كتاب الوديعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: " كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ " أَنَّ الزَّوْجَ قَالَ عِنْدَ إِسْلَامِ كُلِّ وَاحِدَةٍ قَدْ فَسَخْتُ نِكَاحَهَا يُرِيدُ الطَّلَاقَ طُلِّقَتْ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اخْتَارَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ صَحَّ فَصَحَّ أَنْ يطلقها فعلى هذا لو أسلم معه الثماني كُلُّهُنَّ فَقَالَ لَهُنَّ: أَيَّتُكُنَّ دَخَلَتِ الدَّارَ فَقَدْ فسخت نكاحها؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ بِصِفَةٍ، وَلَوْ قَالَ: أَيَّتُكُنَّ دَخَلَتِ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ، كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اخْتِيَارًا بِصِفَةٍ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الطَّلَاقِ، فَإِذَا دَخَلَهَا أَرْبَعٌ طُلِّقْنَ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ، فَيَصِيرُ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا بِهِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: اخْتِيَارُ الْمُطَلَّقَاتِ.
وَالثَّانِي: فِرَاقُهُنَّ.
وَالثَّالِثُ: فَسْخُ نِكَاحِ من عداهن، فعلى هذا لو دخل الثماني الدَّارَ كُلُّهُنَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ بعضهن بعضاً، ووقع الطَّلَاقُ عَلَى الزَّوْجَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْهُنَّ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَتَضَمَّنُ الِاخْتِيَارَ.
وَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ فَإِذَا اخْتَارَهُنَّ تَعَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِنَّ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَالَ لَا أَخْتَارُ حُبِسَ حَتَّى يَخْتَارَ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ مانعٌ لَهُنَّ بعقدٍ متقدمٍ وَلَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي فَإِنِ امْتَنَعَ مَعَ الْحَبْسِ عُزِّرَ وحبس حتى يحتار وإن مات أمرناهن أن يعتددن الآخر مِنْ أَرْبَعَةِ أشهرٍ وعشرٍ أَوْ مِنْ ثَلَاثِ حيضٍ وَيُوقَفُ لَهُنَّ الْمِيرَاثُ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ فِيهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي مُشْرِكٍ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَعَهُ ثَمَانِي زَوْجَاتٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا لِئَلَّا يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَ ثَمَانٍ، فَإِنْ تَوَقَّفَ عَنِ الِاخْتِيَارِ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْ تَوَقُّفِهِ وأمره بتعجيل اختياره؛ لأن لا يستديم ما حظره الشرع في الْجَمْعِ، فَإِنْ سَأَلَ إِنْظَارَهُ لِيُفَكِّرَ فِي اخْتِيَارِهِ وَيَرْتَئِيَ فِي أَحَظِّهِنَّ لَهُ أَنْظَرَهُ مَا قَلَّ مَنِ الزَّمَانِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ فِكْرُهُ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِإِنْظَارِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْإِنْظَارِ لِلْمُولِي وَالْمُرْتَدِّ فَإِذَا اخْتَارَ بَعْدَ الْإِنْظَارِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يختار أربعاً فيكون اختياره لهن فسخاً لمن عَدَاهُنَّ وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَ أَرْبَعٍ فَيَكُونُ فَسْخُهُ اخْتِيَارًا لِنِكَاحِ مَنْ عَدَاهُنَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَاقِيَاتُ بَعْدَ فَسْخِ نِكَاحِ الْأَرْبَعِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ كَأَنَّهُنَّ عَشْرٌ فَيَحْتَاجُ بَعْدَ فَسْخِ الْأَرْبَعِ أَنْ يَخْتَارَ مِنَ السِّتِّ أَرْبَعًا، أَوْ يفسخ منهن نكاح اثنين فَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ، وَاخْتِيَارُهُ وَفَسْخُهُ بِالْقَوْلِ، فَاخْتِيَارُهُ قَوْلًا أَنْ يَقُولَ: قَدِ اخْتَرْتُ نِكَاحَهَا، أَوْ قد اخترت إمساكها، أو قد اخترت جنسها فإن قال: قد أخرتها صَحَّ، فَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ أَمْسَكْتُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: 229) وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِغَيْلَانَ: " أَمْسِكْ أَرْبَعًا " وَإِنْ قَالَ: قَدْ حَبَسْتُهَا لم يصح اختياره لِاحْتِمَالِهِ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَإِنْ قال: قد ردتها لَمْ يَصِحَّ اخْتِيَارُهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ
رَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا أَوْ رَدَّهَا إِلَى نَفْسِهِ، فَلَوْ أَرَادَ بِهِ الِاخْتِيَارَ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَجْرِي مَجْرَى عَقْدِ النِّكَاحِ الَّذِي لَا يصح إلا بالتصريح دون الكناية.
وفسخه قولان: أَنْ يَقُولَ قَدْ فَسَخْتُ نِكَاحَهَا أَوْ قَدْ رَفَعْتُ نِكَاحَهَا أَوْ قَدْ أَنْزَلْتُ نِكَاحَهَا فَكُلُّ ذَلِكَ فَسْخٌ صَرِيحٌ، لِأَنَّهَا أَلْفَاظٌ مُشْتَرَكَةُ الْمَعَانِي، وَلَوْ قَالَ قَدْ صَرَفْتُهَا أَوْ أَبْعَدْتُهَا كَانَ كِنَايَةً يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَتِهِ فِيهِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْفَسْخَ صَحَّ، لِأَنَّ الْفَسْخَ يَجْرِي مَجْرَى الطلاق الذي صح بالتصريح وَبِالْكِنَايَةِ، فَلَوْ قَالَ قَدْ حَرَّمْتُهَا كَانَ كِنَايَةً يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَيَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ اخْتِيَارًا وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْفَسْخَ كَانَ فَسْخًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، وَهَلْ يَكُونُ فَسْخًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ فَسْخًا، لِأَنَّ الْمَفْسُوخَ نِكَاحُهَا مُحَرَّمَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ فَسْخًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِنَايَةَ إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ نِيَّةٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بَعْدَ الْفَسْخِ فَاقْتَضَى أَنْ يَتَقَدَّمَهُ مَا يَقَعُ بِهِ الْفَسْخُ، فَلَوْ قَالَ: قَدْ فَارَقْتُهَا كَانَ فَسْخًا وَلَوْ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُهَا كَانَ اخْتِيَارًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَا صَرِيحَيْنِ فِي طَلَاقِ الزَّوْجَاتِ، أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يقع إلا على زوجةٍ فلذلك جعلنه اختياراً، والفراق قد يقع على زوجته فيكون طلاقاً، وعلى غير زوجته: فَيَكُونُ إِبْعَادًا فَلِذَلِكَ جُعِلَ فَسْخًا، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالْفِرَاقِ الطَّلَاقَ قُبِلَ مِنْهُ وَصَارَ اخْتِيَارًا وَطَلَاقًا وَلَوْ قَالَ أَرَدْتُ بِالطَّلَاقِ الْفَسْخَ لَمْ يقبل منه، لأن الطلاق لا يصح إلا على زوجته، والفسخ لا يكون هاهنا إلا بغير زوجته، فَأَمَّا إِذَا قَالَ قَدْ سَرَّحْتُهَا كَانَ كَالْفِرَاقِ فَسْخًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَعْنَاهُ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطلاق صار اختيار كَالْفِرَاقِ، فَأَمَّا إِذَا ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ آلَى لم تكن اخْتِيَارًا وَلَا فَسْخًا؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ قَدْ تُخَاطَبُ بِهِ الزَّوْجَةُ وَغَيْرُ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ لَمْ يستقر حكمها إلا في زوجته، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الظِّهَارُ فِي الْحَالِ اخْتِيَارًا وَلَا فَسْخًا نَظَرَ فِي الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا وَآلَى فَإِنِ اخْتَارَ فَسْخَ نِكَاحِهَا سَقَطَ حُكْمُ ظهاره وإيلائه، وَإِنِ اخْتَارَ جِنْسَ نِكَاحِهَا ثَبَتَ ظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ منها؛ لأنها كانت زوجته وَقْتَ ظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا وَطِئَ من الثماني الْمَوْقُوفَاتِ عَلَى اخْتِيَارِهِ وَفَسْخِهِ أَرْبَعًا، فَهَلْ يَكُونُ وطؤه اخْتِيَارًا لَهُنَّ كَمَا يَكُونُ وَطْءُ الْبَائِعِ لِلْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ اخْتِيَارًا لِفَسْخِ الْبَيْعِ؟ فَعَلَى هَذَا قَدْ ثَبَتَ بِوَطْئِهِنَّ اخْتِيَارُ نِكَاحِهِنَّ وَانْفَسَخَ بِهِ نِكَاحُ مَنْ عَدَاهُنَّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ اخْتِيَارًا، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَجْرِي مَجْرَى عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ لَا يُعْقَدُ إِلَّا بالقول دون الفعل، كذلك الِاخْتِيَارُ وَخَالَفَ الْفَسْخُ فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ اسْتِفَادَةُ ملك والأملاك قد تستفاد بالملك كَالسَّبْيِ، وَبِالْقَوْلِ كَالْبَيْعِ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَفَادَ مِلْكُهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى خِيَارِهِ فِي اخْتِيَارِهِ مَنْ شَاءَ مِنَ الْمَوْطُوءَاتِ وَغَيْرِهِنَّ فَإِنِ اخْتَارَ إِمْسَاكَ الْمَوْطُوءَاتِ ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ، وَكَانَتْ إِصَابَتُهُ لَهُنَّ إِصَابَةً فِي زَوْجِيَّةٍ فَلَا يَجِبُ بِهَا لَهُنَّ مَهْرٌ، وَلَا
يَجِبُ بِهَا عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ، وَإِنِ اخْتَارَ إِمْسَاكَ غَيْرِ الْمَوْطُوءَاتِ ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ بِالِاخْتِيَارِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمَوْطُوءَاتِ، وَكَانَتْ إِصَابَتُهُ لَهُنَّ إِصَابَةَ شُبْهَةٍ لِأَجْنَبِيَّاتٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ، وَعَلَيْهِ لَهُنَّ مُهُورُ أَمْثَالِهِنَّ، وَعَلَيْهِنَّ الْعِدَّةُ، وَتَكُونُ عِدَّةُ الْفَسْخِ وَالْإِصَابَةِ مَعًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، وَهُوَ الْفَسْخُ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْوَطْءِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ ما وصنفاه مِنْ حُكْمِ اخْتِيَارِهِ وَفَسْخِهِ فَأَقَامَ عَلَى الِامْتِنَاعِ منهما، فلم يختر ولو يَفْسَخْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ تَأْدِيبًا لِمُقَامِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلِامْتِنَاعِهِ مِنْ حَقٍّ وَلِإِضْرَارِهِ بِمَوْقُوفَاتٍ عَلَى اخْتِيَارِهِ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَى الِامْتِنَاعِ بَعْدَ حَبْسِهِ عَزَّرَهُ ضَرْبًا بَعْدَ أَنْ عَزَّرَهُ حَبْسًا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ أَوْ يَفْسَخَ، وَإِنْ جَازَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَى الْمُولِي إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاخْتِيَارَ كَالْعَقْدِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهِ جَبْرًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارَ عَلَيْهِ جَبْرًا، وَالطَّلَاقُ كَالْفَسْخِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُفْسَخَ عَلَيْهِ جَبْرًا فَجَازَ أَنْ يُطَلَّقَ عَلَيْهِ جَبْرًا.
وَالثَّانِي: أن الطلاق في الإيلاء معين لا يقف على الشهود فَجَازَ إِيقَاعُهُ عَلَيْهِ جَبْرًا، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا أُطِيلُ حَبْسُهُ وَتَعْزِيرُهُ حَتَّى يُجِيبَ إِلَى الِاخْتِيَارِ وَالْفَسْخِ بِنَفْسِهِ.
فَصْلٌ
ثُمَّ لَهُنَّ فِي زَمَانِ حَبْسِهِ وَوَقْفِهِنَّ عَلَى اخْتِيَارِهِ وَفَسْخِهِ النَّفَقَةُ، وَالسُّكْنَى، لِأَنَّهُنَّ مَوْقُوفَاتٌ عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ سَابِقٍ فَكَانَ أَسْوَأُ أَحْوَالِهِنَّ أَنْ يُجْرِينَ مَجْرَى الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ فِي زَمَانِ عِدَّتِهَا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لَهَا، فَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ سَقَطَتْ نَفَقَاتُهُنَّ لِزَوَالِ مَا أَوْجَبَ النَّفَقَةَ مِنْ وَقْتِ نِكَاحِهِنَّ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارَ الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لا يصح فِيهِ النِّيَابَةُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوقِعَهُ الْحَاكِمُ جبراً، وتعلق بِمَوْتِهِ فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْعِدَّةِ.
وَالثَّانِي: فِي الميراث.
فأما العدة ففيها أربع زوجات يلزمهن الْوَفَاةِ وَفِيهِنَّ أَرْبَعٌ مُفَارَقَاتٌ يَلْزَمُهُنَّ عِدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ من وطء ليس يتميز الزوجات عن غَيْرِهِنَّ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُنَّ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
إِمَّا أَنْ يَكُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْحَمْلِ، أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الشُّهُورِ فَإِنْ كُنَّ حَوَامِلَ اعْتَدَدْنَ بِوَضْعِهِ، وَقَدِ اسْتَوَتْ فِيهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَعِدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنْ كُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الشُّهُورِ لِصِغَرٍ أَوْ إِيَاسٍ فَعِدَّةُ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَعِدَّةُ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، فَتَعْتَدُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِأَطْوَلِ الْعِدَّتَيْنِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَإِنْ كُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ فَعِدَّةُ الْوَفَاةِ فِيهِنَّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَعِدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ، فَتَعْتَدُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، أَوْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ لِتَكُونَ مُسْتَبْرِئَةً لِنَفْسِهَا بِيَقِينٍ، فَإِنْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا اسْتَكْمَلَتْ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً، أَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أشهر وعشراً، قبل أقراء استكملت ثلاثة أقراء لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مُسْتَبْرَأَةً مِنْ غَيْرِ زَوْجِيَّةٍ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَيُوقَفُ لَهُنَّ إِنْ لَمْ يحجبن الربع، وإن حجبن الثمن؛ لأن فيهن
أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ وَارِثَاتٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنَّ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى صُلْحِهِنَّ، فَإِنِ اصْطَلَحْنَ عَلَيْهِ مُتَسَاوِيَاتٍ، أَوْ مُتَفَاضِلَاتٍ، أَوْ عَلَى تَعْيِينِ، أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ يقتسمنه، وتحرم الباقيات جاز أن لا يَكُونَ فِيهِنَّ مَحْجُورٌ عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ "؛ فَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ مِيرَاثِ زوجته وهو ثمن الْمَوْقُوفِ لَهُنَّ مِنْ رُبُعٍ أَوْ ثُمُنٍ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمَّا كُنَّ ثَمَانِيًا مُتَسَاوِيَاتِ الْأَحْوَالِ كَانَ الظَّاهِرُ من وقف ذلك عليهن يساويهن فِيهِ وَأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثمن الوقف، فلم يجوز أَنْ يُصَالِحَ الْوَلِيُّ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مُقْتَضَى الْوَقْفِ فَلَوْ كَانَ وَقْفُ مِيرَاثِهِنَّ عَلَى حَالِهِ فَجَاءَتْ وَاحِدَةٌ تَطْلُبُ مِنَ الْمَوْقُوفِ شَيْئًا لَمْ تُعْطَ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ، أَوْ أَرْبَعٌ؛ لجواز أن يكن الأربع كلهن أجانب والباقيات زَوْجَاتٍ، فَإِنْ جَاءَ مِنْهُنَّ خَمْسٌ تَحَقَّقْنَا حِينَئِذٍ أن منهن زوجته فدفعنا إليهن إذا طلبن بعين مالهن، وَهُوَ رُبُعُ الْمَوْقُوفِ مِنْ رُبُعٍ أَوْ ثُمُنٍ، يُدْفَعُ ذَلِكَ إِلَيْهِنَّ بِشَرْطِ الرِّضَى بِهِ عَنْ حَقِّهِنَّ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ ذَلِكَ إِلَيْهِنَّ إلا على شرط الرضى بِهِ عَنْ حَقِّهِنَّ، وَإِلَّا مُنِعْنَ مِنْهُ حَتَّى يَتَرَاضَى جَمِيعُهُنَّ، فَعَلَى هَذَا إِذَا دُفِعَ ذَلِكَ إِلَيْهِنَّ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ وَجَبَ دَفْعُ الْبَاقِي من الميراث الموقوف، وهو ثلاثة أَرْبَاعِهِ إِلَّا الثَّلَاثَ الْبَاقِيَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ فِي الدَّفْعِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْبَاقِي مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ مِيرَاثِهِنَّ مَوْقُوفًا عَلَى جَمِيعِهِنَّ، وَلَا يَدْفَعُ إِلَى الثَّلَاثِ الْبَاقِيَاتِ وَالْأَوَّلُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بَعْضُهُنَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَى جَمِيعِهِنَّ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ وَاصْطِلَاحٍ، فَلَوْ كَانَ الْمُطَالَبَاتُ مِنْهُنَّ سِتًّا دَفَعَ إِلَيْهِنَّ نصف الموقوف من ميراثهن، ولأن فِيهِنَّ زَوْجَتَيْنِ، وَكَانَ النِّصْفُ الْبَاقِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِنَّ سَبْعٌ دَفَعَ إِلَيْهِنَّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَوْقُوفِ؛ لِأَنَّ فِيهِنَّ ثَلَاثَ زَوْجَاتٍ، وَكَانَ الرُّبُعُ الْبَاقِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الثَّمَانُ كُلُّهُنَّ يَطْلُبْنَ دَفَعَ إِلَيْهِنَّ جَمِيعَ مِيرَاثِهِنَّ لِأَنَّهُ موقوف عليهن، وليس فيه حق لهن.
فصل
وإذا أسلم المشرك عن ثمان زَوْجَاتٍ مُشْرِكَاتٍ: أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ وَثَنِيَّاتٌ أَسْلَمْنَ مَعَهُ وَأَرْبَعٌ كِتَابِيَّاتٍ بَقِينَ عَلَى دِينِهِنَّ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَخْتَارَ إِمْسَاكَ الْأَرْبَعِ الْكِتَابِيَّاتِ فَإِنْ مات عنهن لم ترثنه وَبَيْنَ أَنْ يَخْتَارَ بَعْضَ الْمُسْلِمَاتِ، وَبَعْضَ الْكِتَابِيَّاتِ فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ الْمُسْلِمَاتُ دُونَ الْكِتَابِيَّاتِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ اخْتِيَارِ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُوقَفُ مِيرَاثُهُنَّ مِنْ تَرِكَتِهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي القاسم الداركي لا توقف لَهُنَّ شَيْئًا، لِأَنَّنَا نُوقِفُ مَا تَحَقَّقْنَا اسْتِحْقَاقَهُ، وَجَهِلْنَا مُسْتَحَقَّهُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَاتُ منهن الذميات، فلا يرثن فلذلك لم نوقف مِيرَاثَ الزَّوْجَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُوقَفُ مِيرَاثُ الزَّوْجَاتِ، لأن لباقي الورثة لا يجوز أن ندفع إليهم إلا
مَا تَحَقَّقْنَا اسْتِحْقَاقَهُمْ لَهُ، فَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ مشكوكاً فيه، وقد يجوز أن يكون زَوْجَاتُهُ مِنْهُنَّ الْمُسْلِمَاتُ فَلَا يَكُونُ لِبَاقِي الْوَرَثَةِ من مِيرَاثِهِنَّ حُقٌّ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَوْقُوفًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة
قال الشافعي: " ولو أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ وثنيةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا فِي عِدَّتِهَا فَالنِّكَاحُ مفسوخٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ أَنَّ النِّكَاحَ موقوفٌ كَمَا جعل نكاح من لم تسلم مَوْقُوفًا فَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ عُلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَزَلِ امْرَأَتَهُ وَإِنِ انْقَضَتْ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا امْرَأَةَ لَهُ فَيَصِحُّ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهُ عَقَدَهُنَّ وَلَا امْرَأَةَ لَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أَسْلَمَ المشرك عن زوجة وثنية هي جَارِيَةٌ فِي عِدَّتِهَا فِي الشِّرْكِ فَنَكَحَ أُخْتَهَا، أَوْ خَالَتَهَا، أَوْ عَمَّتَهَا، أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا كَانَ نِكَاحُهُ بَاطِلًا.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِسْلَامِ الْوَثَنِيَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَطَلَ عَقْدُهُ عَلَى أُخْتِهَا وَعَلَى أَرْبَعٍ سِوَاهَا لِعِلْمِنَا أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَّتْ عدتها صح عقد عَلَى أُخْتِهَا وَعَلَى أَرْبَعٍ سِوَاهَا لِعِلْمِنَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً.
قَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ نِكَاحُ الْوَثَنِيَّةِ مَوْقُوفًا جَازَ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُ أُخْتِهَا مَوْقُوفًا وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ إِذَا لَمْ يَقَعْ نَاجِزًا لَمْ يَقَعْ مَوْقُوفًا، وكان باطلاً والعقد على أخت زوجته الوثنية لَيْسَ بِنِكَاحٍ فَبَطَلَ، وَلَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا أَلَّا تَرَاهُ لَوْ نَكَحَ مُرْتَدَّةً لِيَكُونَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مَوْقُوفًا عَلَى إِسْلَامِهَا لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ بَاطِلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ نَاجِزًا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ نَكَحَ أُخْتَ زَوْجَتِهِ الْمُرْتَدَّةِ كَانَ بَاطِلًا، وَلَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى إِسْلَامِهَا كَذَلِكَ إِذَا نَكَحَ أُخْتَ زَوْجَتِهِ الْوَثَنِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ نَكَحَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَكَانَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا كَنِكَاحِ الْمُرْتَدَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِوَقْفِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حِلَّ النِّكَاحِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا وَعَقْدَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا لوقوع الفرق بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَاسْتَدَامَتِهِ أَلَا تَرَاهُ لَوْ نَكَحَ مُحَرَّمَةً أَوْ مُعْتَدَّةً بَطَلَ نِكَاحُهَا لِوُجُودِ المنع في ابْتِدَائِهِ، وَلَوْ طَرَأَتِ الْعِدَّةُ أَوِ الْإِحْرَامُ عَلَيْهَا بَعْدَ نِكَاحِهَا لَمْ يَمْنَعْ مَنِ اسْتَدَامَتِهِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَ الزَّوْجِ فَنَكَحَ الزَّوْجُ فِي الشِّرْكِ أُخْتَهَا أَوْ خَالَتَهَا صَحَّ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْتُ الْمُسْلِمَةُ فِي الْعِدَّةِ، لأن مناكح الشريك مَعْفُوٌّ عَنْهَا، فَإِنْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ الْمَنْكُوحَةُ فِي الشِّرْكِ، وَأُخْتُهَا بَاقِيَةٌ فِي الْعِدَّةِ صَارَ كَالْمُشْرِكِ، إِذَا أَسْلَمَ مَعَ أُخْتَيْنِ فَيَكُونُ بِالْخِيَارِ فِي إِمْسَاكِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ يُمْسِكُ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْمُتَأَخِّرَةِ، لِأَنَّ نِكَاحَهَا ثَبَتَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ نِكَاحِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٌ، لِأَنَّ نِكَاحَ الزَّوْجِ لَهُمَا مَعًا فِي الشِّرْكِ فَصَارَ حُكْمُ نِكَاحِهِ لِلثَّانِيَةِ بَعْدَ إِسْلَامِ الْأُولَى كَحُكْمِ نِكَاحِهِ لَهَا مَعَ شِرْكِ الْأُولَى اعْتِبَارًا بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ غيرها - والله أعلم -. مسألة قال الشافعي: " وَلَوْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ أو لم يسلم حتى انقضت فلها نفقة العدة في الوجهين جميعاً لِأَنَّهَا محبوسةٌ عَلَيْهِ مَتَى شَاءَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَا عَلَى النِّكَاحِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي زَوْجَيْنِ مُشْرِكَيْنِ أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ مِنْهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي زَمَانِ عِدَّتِهَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ أَوْ تَأَخَّرَ لِمَعْنَيَيْنِ:
أحدهما: أن الإسلام فرض مضيق الوقت فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ نَفَقَتُهَا، وَإِنَّ مُنِعَ مِنَ الاستمتاع كالصلاة والصيام المفروضين.
والثاني: أن إسلامها الْمَانِعَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا يَقْدِرُ الزَّوْجُ عَلَى تَلَافِيهِ بِإِسْلَامِهِ فِي عِدَّتِهَا، فَلَمْ تَسْقُطْ بِهِ نَفَقَتُهَا كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَحَكَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ قَوْلًا آخَرَ إِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا مَنَعَتْهُ نَفْسَهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا فَاقْتَضَى أَنْ تَسْقُطَ بِهِ نَفَقَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ طَائِعَةً كَالْحَجِّ، وَهَذَا الْقَوْلُ إِنْ حَكَاهُ نَقْلًا فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ تَخْرِيجًا فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْحَجَّ مُوَسَّعُ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَالْإِسْلَامُ مُضَيَّقُ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَصَارَتْ بِالْإِسْلَامِ فَاعِلَةً مَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ وَبِالْحَجِّ فَاعِلَةً مَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَهَا بِالْحَجِّ لَا يُمْكِنُهُ تَلَافِيهِ وتحريمها بالإسلام يمكنه تلافيه.
مسألة
قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمُ لَمْ يَكُنْ لَهَا نفقةٌ في أيام كفرها لأنها المانعة لنفسها مِنْهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يُسْلِمَ الزَّوْجُ قبلها، فإن تأخر إسلامهما حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا بالتأخر عَنِ الْإِسْلَامِ كَالْمُرْتَدَّةِ وَالنَّاشِزِ، فَإِنْ قِيلَ فَالْمَنْعُ من جهته لا من جهتها، فهلا كانت لها النفقة كما لو رجع.
قِيلَ: قَدْ كَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ أن يَلْتَزِمُ لِهَذَا التَّعْلِيلِ قَوْلًا آخَرَ إِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ إِمَّا نَقْلًا وَإِمَّا تَخْرِيجًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فَرْضٌ مُضَيَّقُ الْوَقْتِ بِخِلَافِ الْحَجِّ ثُمَّ هُوَ مَنْعٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَلَافِيهِ فلم يمنع كونه من جهته أن يسقط بِهِ النَّفَقَةَ كَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَلَوْ أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا بَعْدَ إِسْلَامِهَا لِاسْتِقْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ، وَعَوْدِ الْإِبَاحَةِ وَهَلْ لَهَا نَفَقَةُ المدة الباقية فِي شِرْكِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ - لَهَا النَّفَقَةُ، لِأَنَّهَا كانت زوجة فيما لم يزل، وبناء على قوله، وَبِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَتُسْتَحَقُّ بِالتَّمْكِينِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ - لَا نَفَقَةَ لَهَا، لِأَنَّ مُدَّةَ التَّأَخُّرِ كَالنُّشُوزِ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةٌ وَبِنَاءً عَلَى قوله الجديد، أن النفقة تجب العقد والتمكين منه.
مسألة
قال الشافعي: " وَلَوِ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صحيح، وهو اختلاف في وجوب النفقة، ولا إطلاقه تَفْصِيلٌ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَلِفَا بَعْدَ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ فِي أَيِّهِمَا تَقَدَّمَ بِالْإِسْلَامِ فَيَقُولُ الزَّوْجُ: أَسْلَمْتُ
قَبْلَكِ وَأَسْلَمْتِ بَعْدِي، وَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَلَا نَفَقَةَ لَكِ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ: بَلْ أَسْلَمْتُ أَنَا قَبِلَكَ وَأَسْلَمْتَ بَعْدِي، وَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي فَلِيَ النَّفَقَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا نفقة لها لأمران:
أحدهما: أنه مُدَّعِيَةٌ، وَهُوَ مُنْكِرٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ ارْتَفَعَ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ سُقُوطَ النَّفَقَةِ بِارْتِفَاعِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَا مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ فِيهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ففي المراد باختلافهما في هذا الموضع ثلاث تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَقُولَ الزَّوْجَةُ: أَسْلَمْتُ قَبْلَكَ، وَأَسْلَمَتَ بَعْدِي فِي الْعِدَّةِ فَلِيَ النَّفَقَةُ وَيَقُولُ الزَّوْجُ: بَلْ أَسْلَمْتُ أَنَا قَبْلَكِ وَأَنْتِ بَعْدِي فَلَا نَفَقَةَ لَكِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الأمرين.
والتأويل الثاني: أن يختلفا فتقول أَسْلَمْتُ قَبْلَكَ بِشَهْرٍ فَلِيَ عَلَيْكَ نَفَقَةُ شَهْرٍ، وَيَقُولُ الزَّوْجُ: بَلْ أَسْلَمْتِ قَبْلِي بِيَوْمٍ فَلَكِ نَفَقَةُ يَوْمٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فَتَقُولُ الزوجة لي مذ أَسْلَمْتُ بَعْدَكَ شَهْرٌ فَلِي نَفَقَةُ شَهْرٍ، وَيَقُولُ الزوج: لك مذ أَسْلَمْتِ بَعْدِي يَوْمٌ فَلَكِ نَفَقَةُ يَوْمٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَيْسَ لَهَا إِلَّا نَفَقَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة
قال الشافعي: " وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ إِنْ كَانَ حَلَالًا وَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إِنْ كان حراماً ومتعةٌ إن لم يكن فرض لها لأن فسخ النكاح من قبله وإن كانت هي أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ صداقٍ ولا غيره لأن الفسخ من قبلها (قال) ولو أَسْلَمَا مَعًا فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ قبل الدخول ثم ذكر هاهنا حُكْمَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ إِسْلَامُ الزَّوْجِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَقَدَّمَ إِسْلَامُ الزَّوْجَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُسْلِمَا مَعًا فَإِنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ الزَّوْجِ فَقَدْ بَطَلَ النكاح، لأن ما أفضى إلى الفرقة، أو كان قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَعَتْ بِهِ الْبَيْنُونَةُ كَالرِّدَّةِ، وَالطَّلَاقِ الرجعي، ولا عدة عليه لِعَدَمِ الدُّخُولِ بِهَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِسُقُوطِ الْعِدَّةِ عَنْهَا، فَأَمَّا الصَّدَاقُ فَلَهَا نِصْفُهُ، لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهِ بِسَبَبٍ لَا تَقْدِرُ الزَّوْجَةُ عَلَى تَلَافِيهِ فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهَا تَلَافِيهِ بِأَنْ تُسْلِمَ مَعَهُ، قِيلَ: هَذَا يَشُقُّ فَلَمْ يُعْتَبَرْ وَرُبَّمَا تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ، وَإِذَا كَانَ لَهَا الصَّدَاقُ لم تخل حَالُهُ فِي الْعَقْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمَّى فِيهِ مَهْرَ حَلَالٍ بها نصفه.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمَّى فِيهِ مَهْرَ حرام فلها نصف مهر المثل.
والثالث: أن لَا يُسَمَّى فِيهِ مَهْرٌ فَلَهَا مَنْعُهُ كَالطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ الزَّوْجَةِ فَقَدْ بَطَلَ النِّكَاحُ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا مَهْرَ لَهَا، لِأَنَّ الْفَسْخَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا، وَلَمْ يَقْدِرِ الزَّوْجُ عَلَى تَلَافِيهِ فَسَقَطَ مَهْرُهَا.
فَإِنْ قِيلَ يَقْدِرُ عَلَى تَلَافِيهِ بِإِسْلَامِهِ مَعَهَا كَانَ الجواب ما مضى وخالف وجوب النفقة لها إذا تقدم إسلامها بعد دخول لِأَنَّهُ مَنْعٌ يَقْدِرُ الزَّوْجُ عَلَى تَلَافِيهِ، وَإِنْ أَسْلَمَا مَعًا فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، لِأَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ دِينَاهُمَا إِذَا اجْتَمَعَا عَلَى الْإِسْلَامِ مَعًا، لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي الشرك على دين واحد فصار فِي الْإِسْلَامِ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، فَلِذَلِكَ كَانَ النكاح بينهما ثابتاً.
مسألة
قال الشافعي: " وَإِنْ قَالَ أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ صَاحِبِهِ فَالنِّكَاحُ مفسوخٌ وَلَا نِصْفَ مهرٍ حَتَّى يُعْلَمَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيُسْلِمَ الْآخَرُ بَعْدَهُ وَيُشْكَلُ عَلَيْهِمَا أَيُّهُمَا تَقَدَّمَ بِالْإِسْلَامِ، فَالنِّكَاحُ قَدْ بَطَلَ لِاسْتِوَاءِ بُطْلَانِهِ إِنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ الزَّوْجِ أَوْ تَقَدَّمَ إسلام الزوجة ولم يكن للإشكال تأثير، فأما المهر فله حالتان:
إحداهما: أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ قَدْ قَبَضَتْهُ فِي الشِّرْكِ.
وَالثَّانِي: لَمْ تَقْبِضْهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ فَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا بِشَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّهَا تَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا اسْتَحَقَّتْ نِصْفَهُ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْهُ، وَمَنْ شَكَّ فِي اسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ كَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ فَشَكَّ فِي قَبْضِهِ وَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ قَدْ قَبَضَتْ مِنْهُ جَمِيعَ الْمَهْرِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ، لِأَنَّهُ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ يستحقه بيقين فما الْآخَرُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ، لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ قبلها فلا يستحقه أو أسلمت قبله فيستحقه - والله أعلم -.
مسألة
قال الشافعي: " فإن تَدَاعَيَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ ثابت فلا يَبْطُلُ نِصْفُ الْمَهْرِ إِلَّا بأَنْ تُسْلِمَ قَبْلَه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ صَاحِبِهِ وَلَا دُخُولَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يَخْتَلِفَانِ أيهما تقدم إسلامه فيقول الزوج أنت قد تَقَدَّمْتِ بِالْإِسْلَامِ فَلَا مَهْرَ لَكِ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ بَلْ أَنْتَ تَقَدَّمْتَ بِالْإِسْلَامِ فَلِيَ نِصْفُ الْمَهْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا أَنَّ الزَّوْجَ تَقَدَّمَ بِالْإِسْلَامِ عَلَيْهَا وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَهْرِ اسْتِحْقَاقُهُ بالعقد فلم يقبل دَعْوَى الزَّوْجِ فِي إِسْقَاطِهِ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَادَّعَى دَفْعَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ فِي ثُبُوتِهِ وَعُدُولًا عَنْ دَعْوَى إِسْقَاطِهِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي: " وإن قالت أسلم أحدنا قبل الآخر وَقَالَ هُوَ مَعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ
يَمِينِهِ وَلَا تُصَدَّقُ عَلَى فَسْخِ النِّكَاحِ وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ إِنَّ النِّكَاحَ مفسوخٌ حَتَى يَتَصَادَقَا (قال المزني) أشبه بقوله أن لا ينفسخ النكاح بقولها كما لم ينفسخ نصف المهر بقوله (قال المزني) وقد قال لو كان دخل بها فقالت انقضت عدتي قبل إسلامك وقال بل بعد فلا تصدق على فسخٍ ما ثبت له من النكاح ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي زَوْجَيْنِ أَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْنَا مَعًا فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: لَا بَلْ أحدنا قبل صاحبه فلا نكاح بيننا ففيه قَوْلَانِ:
أَحَدُهَما: - وَهُوَ اخْتِيَارُ (الْمُزَنِيِّ) - أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ ثُبُوتُهُ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى إِسْقَاطِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَقَالَ الزَّوْجُ: اجْتَمَعَ إِسْلَامُنَا فِي الْعِدَّةِ فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: اجْتَمَعَ إِسْلَامُنَا بَعْدَ الْعِدَّةِ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ اعْتِبَارًا بِثُبُوتِ أَصْلِهِ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا، لِأَنَّ الدَّعْوَى إِذَا تَعَارَضَتْ، وَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَ أَحَدِهِمَا غُلِّبَ دَعْوَى مَنْ سَاعَدَهُ الظَّاهِرُ كالمتداعيين داراً وهي فِي يَدِ أَحَدِهِمَا لَمَّا كَانَ الظَّاهِرُ مُسَاعِدًا لصاحب اليد منهما غلبت دعواه كذلك هاهنا تساوي دعواهما، والظاهر مساعد للزوجة منهما، ولأن اجتماع إسلامها حَتَّى لَا يَسْبِقَ لَفْظُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ بِحَرْفٍ مُتَعَذِّرٌ فِي الْغَالِبِ وَاخْتِلَافَهُمَا فِيهِ هُوَ الْأَظْهَرُ الْأَغْلَبُ فَوَجَبَ أَنَّ يُغَلَّبَ فِيهِ قَوْلُ مَنْ سَاعَدَهُ هَذَا الظَّاهِرُ وَهِيَ الزَّوْجَةُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا فِي وُقُوعِ الْفُرْقَةِ عُدُولًا عَنِ الْأَصْلِ بِظَاهِرٍ هُوَ أَخَصُّ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَنَازُعِهِمَا فِي الْمَهْرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ ظَاهِرٌ يُعْدَلُ بِهِ عَنِ الْأَصْلِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ حُكْمُ الْأَصْلِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: أَسْلَمْتُ أَيُّهَا الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِي فَلَا نِكَاحَ بَيْنِنَا، وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ أَسْلَمْتِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ فِي ثُبُوتِ النِّكَاحِ، وَنَصَّ فِي مَسْأَلَتَيْنِ على إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي بُطْلَانِ النِّكَاحِ بِخِلَافِ هَذَا:
إِحْدَاهُمَا: الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ إِذَا قَالَ الزَّوْجُ: رَاجَعْتُكِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: بَلِ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَنَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا وَلَا رَجْعَةَ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْتِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ بَلِ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ إِسْلَامِكَ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَنَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا فَجَعَلَ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْعَةِ وَالرِّدَّةِ الْقَوْلَ قَوْلَ الزَّوْجَةِ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ وَجَعَلَ فِي إِسْلَامِ الْمُشْرِكِينَ الْقَوْلَ قَوْلَ الزَّوْجِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ عَلَى ثَلَاثَةِ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ نَقَلُوا جَوَابَهُ فِي الرَّجْعَةِ وَالرِّدَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ، وَجَوَابَهُ فِي إِسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الرَّجْعَةِ وَالرِّدَّةِ، وَخَرَّجُوا الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ القول قَوْلُ الزَّوْجِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي إِسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الرَّجْعَةِ وَالرِّدَّةِ، وَلَعَلَّ هذه طَرِيقَةُ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ، وَأَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَالْمَوْضِعُ الذي يحصل فِيهِ الْقَوْلَ قَوْلَ الزَّوْجَةِ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ إِذَا بَدَأَتْ فَأَخْبَرَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ رَجْعَةِ الزَّوْجِ وَإِسْلَامِهِ فَادَّعَى الزَّوْجُ تَقَدُّمَ رَجْعَتِهِ وَإِسْلَامِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي جَعَلَ فِيهِ الْقَوْلَ قَوْلَ الزَّوْجِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ إِذَا بَدَأَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ راجع وَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ فَادَّعَتِ الزَّوْجَةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَالرَّجْعَةِ، لِأَنَّ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا مَقْبُولٌ فَلَمْ يَبْطُلْ بِمَا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ دَعْوَى، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: بَلْ هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنِ اتَّفَقَا عَلَى صِدْقِهِ فِي زَمَانِ مَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ.
مِثَالُهُ: أَنْ تَقُولَ الزَّوْجَةُ انْقَضَتْ عِدَّتِي فِي رَمَضَانَ، وَأَسْلَمْتَ أَنْتَ أَوْ رَاجَعْتَ فِي شَوَّالٍ، فَقَالَ: بَلْ أَسْلَمْتُ وَرَاجَعْتُ فِي شَعْبَانَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى زَمَانِ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَاخْتِلَافِهِمَا فِي رَجْعَةِ الزَّوْجِ وَإِسْلَامِهِ، وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: لَعَمْرِي إِنَّنِي أَسْلَمْتُ وَرَاجَعْتُ فِي شَوَّالٍ لَكِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى زَمَانِ إِسْلَامِهِ وَرَجْعَتِهِ فِي زَمَانِ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَإِنْ جُعِلَ الْقَوْلُ فِيهِنَّ قَوْلَ الزَّوْجَةِ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ لَمْ يَكُنْ لها احْتَجَّ بِهِ الْمُزَنِيُّ فِي نُصْرَةِ قَوْلِهِ وَصِحَّةِ اخْتِيَارِهِ وَجْهٌ وَإِنْ جُعِلَ الْقَوْلُ فِيهِنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ تَوَجَّهَ لَهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِنَّ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُنَّ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ، وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا فِي أَنَّ الْقَوْلَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ وَإِنَّ الدَّعْوَى فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ مُتَقَابِلَةٌ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ فَاعْتُبِرَ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا مَعَ أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ فَاعْتُبِرَ حُكْمُ الظَّاهِرِ دُونَ الْأَصْلِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا قَالَتِ الزَّوْجَةُ أَسْلَمْنَا مَعًا فَنَحْنُ على النكاح، وقال الزوج: بَلْ أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ صَاحِبِهِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَنَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ بِلَا يَمِينٍ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْفُرْقَةِ وَإِقْرَارُهُ بِهَا يَلْزَمُهُ وَلَوْ رَجَعَ عَنْهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي سُقُوطِ نِصْفِ الْمَهْرِ، لأنه الأصل ثبوته.
فَصْلٌ
وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ فِي عِدَّتِهَا، وَقَدِ ارْتَدَّ الزَّوْجُ عَنِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ اجْتِمَاعِ الْإِسْلَامَيْنِ فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِالرِّدَّةِ من أحكام المسلمين فيكون نِكَاحُ الشِّرْكِ بَيْنَهُمَا ثَابِتًا بِإِسْلَامِهِمَا فِي الْعِدَّةِ وَيَسْتَأْنِفُ حُكْمَ الْفُرْقَةِ بِالرِّدَّةِ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، فإن عاد منها إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ الرِّدَّةِ زَمَانُ الْعِدَّةِ كَانَا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَطَلَ النِّكَاحُ بِرِدَّتِهِ، فَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ الْمُشْرِكُ وَأَسْلَمَ بَعْدَهُ خَمْسٌ، وَقَدِ ارْتَدَّ الزَّوْجُ عَنِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَحَدًا، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَجْرِي مَجْرَى ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارَ - وَاللَّهُ أعلم -.
مسألة
قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ امرأةٌ نَكَحَهَا فِي الشِّرْكِ بمتعةٍ أَوْ عَلَى خيارٍ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْكِحْهَا عَلَى الْأَبَدِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا نَكَحَ فِي الشِّرْكِ نِكَاحَ مُتْعَةٍ، وَهُوَ أن يقول: أمتعيني نفسك سَنَةً، فَهُوَ نِكَاحٌ إِلَى سَنَةٍ، فَإِذَا أَسْلَمَا عَلَيْهِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنِهِمَا، لِأَنَّهُمَا إِنْ أَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَلَا نِكَاحَ، وَإِنْ أَسْلَمَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَمْ يَعْتَقِدَا تَأْبِيدَهُ وَالنِّكَاحُ مَا تَأَبَّدَ.
وَأَمَّا إِذَا نَكَحَهَا بِخِيَارٍ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ مُؤَبَّدًا فَالنِّكَاحُ إِذَا أَسْلَمَا عَلَيْهِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَقِدَا لُزُومَهُ وَالنِّكَاحُ مَا لَزِمَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يكون الخيار مؤقتاً فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْلِمَا وَمُدَّةُ بالخيار بَاقِيَةٌ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُسْلِمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ، لِأَنَّ مَا انْقَضَى مُدَّةَ خِيَارِهِ صَارَ معتقد اللُّزُومِ، وَأَمَّا إِنْ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَا، فَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ وَقْتَ إِسْلَامِهِمَا بَاقِيَةً فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقِيمَ عَلَى نِكَاحِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ قَدِ انْقَضَتْ وَقْتَ إِسْلَامِهِمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي إِذَا كَانَتْ تَحْتَ زَوْجٍ فَصَارَتْ مُسْلِمَةً مَعَ بَقَاءِ الْعِدَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ مَنَاكِحَ الشِّرْكِ مَعْفُوٌّ عَنْهَا، وَإِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَقَدِ اسْتَهْلَكَتْهَا عَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فِي الشِّرْكِ فَسَقَطَ حُكْمُهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً لَمْ تَسْتَهْلِكْ مَا بَقِيَ مِنْهَا فَافْتَرَقَا.
فَأَمَّا إِذَا قَهَرَ الْمُشْرِكُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُشْرِكَةً عَلَى نَفْسِهَا فَزَنَى بِهَا ثُمَّ أسْلَمَا فَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي دِينِهِمْ أَنَّ الْقَهْرَ عَلَى النَّفْسِ نِكَاحٌ مُسْتَدَامٌ صَارَ ذَلِكَ مِنْ عُقُودِ مَنَاكِحِهِمُ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا فَيُحْكَمُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي دِينِهِمْ نكاحاً فلا نكاح بينهما إذا أسلما.
باب الخلاف في إمساك الأواخر
قال الشافعي رحمه الله: " واحتججت على من يبطل الْأَوَاخِرَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِابْنِ الدَّيْلَمِيِّ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ " اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الْأُخْرَى " وَبِمَا قَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وتخييره غيلان فلو كان الأواخر حراماً ما خيره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقلت له أحسن حالةٍ أن يعقدوه بشهادة أهل الأوثان قلت ويروى أنهم كانوا ينكحون في العدة وبغير شهودٍ قال أجل قلت وهذا كله فاسدٌ في الإسلام قال أجل قلت فلما لم يسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن العقد كان عفواً لفوته كما حكم الله ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؟ بعفو الربا إذا فات بقبضه ورد ما بقي لأن الإسلام أدركه كما رد ما جاوز أربعاً لأن الإسلام أدركهن معه والعقد كلها لو ابتدأت في الإسلام فاسدةً فكيف نظرت إلى فسادها مرةً ولم تنظر أخرى فرجع بعض أصحابهم وقال محمد بن الحسن: ما علمت أحداً احتج بأحسن مما احتججت به ولقد خالفت أصحابي فيه منذ زمانٍ وما ينبغي أن يدخل على حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - القياس ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: قَدْ مَضَى وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا أَسْلَمَ مَعَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِمْسَاكِ الأوائل والأواخر بِخِلَافِ مَا قَالَهُ أبو حنيفة مِنْ إِمْسَاكِ الْأَوَائِلِ دُونَ الْأَوَاخِرِ احْتِجَاجًا بِمَا مَضَى، فَحَكَى الشَّافِعِيُّ مُنَاظَرَتَهُ لمحمد بن الحسن عَلَى ذَلِكَ فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِ صَاحِبَيْهِ أبي حنيفة، وأبي يوسف، وَاحْتِجَاجُهُ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَتِهِ - وبالله التوفيق -.
باب ارتداد أحد الزوجين أو هما ومن شركٍ إلى شركٍ من كتاب جامع الخطبة ومن كتاب المرتد ومن كتاب ما يحرم الجمع بينه
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا ارْتَدَّا أَوْ أَحَدُهُمَا مُنِعَا الْوَطْءَ فَإِنِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ اجْتِمَاعِ إِسَلَامِهِمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ أَصَابَهَا فِي الرِّدَّةِ فَإِنِ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْفَصْلُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: أن يرتد أحد الزوجين المسلمين.
والثانية: أن يرتدا معاً.
فإذا ارتدا أَحَدُهُمَا، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُكَوْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَالنِّكَاحُ قَدْ بَطَلَ بِرِدَّةِ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ إِجْمَاعٌ، لِأَنَّ مَا أَثَّرَ فِي الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدخول أيتها كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَلِذَلِكَ أَبْطَلْنَا نِكَاحَ الزَّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِذَا بَطَلَ النِّكَاحُ بِرِدَّةِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ نَظَرَ فِي الْمُرْتَدِّ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ هُوَ الزَّوْجَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، لِأَنَّ الْفَسْخَ مَنْ قِبَلِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هِيَ الزَّوْجَةُ فَلَا مَهْرَ لَهَا لِأَنَّ الْفَسْخَ مَنْ قِبَلِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يكون رِدَّةُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي النِّكَاحِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا قبل انقضائهما كَانَا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ بَطَلَ النِّكَاحُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُرْتَدِّ مِنْهُمَا، فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ كَانَا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ بَطَلَ النِّكَاحُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: قَدْ بَطَلَ النِّكَاحُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ ارْتِدَادَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مُوجِبٌ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ فِي الْحَالِ قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ يَسْتَوِي فيه ما قبل الدخول وبعده كالرضاع، واستبراء الزَّوْجَةِ، وَوَطْءِ أُمِّهَا بِشُبْهَةٍ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَا يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْفُرْقَةِ قِيَاسًا عَلَى إِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ، وَلِأَنَّهَا رِدَّةٌ طَارِئَةٌ عَلَى نِكَاحِ مَدْخُولٍ بِهَا فوجب أن لا تبيين قِيَاسًا عَلَى ارْتِدَادِهِمَا مَعًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَهُوَ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ تَعَجَّلَ فِرَاقُهَا وَالْمَدْخُولُ بِهَا عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ بِانْقِضَائِهَا وُقُوعُ فِرَاقِهَا كالطلاق الرجعي يتعجل به في غير المدخول بها ويتأجل بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الرَّضَاعِ مَعَ فَسَادِهِ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ فَهُوَ أَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ والمصاهرة يتأبد، وتحريم الردة قد يرتفع فلذلك ما افترقا.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
: وَهُوَ أَنْ يَرْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا فَهُوَ كَارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ قبل الدخول بطل، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقَفَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وقال أبو حنيفة: إذا ارتدا معاً كان عَلَى النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ أَهْلَ الرِّدَّةِ حِينَ أَسْلَمُوا أَقَرَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله تعالى عنه - على مناكحهم، ولم يَعْتَبِرْ فِيهِمُ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ وَلَا حَالَ الدُّخُولِ لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ.
قَالَ: وَلِأَنَّهُ انْتِقَالٌ إِلَى دِينٍ وَاحِدٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُوقِعَ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا قِيَاسًا عَلَى إِسْلَامِ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ: وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي ارْتِدَادِهِمَا أن لا يقرأ على دينها وَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ نِكَاحِهِمَا كَالْوَثَنِيَّيْنِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهَا رِدَّةٌ طَارِئَةٌ عَلَى نِكَاحٍ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا وُقُوعُ الْفُرْقَةِ قِيَاسًا عَلَى رِدَّةِ أَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بردة أحدهما لم يزل بردتها قِيَاسًا عَلَى اسْتِبَاحَةِ الْمَالِ وَالدَّمِ وَإِحْبَاطِ الْعَمَلِ، ولأن كُلَّ مَعْنَى وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ إِذَا وُجِدَ مِنْهُمَا كَالْمَوْتِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ إِقْرَارِ أَبِي بكر - رضي الله تعالى عَنْهُ - لِأَهْلِ الرِّدَّةِ عَلَى مَنَاكِحِهِمْ فَلِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قبل انقضاء العدة.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وغير الْمَدْخُولِ بِهَا.
قِيلَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ أَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْنَ فَأَجْرَى عَلَيْهِنَّ حُكْمَ الْأَغْلَبِ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنِ اجْتَمَعَا فِي الرِّدَّةِ أَوْ لَمْ يَجْتَمِعَا وَإِنْ كَانَ أبو حنيفة يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ جَوَابُهُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْمُشْرِكَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا بِعِلَّةِ انْتِقَالِهِمَا إِلَى دِينٍ وَاحِدٍ فَهُوَ انْتِقَاضُهُ بِالْمُسْلِمِ إِذَا تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً ثُمَّ تنصر قَدِ اجْتَمَعَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَالْفُرْقَةُ وَاقِعَةٌ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ أبا حنيفة قَدْ وَافَقَنَا أنه إذا اجتمعا على الردة مِنَ الْإِصَابَةِ كَمَا لَوِ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِاجْتِمَاعِ الْوَثَنِيَّيْنِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَثَنِيَّيْنِ لَا يمنعان من
الإصابة فجاز إقرارهما على النكاح، والمرتدتان يمنعان من الإصابة فلم يجز إِقْرَارُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الرِّدَّةِ فِي وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا كَارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا إِذَا ارْتَدَّا مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ، وَفِي الْمَهْرِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُغَلَّبُ فِيهِ رِدَّةُ الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ أَقْوَى الْمُتَنَاكِحَيْنِ حَالًا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ كما لو تفرد بِالرِّدَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُغَلَّبُ فِيهِ رِدَّةُ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ لَهَا فَكَانَ أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ أَنْ يُغَلَّبَ فِيهِ رَدَّتُهَا، فَعَلَى هَذَا لا مهر لها كما لو تفردت بِالرِّدَّةِ، وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهِ وَجْهًا ثَالِثًا: إِنَّ لَهَا رُبُعَ الْمَهْرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْفَسْخِ فَسَقَطَ مِنَ النِّصْفِ نِصْفُهُ، لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ رِدَّةِ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ ارْتِدَادُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ فالمهر قد استقر بالإصابة ولها أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعُودَا جَمِيعًا إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَكُونَا عَلَى النِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَعُودَا مَعًا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعُودَ الزَّوْجُ إِلَى الْإِسْلَامِ دُونَهَا فَلَا نِكَاحَ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ تَعُودَ الزَّوْجَةُ دُونَهُ فَلَا نِكَاحَ.
فَصْلٌ
وَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ الْإِصَابَةُ فِي الرِّدَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ الْمُرْتَدَّ أَوِ الزَّوْجَةُ، فَإِنْ أَصَابَهَا فِي الرِّدَّةِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ بَقَاءَ أَحْكَامِ النِّكَاحِ شُبْهَةٌ فِي إِدْرَاءِ الْحَدِّ، وَعَلَيْهِ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ حتى انقضت عدتها فاستقر المهر عليها أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ إِصَابَتِهِ لِلِاسْتِبْرَاءِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ عِدَّةِ الرِّدَّةِ مَحْسُوبًا مِنَ الْعِدَّتَيْنِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهَا بَعْدَ قُرْءٍ مِنْ رِدَّتِهَا، فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مَنْ وَقْتِ الْإِصَابَةِ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ مِنْهَا قُرْءَانِ مِنْ عِدَّتِيِ الرِّدَّةِ والإصابة، وقرء مختص بعد الْإِصَابَةِ وَإِسْلَامُهَا الَّذِي يَجْتَمِعَانِ بِهِ عَلَى النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ فِي عِدَّةِ الرِّدَّةِ دُونَ عِدَّةِ الْإِصَابَةِ، فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْبَاقِي مِنْ عِدَّةِ الرِّدَّةِ كَانَا عَلَى النكاح، فأما المهر فالذي وجب بالإصابة فقد قال الشافعي ما يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَقَالَ فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ إِذَا أَصَابَهَا الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ ثُمَّ رَاجَعَهَا بَعْدَ الإصابة.
أن المهر لا يسقط بالرجعة وَرَجْعَةُ الْمُطَلَّقَةِ كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدَّةِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا لِاخْتِلَافِ جوابه على طريقين:
أحدهما: نقل جواب كل واحد مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَتَخْرِيجُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أحدهما: سقوط مهرها بعود الْمُرْتَدَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُرْتَدَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ مهرها ثَابِتٌ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِ الْمُرْتَدَّةِ وَلَا بِرَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُطَلَّقَةِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: حَمْلُ الْجَوَابِ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَيَسْقُطُ مَهْرُ الْمُرْتَدَّةِ بِالْإِسْلَامِ وَلَا يَسْقُطُ مَهْرُ الْمُطَلَّقَةِ بِالرَّجْعَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ثَلْمَ الرِّدَّةِ قَدِ ارْتَفَعَ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ للردة تأثير بعودها إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ نِكَاحٍ، وَإِبَاحَةٍ وثلم المطلقة لم يرتفع جميعه بِالرَّجْعَةِ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَ بِهَا التَّحْرِيمُ دُونَ الطَّلَاقِ فَكَانَ تَأْثِيرُهُ بَاقِيًا فَبَقِيَ مَا وَجَبَ فِيهِ من المهر - والله أعلم -.
مسألة
قال الشافعي: " وَلَوْ هَرَبَ مُرْتَدًّا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ العدة مسلماً وادعى أنه اسلم قبلها فأنكرت فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهِا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَتْ فِي الِانْفِصَالِ عَمَّا أَوْرَدَهُ الْمُزَنِيُّ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ فِي إِسْلَامِهِمَا، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِنَا فِي الْمُرْتَدِّ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ: أَسْلَمْتُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ وقالت: بعدها وفي الرجعة إِذَا قَالَ الزَّوْجُ: رَاجَعْتُكِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ وقالت: بعدها على ثلاث طرق:
أحدها: أنهما على قولين.
أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْلَهَا فِي عِدَّتِهَا مَقْبُولٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، لِأَنَّ قوله فيما نقله من إسلام ورجعة مقبول.
والطريقة الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنِ اتُّفِقَ عَلَى صِدْقِهِ فِيهِمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي بيناه.
والطريقة الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا بالدعوى.
مسألة
قال الشافعي: " وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَارْتَدَّتْ فَلَا مَهْرَ لها لأن الفسخ من قبلها وإن ارتد فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَذَكَرْنَا أَنَّ ارْتِدَادَ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ مُوجِبٌ لِفَسْخِ النِّكَاحِ، وَإِنَّ الْمُرْتَدَّ إِنْ كَانَ هُوَ الزَّوْجُ لها نِصْفُ الْمَهْرِ، وَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ فَلَا مَهْرَ لَهَا فَرْقًا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ قِبَلِهَا، وَإِنَّهُمَا إِنِ ارْتَدَّا مَعًا كَانَ فِي الْمَهْرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَهَا نَصِفُهُ تَغْلِيبًا لِرِدَّةِ الزَّوْجِ.
وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ لَهَا تَغْلِيبًا لِرِدَّتِهَا.
وَالثَّالِثُ: لَهَا رُبُعُهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فيها.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ نصرانية فتمجست أو تزندقت فكالمسلمة تريد (وقال) في كتاب المرتد حتى ترجع إلى الذي حلت به من يهودية أو نصرانية " ز
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَقْسَامِ وَالْأَحْكَامِ، وَإِنَّ الزَّوْجَةَ النَّصْرَانِيَّةَ إِذَا تَزَنْدَقَتْ لَمْ تُقَرَّ وَفِيمَا تُؤْخَذُ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: الْإِسْلَامُ لَا غَيْرَ.
وَالثَّانِي: الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَتْ فَدِينُهَا الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ.
وَالثَّالِثُ: الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَتْ فَدِينٌ يُقِرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ مِنْ أَدْيَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَوْ كَانَتْ نصرانية فتهودت كان على قولين:
أحدهما: تقر.
والثاني: لا تقر.
وفيما تؤخذ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْإِسْلَامُ لَا غَيْرَ.
وَالثَّانِي: الْإِسْلَامُ.
فَإِنْ أَبَتْ فَدِينُهَا الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ، وَذَكَرْنَا مَا تَعَلَّقَ بِذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ النكاح قبل الدخول وبعده.
مسألة
قال الشافعي: " ومن دان دين اليهود والنصارى مِنَ الْعَرَبِ أَوِ الْعَجَمِ غَيْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْهُ أَوْ يحل كأهل الأوثان (وقال) في كتاب ما يحرم الجمع بينه من ارتد من يهودية إلى نصرانية أو نصرانية إلى يهودية حل نكاحها لأنها لو كانت من أهل الدين الذي خرجت إليه حل نكاحها (وقال) في كتاب الجزية لا ينكح من ارتد عن أصل دين آبائه لأنهم بدلوا بغيره الإسلام فخالفوا حالهم عما أذن بأخذ الجزية منهم عليه وأبيح من طعامهم ونسائهم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَذَكَرْنَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ، وَيَحِلُّ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ، وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمَا مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ على ضربين: قبل التبديل، وبعده ممن دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ تَبْدِيلِ أَهْلِهِ كَالرُّومِ كَانَ على حكمين فِيهِ، تُقْبَلُ جِزْيَتُهُمْ، وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَتُؤَكَلُ ذَبَائِحُهُمْ.
وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ بَعْدَ تَبْدِيلِ أَهْلِهِ كَانَ فِي حُكْمِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَا تُقْبَلُ جِزْيَتُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ فَإِنْ بَدَّلَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ مِمَّنْ دَخَلَ فِي دين من بدل لم تقر، وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينٍ لَمْ يُبَدَّلْ أُقِرَّ، وَحَلَّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ، وَإِنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ قَوْمٌ أَشْكَلَتْ عَلَيْنَا أَحْوَالُهُمْ هَلْ دَخَلُوا فِيهِ قَبْلَ التَّبْدِيلِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ هَلْ دَخَلُوا فِيهِ مَعَ مَنْ بَدَّلَ أَوْ مَعَ مَنْ لَمْ يُبَدِّلْ كَانُوا فِي حُكْمِ الْمَجُوسِ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ حَقْنًا لِدِمَائِهِمْ، وَلَا تُؤَكِّلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ.
فَصْلٌ
وَلَيْسَ لِلْمُرْتَدِّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ عَقْدَ نِكَاحٍ فِي الرِّدَّةِ عَلَى مُسْلِمَةٍ وَلَا مُرْتَدَّةٍ، فَإِنْ عَقَدَ فِيهِ نِكَاحًا كَانَ فَاسِدًا سَوَاءً تَعَجَّلَ إِسْلَامَهُ فِيهِ أَوْ تأخرن لِأَنَّ رِدَّتَهُ تُبْطِلُ نِكَاحًا ثَابِتًا فَلَمْ يَجُزْ أن
يثبت نكاحاً مستأنفاً إلا أن الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ تُطَلَّقُ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا تُطَلَّقُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ لَا تُطَلَّقُ يَعْنِي واجباً، وقوله تطلق اسْتِحْبَابًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ لَا تُطَلَّقُ إِنْ أنكح مُسْلِمَةً، وَتُطَلَّقُ إِذَا نَكَحَ مُرْتَدَّةً - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
باب طلاق الشرك
قال الشافعي رحمه الله: " وإذ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نِكَاحَ الشِّرْكِ وَأَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ طَلَاقُ الشِّرْكِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَثْبُتُ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ وَيَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ فَإِنْ أَسْلَمَا وَقَدْ طَلَّقَهَا فِي الشرك ثلاثاً لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ولو تزوجها غيره في الشرك حلت له ولمسلمٍ لو طلقها ثلاثاً ".
قال الماورد: وَهَذَا كَمَا قَالَ: نِكَاحُ الشِّرْكِ صَحِيحٌ، وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ جَائِزٌ، وَطَلَاقُ الشِّرْكِ وَاقِعٌ، وَحُكْمُ الْفُرْقَةِ ثَابِتٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ، مَنَاكِحُهُمْ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أُقِرُّوا عَلَيْهَا، وَطَلَاقُهُمْ غَيْرُ وَاقِعٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ مَنَاكِحِهِمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اتَّقَوْا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّمَا مَلَكْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكلمة الله تعالى يَعْنِي بِكِتَابِ اللَّهِ وَدِينِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ أن يملكها بغير ذلك، ولأنهم قد كَانُوا يَعْتَقِدُونَ إِلْقَاءَ الثَّوْبِ عَلَى الْمَرْأَةِ نِكَاحًا وَقَهْرَهَا عَلَى نَفْسِهَا نِكَاحًا، وَالْمُبَادَلَةَ بِالنِّسَاءِ نِكَاحًا، وَكُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ بِالشَّرْعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِحَّ فِي الْإِسْلَامِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَلَاقَهُمْ لا يقع ولا يلزم يقول اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) {الأنفال: 38) . فَاقْتَضَى أن يكون الطلاق مغفوراً، قَالَ: وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الظِّهَارَ طَلَاقًا مُؤَبَّدًا، وَقَدْ أَبْطَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَغَيَّرَ حُكْمَهُ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إِلَيْهِمْ مَنَاكِحَ نِسَائِهِمْ فَقَالَ فِي امْرَأَةِ أَبِي لَهَبٍ: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ) {المسد: 4) . وفي امرأة فرعون: {وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعُوْنَ قُرَّةَ عِيْنٍ لِي وَلَكَ) {القصص: 9) . وَالْإِضَافَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّمْلِيكِ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ " وَكَانَتْ مناكح آبائه في الشرك تدل على صحتها، ووقوع الفرق بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّفَّاحِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا وَلَا يَرْجُمُ إِلَّا مُحَصَّنًا بِنِكَاحٍ، وَلِأَنَّهَا مَنَاكِحُ يُقَرُّ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِصِحَّتِهَا قِيَاسًا عَلَى مَنَاكِحِ الْمُسْلِمِينَ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْخَبَرِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: " اسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ " أَيْ بِإِبَاحَةِ اللَّهِ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مَنَاكِحَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُمْ يَرَوْنَ مِنَ الْمَنَاكِحِ بَيْنَهُمْ مَا لَا نَرَاهُ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ كَانَ يَعْرِفُ اخْتِلَافَ آبَائِهِمْ فِيهِ فَلَمْ يَكْشِفْ عَنْهُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) {الأنفال: 38) . فَيَعْنِي مِنَ الْآثَامِ دُونَ الْأَحْكَامِ وَأَمَّا الظِّهَارُ فَبِالْفَسْخِ أَبْطَلَ حُكْمَهُ، وَحُكْمُهُ بِالطَّلَاقِ مُقَرٌّ.
فَصْلٌ
فَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ عُقُودِهِمْ، وَمَنَاكِحِهِمْ، وَالْعَفْوُ عَمَّا اخْتَلَّ من شروطها، وأنهم مأخوذون بِمَا أَوْقَعُوهُ فِيهَا مِنْ طَلَاقٍ، وَظِهَارٍ، وَإِيلَاءٍ اعْتُبِرَ حَالُ طَلَاقِهِ، فَإِنْ كَانَ صَرِيحًا عِنْدَهُمْ أَجْرَيْتُ عَلَيْهِ حُكْمَ الصَّرِيحِ سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَنَا صريحاً، أو كناية لِأَنَّنَا نَعْتَبِرُ عُقُودَهُمْ فِي شِرْكِهِمْ بِمُعْتَقَدِهِمْ كَذَلِكَ حُكْمُ طَلَاقِهِمْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا فَرَاجِعٌ فِي الْعِدَّةِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ كَمَا صَحَّ نِكَاحُهُ، وَكَانَتْ مَعَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدَةً بَقِيَتْ مَعَهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتِ اثْنَتَيْنِ بَقِيَتْ مَعَهُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا فِي الْعِدَّةِ حَتَّى أَسْلَمَا، فَإِنْ كَانَتْ عدة الطلاق قد انعقدت فِي الشِّرْكِ أَوْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ الرَّجْعَةِ بانت منه، وجاز أن يستأنف العقد عليها فَيَكُونُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً فَلَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَتَكُونُ مَعَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ لَهَا فِي الشِّرْكِ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَلَوْ كَانَتْ قَدْ نَكَحَتْ فِي الشِّرْكِ زَوْجًا غَيْرَهُ حَلَّتْ لَهُ إِذَا أَسْلَمَ، فَلَوْ عَادَ فَنَكَحَهَا فِي الشِّرْكِ قَبْلَ زَوْجٍ وَقَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، كَانَ نِكَاحُهَا إِذَا أَسْلَمَ بَاطِلًا، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرَّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَا بعدها أقر؟ فَهَلَّا إِذَا نَكَحَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا قَبْلَ زَوْجٍ أقر؟ قِيلَ: لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُعْتَدَّةِ قَدْ زَالَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا فَجَازَ أَنْ تُقَرَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ نِكَاحِهَا وَتَحْرِيمِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَمْ يَزُلْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُقَرَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ نِكَاحِهَا وَتَحْرِيمِ المطلقة ثلاثاً، وكذلك الكلام فيما يؤخذ بِهِ مِنْ حُكْمِ ظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
باب عقد نِكَاحِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُهُورِهِمْ مِنَ الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ
قال الشافعي رحمه الله: " وعقدة نِكَاحِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُهُورُهُمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي مَنَاكِحِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي دار الإسلام وهي عقود إِذَا أَسْلَمُوا لِمَا فِي تَتَبُّعِ مَنَاكِحِهِمْ بَعْدَ الإسلام من التنفير عنه، فلو نكح أحدهم فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَمْسًا أَوْ جَمَعَ بَيْنَ أختين، أو نكح مجوسي أمه وبنته ولم يُعَارَضُوا وَهُمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا أَسْلَمُوا فَمَا جاز إن لم يَسْتَأْنِفُوهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أُقِرُّوا عَلَيْهِ، وَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْنِفُوهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقَرُّوا عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وإن كانوا لهم ذمة وأحكامنا عَلَيْهِ جَارِيَةٌ إِلَّا فِي شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ إِذَا قَهَرَ حَرْبِيَّةً عَلَى نفسها ورآه نكاحاً أقر عَلَيْهِ إِذَا أَسْلَمَا، وَلَا يُقَرُّ ذِمِّيٌّ عَلَى قهر ذمية إذا أسلما، لأن دار الإسلام تمنع مِنَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَدَارَ الْحَرْبِ تُبِيحُهُ فَافْتَرَقَا لِافْتِرَاقِ حُكْمِ الدَّارَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَا نِكَاحًا لَا يَجُوزُ فِي دِينِهِمْ كَيَهُودِيٍّ نَكَحَ أُمَّهُ أَوْ بِنْتَهُ، فَلَا يُقَرُّوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْهُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَدِينِهِمْ وَلَوْ فَعَلَهُ الْمَجُوسِيُّ أُقِرَّ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَمْنُوعِينَ مِنْهُ فِي دينهم، فأما مهورهم فلا اعتراض عليهم فِيهَا حَلَالًا كَانَتْ أَمْ حَرَامًا فَإِنْ تَقَابَضُوهَا وَهِيَ حَرَامٌ بَرِئَ مِنْهَا الْأَزْوَاجُ، وَإِنْ بَقِيَتْ في ذمتهم حتى أسلموا ألزمهم بدلاً منها مهر المثل، وإن تقابضوا بعضها قبل الإسلام وبقي بعضها بعده لزم من مَهْرُ الْمِثْلِ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ مِنْهَا.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي: " فَإِنْ نَكَحَ نَصْرَانِيٌّ وَثَنِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ نكح وثني نصرانية أو مجوسية لم أفسح مِنْهُ شَيْئًا إِذَا أَسْلَمُوا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا نَكَحَ كِتَابِيٌّ كِتَابِيَّةً وَتَحَاكَمَا إِلَيْنَا أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ مِنْهُمَا كَانَا عَلَى النِّكَاحِ، لَأَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَ كِتَابِيَّةٍ فَجَازَ أَنْ يُقِيمَ عَلَى نِكَاحِ كِتَابِيَّةٍ، وَلَوْ أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ دُونَهُ لَمْ يُقَرَّ عَلَى نِكَاحِهَا، وَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى تقضي الْعِدَّةِ.
وَأَمَّا الْوَثَنِيُّ إِذَا نَكَحَ وَثَنِيَّةً فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ لَمْ يُقَرَّ عَلَى النِّكَاحِ، وَكَانَ مَوْقُوفًا على تقضي الْعِدَّةُ.
وَإِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا فِي الْأَحْكَامِ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهَا، فَأَمَّا إِذَا نَكَحَ وَثَنِيٌّ كِتَابِيَّةً فَإِنْ أسلما
أقر عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ كَانَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا على انقضاء العدة.
ولو نَكَحَ كِتَابِيٌّ وَثَنِيَّةً فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ كَانَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ تَحَاكَمَا إِلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: إِنَّنَا نُمْضِي نِكَاحَهُمَا وَلَا يُفْسَخُ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُفْسَخُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ أَنْ يُحْكَمَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) {المائدة: 49) . وَالْوَثَنِيَّةُ لَا تَحِلُّ لِمُسْلِمٍ فَكَذَلِكَ لَا تَحِلُّ لِكِتَابِيٍّ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَنَوَّعَ وَاخْتَلَفَ، أَلَّا ترى أننا نحكم بالتوارث بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ إِقْرَارُهُمَا عَلَى هَذَا النِّكَاحِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَأَوْلَى أَنْ يُقَرَّا عَلَيْهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ.
مسألة
قال الشافعي: " ولا تَحِلُّ ذبيحةٌ مَنْ وُلِدَ مِنْ وَثَنِيٍّ وَنَصْرَانِيَّةٍ ولا من نصراني ووثنيةٍ ولا يحل نكاح ابنتهما لأنها ليست كتابيةً خَالِصَةٍ (وَقَالَ) فِي كتابٍ آخَرَ إِنْ كَانَ أَبُوهَا نَصْرَانِيًا حَلَّتْ وَإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا لَمْ تَحِلَّ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى النَّسَبِ وَلَيْسَتْ كَالصَّغِيرَةِ يُسْلِمُ أَحَدُ أَبَوَيْهَا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَشْرَكُهُ الشِّرْكُ وَالشِّرْكُ يَشْرَكُهُ الشِّرْكُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ، وَأَنَّ الْمَجُوسَ وَعَبَدَةَ الْأَوْثَانِ لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ، فَأَمَّا الْمَوْلُودُ مِنْ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ إِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا، وَالْآخَرُ وَثَنِيًّا فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْأَبُ وَثَنِيًّا، وَالْأُمُّ كِتَابِيَّةً يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبِيحَةِ هَذَا الْوَلَدِ وَلَا يُنْكَحُ إِنْ كَانَ امْرَأَةً تَغْلِيبًا لِحُكْمِ أَبِيهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يحل نكاحه، وأكل ذبيحته تغليباً لحق أَبَوَيْهِ حُكْمًا، اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تجس فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ " فَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنِ الْفِطْرَةِ وَتَخْفِيفِ الْحُكْمِ إِلَى أَغْلَظِهِمَا إِلَّا بِاجْتِمَاعِ أَبَوَيْهِ عَلَى تَغْلِيظِ الْحُكْمِ وَلِأَنَّ أَحَدَ أَبَوَيْهِ مُسْتَبَاحُ الذَّبِيحَةِ وَالنِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَلَى حُكْمِهِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ.
وَدَلِيلُنَا: عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) {البقرة: 221) . وَهَذَا الْوَلَدُ يَنْطِلَقُ عَلَيْهِ اسم المشرك، ولأنها كافرة فتنسب إلى كافرة لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَلَا نِكَاحُهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَحِلَّ ذَبِيحَتُهَا وَلَا نِكَاحُهَا.
أَصْلُهَا: إِذَا كَانَ أَبَوَاهَا وَثَنِيَّيْنِ، وَلِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْوَلَدِ مُوجِبُ حَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ الْحَظْرِ عَلَى حُكْمِ الْإِبَاحَةِ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَلِّدِ مِنْ بَيْنِ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ، وَلَا يَنْتَقِضُ بِالْوَلَدِ إِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي الْوَلَدِ حُكْمُ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى ". فَثَبَتَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَسَقَطَ حُكْمُ الشِّرْكِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: " لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَشْرِكُهُ الشِّرْكُ وَالشِّرْكَ يَشْرِكُهُ الشِّرْكُ " يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ يَجْتَمِعُ شِرْكَانِ، وَلَا يَجْتَمِعُ شِرْكٌ وَإِسْلَامٌ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا التَّعْلِيلِ، هَلْ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أبا حنيفة من هذه ال
مسألة
، وأراد بِهِ مَالِكًا فِي أَنَّ إِسْلَامَ الْأُمِّ لَا يَكُونُ إِسْلَامًا لِلْوَلَدِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اجْتِمَاعُ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْكُفْرِ يَقْتَضِي تَكْفِيرَ الْوَلَدِ، وَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا لَا يَقْتَضِيهِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلًا فِي هَذَا الْوَضْعِ، لِأَنَّ أَبَوَيْهِ قَدِ اجْتَمَعَا عَلَى الْكُفْرِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ اجتماع الشرك والإسلام يوجب فيه حكم تغليب الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُمَا يَتَنَافَيَانِ فَغُلِّبَ أَقْوَاهُمَا، وَالشِّرْكَانِ لَا يَتَنَافَيَانِ فَغُلِّبَ أَغْلَظُهُمَا.
فَصْلٌ:
وَالضَّرْبُ الثَّانِي
: أَنْ يَكُونَ أَبُ هَذَا الْوَلَدِ كِتَابِيًّا يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَأُمُّهُ وَثَنِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً فَفِي إِبَاحَةِ نِكَاحِهِ، وَأَكْلِ ذَبِيحَتِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ نِكَاحُهُ وَذَبِيحَتُهُ لِاجْتِمَاعِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ بَيْنِ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - وَهُوَ أَصَحُّ.
أَنَّهُ يَحِلُّ نِكَاحُهُ وَذَبِيحَتُهُ لِاجْتِمَاعِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِيهِ، لِأَنَّ الدِّينَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا فَأَغْلَبُهُمَا مَا كَانَ تَابِعًا لِلنَّسَبِ الْمُضَافَ إِلَى الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ كَالْحُرِّيَّةِ كَذَلِكَ النِّكَاحُ وَالذَّبِيحَةُ.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَحُكْمُ الْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ بَيْنِ أَبَوَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِحُكْمِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، وَذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: النَّسَبُ يَكُونُ مُلْحَقًا بِأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ.
وَالثَّانِي: فِي الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّ وَلَدَ الْحُرِّ مَنْ أمه كَأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ.
وَالثَّالِثُ: فِي الْوَلَاءِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَلَاءٌ مِنْ جِهَتَيْنِ، كَانَ الْوَلَدُ دَاخِلًا فِي وَلَاءِ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ.
وَالرَّابِعُ: فِي الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَبُ مَنْ قَوْمٍ لَهُمْ حُرِّيَّةٌ وَالْأُمُّ مِنْ آخَرِينَ لَهُمْ حُرِّيَّةٌ أُخْرَى فَإِنَّ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ حُرِّيَّةُ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِحُكْمِ أُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ وَذَلِكَ فِي شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَلَدُ الْمَنْكُوحَةِ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ دُونَ أَبِيهِ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً كَانَ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَمْلُوكَةً كَانَ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ حُرًّا.
وَالثَّانِي: فِي الْمِلْكِ فَإِنَّ وَلَدَ الْمَمْلُوكَيْنِ تَبَعٌ لأمه ومملوك لسيدهما.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِأَفْضَلِ أَبَوَيْهِ حَالًا وَأَغْلَظِهِمَا حُكْمًا، وَذَلِكَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِي الْإِسْلَامِ يَلْحَقُ بِالْمُسْلِمِ مِنْهُمَا أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا اخْتَلَفَ قوله فيه، وهو في إباحته الذَّبِيحَةِ وَالنِّكَاحِ فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْأَبِ.
والثاني: ملحق بأغلظهما حكماً.
مسألة
قال الشافعي: " وَلَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا وَجَبَ أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ كَانَ الزَّوْجُ الْجَائِي أَوِ الزَّوْجَةُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُقِيمُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفَّارِ فضربان: أهل الذمة وَأَهْلُ عَهْدٍ.
فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ: فَهُمْ بَاذِلُو الحرية لهم ذِمَّةٌ مُؤَبَّدَةٌ يَلْزَمُنَا فِي حَقِّ الذِّمَّةِ أَنْ نَمْنَعَ عَنْهُمْ مَنْ أَرَادَهُمْ مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعَهْدِ: فَهُمُ الْمُسْتَأْمَنُونَ الَّذِينَ لَهُمْ أَمَانٌ إِلَى مُدَّةٍ يلزمنا أن نمنع مَنْ أَرَادَهُمْ مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا مِنَ المسلمين، فلا يلزمنا أن نمنع من أرادهم من لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أَحْكَامُنَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ عَبَّرَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْمُعَاهَدِينَ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُمْ عَهْدٌ، وَإِنْ كَانُوا باسم الذمة أخص، فأما إذا لم يترافع الفريقان في أحكامهم إلينا لم ندعهم إلينا، وَلَمْ نَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ فِيهَا، وَإِنْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا نُظِرَ فِيهِمْ فَإِنْ كَانُوا مُعَاهَدِينَ لَهُمْ أَمَانٌ إِلَى مُدَّةٍ لَمْ يَلْزَمْنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَلْزَمْهُمُ الْتِزَامُ حُكْمِنَا، وَكَانَ حَاكِمُنَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَحْكُمَ، وَهُمْ إِذَا حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَلْتَزِمُوا حُكْمَهُ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَلْتَزِمُوهُ، وإن جاء أحدهم مستعدياً لم يلزم المتعدي عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَاكِمُ أَنْ يُعْدِيَهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: {فَإنْ جَاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطًِ) {المائدة: 42) . الْآيَةَ فَخَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وَلِأَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَ عَنْهُمْ أَنْفُسَنَا، وَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَ عَنْهُمْ غَيْرَنَا، سَوَاءٌ كَانَ التَّحَاكُمُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّينَ، لِأَنَّ حَقَّ الله تعالى في شركهم أعظم، وقد أقروا عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ أَوْ غَيْرَ أَهْلِ كِتَابٍ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا فَلَيْسَتِ الذِّمَّةُ الْمُؤَبَّدَةُ إِلَّا لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا فِي أَحْكَامِهِمْ تُرِكُوا وَإِنْ تَرَافَعُوا فِيهَا إِلَيْنَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ فَفِي وُجُوبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ - إنَّهُ لَا يَجِبُ وَالْحَاكِمُ مخير في الحكم بينهم، وهو إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ مُخَيَّرُونَ فِي الْتِزَامِ حُكْمِهِ اعْتِبَارًا بِأَهْلِ الْعَهْدِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإنْ جَاؤًكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ إِنَّ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَاجِبٌ فَيَلْزَمُ الْحَاكِمُ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ إذا حكم أن يلتزموا حكمه وَإِذَا اسْتَعْدَى أَحَدُهُمْ عَلَى الْآخَرِ وَجَبَ أَنْ يعديه الحاكم، وأن يخص الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ أَجْبَرَهُ وعزره، وإنما كان كذلك بقول اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (المائدة: 49) . وَهَذَا أَمْرٌ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يْدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) {التوبة: 29) .
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالصَّغَارُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رحم يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ حُكْمُهُ لَامْتَنَعُوا من إقامة الحد عليهم، ولأننا نجريهم بالدفع عَنْهُمْ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا مَجْرَى الْمُسْلِمِينَ فَوَجَبَ أَنْ نَدْفَعَ عَنْهُمْ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ فِي اسْتِيفَاءِ الحقوق لهم كما نحكم بين المسلمين، وبهذا تفرق بينهم وبين المعادين، لَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَدْفَعَ عَنْهُمْ غَيْرَنَا فَلَمْ يَلْزَمْنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَلَا أَنْ نَدْفَعَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
فَأَمَّا أبو حنيفة فَلَمْ يَعْمَلْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَقَالَ: لَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الرضى بِحُكْمِ الْإِمَامِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْمُتَرَافِعِينَ إِلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا حُكْمَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بَيْنَ ذِمِّيَيْنِ مِنْ دِينَيْنِ كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ تَحَاكَمَا إِلَيْنَا فَقَدِ اختلف أصحابنا فيهم، فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يُخَرِّجُ وُجُوبَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، لَأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ.
وقال غيره من أصحابنا: أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أن يكون مِنْ دِينٍ وَاحِدٍ أَوْ دِينَيْنِ أَنَّهُمَا إِذَا كانا من دين واحد فلم يحكم كَانَ لَهُمْ حَاكِمٌ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَأَمْكَنَ وُصُولُهُمْ إِلَى الْحَقِّ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَا عَلَى دِينَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْحَكَمِ إِنْ لَمْ يحكم بينهما حاكمنا فدعى النصراني على حاكم النصارى، ودعى الْيَهُودِيُّ إِلَى حَاكِمِ الْيَهُودِ فَتَعَذَّرَ وُصُولُ الْحَقِّ إِلَّا بِحَاكِمِنَا فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فَهِيَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فقد اختلف أصحابنا فيها على ثلاثة مذاهب.
أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجِبُ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لا مطالب بها غَيْرُ الْحَاكِمِ، وَلَيْسَتْ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي لَهَا خصم يطلب.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّهَا لَا تَجُبْ قَوْلًا وَاحِدًا، لأن حق الله تعالى في شركهم أعظم، وَقَدْ أَقَرُّوا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ مَا سِوَاهُ مِنْ حُقُوقِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، لِأَنَّهُمْ فِيهَا متشاجرون متظالمون ودار الإسلام تمنع مِنَ التَّظَالُمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّحَاكُمُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَمُعَاهَدٍ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا، لِأَنَّهُمَا يَتَجَاذَبَانِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ أَغَلَبَ لِرِوَايَةِ عَائِذِ بْنِ عُمَرَ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى " وَلَوْ كَانَ التَّحَاكُمُ بَيْنَ ذِمِّيٍّ وَمُعَاهَدٍ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ تَغْلِيبًا لِأَوْكَدِهِمَا حُرْمَةً كَمَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَمُعَاهَدٍ حَكَمَ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي هِيَ أَوْكَدُ.
فَصْلٌ
ثُمَّ إِذَا حَكَمَ حَاكِمُنَا بَيْنَ ذِمِّيَيْنِ أَوْ مُعَاهَدَيْنِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كَانَا يَهُودِيَّيْنِ وَلَا بِالْإِنْجِيلِ إِنْ كَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ، وَلَمْ يَحْكُمْ إِلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهَ وَلاَ تَتَبِعْ أهْوَائهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنِ بَعْضِ مَا أنْزَلَ اللهَ إِلَيْكَ) {المائدة: 49) . أي يفتنونك بتوارتهم وَإِنْجِيلِهِمْ عَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44) .
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ لَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاَة فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) {المائدة: 44) . وَقَدْ أَحْضَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - التوراة حين رجم اليهوديين حتى رجمهما لما فِيهَا مِنَ الرَّجْمِ.
قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ فَتَضَمَّنَتْ صِفَةَ التَّوْرَاةِ عَلَى مَا كَانَتْ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ، وَإِنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ وَكَذَا كان حالها ثم غيرت حِينَ بَدَّلَ أَهْلُهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً) {الأنعام: 91) . ومع تغيرهم لَهَا وَتَبْدِيلِهِمْ فِيهَا لَا يَتَمَيَّزُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهَا، وَأَمَّا إِحْضَارُهُ التَّوْرَاةَ عند رجم اليهوديين، فلأنه حين حكم عليها بالرجم أخبر اليهود أن في التوراة فَأَنْكَرُوهُ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهَا لِتَكْذِيبِهِمْ، فَلَمَّا حَضَرَتْ تَرَكَ ابْنُ صُورِيَا وَهُوَ أَحَدُ أَحْبَارِهِمْ يَدَهُ عَلَى ذكر الرجم، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِرَفْعِ يَدِهِ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ فَكَانَ إِحْضَارُهَا رَدًّا لِإِنْكَارِهِمْ وَإِظْهَارًا لِتَكْذِيبِهِمْ، لَا لِأَنْ يَحْكُمَ بِهَا عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ قبل حضورها - والله أعلم -.
مسألة
قال الشافعي: " فإن لم يكن حكمٌ مضى لم يزوجهم إلا بولي وشهودٍ مسلمين
فلو لَمْ يَكُنْ لَهَا قريبٌ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لِأَنَّ تزويجه حكمٌ عليها فإذا تحاكموا إلينا بعد النكاح فإن كان مما يجوز ابتداؤه في الإسلام أجزناه لأن عقده قد مضى في الشرك ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ جَوَازِهِ، فَإِذَا تَرَافَعَ زَوْجَانِ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ فَهُوَ كَتَرَافُعِهِمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ عُقُودِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَاتِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّافِعِيُّ تَرَافُعَهُمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ فُرُوعَهُ أَكْثَرُ فَإِذَا تَرَافَعَا فِيهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَرَافَعَا فِي اسْتِدَامَةِ عَقْدٍ قَدْ مَضَى فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ حَالِ الْعَقْدِ وَلَا يَعْتَبِرَ فِيهِ شُرُوطَ الْإِسْلَامِ، وَيَنْظُرَ فَإِنْ كَانَتِ الزوجة ممن تجوز لَهُ عِنْدَ التَّحَاكُمِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا جَازَ أَنْ يُقِرَّهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَقْدِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بَوْلِيٍّ، أَوْ شُهُودٍ أَمْ لَا، إِذَا رَأَوْا مَا عَقَدُوهُ نِكَاحًا فِي دِينِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَنْ تستأنف العقد عليها عند الترافع إلينا لكونها في ذوات المحارم والمحرمات أو بَقِيَّةِ عِدَّةٍ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ حُكِمَ بِإِبْطَالِ النكاح، ويكون حالها عِنْدَ التَّرَافُعِ إِلَى الْحَاكِمِ كَحَالِهِمَا لَوْ أَسْلَمَا فَمَا جَازَ إِقْرَارُهُمَا عَلَيْهِ مِنَ النِّكَاحِ بَعْدَ إسلامها جَازَ إِقْرَارُهُمَا عَلَيْهِ عِنْدَ تَرَافُعِهِمَا إِلَى حَاكِمِنَا، وَمَا لَمْ يَجُزِ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزِ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّرَافُعِ إِلَى الْحَاكِمِ.
فَصْلٌ: وَالضَّرْبُ الثَّانِي
: أَنْ يَتَرَافَعَا إِلَى حَاكِمِنَا فِي ابْتِدَاءِ عَقْدٍ يَسْتَأْنِفُهُ بَيْنَهُمَا، فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَعْقِدَهُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْإِسْلَامِ بَوْلِيٍّ وَشُهُودٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ) {المائدة: 49) . وإنما جاز أن يمضي في مَنَاكِحِهِمْ فِي الشِّرْكِ، وَإِنْ لَمْ تُكْنَ عَلَى شُرُوطِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى شُرُوطِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِين كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) {الأنفال: 38) . وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ مَنَاكِحِهِمْ فِي الشِّرْكِ عَلَى شُرُوطِ الْإِسْلَامِ وَرَدِّهَا إِذَا خَالَفَتْهُ تَنْفِيرًا لَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وليس فيما استأنفوه لرضاهم به تنفيراً لهم منه.
فإذا تقرر ما وصفناه فَوَلِيُّهَا فِي النِّكَاحِ أَقْرَبُ عَصَبَتِهَا مِنَ الْكُفَّارِ، ولأن وَلِيَّ الْكَافِرَةِ كَافِرٌ، وَيُرَاعَى أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فِي دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فِيهِ كَانَ كفسق الولي المسلم بعدل إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ الْعُدُولِ، فَإِنْ عُدِمَ أوليائها من العصبة والمعتقين زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَلَا يَمْنَعُهُ الْإِسْلَامُ مِنْ تَزْوِيجِهَا، وإن منع منها إِسْلَامُ عَصَبَتِهَا، لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا حُكْمٌ فِيهِ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا الشُّهُودُ فِي نِكَاحِهَا فَلَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ؛ وَجَوَّزَ أبو حنيفة عَقْدَ نِكَاحِهَا بِشُهُودٍ كُفَّارٍ كَمَا جَازَ بِوَلِيٍّ كَافِرٍ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوْلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ".
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ أَنَّ الْوَلِيَّ يُرَادُ لِطَلَبِ الحظ لها للموالاة التي بينها، وَالْكَافِرُ الْمُشَارِكُ لَهَا فِي الْكُفْرِ أَقْوَى مُوَالَاةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ الْكَافِرُ أَحَقَّ بِوِلَايَةِ نِكَاحِهَا من المسلم، وليس كذلك الشهود، لأنهم يُرَادُونَ لِإِثْبَاتِ الْفِرَاشِ، وَإِلْحَاقِ النَّسَبِ وَلَا يَثْبُتُ
ذَلِكَ إِلَّا بِالْمُسْلِمِينَ فَكَانُوا أَخَصَّ بِالشَّهَادَةِ فِيهِ من غيرهم، وهذا حكم إذنها إذا كَانَتْ ثَيِّبًا بِالنُّطْقِ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا بِالصَّمْتِ، ولا يعقده إِلَّا بِصَدَاقٍ حَلَالٍ، وَإِنْ كَانُوا يَرَوْنَ فِي دِينِهِمْ عَقْدَهُ بِالْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْخُمُورِ، وَالْخَنَازِيرِ، وَهَلْ يجوز أن يعقده كِتَابِيٌّ عَلَى وَثَنِيَّةٍ، أَوْ وَثَنِيٌّ عَلَى كِتَابِيَّةٍ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سعيد الإصطخري - لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى وَثَنِيَّةٍ وَلَا لِوَثَنِيٍّ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى مُسْلِمَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كله ملة واحدة.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وكذلك ما قبضت مِنْ مهرٍ حرامٌ وَلَوْ قَبَضَتْ نِصْفَهُ فِي الشِّرْكِ حَرَامًا ثُمَّ أَسْلَمَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا تَرَافَعَ الزَّوْجَانِ فِي صَدَاقِ نِكَاحٍ عُقِدَ لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يكون حلالاً معلوماً فيحكم على الزوج له، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَا عَلَيْهِ وَلَا يُلْزَمُ الزَّوْجُ غَيْرَهُ فَإِنْ أَقْبَضَهَا فِي الشِّرْكِ بَرِئَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْبِضْهَا أَخَذَتْهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَوْ عند الترافع إلى الحاكم بعد بقائها عَلَى الشِّرْكِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَرَامًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا فِي الْإِسْلَامِ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَقَاضَاهُ فِي الشِّرْكِ قَبْلَ التَّرَافُعِ إِلَى الْحَاكِمِ فَقَدْ بَرِئَ الزَّوْجُ مِنْهُ، لِأَنَّ مَا فَعَلَاهُ فِي الشِّرْكِ عَفْوٌ لَا يَتَعَقَّبُ بِنَقْضٍ كَمَا قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بِقِيَ مِنَ الرِّبَا) {البقرة: 278) . فَجَعَلَ مَا مَضَى عَفْوًا وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ ".
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ بَاقِيًا لَمْ يَتَقَابَضَاهُ، فَلَا يجوز أن يحكم بإقباضه سواء ترفعا وَهُمَا عَلَى الشِّرْكِ أَوْ قَدْ أَسْلَمَا، وَيَحْكُمُ لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ دُونَ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ وَسَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ.
وقال أبو حنيفة: كَانَ الصَّدَاقُ مُعَيَّنًا حُكِمَ لَهَا بِهِ سَوَاءٌ أَسْلَمَا، أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ كَانَا عَلَى الشِّرْكِ حُكِمَ لَهَا بِمِثْلِ الخمر وإن كان قد أسلما حكم لها بقيمة الخمر بناء على أصله في غاصب الدار وفيها خمر إذا استهلكها وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَقَابَضَا بَعْضَهُ فِي الشِّرْكِ وَيَبْقَى بَعْضُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَ التَّرَافُعِ إِلَى الْحَاكِمِ فَيَبْرَأُ الزَّوْجُ مِنْ قَدْرِ مَا أَقْبَضَ فِي الشِّرْكِ وَيَحْكُمُ لَهَا مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِقِسْطِ مَا بقي
مِنْهُ، وَعِنْدَ أبي حنيفة يَحْكُمُ لَهَا بِقِيمَةِ ما بقي منه بناء عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَصْلِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الصَّدَاقِ الْحَرَامِ الْمَقْبُوضِ بَعْضُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ جِنْسًا، أَوْ أجناساً فإن كان جنساً واحداً كأنه أَصْدَقَهَا عَشَرَةَ أَزْقَاقٍ مِنْ خَمْرٍ ثُمَّ تَرَافَعَا أَوْ أَسْلَمَا، وَقَدْ أَقْبَضَهَا خَمْسَةَ أَزْقَاقٍ وَبَقِيَتْ خمسة ففيها وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنه يُرَاعَى عَدَدُ الْأَزْقَاقِ دُونَ كَيْلِهَا فَتَكُونُ الْخَمْسَةُ مِنَ الْعَشَرَةِ نِصْفَهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَ كَيْلُهَا فَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنَ الْمَهْرِ نِصْفُهُ وَيَبْقَى عَلَيْهِ نِصْفُهُ فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ يُرَاعَى كَيْلُهَا دُونَ عَدَدِهَا فَيَنْظُرُ كَيْلَ الْخَمْسَةِ الْمَقْبُوضَةِ مِنْ جُمْلَةِ كَيْلِ الْعَشَرَةِ، فَإِنْ كَانَ ثُلُثُهَا فِي الْكَيْلِ وَنِصْفُهَا فِي الْعَدَدِ بَرِئَ مِنْ ثُلُثِ الْمَهْرِ وَلَزِمَ ثُلُثَا مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَصْدَقَهَا عَشَرَةَ خَنَازِيرَ وَأَقْبَضَهَا مِنَ الْعَشَرَةِ سِتَّةَ خَنَازِيرَ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ - إِنَّكَ تُرَاعِي الْعَدَدَ فَتَكُونُ السِّتَّةُ مِنَ الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِهَا سواء اختلف في الصغر أو الكبر أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ فَيَبْرَأُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الصَّدَاقِ وَيُطَالَبُ بِخُمْسَيْ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ إِنَّكَ تُرَاعِيهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَكَانَ الْكَبِيرُ مِنْهَا يعدل صغيرين وقد قبض في السنة كبيرين وأربعة صغاراً فكانت الْأَرْبَعَةُ تُعَادِلُ كَبِيرَيْنِ فَصَارَتِ السِّتَّةُ أَرْبَعَةً كِبَارًا، وَالْأَرْبَعَةُ مِنَ الْعَشَرَةِ خُمْسَاهَا فَيَبْرَأُ مِنْ خُمْسَيِ الصداق وترجع عليه بثلاثة أخماس مهر المثل، وإن كان الصداق أجناسً مختلفة كأنه أَصْدَقَهَا خَمْسَةَ أَزْقَاقٍ خَمْرًا وَعَشَرَةَ خَنَازِيرَ وَخَمْسَةَ عشر كلباً تَرَافَعَا أَوْ أَسْلَمَا، وَقَدْ أَقْبَضَهَا خَمْسَةَ أَزْقَاقٍ خمراً وبقيت الخنازير كلها والكلاب بأسرها، فعنه ثلاثة أوجه:
أحدهما: إِنَّكَ تَعْتَبِرُ عَدَدَ الْجَمِيعِ فَيَكُونُ الْمَقْبُوضُ خَمْسَةً من ثلاثين وهو سدسها فيسقط عند سُدُسُ الصَّدَاقِ وَيُؤْخَذُ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
والوجه الثاني: أنك تعتبر عدد أجناس، وهي ثلاثة، والمقبوض أحدها فتسقط عَنْهُ ثُلُثَ الصَّدَاقِ، وَيُؤْخَذُ بِثُلْثَيْ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ - إِنَّكَ تَعْتَبِرُ قِيمَةَ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ وَتَنْظُرُ قِيمَةَ الْمَقْبُوضِ فَتُسْقِطُهُ مِنْهُ فَيَبْرَأُ بِقِسْطِهِ مِنَ الصَّدَاقِ، وَيُؤْخَذُ بِقِسْطِ الْبَاقِي مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَقَدْ يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ أن يعتبر قِيمَةُ مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ وَلَا قِيمَةَ لَهُ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي حُكُومَةِ مَا لَا يقدر مِنْ جِرَاحِ الْحُرِّ قِيمَتُهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحُرِّ ثَمَنًا وَلَا قِيمَةً
كَذَلِكَ الْخُمُورُ وَالْخَنَازِيرُ وَالْكِلَابُ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنَ الثَّلَاثَةِ جِنْسًا آخَرَ غَيْرَ الْخَمْرِ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فَاعْتَبِرْ به - وبالله التوفيق.
مسألة
قال الشافعي: " والنصراني في إنكاح ابْنَتِهِ وَابْنِهِ الصَّغِيرَيْنِ كَالْمُسْلِمِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ وَلِيَّ الْكَافِرَةِ كَافِرٌ فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ الصَّغِيرَةَ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا وَلَا يُزَوِّجُهَا إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كالمسلم ويزوج أن يزوج بنته الكبرى بِكْرًا بِغَيْرِ إِذْنٍ وَثَيِّبًا بِإِذْنٍ، وَلَهُ أَنْ يزوج ابنته الصغيرة، وليس له تزويج الكبيرة كَمَا نَقُولُهُ فِي الْأَبِ الْمُسْلِمِ فِي بِنْتِهِ وَابْنَهِ الْمُسْلِمَيْنِ، فَأَمَّا وِلَايَةُ الْكَافِرِ عَلَى أَمْوَالِ الصِّغَارِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَمَا لَمْ يُرْفَعْ إِلَيْنَا أقروا عليها، فَإِذَا رُفِعَ إِلَيْنَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَتُرَدُّ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِوِلَايَةِ الْأَمْوَالِ الْأَمَانَةُ وَهِيَ فِي الْمُسْلِمِينَ أَقْوَى والمقصود بولاية النكاح الموالاة، وهي في الكافر لِلْكَافِرِ أَقْوَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
باب إتيان الحائض ووطء اثنتين قبل الغسل من هذا ومن كتاب عشرة النساء
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتعالى بِاعْتِزَالِ الْحُيَّضِ فَاسْتَدْلَلْنَا بِالسُّنَّةِ عَلَى مَا أَرَادَ فقلنا تَشُدُّ إِزَارَهَا عَلَى أَسْفَلِهَا وَيُبَاشِرُهَا فَوْقَ إِزَارِهَا حتى يطهرن حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ وَتَرَى الطُّهْرَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أما وطء الحائط فِي الْفَرْجِ فَحَرَامٌ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أذَى فَاعْتَزِلَوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ) {البقرة: 222) . وَفِي هَذَا الْمَحِيضِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ دَمَ الْحَيْضِ.
وَالثَّانِي: زَمَانَ الْحَيْضِ.
وَالثَّالِثُ: مَكَانَ الْحَيْضِ.
ثُمَّ قَالَ: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) {البقرة: 222) . أي ينقطع دمهن، فإذا تطهرن فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهُنَّ، وَهَذَا تَأْوِيلُ أبي حنيفة.
وَالثَّانِي: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ) {البقرة: 222) . فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي الْقُبُلِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ فِي حال الحيض، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: مِنْ قِبَلِ طُهْرِهِنَّ لَا مِنْ قِبَلِ حَيْضِهِنَّ، وَهَذَا تَأْوِيلُ عِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ فَصَارَ تَحْرِيمُ وَطْءِ الْحَائِضِ فِي الْقُبُلِ نَصًّا وَإِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ فِيهِ خِلَافُ أَحَدٍ، فَلَوِ اسْتَحَلَّ رَجُلٌ وَطْءَ حَائِضٍ مَعَ عِلْمِهِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ كَانَ كَافِرًا، وَلَوْ فَعَلَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ كَانَ فَاسِقًا.
فَصْلٌ
فَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْهَا فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَدُونَ الرُّكْبَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَسْتَمْتِعُ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ ".
وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ إِذَا عَدَلَ عَنِ الْفَرْجَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ حَرَامٌ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَبَاحَ الِاسْتِمْتَاعَ مِنْهَا بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ، وَمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ هُوَ مِمَّا تَحْتَ الْإِزَارِ وَلَيْسَ مِمَّا فَوْقَهُ فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُبَاحٌ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا: أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ وَأَبُو إِسْحَاقَ المروزي، لأن تَحْرِيمَ وَطْءِ الْحَائِضِ لِأَجْلِ الْأَذَى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى مَكَانِ الْأَذَى وَهُوَ الْفَرْجُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَرُوِيَ أَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِذَا تَوَقَّى الْجُحْرَيْنِ فَلَا بَأْسَ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَسْتَمْتِعُ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ " مَحْمُولًا عَلَى مَا دُونُ الْفَرْجِ، وَيَكُونُ الْإِزَارُ كِنَايَةً عَنِ الْفَرْجِ لِأَنَّهُ مَحَلَّ الْإِزَارِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
(قومٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ)
أَيْ شَدُّوا فُرُوجَهُمْ وَخَرَّجَ أَبُو الْفَيَّاضِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا ثَالِثًا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَاهِرًا لِنَفْسِهِ يَأْمَنُ أَنْ تَغْلِبَهُ الشَّهْوَةُ فَيَطَأُ فِي الْفَرْجِ جَازَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا دُونَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ نَفْسَهُ أَنْ تَغْلِبَهُ الشَّهْوَةُ فَيَطَأُ فِي الْفَرْجِ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا دُونَهُ إِلَّا مِنْ وراء الإزار.
مسألة
قال الشافعي: " فإذا تطهرن يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ الطَّهَارَةَ الَّتِي تَحِلُّ بِهَا الصلاة الغسل أو التيمم (قال) وفي تحريمها لأذى المحيض كالدلالة على تحريم الدبر لأن أذاه لا ينقطع ".
قال الماوردي: أما ما دام الحي باقياً فوطئها فِي الْفَرْجِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ حَيْضِهَا فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ وَطْأَهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ تَتَيَمَّمَ إِنْ كَانَتْ عَادِمَةً لِلْمَاءِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ: وَطْؤُهَا حَرَامٌ حَتَّى تَتَوَضَّأَ فَتَحِلُّ.
وَقَالَ أبو حنيفة: قد حل وطئها إن لَمْ تَغْتَسِلْ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ بِمَا أَغْنَى.
مسألة
قال الشافعي: " وإن وطئ في الدم استغفر الله تعالى ولا يعود ".
قال الماوري: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا وَطِئَ الْحَائِضُ فِي قُبُلِهَا فَقَدْ أَثِمَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ نَسَمَةٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: عَلَيْهِ أَنْ يتصدق بدينار إن وطئ في الدم، ونصف دِينَارٍ إِنْ وَطِئَ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " إن وطئ في الدم فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ الْغُسْلِ فَنِصْفُ دينار ". وروى هذا الحديث للشافعي وكان إسناده ضعيفاً.
قال: إن صح قلت به، فإن لَمْ يَصِحَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ صَحَّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ مَعَ الصِّحَّةِ هَلْ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْإِيجَابِ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ - أن يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْإِيجَابِ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ على وجهين:
أحدهما: اعْتِبَارًا بِظَاهِرِهِ، وَقَدْ حَكَى الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: مَا وَرَدَ مِنْ سُنَّةِ الرَّسُولِ بِخِلَافِ مَذْهَبِي فَاتْرُكُوا لَهُ مَذْهَبِي، فَإِنَّ ذَلِكَ مَذْهَبِي وَقَدْ فَعَلَ أَصْحَابُنَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي التصويب فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجِ - أَنَّهُ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ لِأَنَّ الزِّنَا وَالْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ أَغْلَظُ تَحْرِيمًا وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ فلأن لا يكون فيه وَطْءِ الْحَائِضِ كَفَّارَةٌ أَوْلَى، وَلِأَنَّ كَفَّارَةَ الْوَطْءِ إنما تجب بما تعلق به من إفساده عبادة كالحج والصيام، وليس في كَفَّارَةٌ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ إِفْسَادُ عِبَادَةٍ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ - رضي الله تعالى عَنْهُ - رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّنِي أَبُولُ الدَّمَ فَقَالَ لَعَلَّكَ تَطَأُ امْرَأَتَكَ حَائِضًا قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ كفارة فأما المستحاضة فلا يحرم وطئها، لِأَنَّهَا كَالطَّاهِرَةِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ، وَلِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ رَقِيقٌ وَهُوَ دَمُ عِرْقٍ قَلِيلِ الْأَذَى، وليس كدم الحيض في ثخنه ونتنه وأذاه، والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي: " وإن كَانَ لَهُ إِمَاءٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ مَعًا قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَلَوْ تَوَضَّأَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَأُحِبُّ لَوْ غَسَلَ فَرْجَهُ قَبْلَ إِتْيَانِ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَوْ كُنَّ حَرَائِرَ فَحَلَلْنَهُ فكذلك ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَأَمَّا الْإِمَاءُ فَلَا قَسْمَ لَهُنَّ على السيد، فإذا أراد وطئهن فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ جَازَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ بَعْدَ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِمَا فِيهِ من تعجيل فرض ونكرار وطاعة، وَنَشَاطِ نَفْسٍ، فَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ تَوَضَّأَ عِنْدَ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَأَنْكَرَ أَبُو دَاوُدَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْوُضُوءِ، لِأَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ الْجَنَابَةِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الطِّهَارَةِ، وَمَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَانَ فِعْلُهُ عَبَثًا، وَهَذَا إِنْكَارٌ مُسْتَقْبَحٌ وَقَوْلٌ مُسْتَرْذَلٌ، وَاعْتِرَاضٌ عَلَى السُّنَّةِ.
رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ " وَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: " وإذا جَامَعْتَ ثُمَّ أَرَدْتَ الْمُعَاوَدَةَ فَتَوَضَّأْ ".
وَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا فَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ عِنْدَ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ بَعْدَ وَطْئِهَا، لِأَنَّهُ مَأْثُورٌ وَمَسْنُونٌ، وَلِأَنَّ فِيهِ نَشَاطَ النَّفْسِ وَنُهُوضًا لِلشَّهْوَةِ، فَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ ولا توضأ ولا غسل ذكره ووطء جميعهن واحدة بعد أخرى حتى أتى جميعهن جاز، اغتسل لَهُنَّ غُسْلًا وَاحِدًا.
وَرَوَى حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وروى: وكن يومئذ تسعاً، ولأن الغسل تداخل كَالْحَدَثِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ وَطْءِ وَاحِدَةٍ إِلَى وَطْءِ أُخْرَى وَيَصْبِرُ حَتَّى تَسْكُنَ نَفْسُهُ، وَتَقْوَى شَهْوَتُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْفَهَرِ، وَالْفَهَرُ هُوَ إِذَا وطء الْمَرْأَةَ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى أُخْرَى، وَيُكْرَهُ أَنْ يطأ بحيث يرى أو يجس بِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نهى عن الوجس، وهو: أن يطأ بِحَيْثُ يُسْمَعُ حِسُّهُ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا الْحَرَائِرُ فَالْقَسْمُ بَيْنَهُنَّ وَاجِبٌ إِذَا طَلَبْنَهُ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَطَأَهُنَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ لِإِحْدَاهُنَّ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَطَأَ غَيْرَهَا فِي يومها إلا أن يحللنه فإذا أحللنه سَقَطَ قَسْمُهُنَّ، وَجَازَ أَنْ يَطَأَهُنَّ فِي يَوْمٍ واحد بغسل وَاحِدٍ كَالْإِمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
باب إتيان النساء في أدبارهن من أحكام القرآن ومن كتاب عشرة النساء
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ إِلَى إِحْلَالِهِ وآخرون إلى تحريمه وروي عن جابر بن عبد الله من حديث ثابتٍ أن اليهود كانت تقول من أتى امرأته فِي قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثُ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أن رجلاً سأله عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " في أي الخربتين أو في أي الخرزتين أَوْ فِي أَيِّ الْخُصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قبلها فنعم أم من دُبُرِهَا فِي دُبُرِهَا فَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن " (قال الشافعي) فلست أرخص فيه بل أنهى عنه ".
قال الماوردي: اعلم أن مذهب الشَّافِعِيُّ وَمَا عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّ وَطْءَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ.
وَحُكِيَ عَنْ نَافِعٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَرَوَاهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ فَرَوَى عَنْهُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ أَنَّهُ أَبَاحَهُ فِي كِتَابِ السيرة.
وَقَالَ: أَبُو مُصْعَبٍ: سَأَلَتْهُ عَنْهُ فَأَبَاحَهُ.
وَقَالَ ابن القاسم قال مالك: أدركت أحداً افتدى بِهِ فِي دِينِي يَشُكُّ فِي أَنَّهُ حَلَالٌ وَأَنْكَرَ أَهْلُ الْعِرَاقِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَرَوَوْا عَنْهُ تحريمه لما انْتَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَدِيثٌ ثَابِتٌ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازُهُ، يُرِيدُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِذَلِكَ نُصْرَةَ مَالِكٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّبِيعُ فَقَالَ كَذَبَ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِبَاحَتِهِ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَوَجَدَ فِي ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا فَأَنْزَلَ الله تعالى: تَعَالَى {نِسَاؤُكُمْ حَرْثُ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) {البقرة: 223) . وَقَالَ تَعَالَى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ) {الشعراء: 165 - 166) . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ مِنَ الْأَزْوَاجِ مثل ما حظر مِنَ الذُّكْرَانِ وَقَالَ تَعَالَى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) {البقرة: 187) . فَدَلَّ
عَلَى أَنَّ جَمِيعَهُنَّ لِبَاسٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِ عَلَى عُمُومِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوِ اسْتَثْنَاهُ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ فَسَدَ، وَلَوْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ سَرَى إِلَى الْبَاقِي فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالِاسْتِمْتَاعِ، وَلِأَنَّهُ أحد الفرجين فجاز إتيانه كالقبل، ولأنه ما سَاوَى الْقُبُلَ فِي كَمَالِ الْمَهْرِ، وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ سَاوَاهُ فِي الْإِبَاحَةِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ) {البقرة: 222) . فحرم الوطء في الْحَيْضِ لِأَجْلِ الْأَذَى فَكَانَ الدُّبُرُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَذًى، ثُمَّ قَالَ: {فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمْ اللهَ﴾ (البقرة: 222) . يَعْنِي فِي الْقُبُلِ فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ إِتْيَانِهَا فِي الدُّبُرِ.
وَرَوَى مُسْلِمُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ أَنْ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " إِنَّا نَكُونُ بِالْفَلَاةِ فَنَجِدُ الرُّوَيْحَةً، وَالْمَاءُ قليل، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحي من الحق.
وروى سهل بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في حشوشهن ".
وروى حجاج بْنِ أَرْطَأَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عبد الله بن هرمي عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ لا تأتوا النساء في أدبارهن ".
قَالَ: مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا.
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سئل: عن إتياه النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ فَقَالَ: إِنَّهَا اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى.
وروى يوسف بن ماهك عن أم حبيبة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَتْ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَتْ: إِنْ زَوَّجَهَا يَأْتِيهَا وَهِيَ مُدْبِرَةٌ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ، فأنزل الله تعالى: تَعَالَى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثُ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: 223) . وَأَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " في أي الخربتين أو في الخرزتين أَوْ فِي أَيِّ الْخُصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قبلها فنعم أم من دُبُرِهَا فِي دُبُرِهَا؟ فَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن " وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بن أبي طالب، عبد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، أما علي سئل عَنْهُ فَقَالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 80) . وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْهُ فَقَالَ: هَذَا يَسْأَلُنِي عَنِ الْكُفْرِ، وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ فغلطا فِيهِ وَحَرَّمَاهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ وخالف فَصَارَ إِجْمَاعًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَالَفَهُمُ ابْنُ عُمَرَ قِيلَ: قَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَالِمٌ خِلَافَهُ، وَأَنْكَرَ عَلَى نَافِعٍ مَا رَوَاهُ عَنْهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ لِنَافِعٍ أَنْتَ رَجُلٌ أعجمي، إنما قال ابن عمر بن دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، فَصَحَّفْتَ وَقُلْتَ فِي دُبُرِهَا فَأَهْلَكْتَ النِّسَاءَ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ إِنَّهُ إِتْيَانٌ فوجب أن يكن مُحَرَّمًا كَاللِّوَاطِ، وَلِأَنَّهُ أَذًى مُعْتَادٌ فَوَجَبَ أَنْ يحرم الْإِصَابَةُ فِيهِ كَالْحَيْضِ، وَلَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ، لِأَنَّهُ نَادِرٌ.
فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فَقَدْ رَوَى جَابِرٌ إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا مَا ذَكَرَتْهُ الْيَهُودُ: أَنَّ مَنْ أَتَى امْرَأَةً مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا جَاءَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهِمَ ابْنُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَنْ وَطَءَ فِي الْفَرْجِ مِنْ خلفها، وحكي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلِيٍّ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَلَسُوا يَوْمًا مَعَ قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنِّي لَآتِي امْرَأَتِي وَهِيَ مُضْطَجِعَةٌ، وَيَقُولُ الْآخَرُ إِنِّي لَآتِيهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ، وَيَقُولُ الْآخَرُ إِنِّي لَآتِيهَا وَهِيَ عَلَى جَنْبِهَا، وَيَقُولُ الْآخَرُ إِنِّي لَآتِيهَا وَهِيَ بَارِكَةٌ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ مَا أَنْتُمْ إِلَّا أَمْثَالُ الْبَهَائِمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ والحرث هو من مزرع الأولاد في القبل، دليل على أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ دُونَ الدُّبُرِ الَّذِي ليس بموضع حرث، ولا من مُزْدَرِعٍ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ منَ العَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ) {الشعراء: 165 - 166) فَمَعْنَاهُ أَتَأْتُونَ الْمَحْظُورَ مِنَ الذُّكْرَانِ، وَتَذَرُوَنَ الْمُبَاحَ مِنْ فُرُوجِ النِّسَاءِ وقَوْله تَعَالَى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ) {البقرة: 187) . فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللِّبَاسَ السَّكَنُ كَقَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاساً﴾ (الفرقان: 47) . أَيْ سَكَنًا.
وَالثَّانِي: أَنْ بَعْضَهُمْ يَسْتُرُ بَعْضًا كَاللِّبَاسِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ دَلِيلٌ لَهُمْ.
وَأَمَّا فَسَادُ الْعَقْدِ بِاسْتِثْنَائِهِ وَسَرَائِهِ الطَّلَاقُ بِهِ فَقَدْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِاسْتِثْنَاءِ كُلِّ عُضْوٍ لَا يَصِحُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ مِنْ فُؤَادِهَا، وَكَبِدِهَا، وَيَسْرِي مِنْهُ الطَّلَاقُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا وَلَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ، فَكَذَلِكَ الدُّبُرُ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْقُبُلِ فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ لَا أَذَى فِيهِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ كَمَالِ الْمَهْرِ، وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمُبَاحِ الْوَطْءِ دُونَ مَحْظُورِهِ أَلَا تَرَاهُ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ، وَالْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ، وإن كان محظوراً فكذلك في هذا.
مسألة
قال الشافعي: " فَأَمَّا التَّلَذُّذُ بِغَيْرِ إيلاجٍ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ فَلَا بَأْسَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) {المؤمنون: 5 - 6) الْآيَةَ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا فَنَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ " فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَةِ التَّلَذُّذِ بِمَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا عَزْلُ المني عن الْفَرْجِ عِنْدَ الْوَطْءِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الإماء جاز من غير استئذانهن فيه لِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُصِيبُ السَّبَايَا، وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ أَفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَضَى خَلْقَ نَسْمَةٍ خَلَقَهَا فَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْزِلُوا " وَلِأَنَّ فِي الْعَزْلِ عنها استبقاء لرقها، وامتناع مِنَ الْإِفْضَاءِ إِلَى عِتْقِهَا فَجَازَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَدْبِيرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقَّ فِي وَلَدِ الْحُرَّةِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا وَفِي وَلَدِ الْأَمَةِ يَخْتَصُّ السيد دونها.
فصل
: القول في حكم الإستمناء باليد
فأما الإستمناء باليد وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ الْمَنِيِّ بِالْيَدِ فَهُوَ مَحْظُورٌ، وَقَدْ حكى الشافعي عن بعض الفقهاء إباحته، وأباح قوم في السفر دون الحظر، وَهُوَ خَطَأٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) {المؤمنون: 5 - 6) الْآيَةَ فَحَظَرَ مَا سوء الزَّوْجَاتِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، وَجَعَلَ مُبْتَغِي مَا عَدَاهُ عَادِيًا مُتَعَدِّيًا، لِقَوْلِهِ: {فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولِئَكَ هُمُ العَادُونَ) {المؤمنون: 7) . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ النَّاكِحَ يَدَهُ "، وَلِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى تَرْكِ النِّكَاحِ، وَانْقِطَاعِ النَّسْلِ فَاقْتَضَى أن يكون محرماً كاللواط.
مسألة
قال الشافعي: " وإن أَصَابَهَا فِي الدُّبُرِ لَمْ يُحْصِنْهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
لِأَنَّ الْإِحْصَانَ كَمَالٌ فَلَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِوَطْءٍ كَامِلٍ وَهُوَ الْقُبُلُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَحَصَّنْ بِوَطْءِ الْإِمَاءِ، وَإِنْ كان مباحاً اعتباراً بأكمله فِي الْحَرَائِرِ كَانَ بِأَنْ لَا يَتَحَصَّنَ بِالْوَطْءِ المحرم في الدبر أولى، وجملة أحكام الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا يختص بالوطء في القبل (لا يثبت بالوطء في الدبر) .
والثاني: (إحلالها) دون الدُّبُرِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَحْكََامٍ:
أَحَدُهَا: الْإِحْصَانُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ، وَلَا يَثْبُتُ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ.
وَالثَّانِي: إِحْلَالُهَا لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ دُونَ الدُّبُرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا " وَالْعُسَيْلَةُ فِي الْقُبُلِ.
وَالثَّالِثُ: سُقُوطُ حُكْمِ الْعُنَّةِ، لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ دُونَ الدُّبُرِ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْمَوْطُوءَةِ فَاخْتَصَّ بِالْفَرْجِ الْمُبَاحِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: يَسْتَوِي فِيهِ الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ، وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ، وَهِيَ سَبْعَةُ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ عَلَيْهِمَا.
وَالثَّانِي: وُجُوبُ الْحَدِّ بِالزِّنَا فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ جَمِيعًا.
وَالثَّالِثُ: كَمَالُ الْمَهْرِ وَوُجُوبُهُ بِالشُّبْهَةِ كَوُجُوبِهِ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ.
وَالرَّابِعُ: وُجُوبُ الْعِدَّةِ مِنْهُ كَوُجُوبِهَا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ.
وَالْخَامِسُ: تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ وَيَثْبُتُ بِهِ كَثُبُوتِهِ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ.
وَالسَّادِسُ: فَسَادُ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْحَجِّ، وَالصِّيَامِ، وَالِاعْتِكَافِ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَتَعَلُّقِهَا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ.
وَالسَّابِعُ: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَتَعَلُّقِهَا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: الْفَيْئَةُ فِي الْإِيلَاءِ فيها وجهان:
أحدهما: أن لَا تَكُونَ إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ دُونَ الدُّبُرِ، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ فَتَعَلَّقَتْ بِالْوَطْءِ الْمُسْتَبَاحِ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ الْقُبُلُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا تَكُونُ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ به حانثاً ولزمته الكفارة فصار به فائياً.
والثاني: العدة في الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ فَإِنْ كَانَ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ وَجَبَتْ بِهِ الْعِدَّةُ كَوُجُوبِهَا بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِي النِّكَاحِ قَدْ تَجِبُ بِغَيْرِ وَطْءٍ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ تَجِبَ بِالْوَطْءِ في الدبر، وإن كان بسببه فَفِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ:
أحدهما: تجب كوجوبها في النكاح.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ - لَا تَجِبُ، لِأَنَّهَا فِي الشُّبْهَةِ تَكُونُ اسْتِبْرَاءً مَحْضًا حِفْظًا لِلنَّسَبِ، وَاسْتِبْرَاءً لِلرَّحِمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُخْتَصٌّ بِالْقُبُلِ دُونَ الدُّبُرِ.
وَالثَّالِثُ: لُحُوقُ النَّسَبِ مِنَ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَإِنْ كَانَ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَحِقَ وِإِنْ كَانَ فِي شُبْهَةٍ ففي لحوق النسب به وجهان وإن قيل بوجوب العدة منه كان النسب لَاحِقًا، وَإِنْ قِيلَ لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ مِنْهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ النَّسَبُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي: " وينهاه الإمام فإن عاد عزره فإن كان في زناً حده وإن كان غاصباً أغرمه المهر وأفسد حجه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا فَاعِلُ ذَلِكَ فِي زَوْجَتِهِ أو أمته فإن ينهى ويكف لإقدامه على حرام وارتكابه لمحظور ولا يعاجل فِي أَوَّلِ فَعْلَةٍ بِأَكْثَرَ مِنَ النَّهْيِ فَيُنْهَى الزَّوْجُ مِنَ الْفِعْلِ وَتُنْهَى الزَّوْجَةُ مِنَ التَّمْكِينِ، فإن عاودا ذلك بعد النهي عذراً تَأْدِيبًا وَزَجْرًا، وَلَا حَدَّ فِيهِ لِأَجْلِ الزَّوْجِيَّةِ، فأما فاعله زنى فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَهُوَ حَدُّ اللِّوَاطِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أحدهما: كحد الزنا جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ إِنْ كَانَ بِكْرًا أَوِ الرَّجْمُ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْقَتْلُ بِكْرًا كَانَ أَوْ ثَيِّبًا، وَأَمَّا الْمَفْعُولُ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً فَعَلَيْهَا حَدُّ اللِّوَاطِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، فَإِنْ قِيلَ: فَلَيْسَ فِي اللِّوَاطِ مَهْرٌ فَكَيْفَ وَجَبَ لِهَذِهِ مَهْرٌ، والفعل معها كاللواط.
قيل: لأن النماء جِنْسٌ يَجِبُ فِي التَّلَذُّذِ بِهِنَّ مَهْرٌ، فَوَجَبَ لَهُنَّ الْمَهْرُ وَالذُّكْرَانُ جِنْسٌ يُخَالِفُونَ النِّسَاءَ فِيهِ فلم يجب لهم مهر - وبالله التوفيق -.