كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَالُوا وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِثْبَاتِ، وَالْيَمِينَ مَوْضُوعَةٌ لِلنَّفْيِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بِالْبَيِّنَةِ إِلَى النَّفْيِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بِالْيَمِينِ إِلَى الْإِثْبَاتِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهَا قَوْلُ الْمُدَّعِي، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ كَالدَّعْوَى.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ رَجَّحَ دَعْوَاهُ بِقَوْلِهِ، فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ، كَتَكْرِيرِ الدَّعْوَى.
(فَصْلٌ)
: وَدَلِيلُنَا مِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: 108] أَيْ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ مِنَ الْأَيْمَانِ الْوَاجِبَةِ، فَدَلَّ عَلَى نَقْلِ الْأَيْمَانِ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ طَلَبَهُ بِغَيْرِ بَيَّنَةٍ، فَالْمَطْلُوبُ أَوْلَى بِالْيَمِينِ مِنَ الْطَالِبِ ".
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْمَطْلُوبُ أَوْلَى بِالْيَمِينِ مِنَ الطَّالِبِ ".
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ [أَنْ " أَوْلَى "] يُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي الِاشْتِرَاكِ فِيمَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، كَقَوْلِكَ: زِيدٌ أَفْقَهُ مِنْ عَمْرٍو، إِذَا اشْتَرَكَا فِي الْفِقْهِ، وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَلَا يُقَالُ: زِيدٌ أَفْقَهُ فِيمَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ حَقٌّ فِي الْيَمِينِ لَمَا جُعِلَ الْمَطْلُوبُ أَوْلَى مِنْهُ، فَيَكُونُ أَوْلَى فِي الِابْتِدَاءِ، وَيُنْقَلُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ فِي الِانْتِهَاءِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ حَقٍّ، وَهَذَا نَصٌّ ذَكَرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُخَرَّجِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِلْأَنْصَارِ فَيَ دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ: " تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَيُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ".
فَدَلَّ هَذَا عَلَى نَقْلِ الْيَمِينِ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَجْرَى فَرَسًا، فوطىء عَلَى أُصْبُعِ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَتَأَلَّمَ مِنْهَا دَهْرًا، ثُمَّ مَاتَ، فَتَنَازَعُوا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ: تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ مَا مَاتَ مِنْهَا، فَأَبَوْا، فَقَالَ لِلْمُدَّعِينَ: احْلِفُوا أَنْتُمْ، فَأَبَوْا ".
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ فِي رَدِّ الْيَمِينِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا مُخَالِفٌ.
وَقَدْ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى عُمَرَ، فَحَلَفَ، وَاسْتَحَقَّ، وَرُدَّتْ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَحَلَفَ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْمِقْدَادَ اقْتَرَضَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَالًا، قَالَ عُثْمَانُ: هِيَ سَبْعَةُ آلَافٍ، فَاعْتَرَفَ الْمِقْدَادُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَتَنَازَعَا إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ لِعُثْمَانَ: احْلِفْ إِنَّهَا سَبْعَةُ آلَافٍ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ أَنْصَفَكَ، فَلَمْ يَحْلِفْ عُثْمَانُ، فَلَمَّا وَلَّى الْمِقْدَادُ قَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَضْتُهُ سَبْعَةَ آلَافٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لِمَ لَمْ تَحْلِفْ قَبْلُ أَوْلَى؟ فَقَالَ: وَمَا عَلَيَّ أَنْ أَحْلِفَ، وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَأَرْضٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَسَمَاءٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: خَشِيتُ أَنْ يُوافِقَ قَدَرَ بَلَاءٍ، فَيُقَالَ: بِيَمِينِهِ ".
وَهَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي الصَّحَابَةِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمْ مُخَالِفٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَالَفَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا، فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا، فَتَرَافَعَا إِلَى شُرَيْحٍ، فَقَالَ لِلْبَائِعِ: احْلِفْ، فَقَالَ: أَرُدُّ الْيَمِينَ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: قَالُونَ، وَهِيَ كَلِمَةٌ رُومِيَّةٌ قِيلَ: إِنْ مَعْنَاهَا جَيِّدٌ، فَصَوَّبَ بِهَا امْتِنَاعَ شُرَيْحٍ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ، فَصَارَ قَائِلًا بِهِ، وَمَنَعَ هَذَا مِنِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ.
قِيلَ: هَذِهِ كَلِمَةٌ لَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ مَعْنَاهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ لُغَتِهِمْ، وَلَوْ أَرَادَ مَا ذُكِرَ مِنْ مَعْنَاهَا: لَأَفْصَحَ بِهِ، وَلَعَبَّرَ عَنْهُ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: قَالُونَ بِمَعْنَى جَيِّدٍ، يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ شُرَيْحٌ جَيِّدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ جَيِّدٌ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ، مَا يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ إِجْمَاعٍ قَدِ انْتَفَى عَنْهُ الِاحْتِمَالُ.
(فَصْلٌ)
: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الِاعْتِبَارُ بِالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: امْتِنَاعُ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ رَدِّ الْيَمِينِ.
فَأَمَّا امْتِنَاعُ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ فَدَلِيلُهُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّ إِثْبَاتَ الْحَقِّ لَا يَكُونُ بِنَفْيِهِ، لِأَنَّهُ ضِدُّ مُوجِبِهِ، وَمِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنَّ وُجُودَ الضِّدِّ نافي لِحُكْمِهِ، وَمُثْبِتٌ لِحُكْمِ ضِدِّهِ، كَالْإِقْرَارِ لَا يُوجِبُ إِنْكَارًا كَذَلِكَ الْإِنْكَارُ لَا يُوجِبُ إِقْرَارًا، وَيَجْرِي هَذَا الِاسْتِدْلَالُ قِيَاسًا، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِدْلَالُ أَصَحَّ أَنَّهُ إِنْكَارٌ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ حِكَمُ الْإِقْرَارِ، كَالتَّكْذِيبِ لَا يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ التَّصْدِيقِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ نُكُولٌ عَنْ يَمِينٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِهَا قَبُولُ الْحَقِّ كَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ.
فَإِنْ قِيلَ: النُّكُولُ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا أَخَفُّ الْحُقُوقِ دُونَ أَغْلَظِهَا كَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الْأَمْوَالُ، وَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ.
قِيلَ: إِنَّمَا ضَعُفَ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ لِنَقْصِ النِّسَاءِ عَنْ كَمَالِ الرِّجَالِ، وَالنَّاكِلُ عَنْ
الْيَمِينِ كَامِلٌ، وَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى نُكُولِهِ حُكْمُ الْكَمَالِ، وَلَمْ يَقَعْ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ نُكُولِ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، فَبَطَلَ بِهِ هَذَا التَّعْلِيلُ.
فَإِنْ قِيلَ: النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ يَجْرِي مَجْرَى تَرْكِ الْحَقِّ، وَبَذْلُ الْأَمْوَالِ يَصِحُّ، فَيَثْبُتُ بِالنُّكُولِ، وَبَذْلُ الْحُدُودِ وَالنُّفُوسِ لَا يَصِحُّ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِالنُّكُولِ.
قِيلَ: النُّكُولُ تَرْكٌ لِلْحُجَّةِ، وَلَيْسَ بِبَذْلٍ لِلْحَقِّ، وَلَوْ كَانَ بَذْلًا لَثَبَتَ حُكْمُهُ بِالنُّكُولِ الْأَوَّلِ كَسَائِرِ الْبُذُولِ، وَهُمْ لَا يُثْبِتُونَهُ إِلَّا بَعْدَ نُكُولِهِ ثَلَاثًا، 7 فَخَرَجَ عَنْ صِفَةِ الْبَذْلِ، فَزَالَ عَنْهُ حُكْمُ الْبَذْلِ، وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نُكُولٌ لَا يُقْضَى بِهِ فِي الْقِصَاصِ، فَلَمْ يُقْضَ بِهِ فِي الْأَمْوَالِ كَالنُّكُولِ الْأَوَّلِ.
وَالْقِيَاسُ الثَّانِي: أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِالنُّكُولِ الثَّالِثِ كَالْقِصَاصِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى، فَلَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ يُنْكِرْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَكَانَ إِذَا أَنْكَرَ وَنَكَلَ أَوْلَى أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي سُكُوتِهِ امْتِنَاعًا مِنْ أَمْرَيْنِ: الْجَوَابُ وَالْيَمِينُ وَفِي نُكُولِهِ امْتِنَاعٌ مِنَ الْيَمِينِ دُونَ الْجَوَابِ، فَكَانَ امْتِنَاعُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَخَفَّ حُكْمًا مِنِ امْتِنَاعِهِ مِنْهُمَا وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ لَفْظٍ وَجَبَ بِالدَّعْوَى، فَلَمْ يُوجِبِ الْحُكْمَ بِالدَّعْوَى كَالثَّالِثِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَحَدُ لَفْظَيْ مَا وَجَبَ بِالدَّعْوَى، فَلَمْ يَكُنِ السُّكُوتُ عَنْهُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِالدَّعْوَى كَالْجَوَابِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَمِينَ الْمُنْكَرِ يَقْطَعُ الْخُصُومَةَ، وَلَا يُسْقِطُ الْحَقَّ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَوْ قَامَتْ بِهِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَجَبَ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ بِالنُّكُولِ عَنْهَا مَا كَانَ مُنْقَطِعًا، وَهُوَ بَقَاءُ الْخُصُومَةِ لَا ثُبُوتُ الْحَقِّ كَمَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ لما كانت موجبة لثبوت الحق كان العدول عَنْهَا مَانِعًا مِنْ سُقُوطِهِ بِهَا.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا هُوَ أَنَّ مَا يَثْبُتُ بِحُجَّةٍ وُقِفَ بِعَدَمِهَا كَالْبَيِّنَةِ.
(فَصْلٌ)
: وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي جَوَازِ رَدِّ الْيَمِينِ فَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى هُوَ أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُجَّةٌ لَهُ فِي النَّفْيِ، كَمَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي حِجَّةٌ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ، فَلَمَّا كَانَ تَرْكُ الْمُدَّعِي لِحُجَّتِهِ مُوجِبًا لِلْعُدُولِ إِلَى يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِحُجَّتِهِ مُوجِبًا لِلْعُدُولِ إِلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهَا حُجَّةُ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ابْتِدَاءً، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا مُوجِبًا لِلْعُدُولِ إِلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ، كَتَرْكِ الْبَيِّنَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي إِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا لَمْ يُوجِبْ رَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، قُلْنَا: التَّعْلِيلُ إِنَّمَا كَانَ لِلْحُجَّةِ الْمُبْتَدَأَةِ، وَبِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّهَا حُجَّةُ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ابْتِدَاءً، وَلَيْسَتْ يَمِينُ الرَّدِّ مِنَ الْحُجَجِ الْمُبْتَدَأَةِ، فَلَمْ يَقْدَحْ فِي التَّعْلِيلِ.
فَإِنْ قَالُوا: نَقْلِبُهَا، فَنَقُولُ؛ لِأَنَّهَا حُجَّةُ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا لَمْ تُنْقَلْ إِلَى جَنَبَةِ صَاحِبِهِ، كَالْبَيِّنَةِ.
قُلْنَا: نَقُولُ بِهَذَا الْقَلْبِ، لِأَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلنَّفْيِ، وَهِيَ لَا تُنْقَلُ إِلَى الْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا تُنْقَلُ إليه يمين الإثبات، وبينة المدعي للإثبات، وَنَقْلُهَا إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلنَّفْيِ، وَالْبَيِّنَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ، وَالْيَمِينُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، فَصَحَّ قَلْبُنَا، وَفَسَدَ قَلْبُهُمْ.
وَلِأَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْيَمِينِ فِي جَنَبَةِ أَقْوَى الْخَصْمَيْنِ، وَأَقْوَاهُمَا فِي الِابْتِدَاءِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ،.
لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، مِمَّا ادُّعِىَ عَلَيْهِ وَثُبُوتُ مِلْكِهِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، فَجُعِلَتِ الْيَمِينُ فِي جَنَبَتِهِ، فَلَمَّا نَكَلَ فِيهَا، صَارَ الْمُدَّعِي أَقْوَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ عَنِ الْيَمِينِ شُبْهَةٌ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى، فَصَارَ الْمُدَّعِي بِهَا أَقْوَى مِنْهُ، فَاسْتَحَقَّتِ الْيَمِينُ فِي جَنَبَتِهِ، لِقُوَّتِهِ.
[كَمَا ثَبَتَتْ فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَالَ ثُبُوتِ قُوَّتِهِ] ،
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهَا جَنَبَةٌ قَوِيَتْ عَلَى صَاحِبَتِهَا، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مِنْ جِهَتِهَا كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ النُّكُولِ، وَهِيَ حَالُ قُوَّتِهَا.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ بِنَائِهِمْ عَلَى رَدِّ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إِثْبَاتِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْحَضْرَمِيِّ: " لَكَ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ ". فَهُوَ أَنَّ خَصْمَهُ كَانَ بَاذِلًا لِلْيَمِينِ، وَلَيْسَ لِلطَّالِبِ مَعَ بَذْلِ الْيَمِينِ إِلَّا الْيَمِينُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْبَيِّنَةِ، فَهُوَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ، فَلَمْ تُنْقَلْ إِلَى جَنَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَنْفِي بِهَا، وَلَا يُثْبِتُ، وَالْيَمِينُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ جَمِيعًا، فَجَازَ نَقْلُهَا عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَنْفِ بِهَا إِلَى الْمُدَّعِي لِيُثْبِتَ بِهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي مِنْ قَوْلِهِ كَالدَّعْوَى، فَهُوَ أَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ تُخَالِفُ الْقَوْلَ، كَمَا أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
تُخَالِفُ الْإِنْكَارَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِنْكَارُ حُجَّةً، فَصَارَتْ يَمِينُ الْمُدَّعِي حُجَّةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَعْوَاهُ حُجَّةً.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى تَكْرَارِ الدَّعْوَى مِرَارًا، فَهُوَ أَنَّ تَكْرَارَ الْإِنْكَارِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ تَكْرَارُ الدَّعْوَى حُجَّةً لِلْمُدَّعِي، وَلَمَّا كَانَتِ الْيَمِينُ حُجَّةً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَازَ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النُّكُولَ عَنِ الْيَمِينِ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحَقِّ، فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِيمَا أَمْكَنَ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي.
فَأَمَّا مَا تَعَذَّرَ فِيهِ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مَسْأَلَتَيْنِ، وَلَهُمَا نَظَائِرُ، خَرَّجَ الْحُكْمَ فِيهَا بِالنُّكُولِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فِيمَنْ مَاتَ، وَلَا وَارِثَ لَهُ، إِلَّا كَافَّةُ الْمُسْلِمِينَ، فَظَهَرَ فِي حِسَابِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ أَنْكَرَهُ، وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، أَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ لَمْ تَكْمُلْ بِهِ الْبَيِّنَةُ إِلَّا مَعَ يَمِينٍ، فَالْيَمِينُ هَاهُنَا فِي الرَّدِّ وَمَعَ الشَّاهِدِ مُتَعَذِّرَةٌ، لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَهُ كَافَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِحْلَافُهُمْ جَمِيعُهُمْ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَإِحْلَافُ بَعْضِهِمْ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وَالْإِمَامُ وَإِنْ تَعَيَّنَ فِي الْمُطَالَبَةِ، فَهُوَ نَائِبٌ، وَالنِّيَابَةُ فِي الْأَيْمَانِ لَا تَصِحُّ.
وَإِذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ فِي الْأَيْمَانِ بِمَا ذَكَرْنَا، فَفِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ:
أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِالنُّكُولِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْإِمْكَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ اعْتِبَارًا بِمُوجَبِ الْأَصْلِ، الَّذِي تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَعْتَرِفَ بِالْحَقِّ، فَهَذِهِ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى وَرَثَةٍ أَنَّ مَيِّتَهُمْ وَصَّى إِلَيْهِ بِإِخْرَاجِ ثُلُثِهِ مِنْ
مَالِهِ وَتَفْرِقَتِهِ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَأَنْكَرُوهُ، وَنَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْوَصِيِّ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ، وَلَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَنْحَصِرُونَ.
وَفِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَجْهَانِ حَكَّاهُمَا أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ أَيْضًا تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا إِذَا ادَّعَى الْوَصِيُّ حَقًّا لِطِفْلٍ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، لَمْ يَحْلِفِ الْوَصِيُّ وَلَمْ يُحْكَمْ بِالنُّكُولِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَكَانَ رَدُّ الْيَمِينِ مَوْقُوفًا عَلَى بُلُوغِ الطِّفْلِ، لِأَنَّ لِرَدِّ الْيَمِينِ وَقْتًا مُنْتَظَرًا.
فَأَمَّا مَا أَوْجَبْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ بِنُكُولِ رَبِّ الْمَالِ، فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ سُقُوطِهَا عَنْهُ بَعْدَ ظُهُورِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَوَاضِعِهِ أنه حكم بالظاهر المتقدم دون النكول الطارىء وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
: كُلُّ حَقٍّ سُمِعَتِ الدَّعْوَى فِيهِ، وَجَازَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى مُنْكِرِهِ، وَرُدَّتِ الْيَمِينُ بِالنُّكُولِ عَنْهُ عَلَى مُدَّعِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مَالًا كَالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ أَوْ غَيْرَ مَالٍ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ طلاق أو عتق أو نسب.
[هذا مذهب الشافعي] .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رَحِمَهُ اللَّهُ كُلُّ مَا لم يكن مالا، ولا المقصود منه المال.
وَذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ، وَالْفَيْئَةُ فِي الْإِيلَاءِ، وَدَعْوَى الرِّقِّ، وَالِاسْتِيلَادُ، وَالنَّسَبُ، وَالْوَلَاءُ، وَالْقَذْفُ.
وَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْمُنْكِرِ، وَلَا تُرَدُّ فِيهِ أَيْضًا عَلَى الْمُدَّعِي، فَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا.
وَلَوِ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا طَلَاقًا، فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ.
وَأَنَّ وُجُوبَ الْيَمِينِ لِيُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَا يُحْكَمُ بِالنُّكُولِ فِيمَا لَا تَصِحُّ إِبَاحَتُهُ، فَسَقَطَتْ فِيهِ الْيَمِينُ، وَاسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْبَذْلَ لَا يَصِحُّ فِيهَا، وَالنُّكُولُ بَذْلٌ، فَلَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِالنُّكُولِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهَا الْيَمِينُ قِيَاسًا عَلَى حُدُودِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ.
وَدَلِيلُنَا: رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ "، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحْلَفَ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَتَّةِ وَاحِدَةً، وَلِأَنَّ كُلَّ دَعْوَى لَزِمَتِ الْإِجَابَةُ عَنْهَا وَجَبَتِ الْيَمِينُ فِيهَا كَالْقِصَاصِ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا يَمْتَنِعُ فِيهَا اسْتِحْقَاقُ الْيَمِينِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ حُقُوقِهِمْ.
فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ الْبَتَّةَ كَحَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ، فَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِسَتْرِهِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ ". وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ "، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُحَدَّ، وَلِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ خَصْمٍ فِي حَقِّهِ أَوْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى.
فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالزِّنَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ كَالْقَاذِفِ بِالزِّنَا إِذَا طُولِبَ بِالْحَدِّ، فَقَالَ: أَنَا صَادِقٌ فِي قَذْفِهِ بِالزِّنَا، وَادَّعَاهُ عَلَى الْمَقْذُوفِ سُمِعَتْ حِينَئِذٍ هَذِهِ الدَّعْوَى، لِيَكُونَ الْإِقْرَارُ بِهِ مُسْقِطًا لِحَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمَقْذُوفُ أُحْلِفَ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْقَاذِفِ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ، وَلَمْ يَجِبْ بِيَمِينِهِ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ: مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، لِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْغُرْمَ، وَهُوَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، وَالْقَطْعُ، وَهُوَ حَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ سَقَطَ الْغُرْمُ بِتَحْلِيلٍ أَوْ إِبْرَاءٍ، لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى فِيهِ حِينَئِذٍ وَسَقَطَ وُجُوبُ الْيَمِينِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْغُرْمُ بَاقِيًا صَحَّتْ فِيهِ الدَّعْوَى، وَوَجَبَتْ فِيهِ الْيَمِينُ فَإِنْ نَكَلَ السَّارِقُ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ اسْتَحَقَّ الْغُرْمَ، وَلَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ، لِأَنَّ الْغُرْمَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْقَطْعَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَجْرَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَ انْفِرَادِهِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالِاجْتِمَاعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَمَا دَخَلَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ)
(بَابُ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تجوز ومن يشهد بعد رد شهادته من الجامع ومن اختلاف الحكام وأدب القاضي وغير ذلك)
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا يُمَحِّضُ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ حَتَّى لَا يَخْلِطَهُمَا بِمَعْصِيَةٍ وَلَا يُمَحِّضُ الْمَعْصِيَةَ وَتَرْكَ الْمُرُوءَةِ حَتَّى لَا يَخْلِطَهُمَا شَيْئًا مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمُرُوءَةِ فَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى الرَّجُلِ الْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ الْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الْمَعْصِيَةَ وَخِلَافَ الْمُرُوءَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا
فَصَلَ
الْمُزَنِيُّ الشَّهَادَاتِ كِتَابَيْنِ، أَوَّلًا وَثَانِيًا، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُتَّصِلٌ بِالْحُكْمِ فَأَضَافَهُ إِلَى أَدَبِ الْقَاضِي.
وَالثَّانِي: فِي صِفَةِ الشَّاهِدِ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ أَفْرَدَهُ عَنِ الأول.
والمقبول الشهادة، وهو الْعَدْلُ، وَالْمَرْدُودُ الشَّهَادَةِ هُوَ الْفَاسِقُ فَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَةٍ مِنَ الْعَدْلِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَلِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وَالرِّضَا مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْعَدْلِ مُنْتَفٍ عَنِ الْفَاسِقِ.
وَأَمَّا التَّوَقُّفُ عَنْ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] . وَالنَّبَأُ الْخَبَرُ.
وَكُلُّ شَهَادَةٍ خبر وإن لم يكن كل خبر شهادة.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] فَالْمَنْعُ مِنَ الْمُسَاوَاةِ إِذَا أَوْجَبَ قَبُولَ الْعَدْلِ أَوْجَبَ رَدَّ الْفَاسِقِ وَقِيلَ إِنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي الْفَاسِقِ نَزَلَتَا فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ.
وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ الْأُولَى فِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْفَذَهُ إِلَى قَبِيلَةٍ مُصْدِقًا فَأَخَذَ مِنْ صَدَقَتِهَا، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ إِحَنٌ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ، وَعَادَ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُمْ مَنَعُوهُ الصَّدَقَةَ وَلَمْ يَمْنَعُوهُ، فَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ إِنْ جَاءَكُمْ فاسق بنبأ فتبينوا فكفى عَنْهُمْ وَعَلِمَ بِحَالِهِمْ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَسَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّهُ اسْتَطَالَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ
ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ: أَنَا أَثْبَتُ مِنْكَ جَنَانًا، وأفصح منك لسانا، وأهد مِنْكَ سِنَانًا فَنَزَلَ فِيهِ ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يستوون﴾ يَعْنِي بِالْمُؤْمِنِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَبَالْفَاسِقِ الوليد بن عقبة.
﴿لا يستوون﴾ يَعْنِي فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَمَنَازِلِ الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا اسْمُ الْعَدْلِ فَهُوَ الْعَدِيلُ، لِأَنَّهُ مُعَادِلٌ لِمَا جَازَاهُ وَالْمُعَادَلَةُ الْمُسَاوَاةُ.
وَهُوَ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةٌ فِيمَنْ كَانَ مَرْضِيَّ الدَّيْنِ وَالْمُرُوءَةِ لِاعْتِدَالِهِ.
وَأَمَّا اسْمُ الْفَاسِقِ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الشَّيْءِ يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا.
فَسُمِّيَ الْغُرَابُ فَاسِقًا لِخُرُوجِهِ مِنْ مَأْلَفِهِ وَسُمِّيَتِ الْفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِهَا مِنْ جُحْرِهَا.
وَهُوَ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةٌ فِيمَنْ كَانَ مَسْخُوطَ الدِّينِ وَالطَّرِيقَةِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الِاعْتِدَالِ.
( [صِفَةُ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ] )
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ فَرْقُ مَا بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ، وَجَبَ الْعُدُولُ إِلَى صِفَةِ الْعَدْلِ وَإِلَى صِفَةِ الْفَاسِقِ، لِيَكُونَ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعَدَالَةُ مَقْبُولًا، وَمَنْ وُجِدَ فِيهِ الْفِسْقُ مَرْدُودًا.
فَالْعَدْلُ فِي الشَّهَادَةِ مَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ ثَلَاثَةُ خِصَالٍ:
إِحْدَاهُنَّ: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، حُرًّا، مُسْلِمًا.
وَلَيْسَ عَدَمُ التَّكْلِيفِ وَالْحُرِّيَّةِ مُوجِبًا لِفِسْقِهِ وَإِنْ كَانَ وَجُودُهُمَا شَرْطًا فِي عَدَالَتِهِ.
وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ: كَمَالُ دَيْنِهِ، وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَنْ يَكُونَ مُحَافِظًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَامِرِهِ مُجَانِبًا لِكَبَائِرِ الْمَعَاصِي غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَى صَغَائِرِهَا.
وَالْكَبَائِرُ: مَا وَجَبَتْ فِيهَا الْحُدُودُ وَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْوَعِيدُ.
وَالصَّغَائِرُ: مَا قَلَّ فِيهَا الْإِثْمُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31] .
وَقَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32]
وَفِي هَذِهِ الْكَبَائِرِ لِأَهْلِ التَّأْوِيلِ أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: مَا زُجِرَ عَنْهُ بالحد.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُكَفَّرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ.
وَالثَّالِثُ: ما رواه شرحبيل عن ابن مَسْعُودٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْكَبَائِرِ.
فَقَالَ: " أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يطعم معك، وأن تزاني بِحَلِيلَةِ جَارِكَ ".
وَالرَّابِعُ: مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَمِ الْكَبَائِرُ؟ أَسَبْعٌ هِيَ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ.
لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ.
فَكَانَ يَرَى كَبَائِرَ الْإِثْمِ مَا لَمْ يُسْتَغْفَرِ اللَّهَ عَنْهُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ.
وَأَمَّا الْفَوَاحِشُ فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الزِّنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا جَمِيعُ الْمَعَاصِي.
وَأَمَّا اللَّمَمُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ: -
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ثُمَّ يَرْجِعَ عَنْهَا قَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا ".
وَالثَّانِي: أَنْ يُلِمَّ بِالْمَعْصِيَةِ يَفْعَلُهَا ثُمَّ يَتُوبَ عَنْهَا، قَالَهُ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّمَمَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ عِقَابٌ.
قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ اللَّمَمَ مَا دُونَ الْوَطْءِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْغَمْزَةِ، وَالنَّظْرَةِ، وَالْمُضَاجَعَةِ.
قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَرَوَى طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " كَتَبَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ حَظَّهَا مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَاللِّسَانِ النُّطْقُ، هِيَ النَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ".
(فَصْلٌ)
: وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: ظُهُورُ الْمُرُوءَةِ.
وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
ضَرْبٌ يَكُونُ شَرْطًا فِي الْعَدَالَةِ.
وَضَرْبٌ لَا يَكُونُ شَرْطًا فِيهَا.
وَضَرْبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَأَمَّا مَا يَكُونُ شَرْطًا فِيهَا فَهُوَ: مُجَانَبَةُ مَا سَخُفَ مِنَ الْكَلَامِ الْمُؤْذِي أَوِ الْمُضْحِكِ وَتَرْكُ مَا قَبُحَ مِنَ الضَّحِكِ الَّذِي يَلْهُو بِهِ.
أَوْ يُسْتَقْبَحُ لِمَعْرِفَتِهِ أَوْ أَدَائِهِ.
فَمُجَانَبَةُ ذَلِكَ مِنَ الْمُرُوءَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي الْعَدَالَةِ، وَارْتِكَابُهَا مُفْضٍ إِلَى الْفِسْقِ.
وَلِذَلِكَ نَتْفُ اللِّحْيَةِ مِنَ السَّفَهِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وكذلك خضاب اللحية من السفه التي تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، لِمَا فِيهَا مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ شَرْطًا فِيهَا فَهُوَ الْإِفْضَالُ بِالْمَالِ وَالطَّعَامِ وَالْمُسَاعَدَةُ بِالنَّفْسِ وَالْجَاهِ، فَهَذَا مِنَ الْمُرُوءَةِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْعَدَالَةِ.
فَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَضَرْبَانِ: عَادَاتٌ، وَصَنَائِعُ.
فَأَمَّا الْعَادَاتُ فَهُوَ أَنْ يُقْتَدَي فِيهَا بِأَهْلِ الصِّيَانَةِ دُونَ أَهْلِ الْبَذْلَةِ، فِي مَلْبَسِهِ وَمَأْكَلِهِ وَتَصَرُّفِهِ.
فَلَا يَتَعَرَّى عَنْ ثِيَابِهِ فِي بَلَدٍ يَلْبَسُ فِيهِ أَهْلُ الصِّيَانَةِ ثِيَابَهُمْ.
وَلَا يَنْزِعُ سَرَاوِيلَهُ فِي بَلَدٍ يَلْبَسُ فِيهِ أَهْلُ الصِّيَانَةِ سَرَاوِيلَهُمْ، وَلَا يَكْشِفُ رَأْسَهُ فِي بَلَدٍ يغطي فيه أهل الصيانة فيه رؤوسهم.
وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا يُجَافِي أَهْلُ الصِّيَانَةِ ذَلِكَ فِيهِ، كَانَ عَفْوًا، كَالْحِجَازِ وَالْبَحْرِ الَّذِي يَقْتَصِرُ أَهْلُهُ فِيهِ عَلَى لَبْسِ الْمِئْزَرِ.
وَأَمَّا الْمَأْكَلُ فَلَا يَأْكُلُ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ وَلَا فِي مَشْيِهِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنِ الْعُرْفِ فِي مَضْغِهِ، وَلَا يُعَانِي بِكَثْرَةِ أَكْلِهِ.
وَأَمَّا التَّصَرُّفُ فَلَا يُبَاشِرُ ابْتِيَاعَ مَأْكُولِهِ وَمَشْرُوبِهِ وَحَمْلَهُ بِنَفْسِهِ فِي بَلَدٍ يَتَجَافَاهُ أَهْلُ الصِّيَانَةِ.
إِلَى نَظَائِرِ هَذَا مِمَّا فِيهِ بَذْلَةٌ وَتَرْكُ تَصَوُّنٍ.
وَفِي اعْتِبَارِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْمُرُوءَةِ فِي شُرُوطِ الْعَدَالَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهَا لِإِبَاحَتِهِ.
قَدْ بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاشْتَرَى فِيمَنْ يَزِيدُ، وَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ.
وَقَالَ: " يَا وَزَّانُ زِنْ وَأَرْجِحْ ". وَقَالَ الرَّاوِي: فَأَخَذْتُهُ لِأَحْمِلَهُ.
فَقَالَ: " دَعْهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِحَمْلِهِ ".
وَقِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَنْزِلِهِ إِذَا خَلَا؟ قَالَتْ: كَانَ يَخْصِفُ النعل ويرقع الدَّلْوَ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْلُكُ الطَّرِيقَ فِي خِلَافَتِهِ وَهُوَ مُتَخَلِّلٌ بِعَبَاءَةٍ قَدْ رَبَطَهَا بِشَوْكَةٍ.
وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَلْبَسُ الْمُرَقَّعَةَ.
وَيَهْنَأُ بِعِيرَهُ بِيَدِهِ وَيَقُودُهُ.
وَقَدِ اشْتَرَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَمِيصًا وَأَتَى تَجَّارًا فَوَضَعَ كُمَّهُ وَقَالَ: اقْطَعْ مَا فَضَلَ عَنِ الْأَصَابِعِ، فَقَطَعَهُ بِفَأْسٍ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ كَفَفْتَهُ؟ فَقَالَ دَعْهُ يَتَسَلَّلْ مَعَ الزَّمَانِ.
وَعَمِلَ بِالْأَجْرِ فِي حَائِطٍ وَأَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيَّةٍ لِيَسْقِيَ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ.
وَمَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأصحابه وجاز، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَادِحًا فِي الْعَدَالَةِ، لِأَنَّ الْمُرُوءَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمَرْءِ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ فَصَارَتِ الْإِشَارَةُ بِهَا إِلَى الْإِنْسَانِيَّةِ، فَانْتَفَتِ الْعَدَالَةُ عَنْ مَنْ لَا إِنْسَانِيَّةَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُرُوءَةَ مِنْ دَوَاعِي الْحَيَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الْمُرُوءَةِ شَرْطٌ مُعْتَبَرٌ فِي الْعَدَالَةِ، ولأن الْمُرُوءَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمَرْءِ وَهُوَ الْإِنْسَانُ، فَصَارَتِ الإشارة بها للإنسانية، فَانْتَفَتِ الْعَدَالَةُ عَنْ مَنْ لَا إِنْسَانِيَّةَ فِيهِ، ولأن حفظ المروءة من دواعي الحياء.
وإن كان لا يَفْسُقُ بِهِ، لِأَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الشَّهَادَةِ لِلْفَضِيلَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا، وَهِيَ تَالِيَةٌ لِفَضِيلَةِ النُّبُوَّةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هم بشهاداتهم قائمون أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 33، 35] .
وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنَ الْفَضِيلَةِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَرْسِلًا فِي الْبَذْلَةِ.
وَلَيْسَ مَا فَعلَّهُ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ بَذْلَةً، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ عُرْفِ أَهْلِهِ فِي الزَّهَادَةِ وَالِانْحِرَافِ عَنِ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ عَنِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنَ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ".
وَلِأَنَّ إِقْدَامَهُ عَلَى الْبَذْلَةِ وَالْعُدُولَ عَنِ الصِّيَانَةِ دَلِيلٌ عَلَى اطِّرَاحِ الصِّيَانَةِ وَالتَّحَفُّظِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَقِلَّ تَحَفُّظُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ نَشَأَ عَلَيْهَا مِنْ صِغَرِهِ لَمْ تقدح في عدالته وإن
استحدثها في كبيره قَدَحَتْ فِي عَدَالَتِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْمَنْشَأِ مَطْبُوعًا بِهَا وَبَالِاسْتِحْدَاثِ مُخْتَارًا لَهَا.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنِ اخْتَصَّتْ بِالدِّينِ قَدَحَتْ فِي عَدَالَتِهِ كَالْبَوْلِ قَائِمًا وَفِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ إِذَا خَلَا، وإن يتحدث بمساوىء النَّاسِ، وَإِنِ اخْتَصَّتْ بِالدُّنْيَا لَمْ تَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ.
كَالْأَكْلِ فِي الطَّرِيقِ وَكَشْفِ الرَّأْسِ " بَيْنَ النَّاسِ " وَالْمَشْيِ حَافِيًا، لِأَنَّ مُرُوءَةَ الدِّينِ مَشْرُوعَةٌ وَمُرُوءَةَ الدُّنْيَا مُسْتَحْسَنَةٌ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الصَّنَائِعُ فَضَرْبَانِ: مُسْتَرْذَلٌ وَغَيْرُ مُسْتَرْذَلٍ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَرْذَلِ كَالزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ، فَغَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَدَالَةِ، لِأَنَّهُ (مِمَّا) لَا يَسْتَغْنِي النَّاسُ عَنِ الِاكْتِسَابِ بِصَنَائِعِهِمْ وَمَتَاجِرِهِمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ صَوْمٌ وَلَا صَلَاةٌ وَيُكَفِّرُهُ عَرَقُ الْجَبِينِ فِي طَلَبِ الْحِرْفَةِ ".
وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ".
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَكْذَبُ النَّاسِ الصَّبَّاغُونَ وَالصَّوَّاغُونَ ".
(قِيلَ) هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ، لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمًا يَرْجُفُونَ بِشَيْءٍ فَقَالَ: كِذْبَةٌ قَالَهَا الصَّبَّاغُونَ وَالصَّوَّاغُونَ.
وَإِنْ ثَبَتَ مُسْنَدًا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِهِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّهُمْ يَعِدُونَ وَيَخْلُفُونَ.
وَإِخْلَافُ الْوَعْدِ كَذِبٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ لِأَنَّ الصَّبَّاغِينَ يُسَمُّونَ الْأَلْوَانَ بِمَا أَشْبَهَهَا فَيَقُولُونَ: هَذَا لَوْنُ الشَّقَائِقِ وَلَوْنُ الشَّفَقِ وَلَوْنُ النَّارِنْجِ.
وَالصَّوَّاغُونَ يُسَمُّونَ الْأَشْكَالَ بِمَا يُمَاثِلُهَا، فَيَقُولُونَ: هَذَا زَرْعٌ وَهَذَا شَجَرٌ، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ اسْمِهِ كَذِبٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يُرِيدُونَ بِالصَّبَّاغِينَ الَّذِينَ يَصْبُغُونَ الْكَلَامَ فَيُغَيِّرُونَ الصِّدْقَ
بَالْكَذِبِ، لِأَنَّ الصَّبْغَ تَغْيِيرُ اللَّوْنِ بِغَيْرِهِ.
وَيُرِيدُ بِالصَّوَّاغِينَ الَّذِينَ يَصُوغُونَ الْكَلَامَ.
وَمِنْهُمُ الشُّعَرَاءُ.
لِأَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّشْبِيبِ.
فَإِنْ كَانُوا عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ رُدَّتْ بِهِ شَهَادَتُهُمْ، لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْوَعْدِ كَذِبٌ.
وَإِنْ كَانُوا عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي، لَمْ تُرَدَّ بِهِ الشَّهَادَةُ، لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الِاسْمِ اسْتِعَارَةٌ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّالِثِ، رُدَّتِ الشَّهَادَةُ فِي الصَّبَّاغِينَ وَلَمْ تُرَدَّ فِي الصَّوَّاغِينَ إِذَا سَلِمُوا مِنَ الْكَذِبِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَرْذَلُ مِنَ الصَّنَائِعِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مُسْتَرْذَلًا فِي الدِّينِ كَالْمُبَاشِرِينَ لِلْأَنْجَاسِ مِنَ الْكَنَّاسِينَ وَالزَّبَّالِينَ، وَالْحَجَّامِينَ، أَوِ الْمُشَاهِدِينَ لِلْعَوْرَاتِ كَالْقَيِّمِ وَالْمُزَيِّنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ مُسْتَرْذَلًا فِي الدُّنْيَا كَالنَّسِيجِ وَالْحِيَاكَةِ، وَمَا يُدَنِّسُ بِرَائِحَتِهِ كَالْقَصَّابِ وَالسَّمَّاكِ.
فَإِنْ لَمْ يُحَافِظْ هَؤُلَاءِ عَلَى إِزَالَةِ الْأَنْجَاسِ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَثِيَابِهِمْ فِي أَوْقَاتِ صَلَوَاتِهِمْ وَقَصَّرُوا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، كَانَ ذَلِكَ جُرْحًا فِي عَدَالَتِهِمْ وَقَدْحًا فِي دِيَانَتِهِمْ.
وَإِنْ حَافَظُوا عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْعَدَالَةِ، فَفِي قَدْحِ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِمْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يقدح فيها، لأن الرضا بها مع الاسترزال قَدْحٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهَا بُدًّا.
وَلِأَنَّهَا مُسْتَبَاحَةٌ شَرْعًا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ مِنْهَا مَا اسْتُرْذِلَ فِي الدِّينِ.
وَلَا يَقْدَحُ فِيهَا مَا اسْتُرْذِلَ فِي الدُّنْيَا، لَا سِيَّمَا الْحِيَاكَةِ لِكَثْرَةِ الْخَيْرِ فِي أَهْلِهَا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ وَأَنَّهَا فِعْلُ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَعَاصِي، وَلُزُومُ الْمُرُوءَةِ، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا.
فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ نَعْلَمُهُ إِلَّا أن يكون قليلا بمحض الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ.
حَتَّى لَا يَخْلِطَهُمَا بِمَعْصِيَةٍ وَلَا بمحض الْمَعْصِيَةَ وَتَرْكَ الْمُرُوءَةِ حَتَّى لَا يَخْلِطَهُمَا بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمُرُوءَةِ.
وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ فِي غَرَائِزِ أَنْفُسِهِمْ دَوَاعِيَ الطَّاعَاتِ وَدَوَاعِيَ الْمَعَاصِي فَلَمْ يَتَمَحَّضْ وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَعَ اجْتِمَاعِ سَبَبِهِمَا وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
(مَنْ لَكَ بِالْمَحْضِ وَلَيْسَ مَحْضٌ ... يَحِيقُ بَعْضٌ وَيَطِيبُ بَعْضُ)
وَلِأَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ الْأَنْبِيَاءُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121] .
وَقَالَ تعالى: ﴿وظن داود أنما فتنه فاستغفر ربه﴾ [ص: 24] وقال: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24] وَقَالَ تَعَالَى فِي يُونُسَ: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا مَنْ عَصَى اللَّهَ أَوْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ إِلَّا أَخِي يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ".
وَقِيلَ: إِنَّهُ اخْتُبِرَ يَحْيَى فِي كُوزِ مَاءٍ رَآهُ مَمْلُوءًا وَفَرَغَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ.
وَقِيلَ لَهُ: مَا فِي [الْكُوزِ] فَقَالَ: كَانَ فِيهِ مَاءٌ.
وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مَاءٌ فَيَكُونُ كَذِبًا فَتَحَفَّظَ حَتَّى سَلِمَ.
وَلِأَنَّ أَعْصَى خَلْقِ اللَّهِ إِبْلِيسُ وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ طَاعَةٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أجمعين إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82، 83]
وَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ أَحَدٌ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْعَدَالَةُ مَقْصُورَةً عَلَى خُلُوصِ الطَّاعَاتِ.
وَلَا الْفِسْقُ مَقْصُورًا عَلَى خُلُوصِ الْمَعَاصِي.
لِامْتِنَاعِ خُلُوصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَا اعْتِبَارَ بِالْمُمْتَنِعِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْأَغْلَبُ مِنْ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ.
حُكِمَ بِعَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ عَصَى بِبَعْضِ الصَّغَائِرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ الْمَعْصِيَةَ وَتَرْكَ الْمُرُوءَةِ، حُكِمَ بِفِسْقِهِ وَرَدِّ شَهَادَتِهِ وَإِنْ أَطَاعَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ موازينه فأولئك هم المفلحون وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 103، 102]
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] .
فَغَلَّبَ حُكْمَ الْأَغْلَبِ كَمَا غَلَّبَ فِي الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ حُكْمَ الْأَغْلَبِ وَفِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إِذَا اخْتَلَطَ بِمَائِعٍ.
وَفِي نِكَاحِ النِّسَاءِ إِذَا اخْتَلَطَتْ بِأُخْتٍ إِنْ كَانَتْ فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ، حُرِّمْنَ عَلَيْهِ حَتَّى تَتَعَيَّنَ لَهُ مَنْ لَيْسَتْ بِأُخْتٍ فَتَحِلَّ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي جَمٍّ غَفِيرٍ حَلَلْنَ لَهُ حَتَّى تَتَعَيَّنَ لَهُ مَنْ هِيَ أخت فتحرم.
فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَغْلَبِ أَصْلًا مُعْتَبَرًا في العدالة والفسق.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يُقْبَلُ الشَّاهِدُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ بِخَبَرٍ مِنْهُ أَوْ بَيِّنَةٍ أَنَّهُ حُرٌّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ تَقَرَّرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الشَّهَادَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِدِينِهِ، وَمُرُوءَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا.
فَأَمَّا اعْتِبَارُهَا بِدِينِهِ، فَيَكُونُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُواظِبَ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَجْتَنِبَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْمَعَاصِي مِنَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُصِرَّ عَلَى صَغَائِرِ الْمَعَاصِي، وَإِصْرَارُهُ عَلَيْهَا الْإِكْثَارُ مِنْهَا وَقِلَّةُ الِانْقِبَاضِ عَنْهَا، وَهَذَا مُعْتَبَرٌ فِيهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَثُبُوتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَدْ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَهُ مِنْ حَالِهِ، فَيَجُوزَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ بِعِلْمِهِ سَوَاءٌ قِيلَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ أَمْ لَا.
لِأَنَّهَا صِفَةُ إِخْبَارٍ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْحُكْمِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَجْهَلَ حَالَهُ فَتَثْبُتَ عَدَالَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ بِهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ بِعَدَالَتِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّنِي عَدْلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِفِسْقِهِ بِقَوْلِهِ: إِنِّي فَاسِقٌ.
لِأَنَّهُ مَتْهُومٌ فِي التَّعْدِيلِ وَغَيْرُ مَتْهُومٍ فِي الْجَرْحِ، لِأَنَّ الْعَدَالَةَ تُوجِبُ لَهُ حَقًّا وَالْفِسْقَ يُوجِبُ عَلَيْهِ حَقًّا.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا مِنَ الْمُرُوءَةِ فِي الْعَدَالَةِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ.
وَلَيْسَ لِمَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْهَا تَأْثِيرٌ.
وَأَمَّا الْمُعْتَبَرُ مِنْهَا، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَفْعَالِ الْعَدْلِ.
فَإِنْ عَرَفَهُ الْحَاكِمُ عَمِلَ فِيهَا بِمَعْرِفَتِهِ.
وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ سَأَلَ عَنْهَا.
وَهَلْ تَثْبُتُ عِنْدَهُ بِخَبَرٍ أَوْ شَهَادَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَثْبُتُ عِنْدَهُ إِلَّا بِشَهَادَةٍ، كَالْعَدَالَةِ فِي الدِّينِ، وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ قَدْ جرياه عَلَى قَدِيمِ الْوَقْتِ وَحَدِيثِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا خَبَرٌ تَثْبُتُ بِقَوْلِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، لِأَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الدِّينِ بَاعِثَةٌ عَلَيْهَا.
فَقَوِيَ الْخَبَرُ بِهَا فَأَقْنَعَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ فِي الدِّينِ فَتَكُونُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
بِبُلُوغِهِ، وَعَقْلِهِ، وَإِسْلَامِهِ، وَحُرِّيَّتِهِ.
فَأَمَّا الْبُلُوغُ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَبَهْ حَالُهُ فِيهِ لِكَوْنِهِ رَجُلًا مُشْتَدًّا فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ وَإِنِ اشْتَبَهَتْ حَالُهُ فِيهِ، لِكَوْنِهِ رَجُلًا، أَمْرَدَ، فَحَكَمَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِبُلُوغِهِ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ شَوَاهِدُ الْبُلُوغِ بِالْإِثْبَاتِ، إِذَا جُعِلَ الْإِثْبَاتُ فِي الْمُسْلِمِ بُلُوغًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْرِفَ الْحَاكِمُ سِنَّهُ فَيَحْكُمَ بِبُلُوغِهِ إِذَا اسْتَكْمَلَ سِنَّ الْبُلُوغِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَ بِبُلُوغِهِ شَاهِدَا عَدْلٍ فَيَحْكُمَ بِبُلُوغِهِ إِذَا اسْتَكْمَلَ سِنَّ الْبُلُوغِ فَتَكُونَ شَهَادَةً لَا خَبَرًا.
وَالرَّابِعُ: أن يقوم الْغُلَامُ: قَدْ بَلَغْتُ فَيُحْكَمَ بِبُلُوغِهِ فَتَكُونَ شَهَادَةٌ بِقَوْلِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ بِالِاحْتِلَامِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَتَغَلَّظُ أَحْكَامُهُ بِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إِلَيْهِ فَكَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِيهِ.
وَأَمَّا الْعَقْلُ فَيُعْلَمُ مُشَاهَدَةً بِظُهُورِ نَتَائِجِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ إِنْ خَفِيَ لِإِمْكَانِ اخْتِبَارِهِ مَعَ الِاشْتِبَاهِ.
حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً حَضَرَتْ عِنْدَ شُرَيْحٍ فِي مُحَاكَمَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَجْنُونَةٌ.
فَقَالَ لَهَا مُخْتَبِرًا: أَيُّ رِجْلَيْكِ أَطْوَلُ؟
فَمَدَّتْهُمَا لِتُقَدِّرَهُمَا، فَصَرَفَهَا وَحَكَمَ بِعَقْلِهَا.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَيُعْلَمُ بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ إِسْلَامُ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ فَيُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَيُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُرَى مُصَلِّيًا فِي مَسَاجِدِنَا عَلَى قَدِيمِ الْوَقْتِ وَحَدِيثِهِ فَيُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ بِظَاهِرِ الْحَالِ لَا بِالصَّلَاةِ لِأَنَّنَا لَا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ إِذَا صَلَّى.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ إِنَّنِي مُسْلِمٌ فَيُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى اخْتِبَارِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْجَهْلِ بِحَالِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُخْتَبَرُ بِهِمَا لِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُ اخْتِبَارُهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ إِنْ أَنْكَرَ فَإِنْ عَلِمَ
الْحَاكِمُ إِسْلَامَهُ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ حُكِمَ بِهِ.
وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِإِسْلَامِهِ حُكِمَ بِهِ.
وَلَمْ يُسْأَلِ الشُّهُودُ عَنْ سَبَبِ إِسْلَامِهِ.
فَأَمَّا إِذَا شُوهِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى قَدِيمِ الْوَقْتِ وَحَدِيثِهِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي الظَّاهِرِ.
مَا لَمْ يُعْلَمْ كُفْرُهُ، لِأَنَّ مَيِّتًا لَوْ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، مَجْهُولَ الْحَالِ، وَجَبَ غَسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ الدَّارِ.
وَهَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ إسلامه فِي الظَّاهِرِ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ فِي الْبَاطِنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي الْبَاطِنِ تَبَعًا، فَيَرِثُ وَيُورَثُ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْشَافٍ عَنْ إِسْلَامِهِ اكْتِفَاءً بِظَاهِرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ حُكِمَ بِهِ فِي الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْكُفْرِ قُبِلَ مِنْهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وَلَوْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي الْبَاطِنِ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ بِالْكُفْرِ.
وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الرِّدَّةِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْ إسلامه إن شهد وسأل عَنْ عَدَالَتِهِ.
وَإِنْ حُكِمَ بِهِ فِي الظَّاهِرِ دون الباطن سأل عَنْ إِسْلَامِهِ ثُمَّ عَنْ عَدَالَتِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ وَهِي
َ مَسْأَلَةُ
الْكِتَابِ.
فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَدَالَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي الْفُتْيَا وَالْأَخْبَارِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي الشَّهَادَةِ.
وَحُرِّيَّتُهُ تُعْلَمُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِمَا وَثَالِثٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَلِدَهُ حُرَّةٌ فَيَكُونَ حُرَّ الْأَصْلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعْتِقَهُ مَالِكٌ فَيَصِيرَ حُرًّا بَعْدَ الرِّقِّ.
وَالثَّالِثُ: الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: أَنْ يَقُولَ: أَنَا حُرٌّ، فَفِي ثُبُوتِ حُرِّيَّتِهِ بِقَوْلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ بِخَبَرٍ مِنْهُ أَوْ بَيِّنَةٍ أَنَّهُ حُرٌّ، فَكَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ خَبَرَهُ فِي حُرِّيَّتِهِ مَقْبُولٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِي إِسْلَامِهِ مَقْبُولًا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الدَّارِ إِسْلَامُ أَهْلِهَا، كَانَ قَوْلُهُ فِي حُرِّيَّتِهِ مَقْبُولًا.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ حُرِّيَّةُ أَهْلِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ فِي حُرِّيَّتِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ فِي إِسْلَامِهِ مَقْبُولًا.
وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِسْلَامَ إِذَا كَانَ كَافِرًا فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ.
وَلَمْ يَمْلِكِ الْحُرِّيَّةَ إِذَا كَانَ عَبْدًا فَلَمْ يَمْلِكِ الْإِقْرَارَ بِهَا.
وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلَّا بِخَبَرٍ مِنْهُ: يَعْنِي مِنَ الحاكم؛ لأن يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَحْمِلُ الْجَمِيعَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، هَلِ الْحَكَمُ يَعْمَلُ فِيهِمَا بِعِلْمِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَعْنَى.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَلَا يُقْبَلُ الشَّاهِدُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ بِخَبَرٍ مِنْهُ أَوْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ حُرٌّ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ حَتَّى يَعْلَمَ حُرِّيَّةَ الشَّاهِدِ وَإِسْلَامَهُ فَيَسْمَعُهَا ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْ عَدَالَتِهِ بِظُهُورِ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَخَفَاءِ الْعَدَالَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْكَمُ بِهَا حَتَّى يَعْلَمَ حُرِّيَّتَهُ وَإِسْلَامَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِحُرِّيَّتِهِ وَإِسْلَامِهِ كالعدالة والله أعلم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ جَارٍ إِلَى نَفْسِهِ وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَخْلُوَ مِنَ التُّهَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282] وَالتُّهْمَةُ رِيبَةٌ.
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ وَلَا ذِي الْإِحْنَةِ " فَالْخَصْمُ الْمُنَازِعُ وَالظَّنِينُ: الْمُتَّهَمُ.
وَذِي الْإِحْنَةِ: الْعَدُوُّ.
فَمِنَ الْمَتْهُومِينَ فِي الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا، مَنْ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا.
فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
فَمِنْ جَرِّ النَّفْعِ، أَنْ يَشْهَدَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ، لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَالِ عَبْدِهِ، وَمُسْتَحِقٌّ أَخْذَ الْمَالِ مِنْ مُكَاتَبِهِ لِجَوَازِ عَوْدِهِ إِلَى رِقِّهِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَشْهَدَ الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ إِذَا ثَبَتَ، فَكَانَ نَفْعًا.
وَفِي جَوَازِ شَهَادَتِهِ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ وَكِيلٌ فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، لِعَدَمِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالنِّيَابَةِ عَنْ ذِي الْحَقِّ مَتْهُومًا وَمِنْهَا شَهَادَةُ الْوَلِيِّ لِلْمُولَّى عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ مَقَامَهُ فِي النِّيَابَةِ عَنْهُ.
وَمِنْهَا شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِلْمُوصِي بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ لِأَبِيهِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِعَدَمِ وَلَايَتِهِ.
وَمِنْهَا شَهَادَةُ " الْمُوصَى لَهُ بِحَقٍّ " لِلْمُوصِي " بَعْدَ مَوْتِهِ " إِذَا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِحَقِّ وَصِيَّتِهِ.
وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ؛ فَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِمَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي أحد الوجهين لأن الوكيل قد تجوز أَنْ يَتَقَرَّبَ بِشَهَادَتِهِ إِلَى مُوَكِّلِهِ.
وَالْمُوصَى لَهُ لَا يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى الْمُوصِي بَعْدَ مَوْتِهِ.
فَصَارَ الْوَكِيلُ مَتْهُومًا وَالْمُوصَى لَهُ غَيْرُ مَتْهُومٍ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لِلشَّاهِدِ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ دَيْنٌ، فَيَشْهَدَ لَهُ بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِهِ.
فَلِلْمَشْهُودِ لَهُ حَالَتَانِ: مُوسِرٌ، وَمُعْسِرٌ.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا نفعا لوصوله إلى دينه من يساره.
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُحْكَمَ بِفَلَسِهِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ.
لِأَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ مِنَ الدَّيْنِ صَائِرٌ إِلَيْهِ.
فصار نفعا يترحم به.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُحْكَمَ بِفَلَسِهِ.
فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ.
لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهَا مُطَالَبَةَ الْمُعْسِرِ بِدَيْنِهِ كَالْمَحْكُومِ بِفَلَسِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ إِذَا حُكِمَ بِفَلَسِهِ.
وَفَرَّقَا بَيْنَ الْمُعْسِرِ وَالْمَحْكُومِ بِفَلَسِهِ.
بِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ لَهُ بِمَالِ التَّفْلِيسِ وَلَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِمَالِ الْمُعْسِرِ، وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَسَاوِيهِمَا فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ وُصُولُهُ إِلَى حَقِّهِ بَعْدَ تَعَذُّرِهِ.
وَمِنْهَا شَهَادَةُ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ فِيمَا هُوَ يُشْرِكُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ.
فَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِمَا لَيْسَ بِشَرِيكٍ، جَازَ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، لِأَنَّ لِلْوَكِيلِ نِيَابَةً وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ نِيَابَةٌ.
وَلِهَذَا نَظَائِرُ تَجْرِي عَلَى حُكْمِهَا.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا دَفْعُهُ بِشَهَادَته ضَرَرًا، فَهِيَ الشَّهَادَةُ بِضِدِّ مَا ذَكَرْنَا فِي ضِدِّهِ فَمِنْهَا شَهَادَةُ
السَّيِّدِ بِجَرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ، لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا نَقْصًا فِي حَقِّهِ.
وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ بِجَرْحِ شُهُودٍ شَهِدُوا عَلَى مُوَكِّلِهِ.
وَمِنْهَا شَهَادَةُ الْوَصِيِّ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ دَيْنٍ كَانَ عَلَى الْمُوصِي.
لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا الْمُطَالَبَةَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَشْهَدَ الْمُوصَى لَهُ بِعَزْلِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ.
لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا مُزَاحَمَتَهُ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَشْهَدَ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ دَيْنٍ كَانَ عَلَى الْمُفْلِسِ، لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ بِهَا مُزَاحَمَةَ صَاحِبِ الدَّيْنِ لَهُمْ.
وَمِنْهَا أَنْ تَشْهَدَ الْقَافِلَةُ بِجَرْحِ شُهُودٍ شَهِدُوا بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ، لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ بِهَا تَحَمُّلَ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
إِلَى نَظَائِرِ هَذَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الْعَدُوِّ وَالْخَصْمِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا عَلَى خَصْمٍ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ مَوْضِعُ عَدَاوَةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ فَمَرْدُودَةٌ لَا تُقْبَلُ.
وَأَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ.
احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَلِأَنَّ الدِّينَ وَالْعَدَالَةِ يَمْنَعَانِ مِنَ الشَّهَادَةِ بِالزُّورِ.
وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ إِنْ كَانَتْ فِي الدِّينِ لَمْ تَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ مَعَ ظُهُورِ الْعَدَاوَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا فَهِيَ أَسْهَلُ مِنْ عَدَاوَةِ الدِّينِ فَكَانَتْ أَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا﴾ .
وَالْعَدَاوَةُ مِنْ أَقْوَى الرَّيْبِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ ".
وَالْغَمْرُ: الْعَدَاوَةُ، وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تَقْتَرِنُ بِتُهْمَةٍ، فَلَمْ تُقْبَلْ كَشَهَادَةِ الْوَالِدِ للولد.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عُمُومِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَخْصِيصُهَا بِأَدِلَّتِنَا.
وَالثَّانِي: حَمْلُهَا عَلَى التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور وهو أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَمَّا لَمْ يَبْعَثْ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ لَمْ يُوجِبْ قَبُولَ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدْوِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعَدَاوَةَ فِي الدُّنْيَا أَسْهَلُ: فَهُوَ أن العداوة في الدين يبعث عَلَى الْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ فَزَالَتِ التُّهْمَةُ فِيهِ.
وَالْعَدَاوَةُ فِي الدُّنْيَا أَغْلَظُ لِلْعُدُولِ بِهَا عَنْ أَحْكَامِ الدِّينِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْمَقْذُوفِ عَلَى الْقَاذِفِ وَلَا الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا الْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَى السَّارِقِ وَوَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَلَى الْقَاتِلِ وَالزَّوْجِ عَلَى امْرَأَتِهِ إِذَا زَنَتْ فِي فِرَاشِهِ، إِلَى نَظَائِرِ هَذَا.
وَإِذَا مَنَعَتِ الْعَدَاوَةُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدُوِّ، لَمْ تَمْنَعْ مِنَ الشَّهَادَةِ لَهُ، لِأَنَّهُ مَتْهُومٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَغَيْرُ مَتْهُومٍ فِي الشَّهَادَةِ لَهُ.
لِأَنَّ مَا بَعَثَ عَلَى الْعَدَاوَةِ لَا يَكُونُ جَرْحًا تَسْقُطُ بِهِ الشَّهَادَةُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الْخَصْمِ عَلَى خَصْمِهِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا شَهَادَةُ الْخَصْمِ عَلَى خَصْمِهِ فَتُرَدُّ فِيمَا هُوَ خَصْمٌ فِيهِ لِرِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ ولا ذي الإحنة ".
ولأن الخصومة تؤول إِلَى الْعَدَاوَةِ، وَالْعَدَاوَةُ تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِخَصْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ.
فَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا ثم قذف المشهود فلو عَلَيْهِ الشَّاهِدَ فَصَارَ بِالْقَذْفِ خَصْمًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ.
لَمْ تُرَدَّ وَجَازَ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ حُدُوثِ الْخُصُومَةِ وَالْعَدَاوَةِ بِخِلَافِ حُدُوثِ الْفِسْقِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالشُّهُودِ.
وَلِأَنَّ حُدُوثَ الْخُصُومَةِ وَالْعَدَاوَةِ لَيْسَ بِجَرْحٍ يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ مَنَعَ حُدُوثَ ذَلِكَ.
مِنَ الْحُكْمِ بِهَا لَمَا صَحَّتْ شَهَادَةٌ عَلَى أَحَدٍ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إِسْقَاطِهَا بِحُدُوثِ نِزَاعٍ وَخُصُومَةٍ وَمَا أَدَّى إِلَى هَذَا بَطَلَ اعْتِبَارُهُ.
( [شَهَادَةُ الصِّدِّيقِ لِصَدِيقِهِ] )
(فَصْلٌ) : وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، وَإِنْ كَانَ مُلَاطِفًا، وَالْمُلَاطِفُ، والْمُهَادِي، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ لِصَدِيقِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ غَيْرِ الْمُلَاطِفِ، لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِ بِأَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمَالٍ يَصِيرُ إِلَيْهِ بِالْمُلَاطَفَةِ بَعْضُهُ.
فَصَارَ جَارًّا بِهَا نَفْعًا.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الْمَوَدَّةَ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْهَدِيَّةُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا.
فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهَا مُوجِبًا لِرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ الْعَدُوَّ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْعَدَاوَةِ.
وَلِأَنَّ ذوي الأنساب مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إليهم بالميراث فاشهدوا بِهِ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
وَالصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ.
وَلَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرَ مِنْ جَوَازِ عَوْدِهِ إِلَى الصَّدِيقِ بِالْهَدِيَّةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يهاديه [ولا يُهَادِيَهُ] ، وَيَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ مُهَادَاتِهِ وَيَجُوزُ إِذَا هَادَاهُ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ فَلَمْ يَكُنْ لِتَعْلِيلِ الْمَنْعِ بِهَذَا وَجْهٌ والله أعلم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا لِوَلَدِ بَنِيهِ وَلَا لِوَلَدِ بَنَاتِهِ وَإِنْ سَفُلُوا وَلَا لِآبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ وَإِنْ بَعُدُوا ".
قَالَ الماوردي: وهذا صحيح، ولا تقبل شهادة الوالد لمولديه بِهِ وَإِنْ سَفُلُوا، وَلَا شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدَيْهِ وَإِنْ بَعُدُوا.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ جَائِزَةٌ.
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135] وَلَا يُؤْمَرُ بِالْقِسْطِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ إِلَّا وَهِيَ مَقْبُولَةٌ وَلِأَنَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ حَاكَمَ يَهُودِيًّا إِلَى شُرَيْحٍ فِي دِرْعٍ ادَّعَاهُ فِي يَدِهِ فَأَنْكَرَهَا.
فَشَهِدَ لَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ.
وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ أَقْبَلُ شَهَادَةَ ابْنِكَ لَكَ؟
فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَيِّ كِتَابٍ وَجَدْتَ هَذَا؟ أَوْ فِي أَيِّ سُنَّةٍ.
وَعَزَلَهُ وَنَفَاهُ إلى قرية يقال لها بالصفا، نَيِّفًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى الْقَضَاءِ، وَلِأَنَّ الدِّينَ وَالْعَدَالَةَ يَحْجِزَانِ عَنِ الشَّهَادَةِ بِالزُّورِ والكذب.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: 282] وَالرِّيبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِمَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَيْلِ وَالْمَحَبَّةِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْوَلَدُ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَجْهَلَةٌ ".
وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " يَا عَائِشَةُ فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا يَرِيبُهَا " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ بَعْضُ أَبِيهِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: 15] أَيْ وَلَدًا فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ لَهُ كَالشَّهَادَةِ لِنَفْسِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي مَعْشَرٍ الدَّارِمِيِّ: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ " فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ بِمَالِ أَبِيهِ كَالشَّهَادَةِ بِمَالِ نَفْسِهِ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ حَدِيثًا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا مَحْدُودٍ حَدًّا وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ وَلَا مُجَرَّبٍ فِي شَهَادَةِ زُورٍ وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ وَلَا شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ " وَوَصَلَ بِذَلِكَ " وَلَا شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَلَا الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ " ثُمَّ قَالَ وَهَذَا لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَهُوَ نَصٌّ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَفِي قَوْلِهِ: " وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ " دَلِيلٌ عَلَى الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ " وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِكَسْبِهِ.
وَلِأَنَّ وُرُودَ النَّصِّ بِالْمَنْعِ مِنْ شَهَادَةِ الظَّنِينِ وَهُوَ الْمُتَّهَمُ يُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا قَرَنَهَا لِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ دَلَّ عَلَى خُرُوجِهَا مَخْرَجَ الزَّجْرِ، أَنْ يُخْبِرَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ وَلَدِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
وَلَا يَمْنَعُ الدِّينُ وَالْعَدَالَةُ مِنْ رَدِّ الشَّهَادَةِ، كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ.
وَأَمَّا إِنْكَارُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى شُرَيْحٍ، فَلِأَنَّ شُرَيْحًا وَهِمَ فِي الدعوى؛ لأن عليا عليه السلام ادَّعَى الدِّرْعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلِذَلِكَ اسْتَشْهَدَ بِابْنِهِ الْحَسَنِ، وَلَمْ يَدَّعِهَا
لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي الدَّعْوَى نَائِبًا عَنْ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْوَكِيلِ.
فَوَهِمَ شُرَيْحٌ وَظَنَّ أَنَّ الدَّعْوَى لِنَفْسِهِ.
وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَزَلَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفَحْصِ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ، فَيَعْلَمْ بِهَا جَوَازَ الشَّهَادَةِ، فَصَارَتْ دَلِيلًا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا شَهَادَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ فَمَقْبُولَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الشَّهَادَةِ لَهُ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ فَتُقْبَلُ فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ الْوَلَدُ عَلَى وَالِدِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحُقُوقِ، وَفِي قَبُولِهَا فِيمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ الْوَلَدُ عَلَى وَالِدِهِ مِنْ حَدِّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْتَلْ بِقَتْلِهِ لَمْ يُقْتَلْ بِقَوْلِهِ: كَالْعَبْدِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحَرِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ كَمَا تُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ كَالْحُرِّ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ بِالْعَبْدِ.
وَأَمَّا الْوَلَدُ مِنَ الرَّضَاعِ وَالْوَالِدُ مِنَ الرَّضَاعِ فَشَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَيْهِ فَمَقْبُولَةٌ، بِخِلَافِ النِّسَبِ.
لِاخْتِصَاصِ الرَّضَاعِ بِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ.
وَبِفَارِقِ النَّسَبِ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ أَحْكَامِهِ فِي التَّوَارُثِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ، وَلَيْسَ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ بِمَانِعٍ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ] )
وَأَمَّا مَنْ عَدَا عُمُومَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ مِنَ الْمُنَاسِبِينَ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَبَنِيهِمَا، وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنِيهِمَا، وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ وَبَنِيهِمَا، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بعضهم البعض.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا أَقْبَلُهَا مِنْ ذِي مَحْرَمٍ كَالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَقْبَلُهَا فِي كُلِّ حَقٍّ إلا في النسب لأنه منهم باجتذابه والتكثر.
وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَاسِدٌ، لِأَنَّ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ أجازاه وليس لهما مخالف فصار إجماعا.
لأنه نَسَبٌ لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ وَالنَّفَقَةَ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَغَيْرِ الْمَحْرَمِ مِنْ ذَوِي الأنساب.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمُعْتَقِ لِمُعْتِقِهِ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ فَمَقْبُولَةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَمَنَعَ شُرَيْحٌ مِنْ قَبُولِهَا كَالْوِلَادَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ الْبَعِيدَةِ لِتَعَدِّيهِمْ عَلَيْهِ فِي الْمِيرَاثِ.
وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ أَوِ الْغَفْلَةِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الضَّبْطُ وَالتَّيَقُّظُ، فَهُمَا شَرْطَانِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
لِيَقَعَ السُّكُونُ إِلَى صِحَّتِهَا، فَإِنْ حَدَثَ مِنَ الشَّاهِدِ سَهْوٌ أَوْ غَلَطٌ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا شَهِدَ بِهِ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ سَهْوُهُ وَغَلَطُهُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ نُظِرَ:
فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَرْحًا فِي عَدَالَتِهِ.
لِأَنَّ النَّفْسَ غَيْرُ سَاكِنَةٍ إِلَيْهِ إِلَى شَهَادَتِهِ لِحَمْلِهَا فِي الْأَغْلَبِ عَلَى السَّهْوِ وَالْغَلَطِ.
وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ التَّيَقُّظَ وَالضَّبْطَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ غَلَطَ فِي بَعْضِ أَخْبَارِهِ وَسَهَا، لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَخْلُو من سهو أو غلط.
وهذا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ سَهَا وَقَالَ: " إِنَّمَا أَسْهُو لِأَسُنَّ " وَإِذَا كَانَ لَا يَخْلُو ضَابِطٌ مِنْ غَلَطٍ وَلَا غَافِلٌ مِنْ ضَبْطٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ الْأَغْلَبَ.
كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي أَغْلَبُهَا فيكون العدل والفسق معتبرا بِمَا يَغْلِبُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ.
وَكَذَلِكَ الضَّبْطُ وَالْغَفْلَةُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الزَّوْجَيْنِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كُنْتُ لَا أُجِيزُ شَهَادَةَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ لِأَنَّهُ يَرِثُهَا مَا أَجَزْتُ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ إِذَا كَانَ يَرِثُهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى جَوَازِهَا وَقَبُولِ شهادة الزوج لزوجته.
وقبول الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَيْسَرَ وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الصَّدِيقِ الملاطف.
احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21] . وَذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ الِارْتِيَابِ وَالتُّهْمَةِ.
وَقَالُوا: وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لَا يَحْجُبُ مِنَ الْإِرْثِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الشَّهَادَةِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يُسْتَحَقُّ بِنَسَبٍ وَسَبَبٍ فَلَمَّا كَانَ فِي الْأَنْسَابِ مَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَسْبَابِ مَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا يُورِثُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ كَالنَّسَبِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا فِي الْمَقَامِ وَالظَّعْنِ وَامْتِزَاجَهُمَا فِي الضِّيقِ وَالسَّعَةِ، وَاخْتِصَاصَهُمَا بِالْمَيْلِ وَالْمَحَبَّةِ، قَدْ جَمَعَ مِنْ أَسْبَابِ الِارْتِيَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
فَوَجَبَ أَنْ تُرَدَّ بِهِ الشَّهَادَةُ.
وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَرَوَى مَجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ سُوِيدِ بْنِ غَفْلَةَ أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يَسُوقُ امْرَأَةً عَلَى حِمَارٍ فَنَخَسَهَا فَرَمَى بِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَشَهِدَ عَلَيْهِ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا.
وَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ.
وَقَالَ سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ: إِنَّهُ لَأَوَّلُ مَصْلُوبٍ صُلِبَ بِالشَّامِ.
وَلَيْسَ لِعُمَرَ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ انْتِشَارِ الْقِصَّةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ لَا مُخَالِفَ لَهُ وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا صِلَةً لَا تُوجِبُ الْعِتْقَ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، كَالْعَشِيرَةِ وَلِأَنَّهَا حُرْمَةٌ حَدَثَتْ عَنْ صِلَةٍ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، فآباء الزَّوْجَيْنِ وَأَبْنَائِهِمَا وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَلَمْ يُوجِبْ رَدَّ الشَّهَادَةِ كَالْإِجَارَةِ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْبَيْعِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورحمة﴾ . فَهُوَ أَنَّ الْمَوَدَّةَ لَا تُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ كالأخوين وعلى أنه قد يحدث بينما تَبَاغُضٌ وَعَدَاوَةٌ تَزِيدُ عَلَى الْأَجَانِبِ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَعْنَى عِلَّةً فِي الْمَنْعِ لَفُرِّقَ بَيْنَ الْمُتَحَابِّينَ وَالْمُتَبَاغِضِينَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَبَطَلَ التَّعْلِيلُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَعْلِيلِهِمْ بِعَدَمِ الْحَجْبِ عَنِ الْمِيرَاثِ، قِيَاسًا عَلَى الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ فَلَيْسَ عَدَمُ الْحَجْبِ عَنِ الْمِيرَاثِ عِلَّةً فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّنَا نَرُدُّ شَهَادَةَ مَنْ لَا يرث من
الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ، الْبَعْضِيَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْعِتْقِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى الْعُمُومِ فِيمَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِالنَّسَبِ، فَصَارَ هُوَ عِلَّةَ الْحُكْمِ وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي الزَّوْجِيَّةِ فَزَالَ عَنْهَا حُكْمُهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى النِّسَبِ، بِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْمِيرَاثِ.
فَهُوَ فَاسِدٌ بِالْوَلَاءِ.
ثُمَّ لَيْسَ الْمِيرَاثُ عِلَّةً لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ فِي الْوَالِدَيْنِ المولودين مَنْ لَا يَرِثُ وَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْعَصَبَاتُ يَرِثُونَ وَشَهَادَتُهُمْ مَقْبُولَةٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِاجْتِمَاعِ أَسْبَابِ التُّهْمَةِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ فَهُوَ أَنَّ انْفِرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَمَّا لَمْ تُوجِبِ التُّهْمَةُ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَضُرَّ اجْتِمَاعُهَا مُوجِبًا لِلتُّهْمَةِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الْمُقَامِ وَالظَّعْنَ لَا يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ كَالْأَصْحَابِ.
لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ لَا تُوجِبُهَا كَالْأَصْدِقَاءِ، وَالِامْتِزَاجُ فِي الضِّيقِ وَالسَّعَةِ لَا تُوجِبُهَا كَالْخُلْعِ.
وَأَمَّا ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَيُقَالُ لَهُ: يَنْتَفِعُ الزَّوْجُ بِيَسَارِ زَوْجَتِهِ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ ابْنِهِ عَلَيْهَا إِذَا أَعْسَرَ بِهَا وَلَا يُوجِبُ بِذَلِكَ رَدَّ شَهَادَتِهِ لَهَا، كَذَلِكَ انْتِفَاعُهَا بِيَسَارِهِ فِيمَا يَجِبُ لَهَا مِنْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ لَا يُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهَا لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ أهل الأهواء] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا أَرُدُّ شَهَادَةَ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِذَا كَانَ لَا يَرَى أَنْ يَشْهَدَ لِمُوافِقِهِ بِتَصْدِيقِهِ وَقَبُولِ يَمِينِهِ وَشَهَادَةُ مَنْ يُرَى كَذِبُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ وَمَعْصِيَةً تَجِبُ بِهَا النَّارُ أَوْلَى أَنْ تَطِيبَ النَّفْسُ بِقَبُولِهَا مِنْ شَهَادَةِ مَنْ يُخَفِّفُ الْمَأْثَمَ فِيهَا وَكُلُّ مَنْ تَأَوَّلَ حَرَامًا عِنْدَنَا فِيهِ حَدٌّ أَوْ لَا حَدَّ فِيهِ لَمْ نَرُدَّ بِذَلِكَ شَهَادَتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مِمَّنْ حُمِلَ عَنْهُ الدِّينُ وَجُعِلَ عَلَمًا فِي الْبُلْدَانِ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِلُّ الْمُتْعَةَ وَالدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ نَقْدًا وَهَذَا عِنْدَنَا وَغَيْرِنَا حَرَامٌ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَلَّ سَفْكَ الدِّمَاءِ وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ بَعْدَ الشِّرْكِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ فَاسْتَحَلَّ كُلَّ مُسْكِرٍ غَيْرَ الْخَمْرِ وَعَابَ عَلَى مَنْ حَرَّمَهُ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُقْتَدَى بِهِ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ رَدَّ شَهَادَةَ أَحَدٍ بِتَأْوِيلٍ وَإِنْ خَطَّأَهُ وَضَلَّلَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا
فَصْلٌ
قَدِ اخْتَلَطَ كَلَامُ أَصْحَابِنَا فِيهِ مِمَّنْ تَفَرَّدَ بِالْفِقْهِ دُونَ أُصُولِهِ، فَوَجَبَ أَنْ تُقَرَّرَ قَاعِدَتُهُ لِيُعْلَمَ بِهَا قَوْلُ الْمُخْتَلِفِينَ، وَمَا يُوجِبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ مِنْ تَعْدِيلٍ وَتَفْسِيقٍ وَتَكْفِيرٍ.
فَنَقُولُ: مَنْ تَدَيَّنَ بِمُعْتَقَدٍ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ صِنْفَانِ:
صِنْفٌ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمُ اسْمُ الْإِسْلَامِ.
وَصِنْفٌ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمُ اسْمُهُ.
فَأَمَّا مَنْ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمُ اسْمُ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَمْ يَتَّبِعْهُ.
فَخَرَجَ بِالتَّكْذِيبِ وَبِتَرْكِ الِاتِّبَاعِ مِنْ مِلَّتِهِ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمُ اسْمُ الْكَفْرِ، وَسَوَاءٌ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى مِلَّةٍ كَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى أَوْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى مِلَّةٍ كَعَبَدَةِ الأوثان وما عظم شَمْسٍ وَنَارٍ.
وَجَمِيعُهُمْ فِي التَّكْفِيرِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ سَوَاءٌ.
وَإِنْ فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَرَدَّ شَهَادَةَ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمُ اسْمُ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ مَنْ صَدَّقَ الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاتَّبَعَهُ، فَصَارَ بِتَصْدِيقِهِ عَلَى النُّبُوَّةِ مِنْ جُمْلَةِ أُمَّتِهِ وَبِصَلَاتِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ دَاخِلًا فِي مِلَّتِهِ.
فَخَرَجُوا بِانْطِلَاقِ اسْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ مَنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفَّارِ.
فَهَذَا أَصْلٌ.
ثُمَّ يَنْقَسِمُ مَنْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مُوافِقٌ، وَمُتَّبَعٌ، وَمُخَالِفٌ.
وَأَمَّا الْمُوافِقُ: فَهُوَ مَنِ اعْتَقَدَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ، فَكَانَ بِاعْتِقَادِ الْحَقِّ مُتَدَيِّنًا وَبَالْعَمَلِ بِهِ مُؤَدِّيًا، فَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِ فِي مُعْتَقَدِهِ وَقَوْلِهِ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِي خَبَرِهِ وَشَهَادَتِهِ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الْمُتَّبِعِ] )
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْمُتَّبِعُ: فَهُوَ مَنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي الْمُعْتَقَدِ.
كَالْمُقَلِّدِ مِنَ الْعَامَّةِ لِلْعُلَمَاءِ.
فَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ فَهُوَ فَرْضُهُ، وَهُوَ عَدْلٌ فِي مُعْتَقَدِهِ وَعَمَلِهِ.
وَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُهُ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ جَوَّزَ تَقْلِيدَهُ فِيهَا جَعَلَهُ عَدْلًا فِي مُعْتَقَدِهِ وَعَمَلِهِ.
وَمَنْ مَنَعَ التَّقْلِيدَ فِيهَا جَعَلَهُ مُقَصِّرًا فِي مُعْتَقَدِهِ وَمُؤَدِّيًا فِي عَمَلِهِ.
وَعَدَالَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ بِسُكُونِ نَفْسِهِ وَنُفُورِهَا، فَإِنْ كَانَ سَاكِنَ النَّفْسِ إِلَى صِحَّةِ التَّقْلِيدِ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَدَالَةِ، وَإِنْ كَانَ نَافِرَ النَّفْسِ مِنْهُ خَرَجَ مِنَ الْعَدَالَةِ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ الْمُخَالِفِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْمُخَالِفُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَالِفَ فِي الْعَمَلِ.
وَالثَّانِي: فِي الْمُعْتَقَدِ.
فَأَمَّا الْمُخَالِفُ فِي الْعَمَلِ، فَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ مَا لَا يَعْمَلُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَاجِبٍ فُسِّقَ بِهِ وَخَرَجَ عَنْ عَدَالَتِهِ، لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْمَعْصِيَةَ بِتَرْكِ مَا اعْتَقَدَ وَجُوبَهُ وَيَكُونُ كَالْعَمَلِ بِمَا اعْتَقَدَ تَحْرِيمُهُ.
وَأَمَّا الْمُخَالِفُ فِي الْمُعْتَقَدِ فَمُخْتَلِفُ الْحُكْمِ بِخِلَافِهِ فِيمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الدِّينُ.
وَالدِّينُ مُنْعَقِدٌ عَلَى فُرُوعٍ وَأُصُولٍ.
فَالْأُصُولُ، مَا اخْتَصَّ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ.
وَالْفُرُوعُ مَا اخْتَصَّ بِالتَّكْلِيفِ وَالتَّعَبُّدِ.
وَلِلْأُصُولِ فُرُوعٌ، وَلِلْفُرُوعِ أُصُولٌ.
فَأَمَّا أُصُولُ الْأُصُولِ، فَمَا اخْتُصَّ بِإِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ.
وَفُرُوعُهُ مَا اخْتُصَّ بِالصِّفَاتِ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
وَأُصُولُ الْفُرُوعِ مَا عُلِمَ قَطْعًا مِنْ دِينِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفُرُوعُهُ مَا عُرِفَ بِغَيْرِ مَقْطُوعٍ به.
فَأَمَّا الْمُخَالِفُ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، فَمَقْطُوعٌ بِكُفْرِهِ، وَيَخْرُجُ مِنِ انْطِلَاقِ اسْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَظَاهَرَ بِهِ.
فَلَا تَثْبُتُ لَهُ عَدَالَةٌ وَلَا تَصِحُّ لَهُ وِلَايَةٌ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ.
وَأَمَّا الْمُخَالِفُ فِي فُرُوعِ الْأُصُولِ مِنَ الصِّفَاتِ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ رَدَّهُ خَبَرٌ مَقْطُوعٌ بِصِدْقِهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ وَأَثَرٍ، كَانَ مُخَالِفُهُ كَافِرًا، لَا تَثْبُتُ لَهُ عَدَالَةٌ، وَلَا تَصِحُّ لَهُ وِلَايَةٌ، وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ.
كَذَلِكَ مَا رَدَّتْهُ الْعُقُولُ وَاسْتَحَالَ جَوَازُهُ فِيهَا، وَمَا لَمْ يَرُدَّهُ خَبَرٌ مَقْطُوعٌ بِصِدْقِهِ، وَلَا عَقْلَ يَسْتَحِيلُ بِهِ نُظِرَ.
فَإِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى تَكْفِيرِهِ بِهِ، سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَلَمْ تَصِحَّ وِلَايَتُهُ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْحَقِّ فِي تَكْفِيرِهِ بِهِ، فَهُوَ عَلَى الْعَدَالَةِ وَصِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ.
فَهَذَا أَصْلٌ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ يُغْنِي عَنْ ضَرْبِ مَثَلٍ وَتَعْيِينِ مَذْهَبٍ.
( [الْقَوْلُ فِي شَهَادَةِ جَاحِدِ فُرُوعِ الدِّينِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفُرُوعُ: فَأُصُولُهَا كَالْأُصُولِ.
فَمَا عُلِمَ قَطْعًا مِنْ دِينِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِإِجْمَاعِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ عَلَيْهِ، كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَأَعْدَادِهَا.
وَاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ بِهَا.
وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ بَعْدَ حَوْلِهَا.
وَفَرْضِ الصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَزَمَانِهِمَا.
وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالرِّبَا وَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ.
فَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَ أَحَدِهَا أَوِ اعْتَقَدَ فِي الصَّلَاةِ نُقْصَانًا مِنْهَا أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهَا.
أَوْ غَيَّرَ الصِّيَامَ وَالْحَجَّ عَنْ زَمَانِهِمَا مِنْ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ.
أَوْ زَادَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَافِرٌ.
لِأَنَّهُ جَحَدَ بِهَذَا الْخِلَافِ مَا هُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. فَصَارَ كَالْجَاحِدِ لِصِدْقِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا تَثْبُتُ لَهُ عَدَالَةٌ وَلَا تَصِحُّ لَهُ وِلَايَةٌ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفُرُوعُ الَّتِي لَيْسَتْ بِأُصُولٍ، فَالْخِلَافُ فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْأَدَاءِ.
وَالثَّانِي: فِي الْأَحْكَامِ.
فَأَمَّا الْخِلَافُ فِي الْأَدَاءِ الْمُنْتَحِلَةِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا اعْتَقَدَ بِهِ تَكْفِيرَ مُخَالِفِهِ وَاسْتِبَاحَةَ مَالِهِ وَدَمِهِ.
كَمَنْ يَرَى مِنَ الْخَوَارِجِ، بِمُوالَاتِهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَكْفِيرَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ.
وَكَالْغُلَاةِ يَرَوْنَ بِمُعْتَقَدِهِمْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام، تكفير جميع الأمة.
يرى الْفَرِيقَانِ: بِهَذَا الْمُعْتَقَدِ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ إِبَاحَةٍ فِي قَتْلِ رِجَالِهَا وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهَا وَغَنِيمَةِ أَمْوَالِهَا.
فَيُحْكَمُ بِكُفْرِ مَنْ هَذَا اعْتِقَادُهُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِتَكْفِيرِهِمُ السَّوَادَ الْأَعْظَمَ الْمُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْإِسْلَامِ وَدُرُوسِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً مِنْهَا وَاحِدَةٌ نَاجِيَةٌ.
قِيلَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: السَّوَادُ الْأَعْظَمُ ".
وَالثَّانِي: اسْتِبَاحَتُهُمْ لِدَارٍ حَرَّمَ الشَّرْعُ نُفُوسَ أَهْلِهَا وَأَمْوَالَهُمْ.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ وَمَا فِيهَا وَأَبَاحَتْ دَارُ الشِّرْكِ وَمَا فِيهَا ".
وَقَالَ يَوْمَ النَّحْرِ كَلَامًا شَهِدَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ: " أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ".
فَكَانُوا أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الْعَدَالَةِ وَأَوْلَاهُمْ بِرَدِّ الشَّهَادَةِ.
( [شَهَادَةُ مُعْتَقِدِ كُفْرِ مُخَالِفِهِ] )
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَنْ يَعْتَقِدُ تَكْفِيرَ مُخَالِفِهِ وَلَا يَرَى اسْتِبَاحَةَ دَمِهِ فَيُنْظَرُ فَإِنْ تَعَرَّضَ بِعَرْضٍ بِرَأْيِهِ لِتَكْفِيرِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ حُكِمَ بِكُفْرِهِ، لِرَدِّهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18] وَرَدِّهِ عَلَى رَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ "
وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " فَتَسْقُطُ عَدَالَتُهُمْ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ بِكُفْرِهِمْ.
وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَكْفِيرِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَاعْتَقَدُوا فِيهِمُ الْإِيمَانَ، وَتَفَرَّدُوا بِتَكْفِيرِ أَهْلِ عَصْرِهِمْ فَهُمْ أَهْلُ ضَلَالٍ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِمْ دُونَ كُفْرِهِمْ، فَتَسْقُطُ عَدَالَتُهُمْ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ بِالْفِسْقِ دُونَ الْكُفْرِ.
( [شَهَادَةُ مُبْتَدِعِ الرَّأْيِ] )
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَبْتَدِعَ رَأْيًا وَلَا يَعْتَقِدَ بِهِ تَكْفِيرَ مُخَالِفِهِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْتَكِبَ فِيهِ الْهَوَى وَلَا يَتَمَسَّكَ فِيهِ بِتَأْوِيلٍ: فَهُوَ ضَالٌّ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ وَرَدِّ شَهَادَتِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عن الهوى.
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41، 40] . وَسُنَّةُ عُمَرَ رضي الله عنه في صبيغ.
وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَطُوفُ بِهَا وَيَسْأَلُ عَنِ الشُّبَهَاتِ وَيَمِيلُ إِلَى الْمُخَالَفَةِ.
فَأَمَرَ بِهِ وَضُرِبَ بِالْجَرِيدِ وَشُهِرَ بِالْمَدِينَةِ وَنُفِيَ عَنْهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَعْضِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: سنتي فيه سنة عمر في صبيغ وَلِأَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الْهَوَى وَلَمْ يَتَّبِعِ الدَّلِيلَ فَقَدْ ضَلَّ وَأَضَلَّ، إِذْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَلَا بَيْنَ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، وَلِأَنَّ الْهَوَى أَسْرَعُ إِلَى الْبَاطِلِ مِنَ الْحَقِّ، لِخِفَّةِ الْبَاطِلِ وَثِقَلِ الْحَقِّ.
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَمَسَّكَ فِيمَا ابْتَدَعَهُ بِتَأْوِيلٍ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَالِفَ بِهِ الْإِجْمَاعَ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَدْفَعَ مَا اعْتَقَدَهُ الْإِجْمَاعُ.
وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ بِمُعْتَقَدِهِ الْإِجْمَاعَ.
فَإِنْ دَفَعَ بِمُعْتَقَدِهِ الْإِجْمَاعَ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ أَوْ إِجْمَاعَ غَيْرِهِمْ.
فَإِنْ خَالَفَ بِهِ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ ضَلَّ بِهِ وَحُكِمَ بِفِسْقِهِ وَرَدِّ شهادته لقوله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ ".
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عضوا عليها بالنواجز وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضلالة في النار ".
وَإِنْ خَالَفَ بِهِ إِجْمَاعَ غَيْرِ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقُولُ إِنَّ الْإِجْمَاعَ هُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَيَعْتَقِدُ اسْتِحَالَةَ إِجْمَاعِ غَيْرِهِمْ لِتَبَاعُدِ أَعْصَارِهِمْ كَانَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقُولُ بِإِجْمَاعِ كُلِّ عَصْرٍ.
فُسِّقَ بِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَأَنْ لَا يُخَالِفَ بِمُعْتَقَدِهِ الْإِجْمَاعَ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُفْضِيَ بِهِ الْمُخَالَفَةُ إِلَى الْقَدْحِ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ.
فَهُوَ عَلَى ضربين: سبب وجرح.
فَإِنْ كَانَ الْقَدْحُ سَبًّا، فُسِّقَ بِهِ وَعُزِّرَ مِنْ أَجْلِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا فَقَدْ فَسَقَ ".
وَلَيْسَ مَنْ عاصر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَشَاهَدَهُ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا يَشْتَمِلُ اسْمُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَخَصَّصَ بِالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
والثاني: أن يتخصص به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
فَأَمَّا اخْتِصَاصُهُ بِالرَّسُولِ، فَيَكُونُ مِنْ أَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مُكَاثَرَتُهُ فِي حَضَرِهِ وَسَفَرِهِ.
وَالثَّانِي: مُتَابَعَتُهُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَلَيْسَ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنَ الْوُفُودِ، وَلَا مَنْ غَزَا مَعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ، مِنَ الصَّحَابَةِ.
لِعَدَمِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فِيهِمْ.
وَأَمَّا اخْتِصَاصُ الرَّسُولِ بِهِ فَيَكُونُ بِهِ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَثِقَ بِسَرَائِرِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْضِيَ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ إِلَيْهِمْ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ لِعَدَمِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِمْ فَصَارَ الصَّحَابِيُّ مَنْ تَكَامَلَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَمَنْ أَخَلَّ بِهَا خَرَجَ مِنْهُمْ.
وَإِنْ كَانَ الْقَدْحُ فِي الصَّحَابَةِ جَرْحًا يَنْسُبُ بَعْضُهُمْ إِلَى فِسْقٍ وَضَلَالٍ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِ الْعَشْرَةِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْجَنَّةِ، صَارَ بِاعْتِقَادِهِ لِفِسْقِهِ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَشْرَةِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، صَارَ بِتَفْسِيقِ أحدهم فاسقا؛ لأن الله تعالى أخبر بالرضى عَنْهُمْ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَنَازُعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قِتَالِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، صَارَ بِتَفْسِيقِهِ لِلصَّحَابَةِ فَاسِقًا " مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ ".
وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ فِي تَنَازُعِ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي تَنَازُعِهِمْ هَلْ نَقَلَهُمْ عَنِ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، أَنَّهُمْ عَلَى اسْتِدَامَةِ حُكْمِ الرَّسُولِ فِيهِمْ مِنَ الْقَطْعِ بِعَدَالَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَلَا يُكْشَفُ عَنْ سَرَائِرِهِمْ فِي رِوَايَةِ خَبَرٍ وَلَا فِي ثُبُوتِ شَهَادَةٍ.
اسْتِدَامَةً لِحُكْمِ الصُّحْبَةِ فِيهِمْ، وَمَنْ فَسَّقَ أَحَدَهُمْ كَانَ بِتَفْسِيقِهِ فَاسِقًا، لِأَنَّهُمْ فِي التَّنَازُعِ مُتَأَوِّلُونَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ صَارُوا بَعْدَ التَّنَازُعِ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْصَارِ عُدُولًا فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
وَزَالَ عَنْهُمُ الْقَطْعُ بِعَدَالَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ إِلَّا بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْ عَدَالَةِ بَاطِنِهِ.
وَمَنْ فَسَّقَ أَحَدَهُمْ لَمْ يَفْسُقْ بِتَفْسِيقِهِ، وَكَانَ عَلَى عَدَالَتِهِ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ، لِأَنَّهُمُ انْتَقَلُوا بِالتَّنَازُعِ عَنِ الْأُلْفَةِ إِلَى التَّقَاطُعِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ". وَقَدْ أَحْدَثَ التَّنَازُعُ فِيهِمْ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ.
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا تُفْضِيَ بِهِ الْمُخَالَفَةُ إِلَى الْقَدْحِ فِي الصَّحَابَةِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُفْضِيَ بِهِ الْمُخَالَفَةُ إِلَى الْبَغْيِ عَلَى إِمَامِهِ بِمُشَاقَّتِهِ وَخَلْعِ طَاعَتِهِ بِشُبْهَةٍ تَأَوَّلَ بِهَا فَسَادَ إِمَامَتِهِ، فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ فَيَكُونَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْعَدْلِ.
فَلَهُ فِي قِتَالِهِ حالتان:
إحداهما: أن يبتدىء بِقِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَيَفْسُقَ بِمَا ابْتَدَأَهُ مِنْ قِتَالِهِمْ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِتَعَدِّيهِ بِالْقِتَالِ.
مَعَ خَطَئِهِ فِي الِاعْتِقَادِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبْدَأَ أَهْلُ الْعَدْلِ بِالْقِتَالِ فَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ قِتَالَهُمْ فَلَهُ فِي قِتَالِهِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُدْعَى إِلَى الطَّاعَةِ لِيُكَفَّ عَنْهُ، فَيَمْتَنِعَ مِنْهَا.
فَيَفْسُقَ بِقِتَالِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا بِإِظْهَارِ الطَّاعَةِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُبْدَأَ بِالْقِتَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ إِلَى الطَّاعَةِ، فَلَا يَفْسُقَ بِقِتَالِهِ لِأَنَّهُ دَافَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ أَمْضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُ أَحْكَامَ مَنْ بَغَى عَلَيْهِ فِي قِتَالِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ.
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لا يفضى بِهِ الْمُخَالَفَةُ إِلَى الْبَغْيِ فِي مُشَاقَّةِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُفْضِيَ بِهِ الْمُخَالَفَةُ إِلَى مُنَابَذَةِ مُخَالِفِيهِ بِالتَّحَزُّبِ وَالتَّعَصُّبِ.
فله حالتان:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَبْدَأَ بِهَا لِيَسْتَطِيلَ عَلَى مُخَالِفِيهِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ فِسْقًا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ اعْتِقَادِ الْخَطَأِ وَأَفْعَالِ السُّفَهَاءِ فَيُفَسَّقُ بِفِسْقِهِ لَا بِمُعْتَقَدِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْتَدْفِعَ بِهَا مُنَابَذَةَ خُصُومِهِ، فَإِنْ وَجَدَ إِلَى دَفْعِهِمْ بِغَيْرِ الْمُنَابَذَةِ سَبِيلًا، صَارَ بِالْمُنَابَذَةِ سَفِيهًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَى دَفْعِهِمْ بِغَيْرِهَا سَبِيلًا، فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يَسْتَضِرَّ بِاحْتِمَالِهَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا فَيَكُونَ بِفِعْلِهَا سَفِيهًا تُرَدُّ شُبَهَاتُهُ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْتَضِرَّ بِهَا فَيَكُونَ فِي دَفْعِهَا بِالْمُقَابَلَةِ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شهادته، ولأن دفع الضرر عذر مستباح لقوله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ".
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا تُفْضِيَ بِهِ الْمُخَالَفَةُ إِلَى الْمُنَابَذَةِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْتَقِدَ بِتَصْدِيقِ مُوافِقِيهِ فِي دَعَاوِيهِمْ، وَيَشْهَدَ لَهُمْ بِهَا عَلَى خُصُومِهِمْ كَالْخَطَّابِيَّةِ.
يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ لَمْ يَكْذِبْ فَيُصَدِّقُوهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَشَهِدُوا لَهُ عَلَى خَصْمِهِ إِنْ أَنْكَرَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَظْهِرُ بِإِحْلَافِهِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَظْهِرُ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ.
وَهِيَ فِي الْحَالَتَيْنِ شَهَادَةُ زُورٍ تَسْقُطُ بِهَا عَدَالَتُهُ وَتُرَدُّ بِهَا شَهَادَتُهُ، لِأَنَّهُ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِلا مَنْ شهد بالحق وهم يعلمون﴾ .
(فَصْلٌ)
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَعْتَقِدَ بِتَصْدِيقِ مُوافِقِيهِ عَلَى مُخَالِفِيهِ، وَيَتَحَفَّظَ فِي الشَّهَادَةِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، حَتَّى يَعْلَمَهَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا، فَهُمْ أَسْلَمُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ طَرِيقًا، وَهُمْ صِنْفَانِ:
صِنْفٌ يَرَوْنَ تَغْلِيظَ الْمَعَاصِي، فَيَجْعَلُهَا بَعْضُهُمْ شِرْكًا وَيَجْعَلُهَا أَهْلُ الْوَعِيدِ خُلُودًا.
وَصِنْفٌ يَرَوْنَ تَخْفِيفَ الْمَعَاصِي فِي إِرْجَائِهَا وَتَفْوِيضِهَا.
وَكِلَا الصِّنْفَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ سَوَاءٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَشَهَادَةُ مَنْ يرى كذبه شركا بالله ومعصية تجب بها النَّارُ، أَوْلَى أَنْ تَطِيبَ النَّفْسُ بِقَبُولِهَا مِنْ شَهَادَةِ مَنْ يُخَفِّفُ الْمَأْثَمَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا أولى من
شَهَادَةِ أَهْلِ الْحَقِّ فِيهَا يَعْنِي أَنَّ شَهَادَةَ مَنْ يُغَلِّظُ الْمَعَاصِي مِنْ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ أَوْلَى أَنْ تَطِيبَ النَّفْسُ بِهَا مِنْ شَهَادَةِ مَنْ يُخَفِّفُهَا.
فَصَارَ هَذَا التَّفْصِيلُ مُفْضِيًا إِلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ لِسِتَّةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَا انْتَحَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَدْفَعَهُ إِجْمَاعٌ مُنْعَقِدٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُفْضِيَ إِلَى الْقَدْحِ فِي الصَّحَابَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يُقَاتِلَ عَلَيْهِ وَلَا يُنَابِذَ فِيهِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَرَى تَصْدِيقَ مُوافِقِهِ عَلَى مُخَالِفِهِ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُمْ مَرْضِيَّةً، وَتَحَفُّظُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ ظَاهِرٌ فَهَذَا حُكْمُ مَا تَعَلَّقَ بِالْآرَاءِ وَالنِّحَلِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي أَحْكَامِ الْفُرُوعِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا ضَلَّ بِهِ.
وَالثَّانِي: مَا أَخْطَأَ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: مَا سَاغَ لَهُ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا ضَلَّ بِهِ، فَهُوَ أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ إِجْمَاعَ الْخَاصَّةِ دُونَ الْعَامَّةِ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنْ لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَأَنْ لَا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، فَالْمُخَالِفُ فِيهِ ضَالٌّ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ وَرَدِّ شَهَادَتِهِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا أَخْطَأَ فِيهِ: فَهُوَ مَا شَذَّ الْخِلَافُ فِيهِ وَعَدَلَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَنْهُ، كَاسْتِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ، وَبَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ نَقْدًا، وَمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ " فِي الْوُضُوءِ ".
وَقَطْعِ [يَدِ] السَّارِقِ مِنَ الْمَنْكِبِ، فَهَذَا خِلَافٌ شَذَّ قَائِلُهُ، وَظَهَرَ فِيهِ خَطَؤُهُ، وَلِأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مَنْسُوخٍ كَالْمُتْعَةِ، وَبَيْنَ مَا تَوَالَى فِيهِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ كَالرِّبَا فِي النَّقْدِ وَالنِّسَاءِ.
وَبَيْنَ مَا ضَعُفَ فِيهِ التَّأْوِيلُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وَقَطْعِ السَّارِقِ مِنَ الْمَنْكِبِ، فَحُكِمَ بِخَطَئِهِ لِظُهُورِ الدَّلِيلِ عَلَى فَسَادِهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ حَدَّ الضَّلَالِ لِلشُّبْهَةِ الْمُعْتَرِضَةِ فِي احْتِمَالِهِ، فَيَكُونُ الْمُخَالِفُ فِيهِ على عدالته وقبول شَهَادَتَهُ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا سَاغَ الْخِلَافُ فِيهِ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ فَهُوَ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْمَنَاكِحِ الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدٌّ وَكَانَ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ، فَلَا يَتَبَايَنُ فِيهِ الْمُخْتَلِفُونَ، وَلَا يَتَنَابَذُ فِيهِ الْمُتَنَازِعُونَ،
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَجْهٌ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ جَعَلَ جَمِيعَ أَقَاوِيلِهِمْ حَقًّا، وَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَطَأً.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُحِقًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَمِيعِ أَقَاوِيلِهِمْ مُحِقًّا.
وَهُوَ أَسْهَلُ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ وَجَمِيعُهُمْ عَلَى الْعَدَالَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ.
فَهَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عَدَالَةِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.
أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ جَمِيعِهِمْ.
وَلَا رَدَّ شَهَادَةَ جَمِيعِهِمْ حَتَّى
فَصَّلْ
نَاهُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ مَذْهَبُهُ وَأَوْجَبَتْهُ أُصُولُهُ.
فَأَوْضَحْنَا بِهَا مَنْ كَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ وَمَرْدُودَهَا.
وَخَالَفَهُ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ.
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَخَفَّفَ الْأَمْرَ فِيهَا وَأَجَازَ شَهَادَةَ كُلِّ مَنْ أُطْلِقَ اسْمُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَاعْتَبَرَ الْعَدَالَةَ بِالْأَفْعَالِ دُونَ الِاعْتِقَادِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَشَدَّدَ الْأَمْرَ فِيهَا فَرَدَّ شَهَادَةَ جَمِيعِهِمْ وَاقْتَصَرَ بِالْعَدَالَةِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْلَيْهِمَا مَدْفُوعٌ بِمَا أَوْضَحْنَا مِنْ دَلَائِلِ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ في اللعب بالشطرنج والحمام] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَاللَّاعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالْحَمَامِ بِغَيْرِ قِمَارٍ وَإِنْ كَرِهْنَا ذلك أخف حالا (قال المزني) رحمه الله فكيف يحد من شرب قليلا من نبيذ شديد ويجيز شَهَادَتَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ.
وَالثَّانِي: فِي اللعب بالحمام.
فأما اللعب الشِّطْرَنْجِ فَالْكَلَامُ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي إِبَاحَتِهَا وَحَظْرِهَا.
وَالثَّانِي: فِي عَدَالَةِ اللَّاعِبِ بِهَا وَجَرْحِهِ.
فَأَمَّا إِبَاحَتُهَا وَحَظْرُهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، أَنَّهَا حَرَامٌ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَغْلِيظٍ يُوجِبُ الْمَنْعَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ التَّحْرِيمِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً كَمَا قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا بِمُغَلَّظَةِ الْكَرَاهَةِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَرِهْنَا ذَلِكَ، وَأَرَادَ بِهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَا تَعُودُ كَرَاهَتُهُ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَعُودُ كَرَاهَتُهُ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ اللَّعِبِ.
وَالثَّانِي: تَعُودُ كَرَاهَتُهُ إِلَى مَا يَحْدُثُ عَنْهَا مِنَ الْخَلَاعَةِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ حَظَرَهَا وَحَرَّمَهَا بِمَا رَوَاهُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنِ الْلَعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ ".
وَبِمَا رُوِيَ [عَنِ النَّبِيِّ]- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " كُلُّ اللَّعِبِ حَرَامٌ إِلَّا لَعِبَ الرَّجُلِ بِقَوْسِهِ وَلَعِبَهُ بِفَرَسِهِ وَلَعِبَهُ مَعَ زَوْجَتِهِ ". فَعَمَّ تَحْرِيمَ اللَّعِبِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ.
فَكَانَ الشِّطْرَنْجُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ التَّحْرِيمِ وَخَارِجًا مِنِ اسْتِثْنَاءِ الْإِبَاحَةِ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ؟ وَأَلْقَى فِيهَا كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَدَلَّ تَشْبِيهُهُ لَهَا بِالْأَصْنَامِ عَلَى تَحْرِيمِهَا كَالْأَصْنَامِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْهَا فقال: أحق هي؟ قيل: لا.
قال: فما بعد الحق إلا الضلالة فَأَنَّى تَصْرِفُونَ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَبَاحَهَا وَحَلَّلَهَا: بِانْتِشَارِهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِقْرَارًا عَلَيْهَا، وَعَمَلًا بِهَا، فَرَوَى الْخَطِيبُ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْنَا وَلَا يَنْهَانَا.
وَرَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقَالَ: ادْفَعْ ذَا وَدَعْ ذَا.
وَرَوَى أَبُو رَاشِدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَدْعُو غُلَامًا فَيُلَاعِبُهُ بِالشِّطْرَنْجِ.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ الشِّطْرَنْجَ ويلعب بها.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ.
فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَقَرُّوا عَلَيْهَا وَلَعِبُوا بِهَا.
وَأَمَّا التَّابِعُونَ: فَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ بِهَا.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ بِهَا اسْتِدْبَارًا.
قَالَ الْمُزَنِيُّ: فَقُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ: فَكَيْفَ كَانَ يَلْعَبُ بِهَا اسْتِدْبَارًا؟ فَقَالَ: كَانَ يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ وَيَقُولُ لِلْغُلَامِ: بِمَاذَا دَفَعَ؟ فَيَقُولُ: بِكَذَا.
فَيَقُولُ: ائْتِ بِكَذَا.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يُلَاعِبُ أَهْلَهُ بِالشِّطْرَنْجِ.
وَرَوَى أَبُو لُؤْلُؤَةَ قَالَ: رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
وَرَوَى رَاشِدُ بْنُ كَرَيْبٍ قَالَ: رَأَيْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أُقِيمَ قَائِمًا فِي لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ.
وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَقَالَ: هِيَ لُبُّ الرِّجَالِ.
وَإِذَا اشْتُهِرَ هَذَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَدْ عَمِلَ بِهِ مَعَهُمْ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَفُضَلَائِهِمْ، مَنْ حَذَفْنَا ذِكْرَهُمْ إِيجَازًا، خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْحَظْرِ وَكَانَ بِالْإِجْمَاعِ أَشْبَهَ.
وَلَيْسَ إِنْكَارُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهَا لِأَجْلِ حَظْرِهَا.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا الْأَذَانَ وَهُمْ مُتَشَاغِلُونَ عَنْهَا.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَخِفُّونَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا.
وَمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ مُرْسَلٌ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَا يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا عَلَى مَا اسْتَثْنَاهُ الرَّسُولُ مِنَ اللَّعِبِ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَنْبِيهًا عَلَى مَكَائِدِ الْحَرْبِ وَوُجُوهِ الْحَزْمِ وَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ.
وَمَا بَعَثَ عَلَى هَذَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ نَدْبًا مُسْتَحَبًّا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ حَظْرًا مُحَرَّمًا.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا عَنْ عَدَالَةِ اللَّاعِبِ بِهَا فَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَدَالَتَهُ سَاقِطَةٌ وَشَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ لَعِبَ بِهَا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مُوجِبِ رَدِّهَا، فَرَدَّهَا مَالِكٌ لِحَظْرِهَا، وَرَدَّهَا أَبُو حَنِيفَةَ لِتَغْلِيظِ كَرَاهَتِهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَدَالَتَهُ وَجَرْحَهُ مُعْتَبَرٌ بِصِفَةِ لَعِبِهِ بِهَا، فَإِنْ خَرَجَ بِهَا إِلَى خَلَاعَةِ أَهْلِهَا أَوْ قَامَرَ عَلَيْهَا أَوْ تَشَاغَلَ عَنِ الصَّلَاةِ بِهَا خَرَجَ عَنِ الْعَدَالَةِ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِهَا لَا بِنَفْسِ اللَّعِبِ وَأَمَّا الْخَلَاعَةُ فَهُوَ أَنْ يَسْتَخِفَّ عَلَيْهَا بِلَغْوِ الْكَلَامِ، وَأَنْ يَلْعَبَ بِهَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَأَنْ يَنْقَطِعَ إِلَيْهَا لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ حَتَّى يَلْهُوَ بِهَا عَمَّا سِوَاهَا.
وَأَمَّا الْقِمَارُ فَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْعِوَضِ عَلَيْهَا إِنْ غَلَبَ، أَوْ يَدْفَعُهُ مِنَ الْعِوَضِ عَنْهَا إِنْ غُلِبَ لِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى الْقِمَارَ نَصًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] .
وَالْمَيْسِرُ هُوَ الْقِمَارُ وَالْقِمَارُ مَا لَمْ يَحِلَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آخِذًا أَوْ مُعْطِيًا فَيَأْخُذُ إِنْ كَانَ غَالِبًا وَيُعْطِي إِنْ كَانَ مَغْلُوبًا.
فَأَمَّا إِنْ عَدَلَا عَنْهُ إِلَى حُكْمِ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ، بِأَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُ الْمُتَلَاعِبَيْنِ بِإِخْرَاجِ الْعِوَضِ دُونَ صَاحِبِهِ لِيُؤْخَذَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مَغْلُوبًا وَلِيَسْتَرْجِعَهُ إِنْ كَانَ غَالِبًا، وَيَكُونَ الْآخَرُ آخِذًا إِنْ كَانَ غَالِبًا وَغَيْرَ مُعْطٍ إِنْ كَانَ مَغْلُوبًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ فِي الشِّطْرَنْجِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِهِ فِي السَّبْقِ وَالرَّمْيِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِهِمْ في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ ".
هَلْ هُوَ أَصْلٌ بِذَاتِهِ أَوِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ جُمْلَةِ مَحْظُورٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الشِّطْرَنْجِ قِيَاسًا عَلَى السَّبْقِ وَالرَّمْيِ.
لِجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلِ النَّصِّ.
وَلَا يَكُونُ إِخْرَاجُ هَذَا الْعِوَضِ فِي الشِّطْرَنْجِ مَحْظُورًا فَلَا يَكُونُ بِهِ مَجْرُوحًا.
وَالْوَجْهُ الثاني: أن السبق والرمي مستثنا مِنْ جُمْلَةٍ مَحْظُورَةٍ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الشِّطْرَنْجِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَكُونُ عَلَى الْأَصْلِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَكُونُ إِخْرَاجُ هَذَا الْعِوَضِ فِي الشِّطْرَنْجِ مَحْظُورًا وَيَصِيرُ بِإِخْرَاجِهِ مَجْرُوحًا.
وَأَمَّا تَشَاغُلُهُ بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ وَقْتُهَا فَيَنْقَطِعَ بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَفُوتَ.
فَإِنْ ذَكَرَهَا وَعَلِمَ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ.
فَقَدْ فسق، ولو كان دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ حَتَّى فَاتَ، فَإِنْ كَانَ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَفْسُقْ بِهِ.
وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَكَثُرَ فَسَقَ بِهِ وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الْفِكْرِ حَتَّى تَكَرَّرَ مِنْهُ نِسْيَانُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا حَتَّى فَاتَ، لَمْ يَفْسُقْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْفِكْرِ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا طَرَأَ، فَلَمْ يَفْسُقْ إِذَا كَثُرَ بِهِ نِسْيَانُ الصَّلَاةِ.
وَلَعِبُ الشِّطْرَنْجِ مِنْ فِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ فَيَفْسُقُ إِذَا كَثُرَ بِهِ نِسْيَانُ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا إِذَا تَجَرَّدَ لَعِبُ الشِّطْرَنْجِ عَمَّا يَفْسُقُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَاسْتَرْوَحَ بِهِ فِي أَوْقَاتِ خَلَوَاتِهِ، مُسْتَخْفِيًا بِهِ عَنِ الْمُحْتَشِمِينَ، فَكَانَ لَعِبُهُ بِهِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا لِيَشْفِيَ بِهِ هَمًّا وَيَسْتَحْدِثَ بِهِ رَاحَةً، وَإِمَّا لِيَرْتَاضَ بِهِ فِي تَدْبِيرِهِ وَجَزَالَةِ رَأْيِهِ وَصِحَّةِ حَزْمِهِ فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شهادته.