الحاوي الكبيرصفحات 104-143
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصداق

صفحات 104-143
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قِيلَ: قَدْ خَالَفْتُمُ الْمُزَنِيَّ فِي هَذَا الْجَوَابِ لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمُوهُ كِنَايَةً فِي الْقَذْفِ فَبَطَلَ بِخِلَافِكُمْ لَهُ صِحَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ، عَلَى أَنَّنِي لَمْ أرد لِلْمُزَنِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَا فِي جَامِعِهِ مَا حَكَيْتُمُوهُ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ، وَمَا حُكِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا مَدْخُولٌ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ لَهَا يَا زَانِ كَانَ قَذْفًا وَهَذَا تَرْخِيمٌ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكٍ يَا مَالِ وَلِحَارِثٍ يَا حَارِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا زَانِ كَانَ قَذْفًا، وَعَلَّلَ لَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ تَرْخِيمٌ حُذِفَ بِهِ الْيَاءُ وَالْهَاءُ، وَكَمَا يُقَالُ لِمَالِكٍ: يَا مَالِ، وَلِحَارِثٍ: يَا حَارِ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ وَفِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ.
وَحَكَى عَنْهُ حَرْمَلَةُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِي كَانَ قَذْفًا، بِحَذْفِ الْهَاءِ، وَحْدَهَا وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ.
وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِ، أَوْ يَا زَانِي، أو يا زانية، كانت هذا الْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ سَوَاءً فِي الْقَذْفِ وَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَمَنْ يُعْتَدُّ بِمَذْهَبِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ: إِذَا قَالَ لَهَا: يَا زَانِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لَهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ تَرْخِيمًا، فَاعْتَرَضَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي الْحُكْمِ وَالتَّعْلِيلِ مَعًا، وَاحْتَجَّ لِإِبْطَالِ الْحُكْمِ بِالْقَذْفِ، بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي مَوْضِعِ اللُّغَةِ أَنْ يَتَوَجَّهَ اللَّفْظُ الْمُذَكَّرُ إِلَى الْإِنَاثِ كَمَا لَا يَتَوَجَّهُ اللَّفْظُ الْمُؤَنَّثُ إِلَى الذُّكُورِ لِيَتَمَيَّزَ بِاللَّفْظِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، حَتَّى يَزُولَ الِاشْتِبَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَرِّضِ المؤمنين على القتال﴾ [الأنعام: 65] . فخرج منه المؤمنات، والشافعي جعل هاهنا لَفْظَ الْمُذَكَّرِ مَصْرُوفًا إِلَى الْأُنْثَى وَهَذَا فَاسِدٌ.
وَاحْتَجَّ عَلَى إِبْطَالِ مَا عَلَّلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي التَّرْخِيمِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّرْخِيمَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ مِثْلِ مَالِكٍ، وَحَارِثٍ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَفْعَالِ وَلَا فِيمَا يُشْتَقُّ مِنْهَا، مِثْلِ: زَنَى، وَدَخَلَ، وَخَرَجَ، فَلَا يَقَعُ فِيهَا تَرْخِيمٌ، وَلَا يُقَالُ لِدَاخِلٍ: يَا دَاخِ، وَلَا لِخَارِجِ: يَا خَارِ، كَذَلِكَ فِي الزِّنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّرْخِيمَ إِسْقَاطُ حَرْفٍ وَاحِدٍ كَمَا حَذَفُوا فِي تَرْخِيمِ مَالِكٍ، وَحَارِثٍ، حَرْفًا وَاحِدًا، وَالشَّافِعِيُّ أَسْقَطَ فِي تَرْخِيمِ الزَّانِيَةِ حَرْفَيْنِ: الْيَاءُ، وَالْهَاءُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْهَاءَ إِذَا تَطَرَّفَتِ الْكَلِمَةُ لَمْ تُحْذَفْ إِلَّا أَنْ تُوصَلَ بِمَا بَعْدَهَا كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ.
(أَفَاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ ... ... ... ... ... ... ... ... ... )

وَالشَّافِعِيُّ قَدْ حَذَفَهَا فِي تَرْخِيمِ زَانِيَةٍ مِنْ غَيْرِ صِلَةٍ.
وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مِنَ ابْنِ دَاوُدَ فِي الْحُكْمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَالتَّرْخِيمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ مِنْ أَوْضَحِ خَطَأٍ وَأَقْبَحِ ذَلَلٍ، أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى الْحُكْمِ فِي أَنْ يَكُونَ قَذْفًا إِذَا قَالَ لَهَا يَا زَانِ مَعَ مَا عَلَّلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنَ التَّرْخِيمِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أحدها: أن القذف بالزنى هُوَ دُخُولُ الْمَعَرَّةِ بِالْفَاحِشَةِ، وَقَدْ أَدْخَلَ الْمَعَرَّةَ عليها بالزنى فِي قَوْلِهِ لَهَا: يَا زَانِ كَمَا أَدْخَلَهَا فِي قَوْلِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي حُكْمِ الْقَذْفِ كَمَا اسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَالْأَعْجَمِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَى الْقَذْفِ كَانَ قَذْفًا صَوَابًا كَانَ أَوْ خَطَأً، كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: زَنَيْتِ بِكَسْرِ التَّاءِ، وَلِامْرَأَةٍ زَنَيْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ، كَانَ قَذْفًا وَإِنْ لَحَنَ فِيهِ، لِأَنَّ الْقَذْفَ مَفْهُومٌ مِنْهُ، كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لَهَا: يَا زَانِ، وَإِنْ كَانَ لَحْنًا عِنْدَهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَاءَ التَّأْنِيثِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي تَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَى مُؤَنَّثٍ لِيَزُولَ بِهَا الْإِشْكَالُ وَالْإِشَارَةُ بِالنِّدَاءِ أَبْلَغُ مِنْهَا فِي إِرَادَةِ الْمُخَاطَبِ فَإِذَا أَشَارَ إِلَيْهَا فِي النِّدَاءِ بِقَوْلِهِ: يَا زَانٍ أَغْنَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا عَنِ الْهَاءِ الْمَوْضُوعَةِ لِتَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَيْهَا فَلَمْ يُؤَثِّرْ حَذْفُهَا مَعَ وُجُودِ الْإِشَارَةِ وَإِنْ أَثَّرَ حَذْفُهَا مَعَ عَدَمِ الْإِشَارَةِ.
وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالتَّرْخِيمِ فَإِنَّ التَّرْخِيمَ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ مَعًا، قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: كَفَى بِالسَّيْفِ شَا، يَعْنِي شَاهِدًا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حَدِّ التَّرْخِيمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إِذَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يَدْخُلُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ إِذَا كَانَ الْبَاقِي مَفْهُومَ الْمُرَادِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ كُلِّهَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بَاقِيهَا مِثْلُ طَالُوتَ وَجَالُوتَ، وَلَا يُمْنَعُ فِي أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا إِذَا فُهِمَ بَاقِيهَا مِثْلُ مَالِكٍ مُشْتَقٍّ منْ مَلَكَ، وَحَارِثٍ مِنْ حَرَثَ وَصَاحِبٍ مِنْ صَحِبَ.
فَبَطَلَ بِذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ دَاوُدَ مِنَ اخْتِصَاصِهِ بِالْأَسْمَاءِ دُونَ الْأَفْعَالِ، وَلَيْسَ لَهَا لَمَّا اسْتُشْهِدَ بِهِ مِنَ امْتِنَاعِهِ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ تَأْثِيرٌ، لِأَنَّ بَاقِيَهَا غَيْرُ مَفْهُومٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يُحْذَفُ بِالتَّرْخِيمِ إِلَّا حَرْفٌ وَاحِدٌ فَهُوَ جَهْلٌ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُحْذَفُ بِالتَّرْخِيمِ حَرْفَانِ وَأَكْثَرُ مَا بَعْدَ الْحَرْفِ الثَّالِثِ مِنَ الِاسْمِ مِعْتَلًّا.
وَالْحُرُوفُ الْمُعْتَلَّةُ: الْأَلِفُ وَالْيَاءُ وَالْوَاوُ، فَيَقُولُ فِي عُثْمَانَ يَا عُثْمَ، وَفِي مَنْصُورٍ: يَا مَنْصُ، وَفِي مَرْوَانَ: يَا مَرْوَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: كَفَى بِالسَّيْفِ شَا، يَعْنِي شَاهِدًا، فَحَذَفَ ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ، وَنَادَى أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: " يَا أَبَا هِرٍّ، فَحَذَفَ مِنْ كُنْيَتِهِ ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ، أَمَّا قوله: إن

الْهَاءَ إِذَا تَطَرَّفَتِ الْكَلِمَةُ لَمْ تُحْذَفْ فِي التَّرْخِيمِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَا بَعْدَهَا، فَخَطَأٌ، لِأَنَّ مَا فُهِمَ الْمُرَادُ بِهِ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي التَّرْخِيمِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ تَطَرَّفَتِ الهاء.
قال الشاعر: (ففي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ضُبَاعَا ... ... ... ... ... ... ... ... ... )

يَعْنِي ضُبَاعَةَ.
وَقَوْلُهُ لَهَا يَا زَانِ، كَلِمَةٌ مَفْهُومَةُ الْمُرَادِ فَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا فِي تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " ولو قالت يَا زَانِيَةُ أَكْمَلَتِ الْقَذْفَ وَزَادَتْهُ حَرْفًا أَوِ اثْنَيْنِ (وَقَالَ) بَعْضُ النَّاسِ إِذَا قَالَ لَهَا يَا زَانِ لَاعَنَ أَوْ حُدَّ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى يقول ﴿وقال نسوة﴾ وَقَالَ وَلَوْ قَالَتْ لَهُ يَا زَانِيَةُ لَمْ تحد (قال الشافعي) رحمه الله تعالى وهذا جهل بلسان العرب إذا تقدم فعل الجماعة من النساء كان الفعل مذكراً مثل قال نسوة وخرج النسوة وإذا كانت واحدة فالفعل مؤنث مثل قالت وجلست ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا عَنَى الشَّافِعِيُّ بِبَعْضِ النَّاسِ أَبَا حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ فِي الرَّجُلِ إِذَا قَالَ لَهَا: يَا زَانِ، أَنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا، وَخَالَفَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا قَالَتْ: لَهُ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَ لَا يَكُونُ قَذْفًا، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ قَذْفًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ زوجتين أو أجنبيتين، ووافقه عليه أبو مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنْ الْعَرَبَ تُذَكِّرُ الْمُؤَنَّثَ وَلَا تُؤَنِّثُ الْمُذَكَّرَ اسْتِشْهَادًا بِآيَتَيْنِ حَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْهُمَا إِحْدَاهُمَا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: 30] . وَلَمْ يَقُلْ وَقَالَتْ وَحَكَى أَصْحَابُهُ عَنْهُ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 78] . وَلَمْ يَقُلْ هَذِهِ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ قَوْلَ الرَّجُلِ لَهَا يَا زَانِ قَذْفًا، لِأَنَّهُ تَذْكِيرُ مُؤَنَّثٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَ الْمَرْأَةِ لَهُ يَا زانية قَذْفًا لِأَنَّهُ تَأْنِيثُ مُذَكَّرٍ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَالُوا؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِإِدْخَالِ الْهَاءِ تُغَيِّرُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَصِيرُ كِنَايَةً لِخُرُوجِهَا عَنِ الْمَعْهُودِ إِلَى غَيْرِ مَعْهُودٍ وَالْكِنَايَةُ لَا تَكُونُ قَذْفًا.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ زِنَا الرَّجُلِ بِزِنَا الْمَرْأَةِ، وَزِنَا الْمَرْأَةِ تَمْكِينٌ وَزِنَا الرَّجُلِ فِعْلٌ، فَإِذَا نُسِبَ الرَّجُلُ إِلَى التَّمْكِينِ وَسُلِبَ الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ زَانِيًا فَلَمْ يَصِرْ ذَلِكَ قَذْفًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ قَذْفٌ: هُوَ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ مَفْهُومَ الْمَعْنَى مَعْقُولَ الْمُرَادِ ثَبَتَ حُكْمُهُ صَوَابًا كَانَ أَوْ لَحْنًا كَالَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَمَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهَا: يَا زَانِيَةُ، إِرَادَةُ الْقَذْفِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِ، وَتَحْرِيرُ هَذَا الْمَعْنَى قِيَاسًا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي مَقْذُوفٍ كَانَ صَرِيحًا فِي كُلِّ مَقْذُوفٍ كَاللَّفْظِ الْمُذَكَّرِ فِي النِّسَاءِ، وَلِأَنَّ الْعَلَامَةَ الْفَاصِلَةَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ تَسْقُطُ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى الْغَيْرِ كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ، وَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ اسْتَوَى الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فِي حُكْمِ تَذْكِيرِهِ اسْتَوَيَا فِي حُكْمِ تَأْنِيثِهِ كَالْعِتْقِ وَلِأَنَّ دُخُولَ الْهَاءِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُذَكِّرِ مَوْضُوعٌ لِلْمُبَالَغَةِ دُونَ السَّلْبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] . كقولهم: علامة ونساية، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ دُخُولِهَا لِلْمُبَالِغَةِ أَنْ تَسْلُبَ لَفْظَ الْقَذْفِ حُكْمَهُ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الْهَاءِ الَّتِي لَا يَفْتَقِرُ اللَّفْظُ إِلَيْهَا إِنْ لَمْ تُوجِبْ زِيَادَةَ الْحُكْمِ لَمْ تَقْتَضِ نُقْصَانًا مِنْهُ لِأَنَّ أَسْوَأَ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ لَغْوًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عن استدلالهم بأن المؤنث يذكر والمؤنث لَا يُؤَنَّثُ، فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَذْكِيرُ الْمُؤَنَّثِ وَلَا تَأْنِيثُ الْمُذَكَّرِ لِمَا فِيهِ مِنَ اشْتِبَاهِ اللَّفْظِ وَإِشْكَالِ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا الْهَاءُ الْمَوْضُوعَةُ لِلتَّأْنِيثِ رُبَّمَا حُذِفَتْ مِنَ الْمُؤَنَّثِ كَقَوْلِهِمْ " عَيْنٌ كَحِيلٌ "، وَ " كَفٌّ خَصِيبٌ "، وَأُدْخِلَتْ عَلَى الْمُذَكَّرِ كَقَوْلِهِمْ: " رَجُلٌ دَاهِيَةٌ وَرَاوِيَةٌ "، فَصَارَ حَذْفُهَا مِنَ الْمُؤَنَّثِ كَدُخُولِهَا عَلَى الْمُذَكَّرِ إِذَا زَالَ الْإِشْكَالُ عَنْهُمَا فَلَمْ يَكُنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهٌ - فَأَمَّا قوله تعالى: ﴿وقال نسوة فى المدينة﴾ فَلِأَنَّ فِعْلَ الْمُؤَنَّثِ إِذَا تَقَدَّمَ ذُكِّرَ جَمْعُهُ وَأُنِّثَ وَاحِدُهُ - كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْجَمْعِ: " وقال نسوة " وقال في الواحدة: ﴿قالت امرأة الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: 51] فَأَمَّا إِذَا تَأَخَّرَ الْفِعْلُ عَنْهُنَّ كَانَ مُؤَنَّثًا فِي الْجَمْعِ وَالِانْفِرَادِ تَقُولُ: النِّسَاءُ قُلْنَ وَالْمَرْأَةُ قَالَتْ.
أَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 78] فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّبِّ بِأَنَّهُ الشَّمْسُ وَلَمْ يُشِرْ بِهِ إِلَى الشَّمْسِ بِأَنَّهَا الرَّبُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى شُعَاعِ الشَّمْسِ وَشُعَاعُهَا مُذَكَّرٌ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْكَلِمَةِ تُغَيِّرُ معناها فَهُوَ: وَإِنْ غَيَّرَتْ لِلْمُبَالَغَةِ دُونَ السَّلْبِ إِثْبَاتًا لِلزِّيَادَةِ دُونَ النُّقْصَانِ، وَقَوْلُهُمْ: تَصِيرُ كِنَايَةً لِخُرُوجِهَا عَنِ الْمَعْهُودِ فَتَعْلِيلٌ يَنْتَقِضُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ لَهَا: يَا زَانِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ أَضَافَ إِلَى الرَّجُلِ زِنَا الْمَرْأَةِ فَسَلَبَهُ فِعْلَ الزِّنَا فَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ زِنَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُضَافٌ إِلَى فِعْلِهِ لَا إِلَى فِعْلِ

صَاحِبِهِ، فَإِذَا عَبَّرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِلَفْظِ صَاحِبِهِ لَمْ يَسْلُبْهُ حُكْمَ فِعْلِهِ وَإِنْ سلبه صفة لفظه.

(مسألة)

قال الشافعي: " وقائل هذا القول لو قال رجل زنات في الجبل حد له وإن كان معروفاً عند العرب أنه صعدت في الجبل (قال الشافعي) رحمه الله تعالى يحلف ما أراد إلا الرقي فِي الْجَبَلِ وَلَا حَدَّ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حُدَّ إِذَا حَلَفَ الْمَقْذُوفُ لَقَدْ أَرَادَ الْقَذْفَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: إِذَا قَالَ لَهَا زَنَأْتِ فِي الجبل كان قذفاً صريحاً يوجب حد.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ هُوَ التَّرَقِّي فِيهِ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا إِنْ لَمْ يُرِدْهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنْ كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفْهَا كَانَ قَذْفًا، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَذْفٌ: بِأَنَّ لَفْظَ الزِّنَا يَقْصُرُ تَارَةً وَيُمَدُّ أُخْرَى، فَيُقَالُ: زَنَأْتِ.
وَزَنَيْتِ، قَالَ الشَّاعِرُ.
(كَانَتْ فَرِيضَةً مَا تَقُولُ كَمَا ... كَانَ الزِّنَا فَرِيضَةَ الرَّجْمِ)

وَإِذَا اسْتَوَى فِي الْقَذْفِ زَنَأْتِ وَزَنَيْتِ لَمْ تَكُنْ إِضَافَتُهُ إِلَى الْجَبَلِ مُخْرِجًا لَهُ مِنَ الْقَذْفِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: زَنَيْتَ فِي الْجَبَلِ، كَانَ قَذْفًا فَلَمْ تُخْرِجْهُ الْإِضَافَةُ إِلَى الْجَبَلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا، أَمَّا أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَالْعَامِّيِّ، فَإِنَّ النَّحْوِيَّ لِوُقُوفِهِ عَلَى مَعَانِي الْأَلْفَاظِ يُفَرِّقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ التَّرَقِّي فِيهِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: زَنَيْتِ فِي الْجَبَلِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ إِتْيَانُ الْفَاحِشَةِ فِيهِ، وَالْعَامِّيُّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ مِنَ الْعَامِّيِّ قَذْفًا لِجَهْلِهِ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ النَّحْوِيِّ قَذْفًا لِعِلْمِهِ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
كَمَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، يُفَرَّقُ فِي حَقِّ النَّحْوِيِّ بَيْنَ كَسْرٍ إِن وَفَتْحِهَا، فَإِنْ فَتَحَهَا فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْتِ الدَّارَ كَانَ خَبَرًا، وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّكِ دَخَلْتِ الدَّارَ، وَإِنْ كَسَرَهَا فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ، كَانَتْ شَرْطًا، لَا تُطَلَّقُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَذْفًا إِذَا لَمْ تَرَ أَنَّ الْأَحْكَامَ تُعْتَبَرُ بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ دون مجازه في الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةٍ وَإِرَادَةٍ، كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ: زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ، هُوَ الصُّعُودُ إِلَيْهِ وَالتَّرَقِّي فِيهِ، يُقَالُ زَنَأَ يَزْنَأُ وَزَنْوًا إِذْ صَعَدَ فِيهِ، وَزَنَى يَزْنِي زِنًا، إِذ فَجَرَ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَالْقَصْرُ أَكْثَرُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي حَقِيقَةِ اللِّسَانِ وَعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مَشْهُوره، حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْعَرَبِ كَانَتْ تُرَقِّصُ ابْنًا وَهِيَ تَقُولُ: (أَشْبِهْ أَبَا أُمِّكَ أَوْ أَشْبِهْ جَمَلْ ... وَلَا تَكُونَنَّ كَهِلَّوْفٍ وَكَلْ)

(يُصْبِحُ فِي مَضْجَعِهِ قَدِ انْجَدَلْ ... وَارْقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ زَنَأْ فِي الْجَبَل)

قَوْلُهَا: " أَشْبِهْ أَبَا أُمِّكَ " يَعْنِي أَبَاهَا الَّذِي هُوَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ.
وَأَشْبِهْ جَمَلْ هُوَ نَجِيبٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَلَعَلَّهُ أَبُوهُ، وَمَعْنَاهُ أَشْبِهْ هَذَا أَوْ هَذَا، وَلَا تَكُونُنَّ كَهِلَّوْفٍ.
الْهِلَّوْفُ: الرَّجُلُ الْجَافِي الْعَظِيمُ.
والوكل: الضعيف، معناه لَا تَكُونُنَّ رَجُلًا ثَقِيلَ الْجِسْمِ مُسْتَرْخِيًا.
يُصْبِحُ فِي مَضْجَعِهِ قَدِ انْجَدَلَ، يَعْنِي وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تُسَمَّى الْجِدَالَةَ.
وَارْقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ مَعْنَاهُ وَاصْعَدْ إِلَيْهَا.
زَنَّأْ فِي الْجَبَلِ: أَيْ كَصُعُودِكَ فِيهِ وَمَعْنَاهُ إنَّكَ تَعْلُو بِصُعُودِكَ إِلَى الْخَيْرَاتِ كَمَا تَعْلُو بِصُعُودِكَ فِي الْجَبَلِ.
وَهَذَا لِسَانُ مَنْ قَدْ فُطِرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَتَكَلَّفْهَا فَكَانَتْ أَلْفَاظُهُ حَقِيقَةً فِي مَعَانِيهَا.
فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ بِزَنَأَ فِي الْجَبَلِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَلَا أَنْ يُعَلِّقَ الْحُكْمَ فِيهِ بِمَجَازِهِ، وَلِأَنَّ زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الصُّعُودِ وَحَقِيقَةً فِي الْفَاحِشَةِ لَكَانَ مَا قُرِنَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْجَبَلِ يَصْرِفُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الْفُجُورِ الصُّعُودِ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ تَصْرِفُ حَقَائِقَ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ إِلَى حَقَائِقِ قَرَائِنِهَا.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لِأَنَّ الْقَرِينَةَ بِقَوْلِهِ: مِنْ وِثَاقٍ قَدْ صَرَفَتْهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَى مَجَازِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ زَنَأْتِ فِي الْجَبَلِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: زَنَأْتِ وَلَمْ يُقِلْ فِي الْجَبَلِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ الْأَوَّلِ قَذْفًا، وَكَانَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ الثَّانِي قَذْفًا، فَصَارَ عَلَى وَجْهَيْنِ وَفِيمَا أَوْضَحْنَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الِاسْتِدْلَالَيْنِ انْفِصَالٌ عَمَّا تَقَدَّمَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إِذَا استوضح.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَوْ قَالَ وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ

أَوْ أَمَةٌ وَقَدْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً أَوْ أَمَةً وَقَالَ مُسْتَكْرَهَةً أَوْ زَني بِكِ صَبِيٌّ لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ وَيُعَزَّرُ لِلْأَذَى إِلَّا أَنْ يَلْتَعِنَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: جَمَعَ الشَّافِعِيُّ هَا هُنَا بَيْنَ خَمْسِ مَسَائِلَ لِاتِّفَاقِ أَحْكَامِهَا مَعَ اخْتِلَافِ أَقْسَامِهَا، وَنَحْنُ نُفْرِدُ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْهَا لِتَوْضِيحِ أَقْسَامِهَا وَأَحْكَامِهَا: فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِذَا قَالَ لَهَا: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ، فَيُسْأَلُ عَمَّا أَرَادَ مِنْ حَالِ صِغَرِهَا فَإِنَّهُ لَا يخلو من أحد حالين: أحدهما: أَنْ تَكُونَ طِفْلَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا كَابْنَةِ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ فَهَذَا يَسْتَحِيلُ صِدْقُهُ وَيَتَحَقَّقُ كَذِبُهُ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا لِأَنَّ الْقَذْفَ مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَيُعَزَّرُ لِلْفُحْشِ وَالْخَنَا تَعْزِيرَ الْأَذَى لَا تَعْزِيرَ الْقَذْفِ، وَلَا يُلَاعِنُ مِنْ هذا التعزير لخروجه عن حكم القذف.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ مُشْتَدَّةً يُجَامَعُ مِثْلُهَا كَابْنَةِ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ، فَهَذَا قَذْفٌ لِاحْتِمَالِهِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ لَكِنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ كَمَالِهَا، وَإِنَّهَا لَوْ زَنَتْ لَمْ تُحَدَّ فَلَمْ يَجِبِ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهَا وَلَكِنْ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ الْقَذْفِ لِكَوْنِهِ قَاذِفًا وَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَعْزِيرِ الْأَذَى وَتَعْزِيرِ الْقَذْفِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَعْزِيرَ الْأَذَى مَوْقُوفٌ عَلَى مُطَالَبَةِ الْإِمَامِ دُونَهَا وَتَعْزِيرَ الْقَذْفِ مَوْقُوفٌ عَلَى مُطَالَبَتِهَا دُونَ الْإِمَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُلَاعِنُ فِي تَعْزِيرِ الْقَذْفِ وَلَا يُلَاعِنُ فِي تَعْزِيرِ الْأَذَى.

(فَصْلٌ)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: زنيت وأنت نصرانية أو يهودية فلها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعلم أنها كانت نصرانية.
والثاني: أن يعلم أنها لم تزل مسلمة.
والثالث: أَنْ يَجْهَلَ حَالَهَا.
فَأَمَّا الْحَالُ الْأُولَى وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا فِي حَالِ النَّصْرَانِيَّةِ لِعَدَمِ كَمَالِهَا وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرَ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ وَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهُ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِي بَعْدَ إِسْلَامِي فَعَلَيْكَ الْحَدُّ، وَقَالَ: بَلْ أَرَدْتُ قَذْفَكِ قَبْلَ إِسْلَامِكِ فَلَا حَدَّ عَلَيَّ، فَالَّذِي قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الدَّارَكِيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَ.

لِأَنَّ قَوْلَهُ: زَنَيْتِ يَقْتَضِي الْقَذْفَ فِي الْحَالِ، وَقَوْلَهُ: وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ يَقْتَضِي الْإِخْبَارَ عَنْ تَقَدُّمِ حَالِهَا، فَصَارَ الظَّاهِرُ مَعَهَا، وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ قَوْلَهُ: زَنَيْتِ، بِقَوْلِهِ وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ كَانَ أَظْهَرُ احْتِمَالَيْهِ إِضَافَةَ الزِّنَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ لِيَكُونَ أَحَدُهُمَا تَعَلَّقَ بِالَآخَرِ، وَلَوِ اسْتَوَى الِاحْتِمَالَانِ لَوَجَبَ أَنْ تُدْرَأَ الْحُدُودُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُسْلِمَةً فَقَدْ صَارَ قَاذِفًا لَهَا بِالزِّنَا، وَرَامِيًا لَهَا بِالْكُفْرِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَذْفِهَا إِلَّا أَنْ يُلَاعِنَ وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ فِي رَمْيِهَا بِالنَّصْرَانِيَّةِ لِأَجْلِ الْأَذَى.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَجْهَلَ حَالَهَا، فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً أَمْ لَا؟ فَإِنَّهَا تُسْأَلُ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ بِتَقَدُّمِ النَّصْرَانِيَّةِ كَانَ عَلَى مَا مَضَى إِذَا عُلِمَ نَصْرَانِيَّتُهَا وَإِنْ لَمْ تَعْتَرِفْ بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَأَنْكَرَتْهَا، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيُعَزَّرُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دَارَ الإسلام تجمع الفريقين، وجنب المؤمن حمى، والحدود تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ فِي هَذَا التَّعْزِيرِ لِأَنَّهُ تَعْزِيرُ قَذْفٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُسْلِمَةً وَيُحَدُّ لَهَا إِلَّا أَنْ يَلْتَعْنَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِسْلَامُ أَهْلِهَا، فَجَرَى حُكْمُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ كَمَا يَجْرِي حُكْمُ الْإِسْلَامِ عَلَى اللَّقِيطِ إِذَا جُهِلَتْ حَالُهُ.

(فَصْلٌ)

وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ لَهَا: زَنَيْتِ وَأَنْتِ أَمَةٌ، فلها أربعة أحوال: أحدها: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا أَمَةٌ فِي الْحَالِ فَيُعَزَّرُ لِقَذْفِهَا وَلَا يُحَدُّ لِنَقْصِهَا عَنْ حَالِ الْكَمَالِ وَيُلَاعِنُ مِنْ هَذَا التَّعْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَعْزِيرُ قَذْفٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا حُرَّةٌ فِي الْحَالِ وَأَمَةٌ مِنْ قَبْلُ فَيُعَزَّرُ تَعْزِيرَ قَذْفٍ وَلَا يُحَدُّ، فَإِنِ اخْتُلِفَ فِي الْقَذْفِ فَقَالَتْ: أَرَدْتَ بِهِ قَذْفِي بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَقَالَ: أَرَدْتُ بِهِ قَذْفَكِ قَبْلَهَا، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا وَيُحَدُّ لَهَا وَعَلَى مَا أَرَاهُ وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيُعَزَّرُ ولا يحد.
والحال الثالثة: أن علم أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ حُرَّةً، فَيُحَدُّ لِقَذْفِهَا وَلَا يُعَزَّرُ لِرَمْيِهَا بِالرِّقِّ، وَإِنْ عُزِّرَ لِرَمْيِهَا بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ اعْتِقَادٌ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
فَصَارَ فِي الرَّمْيِ بِهِ مَعَرَّةٌ، وَالرِّقُّ لَا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فِي مُسْلِمٍ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الرَّمْيِ بِهِ مَعَرَّةٌ فَافْتَرَقَا فِي التَّعْزِيرِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْمَعَرَّةِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَجْهَلَ حَالَهَا فِي تَقَدُّمِ الرِّقِّ مَعَ تَحَقُّقِ حُرِّيَّتِهَا فِي الْوَقْتِ فَفِيهِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا قَوْلَانِ:

5

  • أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً وَيُعَزَّرُ لَهَا تَعْزِيرَ الْقَذْفِ وَلَا يُحَدُّ، لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تَجْمَعُ الْأَحْرَارَ وَالْمَمَالِيكَ.
    وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
    وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ حُرَّةً، وَيُحَدُّ لَهَا إِلَّا أَنْ يَلْتَعِنَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ، وَالرِّقُّ طَارِئٌ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَهَا، وَلَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عُمِلَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا.

(فَصْلٌ)

وَالْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُولَ لَهَا: زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُسْتَكْرَهَةٌ عَلَى الزِّنَا، فَهَذَا لَيْسَ بِقَاذِفٍ لِأَنَّهُ مَا نَسَبَهَا إِلَى مَا يُعِرُّهَا.
فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَلَا تَعْزِيرُهُ، وَفِي تَعْزِيرِهِ لِلْأَذَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعَزَّرُ لِانْتِفَاءِ مَعَرَّةِ الزِّنَا.
وَالثَّانِي: يُعَزَّرُ لِلْأَذَى، لِأَنَّ فِيهِ أَذًى بِمَا أَضَافَ إِلَيْهَا مِنَ اخْتِلَاطِ النَّسَبِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: وُطِئْتِ بِشُبْهَةٍ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَفِي تَعْزِيرِهِ لِلْأَذَى وَجْهَانِ.
(فَصْلٌ) وَالْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا قَالَ لها زنا بِكِ صَبِيٌّ لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ فَهَذَا لَيْسَ بِقَاذِفٍ لِاسْتِحَالَتِهِ وَيُعَزَّرُ لِلْأَذَى وَلَا يَلْتَعِنُ فَهَذَا تَفْصِيلُ مَا جَمَعَهُ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ، وَقَوْلُهُ فِيهَا وَيُعَزَّرُ لِلْأَذَى إِلَّا أَنْ يَلْتَعِنَ إِشَارَةٌ إِلَى أَذَى الْقَذْفِ دُونَ أَذَى الْفُحْشِ وَالْخَنَا، وَعَبَّرَ عَنْ تَعْزِيرِ الْقَذْفِ بِتَعْزِيرِ الْأَذَى؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ أَذًى، وَفِيمَا شَرَحْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ زَوَالُ مَا أُشْكِلَ مِنْ إِطْلَاقِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي: " وَلَوْ قَالَ زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ حُدَّ وَلَا لِعَانَ لِأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يَوْمِ تَكَلَّمَ بِهِ وَيَوْمِ تَوَقُّعِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِزِنًا كَانَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الزِّنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُلَاعِنُ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْقَذْفِ وَتَقَدَّمَ مِنَ الْحِجَاجِ عَلَيْهِ مَا أَغْنَى، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا لَاعَنَ مِنَ الْقَذْفِ بِالزِّنَا الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ نِكَاحِهِ؟ لِأَنَّهَا قَدْ تَحْبَلُ مِنْهُ فَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ فَصَارَتِ الضَّرُورَةُ دَاعِيَةً إِلَى قَذْفِهَا وَلِعَانِهِ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ نَسَبُ الزِّنَا، قِيلَ: قَدْ كَانَ يُمْكِنُ إِطْلَاقُ الْقَذْفِ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى زَمَانٍ مُعَيَّنٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ لَاعَنَ مِنْ هذا القذف ليست حَامِلًا لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ نَسَبُ وَلَدٍ تَضَعُهُ بَعْدَ لِعَانِهِ، فَإِنْ وَلَدَتْ، بَعْدَ هَذَا الْقَذْفِ وَلَدًا نَظَرَ زَمَانَ وِلَادَتِهِ، فَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ نِكَاحِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ لِعِلْمِنَا بِتَقَدُّمِ عُلُوقِهِ عَلَى نِكَاحِهِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ نِكَاحِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِ بِحُكْمِ الْفِرَاشِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا حِينَئِذٍ، هَلْ لَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ لِنَفْيِهِ بِذَاكَ الْقَذْفِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي نُسِبَ الزِّنَا فِيهِ إِلَى مَا قَبْلَ نِكَاحِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ قَذْفًا مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْقَذْفِ الْأَوَّلِ فِي حُكْمِ الْأَجَانِبِ بِمَنْعِهِ مِنَ الِالْتِعَانِ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَذَفَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ سَوَاءٌ وَضَعَتِ الْوَلَدَ أَوْ لَمْ تَضَعْ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يُحَدِّدْ قَذْفًا مُطْلَقًا، حُدَّ لِلْقَذْفِ، الْأَوَّلِ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ وَإِنْ جَدَّدَ قَذْفًا مُطْلَقًا، حُدَّ لِلْقَذْفِ الْأَوَّلِ وَلَاعَنَ بِالْقَذْفِ الثَّانِي لِنَفْيِ الْوَلَدِ وَلَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ بِاللِّعَانِ فِي الْقَذْفِ الثَّانِي لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحُكْمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة يَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ إِذَا وَلَدَتْ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْتَعِنَ لَوْ لَمْ تَلِدْ لَأَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُوهُ إِلَى الِالْتِعَانِ مَعَ الْوِلَادَةِ وَلَا تَدْعُوهُ مِعِ عَدَمِهَا؛ وَلِأَنْ يَصْدُقَ فِي إِضَافَةِ الْقَذْفِ إِلَى مَا قَبْلَ نِكَاحِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَسْتَأْنِفَ قَذْفًا مُطْلَقًا يَتَجَوَّزُ فِي إِرْسَالِهِ فَعَلَى هَذَا إِذَا الْتَعَنَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْقَذْفِ الْأَوَّلِ أَجْزَاهُ وَانْتَفَى بِهِ الْوَلَدُ، وَسَقَطَ بِهِ الحد، ولو جد بَعْدَ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ قَذْفًا ثَانِيًا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى زَمَانِ نِكَاحِهِ فَهُوَ غَيْرُ الزِّنَا الْأَوَّلِ فَعَلَى هَذَا يُلَاعِنُ مِنَ الْقَذْفِ الثَّانِي وَيَنْفِي بِهِ الْوَلَدَ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ لِتَمَيُّزِهِ عَنْ نَفْيِ الْوَلَدِ فَصَارَ كَوُجُوبِهِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَذَفَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا وَلَاعَنَهَا وَطَلَبَتْهُ بِحَدِّ الْقَذْفِ قَبْلَ النِّكَاحِ حُدَّ لَهَا وَلَوْ لَمْ يَلْتَعِنْ حَتَّى حَدَّهُ الْإِمَامُ بِالْقَذْفِ الْأَوَّلِ ثَمَّ طَلَبَتْهُ بِالْقَذْفِ بَعْدَ النِّكَاحِ لَاعَنَ لِأَنَّ حُكْمَهُ قَاذِفًا غَيْرَ زَوْجَتِهِ وَحُكْمَهُ قَاذِفًا زَوْجَتَهُ الْحَدُّ أَوِ اللِّعَانُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ أَحْوَالَهَا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ وَلَهَا مُقَدِّمَةٌ يَجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِهَا لِيَكُونَ جَوَابُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَحْمُولًا عَلَيْهَا، وَمُقَدِّمَتُهَا مُصَوَّرَةٌ فِي رَجُلٍ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ قَذَفَهَا ثَانِيَةً وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْقَذْفِ الثَّانِي مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ حَدِّ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ الثَّانِي بَعْدَ أَنْ حُدَّ مِنَ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْذِفَهَا ثَانِيَةً بِالزِّنَا الْأَوَّلِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْقَذْفِ الثَّانِي حَدٌّ؛ لِأَنَّهُمَا قَذْفٌ بِزِنًا وَاحِدٍ، وَقَدْ حُدَّ فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَادَ الْحَدُّ فِيهِ؛ لأن لا يَجْتَمِعَ فِي الْقَذْفِ بِالزِّنَا الْوَاحِدِ حَدَّانِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي فِعْلِ الزِّنَا الْوَاحِدِ حَدَّانِ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ فِي إِعَادَةِ الْقَذْفِ الثَّانِي لِأَجْلِ الْأَذَى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقْذِفَهَا ثَانِيَةً بِزِنًا ثَانٍ غَيْرِ الزِّنَا الْأَوَّلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حَدٌّ ثَانٍ بَعْدِ الْحَدِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِزِنَائَيْنِ، فَإِذَا حُدَّ لِأَحَدِهِمَا وَجَبَ أَنْ يحد للآخر كما لو زنا

5 - فحد، ثم زنا ثَانِيَةً يُحَدُّ حَدًّا ثَانِيًا، فَهَذَا حُكْمُ الْقَذْفِ الثَّانِي إِذَا كَانَ بَعْدَ حَدِّ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ الثَّانِي بِالزِّنَا الْأَوَّلِ، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْقَذْفَيْنِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا بِزِنَاءٍ وَاحِدٍ؛ كَمَا لَوْ كَرَّرَ لَفْظَ الْقَذْفِ لِوَقْتِهِ فَقَالَ: زَنَيْتِ، زَنَيْتِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ الثَّانِي بِزِنَاءٍ ثَانٍ غَيْرِ الزِّنَا الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ قَالَ فِي القذف الأول زنا بِكِ زَيْدٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الْقَذْفِ الثَّانِي: زنا بِكِ عَمْرٌو فَفِيهِمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِمَا إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ وَيَدْخُلُ أَحَدُ الْقَذْفَيْنِ فِي الْآخَرِ لِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَا أَغْلَظُ مِنَ الْقَذْفِ بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ زَنَى فَلَمْ يُحَدَّ حَتَّى زَنَى حُدَّ لَهُمَا حَدًّا وَاحِدًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ مُخْرَّجٌ مِنْ دَلِيلِ كَلَامِهِ فِي الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ لَهُمَا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَلَوْ قِيلَ عَلَيْهِ حَدَّانِ كَانَ مَذْهَبًا فَخَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا قَوْلًا ثَانِيًا في القديم ثم إن لهذين القذفين حدان، بِخِلَافِ الزِّنَائَيْنِ، لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَى مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ، فَجَازَ أَنْ يَتَدَاخَلَ وَحَدَّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يتداخل.

(مسألة)

فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ: فَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فِي رَجُلٍ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا ثَانِيَةً بَعْدَ التَّزْوِيجِ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ كَانَ الْقَذْفَانِ مِنْ غَيْرِ تَزْوِيجٍ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ حُدَّ لَهُ قَبْلَ الْقَذْفِ الثَّانِي، أَوْ لَمْ يُحَدَّ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حُدَّ لَهُ، وَقَدْ قَذَفَهَا ثَانِيَةً فِي التَّزْوِيجِ بَعْدَ أَنْ حُدَّ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ، فَالْقَذْفُ الثَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِالزِّنَى الْأَوَّلِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الْقَذْفِ الثَّانِي، لِأَنَّهُ حُدَّ لَهُ فِي الْأَوَّلِ لَكِنْ يُعَزَّرُ لِلْأَذَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ بِالْقَذْفِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ بِزِنَاءٍ قَبْلَ نِكَاحِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ بِزِنَاءٍ ثَانٍ بَعْدِ الزَّوْجِيَّةِ فَعَلَيْهِ حَدٌّ ثَانٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ لِأَنَّ الْقَذْفَ الْأَوَّلَ تَقَضَّى حُكْمُهُ قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ، وَقَدْ قَذَفَ مُبْتَدِأً بَعْدَ الزَّوْجِيَّةِ فَانْفَرَدَ بِحُكْمِهِ فَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ الثَّانِي قَبْلَ حَدِّهِ مِنَ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِالزِّنَا الأول، فليس عليه فيها إلا حداً واحداً، لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِزِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَنْ زِنًا قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدٌ، فَفِي جَوَازِ لِعَانِهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ لَا يَلْتَعِنُ مِنْهُ مَعَ الْوَلَدِ كَمَا لَا يَلْتَعِنُ مِنْهُ مَعَ عَدَمِهِ، فَعَلَى هَذَا يُحَدُّ لِلْقَذْفَيْنِ حَدًّا وَاحِدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ مَعَ عَدَمِهِ لِلضَّرُورَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ وَيُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْحَدِّ وَاللِّعَانِ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يُسْقِطُ حَدَّ قَذْفٍ قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ الثَّانِي بِزِنَاءٍ ثَانٍ بَعْدَ الزَّوْجِيَّةِ، فَيَصِيرُ قَاذِفًا لَهَا بِزِنَائَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَا يُسْقِطُ اللِّعَانَ.
وَالثَّانِي: فِي الزَّوْجِيَّةِ يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُسْقِطُ اللِّعَانَ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ حُكْمُ الْقَذْفَيْنِ وَجَبَ أَنْ يُجْمَعَ عَلَيْهِ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ، وَخَالَفَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَذْفَيِ الْأَجْنَبِيِّ، حَيْثُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِمَا إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ قَذْفَيِ الْأَجْنَبِيَّةِ مُتَّفِقَا الْحُكْمِ فَتَدَاخَلَا، وَقَذْفَا الزَّوْجِيَّةِ مُخْتَلِفَا الْحُكْمِ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: وَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدَّيْنِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا وَإِنْ تَجَانَسَا وَجَبَ إِذَا زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ فَلَمْ يحد حتى زنى بعد إحصائه أَنْ يُحَدَّ حَدَّيْنِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا وَإِنْ تَجَانَسَا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ الْأَوَّلَ جَلْدٌ، وَالثَّانِيَ رَجْمٌ، فَيُجْلَدُ ويرجم، وهذا غلط لأن حد الزنى مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَجَازَ أَنْ يَدْخُلَ أَخَفُّهُمَا فِي أَغْلَظِهِمَا عِنْدَ التَّجَانُسِ كَمَا يَدْخُلُ الْحَدَثُ فِي الْجَنَابَةِ، وَلَمْ يَجُزْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَيْهِ فِي هَذَيْنِ الْقَذْفَيْنِ حَدَّيْنِ يُلَاعِنُ فِي الثَّانِي مِنْهُمَا وَلَا يُلَاعِنُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ [مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ: أَحَدُهَا: أَنْ تُقَدِّمَ الْمُطَالَبَةَ بِالْقَذْفِ الْأَوَّلِ، فَيُحَدُّ لَهَا فِي وَقْتِهِ، فَإِذَا طالبته] بعده بالقذف الثاني نظر فإن قدمت المطالبة بالقذف الأول فإن لاعن منه الْتَعَنَ لِوَقْتِهِ وَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْ حُدَّ لِلثَّانِي بَعْدَ أَنْ يَبْرَأَ جِلْدُهُ مِنَ الْأَوَّلِ، لِئَلَّا يُوَالَى عَلَيْهِ بَيْنَ حَدَّيْنِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تُقَدِّمَ الْمُطَالَبَةَ بِالْقَذْفِ الثَّانِي، فَإِنِ الْتَعَنَ مِنْهُ حُدَّ بَعْدَهُ لِلْقَذْفِ الْأَوَّلِ إِذَا طَالَبَتْهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ لَهُ، وَوَقَفَ حَدُّهُ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَبْرَأَ جِلْدُهُ وَلَا يَكُونُ لِعَانُهُ كَالْبَيِّنَةِ فِي سُقُوطِ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ كَانَ كَالْبَيِّنَةِ فِي سُقُوطِ قَذْفٍ مِنْ بَعْدِهِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ اللِّعَانِ مُسْتَقِرٌّ وَمَا بَعْدَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَطْلُبَهُمَا وَلَا تُقَدِّمَ أَحَدَهُمَا، فَيُقَالُ لَهَا: الْحَقُّ فِي الْقَذْفِ الثَّانِي

مُشْتَرَكٌ بَيْنَكُمَا لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ خَالِصٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ تعيينه عند الاستيفاء، وحقك فيهما أقوى، ولا بد مِنْ تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَالرُّجُوعِ فِيهِمَا إِلَى خِيَارِكِ لِقُوَّةِ حَقِّكِ فِيهِمَا عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ، فَأَيُّهُمَا قُدِّمَ فِي الِاسْتِيفَاءِ كَانَ عَلَى مَا مَضَى، فَإِنِ اخْتَلَفَا أَوْ طَالَبَ الزَّوْجُ تَقْدِيمَ الثَّانِي لِيَلْتَعِنَ مِنْهُ، وَطَلَبَتِ الزَّوْجَةُ تَقْدِيمَ الْأَوَّلِ لِيُحَدَّ فِيهِ فَيُعْمَلُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ، لِأَنَّهَا طَالِبَةٌ، وَالزَّوْجَ مَطْلُوبٌ، فَلَوِ اسْتَوْفَى مِنْهُ أَحَدَ الْحَدَّيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيهِ فَقَالَ الزَّوْجُ: هُوَ الْحَدُّ الْأَوَّلُ وَلِي أَنْ أَلْتَعِنَ مِنَ الثَّانِي، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: بَلْ هُوَ الْحَدُّ الثَّانِي وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَلْتَعِنَ مِنَ الْحَدِّ الْأَوَّلِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ عَلَى حَقِّهِ مِنَ اللِّعَانِ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي إِسْقَاطِهِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا إِذَا قَذَفَ زَوْجَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَذَفَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ بِزِنَاءٍ آخَرَ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ عَكْس

ُ مَسْأَلَةِ

الْكِتَابِ لِأَنَّ الْقَذْفَ الأول ها هنا فِي حُكْمِ الْقَذْفِ الثَّانِي هُنَاكَ لِأَنَّهُمَا فِي الزوجية، والقذف الثاني ها هنا فِي حُكْمِ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ هُنَاكَ لِأَنَّهُمَا فِي أَجْنَبِيَّةٍ فَيَكُونُ الْقَذْفُ فِيهِمَا وَاحِدًا، فَتَعَلَّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَذْفَيْنِ حُكْمُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ تَقْسِيمٍ وَجَوَابٍ.
(فَصْلٌ) فَأَمَّا إِذَا قَذَفَ زَوْجَهُ وَالْتَعَنَ مِنْهَا ثُمَّ قَذَفَهَا بَعْدَ اللِّعَانِ بِزِنَاءٍ آخَرَ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْسِبَهُ إِلَى مَا بَعْدَ لِعَانِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ، لِأَنَّ حَصَانَتَهَا مَعَهُ قَدِ ارْتَفَعَتْ بِلِعَانِهِ، فَإِنْ كَانَتْ حَصَانَتُهَا بَاقِيَةً مَعَ غَيْرِهِ، وَجَرَى لِعَانُهُ فِي حَقِّهِ مَجْرَى الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ، فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ عُزِّرَ لِلْأَذَى.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ ينسبه إلى ما قبل لعانه وقبل زوجتيه فَيُحَدُّ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ، وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ الْحَدُّ بِمَا تَجَدَّدَ مِنْ لِعَانِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْسِبَهُ إِلَى مَا بَعْدَ نِكَاحِهَا وَقَبْلَ لِعَانِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحَدُّ لَهَا؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْتِعَانِهِ مِنْهَا بَاقِيَةٌ عَلَى حَصَانَتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا حَدَّ عَلَيْهِ لَكِنْ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ إِذَا نَفَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّسَبِ رَفَعَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْحَصَانَةِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُعِيدَ اللِّعَانَ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ وَلَا التَّعْزِيرِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَ بِهِ نَسَبًا لَمْ يَنْفِهِ بِلِعَانِهِ فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ إِلَى نَفْيِهِ أَنْ يَلْتَعِنَ ثَانِيَةً لِنَفْيِهِ فَيَتْبَعُهُ سُقُوطُ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ.
(فَصْلٌ) وَإِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا وَلَمْ يَلْتَعِنَ حَتَّى قَذَفَهَا بِزِنَاءٍ آخَرَ فَفِيهِمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ فِيهِمَا حَدٌّ وَاحِدٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: حَدَّانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَ الْقَوْلَيْنِ وَتَخْرِيجَهُمَا فَإِنْ لَاعَنَ مِنْهُمَا

الْتَعَنَ لِعَانًا وَاحِدًا يَسْقُطُ بِهِ الْحَدَّانِ مَعًا؛ لأنه اللِّعَانَ يَمِينٌ فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِهِ الْحَدَّانِ إِذَا كَانَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ كَالْيَمِينِ عَلَى حَقَّيْنِ مِنْ مَالٍ.
وَلَوْ قَذَفَ زَوْجَتَيْنِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ حَدَّانِ الْتَعَنَ مِنْهُمَا لِعَانَيْنِ وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي لِعَانٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ فَوَجَبَ لِشَخْصٍ فَاخْتُصَّ إِسْقَاطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَقَّيْنِ بِيَمِينٍ كَإِسْقَاطِ حَقَّيْ مَالٍ لِشَخْصَيْنِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِيَمِينَيْنِ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّهُ فِي الْقَذْفَيْنِ مِنَ الزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ يَلْتَعِنُ فِيهِمَا لِعَانًا وَاحِدًا لَزِمَهُ أَنْ يَذْكُرَ الْقَذْفَيْنِ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ صِدْقَهُ فِي الْآخَرِ فَلَمْ يُؤْمَنْ إِذَا ذَكَرَ أَحَدَهُمَا فِي لِعَانِهِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِيهِ كَاذِبًا فِي الْآخَرِ فَكَذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يَذْكُرَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمَّى فِيهِمَا زَانِيًا قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّنِي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا [قَذَفْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا الْأَوَّلِ وَمِنَ الزِّنَا الثَّانِي وَإِنْ سَمَّاهُمَا قَالَ: أَشْهَدُ بالله إني لمن الصادقين فيما] رميتها به مِنَ الزِّنَا بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَإِنْ سَمَّى أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرَ، بَدَأَ بِذِكْرِ مَنْ سَمَّاهُ ثُمَّ بِالْآخَرِ، سَوَاءٌ إِنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّنِي لِمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا بِفُلَانٍ، وَفِيمَا رَمَيْتُهَا به من الزنا الآخر.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ لَهَا يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ لَهُ بل أنت زان لاعنها وجدت لَهُ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ فَأَبْطَلَ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا وَكَانَتْ حُجَّتُهُ أَنْ قَالَ أَسْتَقْبِحُ أَنْ أُلَاعِنَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَحُدَّهَا وَمَا قَبُحَ فَأَقْبَحُ مِنْهُ تَعْطِيلُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا قَذَفَهَا وَقَذَفَتْهُ فَقَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: بَلْ أَنْتَ زَانٍ، وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ حَدُّ الْقَذْفِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَهَا بِقَوْلِهِ: يَا زَانِيَةُ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ لَهُ بِقَوْلِهَا: بَلْ أَنْتَ، فَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ لَهَا وَحُدَّتْ لَهُ، وَإِنِ الْتَعَنَ وَالْتَعَنَتْ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ بِلِعَانِهِ، وَسَقَطَ عَنْهَا حَدُّ الزِّنَا دُونَ حَدِّ الْقَذْفِ.
فَإِنِ الْتَعَنَ وَلَمْ تَلْتَعِنْ هِيَ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ بِلِعَانِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهَا حَدَّانِ، حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ القذف ويقدم حد القدف عَلَى حَدِّ الزِّنَا لِتَقَدُّمِ وُجُوبِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا حَدَّهَا الْجَلْدَ لَا يُوَالِي عَلَيْهَا بَيْنَ الْحَدَّيْنِ وَأُمْهِلَتْ بَيْنَهُمَا لِيَبْرَأَ جِلْدُهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا حَدَّهَا الرَّجْمَ رُجِمَتْ لِوَقْتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنِ الزَّوْجُ مِنْهَا، حد لها حد القذف، وحدت لها حَدَّ الْقَذْفِ، وَلَمْ يَتَقَاصَّا الْحَدَّيْنِ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَدْخُلُهُ الْقِصَاصُ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَذَفَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْقَاذِفِ بِأَنْ يَقْذِفَهُ مِثْلَ قَذْفِهِ، فَإِذَا لَمْ يَتَقَاصَّا الْقَذْفَ، لَمْ يَتَقَاصَّا حَدَّ الْقَذْفِ، وَلَكِنْ لَوْ تَبَارَآ وَعَفَى كُلُّ

وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ جَازَ فَسَقَطَ الْحَدَّانِ بِعَفْوِهِمَا لَا بِقِصَاصِهِمَا، فَهَذَا شَرْحُ مَذْهَبِنَا فِي قَذْفِهِ لَهَا وَقَذْفِهَا لَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا قَذَفَهَا فَقَذَفَتْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْتَعِنَا، وَحُدَّتْ لِقَذْفِهِ وَلَمْ يُحَدَّ لِقَذْفِهَا، اسْتِدْلَالًا بِاسْتِقْبَاحِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِّ وَاللِّعَانِ، لِأَنَّ مَنْ حُدَّ لَمْ يَلْتَعِنْ، وَمَنِ الْتَعَنَ لَمْ يُحَدَّ، قَالُوا: وَلِأَنَّ اللِّعَانَ حَدٌّ فَلَا يُوَالَى بَيْنَ حَدَّيْنِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمَحْدُودَ لَا يَلْتَعِنُ، وَهَذِهِ فِي لُزُومِ الْحَدِّ لَهَا كَالْمَحْدُودَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِهِ الحدود.
ودليلنا قوله عز وجل ﴿والذي يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَوَازِ اللِّعَانِ لِقَذْفِهِ لِأَنَّهُمَا قَذْفَانِ فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَتَقَاذُفِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ حُكْمِ الْقَذْفَيْنِ عِنْدَ انْفِرَادِهِمَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ أَحَدِهِمَا بِالَآخَرِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا كَتَقَاذُفِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ صَارَ قَاذِفًا وَمَقْذُوفًا فَصَارَتْ حَالُهُمَا سَوَاءً وَكَانَا بِتَغْلِيظِ الِالْتِعَانِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ اللِّعَانَ حَقُّ الزَّوْجِ مَوْضُوعٌ لِنَفْيِ النسب الذي لا ينفي بِغَيْرِهِ فَلَوْ سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ اللِّعَانِ بِقَذْفِهَا له لما أمكن زوج أَنْ يَنْفِيَ نَسَبًا إِذَا قَذَفَ، وَلَتَوَصَّلَتْ كُلُّ زَوْجَةٍ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجِ مِنَ اللِّعَانِ وَنَفْيِ النَّسَبِ بِقَذْفِهِ وَأَلْحَقَتْ بِهِ كُلَّ وَلَدٍ مِنْ زِنًا، وَمَا أَدَّى إِلَى هَذَا فَالشَّرْعُ مَانِعٌ مِنْهُ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِقْبَاحِهِ الْجَمْعَ بَيْنَ اللِّعَانِ وَالْحَدِّ فَهُوَ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ أَقْبَحَ مِنْهُ تَعْطِيلُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمَا، ثُمَّ هَلَّا إِذَا اسْتَقْبَحَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَثَبَتَ حُكْمَ أَغْلَظِهِمَا وَهُوَ اللِّعَانُ، وَأَسْقَطَ حُكْمَ أَخَفِّهِمَا وَهُوَ الْحَدُّ فَكَانَ أَشْبَهَ بِالصَّوَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوَابٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِبْقَاءِ الْحَقَّيْنِ أَوْلَى مِنْ إِسْقَاطِ أَحَدِهِمَا.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ اللِّعَانَ حَدٌّ فَلَا يُوالَى بَيْنَ حَدَّيْنِ فَالْجَوَابُ عنه من وجهين: أحدهما: وهو قوله في القديم يجب بقذفها حد واحد؛ لأن كلمة القذف واحدة.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُوَالِيَ عَلَيْهِ حدود مُتَجَانِسَةً كَالْقَاذِفِ لِجَمَاعَةٍ، مُخْتَلِفَةٍ كَالْقَذْفِ وَالزِّنَا، وَأَمَّا بِنَاؤُهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِمْ فَهُمْ مُخَالِفُونَ عَنْهُ أَصْلًا وَفَرْعًا فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ دَلِيلٌ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَذَفَهَا وَأَجْنَبِيَّةً بِكَلِمَةٍ لَاعَنَ وَحُدَّ لِلْأَجْنَبِيَّةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَأَصِلُ ذَلِكَ قَذْفُ الْأَجْنَبِيَّتَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ يجب بقذفها حَدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ الْقَذْفِ وَاحِدَةٌ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ: يَجِبُ بِقَذْفِهِمَا حَدَّانِ لِأَنَّهُمَا مَقْذُوفَانِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَقَذَفَ زَوْجَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَحُكْمُ قَذْفِهِمَا مُخْتَلِفٌ لِأَنَّ قَذْفَ زَوْجَتِهِ يَسْقُطُ بِاللِّعَانِ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ قَذْفُ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فله حالتان: أحدهما: أَنْ يَلْتَعِنَ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ قَذْفُ الْأَجْنَبِيَّةِ، فإذا كان كذلك فله حالتان: أحدهما: أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْ زَوْجَتِهِ فَيَسْقُطُ بِهِ حَدُّ قَذْفِهَا وَيُحَدُّ لِلْأَجْنَبِيَّةِ، لِأَنَّ اللِّعَانَ كَالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ دُونَ الْأَجْنَبِيَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْأَجْنَبِيَّةُ تَبَعٌ لِزَوْجَتِهِ فِي الْقَذْفِ، فَهَلَّا سَقَطَ بِاللِّعَانِ حَقُّهَا فِي الْقَذْفِ كَمَا لَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ سَمَّاهُ فَسَقَطَ حَدُّهُمَا بِلِعَانِهِ وَلَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا لِكَوْنِهِ تَبَعًا.
قِيلَ: لِأَنَّ قَذْفَهُ لِلرَّجُلِ بِزَوْجَتِهِ هُوَ زِنَاءٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا أَثْبَتَهُ بِاللِّعَانِ فِي حَقِّ زَوْجَتِهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَذْفُ زَوْجَتِهِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِزِنَائَيْنِ فَلَمْ يُوجِبْ إِثْبَاتُ أَحَدِهِمَا ثُبُوتَ الْآخَرِ فَافْتَرَقَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَلْتَعِنَ مَنْ زَوْجَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَدْرِ مَا يُحَدُّ لَهُمَا، فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ جَمَعَ فِي الْقَذْفِ بَيْنَ أَجْنَبِيَّيْنِ أَحَدُهُمَا حَدٌّ وَاحِدٌ وَالثَّانِي حَدَّانِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُحَدُّ بِهِ لَهُمَا حَدَّيْنِ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ قَذْفَهُمَا مُتَسَاوِي الْأَحْكَامِ وَقَذْفَ زَوْجَتِهِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ مُخْتَلِفُ الْأَحْكَامِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " وَلَوْ قَذَفَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ لَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَاعَنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَإِنْ تَشَاحَحْنَ أَيَّتُهُنَّ تَبْدَأُ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَ وَأَيَّتُهُنَ بَدَأَ الْإِمَامُ بِهَا رَجَوْتُ أَنْ لَا يَأْثَمَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إِلَّا واحداً واحداً (قال المزني) رحمه الله قال في الحدود ولو قذف جماعة كان لكل واحد حد فكذلك لو لم يلتعن كان لكل امرأة حد في قياس قوله ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ قَذْفَ الْوَاحِدِ لِجَمَاعَةٍ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفْرِدَ قَذْفَهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمْ فَإِنْ أَفْرَدَ قَذْفَهُمْ وَقَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِكَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ فَقَالَ: قَدْ زَنَيْتَ يَا زَيْدُ وَزَنَيْتَ يَا عَمْرُو، وَزَنَيْتَ يَا بَكْرُ، فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدًّا.
وَقَالَ مالك يحد لجميعهم حداً واحداً؛ لأن الزنما أَغْلَظُ مِنَ الْقَذْفِ فَلَمَّا تَدَاخَلَتْ حُدُودُ الزِّنَا فَأَوْلَى أَنْ تَتَدَاخَلَ حُدُودُ الْقَذْفِ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ إِذَا اجْتَمَعَتْ لَمْ تَتَدَاخَلْ كَالْقِصَاصِ وَالدُّيُونِ لما في

تَدَاخُلِهَا مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَخَالَفَتْ حَدَّ الزِّنَا، وَقَطْعَ السَّرِقَةِ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ فَجَازَ أَنْ يَتَدَاخَلَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ إِذَا تَجَانَسَا، لِأَنَّ تَدَاخُلَهَا غَيْرُ مُسْقِطٍ لِحَقِّهِ مِنْ جَمِيعِهَا.
وَأَمَّا إِنْ شَرَكَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَذْفِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ لِجَمَاعَتِهِمْ: زَنَيْتُمْ، أَوْ قَالَ لَهُمْ يَا زُنَاةُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُمْ حَدٌّ وَاحِدٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ كَلِمَةَ الْقَذْفِ وَاحِدَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ عَلَيْهَا وَاحِدًا.
وَالثَّانِي: لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ بِهَا قَدِ ارْتَفَعَتْ بِتَكْذِيبِهِ عَلَيْهَا بِالْحَدِّ فَوَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ حُكْمُ جَمِيعِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدًّا كَامِلًا لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْذُوفٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُحَدَّ لِقَذْفِهِ كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّ الْحُقُوقَ إِذَا لَمْ تَتَدَاخَلْ إِذَا انْفَرَدَتْ لَمْ تَتَدَاخَلْ إِذَا اجْتَمَعَتْ، كَالْقِصَاصِ وَالدُّيُونِ، وَإِذَا تَدَاخَلَتْ إِذَا اجتمعت تداخلت إذا انفردت كالزنى وَالسَّرِقَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ كَمَا كَانَ لَوْ أَقَامَ البينة عليهم بالزنا حداً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدًّا وَجَبَ إِذْ عَدِمَهَا أَنْ يُحَدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ فِي جِهَتِهِ فِي مُقَابَلَةِ حَدِّ الزِّنَا فِي جِهَتِهِمْ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَقَذَفَ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَخْلُو فِي قَذْفِهِنَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ، فَفِيمَا يُحَدُّ لَهُنَّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقَدِيمُ يُحَدُّ لِجَمَاعَتِهِنَّ حَدًّا وَاحِدًا إِذَا اجْتَمَعْنَ عَلَى الطَّلَبِ، فَإِذَا طَلَبَتْ وَاحِدَةٌ فَحُدَّ لَهَا وَالْبَاقِيَاتُ مُتَأَخِّرَاتٌ لِغَيْبَةٍ ثُمَّ حَضَرْنَ فَطَالَبْنَ لَمْ يُحَدَّ ثَانِيَةً لِئَلَّا يُضَاعَفَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِغَيْبَتِهِنَّ، وَيَكُونُ الْحَدُّ مُسْتَوْفِيَ حَقِّ مَنْ حَضَرَ وَغَابَ، وَلَوْ حَضَرْنَ فَعَفَوْنَ إِلَّا وَاحِدَةً حُدَّ لَهَا حَدًّا كَامِلًا وَلَمْ يَتَبَعَّضِ الْحَدُّ فِي حُقُوقِهِنَّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ يُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ حَدًّا كَامِلًا إِذَا طَلَبَتْ، فَإِنِ اجْتَمَعْنَ عَلَى الطَّلَبِ وَتَنَازَعْنَ فِي التَّقْدِيمِ أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ وَقُدِّمَ حَقُّ مَنْ قُرِعَ مِنْهُنَّ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجِيبَ إِلَى مُلَاعَنَتِهِنَّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِلِعَانٍ مُفْرَدٍ سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّهُ يُحَدُّ لَهُنَّ حَدًّا وَاحِدًا أَوْ حُدُودًا وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي لِعَانٍ وَاحِدٍ لأمرين:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلِعَانِ كُلِّ وَاحِدَةٍ حُكْمًا فَلَمْ يَشْتَرِكْنَ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ وَالْأَيْمَانُ لَا تَتَدَاخَلُ فِي حُقُوقِ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: اسْتَحْلَفَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي رَجُلًا فِي حَقٍّ لِرَجُلَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً فَاجْتَمَعَ فُقَهَاءُ زَمَانِنَا عَلَى أَنَّهُ خَطَأٌ.
قَالَ الدَّارَكِيُّ: فَسَأَلْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ كَانَا ادَّعَيَا ذَلِكَ الْحَقَّ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلَ أَنْ تَدَاعَيَا دَارًا وَرِثَاهَا عَنْ أَبِيهِمَا، أَوْ مَالًا شَرِكَةً بَيْنَهُمَا، حَلَّفَ لَهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِنْ جِهَتَيْنِ حَلَّفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْيَمِينِ وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا حَقٌّ لم يحنث، والمقصود باليمين ما تم إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْيَمِينِ وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا حَقٌّ لَمْ يَحْنَثْ، وَالْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ مَا تَمَّ الْحِنْثُ إِنْ كَذَبَ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إسحاق صحيح وحقوق الزوجات ها هنا مِنْ جِهَاتٍ مُشْتَرَكَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، لِأَنَّهُنَّ لَا يَشْتَرِكْنَ فِي زِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَلْتَعِنَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ لِعَانًا مُفْرَدًا وَتَنَازَعْنَ فِي التقديم أقرع بينهن وقدم من قرعت من مِنْهُنَّ لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَاكِمُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ مِنْ رَأَى جَازَ، وَإِنْ تَرَكَ مِنَ الْقَرْعَةِ مَا هُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُنَّ قَدْ وَصَلْنَ إِلَى حُقُوقِهِنَّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ لَاعَنَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ وَحُدَّ لِمَنْ بَقِيَ.
فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً حُدَّ لَهَا حَدًّا كَامِلًا، وَإِنْ بَقِيَ اثْنَتَانِ حُدَّ لَهُمَا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ حَدًّا وَاحِدًا، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ حَدَّيْنِ، فَإِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ فِي تَقْدِيمِ اللِّعَانِ وَالْحَدِّ قُدِّمَ اللِّعَانُ عَلَى الْحَدِّ لِخِفَّتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ مشترك.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي رَمَاهَا فِيهِ فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ وَالْوَلَدُ لَهَا وَذُكِرَ أَنَّهُ قَوْلُ عَطَاءٍ قَالَ وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ إِنَّمَا يَنْفِي الْوَلَدَ إذا قال استبرأتها كأنه ذهب إلى نفي ولد العجلاني إذا قال لم أقر بها منذ كذا وكذا قيل فالعجلاني سمى الذي رأى بعينه يزنى وذكر أنه لم يصبها فيه أشهرا ورأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - علامة تثبت صدق الزوج في الولد فلا يلاعن وينفي عنه الولد إذاً إلا باجتماع هذه الوجوه فإن قيل فما حجتك في أنه يلاعن وينفي الولد وإن لم يدع الاسبتراء؟ (قال الشافعي) رحمه الله: قلت قال الله تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ الآية فكانت الآية على كل رام لمحصنة قال الرامي لها رأيتها تزني أو لم يقل رايتها تزني لأنه يلزمه اسم الرامي وقال ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فكان الزوج راميا قال رأيت أو علمت بغير رؤية وقد يكون الاستبراء وتلد منه فلا معنى له ما كان الفراش قائماً ".

(فصل)

إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ جَازَ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهَا وَيَنْفِيَ وَلَدَهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا أَصَابَهَا بَعْدَ الْقَذْفِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ قَذَفَهَا فِي طُهْرٍ قَدْ وَطِئَهَا فِيهِ لَاعَنَ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ، وَلَمْ يَلْتَعِنْ لِنَفْيِ النَّسَبِ، وَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الْقَذْفِ حُدَّ وَلَمْ يَلْتَعِنْ، وَيُجْعَلُ الْوَطْءُ تَكْذِيبًا لِنَفْسِهِ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ آيَةَ اللِّعَانِ وَرَدَتْ فِي الْعَجْلَانِيِّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: " رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، وَمَا قَرَبْتُهَا مُنْذُ عِفَارِ النَّخْلِ "، وَفِي عِفَارِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَلْقِيحُهَا.
وَالثَّانِي: تَرْكُ سقيها، لأنهم يتركون سقيها إذا ذهت، وذلك الحد شهرين فَقَصَدَ الْعَجْلَانِيُّ بِذَلِكَ أَنَّهُ تَرَكَ إِصَابَتَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ تَرْكُ إِصَابَتِهَا شَرْطًا فِي جَوَازِ لِعَانِهَا، لِأَنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْعُمُومِ عِنْدَهُ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ إِذَا شَارَكَ الزَّانِيَ فِي وَطْئِهَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ زِنًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْطَعَ فِي لِعَانِهِ بِأَنَّهُ مِنْهُ، وَقَالَ: وَلِأَنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ الَّذِي يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ أَثْبَتُ نَسَبًا مِنْ وَلَدِ الْأَمَةِ الَّذِي لَا يَلْحَقُ إِلَّا بِالْوَطْءِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفِيَ وَلَدَ الْأَمَةِ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَنْفِيَ وَلَدَ الْحُرَّةِ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فَكَانَ عُمُومُهُ فِيمَنْ أَصَابَ زَوْجَتَهُ أَوْ لَمْ يُصِبْهَا فَإِنْ حَمَلُوهُ عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ فِي قِصَّةِ الْعَجْلَانِي، فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ دُونَ الْعَجْلَانِيِّ، وَهِلَالٌ لَمْ يَقُلْ: إِنِّي لَمْ أُصِبْهَا فَكَانَ السَّبَبُ عَامًّا.
وَالثَّانِي: لَوْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى قِصَّةِ الْعَجْلَانِيِّ فِي أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا ليكون الِاسْتِبْرَاءِ يَخُصُّ عُمُومَ اللَّفْظِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ إِصَابَتِهَا مِنْ عِفَارِ النَّخْلِ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ شَرْطًا، وَأَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْعَجْلَانِيِّ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي شَرْطًا، وَقَوْلُهُ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا شَرْطًا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا شَرْطًا "، وَمِنْ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْإِصَابَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ لَا يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ انْفِرَادَ الْعُمُومِ وَالسَّبَبِ يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْعُمُومِ دُونَ السَّبَبِ فَكَذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَا غَلَبَ حُكْمُ الْعُمُومِ عَلَى السَّبَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ السَّبَبَ بَعْضُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْعُمُومُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْعُمُومُ لِدُخُولِهِ فِيهِ، وَخُصَّ بِمَا نَافَاهُ لِخُرُوجِهِ مِنْهُ، كَمَا خُصَّ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: 38] . يقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ " وَلِمُنَافَاةِ الْعُمُومِ، وَلَمْ يُخَصَّ بِقَطْعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي " الْمِجَنِّ " لِمُوَافَقَتِهِ الْعُمُومَ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا أَنَّهُ قَذْفٌ يَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ فَجَازَ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ

لِنَفْيِ الْوَلَدِ كَالَّذِي لَمْ يَطَأْ، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بِلُحُوقِ الْوَلَدِ فِي الْحَالَتَيْنِ، فَجَازَ أَنْ يَنْفِيَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ بِاللِّعَانِ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ يَلْحَقُ بِالِاسْتِدْلَالِ لِإِمْكَانِ الْإِصَابَةِ، فَجَازَ أَنْ يُنْفَى بِالِاسْتِدْلَالِ لِإِمْكَانِ الزِّنَا، وَخَالَفَ وَلَدُ الْأَمَةِ حِينَ لَمْ يَلْحَقْ إِلَّا بِالْإِصَابَةِ فَلَمْ يَنْتَفِ إِلَّا بِالِاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْإِصَابَةِ، فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ: إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مِنَ الزِّنَا إِذَا لَمْ يَطَأْ وَلَا يَعْلَمُ إِذَا وَطِئَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ مِنَ الْوَطْءِ وَهِيَ حَائِلٌ، وَقَدْ يَطَأُ وَهِيَ حَامِلٌ، فَكَانَ الْعِلْمُ فِي الْحَالَيْنِ مُمْتَنِعًا، وَإِنَّمَا يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى الْأَمَارَاتِ، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّحِمِ مَاؤُهُ وَمَاءُ الزِّنَا مِنْ أَيْنَ تُرَجِّحُ لَهُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ أَنَّهُ مِنْ مَاءِ الزِّنَا.
قِيلَ: قَدْ كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْفِيهِ مَعَ اخْتِلَاطِ الْمَائَيْنِ.
وَهُوَ خَاصُّ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَالصَّحِيحُ أَنْ يَنْفِيَهُ لِتَرَجُّحِهِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّ الذَّكِيَّ الْفَطِنَ مِنَ الرِّجَالِ يُحِسُّ بِالْعُلُوقِ عِنْدَ الْإِنْزَالِ إِنْ كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَلِكَ مِنَ النِّسَاءِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ مِنْ نَفْيِهِ أَنَّهُ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ بِهِ وَمِنْهُ أَنْ يَرَى مَنْ بِهِ الْوَلَدُ بِالزَّانِي مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْإِمَارَاتِ الدَّالَّةِ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ التَّرْجِيحُ وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا إِذَا تَحَقَّقَ الزِّنَا، وَأَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ فِي نَفْيِ وَلَدِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُنْفَى مِنْهَا إِلَّا بِالِاسْتِبْرَاءِ فَلِذَلِكَ كَانَ شَرْطًا، وَوَلَدُ الْحُرَّةِ يَنْتَفِي بِاللِّعَانِ دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ فَلَمْ يَكُنْ فِي نفيه شرطاً.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ زَنَتْ بَعْدَ الْقَذْفِ أَوْ وَطِئَتْ وَطْئًا حَرَامًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَ وَلَدًا فَيَلْتَعِنَ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ على صدقه (قال المزني) رحمه الله كَيْفَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ وَالْوَقْتُ الَّذِي رَمَاهَا فِيهِ كَانَتْ فِي الْحُكْمِ غَيْرَ زَانِيَةٍ؟ وأصل قوله إنما ينظر في حال من تكلم بالرمي وهو في ذلك في حكم من لم يزن قط)) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي قَاذِفِ الزِّنَا وَجَبَ الحد عليه فلم يحد حتى زنا الْمَقْذُوفُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عَنِ الْقَاذِفِ بِمَا حَدَثَ مِنْ زِنَا الْمَقْذُوفِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْوُجُوبِ لَا بِمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ قَذَفَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ لَمْ يُحَدَّ، وَلَوْ قَذَفَ مُسَلِمًا فَارْتَدَّ لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ اعْتِبَارًا بِحَالِ الوجوب.

وَالثَّانِي: أَنَّ شَوَاهِدَ الْأُصُولِ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ، كَالزَّانِي إِذَا زَنَى بِكْرًا فَلَمْ يُحَدَّ حَتَّى أُحْصِنَ لَمْ يُرْجَمْ.
وَكَالسَّارِقِ لِمَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا إذا انقصت قِيمَتُهُ قَبْلَ الْقَطْعِ لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ حَدُّ الْقَذْفِ بِمَثَابَتِهَا فِي اعْتِبَارِهِ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ.
وَدَلِيلُنَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْمُحْصَنِ إِثْبَاتًا لِعِفَّتِهِ، وَالزَّانِي لَا يَثْبُتُ لَهُ عِفَّةٌ فَلَمْ يَجِبْ فِي قَذْفِهِ حَدٌّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مَوْضُوعٌ لِإِسْقَاطِ الْمَعَرَّةِ عَنِ الْمَقْذُوفِ، وَالْمَعَرَّةُ تَسْقُطُ عَنْهُ إِذَا زَنَى فَلَمْ يَجِبْ فِي قَذْفِهِ حَدٌّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ عَادَةِ مَنْ لَا يُبَالِي بِاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي أَنْ يَسْتَتِرَ بِإِخْفَائِهَا وَأَنَّ ظُهُورَهَا مِنْهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ كَثْرَتِهَا وَتَكْرَارِهَا، حُمِلَ إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ الله عنه - رجل زنا، فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ قَبْلَ هَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَفْضَحُ عَبْدَهُ بِأَوَّلِ مَعْصِيَةٍ فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ زِنَاهُ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِهِ مِنْهُ فَلَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ.
وَالرَّابِعُ وَهُوَ الْعُمْدَةُ: أَنَّ الْعِفَّةَ تَكُونُ اسْتِدْلَالًا بِالظَّاهِرِ دُونَ الْيَقِينِ كَالْعَدَالَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُخْفِيَ غَيْرَ مَا يُظْهِرُ، فَإِذَا ظَهَرَ مَا كَانَ يُخْفِيهِ مِنَ الزِّنَا قُدِحَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِظَاهِرِ الْعِفَّةِ فَسَقَطَ ثُبُوتُهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ كَالشَّاهِدِ إِذَا شَهِدَ وَهُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ فَلَمْ يُحْكَمْ بِهَا حَتَّى ظَهَرَ فسقه سقط الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَهَادَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالْعَدَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُ مَا تَقَدَّمَهَا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلَا تُسْقِطُ مَا تَقَدَّمَهَا مِنَ الْعِفَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَحْثَ عَنِ الْعَدَالَةِ لَازِمٌ، وَالْبَحْثَ عَنِ الْعِفَّةِ غَيْرُ لَازِمٍ فَجَازَ أَنْ تَثْبُتَ الْعِفَّةُ بِالظَّاهِرِ الَّذِي لَا تَثْبُتُ الْعَدَالَةُ فَافْتَرَقَا، قِيلَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ لَا يُقْدَحُ فِيهِمَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالْعَدَالَةِ.
أَمَّا أَوَّلُ الْوَجْهَيْنِ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِالرِّدَّةِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ مَوْضُوعٌ لِحِرَاسَةِ الْعِفَّةِ مِنَ الْقَذْفِ بِالزِّنَا دُونَ الرِّدَّةِ فَجَازَ أَنْ تَسْقُطَ بِحُدُوثِ الزِّنَا وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ بِحُدُوثِ الرِّدَّةِ وَالْعَدَالَةُ مَحْرُوسَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْكَبَائِرِ فَاسْتَوَتْ فِيهِ الرِّدَّةُ وَغَيْرُهَا وَإِنْ خَالَفَتْ فِي الْعِفَّةِ غَيْرَهَا.

وَأَمَّا الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالْعَدَالَةِ بِوُجُوبِ الْبَحْثِ عَنِ الْعَدَالَةِ دُونَ الْعِفَّةِ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنِ الْعِفَّةِ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ فِي وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنِ الْعَدَالَةِ، فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ الْبَحْثُ عَنِ الْعِفَّةِ فِي حَقِّ الْقَاذِفِ لِأَنَّ جَنْبَهُ حِمَى فَلَا يُسْتَبَاحُ عِرْضُهُ بِالِاحْتِمَالِ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالْعَدَالَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْبَحْثُ عَنِ الْعِفَّةِ، وَإِنْ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنِ الْعَدَالَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْبَحْثَ عَنِ الْعَدَالَةِ إِنَّمَا يَجِبُ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ فَجَازَ الِاسْتِظْهَارُ لَهُ بِالْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْعِفَّةِ، لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْهَا فِي حَقِّ الْقَاذِفِ وَالْقَاذِفُ عَاصٍ بِقَذْفِهِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لِمَا نُدِبَ إِلَيْهِ مِنَ السَّتْرِ عَلَى أَخِيهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ " فَكَانَ بِأَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِ الْمَقْذُوفُ بِتَرْكِ الْبَحْثِ أَوْلَى مِنْ يَسْتَظْهِرَ لَهُ، ثُمَّ افْتِرَاقُ الْعِفَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي الْبَحْثِ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْعِلْمِ بِهِمَا مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِ الْمُزَنِيِّ فَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ بِتَقَدُّمِ الرِّقِّ، وَالْبَكَارَةِ، وَقِيمَةِ النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، مَعْلُومٌ قَطْعًا فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِفَّةُ، لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ اسْتِدْلَالًا فَأَثَّرَ فِيهَا مَا حَدَثَ بَعْدَهَا كَالْعَدَالَةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ زِنَا الْمَقْذُوفَةِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْ قَاذِفِهَا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أوطئت وَطْئًا حَرَامًا " فَجَمَعَ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنِ الْقَاذِفِ بَيْنَ زِنَاهَا وَبَيْنَ وَطْئِهَا حَرَامًا، وَهَذَا الْجَمْعُ عَلَى تَفْصِيلٍ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ.
وَالْوَطْءُ الْحَرَامُ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُسْقِطُ الْعِفَّةَ وَهُوَ أَنْ يَطَأَ ذَاتَ مَحْرَمٍ لَهُ بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ يَطَأَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ جَارِيَةَ زَوْجَتِهِ الَّتِي دَفَعَهَا صَدَاقًا فَيَجِبُ فِي ذَلِكَ الْحَدُّ إِذَا عَلِمَ.
وَتَسْقُطُ بِهِ عِفَّتُهُ، وَيَكُونُ كَالزِّنَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَسْقُطُ بِهِ عِفَّتُهُ وَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: وَهُوَ أَنْ يَطَأَ ذَاتَ مَحْرَمٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، كَمَنْ مَلَكَ أُمَّهُ مِنَ الرَّضَاعِ، أَوْ أُخْتَهُ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، فَوَطِئَهَا بِمِلْكِهِ فَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ قَوْلَانِ مَضَيَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: أَحَدُهُمَا: يُحَدُّ.
وَالثَّانِي: لَا يُحَدُّ، وَعِفَّتُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا سَاقِطَةٌ وَيَسْقُطُ بِهَا الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَكِنْ يَسْقُطُ بِالْعِفَّةِ وَهُوَ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ ابْنِهِ، أو

أَمَةً بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا، أَوْ كَوَطْءِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ فِي الدُّبُرِ، فَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، وَالْعِفَّةُ بِهِ سَاقِطَةٌ، يَسْقُطُ عَنْهَا الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَفِي سُقُوطِ الْعِفَّةِ وَجْهَانِ: وَهُوَ الْوَطْءُ، فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، أَوْ نِكَاحُ مُتْعَةٍ، أَوْ شِغَارٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي سُقُوطِ الْعِفَّةِ بِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِفَّةَ بَاقِيَةٌ لِسُقُوطِ الْحَدِّ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعِفَّةَ سَاقِطَةٌ بِهَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ التَّحَرُّجِ مَعَ ظُهُورِ الْخِلَافِ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَا يُسْقِطُ الْعِفَّةَ وَهُوَ وَطْءُ الْأَمَةِ أَوِ الزَّوْجَةِ فِي الْحَيْضِ، أَوِ الْإِحْرَامِ، أَوِ الصِّيَامِ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ لَكِنْ لَا حَدَّ فِيهِ، وَلَا تَسْقُطُ بِهِ الْعِفَّةُ، وَالْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ مَحِلًّا مُبَاحًا طَرَأَ التَّحْرِيمُ عَلَيْهِ لِعَارِضٍ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ سُقُوطِ الْحَدِّ عَنِ الْقَاذِفِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُدُوثِ الزِّنَا وَالْوَطْءِ الْحَرَامِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى اللِّعَانِ، فَأَمَّا إِذَا جَازَ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُنْفَى عَنْهُ مَعَ سُقُوطِ الْحَدِّ إِلَّا بِاللِّعَانِ، فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ أَنْ يَرْفَعَ بِاللِّعَانِ الفراش ليثبت به التحريم المؤيد، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي: " وَلَوْ لَاعَنَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا فَلَا حَدَّ لَهَا كَمَا لَوْ حُدَّ لَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا لَمْ يُحَدَّ ثَانِيَةً وَيُنْهَى فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ لِعَانَهُ مِنْهَا قَدْ أَسْقَطَ عِفَّتَهَا فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عِفَّتِهَا مَعَ الْأَجَانِبِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ عَلَى عِفَّتِهَا مَعَ الزَّوْجِ كَمَا هِيَ مَعَ الْأَجَانِبِ، وَلَا يُؤَثِّرُ اللِّعَانُ فِي الْعِفَّةِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللِّعَانُ فِي تَصْدِيقِ الزَّوْجِ دُونَ الْأَجَانِبِ كَالْبَيِّنَةِ وَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِهِ الْعِفَّةُ، فِي حَقِّ الزَّوْجِ، وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ بِهِ الْعِفَّةُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِعَانَهُ لَمَّا سَقَطَتْ بِهِ الْعِفَّةُ إِنْ نَفَى وَلَدًا أَسْقَطَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْفِهِ، لِأَنَّهُ كَالْبَيِّنَةِ لَهُ فِي الْحَالَيْنِ بِلِعَانِهِ وَلَدًا سَقَطَتْ عِفَّتُهَا مَعَ الْأَجَانِبِ فِي الْحَالَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا نَفَى بِلِعَانِهِ وَلَدًا سَقَطَتْ عِفَّتُهَا مَعَ الْأَجَانِبِ كَسُقُوطِهَا مَعَ الزَّوْجِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِاخْتِصَاصِ الزَّوْجِ بِاللِّعَانِ دُونَ الْأَجَانِبِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَعَادَ الزَّوْجُ فَقَذَفَهَا بَعْدَ لِعَانِهِ لَمْ يَخْلُ قَذْفُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالزِّنَا الَّذِي لَاعَنَهَا عَلَيْهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ قَذَفَهَا بِذَلِكَ الزِّنَا الَّذِي لَاعَنَهَا عَلَيْهِ لَمْ يُحَدَّ، لِأَنَّ لِعَانَهُ كَالْبَيِّنَةِ لَهُ فِي الْقَضَاءِ بتصديقه

فِيهِ لَكِنْ يُعَزَّرُ لِلْأَذَى، وَإِنْ قَذَفَهَا بِغَيْرِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِذَا حُكِمَ بِتَصْدِيقٍ فِي قَذْفٍ اقْتَضَى أَنْ يُحْكَمَ بِهِ فِي كُلِّ قَذْفٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ عِفَّتَهَا قَدْ سَقَطَتْ فِي حَقِّهِ بِلِعَانِهِ لِأَنَّهُ كَالْبَيِّنَةِ لَهُ، وَمَعَ سُقُوطِ الْعِفَّةِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ، فَأَمَّا إِذَا قَذَفَهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَجَانِبِ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا من أن تكون قد لاعنت أن نَكَلَتْ، فَإِنْ لَاعَنَتْ كَانَتْ عَلَى عِفَّتِهَا مَعَ الْأَجَانِبِ وَإِنْ سَقَطَتْ مَعَ الزَّوْجِ، فَعَلَى هَذَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لِبَقَائِهَا عَلَى الْعِفَّةِ مَعَهُ.
وَإِنْ نَكَلَتْ عَنِ اللِّعَانِ وَحُدَّتْ لِلزِّنَا فَفِي سُقُوطِ عِفَّتِهَا مَعَ الْأَجَانِبِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهَا عَلَى عِفَّتِهَا مَعَ الْأَجَانِبِ وَأَنَّ مَنْ قَذَفَهَا فِيهِمْ حُدَّ لِاخْتِصَاصِ اللِّعَانِ بِالزَّوْجِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْحَدَّ قَدْ أَسْقَطَ عِفَّتَهَا مَعَ الأجانب كما لو حدث بِالْبَيِّنَةِ، لِتَنَافِي اجْتِمَاعِ الْحَدِّ وَالْعِفَّةِ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهَا أَجْنَبِيًّا كَانَ أَوْ زَوْجًا لكن يعزر للأذى.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَوْ قَذَفَهَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَطَلَبَا الْحَدَّ فَإِنِ الْتَعَنَ فَلَا حَدَّ لَهُ إِذَا بَطَلَ الْحَدُّ لِهَا بَطَلَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ لَهُمَا أَوْ لِأَيِّهِمَا طَلَبَ لِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ فحكمه حكم الحد الواحد إذا كان لعان واحد أو حد واحد وقد رمى العجلاني امرأته برجل سماه وهو ابن السحماء رجل مسلم فلاعن بينهما ولم يحده له ولو قذفها غير الزوج حد لأنها لو كانت حين لزمها الحكم بالفرقة ونفي الولد زانية حدت ولزمها اسم الزنا ولكن حكم الله تعالى ثم حكم رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فيهما هكذا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا ذَكَرَ فِي قَذْفِ زَوْجَتِهِ اسْمَ الزَّانِي بِهَا وَصَارَ قَاذِفًا لَهُ وَلَهَا فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُلَاعِنَ، أَوْ يَمْتَنِعَ، فَإِنِ امْتَنَعَ وَجَبَ أَنْ يُحَدَّ لِقَذْفِهِمَا، فَإِنْ قيل يقوله فِي الْقَدِيمِ: إِنَّهُ إِذَا قَذَفَ اثْنَيْنِ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ كَانَ هَذَا الْقَذْفُ أَوْلَى أَنْ يَجِبَ بِهِ حَدٌّ وَاحِدٌ.
وَإِنْ قِيلَ بِقَوْلِهِ الْجَدِيدِ: إِنَّ عَلَيْهِ فِي قَذْفِ الِاثْنَيْنِ حَدَّيْنِ فَقَدْ عَلَّلَهُ أَصْحَابُنَا بِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ قَدْ أَدْخَلَ بِقَذْفِهِ الْمَعَرَّةَ عَلَى اثْنَيْنِ، فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ وَجَبَ عَلَيْهِ بِقَذْفِ زَوْجَتِهِ بِالْمُسَمَّى حَدَّيْنِ لِإِدْخَالِ الْمَعَرَّةِ بِهِ عَلَى اثنين.

وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ قَذْفٌ بِزِنَاءٍ فَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهَذَا الْقَذْفِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ زِنًا وَاحِدٌ.

(فَصْلٌ)

وَإِنْ لَاعَنَ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَذْكُرَ الْمُسَمَّى فِي لِعَانِهِ أَوْ لَا يَذْكُرَهُ، فَإِنْ ذَكَرَهُ فِي لِعَانِهِ سَقَطَ حَدُّ الْقَذْفِ لَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُحَدُّ لِلْمُسَمَّى، وَلَا يَسْقُطُ بِلِعَانِهِ وَإِنْ ذَكَرَهُ فِيهِ لِاخْتِصَاصِ اللِّعَانِ بِالزَّوْجَاتِ دُونَ الْأَجَانِبِ، فَصَارَ كَمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً وَلَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الْأَجْنَبِيَّةِ بِلِعَانِهِ مِنَ الزَّوْجَةِ، وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الْعَجْلَانِيَّ سَمَّى شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ فَلَمْ يَحُدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَهُ بَعْدَ لِعَانِهِ فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِ الْحَدِّ بِهِ، وَلِأَنَّ لِعَانَهُ قَدْ أَوْجَبَ تَصْدِيقَهُ فِي حَدِّ الْأَجْنَبِيِّ، لِأَنَّهُ زِنًا وَاحِدٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُصَدَّقًا وَمُكَذَّبًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي لِعَانِهِ وَطَالَبَ بِحَدِّهِ، فَإِنْ أَعَادَ اللِّعَانَ فَذَكَرَهُ فِيهِ فَلَا حَدَّ فَيَكُونُ هَذَا اللِّعَانُ لِاسْتِدْرَاكِ مَا أَخَلَّ بِهِ فِي اللِّعَانِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ فَفِي وُجُوبِ حَدِّهِ قولان: أحدهما: لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِاللِّعَانِ حَدُّ مَنْ لَمْ يُسَمِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا حَدَّ لِأَنَّهُ زِنًى وَاحِدٌ وَقَدْ حُكِمَ بِتَصْدِيقِهِ فِيهِ بِلِعَانِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ فَسَقَطَ الْحَدُّ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ.

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشافعي: " وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَذَفَهَا حُبِسَ حَتَّى يَعْدِلُوا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا فَأَنْكَرَ.
فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ، أَوْ كَانَتْ دَعْوَى الْقَذْفِ بَيْنَ أَجْنَبِيَّيْنِ، نُظِرَتْ عَدَالَةُ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنْ عُلِمَتْ عَدَالَتُهُمَا حُكِمَ بِهِمَا، وَإِنَ عُلِمَ جَرْحُهُمَا أُسْقِطَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ جُهِلَ حَالُهُمَا حُبِسَ الْقَاذِفُ حَتَّى يُسْتَكْشَفَ عَنْهُمَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَالَةُ الشَّاهِدَيْنِ وَإِنَّمَا يُتَوَقَّفُ لِلْكَشْفِ عَنْ جَرْحِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ إِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ وَبَقِيَ مَا عَلَى الْحَاكِمِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَدَالَةِ، فَأَمَّا إِنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عَدَالَتُهُ لَمْ يُحْبَسِ الْقَاذِفُ وَإِنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ فَهَلْ يُحْبَسُ عَلَى حُضُورِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْبَسُ، لِأَنَّهُ كَمَا حُبِسَ مَعَ كَمَالِ الْعَدَدِ وَنُقْصَانِ الْعَدَالَةِ جَازَ أَنْ يُحْبَسَ مَعَ كَمَالِ الْعَدَالَةِ وَنُقْصَانِ الْعَدَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ حَبْسُهُ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ بِكَمَالِ الْعَدَدِ مَوْجُودَةٌ وَبِنُقْصَانِهِ مَفْقُودَةٌ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَكْفُلُ رَجُلٌ فِي حَدٍّ وَلَا لِعَانٍ ولا

يُحْبَسُ بِوَاحِدٍ.
(قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِهِ كَفَالَةَ الْوَجْهِ فِي غَيْرِ الْحَدِّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلِلْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: في حقوق الله عز وجل.
والثاني: فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ فِي حُدُودٍ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْإِدْرَاءِ وَالتَّسْهِيلِ وَإِنْ كَانَتْ فِي أَمْوَالٍ فَهِيَ مَوْكُولَةٌ إِلَى أَمَانَتِهِ إِنْ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ أَوْ زَكَاةٍ تُؤْخَذُ مِنْ عَيْنِ مَا بِيَدِهِ، أَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَضَرْبَانِ: أَمْوَالٌ، وَحُدُودٌ.
فَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ فِيهَا جَائِزَةٌ وَقَالَ فِي كِتَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ: غَيْرَ أَنَّ كَفَالَةَ الْأَبْدَانِ عِنْدِي ضَعِيفَةٌ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِتَضْعِيفِهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى إِبْطَالِهَا وَخَرَّجَ كَفَالَةَ النَّفْسِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ضَعْفِهَا فِي الْقِيَاسِ، لِأَنَّهُ ضَمَانٌ عُيِّنَ بِعَقْدٍ لَكِنْ جَازَ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ وَكَمَا خَالَفَ ضَمَانَ الدَّرْكِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأُصُولِ، وَأَمَّا الْحُدُودُ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ فِيهَا ضَمَانُ مَا فِي الذِّمَّةِ لَمْ تَجُزْ فِيهِ الْكَفَالَةُ بِذِي الذِّمَّةِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ الْكَفَالَةَ فِي الْمَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهَا كَالْأَمْوَالِ فِي جَوَازِ الْكَفَالَةِ فِيهَا بِالنَّفْسِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنَ الشَّرْحِ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي يُبَاشِرُ فِيهَا مَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْثِقُ فِيهَا لِمَنْ هِيَ لَهُ وَلَيْسَ عَلَى الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ الْمُطَالَبَةُ بِالْحَقِّ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ، فَاسْتَوَى فِيهَا مَا يَجُوزُ ضمانه وما لا يجوز.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ زَنَى فَرْجُكِ أَوْ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ فَهُوَ قَذْفٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: ذَكَرَهَا الْمُزَنِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي جامعه، فجعل قوله لها زنا فَرْجُكِ أَوْ يَدُكِ، أَوْ رِجْلُكِ، قَذْفًا وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِلَّا فِي الْقَدِيمِ فقال: ولو قال: زنا فَرْجُكِ فَهُوَ قَاذِفٌ، وَإِنْ قَالَ: يَدُكِ أَوْ

رِجْلُكِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ - يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ: فِي الْبَدَنِ وَهُوَ قَاذِفٌ وَفِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا يَكُونُ قَاذِفًا، وَلَا فِي الْعَيْنِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا كُلُّهُ مَا عَدَا الْفَرْجَ واحداً وَلَمْ يُصَرِّحْ أَنَّهُ وَاحِدٌ فِي الْقَذْفِ، فَلَمْ يختلف أصحابنا أنه إذا قال: زنا فَرْجُكِ، أَنَّهُ قَاذِفٌ، وَإِذَا قَالَ: زَنَتْ عَيْنُكِ، لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ هَلْ يَكُونُ قَاذِفًا بِإِضَافَةِ الزِّنَا إِلَيْهَا أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا يَكُونُ قَاذِفًا إِذَا قَالَ: زَنَتْ يَدُكِ، أَوْ رِجْلُكِ أَوْ رَأْسُكِ، أَوْ يَدُكِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْقَدِيمِ، وَنَسَبُوا الْمُزَنِيَّ إِلَى الْخَطَأِ فِي نَقْلِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا اللَّمْسُ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ، وَلِأَنَّ بِالْفَرْجِ يَكُونُ الزِّنَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ قَاذِفًا كَالْفَرْجِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ كَمَا يَسْتَوِي جَمِيعُهُ فِي الطَّلَاقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سريج إنه إذا قال: زنا بَدَنُكِ كَانَ قَاذِفًا، وَلَوْ قَالَ زَنَتْ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ أَوْ رَأْسُكِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، لِأَنَّ الْبَدَنَ هُوَ الْجُمْلَةُ الَّتِي فِيهَا الْفَرَجُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ بِالْفَرْجِ قَاذِفًا وَبِالْبَدَنِ الَّذِي مِنْهُ الْفَرَجُ لَيْسَ بِقَاذِفٍ فَأَمَّا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ مِنَ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ، وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَلَا تَخْتَصُّ بِالزِّنَا فَلَا يَكُونُ بِهَا قَاذِفًا كَالْعَيْنِ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِيهَا بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الَّتِي لَا تَبْقَى الحياة بانفصالها وبين ما تبقى الحياة بفصالها فجعله قاذفاً بقوله: زنا رَأْسُكِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَاذِفًا بِقَوْلِهِ: زَنَتْ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ، وَبَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِوَاءِ حُكْمِ مَا يَحْفَظُ الْحَيَاةَ وَمَا لَا يَحْفَظُهَا، أَنَّ كُلَّ مَا لَوْ نَسَبَهُ مِنْهَا إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالزِّنَا لَمْ يَكُنْ إِذَا نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِهِ قَاذِفًا بِالزِّنَا، كَالْعَيْنِ طَرْدًا وَالْفَرْجِ عَكْسًا لِاسْتِوَاءِ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا وَالْقَذْفِ به في الصريح والكناية.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَكُلُّ مَا قَالَهُ وَكَانَ يُشْبِهُ الْقَذْفَ إِذَا احْتَمَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا وَقَدْ أَتَى رَجُلٌ مِنْ فَزَارَةَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فلم يجعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قذفا وقال اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ به من خطبة النساء﴾ فكان خلافاً للتصريح ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ كِنَايَاتُ الْقَذْفِ وَمَعَارِيضُهُ لَا تَكُونُ قَذْفًا إِلَّا بِالْإِرَادَةِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى جَمِيعًا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: أَكْثَرُ الْمَعَارِيضِ قَذْفٌ فِي الْغَضَبِ دُونَ الرِّضَى كَقَوْلِهِ: أَنَا مَا زَنَيْتُ، أَوْ يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ.
حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى مَالِكًا فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِ ابْنَ الزَّانِيَةِ، قَالَ: هُوَ قَاذِفٌ، قَالَ: فَإِنْ قَالَ: يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ، قَالَ هُوَ قَاذِفٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَكُونُ قَاذِفًا إِذَا قَالَ: يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ وَإِذَا قَالَ: يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ يَأْتِيهِ [الْبَاطِلُ] بِلَفْظِ الْحَقِّ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بقوله تعالى: ﴿وإنا وإياكم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24] . فَكَانَ صَرِيحَ الْآيَةِ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَلَى هُدًى وَالَآخَرَ عَلَى ضَلَالٍ، وَدَلِيلُهَا فِي مَوْضِعِ الْخِطَابِ وَالتَّعْرِيضِ بِالذَّمِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأُمَّتَهُ عَلَى هُدًى، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى ضَلَالٍ مُبِينٍ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَعَارِيضِ كُلِّهَا.
وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ بِالزِّنَا، وَلَيْسَ لَهُ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ احْتِمَالَ التَّعْرِيضِ يَصْرِفُهُ الْغَضَبُ إِلَى الصَّرِيحِ، لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ أَظْهَرُ مِنَ الِاعْتِقَادِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ فَزَارَةَ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَلَكَ إِبِلٌ، قَالَ نَعَمْ: قَالَ مَا أَلْوَانُهَا، قَالَ: حُمْرٌ كُلُّهَا، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنَّى تَرَى ذَلِكَ؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ، قَالَ: كَذَلِكَ هَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ)) . فَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذَا التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ صَرِيحًا فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْغَضَبِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ غَضَبٌ، قِيلَ حَالُهُ يَشْهَدُ بِغَضَبِهِ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ وَهُمَا أَبْيَضَانِ أَنْ تَلِدَ غُلَامًا أَسْوَدَ يُخَالِفُهُمَا فِي الشَّبَهِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فقال: يا رسول الله إني امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ طَلِّقْهَا، فقال: إن أُحِبُّهَا، قَالَ: أَمْسِكْهَا وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالْقَذْفِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَاذِفًا.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " يَدَ لَامِسٍ "، أُرِيدَ بِهِ مُلْتَمِسٍ، أَيْ طَالِبٍ لِمَا لَهُ لِتَبْذِيرِهَا لَهُ فِي كُلِّ سَائِلٍ وَطَالِبٍ، وَلَمْ يُرِدِ الْتِمَاسَ الْفَاحِشَةِ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا، قِيلَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لأمرين:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ هَذَا الْقَوْلَ لَقَالَ: لَا تَرُدُّ يَدَ مُلْتَمِسٍ، وَلَمْ يَقُلْ: يَدَ لَامِسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ هَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِطَلَاقِهَا، وَلَأُمِرَ بِحَبْسِ مَالِهِ عَنْهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُذَمَّمًا عَصَيْنَا، وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أن تَرَوْنَ كَيْفَ عَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّهُمْ يَسُبُّونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ، فَلَمْ يَجْعَلْ تَعْرِيضَهُمْ بِهِ صَرِيحًا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ التَّعْرِيضَ بِالْخُطْبَةِ وَقَدْ حَرَّمَ صَرِيحَهَا، فَدَلَّ عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمِ التَّعْرِيضِ وَالتَّصْرِيحِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: أن كل ما كان كناية في الرضى كَانَ كِنَايَةً فِي الْغَضَبِ كَالْكِنَايَاتِ فِي الطَّلَاقِ وَأَنَّ كُلَّ مَا لَوْ نَسَبَهُ إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِالزِّنَا وَجَبَ إِذَا نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ قَذْفًا بِالزِّنَا قياساً على حال الرضى، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِنَفْسِهِ: أَنَا مَا زَنَيْتُ لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا، كَذَلِكَ إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنَا مَا زَنَيْتُ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا.
فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ، فَهِيَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَالتَّصْرِيحُ أَدَلُّ، لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: نَحْنُ عَلَى هُدًى، وَأَنْتُمْ عَلَى ضَلَالٍ مُبِينٍ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْفِيرِ، [إِلَى مَا هُوَ أَلْطَفُ] فِي الْقَوْلِ تَأْلِيفًا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِي معناه، فقال: ﴿إنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ فَلَوْ كَانَ التَّعْرِيضُ كَالتَّصْرِيحِ لَعَدَلَ عَنِ اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ إِلَى مَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْهُ وَأَبْيَنُ.
أَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ، فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ خُولِفَ فِيهِ فَقَدْ رَوَتْ عَمْرَةُ أَنَّ شَابًّا خَاصَمَ غَيْرَهُ فِي زَمَانِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: مَا زَنَى أَبِي، وَلَا أُمِّي، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ، فقالوا: مدح أباه وأمه، فحده عمر - رضي الله عنه - فَثَبَتَ اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لِمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَنْفِي احْتِمَالَ الْمَعَارِيضِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ صَرِيحَ الْقَذْفِ فِي حَالَةِ الرِّضَا والبر لا يزوال عَنْ حُكْمَهِ، وَكَذَلِكَ التَّعْرِيضُ فِي حَالِ الْغَضَبِ والعقوق.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَكُونُ اللِّعَانُ إِلَّا عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ عُدُولٍ يَبْعَثُهُمُ السُّلْطَانُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ اللِّعَانِ وَثُبُوتِ حُكْمِهِ أَنْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَشْهَدِهِ، وَلَا يَصِحُّ لِعَانُ الزَّوْجَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ، وَبَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَنِيبُهُ عَنْهُ شَرْطًا فِيهِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ عِنْدِنَا، وَشَهَادَةٌ عِنْدَ غَيْرِنَا، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي الْحُقُوقِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِهِ حُدُودٌ لَا يَسْتَوْفِيهَا وَيُقِيمُهَا إِلَّا الْحَاكِمُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُ فِيمَنْ صَحَّ لِعَانُهُ خِلَافٌ وَلَا يَتَقَرَّرُ إِلَّا بِالْحُكْمِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ فِي نَفْيِ حَمْلٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ مُسَمًّى فِي قَذْفٍ، فَلَمْ يَتَوَلَّاهُ إِلَّا الْحَاكِمُ لِيَنُوبَ عَمَّنْ غَابَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ اللِّعَانَ مَوْضُوعٌ لِلْفُرْقَةِ، فَكَانَ مُلْحَقًا إِمَّا بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْفَسْخِ وَلَيْسَ الْحَاكِمُ شَرْطًا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قِيلَ: قَدْ يَتَعَلَّقُ بِاللِّعَانِ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي الْحُدُودِ وَنَفْيِ النَّسَبِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِطَلَاقٍ وَلَا فَسْخٍ، عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْفُسُوخِ مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَكَانَ اللِّعَانُ أَوْلَى.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوِ الْحَاكِمَ أَوْ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ أَحَدُهُمَا شَرَطَا فِي صِحَّةِ اللِّعَانِ فتفرد الزوجان بِهِ فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ عَلَى خَلْوَةٍ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ اللِّعَانِ لَا فِي وُقُوعِ فُرْقَةٍ وَلَا فِي سُقُوطِ حَدٍّ، وَفِي نَفْيِ نَسَبٍ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، وَهَكَذَا لَوْ حَضَرَا عِنْدَ الْحَاكِمِ فَسَبَقَا بِاللِّعَانِ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُمَا لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَسْتَأْنِفَاهُ [عَنْ أَمْرِهِ لِأَنَّهُ يَمِينٌ عِنْدِنَا، وَشَهَادَةٌ عِنْدَ غَيْرِنَا، وَلَا يَجُوزُ الْيَمِينُ قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ، وَالشَّهَادَةُ] قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ.
(فَصْلٌ) فَلَوْ حَكَّمَا رَجُلًا رَضِيَاهُ لِيُلَاعِنَ بَيْنَهُمَا كَانَ التَّحْكِيمُ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ما عدا الحدود واللعان جائز، فَقَدِ اتَّفَقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلَى تَحْكِيمِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي مُنَازَعَةٍ بَيْنَهُمَا فَحَكَمَ عَلَيْهِمَا.
وَرُوِيَ أَنَّ وَفْدًا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وفيهم رجل يكنى أبا الحكم، فقال: لما كُنِّيتَ أَبَا الْحَكَمِ، فَقَالَ: لِأَنَّ قَوْمِي يُحَكِّمُونِي بَيْنَهُمْ فَأَحْكُمُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَهَاهُ عَنْهُ مِنْ بَعْدُ.

وَإِذَا صَحَّ التَّحْكِيمُ فَالْخَصْمَانِ قَبْلَ الْحُكْمِ مُخَيَّرَانِ فِي الْمُقَامِ عَلَى التَّحْكِيمِ أَوِ الرُّجُوعِ عَنْهُ، فَإِذَا حَكَمَ فَفِي لُزُومِ حُكْمِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَهُ نَافِذٌ عَلَيْهِمَا وَلَازِمٌ لَهُمَا، وَغَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى رِضَاهُمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ لازم لهما إلا بعد الرضى بِالْتِزَامِهِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ لَكَانَ وَسِيطًا وَلَمْ يَكُنْ حُكْمًا.
فَأَمَّا التَّحْكِيمُ فِي اللِّعَانِ فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي لُزُومِ حُكْمِهِ فِي غَيْرِ اللِّعَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ إِذَا قِيلَ إِنَّ حُكْمَهُ فِي غَيْرِ اللِّعَانِ لَازِمٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ إِذَا قِيلَ إِنَّ حُكْمَهُ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بالرضى لأن حكم اللعان لا يقع بالرضى وَلَا يَقِفُ عَلَى التَّرَاضِي وَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْعَفْوُ.
وَالْإِبْرَاءُ كَالْحُدُودِ، وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الدَّارَكِيُّ يَقُولُ: يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاكِمِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ اعْتِبَارًا بِالضَّرُورَةِ فِيهِ، فَأَمَّا السَّيِّدُ إِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا، فَصَارَ كَالْحَاكِمِ مَعَ غَيْرِهِمَا.

(باب في الشهادة في اللعان)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا جَاءَ الزَّوْجُ وَثَلَاثَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَى امْرَأَتِهِ مَعًا بِالزِّنَا لَاعَنَ الزَّوْجُ فَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ حُدَّ لِأَنَّ حُكْمَ الزَّوْجِ غَيْرُ حُكْمِ الشُّهُودِ لأن الشهود لا يلتعنون ويكونون عند أكثر العلماء قذفه يحدون إذا لم يتموا أربعة وإذا زعم بأنها قد وترثه في نفسه بأعظم من أن تأخذ كثير ماله أو تشتم عرضه أو تناله بشديد من الضرب بما يبقى عليه من العار في نفسه بزناها تحته وعلى ولده فلا عداوة تصير إليهما فيما بينها وبينه تكاد تبلغ هذا ونحن لا نجيز شهادة عدو على عدوه ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا شَهِدَ الزَّوْجُ مَعَ ثَلَاثَةٍ عُدُولٍ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ مَعَهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تُقْبَلُ استدلالا بقوله عز وجل ﴿واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاسشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: 15] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَجَازَ أَنْ تُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ الزَّوْجِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلِأَنَّهُ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي حَدٍّ غَيْرِ الزِّنَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي حَدِّ الزِّنَى كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] فَلَمْ يَجْعَلْ لِشَهَادَتِهِ عَلَيْهَا حُكْمًا وَلَا جَعَلَ قَوْلَهُ عَلَيْهَا مَقْبُولًا.
رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا زَنَتْ وَأَحَدُهُمْ زَوْجُهَا فَقَالَ: يُلَاعِنُ الزَّوْجُ وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ، وَهَذَا قَوْلُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ، فَإِنْ كَانَ مُنْتَشِرًا فَهُوَ إِجْمَاعٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْتَشِرٍ فَهُوَ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ حُجَّةٌ يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ، وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقَدِيمِ؛ وَلِأَنَّهُ مَنِ انْتَصَبَ خَصْمًا فِي حَادِثَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِيهَا، أَصْلُهُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَى خِيَانَتِهَا لَهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهَا، أَصْلُهُ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهَا بِإِتْلَافِ وَدِيعَةٍ لَهُ فِي يَدِهَا؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ تَصْدِيقُ نَفْسِهِ بِاللِّعَانِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ لِعَانُهُ، أَصْلُهُ نَفْيُ النَّسَبِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ

صَارَ عَدُوًّا بِمَا وَتَرَهُ فِي نَفْسِهِ وَخَانَتْهُ فِي حَقِّهِ، وَأَدْخَلَتِ الْعَارَ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْعَدَاوَةِ مِنْ مُؤْلِمِ الضَّرْبِ وَفَاحِشِ السَّبِّ وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ مَرْدُودَةٌ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ " أَيْ ذِي جور.
وأما الجواب عن قوله: ﴿فاسشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] ، فَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ خطاب للأزواج؛ لأنه تعالى قال: ﴿واللائي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 15] فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ غَيْرَهُمْ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى سَائِرِ الْحُدُودِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهَا لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ نَفْعًا وَلَا يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا وَهُوَ فِي الزِّنَا مَتْهُومٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا وَيَسْتَفِيدُ بِهِ نَفْعًا.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ فَالْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ التُّهْمَةِ فِي الْأَجْنَبِيِّ وَوُجُودِهَا فِي الزَّوْجِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الزَّوْجَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ، فَالشُّهُودُ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ لَا تَكْتَمِلُ بِهِمُ الْبَيِّنَةُ فِي الزِّنَا لِنُقْصَانِ عَدَدِهِمْ فَهَلْ يَصِيرُونَ قَذَفَةً يُحَدُّونَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُحَدُّونَ لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ دُونَ الْقَذْفِ، لَوْ كَانُوا قَذَفَةً لَمَا جَازَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ مَعَ كَمَالِ عَدَدِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا بِخُرُوجِهِمْ مِنْ كَمَالِ الشَّهَادَةِ قَذَفَةً، لِإِدْخَالِهِمُ الْمَعَرَّةَ بِالزِّنَا كَالْقَذْفِ الصَّرِيحِ، وَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا شَهِدَ عِنْدَهُ بِالزِّنَا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَبُو بَكْرَةَ وَنَافِعٌ وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ وَتَوَقَّفَ زِيَادٌ عَنِ الْإِفْصَاحِ بِالشَّهَادَةِ أَمَرَ عُمَرُ بِجَلْدِ الثَّلَاثَةِ وَجَعَلَهُمْ قَذَفَةً فَعَلَى هَذَا لَوْ كَمُلَ عَدَدُهُمْ أَرْبَعَةً وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِرِقٍّ أَوْ فِسْقٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَاقِينَ، فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يَقُولُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُمْ بِنُقْصَانِ الْعَدَدِ مَعَ كَمَالِ الصِّفَةِ وَبَيْنَ أَنْ تَرُدَّ مَعَ كَمَالِ الْعَدَدِ وَنُقْصَانِ الصِّفَةِ فِي أَنَّ وُجُوبَ حَدِّهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِذَا كَمُلَ عددهم ونقصت صفتهم لم يجدوا قَوْلًا وَاحَدًا وَفَرَّقَ بَيْنَ نُقْصَانِ الصِّفَةِ وَنُقْصَانِ الْعَدَدِ بِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ رَاجِعٌ إِلَى الشُّهُودِ وَنُقْصَانَ الصِّفَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْحَاكِمِ، وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
(فَصْلٌ) فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ: يُوجَبُ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ فَعَلَى الزَّوْجِ أَيْضًا الْحَدُّ، لِأَنَّ أَحْسَنَ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ كأحدهم، لكن الزوج أَنْ يُلَاعِنَ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ

وَنَفْيِ النَّسَبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ بِالْقَذْفِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِهِ قَاذِفًا وَلَا يَسْقُطُ بِلِعَانِهِ حَدُّ الْقَذْفِ عَنِ الشُّهُودِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّ الشُّهُودُ قَبْلَ لِعَانِ الزَّوْجِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الزَّوْجِ إِذَا لَاعَنَ وَامْتَنَعَتِ الزَّوْجَةُ عَنِ اللِّعَانِ فَحُدَّتْ هَلْ تَسْقُطُ حَصَانَتُهَا مَعَ الْأَجَانِبِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ؛ أَنَّ حَصَانَتَهَا لَا تَسْقُطُ مَعَ الْأَجَانِبِ وَإِنْ حُدَّتْ؛ لِأَنَّهُ عَنْ لِعَانٍ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجِيَّةِ دُونَ الْأَجَانِبِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّ الشُّهُودُ قَبْلَ لِعَانِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ حَصَانَتَهَا قَدْ سَقَطَتْ مَعَ الْأَجَانِبِ كَسُقُوطِهَا مَعَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ حُدَّتْ بِاللِّعَانِ كَمَا تُحَدُّ بِالْبَيِّنَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّ الشُّهُودُ إِلَّا بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ لِجَوَازِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللِّعَانِ فَيُحَدُّ فَتَسْقُطُ حَصَانَتُهَا مَعَهُمْ، وَإِذَا قِيلَ إِنَّ الشُّهُودَ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الزَّوْجِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الشُّهُودِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ كَالشُّهُودِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ جَاءَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ لَا بِلَفْظِ الْقَذْفِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِاسْتِئْنَافِ قَذْفٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُحَدُّ بِخِلَافِ الشُّهُودِ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ لَفْظَ شَهَادَةٍ وَصَارَ قَاذِفًا مَحْضًا فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ بِالْقَذْفِ فِي الشَّهَادَةِ وَلَا يَسْتَأْنِفَ قَذْفًا وَاللَّهُ أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَذَفَهَا وَانْتَفَى مِنْ حَمْلِهَا فَجَاءَ بِأَرْبَعَةٍ فَشَهِدُوا أَنَّهَا زَنَتْ لَمْ يُلَاعِنْ حَتَّى تَلِدَ فَيَلْتَعِنُ إِذَا أَرَادَ نَفْيَ الْوَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَلْتَعِنْ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَلَمْ تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ ثَمَّ تُحِدُّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ عَلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ بِالزِّنَاءِ تَعَلَّقَ بِشَهَادَتِهِمْ حُكْمَانِ لَا يُؤَثِّرَانِ فِي الزَّوْجِيَّةِ:

أَحَدُهُمَا: ارْتِفَاعُ حَصَانَتِهَا عَلَى الْعُمُومِ مَعَ الزَّوْجِ وَمَعَ غَيْرِهِ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا بِحَالٍ.
وَالثَّانِي: وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهَا، إِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَجَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَرَجْمٌ، وَلَا يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا يَرْتَفِعُ بِهَا الفراش إلا أن يلتعن، فإن أردا الزَّوْجُ أَنْ يَلْتَعِنَ لَمْ يَخْلُ حَالُ لِعَانِهِ مَعَ سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَلْتَعِنَ لِنَفْيِ الْوَلَدِ.
وَالثَّانِي: لِنَفْيِ الْحَمْلِ.
وَالثَّالِثُ: لِرَفْعِ الْفِرَاشِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَلْتَعِنَ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، فَيَجُوزُ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَنْتَفِي إِلَّا بِهِ، فَكَانَتْ ضَرُورَتُهُ إِلَيْهِ دَاعِيَةً، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ قَذَفَهَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ، جَازَ أَنْ يُلَاعِنَهَا بِذَاكَ الْقَذْفِ وَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّهُ بِالشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَذَفَهَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ فَهَلْ يَسْتَغْنِي بِالشَّهَادَةِ عَنِ التَّلَفُّظِ بِقَذْفِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُحْتَمَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَغْنِي بِهَا عَنِ الْقَذْفِ لِثُبُوتِ الزِّنَا عَلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا يَقُولُ فِي لِعَانِهِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِي زِنَاهَا، وَلَا يَقُولُ: فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْمِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَسْتَغْنِي بِالشَّهَادَةِ عَنِ الْقَذْفِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يرمون أزواجهم﴾ فَجَعَلَ رَمْيَهُ شَرْطًا فِي لِعَانِهِ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَأْنِفُ الْقَذْفَ، وَيَأْتِي بِاللِّعَانِ عَلَى صِفَتِهِ.
فَصْلٌ: أما القسم الثاني: وهو أن تلتعن لنفي الحمل قبل وضعه، ففي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يَلْتَعِنُ منه قبل وضعه؛ لأن لعانه مقصوراً عَلَى نَفْيِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْتَفٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رِيحًا فَيَنْفُشُ وَإِنَّمَا يُلَاعِنُ لِنَفْيِهِ إِذَا كَانَ حَدُّ الْقَذْفِ وَاجِبًا عَلَى الزَّوْجِ لِيُسْقِطَ بِلِعَانِهِ حَدَّ الْقَذْفِ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ نَفْيُ الحمل تبعاً وليس على الزوج ها هنا حَدٌّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْتَعِنَ فِيمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ إِلَّا بَعْدَ تَيَقُّنِهِ بِالْوِلَادَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْتُوتَةِ الْحَامِلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمًا معتبراً وظاهراً مغلباً.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَلْتَعِنَ لِرَفْعِ الْفِرَاشِ لَا غَيْرَ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْتَعِنَ لِرَفْعِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، فَلَمْ

يَكُنْ بِهِ إِلَى اللِّعَانِ ضَرُورَةٌ، وَاللِّعَانُ لَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالضَّرُورَاتِ.
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ لِرَفْعِ الْفِرَاشِ لِيَسْتَفِيدَ تَأْبِيدَ تَحْرِيمِهَا فَيَنْحَسِمُ عَنْهُ الطَّمَعُ فِي مراجعتها وليكون أدخل فِي وُجُوبِ الْمَعَرَّةِ عَلَيْهَا.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا لَاعَنَ الزَّوْجُ مِنْهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا لَمْ تَلْتَعِنِ الزَّوْجَةُ بَعْدَهُ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِالشَّهَادَةِ فَإِذَا أُرِيدَ حَدُّهَا وَهِيَ حَامِلٌ لَمْ تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ لِأَنَّ الْغَامِدِيَّةَ حِينَ أَقَرَّتْ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالزِّنَا وَكَانَتْ حَامِلًا قَالَ: اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي حَمْلَكِ، فَلَمَّا وَضَعَتْهُ وَعَادَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: طَهِّرْنِي قَالَ: اذْهَبِي حَتَّى تُرْضِعِي وَلَدَكِ حَوْلَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُ حَوْلَيْنِ.
ثُمَّ عَادَتْ وَمَعَهَا وَلَدُهَا فِي يَدِهِ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ، وَقَالَتْ: طَهِّرْنِي، فَرَجَمَهَا حِينَئِذٍ.
قَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَدْ أَمَرَ بِرَجْمِ حَامِلٍ: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا مَكَّنْتَ من سقيه لباها الَّذِي لَا تُحْفَظُ حَيَاةُ الْمَوْلُودِ إِلَّا بِهِ، ثُمَّ رُوعِيَ حَالُ مَنْ تُرْضِعُهُ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَانٍ لَا يُوجَدُ بِهِ مُرْضِعٌ غَيْرُهَا أُخِّرَ حَدُّهَا إِنْ كَانَ رَجْمًا حَتَّى تُرْضِعَهُ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا قُدِّمَ جَلْدُهَا إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا ضَعْفُ الْوِلَادَةِ، وَإِنْ وُجِدَ لِوَلَدِهَا مُرْضِعٌ قُدِّمَ رَجْمُهَا قَبْلَ رَضَاعِهِ، وَهَلْ تُرْجَمُ قَبْلَ تَعْيِينِ الْمُرْضِعَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ مَضَيَا فِي غير موضع.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى إِقْرَارِهَا بِالزِّنَا لَمْ يُلَاعِنْ وَلَمْ يُحَدَّ وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ". قَالَ الماوردي: أما الشهادة على الإقرار بالزناء فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَمَا لَا يُقْبَلُ عَلَى فِعْلِ الزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِيَكُونَ الْفَرْعُ مُعْتَبَرًا بِأَصْلِهِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الزِّنَى مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا يُقْبَلُ فِي الْإِقْرَارِ بِهَا إِلَّا مَا يُقْبَلُ فِي أَصْلِهَا.
كَالْقَتْلِ يُقْبَلُ فِيهِ وَفِي الْإِقْرَارِ بِهِ شَاهِدَانِ، وَكَالدَّيْنِ يُقْبَلُ فِيهِ وَفِي الْإِقْرَارِ بِهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ فَعَلَى هَذَا إِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ عَلَى إِقْرَارِهَا بِالزِّنَا شَاهِدَيْنِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ، وَكَانَ مَأْخُوذًا بِهِ إِلَّا أَنْ يَلْتَعِنَ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِقْرَارِ لَمْ تَكْتَمِلْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قال في الجديد: يقبل الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا شَاهِدَانِ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي فِعْلِ الزِّنَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ حُكْمِهِمَا يَقْتَضِي اخْتِلَافَ حُكْمِ الشَّهَادَةِ فِيهِمَا لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَهُ بِالزِّنَا لَا يَتَحَتَّمُ حَدُّهُ، لِأَنَّ لَهُ إسقاط بالرجوع في إقراره، والمشهود عليه بفعل الزناء مَحْتُومُ الْحَدِّ لَا سَبِيلَ إِلَى إِسْقَاطِهِ عَنْهُ فَتَغَلَّظَتِ الْبَيِّنَةُ فِي الْحَدِّ وَتَحَقَّقَتْ فِي الْإِقْرَارِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْحُقُوقِ لِاسْتِوَاءِ الْحُكْمِ فِيهَا وَفِي الْإِقْرَارِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِالْقَتْلِ مَأْخُوذٌ بِالْقَوْلِ كَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، فَاسْتَوَتِ الْبَيِّنَةُ فِي الْقَتْلِ وَفِي الْإِقْرَارِ بِهِ

لِاسْتِوَاءِ حُكْمِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: أَقْرَرْتُ بِالزِّنَا لَمْ يُحَدَّ، وَمَنْ قَالَ: أَقْرَرْتُ بِالْقَتْلِ: أُقْيِدَ فَعَلَى هَذَا إِذَا أَقَامَ الزَّوْجُ بَعْدَ قَذْفِهَا شَاهِدَيْنِ عَلَى إِقْرَارِهَا بِالزِّنَا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ ولم يجب عليها الحد لأن بإنكارها رجوع فِي الْإِقْرَارِ، فَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى زِنَاهَا فَفِي جَوَازِ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطِّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لِقَذْفِهَا وَتَكْذِيبًا لِإِنْكَارِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَيُمْنَعُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ حَقًّا؛ لِأَنَّ حَدَّهُ قَدْ سَقَطَ بِإِقْرَارِهَا.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا الْقَذْفَ فَأَنْكَرَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ ابْنَاهُ بِقَذْفِهَا، فَإِنْ كَانَا مِنْ غَيْرِهَا سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا مِنْهَا لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِأُمِّهِمَا، وَإِذَا قَذَفَهَا وَشَهِدَ ابْنَاهَا عَلَى إِقْرَارِهَا بِالزِّنَا فَإِنْ كَانَا مِنْ غَيْرِهِ سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى أُمِّهِمَا، وَإِنْ كَانَا مِنْهُ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِأَبِيهِمَا، وَإِذَا قَذَفَهَا وَشَهِدَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى مِنْ بَنِيهَا لَمْ يَسْقُطْ بِهَا الْحَدُّ عَنِ الْأَبِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَهُ وَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْأُمِّ قَوْلَانِ، مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الشَّهَادَةِ، إِذَا رُدَّ بَعْضُهَا هَلْ يُوجِبُ رَدَّ جَمِيعِهَا؟ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُحَدُّ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ فِي الْبَعْضِ يُوجِبُ رَدَّ جَمِيعِهَا لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِأَبِيهِمْ عَلَى أُمِّهِمْ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ لِلْأَبِ.
وَالثَّانِي: تُحَدُّ إِذَا قُلْنَا إِنَّ رَدَّ بَعْضِهَا لَا يُوجِبُ رَدَّ جَمِيعِهَا إِذَا رُدَّتْ فِي حَقِّ الْأَبِ وَأَمْضِيَتْ عَلَى الْأُمِّ، وَلَوْ شَهِدَ ابْنَاهَا عَلَى أَنَّ أَبَاهُمَا قَذَفَ زَوْجَةً لَهُ أُخْرَى غَيْرَ أُمِّهِمَا فَفِي قَبُولِ شهادتهما قولان ذكرهما في القديم ونقلها الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ: أَحَدُهُمَا: تُرَدُّ شَهَادَتُهُمَا وَلَا تُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ عَلَى أَبِيهِمَا لِغَيْرِ أُمِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُلَاعِنُ مِنْهَا إِذَا ثَبَتَ قَذْفُهُ فَتَنْتَفِعُ الْأُمُّ بِعَدَمِ الضَّرَّةِ وَخُلُوعِهَا بِالزَّوْجَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ إِنَّ شَهَادَتَهُمَا مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِأُمِّهِمَا فِيهَا إِلَّا أَنْ تُسَرَّ بِفِرَاقِ ضَرَّتِهَا، وَهَذَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، لِأَنَّهُ لِلْأَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَكَانَهَا وَهَكَذَا لَوْ شَهِدَ ابْنَاهُمَا عَلَى الزَّوْجِ بِطَلَاقِ غَيْرِ أُمِّهِمَا كَانَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، ذَكَرَهُمَا فِي القديم: أحدهما: لا يقبل.
والثاني: يقبل وتوجيهما ما قدمناه والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَذَفَهَا وَقَالَ كَانَتْ أَمَةً أَوْ مُشْرِكَةً

فَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا يَوْمَ قَذَفَهَا حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ لِأَنَّهَا مُدَّعِيَةُ الْحَدِّ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ وَيُعَزَّرُ إِلَّا أن يلتعن ". قال الماوردي: جملته أَنَّهُمَا إِذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ الْقَذْفِ، فَقَالَ قَذَفْتُكِ وَأَنْتِ أَمَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ، وَقَالَتْ بَلْ كُنْتُ حُرَّةً أَوْ مُسْلِمَةً، فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ مُشْرِكَةً مِنْ قَبْلُ، ويجعل أَمْرَهَا فِي الْحَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا حُرَّةٌ فِي الْحَالِ أَوْ مُسْلِمَةٌ وَيَجْهَلُ أَمْرَهَا مِنْ قَبْلُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجْهَلَ أَمْرَهَا مِنْ قَبْلُ وَفِي الْحَالِ فَلَا يَعْلَمُ لَهَا حُرِّيَّةً ولا رق، ولا إسلام ولا شرك.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ مُشْرِكَةً مِنْ قَبْلُ وَيَجْهَلُ أَمْرَهَا فِي الْحَالِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا أَمَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَذَفَهَا وَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ فَيُحَدُّ.
لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ رِقٍّ أَوْ شِرْكٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا فِي الْحَالِ حُرَّةٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ، وَيَجْهَلُ أَمْرَهَا مِنْ قَبْلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ حُرَّةً مُسْلِمَةً مِنْ قَبْلُ، وَيُحَدُّ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ مُشْرِكَةً مِنْ قَبْلُ فَيُعَزَّرُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَقَدُّمُ مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ مِنْ حُرِّيَّةٍ أَوْ إِسْلَامٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَجْهَلَ أَمْرَهَا فِي الْحَالِ وَمِنْ قَبْلُ، فَلَا يعرف لها حرية ولا رق ولا إسلام ولا شرك، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْقَذْفِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاذِفِ دُونَ المقذوف الذي نَصَّ عَلَيْهِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْقَتْلِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ دُونَ الْقَاتِلِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ نَقَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَوَابَيْنَ إِلَى الْآخَرِ وَخَرَّجُوا الْقَذْفَ وَالْقَتْلَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاتِلِ وَالْقَاذِفِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تَجْمَعُهُمْ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَقْذُوفِ وَوَلِيِّ الْمَقْتُولِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِسْلَامُ أَهْلِهَا وَحُرِّيَّتُهُمْ فَأُجْرِيَ حُكْمُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فِيهَا، كَمَا يَجْرِي عَلَى اللَّقِيطِ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَهَذَا حَدُّ وَجْهَيْ أَصْحَابِنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ حَمَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَوَابَيْنَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَجَعَلُوا فِي الْقَذْفِ

الْقَوْلَ قَوْلَ الْقَاذِفِ دُونَ الْمَقْذُوفِ، وَجَعَلُوا فِي الْقَتْلِ الْقَوْلَ قَوْلَ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ دُونَ الْقَاتِلِ وفرقوا بينهما بفرقين: أحدهما: أن القود في القتل موضوع لمعنى الْمُمَاثَلَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الِانْتِقَالِ عَنْهُ إِلَى التَّعْزِيرِ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَتْلَ إِذَا انْتُقِلَ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ انْتُقِلَ مِنْ مَشْكُوكٍ فِيهِ إِلَى مَشْكُوكٍ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ تَأْثِيرٌ، وَالْقَذْفُ إِذَا انْتُقِلَ عَنِ الْحَدِّ فِيهِ إِلَى التَّعْزِيرِ انْتُقِلَ مِنْ مَشْكُوكٍ فِيهِ إِلَى يَقِينٍ، فَكَانَ لِانْتِقَالِهِ تَأْثِيرٌ، وَكِلَا الْفَرْقَيْنِ مَعْلُولٌ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً وَادَّعَى أَنَّهَا مُرْتَدَّةٌ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَهَا فِيمَا ادَّعَاهُ مَنْ رِدَّتِهَا وَقْتَ قَذْفِهِ حَالَتَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَعْلَمَ لَهَا رِدَّةً تَقَدَّمَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.
أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُسْلِمَةً وَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهَا اسْتِدَامَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى تُخَالِفُهُ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْقَاذِفُ بَيِّنَةً عَلَى رِدَّتِهَا فَيُحْكَمُ بِهَا وَلَا يُحَدُّ وَفِي كَيْفِيَّةِ الْبَيِّنَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَشَهَدَ بِرِدَّتِهَا ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَلَا يَكْتَفِيَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الرِّدَّةِ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ قَذَفَهَا فِي حَالِ الرِّدَّةِ حَتَّى يَكُونَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَلَا تُقْبَلُ يَمِينُهُ إِنْ لَمْ تَشْهَدِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْلَمَ تَقَدُّمَ رَدَّتِهَا وَيَخْتَلِفَانِ، فَيَقُولُ الْقَاذِفُ: قَذَفْتُكِ وَأَنْتِ مُرْتَدَّةٌ وَتَقُولُ الْمَقْذُوفَةُ: قَذَفْتَنِي وَأَنَا مُسْلِمَةٌ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاذِفِ مع يمينه؛ لأن الحدود قدراً بِالشُّبُهَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَقْذُوفَةِ مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِحْصَانُ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ الْقَوْلِ فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الرِّدَّةِ.
(مسألة) قال الشافعي: " وَلَوِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إِقْرَارِهَا بِالزِّنَا فَسَأَلَ الْأَجَلَ لَمْ أُؤَجِّلْهُ إِلَّا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنْ جَاءَ بِهَا وَإِلَّا حُدَّ أَوْ لَاعَنَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ لأنا لَوْ لَمْ نُؤَجِّلْهُ لِإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ لَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ لِوَقْتِهِ، لَأَنَّ الشُّهُودَ فِي الْأَغْلَبِ غَيْرُ حُضُورٍ، ولو عُوجِلَ بِالْحَدِّ مَعَ إِمْكَانِ الْبَيِّنَةِ لَصَارَ

مظلوماً، ولو مُدَّ لَهُ فِي الْإِمْهَالِ، وَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ الِانْتِظَارُ لَصَارَ الْمَقْذُوفُ فِي تَأْخِيرِ حَدٍّ وَجَبَ لَهُ مَظْلُومًا وَكَانَ لِكُلِّ قَاذِفٍ أَنْ يُسْقِطَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِادِّعَاءِ الْبَيِّنَةِ؛ فَلَمَّا امْتَنَعَ الطَّرَفَانِ لِئَلَّا يَتَوَجَّهَ ظُلْمٌ فِي أَحَدِهِمَا، وَجَبَ ال

فصل

بينهما يتوسط الطَّرَفَيْنِ فِي حِفْظِ الْحُقُوقِ فَكَانَ الْإِنْظَارُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هِيَ أَكْثَرُ الْقَلِيلِ وَأَقَلُّ الْكَثِيرِ عَدْلًا بَيْنَهُمَا فِي وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى حَقِّهِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] ، وَلِخَبَرِ " الْمُصَرَّاةِ " وَخَبَرِ حَبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ فِي بَيْعِ خِيَارٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
فَلِأَجْلِ ذَلِكَ أُنْظِرَ الْقَاذِفُ بِالْبَيِّنَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا وَإِلَّا حُدَّ أَوْ لَاعَنَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ أُؤَجِّلْهُ إِلَّا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ تَأْجِيلِهِ فِي الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ فِي وَجْهِ التَّقْرِيبِ فِي الْحَدِّ، فَإِنْ سَأَلَتِ الْمَقْذُوفَةُ حَبْسَهُ فِي الثَّلَاثِ حُبِسَ، فَإِنْ قَالَ: لَسْتُ أَقْدِرُ عَلَى إِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ إِنْ حُبِسْتُ، أُخْرِجَ مِنَ الحبس ملازماً ليحفظ بالملازمة، ويمكنه إحضار البينة بالإفراج.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَذَفَهَا كَبِيرَةً وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَذَفَهَا صَغِيرَةً فَهَذَانِ قَذْفَانِ مُفْتَرِقَانِ وَلَوِ اجْتَمَعَ شُهُودُهُمَا عَلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ فَهِيَ مُتَصَادِمَةٌ وَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا اخْتَلَفَ فِي الْقَذْفِ فَادَّعَتِ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ قَذَفَهَا كَبِيرَةً، وَأَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّهَا كَانَتْ وَقْتَ قَذْفِهِ لَهَا صَغِيرَةً، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا بينة فالقول قول مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَ قَذَفَهَا صَغِيرَةً وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصِّغَرَ يَقِينٌ وَجَنْبُ الْمُؤْمِنِ حِمًى، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّ قَذْفَ الصَّغِيرَةِ يُوجِبُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي الصِّغَرِ زَوْجَتَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْ تَعْزِيرٍ وَجَبَ فِي غَيْرِ الزَّوْجِيَّةِ، كَمَا لَمْ يَلْتَعِنْ مِنْ حَدٍّ وَجَبَ فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي الصِّغَرِ زَوْجَتَهُ نُظِرَ، فَإِنْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى حَالٍ يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَهُوَ تَعْزِيرُ قَذْفٍ يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهُ.
وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا ادَّعَتْ مِنْ قَذْفِهِ لَهَا فِي الْكِبَرِ حُكِمَ بِهَا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ مِنْهُ وَإِنْ عَارَضَ بَيِّنَتَهَا بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُ أَنَّهُ قَذَفَهَا فِي الصِّغَرِ فَلِلْبَيِّنَتَيْنِ حَالَتَانِ: اتِّفَاقٌ وَمُضَادَّةٌ.
فَأَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى: وَهِيَ الِاتِّفَاقُ الْمُمْكِنُ فَقَدْ تَكُونُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ تُطْلِقَ الْبَيِّنَتَانِ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِ تَارِيخٍ، وَإِمَّا أَنْ تُؤَرِّخَا تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَيُعْمَلُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَيَصِيرُ قَاذِفًا لَهَا قَذْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الصِّغَرِ ببينته.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل