَيَسْقُطَ فَرْضُهُ عَنِ الْكَافَّةِ لِمُبَاشَرَةِ الْإِمَامِ لَهُ بِأَعْوَانِهِ وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ ثُغُورُ الْمُسْلِمِينَ مَشْحُونَةً مِنَ الْمُقَاتِلَةِ بِمَنْ يَذُبُّ عَنْهَا وَيُقَاتِلُ مَنْ يَتَّصِلُ بِهَا فَيَسْقُطَ بِهِمْ فَرْضُ الْجِهَادِ عَمَّنْ خَلْفَهُمْ، فَإِنْ ضَعُفُوا وَاسْتَنْفَرُوا وَجَبَ عَلَى مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمُدُّوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِمَنْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّهُمْ، وَيَصِيرُ جَمِيعُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ إِمْدَادِهِمْ دَاخِلًا فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ حَتَّى يَمُدُّوهُمْ بِأَهْلِ الْكِفَايَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَؤُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَتِهِمْ أَدْنَاهُمْ " وَفِي تَسْمِيَتِهِ جِهَادًا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ يَجْهَدُ فِي قَهْرِ عَدُوِّهِ وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يَبْذُلُ فِيهِ جَهْدَ نَفْسِهِ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ وَقَدْ رَجَعَ مِنْ بَعْضِ غَزَوَاتِهِ: " رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ " يعني: جهاد النفس.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَدَلَّ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ لَمْ يُفْرَضِ الْجِهَادُ عَلَى مُمْلِوكٍ وَلَا أُنْثَى وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ فَحَكَمَ أَنْ لَا مَالَ لِلْمُلُوكِ وَقَالَ ﴿حَرِّضِ المؤمنين على القتال﴾ فدل على أنهم الذكور وعرض ابن عمر على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فرده وعرض عليه عام الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه وحضر مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في غزوة عبيد ونساء غير بالغين فرضخ لهم وأسهم لضعفاء أحرار وجرحى

بالغين فدل على أن السهمان إنما تكون إن شهد القتال من الرجال الأحرار فدل بذلك أن لا فرض على غيرهم في الجهاد " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْجِهَادِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ بِعُذْرٍ وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِهِ وَيَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي الْبَابِ الْآتِي.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهِلْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ أَنَّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ بِعُذْرٍ أُسْهِمَ لَهُ إِذَا حَضَرَ، وَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ إِذَا حَضَرَ اعْتِبَارًا بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، أَنَّ مَنْ سَقَطَ فَرْضُهَا عَنْهُ بِعُذْرٍ لَزِمَتْهُ إِذَا حَضَرَهَا، وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَلْزَمْهُ إِذَا حَضَرَهَا اعْتِبَارًا بِالْحَجِّ أَنَّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِهِ لَمْ يُجْزِ إِذَا حَجَّ عَنْ فَرْضِهِ، وَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ إِذَا حَجَّ عَنْ فَرْضِهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَفَرْضُ الْجِهَادِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَنْ تَكَامَلَ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْحُرِّيَّةُ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ الرِّقِّ وَإِنْ قَلَّ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَرْضُ الْكِفَايَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] وَهَذَا خِطَابٌ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَمْلُوكَ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، فَصَارَ دَاخِلًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] . لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَمَرَرْنَا بِقَوْمٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَتَبِعَنَا مَمْلُوكٌ لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " استَأَذَنْتَ مَوْلَاتَكَ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: لَوْ مُتَّ لم أصل عليك ارجع واستأذنها، وأقرءها مِنِّي السَّلَامَ، فَرَجَعَ فَاسْتَأْذَنَهَا فَأَذِنَتْ لَهُ " وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " كان إذ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ سَأَلَ: أَحُرٌّ هُوَ أَمْ مَمْلُوكٌ فَإِنْ قَالَ: أَنَا حُرٌّ بَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ، وَإِذَا قَالَ: أَنَا مَمْلُوكٌ بَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلَى الْجِهَادِ " وَلِأَنَّهُ لَا يُسْهِمُ لَهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ أَسْهَمَ لَهُ وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ خَرَجَ الْعَبْدُ مَنْ فَرَّ مِنْهَا كَالْحَجِّ، وَلَا يُنْتَقَضُ بِالْهِجْرَةِ، لِأَنَّ الْمَسَافَةَ فِيهَا هِيَ الْعِبَادَةُ، وَالْمَسَافَةُ في الحج والجهاد يتعلق بها فَرَّ مِنَ الْعِبَادَةِ وَلَيْسَتْ هِيَ الْعِبَادَةُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الذُّكُورِيَّةُ، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى مُشْكَلًا فَلَا جِهَادَ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْجِهَادِ إِلَيْهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾

[الأنفال: 65] وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَجَّهُ إِلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَلَا يَدْخُلْنَ فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْجِهَادِ قَالَ: " جِهَادُكِ: الْحَجُّ " وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " جِهَادُ الْكَبِيرِ الضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ "، وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الْجِهَادِ الْقِتَالُ وَالنِّسَاءُ يَضْعُفْنَ عَنْهُ.
رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، فَقَالَ: " مَا بَالُ هَذِهِ تُقْتَلُ وَلَا تُقَاتِلُ " وَلِاسْتِفَاضَةِ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، قَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَقَدْ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ: (إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِنْدِي ... قَتْلَ بَيْضَاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ)

(كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ) وَلِأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ يَجِبُ صَوْنُهُنَّ عَنْ بِذْلَةِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّهُنَّ لَا يُسْهَمُ لَهُنَّ لَوْ حَضَرْنَ وَلَوْ تَوَجَّهَ الْفَرْضُ إِلَيْهِنَّ لَأُسْهِمَ لَهُنَّ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: البلوغ، فإ، كان صبياً قلا جِهَادَ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ إِلَيْهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] وَفِي الضُّعَفَاءِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الصِّبْيَانُ وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَالثَّانِي: الْمَجَانِينُ، وَلَمْ يُرِدْ بِالضَّعْفِ الْفَقْرَ، لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ ، ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يتنبه " ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَدَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ لِصِغَرِهِمْ.
وَرَوَى نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي وَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْقِتَالِ وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يوم الخندق، وأنا ابن خمسة عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي، وَلِأَنَّ الْقِتَالَ تَكْلِيفٌ، وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلِأَنَّهُ ذُرِّيَّةٌ يُقَاتَلُ عَنْهُ، وَلَا يُقَاتِلُ، وَلِأَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِتَالِ وَمُقَاوَمَةِ الرِّجَالِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ لَوْ حَضَرَ.

وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ الْعَقْلُ، فَلَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْجِهَادِ إِلَى مَجْنُونٍ وَمَنْ لَا يَصِحُّ تَمْيِيزُهُ وَتَحْرِيرُهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلِأَنَّ حُضُورَهُ مُفْضٍ لِقِلَّةِ تَمْيِيزِهِ إِمَّا إِلَى الْهَزِيمَةِ.
وَإِمَّا إِلَى إِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَكِلَاهُمَا ضَرَرٌ.
فَإِذَا اسْتُكْمِلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ فِي مُسْلِمٍ كَانَ مَنِ اسْتُكْمِلَتْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ وَتَوَجَّهَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ إِلَيْهِ سَوَاءً كَانَ يُحْسِنُ الْقِتَالَ أَوْ لَا يُحْسِنُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْقِتَالَ حَارَبَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ كَثَّرَ وَهِيبَ أَوْ تَخَلَّفَ عَنِ الْوَقْعَةِ لِحِفْظِ رِحَالِ الْمُحَارِبِينَ، فَكَانَ لِخُرُوجِهِ مَعَهُمْ تَأْثِيرٌ.
وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْعَبِيدِ فِي الْجِهَادِ إِذَا خَرَجُوا مَعَ سَادَاتِهِمْ أو بإذنهم.
ويأذن في خروج ذوات غير الْهَيْئَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى وَتَعْلِيلِ الْمَرْضَى وَإِصْلَاحِ الطَّعَامِ، فَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِكَ فِي غَزَوَاتِهِ، وَيَأْذَنُ فِي خُرُوجِ مَنِ اشْتَدَّ مِنَ الصِّبْيَانِ، لِأَنَّهُمْ أَعْوَانٌ، وَلَا يَأْذَنُ فِي خُرُوجِ الْمَجَانِينِ لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ ضَارٌّ فَأَمَّا الْبُلُوغُ فَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا شَرْحَهُ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ وَغَيْرِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ

بَابٌ مَنْ لَهُ عُذْرٌ بِالضَّعْفِ وَالضَّرَرِ وَالزَّمَانَةِ والعذر بترك الجهاد من كتاب الجزية

(مسألة)

: قال الشافعي: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا على المرضى﴾ الآية قال ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ وَقَالَ ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ فَقِيلَ: الْأَعْرَجُ الْمُقْعَدُ وَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ عَرَجُ الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي وَضْعِ الْجِهَادِ عَنْهُمْ (قال) ولا يحتمل غيره فإن كان سالم البدن قويه لا يجد أهبة الخروج ونفقة من تلزمه نفقته إلى قدر ما يرى لمدته في غزوة فهو ممن لا يجد ما ينفق فليس له أن يتطوع بالخروج ويدع الفرض " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْأَعْذَارُ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا فَرْضُ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنْ أَهْلِهِ فَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ أَرْبَعَةَ أَعْذَارٍ، الْعَمَى وَالْعَرَجُ، وَالْمَرَضُ، وَالْعُسْرَةُ.
وَقَدْ بَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿لَيْسَ على الضعفاء﴾ [91] وَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: إنَّهُمُ الصِّغَارُ لِضَعْفِ أَبْدَانِهِمْ.
وَالثَّانِي: الْمَجَانِينُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: إنَّهُمُ الْعُمْيَانُ لِضَعْفِ تَصَرُّفِهِمْ كَمَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قوله تعالى في شعيب: ﴿إنا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] . أَيْ: ضَرِيرًا.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: 91] يُرِيدُ بِهِ مَرْضَى الْبَدَنِ إِذَا عَجَزَ بِهِ تَصَرُّفُهُ الصَّحِيحُ، ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] وَهُمُ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نَفَقَةَ جِهَادِهِمْ ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91] فيه تأويلان: أحدهما: أن يبرؤوا مِنَ النِّفَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُومُوا بِحِفْظِ الْمُخَلَّفِينَ.
فَإِنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ كَانَ رَاجِعًا إِلَى جَمِيعِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ

وَالْمَرْضَى وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ.
وَإِنْ قِيلَ بِالتَّأْوِيلِ الثَّانِي كَانَ رَاجِعًا إِلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ خَاصَّةً وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92] فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُمْ زَادًا لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا مَا يَتَزَوَّدُونَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَنَسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُمْ نِعَالًا لأنهم طلبوا النعال، وهذا قول الحسن بْنِ صَالِحٍ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ: " أَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا زَالَ رَاكِبًا مَا كَانَ مُنْتَعِلًا " وَفِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْمُطَاعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي مُوسَى وَأَصْحَابِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَنِي مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: 93] فِيهِمْ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الذَّرَارِيُّ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الْمُتَخَلِّفُونَ بِالنِّفَاقِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ الْجِهَادِ فِي ذَوِي الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي ذَوِي الْأَعْذَارِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حرج﴾ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ.
إِحْدَاهُمَا: سُورَةُ النُّورِ [النُّورِ: 61] وَالْأُخْرَى: سُورَةُ الْفَتْحِ [الْفَتْحِ: 17] فِلْم يَخْتَلِفِ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الَّتِي فِي سُورَةِ الْفَتْحِ وَارِدَةٌ فِي إِسْقَاطِ الْجِهَادِ عَنْهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ.

فَذَهَب الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ إِلَى أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي الْجِهَادِ أَيْضًا كَرَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَتَيْنِ تَأْكِيدًا.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهَا فِي النُّورِ وَارِدَةٌ فِي الْمُؤَاكَلَةِ.
وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِي الْمُرَادِ بِالْمُؤَاكَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مَعَ هَؤُلَاءِ إِذَا دُعُوا إِلَى طَعَامٍ، لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ أَطْيَبَ الطَّعَامِ، وَالْأَعْرَجَ لَا يَسْتَطِيعُ الزِّحَامَ وَالْمَرِيضُ يَضْعُفُ عَنْ مُشَارَكَةِ الصَّحِيحِ فِي الطَّعَامِ، وَكَانُوا يَعْزِلُونَ طَعَامَهُمْ مُفْرَدًا، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ مُؤَاكَلَتِهِم، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ مِنْ أَهَلِّ الزَّمَانَةِ يَخْلُفُونَ الْأَنْصَارَ فِي مَنَازِلِهِمْ إِذَا خَرَجُوا لِلْجِهَادِ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْأَكْلِ مِنْ بُيُوتِ مَنِ اسْتَخْلَفُوهُمْ فِيهَا وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانَةِ حَرَجٌ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ قَائِدَهُ، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْكَرِيمِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَفْسِيرُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْآيَاتِ فَأَوَّلُ الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ الْأَعْمَى، وَهُوَ الذَّاهِبُ الْبَصَرِ، فَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ لِعِلَّةٍ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ يرى الأشخاص، وإن لم يعرف صورها وويمكنه أَنْ يَتَّقِيَ أَخْفَى السِّلَاحَ وَهُوَ السِّهَامُ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ فَرْضُهُ.
فَأَمَّا الْأَعْوَرُ فَيَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ، لِأَنَّهُ يُدْرِكُ بِالْعَيْنِ الْبَاقِيَةِ مَا كَانَ يُدْرِكُهُ بِهِمَا.
وَكَذَلِكَ الْأَعْشَى الَّذِي يُبْصِرُ نَهَارًا وَلَا يُبْصِرُ لَيْلًا، وَالْأَحْوَلُ وَالْأَعْمَشُ يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْجِهَادِ إِلَى جَمِيعِهِمْ، وَهَكَذَا الْأَصَمُّ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ النَّظَرُ دُونَ السَّمْعِ.
وَرَوَى زَيْدُ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: اكتب: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ الْآيَةَ.
فَكَتَبْتُهَا فِي كَتِفٍ، فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وَكَانَ أَعْمَى _: فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَستَطيعُ قَالَ: فَأَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - السَّكِينَةُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: اقْرَأْ يَا زَيْدُ مَا كَتَبْتَ فَقَرَأْتُ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ النساء: 95] فَقَالَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95] فَكَتَبْتُهَا.
وَالثَّانِي: من أهل الأعذار الأعرج، وفي المراد في من الْآيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُقْعَدُ.

وَالثَّانِي: وَهُوَ تَأْوِيلُ الشَّافِعِيِّ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ الْأَعْرَجُ مِنْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ لِقُصُورِهَا عَنِ الْأُخْرَى، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضْعُفَ بِهِ عَنِ الرُّكُوبِ وَيَعْجِزَ عَنِ الْمَشْيِ فَلَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْجِهَادِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَعْجِزُ عَنِ الطَّلَبِ، وَيَضْعُفُ عَنِ الْهَرَبِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ وَيَضْعُفَ عَنِ السَّعْيِ فَيَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ.
وَأَمَّا الْأَقْطَعُ الْيَدِ أَوْ أَشَلُّهَا فَلَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْجِهَادِ إِلَيْهِ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِتَالِ، سَوَاءٌ قُطِعَتْ يُمْنَاهُ أَوْ يسراه لأنه يقاتل باليمنى وتبقى بِالْيُسْرَى.
، وَإِنْ ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ بِقَطْعٍ أَوْ شَلَلٍ نُظِرَ.
فَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ بَطْشِهِ تَوَجَّهَ الْفَرْضُ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ ذَهَبَ أَكْثَرُهُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ.
وَالثَّالِثُ: مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ الْمَرِيضُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْجِزَ بِهِ عَنِ النُّهُوضِ فَيَسْقُطَ الْفَرْضُ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى النُّهُوضِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا بِالزِّيَادَةِ الَّتِي تَعْجِزُ عَنِ النُّهُوضِ فَيَسْقُطَ الْفَرْضُ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُعْذَرَ بِهِ فَيَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَخْلُو حَيٌّ مِنْ مَرَضٍ وَإِنْ خَفِيَ.
وَالرَّابِعُ: مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، الْمُعْسِرُ الَّذِي لَا يَجِدُ نَفَقَةَ جِهَادِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] وَالَّذِي يُعْتَبَرُ مِنَ الْمَالِ فِي اسْتِطَاعَتِهِ لِلْجِهَادِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَغْزَى فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْمَسَافَةِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِحَيْثُ لَا تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ فِي اسْتِطَاعَتِهِ الْحَجَّ، وَاعْتُبِرَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ.
نَفَقَةُ سفرة.
ونفقة من تخلفه مِنْ أَهْلِهِ.
وَثَمَنُ سِلَاحِهِ.
وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ إِلَى حَيْثُ تُقْصَرُ بِهَا الصَّلَاةُ، اعْتُبِرَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ مَعَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ أَوْ ضَعُفَ عَنْهُ كَالْحَجِّ، فَإِنَّ عَجَزَ عَنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْجِهَادِ مَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى عَجْزِهِ، فَلَوْ بُذِلَ لَهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنَ الْمَالِ، نُظِرَ فِي الْبَاذِلِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ بَذَلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، إِذَا تَكَامَلَتْ.

فِيهِ شُرُوطُ الْجِهَادِ، وَلَزِمَهُ فَرْضُهُ لِأَنَّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقًّا.
وَإِنْ بَذَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْمَالِ لِالْتِزَامِ الْفَرْضِ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ فِي الْحَجِّ، فَإِنْ قَبِلَهُ لَزِمَهُ فَرْضُ الْجِهَادِ بَعْدَ الْقَبُولِ، وَاللَّهُ أعلم.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَلَا يُجَاهِدَ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِ الدَّيْنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دَيْنٌ لَمْ يَخُلْ دَيْنُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا.
فَإِنْ كَانَ حَالًّا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِهِ أَوْ مُعْسِرًا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَلَمْ يَسْتَنِبْ فِي قَضَائِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لِمُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى ". وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا أَيَحْجِزُنِي عَنِ الْجَنَّةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: " لَا، إِلَّا الدَّيْنُ ". وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لَا، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: " إِلَّا الدَّيْنَ " فَقَالَ لَهُ: " إِلَّا الدَّيْنَ " وَمَا حُجِزَ عَنِ الْجَنَّةِ لَمْ يُتَوَصَّلْ بِالْجِهَادِ إِلَيْهَا، وَلِأَنَّ فَرْضَ الدَّيْنِ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ، وَفَرْضَ الْجِهَادِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَفُرُوضُ الْأَعْيَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلِأَنَّ الْجِهَادَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، هِيَ أَوْسَعُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهِيَ أَضْيَقُ فَقَدَّمَ الْأَضْيَقَ عَلَى الْأَوْسَعِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ إِلَّا بِإِذْنِهِ لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ بِالْجِهَادِ عَنِ الْكَسْبِ وَيَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ.
وَإِنِ اسْتَنَابَ الْمُوسِرُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ حَاضِرًا لَمْ يَلْزَمِ اسْتِئْذَانُ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَنِ الْجِهَادِ لِأَنَّهُ كَالْمُؤَدِّي.
وَإِنْ كَانَ الْمَالُ غَائِبًا لَزِمَهُ اسْتِئْذَانُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُتْلِفَ الْمَالَ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَيَبْقَى عَلَى صَاحِبِهِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَفِي جَوَازِ جِهَادِهِ، بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ يُجَاهِدَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاهِدَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِأَنَّ

مَقْصُودَ الْجِهَادِ التَّعَرُّضُ لِلشَّهَادَةِ، فَخَالَفَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَسْفَارِ الَّتِي لَا يُتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ فِيهَا، فَصَارَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ غَيْرَ مَوْصُوفٍ بِفَرْضِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ وَلَا بِسُقُوطِهِ عَنْهُ لِوُقُوفِهِ عَلَى إِذْنِ رَبِّهِ، فَإِنْ أَذِنَ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ، وَإِذَا جَاهَدَ بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلشَّهَادَةِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ أَمَامَ الصُّفُوفِ وَوَقَفَ فِي وَسَطِهَا أَوْ حَوَاشِيهَا لِيُتَحَفَّظَ الدَّيْنُ بِحِفْظِ نَفْسِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَنْ إِذْنِهِ كَانَ كَالَّذِي مَضَى فِي حُدُوثِ الْأَعْذَارِ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي: " وَبِإِذْنِ أَبَوَيْهِ لِشَفَقَتِهِما وَرِقَّتِهِمَا عَلَيْهِ إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَإِنْ كَانَا عَلَى غَيْرِ دِينِهِ فَإنَمَا يُجَاهِدُ أَهْلَ دِينِهِمَا فَلَا طَاعَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ قد جاهد ابن عتبة بن ربيعة مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولست أشك في كراهية أبيه لجهاده مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وجاهد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأبوه متخلف عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ب " أحد " يخذل من أطاعه " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَ لِلْمُجَاهِدِ أَبَوَانِ مُسْلِمَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] فَجَمَعَ بَيْنَ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا: أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23] . يَعْنِي: حِينَ تَرَى مِنْهُمَا الْأَذَى وَتُمِيطُ عَنْهُمَا الْقَذَى، فَلَا تَضْجَرْ كَمَا كَانَا يُمِيطَانِهِ عَنْك صَغِيرًا مِنْ غَيْرِ ضَجَرٍ، وَفِي هَذَا الْأُفِّ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كُلُّ مَا غَلُظَ مِنَ الْكَلَامِ وَقَبُحَ، قاله مقاتل.
والثاني: أنهما كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّبَرُّمِ وَالضَّجَرِ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْأَصْوَاتِ الْمَحْكِيَّةِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أُفٍّ وَتَفٍّ، وَالْأُفُّ فِي اللُّغَةِ وَسَخُ الْأُذُنِ، وَالْتَفُّ وَسَخُ الْأَظْفَارِ، ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَرُدَّ عَلَيْهِمَا قَوْلًا.
وَالثَّانِي: لَا تُنْكِرْ مِنْهُمَا فعلا، ﴿وقل لهما قولا كريما﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيِّنًا.
وَالثَّانِي: حَسَنًا، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24] . فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْخُضُوعُ لَهُمَا.
وَالثَّانِي: تَرْكُ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَيْهِمَا، مَأْخُوذٌ مِنْ عُلُوِّ الطَّائِرِ بِجَنَاحِهِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ الْحُنُوُّ وَالشَّفَقَةُ، فَدَلَّ عُمُومُ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِمَا عَلَى أَنْ يُرْجَعَ فِي الْجِهَادِ إِلَيْهِمَا.

ثُمَّ مِنْ نَصِّ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: " قَدْ هَجَرْتَ الشِّرْكَ وَبَقِيَتْ هِجْرَةُ الْجِهَادِ، فَهَلْ لَكَ بِالْيَمَنِ أَحَدٌ؟ قَالَ: نعم: أبواي قال: استأذنتهما فَإِنْ أَذِنَاكَ فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبَرَّهُمَا " وَرَوَى حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ " وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " جِئْتُ أُبَايِعُكَ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا وَأَبَى أَنْ يُبَايِعَهُ " وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْجِهَادِ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ بَعْلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَجَاهِدْ، فَإِنَّ لَكَ فِيهِ مُجَاهِدًا حَثِيثًا، يُرِيدُ بِالْبَعْلِ مَنْ تَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَالِدَةٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَعْلُ الدَّارِ، أَيْ مَالِكُهَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا.
وَلِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَطَاعَةَ الْأَبَوَيْنِ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ فَكَانَ أَوْكَدَ فَأَمَّا إذاْ كَانَ أَبَوَاهُ مَشركَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْذَانُهُمَا، لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِهِ تَدَيُّنًا وَقَدْ جَاهَدَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُوهُ عُتْبَةُ يُقَاتِلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قُتِلَ وَكَانَ سَيِّدَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَاتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْمَ أُحُدٍ وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ يُخَذِلُ النَّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيَصُدُّهُمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ وَيَقُولُ: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ ورسوله إلا غرورا.
وَقِيلَ إِنَّ الْقَائِلَ لِهَذَا قُشَيْرُ بْنُ مُعَتِّبٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِذْنِ مَنْ أَشْرَكَ أَوْ نَافَقَ لِأَنَّ النِّفَاقَ هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْأَبَوَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُمَا وَلَهُمَا فِي الإذن ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يَأْذَنَا لَهُ مَعًا فَلَهُ الْجِهَادُ، فَإِنْ رَجَعَا عَنِ الْإِذْنِ رُدَّ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يتلق الزَّحْفَانِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمْتَنِعَا مِنَ الْإِذْنِ فَيُمْنَعُ مِنَ الْجِهَادِ فَإِنْ أَذِنَا بَعْدَ الْمَنْعِ سَقَطَ حُكْمُ الْمَنْعِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَيَمْنَعَهُ الْآخَرُ فَيُغَلَّبُ حُكْمُ الْمَنْعِ على الإذن

سَوَاءٌ كَانَ الْمَانِعُ أَبًا أَوْ أُمًّا لِقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا ". وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُمَا، فَإِنْ أَسْلَمَا بَعْدَ كُفْرِهِمَا لَزِمَهُ اسْتِئْذَانُهُمَا إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَلْتَقِ الزَّحْفَانِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ مُنَافِقَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْذَانُهُمَا، فَإِنْ تَابَا مِنَ النِّفَاقِ اسْتَأْذَنَهُمَا قَبْلَ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا: مُسْلِمًا وَالْآخَرُ مُشْرِكًا أَوْ مُنَافِقًا فَيَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا دُونَ الْمُشْرِكِ وَالْمُنَافِقِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ شِرْكُ الْأَبَوَيْنِ كَشِرْكِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، فِي أَنْ يَلْزَمَ اسْتِئْذَانُ الْأَبَوَيْنِ مَعَ شِرْكِهِمَا كَمَا يلزم استئذان صاحب الدين، أولا يَلْزَمُ اسْتِئْذَانُ صَاحِبِ الدَّيْنِ إِذَا كَانَ مُشْرِكًا كَمَا لَا يَلْزَمُ اسْتِئْذَانُ الْأَبَوَيْنِ.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ فِي الدَّيْنِ لِحِفْظِهِ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْمُشْرِكُ، وَاسْتِئْذَانَ الْأَبَوَيْنِ لِأَجْلِ التَّدَيُّنِ، فَافْتَرَقَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْمُشْرِكُ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا اسْتِئْذَانُ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مَعْدُومَيْنِ أَوْ مُشْرِكَيْنِ أَوْ مُنَافِقَيْنِ قَامَا مَقَامَ الْأَبَوَيْنِ فِي وُجُوبِ اسْتِئْذَانِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ بَاقِيَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَفِي وُجُوبِ اسْتِئْذَانِ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُمَا لِحَجْبِهِمَا عَنِ الْوِلَايَةِ وَالْحَضَانَةِ بِالْأَبَوَيْنِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُمَا لِوُجُودِ إِشْفَاقِ الْأَبَوَيْنِ فِيهِمَا.

(فَصْلٌ) : وَلَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ مَمْلُوكَيْنِ لَمْ يَلْزَمِ اسْتِئْذَانُهُمَا، لِأَنَّهُمَا لَا إِذْنَ لَهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا فَلَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُهُمَا فِي غَيْرِهِمَا.
وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ مَمْلُوكًا وَلَهُ أَبَوَانِ حُرَّانِ، فَأَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْأَبَوَانِ كَانَ إِذْنُ السَّيِّدِ مُغَلَّبًا عَلَى مَنْعِ الْأَبَوَيْنِ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْهُمَا.
وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الْوَلَدِ حُرًّا وَبَعْضُهُ مَمْلُوكًا لَزِمَهُ اسْتِئْذَانُ الْأَبَوَيْنِ بِمَا فِيهِ مِنْ حُرِّيَّةٍ، وَاسْتِئْذَانُ السَّيِّدِ بِمَا فِيهِ مِنْ رِقٍّ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْإِذْنِ جَاهَدَ، وَإِنِ افْتَرَقُوا فِيهِ مُنِعَ.

(فَصْلٌ) : وَإِذَا أَرَادَ الْوَلَدُ أَنْ يُسَافِرَ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ لِتِجَارَةٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، لَمْ يَخْلُ حَالُ أَبَوَيْهِ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَا غَنِيَّيْنِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُمَا فِي سَفَرِهِ، وَإِنْ لَزِمَهُ اسْتِئْذَانُهُمَا لِلْجِهَادِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَقْصُودِ بِهِمَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْجِهَادِ التَّعَرُّضُ لِلشَّهَادَةِ، وَالْمَقْصُودَ بِغَيْرِهِ طَلَبُ السَّلَامَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَبَوَانِ فَقِيرَيْنِ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا، أَوْ نَفَقَةُ أَحَدِهِمَا، فَيَكُونُ كَصَاحِبِ الدَّيْنِ، لِأَنَّ وُجُوبَ نَفَقَتِهِمَا كَالدَّيْنِ لَهُمَا فَيَجِبُ اسْتِئْذَانُهُمَا أَوِ اسْتِئْذَانُ مَنْ

وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ مِنْهُمَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، إِلَّا أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَمَنْ غَزَا مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ أَوْ حَدَثَ لَهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ عُذْرٌ كَانَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَلْتَقِ الزَّحْفَانِ أَوْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ إِنْ رَجَعَ أَنْ يَتْلَفَ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: " وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا غَزَا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ فَحَدَثَتْ لَهُمْ أَعْذَارٌ وَأَرَادُوا الرُّجُوعِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ.
وَالثَّانِي: بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الرُّجُوعِ مِنَ الطَّرِيقِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّوَجُّهِ لِشِدَّةِ زَمَانَتِهِ أَوْ تَزَايُدِ مَرَضِهِ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَتِهِ أَوْ تَلَفِ مَرْكُوبِهِ فَيُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ وَيُمْنَعُ مِنَ التَّوَجُّهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى التَّوَجُّهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ بِخَوْفِ الطَّرِيقِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ حَدَثٍ فَيُؤْمَرُ بِالتَّوَجُّهِ وَيُمْنَعُ مِنَ الرُّجُوعِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مِنَ التَّوَجُّهِ وَالرُّجُوعِ فَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ متطوعا بالغزو.
والثانية: أن يكون مستعجلا عَلَيْهِ مِنَ السُّلْطَانِ، فَانْ كَانَ مُتَطَوِّعًا فَلَا يَخْلُو عُذْرُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عُذْرُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
أَوْ يَكُونَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ عُذْرُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَالزَّمَانَةِ وَذَهَابِ النَّفَقَةِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ التَّوَجُّهِ وَالرُّجُوعِ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُعَارِضَهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَإِنْ كَانَ عُذْرُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، كَرُجُوعِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فِي إِذْنِهِ، أَوْ رُجُوعِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ فِيهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ بِهِ جَبْرًا، وَإِنْ كَانَ مستعجلا عَلَى غَزْوَةٍ مِنَ السُّلْطَانِ نُظِرَ فِي عُذْرِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ، لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْجَعَالَةِ الْمُشْتَرِكَةِ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ، وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَكَانَتْ أَوْكَدَ مِمَّا انْفَرَدَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَإِنْ كَانَ عُذْرُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعُذْرُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْجَعَالَةِ فَيُمْنَعُ مِنَ الرجوع، لأنه دخل في الجعالة متلزما لَهَا مَعَ عُذْرِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعُذْرُ حَادِثًا بَعْدَ الْجَعَالَةِ لِحُدُوثِ زَمَانَةٍ أَوْ تَلَفِ نَفَقَةٍ، فَيَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ، وَلَا يَمْنَعُ السُّلْطَانُ مِنْهُ لِظُهُورِ عَجْزِهِ وَعَدَمِ تَأَثُّرِهِ وَلَا يَسْتَرْجِعُ مِنْهُ مَا

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل