كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ فَإِنْ قَصَّرَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَهِدَ.
وَالثَّالِثُ: الْفِطْنَةُ وَالذَّكَاءُ لِيَصِلَ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْمَنْطُوقِ بِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فِيهِ الْفِطْنَةُ وَالذَّكَاءُ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَمَوْضُوعِ خِطَابِهِمْ وَمَعَانِي كَلَامِهِمْ.
لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَهُمَا أَصْلُ الشَّرِيعَةِ وَرَدَا بِلِسَانِ الْعَرَبِ.
أَمَّا الْكِتَابُ مَعَ ظُهُورِ لِسَانِهِمْ فِيهِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ به الروح الأمين ... إِلَى قَوْلِهِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 192: 195] .
وَلَمْ يَقُلْ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ بِهِ، لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ.
وَالْمُرَادُ بِهِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَنْقُلَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ أَلْسِنَةِ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ إِبْطَالًا لِمَنْ جَوَّزَ ذَاكَ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ شَيْءٌ وَإِنِ اتَّفَقَ لِسَانُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، إِبْطَالًا لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةً كَالسُّنْدُسِ، وَالْإِسْتَبْرَقِ، وَالْقِسْطَاسِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فِي وُرُودِهَا بِلِسَانِ الْعَرَبِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4] وَلِأَنَّ الْعَرَبَ أَوَّلُ مَنْ أُنْذِرَ بِالْقُرْآنِ وَدَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ وَكُلِّفُوا الْفُرُوضَ وَالْأَحْكَامَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَبْعُوثًا إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا بِلِسَانِهِمْ وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَبْعُوثٌ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ فَلِمَ صَارَ مَبْعُوثًا بِلِسَانِ بَعْضِهِمْ؟ قِيلَ لَا تَخْلُو رِسَالَتُهُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِجَمِيعِ أَلْسِنَتِهِمْ وَهَذَا خَارِجٌ عَنِ الْعُرْفِ الْمُسْتَطَاعِ أَنْ يَرِدَ كُلُّ فَرْضٍ فِي الْقُرْآنِ مُكَرَّرًا بِكُلِّ لِسَانٍ.
وَإِذَا خَرَجَ عَنْ هَذَا وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِأَحَدِ الْأَلْسُنِ كَانَ لِسَانُ الْعَرَبِ بِهِ أَحَقَّ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَوَّلُ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِسَانَهُمْ أَوْسَعُ وَكَلَامَهُمْ أَفْصَحُ.
وَالثَّالِثُ: لِفَضْلِ الْمَتْبُوعِ عَلَى التَّابِعِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَرَبِيُّ النَّسَبِ وَالدَّارِ وَاللِّسَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ مَتْبُوعٍ فَكَانَ لِسَانُهُ مَتْبُوعًا أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ تابعا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَعْرِفَةُ لِسَانِ الْعَرَبِ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَغَيْرِ مُجْتَهِدٍ.
إِلَّا أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ مِنْ فَرْضِهِ مَا اخْتَصَّ بِتَكْلِيفِهِ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَمَا تَتَضَمَّنُ الصَّلَاةُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ وَلَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ مَا عَدَاهُ إِلَّا بِحَسَبِ مَا يَتَدَرَّجُ إِلَيْهِ فِي نَوَازِلِهِ وَأَحْكَامِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ " عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مَا بَلَغَهُ جُهْدُهُ فِي أَدَاءِ فَرْضِهِ كَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الصَّلَاةَ وَالْأَذْكَارَ ".
وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعْرِفَةَ لِسَانِ الْعَرَبِ فِي حُقُوقِ الْمُكَلَّفِينَ، لِأَنَّهُ يُبِيحُ الْقِرَاءَةَ وَالْأَذْكَارَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ.
فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَيَلْزَمُهُ فِي حُقُوقِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِسَانُ الْعَرَبِ لَا يُحِيطُ بِعِلْمِ جَمِيعِهِ وَاحِدٌ مِنَ الْعَرَبِ فَكَيْفَ يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ.
قِيلَ: لِسَانُ الْعَرَبِ وَإِنْ لَمْ يُحِطْ بِهِ وَاحِدٌ مِنَ الْعَرَبِ فَإِنَّهُ يُحِيطُ بِهِ جَمِيعُ الْعَرَبِ، وَالَّذِي يَلْزَمُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِأَكْثَرِهِ لِيَرْجِعَ فِيمَا عَزَبَ عنه إلى غيره أن جَمِيعَ السُّنَّةِ لَا يُحِيطُ بِهَا وَاحِدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا يُحِيطُ بِهَا جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُجْتَهِدُ مُحِيطًا بِأَكْثَرِهَا صَحَّ اجْتِهَادُهُ لِيَرْجِعَ فِيمَا عَزَبَ عَنْهُ إِلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ.
فَإِذَا تَكَامَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْمُجْتَهِدِ صَحَّ اجْتِهَادُهُ.
فَإِنْ قَصَدَ بِالِاجْتِهَادِ الْعِلْمَ صَحَّ اجْتِهَادُهُ، وَلَمْ تَكُنِ الْعَدَالَةُ شَرْطًا فِيهِ.
وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْحُكْمَ أَوِ الْفُتْيَا كَانَتِ الْعَدَالَةُ شَرْطًا فِي نُفُوذِ حُكْمِهِ وَقَبُولِ فُتْيَاهُ وَإِنْ لم تكن شرطا في صحة اجتهاده.
( [المجتهد في حكم خاص] )
:
وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي حُكْمٍ خَاصٍّ فَصِحَّةُ اجْتِهَادِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِمَا يَجْتَهِدُ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ إِذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ كَانَ الشَّرْطُ فِي صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ صِحَّةَ الْبَصَرِ وَمَعْرِفَةَ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ.
وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ فِي الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ كَانَتْ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ مُعْتَبَرَةً بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَمَا يُرَاعِي مِنْ غَلَبَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الصَّغَائِرِ وَتَغْلِيبِ الْحُكْمِ فِي الْكَبَائِرِ.
وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ فِي الْمِثْلِ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ كَانَتْ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ فِيهِ مُعْتَبَرَةً بِمَعْرِفَةِ الْأَشْبَاهِ فِي ذِي الْمِثْلِ وَمَعْرِفَةِ الْقِيَمِ فِي غَيْرِ ذِي الْمِثْلِ ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ فِيمَا عَدَاهُ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا اسْتَقَرَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمُجْتَهِدِ تَعَلَّقَ بِهِ فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُ اجْتِهَادِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَالثَّانِي: جواز الاجتهاد في زمان الأنبياء.
( [جواز اجتهاد الْأَنْبِيَاءِ] )
:
فَأَمَّا اجْتِهَادُ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.
فَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَجْتَهِدُوا وَلَا لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَجْتَهِدَ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى النَّصِّ بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِمْ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3] وَلِأَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَقَّفَ فِي إِحْرَامِهِ وَلَمْ يَجْتَهِدْ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَتَوَقَّفَ فِي اللِّعَانِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ.
وَتَوَقَّفَ فِي مِيرَاثِ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِأَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا.
وَلَوْ سَاغَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لَسَارَعَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ الظاهر من مذهب الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَجْتَهِدُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 78 - 79] وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اجْتِهَادُ الْأَنْبِيَاءِ سَائِغًا وَكَانَ جَمِيعُ أَحْكَامِهِمْ نَصًّا لَمَا أَخْطَأَ دَاوُدُ وَلَا أَصَابَ سُلَيْمَانُ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدِ اجْتَهَدَ فِي أَسْرَى بَدْرٍ وَفِيمَنِ اشْتَرَطَ رَدَّهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ.
فَأَمَّا تَوَقُّفُهُ فِي اللِّعَانِ وَفِي مِيرَاثِ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ فَلِيَعْلَمَ هَلْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ نَصٌّ فَلَا يَجْتَهِدُ أَوْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ فَيَجْتَهِدُ، وَلِأَنَّ جَوَازَ الِاجْتِهَادِ فَضِيلَةٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ عَنْهَا الْأَنْبِيَاءُ وَإِنَّمَا الْوَحْيُ بحسب الأصلح.
فإذا صح اجتهاده فقد اختلف أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ وَجَوَازِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ لِلْأَحْكَامِ أَصْلًا هُوَ الْكِتَابُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ سُنَّتِهِ إِذَا خَلَا الْكِتَابُ مِنْهَا.
وَعِنْدِي أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَجَائِزًا لَهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى حُقُوقِهِمْ إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ، فَلَزِمَهُ وَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ الِاجْتِهَادَ فِي حُقُوقِهِ أَمَرَهُ.
ثُمَّ إِذَا اجْتَهَدَ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَسْتَبِيحُ الِاجْتِهَادَ بِرَأْيِهِ أَوْ يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى دَلَائِلِ الْكِتَابِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي اجْتِهَادِهِ إِلَى الْكِتَابِ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَعَانِي مَا خَفِيَ مِنْهُ مِنْ جَمِيعِ أُمَّتِهِ، فَكَانَ اجْتِهَادُهُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ وَلَا يَرْجِعَ إِلَى أَصْلٍ مِنَ الْكِتَابِ، لِأَنَّ سُنَّتَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ مِثْلُ الْكِتَابِ قَدْ نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " إِنَّمَا أَجْتَهِدُ رَأْيِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ ".
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي عِصْمَةِ اجْتِهَادِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْخَطَأِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِي اجْتِهَادِهِمْ مِنَ الْخَطَأِ لِتَسْكُنَ النَّفْسُ إِلَى الْتِزَامِ أَوَامِرِهِمْ بِانْتِفَاءِ الْخَطَأِ عَنِ اجْتِهَادِهِمْ.
وَهَذَا مُقْتَضَى الْوَجْهِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُمْ لَا يَجْتَهِدُونَ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ مِنْ نَصٍّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ مِنَ الْخَطَأِ فِيهِ لِوُجُودِهِ مِنْهُمْ لَكِنْ لَا يُقِرُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ لِيَزُولَ الِارْتِيَابُ بِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُقِرًّا عَلَيْهِ، لِأَنَّ دَاوُدَ قَدْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ فَاسْتَدْرَكَهُ اللَّهُ بِإِصَابَةِ سُلَيْمَانَ، وَاجْتَهَدَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي أَسْرَى بَدْرٍ بَعْدَ مُشَاوَرَةِ أَبَى بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ فَأَنْكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] .
وَهَذَا مُقْتَضَى الْوَجْهِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدُوا بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِنَصٍّ.
وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّ نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَعْصُومُ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْخَطَأِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ يَسْتَدْرِكُ خَطَأَهُ لِانْخِتَامِ النُّبُوَّةِ بِهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ بُعِثَ بَعْدَهُ مَنْ يَسْتَدْرِكُ خَطَأَهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ مُقَرِّينَ عَلَى الْخَطَأِ فِي وَقْتِ التَّنْفِيذِ وَلَا يُمْهَلُونَ فِيهِ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَسْتَدْرِكَهُ نَبِيٌّ بَعْدَ نَبِيٍّ فَاسْتَوَى فِيهِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ.
فَهَذَا حُكْمُ اجْتِهَادِهِمْ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ.
فَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا فَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِيهَا الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَمِعَ ضَجَّةً بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: إِنَّهُمْ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ.
فَقَالَ: " وَمَا يَنْفَعُ ذَلِكَ إِنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُ لَمْ يَضُرَّهُمْ " فَبَلَغَهُمْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَقَلَّ حَمْلُ النَّخْلِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَرَدُّوهُ إِلَيَّ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ به ".
(فصل: جواز الاجتهاد في زمن الأنبياء)
:
وَأَمَّا جَوَازُ اجْتِهَادِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي زَمَانِ الْأَنْبِيَاءِ كَاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ غَائِبًا عَنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى سُؤَالِهِ فِي وَقْتِهِ فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ دَاعِيَيْنِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَحَاكِمَيْنِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَوَالِيَيْنِ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَيَجُوزُ اجْتِهَادُ ذِي الْوِلَايَةِ فِي عَصْرِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّ مُعَاذًا أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِاجْتِهَادِ رَأْيِهِ فَاسْتَصْوَبَهُ وَحَمِدَهُ.
وَسَوَاءٌ اجْتَهَدَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِذْ قَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا اجْتَهَدَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ سُؤَالُهُ مُسْتَحَبًّا، وَيَكُونُ مَا اجْتَهَدَ فِيهِ أَثَرًا مَتْبُوعًا مَا لَمْ يَرِدْ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خِلَافُهُ كَمَا اتَّبَعَ مُعَاذٌ فِي قَوْلِهِ: " أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ إِلَى غَيْرِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ فِي مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ وَالْمِخْلَافُ الْقَرْيَةُ.
وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْمَوْلَى بِذَلِكَ، لِأَنَّ فِي الْوِلَايَةِ إِذْنًا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا تَضَمَّنَهَا.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ وِلَايَةٌ فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَظْفَرَ بِأَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالظَّاهِرِ مِنْهُمَا وَلَا يَلْزَمُهُ إِذَا قَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا اجْتَهَدَ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ بِأَصْلٍ لَازِمٍ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْدَمَ أَصْلًا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ.
فَأَمَّا اجْتِهَادُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ: فَإِنْ كَانَ فِيمَا يُخَافُ فَوَاتُهُ جَازَ اجْتِهَادُهُ فِيهِ وَعَلَيْهِ إِذَا قَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَيْهِ لِأَجْلِ السُّؤَالِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُخَافُ فَوَاتُهُ فَفِي جَوَازِ اجْتِهَادِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يُشَرِّعَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ لِيَعْمَلَ بِمَا كُلِّفَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَيَعْمَلَ بِاجْتِهَادِهِ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ الْبَيْضَاءِ ".
فَعَلَى هَذَا فِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ فِي اجْتِهَادِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يُقَلِّدَ فِيهِ لِوُجُودِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ إِذَا قَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا اجْتَهَدَ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى يَسْأَلَ إِنْ حَضَرَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْعَالِمَ وَإِنْ وُجِدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ إِذَا قَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا اجْتَهَدَ فِيهِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُشَرِّعًا بِغَيْرِ أَصْلٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ حَاضِرًا فِي مدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَغَائِبًا عَنْ مَجْلِسِهِ.
فَإِنْ رَجَعَ فِي اجْتِهَادِهِ إِلَى أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحَّ وَجَازَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيُفْتِيَ قَدْ سَأَلَ الْعَجْلَانِيُّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ [بِالْمَدِينَةِ] عَنْ قَذْفِ امْرَأَتِهِ بَيْنَ أَسْمَاءَ فَقَالَ لَهُ: حَدٌّ فِي جَنْبِكَ إِنْ لَمْ تَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، ثُمَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَخْبَرَهُ بِمَا قِيلَ لَهُ فَتَوَقَّفَ حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْعَجْلَانِي سُؤَالَ غَيْرِهِ، وَلَا أُنْكِرُ عَلَى مَنْ أَجَابَهُ مَعَ حُضُورِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَرْجِعِ الْمُجْتَهِدُ إِلَى أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ فَقَدَ جَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا اجْتِهَادَهُ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَلَا يُعْجِبُنِي وَاحِدٌ مِنَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَصِحُّ اجْتِهَادُهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلَا يَصِحُّ اجْتِهَادُهُ فِي الْعِبَادَاتِ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَكْلِيفٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَوَامِرِ بِهَا وَالْمُعَامَلَاتِ تَخْفِيفٌ تُعْتَبَرُ النَّوَاهِي عَنْهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَاجْتِهَادُهُ مُعْتَبَرٌ بِأَمْرِ الرَّسُولِ.
فَإِنْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالِاجْتِهَادِ صَحَّ اجْتِهَادُهُ كَمَا حَكَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَكَمَ بِقَتْلِ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي وَاسْتِرْقَاقِ مَنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذَا حُكْمٌ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاجْتِهَادِ لَمْ يَصِحَّ اجْتِهَادُهُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِهِ فَيُقِرُّهُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ بِإِقْرَارِهِ عَلَيْهِ صَحِيحًا كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ بِحَضْرَةِ الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَلَبِ الْقَتِيلِ وَقَدْ حَصَلَ مَعَ غَيْرِ قاتله: " لا هاء الله إذا تَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَنُعْطِيكَ سَلَبَهُ ". فَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَصَحَّ اجْتِهَادُهُ حِينَ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اضْطَرَبَتْ أَجْوِبَةُ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مَا ذَكَرْنَاهُ.
(فصل: [وجوه الاجتهاد] )
:
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَيَانُ حُكْمِهِ، فَقَدْ قِيلَ إِنَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَحْكَامِ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَحْوِ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ، وَالَّذِي تَضَمَّنَتْهُ السُّنَّةُ نَحْوَ خَمْسِمِائَةِ حَدِيثٍ، وَنَوَازِلُ الْأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَلَا تَقِفُ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ مُضَاعَةً لَا تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ تُوصِلُهُمْ إِلَى الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ النَّوَازِلِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 4] ، وَرَوَى الْمُطَّلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " ما تركت شيئا مما أمركم بِهِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَلَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ ".
فَدَلَّتِ الْآيَةُ فِي إِكْمَالِ الدِّينِ وَدَلَّ الْخَبَرُ فِي اسْتِيفَاءِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، عَلَى أَنَّ لِلْأَحْكَامِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا أُصُولًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ مَا أُغْفِلَ بَيَانُهُ فِيهِمَا وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِيمَا تَضَمَّنَهَا مِنَ الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ، وَاسْتِخْرَاجِ مَا تَضَمَّنَهَا مِنَ الْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَةِ لِيَكُونَ الدِّينُ قَدْ كَمُلَ وَالْأَحْكَامُ قَدْ وَضُحَتْ، فَإِنَّ النُّصُوصَ عَلَى الْحَوَادِثِ مَعْدُولٌ عَنِ اسْتِيعَابِهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَاقٌّ فِي الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِهِ.
وَالثَّانِي: لِيَتَفَاضَلَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِنْبَاطِهِ.
فَصَحَّ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَنْ يَكُونَ الِاجْتِهَادُ فِي الشَّرْعِ أَصْلًا يَسْتَخْرِجُ بِهِ حُكْمَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعٌ.
وَإِذْ قَدْ مَضَى الِاجْتِهَادُ فِي أَعْصَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَجَبَ أَنْ يُوَضَّحَ اجْتِهَادُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا بَعْدَهُمْ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ حُكْمُ الِاجْتِهَادِ مُسْتَخْرَجًا مِنْ مَعْنَى النَّصِّ كَاسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الرِّبَا مِنَ الْبُرِّ فَهَذَا صَحِيحٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنْهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ شَبَهِ النَّصِّ كَالْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ تَمَلُّكِهِ لِتَرَدُّدِ شَبَهِهِ بِالْحُرِّ فِي أَنَّهُ يُمَلَّكُ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَشُبْهَةُ الْبَهِيمَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَيْسَ بِمَدْفُوعٍ عَنْهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ غَيْرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْقِيَاسِ جَعَلَهُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ أَحَدِ الشَّبَهَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ جَعَلَهُ مُلْحَقًا بِأَحَدِ الشَّبَهَيْنِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ عُمُومِ النَّصِّ كَالَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] يَعُمُّ الْأَبَ وَالزَّوْجَ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَهَذَا صَحِيحٌ يُوصَلُ إِلَيْهِ بالترجيح.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ إِجْمَالِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ فِي مُتْعَةِ الطَّلَاقِ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] فَصَحَّ الِاجْتِهَادُ فِي إِجْمَالِ قَدْرِ الْمُتْعَةِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ أَحْوَالِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] فَأَطْلَقَ صِيَامَ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ، فَاحْتُمِلَ قَبْلَ عَرَفَةِ وَبَعْدَهَا وَأَطْلَقَ صِيَامَ السَّبْعَةِ إِذَا رَجَعَ فَاحْتُمِلَ إِذَا رَجَعَ فِي طَرِيقِهِ وَإِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ فَصَحَّ الِاجْتِهَادُ فِي تَغْلِيبِ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ: مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ دَلَائِلِ النَّصِّ: كَقَوْلِهِ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] الْآيَةَ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ بِمُدَّيْنِ بِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى لِكُلِّ مسكين مدين.
وَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الْمُعْسَرِ بِمُدٍّ بِأَقَلِّ جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي شهر رمضان لكل مسكين مدا.
وَالْقِسْمُ السَّابِعُ: مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ أَمَارَاتِ النَّصِّ كَاسْتِخْرَاجِ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ فِيمَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] فَصَحَّ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا مِنْ هُبُوبِ الرِّيَاحِ وَمَطَالِعِ النُّجُومِ.
وَالْقِسْمُ الثَّامِنُ: مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ غَيْرِ نَصٍّ وَلَا أَصْلٍ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ الِاجْتِهَادُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِأَصْلٍ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الشَّرْعِ إِلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِالِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّهُ تَغْلِيبُ ظَنٍّ بِغَيْرِ أَصْلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ الِاجْتِهَادُ بِهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ فَجَازَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ أَصْلٍ، وَقَدِ اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى مَا دُونَ الْحُدُودِ بِآرَائِهِمْ فِي أَصْلِهِ مِنْ ضَرْبٍ وَحَبْسٍ، وَفِي تَقْدِيرِهِ بِعَشْرِ جَلْدَاتٍ فِي حَالٍ، وَبِعِشْرِينَ فِي أُخْرَى، وَبِثَلَاثِينَ فِي أُخْرَى، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَقَادِيرِ أَصْلٌ مَشْرُوعٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَبَيْنَ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ يُسْتَعْمَلُ مَعَ عَدَمِ القياس.
(فصل: [ما يجب في الاجتهاد] )
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يَجِبُ فِي الِاجْتِهَادِ: فَالَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقْصِدَ
بِاجْتِهَادِهِ طَلَبَ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصَابَةَ الْعَيْنِ الَّتِي يَجْتَهِدُ فِيهَا هَذَا هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِهِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ بِاجْتِهَادِهِ طَلَبَ الْحَقِّ عِنْدَ نَفْسِهِ، لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالنُّصُوصِ.
وَالَّذِي هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ طَلَبَ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْحَقَّ مَا كَانَ عِنْدَهُ حَقًّا لَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَعَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِاجْتِهَادِهِ إِلَى طَلَبِ الْحَقِّ وَإِصَابَةِ الْعَيْنِ فَيَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ الَّذِي عَلَى الْمُجْتَهِدِ هُوَ الِاجْتِهَادُ لِيَعْمَلَ بِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَيَجْعَلُونَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادَ وَلَا يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ طَلَبَ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ.
وَيُقَالُ إِنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ.
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيُقَالُ: إِنَّ مَذْهَبَهُ فِيهِ مُخْتَلِفٌ يَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ طَلَبَ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ كَقَوْلِنَا، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادَ لِيَعْمَلَ بِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَدِ اخْتَلَطَتْ مَذَاهِبُ النَّاسِ فِي هَذَا حَتَّى الْتَبَسَتْ وَاشْتَبَهَتْ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادَ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ طَلَبَ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادَ بِغَيْرِ أَصْلٍ بِأَنَّ مَا أَخْفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا طَرِيقَ لَنَا إِلَى إِظْهَارِهِ وَفِي الْتِزَامِهِ تَكْلِيفُ مَا خَرَجَ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ كَإِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ اسْتِدْلَالٌ وَالْحُكْمُ هُوَ الْحَقُّ الْمَطْلُوبُ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ الْوُجُوبُ بِالِاسْتِدْلَالِ دُونَ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ، لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مَقْصُودٌ بِمَدْلُولٍ عَلَيْهِ وَقَدْ نَصَّبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا أَخْفَاهُ أَمَارَاتٍ تُوصِلُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ.
(فَصْلٌ: [فِي حُكْمِ الاجتهاد] )
:
وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي حِكَمِ الِاجْتِهَادِ فَلَيْسَ يَخْلُو حَالُ الحُكْمِ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ مِنْ أَنْ تَتَّفِقَ عَلَيْهِ أَقَاوِيلُ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ تَخْتَلِفُ.
فَإِنِ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أَقَاوِيلُهُمْ صَارَ إِجْمَاعًا تَعَيَّنَ فِيهِ الْحَقُّ وَسَقَطَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ مِنْ بَعْدِهِ كَسُقُوطِ الِاجْتِهَادِ مَعَ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ بَعْدَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَقَاوِيلُ الْمُجْتَهِدِينَ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ وَصِفَاتِ الذَّاتِ، فَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي كُلِّفَ الْعِبَادُ طَلَبَهُ، وَمَا عَدَاهُ بَاطِلٌ فَمَنْ أَصَابَهُ فَقَدْ أَصَابَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَصَابَ فِي الْحَقِّ وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَخْطَأَ فِي الْحَقِّ.
وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَشَذَّ عَنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ فَجَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا خَطَأٌ فَاحِشٌ، لِأَنَّ أُصُولَ التَّوْحِيدِ وَصِفَاتِ الذَّاتِ لَا تَخْتَلِفُ فَلَمْ يَصِحَّ تَجْوِيزُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ قَدْ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَزْمَانِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مُسَوَّغًا فِيهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ: أَنْ يَكُونَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ كَاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَفِي مُقَاسَمَةِ الْإِخْوَةِ لِلْجَدِّ وَفِي تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ وَابْنُهَا حَيٌّ وَفِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ:
فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي جَمِيعِهَا، وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ وَمُصِيبٌ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ اخْتِلَافِ الْجَمِيعِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْجَمِيعِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَنَا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مُتَعَيِّنٌ؛ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي الزَّمَانِ الْوَاحِدِ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ حَلَالًا وَحَرَامًا؛ لِأَنَّ مَا حَلَّ لِشَخْصٍ فِي حَالٍ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِتَنَافِيهِ وَتَنَاقُضِهِ، وَلِأَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ فِي اجْتِهَادِهِمْ فِي الْقِبْلَةِ إِلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: هَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ أَمْ لَا.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا ظَهَرَ مِنْهُ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ أَنَّ الْمُصِيبَ مِنْهَا وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَإِنَّ جَمِيعَهُمْ مُخْطِئٌ إِلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدَ، فَمَنْ أَصَابَ الْحَقَّ فَقَدْ أَصَابَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَصَابَ فِي الْحُكْمِ، وَمَنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ فَقَدْ أَخْطَأَ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَخْطَأَ فِي الْحُكْمِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمَّا كَانَ فِي وَاحِدٍ لَمْ يَكُنِ الْمُصِيبُ إِلَّا وَاحِدًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي
وَاحِدٍ فَمَنْ أَصَابَهُ فَقَدْ أَصَابَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَصَابَ فِي الْحُكْمِ.
وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَصَابَ فِي الْحُكْمِ.
وَقَدْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، لِأَنَّ لَهُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الْقِبْلَةِ قَوْلَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ وَخَرَّجَهُ قَوْلًا ثَانِيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا مُخْتَلِفٌ فَيَجْعَلُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَيَجْعَلُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُخْطِئًا إِلَّا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ كَقَوْلِنَا.
وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا مَا أَخْطَأَ مُجْتَهِدٌ، وَقَدْ نَسَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ دَاوُدَ إِلَى الْخَطَأِ وَسُلَيْمَانَ إِلَى الْإِصَابَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " فَنَسَبَهُ إِلَى الْخَطَأِ وَإِنْ جَعَلَ لَهُ أَجْرًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ لَمَا شُورِكَ بَيْنَهُمَا فِي الْأَجْرِ.
قِيلَ: وَلَوِ اتَّفَقَا فِي الْإِصَابَةِ لَمَا فُوضِلَ بَيْنَهُمَا فِي الْأَجْرِ.
وَقَدْ خَطَّأَ الصَّحَابَةُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " أَلَا لَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ أَبًا " وَقَالَ فِي الْعَوْلِ " مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَالَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالَجَ عَدَدًا مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْمَالِ نِصْفَيْنِ وَثُلُثًا، هَذَانِ النِّصْفَانِ قَدْ ذَهَبَا بِالْمَالِ فَأَيْنَ الثُّلُثُ " وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ فِي الْمُجْهِضَةِ حِينَ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَنْتَ مُعَلَّمٌ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنْ كَانَا مَا اجْتَهَدَا فَقَدْ غَشَّا وَإِنْ كَانَا قَدِ اجْتَهَدَا فَقَدْ أَخْطَآ فَعَلَيْكَ الدِّيَةُ فَلَمْ يُنْكِرُوا خَطَأَ الْمُجْتَهِدِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا اسْتَجَازُوا أَنْ يُوَلُّوا مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الِاجْتِهَادِ دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَلَوْ كَانَ مُخْطِئًا لَمَا اسْتَجَازُوا تَوْلِيَةَ مُخَالِفٍ، قِيلَ قَدْ أَنْكَرَ عَلِيٌّ عَلَى شُرَيْحٍ حِينَ خَالَفَهُ فِي ابْنَيْ عَمِّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، وَقَالَ: عَلَيَّ بِالْعَبْدِ الْأَبْطَرِ وَعَزَلَهُ عَنِ الْقَضَاءِ.
عَلَى أَنَّ نُفُوذَ الِاجْتِهَادِ عَيْنُ الْحُكْمِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ وَقْتَ الْحُكْمِ.
وَلِأَنَّ تَصْوِيبَ كُلِّ الْمُجْتَهِدِينَ يُؤَدِّي إِلَى تَصْوِيبِ مَنْ نَفَى تَصْوِيبَ الْمُجْتَهِدِينَ فَصَارَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ التَّصْوِيبِ رَاجِعًا عَلَيْهِ فِي إِبْطَالِ التَّصْوِيبِ.
فَإِذَا صَحَّ أَنَّ جَمِيعَهُمْ مُخْطِئٌ فِي الِاجْتِهَادِ إِلَّا وَاحِدًا هُوَ الْمُصِيبُ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَيَّنٍ فَالْمُصِيبُ مِنْهُمْ مَأْجُورٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَعَلَى الصَّوَابِ، وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فَغَيْرُ مَأْجُورٍ عَلَى الْخَطَأِ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَجْرِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ:
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ وإن أخطأ فيه لقصد الصواب وإبن لَمْ يَظْفَرْ بِهِ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ هُوَ مَأْثُومٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ لِخَطَئِهِ فِيهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: لَيْسَ بِمَأْجُورٍ عَلَيْهِ وَلَا مَأْثُومٍ فِيهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ".
وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ لِأَجْلِ هَذَا يَقُولُ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَيَ أَنَّهُ أَدَّى مَا كُلِّفَ مِنْ الِاجْتِهَادِ، مُخْطِئٌ لِلْحُكْمِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا وَاحِدًا.
وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ كُلِّفَ الِاجْتِهَادَ الْمُؤَدِّي إِلَى الصَّوَابِ وَلَمْ يُكَلَّفْ الِاجْتِهَادَ الْمُؤَدِّي إِلَى الْخَطَأِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بِنِيَّتِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَبِمَا تَكَلَّفَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ الَّذِي اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " نِيَّةُ الْمَرْءِ مِنْ خَيْرٍ مِنْ عَمَلِهِ ".
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ نِيَّتَهُ فِي الِاجْتِهَادِ خَيْرٌ مِنْ خَطَئِهِ فِي الِاجْتِهَادِ.
وَالثَّانِي: يَعْنِي أَنَّ نِيَّتَهُ خَيْرٌ مِنْ خَيِّرَاتِ عَمَلِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ النِّيَّةَ أَوْسَعُ مِنَ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهَا تَسْبِقُ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ فَيُعَجِّلُ الثَّوَابَ عَلَيْهَا.
(فصل: [الاستنباط] )
وَأَمَّا الِاسْتِنْبَاطُ: وَهُوَ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مُقَدِّمَتَيِ الْقِيَاسِ فَهُوَ مِنْ نَتَائِجِ الِاجْتِهَادِ فَكَانَ فَرْعًا لَهُ وَأَصْلًا لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي تِلْوَ الِاجْتِهَادِ فِي الدَّلَائِلِ، وَصِحَّةُ الْقِيَاسِ تَكُونُ بَعْدَ اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي، فَلِذَلِكَ صَارَ الِاسْتِنْبَاطُ فَرْعًا لِلِاجْتِهَادِ وَأَصْلًا لِلْقِيَاسِ.
وَالِاسْتِنْبَاطُ مُخْتَصٌّ بِاسْتِخْرَاجِ الْمَعَانِي مِنْ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ، مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِنْبَاطِ الْمَاءِ الَّذِي اسْتُخْرِجَ مِنْ مَعْدِنِهِ، وَمِنْهُ سُمِّي النَّبَطُ لِاسْتِنْبَاطِهِمُ الْمَاءَ بِالِاسْتِخْرَاجِ لَهُ مِنْ مَعَادِنِهِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَحْكَامِ أَعْلَامًا هِيَ أَسْمَاءٌ وَمَعَانٍ.
فَالْأَسْمَاءُ أَلْفَاظٌ ظَاهِرَةٌ تُعْرَفُ بِالْبَدِيهَةِ.
وَالْمَعَانِي عِلَلٌ بَاطِنَةٌ تُعْرَفُ بِالِاسْتِنْبَاطِ.
فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالِاسْمِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ وَبِالْمَعْنَى مُتَعَدِّيًا عَنْهُ، فَصَارَ مَعْنَى الِاسْمِ أَحَقَّ بِالْحُكْمِ مِنْ الِاسْمِ، لِعُمُومِ الْمَعْنَى بِالتَّعَدِّي، وَخُصُوصِ الِاسْمِ بِالْوُقُوفِ.
وَلَئِنْ كَانَتِ العاني تَابِعَةً لِلْأَسْمَاءِ، لِأَنَّهَا مُسْتَوْدَعَةٌ فِيهَا فَالْأَسْمَاءُ تَابِعَةٌ لمعانيها.
لِتَعَدِّيهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ تَوَزَّعْنَا فِي تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالْمَعَانِي كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ كَافِيًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مَعَانِي الْأَحْكَامِ بِالِاجْتِهَادِ لِيُعْلَمَ بِالْقِيَاسِ حُكْمُ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ مِنْ مَعَانِي مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ، فَمَا وُجِدَ فِيهِ مَعْنَى النَّصِّ شَارَكَهُ فِي حُكْمِهِ قِيَاسًا، وَمَا عُدِمَ فِيهِ مَعْنَى النَّصِّ خَالَفَهُ فِي حُكْمِهِ عَكْسًا فَيَكُونُ الْقِيَاسُ مُوجِبًا لِحُكْمِ الْإِثْبَاتِ فِي الطَّرْدِ وَحُكْمِ النَّفْيِ فِي الْعَكْسِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَهُ مُوجِبًا لِحُكْمِ الطَّرْدِ فِي الْإِثْبَاتِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُوجِبًا لِحُكْمِ الْعَكْسِ فِي النَّفْيِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنِ اعْتَبَرَ صِحَّةَ الْعِلَّةِ بِالطَّرْدِ دُونَ الْعَكْسِ وَذَاكَ قَوْلُ مَنِ اعْتَبَرَ صِحَّتَهَا بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ: أَنَّ الْمَعْنَى مَا وَجَبَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ حَتَّى تَعَدَّى إِلَى الْفَرْعِ.
وَالْعِلَّةُ اجْتِذَابُ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ.
فَصَارَ الْمَعْنَى مَا ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَالْعِلَّةُ مَا ثَبَتَ بِهَا حُكْمُ الْفَرْعِ.
ثُمَّ هُمَا بَعْدَ هَذَا الْفَرْقِ يَجْتَمِعَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي الِاجْتِمَاعِ.
فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ مَوْجُودٌ فِي الْمَعْنَى وَالْعِلَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى وَالْعِلَّةَ مَوْجُودَانِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي الِافْتِرَاقِ.
فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ الْمَعْنَى وَلَيْسَ الْمَعْنَى مُسْتَنْبَطًا مِنَ الْعِلَّةِ لِتَقَدُّمِ الْمَعْنَى وَحُدُوثِ الْعِلَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ وَالْمَعَانِي لَا تَشْتَمِلُ عَلَى عِلَلٍ، لِأَنَّ الطَّعْمَ وَالْجِنْسَ مَعْنَيَانِ وَهُمَا عِلَّةُ الرِّبَا.
وَقَدْ أَلِفَ الْفُقَهَاءُ أَنْ يُعَبِّرُوا عَنِ الْمَعْنَى بِالْعِلَّةِ وَعَنِ الْعِلَّةِ بِالْمَعْنَى وَلَا يُوقِعُوا بَيْنَهُمَا فَرْقًا إِمَّا اتِّسَاعًا وَإِمَّا اسْتِرْسَالًا.
وَالتَّحْقِيقُ فِيهِمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ تُعْتَبَرُ بِهَا صِحَّتُهُمَا ثُمَّ تَخْتَصُّ الْعِلَلُ دُونَ الْمَعَانِي بِشَرْطَيْنِ مختلف فيهما.
( [شروط صحة المعاني والعلل] )
:
فَأَمَّا الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي صِحَّتِهِمَا:
فَأَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ، فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى لِلْحُكْمِ وَلَا عِلَّةَ لَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَرْجُمْ مَاعِزًا لِاسْمِهِ وَلَا لِهَيْئَةِ جِسْمِهِ، وَلَكِنْ رَجَمَهُ لِلزِّنَا فَصَارَ الزِّنَا عِلَّةَ الرَّجْمِ، كَمَا أَثْبَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرِّبَا فِي الْبُرِّ لَيْسَ، لِأَنَّهُ مَزْرُوعٌ وَلَكِنْ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ فَكَانَ الطَّعْمُ عِلَّةَ الرِّبَا دُونَ الزَّرْعِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يُسَلِّمَ الْمَعْنَى وَالْعِلَّةَ عَلَى الْأُصُولِ وَلَا يَرُدُّهُمَا نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ لَهُمَا يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا فلم يجزان يَكُونَ رَافِعًا لَهُمَا، فَإِذَا رَدَّهُ أَحَدُهُمَا بَطَلَ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُعَارِضَهُمَا مِنَ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُمَا فَإِنَّ الْأَقْوَى أَحَقُّ بِالْحُكْمِ مِنَ الْأَضْعَفِ كَمَا أَنَّ النَّصَّ أَحَقُّ بِالْحُكْمِ مِنَ الْقِيَاسِ، وَمَا أَدَّى إِلَى إِبْطَالِ الْأَقْوَى فَهُوَ الْبَاطِلُ بِالْأَقْوَى.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَطَّرِدَ الْمَعْنَى وَالْعِلَّةُ فَيُوجَدُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِمَا فَيَسْلَمَا مِنْ نَقْضٍ أَوْ كَسْرٍ.
فَإِنْ عَارَضَهُمَا نَقْضٌ أَوْ كَسْرٌ فَعُدِمَ الْحُكْمُ مَعَ وُجُودِهِمَا فَسَدَ الْمَعْنَى وَبَطَلَتِ الْعِلَّةُ، لِأَنَّ فَسَادَ الْعِلَّةِ يَرْفَعُهَا وَفَسَادَ الْمَعْنَى لَا يَرْفَعُهُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى لَازِمٌ وَالْعِلَّةَ طَارِئَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ إِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الْبُرِّ لَمْ يَبْطُلْ أَنْ يَكُونَ الْكَيْلُ بَاقِيًا فِي الْبُرِّ فَيَصِيرُ التَّعْلِيلُ بَاطِلًا وَالْمَعْنَى بَاقِيًا.
وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ لِيَسْلَمَ مِنَ النَّقْضِ الْمُعْتَرَضِ وَيَكُونُ دُخُولُ النَّقْضِ عَلَيْهِمَا بِارْتِفَاعِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِهِمَا دَلِيلًا عَلَى فَسَادِهَا.
فَأَمَّا الْعِلَلُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ تَخْصِيصِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا اعْتِبَارًا بِالْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا؛ لِأَنَّهَا لَفْظٌ مَنْطُوقٌ بِهِ فَجَرَى مَجْرَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ، كَمَا عَلَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ، وَجَوَّزَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فِي الْعَرَايَا وَإِنْ نَقَصَ إِذَا يَبِسَ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ وَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَلَا يُفْسِدُهَا بِمُعَارَضَةِ النَّقْضِ، لِخُرُوجِهِ مِنْهَا بِالتَّخْصِيصِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ كَانَ تَخْصِيصُ الْعِلَلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَنْبَطُ مِنْ عُمُومٍ مَخْصُوصٍ هِيَ لَهُ فَرْعٌ وَهُوَ لَهَا أَصْلٌ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَلَامَةُ الطَّرْدِ مُعْتَبَرًا فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا
فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لَا تَخْرُجُ عَنْ قَضِيَّةِ الْعَقْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا عَارَضَهَا نَقْضٌ لَمْ يَكُنِ التَّعْلِيلُ بِالْمُنْتَقِضِ أَوْلَى مِنَ التَّعْلِيلِ بِالنَّاقِضِ؛ فَتَعَارَضَا بِهَذِهِ الْمُقَابَلَةِ، فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى مَا لَا تَعَارُضَ فِيهِ.
فَإِذَا تَكَامَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ صَحَّتِ الْمَعَانِي بِهَا.
وَكَانَ صِحَّةُ التَّعْلِيلِ بَعْدَهَا مُخْتَلَفًا فِيهِ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي شَرْطَيْنِ هَلْ يُعْتَبَرَانِ فِي تَصْحِيحِ الْعِلَلِ أَمْ لَا:
أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ: عَكْسُ الْعِلَّةِ هَلْ يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي صِحَّتِهِمَا كَمَا اعْتُبِرَ فِي صِحَّتِهَا الطَّرْدُ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ: إِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا صِحَّةُ الْعَكْسِ، وَإِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا صَحَّتْ وَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ بِعَدَمِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصِدَ بِهَا إِثْبَاتُ الْحُكْمِ دُونَ نَفْيِهِ وَكَمَا يَصِحُّ الْمَعْنَى إِذَا طُرِدَ وَلَمْ يَنْعَكِسْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ صِحَّةَ الْعَكْسِ مُعْتَبَرٌ فِيهَا، فَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا وَلَمْ يَرْتَفِعْ بِعَدَمِهَا فَسَدَتِ الْعِلَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَدِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ مُعْتَبَرَةٌ بِعِلَلِ الْعَقْلِ فِي الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ وَلِأَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ فِي ارْتِفَاعِهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي وُجُودِهَا، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْنَى وَالْعِلَّةِ فِي اعْتِبَارِ الْعَكْسِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وُقُوفُ الْعِلَّةِ عَلَى حُكْمِ النَّصِّ وَعَدَمُ تَأْثِيرِهَا فِيمَا عَدَاهُ، كَوُقُوفِ عِلَّةِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَيْهِمَا تَعْلِيلًا بِأَنَّهُمَا أَثْمَانٌ وَقِيمَةٌ وَهُوَ مَعْنًى لِثُبُوتِ الرِّبَا فِيهِمَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تَكُونُ عِلَّةً لِثُبُوتِ الرِّبَا فِيهِمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي أُصُولِهِ: لَا تَكُونُ عِلَّةً؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَا جَذَبَتْ حُكْمَ الْأَصْلِ إِلَى فُرُوعِهِ، وَيَجْعَلُ ثُبُوتَ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالِاسْمِ دُونَ الْمَعْنَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِنَّهَا عِلَّةٌ وَإِنْ لَمْ تَتَعَدَّ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، لِأَنَّ وُقُوفَهَا يُوجِبُ نَفْيَ حُكْمِ الْأَصْلِ عَنْ غَيْرِهِ وَكَمَا أَوْجَبَ تَعَدِّيَهَا ثُبُوتَ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي غَيْرِهِ فَصَارَ وُقُوفُهَا مُؤَثِّرًا فِي النَّفْيِ كَمَا كَانَ تَعَدِّيهَا مُؤَثِّرًا فِي الْإِثْبَاتِ فَاسْتُفِيدَ بِوُقُوفِهَا وَتَعَدِّيهَا حُكْمٌ غَيْرُ الْأَصْلِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ثُبُوتُ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ.
فَصَارَتْ صِحَّةُ الْمَعَانِي مُعْتَبَرَةً بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ، وَفِي صِحَّةِ الْعِلَلِ وجهان:
أَحَدُهُمَا: تُعْتَبَرُ صِحَّتُهَا بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ كَالْمَعَانِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُعْتَبَرُ صِحَّتُهَا بِسِتَّةِ شُرُوطٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ من فرق بين المعاني والعلل.
(فصل: [إثبات العلة بالاستنباط وطرق الاستدلال] )
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي صِحَّةِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَنْبِطِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِهَا حُكْمَ الْأَصْلِ فِي الْكَشْفِ عَنْ مَعَانِيهِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِيهَا مَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ عَلِمَ أَنَّ مَعَانِيَهُ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ وَأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى النَّصِّ وَمُعْتَبَرٌ بِالِاسْمِ.
وَإِنْ وَجَدَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ مَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في الحكم سير جَمِيعَ مَعَانِيهِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ لِيَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُعْتَبَرًا بِأَقْوَى مَعَانِيهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَخْلُ مَعَانِي الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا: -
فَإِنْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِجَمِيعِ مَعَانِي الْأَصْلِ كَالرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَهِيَ الْعِلَّةُ الْوَاقِفَةُ وَهَلْ يَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ بِالْمَعْنَى أَوْ بِالِاسْمِ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
وَإِنْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِبَعْضِ مَعَانِيهِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِأَحَدِ مَعَانِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَصِحَّ.
فَإِنْ صَحَّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِأَحَدِهَا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْلَمَ مِنْ مُعَارَضَتِهِ بِمَعْنًى آخَرَ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَيَصِيرُ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ عِلَّةً فِي حُكْمِ الْفَرْعِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَتَعَارَضَ مَعَانِي الْأَصْلِ فِي جَوَازِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَّفِقَ أَحْكَامُهَا فِي الْفُرُوعِ فَيُوجِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ مَا يُوجِبُهُ غَيْرُهُ فَيَكُونُ الْمُسْتَنْبِطُ مُخَيَّرًا بَيْنَ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِأَيِّهَا شَاءَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمَ الْأَصْلِ بِأَيِّ دَلَالَةٍ شَاءَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَخْتَلِفَ أَحْكَامُ الْمَعَانِي فِي الْفُرُوعِ، فَيُوجِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مَا يُوجِبُهُ الْآخَرُ، كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ بِأَنَّهُ مُقْتَاتٌ، وَبِأَنَّهُ مَأْكُولٌ، وَبِأَنَّهُ مَكِيلٌ،
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي فُرُوعٌ يَجْتَذِبُهَا لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ.
فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهَا دَاخِلًا فِي الْآخَرِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ مُعْتَبَرًا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ دُونَ الْأَخَصِّ، كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ بِأَنَّهُ مُقْتَاتٌ، وَتَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ مَأْكُولٌ، وَالْقُوتُ يَدْخُلُ فِي الْمَأْكُولِ، فَكَانَ تَعْلِيلُهُ بِالْأَكْلِ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيلِهِ بِالْقُوتِ، لِعُمُومِ الْأَكْلِ وَخُصُوصِ الْقُوتِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَدْخُلَ أَحَدُهُمَا فِي الثَّانِي: كَالتَّعْلِيلِ بِالْأَكْلِ وَالتَّعْلِيلِ بِالْكَيْلِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ أَكْثَرَ فُرُوعًا مِنَ الْآخَرِ فَيَكُونُ أَكْثَرُهُمَا فُرُوعًا أَوْلَى وَتَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِهِ أَحَقُّ لِكَثْرَةِ بَيَانِهِ بِكَثْرَةِ فُرُوعِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَتَقَارَبَ فُرُوعُهُمَا، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ شَوَاهِدُ أَكْثَرِ الْأُصُولِ مَعَ أَحَدِهِمَا وَشَوَاهِدُ أَقَلِّهَا مَعَ الْآخَرِ فَيَكُونُ أَكْثَرُهُمَا شَوَاهِدَ أَوْلَى، وَتَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِهِ أَحَقُّ، لِقُوَّتِهِ بِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَتَسَاوَى شَوَاهِدُ الْأُصُولِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فَيَتَعَلَّقُ حُكْمُ الْأَصْلِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَيَكُونُ اجْتِمَاعُهُمَا مَعًا عِلَّةً فِي فُرُوعِ الْأَصْلِ، لِقُوَّةِ الْعِلَّةِ بِاجْتِمَاعِهِمَا وَاسْتِيعَابِهِمَا لِفُرُوعِهِمَا.
فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ حُكْمِ الْأَصْلِ بِأَحَدِ مَعَانِيهِ لِدُخُولِ الْكَسْرِ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ مَعْنًى آخَرَ مِنْ مَعَانِي الْأَصْلِ فَيَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ.
فَإِنْ سَلِمَا بِالِاجْتِمَاعِ مِنْ كَسْرٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا صَارَا جَمِيعًا مَعْنَى الْحُكْمِ فِي الأصل وعلة الحكم في الفرع.
وإن لم يَسْلَمِ الْمَعْنِيَانِ مِنْ كَسْرٍ ضَمَمْتَ إِلَيْهِمَا مَعْنًى ثَالِثًا.
فَإِنْ سَلِمَتِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ صَارَ جَمِيعُهَا معنى الحكم في الأصل وعلة الحكم في الفرع.
وإن لم نسلم الثَّلَاثَةُ مِنْ كَسْرٍ ضَمَمْتَ إِلَيْهَا رَابِعًا.
فَإِنْ لَمْ تَسْلَمْ ضَمَمْتَ إِلَيْهَا خَامِسًا كَذَلِكَ أَبَدًا حَتَّى تَجْمَعَ بَيْنَ مَعَانِي الْأَصْلِ فَيَتَبَيَّنَ بِاجْتِمَاعِ مَعَانِيهِ وُقُوفُ حُكْمِهِ وَعَدَمُ تَعَدِّيهِ.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِمَا لَمْ تَتَعَدَّ مَعَانِيهِ وَأَبْطَلَ بِهِ الْعِلَّةَ الْوَاقِفَةَ.
وَحَصَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مَعَانِي الْعِلَّةِ وَمَنَعَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ، وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ بَيَانٌ وَبُرْهَانٌ.
فَأَمَّا إِنْ تَعَارَضَ التَّعْلِيقُ بِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مُسْتَنْبَطٌ كَانَ مَعْنَى النَّصِّ أَوْلَى مِنْ مَعْنَى الِاسْتِنْبَاطِ كَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالنَّصِّ أَوْلَى مِنَ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ.
وذلك مثل تعليل مال الفيء تعالى: ﴿كيلا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7] وَتَعْلِيلُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 91] الْآيَةَ وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي تَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ: " إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ " وَكَمَا عَلَّلَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ بِأَنْ قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ: " أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ " قِيلَ: نَعَمْ قَالَ: فَلَا إِذَنْ.
فَهَذَا التَّعْلِيلُ كُلُّهُ عَنْ نُصُوصٍ لَا يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ بِعِلَلٍ مُسْتَنْبَطَةٍ.
(فَصْلٌ: تَعْرِيفُ القياس)
:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُقَدِّمَتَيِ الْقِيَاسِ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ فَالْقِيَاسُ مَوْضُوعٌ لِطَلَبِ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا مِنَ الْأُصُولِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِالْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ مَعَانِيهَا؛ لِيَلْحَقَ كُلُّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ؛ حَتَّى يُشْرِكَهُ فِي حُكْمِهِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِالْعِلَّةِ فَصَارَ الْقِيَاسُ إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ.
وَفِيمَا أُخِذَ مِنْهُ اسْمُ الْقِيَاسِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا قِيَاسُ هَذَا أَيْ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْحُكْمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْإِصَابَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: قِسْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَصَبْتُهُ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُصِيبُ بِهِ الْحُكْمَ.
(حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ)
:
وَالْقِيَاسُ: أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ وَحُجَّةٌ تُسْتَخْرَجُ بِهَا أَحْكَامُ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا، يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالنُّصُوصُ فِي الْأَحْكَامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعَانِيهَا إِذَا عَقِلَتْ وَبِالْأَسْمَاءِ إِذَا جَهِلَتْ، وَيَكُونُ اخْتِلَافُهَا عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ بِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ إِثْبَاتِهِ فَأَثْبَتَهُ أَكْثَرُهُمْ دَلِيلًا، وَأَثْبَتَهُ شَاذٌّ مِنْهُمْ دَلِيلًا بِالْعَقْلِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى إِبْطَالِ الْقِيَاسِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي الشَّرْعِ، وَلَا
يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُكْمٍ فِي فَرْعٍ، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَسْمَاءِ دُونَ الْمَعَانِي.
وَهَذَا قَوْلُ النَّظَّامِ وَدَاوُدَ وَالْقَاسَانِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ وَالنَّهْرُبِينِيِّ وَالشِّيعَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ نَفْيِهِ.
فَنَفَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْعَقْلِ.
وَنَفَاهُ بَعْضُهُمْ بِالشَّرْعِ.
وَنَفَاهُ دَاوُدُ بِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ وَلَوْ وَرَدَ بِهِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا فِيهِ.
وَهَذَا خِلَافٌ حَدَثَ مِنْهُمْ فِي نَفْيِهِ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ بِإِثْبَاتِهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اسْتِدْلَالًا مِنْ وَجْهَيْنِ ظَاهِرٍ مَنْقُولٍ وَمَعْنًى مَعْقُولٍ.
فَأَمَّا الظَّاهِرُ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2] .
وَفِي الِاعْتِبَارِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعُبُورِ، وَهُوَ تَجَاوُزُ الْمَذْكُورِ إِلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِبْرَةِ: وَهِيَ اعْتِبَارُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ وَمِنْهُ عِبْرَةُ الْخَرَاجِ أَنْ يُقَاسَ خَرَاجُ عَامٍ بِخَرَاجِ غَيْرِهِ فِي الْمُمَاثَلَةِ.
وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى الْقِيَاسِ، لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالشَّيْءِ عَلَى نَظِيرِهِ وَبِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قال من يحيي العظام وهي رميم، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 78 - 79] .
فَجَعَلَ خَلْقَ الْأَشْيَاءِ دَلِيلًا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَهَذَا قِيَاسٌ يَسْتَمِرُّ فِي قَضَايَا الْعُقُولِ، وَلَوْلَا الْقِيَاسُ مَا صَارَ دَلِيلًا.
وَقَالَ تَعَالِيَ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28] .
فَجَعَلَ عَبِيدَنَا لَمَّا لَمْ يُشَارِكُونَا فِي أَمْلَاكِنَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَا خَلَقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي عِبَادَتِهِ، وَبِقِيَاسِ الْعَقْلِ صَارَ هَذَا دَلِيلًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83] .
فَأُولُو الْأَمْرِ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَالِاسْتِنْبَاطُ هُوَ الْقِيَاسُ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَالنَّصِّ فِي إِثْبَاتِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] .
وَقَالَ: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89] .
فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَيْسَ مِنْ حَادِثَةٍ إِلَّا وَلِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ قَدْ بَيَّنَهُ مِنْ تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ.
وَقَدْ تَجِدُ أَكْثَرَ الْحَوَادِثِ غَيْرَ مَنْصُوصٍ عَلَى أَحْكَامِهَا وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمَذْكُورِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا أَخْفَاهُ مُسْتَنْبَطٌ مِمَّا أَبْدَاهُ وَأَنَّ الْجَلِيَّ دَلِيلٌ عَلَى الْخَفِيِّ لِنَصِّ الْكِتَابِ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَمَا فُرِّطَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَتَكْمُلُ بِقِيَاسِ السَّمْعِ أَحْكَامُ الدِّينِ كَمَا كَمُلَ بِقِيَاسِ الْعَقْلِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِمُعَاذٍ حِينَ قَلَّدَهُ قَضَاءَ الْيَمَنِ: " بِمَ تَحْكُمُ؟ " قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لما يرضى رسول اللَّهِ ".
فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَأَنَّ كُلَّ الْأَحْكَامِ لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً عَنْ نَصٍّ فَصَارَ الْقِيَاسُ أَصْلًا بِالنَّصِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْقِيَاسُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَهَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْأُصُولُ الشَّرْعِيَّةُ؟ قِيلَ: قَدْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَجَرَى مَجْرَى التَّوَاتُرِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لعمر عليه السلام حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: " أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ " فَجَعَلَ الْقُبْلَةَ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَضْمَضَةِ بِغَيْرِ ازْدِرَادٍ.
وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي أَوْلَادًا بِيضًا وَفِيهِمْ أَسْوَدُ فَمَا بَالُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَقَالَ لَهُ النبي عليه السلام: " أَلَكَ إِبِلٌ عُبْسٌ؟ " يَعْنِي بِيضًا فَقَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: " فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: " فَمَنْ بَالُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ؟ " قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ قَالَ: " فلَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ هَذَا " فَاعْتَبَرَ اخْتِلَافَ أَلْوَانِ أَوْلَادِهِ بِاخْتِلَافِ أَلْوَانِ نِتَاجِهِ فَقَاسَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجَمَ مَاعِزًا حِينَ زَنَا لَعَلَّهُ دَلِيلًا عَلَى رَجْمِ غَيْرِهِ مِنَ الزِّنَا قِيَاسًا عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ: أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ قِيلَ نَعَمْ قَالَ: فَلَا إِذَنْ.
وَقِيلَ لَهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ الْأَبْيَضَ بن حمال ملح مأرب: أنه كالماء العيد قَالَ: " فَلَا إِذَنْ ". فَعَلَّلَ الْأَحْكَامَ بِالْمَعَانِي.
وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى الْقِيَاسِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ
فَجَعَلَهُ مَنْ أَسْقَطَ بِهِ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ كَالْأَبِ فِي إِسْقَاطِهِمُ اعْتِبَارًا بِأَنَّ ابْنَ الِابْنِ كَالِابْنِ فِي إِسْقَاطِهِمْ وَجَعَلَهُ مَنْ وَرَّثَ الْإِخْوَةَ مَعَهُ كَالْأَبِ لَا يَسْقُطُ بِنِسْوَةٍ وَشَبَّهَهُ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَبَوَادٍ سَالَ مِنْهُ شِعْبَانُ وَجَعَلَهُ قِيَاسًا مُعْتَبَرًا فِيهِ.
وَأَوْجَبُوا نَفَقَةَ الْأَبِ فِي حَالِ عجزه قياسا على نفقة الابن.
وَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَهْدَهُ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: " الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، فَاعْرِفِ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، وَقِسِ الْأُمُورَ بِنَظَائِرِهَا ".
وَانْتَشَرَ هَذَا الْعَهْدُ فِي الصَّحَابَةِ فَمَا أَنْكَرَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ قَوْلًا وَعَمَلًا، وَهُمُ الْقُدْوَةُ الْمُتَّبَعُونَ، وَالنَّقَلَةُ الْمُطَاعُونَ، نَأْخُذُ عَنْهُمْ مَا تَحَمَّلُوهُ، وَنَقْتَدِي بِهِمْ فِيمَا فَعَلُوهُ، وَقَدِ اجْتَهَدُوا وَقَاسَوْا.
وَلَوْ كَانَتِ الْأَحْكَامُ نُصُوصًا كُلُّهَا لَنَقَلُوهَا وَعَدَلُوا عَنْ الِاجْتِهَادِ فِيهَا، كَمَا عَدَلُوا عَنِ اجْتِهَادِهِمْ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، حِينَ رَوَى حَمَلُ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ وَأَمَةٍ " وَعَدَلُوا عَنِ الْمُخَابَرَةِ حِينَ رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ النَّهْيَ عَنْهَا، لَيْسَ يَدْفَعُ مِثْلَ هَذَا الْحِجَاجِ إِلَّا ببهت أو عناد.
( [أدلة القائلين بحجية القياس] )
:
فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ فَمِنْهَا:
أَنَّ النَّصَّ لَمْ يُحِطْ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَلَا يَخْلُو مَا عَدَا أَحْكَامَ النُّصُوصِ مِنَ الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا حُكْمٌ أَوْ لَا يَكُونَ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا حكم له فيها وقد قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 4] .
وَإِذَا كَانَ لَهُ فِيهَا حُكْمٌ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا.
فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الْمَجْهُولِ مُمْتَنِعٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ ضِدَّيْنِ.
وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ جَمِيعُهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، لِأَنَّ فِيهَا مَحْظُورًا، وَلَا عَلَى الْحَظْرِ، لِأَنَّ فِيهَا مُبَاحًا.
وَلَا يَتَمَيَّزُ الْمُبَاحُ وَالْمَحْظُورُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ النَّصِّ دَلِيلٌ.
وَلَيْسَ بَعْدَ النَّصِّ إِلَّا الْقِيَاسُ عَلَى النَّصِّ.
فَإِنْ مَنَعُوا أَنْ تَخْتَلِفَ أَحْكَامُ مَا عَدَا النَّصَّ، وَحَمَلُوا جَمِيعَهَا عَلَى الْحَظْرِ عِنْدَ عَدَمِ
السَّمْعِ أَوْ عَلَى الْإِبَاحَةِ بَطَلَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَدْ حَكَمُوا فِيهَا بِغَيْرِ نَصٍّ وَهُمْ يَمْنَعُونَ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ أَرَأَيْتُمْ مَنْ غَابَ عَنِ الْقِبْلَةِ وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ جِهَتُهَا هَلْ يُحْمَلُ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَفِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوِ الْحَظْرِ.
فَإِنِ ارْتَكَبُوهُ أَبْطَلُوا بِهِ فَرْضَ الصَّلَاةِ.
وَإِنِ امْتَنَعُوا مِنْهُ بَطَلَ أَصْلُهُمْ وَقِيلَ لَهُمْ: أَيُصَلِّي إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِنَصٍّ أَوِ اسْتِدْلَالٍ.
فَإِنْ قَالُوا بِنَصٍّ بَهَتُوا وَلَمْ يَجِدُّوا.
وَإِنْ قَالُوا بِاسْتِدْلَالٍ ثَبَتَ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ.
وَهَذَا لَوْ جُعِلَ دَلِيلًا لَكَانَ مُقْنِعًا.
وَدَلِيلٌ آخَرُ: هُوَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ فِي فِطَرِ العقول أن يستدل بالشاهد عَلَى الْغَائِبِ، وَيُجْمَعَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الشَّبَهِ، وَيُسَوَّى بَيْنَ الْمُتَّفِقَيْنِ فِي الْمَعْنَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي قَضَايَا السَّمْعِ اسْتِدْلَالٌ بِالشَّاهِدِ عَلَى الغائب والجمع بين المتماثلين في الشبه والمتفقن فِي الْمَعْنَى اسْتِدْلَالًا بِالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ.
فَأَمَّا الْعَقْلُ فَشَوَاهِدُهُ وَاضِحَةٌ.
وَأَمَّا السَّمْعُ فَقَدِ اسْتَقَرَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْقِبْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144 و 150] .
وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُشْتَبِهَيْنِ فِي الْمُمَاثَلَةِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] .
وَفِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَّفِقَيْنِ فِي الْمَعْنَى لِاعْتِبَارِ الرِّقِّ فِي حَدِّ الْعَبْدِ بِالزِّنَا بِحَدِّ الْأَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] .
فَإِنْ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْلِ مُتَّفِقَةٌ وَأَحْكَامَ السَّمْعِ مُخْتَلِفَةٌ فَلَمْ يَجُزِ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
قِيلَ: نَحْنُ نَقِيسُ عَلَى أَحْكَامِ السَّمْعِ مَا وافقها كما نقيس عَلَى أَحْكَامِ الْعَقْلِ مَا وَافَقَهَا فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلًا لِفُرُوعِهِ فِي الْمُمَاثَلَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ فَرَّقَ السَّمْعُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ مُفْتَرِقَيْنِ وَهَذَا فِي أَحْكَامِ الْعُقُولِ مُمْتَنِعٌ.
قِيلَ: الْقِيَاسُ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ عَدَمِ السَّمْعِ وَإِذَا وَرَدَ السَّمْعُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ مُفْتَرِقَيْنِ، وَبِالْفَرْقِ بَيْنَ مُجْتَمِعَيْنِ، عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ فِيهِ، وَإِذَا عُدِمَ السَّمْعُ فِي الْأَمْثَالِ وَالْأَشْبَاهِ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخَالِفْ بَيْنَ أَحْكَامِهَا، وَاسْتَعْمَلْنَا
الْقِيَاسَ فِيهَا وَيَكُونُ خُرُوجُهَا عَنِ السَّمْعِ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الْجَمْعِ فَتَصِيرُ بِالسَّمْعِ مُخْتَلِفَةً وَبِعَدَمِهِ مُتَّفِقَةً.
فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ وَإِنْ حذفت أكثرها.
( [أدلة من نفي القياس] )
:
وَاسْتَدَلَّ نُفَاةُ الْقِيَاسِ بِظَوَاهِرَ وَمَعَانٍ:
فَأَمَّا الظَّاهِرُ: فَمِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ: فَاسْتَدَلُّوا مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] وَهَذَا نَفْيٌ لِلْقِيَاسِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْقَائِسِ.
وَقَالَ تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3 - 4] وَلَيْسَ الْقِيَاسُ مِنَ الْوَحْيِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حرم﴾ وَالْقَائِسُ مُفْتَرٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59] ؟ وَالْقَائِسُ يُحِلُّ وَيُحَرِّمُ فَصَارَ مُفْتَرِيًا.
وَهَذِهِ الْآي الْخَمْسُ أَقْوَى دَلِيلٍ اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَإِنْ أَكْثَرُوا.
وَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَادَ عَلَيْهِمْ فِيمَا حَكَمُوا بِهِ مِنْ نَفْيِ الْقِيَاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ نَفَيْتُمُوهُ بِمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَمَا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ وَحْيٌ، وَبِمَا لَمْ تَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَتَسَاوَى الِاسْتِدْلَالُ بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَائِسَ لَا يُحِلُّ وَلَا يُحَرِّمُ وَإِنَّمَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَحَرَّمَهُ، فَلَيْسَ يَحْكُمُ إِلَّا عَنْ وَاجِبَاتِ النُّصُوصِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالسُّنَّةِ: فَمَا رَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا مَاتُوا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فضلوا وأضلوا ".
وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِحُكْمِهِمْ بِآرَائِهِمْ فَإِنَّهُ مَا زَالَ أَمْرُهُمْ صَالِحًا حَتَّى حَدَّثَ فِيهِمْ أَوْلَادُ السَّبَايَا فَقَاسُوا الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا " قَالُوا: وَهَذَا نَصٌّ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي نَيِّفًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً الَّذِينَ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ ".
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا حَكَمْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِي ".
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ أَقْوَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ السُّنَّةِ وَإِنْ أَكْثَرُوا.
وَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ قَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي ثَقِيفٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي إِبْلِيسَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: " أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ " يَعْنِي مَنْ دَفَعَ النَّصَّ بِالْقِيَاسِ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَنِ أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا فَقَالُوا بِالرَّأْيِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَدَلَّ هَذَا مِنْ قَوْلٍ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَسْتَعْمِلُوا الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ وَإِمَّا أَنْ يَعْمَلُوا بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ ضَلَالٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَنْ حَكَمَ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ مِنْ نَصٍّ كَالِاسْتِحْسَانِ وَاتِّبَاعِ الرَّأْيِ وَهَذَا مَذْمُومٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَعَنَ اللَّهُ الرَّأْيِيَّةَ يَعْنِي الَّذِينَ يَقُولُونَ بِآرَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ مَشْرُوعٍ.
وَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْمَعَانِي فَأَظْهَرُهَا مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنْ قَالُوا: قَدِ اسْتَقَرَّ فِي فِطَرِ الْعُقُولِ أَنَّ الْعُلُومَ الْمُدْرَكَةَ بِالْحَوَاسِّ يُعْلَمُ خَفِيُّهَا بِمَا يُعْلَمُ بِهِ جَلِيُّهَا، فَمَا أُدْرِكَ جَلِيُّهُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ لَمْ يُدْرَكْ خَفِيُّهُ إِلَّا بِهَا وَمَا أُدْرِكَ جَلِيُّهُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ لَمْ يُدْرَكْ خَفِيُّهُ إِلَّا بِهَا.
فَوَجَبَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ إِذَا أُدْرِكَ جَلِيُّهَا بِالسَّمْعِ أَنْ يَكُونَ خَفِيُّهَا مُدْرَكًا بِالسَّمْعِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا أَحْكَامَ السَّمْعِ بِأَحْكَامِ الْحِسِّ، فَأَثْبَتُوا بِالْقِيَاسِ نَفْيَ الْقِيَاسِ، وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّنَا نَجْمَعُ بَيْنَ أَحْكَامِ السَّمْعِ، وَأَحْكَامِ الْحِسِّ فَنَجْعَلُ خَفِيَّهَا مَأْخُوذًا مِنْ خَفِيِّ السَّمْعِ كَمَا كَانَ جَلِيُّهَا مَأْخُوذًا مِنْ جَلِيِّ السَّمْعِ، فَصَارَا مِثْلَيْنِ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ قَالُوا: لَوْ كَانَتِ الْأَحْكَامُ مَعْلُومَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَلُ إِلَّا مَعَ وُجُودِ أَحْكَامِهَا، كَمَا لَا تُوجَدُ الْعِلَلُ الْمَعْقُولَةُ إِلَّا مَعَ وُجُودِ أَحْكَامِهَا، كَالْحَيِّ إِذَا ذُبِحَ فَمَاتَ لَمَّا كَانَ الذَّبْحُ عِلَّةَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدِ الذَّبْحُ إِلَّا مَعَ الْمَوْتِ، فَلَوْ كَانَتْ شِدَّةُ الْخَمْرِ عِلَّةً فِي تَحْرِيمِهِ لَوَجَبَ أَنْ لَا تُوجَدَ الشِّدَّةُ فِي وَقْتٍ إِلَّا وَالتَّحْرِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ كَانَتِ الشِّدَّةُ مَوْجُودَةً فِيهَا وَهِيَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، فَإِذَا حُرِّمَتِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهَا مَعْلُولًا بِالشِّدَّةِ، وَتَعَلَّقَ التَّحْرِيمُ بِالِاسْمِ دُونَ الْعِلَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ فِي تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْمَاءِ، فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَا التَّحْلِيلُ فِي حَالٍ وَالتَّحْرِيمُ فِي أُخْرَى، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَحْكَامِ أَعْلَامًا هِيَ أَسْمَاءٌ وَمَعَانٍ، فَلَمَّا لَمْ يَتَوَجَّهْ هَذَا الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْأَسْمَاءِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَى الْمَعَانِي، وَجَازَ أَنْ تُجْعَلَ الْمَعَانِي عَلَمًا لِلتَّحْلِيلِ فِي حَالٍ وَلِلتَّحْرِيمِ فِي أُخْرَى، كَمَا جَازَ أَنْ تُجْعَلَ الْأَسْمَاءُ عَلَمًا لِلتَّحْلِيلِ فِي حَالٍ وَلِلتَّحْرِيمِ فِي أُخْرَى، فَلِمَ أَبْطَلُوا بِهَذَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى عَلَمًا لِلتَّحْرِيمِ وَلَمْ يُبْطِلُوا أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ عَلَمًا لِلتَّحْرِيمِ؟
وَالثَّانِي: أَنَّ عِلَلَ الْعَقْلِ مُوجِبَةٌ لِأَعْيَانِهَا فَكَانَتْ أَحْكَامُهَا لَازِمَةً لِعِلَلِهَا، وَأَحْكَامُ السَّمْعِ طَارِئَةً حَدَثَتْ عِلَلُهَا بِحُدُوثِهَا، فَاخْتَلَفَتْ عِلَلُ الْعَقْلِ، وَعِلَلُ السَّمْعِ لِاخْتِلَافِ مَعْلُولِهِمَا فِي أَوَائِلِهِمَا، وَقَدِ اسْتَقَرَّتِ الْآنَ أَحْكَامُ السَّمْعِ بِارْتِفَاعِ النَّسْخِ فَسَاوَتْ أَحْكَامَ الْعَقْلِ فِي الْأَوَاخِرِ وَإِنْ خَالَفَتْهَا فِي الْأَوَائِلِ، فَصَارَتْ أَحْكَامُ السَّمْعِ غَيْرَ مُفَارِقَةٍ لِعِلَلِهَا كَمَا كَانَتْ أحكام العقل غير مفارقة لها.
(فصل: [القياس والنص] )
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ تُسْتَخْرَجُ بِهِ أَحْكَامُ الْفُرُوعِ مِنَ النُّصُوصِ
فَالنَّصُّ: مَا وَرَدَ بِهِ السَّمْعُ فِي تَعْلِيقِ حُكْمٍ بِالِاسْمِ، وَالْقِيَاسُ: مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ مِنْ مَعْنَى الِاسْمِ.
وَفِيمَا أُخِذَ مِنْهُ اسْمُ النَّصِّ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الِارْتِفَاعِ لِارْتِفَاعِ الْمِنَصَّةِ بِمَنْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَفَعَ الْمُسَمَّى بِذِكْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَنِ الظُّهُورِ لِظُهُورِ مَنْ عَلَى الْمِنَصَّةِ بِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ أَظْهَرَ الْمُسَمَّى بِذِكْرِهِ.
( [أَقْسَامُ الْقِيَاسِ] )
:
وَالْقِيَاسُ: قِيَاسَانِ قِيَاسُ مَعْنًى وَقِيَاسُ شَبَهٍ:
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قِيَاسِ الْمَعْنَى وَقِيَاسِ الشَّبَهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قِيَاسَ الْمَعْنَى مَا أُخِذَ حُكْمُ فَرْعِهِ مِنْ مَعْنَى أَصْلِهِ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ مَا أُخِذَ حُكْمُ فَرْعِهِ مِنْ شَبَهِهِ بِأَصْلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قِيَاسَ الْمَعْنَى مَا لَمْ يَكُنْ لِفَرْعِهِ إِلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ أُخِذَ حُكْمُهُ مِنْ مَعْنَاهُ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ مَا تَجَاذَبَتْهُ أُصُولٌ أُلْحِقَ بِأَقْوَاهَا شَبَهًا فَصَارَ قِيَاسُ الْمَعْنَى أَقْوَى من قياس الشبه على الوجهين.
( [قياس المعنى] )
:
فَأَمَّا قِيَاسُ الْمَعْنَى: فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ.
فأما الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ: فَيَكُونُ مَعْنَاهُ فِي الْفَرْعِ زَائِدًا عَلَى مَعْنَى الْأَصْلِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ: فَيَكُونُ معناه في الفرع مساويا لمعنى الأصل.
( [أقسام القياس الجلي] )
:
وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ: عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ فِيهِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 22] فَدَلَّ تَحْرِيمُ التَّأْفِيفِ بِبَدِيهَةِ النَّصِّ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ التَّأْفِيفُ وَيَحِلَّ الضَّرْبُ وَالشَّتْمُ، فَصَارَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ مَأْخُوذًا مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ قِيَاسًا وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7 - 8] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَازِيَ عَلَى قَلِيلِ الطَّاعَةِ وَلَا يُجَازِيَ عَلَى كَثِيرِهَا وَيُعَاقِبَ عَلَى قَلِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يُعَاقِبَ عَلَى كَثِيرِهَا.
وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] فَالْأَمِينُ عَلَى الْقِنْطَارِ هُوَ عَلَى الدِّينَارِ آمَنُ، وَالْخَائِنُ فِي الدِّينَارِ هُوَ فِي الْقِنْطَارِ أَخْوَنُ.
وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ الْقِيَاسِ هُوَ أَقْرَبُ وُجُوهِ الْقِيَاسِ إِلَى النُّصُوصِ لِدُخُولِ فُرُوعِهَا فِي النُّصُوصِ.
وَأَنْكَرَ نُفَاةُ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الضَّرْبُ قِيَاسًا.
وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ نَصًّا وَجَعَلَهُ آخَرُونَ تَنْبِيهًا.
وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنْ مُثْبِتِي الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ هَذَا قِيَاسًا.
وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ مَفْهُومَ الْخِطَابِ وَسَمَّاهُ آخَرُونَ مِنْهُمْ فَحْوَى الْكَلَامِ.
وَأَنْكَرُوا عَلَى الشَّافِعِيِّ تَسْمِيَتَهُ قِيَاسًا.
قَالُوا: لِأَنَّ الْقِيَاسَ مَا خَفِيَ حُكْمُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حَتَّى عُرِفَ بِالِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَمَا خَرَجَ عَنِ الْخَفَاءِ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ فَلَيْسَ بِقِيَاسٍ وَهَذَا الْإِنْكَارُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّصَّ مَا عُرِفَ حُكْمُهُ مِنِ اسْمِهِ وَالْقِيَاسُ مَا عُرِفَ حُكْمُهُ مِنِ اسْمِ غَيْرِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ هَاهُنَا: لِأَنَّ اسْمَ التَّأْفِيفِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ كَمَا لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ يَنْطَلِقُ عَلَى غَيْرِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الْآخَرُ فَصَارَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ مَأْخُوذًا مِنْ مَعْنَى التَّأْفِيفِ لَا مِنِ اسْمِهِ.
فَإِنِ امْتَنَعُوا أَنْ يُسَمُّوهُ قياسا فقد سلموا معنا وَخَالَفُوا فِي اسْمِهِ، وَالْمُخَالَفَةُ فِي الِاسْمِ مَعَ تَسْلِيمِ الْمَعْنَى مُطْرَحَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعَانِيَ تَتَنَوَّعُ: فَيَكُونُ بَعْضُهَا جَلِيًّا تَسْبِقُ بَدِيهَتُهُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ وَبَعْضُهَا خَفِيًّا لَا يُفْهَمُ إِلَّا بِالْفِكْرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، كَمَا أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَتَنَوَّعُ فَيَكُونُ بَعْضُهَا وَاضِحًا تَعْرِفُهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، وَبَعْضُهَا غَامِضًا تَعْرِفُهُ الْخَاصَّةُ دُونَ الْعَامَّةِ، كَنَهْيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ زَنَاءُ وَقَوْلُهُ فِي الزَّكَاةِ: " لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا خِلَاطَ وَلَا وِرَاطَ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ "، فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ اخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ فِي الْوُضُوحِ وَالْغُمُوضِ مَانِعًا مِنْ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُهَا نُصُوصًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الْمَعَانِي فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ مِنْ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُهَا قِيَاسًا.
فَإِذَا صَحَّ أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ فَلَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ النَّسْخِ بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أحدها: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ: لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ النَّصِّ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِلنَّصِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ بِهِ النَّصُّ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ فِي فَرْعِهِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ صَارَ الْفَرْعُ كَالنَّصِّ فَجَازَ بِهِ النَّسْخُ.
فَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نَصًّا فِي الْقُرْآنِ جَازَ أَنْ يُنْسَخَ بِهِ الْقُرْآنُ دُونَ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نَصًّا فِي السُّنَّةِ جَازَ أَنْ تُنْسَخَ بِهِ السُّنَّةُ دُونَ الْقُرْآنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ فِيهِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ.
وَذَلِكَ مِثَالُ نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْأُضْحِيَةِ بِالْعَوْرَاءِ الْبَيِّنِ عَوَرُهَا وَالْعَرْجَاءِ الْبَيِّنِ عَرَجُهَا فَكَانَتِ الْعَمْيَاءُ قِيَاسًا عَلَى الْعَوْرَاءِ، وَالْقَطْعَاءُ قِيَاسًا عَلَى الْعَرْجَاءِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ بِتَحْرِيمِ الْعَوْرَاءِ وَالْعَرْجَاءِ وَإِبَاحَةِ الْعَمْيَاءِ وَالْقَطْعَاءِ.
وَمِثْلُهُ " نَهَي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمُحْرِمَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرَسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ " فَكَانَ الْعَنْبَرُ وَالْمِسْكُ قِيَاسًا عَلَى الْوَرَسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ بِتَحْرِيمِ الْوَرَسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَإِبَاحَةِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ.
وَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ نُفَاةُ الْقِيَاسِ فِيهِ فَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ النَّصِّ وَإِبَاحَةِ مَا عَدَاهُ فَحَرَّمَ التَّضْحِيَةَ بِالْعَوْرَاءِ وَالْعَرْجَاءِ، وَأَبَاحَهَا بِالْعَمْيَاءِ وَالْقَطْعَاءِ، وَحَرَّمَ مَا مَسَّهُ وَرَسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، وَأَبَاحَ مَا مَسَّهُ عَنْبَرٌ أَوْ مِسْكٌ.
وَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ تَحْرِيمَ جَمِيعِهِ بِالتَّنْبِيهِ دُونَ النَّصِّ.
فَهَذَا الضَّرْبُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِمِثْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ بِوِفَاقِ أَصْحَابِنَا لِجَوَازِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ فِي الْفَرْعِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ بِاسْتِدْلَالٍ ظَاهِرٍ وَيُعْرَفُ بِمَبَادِئِ النَّظَرِ.
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي زِنَا الْإِمَاءِ: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] فَجُعِلَ حَدُّهُنَّ نِصْفَ حَدِّ الْحَرَائِرِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى فِيهِ إِلَّا نَقْصَهُنَّ بِالرِّقِّ، فَكَانَ الْعَبِيدُ قِيَاسًا عَلَيْهِنَّ فِي تَنْصِيفِ الْحَدِّ إِذَا زَنَوْا لِنَقْصِهِمْ بِالرِّقِّ.
ومثله قوله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " من أعتق شركا له في عبد وكان مُوسِرًا قَوَّمَ عَلَيْهِ " فَكَانَتِ الْأَمَةُ قِيَاسًا عَلَى العبد.
وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] فَكَانَ مَعْنَى نَهْيِهِ عَنِ الْبَيْعِ أَنَّهُ شَاغِلٌ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، فَكَانَتْ عُقُودُ الْمَنَاكِحِ وَالْإِجَارَاتِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ وَالصَّنَائِعِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ شَاغِلٌ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ.
فَهَذَا الضَّرْبُ لَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ.
وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْجَلَاءِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِجَلَاءِ الِاسْتِدْلَالِ كَالْجَلِيِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ هِيَ ضُرُوبُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهَا الْإِجْمَاعُ وينقض بها حكم من خالفا من الحكام.
(فصل: القياس الخفي)
:
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ: فَهُوَ مَا خَفِيَ مَعْنَاهُ فَلَمْ يُعْرَفْ إِلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ فِي الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِمَعْنَى الْأَصْلِ.
وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ مَعْنَاهُ لَائِحًا.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مَعْنَاهُ غَامِضًا.
وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مَعْنَاهُ مُشْتَبِهًا.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا كَانَ مَعْنَاهُ لَائِحًا يُعْرَفُ بِاسْتِدْلَالٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] فَكَانَتْ عَمَّاتُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فِي التَّحْرِيمِ قِيَاسًا عَلَى الْعَمَّاتِ.
وَخَالَاتُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فِي التَّحْرِيمِ قِيَاسًا عَلَى الْخَالَاتِ.
لِاشْتِرَاكِهِنَّ فِي الرَّحِمِ، وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ فِي صِغَرِهِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فَكَانَتْ نَفَقَةُ الْوَالِدِ عِنْدَ عَجْزِهِ فِي كِبَرِهِ قِيَاسًا عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ لِعَجْزِهِ بِصِغَرِهِ.
وَالْمَعْنَى فِي هَذَا الضَّرْبِ لَائِحٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ الْخَفِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ مِنْ ضُرُوبِ الْجَلِيِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ بِمِثْلِهِ وَيُنْقَضَ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ إِذَا خَالَفَهُ.
وَفِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِهِ وَجْهَانِ:
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا كَانَ مَعْنَاهُ غَامِضًا لِلِاسْتِدْلَالِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَتَقَابَلَتْ
مَعَانِيهِ حَتَّى غَمُضَتْ مِثَالُهُ تَعْلِيلُ الرِّبَا فِي الْبُرِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَتَقَابَلَ فِيهِ التَّعْلِيلُ بِالْأَكْلِ، لِيُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَأْكُولٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْقُوتِ، لِيُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مُقْتَاتٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْكَيْلِ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَكِيلٍ، وَمِثْلُهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَقْبِضَ، تَقَابَلَ فِيهِ التَّعْلِيلُ بِالطَّعْمِ، حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَطْعُومٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِالنَّقْلِ، لِيُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْقُولٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْبَيْعِ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَبِيعٍ.
فَصَارَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ غَامِضًا وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مُتَرَجِّحًا.
وَمِثْلُ هَذَا الضَّرْبِ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ إِجْمَاعٌ وَلَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمٌ وَلَا يُخَصُّ بِهِ عُمُومٌ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا كَانَ مُشْتَبِهًا، فَهُوَ مَا احْتَاجَ نَصُّهُ وَمَعْنَاهُ إِلَى اسْتِدْلَالٍ: كَالَّذِي قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ فَعُرِفَ الِاسْتِدْلَالُ: أَنَّ الْخَرَاجَ هُوَ الْمَنْفَعَةُ وَأَنَّ الضَّمَانَ هُوَ ضَمَانُ الْبَيْعِ، ثُمِ عُرِفَ مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ فَتَقَابَلَتِ الْمَعَانِي بِالِاخْتِلَافِ فِيهَا فَمِنْ مُعَلِّلٍ لَهَا بِأَنَّهَا آثَارٌ.
فَلَمْ يَجْعَلِ الْمُشْتَرِيَ إِذَا رَدَّ بِالْعَيْبِ مَالِكًا لِلْأَعْيَانِ مِنَ الثِّمَارِ وَالنِّتَاجِ، وَمِنْ مُعَلِّلٍ لَهَا بِأَنَّهَا مَا خَالَفَتْ أَجْنَاسَ أُصُولِهَا، فَجَعَلَهُ مَالِكًا لِلثِّمَارِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مَالِكًا لِلنِّتَاجِ، وَعَلَّلَهَا الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا نَمَاءٌ، فَجَعَلَهُ مَالِكًا لِكُلِّ نَمَاءٍ مِنْ ثِمَارٍ وَنِتَاجٍ.
فَمِثْلُ هَذَا الضَّرْبِ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِي حُكْمِ أَصْلِهِ وَلَا يَنْعَقِدُ فِي مَعْنَاهُ، وَلَا يُنْقَضُ بِقِيَاسِهِ حُكْمٌ، وَلَا يُخَصُّ بِهِ عُمُومٌ، وَهُوَ أَضْعَفُ مِمَّا تَقَدَّمَهُ، وَإِنْ قَارَبَهُ في حكمه والله أعلم.
(فصل قياس الشبه)
وَأَمَّا قِيَاسُ الشَّبَهِ فَهُوَ مَا تَجَاذَبَتْهُ الْأُصُولُ، فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ شَبَهًا، وَأَخَذَ كُلُّ أَصْلٍ مِنْهُ شَبَهًا.
وَهُوَ نَوْعَانِ: قِيَاسُ تَحْقِيقٍ، يَكُونُ الشَّبَهُ فِي أَحْكَامِهِ، وَقِيَاسُ تَقْرِيبٍ يَكُونُ الشَّبَهُ فِي أَوْصَافِهِ.
وَقِيَاسُ التَّحْقِيقِ مُقَابِلٌ لِقِيَاسِ المعنى الجلي وإن ضعف عنه.
(قياس التحقيق)
فَأَمَّا قِيَاسُ التَّحْقِيقِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَرَدَّدَ حُكْمُ الْفَرْعِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ يَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا يَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إِلَى الْآخَرِ، فَيُرَدُّ إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي لَا يَنْتَقِضُ برده إليه، وإن كان أقلهما شَبَهًا وَلَا يُرَدُّ إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي يَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ شَبَهًا: مِثَالُهُ: الْعَبْدُ هَلْ يَمْلِكُ؟ إِذَا مَلَكَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أصلين:
أَحَدُهُمَا: الْحُرُّ فِي جَوَازِ مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: الْبَهِيمَةُ فِي عَدَمِ مِلْكِهِ فَلَمَّا انْتَقَضَ بِرَدِّهِ إِلَى الْحُرِّ بِالْمِيرَاثِ حِينَ لَمْ يَمْلِكْ بِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى الْبَهِيمَةِ لِسَلَامَتِهِ مِنَ النَّقْضِ، وَإِنْ كَانَ شَبَهُهُ بِالْأَحْرَارِ أَكْثَرَ مِنْ شَبَهِهِ بِالْبَهَائِمِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ يَسْلَمُ مِنَ النَّقْضِ فِي رَدِّهِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ أَكْثَرُ شَبَهًا مِنْهُ بِالْأَصْلِ الْآخَرِ، مِثْلُ أَنْ يُشْبِهَ أَحَدَهُمَا مِنْ وَجْهٍ وَيُشْبِهَ الْآخَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَوْ يَشْبِهَ أَحَدَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ وَيَشْبِهَ الْآخَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَيَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ شَبَهًا بِهِ.
مِثَالُهُ: فِي الْجِنَايَةِ عَلَى أَطْرَافِ الْعَبْدِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ رَدِّهِ إِلَى الْحُرِّ فِي تَقْدِيرِ الْجِنَايَةِ عَلَى أَطْرَافِهِ وَبَيْنَ رَدِّهِ إِلَى الْبَهِيمَةِ فِي وُجُوبِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْبَهِيمَةَ فِي أَنَّهُ مملوك وموروث ويشبه الحرة أَنَّهُ آدَمِيٌّ، مُخَاطَبٌ، مُكَلَّفٌ، يَجِبُ فِي قَتْلِهِ الْقَوَدُ وَالْكَفَّارَةُ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَى الْحُرِّ فِي تَقْدِيرِ الْجِنَايَةِ عَلَى أَطْرَافِهِ دُونَ الْبَهِيمَةِ، لِكَثْرَةِ شَبَهِهِ بِالْحُرِّ، وَقِلَّةِ شَبَهِهِ بِالْبَهِيمَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَرَدَّدَ حُكْمُ الْفَرْعِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الصِّفَتَيْنِ، وَيُوجَدُ فِي الْفَرْعِ بَعْضُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصِّفَتَيْنِ، وَلَا تَكْمُلُ فِيهِ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ، وَلَكِنْ يُوجَدُ فِيهِ الْأَكْثَرُ مِنْ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَالْأَقَلُّ مِنَ الْأُخْرَى، فَيَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْأَصْلِ فِيهِ أَكْثَرُ صِفَاتِهِ: مِثَالُهُ: ثُبُوتُ الرِّبَا فِي الْإِهْلِيلِجِ وَالسَّقْمُونِيَا لِمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْخَشَبِ فِي الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغِذَاءٍ وَبَيْنَ الطَّعَامِ فِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فَكَانَ رَدُّهُ إِلَى الْغِذَاءِ في التحريم وإن لم يكون غِذَاءً أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إِلَى الْخَشَبِ فِي الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِذَاءً، لِأَنَّ الْأَكْلَ أَغْلَبُ صِفَاتِهِ.
فَهَذِهِ ضُرُوبُ قِيَاسِ التَّحْقِيقِ.
(فَصْلٌ: قياس التقريب) .
وَأَمَّا قِيَاسُ التَّقْرِيبِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الصِّفَتَيْنِ وَقَدْ جَمَعَ الْفَرْعُ صِفَتَيِ الْأَصْلَيْنِ، فَيُرَجَّحُ فِي الْفَرْعِ أَغْلَبُ الصِّفَتَيْنِ.
مِثَالُهُ: فِي الْمَعْقُولِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مَعْلُولًا بِالْبَيَاضِ وَالْآخَرُ مَعْلُولًا بِالسَّوَادِ وَيَكُونُ الْفَرْعُ جَامِعًا لِلسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ: فَإِنْ كَانَ بَيَاضُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَوَادِهِ رُدَّ إِلَى الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ بِالْبَيَاضِ وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّوَادِ فِيهِ تَأْثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ سَوَادُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَيَاضِهِ رُدَّ إِلَى الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ بِالسَّوَادِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَيَاضِ فِيهِ تَأْثِيرٌ.
وَمِثَالُهُ فِي الشَّرْعِ: الشَّهَادَاتُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِقَبُولِ الْعَدْلِ وَرَدِّ الْفَاسِقِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدًا غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَمْحَضُ الطَّاعَةَ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا بِمَعْصِيَةٍ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَلَا أَحَدَ يَمْحَضُ الْمَعْصِيَةَ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْأَغْلَبِ مِنْ حَالَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 6: 9] . وَإِنْ كَانَتِ الطَّاعَاتُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ حُكِمَ بِعَدَالَتِهِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَعَاصِي أَغْلَبَ عَلَيْهِ حُكِمَ بِفِسْقِهِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِمَا فِيهِ مِنْ طَاعَةٍ.
وَامْتَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مَا اسْتُخْرِجَ عِلَّةُ فَرْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَهَذَا قَدِ اسْتَخْرَجَ عِلَّةَ أَصْلِهِ مِنْ فَرْعِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ صِفَةَ الْعِلَّةِ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنَ الْفَرْعِ وَحُكْمَ الْعِلَّةِ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ الْأَصْلِ، وَالْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَوْضُوعٌ لِحُكْمِ الْعِلَّةِ دُونَ صِفَتِهَا.
وَمِثْلُ هَذَا نَقُولُهُ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ إِذَا خَالَطَهُ مَائِعٌ طَاهِرٌ كَمَاءِ الْوَرْدِ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ نَظَرٌ: فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ حُكِمَ لَهُ بِالتَّطْهِيرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ وَإِنْ كَانَ مَاءُ الْوَرْدِ أَكْثَرَ حُكِمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا هُوَ مُطَهِّرٌ.
فَإِنْ سَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا الْحُكْمَ وَلَا أَحْسَبُهُ يَمْتَنِعُ مِنْهُ وَخَالَفَ فِي الِاسْمِ لَمْ تَضُرَّ مُخَالَفَتُهُ فِي الِاسْمِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ فِي مَعْنَاهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الصِّفَتَيْنِ وَالصِّفَتَانِ مَعْدُومَتَانِ فِي الْفَرْعِ وَصِفَةُ الْفَرْعِ تُقَارِبُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَإِنْ خَالَفَتْهَا.
مِثَالُهُ فِي الْمَعْقُولِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مَعْلُولًا بِالْبَيَاضِ وَالْأَصْلُ الْآخَرُ مَعْلُولًا بِالسَّوَادِ وَالْفَرْعُ أَخْضَرُ لَيْسَ بِأَبْيَضَ وَلَا أَسْوَدَ فَيُرَدُّ إِلَى أَقْرَبِ الْأَصْلَيْنِ شَبَهًا بِصِفَتِهِ وَالْخُضْرَةُ أَقْرَبُ إِلَى السَّوَادِ مِنَ الْبَيَاضِ فَيُرَدُّ إِلَى السَّوَادِ دُونَ الْبَيَاضِ.
وَمِثَالُهُ فِي الشَّرْعِ قَوْله تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] .
وَلَيْسَ الْمِثْلُ مِنَ النَّعَمِ مُشْبِهًا لِلصَّيْدِ فِي جَمِيعِ أَوْصَافِهِ وَلَا مُنَافِيًا لَهُ فِي جَمِيعِ أَوْصَافِهِ فَاعْتُبِرَ فِي الْجَزَاءِ أَقْرَبُ الشَّبَهِ بِالصَّيْدِ.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ هَذَا قِيَاسًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ مَا وُجِدَتْ أَوْصَافُ أَصْلِهِ فِي فَرْعِهِ وَأَوْصَافُ الْأَصْلِ فِي هَذَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ فَصَارَ قِيَاسًا بِغَيْرِ عِلَّةٍ.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْحَادِثَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حُكْمٍ وَالْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي الْإِجْمَاعِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَصْلٌ غَيْرُ الْقِيَاسِ فَكَانَ أَقْرَبُهَا شَبَهًا بِأَصْلِ الْقِيَاسِ هُوَ عِلَّةَ الْقِيَاسِ.
وَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا اجْتِهَادًا مَحْضًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ قِيَاسًا، وَهَذَا الِاجْتِهَادُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ شِبْهُ الْأَصْلِ فَصَارَ قِيَاسًا.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الصِّفَتَيْنِ، وَالْفَرْعُ جَامِعٌ لِصِفَتَيِ الْأَصْلَيْنِ، وَأَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مِنْ جِنْسِ الْفَرْعِ، وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مِنَ الطَّهَارَةِ وَأَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْآخَرُ مِنَ الطَّهَارَةِ، فَيَكُونُ رَدُّهُ إِلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ لِمُجَانَسَتِهِ أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إِلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ مَعَ مخالفته.
وها هنا ضَرْبٌ رَابِعٌ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ وُجُودِهِ وَهُوَ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ فِيهِ شَبَهُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ، وَشَبَهُهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ وَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ.
فَمَنَعَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا من جوازه وأحال تكافي الْأَدِلَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِمَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ طَرِيقًا تُوَصِّلُهُمْ إِلَى عِلْمِهِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا خَفِيَ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ لِقُصُورِهِ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ عَدَلَ إِلَى الْتِمَاسِ حُكْمِهِ مِنْ غَيْرِ الْقِيَاسِ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى جَوَازِ وَجُودِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَدِلَّةِ غَامِضًا لِمَا عَلِمَهُ فِيهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُتَكَافِئًا لِمَا رَآهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَلَيْسَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ مَعَ التَّكَافُؤِ.
فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مَا تَكَافَأَتْ فِيهِ الْأَدِلَّةُ وَتَرَدَّدَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ: حَاظِرٍ وَمُبِيحٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ بِالْخِيَارِ فِي رَدِّهِ إِلَى أَيِّ الْأَصْلَيْنِ شَاءَ مِنْ حَظْرٍ أَوْ إِبَاحَةٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَرُدَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَنَصَّبَ عَلَى مُرَادِهِ مِنْهُمَا دَلِيلًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَرُدُّهُ إِلَى أَغْلَظِ الْأَصْلَيْنِ حُكْمًا وَهُوَ الْحَظْرُ دُونَ الْإِبَاحَةِ احْتِيَاطًا لِأَنَّ أَصْلَ التَّكْلِيفِ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّغْلِيظِ.
فَصَارَتْ أَقْسَامُ الْقِيَاسِ مَا شَرَحْنَاهُ: اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا: سِتَّةُ أَقْسَامٍ مِنْهَا مُخْتَصَّةٌ بِقِيَاسِ الْمَعْنَى مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ فِي الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مِنْهَا فِي الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَسِتَّةُ أَقْسَامٍ مِنْهَا مُخْتَصَّةٌ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ فِي قِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ في قياس التقريب.
(فصل)
: هل تثبت الأسماء والحدود والمقادير بالقياس؟ فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَقْسَامِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ فَالَّذِي يَثْبُتُ
بِالْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنَ النُّصُوصِ.
فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ وَالْحُدُودُ وَالْمَقَادِيرُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ اسْتِخْرَاجِهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ الْأَسْمَاءُ بِالْقِيَاسِ إِذَا تَعَلَّقَ بِهَا أَحْكَامٌ كَتَسْمِيَةِ النَّبِيذِ خَمْرًا لِوُجُودِ مَعْنَى الْخَمْرِ فِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ الْحُدُودُ قِيَاسًا فَيَثْبُتَ حَدُّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، قِيَاسًا عَلَى الْقَذْفِ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذِيَ افْتَرَى وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ الْمَقَادِيرُ قِيَاسًا: كَمَا قَدَّرْنَا أَقَلَّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرَهُ وَأَقَلَّ الطُّهْرِ وَأَكْثَرَهُ وَأَقَلَّ السَّفَرِ وَأَكْثَرَهُ.
وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى اخْتِيَارِ هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّ جَمِيعَهَا أَحْكَامٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَسْمَاءِ وَلَا إِثْبَاتُ الْحُدُودِ وَلَا إِثْبَاتُ الْمَقَادِيرِ بِالْقِيَاسِ.
أَمَّا الْأَسْمَاءُ فَلِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ اللُّغَةِ دُونَ الشَّرْعِ.
وَأَمَّا الْحُدُودُ فَلِأَنَّ مَعَانِيَهَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ.
وَأَمَّا الْمَقَادِيرُ فَلِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ وَإِنَّمَا صِيرَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُقَدَّرَةِ إلى عرف أو وجود.
والله أعلم بصواب ما استأثر بعلمه فهذا شرح ما قدمناه من أصول الشرع الأربعة وبالله التوفيق.
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَيَجْمَعُ الْمُخْتَلِفِينَ لِأَنَّهُ أَشَدُّ لِتَقَصِّيهِ وَلِيَكْشِفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا إِنَّمَا يَخْتَصُّ بِالْحَوَادِثِ الْمُشْكِلَةِ وَالنَّوَازِلِ الْمُلْتَبِسَةِ دُونَ مَا اسْتَقَرَّتْ أَحْكَامُهُ بِالنُّصُوصِ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِالْقِيَاسِ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ، فَيَجْمَعُ لَهُ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لِيَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ حُكْمِ الْحَادِثَةِ وَدَلِيلِهَا وَيُعَارِضَ الْأَدِلَّةَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَيَكْشِفَ عَنْ عِلَلِهَا وَأُصُولِهَا.
وَلَا يُفَوِّضُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، حَتَّى يَجْتَهِدَ فِيهَا كَاجْتِهَادِهِمْ، ثُمَّ يَجْتَهِدُ فِي قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَنْظُرُ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَيُنَاظِرُهُمْ وَيُنَاظِرُونَهُ طَلَبًا لِلصَّوَابِ لَا نُصْرَةً لِقَوْلِهِ.
فَإِذَا وَضُحَ لَهُ الصَّوَابُ بَعْدَ الْكَشْفِ وَالنَّظَرِ عَمِلَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِهِ.
وَإِنَّمَا لَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: اقْتِدَاءٌ بِالصَّحَابَةِ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْهُمْ كَانُوا لَا يُنَفِّذُونَ الْأَحْكَامَ الْمُشْتَبِهَةَ إِلَّا بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ وَمَسْأَلَةِ النَّاسِ فِيمَا عَرَفُوهُ مِنْ أَحْكَامِ الرَّسُولِ كَمَا سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، حَتَّى أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَعْطَاهَا السُّدُسَ وَسَأَلَ عَنِ الْمَجُوسِ فَأَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ " وَكَمَا قَالَ عُمَرُ: رَحِمَ اللَّهَ امْرَأً سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي دِيَةِ الْجَنِينِ شَيْئًا إِلَّا قَالَهُ فَأَخْبَرَهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَالنَّوَازِلِ مَا يَكُونُ عِلْمُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُمْضِيَ حُكْمَهُ عَلَى الْتِبَاسٍ وَاحْتِمَالٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ وَعَلَى الْمُجْتَهِدِ التَّقَصِّي فِي اجْتِهَادِهِ، وَمِنَ التَّقَصِّي أَنْ يَكْشِفَ بِالسُّؤَالِ وَيُنَاظِرَ في طلب الصواب.
(الفرق بين النظر والجدل)
وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ طَلَبُ الصَّوَابِ، وَالْجَدَلَ نُصْرَةُ الْقَوْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّظَرَ هُوَ الْفِكْرُ بِالْقَلْبِ وَالْعَقْلِ، والجدل هو الاحتجاج باللسان.
(الفرق بين الدليل والحجة)
وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّلِيلَ مَا دَلَّكَ عَلَى مَطْلُوبِكَ، وَالْحُجَّةَ مَا مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الدَّلِيلَ مَا دَلَّكَ عَلَى صَوَابِكَ، وَالْحُجَّةَ مَا دَفَعَتْ عنك قول مخالفك.
(الفرق بين النص والظاهر)
وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّصَّ مَا كَانَ لَفْظُهُ دَلِيلَهُ، وَالظَّاهِرُ مَا سَبَقَ مُرَادُهُ إِلَى فَهْمِ سَامِعِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّصَّ مَا لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ احْتِمَالٌ، والظاهر ما توجه إليه احتمال.
(الفرق بين الفحوى ولحن القول)
وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَحْوَى وَلَحْنِ الْقَوْلِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَحْوَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَلَحْنُ الْقَوْلِ مَا لَاحَ فِي أَثْنَاءِ اللَّفْظِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفَحْوَى مَا دَلَّ عَلَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَحْنُ الْقَوْلِ مَا دَلَّ على مثله.
(تفرد الحاكم باجتهاده)
فَإِنْ تَفَرَّدَ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَقَصَّرَ، وَكَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا إِذَا عَمِلَ بِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، مَا لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ مَعَهُ: مِنْ نَصٍّ أَوْ إجماع أو قياس لا يحتمل.
(شروط جواز ولاية القاضي)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهِ مَا إِذَا عقل القياس عقله ما وَإِذَا سَمِعَ الِاخْتِلَافَ مَيَّزَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَقْضِيَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَجِبُ أَنْ تُسْتَوْفَى فِيهَا الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي وَنَفَاذِ حُكْمِهِ.
وَالَّذِي يُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ وِلَايَتِهِ وَنَفَاذِ حُكْمِهِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ كَامِلًا فِي نَفْسِهِ.
وَكَمَالُ نَفْسِهِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: كَمَالُ حُكْمِهِ.
وَالثَّانِي: كَمَالُ خُلُقِهِ.
فَأَمَّا كَمَالُ الْحُكْمِ: فَهُوَ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ لِأَنَّ بِاجْتِمَاعِهِمَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ وَيَثْبُتُ لِلْقَوْلِ حُكْمٌ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي غَيْرَ بَالِغٍ وَلَا مُخْتَلَّ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ وَلَا لِقَوْلِهِ حُكْمٌ نَافِذٌ.
فَإِنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ صَبِيٌّ أَوْ مُخْتَلُّ الْعَقْلِ كَانَتْ وِلَايَتُهُ بَاطِلَةً، وَأَحْكَامُهُ مَرْدُودَةً، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ " وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوَلَّى عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَالِيًّا، وَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ قَوْلِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ لَازِمًا.
وَلَيْسَ يَكْتَفِي فِيهِ بِالْعَقْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ صَحِيحَ التَّمْيِيزِ جِيِّدَ الْفَطِنَةِ بَعِيدًا مِنَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ يَتَوَصَّلُ بِذَكَائِهِ إِلَى حَلِّ مَا أُشْكِلَ و
َفَصْلِ
مَا أُعْضِلَ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ هَذِهِ الْحَالِ يَطْرَأُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ جُنُونٌ، نُظِرَ فِيهِ.
فَإِنِ امْتَدَّ بِهِ حَتَّى تَأَخَّرَ عَنْ أَوْقَاتِ النَّظَرِ لَمْ يَصِحَّ تَقْلِيدُهُ.
وَإِنْ قَصُرَ زَمَانُهُ وَكَانَ كَالسَّاعَةِ، نُظِرَ.
فَإِنْ أَثَّرَتْ فِي زَمَانِ إِفَاقَتِهِ لِفُتُورِ حِسِّهِ وَدَهَشِ عَقْلِهِ لَمْ يَصِحَّ تَقْلِيدُهُ.
وَإِنْ أَفَاقَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَعَادَ إِلَى اسْتِقَامَتِهِ فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ فِي زَمَانِ ذَلِكَ عَنْ حُكْمِ التَّكْلِيفِ وَتَبْطُلُ بِهِ فُرُوضُ الْعِبَادَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ وَيَجْرِي مَجْرَى فَتَرَاتِ النَّوْمِ وَأَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ.
فَإِنْ قُلِّدَ وَهُوَ سَلِيمُ الْعَقْلِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا بِالْإِفَاقَةِ.
وَلَكِنْ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي وِلَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ لَا يَمْنَعُ مِنَ النُّبُوَّةِ.
وَأَمَّا كَمَالُ الْخِلْقَةِ فَتُعْتَبَرُ سَلَامَتُهُ فِيهَا فِي ثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ:
أَحَدُهَا: صِحَّةُ بَصَرِهِ، فَلَا يَكُونُ أَعْمَى.
وَالثَّانِي: صِحَّةُ سَمْعِهِ، فَلَا يَكُونُ أَصَمَّ.
وَالثَّالِثُ: سَلَامَةُ لِسَانِهِ، فَلَا يَكُونُ أَخْرَسَ.
فَأَمَّا الْأَعْمَى: فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَلَوْ عَمِيَ بَعْدَ التَّقْلِيدِ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ.
وَجَوَّزَ مَالِكٌ تَقْلِيدَ الْأَعْمَى، كَمَا جَوَّزَ شَهَادَتَهُ.
فَإِنْ كَانَ فِي عَيْنِهِ عَشًا يُبْصِرُ نَهَارًا وَلَا يُبْصِرُ لَيْلًا جَازَ تَقْلِيدُهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي بَصَرِهِ ضَعْفٌ فَإِنْ كَانَ يَرَى الْأَشْبَاحَ وَلَا يَعْرِفُ الصُّوَرَ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ.
وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الصُّوَرَ إِذَا قَرُبَتْ وَلَا يَعْرِفُهَا إِذَا بَعُدَتْ جَازَ تَقْلِيدُهُ.
وَأَمَّا الْأَصَمُّ: فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ صَمَمٌ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بِالصَّمَمِ بَيْنَ إِقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ.
وَالصَّمَمُ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ أَنْ لَا يَفْهَمَ الْأَصْوَاتَ وَإِنْ عَلَتْ.
فَأَمَّا ثِقَلُ السَّمْعِ الَّذِي يَفْهَمُ عَالِيَ الْأَصْوَاتِ وَلَا يَفْهَمُ خَافِتَهَا فَتَقْلِيدُهُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُ السَّمِيعِ أَوْلَى مِنْهُ.
وَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْخَرَسُ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ، لِأَنَّهُ يَعْجِزُ بِخَرَسِهِ عَنْ إِنْفَاذِ الْأَحْكَامِ وَإِلْزَامِ الْحُقُوقِ.
وَجَوَّزَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وِلَايَتَهُ إِذَا كَانَ مَفْهُومَ الْإِشَارَةِ، كَمَا جَوَّزَ شَهَادَتَهُ.
وَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا مَمْنُوعٌ مِنَ الْأَمْرَيْنِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ بِلِسَانِهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ أَوْ عَقْلَةٌ أَوْ رَدَّةٌ أَوْ عُقْدَةٌ لَا تَمْنَعُ مَنْ فَهْمِ الْكَلَامِ صَحَّ تَقْلِيدُهُ لِأَنَّهُ نَقْصٌ لَا يَمْنَعُ مَنْ فَهْمِ الْكَلَامِ وَإِنْ غَمُضَ فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى لَمْ تَمْنَعْ عُقْدَةُ لِسَانِهِ مِنْ صِحَّةِ رِسَالَتِهِ.
فَأَمَّا صِحَّةُ أَعْضَائِهِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي وِلَايَتِهِ، فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَإِنْ كَانَ مُقْعَدًا أَوْ ذَا زَمَانَةٍ، وَإِنْ كَانَتِ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ أَهْيَبَ لِذَوِي الْوِلَايَاتِ.
فَصَارَتِ الْأَوْصَافُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي كَمَالِ نَفْسِهِ خَمْسَةً: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْبَصَرُ وَالسَّمْعُ وَالنُّطْقُ فَهَذَا حُكْمُ الشرط الأول.
(فصل)
: والشرط الثاني الذكورة فَيَكُونُ رَجُلًا.
فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهَا.
وَجَوَّزَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ كَالرَّجُلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ قَضَاؤُهَا فِيمَا تَصِحُّ فِيهِ شَهَادَتُهَا وَشَهَادَتُهَا عِنْدَهُ تَصِحُّ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
فَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَإِنَّهُ عَلَّلَ جَوَازَ وِلَايَتِهَا بِجَوَازِ فُتْيَاهَا.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ عَلَّلَ جَوَازَ وِلَايَتِهَا بِجَوَازِ شَهَادَتِهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 23] يَعْنِي فِي الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقِمْنَ عَلَى الرِّجَالِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَى امْرَأَةٍ ".
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ ".
وَلِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَهَا نَقْصُ الْأُنُوثَةِ مِنْ إِمَامَةِ الصَّلَوَاتِ مَعَ جَوَازِ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ، كَانَ الْمَنْعُ مِنَ الْقَضَاءِ الَّذِي لَا يَصِحُّ مِنَ الْفَاسِقِ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ نَقْصَ الْأُنُوثَةِ يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْوِلَايَاتِ كَإِمَامَةِ الْأَمَةِ.
وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فِي الْحُدُودِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ كَالْأَعْمَى.
وَأَمَّا جَوَازُ فُتْيَاهَا وَشَهَادَتِهَا فَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ فِيهِمَا فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْهُمَا الْأُنُوثَةُ وَإِنْ مَنَعَتْ مِنَ الْوِلَايَاتِ وَكَذَلِكَ تَقْلِيدُ الْخُنْثَى لَا يَصِحُّ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَإِنْ زَالَ إِشْكَالُهُ وَبَانَ رَجُلًا صَحَّ تَقْلِيدُهُ.
فَإِنْ رُدَّ إِلَى الْمَرْأَةِ تَقْلِيدُ قَاضٍ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ أَنْ تَكُونَ وَالِيَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ مُوَلِّيَةً.
وَإِنْ رُدَّ إِلَيْهَا اخْتِيَارُ قَاضٍ جَازَ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ اجْتِهَادٌ لَا تمنع منه الأنوثة كالفتيا.
(فَصْلٌ)
: وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْحُرِّيَّةُ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَبْدًا، وَلَا مُدَبَّرًا، وَلَا مُكَاتَبًا، وَلَا مَنْ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ الرِّقِّ، وَإِنْ قَلَّ، فَإِنْ قُلِّدَ كَانَتْ وِلَايَتُهُ بَاطِلَةً، وَحُكْمُهُ مَرْدُودًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُوَلَّى عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَالِيًّا، وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ قَاضِيًا.
وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ قَضَاءَ الْعَبْدِ، لِجَوَازِ فُتْيَاهُ، وَرِوَايَتِهِ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا لَمَا يُخَالِجُنِي فِي تَقْلِيدِهِ شَكٌّ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْلًى عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَالِيًا
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَمْلُوكًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا وَرَاوِيًا.
فَأَمَّا أَمْرُ سَالِمٍ فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ مَوْلَى عِتَاقَةٍ وَلَمْ يَكُنْ بَاقِيًا فِي الرِّقِّ وَتَقْلِيدُ الْمُعْتَقِ جَائِزٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي مَدْحِ سَالِمٍ.
وَقَدْ عَيَّنَ الْإِمَامَةَ فِي أَهْلِ الشُّورَى.
وَبِالْإِجْمَاعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إِمَامًا عَلَى الْأُمَّةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُشِيرَ بِهَا إليه.
(فَصْلٌ)
: وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ الْإِسْلَامُ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ قَاضِيًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَلَى أَهْلِ دِينِهِ.
وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ تَقْلِيدَهُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، وَأَنْفَذَ أَحْكَامَهُ وَقَبِلَ قَوْلَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، كَمَا جَوَّزَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْجَارِي فِي تَقْلِيدِهِمْ.
وَاحْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51] .
وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ وِلَايَتُهُمْ فِي الْمَنَاكِحِ جَازَتْ فِي الْأَحْكَامِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وَنُفُوذُ الْأَحْكَامِ يَنْفِي الصَّغَارَ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ " فَمَنَعَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْإِسْلَامِ وِلَايَةٌ لغير مسلم.
وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْكَافِرِ لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ فَلَمَّا مَنَعَ الْفِسْقُ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ الْكُفْرُ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ تَصِحَّ وِلَايَتُهُ فِي الْعُمُومِ لَمْ تَصِحَّ وِلَايَتُهُ فِي الْخُصُوصِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ طَرْدًا وَكَالْمُسْلِمِ الْعَدْلِ عَكْسًا.
فَأَمَّا الْآيَةُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُوَالَاةِ دُونَ الولاية.
وأما ولاياتهم في مناكحهم فلأنهم ما لكون لَهَا فَلَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ فِيهَا.
وَأَمَّا الْعُرْفُ الْجَارِي مِنَ الْوُلَاةِ فِي تَقْلِيدِهِمْ فَهُوَ تَقْلِيدُ زَعَامَةٍ وَرِيَاسَةٍ وَلَيْسَ بِتَقْلِيدِ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ أَهْلَ دِينِهِ لِالْتِزَامِهِمْ لَهُ لَا لِلُزُومِهِ لَهُمْ.
وَلَا يَقْبَلُ الْإِمَامُ قَوْلَهُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ بَيْنَهُمْ.
وَإِذَا امْتَنَعُوا مَنْ تَحَاكُمِهِمْ إِلَيْهِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ وَكَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عليهم أنفذ.
(فَصْلٌ)
: وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ الْعَدَالَةُ: فَمُعْتَبَرَةٌ فِي الْقَضَاءِ وَجَمِيعِ الْوِلَايَاتِ.
وَالْعَدَالَةُ: أَنْ يِكونَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ ظَاهِرَ الْأَمَانَةِ عَفِيفًا عَنِ الْمَحَارِمِ مُتَوَقِّيًا لِلْمَآثِمِ بَعِيدًا مِنَ الرِّيَبِ مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ مُسْتَعْمَلًا لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ فِي دِينِهِ وَسَنَسْتَوْفِي شُرُوطَهَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.
فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ فَهِيَ الْعَدَالَةُ الَّتِي تَصِحُّ بِهَا وِلَايَتُهُ وَتُقْبَلُ بِهَا شَهَادَتُهُ.
فَأَمَّا الْفِسْقُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا تَعَلَّقَ بِأَفْعَالٍ يَتَّبِعُ فِيهَا الشَّهْوَةَ فَلَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَإِنْ وَافَقَ فِيهِ الْحَقَّ لِفَسَادِ وِلَايَتِهِ.
وَحُكِيَ عَنِ الْأَصَمِّ صِحَّةُ وِلَايَتِهِ، وَنُفُوذُ حُكْمِهِ، إِذَا وَافَقَ الْحَقَّ لِصِحَّةِ إِمَامَتِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَجَوَازِ اتِّبَاعِهِ فِيهَا.
وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6] فَمَنَعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ نُفُوذِ قَوْلِهِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ الْعَدَالَةَ شَرْطًا فِي الشَّهَادَةِ كَانَ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ شَرْطًا فِي الْقَضَاءِ، وَجَازَتْ إِمَامَتُهُ لِتَعَلُّقِهَا بِالِاخْتِيَارِ وَخُرُوجِهَا عَنِ الْإِلْزَامِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنَ الْفِسْقِ مَا اخْتَصَّ بِاعْتِقَادٍ يَتَعَلَّقُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ يَتَأَوَّلُ بِهَا خِلَافَ الْحَقِّ.
فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ وَجْهَانِ: