كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والثالثة: أَنْ يَحْلِفَ أَنْ يَضْرِبَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ.
فَأَمَّا الْحَالُ الْأُولَى: إِذَا حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ مِائَةَ مَرَّةٍ، فَعَلَيْهِ فِي الْبِرِّ أَنْ يُفَرِّقَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهَا، فَإِنْ جَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا كَانَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا لَوْ رَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً اعْتَدَّهَا بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فِي سَبْعِ مَرَّاتٍ، وهذا متفق عليه.
وأما الحالة الثَّانِيَةُ: إِذَا حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهَا وَيَضْرِبَهُ بِمِائَةِ سَوْطٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونَ بَارًّا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ أَنْ يُفَرِّقَهَا وَلَا يَبِرَّ إِنْ جَمَعَهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ) {ص: 44) وَذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ تَعَالَى أَيُّوبَ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ عَدَدًا سَمَّاهُ، فَأَفْتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ العدد، فيضرها بِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً؛ لِيَبِرَّ فِي يَمِينِهِ.
وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مقعدٍ زَنَا أَنْ يُضْرَبَ بِإِثْكَالِ النَّخْلِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: مِائَةَ مَرَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: مِائَةَ سَوْطٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهَا أَنَّهُ جَعَلَ الْمَعْدُودَ فِي مِائَةِ مَرَّةٍ الْفِعْلَ، وَفِي مِائَةِ سَوْطٍ الْأَسْوَاطَ.
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: إِذَا حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُفَرِّقَهَا، وَلَا يَبِرَّ إِنْ جَمَعَهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَيَكُونُ الْعَدَدُ رَاجِعًا إِلَى الْفِعْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَبِرُّ بِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، وَيَكُونُ الْعَدَدُ رَاجِعًا إِلَى الْآلَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي وُصُولِ جَمِيعِهَا إِلَى بَدَنِهِ، فَمُعْتَبَرٌ بِلَفْظِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَضْرِبُكَ بِمِائَةِ سَوْطٍ جَازَ، إِذَا جَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا أَنْ لَا يَصِلَ جَمِيعُهَا إِلَى بَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ ضَارِبًا لَهُ بِمِائَةِ سَوْطٍ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْبَاءِ عَلَى الْعَدَدِ تَجْعَلُهُ صِفَةً لِآلَةِ الضَّرْبِ، وَلَا تَجْعَلُهُ صِفَةً لِعَدَدِ الضَّرْبِ.
وَإِنْ قَالَ: أَضْرِبُكَ مِائَةَ سَوْطٍ، وَحَذَفَ الْبَاءَ مِنَ الْعَدَدِ لَبَرَّ بِإِيصَالِ جَمِيعِهَا إِلَى بَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ صِفَةً لِعَدَدِ الضَّرْبِ دُونَ الْآلَةِ.
وَإِذَا كَانَ مِنْ شَرْطِ الْبِرِّ وَصُولُ جَمِيعِهَا إِلَى بَدَنِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِي جَمْعِهَا وَضَرْبِهِ بِهَا دُفْعَةً مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ وُصُولَ جَمِيعِهَا إِلَى بَدَنِهِ، فَيَكُونُ بَارًّا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ بَعْضَهَا لَمْ يَصِلْ إِلَى بَدَنِهِ، فَلَا يَكُونُ بَارًّا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَشُكَّ هَلْ وَصَلَ جميعها أو لم يصل، فمذهب الشافي إنَّهُ يَكُونُ بَارًّا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ وُقُوعِهَا علىالبدن أَنَّهُ لَمْ يَحُلْ عَنْهُ حَائِلٌ، فَحُمِلَ عَلَى الْبِرِّ فِي الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِالشَّكِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ: لَا يَبِرُّ بِشَكِّهِ فِي الْبِرِّ.
وَاسْتَدَلَّ الْمُزَنِيُّ بِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا الْوَقْتَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ، فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ أَوْ غَابَ، حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ حَنِثَ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ بِالشَّكِّ فِي الْمَشِيئَةِ بَارًّا فَكَيْفَ جَعَلَهُ بِالشَّكِّ فِي وُصُولِ الضَّرْبِ بَارًّا؟ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ إنَّهُ جَعَلَ الْمَشِيئَةَ شَرْطًا فِي حِلِّ الْيَمِينِ، وَقَدِ انْعَقَدَتْ فَلَمْ تُخِلَّ بِالشَّكِّ مَعَ عَدَمِ الظَّاهِرِ فِيهِ، وَجَعَلَ وَصُولَ الضَّرْبِ شَرْطًا فِي الْبِرِّ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِالشَّكِّ؛ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ فِيهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
فأما الضرب الثَّالِثُ فِي وُصُولِ الْأَلَمِ إِلَى بَدَنِهِ، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْبَرِّ، وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَأْلَمْ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: وُصُولُ الْأَلَمِ شرط في البر، فن لَمْ يَأْلَمْ بِهِ حَنِثَ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ مَقْصُودَ الضَّرْبِ بِتَأْثِيرِهِ، وَمَا لَا أَلَمَ فِيهِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَلَمُ فِي ضَرْبِ الْحُدُودِ شَرْطًا فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَيْمَانِ شَرْطًا فِيهَا حَمْلًا لِإِطْلَاقِهَا عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ.
وَدَلِيلُنَا أَمْرَانِ: احتجاجاً، وَانْفِصَالًا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جمع لضرب المقعد عتكالاً، لِيَدْفَعَ عَنْهُ الْأَلَمَ، وَيَسْتَقِرَّ بِهِ الْحُكْمُ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْأَيْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَسَامِي دُونَ الْمَعَانِي، فَجَازَ الِاقْتِصَارُ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الضَّرْبِ دُونَ الْأَلَمِ بِحُصُولِ الِاسْمِ، وَالْحُدُودُ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْأَسْمَاءِ وَالْمَعَانِي، فَجَازَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالِاسْمِ مَقْصُودُهُ مِنَ الْأَلَمِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الضَّرْبِ إِلَى بَشَرَةِ بَدَنِهِ اعْتُبِرَ حاله، فإن كَانَ كَثِيفًا يَخْرُجُ عَنِ الْعُرْفِ، وَيَمْنَعُ مِنَ الْإِحْسَاسِ، بِالضَّرْبِ لَمْ يَبِرَّ، وَإِنْ كَانَ مَأْلُوفًا لَا يَخْرُجُ عَنِ الْعُرْفِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِحْسَاسِ بِالضَّرْبِ بَرَّ وَإِنْ لَمْ يَأْلَمْ، وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةً فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ نَحَلَهُ أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ هبةٌ فَإِنْ أَسْكَنَهُ فَإِنَّمَا هِيَ عاريةٌ لَمْ يُمْلِكْهُ إِيَّاهَا فَمَتَى شَاءَ رَجَعَ فِيهَا وَكَذَلِكَ إِنْ حبس عليه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةً، فَالْهِبَةُ مِمَّا تَبَرَّعَ بِتَمْلِيكِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَتَمَلَّكُ عَنْهَا، فَيَحْنَثُ بِالْهِبَةِ إِذَا قَبَضَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَا يَحْنَثُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَيَحْنَثُ بِالْهَدِيَّةِ إِذَا قُبِضَتْ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا عُقْدَةٌ لأن العقد يعتبر فِي الْهِبَاتِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْهَدَايَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِهَا فِي كِتَابِ الْعَطَايَا وَيَحْنَثُ بِالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْهِبَاتِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ "، وَهَذَا مِمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، ثُمَّ إِذَا قُبِضَتِ الْهِبَةُ عَنْ عَقْدٍ تَقَدَّمَهَا فَفِي زَمَانِ حِنْثِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ حَتَّى يَمْلِكَ الْهِبَةَ:
أَحَدُهُمَا: بِالْقَبْضِ، فَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ وَقْتَ إِقْبَاضِهَا.
وَالثَّانِي: إنَّهُ يَدُلُّ الْقَبْضُ عَلَى مِلْكِهَا وَقْتَ عَقْدِهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَانِثًا وَقْتَ الْعَقْدِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إِذَا عَقَدَ الْهِبَةَ وَنَقَلَ، أَوْ سَلَّمَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَرَدَّهَا، فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَتِمَّ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّهُ يَحْنَثُ لِتَعَلُّقِهَا بِفِعْلِهِ، تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّهَا تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا إِذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ فَالصَّدَقَةُ ضَرْبَانِ فَرْضٌ وَتَطَوُّعٌ، فَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ لَمْ يَحْنَثْ بِهَا اتِّفَاقًا لِخُرُوجِهَا عَنْ تَبَرُّعِ الْهِبَاتِ، وَلَوْ كَانَتْ تَطَوُّعًا كَانَتْ هِبَةً يَحْنَثُ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْهِبَاتِ، وَلَا يَحْنَثُ بِهَا؛ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُهُمَا فِي الِاسْمِ لِأَنَّ لِكُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا اسْمًا.
وَالثَّانِي: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّ لِكُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا.
وَدَلِيلُنَا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِاتِّفَاقِهِمَا فِي التَّبَرُّعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْهُمَا مُتَبَرِّعٌ.
وَالثَّانِي: لِاتِّفَاقِهِمَا فِي سُقُوطِ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الِاسْمِ؛ فَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ فِي الْهِبَةِ، فَدَخَلَتْ فِي اسْمِ الْعُمُومِ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا فِي الْحُكْمِ فَهُمَا فِيهِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ فِي الْمَقَاصِدِ.
فَالْهَدِيَّةُ لِمَنْ عَلَا
قَصْدًا، لِاسْتِعْطَافِهِ، وَالْهِبَةُ لِمَنْ كَافَأَ قَصْدًا لِمَحَبَّتِهِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ دَنَا قَصْدًا لِثَوَابِهِ، وَالنِّحْلُ عَلَى مَنْ نَاسَبَ قَصْدًا لِبِرِّهِ، وَلَا يَمْنَعُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْمَقَاصِدِ مِنْ تَسَاوِيهِمَا فِي الْحُكْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَحَابَى فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُحَابَاةِ، لِخُرُوجِهَا عَنِ الْهِبَةِ بِلُزُومِهَا فِي الْعَقْدِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَوْهِبُ فَغَابَنَ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُغَابَنَةِ، وَلَوْ أَبْرَأَ مِنْ دَيْنٍ، فَإِنْ جَعَلَ الْقَبُولَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ حَنِثَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلِ الْقَبُولَ شَرْطًا فِيهِ، فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْهِبَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهِ؛ لِتَعَلُّقِهِ بِالذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لِمُكَاتَبِهِ فَأَبْرَأَ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ إِبْرَاءَ الْمُكَاتَبِ عِتْقٌ وَالْعِتْقُ لَيْسَ بِهِبَةٍ، وَلَوْ حَلَفَ لا يهب فعفى عَنْ قَوَدٍ قَدِ اسْتُحِقَّ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ لَيْسَ بمالٍ فَإِنْ جَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلى ماله وكذلك لو عفى عَنِ الشُّفْعَةِ لَمْ يَحْنَثْ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَيْهَا، وَلَوْ وَقَفَ وَقْفًا.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ رَقَبَةَ الْوَقْفِ لَا تُمَلَّكُ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا تُمْلَكُ فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ بِهِ لِنَقْلِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ بِمَنْعِهِ مِنْ كَمَالِ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَلَوْ أَوْلَمَ وَدَعَا إِلَى طَعَامِهِ فَأُكِلَ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ طَعَامَ الْوَلَائِمِ غَيْرُ مَوْهُوبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْذُونٌ فِي اسْتِهْلَاكِهِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّ الْآكِلَ يَتَمَلَّكُهُ بِالْأَكْلِ أَوْ يَتَمَلَّكُهُ بِالتَّنَاوُلِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَلَوْ وَصَّى بِوَصِيَّةٍ لَمْ يَحْنَثْ بِهَا، لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ تُمْلَكُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْحِنْثُ لَا يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَلَوْ أَعَارَ عَارِيَةً لَمْ يَحْنَثْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعَوَارِي تُمْلَكُ بِهَا الْمَنَافِعُ دُونَ الْأَعْيَانِ، وَالْهِبَاتُ مَا مُلِكَ بِهَا الْأَعْيَانُ؛ وَلِأَنَّ مِلْكَ الْمَنَافِعِ فِي الْعَوَارِي غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُعِيرُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا مَتَى شَاءَ وَهُوَ تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: " وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَرْكَبَ دَابَّةَ الْعَبْدِ فَرَكِبَ دَابَّةَ الْعَبْدِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ إِنَّمَا اسْمُهَا مضافٌ إِلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ هَذَا الْعَبْدِ وَكَانَ سَيِّدُهُ قَدْ
أَعْطَاهُ دَابَّةً جَعَلَهَا بِرَسْمِ رُكُوبِهِ وَلَمْ يُمَلِّكْهُ إِيَّاهَا فَرَكِبَهَا الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَا سَكَنْتُ دَارَ هَذَا الْعَبْدِ، وَكَانَ سيد قَدْ أَعْطَاهُ دَارًا جَعَلَهَا مَسْكَنَهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْنَثُ فِي الدَّابَّةِ وَلَا يَحْنَثُ فِي الدَّارِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تَصَرُّفَ الْعَبْدِ فِي الدَّابَّةِ أَقْوَى مِنْ تَصَرُّفِهِ فِي الدَّارِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ إِضَافَتَهُمَا إِلَيْهِ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ فَلَمَّا لَمْ يَحْنَثْ فِي الدَّارِ لِعَدَمِ مِلْكِهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي الدَّابَّةِ لِأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: إنَّ الْإِضَافَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمِلْكِ حَقِيقَةً، وَعَلَى الْيَدِ مَجَازًا، وَالْأَيْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ دُونَ الْمَجَازِ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الدَّابَّةُ فِي يَدِ سَائِسِهَا، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ حَنِثَ بِمِلْكِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِضَافَةَ مِلْكٍ، قِيلَ: لَمَّا اسْتَحَالَ فِيهَا إِضَافَةُ الْمِلْكِ حُمِلَتْ عَلَى مَا لَا يَسْتَحِيلُ لِوُجُودِهِ فِي شَوَاهِدِ الْمَعْقُولِ، وَهِيَ عَلَى الضِّدِّ مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْعَبْدِ.
(فَصْلٌ:)
وبعكس ما ذكرناه إذا حلف لم يَرْكَبُ دَابَّةَ زَيْدٍ أَوْ لَا يَسْكُنُ دَارَهُ فَرَكِبَ دَابَّةً جَعَلَهَا زَيْدٌ بِرَسْمِ عَبْدِهِ أَوْ سَكَنَ دَارًا جَعَلَهَا بِرَسْمِ عَبْدِهِ حَنِثَ فِي الدَّابَّةِ وَالدَّارِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَيَحْنَثُ فِي الدَّارِ وَلَا يَحْنَثُ فِي الدَّابَّةِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَإِذَا كَانَتِ الْإِضَافَةُ مَحْمُولَةً عَلَى الْمِلْكِ اسْتِعْمَالًا لِحَقِيقَتِهَا دُونَ مَجَازِهَا وَجَدَ بِهِ قِيَاسًا مُسْتَمِرًّا وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ زَيْدٍ فَسَكَنَ دَارًا يَسْكُنُهَا زَيْدٌ وَبَكْرٌ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَنَا، وَحَنَّثَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ الْعَبْدِ أَوْ لَا يَسْكُنُ دَارَهُ، فَمَلَّكَهُ سَيِّدُهُ دَابَّةً وَدَارًا فَفِي حِنْثِ الْحَالِفِ بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ وَسُكْنَى دار، قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ مِنَ الْعَبْدِ، هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ، فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مُلِّكَ فَعَلَى هَذَا لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ، فَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورٍ لِأَصْحَابِنَا، وَشَذَّ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَا يَحْنَثُ بِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ مُلِّكَ، لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ لِمَا تَمَلَّكَهُ السَّيِّدُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مَعْلُولٌ بِالْوَالِدِ إِذَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ كَانَ تَامًّا، وَإِنِ اسْتَحَقَّ الْوَالِدُ الرُّجُوعَ فِيهِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا إِذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ الْمَكَاتَبِ فَرَكِبَ دَابَّتَهُ حَنِثَ بِهَا الْحَالِفُ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَالِكُهَا، وَلَمْ يَحْنَثْ بِهَا مِنْ قَوْلِ مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ؛ تَعْلِيلًا بِأَنَّ ملكه غير مستقر.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَالَ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ صدقةٌ عَلَى مَعَانِي الْأَيْمَانِ فَمَذْهَبُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وعدةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعطاءٌ
وَالْقِيَاسُ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يمينٍ وَقَالَ مَنْ حَنَثَ فِي الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَفِيهِ قولان أحدهما قول عطاء كفارة يمينٍ ومذهبه أن أعمال البر لا تكون إلا ما فرض الله أو تبرراً يراد به الله عز وجل (قال الشافعي) والتبرر أن يقول لله علي إن شفاني أن أحج نذراً فأما إن لم أقضك حقك فعلي المشي إلى بيت الله فهذا من مِن معاني الأيمان لا معاني النذور (قال المزني) رحمه الله قد قطع بأنه قول عددٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والقياس وقد قال في غير هذا الموضع لو قال لله علي نذرٌ حج إن شاء فلانٌ فشاء لم يكن عليه شيءٌ إنما النذر ما أريد بن الله عز وجل ليس على معاني المعلق والشائي غير الناذر ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النَّذْرَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَذْرُ جَزَاءٍ وَتَبَرُّرٍ، وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى مَا أَوْلَاهُ اللَّهُ مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ دَفَعَهُ عَنْهُ مِنْ نِقْمَةٍ، كَقَوْلِهِ: إِنْ شفى الله مريضي أو رزقني ولداً لله عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: نَذْرُ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، فَالنَّفْيُ مَا الْتَزَمَ بِهِ نَفْيَ فِعْلٍ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَمَالِي صَدَقَةٌ، لِيَلْزَمَ بِنَذْرِهِ دُخُولَ الدَّارِ وَالْإِثْبَاتُ مَا الْتَزَمَ بِهِ إِثْبَاتَ فعلٍ، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ أَدْخُلِ الدَّارَ فَمَالِي صَدَقَةٌ، لِيَلْتَزِمَ بِنَذْرِهِ دُخُولَ الدَّارِ، وَالْإِثْبَاتُ مَا الْتَزَمَ بِهِ النَّفْيُ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَمَالِي صَدَقَةٌ، لِيَلْتَزِمَ بِنَذْرِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ إِذَا خَالَفَ عَقْدَ نَذْرِهِ وَحَنِثَ فِيمَا أَوْجَبَهُ على نفسهن فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى سِتَّةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ صَدَقَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ مَالَهُ بِمَا لَا يَصِيرُ مَوْصُوفًا بِهِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَمَالِي حرامٌ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ أَنَّهُ يُلْزَمُ الْوَفَاءَ بِنَذْرِهِ، وَالصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ النَّذْرِ كَالْجَزَاءِ وَالتَّبَرُّرِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَشْرُوعَةَ هِيَ الزَّكَاةُ.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ أَبَا لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْخَلِعُ عَنْ مَالِي؟ فَقَالَ: " الثُّلُثُ يُجْزِئُكَ ".
وَالْخَامِسُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ الْأَمْوَالِ الْمُزَكَّاةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا لَيْسَ بِمُزَكًّى.
وَالسَّادِسُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وأبي هريرة، وعائشة وحفصة وأم مسلمة وَفِي التَّابِعِينَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَفِي الْفُقَهَاءِ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ أَتَاناَ مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَدَّقَّنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (التوبة: 75، 76) فَتَوَعَّدَهُ عَلَى تَرْكِ الْوَفَاءِ وبنذره وَالْوَعِيدُ يَتَوَجَّهُ إِلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ نَذْرًا سَمَّاهُ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ ".
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُهُ فَلْيَفِ بِهِ " فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الصَّدَقَةَ بِشَرْطٍ فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ بِوُجُودِ الشَّرْطِ كالجزاء بالتبرر؛ ولأن كل حقٍّ لوم بِنَذْرِ الْجَزَاءِ، وَالتَّبَرُّرُ لَزِمَهُ بِنَفْيِ النَّذْرِ وَالْإِثْبَاتِ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ، وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا طَلَقْتُمْ) {المائدة: 89) فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى كُلِّ يَمِينٍ.
وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: " كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ " وَهَذَا نَصٌّ.
وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ وَلَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يمينٍ، وَمَنْ نَذَرَ مَا لَا يُطِيقُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يمينٍ ".
وَرَوَتْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ بِالْهَدْيِ أَوْ جَعَلَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي الْمَسَاكِينِ أَوْ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ " وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا نَصٌّ، وَلِأَنَّهُ بِانْتِشَارِهِ عَنْ سَبْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُمْ إِجْمَاعٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ.
رَوَى عُمَرُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: قسمه، فَقَالَ لَهُ: إِنْ عُدْتَ بِذِكْرِ الْقِسْمَةِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، وَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ الْكَعْبَةَ لَغَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
وَكَلِّمْ أَخَاكَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا يَمِينَ عَلَيْكَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلَا فِيمَا لَيْسَ لَكَ ".
وَرَوَى بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَتْ مَوْلَاتِي: لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَتِكَ وَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، وَأَنَا يومٌ يهوديةٌ ويومٌ نصرانيةٌ، ويومٌ مجوسيةٌ
إِنْ لَمْ أُفَرِّقْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَتِكَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ فَجَاءَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَابِ، فَقَالَ هَاهُنَا: " هَارُوتُ وَمَارُوتُ، فَقَالَتْ يَا طَيِّبَ بْنَ الطَّيِّبِ، ادْخُلْ أَعُوَذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِكَ قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تُفَرِّقِي بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، قَالَتْ: إِنِّي جَعَلْتُ كُلَّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، وَقُلْتُ: إِنَّهَا يومٌ يهوديةٌ، ويومٌ نصرانيةٌ، وَيَوْمٌ مجوسيةٌ، قَالَ: تُكَفِّرِينَ يَمِينَكِ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ فَتَاكِ وَفَتَاتِكِ.
وَرُوِيَ أَنَّهَا سَأَلَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ قَالَ لَهَا: كَفِّرِي عَنْ يَمِينِكِ وَخَلِّي بَيْنَهُمَا فَفَعَلَتْهُ.
وَرَوَى خِلَاسُ بْنُ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ أَهْدَتْ ثَوْبَهَا إِنْ مَسَّتْهُ، فَقَالَ: لِتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا، وَلِتَلْبَسْ ثَوْبَهَا وَإِذَا كَانَ هَذَا مَرْوِيًّا عَنْ هَذَا الْعَدَدِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُمْ فَهُوَ إِجْمَاعٌ قَاطِعٌ فَاعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْإِجْمَاعِ مَا حَكَاهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله الهندواي أَنَّ الْقَوْلَ بِالْوَفَاءِ قَوْلُ الْعَبَادِلَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
قِيلَ: لَهُمْ هَذِهِ دَعْوَى يَدْفَعُهَا مَا رَوَيْنَاهُ عن عبد بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّ أَحَدًا مِنْ نَقَلَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لَمْ يَرْوِ خِلَافَهُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْقِيَاسِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ وَيَجِبُ بِحِنْثِهِ كَفَّارَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حِنْثِهِ بِاللَّهِ جَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِهِ حُكْمُ حِنْثِهِ فِي النَّذْرِ كَقَوْلِهِ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَلِلَّهِ علي نذره.
وَلِأَنَّهُ لَوْ جَرَّدَ نَذْرَهُ عَنْ يَمِينٍ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ وَلَوْ جَرَّدَ يَمِينَهُ عَنْ نَذْرٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَهَذَا النَّذْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأَيْمَانِ الْمَحْضَةِ وَالنُّذُورِ الْمَحْضَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحِنْثُ فِيهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حِنْثِ الْأَيْمَانِ وَحِنْثِ النُّذُورِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي نَذْرِ جَزَاءٍ وَتَبَرُّرٍ عَقَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَفِ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرَيْنِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى نَذْرِ الْجَزَاءِ وَالتَّبَرُّرِ فَمِنْ وجهن:
أَحَدُهُمَا: إنَّ النَّذْرَ لَا لِمَحْضِ مُعَاوَضَةٍ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، فَيَجْعَلُ النَّذْرَ لَازِمًا فِي الْجَزَاءِ وَلَا يَجْعَلُهُ لَازِمًا فِي التَّبَرُّرِ الْمُبْتَدَأِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: إنَّ مَقْصُودَ النَّذْرِ طَاعَةُ اللَّهِ وَمَقْصُودَ هَذَا الْتِزَامُ فِعْلٍ أَوِ الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلٍ فَلِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ مَا اخْتَلَفَا فِي الحكم، وهذا قول من جعل نذراً التَّبَرُّرِ لَازِمًا كَمَا كَانَ نَذْرُ الْجَزَاءِ لَازِمًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَعْلِيقِ هَذَا النَّذْرِ بِالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ فَهُوَ أَنَّهُ وُقُوعُ عِتْقٍ وَطَلَاقٍ بِصِفَةٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى اسْتِئْنَافِ عِتْقٍ وَطَلَاقٍ مُخَالِفٌ حُكْمَ تَعْلِيقِهِ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي تَفْتَقِرُ إِلَى
فِعْلِهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ تَخْيِيرُهُ بَيْنَ هَذَا النَّذْرِ وَبَيْنَ الْوَفَاءِ وَالْكَفَّارَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا وَهُمَا فِي الْوُجُوبِ عَلَى سَوَاءٍ وَلَهُ الْخِيَارُ فِيمَا شَاءَ مِنْهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَهُ إِسْقَاطُهُمَا بِالنَّذْرِ لِأَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ أَغْلَبُ وَهِيَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَغْلَظُ وَإِنْ كَانَ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ أَفْضَلَ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالنُّذُورُ تَنْقَسِمُ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَلْزَمُهُ فِيهِ الْوَفَاءُ بِمَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ نَذْرُ الْجَزَاءِ وَالتَّبَرُّرِ إِذَا قَالَ: إِنْ شَفَانِي اللَّهُ تَصَدَّقْتُ بِمَالِي أَوْ حَجَجْتُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ أَوْ صُمْتُ شَهْرًا أَوْ صَلَّيْتُ أَلْفَ رَكْعَةٍ فَعَلَيْهِ إِذَا شَفَاهُ اللَّهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا الْتَزَمَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ كُلِّهِ.
وَفِي قَدْرِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَتَصَدَّقُ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ لِاسْتِثْنَائِهِ بِالشَّرْعِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَخَرَجَ مِنْ عُمُومِ نَذْرِهِ.
وَإِنْ أَوْجَبَ الْحَجَّ لَزِمَهُ أَنْ يَحُجَّ مُسْتَطِيعًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ، بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِالِاسْتِطَاعَةِ وَتَعَلَّقَ وُجُوبُ هَذِهِ بِالنُّذُورِ وَإِنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ صَلَّى، وَفِي وُجُوبِ الْقِيَامِ فِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ فِيهَا مَعَ الْقُدْرَةِ لِوُجُوبِهَا كَالْفُرُوضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَكَانَتْ بِالتَّطَوُّعِ أَشْبَهَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَلْزَمُهُ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ بِقَلِيلِ مَالِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إن شفاني الله فلله عَلَيَّ نَذْرٌ فَيَنْصَرِفُ إِطْلَاقُ هَذَا النَّذْرِ إِلَى الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَغْلَبُ مِنْ عُرْفِ النُّذُورِ، وَلَا يَتَعَذَّرُ إِطْلَاقُهَا بِمَالٍ فَجَازَتْ بِقَلِيلِ الْمَالِ اعْتِبَارًا بِالِاسْمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَلْزَمُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَحْدَهَا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَحْدَهَا تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْيَمِينِ عَلَى النُّذُرِ؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ مَعْلُومَةٌ، وَمُوجَبُ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقَعَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الْتِزَامِهِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَنْ يُعَلِّقَ نَذْرَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَلَا يُعَلِّقَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ بِالنَّذْرِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ يَلْتَزِمَ بِهِ فِعْلَ شَيْءٍ فَيَصِيرُ يَمِينًا عَقَدَهَا بِنَذْرٍ فَهِيَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ أَصْلِ النَّذْرِ وَأَصْلِ الْأَيْمَانِ، فَإِنْ كَانَ النَّذْرُ بِمَالٍ أَوْ صَلَاةٍ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ بِحَجٍّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ: فِيهِ قَوْلَانِ فَتَمَسَّكَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ بِظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَوَهِمَ فِي مُرَادِهِ فَخَرَجَ مَذْهَبُهُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْكَفَّارَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَتَكَلَّفَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَجَّ يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَصَارَ أَغْلَظَ فِي الِالْتِزَامِ مِنْ غَيْرِهِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ، كَمَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِي غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ، كَمَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ.
وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ لِلْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِي الصَّدَقَةِ أَقَاوِيلَ حَكَاهَا وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْحَجِّ إِلَّا قَوْلَانِ.
إِمَّا الْتِزَامُهُ وَإِمَّا التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّكْفِيرِ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ فِيهِ التَّخْيِيرَ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَا اخْتَلَفَ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ مُرَادِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إِذَا دَخَلْتُ الْبَصْرَةَ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ، أَوْ إِنْ رَأَيْتُ زَيْدًا فَعَلَيَّ الْحَجُّ فَيُنْظَرُ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّرَجِّيَ لِدُخُولِ الْبَصْرَةِ وَلِلِقَاءِ زَيْدٍ فَهُوَ مَعْقُودٌ عَلَى فِعْلٍ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ فِعْلِ نَفْسِهِ فَهُوَ نَذْرُ جَزَاءٍ وَتَبَرُّرٍ، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ دُخُولِ الْبَصْرَةِ وَرُؤْيَةِ زَيْدٍ فَهِيَ يَمِينٌ عَقَدَهَا عَلَى نَذْرٍ، فَيَكُونُ مُخَيَّرًا فِيهَا بَيْنَ الْوَفَاءِ، وَالتَّكْفِيرِ.
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: مَا اخْتَلَفَ حُكْمُهُ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يُعَلِّقَ نَذْرَهُ بِتَحْرِيمِ مَالِهِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَمَالِي عَلَيَّ حَرَامٌ.
فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَارِيَةَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتِ أَزْوَاجِكَ) {التحريم: 1) ثُمَّ قَالَ: {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تِحِلَّةَ أيْمَانِكُمْ﴾ (التحريم: 2) .
فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى نَفْسِهِ فَرَوَى الْأَكْثَرُونَ، أَنَّهُ حَرَّمَ مَارِيَةَ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الْحَالِفَ فِي تَحْرِيمِهِ غَيْرَ ذَاتِ الْفُرُوجِ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ، وَتَكُونُ اليمين فيه لغواً.
وروى طَائِفَةٌ أَنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْعَسَلُ، أَوِ الْمَعَافِيرُ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ الْحَالِفَ بِتَحْرِيمِ مَالِهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كَمَا يَلْزَمُهُ فِي تَحْرِيمِ ذَاتِ الْفُرُوجِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَالْقِسْمُ السَّابِعُ: مَا لَا يَلْزَمُهُ فِي النَّذْرِ بِهِ وَفَاءٌ، وَلَا كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ جَعَلَهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ، أَوْ نَذْرَ يَمِينٍ، وَيَكُونُ عَفْوًا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إِنْ جَعَلَهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ، أَوْ يَقُولُ إِنْ جَعَلَهُ نَذْرَ يَمِينٍ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ تَصَدَّقْتُ بِمَالِي إِنْ شَاءَ عَمْرٌو، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالَيْنِ أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ، وَلَا أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ وَالْيَمِينَ مَا عَلَّقَهَا بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَهَذَا النَّذْرُ وَالْيَمِينُ مُعَلَّقَانِ بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ، فَخَرَجَا عَنْ شَرْطِ النَّذْرِ وَشَرْطِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِمَا وُجُوبٌ بِمَشِيئَةٍ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ.
والله أعلم.