كتاب السير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
( [سَرِيَّةُ الطَّرَفِ] )
ثُمَّ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى الطَّرَفِ، وَهُوَ مَا دُونَ النَّخِيلِ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ طَرِيقَ النَّقْرَةِ إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابَ نَعَمًا وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَعَادَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
( [سَرِيَّةُ ابْنِ ثَابِتٍ إِلَى حِسْمَى] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ الله بن حَارِثَةَ إِلَى حِسْمَى، وَهِيَ وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فِي خَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ.
وَسَبَبُهُ: أَنَّ نَاسًا مِنْ جُذَامَ قَطَعُوا عَلَى دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ حِينَ عَادَ مِنْ قَيْصَرَ بِرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِجَائِزَةٍ وَكُسْوَةٍ، فَصَارَ إِلَيْهِمْ زَيْدٌ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَأَغَارَ عَلَى نَعَمِهِمْ، فَأَخَذَ مِنَ الْإِبِلِ أَلْفَ بَعِيرٍ وَمِنَ الشَّاةِ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَمِنَ السَّبْيِ مِائَةً مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَرَدَّ زَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ الْجُذَامِيُّ بِالْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - له ولقومه من جذام ليال قَدِمَ عَلَيْهِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تُحَرِّمْ عَلَيْنَا حَلَالًا، وَلَا تُحِلَّ لَنَا حَرَامًا فَأَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ حَرَمَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَلَقِيَهُ بِالْفَحْلَتَيْنِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَذِي الْمَرْوَةِ، فَأَبْلَغَهُ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَدَّ النَّاسَ وَالنَّعَمَ، وَجَمِيعَ مَا كَانَ فِي أَيْدِيِهِمْ.
( [سَرِيَّةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ لِدُعَاءِ مَنْ بِهَا مِنْ بَنِي كَلْبٍ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي شَعْبَانَ، فَأَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَمَّمَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ: " اغْزُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَلَا تُعَذِّبْ وَلَا تَقْتُلْ وَلِيدًا، فَإِنِ اسْتَجَابُوا لَكَ فَتَزَوَّجْ بِنْتَ مَلِكِهِمْ " فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَدِمَ دُومَةَ الْجَنْدَلِ، وَمَكَثَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ رَأْسُهُمُ الْأَصْبَغُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَتَزَوَّجَ بِنْتَهُ تماضر بنت الأصبع، وَهِيَ أُمُّ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَسْلَمَ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَدَفَعَ الْبَاقُونَ الْجِزْيَةَ.
( [سَرِيَّةُ بَنِي سَعْدٍ] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مِائَةِ رَجُلٍ إِلَى بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ فِي الْهَمَجِ مَا بَيْنَ فَدَكَ وَخَيْبَرَ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَمُدُّوا أَهْلَ خَيْبَرَ، وَذَلِكَ
فِي شَعْبَانَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةِ بَعِيرٍ وَأَلْفَيْ شَاةٍ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا وَأَخَذَ مِنْهُ صَفِيَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَقُوحًا تُدْعَى الْجَعْدَةَ ثُمَّ عَزَلَ الْخُمُسَ، وَقَسَمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ( [سَرِيَّةُ أُمِّ قِرْفَةَ] )
ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى أُمِّ قِرْفَةَ بِنَاحِيَةِ وَادِي الْقُرَى عَلَى سَبْعِ لَيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَسَبَبُهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، وَمَعَهُ بَضَائِعُ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَخَرَجَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ فَزَارَةَ، فَضَرَبُوهُ، وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ فَأَحَاطَ بِالْحَاضِرِ، وَأَخَذُوا أُمَّ قِرْفَةَ، وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ، وَبِنْتَهَا جَارِيَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ
وَأَمَّا أُمُّ قِرْفَةَ فَقَتَلَهَا قَيْسُ بْنُ الْمُسَحَّرِ قَتْلًا عَنِيفًا، رَبَطَ رِجْلَيْهَا بِحَبْلٍ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ حَتَّى قَطَعَاهَا، وَأَمَّا جَارِيَةُ فَأَخَذَهَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، فَوَهَبَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَوَهَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِحَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ، وَقَدِمَ زَيْدٌ فَقَرَعَ بَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَامَ إِلَيْهِ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتَّى اعْتَنَقَهُ، وَقَبَّلَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ خَبَرِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِظَفَرِهِ
( [مَقْتَلُ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّةً إِلَى قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ النَّضْرِيِّ بِخَيْبَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ قَبَائِلَ الْعَرَبِ عَلَى حَرْبِ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ وَأَبَا قَتَادَةَ وَخُزَاعِيَّ بْنَ الْأَسْوَدِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ لَيْلًا وَقَتَلُوهُ فِي الظُّلْمَةِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَتْلَهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَخْبَرُوهُ بِقَتْلِهِ وَتَنَازُعِهِمْ فِي قَاتِلِهِ أَخَذَ أَسْيَافَهُمْ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَرَأَى أَثَرَ الدَّمِ فِي ذُبَابِ سَيْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فَقَالَ: " هَذَا قَاتِلُهُ ". ( [سَرِيَّةُ ابْنِ رَوَاحَةَ إِلَى أَسِيرِ بْنِ رَقْرَامٍ] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ إِلَى أَسِيرِ بْنِ رَقْرَامٍ الْيَهُودِيِّ بِخَيْبَرَ فِي شَوَّالٍ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ أَمَّرُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فَسَارَ إِلَى غَطَفَانَ وَبَعَثَهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا أُمِدَّ بِهِمْ فَاسْتَأْمَنُوهُ وَاسْتَأْمَنَهُمْ؛ لِيَأْتِيَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى خَيْبَرَ؛ فَطَمِعَ فِي ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا قَدِ ارْتَدَفَ كُلُّ يَهُودِيٍّ مَعَ مُسْلِمٍ، ثُمَّ نَدِمَ أَسِيرٌ وَأَرَادَ أَنْ يَفْتِكَ بِالْقَوْمِ، فَقَتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ أَسِيرًا، ضَرَبَهُ فَقَدَّ فَخِذَهُ، وَضَرَبَهُ أَسِيد فَشَجَّهُ مَأْمُومَةً وَقُتِلُوا جَمِيعًا، وَلَمْ يُفْلَتْ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَسَلِمَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ
( [سَرِيَّةُ كُرْزٍ لِلْعُرَنِيِّينَ] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى الْعُرَنِيِّينَ سَرِيَّةَ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيِّ فِي شَوَّالٍ
وَسَبَبُهَا: أَنَّ ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَسْلَمُوا وَاسْتَوْبَئُوا الْمَدِينَةَ، فَأَنْفَذَهُمْ إِلَى لِقَاحَةٍ بِذِي الْجَدْرِ نَاحِيَةَ قُبَاءَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانُوا فِيهَا يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، فَغَدَوْا عَلَى اللِّقَاحِ، فَاسْتَاقُوهَا، وَأَدْرَكَهُمْ يَسَارٌ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي نَفَرٍ مَعَهُ فَقَاتَلَهُمْ، فَقَطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَغَرَسُوا الشَّوْكَ فِي لِسَانِهِ وَعَيْنَيْهِ حَتَّى مَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ عِشْرِينَ فَارِسًا مَعَ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيِّ: فَأَدْرَكَهُمْ وَرَبَطَهُمْ وَأَرْدَفَهُمْ عَلَى الْخَيْلِ، وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ بِالْغَابَةِ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ وَصُلِبُوا هُنَاكَ فَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرض فسادا أن يقتلوا﴾ [الآية المائدة: 33] ، فَمَا سَمَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَيْنًا، وَكَانَ اللِّقَاحُ خمس عشرة لقحة، فاستردت الألقحة وَاحِدَةٌ نَحَرُوهَا.
( [سَرِيَّةُ عَمْرٍو وَسَلَمَةَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّةَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، وَسَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ بِمَكَّةَ.
وَسَبَبُهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ قَالَ لِقُرَيْشٍ: أَلَا رَجُلٌ يَغْتَالُ مُحَمَّدًا؛ فَإِنَّهُ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَضَمِنَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً وَبَذَلَ لَهُ جُعْلًا، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ خَامِسَةٍ فَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ، وَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنَّ هَذَا لَيُرِيدُ غَدْرًا " فَذَهَبَ الْأَعْرَابِيُّ، لِيَجْنِيَ عَلَيْهِ فَجَذَبَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَوَجَدَ فِي إِزَارِهِ خِنْجَرًا، فَقَالٍ: دَمِي دَمِي، فَسَأَلَهُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ حَالِهِ: وَقَالَ: اصْدُقْنِي.
قَالَ: وَأَنَا آمِنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ وَمَا جَعَلَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ فِي قَتْلِهِ فَخَلَّاهُ فَأَسْلَمَ وَبَعَثَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ، وَكَانَ مِنْ فُتَّاكِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ؛ لِيُصَادِفَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ غِرَّةً، فَيَقْتُلَاهُ فَقَدِمَا مَكَّةَ وَطَافَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بِالْبَيْتِ فَرَآهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَعَرَفَهُ فَأَنْذَرَ بِهِ، وَقَالَ: مَا قَدِمَ هَذَا لِخَيْرٍ، فَطُلِبَ فَهَرَبَا؛ وَقَتَلَ عَمْرٌو نَفَسَيْنِ سَمِعَ أَحَدَهُمَا يَتَغَنَّى وَيَقُولُ:
(وَلَسْتُ بِمُسْلِمٍ مَا دُمْتُ حَيًّا ... وَلَسْتُ أَدِينُ دِينَ الْمُسْلِمِينَا)
فَقَتَلَهُمَا عَمْرٌو، ثُمَّ وَجَدَ فِي طَرِيقِهِ رَسُولَيْنِ لِقُرَيْشٍ، فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا، وَأَسَرَ الْآخَرَ، وَقَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ، وَجَعَلَ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بحاله، وهو يضحك
(فصل: [غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَعَا أَصْحَابَهُ إِلَى الْعُمْرَةِ فَتَهَيَّئُوا وَأَسْرَعُوا، فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَاغْتَسَلَ، وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ، وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ الْقَصْوَى وَخَرَجَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ هِلَالَ ذِي الْقَعْدَةِ فِي أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةٍ.
وَقِيلَ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَسَاقَ سَبْعِينَ بَدَنَةً مِنْهَا جَمَلُ أَبِي جَهْلٍ الَّذِي غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَحَلَّلَهَا وَأَشْعَرَهَا فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ وَقَلَّدَهَا، وَهُنَّ مُوَجَّهَاتٌ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَلَبَّى وَقَدَّمَ أَمَامَهُ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ طَلِيعَةً، وَبَلَغَ قُرَيْشًا مَسِيرُهُ فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى صَدِّهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَعَسْكَرُوا بِبَلْدَحَ، وَقَدَّمُوا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ، فَوَقَفَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فِي خَيْلِهِ بِإِزَائِهِ، وَحَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ فَصَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ فِي عُسْفَانَ، صَلَاةَ الْأَمْنِ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَقَرُبَتْ خَيْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى دَنَا مِنْهَا وَهِيَ طَرَفُ الْحَرَمِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، فَبَرَكَتْ نَاقَتُهُ الْقَصْوَاءُ فَزَجَرُوهَا، فَأَبَتْ أَنْ تَنْبَعِثَ فَقَالُوا: خَلَأَتْ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَيْ: رَجَعَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَا خَلَأَتْ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، أَمَا وَاللَّهِ لَا يَسْأَلُونِي الْيَوْمَ خُطَّةً فِيهَا تَعْظِيمُ حرمة لله إلا أعطيتم إِيَّاهَا " ثُمَّ زَجَرَهَا، فَقَامَتْ، فَوَلَّى رَاجِعًا عَوْدَهُ عَلَى بَدْئِهِ حَتَّى نَزَلَ بِالنَّاسِ عَلَى ثَمَدٍ من ثماد الحديبية قليل الماء، فانتزع منها مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَغُرِسَ فِيهَا فَجَاشَتْ لَهُمْ بِالرِّوَاءِ حَتَّى اغْتَرَفُوا بِآنِيَتِهِمْ جُلُوسًا عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ، وَمُطِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى كَثُرَتِ الْمِيَاهُ، وَجَاءَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي رَكْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَقَالَ: قَدْ جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ قَوْمِكَ وَإِنَّهُمْ جَمَعُوا لَكَ مَنْ أَطَاعَهُمْ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ أَنَّهُمْ لَا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ حَتَّى تبيد ضفراءهم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَا جِئْنَا لِقِتَالٍ وَإِنَّمَا جِئْنَا لِلطَّوَافِ بِهَذَا الْبَيْتِ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ " وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَصْحَابِهِ سِلَاحٌ إِلَّا سُيُوفُ الْمُسَافِرِينَ فِي أَغْمَادِهَا، فَعَادَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ
الثَّقَفِيَّ، فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَ قَبْلَهُ خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الْكَعْبِيَّ، وأمره أن ينبىء قُرَيْشًا أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ، وَإِنَّمَا جِئْنَا زُوَّارًا لِهَذَا الْبَيْتِ، وَمَعَنَا هَدْيٌ نَنْحَرُهُ، وَنَنْصَرِفُ، فَأَتَاهُمْ عُثْمَانُ، وَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: لَا كَانَ هَذَا أَبَدًا، وَلَا يَدْخُلُهَا فِي هَذَا الْعَامِ، وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ فَبَايَعَ أَصْحَابَهُ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَبَايَعَ لِعُثْمَانَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى الصُّلْحِ وَالْمُوَادَعَةِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فِي عِدَّةٍ مِنْ رِجَالِهِمْ لِعَقْدِ الصُّلْحِ وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو اصْطَلَحَا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ عَلَى أَنَّهُ لَا أَسْلَالَ وَلَا أَغْلَالَ، وَأَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَأَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ مُحَمَّدٍ وَعَقْدِهِ دَخَلَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهَا دَخَلَ، وَأَنَّهُ مَنْ أَتَى مِنْهُمْ مُحَمَّدًا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ فِي عَامِهِ هَذَا بِأَصْحَابِهِ، وَيَدْخُلُ عَلَيْنَا قَابِلَ فِي أَصْحَابِهِ فَيُقِيمُ ثَلَاثًا لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا إلا بسلاح سِلَاحَ الْمُسَافِرِ السُّيُوفَ فِي الْقُرُبِ.
شَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَمِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَدْرَ هَذَا الْكِتَابِ وَكَتَبَ عَلِيٌّ نُسْخَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالْأُخْرَى مَعَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَقَالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ فِي عَهْدِ مُحَمَّدٍ وَعَقْدِهِ وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ، وَقَالُوا: نَحْنُ نَدْخُلُ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَخَرَجَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ مَكَّةَ يُجْعَلُ فِي قَيْدِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا أَوَّلُ مَنْ أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِأَبِي جَنْدَلٍ: " قَدْ تَمَّ الصلح بيننا وبين القوم فاصبر حتى يجعل اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا " وَانْطَلَقَ سُهَيْلٌ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَدْيَهُ، وَحَلَقَ شَعْرَهُ، حَلَقَهُ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ الْكَعْبِيُّ وَحَلَقَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَقَصَرَّ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اللَّهْمَ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا "، فَقِيلَ: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: " وَالْمُقَصِّرِينَ "، وَأَقَامَ بالحديبية بضع عشرة يَوْمًا.
وَقِيلَ: عِشْرِينَ يَوْمًا فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] فَقَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أو فتح هُوَ؟ قَالَ " إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ " فَهَنَّأَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَهَنَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَذَكَرَ جَابِرٌ أَنَّ عَطَشًا أَصَابَهُمْ، فَأَتَى
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِتَوْرٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِيهِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، كَأَنَّهَا الْعُيُونُ حَتَّى ارْتَوَى جَمِيعُ النَّاسِ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةَ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مَا كَانَ فِيهَا، وَكَانَ أَبْرَكَ عَامٍ وَأَيْمَنَ صُلْحٍ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ فِيهِ مِنَ النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ أسلم من قبل، وقرىء فِي عَقْدِ هَذَا الصُّلْحِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ جَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ كَرِهُوهُ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَلَسْتَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: أَوَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: أَوَلَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ: " أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ " فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: مَا زِلْتُ أَصُومُ وَأَتَصَدَّقُ وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُ يَوْمَئِذٍ مَخَافَةَ كَلَامِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الصَّحِيفَةُ ابْتَدَأَتْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو نَعْرِفُ اللَّهَ، وَمَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ، فَكَتَبَ سُهَيْلٌ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَتَبَ هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا نَازَعْنَاكَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: " اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْحُوَ اسْمَكَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِيَدِهِ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: " إِنَّكَ سَتُسَامُ إِلَى مِثْلِهَا فَتُجِيبُ "، فَكَانَ مَا دُعِيَ إِلَيْهِ فِي التَّحْكِيمِ فِي مَحْوِ اسْمِهِ مِنْ إِمَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ، تَوَقَّفُوا، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَشَكَى ذَلِكَ إِلَيْهَا، فقالت: ابتدئي أَنْتَ بِالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ، فَإِنَّهُمْ سَيَتْبَعُونَكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَفَعَلُوا.
( [خُرُوجُ رُسُلِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُلُوكِ] )
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهِيَ سَنَةُ سِتٍّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رُسُلَهُ إِلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إِلَى كِسْرَى مِلْكِ الْفُرْسِ
وَبَعَثَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ إِلَى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ
وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ.
وَبَعَثَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ صَاحِبِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ.
وَبَعَثَ سَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى صَاحِبِ الْبَحْرَيْنِ وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيَفْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ الْجَلَنْدِيِّ صَاحِبَيْ عُمَانَ، فَكَانَ لَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزْوَةٌ وَاحِدَةٌ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سَرِيَّةً.
(فصل: [غزوة خيبر] )
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَزْوَةَ خَيْبَرَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَهِيَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ غَزَاهَا فِي الْمُحَرَّمِ، نَادَى فِي النَّاسِ بِالْخُرُوجِ إِلَى جِهَادِ خَيْبَرَ فَتَجَهَّزُوا، وَخَرَجُوا وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ وَأَخْرَجَ مَعَهُ أُمَّ سَلَمَةَ، وَفَرَّقَ الرَّايَاتِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ خَيْبَرَ رَايَاتٌ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْأَلْوِيَةُ وَكَانَتْ رَايَاتُهُ سَوْدَاءَ اتَّخَذَهَا مِنْ بُرْدٍ لِعَائِشَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَدَفَعَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَايَةً، وَإِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَايَةً، وَإِلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ رَايَةً، وَسَارَ إِلَى خَيْبَرَ فَنَزَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَطَفَانَ لِئَلَّا يُظَاهِرُوا أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَيْهِ وَقَالَ حِينَ رَأَى خَيْبَرَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ " وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْأَمْوَالِ فَأَخَذَهَا ثُمَّ فَتَحَهَا حِصْنًا حِصْنًا، فَكَانَ أَوَّلَ حِصْنٍ فَتَحَهُ حِصْنُ نَاعِمٍ وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، بِرَحًّا أُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِصْنِ، ثُمَّ فَتَحَ بَعْدَهُ الْقَمُوصَ حِصْنَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَاصْطَفَى مِنْ سَبَايَاهُ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَرَأَى فِي وَجْهِهَا أَثَرًا، فَقَالَ: " مَا هَذَا الْأَثَرُ؟ فَذَكَرَتْ أَنَّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ، وَهِيَ عَرُوسٌ بِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ أَنَّ قَمَرًا وَقَعَ فِي حِجْرِهَا، فَعَرَضَتْ رُؤْيَاهَا عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا أَنَّكِ تُرِيدِينَ مَلِكَ الْحِجَازِ مُحَمَّدًا، وَلَطَمَ وَجْهَهَا فَاخْضَرَّ مِنْ لَطْمَتِهِ، وَهَذَا أَثَرُهُ وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكَانَ عِنْدَهُ كَنْزٌ لِبَنِي النَّضِيرِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَأَنْكَرَهُ، فَأَتَاهُ يَهُودِيٌّ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يُطِيفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلَّ غَدَاةٍ، فَقَالَ لِكِنَانَةَ: " إِنْ وَجَدْتُ هَذَا الْكَنْزَ عِنْدَكَ أَقْتُلْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَأَمَرَ بِالْخَرِبَةِ، فَحُفِرَتْ فَخَرَجَ مِنْهَا بَعْضُ الْكَنْزِ، وَسَأَلَهُ عَنْ بَاقِيهِ، فَأَنْكَرَهُ، فَسَلَّمَهُ إِلَى الزُّبَيْرِ فَعَذَّبَهُ حَتَّى اسْتَخْرَجَ مِنْهُ الْبَاقِيَ ثُمَّ سَلَّمَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ حَتَّى قَتَلَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ يُسْبَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ إِلَّا آلُ أَبِي الْحُقَيْقِ لأجل هذا
ثم فتح حصن الشق وحصن النطاة وحصن الصعب بن معاذ وَكَانَ أَكْبَرَ الْحُصُونِ وَأَكْثَرَهَا مَالًا، وَحِصْنَ الْكُتَيْبَةِ وَبَقِيَ حِصْنُ الْوَطِيحِ، وَحِصْنُ السَّلَالِمِ، فَحَاصَرَهُمَا بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَعِنْدَهُمَا اشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَبَرَزَ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: (قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ)
(أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ ... أَكْفَى إِذَا أَشْهَدُ مَنْ تَغَيَّبَ)
(فَإِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَحَرَّبُ ... كَأَنَ حِمَايَ لِلْحِمَى لَا يُقْرَبُ)
فَبَرَزَ إِلَيْهِ مِنْ مَثَّلَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ، فَحَكَى جَبَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ بَرَزَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَتَلَهُ.
وَحَكَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَيَلْبَثُ فِيهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ، فَأَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ بِخَيْبَرَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ أَبُو بَكْرٍ وَنَهَضَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَجَعَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عُمَرُ فَنَهَضَ، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ وَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " وَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّهَا غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَفَعَ الرَّايَةَ إِلَى عَلِيٍّ، وَكَانَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ، فَتَفَلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ رِيقِهِ وَخَرَجَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ مَرْحَبٌ مُرْتَجِزًا بِمَا قَالَ مِنْ رَجَزِهِ:
(أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السَّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ)
فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ، وَهُوَ يَقُولُ: (أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَة ... أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَة)
(لَيْثُ غابات شديد قسوره ... ) . فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ فَتَحَ الْحِصْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، وَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَهَدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْيَهُودِيَّةُ، وَهِيَ بِنْتُ أَخِي مَرْحَبٍ وَامْرَأَةُ سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ شَاةً مَصْلِيَّةً مَسْمُومَةً، وَأَكْثَرَتْ مِنْ سُمِّهَا فِي الذِّرَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَخَذَ الذِّرَاعَ وَمَضَغَهُ، وَلَمْ يَسُغْهُ وَأَكَلَ مَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَأَمَّا بِشْرٌ فَمَاتَ، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الْعَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أَنَّهُ
مَسْمُومٌ " وَدَعَى بِالْمَرْأَةِ، وَسَأَلَهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَتْ: بَلَغْتَ مِنْ قَوْمِي مَا بَلَغْتَ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ وَاخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ قَتَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمْ لَا؟ فَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ قَتَلَهَا، وَحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ تَجَاوَزَ عَنْهَا، وَأَنَّ أُمَّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ لَهَا: " يَا أُمَّ بِشْرٍ إِنَّ هَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنَ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُهَا مَعَ ابْنِكِ بِخَيْبَرَ "
وَالْأَبْهَرُ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ، فَكَانَ قَوْمٌ يَرَوْنَ أَنَّهُ مَاتَ مَعَ كَرَامَةِ اللَّهِ [له بالنبوة] شَهِيدًا وَلَمَّا جُمِعَتِ الْغَنَائِمُ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا فَرْوَةَ بْنَ عَمْرٍو الْبَيَاضِيَّ وَأَمَّرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ إِحْصَاءَ النَّاسِ فَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَالْخَيْلُ مِائَتَا فَرَسٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ فَارِسٍ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا، فَقَسَمَ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، جَعَلَ نِصْفَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِنَوَائِبِهِ، وَنَصْفَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِلْغَانِمِينَ، فَأَعْطَى كُلَّ مِائَةٍ سَهْمًا، وَعَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بَعْدَ زَوَالِ مُلْكِهِمْ عَنْهَا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ ثَمَرِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ عِنْدَ مُسَاقَاتِهِمْ: " أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ " وَكَانَتْ حُصُونُهُمْ ثَمَانِيَةً أَخَذَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالنِّصْفِ الَّذِي لَهُ ثَلَاثَةَ حُصُونٍ الْكُتَيْبَةُ وَالْوَطِيحُ وَالسَّلَالِمُ، وَدَفَعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بِالنِّصْفِ خَمْسَةَ حُصُونٍ ناعم والقموص وشق والنطاة وَحِصْنُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ.
وَفِي خَيْبَرَ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نِكَاحَ الْمُتْعَةِ وَأَكْلَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ
وَفِي خَيْبَرَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الدَّوْسِيُّونَ وَفِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّونَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَنْ تَخَلَّفَ بِهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ نَفَسًا، فِيهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي سَفِينَتَيْنِ حَمَلَهُمُ النَّجَاشِيُّ فِيهَا، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ فِي حَمْلِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ما أدري أيهما أُسَرُّ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ " وَقَدِمَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ أَنْ تزوجها
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَسَاقَ النَّجَاشِيُّ صَدَاقَهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَقُتِلَ بِخَيْبَرَ مِنَ الْيَهُودِ ثَلَاثَةٌ وَتِسْعِينَ رَجُلًا، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ فَدَكَ مَا فُعِلَ بِأَهْلِ خَيْبَرَ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ، وَيُسَيِّرَهُمْ وَيُخَلُّوَا لَهُ أَمْوَالَهُمْ، ومشى وبينه وَبَيْنَهُمْ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَاسْتَقَرَّ عَلَى هَذَا، وَصَارَتْ فَدَكُ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِلَا إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ فَيْئًا لَهُ، وَكَانَتْ خَيْرَ غَنِيمَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَلَمَّا صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الثَّمَرِ صَالَحَ أَهْلَ فَدَكَ عَلَى مِثْلِهِ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ بِعَمَلِهِمْ وَنِصْفُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْفَيْءِ.
وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي سَفَرِهِ هَذَا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ: " إِذَا نَسِيتُمُ الصَّلَاةَ فَصَلُّوهَا إِذَا ذكرتموها، فإن الله تعالى يقول: ﴿أقم الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ " [طه: 14] .
وَلَمَّا عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ اتَّخَذَ مِنْبَرَهُ دَرَجَتَيْنِ وَالْمُسْتَرَاحَ، وَصَارَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَلَمَّا عدل عنه إلى المنبر حن إليه
(فصل: [سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد خيبر] )
( [سرية عجز هوازن] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَ خَيْبَرَ خَمْسَ سَرَايَا فَأَوَّلُهَا سَرِيَّةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي شَعْبَانَ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا إلى عجز هوازن، وهم في متربة عَلَى أَرْبَعِ لَيَالٍ مِنْ مَكَّةَ طَرِيقًا صَعْبًا فَهَرَبُوا، وَعَادَ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
[سَرِيَّةُ بَنِي فَزَارَةَ] )
ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ سَرِيَّةَ أَبِي بَكْرٍ فِي شَعْبَانَ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ بِنَجْدٍ، فَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَسَبَى، وَقَتَلَ.
( [سَرِيَّةُ بَنِي مُرَّةَ] )
ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ سَرِيَّةَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ فِي شَعْبَانَ إِلَى بَنِي مُرَّةَ بِنَاحِيَةِ فَدَكَ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا فَاسْتَاقُوا أَنْعُمَ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَدْرَكُوهُمْ، فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعًا إِلَّا بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ نَجَا وَحْدَهُ وَاسْتَرْجَعُوا النَّعَمَ.
( [سَرِيَّةُ بَنِي عِمْرَانَ] )
ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ سَرِيَّةَ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى بَنِي عِمْرَانَ وَهُمْ بِالْمِيفَعَةِ وَرَاءَ بَطْنِ نَخْلٍ بِنَجْدٍ فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَاسْتَاقُوا نَعَمَهُمْ إِبِلًا وَشِيَاهًا فَقَدِمُوا بِهَا الْمَدِينَةَ، وَلَمْ يَأْسِرُوا أَحَدًا وَفِيهَا: قَتَلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ الرَّجُلَ الَّذِي قَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ أُسَامَةُ: إِنَّهُ قَالَهَا مُتَعَوِّذًا، فَقَالَ: هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ ( [سَرِيَّةُ غَطَفَانَ] )
ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ فِي شَوَّالٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ إِلَى غَطَفَانَ، وَكَانُوا عَلَى الِاجْتِمَاعِ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَدْرَكَ نَعَمَهُمْ.
فَسَاقَهَا، وَهَرَبُوا فَأَسَرَ مِنْهُمْ نَفْسَيْنِ قَدِمَ بهما المدينة فأسلما فأرسلهما.
(فصل: [عمرة القضاء] )
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ فِي هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ صَدُّوهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ عن عمرته أن يقضيها مده العام المقبل، فنادى في أصحابه أن لايتخلف أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، فَخَرَجُوا جَمِيعًا إِلَّا مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ أَوْ مَاتَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ من المسلمين عمار لم يشهد الْحُدَيْبِيَةَ، حَتَّى صَارُوا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ أَلْفَيْنِ وَقَادَ مِائَةَ فَرَسٍ، وَخَرَجُوا بِالسِّلَاحِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ الْغِفَارِيَّ وَسَاقَ مَعَهُ سِتِّينَ بَدَنَةً، وَخَرَجَ فِي مِثْلِ الشَّهْرِ الَّذِي صُدَّ فِيهِ وَسَارَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَأَحْرَمَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَلَبَّى وَأَحْرَمَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَبَّوْا وَقَدَّمَ أَمَامَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فِي الْخَيْلِ إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَسَارَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةِ الْحَجُونِ، وَالْمُسْلِمُونَ مُتَوَشِّحُونَ بِالسُّيُوفِ يَمْشُونَ حَوْلَهُ مُلَبِّينَ، وَابْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
(خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ ... قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهْ)
(فِي صُحُفٍ تُتْلَى عَلَى رسوله ... إني شَهِيدٌ أَنَّهُ رَسُولُهْ)
(يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بقبله ... أَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ فِي قَبُولِهْ)
(فَالْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهْ ... كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ)
(ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهْ)
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِيهًا ابْنَ رَوَاحَةَ.
قُلْ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ " فَقَالَهَا: وَقَالَهَا النَّاسُ، وَدَخَلَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ وَطَافٍ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُضْطَجِعًا بِثَوْبِهِ مِنْ فَوْقِ مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ وَتَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَسَعَى فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ، وَمَشَى فِي الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا حِينَ رَأَوُا المسلمين وقد هربوا منهم إلى رؤوس الْجِبَالِ: أَمَا تَرَوْهُمْ قَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " رحم الله امرءا أَظْهَرَ نَشَاطًا، وَجَلَدًا، وَأَضْطَبَعَ وَرَمَلَ فَاضْطَبَعُوا، وَرَمَلُوا ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا أَمَرَ بِالسَّعْيِ فِي الثَّلَاثِ وَالْمَشْيِ فِي الْأَرْبَعَةِ بَقْيًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا رَاكِبًا عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَقَالَ: " كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ " وَفَعَلَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَكَانَ قَدِ اسْتُوْقِفَ قَوْمٌ مِنْهُمْ بِبَطْن يَأْجِحَ فَمَرَّ مَنْ طَافَ وَسَعَى، فَوَقَفَ مَوْقِفَهُمْ، وَجَاءَ مَنْ تَخَلَّفَ هُنَاكَ فَطَافُوا وَسَعَوْا، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الكعبة فلم ينزل فِيهَا إِلَى الظُّهْرِ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةَ زَوَّجَهُ بِهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الظُّهْرِ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَاهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَحَاطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَقَالَا لَهُ: قَدِ انْقَضَى أَجْلُكَ، فَاخْرُجْ عَنَّا، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ بِالْأَبْطَحِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ، وَأَنْ لَا يُمْسِيَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَكِبَ حَتَّى نَزَلَ سَرِفَ، وَأَقَامَ أَبُو رَافِعٍ بِمَكَّةَ حَتَّى أَمْسَى، ثُمَّ حَمَلَ مَيْمُونَةَ، فَبَنَى بِهَا بِسَرِف وَحَمَلَ مَعَهُ عُمَارَةَ بِنْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدُ بْنُ
حَارِثَةَ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِجَعْفَرٍ؛ لِأَنَّ خَالَتَهَا أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَقَالَ: " الْخَالَةُ وَالِدَةٌ " ثُمَّ أَدْلَجَ حَتَّى قدم المدينة.
(فصل: [سرية ابن أبي العوجاء] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ فِي بَقِيَّةِ هَذِهِ السَّنَةِ سَرِيَّةَ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ فِي ذِي الْحِجَّةِ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُ عَيْنٌ لَهُمْ تَقْدُمُهُ بِإِنْذَارِهِمْ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ أَحَاطُوا بِجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ وَقَتَلُوهُمْ بِأُسَرِهِمْ، وَأُصِيبَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ جَرِيحًا فَتَمَاثَلَ وَوَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنْتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ كِسْرَى أَبْرَوَيْزَ وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مِنْ مَكَّةَ.
سُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ عَامَ خَيْبَرَ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مَا كَانَ فِيهَا فَكَانَ له فيها غزوة وست سرايا.
(فصل: [ذِكْرُ سَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ] )
( [غَزْوَةُ غَالِبٍ الليثي بني الملوح] )
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ، بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى بَنِي الْمُلَوَّحِ بِالْكَدِيدِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَاقُوا نَعَمَهُمْ، وَأَدْرَكَهُمُ الطَّلَبُ، فَجَاءَتْ سَحَابَةُ مَطَرٍ مَلَأَتِ الْوَادِي مَاءً فَحَالَ بَيْنَهُمْ، وَقَدِمُوا بِالنَّعَمِ الْمَدِينَةَ.
ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهَا فِي بَقِيَّةِ صَفَرٍ إِلَى حِصَارِ أَصْحَابِ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ في مائتي رجل فيهم أمامة بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وَقَالَ: مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي، فَقَدْ عَصَانِي وَأَمَرَهُمْ بِشَنِّ الْغَارَةِ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ قَتْلَى، وَأَصَابُوا لَهُمْ نَعَمًا.
( [سَرِيَّةُ شُجَاعٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ بِالسِّيِّ] )
ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةَ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، إِلَى جَمْعِ هَوَازِنَ بالسي بِنَاحِيَةِ رُكْبَةَ مِنْ وَرَاءِ الْمَعْدِنِ عَلَى خَمْسِ لَيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ
0 - رَجُلًا، فَاسْتَاقُوا نَعَمًا كَثِيرًا، وَشَاءً أَصَابَ السَّهْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَعَدَلَ الْبَعِيرَ بِعَشَرَةٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَغَابَتِ السَّرِيَّةُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً
ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةَ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ، وَهِيَ وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَوَجَدُوا بِهَا جَمْعًا كَثِيرًا فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا، وَقَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ، حَتَّى قُتِلُوا جَمِيعًا، وَأَفْلَتَ جَرِيحٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُتَحَامِلًا، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِخَبَرِهِمْ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَهَمَّ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ بَعْثًا فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ قَدْ بَعُدُوا فَكَفَّ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُسْلِمًا وَقَدِمَ مَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَلَا أَذْكُرُ مَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يا عمر بايع، فإن الإسلام يجب ما قبله "
(فصل: [غزوة مؤتة] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِجَيْشِ مُؤْتَةَ وَهِيَ بِأَرْضِ الشَّامِ بِأَدْنَى الْبَلْقَاءِ وَالْبَلْقَاءُ دُونَ دِمَشْقَ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
وَسَبَبُهَا أَنَّهُ بَعَثَ الْحَارِثَ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَزْدِيَّ رَسُولًا بِكِتَابٍ إِلَى مَلِكِ بُصْرَى، فَلَمَّا نَزَلَ مُؤْتَةَ عَرَضَ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ، فَقَتَلَهُ فلم يُقْتَلْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَسُولٌ غَيْرُهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَنَدَبَ النَّاسَ، فَأَسْرَعُوا وَعَسْكَرُوا بِالْجُرْفِ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَمِيرُ النَّاسِ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ قُتِلَ، فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَإِنْ قُتِلَ، فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ منهم رجلا "
وأوصاهم أن يأتوا مقتل الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَيَدْعُوا مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنِ اسْتَجَابُوا وَإِلَّا اسْتَعَانُوا بِاللَّهِ وَقَاتَلُوهُمْ، وَخَرَجَ مُشَيِّعًا لَهُمْ حَتَّى بَلَغَ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ أُمَرَاؤُهُ أَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مُوَدِّعًا فَقَالَ وَهُوَ يَبْكِي وَاللَّهِ مَا بِي حُبٌّ لِلدُّنْيَا وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ وَذَكَرَ النَّارَ فَقَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 71] فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ بَعْدَ الْوُرُودِ فَقَالَ.
الْمُسْلِمُونَ " صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
(لَكِنِّي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا)
(أَوْ طَعْنَةً بِيَدِي حَرَّانَ مُجْهِزَةً ... بَحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا)
(حَتَى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي ... أَرْشَدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا)
ثُمَّ سَارُوا فَسَمِعَ الْعَدُوُّ بِمَسِيرِهِمْ، فَجَمَعَ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَبَهْرَاءَ وَبَلِيٍّ، وَأَقْبَلَ هِرَقْلُ فِي الرُّومِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ، وَنَزَلَ المسلمون مكان مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَبَلَغَهُمْ كَثْرَةُ الْجُمُوعِ عَلَيْهِمْ، فَعَزَمُوا عَلَى الْمَقَامِ بِمَكَانِهِمْ حَتَّى يَسْتَأْمِرُوا رَسُولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِيمَا يَأْتُونَهُ فَحَثَّهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ عَلَى الْمَسِيرِ فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا مُؤْتَةَ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ، وَالْعُرُوبَةِ حَتَّى نَزَلُوا شَارِقَ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ وَالْتَحَمَتِ الْحَرْبُ فِي مُؤْتَةَ، وَقَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَتَقَدَّمَ بِالرَّايَةِ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَقَاتَلَ حَتَّى طَاشَتْ بِهِ الرِّمَاحُ، فَقُتِلَ به حتى أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَنَزَلَ عن فرس له شفراء عَقَرَهَا، وَكَانَ أَوَّلَ فَرَسٍ عَقَرَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَقَاتَلَ وَالْجِرَاحُ تَأْخُذُهُ حَتَّى ضَرَبَهُ رُومِيٌّ، فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، فَوُجِدَ فِي أَحَدِ نِصْفَيْهِ بِضْعَةٌ وَثَلَاثِينَ جُرْحًا وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ أَكْثَرُ مِنْهُ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي بَدَنِهِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ جِرَاحَةً مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَرَأَى فِي نفسه ما استبشر لها فقال: (أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو فلتكرهنه)
(إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... مالي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّة)
(قَدْ طَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّة ... هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّة)
ثم نزل عن فرسه؛ لأن زيدا وجعفر قَاتِلَا رَجَّالَةً وَسَارَ بِالرَّايَةِ وَهُوَ يَقُولُ: (يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قد صليت)
(وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ)
وَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَرْقَمَ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيَّ إِلَيَّ، وَرَكَزَ الرَّايَةَ حَتَّى اجْتَمَعُوا إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ فَقَالُوا: أَنْتَ لَهَا، فَقَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَأَخَذَ الرَّايَةَ، وَدَافَعَ الْقَوْمُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى انْصَرَفَ النَّاسُ، وَرُفِعَتِ الْأَرْضُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى نَظَرَ مُعْتَرَكَ الْقَوْمِ، فَأَمَرَ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَقَالَ: " أَيُّهَا النَاسُ بَابُ خَيْرٍ بَابُ خَيْرٍ أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا فَلَقَوُا الْعَدُوَّ فَقُتِلَ زَيْدٌ
شَهِيدًا وَاسْتَغْفَرَ لَهُ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرٌ فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا وَاسْتَغْفَرَ لَهُ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَهُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ " وَلَكِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ فَبَاءَ بِنَصْرٍ، فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ سَيْفَ اللَّهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْغَدِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَهُوَ يَبْتَسِمُ فَقَالَ لَهُ الناس: قد علم الله ما كان مِنَ الْوَجْدِ فَلِمَاذَا تَبْتَسِمُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَحْزَنَنِي قَتْلُ أَصْحَابِي حَتَّى رَأَيْتُهُمْ فِي الْجَنَّةِ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِهِمْ إعراضا كأنه كره السيف، ورأيت جعفر مَلَكَا ذَا جَنَاحَيْنِ مُضَرَّجًا بِالدِّمَاءِ مَصْبُوغَ الْقَوَادِمِ.
فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ الطَّيَّارَ، وَلَمَّا قَدِمَ النَّاسُ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ وَاسْتَقْبَلُوهُمْ بِالْجُرْفِ، وَجَعَلَ قَوْمٌ يَحْثُونَ التُّرَابَ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُونَ: يَا فُرَّارُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ "
(فصل: [سرية ذات السلاسل] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَ جَيْشِ مُؤْتَةَ، وَقَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أَرْبَعَ سَرَايَا أَوَّلَهُنَّ سَرِيَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَسَبَبُهَا: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ قُضَاعَةَ قَدْ تَجَمَّعُوا يُرِيدُونَ أَطْرَافَ الْمَدِينَةِ، فَأَنْفَذَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَعَهُمْ ثَلَاثُونَ فَرَسًا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَبَلَغَهُ كَثْرَةُ جَمْعِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَسْتَمِدُّهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِعَمْرٍو وَلَا يَخْتَلِفَانِ، فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ حِينَ اجْتَمَعَا أَنْ يَؤُمَّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا وَرَدْتَ مَدَدًا وَأَنَا الْأَمِيرُ، فَأَطَاعَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَصَلَّى عمرو بالناس، ووطىء بِلَادَهُمْ، وَقَلَّلَ جَمْعَهُمْ حَتَّى انْهَزَمُوا مُتَفَرِّقِينَ.
( [سَرِيَّةُ الْخَبَطِ] )
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَرِيَّةَ الْخَبَطِ فِي رَجَبٍ أَمِيرُهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي
ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ بِالْقِبْلِيَّةِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خُمْسُ لِيَالِ، فَأَصَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ جُوعٌ شَدِيدٌ، فَأَكَلُوا الْخَبَطَ، فَسُمِّيَتْ سَرِيَّةَ الْخَبَطِ، وَابْتَاعَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ جَزُورًا نَحَرَهَا لَهُمْ وَأَلْقَى الْبَحْرُ إِلَيْهِمْ حُوتًا عَظِيمًا، يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ، فَأَكَلُوا منه وانصرفوا، ولم يلقوا كيدا.
( [سرية أبي قتادة الأنصاري إلى حضرموت] )
ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةَ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى حَضْرَمَوْتَ وَهِيَ أَرْضُ مُحَارِبٍ بِنَجْدٍ فِي شَعْبَانَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا إِلَى غَطَفَانَ، فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْهُمْ وَسَبَى كَثِيرًا، وَغَنَمَ مِائَتَيْ بَعِيرٍ وَأَلْفَيْ شَاةٍ وَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ بَعْدَ الْخُمُسِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَعَادُوا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
( [سَرِيَّةُ أَبِي قَتَادَةَ إِلَى بَطْنِ إِضَمٍ] )
ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةَ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رَبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى بَطْنِ إِضَمَ، وَهِيَ فِيمَا بَيْنَ ذِي خَشَبٍ وَذِي الْمَرْوَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ بُرُدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي ثَمَانِيَةِ أَنْفُسٍ، وَذَلِكَ حِينَ هَمَّ بِغَزْوَةِ مَكَّةَ؛ حَتَّى لَا يَظُنَّ ظَانٌّ إِنْ خَرَجَ إِلَّا أَنَّهُ إِلَى جِهَةِ أَبِي قَتَادَةَ، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ فَبَرَزَ إِلَيْهِ مُحَلَّمُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بِعِيرَهُ وَسَلَبَهُ ثُمَّ لَحِقُوا بِرَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا عَلِمُوا مُسِيرَهُ إِلَى مَكَّةَ فَلَحِقُوهُ بِالسُّقْيَا وَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ [النساء: 94] .
(فصل: [فتح مكة] )
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَسَبَبُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا عَقَدَ الصُّلْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ دَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَقْدِهِ وَدَخَلَ بَنُو بَكْرٍ مِنْ هُذَيْلٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَشَجَرَ نِفَارٌ بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ، فَاسْتَعَانَ بَنُو بَكْرٍ بِقُرَيْشٍ فَأَعَانُوهُمْ على
خُزَاعَةَ، وَحَضَرَ مَعَهُمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مُتَنَكِّرِينَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَحَاطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَكُرْزُ بْنُ حَفْصٍ وَبَيَّتُوا خُزَاعَةَ لَيْلًا بِالْوَتِيرِ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ شَهْرًا وَنَدِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مَا صَنَعَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَوَقَفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: (لَا هُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا)
(فَوَالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدَا ... ثَمَّتْ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا)
(فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أَعْتَدَا ... وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا)
(فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... أَبْيَضَ مِثْلَ الْبَدْرِ يَنْمِي صُعُدَا)
(إِنْ سِيمَ خَسَفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ... فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا)
(إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا)
(وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رَصَدَا ... وَزَعَمُوا أن لست أدعوا أحدا)
(وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا)
(فقتلونا ركعا سجدا ... )
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ " ثُمَّ قَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: " لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ مِمَّا أَنْصُرُ مِنْهُ نَفْسِي، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا السَّحَابَ لَيَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ ". لِأَنَّ الْحَرْبَ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَيْنَ بَنِي نُفَاثَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ قَدْ جَاءَ لِيُجَدِّدَ الْعَهْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ فَقَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ جَدِّدِ الْعَهْدَ وَزِدْ فِي الْمُدَّةِ، فَقَالَ لَهُ: " هَلْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ حَدَثٍ؟ " قَالَ: لَا قَالَ: فَنَحْنُ عَلَى صُلْحِنَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ، وَلَقِيَ عُمَرَ، وَلَقِيَ عَلِيًّا، فَلَمْ يَرَ عِنْدَهُمْ خَيْرًا، وَكَانَ أَغْلَظَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ وَأَرَقَّهُمْ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ أَبُو سُفْيَانَ مَا أَحَبَّ قَامَ، فقال: إني قد أجرت بين الناس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنْتَ تَقُولُ هَذَا يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ " وَعَادَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَخْفَى أَمْرَهُ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ خُذْ عَلَى أَبْصَارِهِمْ؛ حَتَّى لَا يَرَوْنِي إِلَّا بَغْتَةً ". فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهُمْ بِخَبَرِهِمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ وَأَنَفْذَهُ إِلَيْهِمْ مَعَ امْرَأَةٍ شَدَّتْهُ فِي عِقَاصِ شَعْرِهَا، فَأَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي أَثَرِهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي
طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَأَخَذَا الْكِتَابَ مِنْهَا، وَأَحْضَرَ حَاطِبًا، وَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَاعْتَذَرَ فَعَفَا عَنْهُ وَاسْتَنْفَرَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ العرب وسار إلى مكة في عشر آلَافِ دِرْعٍ وَحَاسِرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ مَنْ جُهَيْنَةَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَمَنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ، وَمِنْ سُلَيْمٍ سَبْعُمِائَةٍ، وَمِنْ غِفَارَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَمِنْ أَسْلَمَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ، وَطَوَائِفُ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَأَسَدٍ وَخَرَجَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ الْغِفَارِيَّ، وَصَارَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ فَأَفْطَرَ، وَقَالَ: " مَنْ أَحَبَّ فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَحَبَّ فَلْيُفْطِرْ " ولما وصل قُدَيْدَ عَقَدَ الْأَلْوِيَةَ، وَالرَّايَاتِ لِلْقَبَائِلِ، وَلَقِيَهُ فِي طَرِيقِهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي بَنِيقِ الْعُقَابِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ومعه عبد بن اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأرادا الدُّخُولَ عَلَيْهِ فَكَرِهَ دُخُولَهُمَا، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ حَتَّى رَقَّ عَلَيْهِمَا فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ (لَعَمْرِي إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ راية ... لتغلب خيل الللات خَيْلُ مُحَمَّدِ)
(لَكَالْمُدْلِجِ الْخَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ... فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدِي وَأَهْتَدِي)
(وَهَادٍ هَدَانِي غَيْرَ نَفْسِي وَنَالَنِي ... مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مطرد)
(أصد وأنأى جاهدا عن محمد ... وأدعى ولو لم أنتسب من محمد)
(هم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأي يلم ويفند)
(أريد لأرضيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أهد في كل مقعد)
(فقل لثقيف لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك غيري أوعدي)
(وما كنت في الجيش الذي نال عامرا ... وما كان عن جرى لساني ولا يدي)
(قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع جاءت من سهام وسردد)
وَلَمَّا سَارَ بِالسُّقْيَا لَقِيَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ عِشَاءً فَأَمَرَ أَنْ يُوقِدَ كُلُّ رَجُلٍ نَارًا، فَأُوقِدَتْ عَشَرَةُ آلَافِ نَارٍ، فَهَالَ أَهْلَ مَكَّةَ، وَلَمْ يَعْرِفُوا الْخَبَرَ فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَارَ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا صَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ إِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَكَّةَ عَنْوَةً إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ آخِرَ الدَّهْرِ فركب بغلة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَيْضَاءَ، وَتَوَجَّهَ إِلَى مَكَّةَ لِيَرَى مَنْ
يُعْلِمُ قُرَيْشًا بِنُزُولِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بَيْنَ الْأَرْكَانِ إِذْ سَمِعَ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ، فَعَرَفَ صَوْتَهُ فَأَرْدَفَهُ عَلَى الْبَغْلَةِ فِي جِوَارِهِ، وَعَادَ مَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، قِيلَ: وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَرَفَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: يا رسول الله هذا أبوسفيان عدو الله وعدو لرسوله، قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ، فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعُمَرَ: لَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَا قُلْتَ هَذَا، فَقَالَ عُمَرُ مَهْلًا يَا عَبَّاسُ، فَوَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْعَبَّاسِ: " اذْهَبْ بِهِ فَقَدْ أَمَّنَّاهُ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ مِنَ الْغَدِ " فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لَهُ: " وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأَنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلُمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ " فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ! أَمَّا هَذِهِ فَفِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: اشْهَدْ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَكَ فَشَهِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " انْصَرِفْ وَاحْبِسْهُ عِنْدَ حَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ جُنُودُ اللَّهِ " فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ مَا يَكُونُ فِي قَوْمِهِ فَخْرًا، فَقَالَ: " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ومن دخل دار حكيم بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن " واستثنى قتل سنة رِجَالٍ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَقَالَ يُقْتَلُونَ وَإِنْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَالرِّجَالُ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بن أبي سرح ومقيس بن صبابة، وَحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ وَالنِّسْوَةُ: هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَسَارَةُ مَوْلَاةُ عَمْرِو بن هاشم وقينتا بَنْتِ خَطَلٍ وَفَرْتَنَى وَقُرَيْبَة فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دُخُولَ مَكَّةَ دَفَعَ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَلَمَّا سَارَ بِهَا سَمِعَهُ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ وَهُوَ يَقُولُ: (الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَة ... الْيَوْمَ تُسْبَى الْحُرْمَةْ)
فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ وَأَخَذَ الرَايَةَ مِنْهُ وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنْفَذَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَمَعَهُ رَايَتُهُ لِيَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَعْلَاهَا، وَأَنْفَذَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مِنَ اللَّيْطِ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَدَارُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِأَسْفَلِهَا، وَوَصَّاهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمَا
وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَهُوَ يَسِيرُ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الْوَادِي مَعَ الْعَبَّاسِ تَمُرُّ بِهِ الْقَبَائِلُ، فَيَرَاهَا، فَيَقُولُ لِلْعَبَّاسِ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَيَقُولُ لَهُ سليم فيقول: ما لي وتسليم، ثم تمر به أخرى فيقول: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَيَقُولُ لَهُ أَسْلَمُ فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِأَسْلَمَ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ أُخْرَى فَيَقُولُ: مَنْ هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: مُزَيْنَةُ فَيَقُولُ مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ، وَتَمُرُّ بِهِ أُخْرَى فَيَقُولُ: مَنْ هَذِهِ؟ فَيَقُولُ لَهُ: جُهَيْنَةُ، فَيَقُولُ مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ، كَذَلِكَ حَتَّى جَازَتْ كَتِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْخَضْرَاءُ فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: أَبُو سُفْيَانَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ عَظِيمًا، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَيْحَكَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ فَقَالَ: نَعَمْ إِذًا فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ الْحَقِ الْآنَ بِقَوْمِكَ فَحَذِّرْهُمْ فَأَسْرَعَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ قَالُوا: فَمَهْ فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ قَالُوا: وَيْحَكَ ﴿تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ﴾ قَالَ مَنْ دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فَهُوَ آمِنٌ وَدَخَلَ الزُّبَيْرُ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ، فَغَرَسَ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْحَجُونِ حَتَّى أَتَاهَا، وَدَخَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَلَقِيَهُ بِالْخَنْدَمَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي جَمْعٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَحَابِيشِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي نُفَاثَةَ بْنِ بَكْرٍ، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدٌ حَتَّى قَتَلَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا وَمِنْ هُذَيْلٍ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ فَانْهَزَمُوا أَعْظَمَ هَزِيمَةٍ فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - البارقة على رؤوس الْجِبَالِ قَالَ: مَا هَذَا وَقَدْ نَهَيْتُ عَنِ القتال؟ فقيل له إن خالد قُوبِلَ، فَقَاتَلَ فَقَالَ: قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ، وَكَانَ فِيمَنْ قَاتَلَ خَالِدًا حَمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ قَدْ أَعَدَّ سِلَاحًا لِلْقِتَالِ، فَلَمَّا أَخَذَهُ لِيُقَاتِلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنَّهُ يَعْتَرِضُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ بِشَيْءٍ، فَقَالَ لَهَا: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَكِ بَعْضَهُمْ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: (إِنْ تَقْبَلُوا الْيَوْمَ فَمَا بي عِلَّة ... هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّه)
(وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السِّلَّة ... )
فَلَمَّا لَحِقَ بِعِكْرِمَةَ صَفْوَان عَادَ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: اغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: فَأَيْنَ مَا كنت تقول فقال:
(إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه)
(وأبو يزيد قائم كالمؤتمه ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه)
(يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ... ضَرْبًا فَلَا تُسْمَعُ إلا غمغمه)
(لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ)
وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ ضُرِبَتْ لَهُ بِالْحَجُونِ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ؛ لِيَنْزِلَ فِيهَا عِنْدَ رَايَتِهِ الَّتِي غَرَسَهَا الزُّبَيْرُ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَنْزِلَ مَنْزِلَكَ؟ فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ، وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ، وَهُوَ يَقُولُ: (يَا حَبَّذَا مَكَّةُ مِنْ وَادِي ... أَرْضٌ بِهَا أَهْلِي وَعَوَّادِي)
(أَرْضٌ بِهَا أَمْشِي بِلَا هادي ... أرض بِهَا تَرْسَخُ أَوْتَادِي)
وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْبَيْتِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَى، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِصَنَمٍ مِنْهَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ، وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81] فَيَقَعُ الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ، وَكَانَ أَعْظَمُهَا هُبَلَ وَهُوَ وِجَاهَ الْكَعْبَةِ، وَجَاءَ إِلَى الْمَقَامِ، وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْكَعْبَةِ، فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ نَاحِيَتَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَأَسْلَمُوا طَوْعًا وكرها، وقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اصْنَعْ بِنَا صُنْعَ أَخٍ كَرِيمٍ، فَقَالَ: أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ، ثُمَ قَالَ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92] . ثُمَّ أَجْمَعُوا الْمُبَايَعَةَ، فَجَلَسَ عَلَى الصَّفَا، وَجَلَسَ عُمَرُ أَسْفَلَ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ، فَبَايَعُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا فَقَالَ: " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ " وَجَاءَ النِّسَاءُ لِمُبَايَعَتِهِ وَكَانَ فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ مُتَنَكِّرَةً لِأَجْلِ صَنِيعِهَا بِحَمْزَةَ وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ زَوْجُهَا حَاضِرًا فَلَمَّا تَكَلَّمَتْ عَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " إِنَّكِ لَهِنْدُ فَقَالَتْ: أَنَا هِنْدُ فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، فَقَالَ: تُبَايِعِينَ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكِي بِاللَّهِ شَيْئًا، فَقَالَتْ هِنْدُ: إِنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيَّ مَا لَمْ تَأْخُذْهُ عَلَى الرِّجَالِ وَسَنُؤْتِيكَهُ قَالَ: وَلَا تَسْرِقْنَ، فَقَالَتْ هِنْدُ: إِنِّي كُنْتُ أُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْهَنَّةَ وَالْهَنَّةَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ
أَنْتِ فِي حَلٍّ مِمَّا مَضَى، فَقَالَ: وَلَا تزنين، فقالت: يا رسول الله وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ قَالَ وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ، قَالَتْ: قَدْ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ فَضَحِكَ عُمَرُ حَتَّى اسْتَغْرَبَ.
قَالَ: وَلَا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ الْبُهْتَانِ لَقَبِيحٌ؛ وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ.
قَالَ: وَلَا تَعْصِينَ في معروف، قالت: ما جلسنا هذه الْمَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ، فَقَالَ لِعُمَرَ: بَايِعْهُنَّ فَبَايَعْهُنَّ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُنَّ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ أَرْسَلَ بِلَالًا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ لِيَأْتِيَهُ بِمَفَاتِيحِ الْكَعْبَةِ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَفَتَحَ الْكَعْبَةَ، وَدَخَلَهَا فَصَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ وَالنَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَخَطَبَهُمْ وَدَعَا، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَاسُ كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ فَأَذْهِبُوا عَنْكُمْ فَخْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ تَحِلَّ لِيَ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَحِلَّ لَنَا مِنْ غَنَائِمِهَا شَيْءٌ فَلْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ " وَذَلِكَ مِنْ غَدِ يَوْمِ الْفَتْحِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمَفَاتِيحَ، وَقَالَ: خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ تَالِدَةً خَالِدَةً، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ظُلْمًا وَدَفَعَ السِّقَايَةَ إِلَى الْعَبَّاسِ بن عبد المطلب وقال: أعطيكم ما ترزءكم وَلَا تَرْزَؤُونَهَا
ثُمَّ بَعَثَ تَمِيمَ بْنَ أَسَدٍ الْخُزَاعِيَّ فَجَدَّدَ أَنْصَابَ الْحَرَمِ، وَحَانَ الظُّهْرُ فَأَذَّنَ بِلَالٌ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ صَلَّى مُدَّةَ مَقَامِهِ بِمَكَّةَ
ثُمَّ بَثَّ السَّرَايَا إِلَى الْأَصْنَامِ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ الْعُزَّى، وَسُوَاعٍ، وَمَنَاةَ، فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى بِبَطْنِ نَخْلَةَ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ فَكَسَرَهُ
وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى رُهَاطٍ وَفِيهِ سُوَاعٌ وَهُوَ صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ فَكَسَرَهُ
وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيَّ إِلَى مَنَاةَ وَكَانَ صَنَمًا بِالْمُشَلَّلِ لِلْأَوْسِ وَالْخْزْرَجِ وَغَسَّانَ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدَعُ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كَسَرَهُ "
[مَسِيرُ خَالِدٍ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ]
وَلَمَّا رَجَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْعُزَّى بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ سَرِيَّةً إِلَى بني جذيمة من كنانة وكانوا أسفل من مَكَّةَ عَلَى لَيْلَةٍ مِنْهَا نَاحِيَةَ يَلَمْلَمَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمِنْ بَنِي سُلَيْمٍ دَاعِيًا إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ قَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مُسْلِمُونَ قَدْ صَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ وَصَلَّيْنَا وَبَنَيْنَا الْمَسَاجِدَ فِي سَاحَاتِنَا وَأَذَّنَّا فِيهَا، فَقَالَ: مَا بَالِكُمْ بِالسِّلَاحِ؟ قَالُوا: خِفْنَا
أَنْ تَكُونُوا عَدُوًّا قَالَ: اسْتَأْسِرُوا، فَاسْتَأْسَرُوا وَفَرَّقَهُمْ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ أَمَرَهُمْ بِقَتْلِهِمْ، فَأَمَّا بَنُو سُلَيْمٍ فَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ كان في أيديهم وأما المهاجرون وال؟ أنصار فَأَرْسَلُوا كُلَّ مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ وَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: اللهم إني أبرأ إليكم مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، وَأَنْفَذَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِدِيَاتِ الْقَتْلَى وَيُسَمَّى هَذَا الْيَوْمُ يَوْمَ الْغُمَيْصَاءِ فَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَتْلَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَابْنُ خَطَلٍ، تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " اقُتُلُوهُ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُ " فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صبابة قتله نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ فِي قَوْمِهِ وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب أما ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَجَاءَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَشَفَعَ لَهُ فَصَمَتَ طَوِيلًا، ثُمَّ شَفَّعَهُ فِيهِ وَكَانَ أَحَدَ الْأَنْصَارِ قَدْ نَذَرَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَأَخَذَ قَائِمَ سَيْفِهِ وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي قَتْلِهِ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ: " هَلَّا وفيت بنذرك، قال: انتظرت أن تومىء إِلَيَّ بِعَيْنِكَ فَقَالَ الْإِيمَاءُ خِيَانَةٌ، وَلَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ "، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَإِنَّهُ هَرَبَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَمَّنَهُ فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ، فَقَدِمَتْ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَأَمَّا هِنْدٌ فَأَمَّنَهَا وَبَايَعَهَا وَأَمَّا سَارَةُ فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا فَأَمَّنَهَا وَأَمَّا بِنْتَا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا وَهَرَبَتِ الْأُخْرَى حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهَا، فَأَمَنَّهَا وَبَقِيَتْ حَتَّى أَوْطَأَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَسًا بِالْأَبْطَحِ فِي زَمَانِ عُمَرَ فَقَتَلَهَا وَهَرَبَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ إِلَى جُدَّةَ لِيَرْكَبَ مِنْهَا إِلَى الْيَمَنِ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ رَسُولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَمَّنَهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَتَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَأَقْدَمَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ قَدْ أَمَنَّتْنِي قَالَ: " نَعَمْ قَالَ: فَاجْعَلْنِي فِي أَمْرِي بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ قَالَ: أَنْتَ فِيهِ بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ "، وَهَرَبَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ زوج أم هانىء بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى نَجْرَانَ، وَهَرَبَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرِي فَأَمَّا هُبَيْرَةُ فَأَقَامَ بِهَا كَافِرًا حَتَّى مَاتَ وَأَمَّا ابْنُ الزِّبَعْرِي فَإِنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رَمَاهُ إِلَى نَجْرَانَ بِبَيْتٍ وَاحِدٍ فَمَا زَادَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ:
(لا تعدمن رجل أَحَلَّكَ بُغْضَهُ ... نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذَّ لَئِيمِ)
فجاء مسلما قال: (يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ)
(إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ في سنن الرد ... ح وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ)
(آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ لربي ... ثم نفسي الشهيد أنت النذير)
(إنني عنك زاجر ثم حي ... من لؤي فكلهم مغرور)
وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ لِلصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ وَالْفِقْهَ، وَخَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِحَرْبِ هَوَازِنَ فَكَانَتْ هَذِهِ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي فَتْحِ مَكَّةَ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مَعَ نَقْلِ هَذِهِ السِّيرَةِ هَلْ فَتَحَهَا عَنْوَةً، أَوْ صُلْحًا؟ فَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ فَتَحَهَا عَنْوَةً بِالسَّيْفِ ثُمَّ أَمَّنَ أَهْلَهَا وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّهُ فَتَحَهَا صُلْحًا بِأَمَانٍ عَقَدَهُ بِشَرْطٍ فَلَمَّا وَجَدَ الْكَفَّ لَزِمَ الْأَمَانُ وَالْعَقْدُ الصُّلْحُ وَالَّذِي أَرَاهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ نَقْلُ هَذِهِ السِّيرَةِ أَنَّ أَسْفَلَ مَكَّةَ دَخَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْوَةً، لِأَنَّهُ قُوتِلَ فَقَاتَلَ وَقَتَلَ، وَأَعْلَى مَكَّةَ دَخَلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُمْ كَفُّوا وَالْتَزَمُوا شَرْطَ أَبِي سُفْيَانَ، فَكَفَّ عَنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَلَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاسْتَقَرَّ بِمَكَّةَ الْتَزَمَ أَمَانَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَاسْتَأْنَفَ أَمَانَ مَنْ قَاتَلَ؛ فَلِذَلِكَ اسْتَجَارَ بِأُمِّ هانىء بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِيَقْتُلَهُمَا، فَمَنَعَتْهُ وَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أم هانىء " وَلَوْ كَانَ الْأَمَانُ عَامًّا لَمْ يَحْتَاجَا إِلَى ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَمَانٌ لَكَانَ كُلُّ الناس كذلك
فصل: [غزوة حنين]
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غزوة حنين إلى هوازن، وخرج إِلَيْهَا مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ مَقَامِهِ بِهَا
خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي يَوْمِ السَّبْتِ السَّادِسِ مِنْ شَوَّالٍ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْهُمُ الْعَشَرَةُ آلَافٍ الَّذِينَ فَتَحَ بِهِمْ مَكَّةَ، وَأَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَحُنَيْنٌ وَادٍ إِلَى جَنْبِ ذِي الْمَجَازِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَخَرَجَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مُدَّةِ خِيَارِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أعرنا سلاحك " فقال: أغصبيا مُحَمَّدُ قَالَ: " بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ " فَقَالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِمَا يُصْلِحُهَا مِنَ السِّلَاحِ فَسَأَلَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ حَمْلَهَا فَفَعَلَ وَسَبَبُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ: أَنَّ هَوَازِنَ لَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ فَتَحَ مَكَّةَ، اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ وَأَشْرَافُ ثَقِيفٍ عَلَى جَمْعِ النَّاسِ لِمُحَارَبَتِهِ، فَلَمَّا عَرَفَ ذَلِكَ وَقَدِ اجْتَمَعُوا " بِأَوْطَاسٍ " سَارَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ بِحُنَيْنٍ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ، الْعَاشِرِ من شوال عشاء فعبأ أصحا؟ فِي السَّحَرِ وَعَقَدَ الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةَ فِي أَهْلِهَا، فَدَفَعَ أَلْوِيَةَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى ثَلَاثَةٍ، دَفَعَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِوَاءً، وَإِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِوَاءً وَإِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِوَاءً، وَدَفَعَ أَلْوِيَةَ الْأَنْصَارِ إِلَى ثَلَاثَةٍ، فَدَفَعَ إِلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ لِوَاءً، وَدَفَعَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لِوَاءً، وَإِلَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لِوَاءً، وَفَرَّقَ فِي الْقَبَائِلِ الْأَلْوِيَةَ يَحْمِلُهَا زُعَمَاؤُهُمْ وَعَبَّأَ النَّاسَ صُفُوفًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، وَظَاهَرَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَلَبِسَ الْمِغْفَرَ وَالْبَيْضَةَ، وَرَكِبَ بَغْلَتَهُ دُلْدُلَ وَالشَّهْبَاءَ فَأَمَّا هَوَازِنُ وَثَقِيفٌ فَاجْتَمَعُوا بِأَوْطَاسٍ، وَعَلَى جَمِيعِهِمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضِيرِيُّ وَهُوَ الْمُدَبِّرُ لَهُمْ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَهُمْ بِحَمْلِ ذَرَّارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لِيَحْتَمُوا بِهَا وَيُقَاتِلُوا عَنْهَا، وَكَانَ فِي النَّاسِ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، شَيْخًا كَبِيرًا، لَا فَضْلَ فِيهِ إِلَّا التَّيَمُّنُ بِرَأْيِهِ وَكَانَ يُقَادُ فِي شِجَارٍ وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي جُشَمَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: فِي أَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: بِأَوْطَاسٍ قال: نعم مجال الخيل: لا حزنه ضَرِسٌ وَلَا سَهْلٌ دَهْسٌ مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ؛ قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مَعَ النَّاسِ بِنِسَائِهِمْ؟ وأبناءهم وَأَمْوَالِهِمْ فَدَعَى مَالِكًا، وَقَالَ لَهُ: سُقْتَ مَعَ الناس بنسائهم وأبنائهم واموالهم ووأنه لَا يَنْفَعُكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ فَارْفَعْهُمْ إِلَى عَلْيَاءِ بِلَادِهِمْ، ثُمَّ ألْقَ
الْحَرْبَ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ لحق بك من وراك، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ أَلْفَاكَ وَقَدْ أَحْرَزْتَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ، وَلَمْ تَفْضَحْ قَوْمَكَ، فَلَمْ يُطِعْهُ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةَ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ؛ وَلَمْ يَفُتْنِي: (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ)
ثُمَّ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَخَرَجَتِ الْكَتَائِبُ فِي غَلَسِ الصُّبْحِ مِنْ مَضِيقِ الْوَادِي وَخَرَجَ كَمِينُ هَوَازِنَ مِنْ شِعَابِهِ، فَانْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ اللِّقَاءِ بَنُو سُلَيْمٍ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ فِي الْهَزِيمَةِ أَهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ تَبِعَهُمُ النَّاسُ فِي الْهَزِيمَةِ أَفْوَاجًا حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ أَخُو أُسَامَةَ مِنْ أُمِّهِ، وَتَكَلَّمَ جُفَاةُ أَهْلِ مَكَّةَ حِينَ رَأَوُا الْهَزِيمَةَ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ من الضغين وَضَرَبَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِأَزْلَامٍ كَانَتْ فِي كِنَانَتِهِ، وَقَالَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ وَغُلِبَتْ هَوَازِنُ، وَقَالَ كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ أَلَا بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ! فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ كَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ قَالَ: فوالله لأن ير بني رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَبِّيَنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ، وَصَفْوَانُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فِي شُهُورِ خِيَارِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدِ انْحَازَ ذَاتَ الْيَمِينِ فَنَادَى إِلَيَّ عِبَادِ اللَّهِ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " فَمَا رُئِيَ فِي النَّاسِ أَشْجَعُ مِنْهُ، وَأَمَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ آخِذًا بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، وَهُوَ رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ؛ يَا أَهْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَجَابَهُ مَنْ سَمِعَهُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَتَبِعُوا الصَّوْتَ فَلَمَّا اجْتَمَعَ مِنْهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ اسْتَقْبَلُوا النَّاسَ، فَاقْتَتَلُوا وَتَلَاحَقَ بِهِمُ النَّاسُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَفَّ تُرَابٍ أَلْقَاهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ حاميم لَا يُبْصِرُونَ وَاجْتَلَدَ الْقَوْمُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى مُجْتَلَدِهِمْ قَالَ: الْآنَ حَمَى الْوَطِيسُ فَوَلَّتْ هَوَازِنُ مُنْهَزِمَةً وَثَبَتَ بَعْدَهُمْ ثَقِيفٌ فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا عِدَّةَ مَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ " فَقَتَلَ أَبُو طلحة عشرين
قَتِيلًا أَعْطَاهُ أَسْلَابَهُمْ، حَكَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَسْكَرَ نَاسٌ بِأَوْطَاسٍ، فَأَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهِمْ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ فِي جَيْشٍ فَهَزَمَهُمْ وَأَدْرَكَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فِي شِجَارِهِ فَقَتَلَهُ فَبَرَزَ ابْنُهُ سَلَمَةُ بْنُ دُرَيْدٍ مُرْتَجِزًا يَقُولُ: ... 0 إِنْ تَسْأَلُوا عَنِّي فَإِنِّي سَلَمَهْ ... ابْنُ سَمَادِيرَ لمن توسمه) (أضرب بالسيف رؤوس الْمُسْلِمَهْ ... ) وَرَمَى أَبَا عَامِرٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَأَدْرَكَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ حِينَ رُمِيَ بِالسَّهْمِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْجَيْشِ أَبَا مُوسَى وَوَصَّاهُ إِذَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُقْرِئَهُ مِنْهُ السَّلَامَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي عَامِرٍ وَاجْعَلْهُ مِنْ أَعْلَى أُمَّتِي فِي الْجَنَّةِ " وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ قَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ بِنَفْسِهِ تِسْعَةً مُبَارَزَةً حَتَّى قَتَلَهُ الْعَاشِرُ وَلَمَّا انْهَزَمُوا لَحِقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَهُوَ رَئِيسُ الْقَوْمِ بِالطَّائِفِ فَتَحَصَّنَ بِهَا وَحَازَ الْمُسْلِمُونَ السَّبَايَا وَالْأَمْوَالَ فَكَانَ السَّبْيُ سِتَّةَ آلَافِ رَأْسِ وَالْإِبِلُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ بَعِيرِ، وَالْغَنَمُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ شَاةٍ، وَالْفِضَّةُ أَرْبَعَةَ آلَافِ أُوقِيَّةٍ وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَحُمِلَ السَّبْيُ وَالْأَمْوَالُ إِلَى الْجِعْرَانَةَ وَوَلَّى عَلَيْهِ مسعود بن عمرو القارىء [غَزْوَةُ الطَّائِفِ]
وَسَارَ إِلَى الطَّائِفِ لِقِتَالِ مَنْ بِهَا مِنْ ثَقِيفٍ، وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِنْ هوازن فاغلقوا حصنم، وَقَاتَلُوا فِيهِ، وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْهُ فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَنَادَى فِي حِصَارِهَا: أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ، فَنَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ فِي بَكْرَةٍ فَقِيلَ لَهُ: أَبُو بَكْرَةَ فَأَعْتَقَهُمْ، وَدَفَعَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمُؤْنَتِهِ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِف، وَنَاشَدُوهُ بِالرَّحِمِ، أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ فِي قَطْعٍ كُرُومِهِمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِمْ، فَأَزْمَعَ عَلَى الرُّجُوعِ، وَكَانَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: رَأَيْتُ أَنَّهُ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ قَعْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا، فَنَقَرَهَا دِيكٌ، فَأَهْرَاقَ مَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَظُنُّكَ تُدْرِكُ مِنْهُمْ فِي وَقْتِكَ هَذَا مَا تُرِيدُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَذَلِكَ أَقُولُ، فَاسْتَشَارَ فِيهِمْ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُمْ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ، فَرَجَعَ عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ نَصَبَ عَلَيْهِمْ مَنْجَنِيقًا، وَقَطَعَ عَلَيْهِمْ كُرُومًا لِيَقْسِمَ مَا
بالجعرانة من غنائم هوازن، فقدم الجعرانة يَوْمَ الْخَمِيسِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ؛ وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ وُفُودُ هَوَازِنَ وَقَدْ أَسْلَمُوا، وَفِيهِمْ أَبُو مُبَرِّدٍ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكُ وَخَالَاتُكَ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ رَضِيعًا فِيهِمْ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِ حَلِيمَةَ، وَكَانَتْ مِنْ هَوَازِنَ ولو كنا ملحنا لِلْحَارِثِ بْنَ أَبِي شِمْرٍ أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ أَيْ: أَرْضَعْنَا ثُمَّ نَزَلْنَا مِنْهُ مَنْزِلَكَ مِنَّا لَرَعَى ذَاكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْكَفِيلَيْنِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: (امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ)
(امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ)
(إِنْ لَمْ تَدَارَكْهُمْ نَعْمَاءُ نَنْثُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ)
(إِنَّا لنشكر آلاء وَإِنْ كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ)
(فَالْبِسِ الْعَفْوَ مَنْ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ... مِنْ أُمَّهَاتِكَ إِنَّ الْعَفْوَ مُشْتَهَرُ)
(إِنَّا نُؤَمِّلُ عَفْوًا منك تلبسه ... هذي البرية إذ تغفو وتنتصر)
(فأغفر عَفَا اللَّهُ عَمًّا أَنْتَ وَاهِبُهُ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ يُهْدَى لَكَ الظَّفَرُ)
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّكُمْ لَتَرَوْنَ مَنْ مَعِي فَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ " فَقَالُوا: مَا كُنَّا نَعْدِلُ بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أما مالي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَسَأَسْأَلُ النَاسَ " فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمِ فَلَا، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا، فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: وَهَّنْتُمُونِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - للناس إن هؤلاء القوم قد جاؤوا مُسْلِمِينَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ سَبْيَهُمْ وَقَدْ خَيَّرَتْهُمْ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالْأَبْنَاءِ وَالنِّسَاءِ شَيْئًا، فَمَنْ كَانَ عنده من مِنْهُمْ شَيْءٌ فَطَابَتْ نَفْسُهُ بِأَنْ يَرُدَّهُ فَسَبِيلُ ذَلِكَ وَمَنْ أَبَى فَلْيَرُدَّ عَلَيْهِمْ، وَلَهُ سِتُّ قَلَائِصَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ فَرْضًا عَلَيْنَا مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَرَدُّوا إِلَّا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ أَبَى أَنْ يَرُدَّ عَجُوزًا مَعَهُ طَلَبًا لِفِدَائِهَا، ثُمَّ رَدَّهَا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ رَدِّ السَّبَايَا رَكِبَ فَاتَّبَعُوهُ النَّاسُ يَقُولُونَ: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا حتى ألجؤوه إِلَى شَجَرَةٍ اخْتَطَفَتْ رِدَاءَهُ، فَقَالَ: " رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي، أَيُّهَا النَّاسُ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، وَمَا لَقِيتُمُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا، ثُمَّ أَخَذَ وَبَرَةً، وَقَالَ: مَا لِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةُ إِلَّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ فَرُدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ فَإِنَّ الْغَلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ عَارًا وَنَارًا وَشَنَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ، فَبَدَأَ بِإِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائَةَ بَعِيرٍ، فَقَالَ: ابْنِي مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: أَعْطُوهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مِائَةَ بَعِيرٍ ثُمَّ سَأَلَهُ مِائَةً أُخْرَى فَأَعْطَاهُ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى حويطب بن عبد العزى مِائَةَ بَعِيرٍ، وَقَدْ جَاءَهُ مُسْلِمًا مِنَ الطَّائِفِ، وَأَعْطَى الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ مِائَةَ بَعِيرٍ وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة ماثة بَعِيرٍ، وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النَّضْرِيَّ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةَ بَعِيرٍ، فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْمِائَةِ وَأَعْطَى غَيْرَهُمَ دُونَهُمْ؛ وَأَعْطَى مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَأَعْطَى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَأَعْطَى عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَأَعْطَى هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَبَاعِرَ، فَسَخِطَهَا وَاسْتَعْتَبَ بِشِعْرٍ فَقَالَ: (كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا ... بِكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ)
(وَإِيقَاظِي الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا ... إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ)
(فأصبح نهبي ونهب العبيد ... د بين عيينة والأقرع)
(وقد كنت في الحرب ذا تدراء ... فلم أعط شيئا ولم امنع)
(إلا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمها الأربع)
(وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في المجمع)
(وما كنت دون امرىء مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ)
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اذْهَبُوا فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ " فَزَادُوهُ حَتَّى رَضِيَ وَاخْتُلِفَ فِيمَا أَعْطَاهُ الْمُؤَلَّفَةَ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ وَقَالَ آخَرُونَ: وَهُوَ أَثْبَتُ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْخُمُسِ، ثُمَّ أَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِإِحْصَاءِ النَّاسِ وَالْغَنَائِمِ، وَفَضَّهَا عَلَيْهِمْ، فَكَانَ سَهْمُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً مِنَ الْإِبِلِ وَأَرْبَعِينَ شَاةً وَكَانَ سَهْمُ كُلِّ فَارِسٍ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَمِائَةً وَعِشْرِينَ شَاةً، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ فَرَسٍ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ وَلَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمُؤَلَّفَةَ وَقَبَائِلَ الْعَرَبِ مَا أَعْطَاهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ، مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدُوهُ فِي نُفُوسِهِمْ، فَدَخَلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ؛ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ أَعْطَيْتَ غَيْرَهُمْ
وَحَرَمْتَهُمْ، قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا مِنْ قَوْمِي قَالَ: فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا خَطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " يَا معشر الأنصار ما قالة بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَمَوْجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ؛ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ " قَالُوا: لِلَّهِ ولرسوله المن والفضل، فقال: " ألا تجيئونني يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَمَا وَاللَّهِ، لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ وَجَدْتُمْ فِي أَنْفَسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَيَ إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَالْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ " فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحَاهُمْ، وَقَالُوا رَضِينَا بِاللَّهِ قَسْمًا وَحَظًّا وَتَفَرَّقُوا وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجعرانية ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ إِلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلًا، فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَدَخَلَ مَكَّةَ فَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ رَأَسَهُ، وَرَجَعَ إِلَى الْجِعْرَانَةِ مِنْ لَيْلَتِهِ، ثُمَّ غَدَا يَوْمَ الْخَمِيسِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخَذَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَفِيهَا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ، وَخَيَّرَهَا مَعَ نِسَائِهِ فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ، فَاخْتَارَتِ الدُّنْيَا فَفَارَقَهَا وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَلَدَتْ مَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَغَارَ نِسَاؤُهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِنَّ حِينَ رُزِقَتْ مِنْهُ الْوَلَدَ، فَبَشَّرَهُ أَبُو رَافِعٍ بِهِ فَوَهَبَ لَهُ مَمْلُوكًا وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ عَامَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا كَانَ فِيهَا فَتْحُ مَكَّةَ فَكَانَ فيها غزوتان وثلاث عشرة سرية
فصل: [ذكر حوادث سنة تسع]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَبَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمُصَدِّقِينَ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ؛ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَرَدِّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ، فَبَعَثَ سَرِيَّةَ ابْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ إِلَى أَسْلَمَ وغفار
وَبَعَثَ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ إِلَى سُلَيْمٍ وَمُزَيْنَةَ وَبَعَثَ رَافِعَ بْنَ مَكِيثٍ إِلَى جُهَيْنَةَ وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ وَبَعَثَ إلى جيفر وَعَمْرٍو ابْنَيِ الْجَلَنْدِيِّ مِنَ الْأَزِدِ مُصَدِّقًا فَخَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ فَأَخَذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَرَدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِهِمْ وَبَعَثَ الضَّحَّاكَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْكِلَابِيَّ إِلَى بَنِي كِلَابٍ وَبَعَثَ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ الْكَلْبِيَّ إِلَى بَنِي كَعْبٍ، وَبَعَثَ ابْنَ الدَّثِنَةِ الْأَزْدِيَّ إِلَى بَنِي ذيبان، وَأَمَرَ مُصَدِّقِيهِ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَفْوَ مِنْهُمْ، وَيَتَوَقَّوْا كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ثُمَّ بَعَثَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا مِنَ الْعَرَبِ، لَيْسَ فِيهِمْ مُهَاجِرٌ وَلَا أَنْصَارِيٌّ فَلَمَّا رَأَوْهُ وَلَّوْا عَنْهُ فَأَخَذَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا، وَقَدِمَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَحُبِسُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَقَدِمَ فِيهِمْ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ وَنُعَيْمُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَرَبَاحُ بْنُ الْحَارِثِ فَنَادَوْا: يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَتَعَلَّقُوا بِهِ يُكَلِّمُونَهُ فِيهِمْ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ وَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ جَلَسَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَقَدَّمُوا عُطَارِدَ بْنَ حَاجِبٍ فَتَكَلَّمَ وَخَطَبَ، وَأَمَرَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَأَجَابَهُمْ، ثُمَّ قَالُوا: يا محمد ائذن لشاعرنا فأذن وفقام الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ فَأَنْشَدَ: (نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيَّ يُعَادِلُنَا ... مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ)
(وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ ... عِنْدَ النِّهَابِ وفضل العز يتبع)
(ونحن نطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع)
(ثم ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هويا ثم نطلع)
(فننحر الكوم عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا)
(فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ ... إِلَّا اسْتَقَادُوا وكاد الرأس يقتطع)
(إنا أبينا ولده يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ ... إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ)
(فَمَنْ يُقَادِرُنَا فِي ذَاكَ يَعْرِفُنَا ... فَيَرْجِعُ الْقَوْلُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ)
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: أَجِبْهُ فَقَامَ حَسَّانُ فَأَنْشَدَ:
(إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ)
(يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الْإِلَهِ وَكُلُّ الْخَيْرِ يُصْطَنَعُ)
(قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا)
(سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهًا الْبِدَعُ)
(إِنْ كَانَ فِي النَاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ ... فَكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ) ( ... لَا يَرْفَعُ النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفُّهُمُ ... عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ ما رقعوا) ( ... إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمُ ... أَوْ وازنوا أهل نجد بِالنَّدَى مَتَعُوا)
(أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ ... لَا يَطْبَعُونَ وَلَا يُرْدِيهِمْ طَمَعُ)
(لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمُ ... وَلَا يَمَسُّهُمُ مِنْ مَطْمَعٍ طبع)
(إذا نصبنا لحي لم ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الذرع)
(نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا)
(لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع)
(كأنهم في الوغى والموت مكتنع ... أسد بحلية في أرساغها فدع)
(خُذْ مِنْهُمُ مَا أَتُوا عَفْوًا إِذَا غَضِبُوا ... ولا يكن همك الأمر الذي منعوا)
(فإن في حربهم فاترك عداوتهم ... شرا يخاض عليه السم والسلع)
(أكرم بقول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع)
(أهدي لهم مدحتي قلب يوازره ... فيما أحب لسان حائك صنع)
(فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ ... إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ مجد القول أو شمعوا)
فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ مِنْ شِعْرِهِ، قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمُؤْتَى الْحِكْمَةَ، لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا، وَكَانَ الْأَقْرَعُ وَعُيَيْنَةُ قَدْ أَسْلَمَا مِنْ قَبْلُ وَشَهِدَا حُنَيْنًا، فَأَجَارَهُمْ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْأَسْرَى وَالسَّبْيَ، وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4] ثُمَّ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ مُصَدِّقًا وَكَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا وَبَنَوُا الْمَسَاجِدَ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِهِ تَلَقَّوْهُ بِالْجَزُورِ وَالنَّعَمِ فَرَحًا بِهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُمْ تَلَقَّوْهُ بِالسِّلَاحِ، وَمَنَعُوهُ الصَّدَقَةَ فَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ حَتَّى أَتَاهُ وَفْدُهُمْ، فَذَكَرُوا لَهُ مَا كَانَ مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ [الحجرات: 6] الْآيَةَ وَأَنْفَذَ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ مَعَهُمْ؛ لِيَأْخُذَ صَدَقَاتِهِمْ وَيُعَلِّمَهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فأقام فيهم عشرا، وعاد وَلَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمُؤَلَّفَةَ وَقَبَائِلَ الْعَرَبِ مَا أَعْطَاهُمْ وَلَمْ يَكُنْ في الأنصار راضياً
فَصْلٌ: وَفِيهَا قَدِمَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَدِمَ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ وَقَالُوا: قَدِمْنَا قَبْلَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات:
17]
وَقَدِمَ وَفْدُ الدَّارِيِّينَ مِنْ لَخْمٍ وَهُمْ عَشَرَةٌ
وَقَدِمَ وَفْدُ بَلِيٍّ فَنَزَلُوا عَلَى رُوَيْفِعٍ الْبَلَوِيِّ وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ حِينَ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ الْجِعْرَانَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَدْرَكَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ وَاسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِالطَّائِفِ.
يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ لِطَاعَتِهِمْ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَشْرَفُوا عَلَيْهِ مِنْ حَصَّنَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِإِسْلَامِهِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فرموه بالنبل من كل جهة وحتى أَصَابَهُ سَهْمُ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ فَقَتَلَهُ فَقِيلَ لِعُرْوَةَ: مَا تَرَى مِنْ دَمِكَ؟ فَقَالَ: كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيَّ، فَلَيْسَ لِي فِيهَا إِلَّا مَا لِلشُّهَدَاءِ، فَادْفِنُونِي معهم وفلما بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ لَيْسَ فِي قَوْمِهِ "
فَلَمَّا رَأَتْ ثَقِيفٌ إِسْلَامَ جَمِيعِ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُمْ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِمْ لَا يَأْمَنُ لَهُمْ بَهِيمَةٌ وَلَا يَأْمَنُ لَهُمْ سِرْبٌ، وَلَا يَطْلُعُ مِنْهُمْ ركب ائتمروا بينهم وحتى اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى إِنْفَاذِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَشُرَحَبِيلُ بْنُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ وَأَوْسُ بْنُ عَوْفٍ، وَنُمَيْرُ بْنُ خَرَشَةَ فَخَرَجَ بِهِمْ، وَهُوَ نَابُ الْقَوْمِ وَصَاحِبُ أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ رَآهُمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَهُوَ يَرْعَى رِكَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا يَرْعَوْنَهَا نَوْبًا، وَكَانَتْ نَوْبَةُ الْمُغِيرَةِ، فَأَسْرَعَ لِيُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقُدُومِهِمْ لِلْإِسْلَامِ وَالْبَيْعَةِ، فَعَرَفَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ مِنْهُ، فَبَشَّرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقُدُومِهِمْ، وَعَادَ الْمُغِيرَةُ إِلَيْهِمْ، وَرَاحَ بِالرِّكَابِ مَعَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ تَحِيَّةَ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحَيُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ إِلَّا بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَضَرَبَ لَهُمْ قُبَّةً فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِهِ وَمَشَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا يُحْمَلُ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، حَتَّى أَسْلَمُوا، وَشَرَطُوا لِأَنْفُسِهِمْ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَدَعَ لَهُمُ الطَّاغِيَةَ، وَهِيَ اللَّاتُ ثَلَاثَ سِنِينَ
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَوَلَّوْا كَسْرَ أَوْثَانِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ
فَقَالَ: أَمَّا الطَّاغِيَةُ فَلَا أُقِرُّهَا فَاسْتَنْزَلُوهُ عَنْهَا إِلَى شَهْرٍ فَأَبَى، وَأَنْفَذَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ لِهَدْمِهَا، وَأَنْ يَقْضِيَ أَبُو سُفْيَانَ دَيْنَ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ مَالِهَا
فَهَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ، وَقَضَى أَبُو سُفْيَانَ مِنْ مَالِهَا دَيْنَ عُرْوَةَ قَالَ: وَأَمَّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَشَأْنُكُمْ وَإِيَّاهَا وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ، فَقَالُوا: أَمَّا هَذِهِ فَسَنُؤْتِيكَهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا دَنَاءَةٌ وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا بِخَطِّ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ وَأَمَرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ أَحْرَصَهُمْ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
فَصْلٌ: وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - علي بن أبي طالب سرية إلى طيء لَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ وَلِوَاءٌ أَبْيَضُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَهْدِمَ الْفُلْسَ صَنَمًا لَهُمْ، وَيَشُنَّ عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ، فَشَنَّهَا عَلَيْهِمْ مَعَ الْفَجْرِ وَسَبَى إِبِلَ حَاتِمٍ، وَسَبَى بِنْتَهُ أُخْتَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَهَرَبَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ إِلَى الشَّامِ، وَاسْتَاقَ النَّعَمَ، وهدم الفلس وكان في بيت الصنم سفيان لَهُمَا ذِكْرٌ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا رَسُوبٌ، وَلِلْآخَرِ الْمِخْدَمُ كَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ نَذَرَهُمَا لَهُ فصار إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالصَّفِيِّ وَقَسَمَ النَّعَمَ بَعْدَ إِخْرَاجِ خُمُسِهَا وَعَزَلَ آلَ حَاتِمٍ حَتَّى قَدِمَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ، فَعَزَلَهُمْ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَامَتْ إِلَيْهِ أُخْتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَكَانَتِ امرأة جزلة فقالت: يا رسول هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَنْتِ، فَقَالَتْ: بِنْتُ الرَّجُلِ الْجَوَّادِ حَاتِمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ارْحَمُوا عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلَّ ارْحَمُوا غَنِيًّا افْتَقَرَ ارْحَمُوا عَالِمًا ضَاعَ بَيْنَ الْجُهَّالِ ثُمَّ قَالَ لَهَا: قَدْ مَنَنْتُ عَلَيْكِ فَلَا تَعْجَلِي بِالْخُرُوجِ حَتَّى تَجِدِي مِنْ ثِقَاتِ قَوْمِكِ مَنْ يُبَلِّغُكِ إِلَى بِلَادِكِ " فَأَقَامَتْ حَتَّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ قُضَاعَةَ تَأْمَنُهُمْ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَكَسَاهَا وَزَوَّدَهَا وَحَمَلَهَا حَتَّى قَدِمَتِ الشَّامَ عَلَى أَخِيهَا عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَاسْتَشَارَهَا فِي أَمْرِهِ، فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ بِالْقُدُومِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَقَدِمَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَنْتَ فَقَالَ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فَقَامَ وَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى بَيْتِهِ، وَأَجْلَسَهُ عَلَى وِسَادَةٍ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ عَدِيٌّ: فَعَلِمْتُ حِينَ فَعَلَ هَذَا أَنَّهُ نَبِيٌّ وَلَيْسَ بِمَلِكٍ ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكَ يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ إِنَمَا مَنَعَكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ فَوَاللَّهِ لَيُوشَكَنَّ الْمَالُ يَفِيضُ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ؛ وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا مَنَعَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَرَى مِنْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدُوِّهُمْ؛ فَوَاللَّهِ لَيُوشَكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتَى تَزُورَ الْبَيْتَ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا مَنَعَكَ مِنَ الدُّخُولِ أَنَّكَ تَرَى الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ وَايْمُ اللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فتحت "
فَأَسْلَمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَكَانَ يَقُولُ: مَضَتِ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتِ الثَّالِثَةُ، وَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ قَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ، وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا لَا تَخَافُ شَيْئًا حَتَّى تَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ، وايم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه
فصل: [غزوة تبوك]
ثُمَّ غَزْوَةُ تَبُوكَ إِلَى الرُّومِ فِي رَجَبٍ وَسَبَبُهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَلَغَهُ أَنَّ الرُّومَ قَدِ اجْتَمَعَتْ مَعَ هِرَقْلَ، وَانْضَمَّ إِلَيْهَا مِنَ الْعَرَبِ لَخْمٌ وَجُذَامٌ وَعَامِلَةُ وَغَسَّانُ، وَعَزَمُوا عَلَى الْمَسِيرَةِ، وَقَدَّمُوا مُقَدَّمَاتِهِمْ إِلَى الْبَلْقَاءِ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ لِحَرْبِ الرُّومِ، وَكَانَ عَادَتُهُ أَنْ يُوَرِّيَ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى وَجْهٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِحَالِهِ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ وَالْحَاجَةِ إِلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَبَعَثَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَإِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَسْتَنْفِرُهُمْ، وَحَثَّ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِيهَا مَالًا عَظِيمًا وَكَانَ النَّاسُ فِي عِزَّةٍ مِنَ الْمَالِ وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ وَجَدْبٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ وَقْتُ الثِّمَارِ وَالْمَيْلُ إِلَى الظِّلَالِ، فَشَقَّ عَلَى النَّاسِ الْخُرُوجُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَعَصَمَ اللَّهُ أَهْلَ طَاعَتِهِ حَتَّى أَجَابُوا وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَكَانَ يُحِبُّ الْخُرُوجَ فِيهِ فَعَسْكَرَ بِثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَفِي أَحْلَافِهِ مِنَ الْيَهُودِ فَعَسْكَرُوا بِنُفَيْلٍ بِثَنِّيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ عَسْكَرُهُ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، وَتَأَخَّرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَصْنَافٌ: مِنْهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَكَانُوا بِضْعًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَكَانُوا يُثَبِّطُونَ النَّاسَ وَقَالُوا: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: 81] واستأذنوا في العقود؟ ، فَأَذِنَ لَهُمْ؛ مِنْهُمُ الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَعَلَّكَ تَحْتَقِبُ بَعْضَ بَنَاتِ الْأَصْفَرِ " فَقَالَ: لَا تَفْتِنِّي بِهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفتنة سقطوا﴾ [التوبة: 29] وصنف منهم المعذورون وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رَجُلًا، ذَكَرُوا أَعْذَارًا وَاسْتَأْذَنُوا فِي الْقُعُودِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَلَمْ يَعْذُرْهُمْ
وصنف منهم البكاؤون: وَهُمْ سَبْعَةٌ: سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ، وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَمْرُو بْنُ حَمَامٍ آتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَسْتَحْمِلُونَهُ فَقَالَ: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92] فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَصِنْفٌ مِنْهُمْ مُتَخَلِّفُونَ بِغَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارتياب وهم ثلاثة: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ تَخَلَّفُوا بِالْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ قَدِمَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهَا وَاقْتَرَنَ بِهِمُ اثْنَانِ تَأَخَّرَا فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ لَحِقَا بِهِ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ السَّالِمِيُّ فَأَمَّا أَبُو خَيْثَمَةَ فَإِنَّهُ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ، قَدْ صَنَعَتَا لَهُ طَعَامًا وَرَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، فَذَكَرَ مَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ الْحَرِّ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْكَنِّ فَحَلَفَ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ فَأَدْرَكَهُ، وَقَدْ سَارَ إِلَى تَبُوكَ، وَهُوَ نَازِلٌ بِهَا فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ: " كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ " فَقَالُوا: هو والله أبو خيثمة فَلَمَّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ فَدَعَا لَهُ وَقَالَ فِيهِ خَيْرًا وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ: فَإِنَّ بَعِيرَهُ بَعْدَ السَّيْرِ أَبْطَأَ بِهِ، فَتَأَخَّرَ عَنِ النَّاسِ، فَذُكِرَ تَأْخِيرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " إِنْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ " فَلَمَّا لَمْ يَنْهَضْ بِهِ الْبَعِيرُ حَمَلَ متاعه على ظهره وسار تبع الْآثَارِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ النَّاسِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَمْشِي وَحْدَهُ، فَقَالَ: كُنْ أَبَا ذَرٍّ، فَقَالُوا: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: " يَرْحُمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ " فَلَمَّا نَزَلَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبَذَةَ وَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ وَصَّاهُمَا أَنْ يُغَسِّلَاهُ وَيُكَفِّنَاهُ، وَيَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ، قُولَا لَهُ، هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَفَعَلَا ذَلِكَ وَوَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمَّارًا فَقَامَ إِلَيْهِمُ الْغُلَامُ فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَاسْتَهَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بَاكِيًا وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ " فَكَانَ هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِ أَبِي خَيْثَمَةَ من معجزاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَمَّا أَزْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَسِيرَ مِنْ مُعَسْكَرِهِ بِثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَخْلَفَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَاسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ على الصلاة بالناس في معسكره، وصار فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَفِيهِمْ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ ورجع عبد
اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ، وَسَارَ فِي عُسْرَةٍ مِنَ الظَّهْرِ كَانَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى بَعِيرٍ، وَفِي عُسْرَةٍ مِنَ النَّفَقَةِ، وَفِي عُسْرَةٍ مِنَ الْمَاءِ فَظَهَرَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ فِي هَذَا الْمَسِيرِ أَنَّهُ مَرَّ بِالْحِجْرِ فَنَزَلَهَا، وَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ مَائِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لا تشربوه ولا تتوضأوا مِنْهُ، وَمَنْ عَجَنَ بِهِ عَجِينًا فَلَا يَأْكُلْهُ، وَيَعْلِفْهُ بَعِيرَهُ وَلَا يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ إِلَّا مَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ "، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ إِلَّا رَجُلَيْنِ خَرَجَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ لِحَاجَتِهِ، وَخَرَجَ الْآخَرُ لِطَلَبِ بِعِيرِهِ، فَأَمَّا الْخَارِجُ لِحَاجَتِهِ فخنق على مذهبه، وَأَمَّا الْخَارِجُ لِطَلَبِ بَعِيرِهِ، فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى طرحته على جبلي طيء فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِذَلِكَ فَقَالَ: " أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبُهُ " وَدَعَا لِلَّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ، وَأَمَّا الْوَاقِعُ عَلَى جَبَلٍ طيء فَإِنَّ طَيِّئًا أَهْدَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ قَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ وَسَارُوا وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ عَطِشُوا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ سَحَابَةً أَمْطَرَتْ، فَارْتَوَى النَّاسُ وَاحْتَمَلُوا حَاجَتَهُمْ مِنْهُ، وَضَلَّتْ رَاحِلَةُ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَهَبَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْبِ أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَبِيٌّ يُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا إِنْ أَعْلَمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي الشِّعْبِ الْفُلَانِيِّ قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزَمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتَى تَأْتُوا بِهَا " فَانْطَلَقُوا فَوَجَدُوهَا كَذَلِكَ فَأَتَوْهُ بِهَا وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ تَبُوكَ فَلَمَّا اسْتَقَرَ بِهَا أَتَاهُ ابْنُ رُؤْبَةَ صاحب أبلة، فصالحه على أيله ووأعطاه الْجِزْيَةَ، وَأَتَاهُ أَهْلُ جَرْبَاءَ وَأَذْرَحَ فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا
وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدَرَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ كِنْدَةَ وَهُوَ مَلِكٌ عَلَيْهَا نصراني، فصار إِلَيْهِ خَالِدٌ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا.
وَقَالَ لِخَالِدٍ: إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ فَلَّمَا دَنَا خَالِدٌ أَقْبَلَتِ الْبَقَرُ تَطِيفُ بِحِصْنِ أُكَيْدَرَ فَلَمَّا رَآهَا فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ نَزَلَ إِلَيْهَا مَعَ أَخِيهِ حَسَّانَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهَا لِيَصِيدَهَا فأدركته خيل خالد، فقتل حسانا، وَأَسَرَ أُكَيْدِرَ، وَأَجَارَهُ عَلَى دَمِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا أَتَاهُ حَقَنَ دَمَهُ، وَكَانَ خَالِدٌ قَدْ أَجَارَهُ مِنَ الْقَتْلِ عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ، وَصَالَحَهُ عَلَى عَمَلِهِ بِأَلْفَيْ بَعِيرٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ دِرْعٍ عَزَلَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَالصَّفِيَّ، وَقَسَمَ بَاقِيَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَكَانَ السَّهْمُ خَمْسَ فَرَائِضَ وَبَذَلَ الْجِزْيَةَ فَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَيْهَا وَرَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَهِرَقْلُ بِحِمْصَ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْ تَبُوكَ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَمَّا نَزَلَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ بِذِي أَوَانٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ وَكَانَ أَهْلُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ حِينَ مَرَّ
بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى تَبُوكَ سَأَلُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ فَامْتَنَعَ وَقَالَ: " حَتَّى نَرْجِعَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ فَأَنْفَذَ مِنْ ذِي أَوَانٍ مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ، وَعَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ حَتَّى أَضْرَمَا فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ نَارًا، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَأَتَاهُ المنافقون يحلقون وَيَعْتَذِرُونَ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَعْذُرْهُمْ، وَنَهَى عَنْ كَلَامِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا، وَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كَلَامِهِمْ، حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ، وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنِ اعْتَزَلَهُمُ النَّاسُ، وَاعْتَزَلُوا النَّاسَ، وَقَبِلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ الْإِيمَانِ وَنَفْيِ الِارْتِيَابِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ غَزَوَاتَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ فِي قُدُومِهِمْ مِنْهَا فِي بَيْعِ أَسْلِحَتِهِمْ، وَقَالُوا: قَدْ آنَ قَطْعُ الْجِهَادِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ: " لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُجَاهِدُونَ على الحق حتى يخرج الدجال "
بسم الله الرحمن الرحيم
فَصْلٌ: ثُمَّ اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ بِالنَّاسِ فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ عِشْرِينَ بَدَنَةً قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا بِيَدِهِ، وَعَلَيْهَا نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيُّ، وَسَاقَ أَبُو بَكْرٍ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، وَحَجَّ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَاقَ هَدْيًا، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلِيًّا عَلَى أَثَرِهِ، لِيَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ سُورَةَ بَرَاءَةٌ، فَأَدْرَكَهُ بِالْعَرَجِ وَأَخَذَهَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: اسْتَعْمَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى الْحَجِّ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ بَعَثَنِي لِأَقْرَأَ سُورَةَ بَرَاءَةٌ عَلَى النَّاسِ، وَأَنْبِذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَحَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ، وَقَرَأَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَرَاءَةٌ إِلَى أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ وَقَالَ: لَا يَحُجَنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَهْدٌ فَلَهُ عَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ نَعَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - النَّجَاشِيَّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَصَلَّى عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ فِي رَجَبٍ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ بَعْدَ أَنْ مَرِضَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَكَانَ لَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزْوَةٌ وَسَرِيَّتَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ وأحكم
فصل: [ذِكْرُ حَوَادِثِ سَنَةَ عَشْرٍ سَرِيَّةُ خَالِدِ بْنِ الوليد إلى بني عبد المدان]
ثم دخلت سنة عشر فيها بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْمَدَانِ بِنَجْرَانَ فَأَسْلَمُوا وَأَقْبَلَتْ وُفُودُهُمْ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَبَايَعُوهُ، وَعَادُوا فَوَلَّى عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، لِيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا لِيَحْمِلَهُمْ على ما فيه، وبي 5 ن فِيهِ الْأَحْكَامَ وَنُصُبَ الزَّكَوَاتِ وَمَقَادِيرَ الدِّيَاتِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ فِي جُمَادَى الْأُولَى [سَرِيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ]
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، فَكَانَتْ أَوَّلَ خَيْلٍ دَخَلَتْ تِلْكَ الْبِلَادَ فَنَاوَشُوهُ مِنْ أَوَائِلِهِمْ قَوْمٌ فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَسَبَى