كِتَابُ الْعِتْق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مُعْتَقِهِ، وَإِنْ رَقَّ بِالْعَجْزِ صَارَ الْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عِتْقِ الْمُكَاتَبِ، فَفِي مِيرَاثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مَوْقُوفًا، لِأَنَّ وَلَاءَهُ مَوْقُوفٌ كَمَا يُوقَفُ مِيرَاثُ الِابْنِ إِذَا مَاتَ، وَكَانَ نَسَبُهُ مَوْقُوفًا عَلَى الْبَيَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مِيرَاثَهُ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ، وَلَا يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَاءُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ وَارِثٌ فِي الْحَالِ، وَالْمُكَاتَبَ غَيْرُ وَارِثٍ فِيهَا، فَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ الِانْتِقَالَ إِلَى حَالِ الْمِيرَاثِ كَالْحُرِّ إِذَا خَلَّفَ أَبًا مَمْلُوكًا وَجَدًّا حُرًّا كَانَ مِيرَاثُهُ لِجَدِّهِ، وَلَا يُوقَفُ عَلَى عِتْقِ أَبِيهِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا مُكَاتَبُ الْمُكَاتَبِ إِذَا قِيلَ بِصِحَّةِ كِتَابَتِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَالَ كِتَابَتِهِ إِلَى الْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ مَالِكُهُ الْمُتَوَلِّي عَقْدَ كِتَابَتِهِ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا فِي الْأَدَاءِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ، وَيَعُودَا مَرْقُوقَيْنِ، فَيَكُونَا مَعًا مِلْكًا لِلسَّيِّدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ، وَيُعْتَقَ، وَيَعْجِزَ الْمُكَاتَبُ الثَّانِي، وَيَرِقَّ، فَيَكُونَ عَبْدًا لِلْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ دُونَ السَّيِّدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْجِزَ الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ وَيَرِقَّ وَيُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ الثَّانِي وَيُعْتَقَ، فَيَصِيرَ الْأَوَّلُ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ، وَيَكُونُ وَلَاءُ الْمُكَاتَبِ الثَّانِي لِلسَّيِّدِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يُؤَدِّيَا جَمِيعًا وَيُعْتَقَا، فَيَكُونَ وَلَاءُ الْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ لِلسَّيِّدِ، وَوَلَاءُ الْمُكَاتَبِ الثَّانِي مُعْتَبَرًا بِأَسْبَقِهِمَا عِتْقًا، فَإِنْ سَبَقَ عِتْقُ الْمَكَاتَبِ الْأَوَّلِ كَانَ وَلَاءُ الثَّانِي لَهُ، وَإِنْ سَبَقَ عِتْقُ الْمَكَاتَبِ الثَّانِي كَانَ فِي وَلَائِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِلسَّيِّدِ.
وَالثَّانِي: لِلْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ.
والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَبَيْعُ نُجُومِهِ مَفْسُوخٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: بَيْعُ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ لَا يَصِحُّ سَوَاءٌ حَلَّتْ أَوْ كَانَتْ إِلَى أَجَلِهَا، وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، فَجَعَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلًا لَهُ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ حِكَايَةً عَنْ مَالِكٍ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ بَيْعَ بَرِيرَةَ كَانَ مَعْقُودًا عَلَى نُجُومِهَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَى مِلْكٍ فَصَحَّ كَمَا لَوْ عَقَدَهُ عَلَى عَبْدِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهِ نَهْيُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْغَرَرِ، وَهَذَا غَرَرٌ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْعَجْزِ، وَلِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَلِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ لَازِمٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ
يعقد عليه بيع لازم لتنافيها، ولأن مالك يَقُولُ: إِنْ وَصَلَ الْمُشْتَرِي إِلَى نُجُومِ الْكِتَابَةِ عَتَقَ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْكِتَابَةِ مَلَكَ رَقَبَةَ الْمُكَاتَبِ وَهَذَا يُوجِبُ فَسَادَ ابْتِيَاعِهِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ دَرَكَ مَا فَاتَ قَبْضُهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْبَائِعِ، وَقَدْ عَدَلَ بِهِ إِلَى جِهَةِ الْمُكَاتَبِ،
وَالثَّانِي: أَنَّ الدَّرَكَ اسْتِرْجَاعُ الثَّمَنِ، وَقَدْ عَدَلَ بِهِ إِلَى رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ جَعَلَ وَلَاءَهُ لِغَيْرِ مُعْتِقِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ عَدَلَ بِعِتْقِهِ عَنِ الصِّفَةِ الْمَعْقُودَةِ فِي قَوْلِ الْبَائِعِ: إِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ آخِرَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، إِلَى صِفَةٍ غَيْرِ مَعْقُودَةٍ فِي أَنَّهُ إِذَا أَدَّى إِلَى الْمُشْتَرِي صَارَ حُرًّا.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ جَعَلَهُ عَقْدًا عَلَى مَجْهُولٍ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مِلْكِ الْمَالِ أَوِ السَّرِقَةِ، فَأَمَّا بَيْعُ بَرِيرَةَ فَإِنَّمَا عُقِدَ عَلَى رَقَبَتِهَا بَعْدَ الْعَجْزِ، لِأَنَّهَا أَتَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَسْتَعِينُ بِهَا فِي مَالِ كِتَابَتِهَا، وَالْبَيْعُ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَى مِلْكٍ كَمَا ذَكَرَهُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ أَدَّى إِلَى الْمُشْتَرِي كِتَابَتَهُ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ عَتَقَ كَمَا يُؤَدِّي إِلَى وَكِيلِهِ فَيُعْتَقُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا صَحَّ بِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ بَيْعَ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ بَاطِلٌ، فَقَبَضَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ مَالَ نُجُومِهِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا: إِنْ أَدَّاهَا بِأَمْرِ سَيِّدِهِ عَتَقَ، وَحَكَى الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يُخَرِّجُ اخْتِلَافَ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُعْتَقُ بِأَدَائِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ كَانَ أَدَاؤُهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَقَامَهُ بِالْعَقْدِ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَصَارَ بِمَثَابَةِ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهِ، وَهُوَ يُعْتَقُ بِأَدَائِهِ إِلَى الْوَكِيلِ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَ بِأَدَائِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِأَدَائِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ عَتَقَ بِأَدَائِهِ إِلَى الْوَكِيلِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِي قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ، فَكَانَ الْأَدَاءُ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِهِ، وَالْوَكِيلُ قَبَضَهُ لِمُوكِّلِهِ، فَصَارَ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ، فَعَتَقَ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَيْسَ اخْتِلَافُ الْجَوَابِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ وَذَلِكَ أَنْ يُرَاعَى حَالُ الْأَدَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ السَّيِّدِ عَتَقَ بِهِ، لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ كَيْفَ شَاءَ، وَيُمَلِّكَهُ مَنْ شَاءَ مِنْ مُسْتَحِقٍّ لَهُ، وَغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ بِغَيْرِ أَمْرِ السَّيِّدِ لَمْ يُعْتَقْ بِهِ الْمُكَاتَبُ مَا لَمْ يُخْبَرْ حَالَهُ، لِأَنَّهُ
أَدَّاهُ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ سَوَاءٌ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُتَأَوِّلًا جَوَازَ الدَّفْعِ أَوْ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ، لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا، فَمَذْهَبُنَا صِحَّةُ الْأَدَاءِ، ونفوذ العتق بشراء الْمُكَاتَبِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ دُونَ الْمُشْتَرِي، وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَبَضَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَدَاءَ فَاسِدٌ، وَالْعِتْقَ غَيْرُ وَاقِعٍ لَمْ يَبِرَّ الْمُكَاتَبُ بِمَا أَدَّى، وَرَجَعَ بِهِ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى السَّيِّدِ، فَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَى سَيِّدِهِ عَتَقَ بِهِ حِينَئِذٍ وَاسْتَقَرَّ رُجُوعُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَبَضَ، وَإِنْ عَجَزَ عَادَ إِلَى رِقِّ السَّيِّدِ، وَصَارَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ للاسترجاع بما قبضه المشتري.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ حُرًّا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنْ شِرَاءِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ كَوَالِدَيْهِ، وَمَوْلُودَيْهِ حِفْظًا لِمَالِهِ، فَإِنِ اشْتَرَى مِنْهُمْ أَحَدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ الشِّرَاءُ بَاطِلًا، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ قِيَاسًا وَامْتَنَعَ مِنْهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَفِيدُ كَسْبَهُ بِابْتِيَاعِهِ، وَيُدْخِلُهُ إِنْ عَتَقَ فِي وَلَاءِ سَيِّدِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهِ مَا فِيهِ مِنِ اسْتِهْلَاكِ ثَمَنِهِ، وَالْتِزَامِ نَفَقَتِهِ وَكَسْبُهُ مَظْنُونٌ، وَقَدْ لَا يَكُونُ وَوَلَاؤُهُ لَا يُعَاوَضُ عَلَيْهِ، فَصَارَ ابْتِيَاعُهُ إِتْلَافًا، فَكَانَ مَرْدُودًا، فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ كَالْهِبَةِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ.
وَيَتَمَلَّكُ كَسْبَهُ وَيَلْتَزِمُ نَفَقَتَهُ وَيَكُونُ تَبَعًا لَهُ يَعْتِقُ بِعِتْقِهِ وَيَرِقُّ بِرِقِّهِ، وَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ لَهُ قَبْلَ عِتْقِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْلِكَ ثَمَنَ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ فيه حقا.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُمْ إِنْ أَوْصَى لَهُ بِهِمْ وَيَكْتَسِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَيَأْخُذُ فَضْلَ كَسْبِهِمْ وَمَا أَفَادُوا فَإِنْ مَرِضُوا أَوْ عَجِزُوا عَنِ الْكَسْبِ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا أَوْصَى لِلْمُكَاتَبِ بِابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ وُهِبَا لَهُ جَازَ لَهُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ، إِذَا كَانَ وَالِدُهُ أَوْ وَلَدُهُ مُكْتَسِبًا، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْقَبُولِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لِأَنَّهُ مَا أَتْلَفَ بِالْقَبُولِ مَالًا، وَلَا اسْتَفَادَ بِهِ كَسْبًا، فَإِذَا مَلَكَهُمْ بِالْقَبُولِ لَمْ يَعْتِقُوا،
وَكَانُوا تَبَعًا لَهُ فِي الْعِتْقِ وَالرِّقِّ، وَيُنْفِقُ عليهم من أكسابهم ويملك ما فضل من نَفَقَتِهِمْ، فَإِنْ مَرِضُوا أَوْ تَعَرَّضُوا لِلْكَسْبِ فَلَمْ يَكْتَسِبُوا أَنَفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُكَاتَبُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ، قِيلَ: لَيْسَ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ بِالنَّسَبِ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ نَفَقَاتُهُمْ بِالْمِلْكِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَنْ وُصِّيَ بِهِ فمِنْهُمْ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ زَمِنًا، وَوَلَدُهُ طِفْلًا، فَفِي جَوَازِ قَبُولِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُمْ، لِأَنَّ اسْتِهْلَاكَ مَالِهِ فِي نَفَقَاتِهِمْ كَاسْتِهْلَاكِهِ فِي أَثْمَانِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُمْ لِجَوَازِ أَنْ تَحْدُثَ لَهُمْ أَكْسَابٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَرُبَّمَا صَحُّوا فَصَحَّ مِنْهُمُ الْعَمَلُ، وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالظَّاهِرِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَقْتَ الْقَبُولِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْجَوَازِ مِمَّا قَدْ يَكُونُ ولا يكون.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ جَنَوْا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُمْ وَبِيعَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ مَا يَفْدِيهِمْ بِهِ إِذَا جَنَوْا كَالثَّمَنِ الْمَصْرُوفِ فِي ابْتِيَاعِهِمْ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ ابتياعهم، فكذلك يمنع من افتدائهم، ويباعوا فِي جِنَايَاتِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْمُكَاتَبُ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعُهُمْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَبِيعُهُمْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَصَارَ فِي بَيْعِهِمْ كَالْوَكِيلِ فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَاتُهُمْ تَسْتَوْعِبُ أَثْمَانَهُمْ بِيعَ جَمِيعُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ بِيعَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ جِنَايَاتِهِمْ وَكَانَ الْبَاقِي مِنْهُمْ عَلَى مِلْكِ الْمُكَاتَبِ يُعْتَقُ بِعِتْقٍ وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ بَاقِي الرِّقِّ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَيْهِمْ فَهِيَ لِلْمُكَاتَبِ، فَإِنْ أَوْجَبَتِ الْقَوَدَ فَالْخِيَارُ لَهُ دُونَهُمْ، وَإِنْ أَوْجَبَتِ الْمَالَ فَهُوَ لِلْمُكَاتَبِ دُونَ السَّيِّدِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهِ إِلَّا أَنْ يعجز فيكون لسيده.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ فَإِنْ قِيلَ بِيعَتْ بَرِيرَةُ قِيلَ هِيَ الْمُسَاوِمَةُ بِنَفْسِهَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالْمُخْبِرَةُ بِالْعَجْزِ بِطَلَبِهَا أُوقِيَّةً وَالرَّاضِيَةُ بِالْبَيْعِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، فَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ إِنْ عَتَقَ لِلْمُشْتَرِي، وَحَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.
وَبِهِ قَالَ عطاء النخعي وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ إِنْ عَتَقَ لِلْبَائِعِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَسَائِرِ كُتُبِهِ إِنَّ بَيْعَهُ لَا يَجُوزُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ بِإِذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إلى جواز بيعه براوية هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُوتِبَتْ بَرِيرَةُ عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ، فَجَاءَتْ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَسْتَعِينُهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتِ عَدَدْتُ لَهُمْ مَالَهُمْ عَدَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَذَكَرَتْ لَهُمْ ذَلِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَجَاءَتْ إِلَى عَائِشَةَ وَجَاءَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَارَّتْهَا بِمَا قِيلَ لَهَا: فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: وَمَا ذَاكَ؟ . فَقَالَتْ: أَتَتْنِي بَرِيرَةُ تَسْتَعِينُنِي فِي كِتَابَتِهَا، فَقُلْتُ: لَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّ لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِي فَذَهَبَتْ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ابْتَاعِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَاشْتَرَتْهَا، فَأَعْتَقَتْهَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُونَ: أَعْتِقْ فُلَانًا وَالْوَلَاءُ لِي إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، هَذَا الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَهُوَ نَصٌّ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ، وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ كَالْعَبْدِ فِي عَامَّةِ أَحْكَامِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَالْعَبْدِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ حُرٌّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ، مِنَ الْمَعَانِي الْخَمْسَةِ فِي فَسَادِ بَيْعِ نُجُومِهِ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ عَاوَضَ عَلَى رَقَبَتِهِ بِكِتَابَتِهِ حَتَّى زَالَ مِلْكُهُ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ بَيْعِهِ، كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ إِنْ تَوَجَّهَ إِلَى نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ، لِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ عَلَيْهَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَى الرَّقَبَةِ اقْتَضَى أَنْ
تَكُونَ نُجُومُ الْكِتَابَةِ لِلسَّيِّدِ الْبَائِعِ، لِخُرُوجِهَا مِنَ الْبَيْعِ، وَإِنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ مَمْلُوكٌ، وَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا، وَلِأَنَّ بَيْعَهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتِقَ عَلَى مُشْتَرِيهِ، لِأَنَّ صِفَةَ عِتْقِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَا عَلَى بَائِعِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَفِي ثُبُوتِ عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهِ الْمُنَافِي لِحُكْمِهِ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ إِذَا نَفَذَ بَعْدَ بَيْعِهِ مُفْضٍ إِلَى سُقُوطِ الْوَلَاءِ لِمُسْتَحَقِّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ سَبَبَ عِتْقِهِ، وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ عَلَى الرَّقَبَةِ، لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الْعِتْقِ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ يُوجِبُ أَنْ يَسْتَقِرَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَبِيعِ فَتَنَافَى اجْتِمَاعُهَا، وَالْكِتَابَةُ لَا تَبْطُلُ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الْبَيْعُ بِالْكِتَابَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ، فَهُوَ أَنَّ الْكِتَابَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ كَانَتْ لَازِمَةً مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ، فَصَارَ مُسَاوَمَةُ بَرِيرَةَ لِمَوَالِيهَا وَهُمْ آلُ الْمُغِيرَةِ، فِي ابْتِيَاعِ نَفْسِهَا فَسْخًا مِنْهَا، كَمَا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثُمَّ بَاعَ مَا بَاعَهُ كَانَ بَيْعُهُ الثَّانِي فَسْخًا لِلْبَيْعِ الْأَوَّلِ، كَذَلِكَ يَكُونُ مُسَاوَمَةُ بَرِيرَةَ فِي نَفْسِهَا وَابْتِيَاعَهَا فَسْخًا، وَبَيْعُهَا بَعْدَ فَسْخِ الْكِتَابَةِ جَائِزٌ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ عَائِشَةَ بِعِتْقِهَا، وَلَوْ بَقِيَتِ الْكِتَابَةُ لَعُتِقَتْ بِهَا؟ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمُكَاتَبَ فِي عَامَّةِ أَحْوَالِهِ كَالْعَبْدِ، فَلَيْسَ يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ الْعَبْدَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِ، وَإِنْ وَافَقَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْمُعْتَقُ نِصْفُهُ فَمُخَالِفٌ لِلْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ وَأَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَخَالَفَ الْمُكَاتَبَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ المزني رضي الله عنه: (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لعائشة (اشترطي لهم الولاء؟) قلت انا لِلْشَّافِعِيِّ فِي هَذَا جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا يُبْطِلُ الشَّرْطَ وَيُجِيزُ الْعِتْقَ وَيَجْعَلُهُ خَاصًّا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ هَذَا مِنْ أَشَدِّ مَا يُغْلَطُ فِيهِ وَإِنَّمَا جَاءَ بِهِ هِشَامٌ وَحْدَهُ وَغَيْرُهُ قَدْ خَالَفَهُ وَضَعَّفَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُنْكِرُ عَلَى نَاسٍ شَرْطًا بَاطِلًا وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى بَاطِلٍ وَهُوَ عَلَى أَهْلِهِ فِي اللَّهِ أَشَدُّ وَعَلَيْهِمْ أَغْلَظُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اشْتَرِطِي عَلَيْهِمْ أَنَّ لَكِ إِنِ اشْتَرَيْتِ وَأَعْتَقْتِ الْوَلَاءَ أَيْ لَا تَغُرِّيهِمْ وَاللُّغَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ قال الله جل ثناؤه ﴿لهم اللعنة﴾ وقال ﴿أن عليهم لعنة الله﴾ وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكيلا﴾ وَقَالَ ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فلها﴾ أَيْ فَعَلَيْهَا وَقَالَ ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كجهر بعضكم لبعض﴾ فَقَامَتْ (لَهُمْ) مَقَامَ (عَلَيْهِمْ) فَتَفَهَّمْ رَحِمَكَ اللَّهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْفَصْلُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ عَلَى حُكْمٍ، وَعَلَى سُؤَالٍ، وَعَلَى جَوَابٍ.
فَأَمَّا الْحُكْمُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ.
وَالثَّانِيَةُ: الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْوَلَاءِ.
فَأَمَّا الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ، وَثَالِثٌ حَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ عَنْهُ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطَ لَازِمٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ بَاطِلَانِ، وَهُوَ أَقْيَسُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
فَأَمَّا الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْوَلَاءِ فَالشَّرْطُ فِي الْوَلَاءِ بَاطِلٌ، وَفِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ شَرْطِ الْعِتْقِ وَشَرْطِ الْوَلَاءِ، أَنَّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ قُرْبَةً، فَجَازَ لِأَجْلِهَا أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَيَلْزَمَ الشَّرْطُ، وَلَيْسَ فِي شَرْطِ الْوَلَاءِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمُوجِبِ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ فَبَطَلَ، وَجَازَ أَنْ يَبْطُلَ بِهِ الْبَيْعُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا السُّؤَالُ فَقَدْ أَفْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَجَابَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ بَاطِلًا فَلِمَ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي اشْتِرَاطِهِ مَعَ فَسَادِهِ وَحَظْرِهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ فِي فَاسِدٍ وَلَا مَحْظُورٍ، فَقَدْ أَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِجَوَابَيْنِ، وَأَجَابَ الْمُزَنِيُّ عَنْهُ بِجَوَابٍ ثَالِثٍ، وَأَجَابَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِجَوَابٍ رَابِعٍ، وَأَجَابَ أَبُو عَلِيٍّ الظَّهْرِيُّ بِجَوَابٍ خَامِسٍ وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ جَوَابًا سَادِسًا.
فَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ لِلشَّافِعِيِّ فَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَمْ يَرْوِهَا فَكَانَ تَرْكُ الزِّيَادَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِهَا لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: إِنْكَارُ الرُّوَاةِ لَهَا.
وَالثَّانِي: مَنْعُ الشَّرْعِ مِنْهَا.
وَالثَّالِثُ: صِفَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الَّتِي لَا يَجُوزُ مِثْلَ ذَلِكَ مَعَهَا لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي حَقِّهِ أَشَدَّ، وَعَلَى أَهْلِهِ فِيهِ أَغْلَظُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي مَحْظُورٍ عَلَيْهِمْ وَغُرُورٍ لِغَيْرِهِمْ، فَهَذَا جَوَابٌ.
والجواب الثاني: للشافعي مع إثبات الزيادة أنه كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِسَبَبٍ خَاصٍّ دَعَتْ إِلَيْهِ حَادِثَةٌ خَاصَّةٌ، وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: إِنَّهُ أَذِنَ بِهِ فِي وَقْتِ جَوَازِهِ ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَهُ نَسْخٌ، فَأَظْهَرَ نَسْخَهُ فَفَسَخَهُ كَمَا أَمَرَ سَهْلَةَ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَكَانَ كَبِيرًا، ثُمَّ نَسَخَ رَضَاعَ الْكَبِيرِ، وَقَالَ: (الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) .
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْوَلَاءَ وَيَرَوْنَهُ مَالًا، فَغَلَّظَ الْأَمْرَ فِيهِ مَعَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِهِ بِأَنْ أَبْطَلَه عَلَيْهِمْ بَعْدَ بَيْعِهِ، وَلِذَلِكَ غَضِبَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَخَطَبَ وَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ ظَنُّوا أَنَّ نَهْيَهُ إنما توجه إلى إفراده بالبيع، وانه إذا كاغن مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ جَائِزٍ صَحَّ، فَأَحَبَّ أَنْ يَفْسَخَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ شَرْطِهِ، لِيَكُونَ الْفَسْخُ أَوْكَدَ، والنبي أَغْلَظَ، كَمَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُمْ فِيهَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] تَوَقَّفُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، ثُمَّ فَسَخَ عَلَيْهِمْ إِحْرَامَهُمْ بِالْحَجِّ، وَجَعَلَهُ عُمْرَةً لِيَكُونَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ فِي إِثْبَاتِ أَوَامِرِهِ، فَهَذَا جَوَابٌ ثَانٍ.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: وَهُوَ جَوَابُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) بِمَعْنَى وَاشْتَرِطِي عَلَيْهِمُ الْوَلَاءَ، لِأَنَّهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ) [الرعد: 25] بِمَعْنَى: عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] أَيْ فَعَلَيْهَا، وَقَدْ رَدَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضِعَ الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَيَعْدِلُ بِهِ إِلَى الْمَجَازِ، وَاسْتِعْمَالُ الْحَقِيقَةِ هَاهُنَا مُمْكِنٌ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ خُرُوجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُغْضَبًا، وَقَوْلَهُ فِي خُطْبَتِهِ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ كَانَ لَهُمْ، فَأَبْطَلَهُ عَلَيْهِمْ، فَهَذَا حُكْمُ الْجَوَابِ الثَّالِثِ.
وَالْجَوَابُ الرَّابِعُ: وَهُوَ جَوَابُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) خَارِجٌ مِنْهُ مَخْرَجَ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، لَا مَخْرَجَ الْإِذْنِ وَالْجَوَازِ، كَمَا قَالَ
تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29] وَهَذَا إِنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ التَّخْيِيرَ فَهُوَ وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ.
وَالْجَوَابُ الْخَامِسُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) أَيِ اشْتَرِطِي لَهُمُ الْعِتْقَ، فَعَبَّرَ عَنِ الْعِتْقِ بِالْوَلَاءِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُ، وَاسْتِحْقَاقِهِ بِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ أَيْضًا عُدُولٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ.
وَالْجَوَابُ السَّادِسُ: وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ تَقَدَّمَ الْعَقْدَ، لِأَنَّهُ كَانَ وَقْتَ الْمُسَاوَمَةِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَلْزَمُ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ، فَلِذَلِكَ بَطَلَ، فَأَعْلَنَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِبْطَالَ حُكْمِهِ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ ضَعْفٌ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَبْطَلَ الشَّرْطَ لِفَسَادِهِ، وَلَمْ يُبْطِلْهُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لِأَزَالَ الِالْتِبَاسَ، وَلَأَبَانَ الْحُكْمَ الْمَقْصُودَ.
باب كتابة النصراني
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَتَجُوزُ كِتَابَةُ النَّصْرَانِيِّ بِمَا تَجُوزُ بِهِ كِتَابَةُ الْمُسْلِمِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَشَذَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَمَنَعَ مِنْ كِتَابَةِ النَّصْرَانِيِّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33] وَهَذَا قَوْل فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إِمَّا أَنْ يَغْلِبَ فِيهَا حُكْمُ الْبَيْعِ أَوْ حُكْمُ الْعِتْقِ، وَالنَّصْرَانِيُّ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ كَالْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ مَا خُوطِبَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ يَعُمُّ حُكْمُهُ، وَلَا يَقِفُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ رُوعِيَ فِيهَا مَا يُرَاعَى فِي عُقُودِ مُكَاتَبَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الأحكام.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَيْنَا فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ فَيُبَاعَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَتْ كِتَابَةُ النَّصْرَانِيِّ جَائِزَةً حُمِلَا عَلَيْهَا، وَأَخَذَا بِمُوجِبِهَا، سَوَاءٌ أَقَامَهَا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ أَسْلَمَ السَّيِّدُ أَوِ الْمُكَاتَبُ أَوْ هُمَا، لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ يَصِحُّ فِي كِلَا الْحَالَيْنِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا انْتِقَالُ الْمُكَاتَبِ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرِثُهُ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَإِنْ عَجَزَ عَادَ رَقِيقًا، وَالسَّيِّدُ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ لَمْ يُقَرَّ عَلَى مِلْكِهِ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ اسْتِرْقَاقِ مُسْلِمٍ، وَأُخِذَ بِبَيْعِهِ أَوْ عِتْقِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِذَلِكَ قَبْلَ عَجْزِهِ لِخُرُوجِهِ بِالْكِتَابَةِ عَنْ حُكْمِ مِلْكِهِ، وَإِفْضَائِهِ بِهَا إِلَى عِتْقِهِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى حَلَالٍ عِنْدَهُمْ حَرَامٌ عِنْدَنَا أَبْطَلْنَا مَا بَقِيَ مِنَ الْكِتَابَةِ فَإِنْ أَدَّاهَا ثُمَّ تَحَاكَمَا إِلَيْنَا فَقَدْ عَتَقَ الْعَبْدُ وَلَا يَرُدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا لِأَنَّ ذلك مضى في النصرانية ولو اسلما وبقي من الكتابة شيء من خمر فقبضه السيد عتق بقبضه آخر كتابته ورجع على العبد بقيمته) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مُكَاتَبَةَ النَّصْرَانِيِّ لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَعْقُودَةً بِحَلَالٍ كُلِّهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَعْقُودَةً بِحَرَامٍ كُلِّهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مَعْقُودَةً بِحَرَامٍ وَحَلَالٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وهو أن تكون معقود بِحَلَالٍ كُلِّهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَعْقِدَاهَا بِمَا يَتَعَاقَدُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْأَعْوَاضِ الْمُبَاحَةِ، فَيُحْمَلَانِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَقَامَا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ أَسْلَمَا، وَيُؤْخَذَانِ بِمُوجِبِهَا مِنْ عِتْقٍ بِالْأَدَاءِ أَوْ رِقٍّ بِالْعَجْزِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَاهَا بِحَرَامٍ كُلِّهِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ الَّذِي يَرَوْنَهُ مَالًا وَلَا نَرَاهُ مَالًا، وَلَهُمَا إِذَا أَسْلَمَا أَوْ أحدهما ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ بَعْدَ تَقَابُضِ جَمِيعِهِ، فَالْعِتْقُ بِهِ وَاقِعٌ، وَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا لِنُفُوذِهِ فِي الشِّرْكِ الْمَعْفُوِّ عَنْ عُقُودِهِمْ فِيهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ الْإِسْلَامِ مَعَ بَقَاءِ جَمِيعِهِ، فَالْكِتَابَةُ بِهِ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ تَرَافَعَا فِيهَا إِلَى الْحَاكِمِ حَكَمَ بَيْنَهُمَا بِإِبْطَالِهَا، فَإِنْ تَأَدَّاهَا مِنْهُ بَعْدَ إِبْطَالِ الْحُكْمِ لَهَا لَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ، وَإِنْ تَأَدَّاهَا قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِإِبْطَالِهَا وَقَعَ الْعِتْقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ لِحُصُولِهِ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ غَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الصِّفَةِ، وَكَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِقِيمَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِقِيمَةِ ما قبضه من خنزيرأو خَمْرٍ، لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَنَا فِي حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ، وَلَوْ كَانَ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ بَاقِيًا أُخِذَ بِإِرَاقَتِهِ، وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ، وَلَمْ يُؤْخَذْ بِرَدِّهِمَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ بَعْدَ قَبْضِ بَعْضِهِ وَبَقَاءِ بَعْضِهِ، فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ، وَالْمَقْبُوضُ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ، وَلَا يُعْتَدُّ فِي قِسْطِ الْقِيمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ أَصَدَقَهَا فِي الشِّرْكِ خَمْرًا، وَأَسْلَمَا بَعْدَ تَقَابُضِ بَعْضِهِ كَانَ الْمَقْبُوضُ مُعْتَدًّا بِقِسْطِهِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَهَلَّا كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِمَثَابَتِهِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا يَتَبَعَّضُ حُكْمُهَا، وَيَقِفُ أَوَّلُهَا عَلَى أَدَاءِ آخِرِهَا حَتَّى لَوْ أَدَّاهَا إِلَّا دِرْهَمًا عَجَزَ عَنْهُ كَانَ لَهُ اسْتِرْقَاقُهُ بِهِ كَمَا يَسْتَرِقُّهُ بِالْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْمَقْبُوضُ فِي الشِّرْكِ مُعْتَدًّا بِهِ مِنْ قِسْطِ الْكِتَابَةِ، وَخَالَفَ الصَّدَاقَ الَّذِي يَتَبَعَّضُ حُكْمُهُ، وَلَا يَقِفُ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ، فَكَانَ الْمَقْبُوضُ فِيهِ فِي الشِّرْكِ مُعْتَدًّا بِقِسْطِهِ مِنَ الْمَهْرِ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَدَّ بِالْمَقْبُوضِ مِنْهُ فِي الشِّرْكِ نَظَرَ، فَإِنْ تَرَافَعَا إِلَى الْحَاكِمِ حَكَمَ بَيْنَهُمَا بِفَسْخِ الْكِتَابَةِ، وَلَمْ يَعْتَدَّ فِيهَا بِأَدَاءِ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعَا فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبْضِ الْبَاقِي، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ أَنْ يُعَاوِضَ بِخَمْرٍ وَلَا خِنْزِيرٍ، فَإِنْ قَبَضَهُ عَتَقَ بِهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الصِّفَةِ، وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَاهَا بِحَلَالٍ وَحَرَامٍ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ بَعْضِ الْعِوَضِ كَتَحْرِيمِ جَمِيعِهِ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ، وَإِذَا كان كذلك فلهما بعد الإسلام أربعة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ بَعْدَ تَقَابُضِ جَمِيعِهِ، فَيَكُونَ الْعِتْقُ وَاقِعًا، وَلَا تَرَاجُعَ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ قَبْلَ قَبْضِ جَمِيعِهِ، فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ فَإِنْ حَكَمَ بِإِبْطَالِهَا لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، وَإِذَا حَصَلَ الْأَدَاءُ قَبْلَ التَّحَاكُمِ عَتَقَ بِهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الصِّفَةِ، وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِقِيمَتِهِ، وَرَجَعَ الْمُكَاتَبُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى مِنَ الْعِوَضِ الْحَلَالِ دُونَ الْحَرَامِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْقِيمَةِ تَقَاصَّاهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَقَابَضَا الْحَلَالَ، وَيَبْقَى الْحَرَامُ، فَتَكُونَ بَاطِلَةً، فَإِنْ أَدَّى الْحَرَامَ قَبْلَ التَّحَاكُمِ عَتَقَ بِالصِّفَةِ وَتَرَاجَعَا.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَتَقَابَضَا الْحَرَامَ فِي الشِّرْكِ، وَيَبْقَى الْحَلَالُ فِي الْإِسْلَامِ، فَفِي الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهَا: يَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا، لِأَنَّ الْحَرَامَ بِقَبْضِهِ فِي الشَّرَكِ قَدْ صَارَ عَفْوًا، وَالْبَاقِي مِنَ الْحَلَالِ فِي الْإِسْلَامِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا، فَعَلَى هَذَا يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ الْحَلَالَ، وَيَعْتِقُ بِهِ وَلَا تَرَاجُعَ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُحْكَمُ بِفَسَادِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْحَلَالَ بَعْضُ الْعِوَضِ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلِلسَّيِّدِ إِبْطَالُهَا، لِئَلَّا يُعْتَقَ بِأَدَائِهَا وَيَصِيرَ عَبْدًا، فَإِنْ لَمْ يُبْطِلْهَا وَلَا حَكَمَ بِإِبْطَالِهَا حَاكِمٌ عَتَقَ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، وَرَجَعَ السَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ، وَرَجَعَ الْمُكَاتَبُ بِمَا أَدَّاهُ وَكَانَ قِصَاصًا إن تجانس والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ اشْتَرَى مُسْلِمًا فَكَاتَبَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْكِتَابَةَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِخْرَاجٍ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ تَامٌّ فَإِنْ أَدَّى جَمِيعَ الْكِتَابَةِ عَتَقَ بِكِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ وَتَرَاجَعَا كَمَا وَصَفْتُ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ فَمَتَى عَجَزَ بِيعَ عَلَيْهِ (قال المزني) القول الآخر أشبه بقوله لأنه ممنوع من النصراني بكتابته وعسى أن يؤدي فيعتق فإن عجز رق وبيع مكانه وفي تثبيته الكتابة إذا أسلم العبد ومولاه نصراني على ما قلت دليل وبالله التوفيق) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا اشْتَرَى النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَفِي عَقْدِ الشِّرَاءِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ كِتَابَةٌ، وَإِنْ كُوتِبَ لَمْ يَعْتِقْ فِيهَا بِالْأَدَاءِ لَا عَلَى صِحَّةٍ، وَلَا عَلَى فَسَادٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشِّرَاءَ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا يُقَرُّ عَلَى مِلْكِهِ، لِئَلَّا يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ صَغَارٌ، وَيُؤْخَذُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ إِمَّا بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ الْخِيَارُ إِلَى السَّيِّدِ فِي الْبَيْعِ أَوِ الْعِتْقِ، فَإِذَا فَعَلَ أَحَدَهُمَا زَالَ الِاعْتِرَاضُ عَنْهُ، وَإِنْ دَبَّرَهُ وَلَمْ يُعْتِقْهُ لَمْ يُقَرَّ عَلَى تَدْبِيرِهِ لِمَا فِي التَّدْبِيرِ مِنِ اسْتِدَامَةِ رِقِّهِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، وَإِنْ كَاتَبَهُ فَفِي صِحَّةِ الْكِتَابَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ الْكِتَابَةَ صَحِيحَةٌ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا قَدْ رَفَعَتْ عَنْهُ يَدَ السَّيِّدِ، فَزَالَ عَنْهُ الصَّغَارُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ أُقِرَّ على الكتابة، فكذلك إن كَانَ الْإِسْلَامُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَةَ فَاسِدَةٌ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَقَاءَ الرِّقِّ وَثُبُوتَ الْحَجْرِ صَغَارٌ، وَالْكِتَابَةُ لَا تَرْفَعُ الرِّقَّ، وَلَا تَمْنَعُ الْحَجْرَ، فَلَمْ تَصِحَّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رَفْعَ الصَّغَارِ عَنِ الْمُسْلِمِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنْ حُقُوقِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، لِأَنَّ رضى الْعَبْدِ بِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، فَلَمَّا لَمْ يُقَرَّ الصَّغَارُ مُؤَبَّدًا لَمْ يُقَرَّ إِلَى غَايَةٍ.
فَأَمَّا إِذَا كَاتَبَهُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَإِنَّمَا تُقَرُّ الْكِتَابَةُ، وَلَا يُبَاعُ فِيهَا، لِأَنَّهَا عُقِدَتْ فِي وَقْتِ الْجَوَازِ ثُمَّ طَرَأَ الْإِسْلَامُ عَلَى مُكَاتَبٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَلِذَلِكَ أُقِرَّتْ وَإِذَا عُقِدَتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ عُقِدَتْ عَلَى عَبْدٍ وَجَبَ بَيْعُهُ، فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ، وَلَكِنْ لَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ النَّصْرَانِيُّ ثُمَّ كُوتِبَ كَانَتْ كِتَابَتُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَوْجِيهًا، وَفَرْقًا.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ الْقَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْكِتَابَةِ رُوعِيَ حَالُهَا، فَإِنْ أَدَّاهَا الْمُكَاتَبُ وَعَتَقَ زَالَ الِاعْتِرَاضُ عَنِ السَّيِّدِ، وَكَانَ لَهُ الْوَلَاءُ، وَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ أَخَذَ السَّيِّدُ حِينَئِذٍ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عتق، فإن لم يفعل واحد مِنْهَا بِيعَ عَلَيْهِ جَبْرًا، وَلَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ، فَلَا يُسْتَهْلَكُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قلنا بفساد الكتابة منع في الحال مع إِقْرَارِهِ عَلَى تَمَلُّكِهِ، وَأُخِذَ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ الْمَالِكُ حَتَّى أَدَّى الْمَكَاتَبُ كِتَابَتُهُ عَتَقَ فِي كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ، فَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، فَيَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ بِمَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ، وَيَتَقَاصَّانِهِ إن تجانسا، والله أعلم.
كتابه الحربي
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (إِذَا كَاتَبَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَا مُسْتَأْمَنَيْنِ أُثْبِتُهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْدَثَ لَهُ قَهْرًا فِي إِبْطَالِ كِتَابَتِهِ فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ يَمْلِكُونَ مِلْكًا صَحِيحًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَمْلِكُونَ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يملكون ملكا ضعيف، وَلِلْكَلَامِ عَلَيْهَا مَوْضِعٌ قَدْ تَقَدَّمَ، وَفِي قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: 27] دَلِيلٌ كَافٍ، لِأَنَّهُ أَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِضَافَةَ مِلْكٍ تَامٍّ.
وَإِذَا ثَبَتَ مِلْكُ الْحَرْبِيِّ، فَكَاتَبَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ صَحَّتْ كِتَابَتُهُ، لِأَنَّ الكتابة عتق بعرض يَمْلِكُ الْحَرْبِيُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَمَلَكَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ بِمُكَاتَبِهِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِحَالِهَا، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمَا فِيهَا مَا لَمْ يَتَرَافَعَا فِيهَا إِلَيْنَا، فَإِنْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا اعْتَبَرْنَاهَا، فَإِنْ عُقِدَتْ بِمَا تَصِحُّ بِهِ كِتَابَةُ الْمُسْلِمِ حُكِمَ بِصِحَّتِهَا، وَإِنْ عُقِدَتْ بِمَا لَا تَصِحُّ بِهِ كِتَابَةُ الْمُسْلِمِ حُكِمَ بِفَسَادِهَا.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا أَحْدَثَ لَهُ السَّيِّدُ قَهْرًا أَبْطَلَ بِهِ كِتَابَتَهُ، رُوعِيَ حَالُ قَهْرِهِ وَإِبْطَالِهِ لِكِتَابَتِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ نَفَذَ حُكْمُ قَهْرِهِ، وَبَطَلَ مَا عَقَدَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ، لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ إِبَاحَةٍ وَمَنْ تَغَلَّبَ فِيهَا عَلَى شَيْءٍ مَلَكَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدًا لَوْ تَغَلَّبَ عَلَى سَيِّدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَاسْتَرَقَّهُ، وَدَخَلَ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ مَلَكَهُ، وَصَارَ الْعَبْدُ حُرًّا مَالِكًا لِسَيِّدِهِ، والسيد مملوكا لعبده؟ كذلك عليه السَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ، وَإِبْطَالُهُ لِكِتَابَتِهِ تَشَارُكٌ عَلَى تَغْلِيبِهِ وَقَهْرِهِ، فَإِذَا دَخَلَا بَعْدَ ذَلِكَ دَارَ الْإِسْلَامِ أُقِرَّا عَلَى مَا خَرَجَا عَلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَبَطَلَتِ الْكِتَابَةُ وَلَمْ يُعْتَقْ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، وَإِنْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ وَهُمَا عَلَى الْكِتَابَةِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ السَّيِّدُ فِيهَا فَسْخَ الْكِتَابَةِ غَلَبَةً وَقَهْرًا لَمْ تَنْفَسِخْ، وَكَانَتْ عَلَى لُزُومِهَا، وَيُؤْخَذُ السَّيِّدُ بِحُكْمِهَا بِخِلَافِ فِعْلِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارَ عَدْلٍ وَأَمَانٍ، وَدَارَ الْحَرْبِ دَارُ غَلَبَةٍ وَقَهْرٍ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا فِيهَا، وَأَبَاحَتْ دَارُ الشرك ما فيها) .
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ مُسْلِمًا فَالْكِتَابَةُ ثَابِتَةٌ فَإِنْ سُبِيَ لَمْ يَكُنْ رَقِيقًا لِأَنَّ لَهُ أَمَانًا مِنْ مُسْلِمٍ بِعِتْقِهِ إِيَّاهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي مُسْلِمٍ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ حَرْبِيًّا، فَالْكِتَابَةُ لَازِمَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ، فَلَوْ دَخَلَ بِعَبْدِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِحَالِهَا لَمْ تَزِدْهَا دَارُ الْإِسْلَامِ إِلَّا تَأْكِيدًا، وَلِلْعَبْدِ أَمَانٌ عَلَى نَفْسِهِ، بِمِلْكِ الْمُسْلِمِ لَهُ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةٌ وَإِنْ طَالَ مَقَامُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، فَيُرَاعَى حَالُ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا رَقَّ، وَكَانَ عَبْدًا لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ صَارَ حُرًّا، وَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ، وَلَا يُقَرُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِجِزْيَةٍ، لِأَنَّهُ حُرٌّ فَإِنْ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَسُبِيَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَكَانَ السَّابِي عَلَى خِيَارِهِ بَيْنَ قَتْلِهِ أَوْ أَخْذِ فِدَائِهِ، أَوِ الْمَنِّ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ فِيهِ مَمْنُوعًا مِنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَحْدَهُ، لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ إِبْطَالًا لِوَلَائِهِ الَّذِي قَدْ مَلَكَهُ مُسْلِمٌ، فَلَمْ يَجُزْ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ سُبِيَ حَرْبِيٌ هُوَ ابْنٌ لِمُسْلِمٍ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ، فَمَا الْفَرْقُ؟ قِيلَ: لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَبْطُلُ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْوَلَاءَ يَبْطُلُ بِالِاسْتِرْقَاقِ فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحُكْمُ فِي الْمُسْلِمِ إِذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ حَرْبِيَّةٌ فَسُبِيَتْ أَفَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِالسَّبْيِ أَمْ يَكُونُ بَاقِيًا لِلْمُسْلِمِ كَالْوَلَاءِ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ بَاقِيًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: النِّكَاحُ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالْعُيُوبِ، فَجَازَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْفَسْخُ بِالسَّبْيِ، وَالْوَلَاءُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، وَلَا يَزُولُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَزَلْ بِالسَّبْيِ، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِالسَّبْيِ، وَالْمُسْلِمُ لَوِ اسْتَأْجَرَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ دَابَّةً فَغُنِمَتْ لَمْ تَبْطُلْ إِجَارَتُهُ، وَالنِّكَاحُ أَوْكَدُ؟
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ الْإِجَارَةَ مُدَّةٌ لَا يَسْتَدِيمُ بِهَا الضَّرَرُ عَلَى الْغَانِمِينَ، فَلَزِمَتْ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، وَلَيْسَ تَنْقَطِعُ مُدَّةُ النِّكَاحِ لِتَأْبِيدِهَا، فَانْفَسَخَ لِاسْتِدَامَةِ ضَرَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَاتَبَهُ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَنَا وَأَرَادَ إِخْرَاجَهُ مُنِعَ وَقِيلَ: إِنْ أَقَمْتَ فَأَدِّ الْجِزْيَةَ وَإِلَّا فَوَكِّلْ بِقَبْضِ نُجُومِهِ فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَالْوَلَاءُ لَكَ وَإِنْ مِتُّ دُفِعَتْ إِلَى وَرَثَتِكَ وَقَالَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ يَكُونُ مَغْنُومًا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) الْأَوَّلُ أولى لأنه إذا كان في دار الحرب حَيًّا لَا يُغْنَمُ مَالُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ أَمَانٌ فَوَارِثُهُ فِيهِ بِمَثَابَتِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ بِعَبْدِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ مُسْتَأْمِنًا، ثُمَّ
كَاتَبَ عَبْدَهُ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ بِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ كِتَابَتِهِ فَإِنْ سَاعَدَهُ الْمَكَاتَبُ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الرُّجُوعِ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ، وَاسْتَعْدَانَا عَلَيْهِ مَنَعْنَاهُ مِنْ إِخْرَاجِهِ مَعَهُ، لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تَجْرِي عَلَى الْعُقُودِ فِيهَا أَحْكَامُ الْوَفَاءِ بِهَا، وَهُوَ إِذَا خَرَجَ بِهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَغْلِبَهُ عَلَى إِبْطَالِ كِتَابَتِهِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ قَدْ مَنَعَ سَيِّدَهُ مِنْهُ، فَصَارَ لَهُ مَالُ الْكِتَابَةِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ مَعَ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ قَدْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ دَخَلَ إِلَيْنَا بِعَبْدِهِ مُسْتَأْمِنًا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ رَدِّهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ، فَافْتَرَقَا.
فَصْلٌ
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا، وَأَنَّ الْحَرْبِيَّ مَمْنُوعٌ مِنْ إِخْرَاجِ مَنْ كَاتَبَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إِخْرَاجِ مَنْ كَاتَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، قِيلَ لِلْحَرْبِيِّ بَعْدَ مَنْعِهِ مِنْ إِخْرَاجِ مُكَاتَبِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تُقِيمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِاسْتِيدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَبَيْنَ أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَضُهُ لَكَ، فَتَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُقَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُنِعَ مِنَ اسْتِدَامَةِ مُقَامِهِ إِلَّا بِجِزْيَةٍ يُؤَدِّيهَا عَنْ رَقَبَتِهِ، لِيَصِيرَ لَهُ بَعْدَ الْأَمَانِ ذِمَّةٌ بِالْجِزْيَةِ، فَإِنِ اسْتَأْدَى مَالَ الْكِتَابَةِ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ عِتْقِهِ، إِلَّا بِجِزْيَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا مُعْتَبِرًا بِجِزْيَةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَادَ عَبْدًا، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الْجِزْيَةُ، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِسَيِّدِهِ، وَلَوْ عَادَ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ عِتْقِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَسُبِيَ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِذِمِّيٍّ، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ وَلَاؤُهُ لِمُسْلِمٍ، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ، فَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِرْقَاقُ مَوْلَاهُ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّ مَوْلَاهُ، فَإِنْ وَكَّلَ هَذَا الْحَرْبِيُّ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي قَبْضِ الْكِتَابَةِ، وَعَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ قَامَ وَكِيلُهُ فِي قَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ مَقَامَهُ، فَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ عَتَقَ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ عَجَزَ رَقَّ، وَكَانَ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ عَلَى حَالِهِ، فَنَقَضَ سَيِّدُهُ الْأَمَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخَرَجَ إِلَيْنَا مُحَارِبًا، فَهَلْ يُغْنَمُ مُكَاتَبُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَحَدُهُمَا: يُغْنَمُ هَذَا الْمُكَاتَبُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِأَمَانِ السَّيِّدِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ أَمَانُهُ بِنَقْضِ الْعَهْدِ زَالَ الْمَنْعُ، فَعَلَى هَذَا يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ مَالَ الْكِتَابَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ فَيْءٌ يُصْرَفُ مَالُ الْأَدَاءِ مَصْرِفَ الْفَيْءِ، وَإِنْ عَجَزَ رَقَّ، وَكَانَ قِنًّا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُغْنَمُ الْمُكَاتَبُ، وَيَكُونُ الْأَمَانُ مُسْتَبْقًى فِي حَقِّهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْحَرْبِيِّ أَمَانٌ عَلَى مَالِهِ دُونَ نَفْسِهِ وَأَمَانٌ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ مَالِهِ، وَأَمَانٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَكَذَلِكَ جَازَ إِذَا انْتَقَضَ أَمَانُهُ فِي نَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا فِي مَالِهِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا إِذَا مَاتَ سَيِّدُهُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْمُزَنِيُّ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ وَارِثَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، ولا
يَكُونُ غَنِيمَةً، لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ فِي مَالِهِ بِحُقُوقِهِ كُلِّهَا كَالْمَرْهُونِ، وَمَا اسْتُحِقَّتْ بِهِ النَّفَقَةُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ (الْأُمِّ) يَصِيرُ مَغْنُومًا يُؤَدِّي مَالَ كِتَابَتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ إِنْ عَتَقَ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ رَقَّ كَانَ فَيْئًا لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يُورِثُ، وَلَا يَتَجَاوَزُ الْمُسْتَأْمِنَ، وَقَدْ زَالَ الْأَمَانُ بِالْمَوْتِ، وَصَارَ الْمُكَاتَبُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ أَمَانٌ، فَلِذَلِكَ صَارَ مَغْنُومًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وإن خرج فَسُبِيَ فَمُنَّ عَلَيْهِ أَوْ فُودِيَ بِهِ لَمْ يَكُنْ رَقِيقًا وَرُدَّ مَالُ مُكَاتَبِهِ إِلَيْهِ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنِ اسْتُرِقَّ وَعَتَقَ مكاتبه بالأداء ومات الحربي رقيقا لم يكن رقيقا ولا ولاء لأحد بسببه والمكاتب لا ولاء عليه إلا أن يعتق الحربي قبل موته فيكون له ولاء مكاتبه وما أدى من كتابته لأن ذلك مال كان موقوفا له أمان فلم يبطل أمانه ما كان رقيقا ولم نجعله له في حال رقه فيأخذه مولاه فلما عتق كانت الأمانة مؤداة (قال المزني) وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هذا والثاني لما رق كان ما أدى مكاتبه فيئا وقال في كتاب السير يصير ماله مغنوما (قال المزني) هذا عندي أشبه بقوله الذي ختم به قبل هذه المسألة لأنه لما بطل أن يملك بطل عن ماله ملكه) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي حَرْبِيٍّ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ اسْتِئْمَانِهِ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ أَمَانَهُ يَزُولُ بِعَوْدِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ مَالِهِ الَّذِي عَادَ مَعَهُ وَلَا يَزُولُ أَمَانُهُ عَنِ الْمَالِ الَّذِي خَلَّفَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ يَتَمَيَّزُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَكُونُ مَالُ الْكِتَابَةِ يَسْتَوْفِيهِ وَكِيلُ هَذَا السَّيِّدِ الْحَرْبِيِّ، فَإِنْ سُبِيَ هَذَا السَّيِّدُ فَأَمِيرُ الْجَيْشِ فِيهِ بِالْخِيَارِ فِي فِعْلِ الْأَصْلَحِ فِي أَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ مِنْ قَتْلِهِ، أَوْ مُفَادَاتِهِ، أَوِ اسْتِرْقَاقِهِ، أَوِ الْمَنِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ كَانَ قَتْلُهُ بَعْدَ الْأَسْرِ كَمَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ أَسْرٍ، وَهَلْ يُغْنَمُ الْمُكَاتَبُ أَمْ لَا؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ مَنَّ عَلَيْهِ أَوْ فُودِيَ بِهِ كَانَ الْمَنُّ وَالْفِدَاءُ أَمَانًا لَهُ، فَيَكُونُ الْمُكَاتَبُ فِي حَقِّ هَذَا السَّيِّدِ عَلَى حُكْمِهِ قَبْلَ أَسْرِهِ يُؤَدِّي مَالَ الْكِتَابَةِ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ إِلَى وَكِيلِهِ إِنْ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنِ اسْتُرِقَّ هَذَا السَّيِّدُ بَعْدَ أَسْرِهِ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالِاسْتِرْقَاقِ، لِأَنَّ الرِّقَّ يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَلَا يَنْتَقِلُ مَالُهُ إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي اسْتَرَقَّهُ، لِأَنَّ السَّيِّدَ إِنَّمَا يَمْلِكُ أَكْسَابَ عَبْدِهِ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِ، وَذَاكَ مَالٌ قَدْ كَسَبَهُ قَبْلَ الِاسْتِرْقَاقِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ سَيِّدُهُ، وَلَا يَكُونُ أَيْضًا لِوَارِثِ هَذَا الأٍسير الْمُسْتَرَقِّ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ حَيٌّ وَلَا يُورَثُ مَمْلُوكٌ ولا حي.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى حُكْمِ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِ سَيِّدِهِ، فَتَكُونُ كِتَابَتُهُ بِحَالِهَا لَا تَبْطُلُ بِاسْتِرْقَاقِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إِلَى وَكِيلِ السَّيِّدِ، لِأَنَّ زَوَالَ مِلْكِهِ بِالِاسْتِرْقَاقِ قَدْ أَبْطَلَ وِكَالَتَهُ، وَيَكُونُ الْحَاكِمُ هُوَ الْمُسْتَأْدِي لَهَا أَوْ مَنْ يَنْدُبُهُ، لِذَلِكَ مِنْ أُمَنَائِهِ، وَيَكُونُ حُكْمُ اسْتِرْقَاقِهِ مَبْنِيًّا عَلَى حُكْمِ مَوْتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَوْ مَاتَ لَمْ يُغْنَمْ مَالُهُ كَانَ مَوْرُوثًا عَنْهُ، فَلِذَلِكَ إِذَا اسْتُرِقَّ لَمْ يُغْنَمْ مَالُهُ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا الْمُكَاتَبُ الَّذِي فِيهَا، وَيَكُونُ مَالُهُ مَوْقُوفًا عَلَى مَا يَحْدُثُ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ مَوْتٍ عَلَى رِقٍّ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَوْ مَاتَ كَانَ مَالُهُ وَمُكَاتَبُهُ مَغْنُومًا، فَفِيهِ إِذَا اسْتُرِقَّ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مَغْنُومًا، لِأَنَّ الرِّقَّ يُزِيلُ الْمِلْكَ كَالْمَوْتِ، فَاسْتَوَيَا فِي غَنِيمَةِ مَالِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَالَهُ لَا يُغْنَمُ بِاسْتِرْقَاقِهِ، وَإِنْ غُنِمَ بِمَوْتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بِالْمَوْتِ لَا يُرْجَى عَوْدُهُ، لِاسْتِحَالَةِ حَيَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَزَوَالَ مِلْكِهِ بِالرِّقِّ يُرْجَى عَوْدُهُ، لِجَوَازِ عِتْقِهِ بَعْدَ رِقِّهِ، فَلَا يُغْنَمُ عَلَيْهِ مَالُهُ بِالرِّقِّ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْ عِتْقِهِ أَوْ مَوْتِهِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ مِلْكِهِ بَعْدَ رِقِّهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَكُونُ مَغْنُومًا كَانَ مَا يُؤَدِّيهِ الْمُكَاتَبُ فَيْئًا لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ كَانَ وَلَاؤُهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: (وَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ بِسَبَبِهِ) يَعْنِي: أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لأحد من المسلمين بعينه، لأن لاءه لِجَمَاعَتِهِمْ، وَإِنْ عَجَزَ هَذَا الْمُكَاتَبُ وَرَقَّ كَانَ مَمْلُوكًا فِي بَيْتِ الْمَالِ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَوَاءٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَمُوتَ سَيِّدُهُ عَلَى رِقِّهِ أَوْ يُعْتَقَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ مَالَهُ يَكُونُ بَعْدَ حُدُوثِ رِقِّهِ مَوْقُوفًا عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ عِتْقِهِ أَوْ مَوْتِهِ فَلَهُ حَالَتَانِ: حَالَةٌ يُعْتَقُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَحَالَةٌ يَمُوتُ عَلَى رِقِّهِ، فَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِهِ عَادَ مَالُهُ الْمَوْقُوفُ إِلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ بَاقِيًا عَلَى كِتَابَتِهِ أَدَّاهَا عَتَقَ وَكَانَ وَلَاؤُهُ إِنْ عَتَقَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّاهَا إِلَى الْحَاكِمِ أَخَذَ مِنَ الْحَاكِمِ مَا اسْتَأْدَاهُ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَكَانَ لَهُ وَلَاءُ مُكَاتَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى رِقِّهِ كَانَ مَالُهُ مَغْنُومًا لَا يُرَدُّ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَا عَلَى وَارِثِهِ، وَيُعْتَبَرُ حَالُ مُكَاتَبِهِ، فَإِنَّ لَهُ حَالَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ يَعْجِزَ، وَيَرِقَّ، فَيَكُونَ مَغْنُومًا كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُؤَدِّيَ فَيَعْتِقَ فَلَا يَخْلُو حال عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ اسْتِرْقَاقِ سَيِّدِهِ، فَفِي وَلَائِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِبَيْتِ الْمَالِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَزُولُ الْوَلَاءُ، وَيَرْتَفِعُ، وَيَصِيرُ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْعِتْقِ مِمَّنْ لا ولاء عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: وَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ بِسَبَبِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِ سَيِّدِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ، فالولاء ثَابِتٌ، وَفِي مُسْتَحِقِّهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ لِسَيِّدِ السَّيِّدِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي مُكَاتَبِ الْمُكَاتَبِ إِذَا عَتَقَ الثَّانِي قَبْلَ عِتْقِ الْأَوَّلِ كَانَ فِي وَلَاءِ الثَّانِي قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِلسَّيِّدِ.
وَالثَّانِي: مَوْقُوفٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَيَكُونَ وَلَاؤُهُ ثَابِتًا لِبَيْتِ الْمَالِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مُكَاتَبٍ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ الْمُسْلِمُونَ كَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي مُسْلِمٍ كَاتَبَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَسَبَوْهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَمْلِكُ مَالَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ وَافَقَنَا عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِ مُكَاتَبَهُ، وَلَا مُدَبَّرَهُ، وَلَا أُمَّ وَلَدِهِ، وَخَالَفَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِ، وَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ أَصْلٌ يُحِجُّهُ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ الْمَسْبِيُّ لِذِمِّيٍّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ لَمْ يَمْلِكِ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ بِالسَّبْيِ، لِأَنَّ لِدَارِ الْإِسْلَامِ حُرْمَةً تَمْنَعُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ كذلك فَالْمُكَاتَبُ بَعْدَ السَّبْيِ عَلَى كِتَابَتِهِ، وَلَيْسَ لِلسَّبْيِ تَأْثِيرٌ فِي حَلِّهَا، لِلُزُومِ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِ، فَإِذَا أَدَّى فِي حَالِ السَّبْيِ عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ مَقْهُورًا، فَإِنْ كَانَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فخلا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَسْبِ، فَذَلِكَ الزَّمَانُ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ، وَلِلسَّيِّدِ إِذَا حَلَّتْ نُجُومُهُ أَنْ يُعَجِّزَهُ بِهَا، وَيُعِيدَهُ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَ مَقْهُورًا فِيهَا لِغَلَبَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى اسْتِخْدَامِهِ حَتَّى قَدَرْنَا عَلَيْهِ، فَهَلْ يُحْسَبُ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ الَّتِي كَانَ فيها مَغْلُوبًا عَلَى نَفْسِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْمُكَاتَبِ إِذَا غَلَبَهُ سَيِّدُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِاسْتِخْدَامِهِ:
أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْمُدَّةِ، لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْكِتَابَةِ موضوع لِاكْتِسَابِ الْمُكَاتَبِ فِيهَا وَالِاكْتِسَابُ فِي زَمَانِ الْغَلَبَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ، فَعَلَى
هَذَا يُلْغَى زَمَانُ الْغَلَبَةِ فِي السَّبْيِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَيُسْتَأْنَفُ الْأَجَلُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ السَّبْيِ لَهُ، فَإِذَا حَلَّتْ نُجُومُهُ طُولِبَ بِكِتَابَتِهِ، فَإِنْ أَدَّاهَا وَإِلَّا أَعَادَهُ السَّيِّدُ بِالتَّعْجِيزِ عَبْدًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ زَمَانَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ فِي نُجُومِهِ، وَأَجَلِ كِتَابَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهَا فَجَرَى مَجْرَى عَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ فِي زَمَانِ الْقَهْرِ فِي احْتِسَابِهِ عَلَيْهِ مَجْرَى عَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ بِالْمَرَضِ وَوُجُوبِ احْتِسَابِهِ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ حَلَّتْ نُجُومُهُ، وَهُوَ مَقْهُورٌ بِالسَّبْيِ كَانَ لِلسَّيِّدِ تَعْجِيزُهُ وَإِعَادَتُهُ عَبْدًا، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَعْجِيزِهِ وَفَسْخِ كِتَابَتِهِ أَمْ لَا، عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ تَعْجِيزُهُ وَفَسْخُ كِتَابَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ يَفْسَخُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ حَاضِرًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا مَعَ غَيْبَتِهِ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ يَنُوبُ عَنِ الْمُكَاتَبِ فِي غَيْبَتِهِ، لِئَلَّا يَصِيرَ مُنْفَرِدًا بِهَا، وَلِيَكُونَ الْحَاكِمُ كَاشِفًا عَنْ حَالِ الْمُكَاتَبِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْهُ فَإِذَا فُسِخَتِ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ وَصَارَ عَبْدًا فِي الْحُكْمِ ثُمَّ عَادَ وَبَانَ أَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَى سَيِّدِهِ بَطَلَ الْحُكْمُ بِتَعْجِيزِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ، وَحُكِمَ بعتقه بعد أدائه.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَاتَبَهُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ إِلَيْنَا مُسْلِمًا كَانَ حُرًّا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَاتَبَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ مِنْهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا أَوْ بِأَمَانٍ، فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَغَلَّبٍ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَكُونَ عَلَى حَمْلِهِ كِتَابَتُهُ يُؤَدِّيهَا إِلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَصِيرَ بِالْغَلَبَةِ حُرًّا قَدْ زَالَ عَنْهُ مِلْكُ سَيِّدِهِ لِنُفُوذِ أَحْكَامِ الْغَلَبَةِ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ غَلَبَ سَيِّدَهُ فَاسْتَرَقَّهُ صَارَ عَبْدًا لَهُ، فَكَذَلِكَ لَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالْأَدَاءِ، فَغَلَبَهُ السَّيِّدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى رِقِّهِ صَارَ عَبْدًا، لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ تُبِيحُ مَا فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
كتابة المرتد
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَاتَبَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ كَانَ جَائِزًا وَقَالَ فِي كِتَابِ المدبر إذا دبر المرتد عبده فيه ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ قَدْ وَصَفْتُهَا فِيهِ وَقَضَيْتُ أَنَّ جوابه في المكاتب أصحها قال فإن نهى الحاكم المكاتب أن يدفع إلى المرتد كتابته فدفعها لم يبرأ منها وأخذه فإن عجز ثم أسلم السيد ألغى السيد التعجيز) . قال المارودي: اعْلَمْ أَنَّ كِتَابَةَ الْمُرْتَدِّ لِعَبْدِهِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُكَاتِبَهُ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ، وَقَبْلَ رِدَّتِهِ، فَالْكِتَابَةُ مَاضِيَةٌ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا حُدُوثُ الرِّدَّةِ، وَيَكُونُ مَا قَبَضَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ مَوْقُوفًا، وَدَاخِلًا تَحْتَ الْحَجْرِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ، وَكَانَ لَهُ وَلَاءُ مُكَاتَبِهِ إِنْ عَتَقَ، وَمِلْكُ رَقَبَتِهِ إِنْ رَقَّ، وَإِنْ مَاتَ فِي الرِّدَّةِ أَوْ قُتِلَ عَلَيْهَا كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مَعَ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَوَلَاءُ الْمُكَاتَبِ إِنْ عَتَقَ وَمِلْكُ رَقَبَتِهِ إِنْ رَقَّ فَيْئًا فِي بَيْتِ الْمَالِ.
فَصْلٌ
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَبْتَدِئَ كِتَابَتَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَقَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ جَوَازَ كِتَابَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذَكَرَ فِي تَدْبِيرِهِ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا جَائِزَةٌ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ كِتَابَتُهُ جَائِزَةً.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَدْبِيرَهُ بَاطِلٌ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ كِتَابَتُهُ بَاطِلَةً.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَدْبِيرَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ صَحَّتْ، وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ بَطَلَتْ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَصِحُّ تَخْرِيجُ هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ فِي الْكِتَابَةِ أَنَّهَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً مُرَاعَاةً عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ مَوْقُوفًا، لِأَنَّ عُقُودَ الْمُعَاوَضَاتِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهَا كَالْبَيْعِ، وَلَيْسَ فِي الْكِتَابَةِ إِلَّا قَوْلَانِ بُطْلَانُهَا فِي أَحَدِهِمَا، وَجَوَازُهَا فِي الْآخَرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، أَنَّهُ
يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ فِي الْكِتَابَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً كَالتَّدْبِيرِ كَمَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مُحَابَاةُ الْمَرِيضِ، وَهِبَاتُهُ مَوْقُوفَةً، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكِتَابَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: جَائِزَةٌ، سَوَاءٌ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ.
وَالثَّانِي: بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ صحت، وإن قتل بالردة بطلت.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِ الْكِتَابَةِ لَمْ يُعْتَقِ الْمُكَاتَبُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، لِأَنَّهَا بَطَلَتْ بِحُكْمِ الْمَنْعِ مِنْهَا، فَجَرَتْ مَجْرَى كِتَابَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّاهَا الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِ قَبْلَ حَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ عَتَقَ، وَإِنْ أَدَّاهَا إِلَيْهِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَقْ لِدَفْعِهَا 0 إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ لِقَبْضِهَا، وَأُخِذَ بِأَدَائِهَا إِلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا أَعَادَهُ بِالتَّعْجِيزِ عَبْدًا، وَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ عَتَقَ عَلَيْهِ بِمَا اسْتَأْدَاهُ فِي رِدَّتِهِ، وَخَالَفَ مَا يَسْتَأْدِيهِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ إِذَا فُكَّ حَجْرُهُ فِي أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِأَدَائِهِ فِي حَالِ حِجْرِهِ، لِأَنَّ حَجْرَ السَّفَهِ فِي حَقِّ السَّفِيهِ حِفَاظًا لِمَالِهِ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُحْتَسَبُ بِالْأَدَاءِ، وَحَجْرُ الرِّدَّةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لِحِفْظِهِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا زَادَ صَارَ لَهُ، فَاحْتَسَبَ بِهِ، وَجَرَى مَجْرَى رَجُلٍ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَدَفَعَهُ إِلَى ابْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ لَمْ يَبْرَأْ بِدَفْعِهِ فَلَوْ مَاتَ صَاحِبُ الدَّيْنِ وَوَرِثَهُ ابْنُهُ بَرِئَ بِذَلِكَ الدَّفْعِ، وَإِنْ قُلْنَا تُوقَفُ الْكِتَابَةُ كَانَ الْأَدَاءُ فِيهَا إِلَى الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفًا، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ صَحَّتِ الْكِتَابَةُ وَالْأَدَاءُ، وَصَارَ الْمُكَاتَبُ حُرًّا، وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ وَالْأَدَاءُ، وَكَانَ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَصْلٌ
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَأْنِفَ كِتَابَتَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي رِدَّتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُهُمْ أَنَّ الْكِتَابَةَ بَاطِلَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحَجْرِ يَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ الْعُقُودِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَهَا عَلَى الْأَقَاوِيلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ الْحَجْرَ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَلِذَلِكَ سَوَّى بَيْنِ الْحَالَيْنِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا إِنْ بَطَلَتْ أَوْ صَحَّتْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ ارْتَدَّ الْعَبْدُ ثُمَّ كَاتَبَهُ جَازَ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا ارْتَدَّ الْعَبْدُ، فَكَاتَبَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ رِدَّتِهِ صَحَّتْ كِتَابَتُهُ لِبَقَائِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ، وَجَوَازِ تَصَرُّفِ السَّيِّدِ فِيهِ بِبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ، وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فِي كَسْبِهِ، لِأَنَّ كَسْبَهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ، وَيُؤْخَذُ بِأَدَائِهِ إِلَى السَّيِّدِ فِي كِتَابَتِهِ، فَإِنْ أَدَّاهَا عَتَقَ بِهَا ثُمَّ رُوعِيَ حَالُ رِدَّتِهِ، فَإِنْ قُتِلَ بِهَا كَانَ مَالُهُ فَيْئًا.
وَإِنْ تَابَ مِنْهَا بِالْإِسْلَامِ كَانَ مَالُهُ إِنْ مَاتَ مِيرَاثًا لِسَيِّدِهِ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْأَدَاءِ عَادَ عَبْدًا، وَقُتِلَ بِالرِّدَّةِ إِنْ أَقَامَ عَلَيْهَا، وَكَانَ مَا بِيَدِهِ لِلسَّيِّدِ مِلْكًا لَا إِرْثًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
جناية المكاتب على سيده
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ عَمْدًا فَلَهُ الْقِصَاصُ فِي الْجُرْحِ وَلِوَارِثِهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوِ الْأَرْشُ فَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى كِتَابَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ فَلَهُمْ تَعْجِيزُهُ وَلَا دَيْنَ لَهُمْ عَلَى عَبْدِهِمْ وَبِيعَ فِي جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلِجِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى طَرَفٍ، فَالْحَقُّ فِيهَا مُخْتَصٌّ بِالسَّيِّدِ، فَيُرَاعَى حَالُهَا، فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْجَبَ الْمَالَ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَقْتَصَّ بِهَا مِنْ مُكَاتَبِهِ لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى مِثْلِهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ بِطَرَفِهِ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بَعْدَ الْقِصَاصِ بِحَالِهَا قَبْلَهُ، فَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الْمَالِ اسْتَحَقَّ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي كَسْبِ مُكَاتَبِهِ، لَا فِي رَقَبَتِهِ، لِأَنَّ مَالِكَ الرَّقَبَةِ قَبْلَ جِنَايَتِهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَيَصِيرُ الْعَمْدُ فِيهَا بَعْدَ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ كَالْخَطَأِ فِي وُجُوبِ الْأَرْشِ، فَيُؤْخَذُ الْمُكَاتَبُ بِدَفْعِ الْأَرْشِ مُعَجَّلًا، وَبِمَالِ الْكِتَابَةِ مُؤَجَّلًا، فَإِنِ اتَّسَعَ كَسْبُهُ لَهُمَا عَتَقَ بِأَدَائِهَا، وَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا عَجَّزَهُ السَّيِّدُ بِهِ لِيُعِيدَهُ عَبْدًا، سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِيُحْفَظَ بِالتَّعْجِيزِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَقَّيْنِ، فَإِذَا عَادَ بِالتَّعْجِيزِ عَبْدًا بَطَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ وَلَا فِي رَقَبَتِهِ مَالٌ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ مَالٌ عَنْ مُعَامَلَةٍ، وَفِي رَقَبَتِهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِ السَّيِّدِ، فَيَكُونَ الْوَارِثُ مُسْتَحِقَّهَا، فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْجَبَتِ الدِّيَةَ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ، وَصَارَ الْوَارِثُ مُسْتَحِقًّا لَهَا وَلِمَالِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا اقْتَصَّ فَلَا كِتَابَةَ، وَإِنْ عَفَا إِلَى الدِّيَةِ كَانَتْ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الطَّرَفِ فِي بَقَاءِ الْكِتَابَةِ، وَكَالْخَطَأِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَصَارَ الْوَارِثُ مُسْتَحِقًّا لَهَا فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ دُونَ رَقَبَتِهِ يَسْتَحِقُّهَا مَعَ مَالِ كِتَابَتِهِ يُعْتَقُ بِأَدَائِهَا، وَيُسْتَرَقُّ بِالْعَجْزِ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
باب جناية المكاتب ورقيقه
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ فَعَلَى سَيِّدِهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ الْجَانِي يَوْمَ جَنَى أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فَإِنْ قَوِيَ عَلَى أَدَائِهَا مَعَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ مُكَاتَبٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا جَنَى عَبْدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ جِنَايَةً عَمْدًا فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ، فَإِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ وَكَانَتْ نَفْسًا فَقَدِ اسْتَهْلَكَ بِهَا مِلْكَ الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ كَانَتْ طَرَفًا نَقَصَ بِهَا مِلْكَهُ، وَإِنْ عَفَا عَنْهَا إِلَى الدِّيَةِ صَارَ عَمْدُهَا كَالْخَطَأِ فِي تَعَلُّقِهَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي، يُبَاعُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ الْمُكَاتَبُ عَنْهَا، فَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ اسْتِصْلَاحًا لِمَالِهِ، فَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَدَاهُ بِجَمِيعِ الْأَرْشِ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ مُكِّنَ الْمُكَاتَبُ مِنْ بَيْعِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ دَفْعِ ثَمَنِهِ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ، فَفِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّ بِهَا قَدْرَ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبِعْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا، فَكَذَلِكَ إِذَا فَدَى، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلْمُكَاتَبِ أن يفديه به، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَسْتَحِقُّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ إِذَا مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ بَيْعِهِ لَجَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَصَارَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ بَيْعِهِ قَطْعًا لِهَذِهِ الرَّغْبَةِ فَلِذَلِكَ ضَمِنَهَا الْمَانِعُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْهَا مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ، لِأَنَّ بَذْلَ الزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَتِهِ اسْتِهْلَاكٌ لِمَالِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الْهِبَةِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي افْتِدَائِهِ، فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ كَإِذْنِهِ لَهُ بِالْهِبَةِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَهُ تَعْجِيلُ الْكِتَابَةِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ وَقَبْلَ الدَّيْنِ الْحَالِّ مَا لَمْ يَقِفِ الْحَاكِمُ لَهُمْ مَالَهُ كَالْحُرِّ فِيمَا عَلَيْهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اجتمعت على المكاتب حقوق طولت بِهَا مِنْ كِتَابَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَدُيُونُ مُعَامَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَبِمَا في
يَدِهِ، وَبِيَدِهِ مَالٌ هُوَ عَلَى تَصَرُّفِهِ فِيهِ، فَلَهُ فِيمَا حَلَّ مِنْهُ أَنْ يَبْدَأَ بِقَضَاءِ أَيِّ الْحُقُوقِ شَاءَ، فَإِنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا حَالًّا، وَمَالَ الْكِتَابَةِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا مُؤَجَّلًا، وَالدَّيْنُ قَدْ يَثْبُتُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، فَإِنْ حَلَّتِ الْكِتَابَةُ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَاجْتَمَعَا مَعَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْحَالَّةِ عَلَيْهِ، فَلَهُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ مَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى كِتَابَتِهِ لِمَا فِيهَا مِنِ اسْتِصْلَاحِ نَفْسِهِ، وَحِفْظِ كِتَابَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ افْتِدَاءُ عَبْدِهِ إِلَّا بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، لِأَنَّ بَيْعَ عَبْدِهِ فِي الْجِنَايَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي كِتَابَتِهِ، فَلِذَلِكَ مَا افْتَرَقَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحُقُوقُ الثَّلَاثَةُ: مَالُ الْكِتَابَةِ وَدُيُونُ الْمُعَامَلَةِ وَأُرُوشُ الْجِنَايَةِ، وَبِيَدِهِ مَالٌ وَجَمِيعُ الْحُقُوقِ حَالَّةٌ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ قَضَاءَ مَا شَاءَ مِنْهَا إِذَا كَانَ مَا بِيَدِهِ مُتَّسِعًا لِجَمِيعِهَا، وَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ مَعَ اتِّسَاعِ الْمَالِ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ بَعْضِهَا، فَإِنْ ضَاقَ الْمَالُ عَنْ جَمِيعِهَا فَلَهُ مَا لَمْ يَحْجُرِ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَضَاءِ أَيِّ الثَّلَاثَةِ شَاءَ، فَإِنْ قَدَّمَ الدَّيْنَ فَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا لِمُسْتَحِقِّ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ قَدَّمَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ فَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ لِسَيِّدِهِ وَلَا لِمُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ، وَإِنْ قَدَّمَ مَالَ الْكِتَابَةِ فَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ لِصَاحِبِ الْجِنَايَةِ، وَلَا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ أَوْ لَمْ يَعْتِقْ، لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ وصحة أدائه.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعَجِّلَ الدَّيْنَ قَبْلَ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ تَعْجِيلَ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ كَالْهِبَةِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي بَيْعِ النَّقْدِ أَقَلُّ وَفِي بيع النساء أكثر.
إذا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْأَجَلِ فِي أرش الجناية، وإمما يُتَصَوَّرُ فِي دَيْنِ الْمُعَامَلَةِ وَمَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ عَجَّلَ الْمُكَاتَبُ دَيْنَ الْمُعَامَلَةِ لَمْ يَجُزْ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ السَّيِّدُ، وَفِي جَوَازِهِ بِإِذْنِهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ عَجَّلَ مَالَ الْكِتَابَةِ كَانَ عَلَى قولين كالهبة لسيده.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ وَقَفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ أَدَّى إِلَى سَيِّدِهِ وَإِلَى النَّاسِ دُيُونَهُمْ شَرْعًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي هَذَا كُلَّهُ عَجَّزَهُ فِي مال الأجنبي إلا أن ينظروه ومتى شاء من أنظره عجزه ثم خير الحاكم سيده بين أن يفديه بالاقل من أرش الجناية أو يباع فيها فيعطى أهل الجناية حقوقهم دون من داينه ببيع أو غيره لأن ذلك في ذمته ومتى عتق اتبع به) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُكَاتَبِ مَا لَمْ يَسْأَلْهُ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ سَأَلُوهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَمْ تَخْلُ الْحُقُوقُ أَنْ تَكُونَ حَالَّةً، أَوْ مُؤَجَّلَةً، فَإِنْ كَانَتِ الْحُقُوقُ مُؤَجَّلَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ بِهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَتْ حَالَّةً لَمْ يَخْلُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَّسِعًا لِقَضَاءِ جَمِيعِهَا، أَوْ يَضِيقَ عَنْهَا، فَإِنِ اتَّسَعَ لِجَمِيعِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَهُ بِقَضَائِهَا، وَإِنْ ضَاقَ
مَا بِيَدِهِ عَنْهَا نُظِرَ فِي طَالِبِ الْحَجْرِ، فَإِنْ طَلَبَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ، لِأَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ طَلَبَ أَرْبَابَ الدَّيْنِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَحْجُرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ حَجْرَ الْمُفْلِسِ حِفْظًا لِحُقُوقِهِمْ، وَإِنْ طَلَبَ مُسْتَحِقُّ الْجِنَايَةِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ نُظِرَ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أُجِيبَ إِلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا إِلَّا فِيمَا فِي يَدِهِ،.
وَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُجَابُ إِلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ عَلَّقَتْ أَرْشَ الْجِنَايَةِ بِمَا فِي يَدِهِ فَصَارَتْ كَالدُّيُونِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجَابُ إِلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الْأَرْشِ فِي رَقَبَتِهِ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عِنْدَ إِعْسَارِهِ إِلَى أَخْذِ الْأَرْشِ مِنْهَا.
فَصْلٌ
فَإِذَا حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: (أَدَّى إِلَى سَيِّدِهِ وَإِلَى النَّاسِ دُيُونَهُمْ شَرْعًا) فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِيهِ أُسْوَةٌ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أُسْوَةٌ فِي مَالِهِ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ، فَيَشْتَرِكُ فِيهِ أَرْبَابُ الدُّيُونِ، وَأَصْحَابُ الْجِنَايَاتِ وَالسَّيِّدِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُطَالِبٌ بِحَقٍّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَكُونُونَ أُسْوَةٌ مَعَ اتِّسَاعِ الْمَالِ وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا مَعَ ضِيقِ الْمَالِ فَيُقَدَّمُ أَرْبَابُ الدُّيُونِ، لِأَنَّهُمْ بِمَا فِي يَدِهِ أَخَصُّ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ دُيُونِهِمْ فَضْلٌ كَانَ مُسْتَحِقُّ الْجِنَايَةِ أَحَقَّ بِهَا مِنَ السَّيِّدِ لِاسْتِقْرَارِ حَقِّهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَضْلٌ صَارَتْ حِينَئِذٍ إِلَى السَّيِّدِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا فَرَّقَ مَالَهُ فِيهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَبَقِيَتْ لَهُمْ حُقُوقٌ وَجَمِيعُهَا حَالَّةٌ فَلَيْسَ يَلْزَمُهُمْ إِنْظَارُهُ بِهَا إِلَّا بِاخْتِيَارِهِمْ فَإِنِ انفقوا عَلَى إِنْظَارِهِ بِهَا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يَلْزَمُهُمْ هَذَا الْإِنْظَارُ إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي سَمَّوْهُ؟ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ، وَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي الْمُطَالَبَةِ مَتَى شاؤوا كَالْهِبَةِ إِذَا لَمْ تُقْبَضُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُمُ الْإِنْظَارُ، وَلَيْسَ لَهُمُ الْمُطَالَبَةُ قَبْلَ الْأَجَلِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي لُزُومِ الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا صَحَّ دُخُولُ الْأَجَلِ فِيهِ كَالْأَثْمَانِ وَمَالِ الْكِتَابَةِ لَزِمَ الْإِنْظَارُ بِهِ إِلَى الْأَجَلِ، وَمَا لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ الْأَجَلِ فِيهِ كَالْقَرْضِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ لَمْ يَلْزَمِ الْإِنْظَارُ بِهِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمَا.
فَصْلٌ
فَإِنْ لَمْ يُنْظِرُوهُ وَطَالَبُوهُ بِحُقُوقِهِمْ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّيِّدِ وَمُسْتَحِقِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يُعَجِّزَهُ وَلَيْسَ لِأَرْبَابِ الدُّيُونِ تَعْجِيزُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِأَرْبَابِ الدُّيُونِ تَعْجِيزُهُ أَيْضًا، وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ.
وَدُيُونُ الْمُعَامَلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ، وَتَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، وَفِيمَا بِيَدِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَرْبَابِهَا تَعْجِيزُهُ بِهَا، وَاخْتُصَّ السَّيِّدُ وَصَاحِبُ الْجِنَايَةِ بِتَعْجِيزِهِ، وَلَهُمَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إِنْظَارِهِ، فَيَكُونَ لَهُمَا ذَلِكَ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَرْبَابِ الدُّيُونِ فِيهِ، وَيَكْتَسِبُ بَعْدَ الْإِنْظَارِ، وَفِيمَا اسْتَفَادَهُ مِنْ كَسْبٍ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَصَّ بِأَرْبَابِ الدُّيُونِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ أُسْوَةً بَيْنَ جَمِيعِ الحقوق.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَعْجِيزِهِ وَإِعَادَتِهِ عَبْدًا، فَلَهُمَا ذَلِكَ، فَإِذَا صَارَ بِالتَّعْجِيزِ عَبْدًا كَانَتِ الدُّيُونُ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهَا بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَسَارِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَكُونُ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ مِنْهَا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ يُقَالُ لِلسَّيِّدِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَفْدِيَهُ مِنْ أَرْشِ جِنَايَاتِهِ اسْتِبْقَاءً لِمِلْكِهِ أَوْ يُبَاعَ فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ بِيعَ فِي جِنَايَاتِهِ، فَإِنْ كَثُرَتْ وَكَانَ مُسْتَحِقُّوهَا أُسْوَةً فِي ثَمَنِهِ بِقَدَرِ أُرُوشِهِمْ، وَسَوَاءٌ فِيهَا مَنْ تَقَدَّمَتْ جِنَايَتُهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ، فَإِنْ فَضَلَ لَهُمَا فَضْلٌ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مِن اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ، هَلْ وَجَبَتِ ابْتِدَاءً فِي رَقَبَتِهِ أَوْ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ وَانْتَقَلَتْ إِلَى رَقَبَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَجَبَتِ ابْتِدَاءً فِي رَقَبَتِهِ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا هَدَرًا.
وَإِنْ قِيلَ: وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى رَقَبَتِهِ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، فَفِيمَا يَفْدِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَفْدِيهِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ لَا غَيْرَ، يَشْتَرِكُ فِيهَا أَرْبَابُ الْجِنَايَاتِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَفْدِيهِ بِأُرُوشِ جِنَايَاتِهِ كُلِّهَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الْقِيمَةِ أَضْعَافًا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْعُوَ السَّيِّدُ إِلَى إِنْظَارِهِ، وَيَدْعُوَ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ إِلَى تَعْجِيزِهِ فَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ إِنْ ضَمِنْتَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، فَلَكَ إِنْظَارُهُ، وَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ مِنْهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، فَلِصَاحِبِهَا تَعْجِيزُهُ وَبَيْعُهُ فِي جِنَايَاتِهِ لِيَصِلَ إِلَى حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَدْعُوَ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ إِلَى إِنْظَارِهِ، وَيَدْعُوَ السَّيِّدُ إِلَى تَعْجِيزِهِ، فَتَعْجِيزُ السَّيِّدِ أَحَقُّ مِنْ إِنْظَارِ صَاحِبِ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا عَجَّزَهُ السَّيِّدُ وَفِي يَدِهِ مَالٌ كَانَ أَرْبَابُ الدُّيُونِ أَحَقَّ بِذَلِكَ الْمَالِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ عَبْدًا، وَمَا بِيَدِ الْعَبْدِ مِنْ مَالٍ فَصَرَفَهُ فِي دُيُونِ مُعَامَلَاتِهِ أَحَقُّ مِنْ سَيِّدِهِ، وَمِنْ جِنَايَاتِهِ، فَإِنْ بَقِيَتْ مِنْ دُيُونِهِمْ بَقَايَا كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ مِنْهَا، وَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ الدُّيُونِ فَضْلٌ كَانَ صَرْفُهُ فِي مُسْتَحِقِّ الْجِنَايَةِ أَحَقَّ مِنَ السَّيِّدِ، وَبِيعَ فِي بَاقِي جِنَايَتِهِ إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ مِنْهَا.
فَصْلٌ
وَلَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ تَعْجِيزِهِ مَاتَ عَبْدًا، وَصَارَتْ جِنَايَتُهُ هَدَرًا تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ كَالْعَبْدِ الْجَانِي إِذَا مَاتَ وَكَانَ مَا بِيَدِهِ مَصْرُوفًا في ديونه، فإذا فَضَلَ بَعْدَ الدُّيُونِ فَضْلٌ كَانَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ بقي من الديون بقية كانت في ذمته مَيِّتٍ لَا يُؤْخَذُ بِهَا حَيٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْجِنَايَاتُ مُتَفَرِّقَةً أَوْ مَعًا وَبَعْضُهَا قَبْلَ التَّعْجِيزِ وَبَعْدَهُ يَتَحَاصُّونَ فِي ثَمَنِهِ مَعًا وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ كَانَ ثَمَنُهُ لِلْبَاقِينَ مِنْهُمْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَجَّزَ إِلَّا بِمَالِ الْكِتَابَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا عُجِّزَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ، فَأَمَّا بَيْعُهُ فِي أُرُوشِ جِنَايَاتِهِ فَمُسْتَحِقٌّ إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ مِنْهَا، فَإِنْ فَدَاهُ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ، وَفِيمَا يَفْدِيهِ بِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أُرُوشِ جِنَايَاتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَفْدِيهِ بِأُرُوشِ جِنَايَاتِهِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْدِهِ بِيعَ جَبْرًا عَلَيْهِ، وَكَانَ ثَمَنُهُ مَصْرُوفًا فِي أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً يَشْتَرِكُ فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَتْ جِنَايَتُهُ وَتَأَخَّرَتْ، فَلَوْ جَنَى قَبْلَ الْكِتَابَةِ ثُمَّ جَنَى فِي حَالِ الْكِتَابَةِ ثُمَّ جَنَى بَعْدَ التَّعْجِيزِ اشْتَرَكَ أَرْبَابُ الْجِنَايَاتِ الثَّلَاثِ فِي ثَمَنِهِ، لِتَعَلُّقِ جَمِيعِهَا بِرَقَبَتِهِ يَتَحَاصُّونَ فِيهِ بِقَدْرِ أُرُوشِهِمْ، فَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمْ عَنْ حَقِّهِ وَأَبْرَأَهُ مِنْ أَرْشِهِ رَجَعَ حَقُّهُ عَلَى الْبَاقِينَ، وَلَمْ يُرَدَّ عَلَى السَّيِّدِ لِأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمْ لَاسْتَوْعَبَ بِالْجِنَايَةِ جَمِيعَ ثَمَنِهِ، وَجَرَى مَجْرَى أَهْلِ الْوَصَايَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمْ وَعَفَا أَحَدُهُمْ تَوَفَّرَ سَهْمُهُ عَلَى الْبَاقِينَ مِنْهُمْ، وَكَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ إِذَا أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمْ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَطَعَ يَدَ سَيِّدِهِ فَبَرَأَ وَعَتَقَ بِالْأَدَاءِ اتَّبَعَهُ بِأَرْشِ يَدِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا قَطَعَ المكاتب يده سَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَبَعْدَهُ، وَتَكُونُ الْكِتَابَةُ بَعْدَ الِاقْتِصَاصِ كَحَالِهَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ فِيهِ، فَهَلْ لَهُ الدِّيَةُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا يَسْتَحِقُّهَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ كَالْقِصَاصِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّهَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ مُسْتَقِرٌّ، وَوُجُوبَ الدِّيَةِ مُتَرَقَّبٌ قَبْلَ الِانْدِمَالِ لِجَوَازِ الزِّيَادَةِ بِالسِّرَايَةِ أَوِ النُّقْصَانِ بِالْمُشَارَكَةِ، فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا إِلَّا بَعْدَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْأَول إنَّ الدِّيَةَ تُسْتَحَقُّ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلسَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ حَقَّانِ مَالُ الْكِتَابَةِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ، وَفِي قَدْرِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ أَوْ دِيَةِ الْيَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: دِيَةُ الْيَدِ، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ هَذَانِ الْحَقَّانِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، أَخَذَهُ السَّيِّدُ بِهِمَا، فَإِنْ أَتَاهُ الْمُكَاتَبُ بِأَحَدِهِمَا نَظَرَ، فَإِنْ جَعَلَهُ الْمَكَاتَبُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَكَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ بَاقِيًا إِنْ عَجَزَ عَنْهُ الْمُكَاتَبُ، فَلِلسَّيِّدِ تَعْجِيزُهُ بِهِ وَإِعَادَتُهُ إِلَى الرِّقِّ، وَإِنْ جَعَلَ الْمُكَاتَبُ مَا أَدَّاهُ مَصْرُوفًا إِلَى مَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَلِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ فِي قَبُولِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوِ الْعُدُولِ بِهِ إِلَى أَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِئَلَّا يَعْتِقَ بِالْكِتَابَةِ، ويتوى بإعساره وحريته أرش الجناية، فإن اختاره أَخْذَهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ كَانَ ذَلِكَ بِمُوَافَقَةِ الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ لَهُ مَالُ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ عَتَقَ بِهِ، وَصَارَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ دَيْنًا عَلَيْهِ بَعْدَ حُرِّيَّتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَعْجِيزُهُ بِهِ، وَكَانَ قَدْرُ الْأَرْشِ مُعْتَبَرًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
فَصْلٌ
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْلَ الِانْدِمَالِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَةُ الْمُكَاتَبِ إِلَّا بِمَالِ الْكِتَابَةِ وَحْدَهُ إِلَّا أَنْ تَنْدَمِلَ يَدُهُ، وَأَيُّ مَالٍ أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ كَانَ مَحْسُوبًا مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَكُونَ مَحْسُوبًا مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ كَانَ فِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ مِنْ تَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، أَصَحُّهُمَا هَاهُنَا الْمَنْعُ مِنْهُ: لِأَنَّهُ مَعَ تَأْجِيلِهِ مَجْهُولُ الْقَدْرِ، فَإِذَا انْدَمَلَتْ يَدُ السَّيِّدِ لَمْ يَخْلُ حَالَ انْدِمَالِهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ بِالْأَدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ فَقَدْرُ
الْأَرْشِ مُعْتَبَرٌ بِجِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ أَوْ دِيَةِ الْيَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِدِيَةِ الْيَدِ وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ الِانْدِمَالُ بَعْدَ عِتْقِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُعْتَبَرُ بِهَا جِنَايَةُ الْحُرِّ أَوْ جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ بِهَا جِنَايَةُ الْحُرِّ اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِهَا بَعْدَ حُرِّيَّةِ الْمُكَاتَبِ، فَلِهَذَا تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْيَدِ مَا بَلَغَتْ كَمَا لَوِ ابْتَدَأَ قَطْعَهَا بَعْدَ حُرِّيَّتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ بِهَا حَالَ جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّهُ جَنَاهَا وَهُوَ مُكَاتَبٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ:
وَالثَّانِي: بِدِيَةِ الْيَدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا إِذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ بَعْدَ جِنَايَتِهِ عَلَى يَدِهِ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ الْقَوَدُ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَسْقُطْ بِعِتْقِهِ، وَكَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً تُوجِبُ الْمَالَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُكَاتَبِ وَقْتَ عِتْقِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ مَالٌ أَوْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ مَالٌ بَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِالْعِتْقِ بِخِلَافِ عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ، لِأَنَّ عِتْقَهُ بِالْأَدَاءِ إِذَا كَانَ عَنِ اخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَتَضَمَّنِ الْإِبْرَاءُ مِنَ الْجِنَايَةِ، وَعِتْقُ السَّيِّدِ كَانَ عَنِ اخْتِيَارِ السَّيِّدِ، فَصَارَ مُتَضَمِّنًا لِلْإِبْرَاءِ مِنَ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ مَالٌ حِينَ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَتَعَلَّقُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِمَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِهِ، لِثُبُوتِهَا فِي رَقَبَتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَبْرَأُ مِنَ الْجِنَايَةِ بِالْعِتْقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْجِنَايَةِ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَبْرَأُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِالْعِتْقِ، وَيُسْتَوْفَى مِمَّا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ، فَإِنْ عَجَزَ الْمَالُ عَنْهُ نَظَرَ، فَإِنْ عَلِمَ السَّيِّدُ بِعَجْزِ الْمَالِ بَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنَ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ السَّيِّدُ بِعَجْزِ الْمَالِ لَمْ يَبْرَأِ الْمُكَاتَبُ مِنَ الْبَاقِي، وَكَانَ مَأْخُوذًا بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَأَيُّ الْمُكَاتَبَيْنِ جَنَى وَكِتَابَتُهُمْ وَاحِدَةٌ لَزِمَتْهُ دُونَ أَصْحَابِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَذَكَرْنَا أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا كَاتَبَ جَمَاعَةً مِنْ عَبِيدِهِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَنَّ فِي كِتَابَتِهِمْ قولين:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزَةٌ.
وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا جَنَى أَحَدُهُمْ كَانَ هُوَ الْمَأْخُوذُ بِجِنَايَتِهِ دُونَ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ تَكُونُ الْجِنَايَةُ فِي كِتَابَتِهِمْ، وَيُؤْخَذُونَ جَمِيعًا بِأَرْشِهَا، وهذا فاسد بما قدمناه، لأن عقد الحرين عَلَى الْتِزَامِ الْعَقْلِ، وَتَحَمُّلِ الْجِنَايَةِ لَا يُوجِبُ تَحَمُّلَهَا، فَكَانَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ الْخَالِي مِنْ هَذَا الشَّرْطِ أَوْلَى أَنْ لَا يُوجِبَ التَّحَمُّلَ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَانَ هَذَا الْجَانِي وَلَدَ الْمُكَاتَبِ وُهِبَ لَهُ أَوْ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ وَلَدَ مُكَاتَبِهِ لَمْ يُفْدَ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ إِلَّا بِإِذْنِ السيد لأني لا أجعل له بيعهم ويسلمون فيباع منهم بقدر الجناية وما بقي بحاله يعتق بعتق المكاتب أو المكاتبة) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ وَلَدٌ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَقَبِلَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فَجَنَى، لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ عَبْدَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ وَلَدِهِ، فَكَانَ مَا يَفْتَدِيهِ بِهِ إِتْلَافًا لِمَالِهِ، وَخَالَفَ الْعَبْدُ الَّذِي هُوَ مَالٌ يَحُوزُهُ فَكَانَ مَا يَفْتَدِيهِ بِهِ اسْتِصْلَاحًا لِمَالِهِ، فَإِنِ افْتَدَى الْمُكَاتَبُ وَلَدَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْهِبَةِ بِإِذْنِهِ، فَأَمَّا وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِافْتِدَائِهِ إِنْ شَاءَ، وَبَيْعِهِ فِي جِنَايَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا، وَيَرِقُّ بِرِقِّهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَفْدِيَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ بِيعَ جَمِيعُهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهَا وَكَانَ بَاقِيهِ عَلَى حُكْمِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ جَمِيعُهُ لِلضَّرُورَةِ، وَكَانَ الْبَاقِي مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ كَانَ وَلَدَ مُكَاتَبٍ لِأَبِيهِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَإِنْ كَانَ وَلَدَ مُكَاتَبَةٍ فَعَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لَهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ لِسَيِّدِهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ والمكاتب.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ جَنَى بَعْضُ عَبِيدِهِ عَلَى بَعْضٍ عَمْدًا فَلَهُ الْقِصَاصُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا فَلَا يَقْتُلُ وَالِدَهُ بِعَبْدِهِ وَهُوَ لَا يُقْتَلُ بِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ عَبِيدٌ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا نَظَرَ الْقَتْلَ، فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً كَانَتِ الْجِنَايَةُ هَدَرًا، لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمَالَ، وَالسَّيِّدُ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ، لِمَا فِي الْقِصَاصِ مِنَ اسْتِصْلَاحِ الْمِلْكِ فِي حَسْمِ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ أَبًا
لِلْمُكَاتَبِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَبِيهِ لِعَبْدِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِنَفْسِهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَقْتَصَّ مِنْهُ بِعَبْدِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ أَبَ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ وَالِدٍ بِوَلَدٍ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ابْنَ الْمُكَاتَبِ فَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ ابْنِهِ بِعَبْدِهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ ابْنَ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ وَلَدٍ بِوَالِدٍ.
فَأَمَّا إِنْ عَفَا الْمُكَاتَبُ عَنِ الْقِصَاصِ صَارَتِ الدِّيَةُ هَدَرًا كَالْخَطَأِ، فَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، وَعَادَ عَبْدًا قَبْلَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، فَلِلسَّيِّدِ مِنَ الْقِصَاصِ مَا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ يَقْتَصُّ مِمَّنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ بِغَيْرِ أَدَاءٍ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوِ الْجِنَايَةِ وَلَوْ كَانَ أَدَّى فَعَتَقَ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ نَفْسِهِ أَوِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْجَزْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَةً تُوجِبُ الْمَالَ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا مِنْ كَسْبِهِ، لِأَنَّ بَقَاءَ الْكِتَابَةِ يَمْنَعُ مِنْ جواز بيعه، وله ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُؤَدِّيَ مَالَ الْكِتَابَةِ وَيُعْتَقَ بِهِ، فَيَنْتَقِلَ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ مِنْ رَقَبَتِهِ إِلَى ذِمَّتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ لِرِقِّهِ بِالْأَدَاءِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكَ وَيَكُونُ ضَامِنًا لَأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهَا طَرَأَتْ وَهُوَ مُكَاتَبٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعَجِّلَ السَّيِّدُ عِتْقَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، فَيَكُونَ السَّيِّدُ هُوَ الضَّامِنُ لِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ على الجناية، فصار مستحدثاً لاستهلاك رقبيه فَلِذَلِكَ ضَمِنَ جِنَايَتَهُ، وَوَجَبَ فِيهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا لَوْ ضَمِنَهَا الْمُكَاتَبُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْجِزَ وَيَرِقَّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تُعْتَبَرُ جِنَايَتُهُ بِابْتِدَائِهَا فِي مَالِ كِتَابَتِهِ أَوْ بِانْتِهَائِهَا بَعْدَ رِقِّهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِابْتِدَائِهَا فِي الْكِتَابَةِ، فَعَلَى هَذَا يَفْدِيهِ السَّيِّدُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ بِانْتِهَائِهَا فِي حَالِ رِقِّهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِيمَا يَفْدِيهِ بِهِ السَّيِّدُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْقِيمَةِ أَوْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ.
وَالثَّانِي: بِجَمِيعِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ، إِلَّا أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ، فَلَا يَلْزَمُ فِي الْجِنَايَةِ أَكْثَرُ مِنْ ثمنه.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى ثُمَّ أَدَّى فَعَتَقَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنْ قيمة واحدة أو الجناية يشتركان فيها، والآخر أن عليه لكل واحد منهما الأقل من قيمته أو الجناية وهكذا لو كانت جنايات كثيرة (قال المزني) قد قطع في هذا الباب بأن الجنايات متفرقة أو معا فسواء وهو عندي بالحق أولى) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا تَكَرَّرَتْ جِنَايَاتُ الْمُكَاتَبِ لَمْ يَخْلُ حَالُ تُكَرُّرِهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْغُرْمِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ تَكَرَّرَتْ بَعْدَ الْغُرْمِ كَأَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً، فَغَرِمَهَا بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِهَا ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا مُسْتَأْنِفًا بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ أَيْضًا، فَيَصِيرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِنَايَتَيْنِ ضَامِنًا لِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ إِنْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ ضَامِنًا لِذَلِكَ إِنْ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ أَدَاءٍ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الْجِنَايَةُ قَبْلَ الْغُرْمِ كَأَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً وَلَمْ يُغَرَّمْ أَرْشَهَا حَتَّى جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى، فَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ إِنْ أَدَّى فَعَتَقَ أَوْ يَضْمَنُهُ سَيِّدُهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُعْتِقُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجِنَايَاتِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ لِكُلِّ جِنَايَةٍ حُكْمُهَا، فَلَا تَتَدَاخَلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مُفْضِيًا إِلَى الْتِزَامِ قِيمَةٍ كَثِيرَةٍ إِذَا كَثُرَتْ جِنَايَاتُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُغَرَّمُ فِي جَمِيعِ الْجِنَايَاتِ، وَإِنْ كَثُرَتْ إِلَّا أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ كُلِّهَا، وَيَتَدَاخَلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، لِأَنَّهُ لَوْ بِيعَ فِيهَا بَعْدَ عَجْزِهِ وَرِقِّهِ لَمْ يَكُنْ لِأَرْبَابِ الْجِنَايَاتِ وَإِنْ كَثُرَتْ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ لِتَدَاخُلِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، كَذَلِكَ فِي عِتْقِهِ بِكِتَابَتِهِ أَوْ بِعِتْقِ سَيِّدِهِ لَكِنَّهُ إِنْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا، هَلْ يُعْتَبَرُ بِهَا الِابْتِدَاءُ أَوِ الِانْتِهَاءُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
فَصْلٌ
قَالَ الْمُزَنِيُّ: قَدْ قَطَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِأَنَّ الْجِنَايَاتِ مُتَفَرِّقَةٌ أَوْ مَعًا سَوَاءٌ، وَهُوَ عِنْدِي أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَهَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِأَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي تَدَاخُلِ الْجِنَايَاتِ وَالْتِزَامِ
أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فِي جَمِيعِهَا مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أُرُوشِهَا، لَكِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِمَا لَا دَلِيلَ فِيهِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَهَا مُتَفَرِّقَةً وَمُجْتَمِعَةً سَوَاءٌ إِذَا بِيعَ فِيهَا وَقُسِّمَ ثَمَنُهُ فِي جَمِيعِهَا مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَرْشِهَا.
فَأَمَّا وَهُوَ غَيْرُ مَبِيعٍ فِيهَا فَلَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ إِذَا بِيعَ فِيهَا لَمْ يَبْقَ لِلْجِنَايَاتِ مَحَلٌّ غَيْرَ ثَمَنِهِ لِأَجْلِ التَّمْكِينِ مِنْهُ وَمَعَ الْمَنْعِ بِالْعِتْقِ تَتَّسِعُ الذِّمَّةُ لِأَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَرْبَابِ الْجِنَايَاتِ مَمْنُوعٌ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ، فَانْفَرَدَ بِحُكْمِهِ، فَلِذَلِكَ مَا افْتَرَقَا وَاللَّهُ أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ عَبْدُهُ جِنَايَةً لَا قِصَاصَ فِيهَا كَانَتْ هَدَرًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَبْدُ الْمُكَاتَبِ إِذَا جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةَ خَطَأٍ تُوجِبُ الْمَالِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، أَوْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَالِدٍ وَلَا وَلَدٍ كَانَتِ الْجِنَايَةُ هَدَرًا، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ مَالٌ، لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعُهُ فِي غَيْرِ الْجِنَايَةِ كَوَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ، فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ لَهُ فِي الْجِنَايَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ فِي الْجِنَايَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ فِي غَيْرِ الْجِنَايَةِ جَازَ بَيْعُهُ فِي الْجِنَايَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ فِي الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ مَانِعٌ مِنْ بَيْعِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَلَيْسَ الْمَنْعُ مِنَ الْبَيْعِ فِي غَيْرِ الْجِنَايَةِ مُوجِبًا لِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْجِنَايَةِ كَأُمِّ الْوَلَدِ إِذَا جَنَتْ عَلَى سَيِّدِهَا.
فَصْلٌ
فَأَمَّا جِنَايَةُ الْعَمْدِ الْمُوجِبَةُ لِلْقَوَدِ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَبَيْنَ مَنْ يَمْلِكُهُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُكَاتَبِ أَوْ عَلَى الْمُكَاتَبِ.
فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُكَاتَبِ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ وَلَدِهِ اقْتَصَّ مِنْهُ الْمُكَاتَبُ إِنْ كَانَتْ فِي طَرَفٍ، وَاقْتَصَّ مِنْهُ السَّيِّدُ إِنْ كَانَتْ فِي نَفْسٍ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يُقْتَلُ بِالْوَالِدِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مِنْ وَالِدِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فِي طَرَفٍ، وَلَا لِسَيِّدِهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فِي نَفْسٍ، لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِالْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مِنَ الْمُكَاتَبِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ
عَلَى وَلَدِهِ لَمْ يَقْتَصَّ مِنَ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَالِدِهِ فَهَلْ لِوَالِدِهِ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا قِصَاصَ لَهُ، لِأَنَّهُ عَبْدُهُ، وَالْمَوْلَى لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِعَبْدِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعُ أَبِيهِ جَرَى مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ مَجْرَى الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ، فلذلك جرى القصاص بينهما.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّبَ رَقِيقَهُ وَلَا يَحُدُّهُمْ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ لِغَيْرٍ حُرٍّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ تَأْدِيبَهُمُ اسْتِصْلَاحُ مِلْكٍ، وَحَدُّهُمْ وِلَايَةٌ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ تَأْدِيبُهُمْ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ حَدُّهُمْ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَحُدَّهُمْ، وَلَا يُؤَدِّبَهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمْ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَيْضًا حَدُّ الْمُكَاتَبِ وَلَا تَأْدِيبُهُ لِارْتِفَاعِ يَدِهِ عَنْهُ بِالْكِتَابَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
باب ما جنى على المكاتب له
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَأَرْشُ مَا جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ لَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَالَ مَالِكٌ مَا جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ قِيمَةُ مِلْكٍ مُسْتَهْلَكٍ، وَالسَّيِّدُ هُوَ الْمَالِكُ دُونَهُ، قَالَ: وَلِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ يُؤَدَّى مِنَ الْأَكْسَابِ الْمُسْتَفَادَةِ، وَلَيْسَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ مِنْ كَسْبِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، بَلْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ يَكُونُ لِلْمُكَاتَبِ دُونَ سَيِّدِهِ لِخُرُوجِ الْمُكَاتَبِ عَنْ حُكْمِ مِلْكِهِ، وَلِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ مُعَاوَضَةٌ عَنْ رِقِّهِ، وَلِأَنَّ مَهْرَ الْكِتَابَةِ لَمَّا كَانَ لَهَا دُونَ السَّيِّدِ فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لِلسَّيِّدِ، وَبِهَذَا يَفْسُدُ مَا ذَكَرَهُ.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا، فَالْجِنَايَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: طَرَفٌ، وَنَفْسٌ.
فَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَى الطَّرَفِ فَهِيَ الَّتِي يَخْتَصُّ الْمُكَاتَبُ بِهَا، فَإِذَا كَانَتْ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ فَفِيهَا نِصْفُ قِيمَتِهِ، فَإِنِ انْدَمَلَتْ حُكِمَ لَهُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ يَسْتَعِينُ لَهُ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا.
وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ فَهِيَ لِلسَّيِّدِ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَاتَ بِهَا عَبْدًا.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (ولو قتله السيد لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَإِنْ كَانَ يُعْتَقُ بِأَرْشِ يده وطلبه العبد جعل قصاصا وعتق وإن مات بعد ذلك ضمن ما يضمن لو جنى على عبد غيره فعتق قبل أن يموت وإن كانت الكتابة غير حالة كان له تعجيل الأرش فإن لم يقبضه حتى مات سقط عنه لأنه صار مالا له) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذْ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، وَانْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى جِنَايَةِ السَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ، وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى نَفْسٍ، فَتَكُونَ هَدَرًا لَا قَوَدَ فِيهَا وَلَا دِيَةَ لِأَنَّهُ عَبْدُهُ، وَالسَّيِّدُ لَا يُقْتَلُ بِعَبْدِهِ، لَكِنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ، فَإِنْ خَلَّفَ الْمَكَاتَبُ مَالًا كان بيده،
فَذَلِكَ الْمَالُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ كَانَ قَاتِلُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَأْخُذُهُ مِيرَاثًا، فَيَمْنَعُهُ الْقَتْلَ مِنْ أَخْذِهِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ مِلْكًا، فَلَمْ يَمْتَنِعْ بِالْقَتْلِ مِنْ أَخْذِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَلَى طَرَفِهِ كَقَطْعِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ، فَلَا قَوَدَ عَلَى السَّيِّدِ فِيهَا، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُقَادُ بِعَبْدِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْيَدِ قَبْلَ انْدِمَالِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَلْزَمُهُ دِيَتُهَا إِلَّا بَعْدَ الِانْدِمَالِ، لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ قَبْلَ انْدِمَالِهَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَةُ الْمُكَاتَبِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِنْظَارُهُ لِأَجْلِ الْجِنَايَةِ وَلِلْمُكَاتَبِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُؤَدِّيَ فَيَعْتِقَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْجِزَ فَيَرِقَّ، فَإِنْ أَدَّى فَعَتَقَ، فَلِلْجِنَايَةِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا أَنْ تَنْدَمِلَ، فَيُحْكَمُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، لِأَنَّهَا لَمْ تَسْرِ، فَرُوعِيَ فِيهَا حُكْمُ الِابْتِدَاءِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَسْرِيَ إِلَى نَفْسِهِ، فَيُحْكَمُ عَلَى السَّيِّدِ بِجَمِيعِ دِيَتِهِ، لِأَنَّهَا سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ حُرٌّ، فَرُوعِيَ فِيهَا حُكْمُ الِانْتِهَاءِ، وَلَا يَرِثُهُ السَّيِّدُ بِالْوَلَاءِ، لِأَنَّهُ قَاتِلٌ، وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَرَقَّ قَبْلَ الِانْدِمَالِ سَقَطَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَنِ السَّيِّدِ، سَوَاءٌ انْدَمَلَتْ أَوْ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ، لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ هَدَرٌ، لَكِنَّهُ يَلْتَزِمُ الْكَفَّارَةَ إِنْ سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ، فَهَذَا حُكْمُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
فَصْلٌ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُعَجِّلُ لَهُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ قَدْ وَجَبَ، فَلَا يُوقَفُ عَلَى ظَنٍّ يُرْتَقَبُ، فَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ لَهُ عَلَى السَّيِّدِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا، أَوْ جَمِيعِ دِيَتِهِ حُرًّا، لِجَوَازِ أَنْ تَسْرِيَ إِلَى نَفْسِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَأَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ يَقِينٌ، فَأَوْجَبْنَاهُ، وَوَقَفْنَا مَا زَادَ عَلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ عَلَى ما يتجدد من بيان، وإن كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْكِتَابَةِ مِنْ أن يكون قد حل أو باقيا إِلَى أَجَلِهِ، فَإِنْ حَلَّ لَمْ يَخْلُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ تَقَاصَّاهُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْأَقَاوِيلِ الْأَرْبَعَةِ.
ثُمَّ رُوعِيَ حَالُهُ بَعْدَ الْقِصَاصِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقَدْرِ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، وَبَرِئَ السَّيِّدُ، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَكْثَرَ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، وَرَجَعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِبَاقِي الْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ أَكْثَرَ بَرِئَ السَّيِّدُ مِنَ الْجِنَايَةِ، وَرَجَعَ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِبَاقِي الْكِتَابَةِ وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ لَمْ يَكُنْ قِصَاصًا، وَتَقَابَضَاهُ، وَطَالَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَالِهِ عَلَى صَاحِبِهِ إلا أن يتبارا عَنْ تَرَاضٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَيَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مُؤَجَّلًا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَعَجَّلَ مِنْ سَيِّدِهِ أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا مِنْ كِتَابَةٍ مُؤَجَّلَةٍ
فَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا مِنْ كِتَابَةٍ مُؤَجَّلَةٍ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَعْجِيلِ مُؤَجَّلٍ، وَإِذَا صَارَ قِصَاصًا كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُمَا إِنْ تَسَاوَيَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَبَرِئَ السَّيِّدُ وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَكْثَرَ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَرَجَعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْبَاقِي وَإِنْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ أَكْثَرَ بَرِئَ السَّيِّدُ وَرَجَعَ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِالْبَاقِي.
فَصْلٌ
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَتَقَاصَّا مَا حَكَمْنَا بِهِ مِنْ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فَلِلْجِنَايَةِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ تَنْدَمِلَ فِي الْكَفِّ، فَالْمُسْتَقِرُّ فِيهَا عَلَى السَّيِّدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ عَبْدًا، فَإِنْ كَانَ مَا حَكَمْنَا بِهِ مِنْ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فَقَدِ اسْتَوْفَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ دِيَتُهُ حُرًّا هِيَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ رَجَعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا زَادَ عَلَيْهَا مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَسْرِيَ الْجِنَايَةُ إِلَى نَفْسِهِ، فَالْمُسْتَقِرُّ عَلَى السَّيِّدِ جَمِيعُ دِيَتِهِ حُرًّا، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ أَدَّاهُ، وَإِنْ كَانَ نِصْفُ قِيمَتِهِ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ رَجَعَ وَارِثُ الْمُكَاتَبِ عَلَى السَّيِّدِ بِتَمَامِ الدِّيَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ وَارِثٌ إِلَّا بِالْوَلَاءِ لَمْ يَرِثْهُ السَّيِّدُ، لِأَنَّهُ قَاتِلٌ، وَكَانَ لِأَقْرَبِ عُصْبَتِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عُصْبَةٌ فَلِبَيْتِ الْمَالِ.
بَابُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَرَقِيقِهِ عَمْدًا
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا جَنَى عَبْدٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ عَمْدًا فَأَرَادَ الْقِصَاصَ وَالسَّيِّدُ الدِّيَةَ فَلِلْمُكَاتَبِ الْقِصَاصُ لِأَنَّ السَّيَدَ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ وَبَدَنِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ عَبْدًا مِنْ عَبْدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ فَهُوَ فِيهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ، لِانْقِطَاعِ يَدِ السَّيِّدِ عَنْ مَالِهِ وَبَدَنِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ الْقَوَدَ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى الْمَالِ وَإِنْ أَرَادَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى الْقَوَدِ، وَيَمْلِكَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى كَسْبِهِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ إِلَّا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ لجميع الأرش) ز
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا طَالَبَ بِالدِّيَةِ، فَفِيهِ عَفْوٌ عَنِ الْقَوَدِ، وَلَوْ طَالَبَ بِالْقَوَدِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَفْوٌ عَنِ الدِّيَةِ لِأَنَّ الدِّيَةَ بدل عن قود، فَكَانَ الْعُدُولُ إِلَى الْبَدَلِ عَفْوًا عَنِ الْمُبْدَلِ ولم يكن العدول أَرْشَ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ يَكُونُ الْعُدُولُ إِلَيْهِ عَفْوًا عَنِ الرَّدِّ، وَلَا تَكُونُ الْمُطَالَبَةُ بِالرَّدِّ عَفْوًا عَنِ الْأَرْشِ، فَأَمَّا الْعَفْوُ عَنِ الْقَوَدِ، فله فيه ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ مُصَرِّحًا بِطَلَبِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ، وَيَسْقُطُ الْقَوَدُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقَوَدِ، وَيُصَرِّحَ بِالْعَفْوِ عَنِ الدِّيَةِ، فَيَصِحَّ عَفْوُهُ عَنِ الْقَوَدِ، وَفِي عَفْوِهِ عَنِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ إِذَا قِيلَ: إِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ الْقَوَدَ وَحْدَهُ، وَأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِاخْتِيَارِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ، وَالْمُكَاتَبُ لَا يُجْبَرُ عَلَى اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فَيَصِحُّ عَفْوُهُ عَنِ الدِّيَةِ كَمَا صَحَّ عَفْوُهُ عَنِ الْقَوَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ عَفْوَهُ عَنِ الدِّيَةِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ صَحَّ عَفْوُهُ عَنِ الْقَوَدِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْقَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ لِأَنَّ فِي عَفْوِهِ عَنْهَا إِسْقَاطًا لِمَا مَلَكَهُ