كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُؤُوسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُؤُوسِ الْإِبِلِ، وَهُوَ عُرْفُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، لِاخْتِصَاصِهِمْ بِإِفْرَادِ رُؤُوسِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِالْبَيْعِ بَعْدَ انْفِصَالِهَا دُونَ رُؤُوسِ الْإِبِلِ، وَتَعْلِيلًا بِأَنَّ رُؤُوسَ الْغَنَمِ تُشْوَى وَتُكْبَسُ، وَرُؤُوسَ الْبَقَرِ تُكْبَسُ وَلَا تُشْوَى، وَرُؤُوسَ الْإِبِلِ لَا تُشْوَى، وَلَا تُكْبَسُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ رُؤُوسِ الْغَنَمِ وَحْدَهَا، اعْتِبَارًا بِعُرْفِ بَغْدَادَ، وَتَعْلِيلًا بِأَنَّهَا تُشْوَى وَتُكْبَسُ، وَلَا يُجْمَعُ الْأَمْرَانِ فِي غَيْرِهَا، وَكِلَا التَّعْلِيلَيْنِ دَعْوَى مَدْفُوعَةٌ، لِوُجُودِ الْأَمْرَيْنِ فِي الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ حِنْثِهِ بِرُؤُوسِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا عَلَى وَجْهَيْنِ يَحْتَمِلُهُمَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ:
أَحَدُهُمَا: لِاخْتِصَاصِهَا بِقَطْعِ رُؤُوسِهَا عَنْ أَجْسَادِهَا، وَإِفْرَادِ بَيْعِهَا فِي أَسْوَاقِهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ فِي بِلَادِ الْفَلَوَاتِ يَكْثُرُ فِيهَا الصَّيْدُ وَتُقْطَعُ رُؤُوسُهُ مِنْ أَجْسَادِهِ، وَيُفْرَدُ بَيْعُهُ فِي أَسْوَاقِهِ أَوْ كَانَ فِي بِلَادِ الْبِحَارِ بَلَدٌ يَكْثُرُ فِيهِ الْحِيتَانُ وَتُقْطَعُ رُؤُوسُهَا عَنْ أَجْسَادِهَا، وَيُفْرَدُ بَيْعُهَا فِي أَسْوَاقِهَا حَنِثَ أَهْلُهَا بِأَكْلِ رُؤُوسِهَا، كَمَا يَحْنَثُ أَهْلُ أَمْصَارِ الرِّيفِ بِأَكْلِ رُؤُوسِ الْغَنَمِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ عُرْفُ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُخْتَلِفَةِ مَقْصُورًا عَلَى أَهْلِهَا أَوْ عَامًّا فِيهِمْ، وَفِي الطَّارِئِ إِلَيْهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ خَاصٌّ فِي أَهْلِهَا دُونَ الطَّارِئِ إِلَيْهَا، تَغْلِيبًا لِعُرْفِ الْحَالِفِ، فَإِنْ دَخَلَ أَهْلُ الرِّيفِ إِلَى بِلَادِ الْفَلَوَاتِ وَالْبِحَارِ لَمْ يَحْنَثُوا إِلَّا برؤوس الغنم وَإِنْ دَخَلَ أَهْلُ الْفَلَوَاتِ إِلَى أَمْصَارِ الرِّيفِ لَمْ يَحْنَثُوا إِلَّا بِرُؤُوسِ الصيد وَإِنْ دَخَلَ أَهْلِ الْبِحَارِ إِلَى أَمْصَارِ الرِّيفِ لَمْ يَحْنَثُوا إِلَّا بِأَكْلِ رُؤُوسِ الْحِيتَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّهُ عَامٌّ فِي أَهْلِهَا، وَفِي الطَّارِئِ إِلَيْهَا؛ تَغْلِيبًا لِعُرْفِ الْمَكَانِ، فَإِنْ دَخَلَ أَهْلُ الرِّيفِ إِلَى بِلَادِ الْفَلَوَاتِ، حَنِثُوا بِرُؤُوسِ الصَّيْدِ، وَإِنْ دَخَلُوا إِلَى بِلَادِ الْبِحَارِ حَنِثُوا بِرُؤُوسِ الْحِيتَانِ.
وَإِنْ دخل أهل الفلوات والبحار إلا بِلَادِ الرِّيفِ حَنِثُوا بِرُؤُوسِ النَّعَمِ.
وَفِي بَقَاءِ حنثهم يعرف بِلَادِهِمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ باقٍ عَلَيْهِمْ لِاسْتِقْرَارِهِ عِنْدَهُمْ، فَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ أَهْلُ الرِّيفِ فِي بلاد الفلوات بأكل رؤوس الصيد، ويأكل رُؤُوسِ النَّعَمِ، وَيَحْنَثُونَ فِي بِلَادِ الْبِحَارِ بِأَكْلِ
رُؤُوسِ الْحِيتَانِ مَعَ رُؤُوسِ النَّعَمِ، وَيَحْنَثُ أَهْلُ الْفَلَوَاتِ، فِي بِلَادِ الرِّيفِ بِأَكْلِ رُؤُوسِ النَّعَمِ، وَأَكْلِ رُؤُوسِ الصَّيْدِ، وَيَحْنَثُ أَهْلُ الْبِحَارِ فِيهَا بِأَكْلِ رُؤُوسِ الْحِيتَانِ، وَبِأَكْلِ رُؤُوسِ النَّعَمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّهُ يَزُولُ عَنْهُمْ فِي بِلَادِهِمْ بِانْتِقَالِهِمْ عَنْهَا، فَلَا يَحْنَثُ أَهْلُ الْفَلَوَاتِ وَالْبِحَارِ فِي بِلَادِ الرِّيفِ إِلَّا بِرُؤُوسِ النَّعَمِ.
وَلَا يَحْنَثُ أَهْلُ الرِّيفِ فِي بِلَادِ الْفَلَوَاتِ إِلَّا بِرُؤُوسِ الصَّيْدِ، وَفِي بِلَادِ الْبِحَارِ إِلَّا بِرُؤُوسِ الْحِيتَانِ.
فَهَذَا حُكْمُ التَّعْلِيلِ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَعْلِيلِ حِنْثِهِ بِرُؤُوسِ النَّعَمِ أَنَّ عُرْفَ كَلَامِهِمْ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا، وَإِفْرَادُ أَكْلِهَا مُخْتَصٌّ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِمَّنْ قَالَ: أكلت الرؤوس إلا رؤوس النعم، وغيرها يؤكل مع أجسادها.
وفي التعليل تميز مِنْ وَجْهٍ، وَامْتِزَاجٌ مِنْ وَجْهٍ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ عُرْفُ الْبَلَدِ خَاصًّا فِيهِ أَوْ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وهو الظاهر في مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّهُ يَصِيرُ عاماً فِي الْبِلَادِ كُلِّهَا، فَيَحْنَثُ جَمِيعُهُمْ بِرُؤُوسِ النَّعَمِ الثَّلَاثَةِ.
وَإِنْ عَرَفْنَا أَنَّ لِبَعْضِ الْبِلَادِ عُرْفًا فِي الْبِلَادِ كُلِّهَا، فَيَحْنَثُ جَمِيعُهُمْ بِرُؤُوسِ النَّعَمِ الثَّلَاثَةِ وَرُؤُوسِ الصَّيْدِ وَالْحِيتَانِ، حَنِثَ جَمِيعُ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ لَمْ يَحْنَثُوا.
وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّمَا خَصَّ الْحِنْثَ بِرُؤُوسِ النَّعَمِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ عُرْفَ بَلَدٍ فِي غَيْرِهَا وَلَوْ عَلِمَ لَحَنَّثَ بِهَا جَمِيعَ النَّاسِ كَمَا حَنَّثَ بِرُؤُوسِ النَّعَمِ وَلِذَلِكَ حَنَّثَ الْقَرَوِيَّ إِذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ بَيْتًا، فَسَكَنَ بَيْتَ مِنْ بُيُوتِ الْبَادِيَةِ، لِأَنَّ عُرْفَ الْبَادِيَةِ جَارٍ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ وَعَادَتُهُ خُبْزُ الْبُرِّ، فَأَكَلَ خُبْزَ الشَّعِيرِ، حَنِثَ بِهِ، لِأَنَّ عُرْفَ أَهْلِ الْفَاقَةِ جاز بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، إنَّ عُرْفَ كُلِّ بَلَدٍ مَخْصُوصٌ فِي أَهْلِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ.
فَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ أَهْلُ الْحِجَازِ بِرُؤُوسِ النَّعَمِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِعُرْفِهِمْ وَيَحْنَثُ أَهْلُ الكوفة برؤوس البقر والغنم، ولا يحنث بِرُؤُوسِ الْإِبِلِ اعْتِبَارًا بِعُرْفِ أَهْلِهَا، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَيَحْنَثُ أَهْلُ بَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ بِرُؤُوسِ الْغَنَمِ، وَلَا يَحْنَثُونَ بِرُؤُوسِ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ، كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ
اعْتِبَارًا بِعُرْفِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ لَمْ يُحَنِّثِ الْقَرَوِيَّ بِسُكْنَى بَيْتِ الشَّعْرِ.
فَإِنِ انْتَقَلَ أَهْلُ بَلَدٍ لَهُمْ فِيهِ عُرْفٌ إِلَى بَلَدٍ يُخَالِفُونَهُمْ فِي الْعُرْفِ، فَفِيمَا يَحْنَثُونَ بِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ هِيَ مَجْمُوعُ مَا شَرَحْنَاهُ:
أَحَدُهَا: يَحْنَثُونَ بِعُرْفِ بَلَدِهِمُ الَّذِي انْتَقَلُوا عَنْهُ.
وَالثَّانِي: يَحْنَثُونَ بِعُرْفِ الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلُوا إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: يَحْنَثُونَ بِعُرْفِ البلدين معاً.
والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَكَذَلِكَ الْبَيْضُ وَهُوَ بَيْضُ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ وَالنَّعَامِ الَذِي يُزَايِلُ بَائِضَهُ حَيًّا فَأَمَّا بَيْضُ الْحِيتَانِ فَلَا يَكُونُ هَكَذَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُرِدْ تَخْصِيصَ نَوْعٍ مِنْهُ، حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ عَلَى كُلِّ بَيْضٍ فَارَقَ بَائِضَهُ حَيًّا مِنْ مَأْلُوفٍ كَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ، وَنَادِرٍ كَالنَّعَامِ وَالْأوَزِّ وَالْعَصَافِيرِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْمُعْتَادِ مِنَ الْبَيْضِ كَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ النَّادِرِ مِنْ بَيْضِ الْإِوَزِّ وَالْعَصَافِيرِ، كَمَا يَحْنَثُ فِي أَكْلِ الرُّؤُوسِ بِالْمُعْتَادِ دُونَ النَّادِرِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ خُرُوجَ النَّادِرِ مِنَ الْبَيْضِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ لِعِزَّتِهِ وَفَقْدِهِ، وَخُرُوجُ النَّادِرِ مِنَ الرُّؤُوسِ عَنِ الْمُعْتَادِ مَعَ وُجُودِهِ وَمُكْنَتِهِ، فَافْتَرَقَا.
وَالثَّانِي: إنَّ جَمِيعَ الْبَيْضِ مِنْ نَادِرٍ وَمُعْتَادٍ مُفْرَدٌ بِالْأَكْلِ فَجَرَى جَمِيعُهُ مَجْرَى الْخَاصِّ مِنَ الرُّؤُوسِ الْمُفْرَدَةِ بِالْأَكْلِ.
وَأَمَّا بَيْضُ الْحِيتَانِ وَالْجَرَادِ، فَإِنَّمَا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ لَا يُفَارِقُ بَائِضَهُ حَيًّا، فَصَارَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ خَارِجًا مِنَ الْعُرْفِ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ يُؤْكَلُ مَعَ جِسْمِهِ.
وَيُقَالُ لِمَنْ أَكَلَ بَيْضَ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، إِنَّهُ قَدْ أَكَلَ سَمَكًا وَجَرَادًا، فَصَارَ كَلَحْمِهِ، فَلَوْ ذَبَحَ دَجَاجَةً فِي جَوْفِهَا بَيْضٌ وَصَلَ إِلَيْهِ بِذَبْحِهَا، فَفِي حِنْثِهِ بِأَكْلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُزَايِلْ بَائِضَهُ حَيًّا، فَصَارَ كَبَيْضِ السَّمَكِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُوصَلُ إِلَيْهِ مَعَ حَيَاةِ بَائِضِهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ ما ذكرنا من حنثه بكل الْبَيْضِ مِنْ نَادِرٍ وَمُعْتَادٍ، حَنِثَ بِأَكْلِ الْمُعْتَادِ أَهْلُ النَّادِرِ وَالْمُعْتَادِ.
وَأَمَّا النَّادِرُ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ أَهْلُ النَّادِرِ كَبَيْضِ النَّعَامِ، يَحْنَثُ بِهِ أَهْلُ الْبَادِيَةِ، وَفِي حِنْثِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُونَ بِهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الْقُرَى يَحْنَثُونَ بِسُكْنَى بُيُوتِ الشَّعْرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُونَ بِهِ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الْقُرَى لَا يَحْنَثُونَ بسكنى بيوت الشعر.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا حَنَثَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْوَحْشِ وَالطَّيْرِ لِأَنَّهُ كُلُّهُ لحمٌ وَلَا يَحْنَثُ فِي لَحْمِ الْحِيتَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالْأَغْلَبِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ لَحْمٍ مِنْ أَهْلِيٍّ كَالنَّعَمِ، وَوَحْشٍ كَالصَّيْدِ وَالطَّائِرِ مِنْ مُعْتَادٍ وَنَادِرٍ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِلَحْمِ الْحِيتَانِ، لِأَصْلٍ أُوَضِّحُهُ، يَكُونُ فِي الْأَيْمَانِ مُعْتَبَرًا، لِيَسْلَمَ مِنَ التَّنَاقُضِ وَهُوَ:
إنَّ الِاسْمَ اللُّغَوِيَّ إِذَا انْطَلَقَ عَلَى أَعْيَانٍ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطَابِقَهُ الْعُرْفُ فِي جَمِيعِهَا، فَيُحْمَلَ فِي الْأَيْمَانِ عَلَى جَمِيعِ تِلْكَ الْأَعْيَانِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا طَابَقَهُ مِنَ الْعُرْفِ عَامًّا أَوْ خَاصًّا.
فَالْعُرْفُ الْعَامُّ أَنْ يَحْلِفَ: لَا آكُلُ رَطْبًا، فَيَحْنَثُ بِجَمِيعِ الْأَرْطَابِ مِنْ لَذِيذٍ وَغَيْرِ لَذِيذٍ، مِنْ مُسْتَطَابٍ وَغَيْرِ مُسْتَطَابٍ، أَوْ يَحْلِفُ: لَا آكُلُ بَقْلًا، فَيَحْنَثُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ لَذِيذٍ وَغَيْرِ لَذِيذٍ.
وَالْعُرْفُ الْخَاصُّ أَنْ يَحْلِفَ: لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا، فَيَحْنَثُ كُلُّ غَنِيٍّ وفقير بلبس كل ثوب من مرتفع ودانٍ، فيحنث الملك بلبس الصوف، وإن خرج بدخوله في عرف مِنْ عُرْفِهِ وَدَخَلَ فِي عُرْفِ الْفُقَرَاءِ وَيَحْنَثُ الْفَقِيرُ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ عُرْفِهِ لِأَنَّهُ بِدُخُولِهِ فِي عُرْفِ الْأَغْنِيَاءِ مَعَ اشْتِرَاكِ جَمِيعِهَا فِي اسْمِ الثَّوْبِ، فَلَمْ يَخْرُجْ بَعْضُهَا بِعُرْفٍ خَاصٍّ إِذَا طَابَقَهُ عُرْفٌ خَاصٌّ، وَهَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا حَنِثَ كُلُّ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ بِأَكْلِ كُلِّ مَخْبُوزٍ مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَأُرْزٍ وَذُرَةٍ، فَيَحْنَثُ الْغَنِيُّ بِأَكْلِ خُبْزِ الشعير، وإن خرج عن عرفه، لدخول فِي عُرْفِ الْفَقِيرِ، وَيَحْنَثُ الْفَقِيرُ بِخُبْزِ الْبُرِّ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ عُرْفِهِ، لِدُخُولِهِ فِي عُرْفِ الْغَنِيِّ مَعَ اشْتِرَاكِ جَمِيعِهَا فِي اسْمِ الْخُبْزِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ الِاسْمُ فِيهِ مُخَالِفًا لِلْعُرْفِ، فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا خَرَجَ عَنِ الْعُرْفِ لِإِلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْوُجُودِ، فَيَصِيرُ فِي الْأَيْمَانِ مَحْمُولًا عَلَى مَا خَصَّهُ الْعُرْفُ دُونَ مَا عَمَّهُ الِاسْمُ، كَالَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِمَّنْ حَلَفَ لَا
يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ أَنَّ حِنْثَهُ مُخْتَصٌّ بِرُؤُوسِ النَّعَمِ، لِإِضَافَةِ رُؤُوسِ غَيْرِهَا إِلَى أَجْسَادِهَا، وَاخْتِصَاصِ النَّعَمِ بِانْفِرَادِهِ مِنْ بَيْنِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا خَرَجَ عَنِ الْعُرْفِ لِتَعَذُّرِهِ أَوْ لِعِزَّتِهِ، فَيَكُونُ فِي الْأَيْمَانِ مَحْمُولًا عَلَى مَا عَمَّهُ الِاسْمُ دُونَ ما خصه العرف.
فاللحم خرج من عرف لَحْمُ الصَّيْدِ، لِتَعَذُّرِهِ، وَلَحْمُ الدَّجَاجِ لِعِزَّتِهِ، وَغَلَاءِ ثَمَنِهِ، فَامْتَنَعَ تَخْصِيصُ الِاسْمِ بِالْعُرْفِ، لِأَنَّ الْعُرْفَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ وُجُودٍ وَعَدَمٍ، فَصَارَ مَا عَمَّ مِنَ الِاسْمِ الْمُسْتَقِرِّ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ، بِعُرْفٍ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الْبَيْضِ: إِنَّهُ يَحْنَثُ بِبَيْضِ الْعَصَافِيرِ لِاخْتِصَاصِهِ بِعُرْفٍ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ كَاللَّحْمِ وَلَا يَحْنَثُ بِبَيْضِ السَّمَكِ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِعُرْفٍ مُسْتَقِرٍّ كَالرُّؤُوسِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا خَرَجَ عَنِ الْعُرْفِ لِاسْمٍ خَاصٍّ هُوَ أَغْلَبُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فِي الْأَيْمَانِ مَحْمُولًا عَلَى خُصُوصِ الِاسْمِ دُونَ عُمُومٍ، كَلَحْمِ الْحِيتَانِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّحْمِ فِي الْعُمُومِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِياً) {النحل: 14) . لَكِنَّ اسْمَ السَّمَكِ أَخَصُّ بِهِ مِنِ اسْمِ اللَّحْمِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، اعْتِبَارًا بِخُصُوصِ الِاسْمِ دُونَ عُمُومِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ بِهِ اعْتِبَارًا بِعُمُومِ الِاسْمِ دُونَ خُصُوصِهِ، وَهَذَا الِاعْتِبَارُ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْخَاصَّ أَغْلَبُ، فَكَانَ اعْتِبَارُهُ أَوْجَبَ.
وَالثَّانِي: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمَّى الْأَرْضَ بِسَاطًا وَالشَّمْسَ سِرَاجًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ، فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَجْلِسُ فِي سِرَاجٍ فَجَلَسَ فِي الشَّمْسِ، وَلَا يَمَسُّ وَتَدًا، فَمَسَّ جَبَلًا، لَمْ يَحْنَثِ اعْتِبَارًا بِخُصُوصِ الِاسْمِ دُونَ عُمُومِهِ، وَكَذَلِكَ فِي لَحْمِ السَّمَكِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْقَرَوِيِّ إِذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ بَيْتًا، فَسَكَنَ بَيْتَ شَعْرٍ، هَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِعُرْفٍ أَوِ اسْمٍ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِعُرْفٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَجَعَلَهُ حَانِثًا بِهِ، كَالَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي أَكْلِ الْخُبْزِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِاسْمٍ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى خَيْمَةً وَفُسْطَاطًا، فَلَمْ يَجْعَلْهُ حَانِثًا بِهِ كَلَحْمِ السَّمَكِ، وَحَنِثَ الْبَدَوِيُّ بِسُكْنَى بُيُوتِ الْمَدَرِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْعُرْفِ دُونَ الِاسْمِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا قَرَّرْنَا مِنْ هَذَا الْأَصْلِ، وَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ، لِيَسْلَمَ مِنَ الْإِشْكَالِ فَإِذَا حَنِثَ فِي اللَّحْمِ بِكُلِّ لَحْمٍ مِنْ مُعْتَادٍ وَنَادِرٍ، فَقَدِ اختلف
أَصْحَابُنَا: هَلْ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْمُبَاحِ وَالْمَحْظُورِ؟ أَوْ يَكُونُ مَخْصُوصًا فِي الْمُبَاحِ دُونَ الْمَحْظُورِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمُبَاحِ وَالْمَحْظُورِ، فَيَحْنَثُ بِلَحْمِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ اعْتِبَارًا بِعُمُومِ الِاسْمِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْحَظْرِ، كَمَا يَحْنَثُ بِاللَّحْمِ الْمَغْصُوبِ، وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَاحِ دُونَ الْمَحْظُورِ، فَلَا يَحْنَثُ بِلَحْمِ مَا حَرُمَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ وَحْشٍ أَوْ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ؛ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ لَمَّا خُصَّتِ الْأَيْمَانُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، كَانَ أَوْلَى مِنْ أَنْ تُخَصَّ بِعُرْفِ الشرع؛ لأنه ألزم.
والثاني: أنه قصد باليمين أَنْ حَظَرَ عَلَى نَفْسِهِ مَا اسْتُبِيحَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَخَرَجَ الْمَحْظُورُ مِنْ قَصْدِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ.
وَأَمَّا الْمَغْصُوبُ، فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحِ، وَأَنَّهُ حَظْرُ الْمَعْنَى خَاصٌّ، فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْعُمُومِ فِي الْإِبَاحَةِ.
وَلَا فَرْقَ فِيمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِنَ اللَّحْمِ بَيْنَ أَنْ يَأْكُلَهُ مُشْوِيًّا أَوْ مَطْبُوخًا أَوْ نِيئًا وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَأَظُنُّهُ مَالِكًا: إِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ نِيئًا، حَتَّى يُطْبَخَ أَوْ يُشْوَى؛ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِي أَكْلِهِ.
وَهَذَا الِاعْتِبَارُ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الطَّبْخَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ، يُقْصَدُ بِهَا الِاسْتِطَابَةُ، فَلَمْ يَجُزِ اعْتِبَارُهَا فِي الْمُطْلَقِ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ بِهِ الْمُسْتَطَابُ الْمُسْتَلَذُّ.
وَالثَّانِي: إنَّ حَقِيقَةَ الْأَكْلِ مَا لَاكَهُ مَضْغًا بِفَمِهِ، وَازْدَرَدَهُ إِلَى جَوْفِهِ.
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي النِّيءِ، كَوُجُودِهِ في المطبوخ والمشوي.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ سَوِيقًا فَأَكَلَهُ أَوْ لَا يَأْكُلَ خُبْزًا فَمَاثَهُ فَشَرِبَهُ أَوْ لَا يَشْرَبُ شَيْئًا فَذَاقَهُ فَدَخَلَ بَطْنَهُ لَمْ يَحْنَثْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَفْعَالَ أَنْوَاعٌ كَالْأَعْيَانِ، فَإِذَا تَعَلَّقَتِ الْيَمِينُ بِنَوْعٍ مِنْ فِعْلٍ، فهي كتعلقها بنوع من يمين، فلا يحنث بغير ذلك العين، كَمَا لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ تِلْكَ الْعَيْنِ.
وَالْأَكْلُ نَوْعٌ، وَالشُّرْبُ نَوْعٌ، وَالذَّوْقُ نَوْعٌ، وَالطَّعْمُ نَوْعٌ، وَلِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ صِفَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ.
وَإِنْ جَازَ أَنْ يَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ هذا السويق،
فشربه أن يَمْزُجَهُ بِالْمَاءِ، وَيَشْرَبَهُ كَشُرْبِهِ الْمَاءَ، فَإِنْ شَرِبَهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ حَنِثَ.
وَإِنْ بَلَّهُ حَتَّى اجْتَمَعَ وَأَكَلَهُ مَضْغًا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ آكِلٌ وليس بشارب، ولم اسْتَفَّهُ سَفًّا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَارِبٍ وَلَا آكِلٍ وَإِنْ حَلَفَ لَا آكُلُ هَذَا الْخُبْزَ، فَأَكَلَهُ أَنْ يَمْضُغَهُ بِفَمِهِ، وَيَزْدَرِدَهُ إِلَى جَوْفِهِ، فَإِنْ أَكَلَهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ حَنِثَ، وَإِنْ رَضَّهُ، وَمَزَجَهُ بِالْمَاءِ وَشَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ شَارِبٌ، وَلَيْسَ بِآكِلٍ.
وَلَوِ ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآكِلٍ، وَلَا شَارِبٍ، وَلَا يَحْنَثُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَّا بِمَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ، فَإِنْ حَلَفَ لَا ذَاقَ هَذَا الطَّعَامَ، فَالذَّوْقُ أَنْ يَعْرِفَ طَعْمَهُ بِفَمِهِ.
وَهَلْ يَحْتَاجُ مَعَ مَعْرِفَةِ طَعْمِهِ بِفَمِهِ إِلَى وُصُولِ يَسِيرٍ مِنْهُ إِلَى جَوْفِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ لَا يَكْمُلُ الذَّوْقُ إِلَّا بِوُصُولِ يَسِيرٍ مِنْهُ إِلَى جَوْفِهِ، لِيَمُرَّ فِي الْحَلْقِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
فَإِنْ لَمْ يَصِلْ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَى الْجَوْفِ لَمْ يَكُنْ ذَائِقًا، وَلَا حَانِثًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ إنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إِلَّا مَعْرِفَةُ الطَّعْمِ دُونَ الْوُصُولِ إِلَى الْجَوْفِ، لِمُفَارَقَتِهِ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْمُخْتَصَّانِ بِالْوُصُولِ إِلَى الْجَوْفِ.
فَإِنْ أَكَلَ هَذَا الذَّائِقُ أَوْ شَرِبَ حَنِثَ، لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَ وَزَادَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُ هَذَا الطَّعَامَ، فَالتَّطَعُّمُ مَعْرِفَةُ طَعْمِهِ بِلِسَانِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِوُصُولِ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى جَوْفِهِ، فَإِذَا عَرَفَ طَعْمَهُ حَنِثَ، فَإِنْ ذَاقَهُ أَوْ أَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ حَنِثَ، لِأَنَّهُ قَدْ تَطَعَّمَ وَزَادَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا أَطْعَمُ هَذَا الطَّعَامَ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِذَوْقِهِ وَطَعْمِهِ، لِفَرْقِ مَا بَيْنَ الطَّعْمِ وَالتَّطَعُّمِ، لِأَنَّ الطَّعْمَ مَا صَارَ طَعَامًا لَهُ، وَالتَّطَعُّمَ مَا عُرِفَ طَعْمُهُ.
فَلَوْ أَوْجَرَ الطَّعَامَ بِقَمْعٍ فِي حَلْقِهِ، وَلَمْ يَدْنُ فِي لَهَوَاتِ فَمِهِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالذَّوْقِ وَالتَّطَعُّمِ لَمْ يَحْنَثْ لِعَدَمِ شُرُوطِهَا فِي الوجود كُلِّهَا.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَنْ لَا يَطْعَمَ حَنِثَ، لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ، فَصَارَ طعاماً له.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ أَوْ بِالْعَصِيدَةِ أَوْ بِالسَّوِيقِ حَنِثَ لِأَنَّ السَّمْنَ لَا يَكُونُ مَأْكُولًا إِلَّا بِغَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَامِدًا فَيَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْكُلَهُ جَامِدًا مُفْرَدًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا السَّمْنُ، فَلَهُ حَالَتَانِ: جامد وذائب.
فَإِذَا حَلَفَ لَا آكُلُ سَمْنًا، فَلَهُ فِي أكله حالتان:
أحدهما: أَنْ يَأْكُلَهُ مُنْفَرِدًا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْكُلَهُ مَعَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ أَكَلَهُ مُنْفَرِدًا، وَكَانَ جَامِدًا حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لِلْجَامِدِ آكِلًا، وَلِلذَّائِبِ شَارِبًا.
وَإِنْ أَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ خُبْزٍ أَوْ سَوِيقٍ أَوْ فِي عَصِيدَةٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حِنْثِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ إنَّهُ لَا يَحْنَثُ إِذَا خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ جَامِدًا أَوْ ذَائِبًا، وَلَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَكْلِ إِلَّا بِانْفِرَادِهِ، وَأَجْرَاهُ مَجْرَى قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، فَاشْتَرَى زَيْدٌ وَعَمْرٌو طَعَامًا، فَأَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إنَّهُ إِنْ كَانَ جَامِدًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا حَنِثَ بِأَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَكْلِ الْجَامِدِ مُنْفَرِدًا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْلِ الذَّائِبِ إِلَّا مَعَ غَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ ظَاهِرًا فِيهِ، كَمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، سَوَاءٌ كَانَ جَامِدًا أَوْ ذَائِبًا، لِأَنَّ اخْتِلَاطَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْحِنْثِ بِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا، فَكَلَّمَ جَمَاعَةً هُوَ فِيهِمْ حَنِثَ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا آكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، فَاشْتَرَى زَيْدٌ طَعَامًا، وَاشْتَرَى عَمْرٌو طَعَامًا، فَخَلْطَهُمَا وَأَكَلَهُمَا، حَنِثَ كَذَلِكَ السَّمْنُ إِذَا خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ حَنِثَ بِأَكْلِهِمَا.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّفْرِيعُ، فَإِذَا أَكَلَ السَّمْنَ مَعَ غَيْرِهِ، فَجَعَلَهُ عَصِيدًا، أَوْ بَلَّ فِيهِ خُبْزًا أَوْ لَتَّ فِيهِ سَوِيقًا، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ طَعْمُهُ إِذَا أُكِلَ أَوْ يَظْهَرُ فِيهِ بَيَاضُ لَوْنِهِ إِذَا ثُرِدَ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ لِظُهُورِ صِفَتَيِ السَّمْنِ مِنْ طَعْمٍ وَلَوْنٍ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَظْهَرَ فِيهِ طَعْمُهُ إِذَا أُكِلَ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ لَوْنُهُ إِذَا ثُرِدَ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، لِأَنَّ السَّمْنَ قَدْ صَارَ بِعَدَمِ الصِّفَتَيْنِ مُسْتَهْلَكًا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ طَعْمُهُ إِذَا أُكِلَ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ لَوْنُهُ إِذَا يرد، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، لِأَنَّ يَمِينَهُ مُسْتَهْلَكَةٌ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِطَعْمِهِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ لَوْنُهُ إِذَا ثُرِدَ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ إِذَا أُكِلَ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، لِبَقَاءِ عَيْنِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فَقْدُ طَعْمِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عَسَلًا وَلَا دبساً، كان كالسمن، لأنها يَجْمُدَانِ تَارَةً، وَيَذُوبَانِ أُخْرَى، وَيُؤْكَلَانِ مُنْفَرِدَيْنِ وَمُخْتَلِطَيْنِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْجَوَابِ.
فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خَلًّا، فَالْخَلُّ ذَائِبٌ، وقل أن يجمد.
وَإِنْ أَكَلَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ خُبْزٍ أَوْ فِي سكباجٍ فَإِنْ صَارَ مُسْتَهْلِكًا فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِيهِ حَنِثَ.
وَكَذَلِكَ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكْلَهُ بِغَيْرِهِ أَوْ طَبَخَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنًا فَخَلَطَهُ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مَا خَلَطَهُ بِهِ جَامِدًا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ آكِلًا، وَلَا يَكُونُ شَارِبًا، وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَائِعٍ، فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ أَغْلَبَ، لِظُهُورِ لَوْنِهِ وَطَعْمِهِ حنث بشربه، وإن كان مغلوباً لخفاء ولونه وطعمه لم يحنث.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ فَوَقَعَتْ فِي تمرٍ فَإِنْ أَكَلَهُ إِلَّا تَمْرَةً أَوْ هَلَكَتْ مِنْهُ تَمْرَةٌ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ أَكَلَهَا وَالْوَرَعُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فَأَكَلَهَا إِلَّا نَوَاهَا وَقَمَعَهَا حَنِثَ، لِأَنَّهُ أَكَلَ مَأْكُولَهَا، وَأَلْقَى غَيْرَ مَأْكُولِهَا، فَانْصَرَفَتِ الْيَمِينُ فِي الْأَكْلِ إِلَى الْمَأْكُولِ مِنْهَا، وَلَمْ تَنْصَرِفْ إِلَى غَيْرِ الْمَأْكُولِ.
وَلَوْ أَكَلَهَا إِلَّا يَسِيرًا مِنْهَا كَنُقْرَةِ طَائِرٍ لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ.
وَهَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ، فَأَكَلَهُ إِلَّا لُقْمَةً مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ إِذَا أَكَلَ أَكْثَرَهُ، اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ.
وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ إِذَا لَمْ يَكْمُلِ ارْتَفَعَ بِهِ الْحِنْثُ فِي الْحَالَيْنِ.
فَأَمَّا إِذَا وَقَعَتِ التَّمْرَةُ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا يَأْكُلَهَا فِي تَمْرٍ اخْتَلَطَتْ بِهِ، فَإِنْ أَكَلَ جَمِيعَ التَّمْرِ حَنِثَ، لِإِحَاطَةِ عِلْمِنَا بِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَهَا مَعَ غَيْرِهَا.
وَقَدْ وَافَقَ عَلَى هَذَا أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَإِنْ خَالَفَ فِي السَّمْنِ، وَهُوَ حُجَّةٌ تُعِيدُهُ إِلَى الْوِفَاقِ.
وَإِنْ أَكَلَ جَمِيعَ التَّمْرِ إِلَّا تَمْرَةً، أَوْ هَلَكَ مِنْ جَمِيعِ التَّمْرِ تَمْرَةٌ، لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ قد أكل تلك التمرة، فيحنث.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا الْبَاقِيَةُ الَّتِي لَمْ يَأْكُلْهَا، فَلَا يَحْنَثُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشُكَّ، هَلْ أَكَلَهَا أَوْ لَمْ يَأْكُلْهَا، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا هِيَ الْبَاقِيَةُ، أَوِ الْهَالِكَةُ، فَصَارَ الْحِنْثُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَالْحِنْثُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، وَمُسْتَحَبٌّ لَهُ فِي الْوَرَعِ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ احْتِيَاطًا اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا فِي الْمَأْكُولِ، مَعَ تَجْوِيزِ بَقَائِهَا فِي الْعَادَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا عَلَّقْتُمْ حُكْمَ الْوُجُوبِ بِالْغَالِبِ مِنْ حَالِ هَذَا، فَحَكَمْتُمْ بِحِنْثِهِ، كَمَا حَكَمْتُمْ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، فَجَمَعَ مِائَةَ شِمْرَاخٍ، وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً، وَشَكَّ فِي وُصُولِ جَمِيعِهَا إِلَى جَسَدِهِ أَنَّهُ يَبِرُّ تَغْلِيبًا لِلظَّاهِرِ فِي وُصُولِ جَمِيعِهَا إِلَى جَسَدِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصِلُ لَطَائِفُهَا.
قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَعْدُودَ فِي الضَّرْبِ مَفعول، وَالْوُقُوعَ فِي الْمَحَلِّ مَعْلُومٌ، وَالْحَائِلَ دُونَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، يُعْمَلُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَمْ يُؤْخَذْ بِالشَّكِّ، وَخَالَفَ التَّمْرَةُ، لِأَنَّ فِعْلَ الْأَكْلِ فِيهَا غير معلوم، وهو المختص بالشك، فاطرح.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَإِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذِهِ الْحِنْطَةَ فَطَحَنَهَا أَوْ خَبَزَهَا أَوْ قَلَاهَا فَجَعَلَهَا سَوِيقًا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ قمحٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو يَمِينُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً مِنْ أَمْرَيْنِ: إِبْهَامٌ أَوْ تَعْيِينٌ.
فَإِنْ أَبْهَمَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ حِنْطَةً، أَوْ لَا أَكَلْتُ الْحِنْطَةَ، فَهُمَا سَوَاءٌ، وَيَحْنَثُ بِأَنْ يَأْكُلَهَا حَبًّا صَحِيحًا، وَلَا يَحْنَثَ أَنْ يَأْكُلَهَا خُبْزًا أَوْ دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِذَا أَبْهَمَ صَارَتِ الْيَمِينُ مَعْقُودَةً عَلَى الِاسْمِ دُونَ الْعَيْنِ، فَيَحْنَثُ بِمَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَا زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ الِاسْمُ، وَقَدْ زَالَ اسْمُ الْحِنْطَةِ عَنْهَا بَعْدَ طَحْنِهَا وَخَبْزِهَا.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ حَلَفَ لَا كَلَّمَ صَبِيًّا، فَكَلَّمَ رَجُلًا أَوْ لَا أَكَلَ رُطَبًا، فَأَكَلَ تَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ؟ وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ كَانَ صَبِيًّا، وَالتَّمْرَ قَدْ كَانَ رُطَبًا، لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ فِي الْإِبْهَامِ عَلَى الِاسْمِ دُونَ الْعَيْنِ.
وَإِنْ عَيَّنَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ، تَعَيَّنَتِ الْحِنْطَةُ فِي يَمِينِهِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ غَيْرِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي بَقَاءِ الِاسْمِ عَلَيْهَا، هَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي عَقْدِ الْيَمِينِ، لَا يقع الحنث إلا مع بقائه؟
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ بَقَاءَ الِاسْمِ شَرْطٌ فِي الْحِنْثِ، فَإِنْ قَضَمَهَا حَبًّا حَنِثَ، لِبَقَاءِ اسْمِ الْحِنْطَةِ عَلَيْهَا، وَإِنْ طَحَنَهَا، فَأَكَلَهَا خُبْزًا أَوْ دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا لَمْ يَحْنَثْ، لِزَوَالِ اسْمِ الْحِنْطَةِ عَنْهَا.
فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَجَرَى عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَصَارَتْ طَرِيقًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، لِزَوَالِ اسْمِ الدَّارِ عَنْهَا بَعْدَ الْهَدْمِ، كَزَوَالِ اسْمِ الْحِنْطَةِ عَنْهَا بَعْدَ الطَّحْنِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَنَاقَضَ مَذْهَبَهُ فِي الدَّارِ، فَجَعَلَهُ حَانِثًا بَعْدَ الْهَدْمِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَانِثًا فِي الطَّعَامِ بَعْدَ الطَّحْنِ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِي زَوَالِ الِاسْمِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ الْيَمِينَ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْعَيْنِ دُونَ الِاسْمِ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا خُبْزًا وَدَقِيقًا وَسَوِيقًا، كَمَا يَحْنَثُ بِقَضْمِهَا حَبًّا صَحِيحًا، احْتِجَاجًا بِأَنَّ الِاسْمَ مَوْضُوعٌ لِتَعْرِيفِ الْيَمِينِ.
فَإِذَا عُرِفَتْ بِالتَّعْيِينِ سَقَطَ حُكْمُ الِاسْمِ اسْتِشْهَادًا بِمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا آكُلُ مِنْ هَذَا الْجَمَلِ، فَذَبَحَهُ وَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الذَّبْحِ جَمَلًا، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْمُسْتَفَادَ بِالتَّعْيِينِ هُوَ نَقْلُ الْحُكْمِ مِنْ عُمُومِ الْمُبْهَمِ إِلَى خُصُوصِ الْعَيْنِ، فَإِذَا كَانَ الِاسْمُ مُعْتَبَرًا فِي الْمُبْهَمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الْمُعَيَّنِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْعَقْدَ اشْتَمَلَ عَلَى تَسْمِيَةٍ وَتَعْيِينٍ، فَلَمَّا كَانَ بَقَاءُ الْعَيْنِ شَرْطًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ الِاسْمِ شَرْطًا.
فَأَمَّا الْجَمَلُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحِنْطَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَكْلُ الْجَمَلِ حَيًّا، وَيُمْكِنُ أَكْلُ الْحِنْطَةِ حَبًّا.
وَالثَّانِي: إنَّ الشَّيْءَ مَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْجَمَلَ حَيًّا، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَكْلِ الْحِنْطَةِ حَبًّا.
فَلِهَذَيْنِ مَا افْتَرَقَا فِي بَقَاءِ الِاسْمِ وَزَوَالِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا حَلَفَ لَا أَكَلْتُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ، فَاسْتَفَّهُ حَنِثَ، وَإِنْ خَبَزَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنِ اسْتَفَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ خَبَزَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ حَنِثَ، فَكَانَ مَذْهَبُهُ فِيهِ عَكْسَ مَذْهَبِنَا، احْتِجَاجًا بِعُرْفِ الدَّقِيقِ، أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا مَخْبُوزًا كَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ إِلَّا مَذْبُوحًا، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْعُرْفِ فِيهِ مَشْرُوطًا، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ فِي الْحِنْطَةِ بَقَاءُ الِاسْمِ دُونَ الْعُرْفِ وِفَاقًا، وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ مِثْلُهُ فِي الدَّقِيقِ حِجَاجًا.
وَالثَّانِي: إنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَتْ فِيهِ الصِّفَةُ كَانَ اعْتِبَارُ صِفَتِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ صِفَةٍ تَحْدُثُ مِنْ بَعْدِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا حَلَفَ لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ لَا آكُلُ هَذَا الْجَدْيَ، فَصَارَ تَيْسًا، أَوْ لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ، فَصَارَ شَيْخًا، فَفِي الْحِنْثِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَحْنَثُ، لِانْتِقَالِهِ عَنْ صِفَتِهِ كَالطَّعَامِ إِذَا طُحِنَ وَالدَّقِيقِ إِذَا خُبِزَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْنَثُ، وَفَرَّقَ قَائِلُهُ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ طَحْنِ الطَّعَامِ وَخَبْزِ الدَّقِيقَ، بِأَنَّ انْتِقَالَ هَذَا عَنْ حاله حادث من ذَاتِهِ، فَصَارَ بَعْدَ الِانْتِقَالِ مَنْسُوبًا إِلَى أَصْلِهِ.
وَانْتِقَالُ الطَّعَامِ بِالطَّحْنِ وَالدَّقِيقِ بِالْخُبْزِ حَادِثٌ عَنْ صَنْعَةِ فاعلٍ، فَصَارَ بِالِانْتِقَالِ مَنْسُوبًا إِلَى فَاعِلِهِ دُونَ أَصْلِهِ.
وَتَعْلِيلُ هَذَا الْفَرْقِ مَعْلُولٌ بِمَنْ حلف لا يأكله حِنْطَةً، فَصَارَتْ زَرْعًا، وَلَا يَأْكُلُ بَيْضَةً، فَصَارَتْ فَرْخًا، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِوِفَاقٍ وَإِنْ كَانَ انْتِقَالَ ذَاتٍ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ هَذَا الْعَصِيرَ، فَصَارَ خَمْرًا، أَوْ لَا يَشْرَبُ هَذَا الْخَمْرَ، فَصَارَ خَلًّا لَمْ يَحْنَثْ بِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِزَوَالِ الِاسْمِ زَوَالُ الْحُكْمِ، فَزَالَ عَنْ حَالِهِ عُرْفًا وَشَرْعًا، فَانْتَفَى عَنْهُ الْحِنْثُ بِانْتِفَاءِ الِاسْمِ وَالْحُكْمِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الْغَزْلَ، فَنَسَجَهُ ثَوْبًا حَنِثَ بِلُبْسِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْغَزْلَ لَمَّا كَانَ لَا يُلْبَسُ إِلَّا مَنْسُوجًا صَارَ مُضْمَرًا فِي الْيَمِينِ، وَالْمُضْمَرُ فِي الْأَيْمَانِ، كَالْمُظْهَرِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الْحَيَوَانَ حَنِثَ بِأَكْلِهِ مَذْبُوحًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَكْلِهِ حَيَوَانًا، لِأَنَّهَا صِفَةٌ مُضْمَرَةٌ، فَجَرَى عَلَيْهَا حُكْمُ الْمُظْهَرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَشَمُّ الْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ، أَوْ لَا يَشَمُّ الْوَرْدَ، فَشَمَّ دُهْنَ الْوَرْدِ أَوْ شَمَّ مَاءَ الْوَرْدِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ بِدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ، وَلَا يَحْنَثُ بِدُهْنِ الْوَرْدِ، وَمَاءِ الْوَرْدِ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِعُرْفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ دُهْنَ الْبَنَفْسَجَ بَنَفْسَجًا، وَلَا يُسَمُّونَ دُهْنَ الْوَرْدِ وَرْدًا، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهَا تَسْمِيَةُ مَجَازٍ، فَكَانَ اعْتِبَارُهَا بِالْحَقِيقَةِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: إنَّ اسْمَ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ مُنْطَلِقٌ عَلَى جِسْمٍ وَرَائِحَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَلَّقَ
حُكْمُهَا بِالرَّائِحَةِ، وَهِيَ فَرْعٌ مَعَ عَدَمِ الْجِسْمِ، وَهُوَ أَصْلٌ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ شَمَّ الْبَنَفْسَجَ بَعْدَ انْتِقَالِ رَائِحَتِهِ إِلَى الدُّهْنِ حَنِثَ بِهِ عِنْدَنَا، وَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَا يَعْدَمُ بَقَايَا رَائِحَتِهِ مِنْ بَقَايَا شَمِّهِ.
وَلَوْ شَمَّ عُصَارَةَ الْوَرْدِ بَعْدَ اسْتِخْرَاجِ مَائِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ، لِأَنَّ اسْمَ الْوَرْدِ قَدْ زَالَ عَنْهُ، وَمَاؤُهُ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ، فَخَالَفَ بِهَذَيْنِ حَالَ الْبَنَفْسَجِ بَعْدَ التَّرْبِيَةِ، وَكَانَ وَرَقُ الْوَرْدِ بَعْدَ التَّرْبِيَةِ كَالْبَنَفْسَجِ بَعْدَ التَّرْبِيَةِ فِي وُقُوعِ الْحِنْثِ بِهِمَا، مَا كَانَتْ رُطُوبَتُهُمَا بَاقِيَةً.
فَإِنْ يَبِسَا كَانَ فِي الْحِنْثِ بِهِمَا بَعْدِ يُبْسِهِمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ تَمْرًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْنَثُ لِبَقَاءِ اسْمِهِ وَجِسْمِهِ.
وَخَالَفَ أَكْلُ التَّمْرِ عَنِ الرُّطَبِ، لِزَوَالِ اسْمِ الرُّطَبِ عَنْهُ، وَبَقَاءِ اسْمِ الْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ عَلَى مَا يَبِسَ مِنْهُ.
وَلِتَعْلِيلِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ:
كَانَ مَنْ حَنِثَ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ، فَأَكَلَهُ تَمْرًا عَلَى وَجْهَيْنِ:
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَشَمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَمَرَّ بِهِمَا فِي السُّوقِ، فَشَمَّ رَائِحَتَهُمَا، فَإِنْ حَمَلَ النَّسِيمُ الرَّائِحَةَ حَتَّى شَمَّهَا لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنِ اجْتَذَبَ الرَّائِحَةَ بِخَيَاشِيمِهِ حَتَّى شَمَّهَا حَنِثَ، لِأَنَّ شَمَّهَا بِهُبُوبِ النَّسِيمِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَشَمَّهَا بِاجْتِذَابِ خَيَاشِيمِهِ مِنْ فِعْلِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ مَرَّ الْمُحْرِمُ بِسُوقِ الْعَطَّارِينَ، فَشَمَّ رَائِحَةَ الطِّيبِ لَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ فِي الْحَالَيْنِ؟ فَهَلَّا كَانَ الْحَالِفُ كَذَلِكَ.
قِيلَ: لِأَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَ الْمُحْرِمَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ، دُونَ الرَّائِحَةِ، وَالْيَمِينُ مَنَعَتْ هَذَا مِنْ شَمِّ الرَّائِحَةِ، فَافْتَرَقَا وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا وَلَا شَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اللَّحْمُ وَالشَّحْمُ، فَيَجْتَمِعَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا وجه اجْتِمَاعِهِمَا:
فَأَحَدُهُمَا: إنَّ الْحَيَوَانَ الْوَاحِدَ يَجْمَعُهُمَا فِي التَّزْكِيَةِ وَالِاسْتِبَاحَةِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الشَّحْمَ حَادِثٌ عَنِ اللَّحْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّحْمُ حَادِثًا عَنِ الشَّحْمِ، فَالشَّحْمُ مَا حَوْلَهُ اللَّحْمُ، وَاللَّحْمُ مَا تركب على العظم.
وأما وجه افْتِرَاقِهِمَا، فَأَحَدُهُمَا فِي الِاسْمِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَالثَّانِي: فِي صِفَتِهِ مِنْ لَوْنٍ وَطَعْمٍ حَتَّى مَاءُ اللَّحْمِ أَحْمَرُ كَثِيفُ الْجِسْمِ ذُو طَعْمِ، وَالشَّحْمُ أَبْيَضُ رَخْوُ الْجِسْمِ ذُو طَعْمٍ آخَرَ، فَيُحْمَلَانِ فِي الْأَيْمَانِ عَلَى حُكْمِ الِافْتِرَاقِ.
فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الشَّحْمِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ اللَّحْمِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَحْسَبُهُ مَالِكًا: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ حَنِثَ بِأَكْلِ الشَّحْمِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ اللَّحْمِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي اسْمِ اللَّحْمِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي اسْمِ الشَّحْمِ، فَافْتَرَقَا، احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ اللَّهَ أَطْلَقَ اسْمَ الشَّحْمِ عَلَى اللَّحْمِ فِي قَوْلِهِ: {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) {الأنعام: 145) وَلَمْ يُطْلِقِ اسْمَ الشَّحْمِ عَلَى اللَّحْمِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الشَّحْمَ فَرْعُ اللَّحْمِ، لِحُدُوثِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ اللَّحْمُ فَرْعًا لِلشَّحْمِ، لِحُدُوثِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، يَبْطُلُ بِهِمَا اسْتِدْلَالُهُ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ افْتِرَاقَهُمَا فِي الِاسْمِ لَا يُوجِبُ افْتِرَاقَهُمَا فِي الْحُكْمِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الِاسْمَ إِذَا كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ.
فَأَمَّا الْآيَةُ، فَلِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ تُحْمَلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالْمَعَانِي، وَالْأَيْمَانُ تُحْمَلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ دُونَ الْمَعَانِي.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَالِفَ بِأَحَدِهِمَا لَا يَحْنَثُ بِالْآخَرِ وَجَبَ أَنْ يُمَيَّزَ اللَّحْمُ الَّذِي يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّحْمِ الَّذِي لَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا اللَّحْمُ فَهُوَ جَمِيعُ مَا اخْتَصَّ بِكَوْنِهِ فِي بَدَنِ الْحَيَوَانِ مُرَكَّبٌ عَلَى عَظْمِهِ، وَتَغَطَّى بِجِلْدِهِ، فَهُوَ لَحْمٌ يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مُقَدَّمِ الْبَدَنِ أَوْ مِنْ مُؤَخَّرِهِ أَوْ جَنْبِهِ أَوْ ظَهْرِهِ.
وَالْبَيَاضُ الَّذِي عَلَى الْجَنْبِ وَالظَّهْرِ وَالزَّوْرِ لَمْ يَحْنَثَ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هُوَ شحمٌ يَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، وَقَالَ بن شَاذٌّ مِنْ أَصْحَابِنَا اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) {الأنعام: 106) فَدَلَّ عَلَى دُخُولِهِ فِي الِاسْمِ، وَاسْتِثْنَائِهِ فِي الْحُكْمِ، وَلِأَنَّهُ بِصِفَةِ الشَّحْمِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِصِفَةِ اللَّحْمِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ اللَّحْمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهُ مِنْ حُكْمِ الشَّحْمِ، فَدَلَّ عَلَى
دُخُولِهِ فِي حُكْمِ اللَّحْمِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُفْرَدُ عَنِ اللَّحْمِ، وَإِنْ أُفْرِدَ عَنْهُ الشَّحْمُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَحْمٌ، وَلَيْسَ شَحْمٌ، لِأَنَّهُ فِي صَلَابَةِ اللَّحْمِ وَكَثَافَتِهِ وَمَا بَيْنَ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ، وَإِذَا وُصِفَ قِيلَ: لَحْمٌ سَمِينٌ، فَكَانَ بِاللَّحْمِ أَخَصَّ بِهِ مِنَ الشَّحْمِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْأَلْيَةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أحدهما: إنَّهَا مِنَ الشَّحْمِ لِتَمَيُّزِهَا مِنَ اللَّحْمِ، فَيَحْنَثُ بِهَا فِي الشَّحْمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهَا فِي اللَّحْمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّهَا مِنَ اللَّحْمِ، لِاتِّصَالِهَا بِالْعَظْمِ، فَيَحْنَثُ بِهَا فِي اللَّحْمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهَا فِي الشَّحْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ اللَّحْمِ وَلَا مِنَ الشَّحْمِ لِلتَّعْلِيلَيْنِ: فَلَا يَحْنَثُ بِهَا فِي الشَّحْمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهَا فِي اللَّحْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا لَحْمُ الْخَدَّيْنِ مِنَ الرَّأْسِ ولحم اللسان، فينطلق عليه اسم اللَّحْم.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، هَلْ يَدْخُلُ فِي حِنْثِ الْحَالِفِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَدْخُلُ فِي حُكْمِ اللَّحْمِ، وَيَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، لِانْطِلَاقِ اسْمِ اللَّحْمِ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ، وَإِنْ دَخَلَ فِي اسْمِهِ فَلَا يَحْنَثَ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ الْمُطْلَقِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ الْمُضَافِ، فَيُقَالُ: لَحْمُ الرَّأْسِ، وَلَحْمُ اللِّسَانِ، وَلَا يُقَالُ لَحْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْكَبِدُ وَالْفُؤَادُ وَالطِّحَالُ، فَلَيْسَ بِلَحْمٍ فِي الِاسْمِ، وَلَا فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَحْنَثَ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ فِي حُكْمِ اللَّحْمِ، وَيَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لحماً، استدلالاً بأمرين:
إنَّهُ يُبَاعُ مَعَهُ فِي الْعُرْفِ، فَدَخَلَ مَعَهُ فِي الْحُكْمِ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ يُؤْكَلُ عَلَى صِفَةِ اللَّحْمِ مَطْبُوخًا وَمَشْوِيًّا مُنْفَرِدًا عَنْهُ وَمُمْتَزِجًا بِهِ، فَكَانَ عَلَى حُكْمِهِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا خَالَفَ اللَّحْمَ فِي اسْمِهِ وَجَبَ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي حُكْمِهِ، كَالرِّئَةِ وَالْكَرِشِ، وَبِهِ يَبْطُلُ مَا احْتَجَّ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِ اللَّحْمِ، فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: " أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَالْمَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ " فَهَذَا مَا تَعَلَّقَ بِاللَّحْمِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الشَّحْمُ، فَهُوَ شَحْمُ الْكَرِشِ وَالْكُلَى، فَيَحْتَوِي عَلَيْهِ اللَّحْمُ، وَلَا يَتَّصِلُ بِالْعَظْمِ فَيَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا.
فَأَمَّا الشَّحْمُ الَّذِي يَتَخَلَّلُ اللَّحْمَ، فَهُوَ مُلْحَقٌ بِاللَّحْمِ دُونَ الشَّحْمِ، لِأَنَّهُ مِنْ سِمَنِ اللَّحْمِ، فَكَانَ فِي حُكْمِهِ، فَيَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا.
وَأَمَّا شَحْمُ الْعَيْنَيْنِ، فَيَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّحْمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَلَحْمِ الرَّأْسِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ.
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: يَحْنَثُ بِهِ لِانْطِلَاقِ اسْمِ الشَّحْمِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ إِلَّا بِقَرِينِهِ، فَيُقَالُ: شَحْمُ الْعَيْنِ، وَلَا يُقَالُ شَحْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَأَمَّا الدِّمَاغُ فَلَيْسَ بِلَحْمٍ وَلَا شَحْمٍ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَلَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: " أَوْ رُطَبًا فَأَكَلَ تَمْرًا أَوْ تَمْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا انْتَقَلَتْ أَسْمَاءُ الْجِنْسِ بِانْتِقَالِ أَحْوَالِهِ خَرَجَتْ مِنْ أَحْكَامِ أَيْمَانِهِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ تَمْرًا أَوْ بُسْرًا، وَلَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الرُّطَبُ بُسْرًا.
وَيَصِيرُ تَمْرًا لِمَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مُفَارَقَتُهُ لَهُمَا فِي الِاسْمِ.
وَالثَّانِي: مُفَارَقَتُهُ لَهُمَا فِي الصِّفَةِ.
وَهَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا، فأكل رطباً أو بسراً لم يحنث للمعينين.
وَهَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا، فَأَكَلَ طَلَعَا أَوْ رُطَبًا أَوْ تَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ لِلْمَعْنَيَيْنِ.
وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّطَبَ أَوْ لَا يَأْكُلُ الْبُسْرَ، فَأَكَلَ مُنَاصَفَةً بَعْضَهَا رطباً وبعضها بسر، فَإِنْ أَكَلَ الْبُسْرَ مِنْهَا حَنِثَ بِهِ فِي الْبُسْرِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ فِي الرُّطَبِ.
وَإِنْ أَكَلَ الرُّطَبَ مِنْهَا حَنِثَ بِهِ فِي الرُّطَبِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ فِي الْبُسْرِ.
وَإِنْ أَكَلَ جَمِيعَهَا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ إنَّهُ يَحْنَثُ بِهَا فِي الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، لِمَا فِيهَا مِنْ بُسْرٍ وَرُطَبٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهَا فِي الْبُسْرِ وَلَا فِي الرُّطَبِ، لِخُرُوجِهَا فِي الْإِطْلَاقِ مِنِ اسْمِ الْبُسْرِ وَاسْمِ الرُّطَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ إنَّهُ إِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا بُسْرًا حَنِثَ بِهَا فِي الْبُسْرِ وَلَمْ يَحْنَثْ بِهَا فِي الرُّطَبِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا رُطَبًا حَنِثَ بِهَا فِي الرُّطَبِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِهَا فِي الْبُسْرِ، اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ.
وَهَكَذَا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عِنَبًا، فَأَكَلَ زَبِيبًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زَبِيبًا، فَأَكَلَ عِنَبًا لَمْ يَحْنَثْ.
لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ.
فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خَوْخًا، فَأَكَلَهُ يَابِسًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ مِشْمِشًا، فَأَكَلَهُ يَابِسًا فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ، لِزَوَالِ الصِّفَةِ كَالتَّمْرِ مَعَ الرُّطَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَحْنَثُ، لِبَقَاءِ الِاسْمِ بِخِلَافِ الرُّطَبِ الَّذِي يَزُولُ عَنْهُ الاسم.
والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " أَوْ زُبْدًا فَأَكَلَ لَبَنًا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْهَا غَيْرُ صَاحِبِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا وَلَا يَشْرَبُ اللَّبَنَ حَنِثَ بِكُلِّ لَبَنٍ مُبَاحٍ مِنْ مَعْهُودٍ وَغَيْرِ مَعْهُودٍ، فَالْمَعْهُودُ أَلْبَانُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَغَيْرُ الْمَعْهُودِ: لَبَنُ الصَّيْدِ.
وَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ إنَّهُ يَحْنَثُ بِالْمَعْهُودِ مِنْ أَلْبَانِ النَّعَمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْمَعْهُودِ مِنْ أَلْبَانِ الصَّيْدِ، كَمَا قَالَه فِي الْبَيْضِ.
فَأَمَّا أَلْبَانُ الْخَيْلِ، فَهِيَ مَعْهُودَةٌ فِي بِلَادِ التُّرْكِ.
وَغَيْرُ مَعْهُودَةٍ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا أَلْبَانُ الْآدَمِيَّاتِ، فَمَعْهُودَةٌ فِي الصِّغَارِ، وَغَيْرُ مَعْهُودَةٍ فِي الْكِبَارِ.
وَفِي حِنْثِهِ بِالْأَلْبَانِ الْمُحَرَّمَةِ، كَأَلْبَانِ الْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ وَجْهَانِ، كَمَا قُلْنَا فِي حِنْثِهِ بِاللُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ اعْتِبَارًا بِالِاسْمِ.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ اعْتِبَارًا بِالشَّرْعِ.
وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زُبْدًا، فَالزُّبْدُ الْمَعْهُودُ يَكُونُ مِنْ لَبَنِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَلَيْسَ لِأَلْبَانِ الْإِبِلِ زُبْدٌ، فَيَحْنَثُ بِزُبْدِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
وَإِنْ كَانَ لِأَلْبَانِ شَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ زُبْدٌ، فَهُوَ نَادِرٌ غَيْرُ مَعْهُودٍ، فَيَحْنَثُ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اعْتِبَارًا بِالِاسْمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ.
وَلَوْ حَلَفَ بِأَكْلِ اللَّبَاءِ، فَهُوَ أَوَّلُ لَبَنٍ يَحْدُثُ بِالْوِلَادَةِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ بِالْحَمْلِ إِذَا وَافَقَ وَقْتَ الْوِلَادَةِ وَحَلَبَ بَعْدَهَا، وَفِي حِنْثِهِ بِمَا حَلَبَ قَبْلَهَا وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْوِلَادَةِ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ، هَلْ يَكُونُ نِفَاسًا عَلَى وَجْهَيْنِ:
إِنْ قِيلَ: يَكُونُ نِفَاسًا، كَانَ هَذَا اللَّبَنُ لِبَاءً وَإِنْ قِيلَ لَا يَكُونُ نِفَاسًا، لَمْ يَكُنْ هَذَا اللَّبَنُ لِبَاءً، وَغَالِبُ اللِّبَاءِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ ثَلَاثُ حَلَبَاتٍ، وَرُبَّمَا زَادَ وَنَقَصَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْحَيَوَانِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ.
وَصِفَتُهُ مَا خَالَفَ اللَّبَنَ فِي لَوْنِهِ وَقِوَامِهِ، فَإِنَّ لَوْنَ اللِّبَاءِ يَمِيلُ إِلَى الصُّفْرَةِ، وَهُوَ أَثْخَنُ مِنَ اللَّبَنِ، وَهُوَ عِنْدَ الرُّعَاةِ مَعْرُوفٌ.
وَسَوَاءٌ أَكَلَهُ نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا، وَإِنْ كَانَ عُرْفُهُ أَنْ يُؤْكَلَ مَطْبُوخًا كَاللَّحْمِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ زُبْدًا، فَأَكَلَ لَبَنًا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ مُفَارِقٌ لِلزُّبْدِ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ.
وَلَوْ أَكَلَ سَمْنًا فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَحْنَثُ بِهِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الصِّفَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا حَنِثَ بِجَمِيعِ مَا تَنَاوَلَهُ اسْمُ اللَّبَنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ حَلِيبٍ وَمَخِيضٍ وَرَائِبٍ، وَذَائِبٍ وَجَامِدٍ.
فَأَمَّا الزُّبْدُ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، كَمَا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّبَنِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زُبْدًا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَحْنَثُ بِالزُّبْدِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّبَنَ، لِأَنَّهُ مِنَ اللَّبَنِ، وَلَا يَحْنَثُ بِاللَّبَنِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الزُّبْدَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ اللَّبَنُ مِنَ الزُّبْدِ.
وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ اسْمَ اللَّبَنِ عَامٌّ وَاسْمَ الزُّبْدِ خَاصٌّ، فَدَخَلَ خُصُوصُ الزُّبْدِ فِي عُمُومِ اللَّبَنِ، وَلَمْ يَدْخُلْ عُمُومُ اللَّبَنِ فِي خُصُوصِ الزُّبْدِ، وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ، وَلَوْ كَانَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهٌ، لَكَانَ عَكْسُ قَوْلِهِ أَوْلَى، فَيَحْنَثُ بِاللَّبَنِ، إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زُبْدًا، لِأَنَّ فِي اللَّبَنِ زُبْدًا، وَلَا يَحْنَثُ بِالزُّبْدِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الزُّبْدِ لَبَنٌ، فَلَمَّا
كَانَ هَذَا فَاسِدًا كَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَكْسِ أَفْسَدَ، وَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ مَا قررناه من اجتماع الأمين الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، لِأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ فِي الْقِيَاسِ، فَلَا يَحْنَثُ بِالزُّبْدِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّبَنَ، وَلَا يَحْنَثُ بِاللَّبَنِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الزُّبْدَ، لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّبَنَ لَمْ يَحْنَثْ بِالْجُبْنِ وَالْمَصْلِ.
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْجُبْنَ وَالْمَصْلَ لَا يَحْنَثُ بِاللَّبَنِ، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّهُ يَحْنَثُ بِالْجُبْنِ وَالْمَصْلِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّبَنَ، لِأَنَّهُمَا مِنَ اللَّبَنِ، وَلَا يَحْنَثُ بِاللَّبَنِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْجُبْنَ وَالْمَصْلَ، لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَكُونُ مِنْهُمَا.
وَلَوْ كَانَ لِقَوْلِهِ هَذَا وَجْهٌ، لَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ بِالتَّمْرِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، لِأَنَّهُ مِنْ رُطَبٍ وَلَا يَحْنَثُ بِالرُّطَبِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ التَّمْرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ التَّمْرِ، وَلَا أَحْسَبُ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ تَعْلِيلُهُ يَقْتَضِيهِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى خلاقه.
(فَصْلٌ:)
وَسَأُوَضِّحُ فِي الْأَيْمَانِ أَصْلًا يُحْمَلُ عَلَيْهِ أحكامها، لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ، فَأَقُولُ: إِنَّ كُلَّ يَمِينٍ انْعَقَدَتْ عَلَى اسْمٍ يُعْتَبَرُ بِهِ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ الِاسْمُ مِنْ أَمْرَيْنِ مُجْمَلٍ وَمُفَسَّرٍ.
فَإِنْ كَانَ الِاسْمُ مُجْمَلًا كَقَوْلِهِ فِي الْإِثْبَاتِ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَفِي النَّفْيِ: وَاللَّهِ لَا فَعَلْتُ شَيْئًا، فَاسْمُ الشَّيْءِ يَعُمُّ كُلَّ مُسَمًّى، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِ الْأَسْمَاءِ لِخُرُوجِهَا مِنَ الْقُدْرَةِ وَالْعُرْفِ، وَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بَعْضِهَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ بَعْضُهَا إِلَّا بِالْبَيَانِ، فوجب أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَى بَيَانِهِ، وَلَهُ حَالَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ وَقْتَ يَمِينِهِ، فَيُحْمَلُ إِجْمَالُ يَمِينِهِ عَلَى نِيَّتِهِ، فَيَصِيرُ بِالنِّيَّةِ مُفَسَّرًا، وَبِالْقَوْلِ مُخْبَرًا، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: لَا فَعَلْتُ شَيْئًا أَيْ لَا دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ، وَبِقَوْلِهِ: لَأَفْعَلَنَّ شَيْئًا أَيْ: لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ، فَتَعَلَّقَ بِرُّهُ وَحِنْثُهُ بِدُخُولِ الدَّارِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ عَلَى بَيَانِهِ أَوْ تَأَخَّرَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ وَقْتَ يَمِينِهِ، فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ فِيمَنْ شَاءَ وَيَعْمَلُ فِيهَا عَلَى خِيَارِهِ، كَمَنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدَةً، كَانَ لَهُ تَعْيِينُ الطَّلَاقِ فِيمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، وَإِنْ كَانَ التَّعْيِينُ عَلَى خِيَارِهِ، فَالْيَمِينُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ، فَيُؤْخَذُ حَتْمًا بِتَعْيِينِ يَمِينِهِ، فِيمَا يَخْتَارُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْيِينِ مَا يَخْتَارُهُ، وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِرَادَتِهِ فِي التَّعْيِينِ مَتَى شَاءَ، وَلَا حِنْثَ فيها قبل التعينين.
فَإِذَا عَيَّنَهَا بِاخْتِيَارِهِ فَجَعَلَ قَوْلَهُ: لَأَفْعَلَنَّ شَيْئًا مُعَيَّنًا فِي أَنْ يَرْكَبَ هَذِهِ الدَّابَّةَ، وَقَوْلُهُ: لَا فَعَلْتُ شَيْئًا مُعَيَّنًا فِي أَنْ يَرْكَبَ هَذِهِ الدَّابَّةَ، صَارَ هَذَا التَّعْيِينُ هُوَ الْمُرَادُ بِالْيَمِينِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ رُكُوبُ الدَّابَّةِ قَبْلَ التَّعْيِينِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رُكُوبُهَا قَبْلَ التَّعْيِينِ تَعَلَّقَ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ بِمَا يَسْتَأْنِفُهُ مِنْ رُكُوبِهَا بَعْدَ التَّعْيِينِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ رَكِبَهَا قَبْلَ التَّعْيِينِ، فَفِي وُقُوعِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ بِهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى تَعْيِينِ الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، هَلْ يُوجِبُ وُقُوعُهُ وَقْتَ اللَّفْظِ أَوْ وَقْتَ التَّعْيِينِ.
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: يَقَعُ الطَّلَاقُ بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الرُّكُوبِ قَبْلَ التَّعْيِينِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا تَأَخَّرَ عَنْهُ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقَعُ الطَّلَاقُ وَقْتَ التَّعْيِينِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ بِالرُّكُوبِ بَعْدَ التَّعْيِينِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا تَقَدَّمَهُ بَرٌّ وَلَا حِنْثٌ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الِاسْمُ الْمُفَسَّرُ فَضَرْبَانِ، خَاصٌّ وَعَامٌّ.
فَأَمَّا الْخَاصُّ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، كَالسِّرَاجِ حَقِيقَةً مَا اسْتَصْبَحَ بِهِ مِنَ النَّارِ وَمَجَازُهُ الشَّمْسُ.
وَالْبِسَاطُ حَقِيقَةً الْفَرْشُ الْمَبْسُوطُ، وَمَجَازُهُ الْأَرْضُ، فَيَنْقَسِمُ فِي الْأَيْمَانِ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحَقِيقَةَ دُونَ الْمَجَازِ، فَيُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَةِ ظَاهِرِهِ لَفْظًا وَمُعْتَقَدًا، سَوَاءٌ كَانَ مَا أَرَادَهُ مِنَ الْحَقِيقَةِ شَرْعِيًّا أَوْ لُغَوِيًّا، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الزُّبْدَ لَمْ يَحْنَثْ بِاللَّبَنِ وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ التَّمْرَ لَمْ يَحْنَثْ بِالرُّطَبِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَجَازَ دُونَ الْحَقِيقَةِ، فَيُرِيدُ بِالسِّرَاجِ الشَّمْسَ دُونَ الْمِصْبَاحِ، وَبِالْبِسَاطِ الْأَرْضَ دُونَ الْفَرْشِ، وَبِاللَّحْمِ السَّمَكَ دُونَ اللَّحْمِ، وَبِلَمْسِ الزَّوْجَةِ وَطْئَهَا دُونَ مُلَامَسَتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى حُمِلَتْ عَلَى الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ؛ لِاسْتِثْنَاءِ الحقيقة بينته، وَإِنْ كَانَتْ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ حُمِلَتْ عَلَى المجاز في الْبَاطِنِ، وَحُمِلَتْ عَلَى أَغْلَظِ الْأَمْرَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، وَسَوَاءٌ مَا كَانَ مَا أَرَادَهُ مِنَ الْمَجَازِ شَرْعِيًّا أَوْ لُغَوِيًّا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجَمْعَ بَيْنَ حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا مِنْ بِرِّهِ وَحِنْثِهِ، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَحُمِلَ السِّرَاجُ عَلَى الْمِصْبَاحِ وَالشَّمْسِ، وَيُحْمَلُ الْبِسَاطُ عَلَى الْفَرْشِ وَالْأَرْضِ، وَيُحْمَلُ اللَّحْمُ عَلَى السَّمَكِ وَاللَّحْمِ، وَيُحْمَلُ
مَسُّ الزَّوْجَةِ عَلَى وَطْئِهَا وَمُلَامَسَتِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاللَّهِ أَوْ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَيْرَ حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، كَمَنْ أَرَادَ بِالسِّرَاجِ غَيْرَ الْمِصْبَاحِ وَالشَّمْسِ، وَأَرَادَ بِالْبِسَاطِ غَيْرَ الْفَرْشِ وَالْأَرْضِ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَا أَرَادَ غَيْرَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، لِخُرُوجِهِ عَنْ مُقْتَضَى لَفْظِهِ مِنْ صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، كَمَنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ بِمَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ، لِتَجَرُّدِهِ عَنْ نِيَّةٍ كَالطَّلَاقِ بِالْكِنَايَةِ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِنِيَّةٍ.
فَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ، حُمِلَتْ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الظَّاهِرِ لَا مِنَ الْبَاطِنِ، وَكَانَتْ لَغْوًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَحْمِلُ يَمِينَهُ عَلَى إِرَادَتِهِ وَإِنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إِذَا اقْتَرَنَ لَهَا ضَرْبٌ مِنَ الِاحْتِمَالِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: وَاللَّهِ لَا شَرِبْتُ لَكَ مَاءً مِنْ عَطَشٍ: حَنِثَ بِأَكْلِ طَعَامِهِ وَلُبْسِ ثَوْبِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ وَدُخُولِ دَارِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِيمَنْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: وَاللَّهِ لَأَجُرَّنَّكَ عَلَى الشَّوْكِ، حَنِثَ بِمَطْلِهِ وَتَأْخِيرِ دَيْنِهِ اعْتِبَارًا بِمَخْرَجِ الْكَلَامِ وَمَقْصُودِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ صَارَ مُخْتَصًّا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَالنِّيَّةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا يَمِينٌ، كَمَا لَوْ نَوَى يَمِينًا، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ تَتَجَرَّدَ يَمِينُهُ عَنْ نِيَّةٍ وَإِرَادَةٍ، فَيُحْمَلُ فِي الْبِرِّ وَالْحِنْثِ عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ، لِأَنَّ افْتِقَارَ الْمَجَازِ إِلَى النِّيَّةِ يُسْقِطُ حُكْمَهُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةٍ مِثْلَ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ إِذَا لَمْ تَقْتَرِنْ بِهَا نِيَّةٌ.
فَإِنِ اخْتَلَفَ الشَّرْعُ وَاللُّغَةُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، كَالنِّكَاحِ هُوَ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةٌ فِي العقد، ومجاز في الوطئ، وهو في اللغة حقيقة في الواطئ ومجازاً فِي الْعَقْدِ، كَالصَّلَاةِ هِيَ الشَّرْعُ حَقِيقَةً فِي الدُّعَاءِ فِي ذَاتِهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَمَجَازا فِي الدُّعَاءِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةٌ فِي الدُّعَاءِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ، فَيُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي الشَّرْعِ دُونَ اللُّغَةِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ نَاقِلٌ، فَيُحْمَلُ النِّكَاحُ عَلَى الْعَقْدِ دون الواطئ، وَتُحْمَلُ الصَّلَاةُ عَلَى ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ الدُّعَاءِ.
فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الدَّقِيقَ، فَأَكَلَ الْخُبْزَ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشَمُّ الْبَنَفْسَجَ فَشَمَّ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ حلف لا يشرب عَبْدَهُ، فَعَضَّهُ لَمْ يَحْنَثْ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ، وَحَنَّثَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْأَمْرَيْنِ اسْتِعْمَالًا لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ: أَنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ لَهُ مَجَازٌ، فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مُبْهَمٌ، وَمُعَيَّنٌ، وَمُطْلَقٌ، وَمُقَيَّدٌ.
فَالْمُبْهَمُ أَنْ يَقُولَ: لَا كَلَّمْتُ رَجُلًا، فَيَحْنَثُ بِكُلِّ مَنْ كَلَّمَهُ مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ صَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ.
وَالْمُعَيَّنُ أَنْ يَقُولَ: لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا فَيَحْنَثُ بِكَلَامِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَلَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ غَيْرِهِ.
وَالْمُطْلَقُ أَنْ يَقُولَ: لَا شَرِبْتُ مَاءً، فَإِطْلَاقُهُ أَنْ لَا يَذْكُرَ لَهُ قَدْرًا، وَلَا يُعَيِّنَ لَهُ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا، فَيَحْنَثُ بِشُرْبِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ إِذَا شَرِبَهُ صَرْفًا، فَإِنْ مَزَجَهُ بِغَيْرِهِ حَنِثَ إِذَا غُلِبَ عَلَى غَيْرِهِ بِلَوْنِهِ وَطَعْمِهِ، وَلَمْ يَحْنَثْ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِلَوْنِهِ وَطَعْمِهِ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خَلًّا، فَأَكَلَ سِكْبَاجًا أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ عَصِيدًا.
وَالْمُقَيَّدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُقَيَّدًا بِمَكَانٍ كَقَوْلِهِ: لَا شَرِبْتُ بِالْبَصْرَةِ، فَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ فِي غَيْرِهَا.
وَمُقَيَّدًا بِزَمَانٍ كَقَوْلِهِ: لَا شَرِبْتُهُ شَهْرًا، فَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ بَعْدَهُ.
وَمُقَيَّدًا بِصِفَةٍ كَقَوْلِهِ: لَا شَرِبْتُهُ صَرْفًا، فَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ مَمْزُوجًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَنِثَ بِالْمُبْهَمِ فِي الْمُعَيَّنِ، وَلَمْ يَحْنَثْ فِي الْمُعَيَّنِ بِالْمُبْهَمِ، وَحَنِثَ فِي الْمُطْلَقِ بِالْمُقَيَّدِ، وَلَمْ يَحْنَثْ فِي الْمُقَيَّدِ، بِالْمُطْلَقِ لِعُمُومِ الْمُبْهَمِ وَالْمُطْلَقِ وَخُصُوصِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُقَيَّدِ، فَإِنْ أَرَادَ بِالْمُبْهَمِ مُعَيَّنًا، وَبِالْمُطْلِقِ مُقَيَّدًا حُمِلَ عَلَى إِرَادَةِ لَفْظِهِ، فَجُعِلَ الْمُبْهَمُ مُعَيَّنًا، وَالْمُطَلَّقُ مُقَيَّدًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إِنْ كَانَ حَالِفًا بِاللَّهِ، وَفِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ إِنْ كَانَ حَالِفًا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ مَا شَمِلَهُ عُمُومُ الْجِنْسِ، فَصَارَ كَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا يَحْنَثُ فِي إِبْهَامِ قَوْلِهِ: لَا كَلَّمْتُ رَجُلًا، وَقَدْ أَرَادَ زَيْدًا إِلَّا بِكَلَامِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا يَحْنَثُ فِي إِطْلَاقِ قَوْلِهِ: لَا شَرِبْتُ مَاءً، وَقَدْ أَرَادَ شَهْرًا أَلَّا يَشْرَبَهُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.
فَأَمَّا عَكْسُ هَذَا إِذَا أَرَادَ بِالْمُعَيَّنِ مُبْهَمًا، وَبِالْمُقَيَّدِ مُطْلَقًا حُمِلَ عَلَى لَفْظِهِ فِي التَّعْيِينِ وَالتَّقْيِيدِ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى إِرَادَتِهِ فِي الْإِبْهَامِ وَالْإِطْلَاقِ، لِأَنَّ مَا يُجَاوِزُ الْمُعَيَّنَ وَالْمُقَيَّدَ خَارِجٌ مِنْ لَفْظِ الْيَمِينِ فَصَارَ مُرَادًا بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَلَا يَحْنَثُ فِي تَعْيِينِ قَوْلِهِ: لَا كلمت زيداً هذا، وقد أرد كُلَّ الرِّجَالِ إِلَّا بِكَلَامِ زَيْدٍ وَحْدَهُ، وَلَا يَحْنَثُ فِي تَقْيِيدِ قَوْلِهِ: لَا شَرِبْتُ الْمَاءَ فِي شَهْرِي هَذَا، وَقَدْ أَرَادَ كُلَّ الشُّهُورِ عَلَى الْأَبَدِ أَنْ لَا يَشْرَبَهُ فِيهِ وَحْدَهُ.
وَتَعْلِيلُهُ بِمَا ذَكَرْنَا وَشَاهِدُهُ مِنَ الطَّلَاقِ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ، يُرِيدُ بِهَا ثَلَاثًا، فَتُطَلَّقُ وَاحِدَةً وَلَا تُطَلَّقُ ثَلَاثًا، لِأَنَّهُ قد صرح بنفيها في لَفْظِهِ، فَلَمْ تَقُعْ بِمُجَرَّدِ
إِرَادَتِهِ فَافْتَرَقَ حُكْمُ الْعَكْسَيْنِ، لِافْتِرَاقِ الْعِلَّتَيْنِ، فَهَذَا أَصْلٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فِي أَحْكَامِ الْأَيْمَانِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْخَاصَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الِاسْمُ الْعَامُّ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَامُّ اللَّفْظِ، عَامُّ الْمُرَادِ.
وَالثَّانِي: عَامُّ اللَّفْظِ، خَاصُّ الْمُرَادِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ، فَهُوَ مَا كَانَ عَامَّ اللَّفْظِ عَامَّ الْمُرَادِ، فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ عُمُومُهُ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ.
وَالثَّانِي: ما كان عمومه في معناه دُونَ مَعْنَاهُ.
وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ عُمُومُهُ فِي مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا كَانَ عُمُومُهُ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، فَمِثْلُ قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُ النَّاسَ، فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ فِي حِنْثِهِ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى بِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْكَلَامِ مِنْ سَلِيمٍ وَسَقِيمٍ.
وَمِثْلُهُ فِي التَّنْزِيلِ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) {العنكبوت: 62) . وَقِيَاسُهُ فِي الْأَيْمَانِ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ اللَّحْمَ، فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، فَيَحْنَثُ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ اللَّحْمِ عَلَى كُلِّ صِفَةٍ مِنَ الْأَكْلِ ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا عُمُومُهُ فِي لَفْظِهِ دُونَ مَعْنَاهُ، فَمِثْلُ قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ الْحِنْطَةَ، فَيَحْنَثُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا حَدَثَ عَنِ الْحِنْطَةِ مِنْ دَقِيقٍ وَسَوِيقٍ وَخُبْزٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا أَكَلْتُ الرُّطَبَ يَحْنَثُ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الرُّطَبِ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَا حَدَثَ مِنَ الرُّطَبِ عَنْ تَمْرٍ وَبُسْرٍ.
وَقَوْلُهُ: لَا أَكَلْتُ اللَّبَنَ يَحْنَثُ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ اللَّبَنِ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَا حَدَثَ عَنِ اللَّبَنِ مِنْ جنب وَمَصْلٍ وَزُبْدٍ وَسَمْنٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى عموم لفظه دون معناه، وهذا مختص بِمَا إِذَا تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ، وَزَالَ عَنِ اسْمِهِ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ قِيَاسًا مُطَّرِدًا فِي نَظَائِرِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا كَانَ عُمُومُهُ فِي مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ، فَمِثْلُ قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ عَسَلًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ عَسَلٌ.
وَلَا أَكَلْتُ دَقِيقًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ دَقِيقٌ.
وَلَا أَكَلْتُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ حَنِثَ فِي هَذِهِ كُلِّهَا، لِأَنَّ فِي الْخَبِيصِ عَسَلًا وَدَقِيقًا وَسَمْنًا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِ مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِمَا إذا حدث له اسم بالمشاركة لَمْ يَزُلِ الِاسْمُ الْخَاصُّ عَنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى
خَبِيصًا إِلَّا بِاجْتِمَاعِهَا، وَلَا يَزُولُ اسْمُ كُلِّ نَوْعٍ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ هَذَا خَبِيصٌ فِيهِ عَسَلٌ وَفِيهِ دَقِيقٌ، وَفِيهِ سَمْنٌ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ قَالَ: لَا أَكَلْتُ دَقِيقًا وَأَكَلَهُ خُبْزًا لَمْ يَحْنَثْ؟ فَهَلَّا كَانَ فِي الْخَبِيصِ كَذَلِكَ قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا خَبِيصٌ فِيهِ دَقِيقٌ، وَلَا يَقُولُونَ: هَذَا خُبْزٌ فِيهِ دَقِيقٌ فَصَارَ اسْمُ الدَّقِيقِ فِي الْخَبِيصِ بَاقِيًا، وَفِي الْخُبْزِ زَائِلًا، فَلِذَلِكَ مَا افْتَرَقَا فِي حُكْمِ الْحِنْثِ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ قِيَاسًا مُطَّرِدًا فِي نَظَائِرِهِ.
فَهَذَا حُكْمُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ فِيمَا كَانَ عَامَّ اللَّفْظِ عَامَّ الْمُرَادِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا كَانَ عَامَّ اللَّفْظِ خَاصَّ الْمُرَادِ، فَهُوَ مَا خُصَّ عُمُومُ لَفْظِهِ بِسَبَبٍ أَوْجَبَ خُرُوجَهُ عَنْ عُمُومِهِ، كَمَا خُصَّ عموم الكتاب والسنة.
وَتَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِّ فِي الْأَيْمَانِ يَكُونُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: تَخْصِيصُ عُمُومِهِ بِالْمَعْقُولِ.
وَالثَّانِي: بِالشَّرْعِ.
وَالثَّالِثُ: بِالْعُرْفِ.
وَالرَّابِعُ: بِالِاسْتِثْنَاءِ.
وَالْخَامِسُ: بِالنِّيَّةِ.
فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فِي تَخْصِيصِ عُمُومِهِ بِالْمَعْقُولِ، فَهُوَ مَا امْتَنَعَ اسْتِيفَاءُ عُمُومِهِ فِي الْعَقْلِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَآكُلَنَّ الْخُبْزَ، وَلَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، وَلَأُكَلِّمَنَّ الناس، ولأتصدقن عَلَى الْمَسَاكِينِ، لِمَا امْتَنَعَ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَأْكُلَ كُلَّ الْخُبْزِ، وَيَشْرَبَ كُلَّ الْمَاءِ، وَيُكَلِّمَ جَمِيعَ النَّاسِ، وَيَتَصَدَّقَ عَلَى جَمِيعِ الْمَسَاكِينِ، خَصَّ الْعَقْلُ عُمُومَ الْجِنْسِ، فَتَعَلَّقَ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ بِأَكْلِ بَعْضِ الْخُبْزِ، وَشُرْبِ بَعْضِ الْمَاءِ، وَكَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى بَعْضِ الْمَسَاكِينِ.
ثُمَّ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ ضَرْبَانِ: مَعْدُودٌ وَغَيْرُ مَعْدُودٍ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْدُودِ فَكَالْخُبْزِ وَالْمَاءِ، فَيَتَعَلَّقُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ بِقَلِيلِ الْجِنْسِ وَكَثِيرِهِ، فَأَيُّ قَدْرٍ أَكَلَهُ مِنَ الْخُبْزِ، وَأَيُّ قَدْرٍ شَرِبَهُ مِنَ الْمَاءِ بَرَّ بِهِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَحَنِثَ بِهِ فِي النَّفْيِ، لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ بِالْمَعْقُولِ حُكْمُ الْعُمُومِ، وَلَمْ يَتَقَدَّرْ بَعْضُهُ بِعُرْفٍ، وَلَا مَعْقُولٍ رُوعِيَ فِيهِ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَأَمَّا الْمَعْدُودُ فَكَالنَّاسِ وَالْمَسَاكِينِ، فَإِنْ كَانَ يَمِينُهُ عَلَى إِثْبَاتٍ كَقَوْلِهِ: لَأُكَلِّمَنَّ الناس ولأتصدقن عَلَى الْمَسَاكِينِ، لَمْ يَبِرَّ حَتَّى يُكَلِّمَ مِنَ النَّاسِ ثَلَاثَةً، وَيَتَصَدَّقَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنَ الْمَسَاكِينِ، اعْتِبَارًا بِأَقَلِّ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيٍ كَقَوْلِهِ: لَا كَلَّمْتُ
النَّاسَ، وَلَا تَصَدَّقْتُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، حَنِثَ بِكَلَامِ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وَبِالصَّدَقَةِ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمَسَاكِينِ، اعْتِبَارًا بِأَقَلِّ الْعَدَدِ فِي النَّفْيِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي اعْتِبَارِ أَقَلِّ الْجُمَعِ فِي الْإِثْبَاتِ وَاعْتِبَارِ أَقَلِّ الْعَدَدِ فِي النَّفْيِ أَنَّ نَفْيَ الْجَمِيعِ مُمْكِنٌ وَإِثْبَاتَ الْجَمِيعِ مُمْتَنِعٌ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالشَّرْعِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَخْصِيصُ اسْمٍ.
وَالثَّانِي: تَخْصِيصُ حُكْمٍ.
فَأَمَّا تَخْصِيصُ الِاسْمِ فَكَالصِّيَامِ، فِي اللُّغَةِ هُوَ: الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالْكَلَامِ وَالشَّرَابِ ثُمَّ خَصَّهُ الشَّرْعُ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي النَّهَارِ، وَيَكُونُ عُمُومُهُ فِي اللُّغَةِ مَحْمُولًا عَلَى خُصُوصِهِ فِي الشَّرْعِ، فَإِذَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى الصِّيَامِ لَمْ يَتَعَلَّقِ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ إِلَّا بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ، وَصَارَ عُمُومُ اللَّفْظِ بِالشَّرْعِ مَخْصُوصًا.
وَكَذَلِكَ الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَصْدُ إِلَى كُلِّ جِهَةٍ، وَخَصَّهُ الشَّرْعُ بِقَصْدِ الْبَيْعِ الْحَرَامِ لِأَفْعَالِ الْحَجِّ، فَلَا يَتَعَلَّقُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ فِي انْعِقَادِ يَمِينِهِ عَلَى الْحَجِّ إِلَّا بِخُصُوصِ الشَّرْعِ دُونَ عُمُومِ اللُّغَةِ.
وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ نَظَائِرِهِ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْحُكْمِ، فَكَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، خُصَّ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ عُمُومِ اللُّحُومِ الْمُبَاحَةِ، فَفِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِهِ فِي الْأَيْمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَخْتَصُّ عُمُومُهَا بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَمَا خُصَّ بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ، فَلَا يَحْنَثُ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ بِأَكْلِ اللُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ اللَّحْمَ لَمْ يَبِرَّ بِأَكْلِ اللُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ.
ولو حلف لا وطئ لم يحنث بالوطء في البر.
وَلَوْ حَلَفَ أَنَّهُ يَطَأُ لَمْ يَبِرَّ إِلَّا بالوطئ فِي الْقُبُلِ، وَيَبِرُّ وَيَحْنَثُ بِوَطْءِ الزِّنَا، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ إِذَا حَلَفَ لَا يَتَيَمَّمُ كَانَ محمولاَ عَلَى تَيَمُّمِ أَعْضَائِهِ بِالتُّرَابِ، دُونَ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْقَصْدِ.
فَإِنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ أَوْ فِي سَفَرٍ حَنِثَ، وَإِنْ تَيَمَّمَ بِالْقَصْدِ إِلَى جِهَةٍ لَمْ يَحْنَثْ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّهُ لَا يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الْأَيْمَانِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، لِاتِّفَاقِ أَحْكَامِ الْأَيْمَانِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، اعْتِبَارًا بِمَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ، فَتُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا فِيمَا حَلَّ
وَحَرُمَ، اعْتِبَارًا بِالِاسْمِ دُونَ الْحُكْمِ، فَيَحْنَثُ فِي اللَّحْمِ بِكُلِّ لَحْمٍ، وَفِي الْوَطْءِ بِكُلِّ وَطْءٍ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فِي نَظَائِرِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْعُرْفِ فَضَرْبَانِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ.
فَأَمَّا الْعُرْفُ الْعَامُّ، فَكَمَنَ حَلَفَ لِغَيْرِهِ: لَأَخْدِمَنَّكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فَيُخَصُّ بِالْعُرْفِ مِنْ خِدْمَةِ النَّهَارِ زَمَانَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ بِحَسَبِ مَا يُخْدَمُ فِيهِ مِنْ شَاقٍّ وَسَهْلٍ.
وَمِنْ خِدْمَةِ اللَّيْلِ وَقْتَ النَّوْمِ وَالْمَأْلُوفِ، فَإِنْ تَرَكَ الْخِدْمَةَ فِيهَا لَمْ يَحْنَثْ، لِخُرُوجِهَا بِالْعُرْفِ مِنْ عُمُومِ يَمِينِهِ.
وَإِنْ تَرَكَ الْخِدْمَةَ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَوْقَاتِ حَنِثَ، لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ يَمِينِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَأَضْرِبَنَّكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خَرَجَ بِالْعُرْفِ مِنْ زَمَانِ النَّهَارِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ زَمَانِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي الْخِدْمَةِ، فَلَا يَكُونُ بِتَرْكِ الضَّرْبِ فِيهَا حَانِثًا، وَخَرَجَ بِالْعُرْفِ مِنْ بَقِيَّةِ الزَّمَانِ فِي الضَّرْبِ خُصُوصًا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ أَلَمُ الضَّرْبِ فِيهِ بَاقِيًا، فَيَكُونُ بَقَاءُ أَلَمِهِ كَبَقَاءِ فِعْلِهِ، فَإِنْ تَرَكَ ضَرْبَهُ مَعَ بَقَاءِ الْأَلَمِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ زَوَالِ الْأَلَمِ حَنِثَ، لِأَنَّ مِنْ دَوَامِ فِعْلِهِ أَنْ تَتَخَلَّلَهُ فَتَرَاتٌ فِي الْعُرْفِ، فَاعْتُبِرَ بِدَوَامِ أَلَمِهِ الْحَادِثِ عَنْهُ.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا وَضَعْتُ رِدَائِي عَنْ عَاتِقِي انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ عَلَى لُزُومِ لُبْسِهِ فِي زَمَانِ الْعُرْفِ، فَإِنْ نَزَعَهُ عَنْ عَاتِقِهِ فِي زَمَانِ اللَّيْلِ أَوْ دُخُولِ الْحَمَّامِ أَوْ عِنْدَ تَبَذُّلِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِخُرُوجِهِ بِالْعُرْفِ عَنْ زَمَانِ لُبْسِهِ، وَإِنْ نَزَعَهُ فِي غَيْرِهِ حَنِثَ لِدُخُولِهِ فِي عُرْفِ لُبْسِهَا.
فَلَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: وَاللَّهِ لَا نَزَعْتُ رِدَائِي عَنْ عَاتِقِي حَتَّى أَقْضِيَكَ دَيْنَكَ، حَنِثَ بِنَزْعِهِ قَبْلَ قَضَاءِ دَيْنِهِ فِي زَمَانِ الْعُرْفِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ جَعْلَهُ فِي الْإِطْلَاقِ مَقْصُودًا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ شَرْطٌ وَالْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَيْمَانِ دُونَ الشُّرُوطِ.
وَلَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: وَاللَّهِ لَأَخْدِمَنَّكَ حَتَّى أَقْضِيَكَ دَيْنَكَ، لَمْ يَحْنَثْ بِتَرْكِ الْخِدْمَةِ فِي زَمَانِ الِاسْتِرَاحَةِ، قَبْلَ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْخِدْمَةَ خَبَرًا، وَلَمْ يَجْعَلْهَا شَرْطًا، ثُمَّ عَلَى قِيَاسِ هَذَا فِي نَظَائِرِهِ.
وَيَنْسَاقُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِرُؤُوسِ غَيْرِ الْغَنَمِ، لِخُرُوجِهَا بِالْعُرْفِ مِنْ عُمُومِ الِاسْمِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ لَمْ يَحْنَثْ بِبَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَكَذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ.
وَيَطَّرِدُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إِذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، حَنِثَ بِلُبْسِهِ إِذَا تَقَمَّصَ بِهِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِلُبْسِهِ إِذَا ارْتَدَى بِهِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ حَنِثَ بِلُبْسِهِ فِي
الْخِنْصَرِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِلُبْسِهِ فِي الْإِبْهَامِ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ، وَتَخْصِيصًا بِالْعُرْفِ.
وَأَمَّا الْعُرْفُ الْخَاصُّ فَكَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا قَتَلْتُ، وَلَا ضَرَبْتُ، فَأَمَرَ بِالْقَتْلِ والضرب، وحنث بِهِ الْمُلُوكُ دُونَ السُّوقَةِ، لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي أَفْعَالِ الْمُلُوكِ الْأَمْرُ بِهَا، وَفِي أَفْعَالِ السُّوقَةِ مُبَاشَرَتُهَا.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا نَسَجْتُ ثَوْبًا، فَاسْتَنْسَجَهُ، حَنِثَ بِهِ مَنْ لَا يُحْسِنُ النِّسَاجَةَ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ مَنْ يُحْسِنُهَا، وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا تَصَدَّقْتُ حَنِثَ الْأَغْنِيَاءُ بِدَفْعِهَا، وَحَنِثَ الْفُقَرَاءُ بِأَخْذِهَا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا طُفْتُ وَلَا سَعَيْتُ حَنِثَ أَهْلُ مَكَّةَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَبِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَحَنِثَ غَيْرُهُمْ بِالسَّعْيِ عَلَى الْقَدَمِ، وَالطَّوَافِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَحَنِثَ أَهْلُ الْوُشَاةِ بِالسَّعْيِ إِلَى الْوُلَاةِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا خَتَمْتُ، حَنِثَ الْقَارِئُ بِخَتْمِ الْقُرْآنِ، وَحَنِثَ التَّاجِرُ بِخَتْمِ كِيسِهِ، لِأَنَّهُ عُرْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَوْ قَالَ: والله لا وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا قَرَأْتُ، حَنِثَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِقِرَاءَةِ الشِّعْرِ.
وَلَوْ قَالَ والله لا تكلمت حنث بجميع الكلام، وبإنشاد الشِّعْرِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لِخُرُوجِهِ بِالْإِعْجَازِ عَنْ جِنْسِ الْكَلَامِ الَّذِي ليس فيه إعجاز.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ بِالْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ لِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ تَأْثِيرٌ فِيهِ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَجْهٌ.
فَهَذَا حُكْمُ الْمَخْصُوصِ بِالْعُرْفِ، فَقِسْ عَلَيْهِ نَظَائِرَهُ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَهُوَ الْقَوْلُ الْمُخْرِجُ مِنْ لَفْظِ الْيَمِينِ بَعْضَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، وَلَهُ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهَا، فَإِنِ انْفَصَلَ عَنْهَا بَطَلَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُخَالِفَ حُكْمَ الْيَمِينِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْيٍ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ إِثْبَاتًا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى إِثْبَاتٍ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ هَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى اعْتِقَادِهِ فِي أَوَّلِ الْيَمِينِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ اعْتِقَادَهُ مَعَ أَوَّلِ الْيَمِينِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ بَطَلَ حُكْمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ صَحِيحًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّهُ إِذَا اتَّصَلَ بِالْيَمِينِ الْمَقْصُودَةِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُهَا، وَصَحَّ بِمُجَرَّدِ لَفْظِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَحُكْمُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ يَمِينِهِ بَعْضَ جُمْلَتِهَا، فَلَا تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِيهَا بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
اسْتِثْنَاءُ مَكَانٍ، وَاسْتِثْنَاءُ زَمَانٍ، وَاسْتِثْنَاءُ عَدَدٍ، وَاسْتِثْنَاءُ صِفَةٍ، وَفِي ذِكْرِ أَحَدِهَا بَيَانٌ لِجَمِيعِهَا.
فَإِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا إِلَّا فِي دَارِي بَرَّ إِنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَمْ يَبِرَّ إِنْ ضَرَبَهُ فِي دَارِهِ، وَحَنِثَ إِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَا يَحْنَثُ إِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ فِي دَارِهِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا ضَرَبْتُ زَيْدًا إِلَّا فِي دَارِي، حَنِثَ إِنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَمْ يَحْنَثْ إِنْ ضَرَبَهُ فِي دَارِهِ، وَبَرَّ إِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَا يَبِرُّ إِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فِي نَظَائِرِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالنِّيَّةِ، فَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ فِي عَقْدِ يَمِينِهِ مَا يَصِحُّ أَنْ يَذْكُرَهُ بِلَفْظِهِ، فَيُحْمَلُ فِيهَا عَلَى نِيَّتِهِ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِعَقْدِ يَمِينِهِ، وَلَا تَصِحُّ إِنْ تَقَدَّمَتِ النِّيَّةُ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْهَا، وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا، وَيَنْوِي بِهِ شَهْرًا، وَلَا أَكَلْتُ خُبْزًا، وَيَنْوِي بِهِ لَيْلًا، وَلَا لَبِسْتُ ثَوْبًا، وَيَنْوِي بِهِ قَمِيصًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِهِ مَا أَغْنَى، فَيَكُونُ فِي الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى مَحْمُولًا عَلَى نِيَّتِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَفِي الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مَحْمُولًا عَلَيْهَا فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، فَهَذَا أَصْلٌ فِي الْأَيْمَانِ لَا يُخْرِجُ أَحْكَامَهَا مِنْهُ، فَإِذَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ سَلِمَتْ مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ، وَاللَّهُ يُوَفِّقُ مَنِ اسْتَرْشَدَهُ.
وَسَأُتْبِعُهُ مِنَ الْفُرُوعِ بِمَا تُوَضِّحُهُ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ الْفَاكِهَةَ، حَنِثَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا مِنْ ثِمَارِ الْأَشْجَارِ كُلِّهَا، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ التُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالْكُمِّثْرَى وَالسَّفَرْجَلِ وَالنَّبْقِ وَالتُّوتِ وَالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ بِالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ، وَإِنْ خَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وقالا بقولنا احتجاجاً بقوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (الرحمن: 68) . وقال تعالى: {فأَنْبَتْنَا فِيهَا حَباً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأبّاً) {عبس: 27 - 31) . فَجَمَعَ بَيْنَ الْفَاكِهَةِ، وَبَيْنَ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ فِي الذِّكْرِ، وَخَيَّرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ فِي الِاسْمِ، فَدَلَّ عَلَى خُرُوجِهَا مِنِ اسْمِ الْفَاكِهَةِ، كَمَا خَرَجَ مِنْهَا الزَّيْتُونُ، لِتَمَيُّزِهِ بالاسم.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ: وَمَا تَزْهي؟ قَالَ: حَتَى تَحْمَارَّ أَوْ تَصْفَارَّ ".
وَالدَّلِيلُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْفَوَاكِهَ هِيَ الثِّمَارُ وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ مِنْ أَجَلِّهَا.
وَالثَّانِي: إنَّهُ جَعَلَ الِاحْمِرَارَ وَالِاصْفِرَارَ مُبِيحًا لِبَيْعِهَا، وَهَذَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُهَا، وَلِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى دُخُولِ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ فِي الْفَاكِهَةِ، فَرُوِيَ عَنْ يُونُسَ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ مِنْ أَفْضَلِ الْفَاكِهَةِ، وَإِنَّمَا قصدا بالذكر لفضلهما، واستشهد بقوله اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُواً للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) {البقرة: 98) . فَذَكَرَ الْمَلَائِكَةَ، وَخَصَّ جبريل وميكائيل بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِفَضْلِهِمَا.
وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْفَاكِهَةُ، الثِّمَارُ كُلُّهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ: الرُّطَبُ وَالرُّمَّانُ مِنَ الْفَوَاكِهِ، وَفُضِّلَا بِالذِّكْرِ عَلَى جَمِيعِهَا، وَهَؤُلَاءِ فِي اللُّغَةِ قُدْوَةٌ مُتَّبَعُونَ وَلَا يَسُوغُ خِلَافُهُمْ فِيهَا، وَلِأَنَّ اسْمَ الْفَاكِهَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّفَكُّهِ بِهَا، وَهِيَ الِاسْتِطَابَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يُتَفَكَّهُ بِكَلَامِهِ أَيْ: يُتَطَارَبُ بِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ أَوْفَى مِنْ وُجُودِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَكَانَ أَحَقَّ بِاسْمِهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْجَمْعُ فِي الْجِنْسِ بَيْنَ خُصُوصٍ وَعُمُومٍ بِمَانِعٍ مِنْ دُخُولِ الْخُصُوصِ فِي الْعُمُومِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ (البقرة: 238) . فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ خُصَّتْ بالذكر.
وكقوله: ﴿وَإذَا أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ.
قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّمَا يَدْخُلُ الْخُصُوصُ فِي الْعُمُومِ إِذَا تَأَخَّرَ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إذا تقدم.
قِيلَ: هَذِهِ دَعْوَى لَا يَشْهَدُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا دَلِيلٌ، وَإِنْ سَلِمَ ذَلِكَ لَكُمْ، فَقَدْ تَأَخَّرَ خصوص قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ على عموم الفاكهة، فوجب أن يدخلا فيها.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي دُخُولِ الْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ فِي الْفَاكِهَةِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ.
وَأَمَّا الرُّطَبُ، فَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُهُ مِنَ الْفَاكِهَةِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي يَقِلُّ فِيهَا كَبَغْدَادَ، وَلَا يَجْعَلُهَا مِنَ الْفَاكِهَةِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا كَالْبَصْرَةِ، وذهب جمهورهم
إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْفَاكِهَةِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ.
فَأَمَّا ثِمَارُ مَا عَدَا الْأَشْجَارِ، فَالْمَوْزُ فَاكِهَةٌ وَالْبِطِّيخُ فَاكِهَةٌ، وَلَيْسَ الْخِيَارُ وَالْقِثَّاءُ مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَإِنَّمَا هُمَا مِنَ الْخُضْرَاوَاتِ، لِأَنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ عَنْ أَلْقَابِهَا إِلَّا عِنْدَ فَسَادِهَا.
فَإِذَا ثَبَتَ مَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْفَاكِهَةِ حَنِثَ بِأَكْلِهِ رَطْبًا، فَإِنْ أَكَلَهُ يَابِسًا، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُنْقَلُ عَنِ اسْمِهِ بَعْدَ يُبْسِهِ، وَجَفَافِهِ كَالرُّطَبِ يُسَمَّى بَعْدَ جَفَافِهِ تَمْرًا، وَكَالْعِنَبِ يُسَمَّى بَعْدَ جَفَافِهِ زَبِيبًا، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، وَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْفَاكِهَةِ بِزَوَالِهِ عَنِ اسْمِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنِ اسْمِهِ بَعْدَ جَفَافِهِ كَالتِّينِ وَالْخَوْخِ وَالْمِشْمِشِ، فَفِي حِنْثِهِ بِأَكْلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ بِهِ لِبَقَاءِ اسْمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهِ لِانْتِقَالِهِ عَنْ صِفَتِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ أُدْمًا حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ وَالسَّمَكِ وَالْجُبْنِ وَالْمِلْحِ وَالزَّيْتُونِ، وَبِمَا يُصْطَبَغُ بِهِ كَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِمَا يُصْطَبَغُ بِهِ، وَهُوَ الْأُدْمُ خَاصَّةً، وَهُوَ مَا يَنْصَبِغُ بِهِ الْخُبْزُ مِثْلَ الْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بلحمٍ وأدمٍ، فَقَدَّمْنَا لَهُ خُبْزًا بِأُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لحمٌ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهَ، وَلَكِنْ ذَاكَ لحمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَهَا صدقةٌ، وَلَنَا هديةٌ، فَمَيَّزَتْ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْأُدُمِ فِي الِاسْمِ، فَدَلَّ عَلَى تَمْيِيزِهَا فِيهِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " سَيِّدُ الْأُدْمِ اللَّحْمُ، وَنِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ "، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي اسْمِ الْأُدْمِ، فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِيهِ؛ وَلِأَنَّ اسْمَ الْأُدْمِ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْتِطَابَةِ أَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ، حَتَّى يُسْتَحَبَّ وَيُسْتَمْرَأَ، مَأْخُوذا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَدَمَ اللَّهُ بَيْنَكُمَا أَيْ أَصْلَحَ بَيْنَكُمَا بِالْمَحَبَّةِ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدة فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ خَطَبَ امْرَأَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَوْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ".
فَحَكَى أَبُو عُبَيْدة عَنِ الْكِسَائِيِّ مَعْنَاهُ: أَنْ تَكُونَ بَيْنَكُمَا الْمَوَدَّةُ وَالِاتِّفَاقُ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي اللَّحْمِ أَوْفَى مِنْهُ فِي الصَّبْغِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِاسْمِ الْإِدَامِ أَخَصُّ.
وَتَمْيِيزُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إِنَّمَا كَانَ لِاخْتِلَافِ النَّوْعِ، وَلَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِ الِاسْمِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا القسم فيما يُسْتَطَابُ بِهِ أَكْلُ الْخُبْزِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ إِدَامًا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، وَبِالْخُبْزِ، وَهُوَ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ فِي الْأَغْلَبِ مِنَ اللَّحْمِ وَالسَّمَكِ وَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَكُونُ أُدْمًا، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، وَلَا بِالْخُبْزِ، وَهُوَ الْفَوَاكِهُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأُدْمِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا مِنْ عُرْفٍ عَامٍّ، وَلَا خَاصٍّ، وَالْمُسْتأدم بِهَا خَارِجٌ عَنِ الْعَرَبِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يَكُونُ إِدَامًا إِذَا انْفَرَدَ عَنِ الْخُبْزِ، وَيَصِيرُ إِدَامًا إِذَا أُكِلَ بِالْخُبْزِ، وَهُوَ يُسْتَأْدَمُ بِهِ فِي خُصُوصِ الْعُرْفِ دُونَ عُمُومِهِ كَالْعَسَلِ وَالدِّبْسِ وَالتَّمْرِ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ إِنْ أَكَلَهُ مُنْفَرِدًا، وَيَحْنَثُ بِهِ إِنْ أَكَلَهُ بِالْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْخُبْزِ إِدَامًا، وَلَمْ يَكُنْ بِانْفِرَادِهِ إِدَامًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أنَّهُ أَعْطَى سَائِلًا خُبْزًا وَتَمْرًا، وَقَالَ: هَذَا إِدَامُ هَذَا ".
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ، فَيُؤْكَلُ تَارَةً قُوتًا، وَتَارَةً أُدْمًا كالأزر وَالْبَاقِلَّاءِ فَلَهُ فِي أَكْلِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَأْكُلَهُ مَخْبُوزًا، فَقَدْ صَارَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قُوتًا، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْكُلَهُ مَطْبُوخًا بِخُبْزٍ أَوْ يَصْنَعَ بِهِ، فَقَدْ صَارَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِدَامًا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْكُلَهُ مَطْبُوخًا مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ خُبْزٍ، فَفِي حِنْثِهِ بِأَكْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يَحْنَثُ بِهِ اعْتِبَارًا بِصِفَتِهِ فِي الِائْتِدَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ فِي الْأَقْوَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُعْتَبَرَ عُرْفُ بَلَدِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي عُرْفِهِمْ إِدَامًا كَأَهْلِ الْعِرَاقِ حَنِثَ بِأَكْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي عُرْفِهِمْ قُوتًا كَطَبَرِسْتَانَ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ قُوتًا، فَالْأَقْوَاتُ مَا قَامَتْ بِهَا الْأَبْدَانُ، وَأَمْكَنَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ فِيهِ ضَرْبَانِ: عُرْفُ شَرْعٍ، وَعُرْفُ اسْتِعْمَالٍ.
فَأَمَّا عُرْفُ الشَّرْعِ فَهُوَ مُنْطَلِقٌ عَلَى مَا وَجَبَتْ فِيهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ، وَجَازَ إِخْرَاجُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ فِي عُرْفِ قُوتِهِ أَوْ خَرَجَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ عُرْفَ الشَّيْءِ عَامٌّ كَعُمُومِ أَحْكَامِهِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْوَاتِهِ.
وَأَمَّا عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فَمَا خَالَفَ عُرْفَ الشَّرْعِ، فَضَرْبَانِ: عُرْفُ اخْتِيَارٍ، وَعُرْفُ اضطرار.
فَأَمَّا عُرْفُ الِاخْتِيَارِ، فَكَالْبَوَادِي يَقْتَاتُونَ أَلْوَانَ الْحُبُوبِ وَسُكَّانِ جَزَائِرِ الْبِحَارِ يَقْتَاتُونَ لُحُومَ الصَّيْدِ، وَسُكَّانِ تِلْكَ الْجِبَالِ يَقْتَاتُونَ لُحُومَ الصَّيْدِ، فَيَحْنَثُ كُلُّ قَوْمٍ مِنْهُمْ بِأَكْلِ عُرْفِهِمْ فِي أَقْوَاتِهِمْ، وَلَا يَحْنَثُونَ بِعُرْفِ غَيْرِهِمْ؛ لِخُصُوصِهِ فِي عُرْفِهِمْ، وَيَحْنَثُونَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ؛ لِعُمُومِهِ فِيهِمْ، وَلَا يَحْنَثُ غَيْرُهُمْ بِعُرْفِهِمْ لِخُصُوصِهِ فِيهِمْ.
وَأَمَّا عُرْفُ الِاضْطِرَارِ فَكَأَهْلِ الْفَلَوَاتِ يَقْتَاتُونَ الْحَشِيشَ فِي زَمَانِ الْجَدْبِ، وَيَقْتَاتُونَ الْأَلْبَانَ فِي غَيْرِهَا فِي زَمَانِ الْخِصْبِ، فَيَحْنَثُونَ فِي زَمَانِ الْجَدْبِ بِقُوتِهِمْ فِي الْجَدْبِ وَالْخِصْبِ، ويحنثون في زمان الخصب بقوتهم في الخطب دُونَ الْجَدْبِ وَيَكُونُ عُرْفُ الزَّمَانِ مُعْتَبَرًا كَمَا كَانَ عُرْفُ الْمَكَانِ مُعْتَبَرًا.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا حَنِثَ بِكُلِّ مَطْعُومٍ مِنْ قُوتٍ وَإِدَامٍ وَفَاكِهَةٍ وَحَلْوَى، لِأَنَّ جَمِيعَهَا مَطْعُومَةٌ، فَانْطَلَقَ اسْمُ الطَّعَامِ عَلَيْهَا، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الدَّوَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا؛ لِأَنَّ اسْمَ الطَّعَامِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ.
وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الطَّعَامِ إِلَّا بِأَكْلِ الْحِنْطَةِ وَحْدَهَا اعْتِبَارًا بِاسْمِهِ عُرْفًا، وَهَذَا فَاسِدٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لَبَنِي إسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلَ عَلَى نَفْسِهِ) {آل عمران: 93) . يُرِيدُ كُلَّ مَطْعُومٍ فَصَارَ اسْمُ الطَّعَامِ فِي الشَّرْعِ مُنْطَلِقًا عَلَى كُلِّ مَطْعُومٍ، وَفِي الْعُرْفِ مُنْطَلِقًا بِالْعِرَاقِ عَلَى الْحِنْطَةِ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ أَوْلَى ... فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ حُمِلَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا عَلَى نِيَّتِهِ.
(فَصْلٌ:)
إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لا أكلت الحلوء حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا عُصِرَ بِالسُّكَّرِ أَوِ الْعَسَلِ أَوِ الدَّقِيقِ، حَتَّى امْتَزَجَ بِضَرْبِهِ مِنْ لَوْزٍ أَوْ جَوْزٍ أَوْ دَقِيقٍ، فَيَصِيرُ بِالْمَزْجِ دَاخِلًا فِي اسْمِ الْخَلْطِ الْحَلْوَاءِ، فَإِنِ انْفَرَدَ بِأَكْلِ سُكَّرٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ دِبْسٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ حُلْوٌ، وَلَيْسَ بِحَلْوَاءَ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَلَاوَةً حَنِثَ بِأَكْلِ هَذَا كُلِّهِ مُنْفَرِدًا وَمُمْتَزِجًا، وَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْفَوَاكِهِ الْحُلْوَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا حُلْوًا حَنِثَ بِأَكْلِ هَذَا كُلِّهِ، وَحَنِثَ بِأَكْلِ الْفَوَاكِهِ الْحُلْوَةِ، وَلَوْ حَلِفَ لَا يَأْكُلُ لَذِيذًا، فَأَكَلَ مَا يَسْتَلِذُّهُ هُوَ، وَلَا يَسْتَلِذُّهُ غَيْرُهُ حَنِثَ، وَلَوْ أَكَلَ مَا يَسْتَلِذُّهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَسْتَلِذُّهُ هُوَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَلِذٍّ بِمَا أَكَلَ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا أَكَلْتُ مُسْتَلَذًّا حَنِثَ بِمَا يَسْتَلِذُّهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَلَذَّ مِنْ صِفَاتِ الْمَأْكُولِ، وَاللَّذِيذَ مِنْ صِفَاتِ الْأَكْلِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا شَمَمْتُ الرَّيْحَانَ، حَنِثَ بِشَمِّ الشَّاهَسْفَرَمَ وهو الريحان
الْفَارِسِيُّ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِشَمِّ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ، وَلَا يشم الْيَاسَمِينِ وَالْخُزَامَى وَاللَّيْنُوفَرِ؛ لِخُرُوجِهَا عَنِ اسْمِ الرَّيْحَانِ بِأَسْمَائِهَا الْمُفْرَدَةِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا شَمَمْتُ مَشْمُومًا حَنِثَ بِشَمِّ هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّ اسْمِ الْمَشْمُومِ ينطلق على جمعيه، وَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ الْكَافُورِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ؛ لِخُرُوجِهَا عَنِ اسْمِ الْمَشْمُومِ بِأَسْمَائِهَا الْمُفْرَدَةِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشَمُّ طِيبًا حَنِثَ بِشَمِّ الْكَافُورِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِشَمِّ الْمَشْمُومِ لِخُرُوجِهِ عَنِ اسْمِ الطِّيبِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا شَمَمْتُ مُسْتَطَابًا حَنِثَ بِشَمِّ هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطَابُ الرَّائِحَةِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا لَبِسْتُ حُلِيًّا حَنِثَ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ بِاللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ حَتَّى يَمْتَزِجَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ اسْتِدْلَالًا بِالْعُرْفِ وَاحْتِجَاجًا بِالِاسْمِ.
وَدَلِيلُنَا: نَصُّ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِياً وَتَسْتَخْرَجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) {النحل: 14) ، وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ هُوَ اللُّؤْلُؤُ وَالْجَوْهَرُ وَالْمَرْجَانُ، فَجَعَلَهُ حُلِيًّا مَلْبُوسًا.
وَقَالَ تَعَالَى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسَهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (الحج: 23) .
قَرَأَ عَاصِمٌ وَنَافِعٌ " لُؤْلُؤًا " بِالنَّصْبِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْخَفْضِ، فَالنَّصْبُ مَحْمُولٌ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَالْخَفْضُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مِنَ الِانْفِرَادِ وَالِامْتِزَاجِ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُلِيًّا بِامْتِزَاجِهِ كَانَ حُلِيًّا بِانْفِرَادِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْحُلِيَّ مَا يُرَادُ إِمَّا لِلزِّينَةِ أَوْ لِلْمُبَاهَاةِ، وَهُمَا فِي الْحُلِيِّ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ أَوْفَى مِنْهُمَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
فَأَمَّا التَّحَلِّي بِالْخَرَزِ وَالصُّفْرِ، فَيَحْنَثُ بِهِ مَنْ كَانَ فِي عُرْفِهِمْ حُلِيًّا كَالْبَوَادِي وَسُكَّانِ السَّوَادِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ خَرَجَ عَنْ عُرْفِهِمْ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ فِي الْحِنْثِ بِهِ بَيْنَ مُبَاحِهِ وَمَحْظُورِهِ، فَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ لَمْ يَحْنَثْ به؛ لِأَنَّهُ بِاسْمِ الثَّوْبِ أَخَصُّ مِنْهُ بِاسْمِ الْحُلِيِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَقَلَّدَ بِسَيْفٍ مُحَلًّى لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ لَيْسَ بِحُلِيٍّ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ.
فَأَمَّا لُبْسُ مِنْطَقَةٍ مُحَلَّاةٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَفِي الْحِنْثِ بِهَا وجهان:
أحدهما: يحنث بها؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْآلَاتِ الْمُحَلَّاةِ كَالسَّيْفِ، وَيَحْنَثُ بِلُبْسِ الْخَاتَمِ ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ بِلُبْسِهِ إِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَحْنَثُ إِنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ مَأْلُوفَةٌ وَالذَّهَبَ غَيْرُ مَأْلُوفٍ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مَأْلُوفَ الْحُلِيِّ كَغَيْرِ مَأْلُوفِهِ كَالْأَسْوِرَةِ وَالْأَطْوَاقِ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُلِيًّا فِي الْأَسْوِرَةِ وَالْأَطْوَاقِ كَانَ حُلِيًّا فِي الْخَوَاتِيمِ كَالذَّهَبِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " تَحَلَّى خَاتَمًا مِنْ ذهبٍ ثُمَّ نَزَعَهُ ".
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى قومٍ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِيهِمْ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِهِ إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
فَأَمَّا إِذَا سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِيهِمْ، فَلِلْحَالِفِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصِدَهُ بِسَلَامِهِ عَلَيْهِمْ، فَهَذَا حَانِثٌ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْزِلَهُ بِنِيَّتِهِ، وَيَقْصِدُ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا غَيْرُ حَانِثٍ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَقَاصِدِ فِي عَقْدِهَا، فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ فِي حَلِّهَا، فَلَا وَجْهَ لِمَا عَدَا هَذَا الْقَوْلَ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ قَصْدٌ فِي إِرَادَتِهِ، وَلَا فِي عَزْلِهِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَنَّهُ فِيهِمْ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ، فَإِنْ علم أن فِيهِمْ، فَفِي حِنْثِهِ بِإِطْلَاقِ سَلَامِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا، وَنَقَلَهُ الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْكَلَامِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: حَكَاهُ الرَّبِيعُ مُنْفَرِدًا أَنَّ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ عَامٌّ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِهِمْ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِيهِمْ أَوْ عَلِمَ فَنَسِيَ، هَلْ يَكُونُ فِعْلُ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي فِي الْأَيْمَانِ كَالْعَالِمِ وَالذَّاكِرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهَا لَغْوٌ لَا يَحْنَثُ بِهَا، فَعَلَى هَذَا لَا يَحْنَثُ بِهَذَا السَّلَامِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهَا لَازِمَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْحِنْثُ، فَعَلَى هَذَا فِي حِنْثِهِ بِهَذَا السَّلَامِ قَوْلَانِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُكَ وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُكَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِإِعَادَةِ الْيَمِينِ مُكَلِّمًا لَهُ، وَلَوْ كَلَّمَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَجْنُونٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَكَانَ لَا يَعْلَمُ بِالْكَلَامِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ عَلِمَ بِالْكَلَامِ وَلَمْ يَفْهَمْهُ حَنِثَ، وَلَوْ كَلَّمَهُ وَهُوَ نَائِمٌ، فَإِنْ كَانَ كَلَامًا يوقظ
مِثْلَ النَّائِمِ حَنِثَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوقِظُ مِثْلَ النَّائِمِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ كَلَّمَهُ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِثْلَ كَلَامِهِ حَنِثَ بِهِ سَمِعَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: " وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَالْوَرَعُ أَنْ يَحْنَثَ وَلَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ لِأَنَّ الرَّسُولَ وَالْكِتَابَ غَيْرُ الْكَلَامِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رحمه الله هذا عندي به وبالحق أولى قال الله جل ثناؤه ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيالٍ سَوِياً﴾ إلى قوله ﴿بُكْرَةً وَعَشِياً﴾ فأفهمهم ما يقوم مقام الكلام ولم يتكلم وقد احتج الشافعي بأن الهجرة محرمةٌ فوق ثلاثٍ فَلَوْ كَتَبَ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى كَلَامِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ هَذَا مِنَ الْهِجْرَةِ التي يأثم بها (قال المزني) رحمه الله فلو كان الكتاب كلاماً لخرج به من الهجرة فتفهم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَيَكْتُبُ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ رَمَزَ إِلَيْهِ بِعَيْنٍ أَوْ حَاجِبٍ لَمْ يَحْنَثْ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيهِ، فَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا لَهُ ثَانِيًا، وَتَبِعَهُمْ فِيهِ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، فَخَرَجَ حِنْثُهُ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْهِ وَجَعَلُوا كَلَامَ الْمُزَنِيِّ دَلِيلًا عَلَيْهِمَا وَاخْتِيَارًا لِلصَّحِيحِ مِنْهُمَا.
وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ ذَكَرَهُ حِكَايَةً عَنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَهُ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ قَوْلًا، وَجَعَلُوا كَلَامَ الْمُزَنِيِّ احْتِجَاجًا لِلشَّافِعِيِّ، وَرَدًّا عَلَى مَالِكٍ.
وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى حِنْثِهِ بِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) {الشورى: 51) . فَجَعَلَ الْوَحْيَ كَلَامًا، لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً) {آل عمران: 41) . فَجَعَلَ الرَّمْزَ كَلَامًا، لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ يَقُومُ فِي الْأَفْهَامِ مَقَامَ الْإِفْهَامِ، فَصَارَ فِي حُكْمِ الْكَلَامِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوياً فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِياً﴾ (مريم: 10 - 11) . فَدَلَّ عَلَى خُرُوجِ الْوَحْيِ وَالْإِشَارَةِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلْرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِياً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) {مريم: 26، 27، 28، 29) . فَدَلَّ عَلَى خروج الإشارة
مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي نُهِيَتْ عَنْهُ، وَلِأَنَّ كَلَامَهُ مُخْتَصٌّ بِجَارِحَةِ لِسَانِهِ، وَكَلَامِ الرَّسُولِ بِلِسَانِ غَيْرِهِ، وَالْكِتَابِ مِنْ أَفْعَالِ يَدِهِ، فَصَارَ كَلَامُهُ مُخَالِفًا لِرِسَالَتِهِ، وَكِتَابُهُ مُخْرِجًا عَنْ حُكْمِ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَسَامِي دُونَ الْمَعَانِي وَالْأَسْمَاءُ في ذلك مختلفة فوجب أن يكون فِي أَحْكَامِ الْأَيْمَانِ مُخْتَلِفَةً، وَإِنِ اسْتَدَلَّ الْمُزَنِيُّ بِمَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الْهِجْرَةَ مُحَرَّمَةٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثلاثٍ.
وَالسَّابِقُ أَسْبَقُهُمَا إِلَى الْجَنَّةِ ".
قَالَ: فَلَوْ كَتَبَ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى كَلَامِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ هَذَا مِنَ الْهِجْرَةِ الَّتِي أَثِمَ بِهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبي إسحاق المروزي إنه عَلَى ظَاهِرِهِ، أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ عَنْ مَأْثَمِ الْهِجْرَةِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ مَأْثَمِ الْهِجْرَةِ كَالْكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْكَلَامِ فِي الْهِجْرَةِ نَفْيُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَحْشَةِ، وَعَوْدُهُمَا إِلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ مِنَ الْأُنْسَةِ، فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ الْكَلَامِ فِي الْهِجْرَةِ اعتباراً بمعنى وَلَمْ يَقُمْ مَقَامَ الْكَلَامِ فِي الْيَمِينِ اعْتِبَارًا بِالِاسْمِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَمْلِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْأَسَامِي، وَحَمْلِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْمَعَانِي.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَتَيْنِ، فَهُوَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ بِمَعْنَى لَكِنْ، فَجَازَ أَنْ يَعُودَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالُكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) {النساء: 29.
مَعْنَاهُ: لَكِنْ كُلُوهُ بِتِجَارَةٍ.
فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الِانْفِصَالُ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَسَامِي دُونَ الْمَعَانِي.
(فَصْلٌ:)
فَإِنْ كَلَّمَ غَيْرَهُ بِكَلَامٍ يَسْمَعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْرِيضٌ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْرِيضٌ لَهُ فَإِنْ كَانَ مُوَاجِهًا بِالْكَلَامِ حَنِثَ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُكَلِّمًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَاجِهٍ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ، رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا أَرَادَتِ الْخُرُوجَ إِلَى الْبَصْرَةِ أَشَارَتْ عَلَيْهَا أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ لَا تَفْعَلَ، وَحَلَفَتْ عَلَيْهَا إِنْ خَرَجَتْ أَنْ لَا تُكَلِّمَهَا، فَلَمَّا خَرَجَتْ وَعَادَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُعَرِّضَةً بِهَا: يَا حَائِطُ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: يَا حَائِطُ؟ أَلَمْ أَنْهَكَ؟ فَبَلَّغَتْ غَرَضَهَا، وَسَلِمَتْ مِنَ الْحِنْثِ.
والله أعلم.
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرَى كَذَا إِلَّا رَفَعَهُ إِلَى قاضٍ فَرَآهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُهُ إِلَيْهِ حَتَى مَاتَ ذَلِكَ الْقَاضِي لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُمْكِنَهُ فَيُفَرِّطُ وَإِنْ عزل فإن
كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ قَاضِيًا فَلَا يَجِبُ رَفْعُهُ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نيةٌ خَشِيتُ أَنْ يَحْنَثَ إِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَرْفَعَ إِلَى الْقَاضِي مَا رَآهُ مِنْ لُقَطَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ مُنْكَرٍ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُعَيِّنَ الْقَاضِي، وَيَصِفَهُ بِالْقَضَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعَيِّنَهُ، وَلَا يَصِفَهُ بِالْقَضَاءِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَصِفَهُ بِالْقَضَاءِ، وَلَا يُعَيِّنَهُ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: إِذَا وَصَفَهُ وَعَيَّنَهُ بِالْقَضَاءِ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَرْفَعُهُ إِلَى فُلَانٍ الْقَاضِي أَوْ إِلَى هَذَا الْقَاضِي، فَلِلْحَالِفِ فِيمَا رَآهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ، فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، لِوَفَائِهِ بِهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَرْفَعَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى يَمُوتَ الْقَاضِي أَوِ الْحَالِفُ، فَيُنْظَرُ.
فَإِنْ كَانَ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ إِلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ لِتَقْصِيرِهِ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَفْعِهِ إِلَيْهِ نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لِقُصُورِ الزَّمَانِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ زَمَانَ الْإِمْكَانِ شَرْطٌ فِي الْبِرِّ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ لِعُذْرٍ مَانِعٍ مِنْ إِكْرَاهٍ أَوْ مَرَضٍ، فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُرَاعِي الْغَلَبَةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُرَاعِي الْغَلَبَةَ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعْزَلَ الْقَاضِي عَنْ وِلَايَتِهِ، فَلَا يَخْلُو الْحَالِفُ فِي تَعْيِينِ القاضي بالاسم، والقضاء على ثلاثة؛ واحوال:
أحدهما: أَنْ يُرِيدَ رَفْعَهُ إِلَيْهِ فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ، فَيَجْعَلَ الْوِلَايَةَ شَرْطًا فِي الرَّفْعِ، فَيَجْرِي عَزْلُهُ عَنْهَا مَجْرَى مَوْتِهِ فِي الْحُكْمِ فِيهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُرِيدَ رَفْعَهُ إِلَيْهِ وَلَا يَجْعَلُ الْوِلَايَةَ شَرْطًا فَيَرْفَعُهُ إِلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، وَيَكُونُ كَحَالِهِ لَوْ كَانَ عَلَى وِلَايَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَفْعُهُ إِلَى الْوَالِي بَعْدَهُ، وَلَا يَبَرُّ إِنْ رَفَعَهُ إِلَيْهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا تَكُونَ له نية في ولاية، ولا عزل، فهو يُعْتَبَرُ فِيهِ حُكْمُ التَّعْيِينِ أَوْ حُكْمُ الصِّفَةِ على وجهين:
الأول: فمن حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ صَبِيًّا، فَكَلَّمَهُ رَجُلًا، أَحَدُهُمَا يَغْلِبُ فِيهِ حُكْمُ التَّعْيِينِ لِقُوَّتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ رَفْعُهُ إِلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وِلَايَتِهِ، وَيَحْنَثُ بِكَلَامِ الصَّبِيِّ إِذَا صَارَ رَجُلًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَغْلِبُ فِيهِ حُكْمُ الصِّفَةِ، لِأَنَّهَا كَالشُّرُوطِ فَلَا يَبَرُّ إِنْ رَفَعَهُ إِلَيْهِ بَعْدَ
عَزْلِهِ وَلَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ الصَّبِيِّ إِذَا صَارَ رَجُلًا.
فَإِنْ لَمْ يَعُدِ الْقَاضِي إِلَى وِلَايَتِهِ كَانَ كَمَوْتِهِ فِي بِرِّ الْحَالِفِ وَحِنْثِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، لِاحْتِمَالِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ خَشِيتُ أَنْ يَحْنَثَ إِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنِ احْتِمَالِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَلَوْ حَنَّثَ نَفْسَهُ وَرَعًا كَانَ أَحْوَطَ ".
فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْقِسْمِ الثَّانِي، فَهُوَ أَنْ لَا يُعَيِّنَهُ، وَلَا يَصِفَهُ بِالْقَضَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أرفعه إِلَى فُلَانٍ أَوْ إِلَى هَذَا، فَهَذَا يلزمه رفعه إليه في ولايته وعزله، فَيَبِرُّ إِذَا رَفَعَهُ إِلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَيَحْنَثُ إِذَا لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ، وَلَا يَبِرُّ إِنْ رَفَعَهُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَصِفَهُ بِالْقَضَاءِ، وَلَا يُعَيِّنَهُ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَرْفَعُهُ إِلَى الْقَاضِي أَوْ إِلَى قَاضٍ، فَلَا يَبِرُّ إِنْ رَفَعَهُ إِلَى مَعْزُولٍ، وَلَا يَسْقُطُ بِعَزْلِ قَاضِي الْوَقْتِ وَمَوْتِهِ، وَقَامَ غَيْرُهُ مِنَ الْقُضَاةِ مَقَامَهُ لِعَقْدِ الْيَمِينِ عَلَى وَالِي الْقَضَاءِ، ثُمَّ يُنْظَرُ.
فَإِنْ قَالَ: أَرْفَعُهُ إِلَى الْقَاضِي، بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لَزِمَهُ رَفْعُهُ إِلَى مَنْ تَقَلَّدَ قَضَاءَ ذَلِكَ الْبَلَدِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ رَفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ لَمْ يَبِرَّ، وَإِنْ قَالَ: إِلَى قاضٍ، بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَجَازَ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ، وَكَانَ يَرْفَعُهُ إِلَيْهِ بَارًّا، لِأَنَّ دُخُولَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ تَعْرِيفٌ وَحَذْفَهَا إِبْهَامٌ، وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ مَا لَهُ مالٌ وَلَهُ عرضٌ أَوْ دينٌ حَنَثَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَحْنَثُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْوَالَ ضَرْبَانِ: أَعْيَانٌ، وَدُيُونٌ.
فَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَجَمِيعُهَا أَمْوَالٌ مُتَمَوَّلَةٌ إِذَا صَحَّ أَنْ تُمْلَكَ بِعِوَضٍ، وَيُزَالُ الْمِلْكُ عَنْهَا بِعِوَضٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمُزَكَّاةِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ أَوْ كَانَ غَيْرَ مُزَكًّى كَالثِّيَابِ وَالْأَثَاثِ وَالْعَقَارِ.
فَإِذَا حَلَفَ مَا لَهُ مالٌ حَنِثَ بِجَمِيعِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمَالُ مَا وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ بِمَالٍ مَا لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْمَالُ هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَلَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ إِلَّا بِهِمَا، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) {التوبة: 103) ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) {المعارج: 24) ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا
زَكَاةَ فِيهِ خَارِجٌ مِنِ اسْمِ الْمَالِ؛ لِخُرُوجِهِ مِنْ حُكْمِ الزَّكَاةِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمَ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الأنعام: 152) وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً) {النساء: 10) ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْحَظْرَ مُتَنَاوِلٌ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ جمعيها أَمْوَالٌ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " خَيْرُ الْمَالِ سكةٌ مأبورةٌ، ومهرةٌ مأمورةٌ " يُرِيدُ بِالسِّكَّةِ: النَّخِيلَ الْمُصْطَفَّةَ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الدَّرْبُ سِكَّةً؛ لِامْتِدَادِهِ.
وَالْمَأْبُورَةُ هِيَ الَّتِي يُؤَبَّرُ ثَمَرُهَا، وَالْمُهْرَةُ الْمَأْمُورَةُ هِيَ الْكَثِيرَةُ النَّسْلِ، فَجَعَلَ النَّخْلَ وَالْخَيْلَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَلِأَنَّ الْأَعْيَانَ الْمُتَمَوَّلَةَ في العادة تكون أموالاً كالمزكاة؛ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَالِ مَا يُقْتَنَى وَيُتَمَوَّلُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ المزَّكَاةِ كَوُجُودِهِ فِي الْمُزَكَّى.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَتَيْنِ، فَهُوَ أَنَّ الْعُمُومَ وَإِنْ تَنَاوَلَ جَمِيعَهَا، فَهُوَ مَخْصُوصٌ فِي الزَّكَاةِ بِبَعْضِهَا مَعَ بَقَاءِ الِاسْمِ فِي الْخُصُوصِ، كَمَا بَقِيَ اسْمُ السَّارِقِ عَلَى مَنْ سَرَقَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، وَإِنْ خُصَّ بِسُقُوطِ الْقَطْعِ عَنْهُ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الدُّيُونُ فَضَرْبَانِ: حَالٌّ وَمُؤَجَّلٌ.
فَأَمَّا الْحَالُّ فَهُوَ مَالٌ مَمْلُوكٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَيَحْنَثُ بِهِ إِذَا حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ.
وَأَمَّا الْمُؤَجَّلُ فَفِي كَوْنِهِ مَالًا مَمْلُوكًا يَحْنَثُ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ كَالْحَالِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ بِمَالٍ مَمْلُوكٍ حَتَّى يَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ الدَّيْنُ مَالًا مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ حَالًّا، وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ احْتِجَاجًا بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَالًا كَالشُّفْعَةِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) {المعارج: 24) ، وَفِي الدَّيْنِ الزَّكَاةُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَالٌ؛ وَلِأَنَّ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَانَ مَمْلُوكًا كَالْأَعْيَانِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ، فَهُوَ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ كالمطالبة بإقباض الأعيان، ثم لم يمنع الْمُطَالَبَةُ بِالْأَعْيَانِ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، كَذَلِكَ الْمُطَالَبَةُ بِالدُّيُونِ.
وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ، فَالْمُسْتَحَقُّ فِيهَا الْحُكْمُ بِهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجُزِ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا، وَالْمُطَالَبَةُ بِالدَّيْنِ بَعْدَ ثُبُوتِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَلِذَلِكَ جَازَتِ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ، فَافْتَرَقَا.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ كَانَ لِهَذَا الْحَالِفِ مَالٌ مَرْهُونٌ أَوْ مَغْصُوبٌ حَنِثَ بِهِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ ضَالٌّ، فَفِي حِنْثِهِ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى بَقَائِهِ حَتَّى يُعْلَمَ هَلَاكُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهِ لِأَنَّ بَقَاءَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَمْ يَحْنَثْ بِالشَّكِّ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ مُدَبَّرٌ أَوْ مَكَاتَبٌ حَنِثَ بِهِمَا لِبَقَائِهِمَا عَلَى مِلْكِهِ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، فَفِي حِنْثِهِ بِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ لِأَنَّهَا كَالْمُكَاتَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعَاوِضَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِحُّ أَنْ يُسْتَرَقَّ فَيُبَاعَ، وَأُمُّ الْوَلَدِ لَا يَصِحُّ أَنْ تُسْتَرَقَّ فَتُبَاعَ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ وَقْفٌ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ رَقَبَتَهُ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ، وَإِنْ قِيلَ بِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ، فَفِي حِنْثِهِ بِهَا وَجْهَانِ كَأُمِّ الْوَلَدِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ سوطٍ فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا فَإِنْ كَانَ يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهَا مَاسَّتْهُ كُلُّهَا بَرَّ وَإِنْ أَحَاطَ أَنَّهَا لَمْ تَمَاسَّهُ كُلُّهَا لَمْ يَبَرَّ وَإِنْ شَكَّ لَمْ يحنث في الحكم ويحنث في الورع واحتج الشافعي بقول الله عز وجل: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ﴾ وضرب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بأثكال النخل في الزنا وهذا شيءٌ مجموعٌ غير أنه إذا ضرب بها ماسته (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ لو حلف ليفعلن كَذَا لوقتٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ فلانُ فَإِنْ مات أو غبي عَنَّا حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ حَنِثَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رحمه الله وكلا ما يبر به شكٌّ فكيف يحنث في أحدهما ولا يحنث في الآخر؟ فقياس قوله عندي أن لا يحنث بالشم (قال الشافعي) ولو لم يقل ضرباً شديداً فأي ضربٍ ضربه إياه لم يحنث لأنه ضاربه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ مِائَةً اشْتَمَلَ حُكْمُ بِرِّهِ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: عَدَدُ ضَرْبِهِ.
وَالثَّانِي: وُصُولُ جَمِيعِهَا إِلَى بَدَنِهِ.
وَالثَّالِثُ: فِي حُصُولِ الْأَلَمِ بِضَرْبِهِ.
فَأَمَّا ال
ْفَصْلُ
الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ ضَرْبِهِ، فَمُعْتَبَرٌ بِلَفْظِ يَمِينِهِ، وَلَهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْلِفَ أَنْ يَضْرِبَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يحلف أن يضربه مائة سوط.