الحاوي الكبيرصفحات 15-54
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع

صفحات 15-54
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْقَسَامَةِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ الدِّمَاءِ فَكَانَ مُقْتَضَى هَذَا الْمَعْنَى وُجُوبَ الدِّيَةِ وَسَقْطَ القود.
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ في إشاطة الدَّمِ وَوُجُوبِ الْقَوَدِ فَإِنْ كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ قُتِلَ قَوَدًا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي عَدَدِ مَنْ يُقْتَلُ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ وَإِنْ كَثُرُوا إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِكُوا لِأَنَّ الْقَسَامَةَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْتُلُ بِهِ أَكْثَرَ مِنِ اثنين وحكا أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.
وَحَكَى الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَوْلًا لِنَفْسِهِ: أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ حَقْنًا لِلدِّمَاءِ، وَلِضَعْفِ الْقَسَامَةِ عَنِ الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَأَجْعَلُ لِلْوَلِيِّ بَعْدَ أَيْمَانِهِ الْخِيَارَ فِي قَتْلِ أَيِّ الْجَمَاعَةِ شَاءَ فَإِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمْ أُخِذَ مِنَ الْبَاقِي أَقْسَاطُهُمْ مِنَ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ الْجَدِيدُ أَنَّ الْقَوَدَ سَاقِطٌ فِي الواحد والجماعة فالدية المستحقة بالقسامة وتكون مُغَلَّظَةً، حَالَّةً فِي مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إِنْ تَفَرَّدَ بِهَا وَاحِدٌ غَرِمَ جَمِيعَهَا وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً تَقَسَّطَتْ عَلَى أَعْدَادِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَسَوَاءٌ كَانَ بِهِ جُرْحٌ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ لِلْوَلِيِّ أَنَّهُ يُقْسِمُ فِي الْقَتْلِ سَوَاءٌ كَانَ بِهِ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْسِمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ أَثَرُ جُرْحٍ.
فَإِنْ لَمْ يُكَنْ بِهِ أَثَرُ جُرْحٍ وَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ أُذُنِهِ أَقْسَمَ - وَإِنْ خَرَجَ مَنْ أَنْفِهِ لَمْ يُقْسِمْ لِأَنَّ عَدَمَ الْأَثَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَوْتٍ وَمِنْ قَتْلٍ وَخُرُوجَ الدَّمِ مِنَ الْأَنْفِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رُعَافٍ أَوْ خَنْقٍ فَضَعُفَتِ الدَّعْوَى وَسَقَطَتِ الْقَسَامَةُ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنَ الْمَوْتِ أَنْ يَكُونَ بِأَسْبَابٍ حَادِثَةٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَادِثٍ، وَمَوْتُ الْفُجَاءَةِ نَادِرٌ فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مَرَضٌ صَارَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ بِحَادِثِ الْقَتْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى نَادِرَةِ الْفُجَاءَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَتْلَ قَدْ يَكُونُ تَارَةً بِالْجُرْحِ وَالْأَثَرِ، وَيَكُونُ تَارَةً بِالْخَنْقِ وَالْإِمْسَاكِ لِلنَّفْسِ وَبِعَصْرِ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ وَإِذَا كَانَ بِهِمَا وَجَبَ أَنْ تَسْتَوِيَ الْقَسَامَةُ فِيهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ لَمْ يَسْمَعِ الْوَلِيُّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا وُجِدَ لَوْثُ الْقَتِيلِ فِي جَمَاعَةٍ فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ الْقَتْلَ عَلَى رَجُلٍ وَذَكَرُوا أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمَاعَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَلَا قَسَامَةَ لِلْأَوْلِيَاءِ إِذَا حَلَفَ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ تَشْهَدُ بِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَوْ يُشْهَدَ عَلَى إِقْرَارِهِ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا، لِأَنَّ ظُهُورَ اللَّوْثِ فِيهِمْ لَا يَدُلُّ على أنه كان فيهم.
(مسألة) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَلَا أَنْظُرُ إِلَى دَعْوَى الْمَيِّتِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وهذا قاله على ردا مَالِكٍ حَيْثُ جَعَلَ قَوْلَ الْقَتِيلِ دِيَةً عِنْدَ فُلَانٍ لَوْثًا وَلَيْسَ بِلَوْثٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ.
فَأَثْبَتَ مَالِكٌ اللَّوْثَ فِيمَا نَفَيْنَاهُ وَنَفَى اللَّوْثَ عَمَّا أَثْبَتْنَاهُ، وَحَكَمَ بِالْقَسَامَةِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِاللَّوْثِ الَذِي قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْقَسَامَةِ فَلَمْ يَنْفُذْ مِنْ مُخَالَفَةِ قَضَائِهِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ، وَهَذَا وَهْمٌ لَا يَجُوزُ.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلِوَرَثَةِ الْقَتِيلِ أَنْ يُقْسِمُوا وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا عَنْ مَوْضِعِ الْقَتِيلِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِاعْتِرَافِ الْقَاتِلِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ لَا يَعْلَمُهُمُ الْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ عِنْدَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ مَا يَعْلَمُ بِهِ الْغَائِبُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَجُوزُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ أَنْ يُقْسِمُوا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الْقَتْلَ إِذَا عَلِمُوهُ مِنْ جِهَةٍ عَرَفُوهَا بِالصِّدْقِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْسِمُوا إِذَا غَابُوا عَنْهُ لِأَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْهُ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَرَضَ الْأَيْمَانَ فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَقُتِلَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُقْسِمُ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى مَا عَلِمَهُ يَقِينًا وَعَلَى مَا عَرَفَهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَنْ يَجِدَ فِي حِسَابِ نَفْسِهِ بِخَطِّهِ أَوْ فِي حِسَابِ أَبِيهِ بِخَطِّ أَبِيهِ أَنَّ عَلَى فُلَانٍ كَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَلَبَةِ ظَنٍّ لَا بِيَقِينٍ وَكَذَلِكَ فِي الدِّمَاءِ وَلِأَنَّ حُكْمَ الشَّهَادَةِ أَغْلَظُ، ثُمَّ كَانَ لِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا تَارَةً بِمَا عَلِمُوا قَطْعًا مِمَّا شَهِدُوهُ مِنَ الْعُقُودِ وَسَمِعُوهُ مِنَ الْإِقْرَارِ.
وَكَانَ لَهُمْ تَارَةً أَنْ يَشْهَدُوا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الْأَنْسَابِ وَالْمَوْتِ وَالْأَمْلَاكِ الْمُطْلَقَةِ بِخَبَرِ الِاسْتِفَاضَةِ فَلَمَّا كَانَتِ الشَّهَادَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى يَقِينٍ وَغَالِبِ ظَنٍّ كَذَلِكَ الْأَيْمَانُ تَنْقَسِمُ إِلَى يَقِينٍ وَغَالِبِ ظن والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تحلفوا إلا بعد الاستثبات) . قال الماوردي: إنما أَجَزْنَا لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعِظَ الْأَوْلِيَاءَ عِنْدَ أَيْمَانِهِمْ وَيُحَذِّرَهُمْ مَأْثَمَ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ.
وَيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: 77] الْآيَةَ.
وَيَأْمُرُهُمْ بِالِاسْتِثْبَاتِ وَالْأَنَاةِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اعْتِبَارًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي اللِّعَانِ حِينَ وَعَظَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْخَامِسَةِ فَكَانَتِ الْأَيْمَانُ فِي الدِّمَاءِ بِمَثَابَتِهَا وَأَغْلَظَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِقُّ بِأَيْمَانِهِمْ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنَ الْقَوَدِ فَقَدَّمَ الِاسْتِظْهَارَ بِالْوَعْظِ وَالتَّحْذِيرِ، فَأَمَّا وَعْظُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ عِنْدَ أَيْمَانِهِمْ فِي الْإِنْكَارِ فَإِنْ كَانَ فِي قَتْلِ عَمْدٍ لَمْ يوعظوا لأنه يوجب قود يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَتْلٍ خَطَأٍ وُعِظُوا وَحُذِّرُوا مَآثِمَ أَيْمَانِهِمُ الْكَاذِبَةِ.
فَأَمَّا الْأَيْمَانُ فِي الْأَمْوَالِ الْمَحْضَةِ: فَفِي الْوَعْظِ عِنْدَ الْأَيْمَانِ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعِظُ الْحَالِفُ فِيهَا كَالدِّمَاءِ.
وَالثَّانِي: لَا يَعِظُ فِيهَا لِتَغْلِيظِ الدِّمَاءِ عَلَى غيرها.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَتُقْبَلُ أَيْمَانُهُمْ مَتَى حَلَفُوا مُسْلِمِينَ كَانُوا عَلَى مُشْرِكِينَ أَوْ مُشْرِكِينَ عَلَى مُسْلِمِينَ لِأَنَّ كُلًّا وَلِيُّ دَمِهِ وَوَارِثُ دِيَتِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: تُقْبَلُ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَيْمَانُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُقُوقِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَقْبَلُهَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلَا أَقْبَلُهَا فِي الْقَسَامَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَقْبَلُهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ.
وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْقَسَامَةَ تُوجِبُ الْقَوَدَ، فَلَمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُشْرِكُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْقَوَدَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَسَامَةَ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ مَنْ قُبِلَتْ أَيْمَانُهُمْ فِي الْأَمْوَالِ قُبِلَتْ أَيْمَانُهُمْ فِي الْقَسَامَةِ كَالْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْقَوَدِ فِي حَقِّ الْمُشْرِكِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الدِّيَةِ فَصَارَ فِيهَا كَالْمُسْلِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْقَسَامَةُ فِي عَبْدِهِ عَلَى الْأَحْرَارِ والعبيد) . قال الماوردي: قد قضى الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ هَلْ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ أَمْ لَا؟ عَلَى

قَوْلَيْنِ: فَأَمَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِقَتْلِهِ لَوْثٌ فَقَدْ أجاز الشافعي هاهنا لِلسَّيِّدِ الْقَسَامَةَ فِيهِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَحَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْعَقْلِ فَإِنْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ أَقْسَمَ سَيِّدُهُ، وَإِنْ قِيلَ: لَا تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ لَمْ يُقْسِمْ لِأَنَّهُ يَجْرِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَجْرَى الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا قَسَامَةَ فِيهَا وَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسُ بْنُ سُرَيْجٍ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِأَنَّ الْقَسَامَةَ فِي النُّفُوسِ لِحِفْظِ حُرْمَتِهَا كَمَا حُفِظَتْ حُرْمَتُهَا بِالْقِصَاصِ وَغَلُظَتْ بِالْكَفَّارَةِ وَهُمَا مُعْتَبَرَانِ فِي الْعَبْدِ كَاعْتِبَارِهِمَا فِي الْحُرِّ فَكَذَلِكَ فِي الْقَسَامَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا كَالْحُرِّ وَخَالَفَ تَحَمُّلُ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلنُّصْرَةِ وَالْمُحَابَاةِ الَّتِي يُقْصُرُ الْعَبْدُ عَنْهَا وَيَخْتَصُّ الْحُرُّ بِهَا فَافْتَرَقَ مَعْنَى الْقَسَامَةِ وَالْعَقْلِ فَلِذَلِكَ أَقْسَمَ فِي الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ.
وَهَكَذَا لَوْ قُتِلَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ الْقَسَامَةُ فِيهِمْ لِأَنَّهُمْ قُتِلُوا عَبِيدًا.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا الْقَسَامَةُ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا كَانَ قَاتِلًا فَجَائِزَةٌ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ كَالْحُرِّ وَإِنْ كَانَ مَقْتُولًا بِخِلَافِ الْحُرِّ.
فَلَوْ ظَهَرَ مِنْهُ اللَّوْثُ فِي قَتْلِ سَيِّدِهِ جَازَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يُقْسِمُوا وَإِنِ انْتَقَلَ إِلَى مُلْكِهِمْ بِالْمِيرَاثِ لِيَسْتَفِيدُوا بِالْقَسَامَةِ أَنْ يَقْتُلُوهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ وَأَنْ يَخْرُجَ بِهَا مِنَ الرَّهْنِ إِنْ كَانَ مَرْهُونًا وَأَنْ تَبْطُلَ فيها الوصية فيه إن كان موصاً به.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُقْسِمُ الْمُكَاتَبُ فِي عَبْدِهِ لِأَنَّهُ مَالُهُ فَإِنْ لَمْ يُقْسِمْ حَتَّى عَجَزَ كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقْسِمَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيمَا بِيَدِهِ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ كَانَ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ مَالِكٍ وَإِنْ قِيلَ لَا يَمْلِكُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ كَانَ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ مُسْتَحِقٍّ فَجَازَ لَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا أَنْ يُقْسِمَ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَيِّدِهِ.
لِاسْتِحْقَاقِ الْمُكَاتَبِ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ فَصَارَ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي بِيَدِهِ، فَإِنْ أَقْسَمَ الْمُكَاتَبُ مَلَكَ قِيمَةَ عَبْدِهِ لِيَسْتَعِينَ بِهَا فِي كِتَابَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُقْسِمْ حَتَّى مَاتَ أَوْ عَجَزَ صَارَ عَبْدُهُ وَجَمِيعُ أَمْوَالِهِ، لِسَيِّدِهِ فَيُقْسِمُ سَيِّدُهُ بَعْدَ عَجْزِهِ فِي كِتَابَتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ مُكَاتَبِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قُتِلَ عَبْدٌ لِأُمِّ وَلَدٍ فَلَمْ يُقْسِمْ سَيِّدُهَا حَتَّى مَاتَ وَأَوْصَى لَهَا بِثَمَنِ الْعَبْدِ لَمْ تُقْسِمْ وَأَقْسَمَ وَرَثَتُهُ وَكَانَ لَهَا ثَمَنُ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يُقْسِمِ الْوَرَثَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَلَا لَهَا شَيْءٌ إِلَّا أَيْمَانُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَدْفَعَ السَّيِّدُ إِلَى أُمِّ وَلَدِهِ عَبْدًا فَيُقْتَلُ فِي يَدِهَا قَتْلَ لَوْثٍ فَلِلسَّيِّدِ فِي دَفْعِهِ إِلَيْهَا حَالَتَانِ:

أحدهما: أن يدفعه إليها للخدمة.
والثاني: أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهَا لِلتَّمْلِيكِ، فَإِنْ أَخَذَهَا إِيَّاهُ.
وَلَمْ يَمْلِكْهَا، فَالسَّيِّدُ هُوَ الَّذِي يُقْسِمُ دُونَهَا، كَمَا يُقْسِمُ فِي سَائِرِ عَبِيدِهِ فَلَوْ وَصَّى لَهَا بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَسَامَتِهِ فَلَهَا قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ مُلْكُهُ عَلَيْهَا صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمُلْكِ كَمَا تَصِحُّ وَصِيِّتُهُ بِثَمَنِ نَخْلِهِ وَنِتَاجِ مَاشِيَتِهِ وَلَا تَمْتَنِعُ وَصِيَّتُهُ لِأُمِّ وَلَدِهِ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ وَصَّيْتُهُ لِعَبْدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَأُمُّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِهِ حُرَّةٌ وَعَبْدُهُ مَمْلُوكٌ فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ أَقْسَمَ الْوَرَثَةُ دُونَهَا فَإِنْ أَقْسَمُوا مَلَكَتْ أَمُّ الْوَلَدِ قِيمَتَهُ بِالْوَصِيَّةِ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ فَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
وَإِنِ امْتَنَعَ الْوَرَثَةُ مِنَ الْقَسَامَةِ وَأَجَابَتْ أَمُّ الْوَلَدِ إِلَيْهَا فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا لِلْقَسَامَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَسْتَحِقُّهَا وَلَهَا الْقَسَامَةُ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَهَا بِالْوَصِيَّةِ فَصَارَتْ مُسْتَحَقَّةً فِي حَقِّهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ المنصوص عليه هاهنا لَا قَسَامَةَ لَهَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْأَيْمَانَ على غيرها فصارت فيها نائبة عنهم النيابة فِي الْأَيْمَانِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْبَيِّنَةُ الَّتِي لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا تَمْلِكُ بِالْوَصِيَّةِ مَا اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُوصَى عَلَيْهِ وَالْمُوصِي لَا يَمْلِكُ إِلَّا مَا كَانَ هُوَ الْمُقْسِمُ عَلَيْهِ أَوْ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ مِنْ قرابته وَأَصَلُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافُ قَوْلَيْهِ فِي الْمُفْلِسِ إِذَا نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ فِي دَيْنٍ لَهُ وَأَجَابَ غُرَمَاؤُهُ إِلَى الْيَمِينِ.
فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ مَلَّكَ أُمَّ وَلَدِهِ الْعَبْدَ حِينَ دَفَعَهُ إِلَيْهَا كَانَ حُكْمُهَا فِيهِ حُكْمَ الْعَبِيدِ إِذَا ملكوا، هل يملكوه بِالتَّمْلِيكِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ تَمْلِكُ أُمُّ الْوَلَدِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْعَبِيدِ إِذَا مَلَكُوا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ - إِنَّهَا لَا تَمْلِكُ وَلَا غَيْرُهَا مِنَ الْعَبِيدِ فَإِنْ مَلَكُوا: فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا الْقَوْلِ إِنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ وَإِنْ مَلَكَتْ كَانَ حُكْمُ الْعَبْدِ إِذَا قُتِلَ كَحُكْمِهِ فِيمَا مَضَى يَكُونُ السَّيِّدُ هُوَ الْمُقَسِمَ فِي قَتْلِهِ دُونَهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ إِنَّهَا تَمْلِكُ إِذَا مَلَكَتْ فَهَلْ تَسْتَحِقُّ الْقَسَامَةَ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا هِيَ الْمُقْسِمَةُ دُونَ السَّيِّدِ لِاخْتِصَاصِهَا بِمِلْكِهِ فَعَلَى هَذَا تَصِيرُ مَالِكَةً لِلْقِيمَةِ بِالتَّمْلِيكِ الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْمُقْسِمُ دُونَهَا وَلِأَنَّ مِلْكَهَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لِمَا يستحقه

السَّيِّدُ مِنِ اسْتِرْجَاعِهِ إِذَا شَاءَ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا أَقْسَمَ السَّيِّدُ لَمْ تَمْلِكْ أُمُّ الْوَلَدِ الْقِيمَةَ إِلَّا بِتَمْلِيكٍ مُسْتَجَدٍّ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ قَدِ اسْتَفَادَهُ السَّيِّدُ بِأَيْمَانِهِ وَهَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْعَبِيدِ إِذَا مَلَكُوا وَإِنَّمَا تُفَارِقُهُمْ أَمُّ الْوَلَدِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إِنَّ السَّيِّدَ إِذَا مَاتَ عَنْ عَبْدِهِ وَقَدْ مَلَّكَهُ مَالًا كَانَ لِوَارِثِهِ انْتِزَاعُهُ مِنْ يَدِهِ لِبَقَائِهِ عَلَى رِقِّهِ وَإِذَا مَاتَ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ وَقَدْ مَلَّكَهَا مَالًا لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا بِعِتْقِهَا وَفِي حُكْمِهَا لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ بَعْدَ التَّمْلِيكِ لَمْ يَسْتَرْجِعْهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ وَلَوْ بَاعَهُ لِبَقَائِهِ عَلَى الرِّقِّ إِذَا بِيعَ وَاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ بِالْحُرِّيَّةِ إِذَا أُعْتِقَ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ إِنَّهُمْ يَمْلِكُونَ إِذَا مُلِّكُوا، فَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ فَلَا يَمْلِكُونَ بِحَالٍ مَعَ بَقَاءِ الرِّقِّ.

(مَسْأَلَةٌ)

إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ قَتْلًا عَلَى رَجُلٍ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِصِفَةِ الْقَتْلِ فَلَا يخلو من أربعة أحوال: أحدهما: أَنْ يَدَّعِيَ الْعَمْدَ الْمَحْضَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ شِبْهَ الْعَمْدِ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَدَّعِيَ الْخَطَأَ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَدَّعِيَ الْقَتْلَ وَلَا يَذْكُرَ عَمْدًا وَلَا خَطَأً لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَالَهُ فَإِنْ قَالَ هو عمد يؤخذ بصفته فلا يخلوا من أربعة أحوال: أحدهما: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يَضْمَنُ فَلَا يُقْسِمُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَصِفَهُ بِصِفَةِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ فَيُقْسِمُ عَلَيْهَا الْمُنْكِرُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَصِفَهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ فَلَهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الصِّفَةِ بِأَنْ يَقُولَ ضَرَبَهُ بِعَصًا فَمَاتَ، قَالَ: يُقْسِمُ وَعِنْدِي إِنَّهُ يَحْتَمِلُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَصِفَهُ بِالْخَطَأِ الْمَحْضِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَى قَوْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ وَإِذَا ادَّعَى شِبْهَ الْعَمْدِ فَإِنَّهُ يَصِفُهُ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أربعة أحوال: أحدهما: إِنَّهُ يَصِفُهُ بِمَا لَا يَضْمَنُ فَلَا يُقْسِمُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَصِفَهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ فَيُقْسِمُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَصِفَهُ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ فَيُقْسِمُ عَلَى الدَّعْوَى وَعِنْدِي إِنَّهُ لَا يُقْسِمُ.
وَالرَّابِعُ: يَصِفُهُ بِالْخَطَأِ الْمَحْضِ فَيُقْسِمُ عَلَى الصِّفَةِ وَإِذَا ادَّعَى مَحْضًا فَهَلْ يُؤْخَذُ بِالصِّفَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَإِذَا قُلْنَا: يُؤْخَذُ بِالصِّفَةِ فَإِنْ وَصَفَهُ بِمَا لا يضمن، سقط.
وإن وصف بِالْخَطَأِ الْمَحْضِ يُقْسِمْ، وَإِنْ وَصَفَهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ يُقْسِمْ عَلَى الدَّعْوَى دُونَ الصِّفَةِ وَإِنْ وَصَفَهُ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الدَّعْوَى أَقْسَمَ عَلَى الدَّعْوَى وَإِنْ

رَجَعَ عَنِ الدَّعْوَى إِلَى الصِّفَةِ فَلَا يُقْسِمْ وَإِنْ جَهِلَ صِفَةَ الْقَتْلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْلِفُ لِلْجَهْلِ بِمُوجِبِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - هُوَ قَوْلٌ يُذْكَرُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ - إِنَّهُ يُقْسِمُ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِصِفَةِ الْقَتْلِ لَيْسَ جَهْلًا بِمُوجِبِهِ فَإِذَا أَقْسَمَ يُحْبَسُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِينَ فَإِنْ تَطَاوَلَ زَمَانُهُ أُحْلِفَ أَنَّهُ مَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَلَزِمَ الدِّيَةَ مِنَ الْخَطَأِ مِنْ مَالِهِ مُؤَجَّلَةً وَفِي تَغْلِيظِهَا بِالْعَمْدِ وَجْهَانِ.

(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ جُرِحَ رَجُلٌ فَمَاتَ أُبْطِلَتِ الْقَسَامَةُ لِأَنَّ مَالَهُ فَيْءٌ وَلَوْ كَانَ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ كانت فيه القسامة للوارث) . قال الماوردي: وَلَوْ كَانَ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ كَانَتْ فِيهِ القسامة للوارث، إِذَا ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ وَمَعَهُ لَوْثٌ ثُمَّ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَلَا قَسَامَةَ لِوَارِثِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ مَالَهُ قَدْ صَارَ فَيْئًا لَا يُورَثُ عَنْهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْسِمَ مَنْ لَا يَرِثُ.
وَالثَّانِي: إِنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ فِي الرِّدَّةِ لَا تُوجِبُ ضَمَانَ النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ لَا قَسَامَةَ فِيهِ.
فَأَمَّا إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ رِدَّتِهِ فَالْحُكْمُ فِي الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْجُرْحِ سِرَايَةٌ فِي الرِّدَّةِ فَالدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَفِي سُقُوطِ الْقَوَدِ قَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ لَهُ سِرَايَةٌ فِي الرِّدَّةِ سَقَطَ الْقَوَدُ وَفِي كَمَالِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
وَالثَّانِي: نَصِفُهَا.
وَمَالُهُ مَوْرُوثٌ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرِّدَّةِ سِرَايَةٌ وَفِي قَسَامَتِهِمْ إِذَا سَرَتْ فِي الرِّدَّةِ.
وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُمُ الْقَسَامَةُ وَإِنْ مَلَكُوا بِهَا بَعْضَ الدِّيَةِ لِأَنَّهَا دِيَةُ نَفْسٍ وَإِنْ لَمْ تَكْتَمِلْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا قَسَامَةَ لَهُمْ لِذَهَابِ اللَّوْثِ بِالسِّرَايَةِ فِي الرِّدَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ جُرِحَ وَهُوَ عَبْدٌ فَعُتِقَ ثُمَّ مَاتَ حُرًّا وَجَبَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ لِوَرَثَتِهِ الْأَحْرَارِ وَلِسَيِّدَةِ الْمُعْتِقِ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ فِي جِرَاحِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ مَعَ لَوْثٍ ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ مِنَ الْجِنَايَةِ حُرًّا فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا لِأَنَّ فِي الْيَدِ نِصْفَ الْقِيمَةِ أَوْ جَمِيعَ دِيَتِهِ حُرًّا لِأَنَّهَا قَدْ سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ بَعْدَ حُرِّيَّتِهِ.
فَإِنْ كَانَتِ الدِّيَةُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ اسْتَحَقَّهَا السَّيِّدُ وَحْدَهُ وَكَانَ هُوَ الْمُقْسِمَ دُونَ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَتْ نِصْفُ الْقِيمَةِ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ اسْتَحَقَّهَا السَّيِّدُ وَكَانَ بَاقِي الدِّيَةِ لِوَرَثَةِ الْعَبْدِ فَيَشْتَرِكُ السَّيِّدُ وَالْوَرَثَةُ فِي الْقَسَامَةِ، لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الدِّيَةِ وَلَا تُجْزِئُ قسامة

أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْلِكُ بِيَمِينِ غَيْرِهِ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُقْسِمَ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِحَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ، إِلَّا بَعْدَ خَمْسِينَ يَمِينًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُقْسِمُ وَهُوَ يَأْخُذُ دِيَةَ طَرَفٍ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْأَطْرَافِ، قِيلَ قَدْ صَارَ الطَّرَفُ بِالسِّرَايَةِ نَفْسًا فَصَارَ مُشَارِكًا فِي دِيَةِ النَّفْسَ وَإِنْ تَقَدَّرَ حَقُّهُ بِأَرْشِ الطَّرَفِ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقْسِمَ.
فَإِنْ أَجَابَ الْوَارِثُ إِلَى الْقَسَامَةِ فَفِي قَدْرِ مَا يُقْسِمُ بِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: خَمْسُونَ يَمِينًا.
وَالثَّانِي: يُقْسِمُ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ نِصْفُهَا حَلَفَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَإِنْ كَانَ لَهُ ثُلُثُهَا حلف سبعة عشرة يميناً.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ فِي دُونِ النَفْسِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَسَامَةٌ سَوَاءٌ كَانَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَاللِّسَانِ وَالذَّكَرِ أَوْ كَانَ دُونَهَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِتَغْلِيظِ حُرْمَةِ النَّفْسِ عَلَى مَا دُونَهَا وَلِذَلِكَ تَغَلَّظَتْ بِالْكَفَّارَةِ فَتَغَلَّظَتْ بِالْقَسَامَةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْقَسَامَةَ وَجَبَتْ لِلْوَرَثَةِ لِقُصُورِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَاتِلِ وَتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِمْ فَحُكِمَ لَهُمْ بِالْقَسَامَةِ مَعَ اللَّوْثِ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَعَرِفُ الْمَجْنِي عَلَيْهِ مَنْ جَنَى عَلَيْهِ وَيَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَلَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْقَسَامَةِ لِاسْتِغْنَائِهِ فِي الْغَالِبِ عَنْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ لَمْ يُقْسِمِ الْوَلِيُّ حَتَّى ارْتَدَّ فَأَقْسَمَ وُقِفَتِ الدِّيَةُ فَإِنْ رَجَعَ أَخَذَهَا وَإِنْ قُتِلَ كَانَتْ فَيْئًا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَإِذَا ارْتَدَّ الْوَلِيُّ فِي الْقَسَامَةِ لَمْ تَخْلُ رِدَّتُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ قَبْلَ مَوْتِ الْقَتِيلِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ وَلَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يقسم؛ لأن ردته بعد م وته تَمْنَعُهُ مِنَ الْمِيرَاثِ وَلَا يَصِيرُ وَارِثًا بِإِسْلَامِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا تَصِحُّ الْقَسَامَةُ إِلَّا مِنْ وارث فإن لم يكن للمقتول وارثاً سِوَاهُ فَلَا قَسَامَةَ وَيَصِيرُ دَمُهُ هَدَرًا.
وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ قَامَ مَقَامَهُ وَأَقْسَمَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَرْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِ الْقَتِيلِ وَبَعْدَ قَسَامَتِهِ فَقَدْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ بِقَسَامَتِهِ وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ حَالِ رِدَّتِهِ فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ دُفِعَتْ إِلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ كَانَتِ الدِّيَةُ مَعَ جَمِيعِ مَالِهِ فَيْئًا فِي بَيْتِ الْمَالِ.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْقَتِيلِ وَقَبْلَ قَسَامَتِهِ فَيَمْنَعُهُ الْحَاكِمُ مِنَ الْقَسَامَةِ فِي زَمَانِ رِدَّتِهِ لِأَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ، وَهُوَ مَعَ ظُهُورِ الرِّدَّةِ غَيْرُ مُنْزَجِرٍ وَيَكُونُ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا عَلَى عُقْبَى رِدَّتِهِ فَإِنْ أَسْلَمَ مِنْهَا أَقْسَمَ وَقُضِيَ لَهُ بِدِيَةٍ.
وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا سَقَطَتِ الْقَسَامَةُ وَصَارَ الدَّمُ هَدَرًا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَتِيلِ وَارِثٌ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ مَالَهُ يَصِيرُ لِبَيْتِ الْمَالِ إِرْثًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَتَعَيَّنُ فِي الْقَسَامَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقْسِمَ جَمِيعُهُمْ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْسِمَ عَنْهُمْ فَلِذَلِكَ صَارَ الدَّمُ هَدَرًا.
فَلَوْ أَقْسَمَ فِي زَمَانِ رِدَّتِهِ وَاسْتَوْفَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِ أَيْمَانَ قَسَامَتِهِ صَحَّتِ الْقَسَامَةُ إِذَا قِيلَ إِنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ فَفِي صِحَّةِ قَسَامَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْقَسَامَةُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِهَا الدِّيَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ مِنْهُ الْقَسَامَةُ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُمْنَعُ مِنِ اكْتِسَابِ الْمَالِ وَهَذَا مِنِ اكْتِسَابِهِ وإن زال مِلْكَهُ عَنْ أَمْلَاكِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قِيلَ بِصِحَّةِ (قَسَامَتِهِ) كَانَتِ الدِّيَةُ مَوْقُوفَةً إِلَى مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ حَالُهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ مَلَكَهَا وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ كَانَتْ فَيْئًا وَإِنْ قِيلَ بِبُطْلَانِ قَسَامَتِهِ وَقَفَ أَمْرُهُ: فَإِنْ أَسْلَمَ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ، وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ صَارَ الدَّمُ هَدَرًا وَاللَّهُ أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْأَيْمَانُ فِي الدِّمَاءِ مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي الْحُقُوقِ وهي في جميع الحقوق يمين يمين وفي الدماء خمسون يميناً وقال في كتاب العمد ولو ادعى أنه قتل أباه عمداً بل خطأ فالدية عليه في ثلاث سنين بعد أن يحلف ما قتله إلا خطأ فإن نكل حلف المدعي لقتله عمداً وكان له القود (قال المزني) هذا القياس على أقاويله في الطلاق والعتاق وغيرهما في النكول ورد اليمين) . قال الماوردي: الدعاوى ضربان في دم وغير دم، فَأَمَّا الدَّعَاوَى فِي غَيْرِ الدِّمَاءِ فَلَا تُغَلَّظُ بِغَيْرِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَلَا يُبْدَأُ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَلَا تُكَرَّرُ فِيهَا الْأَيْمَانُ وَلَا يُسْتَحَقُّ فِيهَا إِلَّا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الدَّعْوَى لَوْثٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، لِقُصُورِ مَا سِوَى الدِّمَاءِ عَنْ تَغْلِيظِ الدِّمَاءِ.
وَأَمَّا الدَّعَاوَى فِي الدِّمَاءِ، فَضَرْبَانِ: فِي نَفْسٍ، وَطَرَفٍ، فَأَمَّا فِي النُّفُوسِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتَرِنَ بِالدَّعْوَى لَوْثٌ فَتُغَلَّظُ بِالْقَسَامَةِ فِي حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِي وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا يُسْتَوْفَى فيه حكم كل مِمَّنْ كَمَلَتْ لَهُ دِيَتُهُ أَوْ نَقَصَتْ.

وَالثَّانِي: تَغْلِيظُ الْأَيْمَانِ بِخَمْسِينَ يَمِينًا وَهَذَا مُعْتَبَرٌ بحال الْمَقْتُولِ فَإِنْ كَمَلَتْ فِيهِ الدِّيَةُ بِأَنْ كَانَ رَجُلًا حُرًّا مُسَلِمًا كَمَلَ فِيهِ تَغْلِيظُ الْأَيْمَانِ بِخَمْسِينَ يَمِينًا.
وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الدِّيَةُ، بِأَنْ كَانَ امْرَأَةً وَجَبَتْ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وكان ذِمِّيًّا وَجَبَ فِيهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ الْأَيْمَانُ عَلَى كَمَالِ الدِّيَةِ فَتُغَلَّظُ فِي قَتْلِ الْمَرْأَةِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَفِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ بِسَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا لِيَقَعَ الْفَرْقُ فِي التَّغْلِيظِ بَيْنَ حُكْمِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ اعْتِبَارًا بِالدِّيَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ إِنَّهَا تُغَلَّظُ فِي كُلِّ قَتِيلٍ بِخَمْسِينَ يَمِينًا مِمَّنْ قَلَّتْ دِيَتُهُ وَكَثُرَتْ، حَتَّى فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى التَّغْلِيظُ بِالْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ جَمِيعِهِمْ كَذَلِكَ فِي التَّغْلِيظِ بِأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا حَلَفَ جَمِيعَهَا وَوَالَى بَيْنَهَا وَلَمْ يُفَرِّقْهَا، لِأَنَّهَا فِي الْمُوَالَاةِ أَغْلَظُ وَأَزْجَرُ فَإِنْ حَلَفَ أَكْثَرَهَا وَنَكَلَ عَنْ أَقَلِّهَا وَلَوْ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَيْمَانِهِ شَيْئًا مِنَ الدِّيَةِ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِجَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَفِي أَيْمَانِهِمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا يَسْتَوِي فِيهَا مَنْ قَلَّ سَهْمُهُ فِي الدِّيَةِ وَكَثُرَ؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَيْمَانِ مَوْضُوعٌ لِلتَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ، وَلَيْسَ يُزْجَرُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِلَّا بِأَيْمَانِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَوْفَى حَقُّهُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَقْسَمُوا جَمِيعًا، قُضِيَ لَهُمْ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ وَاقْتَسَمُوا عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، فَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ وَنَكَلَ الْبَعْضُ قُضِيَ لِلْحَالِفِ بِحَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ دُونَ النَّاكِلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنَّ الْأَيْمَانَ مَقْسُومَةٌ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ بِجَبْرِ الْكَسْرِ.
فَإِنْ كَانُوا زَوْجَةً وَابْنًا وَبِنْتًا حَلَفَتِ الزَّوْجَةُ سَبْعَةَ أَيْمَانٍ وَالِابْنُ ثَلَاثِينَ يَمِينًا وَالْبِنْتُ خَمْسَ عَشْرَةَ يَمِينًا ثُمَّ عَلَى قِيَاسِهِ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ يَخْتَصُّ بِالدَّعْوَى وَهُمْ فِيهَا مُشْتَرِكُونَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا فِي تَغْلِيظِ أَيْمَانِهَا مُشْتَرِكِينَ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ حَلَفُوا قُضِيَ لَهُمْ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُحْكَمْ لِلْحَالِفِ بِحَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ طَالَبَ النَّاكِلُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ وَإِنِ اسْتَوْفَى الْحَاكِمُ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ، حَتَّى يَحْلِفَ عَدَدَ أَيْمَانِهِ الَّتِي تَلْزَمُهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ.
فَإِنْ نَكَلَ جَمِيعُهُمْ عَنِ الْأَيْمَانِ، رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا، لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَمَّا غَلُظَتْ فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعِي، وَجَبَ أَنْ تُغَلَّظَ فِي نَقْلِهَا إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِتَتَكَافَأَ الْجَنَبَتَانِ فِي التَّغْلِيظِ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ جَمَاعَةً فَفِي أَيْمَانِهِمْ قَوْلَانِ:

أحدهما: وهو الأصح هاهنا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَالْأَصَحُّ فِي الْمُدَّعِينَ أَنْ تُقَسَّطَ بَيْنَهُمْ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، كَالْمُنْفَرِدِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ وَالْتِزَامِ الْكَفَّارَةِ، فَكَانَ كَالتَّفَرُّدِ فِي عَدَدِ الْأَيْمَانِ، وَخَالَفَ الْمُدَّعِينَ لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْجَمَاعَةِ لَا يُسَاوِي الْمُنْفَرِدَ فِيهَا فَافْتَرَقَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْأَيْمَانَ مُقَسَّطَةٌ بَيْنَهُمْ عَلَى أَعْدَادِهِمْ يجبر الْكَسْرِ يَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ بِخِلَافِ أَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، لِأَنَّ الْمُدَّعِينَ يَتَفَاضَلُونَ فِي مِيرَاثِ الدِّيَةِ فيفاضلوا فِي الْأَيْمَانِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ يَسْتَوُونَ فِي الْتِزَامِ الدية فيساووا فِي الْأَيْمَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ حَلَفُوا برئوا مِنَ الْقَتْلِ فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا حَلَفُوا غَرِمُوا الدِّيَةَ، احْتِجَاجًا بِرِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ جَدَّهُ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: أَخِي قُتِلَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا، فَقَالَ: مَا لِي من أخي غَيْرِ هَذَا قَالَ: نَعَمْ وَلَكَ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْأَيْمَانِ وَالدِّيَةِ.
وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. أَحْلَفَهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَرَفْنَا قَاتِلَهُ وَأَغْرَمَهُمُ الدِّيَةَ.
قَالَ: وَلِأَنَّ حُكْمُ الْقَسَامَةَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الدَّعَاوَى فَصَارَتِ الْأَيْمَانُ فِي الْقَسَامَةِ مَوْضُوعَةً لِلْإِيجَابِ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الدَّعَاوَى مَوْضُوعَةً لِلْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْأَنْصَارِ فَيُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا فَاقْتَضَى أَنْ يبرأوا بِأَيْمَانِهِمْ؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُوجِبُ تَحْقِيقَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَإِثْبَاتَ حُكْمِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ يَمِينُهُ مَوْضُوعَةً لِنَفْيِ الْقَتْلِ، وَجَبَ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ حُكْمُ الْقَتْلِ كَمَا كَانَتْ يَمِينُهُ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى مَوْضُوعَةً لِنَفْيِ الدَّعْوَى فَسَقَطَ عَنْهُ حُكْمُهَا وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ وَالْأَثَرِ.

(فَصْلٌ)

وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ عَنِ الْأَيْمَانِ أُغْرِمُوا الدِّيَةَ وَلَمْ يُحْبَسُوا.
وقال: أبو حنيفة يحبسون حتى يلحفوا ثم يغرمون اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْأَيْمَانَ فِي الْقَسَامَةِ هِيَ نَفْسُ الْحَقِّ فَوَجَبَ أَنْ يُحْبَسُوا عَلَيْهِ كَمَا يُحْبَسُونَ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْأَيْمَانَ فِي الشَّرْعِ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ، حَتَّى لَا يُقْدِمَ عَلَى كَذِبٍ فِي دَعْوَى وَلَا إِنْكَارٍ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا فَقَدِ انْزَجَرَ بِهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْبَسَ عَلَيْهَا لِيُكْرَهَ عَلَى أَيْمَانٍ رُبَّمَا اعْتَقَدَ كَذِبَهُ فِيهَا، فَيَصِيرُ مَحْمُولًا عَلَى الْكَذِبِ وَالْحِنْثِ.

وَالثَّانِي: إِنَّ نُكُولَهُ فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ لَمَّا لم يوجب حبسه.
لنفس الْإِجْبَارِ عَنِ الْأَيْمَانِ، فَنُكُولُهُ فِي الْقَسَامَةِ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَيْمَانَ فِيهَا أَكْثَرُ وَالتَّغْلِيظُ فِيهَا أَشَدُّ وقوله: " إن الأيمان هي نفس الحق) فليس صحيح لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَإِسْقَاطِ الدَّعَاوَى وَلَوْ كَانَتْ نَفْسَ الْحَقِّ لَمَا جَازَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمُ الدِّيَةَ إِذَا اعْتَرَفُوا وَحُكْمُهُمْ فِي الِاعْتِرَافِ أَغْلَظُ مِنَ الْجُحُودِ.

(فَصْلٌ)

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الدَّعْوَى لَوْثٌ فَتَسْقُطُ لِعَدَمِ اللَّوْثِ الْبِدَايَةُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي لِضَعْفِ سَبَبِهِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَفِي تَغْلِيظِهَا بِالْعَدَدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ إِنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ ويستحق فيها بيمين واحدة يحلف به المدعى عليه على انكاره؛ لأن لما سقط لعدم اللوث تغليظ الْقَسَامَةُ فِي الِابْتِدَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي سَقَطَ تَغْلِيظُهَا بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ جَمْعًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الدَّعَاوَى فِي الْأَمْرَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا، تَغْلِيظًا لِحُرْمَةِ النَّفْسِ، كَمَا تُغَلَّظُ بِالْكَفَّارَةِ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِالْقَسَامَةِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاحِدًا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْخَمْسِينَ مُقَسَّطَةٌ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ الرُّؤُوسِ.
فَإِنْ كَانُوا خَمْسَةً حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ أَيْمَانٍ، وَإِنْ كَانُوا عَشَرَةً حَلَفَ كُلُّ واحد منهم خمسة أيمان، فإن حلفوا برئوا وَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعِي وَهَلْ تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
أَحَدُهُمَا: لَا تُغَلَّظُ وَيَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً.
وَيَسْتَحِقُّ دَمَ صَاحِبِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
وَالثَّانِي: تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا حَلَفَ جَمِيعَهَا وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا تُقَسَّطُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ بِجَبْرِ الْكَسْرِ.
فَإِذَا حَلَفُوا حُكِمَ لَهُمْ بِدَمِ صَاحِبِهِمْ، وَاسْتَحَقُّوا الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ أَيْمَانَهُمْ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَجْرِي مَجْرَى إِقْرَارِهِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَمَجْرَى الْبَيِّنَةِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي.

وَالْقَوَدُ مُسْتَحَقٌّ بِالْإِقْرَارِ وَمُسْتَحَقٌّ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْأَيْمَانِ عِنْدَ رَدِّهَا عَلَيْهِ بَرِئَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِنْكَارِهِ الْمُتَقَدِّمِ.

(فَصْلٌ)

وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى الدَّمِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا اللَّوْثُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، مِنْ تَغْلِيظِ النَّفْسِ عَلَى مَا دُونَهَا، فَيَسْقُطُ الِابْتِدَاءُ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ وَتَغْلِيظُهَا بِالْعَدَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَغْلِيظِهَا فِي دَعْوَى النَّفْسِ عِنْدَ عَدَمِ اللَّوْثِ فَإِنْ قِيلَ: لَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ فِي النَّفْسِ إِذَا عُدِمَ اللَّوْثُ فَأَوْلَى أَلَّا تُغَلَّظَ بِالْعَدَدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَغْلَظُ وَإِنْ قِيلَ بِتَغْلِيظِهَا فِي النَّفْسِ عِنْدَ عَدَمِ اللَّوْثِ فَفِي تَغْلِيظِهَا بِالْعَدَدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ وَإِنْ غُلِّظَتْ بِهِ فِي النَّفْسِ لِاخْتِصَاصِ النَّفْسِ بِعَظَمِ الْحُرْمَةِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً سَوَاءٌ كَانَتِ الدَّعْوَى فِيمَا تَكْمُلُ فِيهِ الدِّيَةُ كَالْيَدَيْنِ أَوْ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ بَعْضُهَا كَالْمُوضِحَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تُغَلَّظُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالْعَدَدِ، كَمَا تُغَلَّظُ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى حُكْمُ النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ تَغْلِيظًا لِحُكْمِ الدِّمَاءِ اسْتَوَيَا فِي التَّغْلِيظِ بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ - فَعَلَى هَذَا لَا يَخْلُو حَالُ الدَّعْوَى فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكْمُلَ فِيهَا الدِّيَةُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ كَقَطْعِ الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ جَبِّ الذَّكَرِ أَوْ قَطْعِ اللِّسَانِ فَتُغَلَّظُ الْأَيْمَانُ فِيهِ بِخَمْسِينَ يَمِينًا لِأَنَّهُ لَمَّا سَاوَى النَّفْسَ فِي الدِّيَةِ سَاوَاهَا فِي عَدَدِ الْأَيْمَانِ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاحِدًا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَالثَّانِي: إِنَّهَا مُقَسَّطَةٌ بَيْنَهُمْ عَلَى أَعْدَادِهِمْ.
فَإِنْ كَانُوا خَمْسَةً حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ أَيْمَانٍ، فَيَصِيرُ فِيمَا يَحْلِفُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: خَمْسُونَ يَمِينًا.
وَالثَّانِي: عَشَرَةُ أَيْمَانٍ.
وَالثَّالِثُ: يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.

(فَصْلٌ)

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَحِقَّ بِالدَّعْوَى بَعْضَ الدِّيَةِ.
كَإِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ كَالْمُوضِحَةِ فَفِيمَا تُغَلَّظُ مِنَ الْعَدَدِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: تُغَلَّظُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا فِيمَا قَلَّ مَنِ الدِّيَةِ وَكَثُرَ اعْتِبَارًا بِحُرْمَةِ الدَّمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تُقَسَّطُ الْأَيْمَانُ عَلَى الدِّيَةِ وَتُغَلَّظُ فِيمَا دُونَهَا بِقَسْطِهَا مِنْ كَمَالِ الدِّيَةِ، فَإِنْ أَوْجَبَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ، كَإِحْدَى الْيَدَيْنِ غُلِّظَتْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَإِنْ أَوْجَبَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ كَالْجَائِفَةِ غُلِّظَتْ بِسَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا.
وَإِنْ أَوْجَبَتْ عُشْرَ الدِّيَةِ كَالْإِصْبَعِ غُلِّظَتْ بِخَمْسَةِ أَيْمَانٍ.
وَإِنْ أَوْجَبَتْ نِصْفَ عُشْرِهَا كَالْمُوضِحَةِ غُلِّظَتْ بِثَلَاثَةِ أَيْمَانٍ: فَعَلَى هَذَا إِنْ كان المدعى عليه واحد حَلَفَ هَذِهِ الْأَيْمَانَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ فِيهَا وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَيْمَانِ الْمُخْتَلَفِ فِي عَدَدِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقَسَّطُ عَدَدُ الْأَيْمَانِ بَيْنَهُمْ عَلَى أَعْدَادِ رُؤُوسِهِمْ فَيَجِيءُ فِيمَا يَحْلِفُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا كَانُوا خَمْسَةً وَكَانَتِ الدَّعْوَى فِي قَطْعِ أَحَدِ الْيَدَيْنِ خَمْسَةَ أقاويل: أحدهما: يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَالثَّانِي: يَحْلِفُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا.
وَالثَّالِثُ: عَشَرَةَ أَيْمَانٍ.
وَالرَّابِعُ: خَمْسَةَ أَيْمَانٍ.
وَالْخَامِسُ: يَمِينًا وَاحِدَةً، فَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْأَيْمَانِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي وَكَانَ حُكْمُهُ فِي تَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ بِالْعَدَدِ مِثْلَ حُكْمِهِمْ عَلَى مَا رَتَّبْنَاهُ مِنَ الْأَقَاوِيلِ وَشَرَحْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَحِقَّ بِالدَّعْوَى أَكْثَرَ مِنَ الدِّيَةِ مِثْلَ قَطْعِ الْيَدَيْنِ مَعَ الرِّجْلَيْنِ، أَوْ جَدْعِ الْأَنْفِ مَعَ اللِّسَانِ، فَتَشْتَمِلُ الدَّعْوَى عَلَى دِيَتَيْنِ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ فِي الدِّيَةِ وَمَا دُونَهَا لَمْ تُغَلَّظْ بِالْعَدَدِ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَاقْتُصِرَ فِيهَا عَلَى يَمِينٍ وَاحِدَةٍ وَإِنِ اشْتَمَلَتْ عَلَى دِيَتَيْنِ.
وَإِنْ قِيلَ إِنِ الْأَيْمَانَ تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ فِي الدِّيَةِ وَمَا دُونَهَا.
فَأَوْلَى أَنْ تُغَلَّظَ بِالْعَدَدِ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَهَلْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَى الدِّيَةِ مُوجِبَةً لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ فِي الْأَيْمَانِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُوجِبُهَا لِأَنَّ الْخَمْسِينَ غَايَةُ الْعَدَدِ فِي التَّغْلِيظِ فَلَمْ يَحْتَجِ التَّغْلِيظُ إِلَى تَغْلِيظٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الْخَمْسِينَ تَغْلِيظٌ مُقَدَّرٌ فِي دِيَةِ النَّفْسِ فَصَارَ غَايَةً فيها فلم يصير غَايَةً فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا.
فَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْجَبَتِ الدَّعْوَى دِيَتَيْنِ تَغَلَّظَتِ الْأَيْمَانُ بِمِائَةِ يَمِينٍ، وإن أوجبت دية

ونصف تَغَلَّظَتْ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ يَمِينًا، وَإِنْ أَوْجَبَتْ دِيَةً وثلث تَغَلَّظَتْ بِسَبْعَةٍ وَسِتِّينَ يَمِينًا.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ عَلَى وَاحِدٍ حَلَفَ بِجَمِيعِهَا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ فَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَهَا.
وَالثَّانِي: تُقَسَّطُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَعْدَادِهِمْ، فَيَجِيءُ فِيمَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا كَانُوا خَمْسَةً وَالدَّعْوَى فِيمَا يُوجِبُ دِيَتَيْنِ خَمْسَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: مِائَةُ يَمِينٍ.
وَالثَّانِي: خَمْسُونَ يَمِينًا.
وَالثَّالِثُ: عشرون يميناً.
والرابع: عشرة أَيْمَانٍ.
وَالْخَامِسُ: يَمِينًا وَاحِدَةً.
فَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْأَيْمَانِ وَرُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي كَانَ حُكْمُهُ فِي تَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ بِالْعَدَدِ مِثْلَ حُكْمِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَسَوَاءٌ فِي النُّكُولِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ مِنْهَا فِي مَالِهِ مَا يَلْزَمُ غير المحجور والجناية خلاف البيع والشراء فإن قال قائل كيف يحلفون على ما لا يعلمون قيل فأنتم تقولون لو أن ابن عشرين سنة رؤي بالمشرق اشترى عبداً ابن مائة سنة رؤي بالمغرب فباعه من ساعته فأصاب به المشتري عيباً أن البائع يحلف على البت لقد باعه إياه وما به هذا العيب ولا علم له به والذي قلنا قد يصح علمه بما وصفنا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْحَجْرُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ كَالْجُنُونِ وَالصِّغَرِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى مِنْهُ وَعَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ فِي مَالٍ وَلَا بَدَنٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَ ثُبُوتِ الْقَلَمِ عَلَيْهِ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَقَدْ ثَبَتَ الْحَجْرُ فِيهِ بِأَحَدِ خَمْسَةِ أَسْبَابٍ: السَّفَهُ وَالْفَلَسُ وَالْمَرَضُ وَالرِّقُّ وَالرِّدَّةُ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحَجْرِ بِالسَّفَهِ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ لَهُ مَوَاضِعُ قَدْ مَضَى بَعْضُهَا وَيَأْتِي بَاقِيهَا وإذا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا، أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، وَكَانَ فيها الرشيد، وَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ إِمَّا ابْتِدَاءً فِي الْقَسَامَةِ أَوِ انْتِهَاءً فِي الرَّدِّ بَعْدَ النُّكُولِ حَلَفَ فِيهَا، وَحُكِمَ لَهُ بِمُوجِبِهَا

كَالرَّشِيدِ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حِفْظٌ لِمَالِهِ وَالْحَجْرُ يَمْنَعُهُ مِنْ إِتْلَافِهِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ سُمِعَتِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُنْكِرُهَا فَيَسْتَحْلِفُ عَلَيْهَا أَوْ تَشْهَدُ بِهَا بَيِّنَةٌ فَيَكُونُ لَهَا حُكْمٌ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَخْلُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ.
فَإِنْ كَانَتْ فِي دَمٍ لَمْ تَخْلُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِلْقَسَامَةِ، أَوْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لَهَا، فَإِنْ أَوْجَبَتِ الْقَسَامَةَ لِوُجُودِ اللَّوْثِ فِي قَتْلِ نَفْسٍ، فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، كَمَا يُقْسِمُ عَلَى الرَّشِيدِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِمُوجِبِ أَيْمَانِهِ إِذَا حَلَفَ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْأَيْمَانِ رُدَّتْ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى وَكَانَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ كَالرَّشِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى الدَّمِ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلْقَسَامَةِ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِي عَمْدٍ يُوجِبُ الْقَوَدَ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا صَحَّ إِقْرَارُهُ كَمَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْعَبْدِ بِهَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ فَإِنَّ عُفِيَ عَنِ الْقَوَدِ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَأُخِذَتْ مِنْهُ مَعَ بَقَاءِ حَجْرِهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي وَحُكِمَ لَهُ بِدَعْوَاهُ إِذَا حَلَفَ وَخُيِّرَ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي خَطَأٍ يُوجِبُ الْمَالَ دُونَ القود فتسمع الدعوى عليه فإن أقر بها فَفِي صِحَّةِ إِقْرَارِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَالْمَالِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ يَصِحُّ لِتَغْلِيظِ حُرْمَةِ الدِّمَاءِ وَالنُّفُوسِ، كَالْعَمْدِ فَإِنْ أَبْطَلَ إِقْرَارَهُ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَا عَاقِلَتَهُ وَإِنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ بِهَا لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ عَلَيْهَا فَيَتَحَمَّلُونَهَا عَنْهُ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الدَّعْوَى، أُحْلِفَ عَلَيْهَا فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ فَإِنْ قُلْنَا إِنَّ إِقْرَارَهُ يَصِحُّ رُدَّتِ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي وَحُكِمَ لَهُ إِذَا نَكَلَ، وَهَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي يَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَلْ تَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ أَوْ مَقَامَ الْإِقْرَارِ فَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ تَحَمَّلَتِ الْعَاقِلَةُ الدِّيَةَ كَمَا تَتَحَمَّلُهَا بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْإِقْرَارِ لَمْ تَتَحَمَّلْهَا الْعَاقِلَةُ كَمَا لَا تَتَحَمَّلُهَا بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ قُلْنَا إِنْ إِقْرَارَ السَّفِيهِ بِهَا بَاطِلٌ فَفِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِ السَّفِيهِ عَنْهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تُرَدُّ عَلَيْهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ يَمِينَهُ كَالْبَيِّنَةِ.
وَالثَّانِي: لَا تُرَدُّ إِذَا قِيلَ إِنَّ يَمِينَهُ كَالْإِقْرَارِ.

(فَصْلٌ)

وَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى فِي مَالٍ مَحْضٍ سُمِعَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ أَنْكَرَهَا حَلَفَ وَبَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا كَانَ فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إِقْرَارُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنِ اسْتِهْلَاكِ مَالِهِ الَّذِي هُوَ مَتْهُومٌ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا؟ مُعْتَبَرًا بِالْمَالِ فَإِنْ كَانَ عَنْ

إِتْلَافٍ، وَاسْتِهْلَاكٍ، إِمَّا لِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ، لَزِمَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ مَا كَانَ حَجْرُهُ بَاقِيًا فَإِذَا فُكَّ حَجْرُهُ غَرِمَهُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ مُعَامَلَةٍ وَمُرَاضَاةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
كَمَا يَلْزَمُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَلَا يَلْزَمُهُ غُرْمُهُ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَالْجِنَايَةُ خِلَافُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ دُيُونَ الْمُرَاضَاةِ كَانَتْ بِاخْتِيَارِ صَاحِبِهَا فَصَارَ هُوَ الْمُسْتَهْلِكَ لَهَا بِإِعْطَائِهِ إِيَّاهَا وَدُيُونَ الْجِنَايَاتِ وَالِاسْتِهْلَاكِ عَنِ الْمُرَاضَاةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ صَاحِبِهَا مَا يُوجِبُ سُقُوطَ غُرْمِهَا فَافْتَرَقَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الرُّجُوعِ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ، فَعَلَى هَذَا إِنِ اسْتَحَقَّ الْغُرْمَ فِي اسْتِهْلَاكِ مَالِ عَمَلٍ غَرِمَهُ عِنْدَ فَكِّ حَجْرِهِ لِأَنَّ غُرْمَ الْأَمْوَالِ الْمُسْتَهْلَكَةِ مُعَجَّلٌ وَإِنِ اسْتُحِقَّ فِي دِيَةِ خَطَأٍ يَلْزَمُ تَأْجِيلُهَا فَفِي ابْتِدَاءِ الْأَجَلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ لِوُجُوبِهَا بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مَنْ وَقْتِ فَكِّ حَجْرِهِ لِأَنَّهُ بِفَكِّ الْحَجْرِ صَارَ مِنْ أَهْلِ غُرْمِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(بَابُ مَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْلَمَهُ مَنِ الذي له القسامة وكيف يقسم)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وينبغي أَنْ يَقُولَ لَهُ مَنْ قَتَلَ صَاحِبَكَ؟ فَإِنْ قَالَ فُلَانٌ قَالَ وَحْدَهُ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنْ قَالَ عَمْدًا سَأَلَهُ وَمَا الْعَمْدُ؟ فَإِنْ وَصَفَ مَا فِي مِثْلِهِ الْقِصَاصُ أُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ وَصَفَ مِنَ الْعَمْدِ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ لم يحلفه عليه والعمد في ماله والخطأ على عاقلته في ثلاث سنين فإن قال قتله فلان ونفر معه لم يحلفه حتى يسمي النفر أو عددهم إن لم يعرفهم) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِنَّمَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى لِلْحُكْمِ بِهَا وَلَيْسَ يَسْمَعُهَا لِيَعْلَمَ قَوْلَ الْمُدَّعِي فِيهَا وَالْحُكْمُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِمَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ لِمُعَيَّنٍ عَلَى مُعَيَّنٍ فَكَذَلِكَ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى إِلَّا هَكَذَا لِيَصِحَّ لَهُ الْحُكْمُ فِيهَا، فَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَتْلَ أَبٍ لَهُ أَوْ أَخٍ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْ قَاتِلِهِ لِتَتَوَجَّهَ الدَّعْوَى عَلَى مُعَيَّنٍ يَصِحُّ سُؤَالُهُ عَنْهَا فَإِذَا قَالَ قَتَلَهُ فَلَانٌ سَأَلَهُ: هَلْ قَتَلَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ حُكْمَ الِانْفِرَادِ فِي الْقَتْلِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ.
وله حالتان: أحدهما: أَنْ يُفْرِدَهُ بِالْقَتْلِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَجْعَلَهُ فِيهِ شَرِيكًا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَفْرَدَهُ بِالْقَتْلِ فَقَالَ قَتَلَهُ وَحْدَهُ سَأَلَهُ عَنِ الْقَتْلِ هَلْ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَمْدِ مُخَالِفٌ لحكم الخطأ.
وله حالتان: أحدهما: أَنْ يَدَّعِيَ الْعَمْدَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَدَّعِيَ الْخَطَأَ، فَإِنْ قَالَ قَتَلَهُ عَمْدًا سَأَلَهُ عَنِ الْعَمْدِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ قَتْلَ الْعَمْدِ فِيمَا لَيْسَ بِعَمْدٍ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ مِنَ الْعَمْدِ وَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا يَكُونُ عَمْدًا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يَكُونُ عَمْدًا فَإِنْ وَصَفَهُ بِمَا يَكُونُ عَمْدًا فَقَدْ كَمَلَتْ حِينَئِذٍ الدَّعْوَى وَجَازَ لِلْحَاكِمِ سُؤَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا وَكَمَالُهَا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ تُعِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الِانْفِرَادَ وَالِاشْتِرَاكَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْعَمْدَ أَوِ الْخَطَأَ، ثُمَّ صِفَتَهُ بما يكون

عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
فَإِذَا سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْفَرِدٌ فِي قَتْلِ عَمْدٍ فَلَهُ حَالَتَانِ: أحدهما: أَنْ يُقِرَّ بِالْقَتْلِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُنْكِرَ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الدَّعْوَى لَوْثٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فإن عفى الْوَلِيُّ عَنِ الْقَوَدِ وَجَبَتْ لَهُ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ حالة في مال القائل.
وإن أنكر القتل، فللدعوى حالتان: أحدهما: أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا لَوْثٌ فَيُحْكَمُ لِلْمُدَّعِي فِيهَا بِالْقَسَامَةِ فِي التَّبْدِيَةِ بِالْمُدَّعِي وَإِحْلَافِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، فإذا أقسم بها فهل يشاط بِهَا الدَّمُ وَيُقْتَصُّ بِهَا مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا الْقَدِيمُ مِنْهُمَا يشاط بِهَا الدَّمُ فَوْرًا وَالْجَدِيدُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ لَا قَوَدَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ حَالَّةً فِي مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الدَّعْوَى لَوْثٌ فَلَا قَسَامَةَ فِيهَا وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ وَهَلْ تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ؟ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ: فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَهَلْ تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ حَلَفَ حُكِمَ لَهُ بِالْقَوَدِ إِنْ شَاءَ وَإِنْ عفى فَالدِّيَةُ وَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ وَبَرِئَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الدعوى إلا أن تكون بينة.

(فصل)

وإذا قَدْ مَضَتِ الدَّعْوَى عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ مَعَ جَمَاعَةٍ شَارَكُوهُ فِيهِ.
فَيَقُولُ: قَتَلَهُ هَذَا مَعَ جَمَاعَةٍ فَيُسْأَلُ عَنْ عَدَدِهِمْ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ بِقِلَّةِ الشُّرَكَاءِ وَكَثْرَتِهِمْ وَلَا يَلْزَمُ التَّعَيُّنُ عَلَيْهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَإِنْ كَانَ تَعَيَّنُهُمْ مَعَ ذِكْرِ عَدَدِهِمْ أَوْكَدَ وَأَحْوَطَ.
وَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَذْكُرَ عَدَدَهُمْ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَذْكُرَ الْعَدَدَ.
فَإِنْ ذَكَرَ عَدَدَهَمْ، فَقَالَ هذا واثنان معه سأل هَلْ شَارَكَاهُ عَمْدًا أَوْ خَطَّأً لِأَنَّ شَرِكَةَ الْخَاطِئِ تُسْقِطُ الْقَوَدَ عَنِ الْعَامِدِ.
وَلَهُ فِي الْجَوَابِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: شَارَكَاهُ عَمْدًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: شَارَكَاهُ خَطَأً.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَعْلَمَ صِفَةَ شَرِكَتِهِمَا لَهُ هَلْ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
فَإِنْ وَصَفَ

الشركة بالعمد، سئل لحاضر الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَإِنْ أَقَرَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَإِنْ أَنْكَرَ وَلَا لَوْثَ حَلَفَ وَبَرِئَ وَإِنْ كَانَ لَوْثٌ أُحْلِفَ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْقَسَامَةِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِهَا، وَهَلْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْقَوَدِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنْ وَصَفَ الشَّرِكَةَ بِالْخَطَأِ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْقَوَدِ إِذَا أَقْسَمَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ صِفَةَ الشَّرِكَةِ هَلْ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ خَطَأً فَلَا يُحْكَمُ بِالْقَوَدِ مَعَ الشَّكِّ، وَحُكِمَ لَهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ حَالَّةً فِي مَالِ الْجَانِي لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ عَنْ عَمْدٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَإِنْ حَضَرَ ثَانٍ بَعْدَ الْقَسَامَةِ عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى الْأَوَّلِ حُكْمًا عَلَى الثَّانِي وَسَأَلَ الثَّانِيَ عَنْهَا فَإِنْ أَقَرَّ وَكَانَ عَامِدًا اقْتُصَّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ خاطئ وَجَبَ ثُلُثُ الدِّيَةِ عَلَيْهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَتَحَمَّلُ اعْتِرَافَ الْجَانِي.
وَإِنْ أَنْكَرَ الثَّانِي: نُظِرَ فِيهِ هَلْ كَانَ مُشَارِكًا فِي اللَّوْثِ أَوْ غَيْرَ مُشَارِكٍ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُشَارِكٍ فِي اللَّوْثِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ فِي دَارِ الْمَقْتُولِ وَالثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَمْ يُحْكَمْ بِالْقَسَامَةِ فِي الثَّانِي وَإِنَّ حُكِمَ بِهَا فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَ نَفْسِهِ فَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي فِي الْأَوَّلِ وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الثَّانِي وَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي اللَّوْثِ لِوُجُودِهِ مَعَ الْأَوَّلِ فِي دَارِ الْمَقْتُولِ أَقْسَمَ الْمُدَّعِي عَلَى الثَّانِي وَفِي عَدَدِ مَا يُقْسِمُ بِهِ عَلَى الثَّانِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: خَمْسُونَ يَمِينًا كَالْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَمِينًا وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ لِأَنَّ حِصَّتَهُ مِنَ الْخَمْسِينَ لَوْ حَضَرَ مَعَ الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَمِينًا فَإِنْ وَصَفَ قَتْلَهُ بِالْعَمْدِ فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ قَوْلَانِ: وَإِنْ وَصَفَهُ بِالْخَطَأِ فَقِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِوُجُوبِهَا بِالْقَسَامَةِ.
وَإِنْ جَهِلَ الْمُدَّعِي صِفَةَ قَتْلِهِ، فَفِي جَوَازِ الْقَسَامَةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَجُوزُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِ لِلْجَهْلِ بِمُوجِبِهَا، لِأَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ عَلَيْهِ وِدِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ تَجُوزُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِصِفَةِ الْقَتْلِ لَا يَكُونُ جَهْلًا بِأَصْلِ الْقَتْلِ.
فَإِذَا أَقْسَمَ الْوَلِيُّ الْمُدَّعِي حُبِسَ الثَّانِي حَتَّى يُبَيِّنَ صِفَةَ الْقَتْلِ هَلْ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنْ تَطَاوَلَ حَبْسُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ أُحْلِفَ مَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَلَزِمَ دِيَةَ الْخَطَأِ فِي مَالِهِ مُؤَجَّلَةً وَفِي تَغْلِيظِ هَذِهِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ بِالْعَدَدِ وَجْهَانِ فَإِنْ حَضَرَ الثَّالِثُ بَعْدَ الثَّانِي كَانَ كحضور

الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الثَّانِي إِلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَقْسَمَ الْوَلِيُّ الْمُدَّعِي وَقُلْنَا: تُقَسَّمُ الْأَيْمَانُ بِالْحِصَّةِ حَلَفَ الثَّالِثُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا هِيَ ثُلُثُهَا بَعْدَ جَبْرِ كَسْرِهَا لِأَنَّهُ أَحَدُ ثَلَاثَةٍ لَوِ اجْتَمَعُوا لَكَانَتْ حِصَّتُهُ مِنَ الْخَمْسِينَ ثُلُثَهَا هَذَا حُكْمُهُ إِذَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي عَدَدَ الشُّرَكَاءِ فِي الْقَتْلِ.
فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُذْكُرْ عَدَدَهُمْ، لَمْ تَخْلُ دَعْوَاهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي قَتْلِ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَإِنْ كَانَتْ فِي خَطَأٍ، لَمْ تَكُنْ لَهُ الْقَسَامَةُ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ إِنْ شَارَكَ وَاحِدًا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانُوا عَشَرَةً اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ عُشْرَهَا، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا يُوجِبُ الْقَوَدَ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا قَوَدَ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ، فَلَا قَسَامَةَ لِأَنَّ مُوجِبَهَا الدِّيَةُ وَقَدْرُ اسْتِحْقَاقِهِ مِنْهَا مَجْهُولٌ كَالْخَطَأِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَوَدِ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ فَفِي جَوَازِ الْقَسَامَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجُوزُ وَيُقْسِمُ بِهَا الْمُدَّعِي لِأَنَّ الْقَوَدَ اسْتُحِقَّ عَلَى الْوَاحِدِ إِذَا انْفَرَدَ كَاسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ فِي مُشَارَكَةِ الْعَدَدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْفُو عَنِ الْقَوَدِ إِلَى الدِّيَةِ فَلَا يَعْلَمُ قَدْرَ اسْتِحْقَاقِهِ مِنْهَا وَالْحُكْمُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا بِمَا يَنْفَصِلُ بِهِ التَّنَازُعُ.

(فَصْلٌ)

وَإِذْ قَدْ مَضَتِ الدَّعْوَى فِي قَتْلِ الْعَمْدِ فَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ فِي الدَّعْوَى فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ عَنِ الْخَطَأِ هَلْ كَانَ مَحْضًا أَوْ شِبْهَ الْعَمْدِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي التَّغْلِيظِ وَالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ قَالَ شِبْهُ الْعَمْدِ، سَأَلَهُ عَنْ صِفَتِهِ كَمَا يَسْأَلُهُ عَنْ صِفَةِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ مَحْضُ الْخَطَأِ بِالْعَمْدِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، ثُمَّ يَعْمَلُ عَلَى صِفَتِهِ دُونَ دَعْوَاهُ.
فَإِنْ كَانَ مَا وَصَفَهُ شِبْهَ الْعَمْدِ، غَلُظَتْ فِيهِ الدِّيَةُ بَعْدَ الْقَسَامَةِ، وَإِنْ كَانَ مَا وَصَفَهُ خَطَأً مَحْضًا خُفِّفَتْ فِيهِ الدِّيَةُ بَعْدَ الْقَسَامَةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مُخَالَفَةُ صِفَتِهِ لِدَعْوَاهُ مِنْ جَوَازِ الْقَسَامَةِ وَلَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِيهِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الدِّيَةِ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي زِيَادَتِهَا فِي دَعْوَاهُ بِالتَّغْلِيظِ وَنُقْصَانِهَا فِي صِفَتِهَا بِالتَّخْفِيفِ فَصَارَ فِي الصِّفَةِ كَالْمُبْدِئِ فِي بَعْضِ الدَّعْوَى.
وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ الْقَسَامَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ ادَّعَى قَتْلَ خَطَأٍ مَحْضِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ صِفَةِ الْخَطَأِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ عَنْ صِفَةِ الْخَطَأِ لِأَنَّ الْخَطَأَ أقل أحوال القتل وإنما يلزم

أن يسل عَنِ الْعَمْدِ وَعَنْ شِبَهِ الْعَمْدِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً مَحْضًا وَلَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ فِي الْخَطَأِ الْمَحْضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ صِفَةِ الْخَطَأِ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ الْمَضْمُونُ بِمَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا لِقَتْلِهِ، فَإِذَا سَأَلَهُ عَنْ صِفَتِهِ لَمْ يَخْلُ مَا وَصَفَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَطَأً مَضْمُونًا، فَتُوَافِقُ صِفَتُهُ دَعْوَاهُ، فَيُحْكَمُ لَهُ بِالْقَسَامَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يَكُونُ قَتْلًا مَضْمُونًا، فَلَا قَسَامَةَ له، والمدعى عليه برئ مِنَ الدَّعْوَى.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا يَكُونُ عَمْدَ الْخَطَأِ فَيُقْسِمُ عَلَى دَعْوَاهُ فِي الْخَطَأِ الْمَحْضِ دُونَ عَمْدِ الْخَطَأِ لِأَنَّ الدَّعْوَى أَقَلُّ مِنَ الصِّفَةِ فَصَارَ كَالْمُبْتَدِئِ بِهَا مِنْ زِيَادَةِ الصِّفَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا.
فَالصِّفَةُ أَغْلَظُ مِنَ الدَّعْوَى فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: اسْتِحْقَاقُ الْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ وَسُقُوطُهُ فِي الْخَطَأِ.
وَالثَّانِي: تَغْلِيظُ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ وَتَخْفِيفُهَا فِي الْخَطَأِ.
وَالثَّالِثُ: تَعْجِيلُهَا فِي الْعَمْدِ وَتَأْجِيلُهَا فِي الْخَطَأِ.
وَالرَّابِعُ: اسْتِحْقَاقُهَا عَلَى الْجَانِي فِي الْعَمْدِ وَعَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ دِيَةَ الْخَطَأِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْجَانِي هُوَ الْمُحْتَمِلَ لِدِيَةِ الْخَطَأِ أَقْسَمَ عَلَى الدَّعْوَى دُونَ الصِّفَةِ وَيُحْكَمُ لَهُ بِدِيَةِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ.
فَإِنْ كَانَتْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ دِيَةَ الْخَطَأِ.
نُظِرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنِ الدَّعْوَى إِلَى الصِّفَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الدَّعْوَى وَلَا عَلَى الصِّفَةِ، لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي الدَّعْوَى مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى الْعَاقِلَةِ وَفِي الصِّفَةِ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى الْجَانِي فَصَارَ فِي الدَّعْوَى أَبْرَأَ لِلْجَانِي وَفِي الصِّفَةِ أَبْرَأَ لِلْعَاقِلَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الدَّعْوَى إِلَى الصِّفَةِ أَقْسَمَ عَلَى الدَّعْوَى دُونَ الصِّفَةِ وَحُكِمَ لَهُ بِدِيَةِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذْ قَدْ مَضَى صِفَةُ الْعَمْدِ بما يكون عمداً فالحالة الثَّانِيَةُ أَنْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يَكُونُ عَمْدًا، وَلَهُ فِي صِفَةِ الْعَمْدِ بِمَا لَيْسَ بِعَمْدٍ ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يَكُونُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي لَا يُضَمَّنُ بِقَوَدٍ وَلَا

دِيَةٍ: كَمَنْ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ فَتَعَثَّرَ بِحَجَرٍ.
أَوْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدَارٌ فَالصِّفَةُ قَدْ بَرَأَتْ مِنَ الدَّعْوَى وَسَقَطَتِ الْقَسَامَةُ فِيهَا وَبَرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَصِفَهُ بِعَمْدِ الْخَطَأِ كَرَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا بِعَصًا يَجُوزُ أَنْ تَقْتُلَ وَيَجُوزَ أَنْ لَا تَقْتُلَ فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ لِأَنَّهُ عَامِدٌ فِي الْفِعْلِ خَاطِئٌ فِي النَّفْسِ.
فَلَهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الصِّفَةِ دُونَ الدَّعْوَى، وَيُحْكَمُ لَهُ بِعَمْدِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ الْمَحْضِ وَلَا يَكُونُ مَا فِي الصِّفَةِ مِنْ مُخَالَفَةِ الدَّعْوَى مَانِعًا مِنَ الْقَسَامَةِ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالصِّفَةِ لِاشْتِبَاهِ الْحُكْمِ دُونَ الْفِعْلِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَصِفَهُ بِالْخَطَأِ الْمَحْضِ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ الدَّعْوَى بِالصِّفَةِ وَسَقَطَتِ الْقَسَامَةُ فِي الْعَمْدِ، وَاخْتُلِفَ فِي سُقُوطِهَا فِي الْخَطَأِ فَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يُقْسِمُ وَنَقَلَ الرَّبِيعُ أَنَّهُ يُقْسِمُ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ طَرِيقَةُ الْبَغْدَادِيِّينَ إِنَّ اخْتِلَافَهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الرَّبِيعُ إِنَّهُ يُقْسِمُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لِأَنَّ صِفَتَهُ أَقَلُّ مِنْ دَعْوَاهُ فَجَازَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْأَخَفِّ بِضِدِّ دَعْوَى الْأَغْلَظِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ إِنَّهُ لَا يُقْسِمُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ فِي مَالِهِ وَدِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَكَانَ فِي الدَّعْوَى أَبْرَأَ لِلْعَاقِلَةِ وَفِي الصِّفَةِ أَبْرَأَ لِلْجَانِي فَسَقَطَتِ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ طَرِيقَةُ الْبَصْرِيِّينَ إِنَّهُ لَيْسَ اخْتِلَافُ النَّقْلِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَنَقْلُ الْمُزَنِيُّ إِنَّهُ لَا يُقْسِمُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ إِقْسَامٌ عَلَى الدَّعْوَى، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا إِلَى الصِّفَةِ فَلَا يُقْسِمُ عَلَى الدَّعْوَى لِإِبْطَالِهَا بِالصِّفَةِ وَنَقْلُ الرَّبِيعُ إِنَّهُ يُقْسِمُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الدَّعْوَى إِلَى الصِّفَةِ فَيُقْسِمُ عَلَى الصِّفَةِ لِرُجُوعِهِ بِهَا عَنِ الدَّعْوَى الَّتِي هِيَ أَغْلَظُ مِنَ الصفة، والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَحْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ هَذَا وَلَمْ يَقُلْ لَهُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً أَعَادَ عليه عدد الْأَيْمَانِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا عَجَّلَ الْحَاكِمُ فَأَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي عَنْ شَرْطِ الدَّعْوَى فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْجَمَاعَةِ وَالِانْفِرَادِ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي اسْتِحْلَافِهِ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الدَّعْوَى لَمْ تَكْمُلْ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحُكْمِ بِمَا أَحْلَفَ عَلَيْهِ لِلْجَهَالَةِ بِهِ، فَتَكُونُ الْيَمِينُ فِيهَا

مُلْغَاةً لَا يُحْكَمُ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَتِ الْيَمِينُ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ.
لِأَنَّ الْيَمِينَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الدَّعْوَى جَارِيَةٌ مَجْرَى الْيَمِينِ قَبْلَ الدَّعْوَى، وَهِيَ قَبْلَ الدَّعْوَى غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا، لِأَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ.
. قَالَ لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ وَوَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِيَمِينِهِ قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ فَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَعُودَ إِلَى سُؤَالِ الْمُدَّعِي عَنْ صِفَةِ الْقَتْلِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ شُرُوطِ الدَّعْوَى فَإِذَا اسْتَكْمَلَ شُرُوطَهَا أَعَادَ الِاسْتِحْلَافَ عَلَيْهَا وَعَلَّقَ مَا يُحْكَمُ بِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(باب عدد الأيمان)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " يَحْلِفُ وَارِثُ الْقَتِيلِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا تَغْلِيظُ الْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ بِالْعَدَدِ لِضَعْفِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهَا وَهُوَ اللَّوْثُ فَقَوِيَتِ الدَّعْوَى لِضَعْفِ سَبَبِهَا بِتَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ فِيهَا.
وَأَمَّا تَقْدِيرُ الْأَيْمَانِ فِيهَا بِخَمْسِينَ يَمِينًا فَلِسُنَّةِ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْوَارِدَةِ بِهَا وَقَوْلِهِ لِلْأَنْصَارِ: " تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ! قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَيُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا) . وَإِذَا تَغَلَّظَتْ بِهَذَا الْعَدَدِ لَمْ يُقْسِمْ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْمَقْتُولِ إِلَّا الْوَرَثَةُ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْيَمِينَ مَوْضُوعَةٌ لِاسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ فَلَمْ يَحْلِفْ بِهَا إِلَّا مُسْتَحِقِّهُا.
وَهُمُ الْوَرَثَةُ.
وَوَرَثَةُ الدِّيَةِ، هُمْ وَرَثَةُ الْأَمْوَالِ مِنَ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْفُرُوضِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَالْأَزْوَاجِ، وَالزَّوْجَاتِ، وَقَدْ خَالَفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي وَرَثَةِ الدِّيَةِ خِلَافًا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ.
وَلَا فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، بَيْنَ مِيرَاثِ الدِّيَةِ وَمِيرَاثِ الْمَالِ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ وَرِثَ الدِّيَةَ وَالْقَوَدَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَارِثِ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا، أَوْ عَدَدًا، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا فَفِيمَا يُقْسِمُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلَانِ ذَكَرْنَاهُمَا مِنْ قَبْلُ -. أَحَدُهُمَا: يُقْسِمُ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ يَمِينًا، لِأَنَّ الْعَدَدَ فِي الْقَسَامَةِ كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ فَلَمَّا تَسَاوَوْا فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ وَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْقَسَامَةِ، فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَمَنْ قَلَّ سَهْمُهُ وَكَثُرَ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ - إِنَّ الْأَيْمَانَ تُقَسَّطُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ بِجَبْرِ كَسْرِهَا لِيَحْلِفَ جَمِيعُهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، لِأَنَّ أَيْمَانَهُمْ فِي الْقَسَامَةِ حُجَّةٌ لَهُمْ، كَالْبَيِّنَةِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهَا، كَاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْبَيِّنَةِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ فَرَائِضُ الْوَرَثَةِ عَائِلَةً قُسِّمَتْ عَلَى فَرَائِضِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا ابْنَيْنِ وَبِنْتًا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الِابْنَيْنِ عِشْرِينَ يَمِينًا، وَحَلَفَتِ الْبِنْتُ عَشَرَةَ أَيْمَانٍ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا فِيمَا اخْتَلَفَتْ فَرَائِضُهُمْ فِيهِ فَإِنْ كَانَتْ

فَرِيضَةُ مَوَارِيثِهِمْ عَائِلَةً كَزَوْجٍ، وَأُمٍّ، وَأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ - فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ - وَلِلْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ الثُّلُثَانِ، وَلِلْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأُمِّ الثُّلُثُ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُولُ بِثُلُثَيْهَا إِلَى عَشَرَةٍ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قِسْمَةِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ بَيْنَهُمْ عَلَى أَصْلِ الْفَرِيضَةِ أَوْ عَلَى عَوْلِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَصْلِ الْفَرِيضَةِ مِنْ سِتَّةِ أَسْهُمٍ فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ نِصْفَ الْخَمْسِينَ - وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يميناً لأن فريضه النِّصْفُ، وَتَحْلِفُ الْأُمُّ سُدُسَ الْخَمْسِينَ وَهُوَ تِسْعَةُ أَيْمَانٍ بَعْدَ جَبْرِ الْكَسْرِ، لِأَنَّ فَرْضَهَا السُّدُسُ، وَتَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأُخْتَيْنِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُلُثَ الْخَمْسِينَ، وَهُوَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا بَعْدَ جَبْرِ الْكَسْرِ لِأَنَّ فَرْضَهَا الثُّلُثُ وَتَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ، سُدُسَ الْخَمْسِينَ وَهُوَ تِسْعَةُ أَيْمَانٍ بَعْدَ جَبْرِ الْكَسْرِ لِأَنَّ فَرْضَهَا السُّدُسُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ - أَنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى أَصْلِ الْفَرِيضَةِ وَعَوْلِهَا مِنْ عَشَرَةِ أَسْهُمٍ، فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ وَسَهْمُهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ عَشَرَةٍ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ الْخَمْسِينَ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَمِينًا.
وَتَحْلِفُ الْأُمُّ وَلَهَا سَهْمٌ مِنْ عَشَرَةٍ عُشْرَ الْخَمْسِينَ وَهُوَ خَمْسَةُ أَيْمَانٍ، وَتَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأُخْتَيْنِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَلَهَا سَهْمَانِ مِنْ عَشَرَةٍ عُشْرَيِ الْخَمْسِينَ وَهُوَ عَشَرَةُ أَيْمَانٍ، وَتَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأُخْتَيْنِ لِلْأُمِّ وَلَهَا سَهْمٌ مِنْ عَشَرَةٍ عُشْرَ الْخَمْسِينَ وَهُوَ خَمْسَةُ أَيْمَانٍ، ثم على هذا القياس.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ كَبِيرًا وَصَغِيرًا أَوْ غَائِبًا وَحَاضِرًا أَكْذَبَ أَخَاهُ وَأَرَادَ الْآخَرُ الْيَمِينَ قِيلَ لَهُ لَا تَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنَ الدِّيَةِ إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ شِئْتَ فَاحْلِفْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَخُذْ مِنَ الدِّيَةِ مَوْرِثَكَ وَإِنِ امْتَنَعْتَ فَدَعْ حَتَّى يَحْضُرَ مَعَكَ وَارِثٌ تُقْبَلُ يَمِينُهُ فَيَحْلِفَانِ خمسين يميناً فإن ترك ثلاثة بنين حلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً يجبر عليهم كسر اليمين فَإِنْ تَرَكَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ ابْنًا حَلَفَ كل واحد منهم يميناً يجبر الكسر من الأيمان) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا يَلِيهَا تَتَفَرَّعُ على القول الذي يقسم فيه أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ عَلَى قَدْرِ الْمَوَارِيثِ، فَإِذَا خَلَّفَ الْمَقْتُولُ ابْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ وَالْآخَرُ كَبِيرٌ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُدَّعٍ قَتْلَ أَبِيهِ وَالْآخَرُ مُكَذِّبٌ لَهُ، فَإِنَّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يُقْسِمَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ، وَلِلْحَاضِرِ أَنْ يُقْسِمَ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ - فَأَمَّا الْمُكَذِّبُ فَهَلْ تَسْقُطُ قَسَامَتُهُ بِتَكْذِيبِ أَخِيهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: نَذْكُرُهُمَا فِي الْبَابِ الْآتِي فَإِنْ أَرَادَ

الْبَالِغُ الْحَاضِرُ أَنْ يُقْسِمَ، أَوِ الْمُكَذِّبُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، قِيلَ لَهُ: لَا يُحْكَمُ لَكَ بِحَقِّكَ مِنَ الدِّيَةِ إِلَّا أَنْ تَسْتَوْفِيَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ كُلَّهَا.
وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُكَ فِي الِاجْتِمَاعِ بَعْضُهَا، لِأَنَّ عَدَدَ الْأَيْمَانِ حُجَّةٌ لَكَ فِي قَبُولِ دَعَوَاكَ، كَالْبَيِّنَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا كَمَا لَا يُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ، إِلَّا بَعْدَ كَمَالِهَا، فَإِذَا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا حُكِمَ لَهُ بِحَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ، أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِحَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ حَتَّى يَحْلِفَ عَلَى دَمِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَالْأَيْمَانُ فِي الْقَسَامَةِ حُجَّةٌ كَالْبَيِّنَةِ فَهَلَّا كَانَ وَجُودُهَا مِنْ بَعْضِهِمْ حُجَّةً لِجَمِيعِهِمْ كَالْبَيِّنَةِ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّيَابَةَ فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ تَصِحُّ وَفِي الْأَيْمَانِ لَا تَصِحُّ.
الثَّانِي: إِنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ عَامَّةٌ وَالْأَيْمَانُ حُجَّةٌ خَاصَّةٌ، فَلِهَذَيْنِ الْفَرْقَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُ فِيهَا بِأَيْمَانِ أَخِيهِ، وَإِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ بِبَيِّنَتِهِ.
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنِ اثْنَيْنِ فَصَارَا بَعْدَ أَيْمَانِ الْأَخِ كَالْمُجْتَمِعَيْنِ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ غَائِبٌ، حَلَفَ إِذَا حَضَرَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ رَابِعٌ، حَلَفَ إِذَا حَضَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِثَالُ هَذَا الشُّفْعَةُ إِذَا اسْتَحَقَّهَا أَرْبَعَةٌ وَحَضَرَ أَحَدُهُمْ كَانَ لَهُ أَخْذُ جَمِيعِهَا وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِحَقِّهِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهَا شُرَكَاؤُهُ فَصَارَ فِيهَا كَالْمُنْفَرِدِ بِهَا، فَإِذَا قَدِمَ الثَّانِي أَخَذَ النِّصْفَ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنِ اثْنَيْنِ - فَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ أَخْذَ الثُّلُثَ، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَإِذَا قَدِمَ الرَّابِعُ، أَخَذَ الرُّبُعَ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَإِنْ تَرَكَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ ابْنًا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا يَجْبُرُ عَلَيْهِ كَسْرَ الْيَمِينِ) وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَتَبَعَّضُ، فَلِذَلِكَ جَبَرْنَا كَسْرَهَا، كَمَا يُجْبَرُ كَسْرُ الطَّلَاقِ، والإقرار، والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْوَرَثَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ قَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ بِقَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ مُسْتَحَقِّي الْقَسَامَةِ مِثْلَ أَنْ يَمُوتَ وَاحِدٌ مِنِ اثْنَيْنِ، وَيُخَلِّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ ابْنَيْنِ فَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ قَسَامَتِهِ فَقَدْ مَلَكَ حَقَّهُ مِنَ الدِّيَةِ بِأَيْمَانِهِ، فَيُنْقَلُ ذَلِكَ إِلَى وَرَثَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَسَامَةٍ فَإِنْ قِيلَ: إِذَا لَمْ تَجْعَلُوا لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَمْلِكَ حقه من الدية بيمين غيره فلما جَعَلْتُمْ لِأَوْلَادِ هَذَا الْمَيِّتِ أَنْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ بِأَيْمَانِ أَبِيهِمْ؟ قِيلَ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُ عَنْ أَبِيهِمْ فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِمْ بِأَيْمَانِهِ، وَلَيْسَ يَمْلِكُ الْأَخُ عَنْ أَخِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ بأيمان أخيه.

والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ نُكُولِهِ عَنِ الْأَيْمَانِ، فَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يُقْسِمُوا لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْأَيْمَانِ قَدْ سَقَطَ بِنُكُولِهِ عَنْهَا، فَصَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهَا فِي حُقُوقِ وَرَثَتِهِ.
وَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُمْ مِنَ الْقَسَامَةِ كَانَ لَهُمْ إِحْلَافُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، لِأَنَّ نُكُولَ الْمُدَّعِي عَنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ يُوجِبُ نَقْلَهَا إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي، فَوَجَبَ أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْهُ بِمَوْتِهِ إِلَى وَرَثَتِهِ وَإِنْ سَقَطَتْ حُقُوقُهُمْ مِنْ أَيْمَانِ قسامته.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الْأَيْمَانِ مِنْ غَيْرِ نُكُولٍ عَنْهَا، فَيَنْتَقِلُ الْحَقُّ فِيهَا إِلَى وَرَثَتِهِ، لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ فِي حَقِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا مَاتَ وَحِصَّتُهُ مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَمِينًا لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنِ اثْنَيْنِ، وَقَدْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ، وَجَبَ أَنْ يُقَسَّمَ أَيْمَانُهُ بَيْنَهُمَا، فَيُقْسِمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا، بَعْدَ جَبْرِ كَسْرِهَا ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، إِنْ مَاتَ وَارِثُ الْمَقْتُولِ وترك وارثاً.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْقَسَامَةَ حَتَّى مَاتَ ابْتَدَأَ وَارِثُهُ الْقَسَامَةَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا حَلَفَ الْوَارِثُ بَعْضَ أَيْمَانِ قَسَامَتِهِ فَلَمْ يُكْمِلْهَا حَتَّى مَاتَ؟ لَمْ يَجُزْ لِوَارِثِهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا، وَاسْتَأْنَفَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَيْمَانِ تَأْثِيرٌ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْهَا وَإِنْ قَلَّ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ حَتَّى يُسْتَوْفَى فَلَوْ بَنَى الْوَارِثُ عَلَيْهَا، لَصَارَ الْمَوْرُوثُ نَائِبًا فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا نِيَابَةَ فِي الْأَيْمَانِ، وَلَكِنْ لَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ قَبْلَ مَوْتِهِ مِنَ الْبَيِّنَةِ شَاهِدًا وَاحِدًا جاز لوارثه أن يبني على بينته، فيقم شَاهِدًا آخَرَ، وَتَكْمُلَ الْبَيِّنَةُ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الفرق بين الأيمان والبينة.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ ثُمَّ أَفَاقَ بَنَى لِأَنَّهُ حَلَفَ لِجَمِيعِهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَوْلَى فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ أَنْ تُوَالَى وَلَا تُفَرَّقَ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، وَهِيَ فِي الْمُوَالَاةِ أَغْلَظُ وَأَزْجَرُ، فَإِنْ فُرِّقَتْ كُرِهَ تَفْرِيقُهَا، وَأَجْزَأَتْ سَوَاءٌ طَالَ التَّفْرِيقُ أَوْ قَصُرَ، وَسَوَاءٌ قَلَّ التَّفْرِيقُ أَوْ كَثُرَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حَالِفًا بِجَمِيعِهَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي تَضَاعِيفِ أَيْمَانِهِ أَمْسَكَ عَنِ الْأَيْمَانِ فِي زمان جنونه وإغمائه، لأن لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِيَمِينِهِ حُكْمٌ، فَإِذَا أَفَاقَ مِنْ جُنُونِهِ أَوْ إِغْمَائِهِ بَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَيْمَانِهِ قَبْلَ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ تَفْرِقَةَ الْأَيْمَانِ لَا تَمْنَعُ مِنْ إِجْزَائِهَا وَلَا يَبْطُلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا لِحُدُوثِ الْجُنُونِ وَإِنْ بَطَلَتْ بِهِ الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ مِنَ الشَّرَكِ، وَالْوَكَالَاتِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا فَسْخٌ وَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْعُقُودِ فَسْخٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

(بَابُ مَا يُسْقِطُ الْقَسَامَةَ مِنَ الِاخْتِلَافِ أَوْ لا يسقطها)

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُ الابنين على رجل من أهل هذه الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ وَحْدَهُ وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ عَدْلٌ مَا قَتَلَهُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ بِبَلَدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُقْسِمَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَالثَّانِي أَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى رَجُلٍ يُبَرِّئُهُ وَارِثُهُ (قال المزني) قياس قوله أن من أثبت السبب الذي به القسامة حلف ولم يمنعه من ذلك إنكار الآخر كما لو أقام أحدهما شاهداً لأبيهما بدين وأنكر الآخر ما ادعاه أخوه وأكذبه أن للمدعي مع الشاهد اليمين ويستحق كذلك للمدعي مع السبب القسامة ويستحق فالسبب والشاهد بمعنى واحد في قوله لأنه يوجب مع كل واحد اليمين والاستحقاق إلا أن في الدم خمسين يميناً وفي غيره يمين) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي قَتِيلٍ وُجِدَ فِي قَبِيلَةٍ عَنْ لَوْثٍ ظَهَرَ فِي قَتْلِهِ فَادَّعَى أَحَدُ بَنِيهِ قَتْلَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْقَبِيلَةِ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ اللَّوْثِ فِيهَا يُجَوِّزُ دَعْوَى قَتْلِهِ عَلَى جَمِيعِهِمْ، إِذَا أَمْكَنَ اشْتِرَاكُهُمْ فِيهِ وَعَلَى أَحَدِهِمْ فَإِذَا خَصَّ بِالدَّعْوَى أَحَدَهُمْ سُمِعَتْ، وَكَانَ اللَّوْثُ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ، إِذَا خُصَّ بِالدَّعْوَى وَحْدَهُ ثُمَّ إِنَّ أَخَاهُ الْمُشَارِكَ لَهُ فِي دَمِ أَبِيهِ أَكْذَبَهُ فِي دَعْوَاهُ، وَقَالَ مَا قَتَلَ هَذَا أَبَانَا، وَلَا حَضَرَ قَتْلَهُ، وَكَانَ غَائِبًا وَقْتَ قَتْلِهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، فَيَكُونُ هَذَا تَكْذِيبًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُكَذِّبُ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ.
وَإِنَّمَا شَرَطَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ الْعَدَالَةَ لِيَصِحَّ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ غَيْرِهِ يُعِينُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَبْرَأُ مِنَ الدَّعْوَى وَلَمْ يَجْعَلْ عَدَالَتَهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْذِيبِ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَقُلْ وَكَانَ فِي بَلَدٍ آخَرَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا صَحِيحًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَكُونُ تَكْذِيبًا صَحِيحًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ تَأْكِيدًا فِي التَّكْذِيبِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هُرَيْرَةَ إِنَّهُ شَرْطٌ فِي التَّكْذِيبِ لَا يَصِحُّ

إِلَّا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ وَكَانَ غَائِبًا، لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا صَحِيحًا، لِأَنَّهُ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ أَخُوهُ، وَالنَّفْيُ لَا يُعَارِضُ الْإِثْبَاتَ.
فَإِذَا أَصْبَحَ التَّكْذِيبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَهَلْ يَكُونُ التَّكْذِيبُ مُبْطِلًا لَلَّوَّثِ وَمَانِعًا مِنَ الْقَسَامَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ إِنَّهُ لَا يُبْطِلُ اللَّوْثُ مِنَ الْقَسَامَةِ، لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّهُ أَحَدُهُمَا بِيَمِينِهِ لَا يَبْطُلُ بِتَكْذِيبِ الْآخَرِ كَالْحُكْمِ بِيَمِينِهِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ يُبْطِلُ اللَّوْثَ وَيَمْنَعُ الْقَسَامَةَ، لِأَنَّ اللَّوْثَ سَبَبٌ ضَعِيفٌ يَقْتَضِي غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَإِذَا تَعَارَضَ فِيهِ التَّكْذِيبُ أَوْهَاهُ، وإذا وها بَطَلَ وَخَالَفَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ، لِأَنَّهَا نَصٌّ، وَاللَّوْثُ اسْتِدْلَالٌ، يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ بِالتَّكْذِيبِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ النَّصُّ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ: فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ إِنَّ اللَّوْثَ لَا يَبْطُلُ، جَازَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُقْسِمَ خَمْسِينَ يَمِينًا قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَأْخُذَ نِصْفَ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَخِ الْمُكَذِّبِ أَنْ يُقْسِمَ، فَإِنِ ادَّعَى قَتْلَهُ عَلَى آخَرَ، أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ التَّكْذِيبَ إِذَا لَمْ يُبْطِلِ اللَّوْثَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لَمْ يُبْطِلْهُ فِي حَقِّهِمَا.
وَإِنْ قِيلَ: بِالْقَوْلِ الثَّانِي إِنَّ اللَّوْثَ قَدْ بَطَلَ.
سَقَطَتِ الْقَسَامَةُ وَانْتَقَلَتِ الْأَيْمَانُ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَفِي قَدْرِ مَا يَحْلِفُ بِهِ قَوْلَانِ كَالدَّعْوَى فِي غَيْرِ لَوْثٍ، فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ فَلَا قَوَدَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَلَهُ نِصْفُ الدية، لأن في تكذيب أخيه أبرأ مِنْهُ، وَلَوِ ادَّعَى الْمُكَذِّبُ قَتْلَهُ عَلَى آخَرَ، مُنِعَ مِنَ الْقَسَامَةِ لِأَنَّ التَّكْذِيبَ إِذَا أَبْطَلَ اللَّوْثَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا أَبْطَلَهُ فِي حَقِّهِمَا.
(فَصْلٌ) وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حُكْمِ التَّكْذِيبِ: أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ مَعَ اللَّوْثِ قَتْلَهُ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَيَدَّعِي الْآخَرُ قَتْلَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آخَرَ مَعَهُ، فَيَكُونُ الْأَخُ الثَّانِي مُكَذِّبًا لِلْأَخِ الْأَوَّلِ فِي نِصْفِ دَعْوَاهُ عَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي، وَيَصِيرُ الْأَخُ الْأَوَّلُ مُكَذِّبًا لِلْأَخِ الثَّانِي فِي جَمِيعِ دَعْوَاهُ عَلَى الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ وَعَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي فَإِنْ قِيلَ إِنَّ اللَّوْثَ لَا يُبْطَلُ بِالتَّكْذِيبِ أَقْسَمَ الْأَخُ الْأَوَّلُ عَلَى الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَأَقْسَمَ الْأَخُ الثَّانِي عَلَى الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ وَعَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي وَاسْتَحَقَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبْعَ الدِّيَةِ.
وَإِنْ قِيلَ إِنَّ اللَّوْثَ يَبْطُلُ بِالتَّكَاذُبِ، أَقْسَمَ الْأَخُ الْأَوَّلُ عَلَى الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ، وَأَخَذَ مِنْهُ رُبْعَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ فِي نِصْفِ الدَّعْوَى وَمُصَدِّقٌ فِي نِصْفِهَا وَأَقْسَمَ الْأَخُ الثَّانِي عَلَى الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ وَأَخَذَ مِنْهُ رُبْعَ الدِّيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْأَخِ الثَّانِي أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْقَاتِلِ

الثَّانِي، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ فِي جَمِيعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَمَا بَطَلَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ رُدَّتْ فِيهِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَ أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ وَرَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ وَقَالَ الْآخَرُ قَتَلَ أَبِي زَيْدُ بْنُ عَامِرٍ وَرَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ فَهَذَا خِلَافٌ لِمَا مَضَى لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا هُوَ الَّذِي عَرَفَهُ الْآخَرُ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْقَسَامَةِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا اتَّفَقَ الْأَخَوَانِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَى اثْنَيْنِ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ وَرَجُلٌ آخَرُ لَا أَعْرِفُهُ، وَقَالَ الْآخَرُ قَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ عَامِرٍ وَرَجُلٌ آخر لا أعرفه، فليس في هذا الدَّعْوَى تَكَاذُبٌ، وَلَا يَبْطُلُ اللَّوْثُ بِهَذَا الِاخْتِلَافِ وَلَا يَمْنَعُ مِنَ الْقَسَامَةِ، لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَ زَيْدَ بْنَ عَامِرٍ وَلَا مَنْ عَرَفَ زَيْدَ بْنَ عَامِرٍ قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ فَلَمْ يَكُنْ فِي جَهْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْ عرفه الآخر تكذيب للآخر، فَيَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَنْ عَرَفَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ رُبْعَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَاتِلَيْنِ مُسْتَحَقٌّ لِلْأَخَوَيْنِ، فَكَانَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخَوَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَاتِلَيْنَ رُبْعُ الدِّيَةِ، وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخَوَيْنِ خَمْسِينَ يَمِينًا قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُمَا قَدِ افْتَرَقَا فِي الدَّعْوَى، فَلَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى الْأَيْمَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ الْأَوَّلُ قَدْ عَرَفْتُ زَيْدًا وَلَيْسَ بِالَّذِي قَتَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ الْآخَرُ قَدْ عَرَفْتُ عَبْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ بِالَّذِي قَتَلَ مع زيد ففيها قولان أحدهما أن يكون لكل واحد القسامة على الذي ادعى عليه ويأخذ حصته من الدية، والقول الثاني أنه ليس لواحد منهما أن يقسم حتى تجتمع دعواهما على واحد (قال المزني) قد قطع بالقول الأول في الباب الذي قبل هذا وهو أقيس على أصله لأن الشريكين عنده في الدم يحلفان مع السبب كالشريكين عنده في المال يحلفان مع الشاهد فإذا أكذب أحد الشريكين صاحبه في الحق حلف صاحبه مع الشاهد واستحق وكذلك إذا أكذب أحد الشريكين صاحبه في الدم حلف صاحبه مع السبب واستحق) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمَا تَكَاذُبٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ الْآخَرُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ هَذَا التَّكَاذُبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَسَامَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَسَامَةِ، فَفِي إِبْطَالِ اللَّوْثِ بِهِ قَوْلَانِ: عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَالْحُكْمِ بِالدِّيَةِ لَمْ يَقْدَحْ فِي اللَّوْثِ وَلَمْ يُنْقَضْ بِهِ مَا تقدم من الحكم، ويعكس

هَذَا، لَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ عَرَفْتُ الْآخَرَ وَهُوَ الَّذِي قَدْ عَرَفَهُ أَخِي لِجَهْلِي بِهِ مِنْ قَبْلُ وَمَعْرِفَتِي لَهُ مِنْ بَعْدُ صَارَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْهُمَا عَلَى الْقَاتِلَيْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَرَّفَ مَنْ جَهِلَ فَجَازَ لَهُمَا أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْقَسَامَةِ عَلَيْهِمَا وَيَأْخُذَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ بَيْنَهُمَا.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَتَى قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِمَا يَمْنَعُ إِمْكَانَ السَّبَبِ أَوْ بِإِقْرَارٍ وَقَدْ أُخِذَتِ الدِّيَةُ بِالْقَسَامَةِ رُدَّتِ الدِّيَةُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَقْسَمَ الْوَلِيُّ مَعَ ظُهُورِ اللَّوْثِ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَهَا مَا يَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِهَا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ شُهُودٍ عُدُولٍ فَيَشْهَدُ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ كَانَ فِي وَقْتِ الْقَتْلِ غَائِبًا في بلداً آخَرَ، أَوْ كَانَ مَحْبُوسًا لَا يَصِلُ إِلَى قَتْلِهِ، أَوْ صَرِيعًا مِنْ مَرَضٍ لَا يَنْهَضُ مَعَهُ إِلَى حَرَكَةٍ أَوْ يَشْهَدَانِ أَنَّ الْقَتِيلَ الْمَوْجُودَ فِي مَحَلَّتِهِ نُقِلَ إِلَيْهَا بَعْدَ الْقَتْلِ مِنْ مَحَلَّةٍ إِلَى مَحَلَّةٍ أُخْرَى، فَهَذَا كُلُّهُ مُبْطِلٌ لَلَّوْثِ وَمُوجِبٌ لِنَقْضِ الْحُكْمِ بِالْقَسَامَةِ.
وَهَكَذَا: لَوْ شَهِدَا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِالْقَتْلِ كَانَ رَجُلًا آخراً، بَطَلَتِ الْقَسَامَةُ وَلَمْ يُحْكَمْ بِالْقَتْلِ عَلَى الثَّانِي لِشَهَادَتِهِمَا قَبْلَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَإِنْ أَعَادَا الشَّهَادَةَ بَعْدَ الدَّعْوَى لَمْ تُسْمَعْ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُكَذِّبٌ لَهُمَا بِدَعْوَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِذَا بَطَلَتِ الْقَسَامَةُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، انْقَسَمَتْ فِي إِبْطَالِ الدَّعْوَى ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: مَا يَبْطُلُ بِهِ الدَّعْوَى كَمَا بَطَلَتْ بِهِ الْقَسَامَةُ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ كَانَ غَائِبًا، أَوْ مَحْبُوسًا، لِاسْتِحَالَتِهَا مَعَ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يَبْطُلُ بِهِ الدَّعْوَى، وَإِنْ بَطَلَتْ بِهِ الْقَسَامَةُ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ نُقِلَ مِنْ مَحَلَّةٍ إِلَى أُخْرَى، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْتُلَهُ فِي غَيْرِ مَحَلَّتِهِ.
وَالثَّالِثُ: مَا يَبْطُلُ بِهِ نِصْفُ الدَّعْوَى وَإِنْ بَطَلَ بِهِ جَمِيعُ الْقَسَامَةِ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِقَتْلِهِ رَجُلٌ آخَرُ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْقَتْلِ عَلَى الثَّانِي بِالشَّهَادَةِ مَانِعٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُرْحُهُ مِنْ قِبَلِ الثَّانِي، فَلَمْ يَرَهُ الشُّهُودُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا، وَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا، لِذَلِكَ بَطَلَ نِصْفُ الدَّعْوَى، وَلَمْ يَبْطُلْ نِصْفُهَا، فَهَذَا حُكْمُ الشَّهَادَةِ فِي إِبْطَالِ اللَّوْثِ، وَإِبْطَالِ الدَّعْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُخْبَرَ بِإِبْطَالِ اللَّوْثِ بِالْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أحدهما: أن يكون أخبار آحاد يحتمل التواطئ، فَلَا تَبْطُلُ بِهَا الْقَسَامَةُ، وَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى نُفُوذِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا الْخَبَرِ ابْتِدَاءُ اللَّوْثِ، لَمْ يَبْطُلْ بِهَا مَا ثَبَتَ مِنَ اللَّوْثِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ أَخْبَارًا منتشرة ينتفي عنها حد التواطئ وَلَا تَبْلُغُ حَدَّ الِاسْتِفَاضَةِ، فَيَبْطُلُ بِهَا اللَّوْثُ، وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِهَا ابْتِدَاءُ اللَّوْثِ جَازَ أَنْ يَبْطُلَ بِهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ اللَّوْثِ، وَلَمْ تَبْطُلْ بِهَا الدَّعْوَى فِي جَمِيعِ الْأَسْبَابِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تُوجِبُ الْحُكْمَ فِي الِابْتِدَاءِ فَجَازَ أَنْ تَبْطُلَ بِهَا الدَّعْوَى، وَهَذَا الْخَبَرُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَمْ تَبْطُلْ بِهِ الدَّعْوَى، وَصَارَتِ الدَّعْوَى مُتَجَرِّدَةً عَنْ لَوْثٍ فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِمَا قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَفِي أَيْمَانِهِ قولان: على ما مضى - أحدهما: خمسين يميناً.
والثاني: يميناً وَاحِدَةٌ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي، وَلَا يُجْزِئُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَيْمَانِهِ فِي الْقَسَامَةِ لِتَقَدُّمِهَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا، فَأَمَّا إِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ دُونَ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ الْقَسَامَةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدٍ، وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِغَيْرِ مُطَالِبٍ، وَفِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ لِإِكْذَابِهِمَا بِالدَّعْوَى عَلَى الْأَوَّلِ، لَكِنْ يَصِيرُ تَجْدِيدُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ مُبْطِلًا لِلْقَسَامَةِ مَعَ الْأَوَّلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى الثَّانِي، لِأَنَّ الدَّعْوَى فِي الْقَسَامَةِ عَلَى الْأَوَّلِ كَانَتْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَإِقْرَارُ الثَّانِي يَقِينٌ، فَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ الْيَقِينِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ الْقَتْلِ غَائِبًا لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ، لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا بِإِقْرَارِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعِي بَعْدَ قَسَامَتِهِ بِمَا يَمْنَعُ مِنْهَا وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَبْطُلُ بِهِ قَسَامَتُهُ وَدَعْوَاهُ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ كَذَبَ فِي دَعْوَاهُ، أَوْ يَقُولَ قَتَلَ أَبِي غَيْرُهُ، أَوْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا عِنْدَ الْقَتْلِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، أَوْ كَانَ مَحْبُوسًا، فَيَكُونُ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مُبْطِلًا لِقَسَامَتِهِ وَدَعْوَاهُ، فَإِنْ عَادَ فَادَّعَى قَتْلَ أَبِيهِ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ لِتَكْذِيبِهَا بِالدَّعْوَى الْأُولَى.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يُبْطِلُ قَسَامَتَهُ وَلَا يُبْطِلُ دَعْوَاهُ - وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ الْمَقْتُولَ نُقِلَ إِلَى مَحَلَّتِهِ بَعْدَ الْقَتْلِ، فَتَبْطُلُ بِهِ قَسَامَتُهُ لِاعْتِرَافِهِ بِبُطْلَانِ اللَّوْثِ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الدَّعْوَى لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ فِي غَيْرِ مَحَلَّتِهِ، فَتَصِيرُ الدَّعْوَى مُتَجَرِّدَةً عَنْ لوث، فيكون

الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي وَاسْتَأْنَفَ الْيَمِينَ وَلَمْ يُجْزِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ، لِاحْتِمَالِهِ وَيَعْمَلُ فِيهِ عَلَى بَيَانِهِ، وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ مَا أَخَذَهُ بِالْقَسَامَةِ ظُلْمٌ أَوْ حَرَامٌ وَهَذَا مُحْتَمِلٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْقَسَامَةِ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ ظُلْمٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ حِينَ أَوْجَبَ الْقَوَدَ بِالْقَسَامَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ دَعْوَى اللَّوْثِ كَاذِبَةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ دَعْوَى الْقَتْلِ دَعْوًى كَاذِبَةٌ، فَلِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ مَا وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى إِرَادَتِهِ وَيَعْمَلَ فِيهِ عَلَى بيانه وينقسم بيانه ثلاثة أقسام: أحدهما: مَا لَا تَبْطُلُ بِهِ الْقَسَامَةُ وَلَا الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْحُكْمَ بِهَا ظُلْمٌ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ يَقْصِدُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَلَا تَبْطُلُ قَسَامَتُهُ، وَلَا يَسْتَرِدُّ مَا أَخَذَهُ، لِأَنَّ نُفُوذَ الْحُكْمِ يَكُونُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لَا بِاجْتِهَادِ الْمُدَّعِي لَكِنْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الدِّيَةُ، إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَإِنْ لَمْ تُسْتَرْجَعْ مِنْهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَبْطُلُ بِهِ الْقَسَامَةُ وَتَبْطُلُ بِهِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِالْكَذِبِ فِيهَا أَوْ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْقَتِيلِ، أَوْ يَدَّعِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِقَتْلِ أَبِيهِ غَيْرُهُ فَتَبْطُلُ قَسَامَتُهُ وَدَعْوَاهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَيَصِيرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَرِيئًا مِنَ الدَّعْوَى، وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْقَسَامَةِ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ لِإِكْذَابِهَا بِالدَّعْوَى الْأُولَى، فَتَصِيرُ بَاطِلَةً فِي عُمُومِ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ فِيهِ وَيَصِيرُ دَمُ أَبِيهِ هَدَرًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا تَبْطُلُ بِهِ الْقَسَامَةُ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ قَتِيلَهُ قُتِلَ فِي غَيْرِ مَحَلَّةِ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَبْطُلَ الْقَسَامَةُ لِبُطْلَانِ اللَّوْثِ فِيهَا بِإِقْرَارِهِ وَلَا تَبْطُلُ الدَّعْوَى لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ فِي غَيْرِ مَحَلَّتِهِ، وَالْقَوْلُ فِيمَا بَيَّنَهُ بِإِرَادَتِهِ مِمَّا لَا تَبْطُلُ بِهِ الْقَسَامَةُ، أَوْ لَا تَبْطُلُ بِهِ الدَّعْوَى قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي دَمٍ وَإِنَّمَا هِيَ فِي شَأْنِ كَلَامٍ مُحْتَمَلٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(بَابُ كَيْفَ يَمِينُ مُدَّعِي الدَّمِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا وَجَبَتْ لِرَجُلٍ قَسَامَةٌ حَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ لَقَدْ قَتَلَ فُلَانٌ فُلَانًا مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ مَا شَارَكَهُ فِي قَتْلِهِ غَيْرُهُ وإن ادعى على آخر معه حلف لقتل فلان وآخر معه فلاناً منفردين بقتله ما شاركهما فيه غيرهما) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَ مِنْ شَرْطِ الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ مُفَسَّرَةً، يَنْتَفِي عَنْهَا الِاحْتِمَالُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ عَلَيْهَا مُطَابِقَةً لَهَا فِي اسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا وَنَفْيِ الِاحْتِمَالِ.
وَذَلِكَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ هِيَ شُرُوطٌ فِي كَمَالِ يَمِينِهِ وَوُجُوبِ الْحُكْمِ بِهَا، ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ مِنْهَا أَرْبَعَةً وَأَغْفَلَ الْخَامِسَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ، فِي كِتَابِ الْأُمِّ.
أَحَدُهَا: صِفَةُ الْيَمِينِ.
وَالثَّانِي: تَعْيِينُ الْقَاتِلِ.
وَالثَّالِثُ: تَعْيِينُ الْمَقْتُولِ.
وَالرَّابِعُ: ذِكْرُ الِانْفِرَادِ بِقَتْلٍ، أَوِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ.
وَالْخَامِسُ: وَهُوَ الَّذِي أَغْفَلَهُ الْمُزَنِيُّ صِفَةُ الْقَتْلِ مِنْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ.
فَأَمَّا الْيَمِينُ فَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إِمَّا بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَإِمَّا بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَلَا تَصِحُّ بِصِفَاتِ أَفْعَالِهِ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وَصِفَاتُ ذَاتِهِ قَدِيمَةٌ، وَالْيَمِينُ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَا تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَظَّمَةً فَيَمِينُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ وَاللَّهِ أَوْ بِاللَّهِ، أَوْ تَاللَّهِ فَيَضُمُّ إِلَيْهِ حَرْفَ الْقَسَمِ بِهِ وَهُوَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ حُرُوفٍ الْوَاوُ - وَالْبَاءُ - وَالتَّاءُ - وَدُخُولُ حَرْفِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إِعْرَابُهُ مَجْرُورًا فَيَقُولُ وَاللَّهِ بِالْكَسْرِ فَإِنْ جَعَلَهُ مَرْفُوعًا فَقَالَ وَاللَّهُ بِالضَّمِّ، أَوْ جَعَلَهُ مَنْصُوبًا فَقَالَ وَاللَّهَ بِالْفَتْحِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ لَحْنٌ لَا يُزِيلُ الْمَعْنَى وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَفَرَّقَ

بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَيْنَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِعْرَابِ فِي كَلَامِهِ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فَجَعَلَهَا مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَمِينًا، لِأَنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللَّحْنِ وَالْإِعْرَابِ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ.
وَلَمْ يَجْعَلْهَا فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَمِينًا لِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللَّحْنِ وَالْإِعْرَابِ، وَلَا يَتَلَفَّظُونَ بِالْكَلِمَةِ إِلَّا عَلَى مَوْضِعِهَا فِي اللُّغَةِ، فَلَا يَجْعَلُونَ مَا خَرَجَ عَنْ إِعْرَابِ الْقَسَمِ قَسَمًا.
فَأَمَّا إِنْ حُذِفَ حَرْفُ الْقَسَمِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَمِينًا فِي عُمُومِ النَّاسِ كُلِّهِمْ سَوَاءٌ ذَكَرَ الِاسْمَ مَرْفُوعًا أَوْ مَجْرُورًا أَوْ مَنْصُوبًا وَعَلَى قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَعَلَهَا بِالنَّصْبِ فِي أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَمِينًا لِأَنَّهُمْ إِذَا حَذَفُوا حَرْفَ الْجَرِّ نَصَبُوا فَصَارَ النَّصْبُ عِوَضًا عَنْ حَرْفِ الْقَسَمِ فَصَارَتْ فِيهِمْ يَمِينًا دُونَ غَيْرِهِمْ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ الْمَخْلُوقُونَ فِيهَا كَالرَّحْمَنِ فَيَمِينُهُ بِهِ كَيَمِينِهِ بِاللَّهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادِهِ كَالرَّحِيمِ: فَلَا يَصِحُّ يَمِينُهُ بِانْفِرَادِهِ حَتَّى يُضَافَ إِلَى صِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ الْمَخْلُوقُونَ فِيهَا.
وَأَمَّا يَمِينُهُ بِصِفَاتِ ذَاتِهِ فَكَقَوْلِهِ وَقُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَعِزَّةِ اللَّهِ فَيَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ مَعَ قِدَمِهِ فَأَمَّا صِفَاتُ أَفْعَالِهِ فَكَقَوْلِهِ وَخَلْقِ اللَّهِ، وَرِزْقِ اللَّهِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لِحُدُوثِهَا فَصَارَ كَيَمِينِهِ بِالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ الْقَسَمُ بِهَا فَإِذَا صَحَّ مَا يُقْسَمُ بِهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ وَصِفَاتِ ذَاتِهِ دُونَ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ، فَالْأَوْلَى بِالْحَاكِمِ أَنْ يَضُمَّ إِلَى اسْمِهِ فِي الْيَمِينِ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَكُونُ أَغْلَظَ لِلْيَمِينِ وَأَرْهَبَ لِلْحَالِفِ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ لَا إله غيره لأن في الأول إثبات لِإِلَهِيَّتِهِ وَنَفْيًا لِإِلَهِيَّةِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: مَقْصُورٌ عَلَى نفي إلاهية غَيْرِهِ ثُمَّ أَكَّدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ - وَهَذِهِ صِفَةٌ تَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ الْحَالِفُ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ الَّتِي أُحْلِفَ بِهَا كَانَ تَأْكِيدًا لَهَا وَإِنِ اقْتَصَرَ فِي الْيَمِينِ عَلَى اسْمِهِ فَأُحْلِفَهُ: وَاللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ صِفَاتِ التَّأْكِيدِ شَيْئًا، أَجَزَأَتِ الْيَمِينُ، لِأَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اقْتَصَرَ فِي إِحْلَافِ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَلَمْ يُغَلِّظْهَا بِالصِّفَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: وَهُوَ تَعْيِينُ الْقَاتِلِ، فَلِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَالْحَكَمَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا، عَيْنَهُ بِالِاسْمِ وَالْإِشَارَةِ فَقَالَ: بِاللَّهِ لَقَدْ قَتَلَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ

هَذَا الْحَاضِرُ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فُلَانًا، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِشَارَةِ دُونَ الِاسْمِ أَجَزَأَ لِأَنَّ الِاسْمَ مَعَ الْإِشَارَةِ تَأْكِيدٌ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْمِ دُونَ الْإِشَارَةِ أَجَزَأَ ذَلِكَ فِي الْغَائِبِ إِذَا رَفَعَ نَسَبَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْيِينِ الْغَائِبِ إِلَّا بِالِاسْمِ، وَفِي إِجْزَائِهِ فِي الْحَاضِرِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى الِاسْمِ دُونَ الْإِشَارَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الِاسْمِ حَتَّى يَضُمَّ إِلَيْهِ الْإِشَارَةَ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَنْفَى لِلِاحْتِمَالِ وَأَبْلَغُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَنْتَقِلُ وَيَقَعُ فِيهَا الِاشْتِرَاكُ، وَإِنْ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا مَعَ الْغَيْبَةِ وَتَرْكُ الْإِشَارَةِ مَعَ إِمْكَانِهَا يُحَدِثُ مِنَ الشُّبْهَةِ الْمُحْتَمَلَةِ مَا لَا تَحْدُثُ مَعَ الْغَيْبَةِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ - وَهُوَ تَعْيِينُ الْمَقْتُولِ، فَلِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهِ وَاسْتِحْقَاقَ الْمُطَالَبَةِ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا حَاضِرًا عُيِّنَ بِالِاسْمِ وَالْإِشَارَةِ، فَيَقُولُ وَاللَّهِ لَقَدْ قَتَلَ فَلَانٌ هَذَا الْحَاضِرُ، فَلَانَ بْنَ فُلَانٍ هَذَا الْمَقْتُولَ فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَعْيِينِ الْمَقْتُولِ بِالْإِشَارَةِ دُونَ الِاسْمِ أَجْزَأَ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَعْيِينِهِ بِالِاسْمِ دُونَ الْإِشَارَةِ كَانَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمُحْتَمَلَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ غَيْرَ مَوْجُودٍ، جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَعْيِينِهِ بِالِاسْمِ وَحْدَهُ لَكِنْ عَلَيْهِ مَعَ هَذَا أَنْ يَرْفَعَ فِي نَسَبِهِ مَا لَا يَرْفَعُ فِيهِ مَعَ الْإِشَارَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نَسَبَهُ وَصِفَتَهُ وَصِنَاعَتَهُ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ وَيَمْنَعُ مِنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ ذِكْرُ انْفِرَادِهِ بِقَتْلِهِ أَوْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ فَلِأَنَّ قَتْلَ الْمُنْفَرِدِ مُخَالِفٌ لِقَتْلِ الْمُشَارِكِ فِي الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْقَوَدِ وَإِنْ قَالَ: قَتَلَهُ وَحْدَهُ حَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ قَتَلَهُ وَحْدَهُ مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ مَا شَارَكَهُ فِي قَتْلِهِ غَيْرُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِ مَا شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ هَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ أَوْ شَرْطٌ وَاجِبٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ تَأْكِيدٌ فَإِنْ تَرَكَهُ فِي الْيَمِينِ أَجْزَأَ، لِأَنَّ انْفِرَادَهُ بِهِ يَمْنَعُ مِنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ شَرْطٌ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَرِدُ بِقَتْلِهِ وَيَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ إِكْرَاهٌ يَلْزَمُهُ بِهِ حُكْمُ الْقَتْلِ.
فَيَصِيرُ مُنْفَرِدًا فِي الْفِعْلِ ومشاركاً في الحكم، فلم يكفي مِنْهُ أَنْ يَقُولَ مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ حَتَّى يَقُولَ: مَا شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ لِيَنْفِيَ بِذَلِكَ أَنْ يَتَعَلَّقَ حُكْمُ الْقَتْلِ عَلَى مُكْرَهٍ غَيْرِ قَاتِلٍ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْقَتْلِ ذَكَرَ عَدَدَ الشُّرَكَاءِ، فَإِنْ قَالَ قَتَلَهُ هَذَا وَآخَرُ فَإِنْ حَضَرَ الْآخَرُ أَقْسَمَ عَلَيْهِمَا وَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ قَتَلَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ هَذَانِ مُنْفَرِدَيْنِ بقتله ما

شَرَكَهُمَا فِي قَتْلِهِ غَيْرُهُمَا وَإِنْ غَابَ الْآخَرُ عُيِّنَ الْحَاضِرُ وَجَازَ أَنْ يُسَمِّيَ الْغَائِبَ وَلَا يُسَمِّيَهُ، وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَقَدْ قَتَلَهُ هَذَا وَآخَرُ مَعَهُ مُنْفَرِدَيْنِ بِقَتْلِهِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَهُوَ صِفَةُ الْقَتْلِ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ، فَلِمَا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مِنِ اخْتِلَافِ الديتين وحكم القود، فإن كان عمد قَالَ: لَقَدْ قَتَلَهُ عَمْدًا وَإِنْ كَانَ خَطَأً، قَالَ: لَقَدْ قَتَلَهُ خَطَأً فَيَذْكُرُ الْخَطَأَ كَمَا يَذْكُرُ الْعَمْدَ وَإِنْ كَانَ أَضْعَفَهُمَا حُكْمًا لِأَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ فِي مَالِهِ وَدِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَذْكُرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِاخْتِلَافِ مَحَلِّهِمَا وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَصِفَ فِي يَمِينِهِ الْعَمْدَ وَلَا الْخَطَأَ، إِذَا كَانَ وَصَفَهُمَا فِي الدَّعْوَى لِأَنَّ يَمِينَ الْحَالِفِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ دُونَ الْحَالِفِ فَصَارَتْ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ مَحْمُولًا فِي صِفَةِ الْقَتْلِ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَحْلِفِ، فَهَلَّا كَانَ فِيمَا عَدَاهَا مِنَ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ لَا يَلْزَمُ ذِكْرُهَا وَيُحْمَلُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ قِيلَ: لِأَنَّ صِفَةَ الْقَتْلِ مُرَادٌ لِزَوَالِ الِاشْتِبَاهِ وَمَا عَدَاهَا مُرَادُ الِاسْتِحْقَاقِ بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنِ ادَّعَى الْجَانِي أَنَّهُ بَرَأَ مِنَ الْجِرَاحِ زَادَ وَمَا بَرَأَ مِنْ جِرَاحَةِ فُلَانٍ حَتَّى مَاتَ مِنْهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي مَجْرُوحٍ مَاتَ مَعَ لَوْثٍ فِي جِرَاحَتِهِ، فَأَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يُقْسِمَ، فَذَكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمَجْرُوحَ مَاتَ مِنْ غَيْرِ الْجِرَاحَةِ الَّتِي كَانَتْ بِهِ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ مَاتَ عُقَيْبَ الْجِرَاحَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهَا فَلَا يُؤَثِّرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى زَمَانِ مَوْتِهِ بَعْدَ الْجِرَاحَةِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الجراحة قد أندملت فيقسط حُكْمُ الْقَسَامَةِ فِيهَا لِاسْتِقْرَارِ حُكْمِهَا بِالِانْدِمَالِ وَبَطَلَتْ سِرَايَتُهَا إِلَى النَّفْسِ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَسَامَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دَمُهَا جَارِيًا لم تندمل فَهَذَا مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ مِنْهَا وَمُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهَا فَيَزِيدُ الْحَالِفُ مِنْ أَيْمَانِ قَسَامَتِهِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ فَإِنْ أَقْسَمَ عَلَى اثْنَيْنِ قَالَ: فِي يَمِينِهِ، وَأَنَّهُ مَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ جِرَاحَتِهِمَا وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحِهِمَا لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ جُرْحِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ أَجْرَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْقَتْلِ عَلَيْهِمَا.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الِانْدِمَالِ فَيَدَّعِيهِ الْجَانِي وَيُنْكِرُهُ الْمُدَّعِي فَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ لَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْجَانِي فَأَمَّا فِي الْقَسَامَةِ، فَفِيهِ وجهان:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ حَتَّى يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ بِبَقَاءِ الْجُرْحِ سَائِلَ الدَّمِ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ ثُمَّ يُقْسِمُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَّعِي بِخِلَافِهِ فِي غَيْرِ الْقَسَامَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا خَالَفَتِ الْقَسَامَةُ غَيْرَهَا فِي قَبُولِ قَوْلِ الْمُدَّعِي فِي الْقَتْلِ خَالَفَتْهُ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ بِهِ فِي سِرَايَةِ الْجِرَاحِ فَيُقْسِمُ عَلَى ذَلِكَ وَيَزِيدُ فِي يَمِينِهِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَفَ كَذَلِكَ مَا قَتَلَ فُلَانًا وَلَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ وَلَا نَالَهُ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا بِسَبَبِ فِعْلِهِ شَيْءٌ جَرَحَهُ وَلَا وَصَلَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْمِي فَيُصِيبُ شَيْئًا فَيَطِيرُ الَّذِي أَصَابَهُ فَيَقْتُلُهُ وَلَا أَحْدَثَ شَيْئًا مَاتَ مِنْهُ فُلَانٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْفِرُ الْبِئْرَ وَيَضَعُ الْحَجَرَ فَيَمُوتُ مِنْهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ يَمِينِ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَةِ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْقَسَامَةِ وَغَيْرِ الْقَسَامَةِ فَذَكَرَ فِي يَمِينِهِ سِتَّةَ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: مَا قتل فلان لِأَنَّهُ أَصْلُ الدَّعْوَى وَيَشْتَمِلُ قَوْلُهُ مَا قَتَلَ عَلَى التَّوْجِيهِ بِالذَّبْحِ وَعَلَى سِرَايَةِ الْجُرْحِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلَوْ جَمْعَ كَانَ أَحْوَطَ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ وَلَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الشَّرِكَةَ فِي الْقَتْلِ وَالْإِكْرَاهَ عَلَيْهِ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُمْسِكَ فِي الْقَتْلِ، هُوَ قَاتِلٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاتِلًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَذَكَرَهُ فِي يَمِينِهِ احْتِيَاطًا فَيَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي هريرة مستحب وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ وَاجِبًا.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ وَلَا نَالَهُ مِنْ فِعْلِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ لِهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ - إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ سِرَايَةُ الْجُرْحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ وُصُولُ السَّهْمِ عَنِ الْقَوْسِ.
وَهُوَ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ شَرْطٌ وَاجِبٌ وَتَكُونُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ شُرُوطًا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ وَلَا نَالَهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ شَيْءٌ جَرَحَهُ - اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ - إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَقْيُ السُّمِّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ شَرْطًا رَابِعًا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ - إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَرْمِيَ حَائِطًا بِسَهْمٍ أَوْ حَجَرٍ فَيَعُودُ السَّهْمُ أَوِ الْحَجَرُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ شَرْطًا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَقُولَ وَلَا وَصَلَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ وَقَدْ فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ مَا مَعْنَاهُ: أَنْ يَرْمِيَ حَجَرًا فَيُصِيبَ حَجَرًا فَيَنْقَطِعَ الثَّانِي فَيَقَعَ عَلَى ذَلِكَ فَيَقْتُلَهُ وَهَذَا شَرْطٌ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَقُولَ وَلَا أَحْدَثَ شَيْئًا مَاتَ مِنْهُ وَقَدْ فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ بِحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَنْ مَاتَ مِنْهُ وَهَذَا شَرْطٌ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الشُّرُوطُ السِّتَّةُ.
يَلْزَمُ مِنْهَا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مَا اخْتَصَّ بِهِ وَفِي قَتْلِ الْخَطَأِ مَا اخْتَصَّ بِهِ وَهِيَ غَايَةُ الشُّرُوطِ الَّتِي يُحْتَاطُ بِهَا فِي الْأَيْمَانِ، فَإِنْ قِيلَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَ مُوَافِقَةً لِدَعْوَى الْمُدَّعِي إِذَا فَسَّرَ فَلَمْ يَحْتَجْ فِي يَمِينِ إِنْكَارِهِ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُدَّعِي فِي تَفْسِيرِهِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فِي الدَّعْوَى الْمُطْلَقَةِ دُونَ الْمُفَسَّرَةِ وَهُوَ لَا يَرَى سَمَاعَهَا إِلَّا مُفَسَّرَةً فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّمَاعِ لِلدَّعْوَى مُطَلَقَةً غَيْرَ مُفَسَّرَةٍ وَجَعَلُوا ذَلِكَ قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ فَخَرَّجُوا سَمَاعَ الدَّعْوَى مُطْلَقَةً فِي الدَّمِ عَلَى قَوْلَيْنِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا مُفَسَّرَةً لِاحْتِيَاجِ الْمُدَّعِي إِلَى الْحَلِفِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا أَخْرَجُوهُ فِيمَا عَدَا الْقَسَامَةِ وَلَوْ فُسِّرَتِ الدَّعْوَى لَمَا تَجَاوَزَ الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الشَّافِعِيَّ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الدَّعْوَى الْمُفَسَّرَةِ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً، لِأَنَّ دَعْوَى الدَّمِ حَقُّ الْمَقْتُولِ فَإِنِ انْتَقَلَ إِلَى دَلِيلٍ اسْتَظْهَرَ الزَّائِدَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلِيُّهُ.
وَهُوَ لَا يَرَى سَمَاعَهَا مُطْلَقَةً وَشَرَطَ فِي الْيَمِينِ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلِيُّهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي حَقِّ طِفْلٍ أَوْ غَائِبٍ إِذَا ادَّعَى لَهُ الْقَتْلَ وَلِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ فَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ فِي الْيَمِينِ لَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ، وَلَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى لِحَاضِرٍ جَائِزِ الْأَمْرِ لَمْ يَسْتَظْهِرْ لَهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ.
كَالْبَيِّنَةِ إِذَا قَامَتْ بَدَيْنٍ عَلَى طِفْلٍ أَوْ غَائِبٍ.
اسْتَظْهَرَ الْحَاكِمُ بِإِحْلَافِ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَى حَاضِرٍ جَائِزِ الْأَمْرِ لَمْ يَحْلِفْ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن يدعيه الحاضر.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ لَمْ يَزِدْهُ السُّلْطَانُ عَلَى حَلِفِهِ بِاللَّهِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ الأيمان بالله) .

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل