الحاوي الكبيرصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْعِتْق

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ عِتْقَ النِّصْفِ جَزَّأُوا جُزْأَيْنِ، لِأَنَّ مَخْرَجَهُ مِنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ عَلَى هَذَا.
وَأَمَّا التَّعْدِيلُ فَمُعْتَبَرٌ بِأَعْدَادِ الْعَبِيدِ وَقِيَمِهِمْ، وَهُمْ فِي الْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: أَحَدِهَا: أَنْ يُوَافِقَ عَدَدُهُمْ مَخْرَجَ الثُّلُثِ، وَتَتَسَاوَى قِيَمُهُمْ، فَيَكُونُوا فِي مُوَافَقَةِ الْعَدَدِ ثَلَاثَةً، أَوْ سِتَّةً، أَوْ تِسْعَةً، وَتَكُونُ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانُوا سِتَّةً جُعِلَ كُلُّ اثْنَيْنِ جُزْءًا، وَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مُعْتَبَرًا بِرَأْيِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُتَنَاسِبَانِ أَخَوَانِ أَوْ أَبٌ وَابْنٌ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى مِنَ التَّفْرِقَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ أَمَتَانِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى مِنَ التَّفْرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ زَوْجَانِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى مِنَ التَّفْرِقَةِ؛ فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَيْنِ جَازَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةٌ مَعَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي التَّجْزِئَةِ، لِئَلَّا تَخْتَلِفَ أَحْكَامُهُمَا، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، فَتَوَلَّهَ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ.
وَإِنَّ فُرِّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَجَوَازِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ وَالْأَمَتَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ فِي التَّجْزِئَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُفَرَّقَ فِيهَا بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، لِيَجْتَمِعَا عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَلَا يَخْتَلِفَانِ فِيهَا، فَيُفْضِي إِلَى فَسْخِ النِّكَاحِ الْمَعْقُودِ فِي التَّفْرِقَةِ بين الأخوين والأمتين.
فإذا جزأوا أَثْلَاثًا، وَجُمِعَ بَيْنَ كُلِّ جُزْأَيْنِ اثْنَيْنِ كَانَ الْحَاكِمُ فِي الْإِخْرَاجِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْتُبَ فِي الرِّقَاعِ الْأَسْمَاءَ، وَيُخْرِجَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَيَكْتُبُ سَالِمًا وَغَانِمًا فِي رُقْعَةٍ، وَنَافِعًا وَبِلَالًا فِي أُخْرَى، وَنَجَاحًا وَإِقْبَالًا فِي الثَّالِثَةِ.
وَهُوَ فِيمَا يَقُولُهُ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَوْلَاهُمَا وَأُعَجَلُهُمَا إِلَى فَصْلِ الْحَكَمِ،: أَنْ يَقُولَ: أَخْرِجْ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ أَحَدُ الْأَجْزَاءِ أُعْتِقَ مَنْ فِيهَا، وَرَقَّ مَنْ فِي الْجُزْأَيْنِ الْآخَرَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْعِتْقِ مَا يَخْرُجُ لِأَجْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: أَخْرِجْ عَلَى الرِّقِّ، فَإِذَا خَرَجَ أَحَدُ الْأَجْزَاءِ رَقَّ مَنْ فِيهِ، وَبَقِيَ جُزْءَانِ أَحَدُهُمَا رَقِيقٌ، وَالْآخَرُ حُرٌّ وَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ: أَخْرِجْ عَلَى الرِّقِّ، فَيَرِقُّ مَنْ فِيهِ، وَيُعْتَقُ مَنْ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: أَخْرِجْ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، فَيُعْتَقُ مَنْ فِيهِ، وَيَرِقُّ مَنْ فِي الْجُزْءِ الْبَاقِي.

وَالْخِيَارُ الثَّانِي: أَنْ يَكْتُبَ فِي الرِّقَاعِ الْحُرِّيَّةَ وَالرِّقَّ، وَيُخْرِجُ عَلَى الْأَسْمَاءِ، فَيَكْتُبُ فِي رُقْعَةٍ عتقا، وفي رقعتين رقا.
ويقول: خرج لِسَالِمٍ وَغَانِمٍ.
فَإِنْ خَرَجَ لَهُمَا سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَا، وَرَقَّ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقُونَ، وَإِنْ خَرَجَ لَهُمَا سَهْمُ الرِّقِّ رَقَّا، وَقَالَ: أَخْرِجْ لِنَافِعٍ وَبِلَالٍ فَإِنْ خَرَجَ لَهُمَا سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَا، وَرَقَّ الْآخَرَانِ، وَإِنْ خَرَجَ لَهُمَا سَهْمُ الرِّقِّ رَقَّا، وَعَتَقَ الْآخَرَانِ.
فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي تَجْزِئَتِهِ وَإِخْرَاجِهِ.

فَصْلٌ

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُوَافِقَ الْعَدَدُ، وَتَخْتَلِفَ الْقِيَمُ، وَيُمْكِنَ التَّعْدِيلُ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونُوا سِتَّةً، قِيمَةُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ مِائَتَانِ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ.
فَإِذَا جُمِعَتْ قِيَمُهُمْ كَانَتْ تِسْعَمِائَةٍ ثُلُثُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ فَيُجْعَلُ الْعَبْدَانِ اللَّذَانِ قِيمَتُهُمَا ثَلَاثُمِائَةِ سَهْمًا وَنَضُمُّ وَاحِدًا مِنَ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا مِائَتَانِ إِلَى أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَيُجْعَلُ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا سَهْمًا قِيمَتُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ فَتَتَعَدَّلُ السِّهَامُ الثَّلَاثَةُ فِي الْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ، ثُمَّ الْحَاكِمُ فِي الْإِخْرَاجِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَتْبِ الْأَسْمَاءِ وَالْإِخْرَاجِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَبَيْنَ كَتْبِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالْإِخْرَاجِ عَلَى الْأَسْمَاءِ.

فَصْلٌ

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوَافِقَ الْعَدَدُ، وَتَخْتَلِفُ الْقِيَمُ، وَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونُوا سِتَّةً، قِيمَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ ثَلَاثَةٍ مِائَةٌ، فَمَجْمُوعُ قِيَمِهِمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُجَزَّأُ سِهَامُهُمْ عَلَى الْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ، فَنَجْعَلُ الْعَبْدَ الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةٌ سَهْمًا، وَنَجْعَلُ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا مِائَةٌ سَهْمًا، وَنَجْعَلُ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ قِيْمَتُهُمْ مِائَةٌ سَهْمًا، وَكَانَ الْإِخْرَاجُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْخِيَارَيْنِ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى الْوَاحِدِ الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةٌ عَتَقَ، وَرَقَّ الْخَمْسَةُ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا مِائَةٌ عَتَقَا، وَرَقَّ الْأَرْبَعَةُ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ قِيمَتُهُمْ مِائَةٌ عَتَقُوا، وَرَقَّ الثَّلَاثَةُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فَجَزَّأَهُمْ عَلَى الْعَدَدِ دُونَ الْقِيمَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَقْرَع عَلَى الْعَدَدِ دُونَ الْقِيمَةِ، فَكَانَ الْعَدَدُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا مِنَ الْقِيمَةِ فَنَجْعَلُ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا مِائَةٌ سَهْمًا، وَيُضَمُّ أَحَدُ الْعَبِيدِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ قِيمَتُهُمْ مِائَةٌ إِلَى الْعَبْدِ الَّذِي قِيمَتْهُ مِائَةٌ، فَيَصِيرُ سَهْمُهُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، وَسَهْمُ الْبَاقِينَ أَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى الْعَبْدَيْنِ الْمُقَوَّمِ أَحَدُهُمَا بِمِائَةٍ وَالْآخَرُ بِثُلُثِ الْمِائَةِ رَقَّ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقُونَ فَصَارَ سَهْمُ الْعِتْقِ خَارِجًا على أكثر من الثلث، فلم ينقذ الْعِتْقُ فِي جَمِيعِهَا لِزِيَادَتِهِمَا عَلَى الثُّلُثِ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا قُرْعَةً ثَانِيَةً، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ على

الْعَبْدَيْنِ الْمُقَوَّمِ أَحَدُهُمَا بِمِائَةٍ وَالْآخَرُ بِثُلُثِ الْمِائَةِ رَقَّ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقُونَ فَصَارَ سَهْمُ الْعِتْقِ خَارِجًا على أكثر من الثلث، فلم ينقذ الْعِتْقُ فِي جَمِيعِهِمَا لِزِيَادَتِهِمَا عَلَى الثُّلُثِ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا قُرْعَةً ثَانِيَةً، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ على المقوم بمائة عتق، ورق الآخر، وإن خَرَجَ عَلَى الْمُقَوَّمِ بِثُلُثِ الْمِائَةِ عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَثُلُثَا الْآخَرِ لِاسْتِكْمَالِ الثُّلُثِ، وَرَقَّ ثُلُثُهُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ، لِمَا تَقْضِي إِلَيْهِ مِنْ إِعَادَةِ الْقُرْعَةِ مِرَارًا أَوْ تَبَعُّضِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ.

فَصْلٌ

وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَخْتَلِفَ قِيَمُهُمْ، وَلَا يُوَافِقَ عَدَدُهُمْ، وَيُمْكِنَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونُوا ثَمَانِيَةً: قِيمَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ ثَلَاثَةٍ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ أَرْبَعَةٍ مِائَةٌ، فَمَجْمُوعُ قِيمَتِهِمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، فيجزأون عَلَى الْقِيَمِ دُونَ الْعَدَدِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَافَقَ عَلَيْهِ مَنْ خَالَفَ فِيمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْعَدَدَ لما لم لو يُوَافِقْ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ مَا يَعْدِلُ مِنَ الْقِيمَةِ فَنَجْعَلُ الْعَبْدَ الْمُقَوَّمَ بِمِائَةٍ سَهْمًا، وَالثَّلَاثَةَ الْمُقَوَّمِينَ بِمِائَةٍ سَهْمًا، وَالْأَرْبَعَةَ الْمُقَوَّمِينَ بِمِائَةٍ سَهْمًا، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى الْوَاحِدِ الْمُقَوَّمِ بِمِائَةٍ عَتَقَ وَرَقَّ السَّبْعَةُ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمُقَوَّمِينَ بِمِائَةٍ عَتَقُوا، وَرَقَّ الْخَمْسَةُ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمُقَوَّمِينَ بِمِائَةٍ عَتَقُوا، وَرَقَّ الْأَرْبَعَةُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةٌ، وَقِيمَةُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ جُعِلَا سَهْمَيْنِ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْمُعْتَقِ عَلَى الْمُقَوَّمِ بِمِائَةِ عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَرَقَّ جَمِيعُ الْآخَرِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى الْمُقَوَّمِ بِمِائَتَيْنِ عَتَقَ نِصْفُهُ، وَرَقَّ نِصْفُهُ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ.

فَصْلٌ

وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ تَخْتَلِفَ قِيَمُهُمْ، وَلَا يُوَافِقَ عَدَدَهُمْ، فَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ فِي الْقِيمَةِ وَلَا فِي الْعَدَدِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونُوا خَمْسَةً: قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ الثَّانِي مِائَتَانِ، وَقِيمَةُ الثَّالِثِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَقِيمَةُ الرَّابِعِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَقِيمَةُ الْخَامِسِ خَمْسُمِائَةٍ، فَمَجْمُوعُ قِيَمِهِمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ ثُلُثُهَا خَمْسُمِائَةٍ، فَفِي الْإِقْرَاعِ بَيْنَهُمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِمُ التَّعْدِيلُ، لِتَعَذُّرِهِ فِي الْقِيمَةِ وَالْعَدَدِ، وَتُكْتَبُ أَسْمَاؤُهُمْ فِي رِقَاعٍ بِعَدَدِهِمْ، وَتُخْرَجُ عَلَى الْعِتْقِ، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ الْمُقَوَّمِ بِخَمْسِمِائَةٍ عَتَقَ، وَرَقَّ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقُونَ، وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ الْمُقَوَّمِ بِأَرْبَعِمِائَةٍ عَتَقَ، وَبَقِيَ بَعْدَهُ مِنَ الثُّلُثِ مِائَةٌ، فَيُخْرَجُ اسْمٌ آخَرُ، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ الْمُقَوَّمِ بِثَلَاثِمِائَةٍ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُهُ، وَرَقَّ ثُلُثَاهُ، وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقُونَ، إِنْ خَرَجَ فِي الِابْتِدَاءِ اسْمُ الْمُقَوَّمِ بِثَلَاثِمِائَةٍ عَتَقَ، وَبَقِيَ بَعْدَهُ مِنَ الثُّلُثِ مِائَتَانِ، فَيُخْرَجُ اسْمٌ آخَرُ، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ الْمُقَوَّمِ بِمِائَتَيْنِ عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَرَقَّ الثَّلَاثَةُ الْبَاقُونَ، وَلَوْ

خَرَجَ فِي الِابْتِدَاءِ سَهْمُ الْمُقَوَّمِ بِمِائَتَيْنِ عَتَقَ، وَبَقِيَ بَعْدَهُ مِنَ الثُّلُثِ ثَلَاثُمِائَةٍ فَيُخْرَجُ اسْمٌ آخَرُ، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ الْمُقَوَّمِ بِمِائَةٍ عَتَقَ، وَبَقِيَ بَعْدَهُ مِنَ الثُّلُثِ مِائَتَانِ، فَيُخْرَجُ اسْمٌ آخَرُ، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ الْمُقَوَّمِ بِخَمْسِمِائَةٍ عَتَقَ مِنْهُ خُمْسَاهُ، وَرَقَّ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ الِاثْنَانِ الْبَاقِيَانِ، ثم على هذا القياس.
والقول الثاني: يجزأون ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ عَلَى الْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ فَيُجْعَلُ الْمُقَوَّمُ بِخَمْسِمِائَةٍ سَهْمًا، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْمُقَوَّمِ بِأَرْبَعِمِائَةٍ، وَالْمُقَوَّمِ بِمِائَةٍ، فَيُجْعَلُ سَهْمًا ثَانِيًا وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمُقَوَّمِ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَالْمُقَوَّمِ بِمِائَتَيْنِ، فَيُجْعَلُ سَهْمًا ثَالِثًا، ثُمَّ يُخْرَجُ عَلَى الْعِتْقِ، فَأَيُّ السِّهَامِ خَرَجَ عَتَقَ مَنْ فِيهِ، وَقَدِ اسْتَكْمَلَ بِهِ الثُّلُثَ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ.

فَصْلٌ

وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: أَنْ تَتَسَاوَى قِيَمُهُمْ، وَلَا يُوَافِقَ عَدَدُهُمْ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةً قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ، فَمَجْمُوعُ قِيَمِهِمْ أَرْبَعُمِائَةٍ، ثُلُثُهَا مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، فَتُكْتَبُ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الرِّقَاعِ بِعَدَدِهِمْ قَوْلًا وَاحِدًا، فَإِذَا خَرَجَ اسْمُ أَحَدِهِمْ عَتَقَ، وَأُخْرِجَ اسْمٌ ثَانٍ فَأُعْتِقَ ثُلُثُهُ، وَرَقَّ ثُلُثَاهُ وَجَمِيعُ الْآخَرِينَ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِبَعْضِ رَقِيْقِهِ جُزِّئَ الرَقِيْقُ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ ثُمَّ جُزِّئُوا فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الدَّيْنِ بِيعُوا ثُمَّ أَقْرَعَ لِيَعْتِقَ ثُلُثَهُمْ بَعْدَ الدَّيْنِ وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِعْتُ مَنْ عَتَقَ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِ دَيْنٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي عِتْقٍ وَدَيْنٍ يَسْتَوْعِبَانِ التَّرِكَةَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَبِيدٌ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ، وَقَدْ أَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَوْعِبُ قِيَمَهُمْ أَوْ قِيمَةَ بَعْضِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَوْعِبًا لِقِيَمِهِمُ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعِتْقِ بِالدَّيْنِ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَبَعْدَهُ وَصِيَّةٌ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصَايَا، فَلِذَلِكَ بَطَلَ بِهِ حُكْمُ الْعِتْقِ، كَمَا بَطَلَ بِهِ حُكْمُ جَمِيعِ الْوَصَايَا وَالْمَوَارِيثِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَوْعِبٍ لِقِيَمِهِمُ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعِتْقِ فِيمَا قَابَلَ قَدْرَ الدَّيْنِ، وَكَانَ بَاقِيًا فِيمَا عَدَاهُ.
وَالدَّيْنُ خَارِجٌ مِنْ أَصْلِ التَّرِكَةِ، وَالْعِتْقُ مُعْتَبَرٌ مِنْ ثُلُثِهَا، فَتَصَوُّرُ الْمَسْأَلَةِ فِي أَسْهَلِ أَمْثِلَتِهَا، لِيَكُونَ مِثَالًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعَةُ عَبِيدٍ يَعْتِقُهُمْ فِي مَرَضِهِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، وَقِيمَةُ كُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَيَمُوتُ وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ دَيْنًا، فَلِظُهُورِ الدَّيْنِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَظْهَرَ قَبْلَ تَحْرِيرِ الْعِتْقِ بِالْقُرْعَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: بَعْدَ تَحْرِيرِهِ بِهَا.

فَإِنْ ظَهَرَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ وَجَبَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ ثُمَّ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ لِلْعِتْقِ فَإِنْ قِيلَ: فَقَضَاءُ الدَّيْنِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قُرْعَةٍ، كَمَا لَوِ اجْتَمَعَ الدَّيْنُ مَعَ الْوَصَايَا لَمْ يُقْرَعْ فِي التَّرِكَةِ بَيْنَ أَرْبَابِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا،.
قِيلَ: إِنَّمَا أُقْرِعَ فِي الدَّيْنِ مَعَ الْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يُقْرَعْ فِيهِ مَعَ الْوَصَايَا لِأَمْرَيْنِ: فَرْقٌ وَتَعْلِيلٌ.
فَأَمَّا الْفَرْقُ فَهُوَ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَمَّا اسْتُعْمِلَتْ فِي الْعِتْقِ إِذَا انْفَرَدَ، وَلَمْ تُسْتَعْمَلْ فِي الْوَصَايَا إِذَا انْفَرَدَتِ اسْتُعْمِلَتْ فِي الْعِتْقِ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي الْوَصَايَا إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الدَّيْنِ.
وَأَمَّا التَّعْلِيلُ: فَهُوَ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يُتْرَكُ بِالْعَجْزِ عَلَى إِشَاعَتِهِ حَتَّى يُمَيَّزَ بِالْقُرْعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاعَ مَا دَخَلَهُ الْعَجْزُ إِلَّا بِالْقُرْعَةِ وَالْوَصَايَا تُتْرَكُ بِالْعَجْزِ عَلَى إِشَاعَتِهَا، وَلَا تُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ، فَجَازَ أَنْ يُشَاعَ مَا دَخَلَهُ الْعَجْزُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.
وَإِذَا وَجَبَ الْإِقْرَاعُ لِلدَّيْنِ كَمَا وَجَبَ الْإِقْرَاعُ لِلْعِتْقِ، وَجَبَ تَقْدِيمُ الْإِقْرَاعِ لِلدَّيْنِ كَمَا وَجَبَ الْإِقْرَاعُ لِلْعِتْقِ، لِإِمْضَاءِ الْعِتْقِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْمَعَ فِي الْإِقْرَاعِ الْوَاحِدِ بَيْنَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْعِتْقِ، كَمَا وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِتَقْدِيمِ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصَايَا.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ تَزِيدَ قِيمَةُ مَنْ قَرَعَ فِي الدَّيْنِ، فَتُضَمُّ الزِّيَادَةُ إِلَى مَنْ أَفْرَدَ لِلْعِتْقِ أَوْ تُنْقَصَ الْقِيمَةُ، فَتُتَمَّمُ مِمَّنْ أُفْرِدَ لِلْعِتْقِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، فَمَعْلُومٌ مِنْ صُورَةِ مَا قُلْنَاهُ أَنَّ الدَّيْنَ مُقَابِلٌ لِرُبْعِ التَّرِكَةِ، لِأَنَّهُ مِائَةٌ وَالتَّرِكَةُ أَرْبَعُ مِائَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُجَزَّأُوا أَرْبَاعًا، وَيُكْتَبُوا فِي أَرْبَعِ رِقَاعٍ، وَالْمُقْرَعُ فِيهِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَهُمْ، وَيُخْرَجُ عَلَى الدَّيْنِ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ بِيعَ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُكْتَبَ فِي رُقْعَةٍ دَيْنًا، وَفِي ثَلَاثَةِ رِقَاعٍ تَرِكَةً، وَيُخْرَجَ عَلَى الْأَسْمَاءِ فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الدَّيْنِ بِيعَ فِيهِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْمَبِيعُ فِي الدَّيْنِ بِالْقُرْعَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَ الْبَاقِينَ فِي الْعِتْقِ إِلَّا بَعْدَ بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَزِيدَ قِيمَتُهُ، فَيُزَادُ عَلَى سِهَامِ الْعِتْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَنْقُصَ، فَتُتَمَّمُ مِنْ سِهَامِ الْعِتْقَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَهْلِكَ فَيُقْرَعُ لِلدَّيْنِ ثَانِيَةً مِنْ سِهَامِ الْعِتْقِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ التَّوَقُّفُ عَلَى الْإِقْرَاعِ لِلْعِتْقِ حَتَّى يُبَاعَ الْقَارِعُ فِي الدَّيْنِ، وَيُقْضَى بِثَمَنِهِ جَمِيعُ الدَّيْنِ ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ، فَيُعْتَقُ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْعِتْقِ، وَيُرَقُّ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ، فَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةَ عَبِيدٍ قِيمَتُهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَالدَّيْنُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، جُزِّئُوا فِي الدَّيْنِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَإِذَا خَرَجَتْ فِيهِ قُرْعَةُ أَحَدِهِمْ بِيعَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، لِأَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ.
وَثَلَاثَةٌ

وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ.
وَالْمِائَةُ الدَّيْنُ هِيَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، ويبقى عبدان، وربع قيمتهم ثلاثمائة فيجزأون ثلاثا، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ لِلْعِتْقِ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِ الْكَامِلِينَ عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَرَقَّ رُبْعُهُ مَعَ جَمِيعِ الْآخَرِ وَالرُّبْعُ الْبَاقِي مِنَ الْمَبِيعِ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى الرُّبْعِ الْبَاقِي مِنَ الْمَبِيعِ فِي الدَّيْنِ عَتَقَ، وَقُرِعَ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَأُعْتِقَ مِنَ الْقَارِعِ نِصْفُهُ، وَرَقَّ نِصْفُهُ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَإِذَا كَانَ ظُهُورُ الدَّيْنِ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْعِتْقِ بِالْقُرْعَةِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ الْأَرْبَعَةِ، فَيُعْتَقُ مِنْهُمْ عَبْدٌ وَثُلُثٌ، ثُمَّ تَظْهَرُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ دَيْنًا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ قَبْلَ الْقُرْعَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كِتَابِ (الْأُمِّ) أَنَّ قُرْعَةَ الْعِتْقِ مَاضِيَةٌ، وَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ بِمَا اسْتَرَقَّهُ الْوَرَثَةُ، وَهُوَ عَبْدَانِ وَثُلُثَا عَبْدٍ بِمِائَةٍ لِقَضَائِهِ لِلدَّيْنِ إِنْ لَمْ يَقْضُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَهُمْ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِ مَنْ شاؤوا مِنْهُمْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِمْ لِلْمُعْتِقِ، فَلَمْ يُحْتَجْ فِي بَيْعِهِ إِلَى قُرْعَةٍ، وَيَبْقَى مَعَهُمْ عَبْدَانِ وَثُلُثَانِ، وَقَدْ صَارَتِ التَّرِكَةُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ ثَلَاثَةَ عَبِيدٍ قِيمَتُهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، فَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ تَمَامُ حَقِّهِمْ فِي الثُّلُثَيْنِ ثُلُثُ عَبْدٍ، وَقَدْ خَرَجَ بِالْعِتْقِ عَبْدٌ وَثُلُثٌ، فَيُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالثُّلُثِ، لِيُسْتَرَقُّ مِنْهُمَا ثُلُثُ عَبْدٍ يَسْتَكْمِلُ بِهِ الْوَرَثَةُ ثُلُثَيِ التَّرِكَةِ، فَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الرِّقِّ عَلَى ثُلُثِ الْعَبْدِ رَقَّ لِلْوَرَثَةِ، وَتَحَرَّرَ عِتْقُ الْآخَرِ كُلِّهِ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى هَذَا الْآخَرِ الْكَامِلِ الْعِتْقِ قُرْعَةُ الرِّقِّ رَقَّ ثُلُثُهُ، وَعَتَقَ ثُلُثَاهُ وَالثُّلُثُ الْآخَرُ، وَصَارَ عِتْقُ الْعَبْدِ مُبَعَّضًا فِي عَبْدَيْنِ، فَهَذَا حُكْمُ الْوَجْهِ الأول في استيفاء حكم القرعة الأولة.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ قُرْعَةَ الْعِتْقِ تَبْطُلُ بِظُهُورِ الدَّيْنِ بَعْدَهَا، كَمَا كَانَتْ تَبْطُلُ بِظُهُورِ الدَّيْنِ قَبْلَهَا، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِ حَقِّهَا كَأَخَوَيْنِ اقْتَسَمَا تَرِكَةً ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمَا أَخٌ ثَالِثٌ بَطَلَتْ قِسْمَتُهُمَا، وَوَجَبَ أَنْ يَسْتَأْنِفَاهَا مَعَ الثَّالِثِ، فَعَلَى هَذَا تُنْقَضُ الْقُرْعَةُ، وَيَعُودُ مَنْ أُعْتِقَ بِهَا إِلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَيَبْتَدِئُ فَيُقْرِعُ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ للدين، فَيُبَاعُ فِيهِ أَحَدُهُمْ، وَيَبْقَى بَعْدَ الْمَبِيعِ فِي الدَّيْنِ ثَلَاثَةٌ يُسْتَحَقُّ عِتْقُ أَحَدِهِمْ، فَيُقْرِعُ بَيْنَهُمْ لِلْعِتْقِ، وَيُعتقُ مِنْهُمْ مَنْ قُرِعَ، وَيُرَقُّ الْآخَرَانِ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ تُحْفَظُ بِهِ حُرِّيَّةُ مَنْ عَتَقَ وَعُبُودِيَّةُ مَنْ رَقَّ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي قَدْ يُعْتَقُ بِهِ مَنْ رَقَّ، وَيَرِقُّ بِهِ مَنْ عَتَقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَلَوْ كَانَ الْعَبِيدُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى حَالِهِمْ، وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ دَيْنًا فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِلدَّيْنِ، وَبِيعَ فِيهِ أَحَدُهُمْ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ لِلْعِتْقِ، وَأُعْتِقَ أَحَدُهُمْ، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ اثْنَانِ مِنْهُمْ ثم ظهر عليه مئة دِرْهَمٍ ثَانِيَةٌ دَيْنًا، كَانَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ الْمُسْتَرَقَّيْنِ، وَيُسْتَرَقُّ مِنَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ ثُلُثُهُ، فَيَصِيرُ لِلْوَرَثَةِ عَبْدٌ وَثُلُثٌ، وَيُنْفَذُ بِالْعِتْقِ ثُلُثَا عَبْدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَبْطُلُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ، وَيُسْتَأْنَفُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لِلدَّيْنِ، فَإِذَا قَرَعَ فِيهِ أَحَدُهُمْ بِيعَ لِلدَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَ مَحْكُومًا بِعِتْقِهِ أَوْ بِرِقِّهِ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ، فَأُعْتِقَ بِهَا ثُلُثَا أَحَدِهِمَا، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثُهُ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ مِائَةٌ ثَالِثَةٌ دَيْنًا بَعْدَ مَا بِيعَ فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْمَذْهَبُ لَا تُنْقَضُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ، وَيُبَاعُ مِمَّا اسْتَرَقَّهُ لِلْوَرَثَةِ عَبْدٌ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَيَبْقَى مَعَهُمْ ثُلُثُ عَبْدٍ، فَيُسْتَرَقُّونَ مِنْ ثُلُثَيْ مَنْ عَتَقَ ثُلُثُهُ، لِيَصِيرَ لَهُمْ ثُلُثَا عَبْدٍ، وَلِلْعِتْقِ ثُلُثُ عَبْدٍ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: تُنْقَضُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ، وَيَعُودُ الْعَبْدَانِ الْآخَرَانِ إِلَى حُكْمِ الرِّقِّ، فَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَيَبْقَى الْآخَرُ، فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ.
وَلَوْ ظَهَرَتْ بَعْدَهَا مِائَةٌ رَابِعَةٌ دَيْنًا بِيعَ فِيهِ مَنْ أَعْتَقَ وَمَنْ رَقَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا لِاسْتِيعَابِ الدَّيْنِ جَمِيعَ التَّرِكَةِ، فَلَوْ كَانَتِ التَّرِكَةُ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، وَمَاتَ فَحُكِمَ بِعِتْقِ ثُلُثِهِ، وَرَقِّ ثُلُثَيْهِ لِوَرَثَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَدْرُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُنْقَضُ مَا حُكِمَ بِهِ مِنْ عِتْقِ ثُلُثِهِ وَيُبَاعُ جَمِيعُهُ فِي دَيْنِهِ، وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَأَعْتَقَ تُسْعَهُ، وَأَرَقَّ فِي الدَّيْنِ ثَمَانِيَةَ أَتْسَاعِهِ، وَجَعَلَ وَجْهَ ذلك أن مال للعتق سَهْمٌ، وَلِلدَّيْنِ سَهْمَانِ ثُمَّ سَهْمُ الْعِتْقِ مَقْسُومٌ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْوَرَثَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَيَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ سِتَّةٌ مِنْهَا، وَهِيَ الثُّلُثَانِ لِلدَّيْنِ وَثُلُثُهُ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْوَرَثَةِ أَثْلَاثًا، لِلْعِتْقِ سَهْمٌ وَهُوَ التُّسْعُ، فَيُعْتَقُ تُسْعُهُ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ سَهْمَانِ تُرَدُّ عَلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّ عِتْقَ الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ فِي الثُّلُثِ، وَلَا وصية إلى بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ كَمَا لَا مِيرَاثَ إِلَّا بَعْدَ قَضَائِهِ.

فَصْلٌ

وَلَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَبِيعَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَحَدُهُمْ فِي الدَّيْنِ، وَأُعْتِقَ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَحَدُهُمْ فِي الثُّلُثِ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ الْمُسْتَرَقَّيْنِ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ كَالدَّيْنِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَرَقُّ مِنَ الْمُعْتَقِ ثُلُثُهُ، وَلَا تُنْقَضُ الْقُرْعَةُ.
وَالثَّانِي: تُنْقَضُ الْقُرْعَةُ، وَتُسْتَأْنَفُ فِي الْعَبْدَيْنِ، وَيُعْتَقُ ثُلُثَا أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مَنْ خَرَجَتْ مِنْهُمَا، وَلَوِ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ بَطَلَ فِيهِ الْعِتْقُ، وَاسْتُؤْنِفَتِ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْبَاقِينَ عَلَى الرِّقِّ وَجْهًا وَاحِدًا، وَأُعْتِقَ ثُلُثَا أَحَدِهِمَا، وَرَقَّ بَاقِيهِ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ، وَلَوِ اسْتَحَقَّ الْمُعْتَقُ، وَأَحَدُ الْمُسْتَرَقَّيْنِ صَارَتِ التَّرِكَةُ عَبْدًا وَاحِدًا، فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.
فَصْلٌ وَحُكْمُ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ لَوْ لَمْ يَعْتِقْهُمْ فِي مَرَضِهِ، وَوَصَّى بِعِتْقِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ،

وهم جميع تركته كحكمهم أو أَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ إِلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ عِتْقَهُمْ فِي الْمَرَضِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمَوْتِ، وَفِي الْوَصِيَّةِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عِتْقَ الْمَرَضِ مُبَاشَرَةٌ يُنَفَّذُ بِلَفْظِهِ، وَعِتْقَ الْوَصِيَّةِ يُنَفَّذُ بِلَفْظِ الْوَرَثَةِ، فَإِنِ امْتَنَعُوا اسْتَوْفَاهُ الْحَاكِمُ مِنْهُمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ قِيمَةَ الْمُعْتَقِينَ فِي الْمَرَضِ مُعْتَبَرَةٌ بِوَقْتِ عِتْقِهِمْ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقِيمَةُ الْمُعْتَقِينَ فِي الْوَصِيَّةِ مُعْتَبَرَةٌ بِقِيمَتِهِمْ وَقْتَ الْمَوْتِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ يَمْلِكُونَ بِهِ مَا اكْتَسَبُوهُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَسْبِ مَنْ رَقَّ مِنْهُمْ يَمْلِكُ الْمُعْتِقُ مِنْهُ مَا كَسَبُوهُ فِي حَيَاتِهِ، وَيُضَافُ إِلَى تَرِكَتِهِ، وَيَمْلِكُ الْوَرَثَةُ مَا اكْتَسَبُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْعِتْقُ بِالْوَصِيَّةِ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ أَكْسَابُهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ مِنْ تَرِكَةِ الْمُوصِي وَأَكْسَابُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْوَرَثَةِ، يَسْتَوِي فِيهِ كَسْبُ مَنْ عَتَقَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَقَّ قَبْلَ الْقُرْعَةِ لِلْعِتْقِ، وَلَا يُقْضَى مِنْ هَذِهِ الْأَكْسَابِ دُيُونُ الْمَيِّتِ، لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّ دُيُونَ الْمَيِّتِ تُقْضَى مِنْ هَذِهِ الْأَكْسَابِ الْحَادِثَةِ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُمُ اسْتَفَادُوهَا مِنْ تَرِكَةٍ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُمْ عَلَيْهَا، إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ دُيُونِهَا.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ: إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، فَكَسَبَ في حياة سيده مائة درهم وبعد موته مِائَةَ دِرْهَمٍ فَالْمِائَةُ الَّتِي كَسَبَهَا فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ دَاخِلَةٌ فِي تَرِكَتِهِ تُضَمُّ إِلَى قِيمَتِهِ، وَيَدْخُلُ بِهَا دَوْرٌ يَزِيدُ فِي عِتْقِهِ، وَالْمِائَةُ الَّتِي كَسَبَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ خَارِجَةٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وَلَا يَدْخُلُ بِهَا دَوْرٌ، وَلَا يَزِيدُ بِهَا عِتْقٌ، وَقَدْرُ مَا يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ، وَيَمْلِكُ بِهِ نِصْفَ كَسْبِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، وَنِصْفَ كَسْبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَرِقُّ نِصْفُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَيَسْتَحِقُّونَ بِهِ نِصْفَ كَسْبِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ مِيرَاثًا، وَنِصْفَ كَسْبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِلْكًا، وَبَابُهُ فِي عَمَلِ الدَّوْرِ أَنْ يُجْعَلَ الْعِتْقُ سَهْمًا، وَالْكَسْبُ سَهْمًا، لِأَنَّ الْكَسْبَ مِثْلُ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَيُجْعَلُ لِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، لِيَكُونَا مِثْلَيْ سَهْمِ الْعِتْقِ، وَتُجْمَعَ السِّهَامُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، وَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ عَلَيْهَا، وَهُمَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَقَدْ ضُمَّ إِلَيْهَا الْكَسْبُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ مائة، فيكون قسط كل سهم منهم خَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَلِلْعِتْقِ سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ نِصْفُ قِيمَتِهِ، فَعَتَقَ بِهِ نِصْفُهُ، وَمَلَكَ بِهِ نِصْفُ كَسْبِهِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَرَقَّ نِصْفُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَمَلَكُوا نِصْفَ كَسْبِهِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ مِيرَاثًا، فَصَارَ لَهُمْ بِالرِّقِّ وَالْكَسْبِ مِائَةُ دِرْهَمٍ هِيَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْ نِصْفِهِ، وَيَكُونُ الْكَسْبُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْوَرَثَةِ نِصْفَيْنِ، بِحَسْبَ مَا فِيهِ مِنْ حُرِّيَّةٍ وَرِقٍّ.
فَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فِي عِتْقِ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَكَسْبُ الْعَبْدِ فِي حياة سيده مائة درهم، وبعد موته مائة دِرْهَمٍ، وَكَانَ عَلَى السَّيِّدِ مِائَةُ دِرْهَمٍ

ضُمَّ كَسْبُ الْحَيَاةِ إِلَى التَّرِكَةِ، وَخَرَجَ الْكَسْبُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْهَا، فَصَارَتِ التَّرِكَةُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ يُقْضَى نِصْفُهَا فِي الدَّيْنِ، وَيَبْقَى نِصْفُهَا فِي الْعِتْقِ وَالْمِيرَاثِ فَيُعْتَقُ مِنْهُ رُبْعُهُ، وَيَرِقُّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَبَابُهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْعِتْقِ سَهْمًا، وَلِلْكَسْبِ سَهْمًا، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، وَيُقْسَمُ بَاقِي التَّرِكَةِ بَعْدَ الدَّيْنِ، وَهُوَ مِائَةٌ عَلَى هَذِهِ السِّهَامِ الْأَرْبَعَةِ يَكُونُ قِسْطُ السَّهْمِ مِنْهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَيُعْتَقُ مِنْهُ بِسَهْمِ الْعِتْقِ رُبْعُهُ، وَيَمْلِكُ بِهِ رُبْعَ كَسْبِهِ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَهُوَ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا، وَيَمْلِكُونَ بِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا، يَصِيرَانِ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا يُقْضَى مِنْهُمُ الدَّيْنُ مِائَةُ دِرْهَمٍ يبقى مع الورثة خمسة دِرْهَمًا هِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ الْمُقَدَّرِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَتَكُونُ الْمِائَةُ الْمُكْتَسَبَةُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْوَرَثَةِ بِقَدْرِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، يَمْلِكُ الْعَبْدُ رُبْعَهَا بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ، وَيَمْلِكُ الْوَرَثَةُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا كَسْبًا مُسْتَفَادًا، بِمَا مَلَكُوهُ مِنْ رِقِّهِ لَا تَدخُل التَّرِكَة، وَلَا يُقْضَى مِنْهَا الدَّيْنُ.
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: يُقْضَى الدَّيْنُ مِنْهَا، فَيَدْخُلُ بِهَا دَوْرٌ يَزِيدُ فِي الْعِتْقِ لِزِيَادَةِ مَا يُقْضَى بِهِ الدُّيُونُ وَزِيَادَةُ دَوْرِهَا بِثُلُثِهَا، لِأَنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الْكَسْبَ بَعْدَ الْوَفَاةِ يُقْضَى بِهِ الدُّيُونُ وَلَا يُنَفَّذُ بِهِ الْوَصَايَا، فَتُجْعَلُ الْمِائَةُ الْمُكْتَسَبَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَثْلَاثًا، ثُلُثًا لِلْعَبْدِ بِكَسْبِ عِتْقِهِ، وَثُلُثًا لِلْوَرَثَةِ بِكَسْبِ رِقِّهِ، وَثُلُثًا يُضَافُ إِلَى التَّرِكَةِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَتَصِيرُ التَّرِكَةُ مَعَ هَذَا الثُّلُثِ مِائَتَيْنِ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا، يُقْضَى مِنْهَا الدَّيْنُ مِائَةٌ، يَبْقَى مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ قَضَائِهَا مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ تُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ هِيَ سَهْمٌ لِلْعِتْقِ وَسَهْمٌ لِلْكَسْبِ وسهمان للورثة، ويخرج قسط السهم ثلاثة وثلاثين وَثُلُثٌ فَأُعْتِقَ مِنْهُ بِقَدْرِهَا، وَهُوَ الثُّلُثُ، وَيَمْلِكُ بِهِ ثُلُثَ كَسْبِهِ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثَاهُ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَقَدْ مَلَكَ مِنَ الْمُكْتَسَبِ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُلُثَهُ، وَمَلَكَ الْوَرَثَةُ ثُلُثَيْهِ، وَهُمَا مُسْتَفَادَانِ مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ.
قُلْتُ: كَأَنَّهُ جعل جزء مِنَ الْعَبْدِ يُقْضَى بِهِ الدَّيْنُ، فَهُوَ لِمَا يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ كَسْبِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ لِلدَّيْنِ ثُمَّ جَعَلَ سَهْمًا مِنْ رَقَبَتْهُ بِبَيْعِهِ سَهْمًا مِنَ الْكَسْبِ بِقَدْرِ ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ مَا بَقِيَ، وَلَوْ كَسَبَ بَعْدَ الْمَوْتِ مِائَةً لَصَارَ فِي مِلْكِهِ الَّذِي مَعَ رُبْعِ كَسْبِهِ، وَبَقِيَّةُ كَسْبِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَسَقَطَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التَّرِكَةِ، فَيَبْقَى مَا يَبْقَى، لِأَنَّهُ عَبْدٌ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَبَقِيَّةُ كَسْبِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ أَعْتَقْتَ ثُلُثًا وَأَرْقَقْتَ ثُلُثَيْنِ بِالْقُرْعَةِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يُخْرَجُونَ مَعًا مِنَ الثُّلُثِ أَعْتَقْتُ مَنْ أَرَقَقْتُ وَدَفَعْتُ إِلَيْهِمْ مَا اكْتَسَبُوا بَعْدَ عِتْقِ الْمَالِكِ إِيَّاهُمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَضِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ

لَهُ مَالٌ، فَبِيعَ بَعْضُهُمْ فِي دَيْنِهِ، وَأُعْتِقَ مِنْهُمْ قَدْرُ ثُلُثِهِ، وَرَقَّ بَاقِيهِمْ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقُوا جَمِيعُهُمْ، وَإِنْ نَقَصَ ثُلُثُهُ عَنْهُمْ أُعْتِقَ مِنْهُمْ قَدْرُ ثُلُثِهِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يُعْتِقَ أَرْبَعَةَ عَبِيدٍ قِيمَةُ كُلِّ عَبْدٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَيَتْرُكُ دَيْنًا قَدْرُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ، فيبيع أَحَدَهُمْ فِي دَيْنِهِ، وَأَعْتَقَ أَحَدَهُمْ فِي ثُلُثِهِ، وَاسْتَرَقَّ اثْنَانِ لِوَرَثَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَيُسْتَرْجَعُ بِظُهُورِ الْمِائَةِ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ فِي الدَّيْنِ، وَيُفْسَخُ فِيهِ الْبَيْعُ، وَيَصِيرُ بِظُهُورِ هَذِهِ الْمِائَةِ بِمَثَابَةِ مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَى هَذَا لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ خَالَفَهُ من أصحابه في نقص القرعة بظهور الدين أنها لا تنقص بِظُهُورِ الْمَالِ، لِأَنَّ ظُهُورَ الدَّيْنِ يُوجِبُ نَقْصًا فِي الْعِتْقِ، وَزِيَادَةَ الرِّقِّ، تُنْقَضُ بِهِ قُرْعَةُ الرق وظهور المال يوجب زيادة العتق ونقصان الرِّقِّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُنْقَضَ بِهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ، فَيَكُونُ عِتْقُ مَنْ قُرِعَ بَاتًّا لَا رَجْعَةَ فِيهِ، وَقَدْ بَقِيَ فِي الثُّلُثِ بَعْدَ عِتْقِهِ أَنْ يُعْتَقَ مِنَ الثُّلُثِ ثُلُثُ وَاحِدٍ يُسْتَوْعَبُ بِهِ الثُّلُثُ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَيُعْتَقُ ثُلُثُ أَحَدِهِمْ، وَيُسْتَرَقُّ ثُلُثَاهُ مَعَ الْآخَرِينَ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِائَةً، فَيُعْتَقُ مِنَ الثَّلَاثَةِ ثُلُثَا عَبْدٍ، لِأَنَّ التَّرِكَةَ خَمْسُمِائَةٍ.
وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ عَتَقَ بِهَا مِنَ الثَّلَاثَةِ عَبْدٌ كَامِلٌ، لِأَنَّ التَّرِكَةَ بَعْدَ الدَّيْنِ سِتُّمِائَةٍ.
وَلَوْ ظهر له أربع مائة عَتَقَ بِهَا مِنَ الثَّلَاثَةِ عَبْدٌ وَثُلُثٌ، لِأَنَّ التَّرِكَةَ بَعْدَ الدَّيْنِ سَبْعُمِائَةٍ.
وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ خَمْسُمِائَةٍ عَتَقَ بِهَا مِنَ الثَّلَاثَةِ عَبْدٌ وَثُلُثَانِ، لِأَنَّ التَّرِكَةَ بَعْدَ الدَّيْنِ ثَمَانُمِائَةٍ.
وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ سِتُّمِائَةٍ عَتَقَ بِهَا مِنَ الثَّلَاثَةِ عَبْدَانِ، لِأَنَّ التَّرِكَةَ بَعْدَ الدَّيْنِ تِسْعُمِائَةٍ.
وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ سَبْعُمِائَةٍ عَتَقَ بِهَا مِنَ الثَّلَاثَةِ عَبْدَانِ وَثُلُثٌ.
وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ثَمَانُمِائَةٍ عَتَقَ بِهَا مِنَ الثَّلَاثَةِ عَبْدَانِ وَثُلُثَانِ.
وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ تِسْعُمِائَةٍ عَتَقَ بِهَا الثَّلَاثَةُ كُلُّهُمْ، لِأَنَّ التَّرِكَةَ تَصِيرُ بِهَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ، وَالْعَبِيدُ أَرْبَعَةٌ قِيمَتُهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ هِيَ قَدْرُ الثُّلُثِ، فَيُعْتَقُوا جَمِيعًا.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَحَرَّرَ عِتْقُ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا بَانَ بَعْدَ أَنْ أُجْرِيَ حُكْمُ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ، كَانُوا أَحْرَارًا، بِعِتْقِ السَّيِّدِ فِي حَيَاتِهِ يَوْمَ أَعْتَقَهُمْ، فَيَبْطُلُ مَا جَرَى عَلَيْهِمْ مِنْ أَحْكَامِ الرِّقِّ، فَيَصِيرُونَ مَالِكِينَ لِجَمِيعِ أَكْسَابِهِمِ الَّتِي كَسَبُوهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ مَاتَ لِأَحَدِهِمْ مَوْرُوثٌ، وَمُنِعَ مِنْ مِيرَاثِهِ بِالرِّقِّ كَانَ أَحَقَّ بِمِيرَاثِهِ مِنَ الْأَبْعَدِ، وَانْتَزَعَ مِيرَاثَهُ مِنْهُ.

ولو كان هو الميت، وأخذ الوراث مَالَهُ انْتُزِعَ مِنْهُ، وَكَانَ وَارْثُهُ أَحَقَّ بِهِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا فِي الْحُرِّيَّةِ بَطَلَ نِكَاحُهَا، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةٌ زَوْجُهَا الْوَارِثُ بِالْمِلْكِ بَطَلَ نِكَاحُهَا حَتَّى يَسْتَأْنِفَهُ وَلِيُّهَا، وَلَوْ وَطِئَهَا الْوَارِثُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ كَانَ عَلَيْهِ مَهْرُهَا، وَلَوْ كَانَ قَدْ زَنَى أَحَدُهُمْ، وَجُلِدَ خَمْسِينَ كَمُلَ حَدُّهُ، لِيَتِمَّ جَلْدُ مِائَةٍ إِنْ كَانَ بِكْرًا، وَيُرْجَمُ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا، وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ قَدْ بَاعَ أَحَدَهُمْ بَطَلَ بَيْعُهُ، وَرَجَعَ مُشْتَرِيهِ عَلَى الْوَارِثِ بِثَمَنِهِ، فَلَوْ كَانَ قَدْ رهنه بطل رهنه وإن كان قد أخره بَطَلَتْ إِجَارَتُهُ، وَرَجَعَ عَلَى مُسْتَأْجِرِهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ مِنَ الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ، وَرَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْوَارِثِ بِمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ قَدْ أَعْتَقَهُ بَطَلَ عِتْقُهُ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ بَطَلَتْ كِتَابَتُهُ، وَرَجَعَ بِمَا أَدَّى، وَلَوْ جُنِيَتْ عَلَيْهِ جِنَايَةُ عَمْدٍ، وَأَخَذَ الْوَارِثُ أَرْشَهَا، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْجَانِي، وَلَا يَسْقُطُ بِأَخْذِ الْوَارِثِ لِلْأَرْشِ وَيُرَدُّ الْأَرْشُ عَلَى الْجَانِي، وَلَوْ كَانَ قَدْ بِيعَ فِي جِنَايَةٍ جَنَاهَا بَطَلَ بَيْعُهُ، وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً عَلَى عَاقِلَتِهِ وَعَمْدًا فِي مَالِهِ، وَاسْتُرْجِعَ مِنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ، وَرُدَّ عَلَى مُشْتَرِيهِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَإِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، وَمَاتَ الْعَبْدُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ فَفِي عِتْقِهِ وَنُفُوذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَدْ نَفَذَ عِتْقُهُ فِي جَمِيعِهِ، وَيَمُوتُ حُرًّا قَدْ جد وَلَاءُ وَلَدِهِ، وَمَوْرُوثًا يَنْتَقِلُ كَسْبُهُ إِلَى وَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ حُقُوقِ الْوَرَثَةِ، فَلَمْ تَجُزْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ، وَصَارَ كَعِتْقِ الصَّحِيحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عِتْقَهُ قَدْ بَطَلَ، وَيَمُوتُ عَبْدًا، وَيَنْتَقِلُ كَسْبُهُ إِلَى سَيِّدِهِ بِالْمِلْكِ، وَلَا يَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِهِ، لِأَنَّ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَعْمُولُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّ مَوْتَهُ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْعِتْقِ فِي حَقِّهِ وَيَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ الرِّقِّ فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ، وَعِتْقُهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ لَهُ إِنْ جَرَى فِي اعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلُثِ مَجْرَى الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ قَبُولُهُ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ رَدُّهُ، وَعَلَى هَذَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ، فَإِنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ كَسْبٍ كَانَ ثُلُثُهُ حُرًّا، وَثُلُثَاهُ مَمْلُوكًا، يَجُرُّ بِثُلُثِهِ ثُلُثَ وَلَاءِ وَلَدِهِ، وَإِنْ مَاتَ عَنْ كَسْبٍ فَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَن لَا يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ سَيِّدِهِ، فَيَنْظُرُ فِي قَدْرِ كَسْبِهِ، فَإِنْ كَانَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ورثَهَا السَّيِّدُ، وَعَتَقَ جَمِيعُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ إِلَى التَّرِكَةِ مِثْلَا قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ مَاتَ نِصْفُهُ حُرًّا وَنِصْفُهُ مَمْلُوكًا، وَكَانَتِ الْمِائَةُ لِلسَّيِّدِ نِصْفُهَا بِحَقِّ الْوَلَاءِ، وَنِصْفُهَا بِحَقِّ الْمِلْكِ، وَهِيَ مِثْلَا قِيمَةِ نَصِفِهِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ سَيِّدِهِ، فَإِنْ قِيلَ بِمَذْهَبِ الشافعي في

الْقَدِيمِ أَنَّ الْمُعْتَقَ بَعْضُهُ إِذَا مَاتَ لَمْ يُورَثْ، وَكَانَ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ، كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مَا مَضَى إِذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا غَيْرَ سَيِّدِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: بِمَذْهَبِهِ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ يَكُونُ مَوْرُوثًا دَخَلَ الدَّوْرُ فِي عِتْقِهِ بِقَدْرِ كَسْبِهِ، فَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَتَقَ نِصْفُهُ، وَرَقَّ نِصْفُهُ.
وَبَابُهُ فِي حِسَابِهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ بِرَقَبَتِهِ سَهْمًا لِعِتْقِهِ، وَبِكَسْبِهِ سَهْمَيْنِ لِوَرَثَتِهِ، لِأَنَّ الْكَسْبَ ضِعْفُ قِيمَتِهِ، وَيَجْعَلَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ سَهْمَيْنِ ضِعْفَ قِيمَتِهِ، وَجَمَعَ سَهْمَ وَرَثَتِهِ وَسَهْمَيْ وَرَثَةِ سَيِّدِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، وَلَا تَجْمَعْ إِلَيْهَا سَهْمَ الرَّقَبَةِ لِتَلَفِهَا ثُمَّ أَقْسِمِ الْكَسْبَ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِائَتَانِ يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا، وَهُوَ نِصْفُهُ يَمْلِكُ وَارِثُهُ بِهِ نِصْفَ كَسْبِهِ وَيَمْلِكُ وَرَثَةُ سَيِّدِهِ نِصْفَ كَسْبِهِ، وَيَرِقُّ نِصْفُهُ، وَهُوَ مِثْلَا مَا أُعْتِقَ مِنْ نِصْفِهِ.
وَلَوْ كَانَ كَسَبَ مِائَةَ دِرْهَمٍ عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَبَابُهُ أَنْ جَعَلَ لَهُ بِرَقَبَتِهِ سَهْمًا لِعِتْقِهِ وَبِكَسْبِهِ سَهْمًا لِوَرَثَتِهِ، وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ سَهْمَيْنِ، وَتَجْمَعُ بَيْنَ سَهْمِ وَرَثَتِهِ وَسَهْمَيْ وَرَثَةِ سَيِّدِهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ، وَتَقْسِمَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِائَةٌ يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا وَثُلُثًا، فَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا، وَهُوَ ثُلُثُهُ يَمْلِكُ وَرَثَتُهُ بِهِ ثُلُثَ كَسْبِهِ، وَيَمْلِكُ وَرَثَةُ سَيِّدِهِ ثُلُثَيْ كَسْبِهِ بِرِقِّ ثُلُثَيْهِ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ،.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَأَيُّ الرَقِيقِ أَرَدْتَ قِيْمَتَهُ لِعِتْقِهِ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ مَاتَ فَإِنَّمَا قِيمَتُهُ يَوْمَ وَقَعَ الْعِتْقُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: اعْتِبَارُ قِيمَةِ مَنْ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ.
وَالثَّانِي: اعْتِبَارُ قِيمَةِ مَنْ وَصَّى بِعِتْقِهِ.
وَالثَّالِثُ: اعْتِبَارُ قِيمَتِهَا فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ.
فَأَمَّا ال

ْفَصْلُ

الْأَوَّلُ: فِي اعْتِبَارِ قِيمَةِ مَنْ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، فَمُعْتَبَرَةٌ بِوَقْتِ عِتْقِهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ لَهُ بِعِتْقِهِ.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي اعْتِبَارِ قِيمَةِ مَنْ وَصَّى بِعِتْقِهِ، فَمُعْتَبَرَةٌ بِوَقْتِ مَوْتِهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ بِوَقْتِ وَصِيَّتِهِ، وَلَا بِوَقْتِ عِتْقِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِاسْتِحْقَاقِ عِتْقِهِ بِالْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَتْ بِوَقْتِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي اعْتِبَارِ قِيمَتِهِ فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ، فَمُعْتَبَرَةٌ بِأَقَلِّ قِيمَتِهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وَإِلَى وَقْتِ قُبِضَ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِمْ، فَلَمْ تُحْتَسَبْ

عَلَيْهِمْ كَالثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ، وَالنُّقْصَانُ قَبْلَ الْقَبْضِ تَالِفٌ مِنَ التَّرِكَةِ، فَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِمْ كَالْمَيِّتِ وَالْمَغْصُوبِ، فَلِذَلِكَ كَانَ مُحْتَسَبًا فِي حَقِّهِمْ بِأَقَلِّ قِيمَتِهِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا صَحَّتْ أَحْكَامُهُ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: فِي الْقِيمَةِ إِذَا زَادَتْ.
وَالثَّانِي: فِي الْقِيمَةِ إِذَا نَقَصَتْ.
وَالثَّالِثُ: فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ، وَالْعِتْقِ بِالْوَصِيَّةِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْقِيمَةِ إِذَا زَادَتْ، فَحُكْمُ الزِّيَادَةِ مِثْلُ حُكْمِ الْكَسْبِ، فَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ حَتَّى بَلَغَ مِائَتَيْنِ، فَالزِّيَادَةُ مُعْتَبَرَةٌ بِوَقْتِهَا، فَإِنْ حَدَثَتْ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا فِي التَّرِكَةِ، وَلَا يَدْخُلُ بِهَا دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ الْعِتْقِ، وَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ.
وَإِنْ حَدَثَتْ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً فِي التَّرِكَةِ، وَدَخَلَ بِهَا دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ الْعِتْقِ، وَبَابُ دَوْرِهِ فِي وُصُولِكَ إِلَى مِقْدَارِ عِتْقِهِ أَنْ تَجْعَلَ لَهُ بِعِتْقِهِ سَهْمًا، وَلَهُ بِفَضْلِ قِيمَتِهِ سَهْمًا، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، وَاجْمَعْهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، وَاقْسِمْ قِيمَةَ الْعَبْدِ عَلَيْهَا، وَهِيَ مِائَتَانِ، يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ خَمْسِينَ فَأَعْتَقَ مِنْهُ بِهَا عَلَى قِيمَتِهِ، وَقْتَ الْعِتْقِ يُعْتَقُ نِصْفُهُ، وَيَرِقُّ نِصْفُهُ، وَقِيمَتُهُ وَقْتَ الْمَوْتِ مِائَةٌ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ.
وَلَوْ تَرَكَ السَّيِّدُ مَعَ الْعَبْدِ مِائَةً جَعَلْتَ لِلْعِتْقِ سَهْمًا، وَلِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ سَهْمًا، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، وَقَسَّمْتَ التَّرِكَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ عَلَى هَذِهِ السِّهَامِ الْأَرْبَعَةِ، فَيَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، فَأَعْتِقْ مِنْهُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وَيَرِقُّ رُبْعُهُ، وَقِيمَتُهُ خَمْسُونَ يَضُمُّهَا الْوَرَثَةُ إِلَى الْمِائَةِ، فَيَصِيرُ مَعَهُمْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ حَتَّى بَلَغَتْ ثَلَاثَمِائَةٍ جَعَلْتَ لَهُ بِعِتْقِهِ سَهْمًا، وَبِفَضْلِ قِيمَتِهِ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، وَجَعَلْتَ لِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، وَاقْسِمِ التَّرِكَةَ، وَهِيَ سِتُّمِائَةٍ عَلَى هَذِهِ السِّهَامِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، فأعتق منه بها على قيمته وقت العتق ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وَتُرِقُّ رُبْعَهُ، وَقِيمَتُهُ وَقْتَ الْمَوْتِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَهُوَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ.
وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً، وَكَسَبَ مِائَةً جَعَلْتَ له بالعتق سهمان وَبِفَضْلِ الْقِيمَةِ سَهْمًا، وَبِالْكَسْبِ سَهْمًا، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، تَصِيرُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، فَاقْسِمِ التَّرِكَةَ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَرْبَعُمِائَةٍ يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ ثَمَانِينَ، فَأَعْتِقْ مِنْهُ بِهَا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ، وَيَمْلِكُ بِهَا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ ثَمَانِينَ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ خُمُسُهُ، وَقِيمَتُهُ أَرْبَعُونَ، وَيَمْلِكُونَ خُمْسَ كَسْبِهِ، وَهُوَ عِشْرُونَ، فَإِذَا ضُمَّ الْمِائَةُ الْمَتْرُوكَةُ صَارَ مَعَهُمْ مِائَةٌ وَسِتُّونَ، وَهِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْقِيمَةِ إِذَا نَقَصَتْ، فَيَدْخُلُ بِنُقْصَانِهَا دَوْرٌ عَلَى الْعِتْقِ يَزِيدُ بِهِ الرِّقُّ كَمَا دَخَلَ بِزِيَادَتِهَا دَوْرٌ عَلَى الرِّقِّ زَادَ بِهِ الْعِتْقُ.
فَإِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ قَبْلَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ حَتَّى صَارَتْ خَمْسِينَ، جَعَلْتُ لِلْعِتْقِ سَهْمًا، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، وَقَدْ عَادَتِ الْقِيمَةُ إِلَى نِصْفِهَا، فَأَنْقُصُ مِنْ سَهْمِ الْعِتْقِ نِصْفَهُ يَبْقَى سَهْمَانِ وَنِصْفٌ، فَأَقْسِمُ التَّرِكَةَ عَلَيْهَا، وَهِيَ خَمْسُونَ يَخْرُجُ قِسْطُ نِصْفِ السَّهْمِ خُمُسَهَا، فَأَعْتِقُ خُمُسَهُ، وَقِيمَتُهُ وَقْتَ الْعِتْقِ عِشْرُونَ، وَأَسْتَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ، وَقِيمَتُهُ وَقْتَ الْمَوْتِ أَرْبَعُونَ، وَهُوَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ عَلَى الْعَبْدِ نُقْصَانُ قِيمَتِهِ، كَمَا لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتُسِبَ لَهُ زِيَادَةُ قِيمَتِهِ حَتَّى زَادَ فِي دَوْرِ عِتْقِهِ، وَجَبَ أَنْ يُحْتَسَبَ عَلَيْهِ نُقْصَانُهَا لِيَزِيدَ فِي دَوْرِ رِقِّهِ.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَمِائَةٍ، فَنَقَصَتْ حَتَّى صَارَتْ مِائَتَيْنِ، جَعَلْتُ لَهُ بِالْعِتْقِ سَهْمًا، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، وَقَدْ عَادَ عليه من نقصان القيمة ثلاثة أخماسها، فأنقضها مِنْ سَهْمِ عِتْقِهِ، يَبْقَى لَهُ خُمْسَا سَهْمٍ، فَأَقْسِمُ الْقِيمَةَ عَلَى سَهْمَيْنِ وَخُمْسَيْنِ، يَكُنِ الْخُمْسَانِ مِنْهَا السُّدْسُ، لِأَنَّ مَبْسُوطَهَا اثْنَا عَشَرَ خُمْسًا، وَيُقَرُّ سَهْمُ الْعِتْقِ، فَأَعْتِقُ سُدْسَهُ، وَقِيمَةُ السُّدْسِ مِنَ الْخُمْسَيْنِ مِائَةٌ وَثُلُثُهُ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، وَيَرِقُّ الْوَرَثَةُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ، وَقِيمَتُهَا مِنَ الْمِائَتَيْنِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ، مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ وَقْتَ عِتْقِهِ سِتَّمِائَةٍ، فَنَقَصَتْ حَتَّى صَارَتْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَكَسْبُ الْعَبْدِ ثَلَاثُمِائَةٍ فَأَجْبُرُ نُقْصَانَ الْقِيمَةِ بِزِيَادَةِ الْكَسْبِ، وَأَعْتِقُ ثُلُثَهُ، وَقِيمَتُهُ مِنَ السِّتِّمِائَةِ، مِائَتَانِ يَمْلِكُ بِهِ ثُلُثَ كَسْبِهِ مِائَةً فَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ لِلْوَرَثَةِ، وَقِيمَتُهُ مِنَ الثَلَاثِمِائَةِ مِائَتَانِ، وَلَهُمْ بِهِ ثُلُثَا كَسْبِهِ مِائَتَانِ، يَصِيرُ مَعَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ وَهِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ.
وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ سِتُّمِائَةٍ، فَنَقَصَتْ حَتَّى صَارَتْ أَرْبَعَمِائَةٍ وَكَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ مِائَةٌ، فَأضْمُمِ الدَّيْنَ إِلَى نُقْصَانِ الْقِيمَةِ، يَصِيرُ الْبَاقِي مِنْهَا ثَلَاثَمِائَةٍ فَأَجْعَلُ لِلْعِتْقِ سَهْمًا، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ، وَأَنْقُصُ مِنْ سَهْمِ الْعِتْقِ نَصِفَهُ يَعُودُ النُّقْصَانُ إِلَى نِصْفِهِ، يَبْقَى سَهْمَانِ وَنِصْفٌ يَكُونُ نصف سهم العتق منها خمسها، فأعتق من خُمْسَهُ، وَقِيمَتُهُ مِنَ السِّتِّمِائَةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَأَقْضِي الْمِائَةَ الدَّيْنَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَهِيَ أَرْبَعُمِائَةٍ يَبْقَى ثَلَاثُمِائَةٍ لِلْوَرَثَةِ بِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ، وَهِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ.
فَصْلٌ وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، وَهُمَا جَمِيعًا مِنَ الثُّلُثِ لَكِنَّ عِتْقَ الْمَرَضِ مُقَدَّمٌ عَلَى عِتْقِ الْوَصِيَّةِ، فَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ، وَوَصَّى بِعِتْقِ آخَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعَيَّنَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ فِي الْمَرَضِ، وَالْعَبْدُ الْمُعْتَقُ بِالْوَصِيَّةِ، فَيَقُولُ: هَذَا

الْعَبْدُ حُرٌّ، وَأَعْتِقُوا هَذَا الْعَبْدَ الْآخَرَ بَعْدَ مَوْتِي، فَلِلثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْتَمِلَ قِيمَتُهُ الْعَبْدَيْنِ، فَيَتَحَرَّرُ بِهِ عِتْقُ الْمَرَضِ، وَعِتْقُ الْوَصِيَّةِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْتَمِلَ الثُّلُثُ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَتَحَرَّرُ بِهِ عِتْقُ الْمَرَضِ، ورد عِتْقُ الْوَصِيَّةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْتَمِلَ الثُّلُثُ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا، وَبَعْضَ الْآخَرِ فَيَتَحَرَّرُ بِهِ عِتْقُ الْمَرَضِ كَامِلًا، وَيُعْتَقُ مِنْ عَبْدِ الْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ الباقي من الثلث، ويرق باقية.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَحْتَمِلَ الثُّلُثُ بَعْضَ أَحَدِهِمَا، وَيَعْجِزَ عَنِ الْبَاقِي، فَيَتَحَرَّرَ بِهِ مِنْ عِتْقِ الْمَرَضِ، قَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَيَرِقُّ بَاقِيهِ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُبْهِمَ عِتْقَ الْمَرَضِ وَعِتْقَ الْوَصِيَّةِ فِي عَبِيدِهِ، وَلَا يُعَيِّنَهُمَا، فَيَقُولُ فِي مَرَضِهِ: أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ، وَأَعْتِقُوا أَحَدَهُمْ بَعْدَ مَوْتِي، فَإِنَّهُمَا مُبْهَمَانِ، فَوَجَبَ التَّعْيِينُ، وَفِيمَا يَتَعَيَّنَانِ بِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَتَعَيَّنَانِ بِبَيَانِ الْوَرَثَةِ، فَيُرْجَعُ إِلَى بَيَانِهِمْ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِذَا عَيَّنُوهُمَا مِنْ بَيْنِ الْعَبِيدِ صَارَ كَتَعْيِينِ السَّيِّدِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي تَعْيِينِهَا إِلَى الْقُرْعَةِ دُونَ الْوَرَثَةِ، وَهُوَ أَصَحُّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا أَبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ.
وَالثَّانِي: لِتَعَذُّرِ عِلْمِ الْوَرَثَةِ بِإِرَادَةِ السَّيِّدِ.
فَيَبْدَأُ بِالْقُرْعَةِ بِعِتْقِ الْمَرَضِ فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ بَطَلَ عِتْقُ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ بَقِيَّةٌ أَقْرَعَ لِعِتْقِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنِ احْتَمَلَ بَقِيَّةَ الثُّلُثِ جَمِيعَ قِيمَتِهِ عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَهُ الْبَاقِي، وَرَقَّ بَاقِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُعَيِّنَ عِتْقَ الْمَرَضِ، وَيُبْهِمَ عِتْقَ الْوَصِيَّةِ، فَيَقُولُ: هَذَا الْعَبْدُ حُرٌّ، وَأَعْتِقُوا آخَرَ بَعْدَ مَوْتِي، فَيُنْظَرُ فِي عِتْقِ الْمَرَضِ.
فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ بَطَلَ عِتْقُ الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى بَيَانِهِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الثلث بقية صرفت في عتق الوصية، فاحتج إِلَى بَيَانِهِ، فَيُرْجَعُ إِلَى بَيَانِ الْوَرَثَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِلَى الْقُرْعَةِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعِ: أَنْ يُعَيِّنَ عِتْقَ الْوَصِيَّةِ، وَيُبْهِمَ عِتْقَ الْمَرَضِ فَيَقُولُ: أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ، وَأَعْتِقُوا هَذَا بَعْدَ مَوْتِي، فَلَا تُمْضَى الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِ الْمُعينِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ فِي أَحَدِهِمْ

عِتْقُ الْمَرَضِ، فَيَرْجِعُ فِي تَعْيِينِهِ إِلَى بَيَانِ الْوَرَثَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِلَى الْقُرْعَةِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي ثُمَّ يُعْتَبَرَانِ فِي الثُّلُثِ، وَيَكُونَانِ فيه على الأحوال الأربعة.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ لِمَيِّتٍ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ يَقَعُ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَالْعِتْقَ فِي الْوَصِيَّةِ يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَمِلْكُ الْوَرَثَةِ يَسْتَقِرُّ بِالْيَدِ وَالْقَبْضِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِذَا أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ عَبِيدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِمْ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ عِتْقٌ أَوْ رِقٌّ لَمْ يَخْلُ مَوْتُهُ مِنَ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَمُوتَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، فَلَا يَخْلُو الْعِتْقُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِتْقَ وَصِيَّةٍ أَوْ عِتْقَ مَرَضٍ، فَإِنْ كَانَ عِتْقَ وَصِيَّةٍ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ قُرْعَةٌ فِي عِتْقٍ، وَلَا رِقٍّ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ مَاتَ قَبْلَهُ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ، وَيَصِيرُ الْعَبْدَانِ الْبَاقِيَانِ هُمَا التَّرِكَةُ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِمَا عِتْقُ الْوَصِيَّةِ، وَحَقُّ الْوَرَثَةِ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِعِتْقِ الْوَصِيَّةِ، وَيُعْتَقُ بِهَا ثُلُثَا مَنْ قُرِعَ وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ بَاقِيهِ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ عِتْقَ مَرَضٍ أُدْخِلَ الْمَيِّتُ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ: لَا يَدْخُلُ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ عِتْقَهُ وَاقِعٌ بِالْقُرْعَةِ دُونَ اللَّفْظِ، وَنَحْنُ نَرَى وُقُوعَ عِتْقِهِ بِاللَّفْظِ، وَدُخُولَ الْقُرْعَةِ لِلتَّمْيِيزِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ.
وَإِذَا أَوْجَبَ دُخُولَهُ فِي الْقُرْعَةِ لَمْ يَخْلُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ أَوْ قُرْعَةُ الرِّقِّ.
فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَانَ بِهَا أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا اسْتَوْفَى السَّيِّدُ بِعِتْقِهِ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ مَوْتُهُ فِي نُقْصَانِ التَّرِكَةِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ لِمَوْتِهِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَصَارَتِ التَّرِكَةُ هِيَ الْعَبْدَانِ الباقيان والعتق واقع فيهما، ويستأنف الإقراع منهما، ويعتق ثلثا من قرع بينهما، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ بَاقِيهِ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ.

فَصْلٌ

: وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَبَعْدَ قبض الورثة دَخَلَ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ، وَقُرْعَةِ الرِّقِّ، وَيَسْتَوِي فِيهِ عِتْقُ الْمَرَضِ وَعِتْقُ الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ عِتْقَ الْوَصِيَّةِ مُسْتَحَقٌّ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ لِمَنْ كَانَ عِتْقُهُ مُسْتَحَقًّا إِذَا صَارَ الْوَرَثَةُ إِلَى مِثْلَيْهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ عِتْقُ الْمَرَضِ وَعِتْقُ الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِ الْبَاقِيَيْنِ عَتَقَ، وَرَقَّ الْآخَرُ مَعَ الْمَيِّتِ، وَبَانَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ كَانَ عِتْقَ مَرَضٍ لَمْ يَحْتَجْ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ إِلَى تَلَفُّظِ الْوَرَثَةِ بِعِتْقِهِ، لِتَقَدُّمِهِ مِنَ الْمُعْتِقِ، وَإِنْ كَانَ عِتْقَ وَصِيَّةٍ، فَفِي احْتِيَاجِ عتقه على تَلَفُّظِ الْوَرَثَةِ بِعِتْقِهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَلَفُّظِ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَحَرَّرُ إِلَّا بِلَفْظٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمُوصِي، فَاعْتُبِرَ مِنَ الْوَرَثَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْتَاجُ عِتْقُهُ إِلَى لَفْظِ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّ الْقُرْعَةَ مُمَيِّزَةٌ لِعِتْقٍ قَدْ وَقَعَ، وَلَفْظُ السَّيِّدِ بِعِتْقِهِ فِي الْوَصِيَّةِ هُوَ الْمُوجِبُ لِعِتْقِهِ فَأَقْنَعَ.

فَصْلٌ

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَقَبْلَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ، نُظِرَ حَالُ عِتْقِهِ.
فَإِنْ كَانَ عِتْقَ مَرَضٍ دَخَلَ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي قُرْعَةِ الرِّقِّ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا لَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَاسْتُؤْنِفَتِ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْبَاقِيَيْنِ، وَعَتَقَ بِهَا ثُلُثَا مَنْ قُرِعَ، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ بَاقِيهِ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ عِتْقَ وَصِيَّةٍ، فَلَا يَدْخُلُ فِي قُرْعَةِ الرِّقِّ، وَفِي دُخُولِهِ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَدْخُلُ فِيهَا، لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ يَلْزَمُ بَعْدَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ لِمِثْلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خَارِجًا مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ فِي الْعِتْقِ وَالْمِيرَاثِ، وَيُقْرَعُ لِعِتْقِ الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْبَاقِيَيْنِ، وَيُعْتَقُ مِنَ الْقَارِعِ ثُلُثَاهُ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثُهُ، وَجَمِيعُ الْآخَرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي قُرْعَةِ الْعِتْقِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي قُرْعَةِ الرِّقِّ لِاسْتِحْقَاقِ عِتْقِهِ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا، وَرَقَّ الْآخَرَانِ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ خَرَجَ مِنَ التَّرِكَةِ، وَبَانَ أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا غَيْرَ مَحْسُوبٍ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَأَعْتَقَ مِنَ الْآخَرِينَ ثُلُثَا أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ.
فَصْلٌ وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، فَكَسَبَ الْعَبْدُ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَمَاتَ قَبْلَ سَيِّدِهِ، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا غَيْرَ سَيِّدِهِ مَاتَ حُرًّا، لِأَنَّ سَيِّدَهُ قَدْ وَرِثَ كَسْبَهُ بِالْوَلَاءِ، فَخَرَجَ عِتْقُهُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا، وَحُكِمَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ دَخَلَ فِي عِتْقِهِ دَوْرٌ، فَرَقَّ لَهُ بَعْضُهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَجْعَلَ لِلْعَبْدِ بِالْعِتْقِ سَهْمًا وَلِلْكَسْبِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ يَكُونُ جَمِيعُهَا سِتَّةَ أَسْهُمٍ، فَأُسْقِطُ سَهْمَ الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ بِخُرُوجِهِ مِنَ التَّرِكَةِ، يَبْقَى خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، فَأَقْسِمُ عَلَيْهَا الْكَسْبَ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ هُوَ التَّرِكَةَ، يُخْرَجُ قِسْطُ السَّهْمِ مِنْهَا سِتِّينَ وَأَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا، فَيُعْتَقُ بِهَا ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَيَرِقُّ خُمْسَاهُ، وَوُرِّثَ ابْنُهُ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ، وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَى وَرَثَةِ السَّيِّدِ بِخُمْسَيْ رِقِّهِ لِمَوْتِهِ، وَوَرِثُوا خُمْسَيْ كَسْبِهِ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ.
فَصْلٌ : وَلَوْ أعتق عبدا في مرضه قيمته مائة درهم، وَكَسَبَ الْعَبْدُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ

ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَاقْتَرَضَ السَّيِّدُ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ اسْتَهْلَكَهَا ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ، وَتَرَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ قِيلَ لِلْعَبْدِ إِنْ أَبْرَأْتَ سَيِّدَكَ مِنْ قَرْضِكَ عَتَقَ جَمِيعُكَ، لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ مِثْلَيْ قِيمَتِكَ، وَإِنْ لَمْ تُبْرِئْهُ دَخَلَ فِي عِتْقِكَ دَوْرٌ رَقَّ بِهِ بَعْضُكَ، فَتَجْعَلُ بِالْعِتْقِ سَهْمًا، وَبِالْكَسْبِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ تَصِيرُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ، وَالتَّرِكَةُ بَعْدَ مِائَةِ الْقَرْضِ خَمْسُمِائَةٍ، فَأَقْسِمُهَا عَلَى السِّهَامِ السِّتَّةِ يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا وَثُلُثًا، فَأَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا، فَعَتَقَ بِهَا خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ، وَيَمْلِكُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ كَسْبِهِ، وَيَأْخُذُ مِائَةً قَرْضَهُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ، سُدْسُهُ، وَقِيمَتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَثُلُثَانِ، وَيَمْلِكُونَ بِهِ سُدْسَ كَسْبِهِ، وَهُوَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا يَضُمُّونَهَا إِلَى الْمِائَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ تُجْمَعُ مَعَهُمْ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا وَثُلُثَانِ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عتق منه.

مسألة

: قال الشافعي رضي الله عنه: (أَوْ لِأَمَةٍ فَوَلَدَتْ عَلِمْنَا أَنَّهَا حُرَّةٌ وَوَلَدُهَا وَلَدُ حُرَّةٍ لَا أَنَّ الْقُرْعَةَ أَحْدَثَتْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عِتْقًا يَوْمَ وَقَعَتْ إِنَّمَا وَجَبَ الْعِتْقُ حِينَ الْمَوْتِ بِالْقُرْعَةِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: أَنْ يَعْتِقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً، فَتَلِدُ وَلَدًا، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتِقَهَا فِي جُمْلَةِ عَبِيدٍ، وَيَخْرُجَ عَلَيْهَا سَهْمُ الْعِتْقِ، فَوَلَدُهَا يَجْرِي مَجْرَى كَسْبِهَا، وَهُوَ حُرٌّ بِحُرِّيَّتِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْتِقَهَا فِي جُمْلَةِ عَبِيدٍ، وَيَخْرُجَ عَلَيْهَا سَهْمُ الرِّقِّ، فَوَلَدُهَا يَجْرِي مَجْرَى كَسْبِهَا، وَهُوَ مَرْقُوقٌ بِرِقِّهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْتِقَهَا وَحْدَهَا، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا، فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةٍ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ حَادِثًا بَعْدَ عِتْقِهَا، وَمَوْلُودًا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْكَسْبِ الْمَحْضِ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهَا، وَيَرِقُّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهَا، وَيَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ يَزِيدُ فِي عِتْقِهَا.
فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْأُمِّ مِائَةَ دِرْهَمٍ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَبَعْدَهَا، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ مِائَةَ دِرْهَمٍ بَعْدَ وِلَادَتِهِ عَتَقَ نِصْفُهَا، وَعَتَقَ مِنْ وَلَدِهَا نِصْفُهُ، تَبَعًا لِعِتْقِهَا، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ نِصْفُهَا وَنِصْفُ وَلَدِهَا، وَقِيمَةُ النِّصْفَيْنِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، هِيَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْ نِصْفِهَا، وَلَا يَتكملُ الْعِتْقُ بِالْقُرْعَةِ فِي أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُ عَتَقَ تِلْكَ الْأُمَّ بِمُبَاشَرَةِ السَّيِّدِ، فَتَرَكَ الْعِتْقَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا وَقْتَ عِتْقِهَا، وَمَوْلُودًا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، فَفِيهِ قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْحَمْلِ، هَلْ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ قِسْطٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ: لَا قِسْطَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ، وَهُوَ تَبَعٌ كَانَ كَالْحَادِثِ بَعْدَ عِتْقِهِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ كَوْنِهِ جَارِيًا مَجْرَى كَسْبِهَا، وَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ عِتْقِهَا، وَيَرِقُّ مِنْهُ بِقَدْرِ رِقِّهَا، وَيَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ يَزِيدُ فِي عِتْقِهَا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ لِلْحَمْلِ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ كَانَ الْحَمْلُ مُبَاشَرًا بِالْعِتْقِ مِثْلَ أُمِّهِ، وَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُهُ، وَلَا يَدْخُلُ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ عِتْقِهَا، وَهَلْ يُقَرُّ عِتْقُ الثُّلُثِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ يُكْمَلُ بِالْقُرْعَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُحْتَمَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُكْمَلُ عِتْقُ الثُّلُثَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ كان في ذَلِكَ فِي عَبْدَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَرُّ عِتْقُ الثُّلُثِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يُكْمَلُ فِي أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَائِعِ لَهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ حَادِثًا بَعْدَ عِتْقِهَا، وَمَوْلُودًا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ، لِحُدُوثِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَهَلْ يَكُونُ لَهُمَا كَسْبًا أَوْ تَبَعًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: إِنْ قِيلَ: لِلْحَمْلِ قِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ كان كسبا لها اعتبار بِعُلُوقِهِ فَيَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ عِتْقِهَا، وَيَكُونُ رِقُّهُ لِلْوَرَثَةِ مِيرَاثًا، فَيُعْتَقُ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ نِصْفُهَا، وَيَتْبَعُهَا نِصْفُ وَلَدِهَا تَبَعًا لَهَا، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ نِصْفُهَا، وَنِصْفُ وَلَدِهَا، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهَا.
وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ لِلْحَمْلِ قِسْطٌ من البيع، وهو تبع اعتبار بِوِلَادَتِهِ، خَرَجَ مِنَ التَّرِكَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ الْعِتْقِ، وَعَتَقَ ثُلُثُهَا، وَعَتَقَ ثُلُثُ وَلَدِهَا تَبَعًا، لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهَا، وَيَكُونُ لَهَا وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْ وَلَدِهَا، وَلِسَيِّدِهَا وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا، وَرَقَّ ثُلُثَاهَا لِلْوَرَثَةِ مِيرَاثًا، وَرَقَّ ثُلُثَا وَلَدِهَا لِلْوَرَثَةِ مِلْكًا، وَلَا يَكْمُلُ الْعِتْقُ بِالْقُرْعَةِ فِي أَحَدِهِمَا، وَيُتْرَكُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ، لِأَنَّهُ عَتَقَ مِنْ كَسْبِهَا، وَلَمْ يُعْتَقْ عَلَى سَيِّدِهَا.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا وَقْتَ عِتْقِهَا، وَمَوْلُودًا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ كَسْبًا لَهَا، وَفِيمَنْ تَكُونُ كسبا لها قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَكُونُ كَسْبًا لِلسَّيِّدِ، إِذَا قِيلَ: لِلْحَمْلِ قِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ يُضَافُ إِلَى تَرِكَتِهِ، وَيَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ يَزِيدُ فِي الْعِتْقِ، وَيُجْرِيهِ فِي عَمَلِ الدَّوْرِ مَجْرَى الْكَسْبِ، لِتَمَاثُلِ الْعِتْقِ فِيهِمَا، وَلَا يَتَفَاضَلُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَلِدَ بِحُرِّيَّتِهَا مَمْلُوكًا، وَلَا بِرِقِّهَا حُرَّا فَيُعْتَقُ نِصْفُهَا وَنِصْفُ وَلَدِهَا، وَيُعْتَبَرُ مَا عَتَقَ مِنْهَا فِي ثُلُثِ السَّيِّدِ، وَلَا يُعْتَقُ فِيهِ مَا عَتَقَ مِنْ وَلَدِهَا،

لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالسِّرَايَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَصَارَ كَالتَّالِفِ مِنْ تَرَكَتِهِ، وَيَكُونُ وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنَ الْوَلَدِ لِسَيِّدِهِ دُونَ أُمِّهِ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ نِصْفُهَا وَنِصْفُ وَلَدِهَا مِيرَاثًا، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ كَسْبًا لِلْأُمِّ وَالْوَرَثَةِ بِقَدْرِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَلَا تَزِيدُ بِهِ التَّرِكَةُ، وَلَا يَدْخُلُ بِهِ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ الْعِتْقِ، فَيُعْتَقُ ثُلُثُهَا، وَتَبِعَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ ثُلُثُ وَلَدِهَا، لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهَا، وَيَكُونُ وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهُ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثَاهَا مِيرَاثًا، وَثُلُثَا وَلَدِهَا كَسْبًا.

فَصْلٌ

: وَإِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ فِي مَرَضِهِ أَمَةً، وَتَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا، فَفِي نِكَاحِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ، لِأَنَّ حَالَهَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ يُعْتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ، فَيَصِحُّ نِكَاحُهَا، وَبَيْنَ أَنْ تَرِقَّ بِالدَّيْنِ، فَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا، وَمَنْ هَذِهِ حَالُهَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا، لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ بَاطِلٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.
إنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ، وَعَقْدُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ ثُلُثِهِ، أَوْ إِجَازَةِ وَرَثَتِهِ لِعِتْقِهِ لَا لِنِكَاحِهِمَا، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ أجاز الورثة العتق صح النكاح، ولو تَرِثْ بِهِ، لِأَنَّ عِتْقَهَا وَصِيَّةٌ تَبْطُلُ بِالْمِيرَاثِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ الْعِتْقَ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَاتَّفَقَ حُكْمُ الْوَجْهَيْنِ مَعَ بُطْلَانِهِ، وَفِي وَطْئِهِ لَهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ هَدْرًا لَا تَسْتَحِقُّ بِهِ مَهْرًا، لِتَرَدُّدِ حَالِهَا بَيْنَ أَنْ تَسْتَحِقَّهُ بِعِتْقِهَا أَوْ يَسْقُطَ بِرِقِّهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ الْمَهْرُ مِنْهُ مُسْتَحَقًّا اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ الْعِتْقِ، وَفِيهِ إِذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ اعْتِبَارًا بِمُهُورِ الْأَحْرَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ اعْتِبَارًا بِعِتْقِهَا أَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَتَّسِعَ التَّرِكَةُ لِقِيمَتِهَا وَمَهْرِهَا، فَيُنَفَّذُ عِتْقُهَا، وَتَسْتَحِقُّ بِهِ جَمِيعَ مَهْرِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَتَّسِعَ لِقِيمَتِهَا، وَيَضِيقَ عَنْ مَهْرِهَا، فَيَكُونُ نُفُوذُ عِتْقُهَا فِي جَمِيعِهَا مَوْقُوفًا عَلَى إِبْرَائِهَا مِنْ مَهْرِهَا، فَإِنْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فِي جَمِيعِهَا، وَإِنْ طَالَبَتْ بِهِ دَخَلَ بِهِ دَوْرٌ يَبْطُلُ بِهِ مِنْ عِتْقِهَا، بِقَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ بِحُرِّيَّتِهَا عَلَى ما سنذكره.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَضِيقَ التَّرِكَةُ عَنْ قِيمَتِهَا وَمَهْرِهَا، بِأَن لَا يَكُونَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا.
مِثَالُهُ: أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَمَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَإِنْ جَعَلْنَا الْمَهْرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جَعَلْتُ لَهُمَا بِالْعِتْقِ سَهْمًا، وَبِالْمَهْرِ ثُلُثَ سَهْمٍ، وَجَعَلْتُ لِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ تَكُونُ ثَلَاثَةَ أسهم وثلثا، فأبسطها من جنس الكسر تصر عَشَرَةَ أَسْهُمٍ، فَأَعْتِقُ مِنْهَا بِسَهْمِ الْعِتْقِ، وَهُوَ ثُلُثُهُ فَيُعْتَقُ بِهَا ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهَا، وَبِيعَ مِنْهَا بِسَهْمِ الْمَهْرِ عُشْرُهَا يَكُونُ هُوَ بِقَدْرِ ثَلَاثَةِ أَعْشَارِ مَهْرِهَا، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ سِتَّةُ أَعْشَارِهَا، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهَا.
وَإِنْ جُعِلَ الْمَهْرُ مِنَ الثُّلُثِ جَعَلْتُ ثُلُثَهَا، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، مَقْسُومًا بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْمَهْرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، يَكُونُ قِسْطُ السَّهْمِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَأَعْتِقُ مِنْهَا بِسِهَامِ الْعِتْقِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ قَدْرُهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا، فَعَتَقَ بِهَا رُبْعُهَا، وَبِيعَ مِنْهَا بِسَهْمِ الْمَهْرِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بَقِيَّةُ ثُلُثِهَا، وَقَدْرُهُ نِصْفُ السُّدْسِ، وَهُوَ رُبْعُ مَهْرِهَا، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ بِهَا ثُلُثَهَا، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثَاهَا، وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَهُوَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ وَالْمَهْرِ.

فَصْلٌ

وَلَوْ أَعْتَقَتِ امْرَأَةٌ عَبْدًا لَهَا فِي مَرَضِهَا، وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، فَتَزَوَّجَتْ بِهِ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَفِي نِكَاحِهَا لَهُ وَجْهَانِ كَالرَّجُلِ إِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً، وَتَزَوَّجَهَا: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نِكَاحَهَا بَاطِلٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَيَنْفَرِدُ بِحُكْمِ الْعِتْقِ، وَلَا يَكُونُ لِلنِّكَاحِ تَأْثِيرٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ النِّكَاحُ مَوْقُوفٌ عَلَى خُرُوجِ قِيمَتِهَا مِنْ ثلثها أو إجازة ورثتها لعتقه، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ أَوْ لَا، فَيَبْطُلُ.
فَإِنْ صَحَّ النِّكَاحُ بِكَمَالِ عِتْقِهِ لَمْ يَرِثْهَا، لِأَنَّ عِتْقَهَا وَصِيَّةٌ يَمْنَعُ الْمِيرَاثُ مِنْهَا، وَإِنْ بَطَلَ النِّكَاحُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا سِوَاه دَخَلَ الدَّوْرُ فِي زِيَادَةِ تَرِكَتِهَا بِالصَّدَاقِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ فِي التَّرِكَةِ، وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ مِنَ الْمِائَةِ الصَّدَاقِ، وَبَابُ دَوْرِهِ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِمَا يُؤَدِّيهِ فِي الصَّدَاقِ مِنْ كَسْبِ مِلْكِهِ عَقِيبَ الْمَوْتِ أَنْ تَجْعَلَ لَهُ بِالْعِتْقِ سَهْمًا، وَعَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ نِصْفُ سَهْمٍ، وَتَجْعَلَ لِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ تَكُونُ سَهْمَيْنِ وَنِصْفًا، وَأَقْسِمُ التَّرِكَةَ عَلَيْهَا، وَهِيَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ مِنْهَا ثَمَانِينَ دِرْهَمًا، وَأَعْتِقُ مِنْهُ بِالسَّهْمِ خُمْسَيْهِ، لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي مِنَ الصَّدَاقِ يُسْتَوْفَى مِنْهُ، وَيَرِقُّ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ خُمْسَا الصَّدَاقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
يَصِيرُ مَعَ الْوَرَثَةِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ منه.

وَإِنَّمَا سَلَكْتُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَعَدَلْتُ عَنْ حِسَابِ الْجَبْرِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا خَفِيَ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْنَسْ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ سَالِمٌ حُرٌّ، وَغَانِمٌ حر وزياد حر ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مَا احْتَمَلَ الثُّلُثُ لِأَنَّهُ عِتْقُ بَتَاتٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: عَتْقُ الْمَرِيضِ وَعَطَايَاهُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثُلُثِهِ فِي حُقُوقِ الْوَرَثَةِ، وَمِنْ جَمِيعِ مَالِهِ فِي حُقُوقِ نَفْسِهِ، فَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ غُلِّبَ فِيهَا حَقُّ نَفْسِهِ، فَلَزِمَ جَمِيعُهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ مَالِهِ.
وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ غُلِّبَ فِيهَا حُقُوقُ الْوَرَثَةِ، فَرُدَّتْ إِلَى الثُّلُثِ، وَكَانَ لَهُمْ رَدُّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ، فَإِذَا جَمَعَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بَيْنَ عِتْقٍ وَعَطَايَا، وَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِهَا قَدَّمَ مِنْ ثُلُثِهِ مَا قَدَّمَهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ عَطِيَّةٍ، فَإِنْ قَدَّمَ الْعِتْقَ، وَاسْتَوْعَبَ بِهِ جَمِيعَ الثُّلُثِ أُبْطِلَتْ عَطَايَاهُ فِي حُقُوقِ الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ قَدَّمَ الْعَطَايَا، وَاسْتَوْعَبَ بِهَا الثُّلُثَ أَبْطَلَ بِهَا الْعِتْقَ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ أَسْبَقِهَا، عِتْقًا كَانَ أَوْ عَطِيَّةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ فِي الْعَطَايَا مُحَابَاةٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ قُدِّمَتْ عَلَى جَمِيعِ الْعِتْقِ.
وَالْعَطَايَا، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ، فَالْأَسْبَقُ مِنَ الْعَطَايَا أَوِ الْعِتْقِ، فَخَالَفَ فِي الْمُحَابَاةِ، وَوَافَقَ فِيمَا سِوَاهَا، احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْمُحَابَاةَ مُعَاوَضَةٌ فَكَانَ حُكْمُهَا أَقْوَى , وَأَلْزَمُ مِنْ غَيْرِهَا.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ اتِّخَاذُهُ، وَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ تَنْفِيذُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّ الْعَطَايَا مُحَابَاةً أَوْ كُلُّهَا غَيْرَ مُحَابَاةٍ، وَلَيْسَ لِاحْتِجَاجِهِ بِأَنَّ الْمُحَابَاةَ مُعَاوَضَةٌ وَجْهٌ، لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَخْتَصُّ بِمَا لَيْسَ فِيهِ مُحَابَاةٌ، وَلِذَلِكَ لَزِمَ، وَلَمْ تَسْقُطْ، وَالْمُحَابَاةُ عَطِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَلِذَلِكَ سَقَطَتْ وَلَمْ تَلْزَمْ.

فَصْلٌ

فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا الْأَصْلُ فِي تَقْدِيمِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، فَبَدَأَ بِالْعِتْقِ، فَقَالَ: سَالِمٌ حُرٌّ، وَغَانِمٌ حُرٌّ، وَزِيَادٌ حُرٌّ، ثُمَّ وَهَبَ وَحَابَى قَدَّمْنَا مَا بَدَأَ بِهِ مِنْ عِتْقِ سَالِمٍ، فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ أَبْطَلْنَا عِتْقَ غَانِمٍ وَزِيَادٍ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمْ بِلَفْظٍ مُتَّصِلٍ أَوْ بِأَلْفَاظٍ مُنْفَصِلَةٍ، وَسَوَاءٌ قَرُبَ مَا بَيْنَهُمْ أَوْ بَعُدَ، تَعْلِيلًا بِالتَّقَدُّمِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ.
وَلَوِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ بَعْدَ عِتْقِ سَالِمٍ لِعِتْقِ غَيْرِهِ أَعْتَقْنَا بَعْدَهُ غَانِمًا، لِأَنَّهُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ، فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ أَبْطَلْنَا عِتْقَ زِيَادٍ.
وَإِنِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ بَعْدَ سَالِمٍ وَغَانِمٍ لِعِتْقِ ثَالِثٍ أَعْتَقْنَا زِيَادًا، فَإِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ أَبْطَلْنَا مَا بَعْدَهُمْ مِنَ الْهِبَاتِ وَالْمُحَابَاةِ.
وَإِنِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ بَعْدَ عِتْقِهِمْ لِهِبَاتِهِ أَوْ مُحَابَاتِهِ قَدَّمْنَا فِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ هبة

أَوْ مُحَابَاةٍ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الثُّلُثِ، وَيُبْطَلُ مَا عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ، فَلَوِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِعَبْدٍ وَبَعْضِ آخَرَ، وَضَاقَ عَمَّا سِوَاهُ عَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ الْأَوَّلِ وَبَعْضُ الثَّانِي، وَأُبْطِلَ مَا عَدَاهُ مِنْ عِتْقٍ وَعَطِيَّةٍ.
وَلَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ: سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَزِيَادٌ أَحْرَارٌ، كَانُوا فِي الْعِتْقِ سَوَاءً، لَا يُقَدَّمُ فِيهِ مَنْ قَدَّمَ اسْمَهُ، لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ أَسْمَائِهِمْ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِتْقُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَفِي قَوْلِهِ: سَالِمٌ حُرٌّ وَغَانِمٌ حُرٌّ، وَزِيَادٌ حُرٌّ تَقَدُّمُ عِتْقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَافْتَرَقَ الْأَمْرَانِ.
وَوَجَبَ إِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ عِتْقِهِمْ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَعَتَقَ بِالْقُرْعَةِ مَنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثُ، وَرَقَّ مَنْ عَدَاهُ.

فَصْلٌ

فَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدَيْنِ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمَا، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَقِيمَةُ الْآخَرِ مِائَتَانِ، وَكَسْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلُ قِيمَتِهِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَدْخُلُ بِالْكَسْبِ دَوْرٌ فِي زِيَادَةِ الْعِتْقِ، فَنَجْعَلُ لِلْعِتْقِ سَهْمًا، وَلِلْكَسْبِ سَهْمًا، وَلِلْوَرَثَةِ سَهْمَيْنِ تَكُونُ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ، وَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ عَلَيْهَا وَهِيَ سِتُّمِائَةٍ مِنْهَا ثَلَاثُمِائَةٍ قيمتها، وثلاث مائة كَسْبُهَا، يَخْرُجُ قِسْطُ السَّهْمِ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَهُوَ سَهْمُ الْعِتْقِ، فَيُعْتَقُ مِنْهَا بِقَدْرِهِ.
فَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى مَنْ قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَمَلَكَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ، وَرَقَّ رُبْعُهُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَمَلَكَ الْوَرَثَةُ رُبْعَ كَسْبِهِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَرَقَّ لَهُمْ جَمِيعُ الْآخَرِ، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَمَلَكُوا بِهِ جَمِيعَ كَسْبِهِ، وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، صَارَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ فِي الْعِتْقِ.
وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَربع الْآخَر لِاسْتِكْمَالِ الثُّلُثِ، وَمَلَكَ الْأَوَّلُ جَمِيعَ كَسْبِهِ، وَمَلَكَ الثَّانِي رُبْعَ كَسْبِهِ، وَرَقَّ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّانِي، وَقِيمَةُ ذَلِكَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَمَلَكُوا بِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا، صَارَ لَهُمْ بِالرِّقِّ وَالْكَسْبِ ثَلَاثُمِائَةٍ دِرْهَمٍ هِيَ مِثْلَا مَا خرج بالعتق.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (فأما كُلُّ مَا كَانَ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مِنْ تَدْبِيرٍ وَغَيْرِهِ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِي الْوَصَايَا بِالْعِتْقِ وَالْعَطَايَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الْعِتْقِ وَحْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الْعَطَايَا وَحْدَهَا.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهَا الْعِتْقُ وَالْعَطَايَا.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي اشْتِمَالِهَا عَلَى الْعِتْقِ وَحْدَهُ، فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ عِتْقًا، فَيَقُولُ: اعْتِقُوا عَنِّي سَالِمًا، ثُمَّ يَقُولُ: اعْتِقُوا عَنِّي غَانِمًا، ثُمَّ يَقُولُ اعْتِقُوا عَنِّي زِيَادًا، فَكُلُّهُمْ فِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِمْ سَوَاءٌ لَا يُقَدَّمُ فِيهِمْ مَنْ قَدَّمَ الْوَصِيَّةَ بِهِ، بِخِلَافِ عِتْقِهِ النَّاجِزِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِيهِ مَنْ قَدَّمَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعِتْقَ بِالْوَصَايَا مُسْتَحَقٌّ بِالْمَوْتِ الَّذِي يَتَسَاوَوْنَ فِيهِ، وَفِي الْمَرَضِ مُسْتَحَقٌّ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُقَدَّمُونَ بِهِ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ فِي الْمَرَضِ عِتْقُ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُقَدَّمْ فِي الْوَصِيَّةِ عِتْقُ الْأَوَّلِ، وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمْ إِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُمْ، وَأَكْسَابُ جَمِيعِهِمْ قَبْلَ الْمَوْتِ تَرِكَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُلُّ عِتْقِهِ تَدْبِيرًا، فَيَقُولُ: إِذَا مُتُّ، فَسَالِمٌ حُرٌّ، ثُمَّ يَقُولُ إِذَا مُتُّ، فَغَانِمٌ حُرٌّ، ثُمَّ يَقُولُ: إِذَا مُتُّ، فَزِيَادٌ حُرٌّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَتَقَدَّمُونَ فِي الثُّلُثِ عَلَى تَرْتِيبِ مَنْ قُدِّمَ، فَيُعْتَقُ الْأَوَّلُ إِنِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ، وَرَقَّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ.
وَلَوِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِاثْنَيْنِ عَتَقَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَرَقَّ الثَّالِثُ اعْتِبَارًا بِالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِمُ الْقُرْعَةُ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ نَاجِزٌ بِالْمَوْتِ لَا يَقِفُ عَلَى الْوَرَثَةِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُمْ سَوَاءٌ لَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ الَّذِي يَتَمَاثَلُونَ فِيهِ.
فَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَتَّسِعْ لِجَمِيعِهِمْ ففيه وجهان: أحدهما: وهو المذهب: أن يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَيُعْتَقُ مِنْهُمْ مَنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَيُسْتَرَقُّ مَنْ عَجَزَ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرُ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَيُسْتَرَقُّ بَاقِيهِ، وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي تَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ.
فَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ نِصْفَ قِيمَتِهِمْ عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ، وَرَقَّ نِصْفُهُ، وَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ رُبْعَ قِيمَتِهِمْ عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهُ، وَرَقَّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ اعْتِبَارًا بِالْوَصَايَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِفَرْقِ مَا بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْوَصَايَا.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عِتْقُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى وَصِيَّةٍ بِالْعِتْقِ، وَعَلَى تَدْبِيرٍ يَتَحَرَّرُ بِالْمَوْتِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ التَّدْبِيرُ عَلَى الْعِتْقِ، لِتَقَدُّمِ نُفُوذِهِ بِالْمَوْتِ، فَإِنِ اسْتَغْرَقَ الثُّلُثُ بَطَلَ بِهِ عِتْقُ الْوَصِيَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ عِتْقَ جَمِيعِهِمْ مُسْتَحَقٌّ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِهِمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَفِي الْقُرْعَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُفْرَدُ كُلُّ فَرِيقٍ، وَيُقْرَعُ بَيْنَ عِتْقِ التَّدْبِيرِ، وَعِتْقِ الْوَصِيَّةِ، فَإِذَا وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ الثلث عتق ورق الفريق والآخر وَصِيَّةً كَانَ أَوْ تَدْبِيرًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْمَعُ فِي الْقُرْعَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَاسْتُوعِبَ بِالثُّلُثِ مَنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَرَقَّ مَنْ عَدَاهُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي اشْتِمَالِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْعَطَايَا دُونَ الْعِتْقِ، فَجَمِيعُ أَهْلِهَا يَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ إِذَا ضَاقَ عَنْهَا، يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَمَنْ تَأَخَّرَتْ، وَسَوَاءٌ كَانَ هِبَةً أَوْ مُحَابَاةً، وَأَحْسَبُ أَبَا حَنِيفَةَ يُوَافِقُ عَلَى هَذَا، وَيَسْتَهِمُونَ فِي الثُّلُثِ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ إِذَا اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُهَا، فَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمُ الْوَصِيَّةَ تَوَفَّرَتْ عَلَى الْبَاقِينَ فِي زِيَادَةِ حُقُوقِهِمْ، وَلَمْ يُقَدَّمْ بَعْضُهُمْ بِالْقُرْعَةِ عَلَى بَعْضٍ بِخِلَافِ الْعِتْقِ الْمُوجِبِ لِتَكْمِيلِهِ بِالْقُرْعَةِ فِي بَعْضِهِمْ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَلِهَذَا الْفَصْلِ أَحْكَامٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْوَصَايَا، وَمَا حَدَثَ مِنْ نِتَاجِ مَاشِيَةٍ أَوْ ثِمَارِ نَخِيلٍ أَوْ كَسْبِ عَبِيدٍ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي تَرِكَةٌ يَتَّسِعُ لَهَا الثُّلُثُ فِي تَنْفِيذِ الْوَصَايَا، وَمَا حَدَثَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِلْوَرَثَةِ لَا يَتَّسِعُ لَهَا الثُّلُثُ فِي حُقُوقِ أَهْلِ الْوَصَايَا، وَأَمَّا فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ مِنْهَا إِذَا ضَاقَتِ التَّرِكَةُ عَنْهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: لَا تُقْضَى مِنْهَا الدُّيُونُ كَمَا لَمْ تُنَفَّذْ مِنْهَا الْوَصَايَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: تُقْضَى مِنْهَا الدُّيُونُ، وَإِنْ لَمْ تُنَفَّذْ مِنْهَا الْوَصَايَا لِحُدُوثِهَا عَنِ التَّرِكَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي الدُّيُونِ بِخِلَافِ الْوَصَايَا، لِأَنَّ لِلْوَرَثَةِ شَرِكَةً فِي الْوَصَايَا بِالثُّلُثَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الدَّيْنِ.
فَصْلٌ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ اشْتِمَالِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْعِتْقِ وَالْعَطَايَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ عَلَى الْوَصَايَا، لِدُخُولِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقُوَّتِهِ بِالسِّرَايَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِاعْتِبَارِهِمَا مِنَ الثُّلُثِ وَاسْتِحْقَاقِهِمَا بِالْمَوْتِ فَيُقَسَّطُ الثُّلُثُ عَلَيْهِمَا بِالْحِصَصِ، فَمَا حَصَلَ لِلْعِتْقِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ، وَمَا حَصَلَ لِلْعَطَايَا اشتركوا

فِيهِ، وَلَمْ يُقْرَعُوا، فَلَوِ اجْتَمَعَ مَعَ الْعَطَايَا عِتْقٌ وَتَدْبِيرٌ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: يُقَدَّمُ التَّدْبِيرُ عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ عَنِ الْعِتْقِ وَالْعَطَايَا لِانَتِجَازِهِ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنِ التَّدْبِيرِ صُرِفَ فِي الْعِتْقِ دُونَ الْوَصَايَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَشْتَرِكُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَالْعِتْقِ، وَيُقَدَّمَانِ عَلَى الْعَطَايَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَيُقَسَّطُ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ، ثُمَّ يَكُونُ الْإِقْرَاعُ فِي سَهْمِ الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَصِيَّةً وَهُوَ الثُلُثُ وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ وَصِيَّةٍ وَهُوَ الثُّلُثُ أَعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) إِذَا أَجَازَ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ عِتْقُ عَبْدَيْنِ وَهُمَا ثُلُثَا الْمَيِّتِ فَمَعْنَاهُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَسَنَذْكُرُ مَا نَتَجَ فِيهَا مِنْ زِيَادَةٍ.
فَإِذَا شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ سَالِمٍ، وَقِيمَتُهُ الثُّلُثُ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ بِأَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ غَانِمٍ، وَقِيمَتُهُ الثُّلُثُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَارِثينَ مِنْ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ أَوْ مَجْرُوحَيْنِ، فَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، لِسَلَامَتِهَا مِنْ مَعَانِي الرَّدِّ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالشَّهَادَتَيْنِ عِتْقُ عَبْدَيْنِ، وَهُمَا ثُلُثَا الْمَيِّتِ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، لِيُكْمَلَ بِالْقُرْعَةِ عِتْقُ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ.
وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: (أَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ أَوْجَبَتْ أَنْ يُعْتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ، وَالشَّرْعُ قَدْ أَوْجَبَ أَنْ يُكْمَلَ الْعِتْقُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِذَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَوَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْوَارِثَانِ بِعِتْقِهِ أُمْضِيَ عَلَى هَذَا، وَرَقَّ مَنْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِهِ، وَإِنْ وَقَعَتِ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِهِ عَتَقَ، وَنُظِرَ مَا يَقُولُهُ الْوَارِثَانِ فِي شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، فَإِنْ صَدَّقَاهُمَا رَقَّ لَهُمَا مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ، وَإِنْ كَذَّبَاهُمَا لَمْ يُسْتَرَقَّ مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ إِذَا اتَّسَعَ لَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ مَجْرُوحَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، وَأُعْتِقَ مَنْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِهِ، وَنُظِرَ قَوْلُ الْوَارِثِينَ فِي شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، فَإِنْ صَدَّقَاهُمَا رَقَّ لَهُمَا مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ، وَيَكُونُ التَّأْثِيرُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِمَا إِبْطَالُ الْقُرْعَةِ.
وَإِنْ كَذَّبَاهُمَا لَزِمَهُمَا أَنْ يَعْتِقَا مِمَّنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ قَدْرَ مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ بَعْدَ خُرُوجِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَيَسْتَرِقَّا مِنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ.
وَلَوْ شَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ بِعِتْقِ سَالِمٍ فِي الْمَرَضِ، وَشَهِدَ الْوَارِثَانِ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَصِيَّةً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَكَاذُبٌ عَتَقَ سَالِمٌ، وَرَقَّ غَانِمٌ، لِأَنَّ عِتْقَ الْمَرَضِ مُقَدَّمٌ على عتق

الْوَصِيَّةِ، وَكَانَ لِلْوَارِثِينَ أَنْ يَسْتَرِقَّا مَنْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ فِي الْوَصِيَّةِ لِعَجْزِ الثُّلُثِ عَنْهُ.

مَسْأَلَةٌ

: قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ لِعَشَرَةِ أَعْبُدٍ لَهُ أَحَدُكُمْ حُرٌّ سَأَلْنَا الْوَرَثَةَ فَإِنْ قَالُوا لَا نَعْلَمُ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَأُعْتِقَ أَحَدُهُمْ كَانَ أَقَلَّهُمْ قِيمَةً أَوْ أَكْثَرَهُمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِطْلَاقُ قَوْلِهِ: لِعَشْرَةِ أَعْبُدٍ لَهُ، أَحَدُكُمْ حُرٌّ، وَلَمْ يُسَمِّهِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْصِدَ بِإِطْلَاقِهِ تَعْيِينَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمْ، فَهُوَ الْحُرُّ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي بَيَانِهِ مِنْهُمْ، فَإِنْ بَيَّنَهُ، فَقَالَ: هُوَ سَالِمٌ عَتَقَ، وَكَانَ بَيَانُهُ خَبَرًا، وَرَقَّ مَنْ سِوَاهُ.
فَلَوْ قَالَ: هُوَ سَالِمٌ أَوْ غَانِمٌ رَقَّ مَنْ سِوَاهُمَا، وَأُخِذَ بِبَيَانِ مَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمَا.
وَلَوْ قَالَ: هُوَ سَالِمٌ لَا بَلْ غَانِمٌ عَتَقَا مَعًا، لِأَنَّهُ صَارَ رَاجِعًا عَنْ سَالِمٍ، وَمُقِرًّا بِغَانِمٍ فَلَزِمَهُ إِقْرَارُهُ، وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، وَرَقَّ مَنْ عَدَا سَالِمًا وَغَانِمًا مِنْ عَبِيدِهِ، فَإِنْ أَكْذَبَهُ أَحَدُهُمْ، وَادَّعَى أَنَّهُ هُوَ الْمُعَيَّنُ بِالْعِتْقِ أُحْلِفَ لَهُ السَّيِّدُ، وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ، وَإِنْ نَكَلَ السَّيِّدُ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْعَبْدِ، فَإِذَا حَلَفَ عَتَقَ، فَإِنْ فَاتَ بَيَانُ السَّيِّدِ حَتَّى مَاتَ رُجِعَ بَعْدَهُ إِلَى بَيَانِ وَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ بَيَانٌ، وَقَامَ بَيَانُهُمْ مَقَامَ بَيَانِهِ، لِأَنَّهُمْ فِي مَالِهِ بِمَثَابَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْوَرَثَةِ بَيَانٌ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَيُعْتَقُ مَنْ قُرِعَ مِنْهُمْ، وَيُسْتَرَقُّ بَاقِيهِمْ، لِأَنَّ الْقُرْعَةَ مَوْضُوعَةٌ لِتَمْيِيزِ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الرِّقِّ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ إِلَى الْمَنْعِ مِنَ الْقُرْعَةِ، وَتَوَقُّفِهِمْ عَلَى بَيَانٍ قَاطِعٍ، لِأَنَّ دُخُولَ الْقُرْعَةِ يُفْضِي إِلَى رِقِّ مَنْ أَعْتَقَهُ، وَعِتْقِ مَنْ أَرَقَّهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْبَيَانَ فَائِتٌ، وَوُقُوفَ أَمْرِهِمْ مُضِرٌّ بِالْحُرِّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَمُضِرٌّ بِالْأَرِقَّاءِ فِي حُقُوقِ الْوَرَثَةِ، فَلَمْ يَنْتَفِ الضَّرَرُ فِي الْجِهَتَيْنِ إِلَّا بِالْقُرْعَةِ.

فَصْلٌ

: وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُبْهَمَ الْعِتْقُ فِيهِمْ، وَلَا يُقْصَدَ تَعْيِينُهُ فِي أَحَدِهِمْ، فَيُؤْخَذُ بِتَعْيِينِهِ، وَيَكُونُ فِي التَّعْيِينِ عَلَى خِيَارِهِ، فَإِذَا عَيَّنَهُ فِي أَحَدِهِمْ عَتَقَ، وَرَقَّ مَنْ سِوَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قيمة أو أقلهم، فلو ادعى غيره التعيين لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهُ فِي هَذَا التَّعْيِينِ مُخْبِرٌ وَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ، فَلَوْ قَالَ عِنْدَ التَّعْيِينِ: هُوَ سَالِمٌ لَا بَلْ غَانِمٌ عَتَقَ سَالِمٌ دُونَ غَانِمٍ بِخِلَافِهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ هَذَا تَخْيِيرٌ فِي تَعْيِينِ عِتْقٍ قَدْ لَزَمَ، فَإِذَا عَيَّنَهُ فِي الْأَوَّلِ سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الثَّانِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ لَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ خَبَرِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ فَاتَ تَعْيِينُهُ لِلْعِتْقِ بِمَوْتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيهِ، وَلَهُمْ أَنْ يُعَيِّنُوا مَا أَبْهَمَهُ مِنَ الْعِتْقِ فِيمَنْ أَرَادُوا، لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا حَقَّ لَهُمْ فِي تَعْيِينِ مَا أَبْهَمَهُ، لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُبْهَمِ مَوْقُوفٌ عَلَى خِيَارِ الْمُعْتِقِ بِحَسْبِ غَرَضِهِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي وَرَثَتِهِ، فَعَلَى هَذَا يُعْدَلُ إِلَى تَعْيِينِهِ بِالْقُرْعَةِ، وَيُعْتَقُ مِنْهُمْ مَنْ قُرِعَ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ دَيْنًا أَوْ غَائِبَةً لَمْ يُعَجَّلْ عتق جميعه، وإن كان خارجاً من ثلث التركة لو نضت لجواز أن يقوى الدين أو تتلف الغائبة، وعجل عتق ثلثه، ووقف ثلثا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْعِتْقِ إِنْ نَضَّتْ وَالرِّقِّ إِنْ تَلِفَتْ، وَمَلَكَ ثُلُثَ كَسْبِهِ الْمُسْتَحَقِّ بِعِتْقِهِ.
فَأَمَّا ثُلُثَا كَسْبِهِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْمَوْقُوفِ عَنْهُ، فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ ثُلُثَيْ نَفَقَتِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مَوْقُوفًا مَعَهُ، فَإِنْ عَتَقَ بَاقِيهِ كَانَ لَهُ، وَإِنَّ رَقَّ كَانَ لِلْوَرَثَةِ، لِأَنَّ كَسْبَهُ نَفْعٌ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثاني: أن يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ لِئَلَّا يَمْتَنِعُوا مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالْوَقْفِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ رَقَّ بَاقِيهِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُمْ عَلَى مَا أَخَذُوهُ مِنْ كَسْبِهِ، لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِمْ عَلَى رِقِّهِ، وَإِنَّ عَتَقَ بَاقِيهِ، فَفِي وُجُوبِ رَدِّهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرُدُّهُ الْوَرَثَةُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ كَسْبَ الْحُرِّ لَا يُمْلَكُ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ حُكْمَ الرِّقِّ فِي حَالِ الْوَقْفِ أَغْلَبُ مِنْ حُكْمِ الْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ نَضَّ مِنَ الدَّيْنِ أَوِ الْغَائِبِ مِائَةٌ، وَبَقِيَتْ مِائَةٌ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثٌ آخَرُ، وكان حكمه كحكم الثالث الْأَوَّلِ، وَكَانَ ثُلُثُهُ مَوْقُوفًا عَلَى نَضِّ مَا بَقِيَ، وَيُمْنَعُ الْوَرَثَةُ مِنْ بَيْعِ مَا وُقِفَ مِنْهُ، وَمِنْ رَهْنِهِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ مَوْضُوعٌ لِلْبَيْعِ.
فَأَمَّا إِجَارَتُهُ، فَإِذَا رَاضَاهُمُ الْعَبْدُ عَلَيْهَا جَازَ، وَإِنْ مَنَعَهُمْ مِنْهَا، فَفِيهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي كَسْبِهِ: هَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا أَوْ لِوَرَثَتِهِ.
أَحَدُهُمَا: يُمْنَعُونَ مِنْهَا إِذَا جُعِلَ كَسْبُهُ مَوْقُوفًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمَكَّنُونَ مِنْهَا إِذَا جعل كسبه لهم، فإن أعتقه الْوَرَثَةُ مَا وُقِفَ مِنْهُ لَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ مَلَكُوهُ، لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عِتْقِ موروثِهِمْ، فَلَمْ يُنَفَّذْ فِيهِ عِتْقُ غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ إِبْطَالِ عِتْقِهِ، وَلَوْ دَبَّرُوهُ كَانَ فِي تَدْبِيرِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ كَالْعِتْقِ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ لِتَأْخِيرِ الْعِتْقِ بِهِ، وَتَغْلِيبِ حُكْمِ الرِّقِّ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.

باب من يعتق بالملك وفيه ذكر عتق السائبة ولا ولاء إلا لمعتق

مسألة

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مَنْ مَلَكَ أَحَدًا مِنْ آَبَائِهِ أَوْ أُمَّهَاتِهِ أَوْ أَجْدَادِهِ أَوْ جداته أو ولده بَنِيْهِ أَوْ بَنَاتِهِ عَتَقَ بَعْدَ مِلْكِهِ بَعُدَ مِنْهُ الْوَلَدُ أَوْ قَرُبَ الْمَوْلُودُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ سِوَى مَنْ سَمَّيْتُ بِحَالٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ وَقَالَ دَاوُدٌ: لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْمِلْكِ، وَيُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِلَّا الْوَالِدُ يُؤْخَذُ بِعِتْقِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يُجْزِئُ وَلَد وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهِ فَيُعْتِقَهُ " فَخُصَّ الْوَالِدُ مِنْ بَيْنِهِمْ بِوُجُوبِ ابْتِيَاعِهِ، وَاسْتِئْنَافِ عِتْقِهِ بَعْدَ مِلْكِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ أَحَدٌ.
وِدَلِيلُنَا عَلَيْهِ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانُوا عِبَادًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونُوا أَوْلَادًا، فَانْتَفَى بِذَلِكَ اسْتِقْرَارُ مِلْكٍ عَلَى وَلَدٍ.
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ) وَهَذَا نَصٌّ يُوجِبُ الْعِتْقَ، وَيَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَلِأَنَّ بَيْنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ بَعْضِيَّةٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ بَعْضَهُ، لِأَنَّ الْبَعْضَ تَابِعٌ لِلْكُلِّ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَهُوَ بِأَنْ يَكُونُ دَلِيلًا لَنَا أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْنَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَيَشْتَرِيَهِ فَيُعْتِقَهُ) أَيْ فَيَعْتِقَ عَلَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الْعِتْقِ بِالْإِعْتَاقِ، كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (يا كَعْبُ النَّاسُ غَادِيَانِ: بَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا وَمُشْتَرٍ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا) أَيْ فَيُعْتَقُ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ مَا يُوجِبُ الْعِتْقَ، وَيَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُعْتَقُ بِهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ مِلْكِهِ مِنْ وَالِدِيهِ، وَمَوْلُودِيهِ، فَوَالِدُوهُ آبَاؤُهُ، وَأُمَّهَاتُهُ، وَأَجْدَادُهُ، وَجَدَّاتُهُ.
وَمَوْلُودُوهُ: أَبْنَاؤُهُ، وَبَنَاتُهُ، وَأَوْلَادُ بَنِيهِ، وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ، وَمَنْ بَعُدَ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَاسِبِينَ وَلَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَإِنْ كَانُوا ذَوِي مَحَارِمَ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَالْأَعْمَامِ، وَالْعَمَّاتِ، وَالْأَخْوَالِ، وَالْخَالَاتِ.
وَزَادَ مَالِكٌ عَلَى قَوْلِنَا، فَأَعْتَقَ مَعَ الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ، الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ دُونَ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ، لِأَنَّهُمْ قَدْ شَارَكُوا فِي الصُلْبِ وَرَاكَضُوا فِي الرَّحِمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ بِالنَّسَبِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَأَدْخَلَ فِيهِمُ الْأَعْمَامَ، وَالْعَمَّاتِ، وَالْأَخْوَالَ وَالْخَالَاتِ، دُونَ أَوْلَادِهِمُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ) وَقِيَاسًا عَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ بِعِلَّةِ أَنَّهُمْ ذَوُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) فَاقْتَضَى عُمُومُ هَذَا الظَّاهِرِ إِقْرَارُ مِلْكِهِ عَلَى كُلِّ مَمْلُوكٍ مِنْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ إِلَّا مَنْ خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ لَا وِلَادَةَ بَيْنَهُمَا لَمْ يُعْتَقْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْمِلْكِ قِيَاسًا عَلَى ابْنِ الْعَمِّ.
وَلِأَنَّ كُلَّ قَرَابَةٍ لَا تَتَضَمَّنُ رَدَّ الشَّهَادَةِ لَمْ يُعْتَقْ بِالْمِلْكِ قِيَاسًا عَلَى بَنِي الْأَعْمَامِ طَرْدًا،.
وَعَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ عَكْسًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ قَدْ أَعْلُّوهُ، لِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ، وَلَمْ يُثْبِتْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَرْوِهِ مِنْ أَصْحَابِ سُفْيَانَ إِلَّا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ مَضْعُوفٌ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ الثِّقَاتِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الرَّحِمِ فِي اللُّغَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالْوِلَادَةِ، وَتُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهَا مَجَازًا، وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِحَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ دُونَ مَجَازِهَا.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ بِعِلَّةِ أَنَّهُمْ ذَوُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لَا يَصِحُّ فِي ذَكَرَيْنِ، وَلَا فِي أُنْثَيَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ بَيْنَ ذَكَرَيْنِ وَلَا بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمَحْرَمُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَبَطَلَ التَّعْلِيلُ بِالْمَحْرَمِ، لِأَنَّ حُكْمَ الذَّكَرَيْنِ وَالْأُنْثَيَيْنِ كَحُكْمِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعْلِيلٌ يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْعِتْقِ بِالنِّكَاحِ وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ أَعَمُّ تَحْرِيمًا مِنَ الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ تَحْرِيمَ النَّسَبِ إِلَى تَحْرِيمِ السَّبَبِ مِنْ رَضَاعٍ وَمُصَاهَرَةٍ، وَالْعِتْقُ يَقْصُرُ عَنْهُ فِي السَّبَبِ، فَقَصُرَ عَنْهُ فِي النَّسَبِ.
وَلَئِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ قَدْ أَعْتَقَ كُلَّ مُحَرَّمَةٍ بِنَسَبٍ وَسَبَبٍ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَعْتِقُ الْمُحَرَّمَةَ بِالسَّبَبِ مِنْ رِضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَإِنَّمَا يَعْتِقُهَا بِالنَّسَبِ مِنْ أُبُوَّةٍ أَوْ بُنُوَّةٍ، فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِهَا أَوْلَى مِنَ التَّعْلِيلِ بِالتَّحْرِيمِ.

فَصْلٌ

إِذَا زَنَى وَأَوْلَدَ بِنْتًا لَمْ تَعْتِقْ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَعْتِقُ عَلَيْهِ احْتِجَاجًا بِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ كَالْمَوْلُودَةِ مِنْ نِكَاحٍ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّهَا وِلَادَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ثُبُوتُ النَّسَبِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا وُقُوعُ الْعِتْقِ، قِيَاسًا عَلَى الْمَزْنِيِّ بِهَا إِذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ النَّفَقَةَ لَمْ يَقَعْ بِهِ الْعِتْقُ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ ذِي الْمَحْرَمِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الِامْتِنَاعُ مِنْ تَسْلِيمِ خَلْقِهَا مِنْ مَائِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِمَائِهِ فِي الزَّوْجَةِ حُرْمَةٌ تُوجِبُ ثُبُوتَ النَّسَبِ، فَأَوْجَبَتْ وُقُوعَ الْعِتْقِ، وَلَيْسَ لِمَائِهِ فِي الزَّانِيَةِ حُرْمَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ يَقَعُ بِهَا الْعِتْقُ.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الَّذِي يُعْتَقُ بِالْمِلْكِ هُمُ الْوَالِدُونَ وَالْمَوْلُودُونَ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَقَارِبِ وَالْمُنَاسِبِينَ، فَبِأَيِّ سَبَبٍ مَلَكَهُمْ مِنِ ابْتِيَاعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ عَتَقُوا بِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا عَتَقُوا بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ عَتَقُوا عَلَيْهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي مَلَكَهُمْ بِهِ فَإِنْ مَلَكَهُمْ بِابْتِيَاعٍ كَانَ الْعَقْدُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ وَالْعِتْقِ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ فِيهِ خِيَارُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَيَكُونُ حُكْمُ هَذَا الِابْتِيَاعِ جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ لِلْبَائِعِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِأَلْفٍ، فَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ خِيَارٌ بَعْدَ عِتْقِهِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ عَتَقُوا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ الَّذِي مَلَكَهُمْ بِهِ لِيَكُونَ بِالْعَقْدِ مَالِكًا، وَبِالْمِلْكِ مُعْتِقًا، لِأَنَّ الْعَقْدَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَلِإِزَالَتِهِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، لِتَنَافِيهِمَا، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ، وَفِي ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ: هَلْ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ أَوْ بِنَفْسِ الْخِيَارِ.
أَحَدُهُمَا: لَا خِيَارَ لَهُ إِذَا جُعِلَ مَالِكًا بِالْعَقْدِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْبَائِعُ الْفَسْخَ انْتَقَضَ بِهِ الْعِتْقُ، وَإِنِ اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ الْخِيَارُ إِذَا جُعِلَ مَالِكًا بِانْقِضَاءِ الْخِيَارِ، وَيَكُونُ خِيَارُهُ مُسْتَحَقًّا وَلَهُ الْفَسْخُ بِهِ مَا لَمْ يَخْتَرِ الْبَائِعُ الْإِمْضَاءَ، فَإِذَا اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ سَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي، وَكَانَ إِمْضَاءُ الْبَائِعِ قَطْعًا لِخِيَارِهِ وَخِيَارِ الْمُشْتَرِي.

فَصْلٌ

وَإِذَا وُهِبَ لَهُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْقَبْضِ مَالِكًا.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْهِبَةَ تُوجِبُ الْمُكَافَأَةُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا، وَكَانَ فِي الْقَبُولِ مُخَيَّرًا وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُكَافَأَةَ لَا تَجِبُ فَفِي وُجُوبِ قَبُولِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ لِيَعْتِقَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ مَأْخُوذٌ بِحَقِّهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شِئْتَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَشَاءَ لِيُعْتَقَ بِالْمَشِيئَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، لِمَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ مِنْ حُقُوقٍ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبُولِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ، أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شِئْتَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَشَاءَ، وَكَانَ فِي الْمَشِيئَةِ مُخَيَّرًا.
وَإِذَا وَصَّى لَهُ بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ فِي قَبُولِ الْوَصِيَّةِ مُكَافَأَةٌ، وَفِي وُجُوبِ قَبُولِهَا وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى.

فَصْلٌ

فَإِذَا ابْتَاعَ فِي مَرَضِهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ كَانَ ثَمَنُهُ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ كَعِتْقِهِ فِي مَرَضِهِ، فَإِنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ مَعَ الِابْتِيَاعِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَوْرِيثِهِ، فَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَجُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُورَثُ، لِأَنَّ عِتْقَهُ لَمَّا اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ كَانَ وَصِيَّةً لَهُ، وَلَا تَجْتَمِعُ الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ منهم أبو الحسين بْنُ اللَّبَّانِ الْفَرَضِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُورَثُ، لِأَنَّ المعتبر من الثلث من هُوَ الثَّمَنُ، وَهُوَ حَقٌّ لِلْبَائِعِ، فَخَرَجَ أَنْ يَكُونَ وَصِيَّةً لِهَذَا الْمُعْتِقِ، فَإِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ ثَمَنِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَمْضِي الْبَيْعُ فِي جَمِيعِهِ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ لِوَرَثَتِهِ، لِيَصِيرَ لَهُمْ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ عَتَقَ مِنْ مِلْكِهِمْ، وَكَانَ لَهُمْ وَلَاءُ ثُلُثَيْهِ، وَلِلْمُورِثِ وَلَاءُ ثُلُثِهِ.
وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ كَانَ ثُلُثَاهُ بَاقِيًا عَلَى رِقِّهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَمْضِي الْبَيْعُ فِي ثُلُثِهِ وَيُفْسَخُ فِي ثُلُثَيْهِ إِذَا رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِتَفْرِيقِهَا، فَفِي فَسْخِهِ وَجْهَانِ: مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي عِتْقِهِ: هَلْ وَقَعَ بِالْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ؟ : أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ بِالْعَقْدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ الْفَسْخُ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ.
فَإِنْ جُوِّزَ لَهُ الْفَسْخُ فَفَسَخَ عَادَ رَقِيقًا إِلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَعَادَ إِلَى الْوَرَثَةِ جَمِيعُ الثَّمَنِ.
وَإِنْ مُنِعَ مِنَ الْفَسْخِ أَمْضَى الْبَيْعَ فِي ثُلُثِهِ، وَعَتَقَ عَلَى مُشْتَرِيهِ، وَفَسَخَ الْبَيْعَ فِي ثُلُثَيْهِ، وَرُدَّ عَلَى بَائِعِهِ، وَاسْتُرْجِعَ مِنْهُ ثُلُثَا الثَّمَنِ، وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُمْ ثُلُثَا الرَّقَبَةِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ بِالْمِيرَاثِ إِلَّا مَا مَلَكَهُ الْمَوْرُوثُ، وَالْمَوْرُوثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُ وَرَثَتِهِ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ تَوْرِيثِ رَقَبَتِهِ إِلَى تَوْرِيثِ ثَمَنِهِ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثَاهُ مُسْتَرَقًّا فِي الْحَالَيْنِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا اشْتَرَى أَبَاهُ فِي مَرَضِهِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَتَرَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُجْعَلُ الْعِتْقُ مَقْسُومًا عَلَى الْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ، وَالْعِتْقُ مِائَةٌ، وَالْمُحَابَاةُ، مِائَةٌ، وَالتَّرِكَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ فَيُعْتَقُ مِنَ الْأَبِ نِصْفُهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، نِصْفُهَا عِتْقٌ وَنِصْفُهَا مُحَابَاةٌ.
وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، يُدْفَعُ إِلَى وَرَثَتِهِ مَعَ الْمِائَةِ الَّتِي تَرَكَهَا، يَصِيرُ مَعَهُمْ مِائَتَا دِرْهَمٍ هِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُقَدَّمُ الْمُحَابَاةُ فِي الثُّلُثِ عَلَى الْعِتْقِ، لِأَنَّهَا أَصْلٌ لِلْعِتْقِ، وَهِيَ مُسْتَوْعِبَةٌ لِلثُّلُثِ، وَيَرِقُّ الْأَبُ لِلْوَرَثَةِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ، وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ تُضَمُّ إِلَى الْمِائَةِ يَصِيرُ مَعَهُمْ مِائَتَا دِرْهَمٍ هِيَ مِثْلَا مَا خَرَجَ بِالْمُحَابَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُفْسَخُ فِيهِ الْبَيْعُ، وَيُعَادُ إِلَى رِقِّ الْبَائِعِ حَتَّى لا يورث عن غَيْرِ مِلْكٍ، وَيَسْتَرْجِعُ الْوَرَثَةُ جَمِيعَ ثَمَنِهِ، وَيَبْطُلُ بذلك حكم العتق والمحاباة.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ مَلَكَ شِقْصًا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَرَقَّ بَاقِيهِ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا مَلَكَ بِاخْتِيَارِهِ شِقْصًا مِمَّنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ عَتَقَ مَا مَلَكَهُ مِنْهُ كَمَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهُ كُلَّهُ، وَكَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَيُعْتَبَرُ حَالُهُ بَعْدَ عِتْقِ الشِّقْصِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا لِقِيمَةِ بَاقِيهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَعَتَقَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِهِ رَقَّ بَاقِيهِ لِمَالِكِهِ، وَكَانَ الْعِتْقُ بِالْمِلْكِ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ جَارِيًا مَجْرَى عِتْقِ الْمُبَاشَرَةِ إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ، وَسَوَاءٌ مَلَكَ الشِّقْصَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ مَلَكَهُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ مِنْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، لِثُبُوتِ مِلْكِهِ فِي الْحَالَيْنِ، فَاسْتَوَيَا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ وَوُجُوبِ التَّقْوِيمِ، وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَمْلِكَهُ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، وَصَحَّ أَنْ يَمْلِكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ مَا مَلَكَ مِنْهُ، وَفِي تَقْوِيمِ بَاقِيهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ بِالْحَجْرِ كَالْمُعْسِرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَوَّمُ عَلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالشَّرْعِ كالنفقات وأروش الجنايات.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ وَرِثَ مِنْهُ شِقْصًا عَتَقَ وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ وَإِنْ وُهِبَ لِصَبِيٍّ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ: لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْمِيرَاثِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَعَتَقَ عَلَيْهِ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ، لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِ، كَمَنْ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ، وَخَرَجَ بَعْضُهُ مِنْ ثُلُثِهِ رَقَّ بَاقِيهِ لِوَرَثَتِهِ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِمْ فِي عِتْقِهِ.
لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ.
فَلَوِ ابْتَاعَ شِقْصًا مِنْ أَبِيهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَبُوهُ، ثُمَّ عَلِمَ، عَتَقَ عَلَيْهِ مَا مَلَكَهُ مِنْهُ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ وَالتَّقْوِيمُ مُعْتَبَرٌ بِاخْتِيَارِ الْمِلْكِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِاخْتِيَارِ الْعِتْقِ.
وَلَوْ غُنِمَ أَبُوهُ، وَهُوَ أَحَدُ شُرَكَاءِ غَانِمِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغَنِيمَةِ غَيْرُ أَبِيهِ أَحَدٌ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ، فَيُنْظَرُ فَإِنْ بَاشَرَ غَنِيمَتَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ مِنْهُ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَإِنْ غَنِمَهُ شُرَكَاؤُهُ، وَلَمْ يُبَاشِرْ غَنِيمَتَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ، مِنْهُ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ بَاقِيهِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ غَيْرُ أَبِيهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَمْلِكُهُ الْغَانِمُونَ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ، وَإِجَازَةُ الْغَنَائِمِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مَلَكُوا بِالْحُضُورِ أَنَّ يَتَمَلَّكُوا الْغَنِيمَةَ، وَلَا يَمْلِكُونَهَا إِلَّا بِالْقِسْمَةِ فَعَلَى هذا ينظر.

فَإِنْ حَصَلَ أَبُوهُ فِي سَهْمِ غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ، وَإِنْ حَصَلَ فِي سَهْمِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَصَلَ بَعْضُهُ فِي سَهْمِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ، سَوَاءٌ بَاشَرَ غَنِيمَتَهُ أَوْ لَمْ يُبَاشِرْهَا، لِأَنَّهُ بِأَخْذِهِ فِي سَهْمِهِ قَدْ صَارَ مَالِكًا لَهُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ قَدْ مَلَكُوا الْغَنِيمَةَ بِالْحُضُورِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ سَائِغَةً بَيْنَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بِالْقِسْمَةِ إِلَى مَا تَعَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقِسْمَةِ غَيْرُ أَبِيهِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ سَهْمُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِذَا لَمْ يُبَاشِرْ غَنِيمَتَهُ إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِالْقِسْمَةِ في سهمه، فيعتق بها.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ وَلَا مِلْكَ لَهُ وَلَهُ وَصِيٌّ كَانَ عَلَيْهِ قَبُولُ هَذَا كُلِّهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ لِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرِ عِتْقَ مَا بَقِيَ وَإِنْ قَبِلَهُ فَمَرْدُودٌ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا يُعْتَقُ مَا مَلَكَ الصَّبِيُّ وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي مَوْلَى عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ، وُهِبَ لَهُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ، أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوهَبَ لَهُ جَمِيعُهُ، فَإِنْ وُهِبَ لَهُ جَمِيعُ أَبِيهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْأَبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا أَوْ غَيْرَ مُكْتَسَبٍ.
فَإِنْ كَانَ مُكْتَسَبًا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّ الْمَوْلَى عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهُ عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ رِقُّ أَبِيهِ، وَيُمْلَكُ بِهِ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ، وَإِنْ عَاشَ وَاحْتَاجَ الْوَلَدُ الْتَزَمَ نَفَقَتَهُ، فَاسْتَفَادَ بِالْقَبُولِ حُقُوقًا لَمْ يَجُزْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُضَيِّعَهَا عَلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْوَلِيُّ مِنَ الْقَبُولِ قَبِلَهُ الْحَاكِمُ فِي حَقِّهِ لِظُهُورِ الْمُصْلِحَةِ فِي قَبُولِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْأَبُ زَمِنًا غَيْرَ مُكْتَسِبٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ وَلَدِهِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.
فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يَقْبَلَ لَهُ الْوَصِيَّةَ بِهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِالْقَبُولِ عِتْقَ أَبِيهِ وَاسْتِحْقَاقَ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمْنَعَ الْوَلِيُّ مِنْ قَبُولِهِ، لِمَا فِي الْقَبُولِ مِنَ الْتِزَامِ نَفَقَتِهِ، فَصَارَ عَائِدًا بِالضَّرَرِ عَلَى الْوَلَدِ.

فَصْلٌ

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ أَوِ الْوَصِيَّةُ، بِشِقْصٍ مِنْ أَبِيهِ لَا بِجَمِيعِهِ، فَلِلْوَلَدِ حَالَتَانِ: مُوسِرٌ، وَمُعْسِرٌ.
فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ بِالشِّقْصِ مِنَ الْأَبِ، لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَيَمْلِكُ بِهِ الْوَلَاءَ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي بِالْإِعْسَارِ، فَعَادَ بِنَفْعٍ لَا

ضَرَرَ مَعَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مُكْتَسِبًا أَوْ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُ لَا تَلْزَمُهُ مَعَ إِعْسَارِهِ.
وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، فَفِي قَبُولِ الْوَلِيِّ لِلشِّقْصِ مِنَ الْأَبِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ قَبُولَهُ مُوجِبٌ لِتَقْوِيمِ بَاقِيهِ عَلَى الْوَلَدِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ يُثْلَمُ بِهِ مَالُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَقْبَلُهُ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي، لِأَنَّهُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ كَالْمُعْسِرِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ الْبَاقِي لِهَذَا الْمَعْنَى، فَلِمَ مَنْعَ الْوَلِيُّ مِنَ الْقَبُولِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّقْوِيمِ اجْتِهَادٌ رُبَّمَا رَأَى بَعْضُ الْحُكَّامِ خِلَافَهُ، فَقُوِّمَ فَصَارَ الْقَبُولُ مَعْرَضًا لِدُخُولِ الضَّرَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

باب في الولاء

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْوَلَاءُ، فَهُوَ مُسْتَحَقٌّ بِالْعِتْقِ يَمْلِكُهُ الْمُعْتِقُ عَلَى مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ بَعْدَ رِقِّهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ فِي وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ يَجْرِي مَجْرَى النَّسَبِ فِي التَّوَارُثِ بِهِ بَعْدَ النَّسَبِ.
وَالْأَصْلُ فِي ثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ الْحَدِيثُ الْمُقَدَّمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يؤهب) . وَلَمْ يَرْوِ الشَّافِعِيُّ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَقَالُوا: لَمْ يَرْوِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا رَوَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (نَهَى عَنِ الْوَلَاءِ وِهِبَتِهِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَغَلَطَ فِيهِ الْعِرَاقِيُّونَ، ورَوَوْا عَنْهُ مَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ) فَهُوَ مُرْسَلٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُرْسَلًا، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ تارة مسنداً عن سمرة ابن جُنْدُبٍ، وَأَحَادِيثُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَضْعُوفَةٌ، فَغَلِطُوا فِي نَقْلِهِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا رَوَاهُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهِ) .

وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ) . وَإِرْسَالُ هَذَا الْحَدِيثِ أَثْبَتُ مِنْ إِسْنَادِهِ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ مَا اشْتُهِرَ نَقْلُهُ فِي الْأَمَةِ أَنَّ عَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا - أَرَادَتْ شِرَاءَ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَهَا فَاشْتَرَطَ مُوَالِيهَا الْوَلَاءَ لَهُمْ، فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: (اشْتَرِي وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَفَعَلَتْ) . فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ، وَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ.
الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ لِإِنْعَامِهِ بِالْعِتْقِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37] يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أَنْعَمَ الله عليه بالإسلام وأنعم الرسول عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ السَّيِّدُ الْمُعْتِقُ: الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ: الْمَوْلَى الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اسْمَ الْمَوْلَى يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ فَاحْتَاجَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اسْمِ الْمَوْلَى إِلَى مَا يَتَمَيَّزَانِ بِهِ فَقِيلَ فِي تمييزهم امولى أَعْلَى وَمَوْلًى أَسْفَلَ، وَقِيلَ: مَوْلَى نِعْمَةٍ، وَمَوْلَى منعم عليه.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ لِكُلِّ مُعْتِقٍ، فَالَّذِي يُسْتَحَقُّ بِالْوَلَاءِ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: الْمِيرَاثُ.
يَرِثُ بِهِ مَا يَرِثُهُ الْعَصَبَاتُ عِنْدَ عَدَمِهِمْ، فَيَرِثُ الْأَعْلَى مِنَ الْأَسْفَلِ، وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْأَعْلَى فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَشَذَّ عَنْهُمْ طَاوُسٌ، فَوَرَّثَ الْأَسْفَلَ مِنَ الْأَعْلَى كَمَا وَرَّثَهُ الْأَعْلَى.
وَالثَّانِي: الْعَقْلُ فِي تَحَمُّلِ دِيَةِ الْخَطَأِ يَعْقِلُ الْأَعْلَى عَنِ الْأَسْفَلِ، وَفِي عَقْلِ الْأَسْفَلِ عَنِ الْأَعْلَى قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ.
وَالثَّالِثُ: الْوِلَايَةُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ إِذَا عُدِمَ عَصَبَاتُ النَّسَبِ قَامَ الْمَوْلَى الْأَعْلَى فِيهِ مَقَامَهُمْ، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى الْأَسْفَلِ فِيهِ، وَلَا يَجِبُ بِالْوَلَاءِ نَفَقَةٌ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ من مَحْرَمٌ، وَفِي الْمِيرَاثِ يَسْتَحِقُّهُ الْآبَاءُ ثُمَّ الْأَبْنَاءُ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْعَصَبَاتِ، وَالْعَقْلُ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْآبَاءُ وَلَا الْأَبْنَاءُ وَيَتَحَمَّلُهُ مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْعَصَبَاتِ، لِرِوَايَةِ خُصَيْفٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَهَا ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، وَتَرَكَتِ ابْنَهَا وَأَخَاهَا ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَهَا مَوْلَاهَا، فَأَتَى ابْنُ الْمَرْأَةِ وَأَخُوهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مِيرَاثِهَا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (مِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ) ، فَقَالَ أَخُوهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَرَّ جَرِيرَةً عَلَى مَنْ كَانَتْ؟

قَالَ: (عَلَيْكَ) . قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: (لَوْ جَرَّ جَرِيرَةً كَانَتْ عَلَيَّ، وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِهَذَا؟ قال: نعم) .

فَصْلٌ

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا الْوَصِيَّةُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَحُكِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، أَنَّ بَيْعَ الْوَلَاءِ وهبته الوصية بِهِ جَائِزَةٌ، وَأَضَافُوهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ وَهَبَتْ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ورضي عَنْهَا، وَلَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ مُكَاتَبًا لَهَا، وَابْنُ عَبَّاسٍ ابْنُ أُخْتِهَا.
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اشْتَرَى وَلَاءَ طَهْمَانَ وَبَنِيهِ لِبَنِي أَخِيهِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ، وَوَهَبَ وَلَاءَهُ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ، وَأَشْهَدَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ.
وَرُوِّي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ حِصْنِ مُحَارِبٍ وَهَبَتْ وَلَاءَ عَبْدٍ لَهَا لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ الْمَوْلَى وَهَبَ وَلَاءَ نَفْسِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ الْمَرْأَةُ خَاصَمَ وَرَثَتُهَا الْمَوْلَى إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَعَا الْمَوْلَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا قَالَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانَ: وَالِ مَنْ شِئْتَ، فَوَالَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرٍو.
وَهَذَا قَوْلٌ يَبْطُلُ بِالنَّصِّ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ) ، وَبِقَوْلِهِ: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يوهب) . وبما روي عنه أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ تَوَلَّى غَيْر مَوَالِيهِ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ) . وَرُوِيَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَأَلَ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ شِرَاءِ الْوَلَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (لَا تَبِيعُوا الْوَلَاءَ وَلَا تَأْكُلُوا ثَمَنَهُ) . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: (الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ قِرُّوهُ حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (الْوَلَاءُ نَسَبٌ.
أَيَبِيعُ الرَّجُلُ نَسَبَهِ) ؟ فَأَمَّا مَا رَوَوْهُ مِنَ الْآثَارِ، فَلَا يُعَارِضُ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ نُصُوصِ الْأَخْبَارِ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ عَلَى وُجُوهٍ لَا تُعْرَفُ عِلَلُهَا، وَقَدْ أَنْكَرَهَا الزُّهْرِيُّ وَأَنْشَدَ: (فَبَاعُوهُ مَمْلُوكًا وَبَاعُوهُ مُعْتَقًا ... فَلَيْسَ لَهُ حتى الممات خلاص)

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وفي قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فإنما الولاء من أَعْتَقَ " دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ إِلَّا لِمُعْتِقٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِهَذَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِكُلِّ مُعْتِقٍ فِي وَاجِبٍ، وَتَطَوُّعٍ بِقَوْلٍ، وَفِعْلٍ كَعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ، لِأَنَّهُ عِتْقٌ زَالَ بِهِ، الرِّقُّ، وَثَبَتَ بِهِ الْوَلَاءُ فَكَانَ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ عَلَى سَوَاءٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنِ الْمُعْتِقِ بِبَيْعٍ، وَلَا هِبَةٍ، وَلَا وَصِيَّةٍ، وَقَدْ شَذَّ فِيهِ خِلَافٌ، وَرُدَّ بِنَصٍّ لَا يُدْفَعُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَى مَنْ لَمْ يُعْتَقْ مِنْ رِقٍّ، رَدًّا عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ثَلَاثَةٍ أَثْبَتَ عَلَيْهِمُ الْوَلَاءَ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَقُوا: أَحَدُهَا: إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ بِالتَّحَالُفِ عَلَى التَّنَاصُرِ، وَالتَّوَارُثِ، وَالْعَقْلِ، فَلَا حُكْمَ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ فِي تَوَارُثٍ، وَلَا عَقْلٍ، وَإِنْ كَانَ التَّحَالُفُ عَلَى التَّنَاصُرِ وَالتَّعَاضُدِ حَسَنًا، كَحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ كَانَ مِثْلُهُ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ أَمْنَعْ مِنْهُ.
وقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَنْعَقِدُ بِهِ الْوَلَاءُ فِي التَّوَارُثِ وَالْعَقْلِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَحَالِفِينَ فَسْخُهُ بَعْدَ العقد.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ عُرِفَتْ أَنْسَابُ الْمُتَحَالِفِينَ لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّحَالُفِ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّوَارُثُ وَالْعَقْلُ، وَإِنْ جُهِلَتْ أَنْسَابُهُمْ ثَبَتَ بِهِ الْوَلَاءُ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّوَارُثِ وَالْعَقْلِ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ، فَإِنْ عَقَلَ لَزِمَ، وَلَمْ يَصِحَّ الْفَسْخُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] وَلِأَنَّ مَا لَا يَتَعَيَّنُ وَارِثُهُ مِنَ الْمَالِ جَازَ لِلْمَوْرُوثِ أَنْ يَمْنَعَهُ حَيْثُ شَاءَ كَالْوَصَايَا.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وَقَوْلُهُ: (إِنَّمَا) ، مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِإِثْبَاتِ مَا اتَّصَلَ بِهِ، وَنَفْيِ مَا ان

ْفَصَلَ

عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171] فَكَانَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ لِلَّهِ، وَنَفْيُ إِلَهِيَّةِ غَيْرِهِ، فَدَلَّ إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ، وَلِأَنَّ التَّوَارُثَ مُسْتَحَقٌّ بِالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ بِعَقْدِ التَّحَالُفِ نَسَبٌ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ وَلَاءٌ، وَلِأَنَّ كل سبب لا يورث به مع وجدو النَّسَبِ بِحَالٍ لَمْ يُورَثْ بِهِ مَعَ عَدَمِ النَّسَبِ فِي حَالٍ كَالرَّضَاعِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لِمَالِهِ جِهَةٌ يَنْتَقِلُ إِلَيْهَا بِوَفَاتِهِ لَمْ يَمْلِكْ نَقْلَهُ بِعَقْدِ وِلَايَةٍ كَالتَّحَالُفِ مَعَ وُجُودِ الْمَوْلَى.
فَأَمَّا الْآيَةُ، فَعَنْهَا جَوَابَانِ:

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل