كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِشَاهِدَيْنِ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعِتْقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْقِصَاصِ، وَالْقَذْفِ، أَوْ كَانَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَالْأَمْوَالِ، أَوْ كَانَ يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ كَالْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ.
وَيَجُوزُ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ.
وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَا سَقَطَ بِالشُّبْهَةِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى التَّخْفِيفِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ تَغْلِيظٌ فَتَنَافَيَا.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى التَّغْلِيظِ وَفِيمَا عَدَا الْأَمْوَالِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِالْإِبَاحَةِ فَلَمَّا صَحَّتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ أَخَفُّ، كَانَ جَوَازُهَا فِي الْمُغَلَّظِ أَحَقُّ.
وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ، كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، فَفِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ فِيهَا عَلَى الشَّهَادَةِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَتَثْبُتُ بِشُهُودِ الْفَرْعِ كَثُبُوتِهَا بِشُهُودِ الْأَصْلِ، اعْتِبَارًا بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالْعَفْوِ أَحَقُّ بِالِاسْتِيفَاءِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ بِالْعَفْوِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّهُ لَا تَجُوزُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُهُودِ الْأَصْلِ دُونَ شُهُودِ الْفَرْعِ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى سِتْرِهَا وَكِتْمَانِهَا وَدَرْئِهَا بِالشُّبَهَاتِ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ادرؤوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ ".
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ".
فَكَانَتْ لِأَجْلِ ذَلِكَ مُنَافِيَةً لِتَأْكِيدِهَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، كَالْقَوْلِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
تَجُوزُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَفِي جَوَازِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلَانِ.
(فَصْلٌ)
: وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي صِفَةِ الْإِشْهَادِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِمَا تَحَمَّلَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ.
وَلَهُ فِي صِحَّةِ تَحَمُّلِهِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُشَاهِدَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحَقِّ مِنْ حُضُورِهِ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ نِكَاحٍ يَسْمَعُ فِيهِ الْبَذْلَ وَالْقَبُولَ، أَوْ مُشَاهَدَتِهِ لِقَتْلٍ أَوْ إِتْلَافِ مَالٍ، أَوْ سَمَاعِهِ لِلَفْظِ الْقَذْفِ، فَيَصِحُّ تَحَمُّلُهُ مِنْ غَيْرِ إِقْرَارٍ وَلَا اسْتِرْعَاءٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، وَيَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمِثْلِ مَا تَحْمَّلَهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْمَعَ إِقْرَارَ الْمُقِرِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ يَقُولُ: " لِفُلَانٍ عَلِيَّ كَذَا دِرْهَمٌ " فَيَصِحُّ تَحَمُّلُ الشَّاهِدِ لِهَذَا الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ الْمُقِرُّ لِلشَّهَادَةِ، وَيَقُولُ " اشْهَدْ عَلِيَّ بِهَذَا "، لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْإِقْرَارِ عِنْدَ الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَّا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ فَاسْتُغْنِى بِالْعُرْفِ عَنْ الِاسْتِرْعَاءِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَسْمَعَ إِقْرَارَهُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ.
إِمَّا عِنْدَ الشَّاهِدِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِ الشَّاهِدِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِفَةِ التَّحَمُّلِ لِلشَّهَادَةِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، هَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى اسْتِرْعَاءِ الْمُقِرِّ؟ وَالِاسْتِرْعَاءُ أَنْ يَقُولَ: اشْهَدْ عَلَيَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَطَائِفَةٍ، أَنَّ التَّحَمُّلَ لِلشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالِاسْتِرْعَاءِ بِهَا، فَإِنْ سَمِعَ الشَّاهِدُ الْإِقْرَارَ مِنْ غَيْرِ اسْتِرْعَاءٍ لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِدْ بِذَلِكَ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أُقْرِضُكَ إِيَّاهَا، أَوْ أَهَبُهَا لَكَ، فَلَا يُلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ.
فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ التَّحَمُّلُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ تَحَمُّلَ الْإِقْرَارِ صَحِيحٌ وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ الِاسْتِرْعَاءِ، وَالشَّهَادَةُ بِهِ جَائِزَةٌ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ دُونَ السَّرَائِرِ.
وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِذَا اخْتَبَأَ الشَّاهِدُ حَتَّى سَمِعَ إِقْرَارَ الْمُقِرِّ: أَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفًا، وَالْمُقِرُّ غَيْرُ عَالِمٍ بِحُضُورِ الشَّاهِدِ وَسَمَاعِهِ، أَنْ يَتَحَمَّلَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَيَشْهَدَ بِهَا عَلَى الْمُقِرِّ.
إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمُقِرِّ غَفْلَةٌ تَتِمُّ بِهَا الْحِيلَةُ عَلَيْهِ وَالْخِدَاعُ، فَلَا يصح تحمل الشهادة من المختبىء حَتَّى يَرَاهُ الْمُقِرُّ أَوْ يَعْلَمَ بِهِ.
وَسَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ ذِي الْغَفْلَةِ وَغَيْرِهِ فِي صحة تحمل المختبىء.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى لِتَمَامِ الْحِيلَةِ عَلَى الْغَافِلِ وَانْتِفَائِهَا عَنِ الضَّابِطِ فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي وُجُوبِ الِاسْتِرْعَاءِ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الْإِقْرَارِ، إِنِ اقْتَرَنَ بِهِ قَوْلٌ أَوْ أَمَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ اسْتَغْنَى تَحَمُّلُهُ عَنْ الِاسْتِرْعَاءِ، وَالْقَوْلُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ " لَهُ عَلِيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِحَقٍّ وَاجِبٍ ".
وَالْأَمَارَةُ أَنْ يَحْضُرَ الْمُقِرُّ عِنْدَ الشَّاهِدِ لِيَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَعْلَمَ شَاهِدُ الْحَالِ أَنَّهُ إِقْرَارٌ بِوَاجِبٍ.
وَإِنْ تَجَرَّدَ الْإِقْرَارُ عَمَّا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ أَمَارَةٍ، افْتَقَرَ إِلَى الِاسْتِرْعَاءِ وَلَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ عَلَى إِطْلَاقِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَذَا الْإِقْرَارِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، لَزِمَهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي شَهَادَتِهِ صِفَةَ الْإِقْرَارِ.
فَإِنْ كَانَ بِالِاسْتِرْعَاءِ قَالَ فِي شَهَادَتِهِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقِلْ: أَشْهَدُ، وَقَالَ: أَقَرَّ عِنْدِي، وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ كَانَ إِخْبَارًا وَلَمْ تَكُنْ شَهَادَةً.
فَلَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا حَتَّى يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ يَكُونُ بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْخَبَرِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ قَدْ حَضَرَ الْمُقِرَّ وَأَقَرَّ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِرْعَاءٍ قَالَ فِي شَهَادَتِهِ: " أَشْهَدُ أنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا " وَلَا يَقُولُ: " وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ "، لِيَجْتَهِدَ الْحَاكِمُ رَأْيَهُ فِي صِحَّةِ هَذَا التَّحَمُّلِ وَفَسَادِهِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ قَدْ سَمِعَ إِقْرَارَ الْمُقِرِّ مِنْ غَيْرِ حُضُورٍ عِنْدَهُ قَالَ فِي شَهَادَتِهِ: " أَشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُهُ يُقِرُّ بِكَذَا " وَلَا يَقُولُ أَقَرَّ " عِنْدِي " لِيَكُونَ الْحَاكِمُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ دُونَ الشَّاهِدِ.
فَإِنْ أَرَادَ الشَّاهِدُ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي صِحَّةِ هَذَا التَّحَمُّلِ وَفَسَادِهِ نُظِرَ:
فَإِنْ أَرَادَ الشَّاهِدُ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَفَسَادِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ الْحَاكِمُ أَحَقَّ بِهَذَا الِاجْتِهَادِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي لُزُومِ الْأَدَاءِ وَسُقُوطِهِ عَنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِاخْتِصَاصِهِ بِوُجُوبِ الْأَدَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِي الْإِقْرَارِ حَقًّا لِغَيْرِهِ.
( [الْقَوْلُ فِي صِحَّةِ تَحَمُّلِ شَاهِدِ الْفَرْعِ وَأَدَائِهِ] )
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ فِي صِحَّةِ تَحَمُّلِهِ الشَّهَادَةَ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى شَاهِدِ الْفَرْعِ فِي صِحَّةِ تَحَمُّلِهِ وَصِحَّةِ أَدَائِهِ.
فَأَمَّا تَحَمُّلُهُ فَمُعْتَبَرٌ فِي شَاهِدِ الْأَصْلِ وَلَهُ فِي تحمل شاهد الفرع عنه ثلاثة أحوال:
أحدهما: أَنْ يَذَكُرَ شَاهِدُ الْأَصْلِ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحَقِّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ صَدَاقٍ، فَإِذَا سَمِعَهُ شَاهِدُ الْفَرْعِ صَحَّ تَحَمُّلُهُ لِلشَّهَادَةِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ إِيَّاهَا، وَفِيهِ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ وَجْهٌ آخَرُ
أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَحَمُّلُهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْعَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ بِالْوَعْدِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ تَعْيِينٌ مِنْ الِاحْتِمَالِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ الْأَصْلِ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَإِنْ سَمِعَهُ شَاهِدُ الْفَرْعِ صَحَّ تَحَمُّلُهُ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ إِيَّاهَا، لِأَنَّ الْحَاكِمَ مُلْزَمٌ، فَلَمْ تَكُنِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ إِلَّا بِمَا لَزِمَ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ شَاهِدُ الْأَصْلِ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا.
فَإِذَا سَمِعَهُ شَاهِدُ الْفَرْعِ لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْعَاءِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُقِرِّ عَلَى وَجْهَيْنِ:
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَقَّ فِي الشَّاهِدِ لَازِمٌ لِغَيْرِ الشَّاهِدِ، فَوَجَبَ أَنْ يُغَلَّظَ حُكْمُهُ بِالِاسْتِرْعَاءِ لِيَتَحَقَّقَ صِحَّةُ الْإِلْزَامِ بِنَفْسِ الِاحْتِمَالِ.
وَالْحَقُّ فِي الْإِقْرَارِ لَازِمٌ لِلْمُقِرِّ لَا يَتَعَدَّاهُ فَيَتَحَقَّقُ حُكْمُهُ فِي صِحَّةِ الْإِلْزَامِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ احْتِمَالٌ لَمَا اسْتَظْهَرَ بِهِ لِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ وَشُرُوطُ الشَّهَادَةِ أَغْلَظُ مِنْ شُرُوطِ الْخَبَرِ لِصِحَّةِ إِخْبَارِ مَنْ لَا يَصِحُّ شَهَادَتُهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ، وَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ الِاسْتِرْعَاءُ فِي الشَّهَادَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِقْرَارِ، وَلِذَلِكَ قَبِلَ رُجُوعِ الشَّاهِدِ وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُ الْمُقِرِّ.
وَإِذَا كَانَ الِاسْتِرْعَاءُ مُعْتَبَرًا فِي الشَّهَادَةِ فَالِاسْتِرْعَاءُ أَنْ يَقُولَ شَاهِدُ الْأَصْلِ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ:
" أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا فَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي وَعَنْ شَهَادَتِي ".
فَأَمَّا قَوْلُهُ: " فَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي " اسْتِرْعَاءٌ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ إِلَّا بِهِ.
" فَلَوْ قَالَ فَاشْهَدْ أَنْتَ بِهَا " لَمْ يَكُنِ اسْتِرْعَاءٌ، حَتَّى يَقُولَ: " فَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَعَنْ شَهَادَتِي " فَهُوَ إِذْنٌ لَهُ فِي النِّيَابَةِ عَنْهُ فِي الْأَدَاءِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّحَمُّلِ وَمُعْتَبَرٌ فِي جَوَازِ الْأَدَاءِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَرْطٌ مُعْتَبَرٌ فِي صِحَّةِ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، لِأَنَّ شَاهِدَ الْفَرْعِ نَائِبٌ عَنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ فِي الْأَدَاءِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْإِذْنُ بِالنِّيَابَةِ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ، وَهَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ التَّحَمُّلُ وَالْأَدَاءُ مَعَ تَرْكِهِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَتِهِ لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ إِذْنُهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ.
( [الْقَوْلُ فِي شُرُوطِ أَدَاءِ شَاهِدِ الْفَرْعِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا صِحَّةُ الْأَدَاءِ فَمُعْتَبَرَةٌ بِشَاهِدِ الْأَصْلِ وَصِحَّةُ أَدَائِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ، فَإِذَا أَخَلَّ بِشَرْطٍ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا عَلَى شَهَادَتِهِ غَيْرَ رَاجِعٍ عَنْهَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْهَا قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهُ، وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ بَطَلَ الْأَدَاءُ، وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْأَدَاءِ، لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ بِرُجُوعِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ شَاهِدُ الْأَصْلِ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، إِمَّا لِغَيْبَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ مَوْتٍ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَكُنْ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَقْوَى مِنَ الْفَرْعِ، وَإِذَا وُجِدَتِ الْقُوَّةُ فِي الشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزْ إِسْقَاطُهَا، وَخَالَفَتِ الْوَكَالَةُ فِي جَوَازِهَا عَنِ الْحَاضِرِ، لِأَنَّ الْحَاضِرَ قَدْ يَضْعُفُ عَنِ اسْتِيفَاءِ حُجَّتِهِ كَالْغَائِبِ.
وَخَالَفَتِ الْخَبَرَ فِي جَوَازِ قَبُولِهَا مِنَ الْمُخْبِرِ مَعَ وُجُودِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، لِأَنَّ الْخَبَرَ يَلْزَمُ الْمُخْبِرَ وَالْمُسْتَخْبِرَ وَالشَّهَادَةُ تَلْزَمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ دُونَ الشَّاهِدِ.
فَلَوْ شَهِدَ شَاهِدُ الْفَرْعِ لِغَيْبَةِ شَاهِدِ الْأَصْلِ أَوْ مَرَضِهِ، ثُمَّ قَدِمَ شَاهِدُ الْأَصْلِ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ نُظِرَ:
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْفَرْعِ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِهَا سُمِعَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ وَلَمْ يَنْفُذِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْفَرْعِ.
فَأَمَّا الْغَيْبَةُ الَّتِي تَجُوزُ مَعَهَا شَهَادَةُ الْفَرْعِ، فَقَدِ اعْتَبَرَهَا أَبُو حَنِيفَةَ بِمُدَّةِ الْقَصْرِ وَهِيَ مَسَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَهُ.
وَاعْتَبَرَهَا أَبُو يُوسُفَ بِأَنْ يَكُونَ إِذَا رَجَعَ إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَوْدِ مِنْهَا قَبْلَ اللَّيْلِ إِلَى وَطَنِهِ.
وَعَلَى الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ فِي عَوْدِهِ، لِأَنَّ دُخُولَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الشَّاهِدِ يُسْقِطُ عَنْهُ فَرْضَ الأداء.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يُسَمِّيَ شَاهِدَ الْأَصْلِ فِي أَدَائِهِ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ، فَإِنْ أَغْفَلَ ذِكْرَهُ لَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهُ، لِأَنَّهُ فَرْعُهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْأَصْلُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ كَانَ الْفَرْعُ مَرْضِيًّا فَقَبُولُهَا مُعْتَبَرٌ بِعَدَالَةِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِنْ قَالَ شَاهِدُ الْفَرْعِ: " أَشْهَدَنِي شَاهِدُ عَدْلٍ رِضًى " لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُسَمِّيَهُ.
لِأَنَّ تَزْكِيَةَ الشُّهُودِ إِلَى الْحَاكِمِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَحْمَّلَهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَحْمَّلَ عَنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ لِذِكْرِهِ لِسَبَبِ وُجُوبِ الْحَقِّ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، ذَكَرَهُ فِي أَدَائِهِ عَنْهُ.
فقال " أشهد أن فلان ابن فُلَانٍ الشَّاهِدَ أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ وَعَنْ شَهَادَتِهِ، أن فلان ابن فُلَانٍ أَقَرَّ عِنْدَهُ وَأَشْهَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ عليه لفلان ابن فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ ". فَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهَذَا الْأَدَاءِ.
فَإِنْ قَالَ " أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ " وَلَمْ يَقُلْ " وَعَنْ شَهَادَتِهِ " فَفِي صِحَّةِ أَدَائِهِ وَجْهَانِ تَعْلِيلًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
فَإِنْ قَالَ شَاهِدُ الفرع: أشهد عن فلان ابن فُلَانٍ الشَّاهِدِ جَازَ.
وَلَوْ قَالَ: " أَشْهَدُ عَلَيْهِ " لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَى الْمُقِرِّ لَا عَلَى الشَّاهِدِ.
(فَصْلٌ)
: وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: مَنْ يَصِحُّ أن يكون مؤديا للشهادة على الشهادة.
مذهب الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُمُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، سَوَاءٌ كَانَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ مِمَّا تُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ أَوْ لَا تُقْبَلُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْفُرُوعِ إِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ يُعْتَبَرُ بِالْأَصْلِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِشَهَادَةِ الْفَرْعِ إِثْبَاتُ شَهَادَةِ الْأَصْلِ وَالْمَقْصُودَ بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ إِثْبَاتُ الْحَقِّ، فَصَارَتْ صِفَةُ الْحَقِّ مُعْتَبَرَةٌ فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ، وَصِفَتُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ، وَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْحَقِّ سَقَطَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
فَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ مِمَّا يُحْكَمُ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَيَحْمِلُهَا فِي الْفَرْعِ شَاهِدٌ واحد وأراد صاحب الحق أن يحلف مع الشاهد الواحد، كما كان له أن يحلف مع الشاهد الْوَاحِدَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ لَا تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ الْحَقُّ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فِي الْفَرْعِ عَنْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ فِي الْأَصْلِ، وَأَرَادَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهَا جَازَ، لِأَنَّهُ قَدْ يُثْبَتُ بِهِمَا شَهَادَةُ الْوَاحِدِ، فَجَازَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّ يَمِينَهُ لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ وَلَيْسَتْ لِإِثْبَاتِ الشَّهَادَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي تَحَمُّلِ شَاهِدِ الْفَرْعِ وَأَدَائِه] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا سَمِعَ الرَّجُلَانِ الرَّجُلَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا اشْهَدَا عَلَى شَهَادَتِي فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِهَا وَلَا لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَرْعِهِمَا إِيَّاهَا وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَدَهُ بِهَا وَإِذَا اسْتَرْعَاهُمَا إِيَّاهَا لَمْ يَفْعَلْ إِلَّا وَهِيَ عِنْدَهُ وَاجِبَةٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا مِمَّا قَدْ مَضَى فِيهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ تَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَذْكُرَ شَاهِدُ الْأَصْلِ فِي شَهَادَتِهِ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحَقِّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ أُجْرَةِ أَرْضٍ أَوْ قَرْضٍ.
فَيَصِحُّ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِرْعَاءٍ، وَفِيهِ لِبَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ إِلَّا بِالِاسْتِرْعَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ الْأَصْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالْحَقِّ فَإِذَا سَمِعَهُ شَاهِدُ الْفَرْعِ صَحَّ تَحَمُّلُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ الْأَصْلَ عِنْدَ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ، أَوْ سَمَاعِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الشَّهَادَةِ يَقُولَانِ " نَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ "، وَلَمْ يَذْكُرَا سَبَبَ وُجُوبِهَا، لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ إِلَّا بِالِاسْتِرْعَاءِ.
لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَدَهُ بِهَا، فَإِذَا اسْتَرْعَاهُمَا إِيَّاهَا لَمْ يَفْعَلْ إِلَّا وَهِيَ وَاجِبَةٌ.
وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ الِاسْتِرْعَاءَ وَثِيقَةٌ، وَالْوَثَائِقُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبَاتِ، فَصَارَ الِاحْتِمَالُ بِالِاسْتِرْعَاءِ مُنْتَفِيًا.
فَأَمَّا تَحْمُلُ الْإِقْرَارَ، فَفِي اعْتِبَارِ الِاسْتِرْعَاءِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ فِيهِ كَمَا تُعْتَبَرُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاحْتِمَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ الِاسْتِرْعَاءُ فِي الْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْكَدُ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ رَجَعَ الْمُقِرُّ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ وَلَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ قبل رجوعه.
(فصل)
: فإذا كان هذا الِاسْتِرْعَاءُ فِي الْإِقْرَارِ مُعْتَبَرًا فَقَالَ الشَّاهِدُ لِلْمُقِرِّ: " أَشْهَدُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ "؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ هَذَا اسْتِرْعَاءً صَحِيحًا، وَلَوْ قَالَ: أَشْهَدُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ الِاسْتِرْعَاءِ بِذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أوجه،
أحدهما: أَنَّ قَوْلَهُ " أَشْهَدُ " اسْتِرْعَاءٌ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ " نَعَمْ " بَلْ هُوَ آكَدُ لِمَا فِيهِ مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُهُ " أَشْهَدُ " اسْتِرْعَاءٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ.
أَوْ يَشْهَدَ عَلَى بَعْضِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ قَالَ لَهُ " اشْهَدْ " لَمْ يَكُنِ اسْتِرْعَاءً وَلَوْ قَالَ: اشْهَدْ عَلَيَّ كَانَ اسْتِرْعَاءً لِنَفْيِ الِاحْتِمَالِ بِقَوْلِهِ " عَلَيَّ " وَلَوْ قَالَ لَهُ اشْهَدْ عَلَيَّ بِذَلِكَ كَانَ اسْتِرْعَاءً صَحِيحًا عَلَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ لِانْتِفَاءِ وُجُوهِ الِاحْتِمَالِ.
وَهَذَا أَبْلَغُ فِي التَّأْكِيدِ مِنْ قَوْلِهِ نَعَمْ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الِاسْتِرْعَاءَ فِي الْإِقْرَارِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ، فَقَالَ الشَّاهِدُ لِلْمُقِرِّ أَشْهَدُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا، فَفِي بُطْلَانِ الشَّهَادَةِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَتْ بِقَوْلِهِ لَا.
وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْإِقْرَارِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
( [الْقَوْلُ فِي سُؤَالِ الْقَاضِي عَنْ جِهَةِ التَّحَمُّلِ] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأُحِبُّ لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَقْبَلَ هَذَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى الصِّحَّةِ حَتَّى يَسْأَلَهُ مِنْ أَيْنَ هِيَ؟ فَإِنْ قَالَ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ أَوْ بِبَيْعٍ حَضَرْتُهُ أَوْ سَلَفٍ أَجَازَه وَلَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ رَأَيْتُهُ جَائِزًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الشَّهَادَةَ بِذِكْرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحَقِّ، وَحَتَّى لَا يُحْوِجَ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ سَبَبِ وُجُوبِهِ.
فَيَقُولُ: " أَشْهَدُ أنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَوْ حَضَرْتُ عَقْدَ بَيْعٍ وَجَبَ بِهِ، فَإِنْ أَغْفَلَ الشَّاهِدُ ذِكْرَ السَّبَبِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ يَنْبَغِي للحاكم أن يقول له: " من أين شهد عَلَيْهِ؟ وَلَا يَقُولُ: كَيْفَ شَهِدْتَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: كَيْفَ شَهِدْتَ عَلَيْهِ؟ قَدْحٌ، وَقَوْلُهُ: مِنْ أَيْنَ شَهِدْتَ عَلَيْهِ؟ اسْتِخْبَارٌ، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَخْبِرَ الشاهد، وليس له أن يبتدىء بِالْقَدْحِ فِيهِ.
فَإِذَا سَأَلَهُ الْحَاكِمُ: مِنْ أَيْنَ شَهِدْتَ عَلَيْهِ؟ فَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ، هل شهد
عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْحَقِّ، أَوْ عَنْ حُضُورِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحَقِّ لِيَزُولَ بِهِ الِاحْتِمَالُ عَنْ شَهَادَتِهِ.
فَإِنْ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ وَأَجَابَهُ الشَّاهِدُ، فَقَدْ قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا عَلَيْهِ وَلَزِمَ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ، إِذَا صَحَّتْ.
وَإِنْ سَأَلَهُ [الْحَاكِمُ] فَلَمْ يُجِبْهُ الشَّاهِدُ، فَقَدْ قَامَ الْحَاكِمُ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ السُّؤَالِ، وَقَصَّرَ الشَّاهِدُ فِيمَا إِلَيْهِ مِنَ الْجَوَابِ، فَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي حَالِ الشَّاهِدِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ غَفْلَةٌ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِ، لِاحْتِمَالِهَا مَعَ الْغَفْلَةِ، وَإِنْ كَانَ ضَابِطًا مُتَيَقِّظًا، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِ لِانْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ بِالضَّبْطِ وَالتَّيَقُّظِ.
وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ، فَالْحَاكِمُ هُوَ الْمُقَصِّرُ، وَحُكْمُهُ إِنْ حَكَمَ بِالشَّهَادَةِ نَافِذٌ، لِأَنَّ سُؤَالَهُ اسْتِظْهَارٌ، وَتُحْمَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى ظَاهِرِ الصِّحَّةِ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ مَا يُنَافِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي تَزْكِيَةِ شهود الأصل] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَلَمْ يُعَدِّلَاهُ قَبِلَهُمَا وَسَأَلَ عَنْهُ فَإِنْ عُدِّلَ قَضَى بِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ: إِذَا شَهِدَ شَاهِدَا الْفَرْعِ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدِ الْأَصْلِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُسَمِّيَاهُ وَيُعَدِّلَاهُ، فَيَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِ بِمَا تَحَمَّلَاهُ عَنْهُ وَبِتَعْدِيلِهِمَا لَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا فِي تَعْدِيلِهِ، لِأَنَّهُمَا مَتْهُومَانِ فِيهِ لِمَا يَتَضَمَّنُهَا مِنْ إِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا حَتَّى يَشْهَدَ غَيْرُهُمَا بِعَدَالَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُمَا كَانَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا مَرْدُودًا.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَدَالَتَهُمَا تَنْفِي عَنْهُمَا هَذِهِ التُّهْمَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ التُّهْمَةُ فِي إِمْضَاءِ شَهَادَتِهِمَا عَنْهُ يُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهِمَا بِعَدَالَتِهِ، وَلَوَجَبَ لِأَجْلِهَا رَدُّ جَمِيعِ شَهَادَتِهِمَا، لِأَنَّ الشَّاهِدَ إِنَّمَا يَشْهَدُ لِإِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ ذَلِكَ مَدْفُوعًا بِالْحِجَاجِ.
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُسَمِّيَاهُ وَلَا يعدلاه.
فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْأَدَاءُ، وَلَا يَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِهَا مُعْتَبَرٌ بِعَدَالَةِ شُهُودِ الْفَرْعِ وَشُهُودِ الْأَصْلِ، وَلَا يُعْرَفُ عَدَالَةُ مَنْ لَمْ يُسَمَّ.
وَيَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ الْمُرْسَلِ أَنَّ تُقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنِ الْتَزَمَ جَرَى عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ نَاقَضَ.
وَنَحْنُ نَجْرِي عَلَى الْقِيَاسِ فِي رَدِّهِمَا.
( [الْقَوْلُ فِي حُكْمِ تَسْمِيَةِ شَاهِدِ الْفَرْعِ لِشَاهِدِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ تَعْدِيلٍ] )
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُسَمِّيَاهُ وَلَا يُعَدِّلَاهُ.
فَيَسْمَعُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا وَيَكْشِفُ عَنْ عَدَالَةِ شَاهِدِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَحُكِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْمَعُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ حَتَّى يعدل شهود الْفَرْعِ شَاهِدَ الْأَصْلِ، فَإِنْ عَدَّلَهُ غَيْرُهُمَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: لِأَنَّ تَرْكَ تَزْكِيَةِ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ لِشَاهِدِ الْأَصْلِ رِيبَةٌ: وَالشَّهَادَةُ مَعَ الِاسْتِرَابَةِ مَرْدُودَةٌ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّزْكِيَةَ لَا يُعَيَّنُ فِيهَا الْمُزَكِّي، وَقَدْ عَيَّنُوهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّهَادَةَ كَالْخَبَرِ، وَلَمَّا كَانَ نَاقِلُ الْخَبَرِ عَنْ رَاوِيهِ يَجُوزُ تَزْكِيَتُهُ مِنْ غَيْرِ نَاقِلِهِ، كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ يَجُوزُ فِيهَا تَزْكِيَةُ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ شُهُودِ الْفَرْعِ.
( [الْقَوْلُ فِي تَعْدِيلِ شَاهِدِ الْفَرْعِ لِشَاهِدِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ] )
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَعْدِّلَاهُ وَلَا يُسَمِّيَاهُ.
فَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمَا حَتَّى يُسَمِّيَاهُ.
وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا إِذَا زَكَّى شَاهِدَ الْأَصْلِ وَلِمَ يُسَمِّيَهُ، لِأَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ الِاسْمِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عِنْدَهُمَا فَاسِقًا عِنْدَ غَيْرِهِمَا، فَصَارَ مَجْهُولَ الْحَالِ بإغفال تسميته.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَطْرُدَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ جَرْحَ الشُّهُودِ، وَلَا يُمْكِنُهُ إِطْرَادُ جُرِحِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [الْقَوْلُ فِي الْعَدَدِ في شهود الفرع] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِنَ الْحُكَامِ وَالْمُفْتِينَ يُجِيزُونَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَخَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَقَطَعَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مِمَنْ شَهِدَا عَلَيْهِ وَآمُرُهُ بِطَلَبِ شَاهِدَيْنِ عَلَى الشَّاهِدِ الْآخَرِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ بِشَيْءٍ كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ حِكَايَتِهِ لَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْعَدَدَ مُعْتَبَرٌ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ لِاعْتِبَارِهِ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَخْلُو مِنِ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِيهَا، أَصْلًا كَانَتْ أَوْ فَرْعًا، فَإِذَا كَانَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ مُعْتَبَرَةٌ بِشَاهِدَيْنِ، فلشهادة الفرع ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يَشْهَدَ فِي الْفَرْعِ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ أَحَدِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ، وَيَشْهَدُ آخَرَانِ عَلَى الشَّاهِدِ الْآخَرِ، فَيَصِيرُ شُهُودُ الْفَرْعِ أَرْبَعَةٌ يَتَحَمَّلُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ اثْنَانِ، فَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ وَهُوَ أَوْلَى مَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْهَدَ فِي الْفَرْعِ وَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا أَوْ يَشْهَدَ آخَرُ عَلَى شَهَادَةِ الْآخَرِ، فَهَذَا غَيْرُ مُجْزِي لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذْهَبُنَا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ جَوَازُهُ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ أَصْلَ الْحَقِّ لَمَّا ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ، جَازَ أَنْ يَنُوبَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ، فَتَصِيرُ نِيَابَتُهُمَا بِشَاهِدَيْنِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الْعَدَدُ مُعْتَبَرًا فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ، وَحُكْمُ الْفَرْعِ أَغْلَظُ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ، وَلَا تَثْبُتُ بِالْوَاحِدِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَشْهَدَ في الفرع شاهدان على أن أَحَدِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ ثُمَّ يَشْهَدَانِ مَعًا عَلَى الشَّاهِدِ الْآخَرِ، فَيَتَحَمَّلُ شَاهِدُ الْفَرْعِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ.
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ، هَلْ يَكُونُ بِشُهُودِ الْأَصْلِ أَوْ بِشُهُودِ الْفَرْعِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشُهُودِ الْأَصْلِ، وَيَتَحَمَّلُهُ عنهم شهود الفرع، لأنه يعتبر شَرْطُ الشَّهَادَةِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُعَايَنُ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ دُونَ شُهُودِ الْفَرْعِ وَيَتَحَمَّلُهُ عَنْهُمْ شُهُودُ الْفَرْعِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَا الْفَرْعِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِشُهُودِ الْفَرْعِ، وَهُمْ يَتَحَمَّلُونَ الشَّهَادَةَ عَنْ شُهُودِ الْأَصْلِ، لِجَوَازِ شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ مَوْتِ شُهُودِ الْأَصْلِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا تَحَمَّلَ شَاهِدَا الْفَرْعِ عَنْ أَحَدِ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَتَحَمَّلَا عَنِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ.
وَوَهِمَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فَعَكَسَهُ، وَجَعَلَ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِشُهُودِ الْأَصْلِ مَانِعًا مِنْ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ الْفَرْعِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ، وَجَعَلَ ثُبُوتَهُ بِشُهُودِ الْأَصْلِ تَجَوَّزَ أَنْ يَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ.
وَهَذَا عَكْسُ الصَّوَابِ، لِأَنَّ الْحَقَّ إِذَا ثبت بشهود الأصل فهو تحمل بحق كل وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ ثُبُوتُهُ بِشَاهِدَيْنِ، فَإِذَا بِشُهُودِ الْفَرْعِ فَهُوَ تَحْمُّلٌ لِلشَّهَادَةِ بِشَاهِدَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَحَمَّلَاهَا عَنْهُمَا، لِأَنَّهُمَا يَصِيرَانِ فِيهَا كَأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْوَهْمِ، وَفَرَّقَ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَوْجِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّهُ إِنْ قِيلَ: يَجُوزُ لِشَاهِدَيِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ فَدَلِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى شَخْصَيْنِ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَيْهَا فِي حَقِّ وَاحِدٍ، كَمَا جَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَيْهَا فِي حَقَّيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَيْهَا فِي الْحَقِّ الْوَاحِدِ أَوْكَدُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهَا فِي حَقَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِّ الْوَاحِدِ مُوَافِقٌ وَفِي الْحَقَّيْنِ غَيْرُ مُوَافِقٍ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِشَاهِدَيِ الْفَرْعِ إِذَا شَهِدَا عَلَى أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْآخَرِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا، فَدَلِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا قَدْ قَامَا فِي التَّحَمُّلِ عَنْ أَحَدِهِمَا مَقَامَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ الْحَقُّ، فَإِذَا شَهِدَا فِيهِ عَلَى الشَّاهِدِ الْآخَرِ صَارَا كَالشَّاهِدِ إذا شهدا بِذَلِكَ الْحَقِّ مَرَّتَيْنِ، وَلَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ بِهَذَا كذلك بالشاهدين.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْبَلْ مِنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا.
( [الْقَوْلُ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ بِحَسْبَ الْأَحْكَامِ] )
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْعَدَدِ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ، وَالْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّاهِدَيْنِ.
كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْقِصَاصِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ.
فَفِي الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: شَاهِدَانِ يَتَحَمَّلَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ.
إِذَا جُعِلَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِشُهُودِ الْأَصْلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَرْبَعَةٌ يَشْهَدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ الْأَصْلِ اثنان إذا جعل ثبوت الحق بشهود كالفرع.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَالْأَمْوَالِ.
فَفِي الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: شَاهِدَانِ يَتَحَمَّلَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، إِذَا جُعِلَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِشُهُودِ الْأَصْلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: سِتَّةٌ يَتَحَمَّلُونَ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ، إذا جعل ثبوت الحق بشهود الفرع.
والضرب الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَجُوزُ، لَمْ يَجُزْ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فِيهَا.
وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَجَوَازِهَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، كَانَ عَدَدُ الشُّهُودِ مُعْتَبَرًا بِأَصْلَيْنِ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ قَوْلَانِ.
أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ: فِي شَاهِدَيِ الْفَرْعِ إِذَا شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ:
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا، هَلْ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ كَالشَّهَادَةِ عَلَى فِعْلِ الزِّنَا؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ كَالْإِقْرَارِ فَصَارَ بِاجْتِمَاعِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فِي عَدَدِ شُهُودِ الْفَرْعِ أَرْبَعَةَ أقاويل:
أحدهما: اثْنَانِ يَتَحَمَّلَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ.
إِذَا جَعَلَ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ أَنْ
يَتَحَمَّلَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ، وَجَعَلَ ثُبُوتَ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا بِشَاهِدَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أن شهود الفرع فيه أربعة أقاويل إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا لَا يَثْبُتُ [إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ، وَجَعَلَ لِشُهُودِ الْفَرْعِ أَنْ يَتَحَمَّلُوا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ شُهُودَ الْفَرْعِ فِيهِ ثَمَانِيَةٌ، إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ شُهُودُ الْفَرْعِ إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَقِيلَ: إِنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ] .
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ شهود الفرع فيه ستة عشرة، إِذَا مُنِعَ شُهُودُ الْفَرْعِ مِنْ أَنْ يَشْهَدُوا إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ لِيَشْهَدَ كُلُّ أَرْبَعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: مَا يَكُونُ ثُبُوتُهُ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ كَالْوِلَادَةِ، وَالِاسْتِهْلَالِ، وَالرَّضَاعِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ الْبَاطِنَةِ فَفِي عَدَدِ الشُّهُودِ فِي الْفَرْعِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: اثْنَانِ يَتَحَمَّلَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ النِّسْوَةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: ثَمَانِيَةٌ يَتَحَمَّلُ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنَ النِّسَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
( [بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحُدُودِ وَجَرْحِ الشُّهُودِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا سَأَلَهُمُ الْإِمَامُ أَزَنَى بِامْرَأَةٍ؟ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَعُدُّونَ الزِّنَا وُقُوعًا عَلَى بَهِيمَةٍ وَلَعَلَّهُمْ يَعْدُّونَ الِاسْتِمْنَاءَ زِنًا فَلَا يُحَدُّ حَتَى يُثْبِتُوا رُؤْيَةَ الزِّنَا وَتَغْيِيبَ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ (قَالَ المزني) رحمه الله وقد أجاز في كتاب الحدود أن إتيان البهيمة كالزنا يحد فيه قال ولو شهد أربعة اثنان منهم أنه زنى بها في بيت واثنان منهم في بيت غيره فلا حد عليهما ومن حد الشهود إذا لم يتموا أربعة حدهم (قال المزني) رحمه الله قد قطع في غير موضع بحدهم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا مُغَلَّظٌ عَلَى سَائِرِ الْحُدُودِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِتْلَافِ النُّفُوسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَدْخُلُ بِهِ تَعِدِّي الْمَعَرَّةِ الْفَاضِحَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَفْسَدُ بِهِ النَّسَبُ اللَّاحِقُ.
وَلِذَلِكَ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ بِهِ صِيَانَةً لِلْأَعْرَاضِ وَحِفْظًا لِلْأَنْسَابِ، وَتَغْلِيظُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي عَدَدِ الشُّهُودِ، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ خُصَّ بِهِمُ الزِّنَا مِنْ جَمِيعِ الْحُدُودِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] .
وَلَا يُوجَبُ الْحَدُّ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ عُدُولٍ لَا امْرَأَةَ فِيهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَغْلِيظُهُ بالكشف عن حال الشهادة حتى تنتفي عَنْهَا الِاحْتِمَالُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَشْمَلُ هَذَا الكشف على ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: عَنْ حَالِ الزِّنَا.
وَالثَّانِي: عن صفته.
وَالثَّالِثُ: عَنْ مَكَانِهِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي السُّؤَالِ عَنْ حَالِ الزِّنَا.
فَيَسْأَلُ الْحَاكِمُ شُهُودَ الزِّنَا: عَنِ الزِّنَا؟
لِأَنَّ اسْتِدْعَاءَ الشَّهْوَةِ بِالْإِنْزَالِ المحظور، قد يكون من أربعة أحوال:
أحدها: الزِّنَا بِامْرَأَةٍ، وَهُوَ صَرِيحُ الزِّنَا اسْمًا وَحُكْمًا، فَإِذَا قَالُوا: " زَنَى بِامْرَأَةٍ ". لَمْ يَسْمَعِ الْحَاكِمُ هَذَا مِنْهُمْ حَتَّى يَقُولُوا مَنِ الْمَرْأَةُ، لِأَنَّهَا رُبَّمَا كَانَتْ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، كَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ شُبْهَةٍ كَانَ وَطْؤُهَا مُشْتَبِهًا يَسْقُطُ فِيهِ الْحَدُّ، وَلَزِمَ بَيَانُهَا لِيَعْلَمَ أَنَّ وَطْأَهَا زِنًا، وَبَيَانُهَا يَكُونُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِمَّا أَنْ تُعَيَّنَ بِالتَّسْمِيَةِ لَهَا، أَوْ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا، فَيَصِيرُوا شَاهِدِينَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا.
وَإِمَّا أَنْ يُطْلِقُوا وَيَقُولُوا: زَنَا بِأَجْنَبِيَّةٍ مِنْهُ، غَيْرِ مُسَمَّاةٍ وَلَا مُعَيَّنَةٍ، فَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ دُونَهَا، وَلَا يَلْزَمُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُولُوا: وَطِئَهَا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، لِأَنَّهَا مُعْتَقَدَةٌ غَيْرُ مُشَاهَدَةٍ، لاختصاصها بمعتقد الواطىء، فَإِنِ ادَّعَاهَا، قُبِلَتْ إِذَا أَمْكَنَتْ، وَلَا يَكُونُ الشُّهُودُ مَعَهَا قَذْفَةٌ.
وَهَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتَهُمْ حَتَّى يَذْكُرُوا الزَّانِيَ بِهَا مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
إِمَّا بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ فَيَصِيرُوا شَاهِدِينَ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا، وَإِمَّا أَنْ يُطْلِقُوا فَيَقُولُوا: زَنَى بِهَا أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا، فَيَصِيرُوا شَاهِدِينَ عَلَيْهَا دُونَهُ.
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: اللِّوَاطُ.
فَيَقُولُوا: تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا حَدَّ فِيهِ:
وَعِنْدَنَا أَنَّ الْحَدَّ فِيهِ وَاجِبٌ وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَحَدِّ الزِّنَا، وَهُوَ جَلْدُ مِائَةٍ إِنْ كَانَا بِكْرَيْنِ وَالرَّجْمُ إِنْ كَانَا ثَيِّبَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقْتَلُ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ سَوَاءً كَانَا بِكْرَيْنِ أَوْ ثَيِّبَيْنِ.
وَالتَّلُوطُ بِالْمَرْأَةِ كَالتَّلَوُّطِ بِالْغُلَامِ، يَكُونُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مُوجِبًا لِحَدِّ الزِّنَا، وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي مُوجِبًا لِلْقَتْلِ.
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: إِتْيَانُ البهيمة.
وفيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ.
لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ وَمَنْ أَتَاهَا ".
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُوجِبٌ لِحَدِّ الزِّنَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلتَّعْزِيرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ أَوْ لِحَدِّ الزِّنَا، لَمْ يَثْبُتْ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ لِلتَّعْزِيرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الزِّنَا نَقْصٌ عَنْ شُهُودِ الزِّنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَثْبُتُ بِأَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْحَدِّ فِي الْجِنْسِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ، كَمَا أَنَّ زِنًا الْعَبْدِ مُوجِبٌ لِنِصْفِ الْحَدِّ، وَزِنَا الْبِكْرِ مُوجِبٌ لِلْجَلْدِ، وَزِنَا الثَّيِّبِ مُوجِبٌ لِلرَّجْمِ، وَلَا يَخْتَلِفُ عَدَدُ الشُّهُودِ لِاخْتِلَافِ الْحُدُودِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ، قُتِلَتِ الْبَهِيمَةُ الَّتِي أَتَاهَا، لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقَتْلِهِ وَقَتْلِهَا.
وَقَتْلُهَا لَيْسَ حَدًّا عَلَيْهَا لِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا.
وَقِيلَ: لِئَلَّا تَأْتِيَ بِخَلْقٍ مُشَوَّهٍ.
وَقِيلَ: لِئَلَّا تَتَذَكَّرَ بِمُشَاهَدَتِهَا فِعْلَ مَنْ أَتَاهَا.
فَإِذَا قُتِلَتِ الْبَهِيمَةُ وَكَانَتْ لِغَيْرِ مَنْ أَتَاهَا، فَفِي وُجُوبِ غُرْمِ قِيمَتِهَا لِمَالِكِهَا وَجْهَانِ: -
أَحَدُهُمَا: لَا غُرْمَ لَهُ لِوُجُوبِ قَتْلِهَا بِالشَّرْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ قِيمَتُهَا لِاسْتِهْلَاكِهَا عَلَيْهِ بِعُدْوَانٍ.
فَعَلَى هَذَا فِي مُلْتَزِمِ قِيمَتِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى مَنْ أَتَاهَا.
وَالثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ.
فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْبَهِيمَةُ مَأْكُولَةً، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِبَاحَةِ أَكْلِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَبَاحَةُ الْأَكْلِ، فَعَلَى هَذَا تُذْبَحُ وَتُؤْكَلُ، وَلَا تُغَرَّمُ، وَيَكُونُ ذَبْحُهَا وَاجِبًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُؤَكَلُ وَتُقْتَلُ، وَفِي وُجُوبِ غُرْمِهَا وَجْهَانِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ إِتْيَانَ الْبَهِيمَةِ مُوجِبٌ لِحَدِّ الزِّنَا، لَمْ تُقْتَلِ الْبَهِيمَةُ، وَوَجَبَ فِي الْقَذْفِ بِهَا الْحَدُّ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ لِلتَّعْزِيرِ لَمْ يَجِبْ فِي الْقَذْفِ بِهَا حَدٌّ، وَعُزِّرَ الْقَاذِفُ كَمَا يُعَزَّرُ الْفَاعِلُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: يُحَدُّ الْقَاذِفُ وَإِنْ عُزِّرَ الْفَاعِلُ.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ بِالْفِعْلِ أَخَفُّ مِنْ حَدِّ الْفِعْلِ، فَلَمَّا لَمْ يُجْزِ الْفِعْلُ حَدٌّ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ فِي الْقَذْفِ بِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: الِاسْتِمْنَاءُ بِالْكَفِّ.
وَهُوَ حَرَامٌ.
وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ إِلَى إِبَاحَتِهِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الْفُجُورِ، وَيَبْعَثُ عَلَى غَضِّ الطَّرْفِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فإنهم غير ملومين فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ .
فَصَارَ الْمُسْتَمْنِي مَنْسُوبًا إِلَى الْعُدْوَانِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِأَجْلِ التَّنَاسُلِ وَالتَّكَاثُرِ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى بِالسَّقْطِ ".
وَقَالَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْلَا الِاسْتِيلَادُ لَمَا تَزَوَّجْتُ.
وَالِاسْتِمْنَاءُ بَعِيدٌ عَنِ النَّاكِحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّنَاسُلِ فَكَانَ مَحْظُورًا لَكِنَّهُ مِنْ صَغَائِرِ الْمَعَاصِي، فَيُنْهَى عَنْهُ الْفَاعِلُ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ النَّهْيِ عُزِّرَ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شُهُودُ الزِّنَا، وَيَقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَيْنِ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ فِيهِ التَّعْزِيرُ بَعْدَ النَّهْيِ، وَلَا يُجِبْ فِي الْقَذْفِ بِهِ حَدٌّ وَلَا تَعْزِيرٌ إِنْ لَمْ يُعَزَّرِ الْفَاعِلُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي صِفَةِ الزِّنَا.
فَلَا يُقْتَنَعُ مِنَ الشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا بِالزِّنَا حَتَّى يَصِفُوهُ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ ".
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَثْبَتَ مَاعِزًا بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالزِّنَا فَقَالَ " لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ " قَالَ: فَعَلْتُ، بِصَرِيحِ اللَّفْظِ دُونَ كِنَايَتِهِ.
فَإِذَا لَزِمَ ذَلِكَ فِي الْمُقِرِّ كَانَ فِي الشَّاهِدِ أَحَقُّ.
فَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا سَأَلَهُمُ الْحَاكِمُ: " كَيْفَ زَنَى؟ وَلَمْ يَحُدَّهُ قَبْلَ صِفَةِ الزِّنَا.
وَلِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ مَنْ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا: كَيْفَ زَنَى؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ مَعَ شِبْلِ بْنِ مَعْبَدٍ وَنَافِعٍ: رَأَيْنَا ذَكَرَهُ يَدْخُلُ فِي فَرْجِهَا كَدُخُولِ الْمِرْوَدِ فِي الْمِكْحَلَةِ.
وَعُرِضَ زِيَادٌ، وَهُوَ الرَّابِعُ فَقَالَ رَأَيْتُ بَطْنَهُ عَلَى بَطْنِهَا، وَرَأَيْتُ أَرْجُلًا مُخْتَلِفَةً وَنَفَسًا يَعْلُو وَاسْتًا تَنْبُو، فَقَالَ عُمَرُ: رَأَيْتَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا؟ فَقَالَ: لَا.
فَقَالَ عمر: الحمد لله قم يا أرخى اجْلِدْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ.
فَجَلَدَهُمْ حَدَّ الْقَذْفِ، فَلَمْ يَجْلِدِ الْمُغِيرَةَ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ لَمْ تَكْمُلْ، وَلَمْ يَجْلِدْ زِيَادًا لِلْقَذْفِ، لِأَنَّهُ عَرَّضَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، اعْتُبِرَ مَا وَصَفَهُ الشُّهُودُ.
فَإِنْ صَرَّحُوا بِدُخُولِ ذَكَرِهُ فِي فرجها، كملت بهم الشهادة، وحد الشهود عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا، وَسَلِمَ الشُّهُودُ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ.
وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا جَمِيعًا بِدُخُولِ ذَكَرِهِ فِي فَرْجِهَا، فَلَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الشُّهُودُ، فَإِنْ قَالُوا فِي أَوَّلِ الشَّهَادَةِ، إِنَّهُ زَنَى وَوَصَفُوا مَا لَيْسَ بِزِنًا، حُدُّوا حَدًّا وَاحِدًا.
لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِالْقَذْفِ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِالزِّنَا.
وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا فِي أَوَّلِ الشَّهَادَةِ إنَّهُ زَنَى وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِزِنًا، لَمْ يُحَدُّوا قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنْ وَصَفَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمُ الزِّنَا، وَوَصَفَ الرَّابِعُ مَا لَيْسَ بزنا، لم يحد الشهود عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ بِالزِّنَا لَمْ تَكْمُلْ، وَفِي حَدِّ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ وَصَفُوا الزِّنَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُحَدُّونَ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّهُمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا قَذَفَةً.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُحَدُّونَ، لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا الشَّهَادَةَ بِالزِّنَا وَلَمْ يَقْصِدُوا الْمَعَرَّةَ بِالْقَذْفِ.
فَإِنْ قِيلَ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا، وَقُبِلَ خَبَرُهُمْ قَبْلَ التوبة، لأن أبا بكر حِينَ حُدَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ، فَامْتَنَعَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ زَنَى الْمُغِيرَةُ، فَهَمَّ بِجَلْدِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّكَ إِنْ جَلَدْتَهُ رَجَمْتَ
صَاحِبَكَ، يَعْنِي أَنَّكَ إِنْ جَعَلْتَ هَذَا غَيْرَ الْأَوَّلِ، فَقَدْ كَمُلَتْ بِهِ الشَّهَادَةُ فَأَرْجُمُ الْمُغِيرَةَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَوَّلُ فَقَدْ جَلَدْتَهُ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ الَّذِي وَصَفَ مَا لَيْسَ بِزِنًا فَيُنْظَرُ فِي شَهَادَتِهِ: فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ زَنَا، ثُمَّ وَصَفَ مَا لَيْسَ بِزِنًا حُدَّ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ زَنَا، وَوَصْفَ مَا لَيْسَ بِزِنًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي ذِكْرِ الشُّهُودِ مَكَانَ الزِّنَا.
فَهُوَ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا، فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، لِأَنَّهمْ قَدْ يَتَّفِقُونَ عَلَى زِنَاهُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْمَكَانِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ سُؤَالُهُمْ عَنْ مَكَانِ الزِّنَا فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ حُدَّ الشهود عَلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْتَيْنِ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: زَنَى فِي هَذَا الْبَيْتِ وَيَقُولُ آخَرُونَ: زَنَى فِي الْبَيْتِ الْآخَرِ، فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَفِي حَدِّ الشُّهُودِ قَوْلَانِ:
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: زَنَى بِهَا فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ، وَيَقُولُ آخَرُونَ: زَنَى بِهَا فِي الزَّاوِيَةِ الْأُخْرَى مِنْ هَذَا الْبَيْتِ.
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا، لِأَنَّهمَا قَدْ يَتَعَارَكَانِ فَيَنْتَقِلَانِ بِالزَّحْفِ مِنْ زَاوِيَةٍ إِلَى أُخْرَى.
وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْمَكَانِ كَالْبَيْتَيْنِ.
وَلَا وَجْهَ لِهَذَا، لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا يُحَدُّ بِهَا.
وَعَلَى قِيَاسِ سُؤَالِهِمْ عَنْ مَكَانِ الزِّنَا، يَجِبُ سُؤَالُهُمْ عَنْ زَمَانِ الزِّنَا، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الزَّمَانِ كَاخْتِلَافِ الْمَكَانِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ إِنِ اتَّفَقَ وَسُقُوطِهِ إِنِ اخْتَلَفَ.
وَلَيْسَ إِطْلَاقُ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدِي صَحِيحًا، وَالْوَاجِبُ أَنْ يُنْظَرَ: فَإِنْ صَرَّحَ بَعْضُ الشُّهُودِ بِذِكْرِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَجَبَ سُؤَالُ الْبَاقِينَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بَعْضُهُمْ بِهِ لَمْ يُسْأَلُوا عَنْهُ؛ لِأَنَّه لَوْ وَجَبَ سُؤَالُهُمْ عَنِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ إِذَا لَمْ يَذْكُرُوهُ، لَوَجَبَ سُؤَالُهُمْ عَنْ ثِيَابِهِ وَثِيَابِهَا، وَعَنْ لَوْنِ الْمَزْنِيِّ بِهَا مِنْ سَوَادٍ أَوْ بَيَاضٍ، وَعَنْ سِنِّهَا مِنْ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ، وَعَنْ قَدِّهَا مِنْ طُولٍ أَوْ قِصَرٍ، لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِيهِ موجب لاختلاف الشهادة، فيتناها إِلَى مَا لَا يُحْصَى، وَهَذَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي السُّؤَالِ، وَكَذَلِكَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، إِلَّا
أن يبتدىء بَعْضُ الشُّهُودِ بِذِكْرِهِ، فَيُسْأَلُ الْبَاقُونَ عَنْهُ لِيُعْلَمَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ مُوَافَقَةٍ وَاخْتِلَافٍ.
( [الْقَوْلُ فِي مَوْتِ الشُّهُودِ قَبْلَ ظُهُورِ عَدَالَتِهِمْ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ مَاتَ الشُّهُودُ قَبْلَ أَنْ يُعَدَّلُوا ثُمَّ عُدِّلُوا أُقِيمَ الْحَدُّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ: إِذَا مَاتَ الشُّهُودُ قَبْلَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ ثُمَّ عُدِّلُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ فِي الْحَدِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمْ فِي غَيْرِ الْحَدِّ وَلَا أَحْكُمُ بِهَا فِي الْحَدِّ.
لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَبْدَأُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ الشُّهُودُ.
وَمَذْهَبُنَا إِنَّ شُهُودَ الْحَدِّ كَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الْحَدَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَلَا يَكُونُ مَوْتُ الشُّهُودِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ مَانِعًا مِنَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ بَعْدَ التَّعْدِيلِ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ تُوجِبُ الْأَدَاءَ وَلَيْسَ مَوْتُهُمْ مُسْقِطًا لَهَا فِسْقًا طَرَأَ وَلَوْ وَجَبَ سُقُوطُ شَهَادَتِهِمْ لَوَجَبَ سُقُوطُهَا فِي غَيْرِ الْحَدِّ فَأَمَّا حُدُوثُ الْفِسْقِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ فَمُوجِبٌ لِسُقُوطِ الشَّهَادَةِ فِي الْحَدِّ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَظَاهَرُونَ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَيُسِرُّونَ فِعْلَ الْمَعَاصِي، فَإِذَا ظَهَرَتْ دَلَّ ظُهُورُهَا عَلَى تَقَدُّمِ كُمُونِهَا.
وَأَمَّا حُدُوثُ الْخَرَسِ وَالْعَمَى بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا فَغَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْحُكْمِ بِهَا، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِحُدُوثِهِ وَعَدَمِ تَقَدُّمِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ إِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ مَنْ حَدَثَ بِهِ الْعَمَى، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِمْضَائِهِ بِشَهَادَةِ مَنْ حَدَثَ بِهِ الْخَرَسُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَيَطْرُدَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَجُرِحَ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ وَقَدْ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمْ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ مِنْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِ حَدٍّ، وَقَدَحَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي عَدَالَتِهِمْ مَكَّنَهُ الْحَاكِمُ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِجَرْحِهِمْ، لِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِقَصْدِ الْكَشْفِ عَنْ جُرْحِهِمْ مَا يَقْصُرُ زَمَانُ الْحَاكِمِ عَنِ التَّشَاغُلِ بِهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِجَرْحِهِمْ أَسْقَطَ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا أَمْضَى الْحَاكِمُ بِهَا عَلَيْهِ، وَلَا يُضَيِّقْ عَلَيْهِ الزَّمَانَ فِي طَلَبِ الْجُرْحِ فَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وَلَا يُوَسِّعْ لَهُ الزَّمَانَ فَيُؤَخِّرَ الْحُكْمَ، وَتَكُونُ مُدَّةُ إِمْهَالِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّها أَكْثَرُ الْقَلِيلِ وَأَقَلُّ الْكَثِيرِ.
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَيَطْرُدَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ جَرْحَهُمْ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: -
أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ يُمَكِّنُهُ مِنْ جَرْحِهِمْ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ يُوَسِّعُ لَهُ فِي الزَّمَانِ وَلَا يُضَيِّقُهُ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إِنْ أَمْسَكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ طَلَبِ تَمْكِينِهِ مَنْ جَرْحِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
أَمْسَكَ الْحَاكِمُ عَنْ إطْرَادِ جَرْحِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ نَظَرَ:
فَإِنْ تَوَجَّهَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَعْرِفُ جَوَازَ إِطْرَادِهِ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لَهُ.
وَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، أَعْلَمَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ إِطْرَادِ الْجَرْحِ، فَإِنْ شَرَعَ فِيهِ مَكَّنَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أَمْسَكَ عَنْهُ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، لِأَنَّه حَقٌّ لَهُ وَلَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ.
( [الْقَوْلُ فِي تَفْسِيرِ مَا يُجْرَحُ بِهِ الشُّهُودُ] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا أَقْبَلُ الْجَرْحَ مِنَ الْجَارِحِ إِلَّا بِتَفْسِيرِ مَا يَجْرَحُ بِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْأَهْوَاءِ وَتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَيَجْرَحُونَ بِالتَّأْوِيلِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي دَعْوَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ جَرْحُ الشُّهُودِ، لَمْ تَقْبَلْ دَعْوَاهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يُفَسِّرُهَا بِمَا يَكُونُ جَرْحًا يُفَسَّقُ بِهِ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا وَارِثٌ.
لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يَذْكُرَ مَا صَارَ بِهِ وَارِثًا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْمَوَارِيثِ.
فَإِذَا قَالَ: هَذَا الشَّاهِدُ فَاسِقٌ أَوْ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، أَوْ لَيْسَ بِمَقْبُولِ الشَّهَادَةِ.
قِيلَ لَهُ: فَسِّرْ مَا صَارَ بِهِ فَاسِقًا غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ.
فَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا لَا يَكُونُ فِسْقًا، رُدَّتْ دَعْوَاهُ وَحُكِمَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا يَكُونُ فِسْقًا، كُلِّفَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِالْفِسْقِ الَّذِي ادَّعَاهُ، لِيَكُونَ الْفِسْقُ مُفَسَّرًا فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ فَإِنْ فَسَّرَهَا الْمُدَّعِي بِنَوْعٍ مِنَ الْفِسْقِ وَفَسَّرَهَا الْمَشْهُودُ بِنَوْعٍ آخَرَ، حُكِمَ بِالْفِسْقِ مَعَ اخْتِلَافِ سَبَبِهِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ثُبُوتَ الْفِسْقِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهِ إِذَا فُسِّقَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَقَدْ يَعْلَمُ الشُّهُودُ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْمُدَّعِي.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالتَّعْدِيلِ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى التَّفْسِيرِ، وَإِنْ كَانَ التَّفْسِيقُ مُحْتَاجًا إِلَى تَفْسِيرٍ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْعَدَالَةَ مُوَافَقَةُ أَصْلٍ فَاسْتَغْنَى عَنْ تَفْسِيرِ، وَالتَّفْسِيقُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ فَاحْتَاجَ إِلَى تَفْسِيرٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْعَدَالَةَ أَصْلٌ، وَالْفِسْقَ حَادِثٌ، وَالْحَادِثُ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ.
وَالْمَعْدُومُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ.
كَمَنْ قَالَ: هَذَا الْمَاءُ طَاهِرٌ، لَمْ يُسْتَفْسَرْ عَنْ طَهَارَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ نَجِسٌ، استفسر عن نجاسته [والله أعلم] .
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ بِحَدٍّ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَعَلَّهُ لَمْ يَسْرِقْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْحُقُوقُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لِلْمُقِرِّ بِالْإِنْكَارِ، وَلَا يَعْرِّضَ لِلشُّهُودِ بِالتَّوَقُّفِ، سَوَاءً كَانَ الْحَقُّ فِي مَالٍ أَوْ حَدٍّ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْحِفْظِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَلِأَنَّ الْمُقِرَّ بِهَا لَوْ أَنْكَرَهَا لَمْ يُقْبَلْ إِنْكَارُهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ، كَالْحَدِّ فِي الزِّنَا وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ.
وَالْجَلَدِ فِي الْخَمْرِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِنْ أَقَرَّ.
فَيُمْسِكُ الْحَاكِمُ عن التعريض له بالإنكار، حتى يبتدىء فَيُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ، لِأَنَّ التَّعْرِيضَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا عِلْمًا بِوُجُوبِ الْحَدِّ إِنْ أَقَرَّ وَسُقُوطِهِ إِنْ أَنْكَرَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ، إِمَّا لِأَنَّه أَسْلَمُ قَرِيبًا، أَوْ لِأَنَّه مِنْ أَهَلَّ بَادِيَةٍ نَائِيَةٍ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ فَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الزِّنَا قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ لَمَسْتَ كَمَا عَرَّضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لْمَاعِزٍ حِينَ أَقَرَّ بِالزِّنَا فَقَالَ: " لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ لَمَسْتَ ".
وَإِنْ كَانَ فِي حَدٍّ السَّرِقَةِ قال: لعلك سرقت من غير حرز.
وإن عَرَّضَ لَهُ بِأَنْ قَالَ: لَعَلَّكَ لَمْ تَسْرِقْ، وَكَانَتِ الدَّعْوَى مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِهَذَا، لِأَنَّ فِي تَعْرِيضِهِ بِهِ إِسْقَاطًا لِحَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الْمَالِ، جَازَ أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ لَهُ: " أَسَرَقْتَ أَمْ لَا " وَإِنْ كَانَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ قَالَ: لَعَلَّكَ لَمْ تَشْرَبْ، أَوْ قَالَ: لَعَلَّكَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْكِرٌ أَوْ لَعَلَّكَ أُكْرِهْتَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ.
وَإِنَّمَا جَازَ التَّعْرِيضُ لِلْمُقِرِّ بِمَا يَتَنَبَّهُ بِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ، لِأَنَّه مَنْدُوبٌ إِلَى السَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا ارْتَكَبَهُ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ حَدَّ اللَّهِ ".
وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِالْإِنْكَارِ فَيَقُولُ لَهُ: قُلْ مَا زَنَيْتَ، وَلَا سَرَقْتُ، وَلَا شَرِبْتُ.
أَوْ يَقُولُ لَهُ: أَنْكِرْ وَلَا تُقِرَّ، لِحَظْرِ التَّصْرِيحِ فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ، لِأَنَّه قَدْ يُلَقِّنُهُ الْكَذِبَ.
وَيَأْمُرُهُ بِهِ.
فَأَمَّا تَعْرِيضُ الْحَاكِمِ لِلشُّهُودِ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الشَّهَادَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّه يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ ".
وَقَالَ عُمَرُ لِزِيَادٍ حِينَ حَضَرَ لِشَهَادَتِهِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا: أَيُّهُمَا يَا سَلْحَ الْعُقَابِ أَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدِكَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَنَبَّهَ عَلَى تَعْرِيضِهِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِي شَهَادَتِهِ بِدُخُولِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ، فَلَمْ تَكْمُلْ بِهِ الشَّهَادَةُ فِي الزِّنَا.
وَهَذَا التَّعْرِيضُ بِالْإِنْكَارِ جَائِزٌ مُبَاحٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا اسْتِحْبَابٍ، وَهُوَ حَسَبُ رَأْيِ الْحَاكِمِ وَاجْتِهَادِهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ أَرَ بَأْسًا بِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَرَّضَ لِمَاعِزٍ وَلَمْ يُعَرِّضْ لِلْغَامِدِيَّةِ.
وَقَالَ: " اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " فَعَرَّضَ فِي الْأَقَلِّ وَلَمْ يَعْرِّضْ فِي الْأَكْثَرِ.
فَإِنْ نَبَّهَ بِالتَّعْرِيضِ عَلَى الْإِنْكَارِ فَأَنْكَرَ، فَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إِقْرَارٌ، قُبِلَ إِنْكَارِهِ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ وَلَمْ يُسْتَحْلَفْ عَلَى الْإِنْكَارِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ قَبْلَ الْإِنْكَارِ سَقَطَ حَدُّ الزِّنَا، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ غُرْمُ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ، وَفِي سُقُوطِ قَطْعِ الْيَدِ وَحَدِّ الْخَمْرِ قَوْلَانِ.
يَسْقُطُ فِي أَصَحِّهِمَا، وَلَا يَسْقُطُ فِي الْآخَرِ.
( [الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي السَّرِقَةِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ كَبْشًا لِفُلَانٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا غُدْوَةً وَقَالَ الْآخَرُ عَشِيَّةً أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا الْكَبْشُ أَبْيَضُ وَقَالَ الْآخَرُ أَسْوَدُ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يَجْتَمِعَا وَيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ أَيُّهُمَا شَاءَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي صُورَةِ الشَّهَادَةِ، فَرَوَاهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمَا شَهِدَا أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كِيسًا، إِشَارَةً إِلَى كِيسِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.
وَرَوَاهَا أَكْثَرُهُمْ إِنَّهُمَا شَهْدَا أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشًا، إِشَارَةً إِلَى كبش الغنم، وهذه الرواية أصح لأمرين:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ كِيسَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ شَهَادَةٌ بِمَجْهُولٍ، وَكَبْشُ الْغَنَمِ شَهَادَةٌ بِمَعْلُومٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْأُمِّ: وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ أَقْرَنُ، وَقَالَ الْآخَرُ إِنَّهُ أَجَّمُ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا إنه كبش، وقال الآخرة نَعْجَةٌ وَهَذَا مِنْ أَوْصَافِ الْغَنَمِ.
فَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِسَرِقَةِ الْكَبْشِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: سَرَقَهُ غَدْوَةً، وَقَالَ الْآخَرُ: سَرَقَهُ عَشِيَّةً، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ أَبْيَضُ، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ أَسْوَدُ، لَمْ تَتَّفِقْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ السَّرِقَةَ غَدْوَةً غَيْرُ السَّرِقَةِ عَشِيَّةً، وَالْمَسْرُوقُ الْأَبْيَضُ غَيْرُ الْمَسْرُوقِ الْأَسْوَدِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ الشَّهَادَةَ بِالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ، لِأَنَّه يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ جَانِبَيِ الْكَبْشِ أَبْيَضُ وَجَانِبُهُ الْآخَرُ أَسْوَدُ، فَيَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا إِلَى جَانِبِهِ فَيَصِفُهُ بِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْهَدُ بِصِفَةِ جَمِيعِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُنَافِيهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ تَأْوِيلُ شَهَادَةٍ مُحْتَمِلَةٍ بِمَا بَعْدَ تَأْوِيلِهَا، وَالشَّهَادَةُ لَا يُحْكَمُ بِهَا إِلَّا مَعَ انْتِفَاءِ التَّأْوِيلِ عَنْهَا.
فَثَبَتَ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا غَيْرُ مُتَّفِقَةٍ عَلَى سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمْ تَكْمُلْ بِهِمَا بَيِّنَةٌ تُوجِبُ غُرْمًا وَلَا قَطْعًا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَاخْتِلَافُهُمَا عَلَى أربعة أقسام:
أحدهما: أن تكمل كل واحدة من الشهادتين مع عَدَمِ التَّعَارُضِ فِيهِمَا، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَلِفَ الْمَسْرُوقُ مَعَ الْإِطْلَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَ الزَّمَانُ مَعَ الِاتِّفَاقِ.
فَأَمَّا اخْتِلَافُ الْمَسْرُوقِ مَعَ الْإِطْلَاقِ، فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشًا أَبْيَضَ، وَيَشْهَدُ شَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشًا أَسْوَدَ، فَيُحْكَمُ لَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْيَضُ بِالشَّهَادَةِ الْأَوْلَى، وَالثَّانِي أَسْوَدُ بِشَهَادَةِ الْآخَرِينَ وَلَيْسَ فِيهِمَا تَعَارُضٌ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الزَّمَانِ مَعَ الِاتِّفَاقِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ كَبْشًا أَبْيَضَ، وَيَشْهَدُ شَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ كبشا أبيض،
فَيُحْكَمُ لَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشَيْنِ أَبْيَضَيْنِ، لِأَنَّ السَّرِقَةَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ غَيْرُ السرقة في آخر النهار فلم تكن فِيهِمَا تَعَارُضٌ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكْمُلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ وُجُودِ التَّعَارُضِ فِيهِمَا وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ وَاحِدَةٌ فِي زَمَانَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ وَاحِدًا فِي السَّرِقَتَيْنِ.
وَأَمَّا السَّرِقَةُ الْوَاحِدَةُ فِي زَمَانَيْنِ فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشًا أَبْيَضَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَيَشْهَدُ شَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ ذَلِكَ الْكَبْشَ الْأَبْيَضَ فِي آخِرِ النَّهَارِ.
فَهُمَا شَهَادَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ، لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ غَيْرُ الْمَسْرُوقِ فِي آخِرِهِ.
وَالْمَسْرُوقَ فِي آخِرِهِ غَيْرُ الْمَسْرُوقِ فِي أَوَّلِهِ، فَأَوْجَبَ هَذَا التَّعَارُضُ إِسْقَاطَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَمْ تَثْبُتِ السَّرِقَةُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا الزَّمَانُ الْوَاحِدُ فِي سَرِقَتَيْنِ، فَهُوَ أَنْ يشهد شاهدان أنه سرقه مِنْهُ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَبْشًا أَبْيَضَ، وَيَشْهَدُ شَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَبْشًا أَسْوَدَ.
فَهُمَا شَهَادَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ، لِأَنَّ الْأَبْيَضَ غَيْرُ الْأَسْوَدِ.
فَصَارَتِ الشَّهَادَتَانِ مَعَ اتِّفَاقِ الزمان متعارضتين فسقطتا، ولم يحكم واحدة مِنْهُمَا.
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَنْتَقِضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ عَدَمِ التَّعَارُضِ فِيهِمَا.
وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ مُطْلَقَةٌ فِي زَمَانَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ مُطْلَقًا فِي سَرِقَتَيْنِ.
وَأَمَّا السَّرِقَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي زَمَانَيْنِ فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَيَشْهَدُ شَاهِدٌ آخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشًا فِي آخِرِ النَّهَارِ.
فَلَمْ تَكْمُلُ بِهِمَا الشَّهَادَةُ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانَيْنِ، وَلَا تَعَارَضَتْ لِإِمْكَانِ السَّرِقَتَيْنِ، وَيُقَالُ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ لَكَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ وَيُحْكَمُ لَكَ بِسَرِقَةِ كَبْشَيْنِ، إِنْ كُنْتَ مُدَّعِيًا لَهُمَا، وَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ، لِأَنَّ الْقَطْعَ حَدٌّ لَا يَجِبُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَإِنْ وَجَبَ بِهِ الْغُرْمُ.
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تُنْقَضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ وُجُودِ التَّعَارُضِ فِيهِمَا.
وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ مُعَيَّنَةٌ فِي زَمَانَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ مُعَيَّنًا فِي سَرِقَتَيْنِ.
فَأَمَّا السَّرِقَةُ الْمُعَيَّنَةُ فِي زَمَانَيْنِ، فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشًا أَبْيَضَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَيَشْهَدُ شَاهِدٌ آخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْكَبْشَ الْأَبْيَضَ فِي آخِرِ النَّهَارِ.
وَأَمَّا الزَّمَانُ الْمُعَيَّنُ فِي سَرِقَتَيْنِ، فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَبْشًا أَسْوَدَ وَيَشْهَدُ شَاهِدٌ آخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِعَيْنِهِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَبْشَا أَبْيَضَ.
فَقَدِ اخْتَلَفَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ فِي كِلَا الضَّرْبَيْنِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ هَلْ يَكُونُ تَعَارُضًا يُوجِبُ سُقُوطَ الشَّهَادَتَيْنِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي، أَنَّهُ يَكُونُ تَعَارُضًا فِيهِمَا يُوجِبُ سُقُوطُهُمَا، كَمَا يَتَعَارَضُ مَعَ كَمَالِ الشَّهَادَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ لِسُقُوطِ شَهَادَتِهِمَا بِالتَّعَارُضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: إِنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِيهِمَا، لِأَنَّ التَّعَارُضَ يَكُونُ فِي الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ دُونَ النَّاقِصَةِ، لِأَنَّ الْكَامِلَةَ حَجَّةٌ بِذَاتِهَا وَالنَّاقِصَةَ حِجَّةٌ مَعَ غَيْرِهَا، فَتَرَجَّحَتْ ذَاتُ الْيَمِينِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي السَّرِقَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي زَمَانَيْنِ، حَلَفَ مَعَ أَيِّهِمَا شَاءَ وَاسْتَحَقَّ كَبْشًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ فِي سَرِقَتَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَسْتَحِقَّ كَبْشَيْنِ.
( [الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الشُّهُودِ فِي قَدْرِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ] )
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشًا، وَشَهِدَ لَهُ ثَانٍ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ كَبْشَيْنِ، وَشَهِدَ لَهُ ثَالِثٌ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ ثلاث كباشي، كَمُلَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِسَرِقَةِ كَبْشَيْنِ أَحَدُهُمَا بِشَهَادَةِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَالثَّانِي بِشَهَادَةِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَيُفْرَدُ الثَّالِثُ بِسَرِقَةِ كَبْشٍ ثَالِثٍ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَهُ اسْتَحَقَّ الْكَبْشَ الثَّالِثَ، وَوَجَبَ قَطْعُ السَّارِقِ لِكَمَالِ الْبَيِّنَةِ بِسَرِقَةِ الْكَبْشَيْنِ.
( [الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي الْقَذْفِ وَالْقَتْلِ] )
(فَصْلٌ) : وَلَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِالْقَذْفِ وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَذَفَهُ غُدْوَةً، وَقَالَ الْآخَرُ قَذَفَهُ عَشِيَّةً، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَذَفَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ الْآخَرُ قَذْفَهُ
بِالْكُوفَةِ لَمْ تُكْمُلْ بِهِمَا شَهَادَةُ الْقَذْفِ، لِأَنَّهمَا قَذْفَانِ لَمْ يَشْهَدْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ، وَلَيْسَ لِلْمَقْذُوفِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الْقَذْفَ حَدٌّ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَذَفَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ الْآخَرُ: قَذَفَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى سَمَاعِ الْقَذْفِ، فَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى قَذْفَيْنِ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى إِقْرَارِ الْقَاذِفِ، أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَقَرَّ عِنْدَ الْآخَرِ أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمَا قَذْفَانِ لَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَقَرَّ عِنْدِي أنه قذفهما بالبصرة، وقال الآخر: أنه أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَذَفَهُمَا بِالْكُوفَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الشَّهَادَةَ كَامِلَةٌ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ مَعَ اخْتِلَافِ الْبَلَدَيْنِ وَاخْتِلَافِ الزَّمَانَيْنِ.
وَلَا أَجِدُ لِهَذَا الْوَجْهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهًا.
وَلَوْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي الْقَتْلِ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْكُوفَةِ.
فَإِنْ كَانَ قَتْلٌ عَمْدًا فَالشَّهَادَةُ مَطْرُوحَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَتْلٌ خَطَأٌ فَفِي تَعَارُضِهِمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَتَعَارَضَانِ وَيَسْقُطَانِ.
وَالثَّانِي: يَحْلِفُ مَعَ أَيِّهِمَا شَاءَ.
( [الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الْبَيِّنَاتِ فِي قيمة المسروق] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبَ كَذَا وَقِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ وَأَنَّ قِيمَتَهُ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ فَلَا قَطْعَ وَهَذَا مِنْ أَقْوَى مَا تُدْرَأُ بِهِ الْحُدُودِ وَيَأْخُذُهُ بِأَقَلِّ الْقِيَمَتَيْنِ فِي الْغُرْمِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَاتَانِ بَيِّنَتَانِ اتَّفَقَتَا عَلَى سَرِقَةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ وَاخْتَلَفَتَا فِي قِيمَتِهِ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ رُبُعُ دِينَارٍ " تُقْطَعُ فيه اليد "، وشهد اثنان أن قيمته سدس دِينَارٍ لَا تَقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ، فَلَا تَعَارُضَ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَإِنِ اخْتَلَفَتَا فِي الْقِيمَتَيْنِ، لِأَنَّ الثَّوْبَ وَاحِدٌ، قَدِ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَتَانِ، وَالْقَيِّمَةُ عن اجتهاد، اختلفت في الْبَيِّنَتَانِ، وَلِاخْتِلَافِهِمَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ لَا يُوجِبُ رَدَّهُمَا بِهِ.
فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اخْتِلَافِهِمَا، هَلْ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِأَكْثَرِهِمَا أَوْ بِأَقَلِّهِمَا فِي الْغُرْمِ وَالْقَطْعِ؟
مذهب الشَّافِعِيِّ إِنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَقَلِّهِمَا فِي الْغُرْمِ وَسُقُوطِ القطع، استعمالا للبينة الشاهدة أن قيمته سدسي دِينَارٍ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ وَلَا يَغْرَمُ الزِّيَادَةَ على السدسي.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: آخُذُ بِالْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْغُرْمِ وَوُجُوبِ الْقَطْعِ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ مَالِكًا يَأْخُذُ بِالْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْغُرْمِ وَالنَّاقِصَةِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ عَمِلَ بِالْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَمَّا عَمِلَ فِي الْأَخْبَارِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالزِّيَادَةِ دُونَ النُّقْصَانِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي الْبَيِّنَاتِ.
لِأَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ.
وَالثَّانِي: إِنَّ النقصان داخل في الزيادة فلم ينافيها فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِأَلْفَيْنِ دُونَ الْأَلْفِ بِأَلْفٍ لِدُخُولِ الْأَلْفِ فِي الْأَلْفَيْنِ.
وَدَلِيلُنَا شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ النُّقْصَانَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالزِّيَادَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، لِأَنَّ مِنْ قَوَّمَهُ بِالرُّبُعِ أَثْبَتَهَا وَمَنْ قَوَّمَهُ بِالسُّدُسِ نَفَاهَا، فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِالْمُخْتَلِفِ فِيهِ.
وَخَالَفَ الْعَمَلُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَخْبَارِ لِأَنَّ مَنْ رَوَى النَّاقِصَ لَمْ يَنْفِ الزِّيَادَةَ.
لِأَنَّ بِلَالًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَخَلَ الْبَيْتَ.
وَرَوَى أُسَامَةُ أَنَّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى عَمَلَ بِالزِّيَادَةِ فِي صَلَاتِهِ وَبَعْدَ دُخُولِهِ لِأَنَّ بِلَالًا لَمْ يَقُلْ دَخْلَ الْبَيْتَ وَلَمْ يَصِلْ، فَكَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ بِالنُّقْصَانِ دُونَ الزِّيَادَةِ، وَعَمَلَ فِي الْأَخْبَارِ بِالزِّيَادَةِ دُونَ النُّقْصَانِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ النُّقْصَانَ يَقِينٌ، وَالزِّيَادَةُ شَكٌّ.
وَقَدْ أُثْبِتَتْ فِي إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ وَبَقِيَتْ فِي الْأُخْرَى فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْيَقِينِ دُونَ الشَّكِّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَخَالَفَ الشَّهَادَةَ بِأَلْفٍ وَالشَّهَادَةَ بِأَلْفَيْنِ، لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْأَلْفَ لَمْ يَنْفِ الْأَلْفَيْنِ.
(فَصْلٌ)
: إِذَا اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ فِي قِيمَةِ الثَّوْبِ الْمَسْرُوقِ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ قِيمَتَهُ رُبُعُ دِينَارٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ سُدُسُ دِينَارٍ، فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى السُّدُسِ وَتَمَّتِ الشَّهَادَةُ بِهِ.
وَاخْتَلَفَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَهَا أَحَدُهُمَا وَنَفَاهَا الْآخَرُ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يَسْقُطُ فِيهَا قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَهَا بِقَوْلِ مَنْ نَفَاهَا، وَيَمْنَعُ صَاحِبُ السَّرِقَةِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ بِهَا وَيَسْتَحِقَّهَا، كَمَا لَوْ أَثْبَتَهَا شَاهِدَانِ وَنَفَاهَا شَاهِدَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا يَسْقُطُ قَوْلُ مَنْ أُثْبِتُهَا بِقَوْلِ مَنْ نَفَاهَا بِخِلَافِ إِثْبَاتِهَا بِشَاهِدَيْنِ وَنَفْيِهَا بِشَاهِدِينِ، وَيَجُوزُ لِصَاحِبِ السَّرِقَةِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ بِهَا وَيَسْتَحِقُّهَا، وَلَا
يَقْطَعُ السَّارِقُ بِهَا خِلَافَ الشَّاهِدَيْنِ، لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ حُجَّةٌ كَامِلَةٌ فَتَعَارَضَ فِيهَا قَوْلُ الْمُثْبِتِ وَالنَّافِي، وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ لَيْسَ حُجَّةً إِلَّا مَعَ الْيَمِينِ، فَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَى أَحَدِهِمَا كَمَلَتِ الْحُجَّةُ وَنَقَصَتْ عَنْهَا الْأُخْرَى، فَحَكَمَ بِالْحُجَّةِ عَلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
( [الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الشُّهُودِ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ] )
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا كَانَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ آخَرَانِ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِأَلْفَيْنِ، تَعَارَضَتِ الشَّهَادَتَانِ وَرُدَّتَا.
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِأَلْفَيْنِ، فَفِي تَعَارُضِهِمَا وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى:
أَحَدُهُمَا: قَدْ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا.
وَالثَّانِي: لَا تَعَارُضَ فِيهِمَا، وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ بِالْأَلْفَيْنِ.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ بَاعَهُ عَبْدًا تُرْكِيًّا بِأَلْفٍ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ بَاعَهُ عَبْدًا رُومِيًّا بِأَلْفَيْنِ، فَلَا تَعَارُضَ فِي الشَّهَادَتَيْنِ فَيَحْكُمُ لَهُ بِبَيْعِ التُّرْكِيِّ بِأَلْفٍ وَبَيْعِ الرُّومِيِّ بِأَلْفَيْنِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَهُ عَبْدًا تُرْكِيًّا بِأَلْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ عَبْدًا رُومِيًّا بِأَلْفَيْنِ، فَلَا تَعَارُضَ فِيهِمَا وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَحْكُمُ لَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ بِبَيْعِ التُّرْكِيِّ بِأَلْفٍ وَالرُّومِيِّ بِأَلْفَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا لَمْ يَحْكُمُ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ حَتَى يَحْدُثَ مِنْهُ مَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ رَدَّهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ بِحَقٍّ ثُمَّ فُسِّقَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا رُدَّتِ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يُحْكَمْ بِهَا، وَهَذَا هُوَ قول جمهور الفقهاء.
وحكي عن أبي ثور وَالْمُزَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: يَحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا تُرَدُّ اعتبارا بحال الأداء.
وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ [اللَّهِ] تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6] .
فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ تُعْتَبَرَ الْعَدَالَةُ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَعِنْدَ الْحَاكِمِ.
وَلِأَنَّ عَدَالَةَ الْبَاطِنِ مَظْنُونَةٌ، فَإِذَا ظَهَرَ الْفِسْقُ رَفْعَ مَا ظُنَّ بِبَاطِنِهِ مِنَ الْعَدَالَةِ، وَدَلَّ
على تقدمه وقت الشهادة، ولا سيما ويتحفظ الْإِنْسَانُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ تَحَفُّظِهِ قَبْلَهَا.
وَلِأَنَّ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَنْ لَا يَهْتِكَهُمْ بِأَوَّلِ الذَّنْبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ أَنْ يَهْتِكَ عَبْدَهُ بِأَوَّلِ خَطِيئَةٍ، فَإِذَا أَظْهَرَهَا دَلَّتْ عَلَى تَقَدُّمِهَا عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ ظُهُورَهَا يُوجِبُ الِاسْتِرَابَةَ بِمَا تَقَدَّمَهَا وَظُهُورِ الرِّيبَةِ فِي الشَّهَادَةِ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِهَا.
( [الْقَوْلُ فِي صَيْرُورَةِ الشُّهُودِ وَرَثَةً] )
(فَصْلٌ)
: وَلَوْ شَهِدَ الْعَدْلَانِ ثُمَّ مَاتَ الْمَشْهُودُ لَهُ، فَوَرِثَهُ الشَّاهِدَانِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا، رُدَّتِ الشَّهَادَةُ لِأَنَّهمَا قَدْ صَارَا شَاهِدَيْنِ لِأَنْفُسِهِمَا عِنْدَ الْحُكْمِ بِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يحكم للإنسان بشهادة لنفسه.
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ حَكَمَ بِهَا وَهُوَ عَدْلٌ ثُمَ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ نَرُدُّهُ لِأَنِّي إِنَّمَا أَنْظُرُ يَوْمَ يَقْطَعُ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَحُدُوثُ فِسْقِهِمَا بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْدُثَ الْفِسْقُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا سَوَاءً كَانَ فِي حُقُوقٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوِ الْآدَمِيِّينَ، وَبِخِلَافِ حُدُوثِ الْفِسْقِ قَبْلَ الْحُكْمِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّكَّ وَالِاحْتِمَالَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا هُوَ الْمَانِعُ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ النَّافِذِ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ تَغَيُّرَ الْحَالِ قَبْلَ نُفُوذِ الْحُكْمِ مُخَالِفٌ لِتَغَيُّرِهَا بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ.
لِأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا اجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي الْحُكْمِ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِهِ، نَقَضَهُ قَبْلَ نُفُوذِ حُكْمِهِ.
وَلَمْ يَنْقُضْهُ بَعْدَ نُفُوذِ حُكْمِهِ، فَأَوْجَبَ هَذَا الْفَرْقُ فِي تَغْيِرِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ.
وُقُوعَ الْفَرْقِ فِي الْفِسْقِ بِحُدُوثِهِ قَبْلَ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ.
فَهَذَا حُكْمُ أَحَدِ الضَّرْبَيْنِ فِي حُدُوثِ الْفِسْقِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِ إِمْضَائِهِ فِي جَمِيعِ الحقوق.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَحْدُثَ الْفِسْقُ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أضرب:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مَالًا أَوْ فِي مَعْنَى الْمَالِ، فَيَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ بَعْدَ الْفِسْقِ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْفِسْقِ تَعْلِيلًا بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ حَدًّا وَجَبَ لِلَّهِ خَاصَّةً، كَحَدِّ الزِّنَا وَجِلْدِ الْخَمْرِ وَقِطَعِ السَّرِقَةِ، مِمَّا يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
فَيَسْقُطُ بِحُدُوثِ الْفِسْقِ وَلَا يُسْتَوْفَى لِأَنَّ حُدُوثَهُ شُبْهَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حَدًّا قَدْ وَجَبَ لِآدَمِيٍّ كَالْقِصَّاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَفِي سُقُوطِهِ بِحُدُوثِ الْفِسْقِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ لِكَوْنِهِ حَدًّا يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَسْقُطُ لِأَنَّه مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَالْأَمْوَالِ.
( [الْقَوْلُ فِيمَا لَوْ حَكَمَ لِشُهُودٍ فَاسْقِينَ] )
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا بَانَ لِلْحَاكِمِ بَعْدَ حُكْمِهِ أَنَّ فِسْقَ الشَّاهِدَيْنِ حَدَثَ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا، نَقَضُ حُكْمِهِ كَمَا لَوْ بَانَ لَهُ مُخَالَفَةُ النَّصِّ، وَاسْتَرْجَعَ مَا اسْتَوْفَاهُ بِحُكْمِهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ قِصَاصًا لَا يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُهُ ضَمِنَ الْحَاكِمُ بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَفِي مَحَلَّةِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي بَيْتِ الْمَالِ.
فَعَلَى هَذَا فَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَالثَّانِي: فِي مَالِهِ.
وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي تعزير الإمام إذا أقضى إلى التلف.
(باب الرجوع عن الشهادة)
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " الرُّجُوعُ عَنِ الشَّهَادَةِ ضَرْبَانِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ يَتْلَفُ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ يُنَالُ بِقَطْعٍ أَوْ قِصَاصٍ فَأُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا فَقَالُوا عَمَدْنَاهُ بِذَلِكَ فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ فِيهَا الْقِصَاصُ وَاحْتُجَّ فِي ذلك بعلي وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ الْقِصَاصُ أُغْرِمُوهُ وَعُزِّرُوا دُونَ الْحَدِّ وَإِنْ قَالُوا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُزِّرُوا وَأُخِذَ مِنْهُمُ الْعَقْلُ وَلَوْ قَالُوا أَخْطَأْنَا كَانَ عَلَيْهِمُ الْأَرْشُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو رُجُوعُ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَدَائِهَا مِنْ ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يرجعوا قبل نفوذ الحكم بها.
والثاني: أن يرجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء.
والثالث: أن يرجعوا بعد الاستيفاء.
فأما الحالة الْأُولَى: وَهُوَ أَنْ يَرْجِعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا بَعْدَ رُجُوعِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَالٍ لِآدَمِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِمْضَاءِ الْحُكْمِ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ.
وَبَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي إِمْضَاءِ الْحُكْمِ بَعْدَ حُدُوثِ فِسْقِهِمْ، وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْمَذْهَبِ وَالْبِنَاءِ.
وَأَمَّا خَطَؤُهُ فِي الْمَذْهَبِ، فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ فِي الشَّهَادَةِ كَاذِبِينَ فِي الرُّجُوعِ، أَوْ كَاذِبِينَ فِي الشَّهَادَةِ صَادِقِينَ فِي الرُّجُوعِ فَوَجَبَ رَدُّهَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَهَالَةُ بِصِدْقِ شَهَادَتِهِمْ، فَصَارَ كَالْجَهَالَةِ بِعَدَالَتِهِمْ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَنْكُفُوا مِنَ الْكَذِبِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ.
وَأَمَّا خَطَؤُهُ فِي الْبِنَاءِ: فَهُوَ أَنَّ الْفَاسِقَ مُقِيمٌ عَلَى شَهَادَتِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا صَادِقًا.
وَالرَّاجِعُ مُقِرٌّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّهَادَةِ صَادِقًا، فَافْتَرَقَا.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ، نُظِرَ فِي الشَّهَادَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ عَنْهَا.
فَإِنَّهُمْ فِيهَا على ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يعمدوها، فَيَكُونُ قَدَحًا فِي عَدَالَتِهِمْ وَمُوجِبًا لِفِسْقِهِمْ، وَيُعَزَّرُوا، لأنهم عمدوا الشهادة بالزور.
والثاني: أَنْ لَا يَتَعَمَّدُوهَا، وَلَكِنْ سَهُوا فِيهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا فِي ضَبْطِهِمْ لَا فِي عَدَالَتِهِمْ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي شَهَادَتِهِمْ إِلَّا فِيمَا تَحَقَّقُوهُ 5 وأحاطوا به علما.
والثالث: أن لا يكون ذلك بعمد لا يسهو وَلَكِنْ بِشُبْهَةٍ اعْتَرَضَتْهُمْ يَجُوزُ مِثْلُهَا عَلَى أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْعَدَالَةِ فَهُمْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَضَبْطِهِمْ، لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي غَيْرِ مَا رَجَعُوا عَنْهُ، فَإِنِ الْتَمَسَ الْمَشْهُودُ لَهُ يَمِينَ الشُّهُودِ عَلَى صِحَّةِ رُجُوعِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِحْلَافُهُمْ، لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلَوِ ادَّعَى الْمَشْهُودُ لَهُ أَنَّ الشُّهُودَ قَدْ رَجَعُوا وَأَنْكَرُوا الرُّجُوعَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إِحْلَافُهُمْ، لِأَنَّه لَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.
وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنِّي بَرِئْتُ مِمَّا شَهِدُوا بِهِ، وَقَدْ شَهِدُوا مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ وَطَلَبَ يَمِينَهُمْ لَمْ يَحْلِفُوا عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَحْضَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً تَشْهَدُ عَلَى الشُّهُودِ بِرُجُوعِهِمْ، قُبِلَتْ، وَحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالرُّجُوعِ، وَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ: يُضَمَّنُونَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ حَقِّهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
( [الْقَوْلُ فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَرْجِعُوا بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ.
فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ، فَإِنْ كَانَ مَالًا، لَمْ يَنْقُضْ حُكَمَهُ بِهِ وَأَمْضَاهُ، وَهَذَا قول جمهور الفقهاء.
وَحُكِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُنْقَضُ الْحَكَمُ بِرُجُوعِهِمْ لِإِبْطَالِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْحُكْمَ إِذَا نَفَذَ بِالِاجْتِهَادِ، لَمْ يُنْقَضْ بِالِاحْتِمَالِ وَالِاجْتِهَادُ تَغْلِيبُ صِدْقِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ، وَالِاحْتِمَالُ جَوَازُ كَذِبِهِمْ فِي الرُّجُوعِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ فِي شَهَادَتِهِمْ إِثْبَاتَ حَقٍّ يَجْرِي مَجْرَى الْإِقْرَارِ، وَفِي رُجُوعِهِمْ نَفِيُ ذَلِكَ الْحَقِّ الْجَارِي مَجْرَى الْإِنْكَارِ فَلَمَّا لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ لِحُدُوثِ الْإِنْكَارِ لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ لحدوث الرجوع.
وَإِنْ كَانَ مَا شَهِدُوا بِهِ لَيْسَ بِمَالٍ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَبْطُلُ بِالشُّبْهَةِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، فَهُوَ كَالْمَالِ فِي نُفُوذِ الْحُكْمِ بِهِ.
فَلَا يَبْطِلُ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ كَحَدِّ الزِّنَا وَجَلْدِ الْخَمْرِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ فَيَسْقُطُ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ كَمَا يَسْقُطُ بِرُجُوعِ الْمُقِرِّ، لِأَنَّ رُجُوعَ الشُّهُودِ شُبْهَةٌ تُدْرَأُ بِمِثْلِهَا الْحُدُودُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ كَالْقِصَّاصِ.
وَحَدِّ الْقَذْفِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا إِذَا سَقَطَ بِالشُّبْهَةِ رَجَعَ إِلَى الدِّيَةِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، فَلْيَسْقُطْ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ، الْقِصَاصُ، وَلَا تَسْقُطِ الدِّيَةُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا إِذَا سَقَطَ بِالشُّبْهَةِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى بَدَلٍ، كَحَدِّ الْقَذْفِ، فَفِي سُقُوطِهِ بِرُجُوعِ شُهُودِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، لِأَنَّها شُبْهَةٌ تُدْرَأُ بِمِثْلِهَا الْحُدُودُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ لِأَنَّه مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُغَلَّظَةِ.
( [الْقَوْلُ فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ] )
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ الشُّهُودُ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَالْحُكْمُ عَلَى نَفَاذِهِ لَا يُنْقَضُ بِرُجُوعِ شُهُودِهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ إِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ بِرُجُوعِهِمْ، لِأَنَّهمْ بِالرُّجُوعِ غَيْرُ شُهُودٍ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ الرُّجُوعَ مُخَالِفٌ لِلشَّهَادَةِ فَلَا يَخْلُو أَحَدُهُمَا مِنَ الْكَذِبِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ من الشهادة وبالرجوع مُحْتَمِلًا لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَقَدِ اقْتَرَنَ بِالشَّهَادَةِ حُكْمٌ وَاسْتِيفَاءٌ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُهَا بِرُجُوعٍ مُحْتَمَلٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الشَّهَادَةَ إِلْزَامٌ وَالرُّجُوعُ إِقْرَارٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَارِدٌ بِغَيْرِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ
وَالْإِقْرَارُ لَازِمٌ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْقَضَ بِهِ الْحُكْمَ، لِأَنَّه يَصِيرُ إِقْرَارُهُ إِلْزَامًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُوجِبٌ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ بِهِ الْحُكْمُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى مَا يَلْزَمُ الشُّهُودَ بِرُجُوعِهِمْ، وَهُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْحَقِّ الْمُسْتَوْفَى، وَيَنْقَسِمُ إلى ثلاثة أقسام:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ إِتْلَافًا يَخْتَصُّ بِالْأَبْدَانِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ إِتْلَافًا يَخْتَصُّ بِالْأَحْكَامِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ إِتْلَافًا يُخْتَصُّ بِالْأَمْوَالِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فيما اختص بالأبدان.
فهل قَتْلُ نَفْسٍ أَوْ قَطْعُ طَرَفٍ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ فَقُتِلَ، أَوْ قَطَعَ فَقُطِعَ ثُمَّ رَجَعُوا عَلَى شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ أَوْ قُطِعَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُهُمْ بِرُجُوعِهِمْ إِذَا عَمَدُوا:
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِمُ الْقَوَدَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ دُونَ الْقَوَدِ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِمْ وَلَا دِيَةَ.
وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ أَبِي حنيفة عَلَى سُقُوطِ الْقَوَدِ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ سَبَبٌ أَفْضَى إلى القتل موجب أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الْغُرْمُ دُونَ الْقَوَدِ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ.
وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى سُقُوطِ الدِّيَةِ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ سَبَبٌ اقْتَرَنَ بِهِ مُبَاشَرَةً الْحَاكِمُ، فَلَمَّا سَقَطَتِ الدِّيَةُ عَنِ الْحَاكِمِ بِالْمُبَاشَرَةِ كَانَ أَوْلَى أَنْ تَسْقُطَ عَنِ الشُّهُودِ بِالسَّبَبِ، لِأَنَّ السَّبَبَ سَقَطَ بِالْمُبَاشَرَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فِي قَضِيَّتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ عَنْ إِمَامَيْنِ مِنْهُمْ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ.
إِحْدَاهُمَا: عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَهُ بِالْقَتْلِ وَقِيلَ بِالْقَطْعِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ وَقَالَا: أَخْطَأْنَا الْأَوَّلَ وَهَذَا هُوَ الْقَاتِلُ أَوِ الْقَاطِعُ.
فَقَالَ: لَوْ عَلِمَتْ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَأَقَدْتُكُمَا.
وَالْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ: " وَهِيَ أَثْبَتُ " رَوَاهَا الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ شهدا عند علي عليه السلام عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ أَتَيَاهُ بَعْدَ بَرْجَلٍ آخَرَ وَقَالَا: أَخْطَأْنَا فِي الْأَوَّلِ وَهَذَا هُوَ السَّارِقُ، فَأُبْطِلُ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ثُمَّ ضَمَّنَهُمَا دِيَةَ
الْأَوَّلِ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشعبي عن علي عليه السلام غَيْرَ مَرْفُوعٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِخَبَرٍ مَرْفُوعٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ مَعَ سُفْيَانَ أَسْبَاطٌ عَنْ مُطَرِّفٍ هَذَا وَلَيْسَ لِهَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ فَثَبَتَ بِهِمَا الْإِجْمَاعُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِبَارِ، أَنَّ كُلَّ إِتْلَافٍ ضُمِنَ بِالْمُبَاشَرَةِ ضُمِنَ بِالشَّهَادَةِ كَالْأَمْوَالِ.
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِلْجَاءٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِهِ النُّفُوسُ بِالْقَوَدِ كَالْإِكْرَاهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ سَبَبٌ يَسْقُطُ بِهِ الْقَوَدُ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ.
فَفَاسِدٌ بِالْإِكْرَاهِ، ثُمَّ حَفْرُ الْبِئْرِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقَتْلُ فَسَقَطَ بِهِ الْقَوَدُ، وَالشَّهَادَةُ مَقْصُودٌ بِهَا الْقَتْلُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ مَالِكٍ بِالْحَاكِمِ، فَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ فَلَمْ يُضَمَّنْ، وَالشَّاهِدُ مُتَبَرِّعٌ بِالشَّهَادَةِ فَضَمِنَ بِهَا.
( [الْقَوْلُ فِي أَحْوَالِ رُجُوعِ شُهُودِ الْقَتْلِ] )
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشُّهُودَ بِالْقَتْلِ كَالْقَتَلَةِ، لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ إِذَا تَغَيَّرَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْكُوَ فِيهَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ بِهَا، أَوْ يَقُولُوا لَعَلَّنَا أَخْطَأْنَا فِيهَا، فَهَذَا قَدْحٌ فِي الضَّبْطِ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حُكْمُ الشَّهَادَةِ بَعْدَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ بِهِ، لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَرْجِعُوا جَمِيعًا عَنْهَا، فَيَسْأَلُهُمُ الْحَاكِمُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ هَلْ تَعَمَّدُوهَا أَوْ أَخْطَأُوا فِيهَا؟ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْقَتْلِ.
وَلَهُمْ فِي الجواب عنه ثمانية أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولُوا: عَمَدْنَا كُلُّنَا لِيُقْتَلَ بِشَهَادَتِنَا، فَالْقَوَدُ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَاجِبٌ، لِأَنَّهمْ قَتَلَةُ عَمْدٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولُوا: عَمَدْنَا كُلُّنَا وَمَا عَلِمْنَا أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْتُلُهُ بِشَهَادَتِنَا، فَهُمْ أَهْلُ جَهَالَةٍ بِمِثْلِهِ، فَهَذَا مِنْهُمْ قَتْلُ عَمْدٍ شِبْهُ الْخَطَأِ، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمْ، وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْهُمْ مُغْلِظَةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَمْدِ، وَمُؤَجَّلَةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولُوا: أَخْطَأْنَا كُلُّنَا، فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ الْخَطَأِ مُخَفَّفَةً ومؤجلة
يُؤْخَذُونَ بِهَا دُونَ عَوَاقِلِهِمْ، لِوُجُوبِهَا بِاعْتِرَافِهِمْ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَا وَجَبَ بِاعْتِرَافِهِمْ إِنْ لَمْ يُصَدِّقُوهُمْ، فَإِنْ صَدَّقُوهُمْ تَحْمَّلُوهَا عَنْهُمْ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّهُ عَمَدَ بَعْضُهُمْ وَأَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْعَامِدِ لِمُشَارَكَتِهِ الخاطىء، وَعَلَى الْعَامِدِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ مُغْلِظَةً حَالَّةً، وعلى الخاطىء قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ، أَنْ يَخْتَلِفُوا فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ عَمَدْنَا كُلُّنَا، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَخْطَأْنَا كُلُّنَا، فَعَلَى مَنْ أَقَرَّ بِعَمْدٍ جَمِيعِهِمُ الْقَوَدُ، وَعَلَى مَنْ أَقَرَّ بِخَطَأٍ جَمِيعِهِمْ قِسْطُهُ مِنْهُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةٌ وَمُؤَجَّلَةٌ.
وَالْحَالُ السَّادِسَةُ: أَنْ يَخْتَلِفُوا.
فَيَقُولُ اثْنَانِ مِنْهُمْ: عَمَدْنَا وَأَخْطَأَ هَذَانِ الْآخَرَانِ، وَيَقُولُ الْآخَرَانِ: بَلْ عَمَدْنَا وَأَخَطَّأَ هَذَانِ الْأَوَّلَانِ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِمُ الْقَوَدُ جَمِيعًا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدِ اعْتَرَفَ بِالْقَتْلِ بِالْعَمْدِ فِي حَقِّهِ، وَأَضَافَ الْخَطَأَ إِلَى مَنْ قَدِ اعْتَرَفَ بِعَمْدِهِ، فَصَارُوا كَالْمُعْتَرِفِينَ جَمِيعًا بِالْعَمْدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ، لَا قَوَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّ كل واحد منهم مقر بمشاركة للخاطىء، فلم يلزمه إقرار الخاطىء بِعَمْدِهِ، وَلِأَنَّ أَحَدًا لَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِسْطُهُ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةً حَالَّةً.
وَالْحَالُ السَّابِعَةُ: أَنْ يَقُولَ اثْنَانِ مِنْهُمْ: عَمَدْنَا كُلُّنَا، وَيَقُولُ الْآخَرَانِ: عَمَدْنَا وَأَخْطَأَ الْأَوَّلَانِ، فَعَلَى الْمُقِرِّ بِعَمْدِ جَمِيعِهِمُ الْقَوَدِ، وَفِيمَا عَلَى الْمُقِرِّ بِعَمْدِهِ وَخَطَأِ غَيْرِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقَوَدُ.
وَالثَّانِي: قِسْطُهُ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ مُغْلِظَةً حَالَّةً.
وَالْحَالُ الثَّامِنَةُ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: عَمَدْتُ وَمَا أَدْرِي مَا فَعَلَ أَصْحَابِي سَأَلْنَا أَصْحَابَهُ، فَإِنْ قَالُوا: عَمَدْنَا.
وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَى الْكُلِّ، وَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا، سَقَطَ الْقَوَدُ عَنِ الْكُلِّ.
فَهَذَا حُكْمُهُمْ إِذَا رَجَعُوا جَمِيعًا.
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقِيمَ بَعْضُهُمْ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَيَرْجِعَ بَعْضُهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَزِيدَ الشُّهُودُ عَلَى عَدَدِ الْبَيِّنَةِ.
كَاثْنَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ فقتل، ثم رجع أَحَدُهُمَا، أَوْ أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا، فَلَا
ضَمَانَ عَلَى الْمُقِيمِ عَلَى شَهَادَتِهِ، وَالرَّاجِعِ عَنْهَا ضَامِنٌ يُسْأَلُ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَخْطَأَتُ ضَمِنَ قِسْطَهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا مِنِ اثْنَيْنِ فِي قَتْلٍ ضُمِّنَ نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعَةٍ فِي الزِّنَى ضُمِّنَ رُبُعَ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قَالَ: عَمَدْتُ، سُئِلَ عن من لَمْ يَرْجِعْ مِنْ شُرَكَائِهِ فِي الشَّهَادَةِ، فَإِنْ قَالَ: أَخْطَأَ، فَعَلَيْهِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قَالَ: عَمَدُوا.
فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَزِيدَ الشُّهُودُ عَلَى عَدَدِ الْبَيِّنَةِ، كَثَلَاثَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ فَقُتِلَ، أَوْ خَمْسَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى فَرُجِمَ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْجِعَ مَنْ زَادَ عَلَى عَدَدِ الْبَيِّنَةِ، لِرُجُوعِ الثَّالِثِ فِي شَهَادَةِ الْقَتْلِ وَالْخَامِسِ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِوُجُوبِ الْقَتْلِ وَالرَّجْمِ بِشَهَادَةِ الْبَاقِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْقَوَدَ فِي قَتْلٍ قَدْ وَجَبَ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْهَا تَعْلِيلًا بِهَذَا الْمَعْنَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ، لِأَنَّه مُقِرٌّ بَعْدُ، وَأَنْ يُوجِبَ الضَّمَانَ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْقَتْلِ ضَمِنَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا مِنْ خَمْسَةٍ فِي الزِّنَى ضَمِنَ خُمُسَ الدِّيَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُغَلَّظًا حَالًا إِنْ عَمِدَ، وَمُخَفَّفًا مُؤَجَّلًا إِنْ أَخْطَأَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَرْجِعَ فِي الشَّهَادَةِ مَنْ يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الْبَاقِينَ عَنِ الْبَيِّنَةِ.
كَثَلَاثَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ فَرَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، أَوْ خَمْسَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى فَرَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، فَهَاهُنَا يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِنْ عَمَدُوا وَأَقَرُّوا بِعَمْدِ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ لَمْ يَرْجِعْ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَجِبْ إِلَّا بِشَهَادَةِ جَمِيعِهِمْ وَإِنْ أَخْطَأَ الرَّاجِعَانِ ضُمِّنَا الدِّيَةَ، وَفِي قَدْرِ مَا يُضَمَّنَانِ مِنْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُضَمَّنُ الِاثْنَانِ مِنَ الثَّلَاثَةِ فِي الْقَتْلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، لِأَنَّهمَا اثْنَانِ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
وَيُضَمَّنُ الِاثْنَانِ مِنَ الْخَمْسَةِ فِي الزِّنَى خَمْسًا الدِّيَةِ، لِأَنَّهمَا اثْنَانِ مِنْ خَمْسَةٍ اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُضَمَّنُ الِاثْنَانِ مِنَ الثَّلَاثَةِ فِي الْقَتْلِ نِصْفَ الدِّيَةِ، لِبَقَاءِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ نِصْفُ الْبَيِّنَةِ، وَيُضَمَّنُ الِاثْنَانِ مِنَ الْخَمْسَةِ فِي الزِّنَا رُبُعَ الدِّيَةِ لِبَقَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبَيِّنَةِ، اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الْبَيِّنَةِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى وَلَمْ يَثْبُتْ حَصَانَتُهُ، فَشَهِدَ بِهَا اثْنَانِ ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْحَصَانَةِ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِمُ الضَّمَانُ لِأَنَّه رُجِمَ بِمَا شَهِدُوا بِهِ مِنَ الْإِحْصَانِ.
وَفِي قَدْرِ مَا يُضَمَّنَهُ شَاهِدَا الْحَصَانَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ نِصْفُ الدية، لأنهم رَجْمٌ بِنَوْعَيْنِ، الْإِحْصَانُ وَالزِّنَا فَتَقَسَّطَتِ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، لِأَنَّه رُجِمَ بِشَهَادَةِ سِتَّةٍ فَتَقَسَّطَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِهِمْ.
وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَا، فَإِنْ أَخْطَأُوا وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ دُونَ الْقَوَدِ، وَفِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُهُمْ منها وجهان:
أَحَدُهَا: جَمِيعُ الدِّيَةِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ شُهُودَ الْحَصَانَةِ لَا يُضَمَّنُونَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: ثُلُثُ الدِّيَةِ إِذَا قِيلَ إِنَّ شُهُودَ الْحَصَانَةِ يُضَمَّنُونَ نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَلَوْ عَمِدَ شُهُودُ الزِّنَى كَانَ وُجُوبُ الْقَوَدِ عَلَيْهِمْ مُعْتَبَرًا بِعِلْمِهِمْ بِحَصَانَتِهِ، فَإِنْ عَلِمُوا بِهَا عِنْدَ شَهَادَتِهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقَوَدُ، لِأَنَّهمْ شَهِدُوا بِمَا تَعَمَّدُوا بِهِ الْقَتْلَ وَإِنْ جَهِلُوا حَصَانَتَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْقَوَدُ لِأَنَّهمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا قَتْلَهُ.
وَلَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ شُهُودِ الزِّنَى وَوَاحِدٌ مِنْ شَاهِدَيِ الْحَصَانَةِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّ عَلَى شَاهِدِ الزِّنَى رُبُعَ الدِّيَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَى شَاهِدَيِ الْحَصَانَةِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ شُهُودَ الْحَصَانَةِ لَا يُضَمَّنُونَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ عَلَى شَاهِدِ الزِّنَى سُدُسُ الدِّيَةِ، وَعَلَى شَاهِدِ الْحَصَانَةِ سُدُسُ الدِّيَةِ.
إِذَا قِيلَ بِضَمَانِ شُهُودِ الْحَصَانَةِ عَلَى الْعَدَدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: عَلَى شَاهِدِ الزِّنَى ثُمُنُ الدِّيَةِ وَعَلَى شَاهِدِ الْحَصَانَةِ رُبُعُ الدِّيَةِ.
إِذَا قِيلَ بِضَمَانِ شُهُودِ الْحَصَانَةِ عَلَى النَّوْعِ.
وَأَمَّا الْقَوَدُ فَلَا يَجِبُ عَلَى شَاهِدِ الْحَصَانَةِ، وَوُجُوبُهُ عَلَى شَاهِدِ الزِّنَى مُعْتَبَرٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إِنْ عَلِمَ بِحَصَانَتِهِ، وَسُقُوطِهِ إِنْ جَهِلَهَا.
( [الْقَوْلُ فِي رُجُوعِ شهود الطلاق] )
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي طَلَاقِ ثَلَاثٍ أَغْرَمْتُهُمْ للزوج صَدَاقَ مِثْلِهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لِأَنَّهمْ حَرَّمُوهَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ إِلَّا مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَى مَا أَعْطَاهَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا غَلَطًا