الحاوي الكبيرصفحات 253-292
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الغصب

صفحات 253-292
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَلَوْ قَالَ مَنْ جَاءَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ هَذَا الشِّقْصُ فَلَا شُفْعَةَ قَبْلَ الْمَجِيءِ بِالْعَبْدِ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِذَا جِيءَ بِالْعَبْدِ مَلَكَ الشِّقْصَ عَلَيْهِ وَوَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فِيهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِ الْمَجِيءِ بِالْعَبْدِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ شِقْصًا فَعَفَا الشَّفِيعُ عَنْ شُفْعَتِهِ فَلَا شُفْعَةَ فيه بالإقالة لأنه رَفْعٌ لِلْعِقْدِ وَلَيْسَتْ بِاسْتِئْنَافِ عَقْدٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّفِيعُ قَدْ عَفَا حَتَّى تَقَابَلَا كَانَ لِلشَّفِيعِ إِبْطَالُ الْإِقَالَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِشُفْعَةِ الْبَيْعِ.
وَلَوْ كَانَ مُشْتَرِي الشِّقْصِ قَدْ وَقَفَهُ قَبْلَ عَفْوِ الشَّفِيعِ فَلِلشَّفِيعِ إِبْطَالُ الْوَقْفِ، وَأَخْذُ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ رَهَنَهُ فَلِلشَّفِيعِ إِبْطَالُ الرَّهْنِ، وَأَخْذُ الشِّقْصِ، وَلَوْ كَانَ أَجَّرَهُ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ لَهُ الْخِيَارُ فِي إِمْضَاءِ الْإِجَارَةِ أَوْ فَسْخِهَا وَلَا تَبْطُلُ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِذَا أَمْضَاهَا الشَّفِيعُ فالأجرة للمشتري دون الشفيع لأن عَقَدَهَا فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ الشِّقْصَ عَلَى غَيْرِهِ كَانَ الشَّفِيعُ مُخَيَّرًا بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَأَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَبَيْنَ فَسْخِهِ وَأَخْذِهِ مِنَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنِ اشْتَرَاهَا بثمنٍ إِلَى أجلٍ قِيلَ لِلشَّفِيعِ إِنْ شِئْتَ فَعَجِّلِ الثَّمَنَ وَتَعَجَّلِ الشُّفْعَةَ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَحَضَرَ الشَّفِيعُ مُطَالِبًا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتَعَجَّلَ أَخْذَهَا وَيَكُونَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ إِنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ أَقَامَ ضَمِينًا ثِقَةً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِصَلَاحِ النَّاسِ.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّفِيعَ يَدْخُلُ مَدْخَلَ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَصِفَاتِهِ، وَالْأَجَلِ وَصِفَاتِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَأْخُذَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ وَأَجَلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَعْجِيلَ الْمُؤَجَّلِ زِيَادَةٌ فِي الْقَدْرِ بِتَفَاضُلِ الْأَثْمَانِ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَزِيدَ وَتَأْخِيرَ الشَّفِيعِ دَخَلَ لَهُ عَنْ حَقِّهِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي دَفْعُ الشَّفِيعِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة: إِنَّ الشَّفِيعَ لَا يَتَعَجَّلُ الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ.
وَيُقَالُ لَهُ أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ تَعَجَّلَ الثَّمَنَ فَتَتَعَجَّلَ أَخْذَ الشِّقْصِ وَبَيْنَ أَنْ تَصْبِرَ إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ، فَتَدْفَعَ الثَّمَنَ وَتَأْخُذَ الشِّقْصَ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أن

أَخْذَ الشُّفْعَةِ بِاسْتِحْقَاقِ الْأَجَلِ يَدْخُلُ فِي عُقُودِ الْمُرَاضَاةِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَكُنْ مُرَاضَاةً.
وَالثَّانِي: أَنَّ رِضَا الْبَائِعِ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي لَا يُوجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَرْضَى بِذِمَّةِ الشَّفِيعِ، وَلِذَلِكَ حَلَّ دَيْنُ الْمَيِّتِ لِأَنَّ رِضَا رَبِّهِ بِذِمَّتِهِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الرِّضَا بِذِمَّةِ وَارِثِهِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فللمشتري وللشفيع أربعة أحوال: أحدهما: إِنْ تَعَجَّلَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ فَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الشِّقْصِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِأَنَّهُ قَدْ تعجل مؤجلاً وأمن خطراً.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرْضَى الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيمِ الشِّقْصِ وَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ فَيَلْزَمُ الشَّفِيعَ أَنْ يَأْخُذَ أَوْ يَعْفُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَجَّلُ مَنَافِعَ الشِّقْصِ، وَلَا يَسْتَضِرُّ بِتَعْجِيلِ الثَّمَنِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَانْتَظَرَ بِأَخْذِهِ حُلُولَ الْأَجَلِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ، وَفِي بُطْلَانِهَا عَلَى الْجَدِيدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ: أنه على شفعته إلى حلول الأجل؛ لأن تَأْجِيلَ الثَّمَنِ قَدْ جَعَلَ حَقَّ الطَّلَبِ مُقَدَّرًا بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ شُفْعَتَهُ قَدْ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ طَلَبَهُ قُدِّرَ بِمُدَّةِ الْأَجَلِ رِفْقًا بِالْمُشْتَرِي فَصَارَ مِنْ حُقُوقِهِ لَا مِنْ حقوق الشفيع.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْعُوَ الْمُشْتَرِي إِلَى تَعْجِيلِ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمِ الشِّقْصِ فَلَا يَلْزَمَ الشَّفِيعَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْمُؤَجَّلِ اسْتِزَادَةٌ فِي الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي مَمْنُوعٌ مِنَ الِاسْتِزَادَةِ فِيهِ.
فَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا أَحُطُّهُ مِنَ الثَّمَنِ بِسَبَبِ التَّعْجِيلِ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ لَمْ يَجُزْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الرِّبَا، وَالثَّانِي أَنَّ مَا اسْتَحَقَّ تَأْجِيلُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ تعجيله.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يُطَالِبَ الشَّفِيعَ بِالشِّقْصِ مُؤَجَّلًا وَيُؤَخِّرَ الثَّمَنَ إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَوْلَيْنِ: فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ: يُجَابُ إِلَى ذَلِكَ إِنْ كَانَ ثِقَةً أَوْ يَضْمَنُهُ غَيْرَ ثِقَةٍ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي حَلَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ مَا على الشفيع منه وَكَانَ بَاقِيًا إِلَى أَجَلِهِ، وَلَوْ مَاتَ الشَّفِيعُ حَلَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَعَجَّلَهُ وَمَا عَلَيْهِ بَاقٍ إِلَى أَجَلِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ دَفَعَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا لَمْ يَلْزَمِ الشَّفِيعَ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ فِي الثَّمَنِ وَلَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ يُمْنَعُ مِنَ الشِّقْصِ إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ، وَالْمُشْتَرِي يُمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ سُكْنَى وَاسْتِغْلَالٍ وَإِجَارَةٍ وَبَيْعٍ مَا لَمْ

يَسْتَهْلِكْهُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الشَّفِيعِ بِهِ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي عَنْهُ وَلَا يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ إِلَّا بِمَا يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الشَّفِيعِ مِنَ الِاسْتِهْلَاكِ وَالْإِتْلَافِ وَلَيْسَ الْبَيْعُ اسْتِهْلَاكًا لِأَنَّهُ بَعْدَ الْبَيْعِ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ بِأَيِّ الْعَقْدَيْنِ شَاءَ.
فَلَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي حَلَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ وَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَوْ مَاتَ الشَّفِيعُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَصْبِرُوا إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ مَا يَحِلُّ بِمَوْتِهِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُنَجَّمًا كَانَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا: الشَّفِيعُ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِثَمَنِ مُنَجَّمٍ إِلَى آجَالِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَنْتَظِرُ حُلُولَ النُّجُومِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ، فَلَوْ حَلَّ نَجْمٌ فَقَالَ أَنَا أَدْفَعُ مَا حَلَّ فِيهِ وَآخُذُ مِنَ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مُنِعَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَقِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَعَجَّلَ الْكُلَّ أَوْ تَنْتَظِرَ حُلُولَ الْأَجَلِ وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ مِنَ الشُّفْعَةِ بِتَأْخِيرِ الْأَخْذِ إِلَى حُلُولِ النُّجُومِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ أَخْذِ حِصَّتِهِ بِأَجَلٍ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُ مَا حَلَّ فَصَارَ معذوراً بالتأخير.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ وَرِثَهُ رَجُلَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَهُ ابْنَانِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَأَرَادَ أَخُوهُ الشُّفْعَةَ دُونَ عَمِّهِ فَكِلَاهُمَا سواءٌ لأنهما فيها شريكان (قال المزني) رحمه الله هذا أصح من أحد قوليه إن أخاه أحق بنصيبه (قال المزني) وفي تسويته بين الشفعتين على كثرة ما للعم على الأخ قضاءٌ لأحد قوليه على الآخر في أخذ الشفعاء بقدر الأنصباء ولم يختلف قوله في المعتقين نصيبين من عبدٍ أحدهما أكثر من الآخر في أن جعل عليهما قيمة الباقي منه بينهما سواءٌ إذا كانا موسرين قضى ذلك من قوله على ما وصفنا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي دَارٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِمَّا أَخَوَيْنِ، أَوْ أَجْنَبِيَّيْنِ مَلَكَاهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ أَوْ بِسَبَبَيْنِ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ ابْنَيْنِ فَصَارَتِ الدَّارُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ لِلْبَاقِي مِنَ الأخوين المالكين سهمان ولكل واحد من الْمَيِّتِ سَهْمٌ وَاحِدٌ فَبَاعَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ حَقَّهُ وَهُوَ سَهْمٌ وَاحِدٌ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَالشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ فِيهِ وَهَلْ يَخْتَصُّ بِهَا أَخُوهُ أَوْ تَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمِّ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ الْأَخَ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ أَخِيهِ مِنَ الْعَمِّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا اشتركا في سبب ملكه وتميز العم عنها بسببه فكان الأخر لِمُشَارَكَتِهِ فِي السَّبَبِ أَحَقَّ بِشُفْعَةِ أَخِيهِ مِنَ الْعَمِّ الْمُنْفَرِدِ بِسَبَبِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّ مِلْكَ الْأَخَوَيْنِ كَانَ مُجْتَمِعًا فِي حَيَاةِ الْأَبِ وَقَدْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الِاجْتِمَاعِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، أَلَا تَرَى لَوْ ظَهَرَ عَلَى الْأَبِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِالسَّهْمَيْنِ مَعًا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِسَهْمِ الْعَمِّ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ، وَبَعْضِ الْقَدِيمِ أَنَّ الشُّفْعَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْعَمِّ وَالْأَخِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَمَّا تَسَاوَيَا فِي الِاشْتِرَاكِ وَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَالْمُخْتَلِفَيِ الْأَسْبَابِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا أُخِذَ بِالشُّفْعَةِ أُخِذَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَمَّ لَوْ بَاعَ حِصَّتَهُ تَشَارَكَا فِي شُفْعَتِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يُشَارِكَهُمَا فِي شُفْعَتِهِمَا.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ: فَإِنْ قِيلَ الْأَخُ أَحَقُّ بِهَا تَفَرَّدَ بِأَخْذِهَا دُونَ الْعَمِّ، فَإِنْ عَفَا الْأَخُ عَنْهُمَا احْتَمَلَ اسْتِحْقَاقُ الْعَمِّ لها وجهان: أَحَدُهُمَا: لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا لِخُرُوجِهَا عَنِ اسْتِحْقَاقِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَحِقُّهَا لِخَلْطَتِهِ وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْأَخُ عَلَيْهِ لِامْتِزَاجِ سَبَبِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا بَيْنَهُمَا فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِحْقَاقِهِمَا لَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أحدهما: قاله في القديم: إنها بينهما نصفين بِالسَّوِيَّةِ وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تُسْتَحَقُّ بِقَلِيلِ الْمِلْكَ كَمَا تُسْتَحَقُّ بِكَثِيرِهِ حتى لو ملكا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ سَهْمًا مِنْ عَشَرَةِ أَسْهُمٍ أَخَذَ بِهِ شُفْعَةَ التِّسْعَةِ الْبَاقِيَةِ، وَلَوْ بِيعَ السَّهْمُ أَخَذَهُ صَاحِبُ التِّسْعَةِ الْبَاقِيَةِ فَاقْتَضَى أَنْ يَتَسَاوَى الشَّرِيكَانِ فِيهَا وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْمَالِ اعْتِبَارًا بأعداد الرؤوس لَا بِقَدْرِ الْأَمْلَاكِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ يَمْلِكُ أَحَدُهُمْ نِصْفَهُ وَالْآخِرُ ثُلُثَهُ وَالْآخِرُ سُدُسَهُ إِذَا أَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَالسُّدْسِ حُقُوقَهُمَا مَعًا قُوِّمَ الثُّلُثُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَعَتَقَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ كانت الشُّفْعَةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِهَا، وَقَدْ يَسْتَضِرُّ صَاحِبُ الْأَقَلِّ كَاسْتِضْرَارِ صَاحِبِ الْأَكْثَرِ فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَ صَاحِبُ الْأَقَلِّ فِيهَا صَاحِبَ الْأَكْثَرِ، فَعَلَى هَذَا تَصِيرُ الدَّارُ بَيْنَهُمَا على ثمانية أسهم: خمسة منها للعم: منا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ وَسَهْمٌ لِشُفْعَتِهِ وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِلْأَخِ مِنْهَا سَهْمَانِ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ وَسَهْمٌ لِشُفْعَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ: إِنَّهَا بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَالَيْهِمَا اعْتِبَارًا بِالْأَمْلَاكِ لَا بِالْمُلَّاكِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنَافِعَ الْمِلْكِ تَتَوَزَّعُ عَلَى قَدْرِهِ كَالْأَرْبَاحِ فِي التِّجَارَةِ وَالنِّتَاجِ فِي الْحَيَوَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِهَا عَنِ الْمِلْكِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِحَقٍّ لَا بِظُلْمٍ مثل مؤونة الْمُقَاسَمَةِ، وَالْمُهَايَأَةِ، وَنُقْصَانِ الْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا يَقِلُّ وَيَكْثُرُ بِقِلَّةِ الْمِلْكِ

وَكَثْرَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَتَقَسَّطَ عَلَى الْأَمْلَاكِ دُونَ الْمُلَّاكِ، وَأَمَّا سُوءُ الْمُشَارَكَةِ فَظُلْمٌ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالسُّلْطَانِ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ النِّصْفِ سَهْمَانِ وَلِصَاحِبِ الرُّبْعِ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَتَصِيرُ جَمِيعُ الدَّارِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلِينَ أَنْ تَكُونَ الشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ اخْتَارَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ، أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ: اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِتْقِ وَقَدْ تَنْفَصِلُ عَنْهُ بِأَنَّ الْعِتْقَ اسْتِهْلَاكٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ الْحِصَّةِ الْمُقَوَّمَةِ مِنَ الْعَبْدِ لَوْ رَضِيَ بِاسْتِرْقَاقِ حِصَّتِهِ وَرَضِيَ الْعَبْدُ بِهَا لَمْ يَجُزْ وَأُعْتِقَتْ عَلَى الشَّرِيكِ، وَلَوْ رَضِيَ الشَّرِيكُ بِتَرْكِ شُفْعَتِهِ جاز فافترقا والله أعلم.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلِوَرَثَةِ الشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا كَانَ يَأْخُذُهُ أَبُوهُمْ بَيْنَهُمْ عَلَى الْعَدَدِ امْرَأَتُهُ وَابْنُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَهَذَا يُؤَكِّدُ مَا قُلْتُ أَيْضًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الشُّفْعَةُ فَمَوْرُوثَةٌ تَنْتَقِلُ بِمَوْتِ الشَّفِيعِ قَبْلَ عَفْوِهِ إِلَى وَرَثَتِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: الشُّفْعَةُ غَيْرُ مَوْرُوثَةٍ وَقَدْ بَطَلَتْ بِمَوْتِ الشَّفِيعِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ خِيَارٌ مَوْضُوعٌ لِاسْتِخْلَافِ مَالٍ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْمَوْتِ قِيَاسًا عَلَى خِيَارِ الْبَدَلِ وَالْقَبُولِ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ بِشُفْعَتِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ مَالِهِ كَالزَّوْجِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِاللِّعَانِ دَفْعَ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ فِي نَسَبِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ اللِّعَانَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلَا يَصِيرُ مَوْرُوثًا فَوَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ الشُّفْعَةُ بِالْمَوْتِ وَلَا تَصِيرَ مَوْرُوثَةً.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّ مَا وُضِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ مِنَ الْخِيَارِ إِذَا لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى مَالٍ بَطَلَ بِالْمَوْتِ كَاللِّعَانِ، قَالَ: وَلِأَنَّ مِلْكَ الْوَرَثَةِ مُسْتَحْدَثٌ بَعْدَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ وَحُدُوثُ الْمِلْكِ بَعْدَهَا يَمْنَعُ مِنْ إِيجَابِهَا كَمَنِ اسْتَوْهَبَ مِلْكًا بَعْدَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ شُفْعَةً، قَالَ: وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمَوْرُوثَةَ إِذَا عَفَا عَنْهَا الْمَرِيضُ كَانَ عَفْوُهُ مَرْدُودًا كَالدُّيُونِ فَلَمَّا كَانَ عَفْوُ الْمَرِيضِ عَنِ الشُّفْعَةِ صَحِيحًا وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ فيه اعتراض، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْرُوثٍ، قَالَ: وَلِأَنَّ مَا وُرِّثَ بِالْأَسْبَابِ وَالْأَنْسَابِ انْتَقَلَ إِرْثُهُ عِنْدَ عَدَمِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ غَيْرُ مَوْرُوثَةٍ مِيرَاثَ الْأَمْوَالِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: 11) فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَلْزَمُ فِي الْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَوْرُوثَةً مَعَ الْمِلْكِ كَطُرُقِ الْأَمْلَاكِ وَمَرَافِقِهَا، وَالرَّهْنِ فِي الدُّيُونِ، وَضَمَانِهَا وَلِأَنَّ الْمَوْتَ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ، وَمَا سَقَطَ بِهِ التَّكْلِيفُ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ الشُّفْعَةُ كَالْجُنُونِ، وَلِأَنَّهُ قَبْضٌ اسْتُحِقَّ فِي عَقْدِ بَيْعٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ.

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى خِيَارِ الْبَدَلِ وَالْقَبُولِ فَهُوَ أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ثُمَّ خِيَارِ الْبَدَلِ وَالْقَبُولِ يَجُوزُ أَنْ يُورَثَ لَوْلَا أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْفَوْرِ فَكَانَ بُطْلَانُ مِيرَاثِهِ لِتَرَاخِي زَمَانِهِ لِاسْتِحَالَةِ إِرْثِهِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي خِيَارِ الْقَبُولِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِيبَ الْمَبْدُولُ لَهُ مَنْ يَقْبَلُ عَنْهُ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى وَارِثِهِ وَلَمَّا جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ الشَّفِيعُ مَنْ يُطَالِبُ عَنْهُ انْتَقَلَ إِلَى وَارِثِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى اللِّعَانِ فَهُوَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النِّيَابَةَ فِي اللِّعَانِ لَا تَصِحُّ وَلَيْسَ الْمَنْعُ مِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنِ الشُّفْعَةِ بِمَانِعٍ مِنْ أَنْ يُورَثَ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُورَثَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ مِلْكَ الْوَرَثَةِ طَارِئٌ فَهُوَ أَنَّهُمْ لَيْسَ يَمْلِكُونَهَا لِأَنْفُسِهِمْ بِالطَّارِئِ مِنْ مِلْكِهِمْ وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ مِيرَاثًا عَنْ مَيِّتِهِمْ فَقَامُوا فِيهِ مَقَامَهُ كَمَنْ وَصَّى لَهُ بِابْنِهِ الْمَمْلُوكِ فَمَاتَ قَبْلَ قَبُولِهِ وَتَرَكَ ابْنًا آخَرَ فَقَبِلَ بَعْدِ مَوْتِ أَبِيهِ الْوَصِيَّةَ بِأَخِيهِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْأَخُ لا يعتق أخيه لِأَنَّهُ قَبِلَهُ نِيَابَةً عَنْ أَبِيهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمَوْرُوثَةَ تَرُدُّ عَفْوَ الْمُوصَى عَنْهَا كَالدُّيُونِ فَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَجْعَلُ لِلْوَارِثِ إِبْطَالَ عَفْوِهِ فَعَلَى هَذَا سَقَطَ السُّؤَالُ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنَّ عَفْوَهُ مَاضٍ وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ لِلْوَارِثِ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِ فِيمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِلْكُهُ مِنَ الْأَمْلَاكِ ولم يستقر له ها هنا مِلْكٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ يُفْضِي إِلَى الْمِلْكِ، فَصَارَ كَقَبْضِ الْهِبَةِ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الْهِبَةَ وَلَوْ رَدَّهُ الْمَرِيضُ لَمْ يَعْتَرِضِ الْوَرَثَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَقُومُوا فِي الْقَبْضِ مَقَامَهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ مَا كَانَ مَوْرُوثًا صَارَ لِبَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَرَثَةِ فهو أن لأصحابنا فيه وجهان: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَوْرُوثٌ لِبَيْتِ الْمَالِ وَيَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا شُفْعَةَ فِيهِ وَقَدْ بَطَلَتْ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِهَا فَبَطَلَتِ الشُّفْعَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَارِثُ، لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالتَّصَرُّفِ فَلَحِقَهُ الضَّرَرُ فَاسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا اسْتَحَقَّ مِيرَاثَ الشُّفْعَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الشَّفِيعِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَالشُّفْعَةُ إِنَّمَا حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْرُوثِ فِيهَا حَقٌّ لِتَقَدُّمِ مَوْتِهِ عَلَى الْبَيْعِ ثُمَّ تَكُونُ بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ مَلَكَ مِيرَاثَ الْحِصَّةِ وَفِيهَا قَوْلَانِ:

أحدهما: أنها بينهم على عدد رؤوسهم، الزَّوْجَةُ وَالِابْنُ فِيهَا سَوَاءٌ عَلَى مَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَالْقَوْلُ الثاني: أنها مقسطة بينهم على قدر موارثيهم لِلزَّوْجَةِ ثُمُنُهَا وَلِلِابْنِ الْبَاقِي وَعَلَى هَذَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ مَنْ لَمْ يَعْفُ، وَكَانَ لِمَنْ بَقِيَ مِنَ الْوَرَثَةِ وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا يَأْخُذُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ كَالشُّرَكَاءِ إِذَا عَفَا بَعْضُهُمْ عَادَ حَقُّهُ إِلَى مَنْ بَقِيَ وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ مَلَكَ الشُّفْعَةَ بِالْبَيْعِ وَانْتَقَلَتْ عَنْهُ بِالْمَوْتِ إِلَى وَرَثَتِهِ وَيَسْتَوِي فِيهَا الْوَارِثُ بِنَسَبٍ وَسَبَبٍ وَهِيَ بينهم على قدر موارثيهم لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُمْ لَيْسَ يَأْخُذُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِنَّمَا يَرِثُونَهَا عَنْ مَيِّتِهِمْ فكانت بينهم على قدر موارثيهم وَيَكُونُ تَأْوِيلُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ وَابْنَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ يَعْنِي فِي اسْتِحْقَاقِهَا لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ لَا يَخْتَصُّ بِهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَغْلَطُ فَيُخَرِّجُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ وَيُجْعَلُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ عَفَا عَنْ حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ فَهَلْ يَرْجِعُ ذَلِكَ عَلَى بَاقِي الْوَرَثَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْمَرْوَزِيُّ: أَحَدُهُمَا: يرجع على ما بَقِيَ كَالشُّرَكَاءِ إِذَا عَفَا أَحَدُهُمْ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ حَضَرَ مُطَالِبًا قُضِيَ لَهُ بِجَمِيعِ الشُّفْعَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ بَقِيَ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ شَفِيعٌ وَاحِدٌ وَلَيْسَ كَالشُّرَكَاءِ الَّذِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَفِيعٌ كَامِلٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ حَضَرَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مُطَالِبًا لَمْ يُقْضَ لَهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَجْتَمِعُوا فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمْ عَنْ حَقِّهِ فَهَلْ تَبْطُلُ بِعَفْوِهِ شُفْعَةُ مَنْ بَقِيَ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهَا قَدْ بَطَلَتْ وَسَقَطَ حَقُّ مَنْ لَمْ يَعْفُ لِأَنَّهَا شُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ عفى عنه بَعْضِهَا فَصَارَ كَالشَّفِيعِ إِذَا عَفَا عَنْ بَعْضِ شُفْعَتِهِ سَقَطَ جَمِيعُهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْفُ عَنْ شُفْعَتِهِ يَأْخُذُ مِنْهَا بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ وَلَا يَكُونُ عَفْوُ غَيْرِهِ مُبْطِلًا لِحَقِّهِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ إِذَا عَفَا عَنْ بَعْضِ شُفْعَتِهِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ كَانَ لَهُ أَخْذُ جَمِيعِهَا فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِعَفْوِهِ عَنِ الْبَعْضِ جَمِيعُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْهَا إِلَّا قَدْرَ حَقِّهِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْعَفْوِ عَنْ غَيْرِ حَقِّهِ وَلِأَنَّ الْعَافِيَ عَنِ الْبَعْضِ مُخْتَارٌ لِلْعَفْوِ فَجَازَ أَنْ يَسْرِيَ عَفْوُهُ فِي جَمِيعِ حَقِّهِ، وَلَيْسَ الْبَاقِي مِنَ الْوَرَثَةِ مُخْتَارًا لِلْعَفْوِ فَلَمْ يَسْرِ عَفْوُ غَيْرِهِ فِي حَقِّهِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فِيهَا شُفْعَةٌ ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِالتَّرِكَةِ ثُمَّ بِيعَ مِنَ الدَّارِ شِقْصٌ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَعَلَيْهِمُ الشُّفْعَةُ فِيمَا ابْتَاعَهُ مَيِّتُهُمْ وَلَهُمُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بِيعَ في

خِلْطَتِهِمْ وَلَا يَكُونُ إِفْلَاسُ مَيِّتِهِمْ مَانِعًا مِنَ اسْتِحْقَاقِهَا لِأَنَّ لَهُمْ قَضَاءُ الدُّيُونِ وَاسْتِيفَاءُ الشِّقْصِ فَإِنْ تَعَجَّلَ شُفْعَتَهُمْ فَأَخَذَ حِصَّتَهُمْ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوا مَا اسْتَحَقُّوهُ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ فِيهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا الشُّفْعَةَ بِهِ وَكَانَ لِشَفِيعِهِمْ أَنْ يَأْخُذَهُ بِشُفْعَتِهِ أَيْضًا، وَإِنْ تَعَجَّلُوا أخذ ما بيع في خلطهم وَقَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ حِصَّتُهُمْ بِالشُّفْعَةِ جَازَ وَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا مَا وَجَبَ مِنَ الشُّفْعَةِ فِي حِصَّتِهِمْ ثُمَّ لِشَفِيعِهِمْ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُمْ بِشُفْعَتِهِ فَإِنْ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوا بِالشُّفْعَةِ وَإِنْ عَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ فِي حِصَّتِهِمْ كَانَ لَهُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِيمَا أَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْمِلْكِ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَكَ دَارًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِبَعْضِهَا فَبِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ دَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوا الْمَبِيعَ مِنْهَا بِالشُّفْعَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ لِمَيِّتِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى اسْتِيفَاءِ مِلْكِهِ بقضاء الدين في أَمْوَالِهِمْ وَلَوْ كَانَ مَيِّتُهُمْ وَصَّى بِبَيْعِ بَعْضِهَا فِي وَصِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ شُفْعَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ لِمَيِّتِهِمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنْ حَضَرَ أَحَدُ الشُّفَعَاءِ أَخَذَ الْكُلَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَإِنْ حَضَرَ ثانٍ أَخَذَ مِنْهُ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَإِنْ حضر ثالثٌ أخذ منها الثُّلُثَ بِثُلُثِ الثَّمَنِ حَتَّى يَكُونُوا سَوَاءً ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي دَارٍ بَيْنَ أَرْبَعَةِ شُرَكَاءَ بَاعَ أَحَدُهُمْ حَقَّهُ عَلَى غَيْرِ شُرَكَائِهِ فَالشُّفْعَةُ فيها واجبة لشركائه الثلاثة فلهم ثلاثة أحوال: حال يكونوا حاضرين، وحال يكونوا غائبين، وحال يحضر بعضهم ويغيب بعضهم فأما الْحَالُ الْأُولَى: وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا جَمِيعًا حَاضِرِينَ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُطَالِبُوا جَمِيعًا بِالشُّفْعَةِ فَيَكُونُ الشِّقْصُ الْمَبِيعَ بينهم أثلاثاً بالسوية.
والقسم الثاني: أن يعفو جَمِيعًا عَنِ الشُّفْعَةِ فَتَبْطُلَ شُفْعَتُهُمْ وَيَبْقَى الشِّقْصُ على المشتري.
والقسم الثالث: أن يعفوا بَعْضُهُمْ وَيُطَالِبَ بَعْضُهُمْ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْعَافِي، وَلِلْمُطَالِبِ أن يأخذ جميع القص بِشُفْعَتِهِ فَلَوْ عَفَا اثْنَانِ مِنَ الثَّلَاثَةِ كَانَ لِلثَّالِثِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ بِشُفْعَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهَا فَيَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ حِصَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
فَلَوْ قَالَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ قَدْ عَفَوْتُ عَنْ جَمِيعِ حَقِّي، وَقَالَ آخَرُ قَدْ عَفَوْتُ عَنْ نِصْفِ حَقِّي كَانَ عَفْوًا عَنْ جَمِيعِهِ وَلَمْ يَتَبَعَّضِ الْعَفْوُ وَكَانَ لِلثَّالِثِ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ لِعَفْوِ شَرِيكَيْهِ.
وَلَوْ

قَالَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ قَدْ سَلَّمْتُ حَقِّي لِأَحَدِكُمَا دُونَ الْآخَرِ كَانَ تَسْلِيمًا لَهُمَا مَعًا لِأَنَّهُ عَفْوٌ لَا هِبَةٌ وَلَوْ كَانَ الشِّقْصُ قَدْ أَخَذَهُ اثْنَانِ مِنَ الثَّلَاثِهِ لِغَيْبَةِ الثَّالِثِ عَنْهُمَا ثُمَّ قَدِمَ الثَّالِثُ فَعَفَا عَنْ أَحَدِهِمَا وَأَخَذَ حَقَّهُ مِنَ الْآخَرِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بينهما أن يكون ها هنا عَافِيًا وَهُنَاكَ وَاهِبَا وَالْعَفْوُ عَنِ الشُّفْعَةِ يَصِحُّ وَهِبَتُهَا لَا تَصِحُّ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا جَمِيعًا غَائِبِينَ فَهُمْ عَلَى حُقُوقِهِمْ مِنَ الشُّفْعَةِ حَتَّى يَقْدَمُوا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ عَفْوٌ، فَإِنِ ادَّعَى الْمُشْتَرِي عَلَى أَحَدِهِمُ الْعَفْوَ عَنْ شُفْعَتِهِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ لأن للآخرين أن يأخذوا الجميع فلم يكن لدعواه معنى.
ولكن ولو ادَّعَى شَرِيكَانِ عَلَى الثَّالِثِ مِنْهُمَا الْعَفْوَ سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوَفُّرِ حَقِّهِ عَلَيْهِمَا، وَحَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ تُسْمَعْ شَهَادَةُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَنْعِهِ عَنْ مُطَالَبَتِهِ، وَلَوِ ادَّعَى الْمُشْتَرِي الْعَفْوَ عَلَى الثَّلَاثَةِ كُلِّهِمْ كَانَ لَهُ إِحْلَافُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَوْ نَكَلُوا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَسَقَطَ حَقُّهُمْ مِنَ الشُّفْعَةِ فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ، وَنَكَلَ اثْنَانِ مِنْهُمْ لم ترد أيمانهما على المشتري بنكلولهما لأن عفو بعض الشفعاء لا يوجب الترك عَلَى الْمُشْتَرِي، وَيَأْخُذُهُ مَنْ لَمْ يَعْفُ ثُمَّ لَا يُقْضَى لِلْحَالِفِ بِالشُّفْعَةِ فِي الْكُلِّ إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ شَرِيكَيْهِ قَدْ عَفَوَا، فَإِذَا حَلَفَ، أَخَذَ كُلَّ الشِّقْصِ، وَإِنْ نَكَلَ أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ حِصَّتِهِ وَأَخَذَ النَّاكِلَانِ مِنْهُ قَدْرَ حِصَصِهِمَا.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ وَهُوَ أَنْ يَحْضُرَ بَعْضُهُمْ وَيَغِيبَ بَعْضُهُمْ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَصُورَتُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ حَاضِرًا، وَقَدْ غَابَ الْآخَرَانِ فَلِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي مِنْ تَفْرِيقِ صَفْقَتِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْحَاضِرُ مِنْ أَخْذِ الْكُلِّ، وَانْتَظَرَ بِالشُّفْعَةِ قُدُومَ شَرِيكَيْهِ لِيَأْخُذُوهَا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ فَفِي بُطْلَانِ شُفْعَتِهِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إن شُفْعَتَهُ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ لِيَكْفِي غُرْمُ الثَّمَنِ فِيمَا يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ فَعَلَى هَذَا إِنْ قَدِمَ شَرِيكَاهُ فَطَلَبَا الشُّفْعَةَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.
وَإِنْ عَفَوَا قِيلَ لِلْأَوَّلِ الْحَاضِرِ: لَيْسَ لَكَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ الْكُلِّ أَوْ تَرْكِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ شُفْعَتَهُ قَدْ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَخْذِ بِهَا فَكُفَّ فَعَلَى هَذَا إِنْ قَدِمَ الْغَائِبَانِ اشْتَرَكَا فِي الشُّفْعَةِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ عَفَوَا سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ عَنِ الْمُشْتَرِي وَلَا حَقَّ فِيهَا لِلْأَوَّلِ لِبُطْلَانِ شُفْعَتِهِ.

فَإِذَا وَضَحَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَأَخَذَ الْأَوَّلُ الْحَاضِرُ كُلَّ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ قَدِمَ ثَانٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِنِصْفِ مَا بِيَدِهِ مِنَ الشِّقْصِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ لِيَكُونَا فِي الشِّقْصِ سَوَاءً فَإِنْ رَضِيَ الثَّانِي أَنْ يَقْتَصِرَ مِنَ الْأَوَّلِ عَلَى ثُلُثِ مَا بِيَدِهِ مِنَ الشِّقْصِ وَهُوَ قَدْرُ حِصَّتِهِ عِنْدَ اشْتِرَاكِهِمْ، وَامْتَنَعَ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنْ يُسَاوِيَهُ بِالنِّصْفِ أَوْ يَعْفُوَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَوَّلِ ويمنع الثاني فما سَأَلَ وَيُقَالُ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَأْخُذَ النِّصْفَ أَوْ تَعْفُوَ كَمَا يُمْنَعُ الْأَوَّلُ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ ذَلِكَ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الثَّانِي وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الثُّلُثِ وَيُجْبَرَ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ مَعَ الْمُشْتَرِي وَلِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي صَفْقَةٌ يَمْنَعُ مِنْ تَفْرِيقِهَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ صَفْقَةٌ تُفَرَّقُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ عَنْ بَعْضِ مَا اسْتَحَقَّ لَهُ فَإِذَا وَضُحَ مَا ذَكَرْنَا وَأَخَذَ الثَّانِي مِنَ الْأَوَّلِ نِصْفَ الشقص بنصف الثمن ثم قدر الثَّالِثُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ثُلُثَ مَا بِيَدِهِ بِثُلُثِ الثَّمَنِ وَهُوَ سُدُسُ الْكُلِّ فَيَصِيرُ الشِّقْصُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَعُهْدَةُ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحِقَّةٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَلَيْسَ أَخْذُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الثالث عفا عن شفعته استقرت لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ وَلَوْ عَفَا الثَّانِي وَطَالَبَ الثَّالِثُ جُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا أَخَذَ الشِّقْصَ أَحَدُ الشُّفَعَاءِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْآخَرَيْنِ ثُمَّ قَدِمَ أَحَدُ الْغَائِبَيْنِ فَصَالَحَ الْحَاضِرَ عَلَى ثُلُثِ الشِّقْصِ وَسَلَّمَ لَهُ بِالثُّلُثَيْنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ الْآخَرُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي بِيَدِهِ الثُّلُثَانِ فَيَأْخُذُ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ وَهُوَ الثُّلُثُ فَيَصِيرُ الشِّقْصُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لِيَكُونُوا فِي الشُّفْعَةِ سَوَاءً وَلَا يَكُونُ لِعَفْوِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَادِمَيْنِ أَثَرٌ غَيْرُ تَأْخِيرِ حَقِّ الثَّانِي عَلَى الْحَاضِرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ ومحمد بن الحسن إِنَّ الشِّقْصَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا لِلْعَافِي وَسَبْعَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرَيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَافِيَ لَمَّا صَالَحَ عَلَى الثُّلُثِ صَارَ تَارِكًا لِثُلُثِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلنِّصْفِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الثُّلُثِ فَصَارَ الشِّقْصُ بَيْنَهُمْ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلْعَافِي وَسَهْمَانِ لِلْحَاضِرِ الْأَوَّلِ فَلَمَّا قَدِمَ الثَّالِثُ اسْتَحَقَّ ثُلُثَ مَا بِيَدِ الْعَافِي وَهُوَ ثُلُثُ السَّهْمِ ضُمَّ إِلَى السَّهْمَيْنِ اللَّذَيْنِ مَعَ الْأَوَّلِ تَصِيرُ سَهْمَيْنِ وَثُلُثًا فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمٌ وَسُدُسٌ فَتُضْرَبُ فِي مَخْرَجِ السُّدْسِ وَهُوَ سِتَّةٌ لِتَصِحَّ السِّهَامُ فَيَكُونُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا كَانَ لِلْعَافِي ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ تُضْرَبُ لَهُ فِي سِتَّةٍ فَيَكُونُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرَيْنِ سَهْمٌ وَسُدُسٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ تُضْرَبُ لَهُ فِي سِتَّةٍ فَيَكُونُ لَهُ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ وَلِلْآخَرِ مِثْلُهَا.

وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ عِنْدِي مَدْخُولٌ، وَالصَّحِيحُ أَنْ يَكُونَ الشِّقْصُ بَيْنَهُمْ عَلَى تِسْعَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِلْعَافِي وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِلْآخَرِ وَأَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَافِيَ لَمَّا صَالَحَهُ عَلَى الثُّلُثِ صَارَ الشِّقْصُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، سَهْمٌ لِلْعَافِي وَسَهْمَانِ لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ الْآخَرُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْعَافِي بِثُلُثِ مَا بِيَدِهِ لِأَنَّ لَهُ ثُلُثَ الشُّفْعَةِ فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثَ سَهْمٍ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَا بِيَدِهِ مِنَ السَّهْمَيْنِ فَيَكُونُ ثُلُثَيْ سَهْمٍ فَيَصِيرُ جَمِيعُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا سَهْمًا وَاحِدًا، وَيَبْقَى عَلَى الْعَافِي ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ سَهْمٌ وَثُلُثٌ فَاضْرِبْ ذَلِكَ فِي مَخْرِجِ الثُّلُثِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ فَيَكُونُ تِسْعَةَ أَسْهُمٍ لِلْعَافِي سَهْمَانِ لِأَنَّهُ لَهُ ثُلُثَيْ سَهْمٍ فِي ثَلَاثَةٍ وَلِلْآخَرِ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِأَنَّهُ له سهماً فِي ثَلَاثَةٍ وَلِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ لِأَنَّ لَهُ سَهْمًا وَثُلُثًا فِي ثَلَاثَةٍ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْأَخِيرُ مُسَاوِيًا لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَقْصُودِ بِالْمُحَابَاةِ وَالْعَفْوِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنْ كَانَ الِاثْنَانِ اقْتَسَمَا كَانَ لِلثَّالِثِ نَقْضُ قِسْمَتِهِمَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا كَانَ لِلشِّقْصِ الْمَبِيعِ ثَلَاثَةُ شُفَعَاءَ فَحَضَرَ اثْنَانِ فَأَخَذَا الشِّقْصَ بَيْنَهُمَا لِغَيْبَةِ الثَّالِثِ مُنِعَا مِنْ قِسْمَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي الشِّقْصِ حَقًّا لِشَرِيكِهِمَا الْغَائِبِ مَعَ السَّهْمِ الَّذِي لَهُ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ فَإِنِ اقْتَسَمَاهُ كَانَتِ الْقِسْمَةُ بَاطِلَةً لِمَا ذَكَرْنَا، فَلَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ فَعَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، لِفَسَادِهَا، وَلَوْ أَرَادَ الشَّفِيعَانِ الْحَاضِرَانِ أَنْ يَبِيعَا مَا كَانَ لَهُمَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ وَمَا أَخَذَاهُ بِحَادِثِ الشُّفْعَةِ لَمْ يُمْنَعَا مِنْ ذَلِكَ لِحَقِّ الْغَائِبِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَرَادَا أَنْ يَبِيعَا مَا أَخَذَاهُ بِالشُّفْعَةِ دُونَ مَا كَانَ لَهُمَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ لَمْ يُمْنَعَا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَائِبَ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ بِأَيِّ الْعَقْدَيْنِ شَاءَ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ وَقَدْ بَاعَ الْحَاضِرَانِ مَا أَخَذَاهُ بِالشُّفْعَةِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْأُولَى وَيَعْفُوَ عَنِ الثَّانِيَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّانِيَةِ، وَيَعْفُوَ عَنِ الْأُولَى.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَتَيْنِ أَخَذَ بِالْأُولَى ثُلُثَ الشِّقْصِ وَبَطَلَ الْبَيْعُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ الثَّانِيَةِ صَحَّ، وَأَخَذَ بِالثَّانِيَةِ نِصْفَ الْبَاقِي وَهُوَ ثُلُثُ الشِّقْصِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ شُفْعَتَيْنِ فيحصل له ثلثا الشِّقْصِ بِالشُّفْعَتَيْنِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ الثَّانِيَةِ وَيَعْفُوَ عَنِ الْأُولَى صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ، وَأَخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ شفعيتن، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ الْأُولَى وَيَعْفُوَ عَنِ الثَّانِيَةِ أَخَذَ ثُلُثَ الشِّقْصِ لِأَنَّهُ أَخَذَ ثُلُثَ الشُّفْعَةِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَهُ بِشُفْعَتِهِ الثَّانِيَةِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ، وَكَانَ لَهُ أَخْذُ الْجَمِيعِ بِهَا لِأَنَّهُ شَفِيعٌ وَاحِدٌ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَتَيْنِ أَخَذَ ثُلُثَ الشِّقْصِ بِشُفْعَتِهِ الْأُولَى وَبَطَلَ فِيهِ الْبَيْعُ وَصَحَّ فِي ثُلُثَيْهِ فِيمَا كَانَ لَهُمَا بِقَدِيمِ الْمِلْكِ.
فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَهُ بِشُفْعَتِهِ الثَّانِيَةِ صَحَّ.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنْ سَلَّمَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَكُنْ لبعضٍ إِلَّا أَخْذُ الْكُلِّ أَوِ التَّرْكُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
لَا يَجُوزُ لِلشُّفَعَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا صَفْقَةَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ضَرَرًا بِإِدْخَالِ مِثْلِهِ مِنَ الضَّرَرِ، فَإِذَا عَفَا أَحَدُ الشُّفَعَاءِ الثَّلَاثَةِ كَانَ لِلْآخَرَيْنِ أَنْ يَأْخُذَا جَمِيعَ الشِّقْصِ أَوْ يَعْفُوَا عَنْهُ.
وَلَوْ عَفَا اثْنَانِ فَكَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَهُ، أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ، فَلَوْ أَخَذَهَا الْحَاضِرُ مِنَ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْبٍ كَانَ لِمَنْ قَدِمَ مِنَ الْغَائِبَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَذَرَ لِأَنَّ رَدَّ الْحَاضِرِ بِالْعَيْبِ كَالْعَفْوِ عَنِ الشُّفْعَةِ، فَلَوْ كَانَ الشَّفِيعُ وَاحِدًا أَخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ، أَوْ يَعْفُو عَنْهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَكُونُ عَفْوًا.
فَأَمَّا إِنْ ضَمِنَ الشَّفِيعُ عَنِ الْمُشْتَرِي ثَمَنَ الشِّقْصِ لِلْبَائِعِ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَزِمَ الضَّمَانُ، وَكَانَ الشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَلَا يَكُونُ ضَمَانُهُ لِلثَّمَنِ تَسْلِيمًا لِلشُّفْعَةِ، وَهَكَذَا لَوْ ضَمِنَ الشَّفِيعُ عَنِ الْبَائِعِ دَرَكَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي بِأَمْرِ الْبَائِعِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَزِمَ الضَّمَانُ وَكَانَ الشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لِلشُّفْعَةِ.
وَهَكَذَا لَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ خِيَارَ الشَّفِيعِ، فَاخْتَارَ الشَّفِيعُ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ، كَانَ لَهُ الشُّفْعَةُ، وَقَالَ أبو حنيفة لَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا مِنْهُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِهِ قَدْ تَمَّ فَكَانَ هُوَ الْبَائِعَ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ شُفْعَةَ الشَّفِيعِ مُسْتَحَقَّةٌ بِتَمَامِ الْبَيْعِ فَإِنْ فَعَلَ مَا يَتِمُّ بِهِ الْبَيْعُ كَانَ أَوْلَى أَنْ تَجِبَ لَهُ الشُّفْعَةُ فَعَلَى هَذَا لَوْ ضَمِنَ الثَّمَنَ، فَطَالَبَهُ الْبَائِعُ بِهِ، فَغَرِمَهُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ نَظَرَ: فَإِنْ كَانَ ضَمَانُهُ لِلثَّمَنِ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي، فَقَدْ بَرِئَ الشَّفِيعُ مِمَّا اسْتَحَقَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ قَدَّمَ تَعْجِيلَهُ عَنْهُ إِلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانُهُ لِلثَّمَنِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَبْرَأْ بِمَا اسْتَحَقَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِغُرْمِهِ لِلْبَائِعِ وَيُحْكُمُ بِدَفْعِهِ ثَانِيَةً إِلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي دَرَكَ الْمَبِيعِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ الشِّقْصَ بِشُفْعَتِهِ ثُمَّ اسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي بِعُهْدَتِهِ، لِأَنَّ المشتري إِذَا اسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الشَّفِيعِ بِعُهْدَتِهِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا وَكَّلَ الشَّفِيعُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَى لِمُوَكِّلِهِ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا اشتراه وبما قَالَ أبو حنيفة وَلَوْ وَكَّلَ فِي الْبَيْعِ فَبَاعَ لِمُوَكِّلِهِ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَهُ، وَقَالَ أبو حنيفة لَا شُفْعَةَ لَهُ فَأَوْجَبَهَا فِيمَا اشْتَرَاهُ وَلَمْ يُوجِبْهَا فِيمَا بَاعَهُ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْبَيْعَ يَتِمُّ بِبَائِعٍ ومشترٍ، ثُمَّ لَمْ يَمْنَعُ كَوْنُهُ مُشْتَرِيًا لِغَيْرِهِ مِنْ ثُبُوتِ شُفْعَتِهِ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَمْنَعَ كَوْنُهُ بَائِعًا لِغَيْرِهِ مِنْ ثُبُوتِ شُفْعَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ بَعْدَ إِبْرَامِ الْبَيْعِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَا تَقَدَّمَ كَالْعَفْوِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ بَيْعَهُ حِرْصٌ مِنْهُ عَلَى ثُبُوتِ شُفْعَتِهِ فَإِذَا ثبت هذا

وكانت دار بين شريكين فوكل أحدهما شريكه أن يبيع نِصْفَ حِصَّتِهِ مَعَ نِصْفِ حِصَّةِ نَفْسِهِ، فَبَاعَ الوكيل نصف الدار صفقة ربعها لنفسها، وَرُبُعَهَا لِمُوكِلِهِ، فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ بِالشُّفْعَةِ مَا بَاعَهُ لِمُوَكِّلِهِ وَهُوَ الرُّبْعُ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ بِالشُّفْعَةِ مَا بَاعَهُ وَكِيلُهُ، وَلَيْسَ لِشَرِيكٍ ثَالِثٍ إِنْ كَانَ أَنْ يُفَرِّقَ الصَّفْقَةَ بِشُفْعَتِهِ فَيَأْخُذَ إِحْدَى الْحِصَّتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى لِأَنَّ الْبَائِعَ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: إِمَّا أَنْ تَأْخُذَ الْكُلَّ بِشُفْعَتِكَ أَوْ تَذَرَ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا وَلِيُّ الْيَتِيمِ ووصي الميت إذا باعه الولاية مَا هُمَا شَفِيعَانِ فِيهِ فَفِي شُفْعَتِهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشُّفْعَةَ لَهُمَا فِيهِ كَالْوَكِيلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا شُفْعَةَ لَهُمَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَكِيلِ أَنَّ الْوَكِيلَ يَنُوبُ عَنْ حَيٍّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْرَاكِ ظُلَامَتِهِ.
فَصْلٌ : فَإِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ لِلْعَامِلِ فِيهِ حِصَّةٌ بِقَدِيمِ مِلْكٍ وَلِرَبِّ الْمَالِ فِيهَا حِصَّةٌ بِقَدِيمِ مِلْكٍ، فَلِلْعَامِلِ، وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَا الْحِصَّةَ الْمُشْتَرَاةَ فِي الْقِرَاضِ بِشُفْعَتِهِمَا لِأَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ يَتَمَيَّزُ عَنْ أَمْوَالِهِمَا.
فَإِنْ عَفَوَا عَنْهَا ثُمَّ اشْتَرَى الْعَامِلُ مِنَ الدَّارِ حِصَّةً ثَانِيَةً فَشُفْعَتُهُ الثَّانِيَةُ أَثْلَاثًا: ثُلُثُهَا لِرَبِّ الْمَالِ، وَثُلُثُهَا لِلْعَامِلِ، وَثُلُثُهَا فِي الْقِرَاضِ.
فَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ حِصَّةٌ رَابِعَةٌ لِأَجْنَبِيٍّ؛ كَانَ لَهُ ثُلُثُ الشُّفْعَةِ؛ وَلِأَنَّهُمْ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ يَكُونُ الثُّلُثَانِ الْبَاقِيَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ثُلُثٍ لِرَبِّ الْمَالِ، وَثُلُثٍ لِلْعَامِلِ، وَثُلُثٍ فِي الْقِرَاضِ.
فَتَتَمَيَّزُ شُفْعَةُ الْحِصَّةِ عَلَى تِسْعَةِ أَسْهُمٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا وَهِيَ الثُّلُثُ لِلْأَجْنَبِيِّ وَالسِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ أَثْلَاثًا كُلُّ ثُلُثٍ مِنْهَا سَهْمَانِ لِمَا ذكرنا.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَهَا هدمٌ مِنَ السَّمَاءِ إِمَّا أَخَذَ الْكُلَّ بِالثَّمَنِ وَإِمَّا تَرَكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَانْهَدَمَتْ بِجَائِحَةٍ أَوْ جناية، أو سقصاً مِنْ أَرْضٍ فَأَخَذَ السَّيْلُ بَعْضَهَا فَالَّذِي نَقَلَهُ المزني ها هنا وَقَالَهُ فِي الْقَدِيمِ وَفِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ: إِنَّ الشَّفِيعَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَدَعَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لِاخْتِلَافِ النَّقْلِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ إِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ

بِجَائِحَةٍ، أَوْ جِنَايَةٍ كَانَ لِلْمُشْتَرِي إِذَا اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ كَذَلِكَ حَالُ الشُّفْعَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ لِأَنَّ مَا تَنَاوَلَتْهُ الصَّفْقَةُ بِالثَّمَنِ مُقَسَّطٌ عَلَى أَجْزَائِهِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعَ الشِّقْصِ سَيْفًا أَخَذَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا وَنَسَبَا إِلَى الْمُزَنِيِّ الْغَلَطَ فِيمَا نَقَلَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَنْصُوصَاتِهِ، وَإِنَّمَا رَدَّ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ قَوْلَهُمْ: إِنَّ مَا انْهَدَمَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ أُخِذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَمَا انْهَدَمَ بِفِعْلِهِ، أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ أُخِذَ بحصته من الثمن، فغلط المزني في نقول الشَّافِعِيِّ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
كَمَا غَلِطَ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِيمَا حكاه في كتاب الأيمان والنذور: إِذَا حَلَفَ عَلَى غَرِيمِهِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ بِحَقِّهِ عِوَضًا إِنْ كَانَ بِقِيمَةِ الْحَقِّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ حَنِثَ، فَغَلِطَ وإنما ذلك قول مالك، كذلك ها هنا وَفَرَّقَ بَيْنَ الشُّفْعَةِ وَالْفَلَسِ بِفَرْضٍ مَضَى فِي كِتَابِ الْفَلَسِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ إِذَا ذَهَبَتِ الْآثَارُ وَكَانَتْ أَعْيَانُ الْآلَةِ وَالْبِنَاءِ بَاقِيَةً، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ إِذَا كَانَتْ أَعْيَانُ الْآلَةِ وَالْبِنَاءِ تَالِفَةً.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
فَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ إِذَا هَدَمَهُ بِفِعْلٍ آدَمِيٍّ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، إِذَا كَانَ هَدْمُهُ بِجَائِحَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي هَدْمِ الْآدَمِيِّ قَدْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَرْشِ النَّقْصِ، فَلِذَلِكَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَفِي جَائِحَةِ السَّمَاءِ لَيْسَ يَرْجِعُ بِأَرْشِ النَّقْصِ، فَلِذَلِكَ أَخَذَهَا بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ ضِدُّ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَالْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ إِذَا كَانَتِ الْفُرْصَةُ بَاقِيَةً وَإِنْ تَلِفَتِ الْآلَةُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ إِذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْفُرْصَةِ بِسَيْلٍ أَوْ غَرَقٍ لِأَنَّ العرصة مقصورة والآلة تتبع.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَاسَمَ وَبَنَى قِيلَ لِلشَّفِيعِ إِنْ شِئْتَ فَخُذْ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ الْيَوْمَ أَوْ دَعْ لِأَنَّهُ بَنَى غَيْرَ متعد فلا يهدم ما بنى، (قال المزني) رحمه الله هذا عندي غلطٌ وكيف لا يكون متعدياً وقد بنى فيما للشفيع فيه شركٌ مشاعٌ ولولا أن للشفيع فيه

شركاً ما كان شفيعاً إذ كان الشريك إنما يستحق الشفعة لأنه شريكٌ في الدار والعرصة بحق مشاعٍ فكيف يقسم وصاحب النصيب وهو الشفيع غائبٌ والقسم في ذلك فاسدٌ وبنى فيما ليس له فكيف يبني غير متعد والمخطئ في المال والعامد سواءٌ عند الشافعي ألا ترى لو أن رجلاً اشترى عرصةً بأمر القاضي فبناها فاستحقها رجلٌ أنه يأخذ عرصته ويهدم الباني بناءه ويقلعه في قول الشافعي رحمه الله فالعامد والمخطئ في بناء ما لا يملك سواءٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رَجُلٍ اشتر شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَقَاسَمَ عَلَيْهِ وَبَنَى فِي حِصَّتِهِ، وَحَضَرَ الشَّفِيعُ مُطَالِبًا بِشُفْعَتِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِيلَ لِلشَّفِيعِ إِنْ شِئْتَ فَخُذِ الشِّقْصَ بِثَمَنِهِ وَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ قَائِمًا وَلَا يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى قَلْعِهِ لِأَنَّهُ بَنَاءٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.
وَهَكَذَا عِمَارَةُ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ آثَارًا.
قَالَ الْمُزَنِيُّ: هَذَا غَلَطٌ مِنَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إِنْ وُقِفَتْ مَعَ الشَّفِيعِ فَقَدْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ وَصَحَّتِ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ لَمْ يُقَاسِمْهُ الشَّفِيعُ فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ وَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فَلَمْ يَجْتَمِعْ صِحَّةُ الْقِسْمَةِ مَعَ بَقَاءِ الشُّفْعَةِ.
وَهَذَا الَّذِي اعْتَرَضَ بِهِ الْمُزَنِيُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَنَافِي بَقَاءِ الشُّفْعَةِ وَصِحَّةِ الْقِسْمَةِ غَلَطٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَصِحُّ الْقِسْمَةُ مَعَ بَقَاءِ الشُّفْعَةِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ غَائِبًا وَقَدْ وَكَّلَ فِي مُقَاسَمَةِ شُرَكَائِهِ وَكِيلًا، فَيُطَالِبَ الْمُشْتَرِي الْوَكِيلَ بِمُقَاسَمَتِهِ عَلَى مَا اشْتَرَى فَيَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُقَاسِمَهُ لِتَوْكِيلِهِ فِي الْمُقَاسَمَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالشُّفْعَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوَكَّلٍ فِي طَلَبِ الشُّفْعَةِ وَيَكُونُ الشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مُتَعَدٍّ فِي الْبِنَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ لِلشَّفِيعِ الْغَائِبِ وَكِيلٌ فِي الْقِسْمَةِ فَيَأْتِي الْمُشْتَرِي الْحَاكِمَ فَيَسْأَلُهُ أَنْ يقاسمه عن الغائب فيحوز لِلْحَاكِمِ مُقَاسِمَةُ الْمُشْتَرِي إِذَا كَانَ الشَّرِيكُ بَعِيدًا لِغَيْبَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِلْغَائِبِ بِالشُّفْعَةِ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ إِلَّا لِمُوَلًّى عليه، ولا تبطل شفعة الغائب بمقاسمته الْحَاكِمِ عَنْهُ وَالْمُشْتَرِي غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِبِنَائِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ ثَمَنًا مَوْفُورًا فيعفو على الشُّفْعَةِ لِوُفُورِ الثَّمَنِ وَيُقَاسِمَ الْمُشْتَرِيَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِبِنَائِهِ لِأَنَّهُ بِالْكَذِبِ مُتَعَدٍّ فِي قَوْلِهِ لَا فِي قِسْمَتِهِ وَبِنَائِهِ، فَصَارَ كَرَجُلٍ ابْتَاعَ دَارًا بِعَبْدٍ قَدْ دَلَّسَهُ بِعَيْبٍ ثُمَّ بَنَى وَوَجَدَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَعَلَيْهِ إِذَا رَدَّ الْعَبْدَ وَاسْتَرْجَعَ الدَّارَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الْبِنَاءِ قَائِمًا لِأَنَّهُ بَنَى غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي فعله وَإِنْ دَلَّسَ كَانَ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ.

وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُنْكِرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ، وَيَدَّعِيَ الْهِبَةَ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا شُفْعَةَ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، فَيُقَاسِمَهُ الشَّرِيكُ ثُمَّ يَبْنِيَ، وَتَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بَعْدَ بِنَائِهِ بِالشِّرَاءِ فَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ مَعَ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِالْبِنَاءِ مَعَ جُحُودِهِ لِلشِّرَاءِ لِأَنَّهُ تَعَدَّى فِي الْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ.
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ طِفْلًا أَوْ مَجْنُونًا، فَيُمْسِكُ الْوَلِيُّ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ، وَيُقَاسِمُ الْمُشْتَرِيَ ثُمَّ يَبْلُغُ الطِّفْلُ، وَيَفِيقُ الْمَجْنُونُ فَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ مَعَ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَلَا يَكُونَ إِمْسَاكُ الْوَلِيِّ عَنِ الشفعة مبطلاً للقسمة ولا مقاسمته مبطلاً لِلشُّفْعَةِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا صَحَّتِ الْقِسْمَةُ مَعَ بَقَاءِ الشُّفْعَةِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْخَمْسَةِ، وَبَطَلَ اعْتِرَاضُ الْمُزَنِيِّ بِهَا لَمْ يُجْبَرِ الْمُشْتَرِي عَلَى قَلْعِ بِنَائِهِ، وَقِيلَ لِلشَّفِيعِ: إِنْ شِئْتَ فَخُذِ الشِّقْصَ بِثَمَنِهِ، وَقِيمَةَ الْبِنَاءِ، وَقَالَ أبو حنيفة: يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى قِلْعِ بِنَائِهِ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى الشَّفِيعِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أَسْبَقُ مِنْ بِنَائِهِ فَصَارَ كَالِاسْتِحْقَاقِ بِالْغَصْبِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَامُّ الْمِلْكِ قَبْلَ أَخْذِ الشِّقْصِ.
أَلَا تَرَاهُ يَمْلِكُ النَّمَاءَ وَمَنْ بَنَى فِي مِلْكِهِ لَمْ يَتَعَدَّ كَالَّذِي لَا شُفْعَةَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ مَنْ بَنَى فِي مِلْكِهِ لَمْ يَكُنْ جَوَازُ انْتِزَاعِهِ مِنْ يَدِهِ مُوجِبًا لِتَعَدِّيهِ، وَنَقْضِ بِنَائِهِ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ إِذَا بَنَى وَرَجَعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَالَ بِالضَّرَرِ وَفِي أَخْذِ الْمُشْتَرِي وَعَدَمِ بِنَائِهِ ضَرَرٌ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْغَصْبِ فَهُوَ تَعَدِّي الْغَاصِبِ بِتَصَرُّفِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَلَيْسَ الْمُشْتَرِي مُتَعَدِّيًا لِتَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ.

فَصْلٌ

: فَلَوْ قَالَ الشَّفِيعُ أَنَا آخُذُ مِنَ الشِّقْصِ مَا لَا بِنَاءَ فِيهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَوْ قَالَ أَنَا آخُذُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لَمْ يُجْبَرْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِهِبَةٍ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُلْزَمُ بِتَرْكِهِ بِمَا اسْتَضَرَّ بِهَا.
فَلَوْ قَالَ أَنَا أُقِرُّ بِنَاءَهُ فِي الْأَرْضِ لَمْ يُجْبَرْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَارِيَةٌ يُسْتَحَقُّ الرُّجُوعُ فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِقْرَارُ بِنَاءٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ قَدْ يَلْحَقُهُ فِيهِ ضَرَرٌ.
فَصْلٌ : وَإِذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ بِشُفْعَتِهِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ، أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَبَنَى فِيهِ وَغَرَسَ ثُمَّ اسْتُحِقَّ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ مَأْخُوذٌ بِقَلْعِ بِنَائِهِ، وَغَرْسِهِ لأنه بنى في غير ملكه ثم نظر فَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْمَبِيعِ وَلِحَقِّ الشَّفِيعِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمَبِيعَ لَكَانَ مَأْخُوذًا بِقَلْعِ بِنَائِهِ في

حَقِّ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْمَبِيعِ وَحْدَهُ دُونَ حَقِّ الشَّفِيعِ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا نَقَصَ مِنْ بِنَائِهِ وَغَرْسِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِهِ عَلَى الْبَائِعِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَحْدَهُ عَلَى قَابِضِهِ لِأَنَّهُ قَلَعَهُ بِحَقٍّ.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِقَبْضِهِ مُتَعَدٍّ، دُونَ الشفيع، فوجب أن يكون الضَّرَرِ بِنَقْضِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ رَاجِعًا عَلَى الْبَائِعِ الْمُتَعَدِّي دُونَ الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ الضَّرَرُ مَنْ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ وَيَزَالُ عَنِ الْمُتَعَدِّي وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ فَزَرَعَهَا الشَّفِيعُ ثُمَّ حَصَلَ الِاسْتِحَقَاقُ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ لِجَمِيعِ الْأَرْضِ مِنَ الْمَبِيعِ وَحَقِّ الشَّفِيعِ أُخِذَ الشَّفِيعُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي بِنَقْضِهِ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِمَا كَانَ بِيَدِهِ وَظَالِمٌ لِمَا أَخَذَهُ بِشُفْعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ لِلشِّقْصِ الْمَبِيعِ وَحْدَهُ وَجَبَ إِقْرَارُ زَرْعِهِ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ لِأَنَّ بَقَاءَ الزَّرْعِ غَيْرُ مُتَأَبِّدٍ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ الْمُتَأَبِّدِ وَلَيْسَ مِنَ الشَّفِيعِ تعدٍ مَقْصُودٌ يُؤْخَذُ لِأَجْلِهِ بِقَلْعِ زَرْعِهِ لَكِنْ عَلَيْهِ لِمُسْتَحَقِّ الشِّقْصَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مِنْ وَقْتِ زَرْعِهِ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ وَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا غَرِمَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ مِنْ وَقْتِ الزَّرْعِ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ الشَّفِيعُ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِهِ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا نَقَصَ بِقَلْعِ الْبَنَّاءِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا رُجُوعَ لِلشَّفِيعِ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَنَّاءَ اسْتُهْلِكَ عَلَيْهِ بِالْقَلْعِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِغُرْمِهِ، وَفِي الزَّرْعِ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ لِمَنَافِعِ الْمُدَّةِ فلم يرجع بأجرتها.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ كَانَ الشِّقْصُ فِي النَّخْلِ فَزَادَتْ كَانَ لَهُ أَخْذُ زَائِدِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا النَّخْلُ فَلَا يَخْلُو حَالُ مَبِيعِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تُبَاعَ مُفْرَدَةً عَنِ الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَشْجَارِ كَالْأَبْنِيَةِ الَّتِي إِذَا أُفْرِدَتْ بِالْعَقْدِ لَمْ تَجِبْ فِيهَا الشُّفْعَةُ لِأَنَّهَا مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ الْأَرْضِ وَالْمَنْقُولُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ كَالزَّرْعِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تُبَاعَ النَّخْلُ مَعَ الْأَرْضِ فَتَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُ الْأَرْضَ فِي الْبَيْعِ وَيَتْبَعُهَا النَّخْلُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إِفْرَادَ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ غَيْرُ مُسْتَدَامٍ، وَإِفْرَادَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ مُسْتَدَامٌ.
وَأَوْجَبَ أبو حنيفة الشُّفْعَةَ فِي الزَّرْعِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ كَافٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ مَعَ قَرَارِهَا مِنَ الْأَرْضِ مُفْرَدَةً عَمَّا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ بياض

الْأَرْضِ فَفِي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِيهَا وَجْهَانِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْبِنَاءِ مَعَ قَرَارِهِ دُونَ الْأَرْضِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِيهِ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِأَصْلٍ ثَابِتٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ، لِأَنَّ قَرَارَ النَّخْلِ يَكُونُ تَبَعًا لَهَا فَلَمَّا لَمْ تَجِبِ الشُّفْعَةُ فِيهَا مُفْرَدَةً لَمْ تَجِبْ فِيهَا وَفِي تَبَعِهَا، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وكان المبيع شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ وَشَجَرٍ فَزَادَتْ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ لِغَيْبَتِهِ، أَوْ عُذْرٍ لَا تَبْطُلُ بِهِ الشُّفْعَةُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الزِّيَادَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُثْمِرَةً أَوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ كَالْفَسِيلِ إِذَا طَالَ وَامْتَلَى وَالْغَرْسِ إِذَا اسْتَغْلَظَ وَاسْتَوَى فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ بِزِيَادَتِهِ لِأَنَّ مَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنَ الزِّيَادَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ.
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَمَيِّزَةً كَالثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا عِنْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُؤَبَّرَةً، أَوْ غَيْرَ مؤبرة فإن كانت مؤبرة فلا حق فليها لِلشَّفِيعِ.
وَهِيَ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ مَا كَانَ مُؤَبَّرًا مِنَ الثِّمَارِ لَا يَتْبَعُ أَصْلَهُ وَعَلَى الشَّفِيعِ أَنْ يُقِرَّهَا عَلَى نَخْلِهِ إِلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ فَفِي اسْتِحْقَاقِ الشَّفِيعِ لَهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهَا لِاتِّصَالِهَا كَمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا وَهَذَا قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّهَا وَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي لِتُمَيُّزِهَا عَنِ الْأَصْلِ كَالْمُؤَبَّرَةِ وَهَذَا قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الشُّفْعَةِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ نَقْلُ مِلْكٍ بَعِوَضٍ عَنْ مُرَاضَاةٍ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ مِنَ الثِّمَارِ تَبَعًا لِلْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِبْقَائِهَا بِالْعَقْدِ، وَالشُّفْعَةُ اسْتِحْقَاقُ مِلْكٍ بِغَيْرِ مُرَاضَاةٍ فَلَمْ يَمْلِكْ بِهَا إِلَّا مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ.
وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا اسْتُحِقَّ بِغَيْرِ مُرَاضَاةٍ كَالشُّفْعَةِ، وَالتَّفْلِيسِ، أَوْ يَكُونُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَهَلْ يكون ما لم يؤبر من الثمار تبعا لِأَصْلِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ النَّخْلُ عِنْدَ ابْتِيَاعِ الشِّقْصِ مِنْهَا مُثْمِرَةً نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ إِلَّا بِشَرْطٍ، وَإِذَا شُرِطَتْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ فِيهَا حَقٌّ وَأَخَذَ الشِّقْصَ مِنَ النَّخْلِ دُونَ الثَّمَرِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ كَمَنِ اشْتَرَى شِقْصًا وَعَبْدًا.
وَقَالَ أبو حنيفة يَأْخُذُهَا مَعًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُهَا عِنْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً عَلَى حَالِهَا غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ، أَوْ قَدْ تأبرت.
فإن كانت غير مؤبرة أخذها الشفيع مع الشقص بجميع الثمن قولاً واحداً لأن العقد يتناولها تبعاً وهي في الحال تبع فجرت مجرى النخيل، وإن تَأَبَّرَتْ عِنْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا حَقَّ فِيهَا لِلشَّفِيعِ لِتُمَيُّزِهَا عَمَّا يَكُونُ تَبَعًا فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ مِنَ النَّخْلِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهَا مَعَ الشِّقْصِ تَبَعًا وَقْتَ الْعَقْدِ لِاتِّصَالِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الشَّفِيعِ مِنْهُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ كَالْبِنَاءِ إِذَا انْهَدَمَ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ عَلَى نَخْلِهَا، أَوْ مَجْذُوذَةً، وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ جُذَّتْ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا لِانْفِصَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَخْلِهَا أَخَذَهَا بِشُفْعَتِهِ مُؤَبَّرَةً وَغَيْرَ مؤبرة وتوجيه القولين دليل عليه.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا شُفْعَةَ فِي بئرٍ لَا بَيَاضَ لَهَا لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْقَسْمَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَا سِوَى الْعَقَارِ وَالْأَرَضِينَ لَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَإِنَّ الْعَقَارَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ يُقْسَمُ جَبْرًا فَفِيهِ الشُّفْعَةُ وِفَاقًا، وَضَرْبٌ لَا يُقْسَمُ جَبْرًا، فَفِيهِ الشُّفْعَةُ عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سريج وبه قال مالك أبو حنيفة خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَاسْتِدَامَةِ الضَّرَرِ بِهِ وَلِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا شفعة فيه للأمن من مؤونة الْقِسْمَةِ.
وَعَلَيْهِ يَكُونُ التَّفْرِيعُ: فَمِنْ ذَلِكَ الْبِئْرُ الْمُشْتَرَكَةُ إِذَا بِيعَ شِقْصٌ مِنْهَا فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَوْلَهَا بَيَاضٌ لَهَا أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ حَوْلَهَا بَيَاضٌ لَهَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تكون واسعة يحتمل الْقِسْمَةَ كَالْأَرْضِ الَّتِي يُحْفَرُ فِيهَا بِئْرٌ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْقَسْمِ فَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْبِئْرِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ كَمَا تَجِبُ فِي النَّخْلِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ لِأَنَّ الْبِئْرَ إِذَا حَصَلَتْ فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا أمكن للآخر مفر مِثْلِهَا فِي حِصَّتِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ ضَيِّقًا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لِأَنَّهُ حَرِيمٌ لِلْبِئْرِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْرَدَ عَنْهَا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي قَدْرِ الْحَرِيمِ فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْبِئْرِ الَّتِي لَيْسَ حَوْلَهَا بَيَاضٌ لَهَا لِأَنَّهُ لِقِلَّتِهِ وَتَعَذُّرِ إِفْرَادِهِ عَنْهَا تَبَعٌ لَهَا، وَإِذَا اتَّسَعَ صَارَتِ الْبِئْرُ تَبَعًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ حَوْلَ الْبِئْرِ بَيَاضٌ أَوْ كَانَ يَسِيرًا لَا يَحْتَمِلُ الْقَسْمَ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاسِعَةً أَوْ ضَيِّقَةً، فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً لَا تَحْتَمِلُ الْقَسْمَ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي بئرٍ وَلَا فحلٍ وَالْأُرُقُ تَقْطَعُ كُلَّ شفعةٍ " يَعْنِي بِالْفَحْلِ: فَحْلَ النَّخْلِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ شِرْكٍ فِي الْأَرْضِ، وَالْأُرُقُ الْمَعَالِمُ.

وَإِنْ كَانَتِ الْبِئْرُ وَاسِعَةً تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَآبَارِ الْبَادِيَةِ فَلَهَا حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ تَكُونَ يَابِسَةً لَمْ يُوصَلْ إِلَى الْمَاءِ فَالشُّفْعَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ لِأَنَّهُ إِذَا قُسِمَتْ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أمكن أن يحجزها ويحفرها بئراً.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَاءٌ قَدْ وَصَلَ الْحَفْرُ إِلَيْهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ينبوع الماء من جميعها، وخارج مِنْ سَائِرِ قَرَارِهَا، فَالشُّفْعَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ لِأَنَّهَا إِذَا قُسِمَتْ وَجُعِلَ بَيْنَ الْحِصَّتَيْنِ حَاجِزًا كَانَتْ بِئْرًا مُفْرَدَةً.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ يَنْبُوعُ الْمَاءِ فِي جَانِبٍ مِنْهَا فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا لِأَنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَ قِسْمَتُهَا لِسِعَتِهَا فَقَدْ يَحْصُلُ يَنْبُوعُ الْمَاءِ فِي جَانِبِهَا لِإِحْدَى الْحِصَّتَيْنِ فَتَصِيرُ إِحْدَى الْحِصَّتَيْنِ بِئْرًا، وَالْأُخْرَى غَيْرَ بِئْرٍ فَلَمْ يَصِحَّ الْقَسْمُ وَلَمْ تَجِبِ الشُّفْعَةُ.

فَصْلٌ

: وَمِنْ ذَلِكَ الْحَمَّامُ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا ذَا بُيُوتٍ إِذَا قُسِمَ حَصَلَ فِي كُلِّ حِصَّةٍ بُيُوتٌ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ حَمَّامًا وَكَانَ أَتُّونُهُ وَاسِعًا إِذَا قُسِّمَ بَيْنَ الْحِصَّتَيْنِ اتَّسَعَتْ كُلُّ حِصَّةٍ بِمَا صَارَ لَهَا مِنَ الْأَتُّونُ وَاكْتَفَى بِهِ قُسِّمَ جَبْرًا وَوَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا تَقِلُّ بُيُوتُهُ إِذَا قُسِّمَتْ عَنْ كِفَايَةِ حمام ويصفر أَتُّونُهُ عَنِ الْقِسْمَةِ وَتَزُولُ عَنْهُ الْمَنْفَعَةُ كَالَّذِي نُشَاهِدُهُ فِي وَقْتِنَا مِنْ أَحْوَالِ الْحَمَّامَاتِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَا حَمَّامَيْنِ فَقَدْ يَصِيرُ أَحَدُ الْحَمَّامَيْنِ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَهَلَّا وَجَبَتْ فِيهَا الشُّفْعَةُ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْقِسْمَةُ بِحَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَا يَلْزَمُ فِي الْقِسْمَةِ عِنْدَنَا أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِأَحَدِ الْحَمَّامَيْنِ وَالْآخَرُ بِالْآخِرِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ.

فَصْلٌ

: وَمِنْ ذَلِكَ الرَّحَاءُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ إِنْ بِيعَ مُنْفَرِدًا عَنْ أَرْضِهِ، كَمَا لَا شُفْعَةَ فِي الْبِنَاءِ مُنْفَرِدًا، وَإِنْ بِيعَ مَعَ أَرْضِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ ضَيِّقَةً كَبُيُوتِ الْأَرْحَاءِ الَّتِي لَا سِعَةَ فِيهَا لِغَيْرِ الرَّحَاءِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهَا لَا تَنْقَسِمُ جَبْرًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَاسِعَةً يَخْتَصُّ الرحا بِمَوْضِعٍ مِنْهَا كَأَرْحَاءِ الْبَصْرَةِ فِي أَنْهَارِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِطْلَاقِ بَيْعِ الْأَرْضِ هَلْ يُوجِبُ دُخُولَ الرَّحَاءِ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ عُلُوًّا، وَسُفْلًا فَعَلَى هَذَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ كَالْبِنَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْعُلُوُّ، وَلَا السُّفْلُ.
فَعَلَى هَذَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ إِنْ شُرِطَ فِي الْبَيْعِ كَالزَّرْعِ، وَيَأْخُذُ الْأَرْضَ بِحِصَّتِهَا من الثمن.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَدْخُلُ فِيهِ السُّفْلُ دُونَ الْعُلُوِّ فَعَلَى هَذَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي السُّفْلِ دُونَ الْعُلُوِّ.
فَأَمَّا بَيْتُ الرَّحَاءِ فَدَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَالشُّفْعَةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ كَسَائِرِ الْأَبْنِيَةِ.

فَصْلٌ

: وَمِنْ ذَلِكَ الدُّولَابُ فِي الْأَرْضِ فَإِنْ أُفْرِدَ بِالْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَإِنْ بِيعَ مَعَ الْأَرْضِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يَقْتَضِي إِطْلَاقُ الْبَيْعِ دُخُولَهُ فِيهِ تَبَعًا لَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا كَالْبِنَاءِ لِاتِّصَالِهِ فَعَلَى هَذَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ لِتَمَيُّزِهِ فَعَلَى هَذَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ عَلَى حَالِهِ صَحِيحًا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا يُمْكِنُ نَقْلُهُ عَلَى حَالِهِ صَحِيحًا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الشُّفْعَةُ.
فَصْلٌ : وَمِنْ ذَلِكَ الْمَعْدِنُ: وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَارِيًا كَمَعَادِنَ الْقَارِّ، وَالنِّفْطِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ.
إِنْ كَانَ ضَيِّقًا لَا يَصِيرُ مَا قُسِّمَ مَعْدِنًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ يَنْبُوعُهُ فِي أَحَدِ جَوَانِبِهِ فلا شفعة فيه، وإن كان ينبوع مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ.
ثُمَّ يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ مَا يَنْبُعُ مِنْهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَهَلْ يَكُونُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ وَقْتَ الْعَقْدِ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ، وَمَأْخُوذًا بالشفعة على وجهين: أحدهما: يدخل في كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَيُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ لِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ كَالْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ، وَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ لِظُهُورِهِ كَامِلَ الْمَنْفَعَةِ.
فَإِنْ شُرِطَ فِي الْعَقْدِ دَخَلَ فِيهِ، وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الشُّفْعَةُ.
وَإِنْ كَانَ مَا يَنْبَعُ جَارِيًا لَا يَجْتَمِعُ فِيهِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ لَا يُمْلَكُ إِلَّا بِالْإِجَارَةِ وَالْأَخْذِ، وَإِذَا خَرَجَ عَنْ مَعْدِنِهِ لَمْ يُمْنَعِ النَّاسِ مِنْهُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهُ مَمْلُوكٌ قُبِلَ إِجَارَتُهُ، وَلَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ، فَإِذَا خرج من مَعْدِنِهِ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ إِذَا كَانَ ظَاهِرًا وَقْتَ الْعَقْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ؟ وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْدِنُ جَامِدًا كَمَعَادِنِ الصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِيهِ دَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تُرْبَةُ الْمَعْدِنِ فَصَارَ كَالْأَرْضِ ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ قِسْمَتُهُ مُمْكِنًا، وَتَصِيرُ كُلُّ حِصَّةٍ مِنْهُ إِذَا قُسِّمَتْ مَعْدِنًا وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَإِنْ كان بخلافه فلا شفعة.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي لَا تُمْلَكُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَلَا بِهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ،

وَأَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ أَرَادَ بِهِ أبا حنيفة فِي الدَّارِ أَنْ تَكُونَ عَلَى طَرِيقٍ نَافِذَةٍ فَلَا شُفْعَةَ فِي حَقِّهَا مِنَ الطَّرِيقِ مِنْ مَسْلَكٍ أَوْ فَنَاءٍ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكِ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ وَلَا شُفْعَةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِيمَا جَاوَرَ أَوْ قَابَلَ بِخِلَافِ قَوْلِ أبي حنيفة؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: أَرَادَ بِهِ مَالِكًا فِي الدَّارِ يَكُونُ لَنَا طَرِيقٌ مُسْتَحَقٌّ فِي دَارٍ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ فِي التُّرْبَةِ فَلَا شُفْعَةَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ وَلَيْسَتْ عَيْنًا مَمْلُوكَةً، وَلَا شُفْعَةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِيمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ فِيهِ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا لِهَذِهِ الْأَرْضِ شُفْعَةٌ فِيمَا يُسْتَحَقُّ لَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ الشُّفْعَةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَاجِبَةً لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الدَّارَيْنِ فِي الْأُخْرَى وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مالٍ لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ تُصْرَفْ فِيهِ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَأَذَّى بِسُوءِ الِاسْتِطْرَاقِ كَمَا يَتَأَذَّى بِسُوءِ الِاشْتِرَاكِ فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَحِقَّ الشُّفْعَةَ بها كما يستحق بأحدهما وهذا خطأ، لرواة أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها " وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَحَقَّةَ فِي الْأَمْلَاكِ لَا تُوجِبُ الشفعة كالإجارة.
ولأن تمييز الْأَمْلَاكِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ كَصَرْفِ الطُّرُقِ وَلِأَنَّ مَا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الشُّفْعَةَ فَأَوْلَى أَنْ لَا تُمْلَكَ بِهِ الشُّفْعَةُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ " فَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ ارْتِفَاعُ الشُّفْعَةِ بِوُقُوعِ الْحُدُودِ وصرف الطرق دليلاً على ثبوت الشفة بِوُقُوعِ الْحُدُودِ وَبَقَاءِ الطُّرُقِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: " فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ " فَنَسْتَعْمِلُ الْخَبَرَيْنِ فَنَقُولُ إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَلَمْ تُصْرَفِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ بِالْخَبَرِ الثَّانِي كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ تَوَضَّأَ ". وَرُوِيَ " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ تَوَضَّأَ " وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَ صَرْفَ الطُّرُقِ لِئَلَّا يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ الطَّرِيقَ الْمَمْلُوكَةَ تُبْطِلُ الشُّفْعَةَ فيها لبطلانها في المحدود عنها، فأثبتت الشُّفْعَةَ فِي الطَّرِيقِ مَعَ بُطْلَانِهَا فِي الْأَصْلِ، وَأَمَّا التَّأَذِّي بِسُوءِ الِاسْتِطْرَاقِ فَلَيْسَ مُجَرَّدُ الْأَذَى عِلَّةً فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إليه الخوف من مؤونة الْقِسْمَةِ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأَمَّا عَرْصَةُ الدَّارِ تَكُونُ مُحْتَمِلَةً لِلْقَسْمِ وَلِلْقَوْمِ طريقٌ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَإِذَا بِيعَ مِنْهَا شيءٌ ففيه الشفعة ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي عَرْصَةٍ تُحِيطُ بِهَا دُورٌ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أَرْبَابِ الدُّورِ مَرْفُوعَةٌ بين أهلها بخلاف الطريق النافذة لبيع كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِحِصَّتِهِ جَائِزٌ وَالْبِنَاءُ فِيهَا شَائِعٌ فَإِذَا بَاعَ أَحَدُهُمْ دَارَهُ مَعَ حِصَّتِهَا مِنَ الْعَرْصَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ إِنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الدَّارِ المحوزة وفي حصتها من العرضة كَال

ْمَسْأَلَةِ

الْمَاضِيَةِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ وَاسِعَةً تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَيَنْتَفِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْعَرْصَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا طَرِيقٌ مِنْ غَيْرِ الْعَرْصَةِ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ لَهَا طَرِيقٌ مِنْ غَيْرِ الْعَرْصَةِ وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِدُخُولِهِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مُؤَثِّرًا لِتَفْرِيقِ صِفَتِهِ وَقَدْ سَقَطَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنَ اسْتِطْرَاقِ الْعَرْصَةِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ بِالشُّفْعَةِ عَمَّا اشْتَرَاهُ مِنَ الْعَرْصَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ الْمَبِيعَةِ طَرِيقٌ مِنْ غَيْرِ الْعَرْصَةِ فَفِي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْعَرْصَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ مَا لَا تَسْتَغْنِي الدَّارُ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ مَرَافِقِهَا الَّتِي لَا يَصِحُّ إِفْرَادُهُ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَالَ الضَّرَرُ عَنِ الشُّرَكَاءِ بِإِدْخَالِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْعَرْصَةِ وَيَبْطُلُ اسْتِطْرَاقُ الْمُشْتَرِي فِيهَا لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عِلْمٍ وَاخْتِيَارٍ فَصَارَ هُوَ الْمُضِرَّ بِنَفْسِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي الْعَرْصَةِ وَاجِبَةٌ وَحَقُّ الِاسْتِطْرَاقِ فِيهَا ثبات بِغَيْرِ مِلْكٍ فِي التُّرْبَةِ لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ الْبَيْعُ جَائِزًا فَعَلَى هَذَا لَوْ أُخِذَتْ حِصَّةُ الدَّارِ مِنَ الْعَرْصَةِ بِالشُّفْعَةِ وَاسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي الِاسْتِطْرَاقَ إِلَى دَارِهِ فِي الْعَرْصَةِ نُظِرَ فِي أَخْذِ الْحِصَّةِ فَإِنْ أَخْذَهَا جَمِيعُ الشُّرَكَاءِ فِي الْعَرْصَةِ فَلَهُ حَقُّ الِاسْتِطْرَاقِ عَلَى جَمِيعِهِمْ حَتَّى لَوِ اقْتَسَمُوا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَطْرِقَ حِصَّةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَإِنْ أَخَذَ الْحِصَّةَ أَحَدُهُمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الِاسْتِطْرَاقَ فِي حِصَّةِ غَيْرِ الْآخِذِ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الشُّرَكَاءِ حَتَّى لَوِ اقْتَسَمُوا لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِطْرَاقُ حِصَّةِ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ طَرِيقَ الدَّارِ صَارَ فِي حِصَّتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِاسْتِطْرَاقَ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِأَنَّ حَقَّهُ مَنْفَعَةٌ شَائِعَةٌ فِي جَمِيعِ الْعَرْصَةِ فَلَمْ يَصِحَّ إِجَارَتُهَا بِالْقِسْمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا اتَّسَعَتِ الْعَرْصَةُ عَنِ اسْتِطْرَاقِ الشُّرَكَاءِ لَوِ اقْتَسَمُوا فَكَانَ نِصْفُهَا لَوِ اقْتَسَمُوهُ كَافِيًا لَاسْتِطْرَاقِهِمْ فَالشُّفْعَةُ فِي الْفَاضِلَةِ مِنَ الْعَرْصَةِ مِنِ اسْتِطْرَاقِهِمْ وَاجِبَةً وَجْهًا وَاحِدًا وَلَا يَتَمَلَّكُ الْمُشْتَرِي فِي اسْتِطْرَاقِهَا وَفِي وُجُوبِهَا فِي الْمُسْتَطْرَقِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَاللَّهُ أعلم بالصواب.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلِوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَأَبِي الصَّبِيِّ أَنْ يَأْخُذَا بِالشُّفْعَةِ لِمَنْ يَلِيَانِ إِذَا كَانَتْ غبطةٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا فَإِذَا وَلِيَا مَالَهُمَا أَخَذَاهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إِذَا وَجَبَتْ لَهُمَا بالشفعة لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي أَخْذِهَا لَهُمَا حَظٌّ وَغِبْطَةٌ فَعَلَى وَلِيِّهِمَا أَنْ يَأْخُذَهَا لَهُمَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْخُذَهَا لَهُمَا لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى شَهَوَاتِ النُّفُوسِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْوَلِيَّ مَنْدُوبٌ إِلَى فِعْلِ مَا عَادَ بِصَلَاحِ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِ كَالدُّيُونِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَلَيْسَ إِذَا كَانَ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مَوْقُوفًا عَلَى شَهَوَاتِ النُّفُوسِ مَا يُوجِبُ امْتِنَاعَ الْوَلِيِّ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ صَلَاحٌ لَهُ كَشِرَاءِ الْأَمْلَاكِ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَلِلْمُوَلَّى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِنْهَا مَا كَانَ فِيهِ الصَّلَاحُ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلِلْوَلِيِّ حَالَتَانِ: حَالَةٌ يَأْخُذُ الشُّفْعَةَ وَحَالَةٌ يَرُدُّهَا، فَإِنْ أَخْذَهَا لَزِمَتِ الْأُولَى عَلَيْهِ وَصَارَتْ مَا كَانَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِذَا صَارَ رَشِيدًا أَنْ يَرُدَّ كَمَا لَا يَرُدُّ مَا اشْتَرَاهُ إِذَا كَانَ لَهُ فِيهِ غِبْطَةٌ وَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا فَلِلْمُولَّى عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا أَنْ يَأْخُذَهَا، وَقَالَ أبو حنيفة، قَدْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ بِرَدِّ الْوَلِيِّ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا إِذَا بَلَغَ لِأَنَّ عَفْوَ مَنْ لَهُ الْأَخْذُ يُبْطِلُهَا كَالشَّرِيكِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ عَفْوَ الْوَلِيِّ عَنِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ مَرْدُودٌ كَالْإِبْرَاءِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمِلْكِ قَاضِيًا.

فَصْلٌ

: وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ حَظٌّ فِي أَخْذِ الشُّفْعَةِ إِمَّا لِزِيَادَةِ الثَّمَنِ وَإِمَّا لِأَنَّ صَرْفَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ مِنْ أُمُورِهِ أَهَمُّ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْخُذَهَا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَا لَا حَظَّ لَهُ فِي شِرَائِهِ وَلَا يَصِيرُ الشِّقْصُ لِلْوَلِيِّ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مَا اشْتَرَى لِمَنْ يَلِي عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَصِيرَ لَهُ الشِّرَاءُ عِنْدَ بُطْلَانِهِ لِمَنْ يَلِي عَلَيْهِ وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ بِالشُّفْعَةِ مَا يَأْخُذُهُ لِمَنْ يَلِي عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَصِيرَ لَهُ الشُّفْعَةُ عِنْدَ بُطْلَانِهَا لِمَنْ يَلِي عَلَيْهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشُّفْعَةَ مَرْدُودَةٌ وَالْوَلِيَّ مِنْ أَخْذِهَا مَمْنُوعٌ فَبَلَغَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ رَشِيدًا فَأَرَادَ أَخْذَ الشُّفْعَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ شُفْعَتَهُ قَدْ بَطَلَتْ بِتَرْكِ وَلَيِّهِ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا بَعْدَ رُشْدِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ أَخَذَ الْوَلِيُّ مَقَامَ أَخْذِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ قَامَ رَدُّ الْوَلِيِّ مَقَامَ رَدِّهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ طَرْدًا وَكَالْقِصَاصِ عَكْسًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَخْذُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ رَدُّهُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ شُفْعَتَهُ بَاقِيَةٌ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ وَلِيِّهِ، وَلَهُ أَخْذُهَا بَعْدَ رُشْدِهِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْحَظِّ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ إِنَّمَا يَكُونُ لمن أخذها كَالْوَلِيِّ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيمَنْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّفِيعَ لَوْ أَخَذَ لِنَفْسِهِ مَا لَا حَظَّ لَهُ فِي أَخْذِهِ جَازَ فَلِذَلِكَ مُنِعَ الْوَلِيُّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَظِّ فِي أَخْذِهَا لِأَنَّهُ وَالٍ وَوُجُودُ الْحَظِّ مُعْتَبَرٌ فِي أَخْذِهِ وَجَازَ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا أَنْ يَأْخُذَهَا مَعَ عَدَمِ الْحَظِّ فِي أَخْذِهَا لِأَنَّهُ مَالِكٌ وَوُجُودُ الْحَظِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي أَخْذِهِ.

فَصْلٌ

: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَوِيَ حَظُّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي أَخْذِ الشُّفْعَةِ وَتَرْكِهَا فَفِي أَخْذِ الْوَلِيِّ لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهَا مَا لَمْ يَظْهَرِ الْحَظُّ فِي أَخْذِهَا لِأَنَّ وُجُودَ الْحَظِّ مُعْتَبَرٌ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهَا لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ أَحَظُّ مَا لَمْ يَظْهَرْ ضَرَرٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا لِاسْتِوَاءِ الْحَالَيْنِ فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ أَخْذِهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ مُجْبَرٌ فَتَرَكَهَا فَلِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا أَنْ يَأْخُذَهَا وَإِنْ قُلْنَا بِمَنْعِهِ مِنْ أَخْذِهَا فَهَلْ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَ رُشْدِهِ عَلَى ما ذكرنا من الوجهين.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنِ اشْتَرَى شِقْصًا عَلَى أَنَّهُمَا جَمِيعًا بِالْخِيَارِ فَلَا شُفْعَةَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْبَائِعُ (قَالَ) وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَفِيهِ الشُّفْعَةُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَا يَثْبُتُ مِنَ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: خِيَارِ عَقْدٍ، وَخِيَارِ شَرْطٍ، وَخِيَارِ رُؤْيَةٍ، وَخِيَارِ عَيْبٍ: أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَهُوَ خِيَارُ الْعَقْدِ وَهُوَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَلَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ الشُّفْعَةَ إِلَّا بَعْدَ نَقْضِهِ بِالِافْتِرَاقِ عَنْ تَمَامٍ وَإِمْضَاءٍ، وَسَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الْمِلْكَ مُنْتَقِلٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ أَوْ بِالِافْتِرَاقِ مَعَ تَقْدِيمِ الْعَقْدِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْفَسْخِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ عَقْدُ الْمُشْتَرِي فَأَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شُفْعَةُ الشَّفِيعِ، فَإِذَا افْتَرَقَا عَنْ تَمَامٍ وَإِمْضَاءٍ اسْتَحَقَّ الشَّفِيعُ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، وَبِمَاذَا يَصِيرُ الشَّفِيعُ مَالِكًا لَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ من اختلاف أقاويله في انتقال الملك.
أحدهما: أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَإِنْ مُنِعَ مِنَ الْأَخْذِ إِلَّا بِالِافْتِرَاقِ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ إِنَّ الْمِلْكَ مُنْتَقِلٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلشُّفْعَةِ بِافْتِرَاقِهِمَا عَنْ تَرَاضٍ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ إِنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَالِافْتِرَاقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ مِلْكَ الشُّفْعَةِ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إِبْرَامِ الْعَقْدِ وَإِمْضَائِهِ فَتَمَامُهُ يَدُلُّ عَلَى

تَقْدِيمِ مِلْكِهَا بِالْعَقْدِ وَفَسْخُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا بِالْعَقْدِ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يقول فيه: إن الملك موقوف مراعاً.
فَإِذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ عَنْ تَرَاضٍ بِحُكْمٍ أَوْ بِغَيْرِ حُكْمٍ فَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَهُ خيار المجلس لأن تَمَلَّكَهُ بِمُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مَوْضُوعَةٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِهَا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ الَّذِي لَا يُمْلَكُ فِيهِ بَعْدَ الرَّدِّ خِيَارٌ، وَلَيْسَ كَالْبَيْعِ الْمَوْضُوعِ لِلْمُعَايَنَةِ وَطَلَبِ الْأَرْبَاحِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ خِيَارُ الشَّرْطِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، وله ثلاثة أحوال: أحدها: أَنْ يَكُونَ خِيَارُ الثَّلَاثِ مَشْرُوطًا لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي.
والحال الثاني: أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي.
وَالْحَالُ الثالث: أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ مَشْرُوطًا لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَوْ مَشْرُوطًا لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي فَلَا حَقَّ لِلشَّفِيعِ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ مَا لَمْ تَنْقُضْ مُدَّةُ الْخِيَارِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَإِذَا تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِتَقَضِّي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَاسْتَحَقَّ الشَّفِيعُ حِينَئِذٍ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَاذَا يَصِيرُ مَالِكًا لَهَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ مَشْرُوطًا لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَقَدْ روى المزني ها هنا أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ.
وَرَوَاهُ الرَّبِيعُ أَيْضًا قَالَ الرَّبِيعُ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ إنَّهُ لَا حَقَّ لِلشَّفِيعِ فِي أَخْذِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْخِيَارِ.
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى اخْتِلَافِ أَقَاوِيلِهِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا بِالْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الخيار أو أنه موقوف مراعاً فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَمْلِكُ عَنِ الْمُشْتَرِي فَامْتَنَعَ أَنْ يَمْلِكَ مَا لَمْ يَمْلِكِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ قِيلَ إِنِ الْمِلْكَ قَدِ انْتَقَلَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ فِيهِ الشفعة لأنه علقة البائع عند مُنْقَطِعَةٌ وَخِيَارَ الْمُشْتَرِي فِيهِ كَخِيَارِهِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الشَّفِيعَ مِنَ الْأَخْذِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ: أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَرْضَ بِدُخُولِهِ فِي عُهْدَةِ الْعَقْدِ فَخَالَفَ خِيَارَ الْعَيْبِ الْمَوْضُوعِ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَبْنِ الَّذِي قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةُ فُرُوعٍ:

فَالْفَرْعُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَّفِقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لَهُمَا فِي الْعَقْدِ وَيُكَذِّبَهُمَا الشَّفِيعُ وَيَدَّعِيَ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ نَاجِزًا مِنْ غَيْرِ خِيَارِ شَرْطٍ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَالْيَمِينُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا دُونَ الْبَائِعِ لِأَنَّ انْتِزَاعَ الْمِلْكِ مِنْ يَدِهِ فَيَحْلِفُ لَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ وَيَدِهِ وَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ بَعْدَ يَمِينِ الْمُشْتَرِي إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا فَادَّعَى الْمُشْتَرِي اشْتِرَاطَ خِيَارِ الثَّلَاثِ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ وَأَكْذَبَهُ الشَّفِيعُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَلَا شُفْعَةَ إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَالْفَرْعُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ اشْتِرَاطَ خِيَارِ الثَّلَاثِ وَيُنْكِرَهُ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ فَعَلَى قَوْلِ أبي حنيفة وأبي يوسف: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَلَا شُفْعَةَ وَعَلَى قَوْلِ محمد بن الحسن الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَفِيهِ الشُّفْعَةُ وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا يَتَحَالَفَانِ فِي اخْتِلَافِ الثَّمَنِ فَإِذَا تَحَالَفَا فَفِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ بِتَحَالُفِهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَ بِتَحَالُفِهِمَا وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ إِلَّا بِفَسْخِ الْحَاكِمِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ بِخِيَارِ الثَّلَاثِ لِلْبَائِعِ وَبَيْنَ فَسْخِهِ وَخِيَارِهِ، وَهَذَا عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ خِيَارُ حُكْمٍ فَإِنِ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي فَسْخَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُجْبِرَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى إِمْضَاءِ الْبَيْعِ بِخِيَارِ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ إِجْبَارٌ عَلَى الْتِزَامِ عَقْدٍ، وَإِنِ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إِمْضَاءَ الْبَيْعِ بِخِيَارِ الثَّلَاثِ لِلْبَائِعِ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الثَّلَاثِ فَإِنِ اخْتَارَ فِيهَا فَسْخَ الْبَيْعِ انْفَسَخَ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ وَإِنِ اخْتَارَ فِيهَا إِمْضَاءَ الْبَيْعِ فَلِلْمُشْتَرِي أَخْذُ الشِّقْصِ بِثَمَنِهِ ثُمَّ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ.
وَالْفَرْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَدَّعِيَ الْمُشْتَرِي اشْتِرَاطَ خِيَارِ الثَّلَاثِ وَيُنْكِرَهُ الْبَائِعُ وَالشَّفِيعُ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ فِي خِيَارِ الْمُشْتَرِي فَلَا تُحَالُفَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا حَقَّ لِلشَّفِيعِ فِيهِ إِلَّا بِانْقِضَاءِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي تَحَالَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْخِيَارِ فَإِذَا تَحَالَفَا فَقَدْ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَبْطُلُ إِلَّا بِفَسْخِ الْحَاكِمِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ فِي إِمْضَاءِ الْبَيْعِ بِخِيَارِ الثَّلَاثِ لِلْمُشْتَرِي أَوْ فَسْخِهِ فَإِنْ فَسَخَهُ فَقَدْ بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ.
وَإِنْ أَمْضَاهُ ثَبْتَ خِيَارُ الثَّلَاثِ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ فَسَخَ الْبَيْعَ فِيهَا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ وَإِنْ أَمْضَاهُ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ مِنْهُ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ: أَنْ يَعْقِدَا بَيْعَ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ فَفِي الْبَيْعِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ وَلَا شُفْعَةَ فيه.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: جَائِزٌ ثُمَّ لِلشَّفِيعِ فِي رُؤْيَةِ الشِّقْصِ الْمَبِيعِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ رَآهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَّا بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمُشْتَرِي لَهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّ خِيَارَهُ جَارٍ مَجْرَى خِيَارِ الْبَدَلِ وَالْقَبُولِ أَوْ جَارٍ مَجْرَى خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخِيَارَيْنِ لَا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ فِيهِ الشُّفْعَةَ إِلَّا بعد انقضائه على الصحة.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ لَمْ يَرَ الشِّقْصَ الْمَبِيعَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّهُ يَحُلُّ فِي أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ مَحَلَّ الْمُشْتَرِي وَسَوَاءٌ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِأَخْذِهِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ أم لَمْ يَرْضَ كَمَا يَبْطُلُ شِرَاءُ الْمُشْتَرِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ سَوَاءٌ رَضِيَ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَرْضَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ أَخْذَ الشَّفِيعِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ جَائِزٌ عَلَى قَوْلِهِ إِنَّ الْبَيْعَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ جَائِزٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَسْلِيمِ الشِّقْصِ إِلَيْهِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ وَبَعْدَ أَنْ يَصِفَهُ لَهُ كَمَا يَصِفُهُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي وَبَيْنَ أَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى يَرَاهُ فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ بِالرُّؤْيَةِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ شِقْصٍ ثَبَتَ لِلشَّفِيعِ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ خِيَارُ الْعَيْبِ: فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الشِّقْصِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي الثَّمَنِ، فَإِذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي الشِّقْصِ فَالْخِيَارُ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يأخذ منه يعيبه وَيَمْنَعَهُ مِنْ رَدِّهِ لِأَنَّ رَدَّ الْمُشْتَرِي لَهُ بِالْعَيْبِ إِنَّمَا هُوَ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَبْنِ وَهُوَ يَسْتَدْرِكُهُ مِنَ الشَّفِيعِ بِالْوُصُولِ إِلَى جَمِيعِ الثَّمَنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ حَضَرَ الشَّفِيعُ وَقَدْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ كَانَ لِلشَّفِيعِ إِبْطَالُ رَدِّهِ وَاسْتِرْجَاعُ الشِّقْصِ مِنْ بَائِعِهِ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ قَطْعٌ لِلْعَقْدِ وَلَيْسَ بِرَافِعٍ لِلْأَصْلِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي إِبْطَالُ حَقِّ الشَّفِيعِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ وَأَرَادَ الشَّفِيعُ إِبْطَالَ بَيْعِهِ كَانَ لَهُ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى شُفْعَتِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي عِنْدَ ظُهُورِهِ عَلَى عَيْبِ الشِّقْصِ صَالَحَ الْبَائِعَ عَلَى أَرْشِهِ وَحَضَرَ الشَّفِيعُ مُطَالِبًا بِالشُّفْعَةِ فَلَهُ أَخْذُهُ بِالْبَاقِي مِنَ الثَّمَنِ بَعْدَ إِسْقَاطِ الْأَرْشِ إِنْ قِيلَ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأَرْشِ صُلْحًا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي الثَّمَنِ فَسَيَأْتِي فِي تَفْرِيعِ الْمُزَنِيِّ.
فَصْلٌ : فَأَمَّا ثُبُوتُ الْخِيَارِ في السقص الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الشُّفْعَةَ فَإِنْ كَانَ خِيَارَ عَيْبٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَمْلِكَ بِهِ الشُّفْعَةَ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ مُشْتَرِيهِ مَا لَمْ يَرُدَّهُ وَإِنْ كَانَ خِيَارَ رُؤْيَةٍ لَمْ يَمْلِكْ

بِهِ الْمُشْتَرِي الشُّفْعَةَ سَوَاءٌ قِيلَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ أَوْ بِفَسَادِهِ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَالِكٍ إِنْ بَطَلَ الْبَيْعُ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرِّ الْمِلْكِ إِنْ صَحَّ فَأَمَّا الْبَائِعُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ الشُّفْعَةَ إِنْ قِيلَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَفِي مِلْكِ الشُّفْعَةِ بِهِ مَعَ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ قَبْلَ وُجُودِ الرُّؤْيَةِ، وَأَمَّا خِيَارُ المجلس فلا يملك البائع في شُفْعَةً بِالشِّقْصِ الَّذِي هُوَ فِي مَجْلِسِ بَيْعِهِ وَخِيَارِهِ سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّ مِلْكَهُ قَدِ انْتَقَلَ بِالْعَقْدِ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ إِنْ قِيلَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ بِمَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَإِنْ قِيلَ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ فَبَيْعُهُ رِضًى مِنْهُ بِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ بِمَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ تَمَّ لَهُ الْبَيْعُ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مَالِكٍ.
وَإِنْ قِيلَ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إِلَيْهِ بِالْعَقْدِ أَوْ قِيلَ بِوُقُوفِهِ وَمُرَاعَاتِهِ فَفِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ الشُّفْعَةُ بِهِ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا شُفْعَةَ لَهُ بِهِ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاوَضَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ بِهِ.
وَأَمَّا خِيَارُ الثَّلَاثِ: فَإِنْ كَانَ لَهُمَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَكَذَا إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا شُفْعَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَمَّا الْبَائِعُ فَلِمَا فِي بَيْعِهِ مِنَ الرِّضَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِعَدَمِ مِلْكِهِ أَوْ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لِلْبَائِعِ لِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ تَمَسُّكًا بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حُقُوقِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعَاةً فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا فَالشُّفْعَةُ لِلْمُشْتَرِي.
وَإِنِ انْفَسَخَ فَالشُّفْعَةُ لِلْبَائِعِ اعْتِبَارًا بما يفضي إليه أحوالهما.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ مَعَ الشُّفْعَةِ عرضٌ وَالثَّمَنُ واحدٌ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الشُّفْعَةَ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا بِيعَ الشِّقْصُ عرض بِثَمْنٍ وَاحِدٍ وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فِي الشِّقْصِ دُونَ مَا ضُمَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَرَضِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَرَضُ الْمَضْمُومُ إِلَيْهِ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الشِّقْصِ أَمْ لَا، وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَ الْعَرَضُ الْمَضْمُومُ إِلَيْهِ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِي الشِّقْصِ الْمُشْتَرَكِ كَبَقَرَةِ الدُّولَابِ وَالْحَرْثِ وَالْعَبْدِ الْعَامِلِ فِي الْأَرْضِ وَكَالدَّلْوِ وَالْحَبْلِ أُخِذَ بِالشُّفْعَةِ مَعَ الشِّقْصِ تَبَعًا كَمَا ضُمَّ إِلَيْهِ فِي الْعَقْدِ تَبَعًا كالنخل والبناء.

وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ "، فَاقْتَضَى نَفْيَ الشُّفْعَةِ عَمَّا قُسِمَ وَلِأَنَّ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ بِانْفِرَادِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ بِانْضِمَامِهِ مَعَ غَيْرِهِ عِنْدَ انْفِصَالِهِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الْعَوَامِلِ مِنَ الْبَقَرِ وَالْعَبِيدِ وَلِأَنَّ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ مَعَ فَقْدِ الْعَمَلِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الشُّفْعَةُ مَعَ وُجُودِ الْعَمَلِ قِيَاسًا عَلَى الْمُفْرَدِ بِالْعَقْدِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى النَّخْلِ وَالْبِنَاءِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ النَّخْلُ وَالْبِنَاءُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا وَلَمَّا لَمْ تَدْخُلِ الْبَقَرَةُ وَالْعَبْدُ فِي الْبَيْعِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ الشُّفْعَةُ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ فِي الشِّقْصِ وَحْدَهُ دُونَ الْعَبْدِ الْمَضْمُومِ إِلَيْهِ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ يُقَسَّطُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوِ استحق أحدهما أو رد بعيب.
واعتبار أخذه بالحصة أن يُقَوَّمَ الشِّقْصُ يَوْمَ الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا قُوِّمَ الْعَبْدُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَمِائَةٍ عُلِمَ أَنَّ الشِّقْصَ فِي مُقَابَلَةِ ثُلُثَيِ الْقِيمَةِ فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِثُلُثَيِ الثَّمَنِ زَائِدًا كَانَ الثَّمَنُ أَوْ نَاقِصًا ثُمَّ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فِي رَدِّ الْعَبْدِ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ إِلَى مَا فِيهِ الشُّفْعَةُ كَانَ هُوَ الْعَالِمَ بِتَفْرِيقِهَا وَالرِّضَى بِهِ وَمَنْ دَخَلَ عَلَى عِلْمٍ بِعَيْبٍ لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ بِهِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ شِقْصَيْنِ مِنْ دَارَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَخْلُ مُسْتَحِقُّ الشُّفْعَةِ فِيهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهَا اثْنَيْنِ لِكُلِّ شِقْصٍ مِنْهُمَا شَفِيعٌ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَيَّرًا فِي أَخْذِ مَا فِي شُفْعَتِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ تَرْكِهِ فَإِنْ أَخَذَا أَوْ تَرَكَا أَوْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ الْآخَرُ فَكُلُّهُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقُّ الشُّفْعَةِ فِيهَا وَاحِدًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنْ يَأْخُذَهُمَا أَوْ يَتْرُكَهُمَا وَلَيْسَ لَهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ بِأَخْذِ أَحَدِهِمَا لِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ فِيهِمَا كَمَا لَيْسَ لَهُ تَفْرِيقُهَا بِأَخْذِ الْبَعْضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّ الشُّفْعَتَيْنِ شَاءَ لِتَمَيُّزِهِ وَأَنَّ الشُّفْعَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِزَالَةِ ضَرَرِهِ وَرُبَّمَا كَانَ ضَرَرُهُ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ وَيَلْحَقُهُ بِأَخْذِ الْآخَرِ ضَرَرٌ:

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذِهِ مَسَائِلُ أَجَبْتُ فِيهَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْعُهْدَةُ فَمُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَهْدِ لِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْوَفَاءِ بِمُوجَبِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

{وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) {النحل: 91) فَلِأَجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَ ضَمَانُ الدَّرَكِ عُهْدَةً ثُمَّ يُسَمَّى كِتَابُ الشِّرَاءِ عُهْدَةً لِأَنَّهُ قَدْ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عُهْدَةِ الشَّفِيعِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَعُهْدَةَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْبَائِعِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ الشَّفِيعُ قَدْ قَبَضَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي فَعُهْدَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهُ مِنَ الْبَائِعِ فُسِخَ عَقْدُ الْمُشْتَرِي وَكَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ.
فَأَمَّا ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْبَائِعَ أَصْلٌ وَالْمُشْتَرِيَ فَرْعٌ فَكَانَ الرُّجُوعُ إِلَى الْبَائِعِ أَوْلَى مِنَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْفَرْعِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحُلُّ مَحَلَّ الْوَكِيلِ لِلشَّفِيعِ لِدُخُولِهِ عَلَى عِلْمٍ بِانْتِقَالِ الشِّرَاءِ عَلَى الشَّفِيعِ ثُمَّ ثَبَتَ فِي شِرَاءِ الْوَكِيلِ أَنَّ الْعُهْدَةَ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْوَكِيلِ كَذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ الشَّفِيعِ.
وَأَمَّا أبو حنيفة فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ إِزَالَةَ مِلْكِهِ عنه استحق فسخ فيهعقده فِيهِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْعَقْدِ لِاسْتِيفَاءِ الْمِلْكِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الشَّفِيعَ يَمْلِكُ الشِّقْصَ عَنِ الْمُشْتَرِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَكَانَ مُقِرًّا عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَلَوْ حَدَثَ مِنْهُ نَمَاءٌ لَكَانَ لِلْمُشْتَرِي فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَتْ عَلَى الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّ انْتِقَالَ الْمِلْكِ بِالْعِوَضِ يُوجِبُ تَمْلِيكَ الْمُعَوَّضِ فَوَجَبَ أَخْذُهُ بِالْعُهْدَةِ كَالْبَائِعِ وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ قَدْ يُسْتَحَقُّ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَمَا يُسْتَحَقُّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالشُّفْعَةِ فَلَمَّا كَانَ الرُّجُوعُ بِهِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ بِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالشُّفْعَةِ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ وَقَدْ يتحرر مِنَ اعْتِلَالِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ قِيَاسًا عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنِ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَمْ يُسْتُحَقَّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالْعَيْبِ قِيَاسًا عَلَى الْمُشْتَرِي لَوْ كَانَ بَائِعًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: بِأَنَّ الْبَائِعَ أَصْلٌ وَالْمُشْتَرِيَ فَرْعٌ فَمُنْتَقَضٌ بِالْمُشْتَرِي لَوْ بَاعَ عَلَى الشَّفِيعِ ثُمَّ نَقُولُ إِنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ كَانَ فَرْعًا لِلْبَائِعِ فَهُوَ أَصْلٌ لِلشَّفِيعِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِالْوَكِيلِ فَهُوَ امْتِنَاعُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّفِيعَ لَمَّا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَخْذِهِ مِنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ تَرْكِهِ عَلَيْهِ صَارَ مَالِكًا عَنْهُ لَا عَنِ الْبَائِعِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُوَكِّلِ خِيَارٌ فِي أَخْذِهِ مِنَ الْوَكِيلِ وَتَرَكَهُ عَلَيْهِ صَارَ مَالِكًا عَنِ الْبَائِعِ دُونَ الوكيل.
والثاني: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الشَّفِيعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ صَارَ مَالِكًا عَنْهُ لَا عَنِ الْبَائِعِ وَلَمَّا اسْتَحَقَّ الْمُوَكِّلُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْوَكِيلِ صَارَ مَالِكًا عَنْهُ لَا عَنِ الْوَكِيلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ أبي حنيفة: بِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ إِزَالَةَ مِلْكِهِ دَفَعَ عَقْدَهُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ إِزَالَةَ مِلْكِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَا يَمْلِكُ دَفْعَ عَقْدِهِ فَكَذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِالْعَقْدِ مِلْكُ الشُّفْعَةِ وَفِي رَفْعِهِ إِبْطَالُ الشُّفْعَةِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا قَبْضُ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ مِنَ الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهُ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحُلُّ مَحَلَّ الْمُشْتَرِي فِي الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا لَمْ يُقْبَضْ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَخْذُ شُفْعَةِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الْحَاكِمُ الْمُشْتَرِيَ بِالْقَبْضِ فَإِذَا صَارَ بِيَدِهِ انْتَزَعَهُ الشَّفِيعُ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَائِبًا وَكَّلَ الْحَاكِمُ عَنْهُ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ ثُمَّ حَكَمَ لِلشَّفِيعِ بِأَخْذِهِ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَخْذَهُ مِنَ الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ جَبْرًا بِحَقٍّ وَإِنْ كَرِهَ الْمُشْتَرِي فَجَازَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا يَجُوزُ الْفَسْخُ وَالْإِقَالَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَيَبْرَأُ الْبَائِعُ مِنْ ضَمَانِهَا بِقَبْضِ الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا بِحَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَبِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فُرُوعُ الْمُزَنِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ

قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ مَسَائِلُ أَجَبْتُ فِيهَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا تَبَرَّأَ الْبَائِعُ مِنْ عُيُوبِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ كَانَ لَهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْتَرِي ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ إِذَا تَبَرَّأَ مِنْ عُيُوبِ الشُّفْعَةِ يَعْنِي مِنْ عُيُوبِ الشِّقْصِ الَّذِي فِيهِ الشُّفْعَةُ فعبر عنه بما يؤول إِلَيْهِ وَيُسْتَحَقُّ فِيهِ وَأَرَادَ بِالْبَرَاءَةِ مَا يَصِحُّ على ما

ذَكَرْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ فِي الْعَيْبِ الْمَوْجُودِ فِي الشقص من أربعة أحوال: أحدها: أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ فَيَعْلَمُ الْمُشْتَرِي بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ أَوِ الْبَرَاءَةِ إِلَيْهِ وَيَعْلَمُ الشَّفِيعُ بِهِ عِنْدَ الْأَخْذِ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدُّ الْأَرْشِ وَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ واحد منهما بعلمه.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَا جَاهِلَيْنِ بِهِ فَالشَّفِيعُ فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْسَاكِهِ وَرَدِّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَهُ فَلَا يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ رَدَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَإِذَا صَارَ إِلَى الْمُشْتَرِي فهو بالخيار بين إمساكه ورده.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْلَمَ بِهِ الشَّفِيعُ وَلَا يَعْلَمَ بِهِ الْمُشْتَرِي فَلَا رَدَّ لِلشَّفِيعِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَهُوَ لَازِمٌ لَهُ بِأَخْذِهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فَإِنْ عَادَ الشِّقْصُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ هَلْ يَسْتَحِقُّ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ بِعَيْنِهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ ذكرناهما في البيوع.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَعْلَمَ بِهِ الْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ وَهِي

َ مَسْأَلَةُ

الْكِتَابِ فَالشَّفِيعُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْخِيَارِ فِيهِ بَيْنَ إِمْسَاكِهِ وَرَدِّهِ فَإِنْ رَدَّهُ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي لِعِلْمِهِ بِعَيْبِهِ وَلَا رَدَّ لَهُ فَلَوِ ادَّعَى الْمُشْتَرِي عِلْمَ الشَّفِيعِ بِعَيْبِهِ عِنْدَ أَخْذِهِ وَأَنْكَرَ الشَّفِيعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَهُ الرَّدُّ فَإِنْ شَهِدَ الْبَائِعُ عَلَى الشَّفِيعِ بِعِلْمِهِ بِالْعَيْبِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إِنْ كَانَ قَدْ بَرِئَ كَالْمُشْتَرِي مَعَ عَيْبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ تُقْبَلْ إِنْ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ مِنْ عَيْبِهِ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فِي الشِّقْصِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ فَأَمْسَكَ عَنْ رَدِّهِ انْتِظَارًا لِلشَّفِيعِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا لَمْ يَلْزَمْهُ انْتِظَارُهُ وَبَطَلَ بِالْإِمْسَاكِ خِيَارُهُ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا لَزِمَهُ انْتِظَارُهُ وَلَمْ يَبْطُلْ بِالْإِمْسَاكِ خِيَارُهُ لِأَنَّ حُضُورَ الشَّفِيعِ مَعَ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالشِّقْصِ عُذْرٌ فِي الْإِمْسَاكِ وَلَا يَكُونُ عُذْرًا إِنْ كَانَ غَائِبًا.

مَسْأَلَةٌ

قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنِ اسْتُحِقَّتْ مِنَ الشَّفِيعِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ.
فَإِذَا اسْتُحِقَّ الشِّقْصُ من يد الشفيع فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُسْتَحَقَّ فِي يَدِهِ بِتَصْدِيقِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ بِتَصْدِيقِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِدَرَكِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى غيره.

والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِبَيِّنَةٍ يُكْذِبُهَا فينتزع عن يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ أَكْذَبَهَا وَلَا يُرْجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالدَّرَكِ لِتَكْذِيبِهَا لِمَا يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبُهَا مِنْ براءة المشتري ويعلم المستحق والله أعلم.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِبَيِّنَةٍ لَا يُكَذِّبُهَا فَإِذَا انْتَزَعَ مِنْ يَدِهِ رَجَعَ بِدَرَكِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِنْ غَابَ الْمُشْتَرِي وَحَضَرَ الْبَائِعُ فَصَالَحَهُ الْحَاكِمُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَصَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ ثُمَّ حَكَمَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَصَارَ دَيْنًا لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ مِنَ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَدَفَعَهُ عَنِ الْمُشْتَرِي إِلَى الشَّفِيعِ.

مَسْأَلَةٌ

قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَاهَا بِدَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا ثُمَّ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِوَزْنِهَا فَاسْتُحِقَّتِ الدَّنَانِيرُ الْأُولَى فَالشِّرَاءُ وَالشُّفْعَةُ باطلٌ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ بِعَيْنِهَا تَقُومُ مَقَامَ الْعَرَضِ بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ وَلَوِ اسْتُحِقَّتِ الدَّنَانِيرُ الثَّانِيَةُ كَانَ عَلَى الشَّفِيعِ بَدَلُهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشقص بمثل الثمن فإذا كان الثمن دنانيراً أَخَذَهُ بِمِثْلِ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ فَإِنْ بَذَلَ عَنِ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهَا فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهَا جَازَ وَكَانَ بَيْعًا مُسْتَجَدًّا تَبْطُلُ مَعَهُ الشُّفْعَةُ وَإِنِ امْتَنَعَ أَلَّا يَأْخُذَ إِلَّا مِثْلَ دَنَانِيرِهِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الشَّفِيعُ مِثْلَهَا ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ دَنَانِيرُ الْمُشْتَرِي فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً بِالْعَقْدِ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُعِينَةً لِتَبَايُعِهِمَا عَلَيْهَا بِأَعْيَانِهَا بَطَلَ الْبَيْعُ بِاسْتِحْقَاقِهَا كَمَا يَبْطُلُ بِاسْتِحْقَاقِ مَا تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ مِنْ عُرُوضٍ وَسِلَعٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ بِالْعَقْدِ وَإِنْ عُيِّنَا وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّهُمَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعُقُودِ وَإِذَا ثَبَتَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ بِتَعَيُّنِهِمَا بِالْعَقْدِ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ وَاسْتُرْجِعَ الشِّقْصُ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا عَنِ الْمُشْتَرِي فَإِذَا بَطَلَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي بَطَلَ مِلْكُ الشَّفِيعِ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ بِاسْتِحْقَاقِهَا لَهَا لِمُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا، وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِهَا وَالشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ الَّذِي اسْتَحَقَّهَا بِهِ.

فَصْلٌ

: وَلَوِ اسْتُحِقَّتْ دَنَانِيرُ الشَّفِيعِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ عَيَّنَهَا عِنْدَ أَخْذِ الشُّفْعَةِ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ بِاسْتِحْقَاقِهَا فَإِنْ أَحْضَرَ بَدَلَهَا كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ أعسر ببدلها بطلت شفته بِإِعْسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَيَّنَهَا عِنْدَ شُفْعَتِهِ بِأَنْ قَالَ قَدْ أَخَذْتُ الشِّقْصَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ فَفِي تَعْيِينِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وأبي علي بن أبي هريرة إِنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الشُّفْعَةِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا اسْتِحْقَاقًا فَعَلَى هَذَا هُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِنْ أَتَى بِبَدَلِهَا فَإِنْ أَعْسَرَ بِالْبَدَلِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَكَّاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ إِنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الشُّفْعَةِ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِعَقْدِ الْبَيْعِ لِاسْتِحْقَاقِ الثَّمَنِ فِيهَا فَعَلَى هَذَا قَدْ صَارَ بِتَعْيِينِهَا مُبْطِلًا لِشُفْعَتِهِ بِغَيْرِهَا.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ حَطَّ الْبَائِعُ لَلْمُشْتَرِي بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَهِيَ هبةٌ وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَحُطَّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ شِقْصًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ إِنَّ الْبَائِعَ حَطَّ عَنِ الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَضْعِ الْحَطِّ لَهُ عَنِ الشَّفِيعِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ الْحَطِيطَةَ يَخْتَصُّ بِهَا الْمُشْتَرِي وَلَا تُوضَعُ عَنِ الشَّفِيعِ وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ بِكُلِّ الْأَلْفِ، وَسَوَاءٌ حَطَّ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْحَطِيطَةَ مَوْضُوعَةٌ عَنِ الشَّفِيعِ كَوَضْعِهَا عَنِ الْمُشْتَرِي وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ بِالْبَاقِي مِنَ الثَّمَنِ وَهُوَ تِسْعُمِائَةٍ وَسَوَاءٌ حَطَّ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ الْحَطِيطَةَ إِنْ كَانَتْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ عَنِ الشَّفِيعِ وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ بِالْبَاقِي مِنَ الثَّمَنِ وَهُوَ تِسْعُمِائَةٍ وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ اخْتَصَّ بِهَا بِالْمُشْتَرِي وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِكُلِّ الْأَلْفِ.
فَأَمَّا ابْنُ أَبِي لَيْلَى: فَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ مَا حَدَثَ مِنْ بَعْدُ كَالْحَادِثِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
وَاسْتَدَلَّ أبو حنيفة بِأَنَّ مَا اخْتَصَّ بِالْعَقْدِ كَانَ مُلْحَقًا بِهِ كَالْحَادِثِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ.
وَالْكَلَامُ مَعَ أبي حنيفة أَخَصُّ لِأَنَّ ابْنَ أبي ليلى نبه على أصله في إبطال خِيَارَ الْمَجْلِسِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ مَا سَقَطَ مِنَ الثَّمَنِ بِالْإِبْرَاءِ بَعْدَ الْتِزَامِ الْمَبِيعِ لَمْ يَسْقُطْ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ قِيَاسًا عَلَى الْإِبْرَاءِ مِنَ الْجَمِيعِ وَلِأَنَّ مَا حَصَلَ بَيْنَ مُتَعَاقِدَيِ الْمَبِيعِ مِنَ التَّبَرُّعِ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الشَّفِيعِ كَالتَّبَرُّعِ بِالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ لَا يَلْحَقُهُ الزِّيَادَةُ لَمْ يَلْحَقْهُ النُّقْصَانُ قِيَاسًا عَلَى مَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَلِأَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى بِالشِّقْصِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَعْطَاهُ بِهَا دِينَارًا، وَقِيمَةُ الْأَلْفِ مِائَةُ دِينَارٍ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالْأَلْفِ كُلِّهَا كَذَلِكَ فِي الْإِبْرَاءِ مِنْ بَعْضِهَا، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِمَا بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَبَعْدَهُ فَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ بِالتَّفَرُّقِ وَانْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَلَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قَبْلَ اللُّزُومِ وَبَعْدَهُ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَطِيطَةَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِمَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُشْتَرِي فَكَذَلِكَ خِيَارُ الثَّلَاثِ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِ وَمُخْتَصَّةٌ بِالْمُشْتَرِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِ وَهَكَذَا حُكْمُ الْحَطِيطَةِ فِي الْإِقَالَةِ وَبَيْعِ الْمُرَابَحَةِ إِنْ كَانَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارَيْنِ فَهِيَ

مَوْضُوعَةٌ مِنَ الثَّمَنِ فِي حَقِّ الْفَرِيقَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارَيْنِ فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُشْتَرِي وحده والله أعلم.
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَى شِقْصًا لَهُ فِيهِ شفعةٌ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ فَإِنْ نَكَلَ وَحَلَفَ الشَّفِيعُ قَضَيْتُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ ال

ْمَسْأَلَةِ

فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى أَنَّهَا مُصَوَّرَةٌ فِي شِقْصٍ مُشْتَرَكٍ انْتَقَلَ إِلَى مِلْكِ رَجُلٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ مَالِكُهُ وَالشَّفِيعُ فَقَالَ الشَّفِيعُ ملكته بيع فَلِي شُفْعَتُهُ وَقَالَ الْمَالِكُ مَلَّكْتُهُ بِهِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَلَا شُفْعَةَ لَكَ فِيهِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مَالِكِهِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَوْ أَنَّ مَنْ كَانَ الشِّقْصُ فِي مِلْكِهِ صَدَّقَ الشَّفِيعَ عَلَى الِابْتِيَاعِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَمَقَرٌّ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ نُظِرَ فِي جَوَابِهِ لِلشَّفِيعِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَابَهُ عِنْدَ ادِّعَاءِ الشُّفْعَةِ بِأَنْ لَا شُفْعَةَ لَكَ فِيهِ كَانَ جَوَابًا مُقْنِعًا وَأُحْلِفَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ شُفْعَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَابَهُ بِأَنْ قَالَ لَمِ اشْتَرِهِ فَفِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ لِتَكُونَ الْيَمِينُ مُوَافِقَةً لِلْجَوَابِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهَا شُفْعَةً لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِالدَّعْوَى فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنَ الشُّفْعَةِ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الشَّفِيعِ وَأُحْلِفَ إِنْ كَانَ الْمَالِكُ قَدْ أَنْكَرَهُ الشُّفْعَةَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ فِيهِ بِالشِّرَاءِ الَّذِي ادَّعَاهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ قَدْ أَنْكَرَهُ الشِّرَاءَ أُحْلِفَ الشَّفِيعُ أَنَّهُ لَقَدِ اشْتَرَاهُ وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ فِي يَمِينِهِ وأنه اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ فِيهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبي إسحاق المروزي أنه لَا يَلْزَمُهُ وَإِنْ أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ كَانَ اسْتِحْبَابًا لِأَنَّ هَذَا مِنْ حُقُوقِ الْمَالِكِ فَلَمَّا لَمْ يُطَالِبْهُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَازِمٌ لِأَنَّ نَقْلَ الْأَمْلَاكِ لَا تَجُوزُ بِالْأَمْرِ الْمُحْتَمِلِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَفَا بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى مَا وَصَفْنَا حُكِمَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَفِي الثَّمَنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُدْفَعُ إِلَى الْمَالِكِ لِئَلَّا يُؤْخَذَ الشِّقْصُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ.

فَصْلٌ

: وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ فِي أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ فِي الشِّقْصِ الْمُشْتَرَكِ قَالَ عِنْدَ ادِّعَاءِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ: أَنَا وَكِيلُ الْغَائِبِ فِيهِ وَلَمْ أَمْلِكْهُ عَنْهُ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَمْرَيْنِ مِنْ بُدٍّ وَإِنْكَارٍ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنَ الشُّفْعَةِ فِيهِ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الشَّفِيعِ، فَإِنْ حَلَفَ حُكِمَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ بِنَقْلِ مِلْكِهِ إِلَى الشَّفِيعِ وإنما يكون رفعاً لبد الْحَاضِرِ، ثُمَّ فِي الثَّمَنِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: يُقْبَضُ مِنَ الشَّفِيعِ وَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ؛ لِئَلَّا يَتَصَرَّفَ فِيهِ الشَّفِيعُ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَرُّ فِي ذِمَّةِ الشَّفِيعِ إِلَى قُدُومِ الْغَائِبِ وَيُمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشِّقْصِ بِمَا لَا يُؤَدِّي إِلَى اسْتِهْلَاكِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِهِ، لِأَنَّ الْغَائِبَ عَلَى حَقِّهِ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَهَلْ يُؤْخَذُ بِكَفِيلٍ فِيمَا حَصَلَ لَهُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ بِهِ حِفْظًا لِحَقِّ الْغَائِبِ.
وَالثَّانِي: لَا يُؤْخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّنَا عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَصْرِيُّونَ أَشْبَهُ بِصُورَةِ الْمَسْأَلَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ بَعْدَهُ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ أَقَامَ الشَّفِيعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فلانٍ الْغَائِبِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَقَامَ ذَلِكَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ فُلَانًا أَوْدَعَهُ إِيَّاهَا قَضَيْتُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَلَا يَمْنَعُ الشَّرَاءُ الْوَدِيعَةَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِ الْيَدِ عَلَى الشِّقْصِ عِنْدَ ادِّعَاءِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ أَنَا وَكِيلٌ لِصَاحِبِهِ مُسْتَوْدَعٌ فِي حِفْظِهِ، فَيُقِيمَ الشَّفِيعُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، وَيُقِيمَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهُ وَكَيْلُ الْمُسْتَوْدَعِ، وَلَا تَتَعَارَضُ الْبَيِّنَتَانِ، وَيُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا مُسْتَوْدَعًا ثُمَّ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا مَالِكًا، فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْيَدِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَلَى نَفْيٍ مُجَرَّدٍ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ بَاعَا مِنْ رجلٍ شِقْصًا فَقَالَ الشَّفِيعُ أَنَا آخُذُ مَا باع فلانٌ وأدع حصة فلانٍ فذلك لَهُ فِي الْقِيَاسِ قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَى رَجُلَانِ مِنْ رجلٍ شِقْصًا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَيِّهِمَا شَاءَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُمَا مسألتان: إحداهما: مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَالْأُخْرَى مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَهِيَ فِي شِقْصٍ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ بَاعَهُ صَفْقَةً عَلَى رَجُلَيْنِ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ مِنْهُمَا وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا ويعفو عن الآخر؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَهِيَ فِي شِقْصٍ لِرَجُلَيْنِ بَاعَاهُ صَفْقَةً عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّفِيعَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الشِّقْصِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حِصَّةَ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَقَالَ أبو حنيفة لَا يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُفَرِّقَ صَفْقَةَ الْمُشْتَرِي، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَدَعَهُ كَمَا لَوْ كَانَ البائع وحداً، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ اجْتَمَعَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَقْدَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ العقدين

كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي اثْنَيْنِ، وَلِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْبَائِعَيْنِ فِي عَقْدٍ كَافْتِرَاقِهِمَا فِي عَقْدَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدٌ فَبَاعَاهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِلْجَهَالَةِ بِثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ جَازَ لِلْعِلْمِ بِثَمَنِهِمَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الشِّقْصُ لِرَجُلَيْنِ فَبَاعَاهُ مَعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ فَحُكْمُ هَذَا الْعَقْدِ حُكْمُ أَرْبَعَةِ عُقُودٍ، فَيَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِالْعُقُودِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ بِثَلَاثَةِ عُقُودٍ، نِصْفُهُ من أحد المشترين بِعَقْدَيْنِ وَرُبُعُهُ مِنَ الْآخَرِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ بِعَقْدَيْنِ مِنْ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ أو من المشتريين، وله أن يأخذ الربح بِعَقْدٍ وَاحِدٍ مِنْ مشترٍ وَاحِدٍ، وَهَكَذَا لَوْ بَاعَ مَالِكُ الشِّقْصِ بَعْضَهُ عَلَى رَجُلٍ فِي عَقْدٍ ثُمَّ بَاعَ بَاقِيَهُ فِي عَقْدٍ كَانَ الشَّفِيعُ مُخَيَّرًا فِي أَخْذِ كُلِّ الشِّقْصِ بِالْعَقْدَيْنِ وَفِي أَخْذِ إِحْدَى الْحِصَّتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي واحداً أو اثنين.

مسألة

قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ زَعَمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بألف درهمٍ فأخذها الشفع بألفٍ ثُمَّ أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهَا بِأَلْفَيْنِ قُضِيَ لَهُ بِأَلْفَيْنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ حَقِّهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِهِ بِأَلْفٍ ذَكَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا قَدْرَ ثَمَنِهِ ثُمَّ إِنَّ الْبَائِعَ ادَّعَى عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ أربعة أحوال: الحالة الْأُولَى: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَلْفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ بِتَصْدِيقِهِ دَفْعُ الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْبَائِعِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الشَّفِيعِ إِنْ أَكْذَبَهُ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَرْدُودٌ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ عَقَدَ الشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِحْلَافُ الشَّفِيعِ إِذَا أَكْذَبَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ دَعْوَاهُ الثَّانِيَةَ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَنَابَ فِيهِ وَكِيلًا آخَرَ بِالثَّمَنِ عَنْ قَوْلِهِ فَفِي إِحْلَافِ الشَّفِيعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّ إِحْلَافَهُ لِإِمْكَانِ مَا قَالَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّ إِحْلَافَهُ كما لو تولى عقده.

فصل

: والحالة الثانية أن يكذب المشتري للبائع فِي ادِّعَاءِ الْأَلْفَيْنِ وَلَا يَكُونَ لِلْبَائِعِ بَيِّنَةٌ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَقَالَ أبو حنيفة يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الشِّقْصَ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالشُّفْعَةِ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا، وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْمَبِيعِ يَجْعَلُ الْقَوْلَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ، وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ تَحَالُفُهُمَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الشَّفِيعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِلْبَائِعِ أَوْ مُكَذِّبًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا لَهُ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهَا وَلَا يَنْتَفِعُ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الشَّفِيعِ.

إِذَا غَرِمَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهَا وَإِنْ تَعَذَّرَ غُرْمُ الْمُشْتَرِي لَهَا بِغَيْبَةٍ أَوْ عُسْرٍ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ أَخْذَهَا مِنَ الشَّفِيعِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهَا مِنْهُ وَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَيْهَا؛ لِوُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَإِقْرَارِ الشَّفِيعِ بِهَا لِغَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْتَحِقُّ أَخْذَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مُنْتَقِلٌ إِلَيْهِ وَثَمَنَهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ مُكَذِّبًا لِلْبَائِعِ تَحَالَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي وَلَمْ تَبْطُلِ الشُّفْعَةُ لِتَحَالُفِهِمَا، سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ بِالتَّحَالُفِ أَوْ لَا يَبْطُلُ؛ لِاسْتِقْرَارِ الشِّقْصِ عَلَى مِلْكِ الشَّفِيعِ بِالْأَخْذِ بِخِلَافِ مَا مَضَى مِنْ تَحَالُفِهِمَا قَبْلَ الْأَخْذِ، ثُمَّ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ إِحْلَافَ الشَّفِيعِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ غُرْمِهِ إن صدق.

فصل

: والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكْذِبَ الْمُشْتَرِي وَيُقِيمَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ فَيَحْكُمَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ، وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ الشَّفِيعُ قَدْ أَخَذَ الشِّقْصَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ حُكِمَ بِهَا عَلَى الشَّفِيعِ دُونَ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي حُكِمَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي عُهْدَةِ الْمَبِيعِ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي أَصْلِهِ، فَإِذَا حُكِمَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي بِهَا عَلَى الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ مظلوم بها وأن الشفيع برئ مِنْهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُهَا مِنَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَجُزْ أَنْ تُؤْخَذَ مِنَ الشَّفِيعِ إِنْ كَانَ مُكَذَّبًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ بِهَا قَائِمَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ إِنْ كَانَ مُصَدَّقًا؟ عَلَى ما مضى من الوجهين.
فصل : والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَصْدُقَ الْمُشْتَرِي وَيُقِيمَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ فَتُؤْخَذَ الزِّيَادَةُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَلَا يَرْجَعُ الْمُشْتَرِي بِهَا عَلَى الشَّفِيعِ إِنْ كَانَ قَدْ عَاقَدَ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة رَجَعَ بِهَا الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَبَيِّنَةٌ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ إقرار أَثْبَتُ مِنْ بَيِّنَتِهِ وَقَدْ أَقَرَّ مُبْتَدِئًا بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَصَارَ مُكَذِّبًا لِبَيِّنَتِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي بِهَا عَلَى الشَّفِيعِ مَعَ إِنْكَارِهِ إِنْ كَانَ عَاقَدَ بِنَفْسِهِ، وَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا إِنْ كَانَ مُسْتَنِيبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْجِعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ تَكْذِيبٌ لِبَيِّنَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الْمُزَنِيِّ.
فَصْلٌ : وَلَوِ ادَّعَى عَلَى الْبَائِعِ رَدَّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ غَائِبٌ جَازَ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَنْ يُؤْخَذَ الثَّمَنُ مِنَ الشَّفِيعِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ إِحْلَافِهِ لِلْمُشْتَرِي بِاللَّهِ تَعَالَى إِنَّهُ لَعَلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ، وَيُدْفَعَ عَنِ الْمُشْتَرِي إِلَى الْبَائِعِ بَعْدَ إِحْلَافِهِ لِلْمُشْتَرِي بِاللَّهِ أَنَّ الثمن باق

عَلَيْهِ، فَإِنْ قَدِمَ الْمُشْتَرِي فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَائِعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ عَلَى الشَّفِيعِ بِالْعَفْوِ عَنِ الشُّفْعَةِ حُكِمَ لَهُ بِمَا تُوجِبُهُ بَيِّنَتُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا لَمْ يَدَّعِهِ الْمَالِكُ ثَمَنًا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أنه يفر فِي ذِمَّةِ الشَّفِيعِ مَا لَمْ يَأْتِ الْمَالِكُ مطالباً.
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَبْدًا فَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ أَصَابَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الشِّقْصِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ فَيَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ ثُمَّ يَظْهَرُ الْبَائِعُ عَلَى عَيْبٍ فِي الْعَبْدِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ظُهُورُ الْعَيْبِ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ فَهَذَا أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُمْكِنَ رَدُّ الْعَبْدِ فَيَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ رَدَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ قَدْ فَاتَ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ اسْتِرْجَاعَ الشِّقْصِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْبَائِعُ اسْتِرْجَاعَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَإِذَا فَاتَ الرَّدُّ بِمَا ذَكَرْنَا رَجَعَ الْبَائِعُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي أَقَلِّ مَا كَانَ قِيمَتُهُ مِنْ وَقْتٍ عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْضِ الْمُشْتَرِي، وَقَدِ اسْتَوْفَى الْبَائِعُ حَقَّهُ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي أَخْذَ الشَّفِيعِ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ قِيمَةِ الشِّقْصِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَلَّا يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ إِلَّا قِيمَةَ الْعَبْدِ الَّذِي كَانَ ثَمَنًا وَقَدِ اسْتَوْفَاهَا وَيَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ بِمَا اسْتَحْدَثَ غُرْمَهُ مِنْ قِيمَةِ الشِّقْصِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الشِّقْصِ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدْخُلُ مَدْخَلَ الْمُشْتَرِي، وَيَأْخُذُهُ مِنْهُ بِمَا قَامَ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يتقاضان فِي قِيمَةِ الشِّقْصِ بِمَا أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ رَجَعَ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَاضِلِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الشِّقْصِ أَكْثَرَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ بِالْفَاضِلِ مِنْ قِيمَةِ الشِّقْصِ وَإِنْ كَانَتَا سَوَاءً فَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا.

فَصْلٌ

: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَفُوتَ رَدُّ الْعَبْدِ إِمَّا لِمَوْتِهِ أَوْ لِحُدُوثِ عَيْبٍ بِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ بِفَوَاتِ رَدِّهِ الرُّجُوعَ بِأَرْشِ عَيْبِهِ فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِهِ نُظِرَ فِي الشَّفِيعِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ الشِّقْصَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ سَلِيمًا مِنْ عَيْبٍ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ مَعِيبًا رجع عليه المشتري بأرش العيب وجهاً وحداً لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الثَّمَنِ.

فَصْلٌ 4: وَالضَّرْبُ الثَّانِي فِي الْأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ ظُهُورُ الْبَائِعِ عَلَى الْعَيْبِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ فَفِي أَحَقِّهِمَا بِالشُّفْعَةِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الشِّقْصِ إِذَا كَانَ صَدَاقًا وَتَنَازَعَهُ الشَّفِيعُ وَالزَّوْجُ الْمُطَلِّقِ قَبْلَ الدخول:

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل