الحاوي الكبيرصفحات 199-238
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور

صفحات 199-238
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَلِأَنَّ تَشَاغُلَ الْوُلَاةِ بِالْكِتَابَةِ يَقْطَعُهُمْ عَنِ النَّظَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْقُضَاةُ وُلَاةٌ لا يستغنون عن كتاب.
(صفات كاتب القاضي) . وَصِفَةُ كَاتِبِ الْقَاضِي مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَوْصَافِهِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: الْعَدَالَةُ: لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَاتِ وَتَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ فَافْتَقَرَ إِلَى صِفَةِ مَنْ تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ كَالشُّهُودِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، وَلَيْسَ يُرِيدُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جَزْلَ الرَّأْيِ، سَدِيدَ التَّحْصِيلِ، حَسَنَ الْفَطِنَةِ حَتَّى لَا يُخْدَعَ.
أَوْ يُدَلَّسَ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا، لِيَعْلَمَ صِحَّةَ مَا يَكْتُبُ مِنْ فَسَادِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا بِأَحْكَامِ كِتَابَتِهِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِالشُّرُوطِ، مِنَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ، وَاسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لَهَا، وَالتَّحَرُّزِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَيَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ وَاضِحَ الْخَطِّ، فَصِيحَ اللِّسَانِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ نَزِيهًا بَعِيدًا مِنَ الطَّمَعِ لِيُؤْمَنَ أَنْ يَرْتَشِيَ فَيُحَابِيَ.
فَإِذَا ظَفِرَ الْقَاضِي بِمَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الْأَرْبَعَةُ وَأَرْجُو أَنْ يَظْفَرَ بِهِ جَازَ أَنْ يَسْتَكْتِبَهُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَكْتِبَ عَبْدًا، وَإِنْ أَكْمَلَهَا؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطٌ فِي كَمَالِ الْعَدَالَةِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَكْتِبَ ذِمِّيًا وَإِنْ كَانَ كَافِيًا؛ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِفِسْقِهِمْ فِي الدِّينِ عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِمْ فِيهِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1] . وَقَالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51] . وَرَوَى الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَدْعُوهُ إِلَى الْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَدْعُوهُ إِلَى الشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ ".

وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدْ جَاءَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ مَعْنَاهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: 118] . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ ". أَيْ لَا تَرْجِعُوا إِلَى آرَائِهِمْ، وَلَا تُعَوِّلُوا عَلَى مُشَاوَرَتِهِمْ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَعَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَأُعْجِبَ عُمَرُ بِخَطِّهِ وَحِسَابِهِ، فَقَالَ لِأَبِي مُوسَى أَحْضِرْ كَاتِبَكَ، لِيَقْرَأَهُ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنَّهُ نصراني لا يدخل المسجد فزبره عُمَرُ وَقَالَ " لَا تَأْمَنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ، وَلَا تُدْنُوهُمْ وَقَدْ أَبْعَدَهُمُ اللَّهُ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ وَقَدْ أَذَلَّهُمُ اللَّهُ ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: مَا يَنْبَغِي لِقَاضٍ وَلَا وَالٍ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا ذِمِّيًّا، وَلَا يَضَعَ الذِّمِّيَّ فِي مَوْضِعٍ يَفْضُلُ بِهِ مُسْلِمًا، وَيُعِزُّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِمْ، وَالْقَاضِي أهل الناس في هذا عذرا.

(فصل: مجلس الكاتب وعمله) .

فَإِذَا اسْتَكْتَبَ الْقَاضِي مَنْ وَصَفْنَا، وَأَحْضَرَهُ مَجْلِسَ حُكْمِهِ، وَأَجْلَسَهُ فِي الِاخْتِيَارِ عَنْ يَسَارِهِ، لِيُثْبِتَ مَا يَحْكُمُ بِهِ مِنْ إِقْرَارٍ، أَوْ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ، أَوْ تَنْفِيذِ حُكْمٍ يَذْكُرُ فِيهِ الْمَحْكُومَ لَهُ، وَالْمَحْكُومَ عَلَيْهِ، بِأَسْمَائِهِمَا، وَأَنْسَابِهِمَا، وَبِقَدْرِ مَا حَكَمَ بِهِ، وَسَبَبَ حُكْمِهِ، مِنْ إِقْرَارٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ حَلَّاهُمَا عِنْدَ الْجَهَالَةِ بِهِمَا كَانَ أَوْلَى.
وَالْقَاضِي فِيمَا يَكْتُبُهُ الْكَاتِبُ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَكْتُبَهُ مِنْ لَفْظِهِ، أَوْ يَكْتُبَهُ الْكَاتِبُ بِأَلْفَاظِهِ وَالْقَاضِي يَنْظُرُ إِلَيْهِ، أَوْ يَقْرَأُهُ بَعْدَ كِتَابَتِهِ، وَيُعْلِمَ فِيهِ الْقَاضِيَ بِخَطِّهِ، وَيُشْهِدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، لِيَكُونَ حُجَّةً لِلْمُتَحَاكِمِينَ.
وَيَكْتُبُ الْكَاتِبُ ذَلِكَ عَلَى نُسْخَتَيْنِ، تَكُونُ إِحْدَاهُمَا فِي دِيوَانِ الْقَاضِي، وَالْأُخْرَى بِيَدِ الْمَحْكُومِ لَهُ.
فَإِنْ قَصَّرَ الْقَاضِي فِيمَا وَصَفْنَاهُ كَانَ مُفَرِّطًا فِي حُقُوقِ وِلَايَتِهِ، وَمُفَرِّطًا فِي حُقُوقِ الْخُصُومِ، وَإِنِ اسْتَوْفَاهَا سَلِمَ مِنَ التَّفْرِيطِ فِيهِمَا.
( [صِفَاتُ الْقَاسِمِ] ) .

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي: والقاسم في صفة الكاتب عالم بالجناب لَا يُخْدَعُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْقَاسِمَ أَمِينُ الْحَاكِمِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَاتِ الْكَاتِبِ، مِنَ الْعَدَالَةِ، وَالْأَمَانَةِ، وَاسْتَكْمَال الْأَوْصَافَ الْأَرْبَعَةَ، وَيَزِيدُ عَلَيْهَا: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْحِسَابِ، وَالْمِسَاحَةِ، وَالْقِسْمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْقِيَمِ.

فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِيَمُ لِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ الْمُقَوَّمَةِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَقْصِيرًا فِي صِفَتِهِ وَرَجَعَ الْحَاكِمُ فِي التَّقْوِيمِ إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ وَنَوْعٍ أَهْلَ خِبْرَةٍ وَهُمْ أَعْلَمُ بِقِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ يُكْمِلُ مَعْرِفَةَ قِيَمِ الْأَجْنَاسِ كُلِّهَا أَحَدٌ.
وَلِلْقَاسِمِ اجْتِهَادٌ، كَالْحَاكِمِ، وَلَيْسَ لِلْكَاتِبِ اجْتِهَادٌ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَكَانَ مَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَوْصَافِ الْقَاسِمِ أَغْلَظَ مِنِ اعْتِبَارِهَا فِي الْكَاتِبِ.
(ضَمُّ الشَّهَادَاتِ وَحِفْظُهَا)

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي: " وَيَتَوَلَّى الْقَاضِي ضَمَّ الشَّهَادَاتِ وَرَفْعَهَا لَا يَغِيبُ ذَلِكَ عَنْهُ وَيَرْفَعُهَا فِي قِمَطْرٍ وَيَضُمُّ الشَّهَادَاتِ وَحُجَجَ الرَّجُلَيْنِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ مُتَرْجَمَةً بِأَسْمَائِهِمَا وَالشَّهْرِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لِيَكُونَ أَعْرَفَ لَهُ إِذَا طَلَبَهَا فَإِذَا مَضَتْ سَنَةٌ عَزَلَهَا وَكَتَبَ خصوم سنة كذا حتى تكون كل سنة مفروزة وكل شهر مفروزا ولا يفتح المواضع التي فيها تلك الشهادات إلا بعد نظره إلى خاتمه أو علامته وأن يترك في يدي المشهود له نسخة بتلك الشهادات ولا يختمها ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْقَضَاءُ فَهُوَ الْفَصْلُ لِانْقِضَاءِ التَّنَازُعِ بِهِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 22] . وَالَّذِي يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي فِي نَظَرِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: فَصْلُ التَّنَازُعِ بَيْنَ الْخُصُومِ.
وَالثَّانِي: التَّوْثِقَةُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنَ الْحُقُوقِ.
وَالثَّالِثُ: حِفْظُ مَا حصل عنده من الحجج والوثائق.
(القول في فصل التنازع)

فَأَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ فَصْلُ التَّنَازُعِ بَيْنَ الْخُصُومِ فَلَهُ حَالَتَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ وَاضِحًا فَيُعَجِّلُ فَصْلَهُ فِي الْوَقْتِ الْمَأْلُوفِ، مِنْ زَمَانِ نَظَرِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي اللَّيْلِ، وَأَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ أَنْ يَفْصِلَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ مَعَ الْمُكْنَةِ الْمَأْلُوفَةِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ أَثِمَ، إِلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ الْخُصُومُ.
فَإِنِ اتَّفَقَ الْخَصْمَانِ عَلَى تَأْخِيرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا عَلَى تَعْجِيلِهِ.
وَإِنْ دَعَا أَحَدُهُمَا إِلَى تَعْجِيلِ فَصْلِهِ، وَدَعَا الْآخَرُ إِلَى تَأْخِيرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى تَعْجِيلِهِ وَعَمِلَ عَلَى قَوْلِ الطَّالِبِ دُونَ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ فَصْلَ التَّنَازُعِ حَقٌّ لِلْمَطْلُوبِ دُونَ الطَّالِبِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ مُشْتَبِهًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الِاشْتِبَاهُ لِاخْتِلَاطِ الدَّعْوَى وَاشْتِبَاهِ التَّنَازُعِ، فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَهُمَا بِكَشْفِ الْمُشْتَبَهِ وَتَمْيِيزِ الْمُخْتَلَطِ وَلَا يَعْجَلَ فِي فَصْلِ التَّنَازُعِ بَيْنَهُمَا مَعَ اشْتِبَاهِ حَالِهِمَا وَالْأَمْرُ فِي كَشْفِ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا كَشَفَاهُ فَصَلَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِاشْتِبَاهُ لِإِشْكَالِ الْحُكْمِ عَلَى الْقَاضِي؛ لِاحْتِمَالِهِ عِنْدَهُ.
فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقِفَ الْحُكْمَ عَلَى اجْتِهَادِهِ فِيهِ، وَمُشَاوَرَةِ الْفُقَهَاءِ فِي وَجْهِ صَوَابِهِ، وَلَا يَعْجَلَ بِفَصْلِهِ مَعَ الِاشْتِبَاهِ، فَإِذَا بَانَ لَهُ بِاجْتِهَادِهِ وَجْهُ الْحَقِّ فِيهِ عَجَّلَ حِينَئِذٍ فَصْلَهُ وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ.
فَإِنْ رَدَّهُمَا الْقَاضِي مَعَ الِاشْتِبَاهِ إِلَى وَسَاطَةِ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُمَا الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ سَأَلَاهُ رَدَّهُمَا إِلَى الْوَسِيطِ لَزِمَهُ الْكَفُّ عَنِ النَّظَرِ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهُمَا إِلَى وَسِيطٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ رَدَّهُمَا إِلَيْهِ تَقْلِيدٌ لَهُ عَلَى النَّظَرِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَلِّدَ لَهُمَا نَاظِرًا.
فَإِنْ أَجَابَهُمَا إِلَيْهِ كَانَ تَبَرُّعًا مِنْهُ وَحَمَلَهُمَا الْوَسِيطُ عَلَى التَّرَاضِي دُونَ الْإِلْزَامِ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ الْإِلْزَامَ فَيَصِيرُ حَاكِمًا وَمُلْزَمًا.
وَيَجُوزُ لِلْوَسِيطِ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِمَا حَفِظَهُ مِنْ إِقْرَارِهِمَا فَإِنْ شَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْفَظَ عَلَيْهِمَا إِقْرَارًا فَفِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِمَا وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي الِاسْتِرْعَاءِ هَلْ يَكُونُ شرطا في صحة الشهادة.

(فصل: حكم القاضي على والديه ومولوديه أو لهما)

وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ عَلَى وَالِدَيْهِ وَمَوْلُودَيْهِ.
وَفِي جَوَازِ حُكْمِهِ لِوَالِدَيْهِ وَمَوْلُودَيْهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُمْ كَمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الْحُكْمِ ظَاهِرٌ وَطَرِيقَ الشَّهَادَةِ بَاطِنٌ فَتَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ التُّهْمَةُ فِي الشَّهَادَةِ وَلَمْ تَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُمْ بِالْإِقْرَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُتَّهَمُ بِأَنْ يَعْدِلَ فِيهَا مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلَا يُتَّهَمُ فِي الْإِقْرَارِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِعَدُوِّهِ وَعَلَى عَدُوِّهِ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودَيْنِ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَسْبَابَ الْعَدَاوَةِ طَارِئَةٌ تَزُولُ بَعْدَ وُجُودِهَا وَتَحْدُثُ بَعْدَ عَدَمِهَا وَأَسْبَابُ الْأَنْسَابِ لَازِمَةٌ لَا تَحُولُ وَلَا تَزُولُ فَغَلُظَتْ هَذِهِ وَخَفَّفَتْ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَنْسَابَ مَحْصُورَةٌ مُتَعَيِّنَةٌ وَالْعَدَاوَةُ مُنْتَشِرَةٌ مُشْتَبِهَةٌ يُفْضِي تَرْكُ الْحُكْمِ مَعَهَا إِلَى امْتِنَاعِ كُلِّ مَطْلُوبٍ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ.

(فصل: القول في التوثقة للمتنازعين) .

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ التَّوْثِقَةُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِيمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ مِنَ الْحُقُوقِ: فَلَا يَخْلُو ثُبُوتُ الْحَقِّ عِنْدَهُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُثْبِتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ [بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَإِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ] مِنْ إِقْرَارِ خَصْمِهِ لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُ إِلَيْهِ، وَأَشْهَدَ الْقَاضِي عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ حَقِّهِ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِ خَصْمِهِ، لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ إِلَّا الْإِقْرَارَ الَّذِي قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ الْمُقِرُّ فَلَزِمَ الْقَاضِي إِثْبَاتُ حَقِّهِ بِالْإِشْهَادِ عَلَى نَفْسِهِ لِيَكُونَ لَهُ حُجَّةً عِنْدَ إِنْكَارِ خَصْمِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَثْبُتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِ خَصْمِهِ [فَيَلْزَمُ الْقَاضِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ بَعْدَ نُكُولِ خَصْمِهِ] لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِلْمُدَّعِي غَيْرَ إِشْهَادِ الْقَاضِي عَلَى نَفْسِهِ.
فَإِنْ سَأَلَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى نَفْسِهِ مَحْضَرًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ فِي دَيْنٍ يسْتَوْفى عَاجِلًا لَمْ يَلْزَمْهُ كَتْبُ الْمَحْضَرِ بِهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ فِي دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ فِي مِلْكٍ مُتَأَبَّدٍ فَفِي وُجُوبِ كَتْبِ الْمَحْضَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بَيِّنَةٌ تُغْنِي عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي كَتْبُ الْمَحْضَرِ وَالْإِشْهَادُ لِيَكُونَ حُجَّةً مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي مُطْلَقِ الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ كَتْبُ الْمَحْضَرِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُثْبِتَ الْحَقَّ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ يُقِيمُهَا الْمُدَّعِي عَلَى خَصْمِهِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْقَاضِي الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا سَأَلَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ بِالْحَقِّ بَيِّنَةً فَلَمْ يَلْزَمِ الْقَاضِي أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ بَيِّنَةً وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مُخَيَّرًا.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْبَيِّنَةِ كَمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ فِي إِشْهَادِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الْبَيِّنَةِ الْمَوْجُودَةِ تَعْدِيلَ بَيِّنَتِهِ، وَثُبُوتَ حَقِّهِ، وَإِلْزَامَ خَصْمِهِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِإِشْهَادِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
فَإِنْ سَأَلَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ الْإِسْجَالَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَالْإِشْهَادَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، كَانَ فِي وُجُوبِ الْإِسْجَالِ بِهِ وَجْهَانِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ كَتْبِ الْمَحْضَرِ بِالْإِقْرَارِ.
وَلَوْ حَكَمَ عَلَى الْمُنْكِرِ بِالْيَمِينِ، وَأَحْلَفُهُ عَلَى إِنْكَارِهِ وَسَأَلَهُ الْإِشْهَادَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِحْلَافِهِ، لَزِمَهُ الْإِشْهَادُ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِنَ الدَّعْوَى مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ فَاحْتَاجَ إِلَى حُجَّةٍ يَسْقُطُ بِهَا الرُّجُوعُ فِي مُطَالَبَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ إِلَّا إِشْهَادَ الْقَاضِي عَلَى نَفْسِهِ.
فَإِنْ سَأَلَهُ كَتْبَ مَحْضَرٍ بِإِحْلَافِهِ وَالْإِشْهَادِ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
وَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي الْمُطَالَبَةُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى إِنْكَارِ خَصْمِهِ، وَإِحْلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ عليه، وليست له.

(فصل: القول في المحاضر والسجلات) .

فَأَمَّا صِفَةُ الْمَحْضَرِ وَالسِّجِلِّ فَلِلْقُضَاةِ فِيهِمَا عُرْفٌ وَشُرُوطٌ مُعْتَبَرَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُتَّبَعَةً لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُرْفِهِمْ وَعَادَتِهِمْ فِيهَا مِنْ تَوَجُّهِ الظُّنُونِ وَوُقُوعِ الِاشْتِبَاهِ.
فَأَمَّا الْمَحْضَرُ: فَهُوَ حِكَايَةُ الْحَالِ وَمَا جَرَى بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ مِنْ دَعْوَى وَإِقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ وَبَيِّنَةٍ وَيَمِينٍ.
فَأَمَّا السِّجِلُّ: فَهُوَ تَنْفِيذُ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَإِمْضَاءُ مَا حَكَمَ بِهِ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَحْضَرِ وَالسِّجِلِّ.
فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ تَنْفِيذَ الْحُكْمِ جَرَى مَجْرَى السِّجِلِّ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ خَالَفَهُ لَفْظُهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَاسْتَغْنَى بِهِ عَنِ السِّجِلِّ، وَإِنْ ذَكَرَ السِّجِلَّ حِكَايَةَ الْحَالِ جَرَى مَجْرَى الْمَحْضَرِ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ خَالَفَ لَفْظُهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَاسْتَغْنَى بِهِ عَنِ الْمَحْضَرِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَعْدِلَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ مَوْضُوعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَحْضَرِ أَنْ يَتَذَكَّرَ بِهِ الْحَاكِمُ مَا جَرَى بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ لِيَحْكُمَ فِيهِ بِمُوجِبِ الشَّرْعِ، وَالْمَقْصُودُ بِالسِّجِلِّ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً بِمَا نَفَّذَ بِهِ الْحُكْمَ.
فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِتَمْيِيزِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ.
وَصِفَةُ الْمَحْضَرِ أَنْ يُكْتَبَ: حَضَرَ الْقَاضِي فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامُ فَلَانٌ عَلَى بَلَدِ كَذَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ فِي مَوْضُوعِ كَذَا.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَحْضَرُ عَلَى إِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ.

وقال أبو حامد الإسفرايني: إِنْ كَانَ عَلَى إِقْرَارٍ لَمْ يَذْكُرْ مَجْلِسَ حُكْمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيِّنَةٍ ذَكَرَ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ حُكْمٌ، وَلَيْسَ فِي الْإِقْرَارِ حُكْمٌ.
وَلَيْسَ لِهَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا يَسْمَعُهَا الْقَاضِي إِلَّا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْإِقْرَارِ إِلْزَامٌ، وَالْإِلْزَامُ حُكْمٌ.
ثُمَّ يَذْكُرُ اسْمَ الْمُدَّعِي.
وَاسْمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَمَا جَرَى بَيْنَهُمَا، مِنْ قَدْرِ الدَّعْوَى، وَمَا تَعَقَّبَهَا مِنْ إِقْرَارٍ، أَوْ إِنْكَارٍ، وَيَمِينٍ، أَوْ نُكُولٍ، أَوْ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ.
وَيُعْلَمُ الْقَاضِي فِيهِ بِعَلَامَتِهِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا.
وَإِنْ أَشْهَدَ فِيهِ كَانَ أَوْكَدَ وَأَحْوَطَ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى الْمُحْتَجِّ بِهَا، وَيَجْعَلُ مِثْلَهَا فِي دِيوَانِهِ.
وَأَمَّا السِّجِلُّ فَيَبْدَأُهُ بِالشَّهَادَةِ، كَمَا ابْتَدَأَ الْمَحْضَرَ بِالْحُضُورِ، فَيَكُونُ أَوَّلُ السِّجِلِّ: هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَان عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَيَذْكُرُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، فَإِنْ كَانَ إِسْجَالًا بِمَحْضَرٍ كَتَبَ نُسْخَتَهُ، وَإِنْ كَانَ إِسْجَالًا بِمَا تَضَمَّنَهُ كِتَابٌ، مِنْ ثُبُوتِ مِلْكٍ فِيهِ، كَتَبَ نُسْخَتَهُ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ إِنْفَاذَ حُكْمِهِ بِهِ، وَاسْتَوْفَاهُ عَلَى شُرُوطِهِ، وَأَشْهَدَ بِمَا فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلِلْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ كُتُبٌ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا الْمَوْضُوعِ لِفِقْهِ الْأَحْكَامِ دُونَ مُوَاضَعَاتِ الشُّرُوطِ، وَرُبَّمَا أَفْرَدْنَا لِذَلِكَ كِتَابًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
وَلَا بُدَّ لِلْإِسْجَالِ مِنْ شَهَادَةٍ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إِنْفَاذِ الْحُكْمِ بِمَا فِيهِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْمَحْضَرُ فِي الْأَغْلَبِ بِغَيْرِ شهادة.

(فصل: القول في حفظ الحجج والوثائق) .

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ حِفْظُ مَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ الْحُجَجِ وَالْوَثَائِقِ مِنَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ، فَيُكْتَبُ عَلَى ظَهْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْمُ صَاحِبِهِ، وَتَارِيخُ تَنْفِيذِهِ، وَيَخْتِمُهُ بِخَاتَمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتِمِ النُّسْخَةَ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهَا لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ عَرْضِهَا وَإِظْهَارِهَا.
وَيَجْمَعُ وَثَائِقَ كُلِّ يَوْمٍ، إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَشْهَدِهِ، وَلَا يَكِلُهُ إِلَى مَنْ يَتَوَلَّاهُ بِغَيْرِ مُعَايَنَتِهِ، لِأَنَّهَا أَمَانَاتُ أَرْبَابِهَا فِي يَدِهِ، لِيَسْلَمَ مِنِ اغْتِيَالٍ، أَوِ احْتِيَالٍ، وَيَضَعُهَا فِي قِمَطْرٍ، أَوْ سَفَطٍ، يَخْتِمُهُ بِخَاتَمِهِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ حُجَجُ كُلِّ شَهْرٍ ضَمَّهَا، وَكَتَبَ عَلَى مَجْمُوعِهَا: اسْمَ الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ.
وَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ شَهْرٍ.

فَإِذَا تَكَامَلَتْ حُجَجُ السَّنَةِ كُلِّهَا أَفْرَدَهَا وَكَتَبَ عَلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهَا حُجَجُ سَنَةِ كَذَا.
ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ كُلَّ سَنَةٍ، وَتَكُونُ جَمِيعُهَا تَحْتَ خَتْمِهِ فِي أَوْعِيَتِهِ.
وَيَخْتِمُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى خِزَانَتِهِ، وَيَكُونُ الْخَاتَمُ فِي يَدِهِ وَلَا يُسَلِّمُهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِلَّا مَعَ مُشَاهَدَتِهِ، لِئَلَّا يَتِمَّ فِيهِ احْتِيَالٌ إِذَا فَارَقَهُ وَبَعُدَ عَنْهُ.
(هَلْ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِمَا يَجِدُهُ فِي دِيوَانِهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالْكُتُبِ دُونَ أَنْ يَتَذَكَّرَهَا؟) .

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَلَا يُقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مِمَّا وَجَدَ فِي دِيوَانِهِ إِلَّا مَا حَفِظَ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَحُ فِي الدِّيوَانِ وَيُشْبِهُ الْخَطُّ الْخَطَّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا حَضَرَ الْقَاضِيَ خَصْمَانِ وَذَكَرَ الطَّالِبُ مِنْهُمَا أَنَّ فِي دِيوَانِ الْقَضَاءِ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَصْمِهِ وَسَأَلَهُ إِخْرَاجَهَا وَالْحُكْمَ بِهَا وَعَرَضَ عَلَيْهِ مِثْلَ نُسْخَتِهَا الَّتِي بِيَدِهِ لَمْ يَعْمَلْ عَلَيْهَا وَأَخْرَجَ نُسْخَةَ دِيوَانِهِ وَوَقَفَ عَلَيْهَا.
فَإِذَا عَرَفَ صِحَّتَهَا وَذَكَرَ حُكْمَهُ فِيهَا عَمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَأَلْزَمَ الْخَصْمَ مَا حَكَمَ بِهِ.
وَإِنْ عَرَفَ صِحَّةَ خَطِّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَقْتَ حُكْمِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِخَطِّهِ وَإِنْ صَحَّ فِي نَفْسِهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِخَطِّهِ إِذَا عَرَفَ صِحَّتَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ.
وَهُوَ عُرْفُ الْقُضَاةِ فِي عَصْرِنَا.
اسْتِدْلَالًا بِأُمُورٍ مِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مِنَ الِاحْتِيَاطِ بِالْخَطِّ وَالْخَتْمِ وَالْحِفْظِ غَايَةَ مَا فِي وُسْعِهِ، فَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ عَلَيْهِ لَتَاهَتْ بِهِ الْحُقُوقُ، وَلَبَطَلَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَلَمَا احْتَاجَ إِلَى مَا فَعَلَهُ مِنَ الِاحْتِيَاطِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُسْتَفِيضٌ وَالْإِنْكَارَ فِيهِ مُرْتَفِعٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلرَّاوِي أَنْ يَرْوِيَ أَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ مِنْ كِتَابِهِ إِذَا وَثِقَ بِصِحَّتِهِ كَانَتِ الْأَحْكَامُ بِذَلِكَ أَوْلَى.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] ، وَمَا أَمْضَاهُ بِخَطِّهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فَقَدْ قَفَا مَا لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ أَغْلَظُ مِنَ الشَّهَادَةِ، لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْإِلْزَامِ، فَلَمَّا لَمْ تَجُزِ الشَّهَادَةُ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ إِلَّا مَعَ الذِّكْرِ كَانَ الْحُكْمُ بذلك أحق.

وَلِأَنَّ الْخُطُوطَ قَدْ تَشْتَبِهُ، وَيَزُورُ عَلَيْهَا مَا لَا يَكَادُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْتَالُ عَلَى الْخُتُومِ فَصَارَ إِمْضَاءُ الْحُكْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ مُشْتَبِهًا، وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي إِلْزَامُ حَقٍّ وَإِمْضَاءُ حُكْمٍ مَعَ الِاشْتِبَاهِ وَالِاحْتِمَالِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ قَدْ فَعَلَ غَايَةَ وُسْعِهِ لِيَحْكُمَ بِهِ فَهُوَ، أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَذَكَّرَ بِهِ لَا لِيَحْكُمَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالِاسْتِفَاضَةِ: فهو أنها استفاضة استرسال.
وليس بِاسْتِفَاضَةِ اعْتِقَادٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الرِّوَايَةِ: فَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الرِّوَايَةِ أَوْسَعُ وَفِي حِفْظِهَا مَعَ الْكَثْرَةِ مَشَقَّةٌ، وَلَمَّا كَانَتِ الشَّهَادَةُ مُفَارِقَةً لِلرِّوَايَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى، كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ لِلْأَحْكَامِ وَالْإِلْزَامِ لِهَذَا المعنى أولى.

(فصل: هل يجوز تولية القاضي الأمي) .

فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مِمَّنْ لَا يَكْتُبُ الْخَطَّ وَلَا يَقْرَأَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَصِحُّ وِلَايَتُهُ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ النُّبُوَّةِ أَغْلَظُ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُمِّيًّا، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ بِخَطِّهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فَقْدُهُ فِي وِلَايَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ إِذَا كَانَ أُمِّيًّا حَتَّى يكتب ويقرأ؛ لأن لَا يَقوى فِي الِاجْتِهَادِ إِلَّا بِمَا يَقْرَأَهُ مِنَ الْعُلُومِ وَلَا يَحْفَظُ مَا عَلِمَهُ مِنْ شَرْعٍ وَأَمْضَاهُ مِنْ حُكْمٍ إِلَّا بِمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ وَيَتَذَكَّرُهُ مِنْ خَطِّهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ ". فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، فَخَالَفَ فِيهِ مَنْ سِوَاهُ.
(إِذَا نَسِيَ الْحَاكِمُ حكمه وشهد به شاهدان) .

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَلَوَ شَهِدَ عِنْدَهُ شُهُودٌ أَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمٍ فَلَا يُبْطِلُهُ وَلَا يُحِقُّهُ إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي خَصْمَيْنِ حَضَرَا مَجْلِسَ الْقَاضِي فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ حَقًّا، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ.
فَذَكَرَ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ حَقِّي عَلَيْهِ عِنْدَكَ وَحَكَمْتَ لِي بِهِ.
فَإِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي ذَلِكَ وَعَلِمَهُ، حَكَمَ عَلَى الْخَصْمِ بِهِ، سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مِنْهُ اسْتِئْنَافًا لِحُكْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ إِمْضَاءٌ وَإِلْزَامٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِهِ.

وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي ذَلِكَ وَأَحْضَرَهُ الْمُدَّعِي خَطَّهُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يحكم بخطه إذا لم يذكره.
فإن أحضره الْمُدَّعِي شُهُودًا يَشْهَدُونَ عِنْدَهُ بِمَا ثَبَتَ مِنْ حَقِّهِ عَلَى خَصْمِهِ فَلِذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ عِنْدَهُ لِهَذَا الْمُدَّعِي بِكَذَا، سَمِعَ الْقَاضِي هَذِهِ الشَّهَادَةَ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَكَمَ لِهَذَا الْمُدَّعِي عَلَى خَصْمِهِ بِكَذَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَيَشْهَدُونَ عِنْدَهُ بِحُكْمِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حُكْمِ نَفْسِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حُكْمِ نَفْسِهِ كَمَا يَسْمَعُهَا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَمِعَ قَوْلَ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَاسْتَشْهَدَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى مَا قَالَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَصَدَّقَاهُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَكَانَ مَنْ عَدَاهُ مِنَ الْحُكَّامِ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ أَحَقَّ.
وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، لِمَا رَوَاهُ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِالْهُرْمُزَانِ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ نَزَلَ عَلَى حُكْمِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْهُرْمُزَانُ عَلَيْهِ سَكَتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تَكَلَّمْ، فَقَالَ: أَكَلَامُ حَيٍّ أَمْ كَلَامُ مَيِّتٌ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تَكَلَّمْ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ فَقَالَ: " نَحْنُ وَأَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ حَيْثُ خَلَا اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كُنَّا نَسْتَعْبِدُكُمْ فَلَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَكُمْ فَلَيْسَ لَنَا بِكُمْ يَدَانِ فَأَمَرَ عُمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ أَنْسٌ: كَيْفَ تَقْتُلُهُ وَقَدْ قُلْتَ لَهُ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ عُمَرُ لِأَنَسٍ: " مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ؟ " فَشَهِدَ مَعَهُ الزُّبَيْرُ، فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأَطْلَقَهُ آمِنًا، وَفَرَضَ لَهُ فِي الْعَطَاءِ، وَكَانَ هَذَا بِمَشْهَدٍ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى عُمَرَ سَمَاعَهُ لِلشَّهَادَةِ عَلَى قَوْلِهِ، فَدَلَّ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِهِ.
وَقَدْ أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي رِوَايَاتِ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ: رَوَى ربيعة، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ " وَنَسِيَ سُهَيْلٌ الْحَدِيثَ، فقال له ربيعة: أنت حدثتني به فَكَانَ سُهَيْلٌ يَقُولُ:

حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ "، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا رَوَاهُ جَازَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ.
وَلِأَنَّهُ كَمَا جَازَ أَنْ يَسْمَعَ الشَّهَادَةَ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ جَازَ أَنْ يَسْمَعَهَا عَلَى حُكْمِ نَفْسِهِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] . فَوَكَلَهُ فِي فِعْلِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ؛ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى حَتَّى يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْسَعُ حُكْمًا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، كَانَ بِأَنْ لَا يَسْمَعَ الشَّهَادَةَ عَلَى حُكْمِهِ لِغَيْرِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَخَفُّ مِنَ الْحُكْمِ، لِمَا فِي الْحُكْمِ مِنَ الْإِلْزَامِ الَّذِي لَا تَتَضَمَّنُهُ الشَّهَادَةُ.
ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الشَّاهِدَ إِذَا نَسِيَ شَهَادَتَهُ فَشَهِدَ بِهَا عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ؛ فَكَانَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَذَّكَّرَ بِقَوْلِهِمْ فَعَمِلَ عَلَى ذِكْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ أَحْدَثُ لَهُ شَكًّا، وَالشَّكُّ فِي الصَّلَاةِ يُوجِبُ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى الْيَقِينِ، وَبِهِمَا يُجَابُ عَنْ قِصَّةِ الْهُرْمُزَانِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ، فَلِسَعَةِ حُكْمِهَا جَازَ فِيهَا مَا لَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ سَمَاعِ غَيْرِهِ لِلشَّهَادَةِ، فَهُوَ أَنَّ غَيْرَهُ يَعْمَلُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَجَازَ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى الشَّهَادَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ عَلَى الْيَقِينِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْمَلَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الشَّهَادَةِ حَتَّى يقطع بيقين نفسه.

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ غَيْرِهِ أَجَازَهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْهُ مَا يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنْ عَلِمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ أَنْكَرَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِمَا حَكَمَ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ رَدِّهِ لِشَهَادَتِهِمْ مِنْ ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَرُدَّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ بِهَا وَهُوَ لَا يَرَى سَمَاعَ الشَّهَادَةِ عَلَى حُكْمِ نَفْسِهِ، فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَتَهُمْ وَيَعْمَلَ عَلَيْهَا وَيَحْكُمَ بِهَا، لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْجَوَابِ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي أَنَّ فِعْلَ نَفْسِهِ مَحْمُولٌ عَلَى يَقِينِهِ وَفِعْلُ غَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَالِيًا أَوْ مَعْزُولًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي الَّذِي قَدْ حَكَمَ قَدْ أَكْذَبَ الشُّهُودَ عِنْدَهُ وَرَدَّهُمْ

مَجْرُوحِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَتَهُمْ عَلَى حُكْمِهِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ حَكَمَ بِإِبْطَالِ الْحُكْمِ وَتَفْسِيقِ الشُّهُودِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ وَلَمْ يُكَذِّبِ الشُّهُودَ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مَعَ إِنْكَارِهِ لِلْحُكْمِ أَنْ يَسْمَعَ الشَّهَادَةَ بِحُكْمِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهَا وَيَحْكُمَ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمُنْكِرِ مَسْمُوعَةٌ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاكِمَ أَصْلٌ وَالشُّهُودَ فَرْعٌ، وَفَسَادُ حُكْمِ الْأَصْلِ مُوجِبٌ لِفَسَادِ حُكْمِ الْفَرْعِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، إِذَا فَسَدَ فِيهَا حُكْمُ الْأَصْلِ فَسَدَ حُكْمُ الْفَرْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَوْ أَكْذَبَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْمَعَ بِهِ شَهَادَتَهُمْ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إِذَا أنكرهم والله أعلم بالصواب.

(كتاب قاض إلى قاض)

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَيَقْبَلُ كُلَّ كِتَابٍ لِقَاضٍ عَدْلٍ وَلَا يَقْبَلُهُ إِلَا بِعَدْلَيْنِ وَحَتَّى يَفْتَحَهُ وَيَقْرَأَهُ عَلَيْهِمَا فَيَشْهَدَا أَنَّ الْقَاضِيَ أَشْهَدَهُمَا عَلَى مَا فِيهِ وَأَنَّهُ قَرَأَهُ بِحَضْرَتِهِمَا أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِمَا وَقَالَ اشْهَدَا أن هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا كُتُبُ الْقُضَاةِ إِلَى الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ، فِي تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ، وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ فَمَحْكُومٌ بِهَا وَمَعْمُولٌ عَلَيْهَا.
وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كِتَابِ سُلَيْمَانَ إلى بلقيس قالت ﴿أيها الملاء إني ألقي إلي كتاب كريم إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم أن لا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 30] فَأَنْذَرَهَا بِكِتَابِهِ، وَدَعَاهَا إِلَى دِينِهِ، وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِهِ وَاقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى أَنْ قَالَ: ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وأتوني مسلمين﴾ فَأَوْجَزَ وَاخْتَصَرَ، وَهَكَذَا تَكُونُ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ مُوجَزَةً مختصرة.
فاحتمل قوله: ﴿لا تعلوا علي﴾ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَعْصُونِي.
وَالثَّانِي: لَا تُخَالِفُونِي.
واحتمل قوله ﴿وأتوني مسلمين﴾ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُسْلِمِينَ بِدِينِي.
وَالثَّانِي: مُسْتَسْلِمِينَ لِطَاعَتِي.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ افْتَتَحَ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - افْتَتَحَ كُتُبَهُ بِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".

وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى مُلُوكِ الْأُمَمِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ.
فَكَتَبَ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ مَلِكًا مِنْهُمْ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَقَيْصَرُ مَلِكُ الرُّومِ.
فَأَمَّا كِسْرَى فَكَتَبَ إِلَيْهِ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَانَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَالسَّلَامُ ". فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ مَزَّقَهُ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَمَزَّقَ مُلْكُهُ.
وَكَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، إِلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بيننا وبينكم، أن لا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [الآية: آل عمران: 64] . فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ قَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَتَرَكَهُ فِي الْمِسْكِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ثَبُتَ مُلْكُهُ ". وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ الْأَحْكَامَ وَالزَّكَوَاتِ وَالدِّيَاتِ، فَصَارَ فِي الدِّينِ شَرْعًا ثَابِتًا، وَعَمَلًا مُسْتَفِيضًا.
وَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ وَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابًا مَخْتُومًا، وَقَالَ: لَا تَفُضَّهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَوْضِعَ كَذَا، فَإِذَا بَلَغْتَهُ فَفُضَّهُ، وَاعْمَلْ بِمَا فِيهِ فَفَضَّهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرَهُ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، وَأَطَاعَهُ الْجَيْشُ عَلَيْهِ.
وَكَتَبَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ إِلَى أُمَرَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ بِمَا عَمِلُوا عَلَيْهِ فِي الدِّيَانَاتِ وَالسِّيَاسَاتِ.
وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَهْدَهُ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ وَهُوَ مَشْهُورٌ جَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ أَصْلًا لِلْعُهُودِ.
وَكَتَبَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قد حصر بنا فالوحا الوحا.
وَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَسُرُّهُ دَرَكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَسُوءهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ، فَلَا تَكُنْ بِمَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَرِحًا، وَلَا بِمَا فَاتَكَ مِنْهَا تَرِحًا، وَلَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَيُؤَخِّرُ التَّوْبَةُ بِطُولِ أَمَلٍ، فَكَأَنَّ قَدِ، وَالسَّلَامُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا انْتَفَعْتُ وَلَا اتَّعَظْتُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِمِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ.
فَدَلَّتْ هَذِهِ السُّنَنُ وَالْآثَارُ على قبول الكتب في الأحاكم ولأن ضرورات الحكام

إليها داعية فِي حِفْظِ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَبْعُدُ عَنْ مُسْتَحِقِّيهَا وَيَبْعُدُ عَنْهَا مُسْتَحِقُّوهَا فَلَمْ يَجِدِ الْحُكَّامُ بُدًّا مِنْ مُكَاتَبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِهَا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِمَا وَجَبَ عِنْدَهُ مِنْ حُكْمٍ، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حَقٍّ، وَيَكْتُبُ بِهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، وَأَدْنَى، وَإِلَى خَلِيفَتِهِ، وَمُسْتَخْلِفِهِ.
وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِهِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَثْبُتَ بِهَا عِنْدَ الثَّانِي مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُومَ فِي تَنْفِيذِهَا واستيفائها مقام الأول.
(متى يجب قبولها) . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِوُجُوبِ قَبُولِهَا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عَالِمًا بِصِحَّةِ وِلَايَةِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِصِحَّةِ وِلَايَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ كِتَابِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِصِحَّةِ أَحْكَامِهِ، وَكَمَالِ عَدَالَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ كِتَابِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ كِتَابِهِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ أَحْكَامٍ: (بِأَيِّ شَيْءٍ يَعْلَمُ صِحَّةَ الْكِتَابِ) . وَاخْتَلَفَ فِيمَا يَعْلَمُ بِهِ صِحَّةَ كِتَابِهِ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأبو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ عَلَى مَا سَنصفهُ.
وَذَهَبَ قُضَاةُ الْبَصْرَةِ: الْحَسَنُ، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَمَالَ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ، أَنَّهُ إِذَا عَرَفَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَخَتْمَهُ وَاتَّصَلَتْ بِمِثْلِهِ كُتُبُهُ جَازَ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَيَعْمَلَ بِمَا تَضَمَّنَهُ، احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ كَانَتْ مَقْبُولَةً، يُعْمَلُ بِمَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُرْفَ الْحُكَّامِ بِقَبُولِهَا مُسْتَفِيضٌ، لِتَعَذُّرِ الشَّهَادَةِ بِهَا، وَسُكُونِ النَّفْسِ إِلَى صحتها.

وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَقًّا غَائِبًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ " فَجَعَلَ الْحُكْمَ مَقْصُورًا عَلَى الشَّهَادَةِ دُونَ الْكِتَابِ.
وَلِأَنَّ نَقْلَ مَا غَابَ عَنِ الْقَاضِي لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْخَطِّ قِيَاسًا عَلَى خُطُوطِ الشُّهُودِ إِذَا كَتَبُوا إِلَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا كَذَلِكَ كُتُبُ الْقُضَاةِ.
وَلِأَنَّ الْخُطُوطَ تَشْتَبِهُ، وَالتَّزْوِيرَ عَلَى أَمْثَالِهَا مُمْكِنٌ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا مَعَ إِمْكَانِ مَا هُوَ أَحْوَطُ مِنْهَا، كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الْأَصْوَاتُ، وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى شَهَادَةِ الْبَصِيرِ لِانْتِفَاءِ الِاشْتِبَاهِ عَنْهُ.
وَلِأَنَّ مَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ فِيهِ بِالْأَقْوَى لَمْ يَجُزِ الْعَمَلُ فِيهِ بِالْأَضْعَفِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْعُقُودِ، لَمَّا أَمْكَنَ أَنْ تَسْمَعَ مِنَ الشَّاهِدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَسْمَعَ مِنَ المخبر.
فأما الجواب عن كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَانَتْ تَرِدُ مَعَ رُسُلٍ يَشْهَدُونَ بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْأَخْبَارِ الَّتِي يَخِفَّ حُكْمُهَا لِعُمُومِهَا فِي الْتِزَامِهَا وَالشَّهَادَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ تَغْلِيظًا لِالْتِزَامِهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ دَعْوَى الِاسْتِفَاضَةِ فَهُوَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ ثُمَّ هِيَ اسْتِفَاضَةُ فِعْلٍ مَخْصُوصٍ وَلَيْسَ باستفاضة اعتقاد عام.

(فصل: صحة الكتب ولزوم الحكم بها) .

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُتُبَ الْقُضَاةِ إِلَى الْقُضَاةِ لَا تُقْبَلُ بِالْخُطُوطِ حَتَّى يَشْهَدَ بِهَا عُدُولُ الشُّهُودِ فَالْكَلَامُ فِي صِحَّتِهَا وَلُزُومِ الْحُكْمِ بِهَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: فِيمَا يَكْتُبُ بِهِ الْقَاضِي مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَالثَّانِي: فِيمَنْ يُكَاتِبُهُ الْقَاضِي بِحُكْمِهِ.
وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ بِهِ قَبُولُ كُتُبِهِ.
وَالرَّابِعُ: فِيمَا يُمْضِيهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ حُكْمِهِ.
(مَا يَكْتُبُ بِهِ الْقَاضِي مِنْ أَحْكَامِهِ) . فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِيمَا يَكْتُبُ بِهِ الْقَاضِي مِنْ أَحْكَامِهِ فَأَحْكَامُهُ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ لِحَاضِرٍ عَلَى حَاضِرٍ بِحَقٍّ حَاضِرٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَحْكُمَ لِحَاضِرٍ عَلَى حَاضِرٍ بحق غائب.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَحْكُمَ لِحَاضِرٍ عَلَى غَائِبٍ بِحَقٍّ غَائِبٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَحْكُمَ لِحَاضِرٍ عَلَى غَائِبٍ بِحَقٍّ حَاضِرٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ لِحَاضِرٍ عَلَى حَاضِرٍ بِحَقٍّ حَاضِرٍ فَالْحَقُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَيْنًا حَاضِرَةً فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِهَا لِمَنِ اسْتَحَقَّهَا إِمَّا بِإِقْرَارٍ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ، وَيَنْتَزِعُهَا مِنْ يَدِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُهَا إِلَى الْمَحْكُومِ لَهُ وَلَا يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَكْتُبَ بِهِ الْقَاضِي إِلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ أَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَوْ هَرَبَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي بَدَنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا بَعْدَ الْحُكْمِ اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ وَلَمْ يَكْتُبْ بِهِ الْقَاضِي إِلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ هَرَبَ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَقَبْلَ اسْتِيفَائِهِ مِنْهُ جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْهَارِبُ بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ، مِنْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ لِيَسْتَوْفِيَهُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، وَهَذَا حُكْمٌ عَلَى حَاضِرٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ عَلَى غَائِبٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَمِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُقِيمًا اسْتَوْفَاهُ الْقَاضِي مِنْهُ لِمُسْتَحِقِّهِ وَلَمْ يَكْتُبْ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ هَرَبَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ اسْتَوْفَاهُ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَكْتُبْ بِهِ إِلَى قَاضٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ جَازَ أَنْ يَكْتُبَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنَ الْحَقِّ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي هَرَبَ إِلَيْهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، لِيَسْتَوْفِيَهُ وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى حَاضِرٍ وَلَيْسَ بِقَضَاءٍ عَلَى غَائِبٍ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ لِحَاضِرٍ عَلَى حَاضِرٍ بِحَقٍّ غَائِبٍ فَهَذَا يَكُونُ فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الذِّمَمِ وَهَذَا مِمَّا يَكْتُبُ بِمِثْلِهِ الْقُضَاةُ.
وَثُبُوتُ اسْتِحْقَاقِهِ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقِرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَثْبُتَ بِيَمِينِ الطَّالِبِ بَعْدَ نُكُولِ الْمَطْلُوبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِهِ لِلطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ.
فَإِنْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِإِقْرَارِ الْمَطْلُوبِ كَانَ الْقَاضِي فِيمَا يَكْتُبُ بِهِ مِنْ حُكْمِهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ ثُبُوتَ اسْتِحْقَاقِهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ لَا يَذْكُرَ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِاسْتِحْقَاقِهِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ.

وَإِنْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ بَعْدَ نُكُولِ الْمَطْلُوبِ لَزِمَ الْقَاضِي فِيمَا يَكْتُبُ بِهِ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَذْكُرَ ثُبُوتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ بَعْدَ نُكُولِ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً قُبِلَتَ مِنْهُ.
وَإِنْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَفِي وُجُوبِ ذِكْرِهَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ ذِكْرُ الْبَيِّنَةِ، وَيَكُونُ فِيهِ مُخَيَّرًا، كَالْإِقْرَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ ذِكْرُ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَهَا الْمَطْلُوبُ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى فَيَكُونُ بِيَدِهِ وَبِبَيِّنَتِهِ أَحَقَّ مِنْ بَيِّنَةٍ بِغَيْرِ يَدٍ.
وَالْقَاضِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ شُهُودَ الْبَيِّنَةِ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُمْ إِذَا وَصَفَهُمْ بِالْعَدَالَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَصِفْهُمْ بِهَا فَهَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ بِهِمْ تَعْدِيلًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ ذِكْرَهُ لِلْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ تَعْدِيلٌ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ عَدَالَتِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَصِفَهُمْ بِالْعَدَالَةِ وَبِمَا يَجُوزُ بِهِ قَبُولُ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمٌ بِظَاهِرِ التَّوَسُّمِ وَالسَّمْتِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ لِحَاضِرٍ عَلَى غَائِبٍ بِحَقٍّ غَائِبٍ.
فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ وَقْتَ الْحُكْمِ حَاضِرًا ثُمَّ غَابَ فَهُوَ حُكْمٌ عَلَى حَاضِرٍ لِحَاضِرٍ.
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ نَفَذَ حُكْمَهُ إِنْ كَانَ يَرَى جَوَازَ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَلَمْ يَنْفُذْ إِنْ لَمْ يَرَهُ.
فَإِنْ كَتَبَ وَهُوَ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْغَائِبِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْحُكْمَ بِهَا نُظِرَ فَإِنْ ذَكَرَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِالشَّهَادَةِ جَازَ أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ وَيَكُونُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ هُوَ الْحَاكِمُ بِهَا وَيَكُونُ كِتَابُ الْقَاضِي كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ ذَكَرَ ثُبُوتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالشَّهَادَةِ فَفِي كَوْنِ الثُّبُوتِ حُكْمًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ الإسفرايني: يَكُونُ حُكْمًا، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي، أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْإِلْزَامُ وَلَيْسَ فِي الثُّبُوتِ إِلْزَامٌ، وَهُوَ فِي ثبوت الحق كالإقرار.
(أقسام الحق المحكوم به) . فَإِذَا نُفِّذَ كِتَابُ الْقَاضِي بِذَلِكَ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ فَالْحَقُّ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي بَدَنِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَيْنًا مَنْقُولَةً فِي يَدِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَيْنًا مَنْقُولَةً فِي بَلَدِهِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي ذِمَّتِهِ: فَيَسْتَوْفِي مِنْهُ إِنْ أَيْسَرَ، وَيَنْظُرُ بِهِ إِنْ أَعْسَرَ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَلَى بَدَنِهِ، فَإِنْ كَانَ لِآدَمِيٍّ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ اسْتَوْفَاهُ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَوْفَى حُدُودُ الْأَبْدَانِ بِكُتُبِ الْقُضَاةِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ لِتَغْلِيظِهَا.
وَهَذَا فَاسِدٌ.
مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَسْقُطْ بِالشُّبْهَةِ صَارَتْ كَالْأَمْوَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَمَّا جَازَتْ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ حُكِمَ فِيهَا بِكُتُبِ الْقُضَاةِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا فَفِي جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ بِكِتَابٍ إِلَى الْقَاضِي قَوْلَانِ، لِجَوَازِ اسْتِيفَائِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَوْفَى كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُسْتَوْفَى؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَيْنًا فِي يَدِهِ غَيْرَ مَنْقُولَةٍ كَالضِّيَاعِ وَالْعَقَارِ فَالْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
فَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَالَةُ شُهُودِهَا حَكَمَ بِثُبُوتِهَا، وَجَازَ أَنْ يَكْتُبَ بِهَا إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمِلْكُ الْمُسْتَحَقُّ، دُونَ قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ عَدَالَةُ الشُّهُودِ وَهُمْ غُرَبَاءُ وَذَكَرَ الطَّالِبُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِتَزْكِيَتِهِمْ بِقِيَمِهَا عِنْدَ قاضي بلدهم فللشهود ثلاثة أَحْوَالٍ: إِحداهَا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمِلْكُ وَهُمْ عَلَى الْعَوْدِ إِلَيْهِ، فَلَا تُسْمَعُ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ سَمِعَهَا لَمْ يَكْتُبْ بِهَا، وَقَالَ لِلطَّالِبِ اذْهَبْ مَعَ شُهُودِكَ إِلَى قَاضِي بَلَدِهِمْ وَبَلَدِ مَالِكٍ لِيَشْهَدُوا عِنْدَهُ بِمَا شَهِدُوا بِهِ عِنْدِي، فَإِنَّ كُتُبَ الْقَضَاءِ مُخْتَصَّةٌ بما لا

يُمْكِنُ ثُبُوتُهُ بِغَيْرِهَا، وَثُبُوتُ هَذَا بِالشَّهَادَةِ مُمْكِنٌ، فَلَمْ يَحْكُمْ فِيهِ بِالْمُكَاتَبَةِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، لَا يَحْكُمُ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمِلْكُ، وَلَا يُرِيدُونَ الْعَوْدَ إِلَيْهِ، وَالْبَيِّنَةُ بِتَعْدِيلِهِمْ فِيهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ عِنْدَهُ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمِلْكُ بِمَا شَهِدُوا بِهِ، لِيَكْشِفَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، فَإِذَا صَحَّتْ عِنْدَهُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ، فَيَصِيرُ التَّعْدِيلُ وَالْحُكْمُ مُخْتَصًّا بِالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ كِتَابُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ مَقْصُورًا عَلَى نَقْلِ الشَّهَادَةِ، وَلَا وَجْهَ لِمُكَاتَبَةِ الثَّانِي الْأَوَّلَ بِالتَّعْدِيلِ لِيَتَوَلَّى الْأَوَّلُ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ قَادِرٌ عَلَى تَنْفِيذِ الْحُكْمِ فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إِلَى الْأَوَّلِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمِلْكُ، فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي بَعْدَ سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي بَلَدِهِمْ، وَيَسْأَلَهُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، فَإِنْ عَرَفَهَا كَتَبَ بِهَا إِلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ، لِيَتَوَلَّى الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَيَكُونُ الثَّانِي حَاكِمًا بِعَدَالَتِهِمْ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ كِتَابَ الثَّانِي إِلَّا بِشَهَادَةٍ، لِأَنَّ كِتَابَ الْأَوَّلِ اسْتِخْبَارٌ، وَكِتَابُ الثَّانِي حُكْمٌ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا مَنْقُولَةً فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ.
فَإِذَا أَحْضَرَ الطَّالِبُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ ادِّعَائِهِ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ بِغَصْبٍ أَوْ عَارِيَةٍ وَحَلَّاهُ الشُّهُودُ بِحِلْيَتِهِ وَنَعَتُوهُ بِاسْمِهِ وَجِنْسِهِ وَصِفَتِهِ فَفِي الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَى مَا يَنْقُلُ مِنَ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا فِيمَا يُنْقَلُ مِنَ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ حَتَّى يُشِيرَ الشُّهُودُ إِلَيْهَا بِالتَّعْيِينِ.
وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصِّفَاتِ تَتَشَابَهُ، وَالْحِلَى تَتَمَاثَلُ، فَلَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ حَتَّى يَزُولَ بِالتَّعْيِينِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ مَقْصُورًا عَلَى مَا لَا يُنْقَلُ لِتَعْيِينِهِ بِحُدُودِهِ وَمَوْضِعِهِ دُونَ مَا يُنْقَلُ لِلْإِشْكَالِ فِيهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَحَكَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ غَيْرِهِ، وَأَضَافَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَيْهِ، أَنَّهُ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَنْقُولَةً كمل يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا فِي غَيْرِ الْمَنْقُولَةِ، لِمَا يَجِبُ مِنْ حِفْظِ الْحُقُوقِ عَلَى أَهْلِهَا.
وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَجْهًا ثَالِثًا، فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا الْعَبْدُ الْمُدَّعِي فِي عَيْنِهِ يَخْتَصُّ بِوَصْفٍ يَنْدُرُ وَجُودُهُ فِي غَيْرِهِ كَشَامَةٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ جَسَدِهِ أَوْ إِصْبَعٍ

زَائِدَةٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ يَدِهِ أَوْ كَانَ مَشْهُورًا مِنْ عَبِيدِ السُّلْطَانِ لَا يَشْرَكُهُ غَيْرُهُ فِي اسْمِهِ وَمَنْزِلَتِهِ وَصِفَتِهِ، جَازَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ مَعَ غَيْبَتِهِ، وَإِنْ شَابَهَ عُمُومَ النَّاسِ فِي صِفَتِهِ وَنَعْتِهِ لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِالشَّهَادَةِ إِلَّا مَعَ التَّعْيِينِ وَالْإِشَارَةِ، وَأَجْرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْأَنْسَابِ فِيمَنْ غَابَ، إِذَا رُفِعَتْ، حَتَّى تَرَاخَتْ وَزَالَ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا حُكِمَ فِيهَا بِالشَّهَادَةِ وَإِنْ قَرُبَتْ حَتَّى اشْتَبَهَ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا، لَمْ يُحْكَمْ بِالشَّهَادَةِ إِلَّا مَعَ التَّعْيِينِ.
وَلِهَذَا التَّخْرِيجِ وَجْهٌ، لَكِنَّهُ نَادِرٌ، وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ يَكُونُ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ.
فَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إِنَّ الْحُكْمَ بِهَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ التَّعْيِينِ، فَفِي جَوَازِ سَمَاعِهَا وَالْمُكَاتَبَةِ بِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْحُكْمِ، فَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ لَمْ تُسْمَعْ ذَكَرَهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نُصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى: يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ بِهَا وَيَكْتُبَ بِهِ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْعَبْدُ الْمَطْلُوبُ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ، لَمْ يَحْكُمْ بِالْعَبْدِ إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ الشُّهُودُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيُسْتَفَادُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْحُكْمُ بِهَا إِلَّا مَعَ التَّعْيِينِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ الثَّانِي الْكَشْفَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَلَا يَتَكَلَّفَ الشُّهُودُ إِعَادَةَ شَهَادَتِهِمْ وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى الْإِشَارَةِ بِالتَّعْيِينِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا هُوَ الْعَبْدُ الَّذِي شَهِدْنَا بِهِ لِفُلَانٍ عِنْدَ الْقَاضِي فُلَانٍ.
وَيُسْتَفَادُ بِهَا عِنْدِي فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنْ يَمُوتَ الْعبدُ فَيُسْتَحَقُّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ ذِي الْيَدِ قِيمَتُهُ عَلَى نَعْتِهِ وَصِفَتَهُ.
وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي، إِنَّ الْحُكْمَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ عَدَمِ التَّعْيِينِ جَائِزٌ، أَحْضَرَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ الْعَبْدَ وَصَاحِبَ الْيَدِ وَقَالَ لَهُ: هَذَا الْعَبْدُ هُوَ الْمَنْعُوتُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا، حَكَمَ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ إِلَى طَالِبِهِ.
وَإِنْ أَنْكَرْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَوْصُوفُ الْمَحْكُومُ بِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِيمَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ: إِنَّ الْقَاضِيَ يَخْتِمُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ، وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الطَّالِبِ الْمَشْهُودِ لَهُ، مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا، وَيُنْفِذُهُ إِلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ، لِيَحْضُرَ الشُّهُودُ لِتَعْيِينِهِ.
فَإِنْ عَيَّنُوهُ، وَأَنَّهُ الْعَبْدُ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ لِلطَّالِبِ حَكَمَ بِهِ لَهُ وَكَتَبَ إِلَى الْقَاضِي الثَّانِي بِاسْتِحْقَاقِ الطَّالِبِ، وَبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ مِنْ ضَمَانِهِ.

وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِهِ لِلْمَطْلُوبِ بِعَيْنِهِ أَلْزَمَهُ رَدَّهُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ، وَأَخَذَهُ بِنَفَقَةِ عَوْدِهِ وَضَمَانِ نَفْسِهِ إِنْ تَلِفَ.
وَلَوْ كَانَ بَدَلَ هَذَا الْعَبْدِ أَمَةٌ فَقَدِ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا، فِي إِجْرَائِهَا مَجْرَى الْعَبْدِ: فَمَنَعَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ تَسْلِيمِهَا؛ لِأَنَّهَا ذَات فَرْجٍ، وَرُبَّمَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَجَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ مَقْصُورًا عَلَى الْعَبْدِ.
وَسَوَّى ابْنُ أَبِي لَيْلَى بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ أَنْ تُضَمَّ إِلَى أَمِينٍ ثِقَةٍ يُحْتَاطُ بِهِ حَذَرًا مِنَ التَّعَرُّضِ لِإِصَابَتِهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ عِنْدَ حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ.
وَأَخَذَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ.
وَلَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ الِاسْتِحْسَانَ بِالْقِيَاسِ وَقَدْ جَعَلَهُ اسْتِحْسَانًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: مِنْ مَذَاهِبِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْحُكْمِ بِهِ، حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْحُكَّامِ: أَنْ يُنَادِيَ الْقَاضِي عَلَى الْعَبْدِ فِيمَنْ يَزِيدُ، فَإِذَا انْتَهَى ثَمَنُهُ، قَالَ لِمُدَّعِيهِ: ادْفَعْ ثَمَنَهُ يَكُونُ مَوْضُوعًا عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَخُذِ الْعَبْدَ مَعَكَ، فَإِنْ عَيَّنَهُ شُهُودُكَ حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي لَكَ، وَكَتَبَ بِرَدِّ الثَّمَنِ عَلَيْكَ، وَإِنْ لَمْ يُعِينُوهُ لَكَ، لَزِمَكَ رَدُّهُ، وَاسْتِرْجَاعُ ثَمَنِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ إِنْ أَجَابَ إِلَيْهِ الطَّالِبُ جَازَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ إِلَيْهِ لَمْ يُجْبِرْ عَلَيْهِ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَقْبَلَ الْقَاضِي الثَّانِي الكتاب، ويحكم بِوُجُوبِ مَا تَضَمَّنَهُ، مِنَ الْعَبْدِ الْمَوْصُوفِ فِيهِ، ويخير صاحب اليد في العبد بين ثلاثة أَحْوَالٍ: بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ بِالصِّفَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا إِلَى طَالِبِهِ فَيَنْبَرِمُ الْحُكْمُ بِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ بِالْعَبْدِ مَعَ طَالِبِهِ، عَلَى احْتِيَاطٍ مِنْ هَرَبِهِ إِلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ، فَإِنْ عَيَّنَهُ الشُّهُودُ، سَلَّمَهُ إِلَى الطَّالِبِ بِحُكْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ الشُّهُودُ، خَلَّى سَبِيلَ الْعَبْدِ مَعَ صَاحِبِ الْيَدِ، وَبَيْنَ أَنْ يَعْدِلَ بِالطَّالِبِ إِلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ لِلْعَبْدِ الْمَوْصُوفِ دُونَ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدِهِ.
فَأَيُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَعَلَ صَاحِبُ الْيَدِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَقِّ الطَّالِبِ وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ جَمِيعِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ الْمَوْصُوفِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْقِطَ شَهَادَةَ عُدُولٍ ثَبَتَتْ بِمِثْلِهِمُ الْحُقُوقُ، وَأَخَذَهُ الْقَاضِي الثَّانِي جَبْرًا بِدَفْعِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَوْصُوفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالِاشْتِبَاهِ غَيْرَ مقدور عليه؛ فجرى مَجْرَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ أَوِ الْآبِقِ لَزِمَ دَفْعُ قِيمَتِهِ كَذَلِكَ، هَذَا وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى تَسْلِيمِ

الْعَبْدِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاشْتِبَاهِ، وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى السَّفَرِ بِالْعَبْدِ إِلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا إِجْبَارَ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ بِمَالِهِ وَلَا عَلَى الْمُحَاكَمَةِ إِلَى غَيْرِ قَاضِي بَلَدِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصَوَابِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ لِحَاضِرٍ عَلَى غَائِبٍ بِحَقٍّ حَاضِرٍ، فَهَذَا يَكُونُ فِي الْأَعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالشَّهَادَةِ، فَلَا يَقِفُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مُكَاتَبَةِ قَاضٍ آخَرَ، وَيَنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْعَيْنُ مَنْقُولَةً أَوْ غَيْرَ مَنْقُولَةٍ.
فَإِنْ سَأَلَهُ الْمَحْكُومُ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِاسْتِحْقَاقِ الْمِلْكِ الْحَاضِرِ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ الْمَحْكُومُ بِهَا مَنْقُولَةً، لَمْ يُكْتَبْ بِهَا لِانْبِرَامِ الْحُكْمِ بِهَا، وَانْقِطَاعِ الْعَلَقِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَنْقُولَةٍ كَالْعَقَارِ أَجَابَهُ إِلَيْهِ وَكَتَبَ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ قَدِ انْبَرَمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ عَنْ ذَلِكَ أُجْرَةً يُطَالِبُ بِهَا الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا: أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدٍ وَذَكَرَ لَهُ أنني ابتعت في خلطة فُلَانٍ الْغَائِبِ سَهْمًا مِنْ دَارٍ فِي بَلَدِكَ وَعَفَا عَنْ شُفْعَتِهِ وَلِي بَيِّنَةٌ قَدْ أَحْضَرْتُهَا تَشْهُدُ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ فَاسْمَعْهَا، وَاكْتُبْ بِهَا إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الشَّفِيعُ، فَلَسْتُ آمَنُ إِنْ خَرَجْتُ إِلَيْهِ أَنْ يُطَالِبَنِي بِالشُّفْعَةِ وَيَجْحَدَ الْعَفْوَ، لَمْ يَسْمَعِ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ، وَلَمْ يَكْتُبْ لَهُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْمَعْهَا؛ لِأَنَّ سَمَاعَهَا بِعَفْوِ الْغَائِبِ يَكُونُ بَعْدَ دَعْوَى الْغَائِبِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْمَعَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً فِيمَا لَمْ يَدَّعِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ الْحَاضِرُ: لِفُلَانٍ الْغَائِبِ عَلَيَّ أَلْفٌ، قَدْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِ أَوْ قَدْ أَبْرَأَنِي مِنْهَا وَهَذِهِ بَيِّنَتِي وَلَسْتُ آمَنُ إِنْ خَرَجْتُ إِلَيْهِ أَنْ يَجْحَدَ الْقَبْضَ أَوِ الْإِبْرَاءَ وَيُطَالِبَنِي، فَاسْمَعْ بَيِّنَتِي وَاكْتُبْ بِهَا إِلَى قَاضِي بَلَدِهِ، لَمْ يَسْمَعْهَا، وَلَمْ يَكْتُبْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَمْ يُطَالِبْ فَلَمْ يَسْمَعِ الْبَيِّنَةَ عَلَى غَيْرِ مُطَالَبٍ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ الْحَاضِرُ: إِنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ بَاعَنِي هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ وَهَبَهَا لِي، وَهَذِهِ بَيِّنَتِي، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَجْحَدَهَا، فَاسْمَعْهَا لِي، لَمْ يَسْمَعْهَا؛ لِأَنَّ سَمَاعَهَا يَكُونُ بَعْدَ جَوَابِ الْغَائِبِ إِنْ أَنْكَرَ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا: أَنَّ امْرَأَةً لَوِ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ، وَهَؤُلَاءِ شُهُودِي عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِي فَاسْمَعْ بَيِّنَتِي وَاحْكُمْ عَلَيْهِ بِطَلَاقِي لَمْ يَسْمَعْ بَيِّنَتَهَا سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا فَلَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الدَّعْوَى فَإِنْ تَعَرَّضَ لَهَا الزَّوْجُ أَحْضَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعِ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ حُضُورِهِ وَإِنْكَارِهِ.
فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَأَرَادَتِ الزَّوْجَةُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى بَلَدِهِ، فَفِي سَمَاعِ بَيِّنَتِهَا إِذَا ادَّعَتْ أَنَّهُ قَدْ يَتَعَرَّضُ لَهَا وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يَسْمَعُهَا كَمَا لَا يَسْمَعُهَا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى فِي الْأَمْلَاكِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَسْمَعُهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فِي الْأَمْلَاكِ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ فَضْلِ الِاحْتِيَاطِ فِي حِفْظِ الْفُرُوجِ، وَلَوْ لَمْ تَذْكُرْ خُرُوجَهَا إِلَى بَلَدِهِ لَمْ يَسْمَعْ بَيِّنَتَهَا وَجْهًا وَاحِدًا.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا: أَنَّ أَمَةً لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى الْقَاضِي، وَذَكَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهَا، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ عَلَى ابْتِيَاعِهَا وَدَفْعِ ثَمَنِهَا، لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْهُ، فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الْأَمَةُ مِنْ يَدِهِ بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا جَازَ لِلْقَاضِي حِينَئِذٍ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ بِابْتِيَاعِهَا مِنَ الْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلرُّجُوعِ بِدَرَكِهَا بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَغَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلدَّرَكِ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَتِ الْأَمَةُ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ، وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً بِحُرِّيَّتِهَا فَسَأَلَ صَاحِبَ الْيَدِ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ بِابْتِيَاعِهَا مِنَ الْغَائِبِ سَمِعَهَا لِاسْتِحْقَاقِهِ الرُّجُوعَ بِدَرَكِهَا.
وَلَوْ أَنَّ الْأَمَةَ حِينَ قَالَتْ إِنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ عدمت البينة ولم يتقدم إقراراها بِالرِّقِّ قُبِلَ قَوْلُهَا فِي حُرِّيَّتِهَا وَأُحْلِفَتْ لِصَاحِبِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ أَصْلٌ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ الرِّقُّ.
فَإِنْ سَأَلَ صَاحِبُ الْيَدِ أَنْ تُسْمَعَ بينته بابتياعها من الغائب ليرجع يدركها عَلَيْهِ، لَمْ يَسْمَعْهَا الْقَاضِي وَلَمْ يُكَاتِبْ بِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ بَيِّنَتَهَا بِالْحُرِّيَّةِ مَسْمُوعَةٌ عَلَى كُلِّ ذِي يَدٍ ثَابِتَةٍ وَزَائِلَةٍ، وَقَوْلَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ مَقْبُولٌ، عَلَى ذِي الْيَدِ الثَّابِتَةِ.
وَيَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْيَدِ إِحْلَافَ الْبَائِعِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُرَّةٍ فَإِنْ سَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ حُرِّيَّتِهَا كَتَبَ لَهُ بِإِحْلَافِ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَكْتُبْ لَهُ بِرُجُوعِ الدَّرَكِ عَلَى الْبَائِعِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا: أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ القاضي شاهد واحد يملك لِرَجُلٍ فَيَذْكُرُ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنَّ لَهُ شَاهِدًا آخَرَ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَيَسْأَلُ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ بِمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ عِنْدَهُ فَهَذَا مُعْتَبَرٌ بِالْمِلْكِ.
فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِ الْقَاضِي الْآخَرِ كَتَبَ لَهُ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ لِيَتَوَلَّى ذَلِكَ الْحَاكِمُ تَكْمِيلَ الْبَيِّنَةِ وَتَنْفِيذَ الْحُكْمِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ فِي بَلَدِ هَذَا الْقَاضِي لَمْ يَكْتُبْ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَأَخَذَ كِتَابَ ذَلِكَ الْقَاضِي بِمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ الْآخَرُ لِيَتَوَلَّى هَذَا الْقَاضِي تَنْفِيذَ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً لَوِ ادَّعَى وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنَّ لَهُ وَلَدًا حُرًّا فِي بَلَدٍ

آخَرَ وَسَأَلَ الْقَاضِي سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ بِنَسَبِهِ وَحُرِّيَّتِهِ أَوْ بِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ لِيَكْتُبَ بِهِ إِلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَلِهَذَا الطَّالِبِ فِي طلبه ثلاثة أَحْوَالٍ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ وَيَكْتُبَ بِهِ إِلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لِيَحْكُمَ لَهُ بِمِيرَاثِ وَلَدِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَذْكُرَ أَنَّ الْوَلَدَ حَيٌّ، وَأَنَّهُ فِي يَدِ مَنْ قَدِ اسْتَرَقَّهُ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ بِنَسَبِهِ وَحُرِّيَّتِهِ، وَكَتَبَ بِهَا إِلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ ذَكَرَ اسْمَ الْمُسْتَرِقِّ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي مِلْكٍ لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةَ إِلَّا بَعْدَ تَسْمِيَةِ صَاحِبِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ينتقل والحرية ولا تَنْتَقِلُ.
فَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ تَشْهَدُ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ وَلَمْ تَشْهَدْ بِنَسَبِهِ، لَمْ يَسْمَعْهَا، وَلَمْ يَكْتُبْ بِهَا؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ نَسَبٌ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ فِي الطَّلَبِ، وَلَوْ كَانَتِ الْبَيِّنَةُ تَشْهَدُ بِالنَّسَبِ دُونَ الْحُرِّيَّةِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ ثُبُوتُهُ مُوجِبًا لِلْحُرِّيَّةِ سَمِعَهَا وَكَتَبَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُوجِبِ الْحُرِّيَّةُ لَمْ يَسْمَعْهَا وَلَمْ يَكْتُبْ بِهَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَذْكُرَ الطَّالِبُ اسْتِرْقَاقَ الْوَلَدِ، وَلَا مَوْتَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ وَلَا يَكْتُبَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي الْحَالِ حَقٌّ لِطَالِبٍ وَلَا مَطْلُوبٍ، فَهَذَا حُكْمُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ.

(فصل: من يكاتبه القاضي بحكمه) .

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: مِنَ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ فِيمَنْ يُكَاتِبُهُ الْقَاضِي بِحُكْمِهِ فَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مُكَاتَبَةُ الْقُضَاةِ.
وَالثَّانِي: مُكَاتَبَةُ الْأُمَرَاءِ.
وَالثَّالِثُ: مُكَاتَبَةُ الشُّهُودِ.
وَالرَّابِعُ: مُكَاتَبَةُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي مُكَاتَبَةِ الْقُضَاةِ: فَيُكَاتِبُ بِحُكْمِهِ أَحَدَ قَاضِيَيْنِ: إِمَّا قَاضِيَ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْخَصْمُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، وَإِمَّا قَاضِيَ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمِلْكُ الْمَحْكُومُ بِهِ، وَلَيْسَ لِمُكَاتَبَةِ غَيْرِهِمَا مِنَ الْقُضَاةِ وَجْهٌ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ عَلَى غَيْرِهِمَا شَيْءٌ مِنْ حُكْمِهِ.
فَإِذَا كَتَبَ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْخَصْمُ الْمَطْلُوبُ فَانْتَقَلَ الْمَطْلُوبُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ أَوْصَلَ الطَّالِبُ كِتَابَهُ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَيَتَنَجَّزُ بِهِ كِتَابَهُ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ الْمَطْلُوبُ إِلَيْهِ، وَجَازَ لِلْقَاضِي الثَّانِي أَنْ يَكْتُبَ بِهِ إِلَى الْقَاضِي الثَّالِثِ.
فَإِنْ عَادَ الطَّالِبُ إِلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إِلَى الْقَاضِي الثالث

فَالْأَوْلَى بِالْقَاضِي الْأَوَّلِ أَنْ يَسْتَعِيدَ مِنْهُ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ وَيَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا ثَانِيًا إِلَى الْقَاضِي الثَّالِثِ.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَعِدْهُ، ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ كَتَبَ لَهُ كِتَابًا بِهَذَا الْحُكْمِ إِلَى فُلَانٍ الْقَاضِي حَتَّى لَا يَتَوَصَّلَ بِالْكِتَابَيْنِ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ بِحَقِّ حَقَّيْنِ.
فَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ خَصْمِي فِي بَلَدِ كَذَا وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَسَأَلَ كِتَابَيْنِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَهُمَا، وَكَانَ الْقَاضِي بَيْنَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَطْلُوبُ، لِيَتَنَجَّزَ بِهِ الطَّالِبُ كِتَابَ ذَلِكَ الْقَاضِي، إِنْ خَرَجَ الْمَطْلُوبُ إِلَى غَيْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا مُرْسَلًا إِلَى مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ كِتَابُهُ مِنْ سَائِرِ الْقُضَاةِ.
وَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْرِفِ الطَّالِبُ الْبَلَدَ الَّذِي فِيهِ الْمَطْلُوبُ، كَتَبَ لَهُ الْقَاضِي كِتَابًا مُطْلَقًا يُعْلِمُ بِهِ جَمِيعَ الْقُضَاةِ، فَأَيُّ قَاضٍ كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي بَلَدِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ كِتَابَهُ وَيَحْكُمَ بِهِ.
وَلَوْ كَتَبَ الْقَاضِي لِلطَّالِبِ كِتَابًا وَتَسَلَّمَهُ مِنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ ضَاعَ، كَتَبَ لَهُ غَيْرَهُ عَلَى مِثْلِ نُسَخِهِ لَا يَتَغَيَّرُ فِي لَفْظٍ وَلَا مَعْنًى، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الطَّالِبَ قَدْ كَانَ تَنَجَّزَ غَيْرَهُ بِمِثْلِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ضَاعَ مِنْهُ لِئَلَّا يَتِمَّ بِالْكِتَابَيْنِ احْتِيَالٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ لِيَكُونَ الثَّانِي مُسْتَوْفِيًا، وَإِمَّا بِثُبُوتِ الْحَقِّ، لِيَكُونَ الثَّانِي حَاكِمًا.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فِي مُكَاتَبَةِ الْقَاضِي لِلْأَمِيرِ فَهِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى مُكَاتَبَةِ أَمِيرِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْخَصْمُ الْمَطْلُوبُ، أَوِ الْمِلْكُ الْمَحْكُومُ بِهِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ.
وَلَا يَكْتُبُ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَأَمْضَاهُ، لِيَكُونَ الْأَمِيرُ مُسْتَوْفِيًا لَهُ وَلَا يَكُونُ حَاكِمًا بِهِ لِأَنَّ الْحُمَاةَ وَالْأُمَرَاءَ أَعْوَانٌ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، وَلَيْسُوا بِحُكَّامٍ فِيهَا، بِخِلَافِ الْقُضَاةِ الْمَنْدُوبِينَ لِلِاسْتِيفَاءِ وَالْأَحْكَامِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمُكَاتَبَةُ الْقَاضِي لِلْأَمِيرِ مَقْصُورَةٌ عَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ مِلْكِ الطَّالِبِ فِي بَلَدِهِ، لِيُمَكِّنَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَرْفَعُ عَنْهُ يَدَ مَنْ سُوَاهُ، فَهَذَا يَجُوزُ إِذَا أَمِنَ عُدْوَانَ الْأَمِيرِ.
فَلَوْ كَانَ لِبَلَدِ الْمِلْكِ أَمِيرٌ وَقَاضٍ، كَانَتْ مُكَاتَبَةُ الْأَمِيرِ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ مُكَاتَبَةِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ بِالْيَدِ أَخَصُّ، مَا لَمْ يُعَارِضْهُ الْقَاضِي فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِمَا حَكَمَ بِهِ عَلَى الْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ، لِيَسْتَوْفِيَهُ لِلطَّالِبِ، فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ بِهِ الأمير.

فَلَوْ كَانَ لِبَلَدِ هَذَا الْمَطْلُوبِ أَمِيرٌ وَقَاضٍ، كَانَتْ مُكَاتَبَةُ الْقَاضِي بِذَلِكَ أَوْلَى، لِأَنَّ الْقَاضِيَ بِإِلْزَامِ الْحُقُوقِ أَخَصُّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِإِحْضَارِ الْمَطْلُوبِ إِلَيْهِ فَهَذَا مُعْتَبَرٌ بِوِلَايَةِ الْقَاضِي.
فَإِنْ كَانَ بَلَدُ الْأَمِيرِ دَاخِلًا فِي وِلَايَتِهِ، جَازَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِإِحْضَارِ الْمَطْلُوبِ.
وَلَزِمَ الْأَمِيرَ إِنْفَاذُهُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ وِلَايَتِهِ، لَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْأَمِيرِ بِإِحْضَارِهِ.
وَلَمْ يَجُزْ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُنفِذَهُ إِلَيْهِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي مُكَاتَبَةِ الْقَاضِي لِلشُّهُودِ، فَلَيْسَ لِلشُّهُودِ تَنْفِيذُ حُكْمٍ وَلَا اسْتِيفَاءُ حَقٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ وَثَائِقٌ، فِيمَا يَتَحَمَّلُونَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، لِيَشْهَدُوا بِهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا عِنْدَ مُسْتَوْفِيهَا.
وإذا كان كذلك فللقاضي في مكاتبتهم ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُكَاتِبَهُمْ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ، فَهَذَا مِنْهُ اسْتِخْلَافٌ لَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ اسْتِئْنَافُ وِلَايَةٍ، لَا يَصِحُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ فَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ لَمْ يَجُزْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ لَفْظَ التَّقْلِيدِ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يَجُزْ وَيَصِيرُ هَذَا تَقْلِيدًا خَاصًّا فِي هَذَا الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى اجْتِمَاعٍ فِيهِ، وَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمْ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُكَاتِبَهُمْ بِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ: فَجَوَازُ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ عَمَلِهِ فَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ فِي عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُكَاتِبَهُمْ إِشْهَادًا لَهُمْ عَلَى حُكْمِهِ، لِيَكُونُوا وَثِيقَةً لِلطَّالِبِ يَتَحَمَّلُونَ عَنْهُ إِنْفَاذَ حُكْمِهِ لَهُ، فَجَرَى هَذَا مَجْرَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُكَاتِبَهُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ عَمَلِهِ وَيَصِحُّ أَنْ يَتَحَمَّلُوهُ عَنْهُ إِذَا أَشْهَدَهُمْ شُهُودُ الْمُتَحَمِّلِينَ لِلْكِتَابِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُؤَدُّوا ذَلِكَ إِذَا تَعَذَّرَ ثُبُوتُهُ بِمَنْ تَحَمَّلُوا ذَلِكَ عَنْهُ وَهُوَ الْقَاضِي أَوْ شُهُودُ الْكِتَابِ كَمَا نَقُولُهُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فِي مُكَاتَبَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَالْكِتَابُ إِلَيْهِ إِلْزَامٌ لَهُ، وَحُكْمٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ عَمَلِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ وَلَا يَجِبُ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ كِتَابَهُ، وَلَا يَقْبَلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي طَاعَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ.

وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ جَازَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ.
وَلَزِمَهُ إِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهُ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِطَاعَتِهِ، فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الطَّالِبِ مِنْ حَقِّهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ الْمَصِيرُ مَعَ الطَّالِبِ إِلَى الْقَاضِي إِذَا دَعَاهُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ إِلَّا بِالِاسْتِحْضَارِ، فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنَ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ مِنْهَا، وَهُوَ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ قَبُولُ كُتُبِهِ: فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي عَقْدِ الْبَابِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، يَتَحَمَّلَانِ الْكِتَابَ عَنْهُ، وَيَشْهَدَانِ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلِتَحَمُّلِهِمَا الْكِتَابَ شُرُوطٌ، وَلِأَدَائِهِمَا لِلْكِتَابِ شُرُوطٌ: فَأَمَّا شُرُوطُ تَحَمُّلِهِ فَثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَا مَا فِيهِ وَعِلْمُهُمَا بِهِ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
إِمَّا أَنْ يَقْرَأَهُ الْقَاضِي عَلَيْهِمَا، وَإِمَّا أَنْ يأمر من يقرأ بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِمَا، وَإِمَّا أَنْ يَقْرَأَهُ الشَّاهِدَانِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مَا فِيهِ وَدَفَعَهُ الْقَاضِي إِلَيْهِمَا مَخْتُومًا لِيَشْهَدَا بِهِ، لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ عَلَى الْخَتْمِ، كَإِمْكَانِهِ عَلَى الْخَطِّ، وَلِأَنَّهُ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمَعْلُومٍ.
فَإِنْ أَرَادَ الشَّاهِدَانِ فِي الْكِتَابِ الْمَخْتُومِ أَنْ يَشْهَدَا بِالْكِتَابِ، وَلَا يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ، فَفِي جَوَازِهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِكِتَابٍ مُعَيَّنٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِهِ لَا تُفِيدُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا مَا فِيهِ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتِبِ قَبُولُهُ لِلْحُكْمِ بِمَا فِيهِ إِلَّا بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمَا.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي لَهُمَا: هَذَا كِتَابِي إِلَى الْقَاضِي فُلَانٍ فَاشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُمَا هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ وَاقْتَصَرَ بِهِمَا عَلَى عُنْوَانِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ قَالَ لَهُمَا: هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ وَلَمْ يَسْتَرْعِهِمَا الشَّهَادَةَ وَلَا قَالَ اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ، فَفِي صِحَّةِ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ بِهَذَا الْقَوْلِ وَحْدَهُ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُقِرِّ بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءِ الْمُقِرِّ لِلشُّهُودِ، فَإِنْ قِيلَ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالسَّمْعِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِدْعَائِهِمَا، لَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّحَمُّلُ، وَلَمْ يَجُزْ مَعَهُ الْأَدَاءُ وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ، جَوَّزَ هَذَا فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَغِيبَ الْكِتَابُ عَنْهُمَا بَعْدَ تَحَمُّلِ مَا فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَا قَدْ كَتَبَا

فِيهِ شَهَادَتُهُمَا، لِيَتَذَكَّرَا بِهِ صِحَّةَ الْكِتَابِ وَمَعْرِفَتَهُ، فَإِنْ غَابَ الْكِتَابُ عَنْهُمَا قَبْلَ إِثْبَاتِ خَطَّهِمَا فِيهِ، أَوِ ارْتَابَا بِهِ بَعْدَ الْخَطِّ لَمْ يَصِحَّ التَّحَمُّلُ، إِلَّا أَنْ يُعِيدَ الْقَاضِي قِرَاءَتَهُ عَلَيْهِمَا وَيَقُولَ لَهُمَا: هَذَا هُوَ كِتَابِي الَّذِي أَشْهَدْتُكُمَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ إِلَى الْقَاضِي فُلَانٍ؛ لأنه قد يحتمل أن يبدل فِي الْغَيْبَةِ بِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا شُرُوطُ أَدَائِهِ إِلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ فَثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَدِيمَ الثِّقَةَ بِصِحَّةِ الْكِتَابِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ.
إِمَّا أَنْ لَا يَخْرُجَ الْكِتَابُ عَنْ أَيْدِيهِمَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَا قَدْ أَثْبَتَا فِيهِ خُطُوطَهُمَا، حَتَّى يُحَقِّقَا عَلَامَتَهُمَا فِيهِ، فَإِنْ تَشَكَّكَا فِيهِ لَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهُمَا.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَصِلَ إِلَى الْقَاضِي بِمَشْهَدِهِمَا، إِمَّا مِنْ أَيْدِيهِمَا، أَوْ مِنْ يَدِ الطَّالِبِ بِحَضْرَتِهِمَا فَإِنْ لَمْ يُشَاهِدَا وُصُولَهُ لَمْ يَصِحَّ الْأَدَاءُ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْقَاضِي بِمَا فِيهِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ دُونَ الْخَبَرِ فَإِنْ قَالَاهُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ دُونَ الشَّهَادَةِ أَوْ شَهِدَا بِالْكِتَابِ وَلَمْ يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ لَمْ يَصِحَّ الْأَدَاءُ لِلْحُكْمِ.

(فصل: ما يمضيه القاضي المكتوب إليه من حكمه) .

وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: وَهُوَ فِيمَا يُمْضِيهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ حُكْمِهِ، فَكِتَابُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى نَقْلِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ إِقْرَارٍ وَشَهَادَةٍ، فَيَثْبُتُ بِالْكِتَابِ عِنْدَ الثَّانِي مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَوَّلِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ شَهَادَةٍ، وَيَتَوَلَّى الثَّانِي إِنْفَاذَ الْحُكْمِ فِيهِ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمَا فِيهِ، كَانَ مَحْمُولًا عَلَى اجْتِهَادِ الثَّانِي، دُونَ الْأَوَّلِ، لِاخْتِصَاصِ الثَّانِي بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْرِ الشَّهَادَةِ وَإِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِهَا، فَلَا يَخْلُو حَالُ حُكْمِهِ عِنْدَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ جَائِزًا، لَا يُخَالِفُهُ فِيهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْضِيَهُ لِطَالِبِهِ وَيَأْخُذَ الْمَطْلُوبَ بِأَدَائِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ بَاطِلًا لَا مَسَاغَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْقُضَهُ.
فَإِنِ اقْتَرَنَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، نَقَضَهُ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ بِنَقْضِهِ، وَإِنْ تَفَرَّدَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُهُ إِلَّا أَنْ يُطَالِبَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِنَقْضِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُحْتَمِلًا لِلِاجْتِهَادِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِيهِ إِلَى غَيْرِ مَا حَكَمَ بِهِ الْكَاتِبُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْضِيَهُ، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ، لِاحْتِمَالِهِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَطْلُوبَ بِأَدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ

مُسْتَحَقٍّ عِنْدَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الطَّالِبَ مِنْهُ، لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِهِ، وَقَالَ لِلْمَطْلُوبِ: لَسْتُ أُوجِبُهُ عَلَيْكَ، وَلَا أُسْقِطُهُ عَنْكَ، وَقَالَ لِلطَّالِبِ: لَسْتُ أُوجِبُهُ لَكَ، وَلَا أَمْنَعُكَ مِنْهُ، فَإِنْ تَرَاضَيْتُمَا أَمْضَيْتُهُ عَلَى مَرْاضَاتِكُمَا، وَإِنْ تَمَانَعْتُمَا تَرَكْتُكُمَا عَلَى تَنَازُعِكُمَا، وَقَطَعْتُ التَّنَافُرَ بَيْنَكُمَا.
وَيَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حَاكِمًا أَوْ مُسْتَوْفِيًّا.
فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا ضَمَنَّاهُ عِقْدَ الْبَابِ مِنَ الْأَقْسَامِ وَالْأَحْكَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(نَسْخُ الشاهدين الكتاب) .

(مسألة)

: قال الشافعي: " وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِنَسْخِهِ كِتَابَةً فِي أَيْدِيهِمْ وَيُوَقِّعُوا شَهَادَاتِهِمْ فِيهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَهُوَ الْأَحْوَطُ فِي كُتُبِ الْقُضَاةِ، أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ عَلَى نُسْخَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: مَعَ الطَّالِبِ مَخْتُومَةٌ وَالْأُخْرَى مَعَ الشَّاهِدَيْنِ مَفْضُوضَةٌ يَتَدَارَسَانِهَا، لِيَحْفَظَا مَا فِيهَا، وَتَكُونُ الَّتِي مَعَ الطَّالِبِ مَحْفُوظَةً بِالْخَتْمِ حَتَّى إِنْ ضَاعَتْ إِحْدَى النُّسْخَتَيْنِ، أَوْ كِلَاهُمَا، أَمْكَنَ الشَّاهِدَانِ إِذَا حَفِظَا مَا فِي الْكِتَابِ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ.
فَإِنِ اقْتَصَرَ الْقَاضِي فِي الْكِتَابِ عَلَى نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ وَلَهُ فِيهِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَدْفَعَ الْكِتَابَ إِلَى الشَّاهِدَيْنِ دُونَ الطَّالِبِ، فَيَجُوزُ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ خَتْمِهِ وَتَرْكِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَخْتِمَهُ إِذَا كَانَ مَعَهُمَا لِيَتَدَارَسَاهُ وَيَحْفَظَا مَا فِيهِ حَتَّى يَشْهَدَا بِهِ لَفَظًا إِنْ ضَاعَ مِنْهُمَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَدْفَعَ الْقَاضِي الْكِتَابَ إِلَى الطَّالِبِ دُونَ الشَّاهِدَيْنِ، فَعَلَى الْقَاضِي مِنَ الِاحْتِيَاطِ فِيهِ أَنْ يَخْتِمَهُ بِخَاتَمِهِ وَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ مِنَ الِاحْتِيَاطِ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ أَنْ يُوَقِّعَا فِيهِ خَطَّهُمَا وَيَخْتِمَاهُ بِخَتْمِهِمَا، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً لَهُمَا فِي نَفْسِ الِارْتِيَابِ عَنْهُمَا وَيَكُونُ خَتْمُهُمَا فِي دَاخِلِ الْكِتَابِ وَخَتْمُ الْقَاضِي عَلَى ظَهْرِهِ مَعْطُوفًا.
فَإِنِ اقْتَصَرَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْخَطِّ دُونَ الْخَتْمِ جَازَ، وَإِنْ تَرَكَا زِيَادَةَ الِاحْتِيَاطِ.
فَإِذَا وَصَلَ الطَّالِبُ وَالشَّاهِدَانِ إِلَى الْقَاضِي الْمُكَاتِبِ، تَفَرَّدَ الطَّالِبُ بِخِطَابِهِ دُونَ الشَّاهِدَيْنِ، وَكَانَ أَوَّلُ كَلَامِهِ مُسْتَعْدِيًا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُدَّعِيًا عِنْدَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَسْتَعْدِيكَ عَلَى فُلَانٍ فِي حَقٍّ لِي عَلَيْهِ، أَوْ فِي يَدِهِ وَقَدْ مَنَعَنِي مِنْهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا يَذْكُرَ الْكِتَابَ وَلَا حُضُورَ الشُّهُودِ وَلَا يَصِفَ الْحَقَّ وَلَا يَذْكُرَ قَدْرَهُ لِأَنَّهُ مَجْلِسُ اسْتِعْدَاءٍ وَلَيْسَ مَجْلِسُ دَعْوَى وَيَسْأَلُهُ إِحْضَارَ خَصْمِهِ.

فَإِذَا حَضَرَ جَدَّدَ الطَّالِبُ الدَّعْوَى، وَوَصَفَهَا، وَسَأَلَ الْقَاضِي الْخَصْمَ الْمَطْلُوبَ عَنْهَا.
فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا، وَأَقَرَّ لَمْ يَحْتَجِ الطَّالِبُ إِلَى إِيصَالِ الْكِتَابِ، وَحُكِمَ لَهُ بِإِقْرَارِ الْمَطْلُوبِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ عَرَّفَهُ الطَّالِبُ أَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي فُلَانٍ وَهَذَا كِتَابُهُ إِلَيْكَ بِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ، وَكَانَ الطَّالِبُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِتَسْلِيمِ الْكِتَابِ مِنْ يَدِهِ إِلَى الْقَاضِي وَيَذْكُرُ لَهُ حُضُورَ شُهُودِهِ.
فَإِذَا وَقَفَ الْقَاضِي عَلَى عُنْوَانِهِ وَخَتْمِهِ، سَأَلَ الشَّاهِدَيْنِ عَنْهُ قَبْلَ فَضِّهِ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ لَا سُؤَالَ شَهَادَةٍ.
فَإِذَا أَخْبَرَاهُ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَيْهِ فَضَّهُ وَقَرَأَهُ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَفُضَّهُ وَيَقْرَأَهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ فَإِنْ قَرَأَهُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ جَازَ.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ جَوَازِ فَضِّهِ وَقِرَاءَتِهِ قَبْلَ حُضُورِ الْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ.
وَهَذَا عِنْدَنَا عُدُولٌ عَنِ الْأَوْلَى، وَلَيْسَ بِعُدُولٍ عَنِ الْوَاجِبِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاءَةِ حُكْمٌ وَلَا إِلْزَامٌ.
وَيَبْنِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
فَإِذَا قَرَأَهُ الْقَاضِي سَأَلَ الشَّاهِدَيْنِ عَمَّا فِيهِ سُؤَالَ اسْتِشْهَادٍ لَا سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ، لِأَنَّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ يَجِبُ الْحُكْمُ بِمَا فِي الْكِتَابِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِلَّا عِنْدَ حُضُورِ الْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِحَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتِخْبَارٌ كَانَا فِيهِ مُخَيَّرَيْنِ، وَالثَّانِي اسْتِشْهَادٌ كَانَا فِيهِ شَاهِدَيْنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَصْمُ غَائِبًا عِنْدَ الِاسْتِخْبَارِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا عِنْدَ الِاسْتِشْهَادِ.
فَلَوِ اقْتَصَرَ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِشْهَادِ دُونَ الِاسْتِخْبَارِ جَازَ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِخْبَارِ دُونَ الِاسْتِشْهَادِ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْخَبَرِ.
وَالْأَوْلَى بِالْقَاضِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، عَلَى مَا وَصَفْنَا لِيَكُونَ الِاسْتِخْبَارُ لِاسْتِبَاحَةِ قِرَاءَتِهِ وَالِاسْتِشْهَادُ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ به.

(شهادة النساء في تحمل كتب القضاة) . وَلَا يُقْبَلُ فِي تَحَمُّلِ كُتُبِ الْقُضَاةِ وَأَدَائِهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَإِنْ تَضَمَّنَتْ مِنَ الْحُقُوقِ مَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
وَجَوَّزَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ قَبُولَ شَهَادَتِهِنَّ فِيهَا إِذَا تَضَمَّنَتْ مَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مِنَ الْأَمْوَالِ.
وَهَذَا زَلَلٌ، مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِحُكْمٍ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُجْرَاةٌ مَجْرَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا يُقْبَلْنَ فِيهَا، فَلَمْ يُقْبَلْنَ فِيمَا أجرى مجراها.
(تنفيذ حكم الكتاب) . فَإِذَا تَمَّتِ الشَّهَادَةُ عِنْدَ الْقَاضِي بِصِحَّةِ الْكِتَابِ وَقَبِلَهُ بِالشَّاهِدَيْنِ، وَقَّعَ بِخَطِّهِ فِيهِ بِالْقَبُولِ وَحَكَمَ بِهِ عَلَى الْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ.
فَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ بِمِلْكِ عَيْنٍ قَائِمَةٍ، مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ، جَازَ أَنْ يُعِيدَ الْكِتَابَ إِلَى الطَّالِبِ الْمُسْتَحِقِّ لَهَا لِيَكُونَ حُجَّةً بَاقِيَةً فِي يَدِهِ.
فَإِنْ سَأَلَهُ الطَّالِبُ الْإِشْهَادَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ بِقَبُولِهِ، وَالْحُكْمَ بِمَضْمُونِهِ، لَزِمَهُ الْإِشْهَادُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ بِدَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ فَاسْتَوْفَاهُ الْقَاضِي لِطَالِبِهِ وَمُسْتَحِقِّهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعِيدَ الْكِتَابَ إِلَى الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ حَقُّهُ فيه باستيفاء له.
(خَتْمُ كِتَابِ الْقَاضِي وَالْحُكْمُ إِذَا انْكَسَرَ الْخَتْمُ) .

(مسألة)

: قال الشافعي: " فَإِنِ انْكَسَرَ خَاتَمُهُ أَوِ انْمَحَى كِتَابُهُ شَهِدُوا بِعِلْمِهِمْ عَلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمَقْصُودُ بِالْكِتَابِ: حِفْظُ مَا فِيهِ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ خَطَأٍ وَالْمَقْصُودُ بِالْخَتْمِ: الِاحْتِيَاطُ وَالتَّكْرُمَةُ.
وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 29] أَيْ مَخْتُومٌ.
وَالْمَعْمُولُ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ مَا يَشْهَدُ بِهِ شَاهِدَاهُ.
فَإِنِ انْكَسَرَ الْخَتْمُ أَوِ امَّحَى الْكِتَابُ جَازَ لِلشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ إِذَا حَفِظَاهُ.

وَكَذَلِكَ لَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ صحة شهادتهما بمضونه.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ صِحَّةِ شَهَادَتِهِمَا إِنْ ضَاعَ أَوِ امَّحَى لِتَحَمُّلِهِمَا لِلشَّهَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَا بِغَيْرِ كِتَابٍ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهُمَا تَحَمَّلَا الشَّهَادَةَ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ فَلَمْ يَمْنَعْ تَلِفُهُ مِنْ صِحَّةِ تَحَمُّلِهِمَا وَجَوَازِ أَدَائِهِمَا.
وَلِأَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا مِنْ حِفْظِهِمَا بِحَقٍّ فِي كِتَاب وَثِيقه قَدْ ضَاعَ جَازَ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ كَذَلِكَ إِنْ ضَاعَ كِتَابُ الْقَاضِي.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ بَاقِيًا فَأَرَادَ الشَّاهِدَانِ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ وَلَا يُوَصِّلَاهُ حَرُمَ إِمْسَاكُهُ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ صِحَّةِ شَهَادَتِهِمَا، لِأَنَّ الْكِتَابَ أَمَانَةٌ مُؤَدَّاةٌ فِي أَيْدِيهِمَا.
فَإِنِ امَّحَى مَا فِي الْكِتَابِ لم يلزمها إِيصَالُهُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَعْدَ امْتِحَائِهِ كِتَابًا.
وَلَوِ امَّحَى بَعْضَهُ لَزِمَهُ إِيصَالُهُ إِنْ بَقِيَ أَكْثَرُهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُمَا إِيصَالُهُ إِنْ ذَهَبَ أَكْثَرُهُ.
(تَغَيَّرَ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِالْمَوْتِ أَوِ الْعَزْلِ وغيرهما) .

(مسألة)

: قال الشافعي: " فَإِنْ مَاتَ الْكَاتِبُ أَوْ عُزِلَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ قَبُولَهُ وَنَقْبَلُهُ كَمَا نَقْبَلُ حُكْمَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَتَبَ قَاضٍ إِلَى قَاضٍ كِتَابًا وَأَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ شُهُودًا ثم تغيرت حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْحُكْمِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: بِمَوْتٍ أو عزل أو جنون أو فسق.
(تغير حاله بالموت أو العزل) . فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ فَالْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ كِتَابِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ حُكْمَ كِتَابِهِ ثَابِتٌ وَقَبُولَهُ وَاجِبٌ سَوَاءٌ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْكِتَابِ عَنْ يَدِهِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبٌ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُكْمَ كِتَابِهِ قَدْ سَقَطَ بِتَغْيِيرِ حَالِهِ وَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهُ سَوَاءٌ تَغَيَّرَتْ قَبْلَ خُرُوجِ الكتاب عن يده أبو بَعْدَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ إِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْكِتَابِ عَنْ يَدِهِ سَقَطَ حُكْمُهُ، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ ثَبَتَ حُكْمُهُ.
وَدَلِيلُهُمَا عَلَى سُقُوطِ حُكْمِهِ أَنَّهُمَا جَعَلَا كِتَابَ الْقَاضِي فَرْعًا لِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ، وإِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُ الْفَرْعِ مَنَعَ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ إِذَا تغيرت فيها

حَالُ شُهُودِ الْفَرْعِ امْتَنَعَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِمْ حُكْمُ شُهُودِ الْأَصْلِ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْقَاضِيَ وَإِنْ كَانَ فَرْعًا لِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَهُوَ أَصْلٌ لِمَنْ أَشْهَدَه عَلَى نَفْسِهِ وَتَغَيُّرُ حَالِ الْأَصْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِالْفَرْعِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، لَا يَمْنَعُ تَغَيُّرُ حَالِ شُهُودِ الْأَصْلِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِمْ شُهُودَ الْفَرْعِ.
فَصَارَ عِلَّةُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْفَرْعِ اعْتِبَارًا بِمَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ وَالشَّافِعِيُّ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْأَصْلِ اعْتِبَارًا بِمَنْ أَشْهَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَاعْتِبَارُهُ بِالْأَصْلِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِهِ بِالْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فَرْعًا لِأَصْلٍ، وَأَصْلًا لِفَرْعٍ، كَانَ اعْتِبَارُ حُكْمِ الْحَالِ أَوْلَى مِنِ اعتبار حكم قد زال.

(فصل: تغير حاله بالفسق أو الجنون) .

وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْكَاتِبِ بِفِسْقٍ أَوْ جُنُونٍ فَالْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ.
فَلَيْسَ يَخْلُو حَالُ الْكِتَابِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِحُكْمٍ أَوْ شَهَادَةٍ.
فَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ بِحُكْمٍ قَدْ أَمْضَاهُ فِي حَالِ سَلَامَتِهِ، وَجَبَ قَبُولُ كِتَابِهِ بَعْدَ تَغَيُّرِ حَالِهِ؛ لِأَنَّ مَا نَفَذَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي حَالِ الْجَوَازِ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ فَسَادٌ.
وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ بِشَهَادَةٍ قَدْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ نُظِرَ: فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بَعْدَ قَبُولِ كِتَابِهِ ثَبَتَ حُكْمُهُ، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ قَبْلَ قَبُولِهِ، سَقَطَ حُكْمُهُ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ إِذَا فَسَقَ فِيهَا شُهُودُ الْأَصْلِ بَعْدَ قَبُولِ شُهُودِ الْفَرْعِ صَحَّتِ الشَّهَادَةُ وَلَوْ فَسَقُوا قَبْلَ قَبُولِ شُهُودِ الْفَرْعِ سَقَطَتِ الشَّهَادَةُ.

(فَصْلٌ: تغير حال القاضي المكاتب) .

فَأَمَّا إِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الْمُكَاتِبِ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ فِسْقٍ سَقَطَ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا وَحَاكِمًا بِهِ.
فَإِنْ تَقَلَّدَ مَكَانَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْقُضَاةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ فِي قَبُولِ الْكِتَابِ مَقَامَ الْأَوَّلِ الْمَعْزُولِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ كِتَابٍ إِلَى غَيْرِهِ كَالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَعْزُولِ، وَلَا يَحْكُمُ بِهَا الْمَوْلَى بَعْدَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ كِتَابِهِ إِلَى الْمَعْزُولِ لِأَنَّ الْمَعْمُولَ مِنَ الْكِتَابِ بِمَا يُؤَدِّيهِ شُهُودُهُ مِنْ حُكْمِ الْأَوَّلِ بِمَضْمُونِهِ، فَكَانَ ثُبُوتُ الشَّهَادَةِ بِهِ عِنْدَ الثَّانِي كَثُبُوتِهَا بِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِيهِ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ قَاضِيًا بِالْكُوفَةِ كَتَبَ إِلَى إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ قَاضِي الْبَصْرَةِ كتَابًا بِحُكْمٍ فَوَصَلَ بَعْدَ عَزْلِ إِيَاسٍ وَوُلَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَبِلَهُ الْحَسَنُ وَحَكَمَ بِهِ.

(فصل: في حكم من استخلفه القاضي بعد حكم المستخلف) .

وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْقَاضِيَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْآخَرِ، فَتَغَيَّرَتْ حَالُ الْمُوَلِّي بِمَوْتٍ، أَوْ عَزْلٍ، انْعَزَلَ الْمُوَلَّى، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولُ كِتَابِ الْمُوَلِّي.
وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي وَالِيًا مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، فَمَاتَ الْخَلِيفَةُ أَوْ خُلِعَ، لَمْ يَنْعَزِلْ بِهِ الْقَاضِي وَجَازَ لَهُ قَبُولُ كِتَابِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَسْتَنِيبُ الْقُضَاةَ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَنْعَزِلُوا بِمَوْتِهِ، وَتَغَيُّرِ حَالِهِ، وَالْقَاضِي يَسْتَنِيبُ خَلِيفَتَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ وَتَغَيَّرَ حَالُهُ.
فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِلَ خَلِيفَتَهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ، وَلَا يَجُوزَ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَعْزِلَ الْقَاضِيَ بِغَيْرِ مُوجِبٍ.
وَسَوَّى بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْنَ مَوْتِ الْخَلِيفَةِ وَالْقَاضِي فِي انْعِزَالِ مَنْ وَلَّيَاهُ.
وَسَوَّى آخَرُونَ مِنْهُمْ فِي بَقَاءِ وُلَايَةِ مَنْ وَلَّيَاهُ.
وَالَّذِي عَلَيْهِ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ ما ذكرناه من الفرق بينهما.

(فصل: كتاب القاضي وهو في غير محل ولايته) .

وَإِذَا سَافَرَ الْقَاضِي عَنْ بَلَدِ وِلَايَتِهِ، وَكَتَبَ كِتَابًا بِحُكْمٍ إِلَى قَاضٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتِبِ أَنْ يَقْبَلَ كِتَابَ الْكَاتِبِ لِأَنَّ كِتَابَهُ حُكْمٌ، وَحُكْمُهُ لَا يُنَفَّذُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ.
وَلَوْ كَتَبَهُ الْكَاتِبُ وَهُوَ فِي عَمَلِهِ فَوَصَلَ إِلَى الْمُكَاتِبِ وَهُوَ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ.
لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لِأَنَّ قَبُولَهُ حُكْمٌ، وَحُكْمُهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لَا يُنَفَّذُ.
وَلَوْ أَنَّ قَاضِيَيْنِ اجْتَمَعَا فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، مِثْلَ قَاضِي الْبَصْرَةِ وَقَاضِي الْكُوفَةِ إِذَا اجْتَمَعَا بِبَغْدَادَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الْآخَرِ مَا حَكَمَ بِهِ، وَلَا أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ مَا حَكَمَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَبُولَ حُكْمٌ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا.
وَلَوْ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي بَلَدِ أَحَدِهِمَا مِثْلَ قَاضِي الْبَصْرَةِ وَقَاضِي الْكُوفَةِ إِذَا اجْتَمَعَا فِي الْبَصْرَةِ، فَأَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ مَا حَكَمَ بِهِ، لَمْ يَجُزْ لِقَاضِي الْبَصْرَةِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ قَاضِي الْكُوفَةِ.
لِأَنَّهُ أداه في غيره عَمَلِهِ، وَأَدَاؤُهُ حُكْمٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ وَحْدَهُ مَقْبُولٌ، وَالشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُخْبِرُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
فَأَمَّا مَا أَدَّاهُ قَاضِي الْبَصْرَةِ إِلَى قَاضِي الْكُوفَةِ فَأَدَاؤُهُ مَقْبُولٌ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّيهِ فِي غير عمله.

وَيَصِيرُ قَاضِي الْكُوفَةِ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ عَالِمًا بِهِ، وَلَيْسَ بِحَاكِمٍ فِيهِ، لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ.
فَإِذَا صَارَ إِلَى عَمَلِهِ فَفِي جَوَازِ حُكْمِهِ بِهِ قَوْلَانِ كَالْقَاضِي فِي جَوَازِ حُكْمِهِ بِعَمَلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(إِغْفَالُ عُنْوَانِ الْكِتَابِ) .

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " وَلَوْ تَرَكَ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ فِي الْعُنْوَانِ وَقَطَعَ الشُّهُودُ بِأَنَّهُ كِتَابُهُ قَبِلَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا قَالَهُ رَدًّا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَنْوَنًا فِي دَاخِلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُنْوَانٌ، أَوْ كَانَ عُنْوَانُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْبَلَهُ مَعَ وِفَاقِهِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا بِالشَّهَادَةِ.
وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ الْعُنْوَانُ شَرْطًا فِي قَبُولِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ عُنْوَانِهِ مِنْ دَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَنْوَنًا لِأَنَّ الْحُكْمَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يُؤَدِّيهِ الشُّهُودُ مِنْ مضمونه، فلم يكن لعنوانه وَلَا لِفَقْدِهِ تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ بِمَا شَهِدَ شُهُودُهُ.
وَعُنْوَانُ الْكِتَابِ فِي دَاخِلِهِ عُرْفٌ قَدِيمٌ، وَعَلَى ظَاهِرِهِ عُرْفٌ مُسْتَحْدَثٌ.
وَالْعُرْفُ الْمَعْمُولُ بِهِ أَوْلَى مِنَ الْعُرْفِ الْمَتْرُوكِ.
وَلَيْسَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي عَصْرِنَا إِلَّا فِي كُتُبِ الْخُلَفَاءِ خَاصَّةً.
ثم قال أبو حنيفة: لا تقبل مُعَنْوَنًا بِالِاسْمِ وَحْدَهُ، أَوِ الْكُنْيَةِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَاتِبِ وَالْمُكَاتِبِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ دُونَ جَدِّهِ لَمْ يَجُزْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْأَبِ مَشْهُورًا لَا يَشْرَكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، أَوْ تَكُونَ الْكُنْيَةُ مَشْهُورَةً لَا يَشْرَكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ مَدْفُوعٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالْعُرْفُ فِي عَصْرِنَا مُسْتَعْمَلٌ بِاسْتِيفَاءِ النَّسَبِ فِي الْعُنْوَانِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى وَبِالِاقْتِصَارِ فِيهِ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى.
(هَلْ يُبْدَأُ فِي الْعُنْوَانِ بِاسْمِ الْكَاتِبِ أَوْ بِاسْمِ الْمُكَاتِبِ) . فَأَمَّا مَا يُبْدَأُ بِهِ فِي الْعُنْوَانِ مِنِ اسْمِ الْكَاتِبِ وَالْمُكَاتِبِ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرَيْنِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ.
فَرُوِيَ أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ كَانَ يَبْدَأُ بِاسْمِهِ فِي مُكَاتَبَةِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَيَكْتُبُ: مِنَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.

وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَكْتُبُ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَيَكْتُبُ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
فَمَنْ بَدَأَ بِاسْمِهِ فَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْكَاتِبِ إِلَى الْمُكَاتِبِ، وَمَنْ قَدَّمَ اسْمَ الْكَاتِبِ فَلِتَعْظِيمِهِ.
وَعُرْفُ النَّاسِ فِي عَصْرِنَا فِي كُتُبِ الْمُلُوكِ فَمَنْ دُونَهُمْ: أَنْ يُقَدَّمَ فِي كُتُبِهِمُ اسْمُ الْمُكَاتِبِ عَلَى اسْمِ الْكَاتِبِ، إِلَّا الْخُلَفَاءَ خَاصَّةً فَإِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى اسْمِ الْمُكَاتِبِ.
فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ عَمِلَ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْقُضَاةِ فَفِيهِ سَلَفٌ مَتْبُوعٌ.
وَقَدْ صَارَ تَقْدِيمُ اسْمِ الْكَاتِبِ فِي عَصْرِنَا مُسْتَنْكَرًا فَكَانَ الْعَمَلُ بِمَا لَا يَتَنَاكَرُهُ النَّاسُ أَوْلَى، وَإِنْ جَازَ خِلَافُهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كِتَابُ الْقَاضِي مَقْصُورًا فِي الدُّعَاءِ عَلَى مَا يَأْلَفُهُ أَهْلُ الْعَصْرِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي عُرْفِهِمْ، وَيَعْدِلُ عَمَّا تَقَدَّمَهَا مِنَ اللَّفْظِ الْمَتْرُوكِ وَيَقْتَصِرُ فِي كِتَابِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَحْدَهُ، وَلَا يُقْرِنُهُ بِخَبَرٍ وَلَا اسْتِخْبَارٍ.
وَلِكُتُبِهِمْ شُرُوطٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا.
(الدَّعْوَى عَلَى الْمَجْهُولِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الغائب) .

(مسألة)

: قال الشافعي: " وإن أَنْكَرَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ لَمْ يَأْخُذْهُ بِهِ حَتَى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ هُوَ فَإِذَا رَفَعَ فِي نَسَبِهِ فَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَالْقَبِيلَةِ وَالصِّنَاعَةِ أُخِذَ بِذَلِكَ الْحَقِّ وَإِنْ وَافَقَ الِاسْمَ وَالْقَبِيلَةَ وَالنَّسَبَ وَالصِّنَاعَةَ فَأَنْكَرَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَانَ بِشَيْءٍ لَا يُوَافِقُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا إِنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَعْرُوفٍ، يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، إِمَّا بِعَيْنِهِ، وَإِمَّا بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ بِمَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ تَمْنَعُ مِنْ تَحْقِيقِ الْإِلْزَامِ.
فَأَمَّا الْمَعْرُوفُ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ إِلَّا مَعَ حُضُورِهِ وَلَا تَكُونُ الْجَهَالَةُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ مَانِعَةً مِنْ نُفُوذِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَعْرُوفُ بِاسْمِهِ ونسبه، فهو الذي توجه الْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي حَقٌّ وَهُوَ حَاضِرٌ اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ لِمُسْتَحِقِّهِ وَلَمْ يَكْتُبْ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ غَابَ قَبْلَ دَفْعِ الْحَقِّ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ، اسْتَحَقَّ الطَّالِبُ أَنْ يَتَنَجَّزَ كِتَابَهُ

بِالْحُكْمِ إِلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمَطْلُوبُ لِيَسْتَوْفِيَ الْمُكَاتِبُ مِنْهُ حَقَّ الطَّالِبِ.
وَإِنْ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَهُوَ غَائِبٌ جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَتِهِ بِاتِّفَاقٍ مَنْ جَوَّزَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ لِأَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ إِثْبَاتُ حَقٍّ يُفْضِي إِلَى الْحُكْمِ، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي جَوَازِهَا مَعَ غَيْبَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ حَضَرَ لَمْ يَلْزَمْ إِعَادَةُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِمَشْهَدِهِ.
وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِعَادَتَهَا إِذَا حَضَرَ.
فَإِذَا كَتَبَ الْقَاضِي بِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَانَ الْمُكَاتِبُ هُوَ الْحَاكِمُ بِهِ وَالْكِتَابُ بَيِّنَةٌ بِثُبُوتِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ عَلَى الْغَائِبِ جَازَ، عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ مَنْ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ الْقَاضِي بِثُبُوتِهِ، وَنُفُوذِ حُكْمِهِ، فَلِجَوَازِ مُكَاتَبَةِ الْقَاضِي بِهِ إِذَا كَانَ الْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ وَثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالَةُ الشُّهُودِ، فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ قَبْلَ حُكْمِهِ لَهُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ الْحَقَّ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ حُكْمٍ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ عَلَى مَنْ لَا يُجِيبُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْضِيَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ إِحْلَافِ الطَّالِبِ بِاللَّهِ مَا قَبَضَ الْحَقَّ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَلَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَرَى إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنَّ حَقَّهُ لَثَابِتٌ عَلَيْهِ.
وَأَقَلُّ مَا يَجْزِيهِ أَنْ يُحْلِفَهُ أَنَّ حَقَّهُ هَذَا لَثَابِتٌ عَلَيْهِ.
فَيَجُوزُ مَعَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْقَاضِي بِحُكْمِهِ عَلَى الْغَائِبِ.
وَيَلْزَمُ الْقَاضِي فِيمَا يَكْتُبُ بِهِ مِنَ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْفَعَ فِي اسْمِهِ، وَنَسَبِهِ، وَذِكْرِ قَبِيلَتِهِ، وَصِنَاعَتِهِ، بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ إِنْ كَانَ بِثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الشُّهُودَ عَلَيْهِ قَدْ عَرَفُوهُ بِعَيْنِهِ، وَاسْمِهِ،.
وَنَسَبِهِ.
وَهُوَ فِي تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِنْ شَاءَ سَمَّاهُمْ وَهُوَ أَوْلَى عندنا

وَأَحْوَطُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَمِّهِمْ، وَهُوَ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَحْوَطُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ.
فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ، قَالَ: شَهِدَ بِهِ عِنْدِي رَجُلَانِ حُرَّانِ عَرَفْتُهُمَا بِمَا يَجُوزُ بِهِ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا.
وَإِنْ سَمَّاهُمْ قَالَ: شَهِدَ بِهِ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدِي عَدَالَتُهُمَا.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ثُبُوتَ عَدَالَتِهِمَا عِنْدَهُ وَذَكَرَ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمَا فَهَلْ يَكُونُ تَنْفِيذُهُ لِلْحُكْمِ بِشَهَادَتَهِمَا تَعْدِيلًا مِنْهُ لَهُمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.
وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ بِإِقْرَارِهِ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ: أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي طَوْعًا فِي صِحَّةٍ مِنْهُ وَجَوَازِ أَمْرٍ لِأَنَّ إِقْرَارَ الْمُكْرَهِ وَمَنْ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ مِنَ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ غَيْرُ لَازِمٍ.
فَإِنِ اقْتَصَرَ فِي كِتَابِهِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ، وَلَمْ يَقُلْ طَوْعًا فِي صِحَّةٍ مِنْهُ وَإِجْوَازِ أَمْرٍ، فَهَلْ يَقُومُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ مَقَامَ ذِكْرِهِ لِذَلِكَ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ كَالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ ذِكْرِهِ لِلْعَدَالَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ بِنُكُولِهِ وَيَمِينِ الطَّالِبِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَشْرُوحًا فِي كِتَابِهِ.
فَيَصِيرُ الْحَقُّ ثَابِتًا عَلَى الْغَائِبِ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: بِإِقْرَارِهِ وَهُوَ أَقْوَى.
وَالثَّانِي: بِنُكُولِهِ ويمين الطالب هو أَضْعَفُ.
وَالثَّالِثُ: بِالشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارِهِ وَهُوَ أَوْسَطُ.
فَإِنْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي كِتَابِهِ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ الصَّحِيحُ النَّافِي لِلتُّهْمَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي كِتَابِهِ مَا حَكَمَ بِهِ مِنْهَا وَقَالَ: ثَبَتَ عَلَيْهِ عِنْدِي بِمَا تَثْبُتُ بِمِثْلِهِ الْحُقُوقُ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْإِقْرَارِ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ فِي الْأَعْيَانِ وَتُسْمَعُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ فِي النُّكُولِ وَتَتَعَارَضُ بِهِ الْبَيِّنَةُ فِي الشَّهَادَةِ فَتَرَجَّحَ بِوُجُودِ الْيَدِ عِنْدَنَا وَتَرَجَّحَ بِعَدَمِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِالْحَقِّ فِي جَنَبَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي إِغْفَالُ ذِكْرِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ حُجَّةِ المحكوم عليه.

وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ إِنْفَاذِ حُكْمِهِ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ كُلَّ ذِي حَقٍّ وَحُجَّةٍ عَلَى مَا كَانَ لَهُ مِنْ حَقٍّ وَحُجَّةٍ فَهَذَا مَا تَقْتَضِيهِ شُرُوطُ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى القاضي في الحكم على الغائب.

(فصل: فيما يجب على القاضي بعد وصول الكتاب إليه) .

فَإِذَا وَصَلَ كِتَابُ الْقَاضِي عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَوَصَفْنَاهُ مِنْ شُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْمُكَاتِبِ إِحْضَارُ الْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ وَمَسْأَلَتُهُ عَمَّا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ الْقَاضِي مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
وَلَهُ فِي الجواب عنه ستة أَحْوَالٍ: إِحْدَاهَا: أَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ لِطَالِبِهِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ، دُونَ الْكِتَابِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنَ الْكِتَابِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ لِطَالِبِهِ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ سُمِعَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ بِهَا، وَإِنْ عَدِمَهَا وَسَأَلَ إِحْلَافَ الطَّالِبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ قَدْ أَحْلَفَهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِ الْحَقِّ لِغَيْرِ هَذَا الطَّالِبِ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا قَائِمَةً، بَطَلَ إِقْرَارُهُ بِهَا لِغَيْرِ هَذَا الطَّالِبِ، وَكَانَ الطَّالِبُ الْمَحْكُومُ لَهُ بِهَا أَحَقَّ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ صَارَ مَأْخُوذًا بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِ الطَّالِبِ، وَمَأْخُوذًا بِالْكِتَابِ لِحَقِّ هَذَا الطَّالِبِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُنْكِرَ وُجُوبَ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَيُقِرَّ بِأَنَّهُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ فَيُؤْخَذُ بِالْحَقِّ وَإِنْ أَنْكَرَهُ، لِثُبُوتِهِ عَلَيْهِ بِكِتَابِ الْقَاضِي وَكِتَابُ الْقَاضِي أَوْكَدُ مِنَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ عَنْ شَهَادَةٍ اقْتَرَنَ بِهَا حُكْمٌ، وَكُتُبُ الْقُضَاةِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُنْكِرِينَ دُونَ الْمُقِرِّينَ.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يُنْكِرَ الْحَقَّ، وَيُنْكِرَ أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُنْكِرَ الِاسْمَ الْمَذْكُورَ، وَيَدَّعِيَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ فَلَهُ فيه ثلاثة أحوال: أحدها: أَنْ يَعْرِفَ بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ حَتَّى تَقُومَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ فِي عَيْنِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْرِفَ بِالْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ وَلَا يَقْبَلُ مَا ادَّعَاهُ من الاسم.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل