كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُمُومَ يَقْتَضِي عِتْقَ الْكَافِرَةِ وَالْمُؤْمِنَةِ وَاشْتِرَاطُ الْإِيمَانِ يَخْرُجُ مِنْهُ عِتْقُ الْكَافِرَةِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ اسْتِثْنَاءِ الْكَافِرَةِ مِنْهُ فَنَقُولُ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لَا أَنْ تَكُونَ كَافِرَةً فَبَانَ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ وَلَيْسَ بِزِيَادَةٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ على المؤمنة والقاتلة والفاسقة وهو أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمْ جَوَازُ عِتْقِهِمْ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَلِذَلِكَ أَجْزَأَ فِي الظِّهَارِ وَالْكَافِرَةُ لَا تُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَلَمْ تُجْزِئْ فِي كفارة الظهار والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً وَصَفَتِ الْإِسْلَامَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْأَعْجَمِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي اخْتِبَارِ إِيمَانِ السَّوْدَاءِ بِالْإِشَارَةِ وَكَانَتْ أَعْجَمِيَّةً وَلِأَنَّ الْإِيمَانَ يَثْبُتُ بِاللَّفْظِ الْأَعْجَمِيِّ كَمَا يَثْبُتُ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ لِأَنَّهُمَا يُعَبِّرَانِ عَنِ الِاعْتِقَادِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ كَالْإِقْرَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ أَعْتَقَ صَبِيَّةً أَحَدُ أَبَوَيْهَا مُؤْمِنٌ أَجْزَأَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ مَعًا فَهُوَ إِسْلَامٌ لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمَا إِجْمَاعًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذرياتهم﴾ [الطور: 21] وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ) فَأَمَّا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يَكُونُ إِسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِ أَمْ لَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَتَّى يُسْلِمَ أَبَوَاهُ مَعًا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبِيهِ وَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أُمِّهِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبًا أَوْ أُمًّا وَفِي قوله تعالى: ﴿وأتبعناهم ذرياتهم﴾ [الطور: 21] والأولاد من ذرية الأم كما (هم) مِنْ ذُرِّيَّةِ الْأَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: 84، 85] وَهُوَ وَلَدُ بِنْتٍ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ) فَجَعَلَهُ بِبَقَائِهَا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ يَهُودِيًّا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ
بِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا يَهُودِيًّا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ) فَإِذَا اخْتَلَفَ دِينُ الْأَبَوَيْنِ غَلَبَ دِينُ الْإِسْلَامِ لِعُلُوِّهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَسْلَمَتْ وَالْوَلَدُ حَمْلٌ صَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهَا فَكَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ وَضْعِهِ وَقَبْلَ بُلُوغِهِ، فَإِنْ قَالُوا: إِذَا كَانَ حَمْلًا وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا يَجْرِي مَجْرَى أَبْعَاضِهَا فَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ جُمْلَتِهَا فَإِذَا انْفَصَلَ تَمَيَّزَ ويختص بحكمه يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ إِذَا كَانَ حَمْلًا وَلَا يَتْبَعُهَا إِذَا كَانَ مُنْفَصِلًا، فَلَمَّا كَانَ بِإِتْبَاعِهِ فِي الدِّينِ يَصِحُّ بَعْدَ الِانْفِصَالِ وَقَبْلَهُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ أَبَوَاهُ وَإِتْبَاعُهُ فِي الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ بَعْدَ الِانْفِصَالِ كَمَا لَوْ بِيعَ أَبَوَاهُ فَلَمْ يَجُزِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ الْبَعْضِيَّةَ فِي الْأُمِّ مُتَحَقِّقَةٌ وَفِي الْأَبِ مَظْنُونَةٌ فَلَمَّا صَارَ بِإِسْلَامِ الْأَبِ مُسْلِمًا فَأَوْلَى أَنْ يَصِيرَ بِإِسْلَامِ الْأُمِّ مُسْلِمًا.
فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي النَّسَبِ وَفِي الْحُرِّيَّةِ وَعَقْدِ الصُّلْحِ فَيَتْبَعُهُ فِي الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الْأُمِّ.
قِيلَ: هَذَا الِاعْتِبَارُ يَفْسُدُ بِإِسْلَامِهَا وَهُوَ حَمْلٌ ثُمَّ قَدْ يُعْتَبَرُ بِأُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهَا فَضْلُ مَزِيَّةٍ عَلَى الْأَبِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْبَعْضِيَّةِ كَذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا تَصِيرُ مُسْلِمَةً بِإِسْلَامِ الْأَبَوَيْنِ جَازَ عِتْقُهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَجُوزُ عِتْقُهَا إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ عِتْقُهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ تُصَلِّيَ وَتَصُومَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِأَمْرَيْنِ:
أحدهما: أنه لما يُقْبَلْ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ إِلَّا بَالِغٌ لَمْ يُعْتَقْ فِي الْكَفَّارَةِ إِلَّا بَالِغٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الصِّغَرَ كَالزَّمَانَةِ لِاسْتِيلَاءِ الْعَجْزِ عَلَيْهِ وَعِتْقُ الزَّمِنِ لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ كَذَلِكَ عِتْقُ الصَّغِيرِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ: فَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ إِسْلَامَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَظْنُونٌ وَبَعْدَهُ مُتَحَقِّقٌ - وَدَلِيلُنَا: عُمُومُ قَوْله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلِأَنَّهَا رَقَبَةٌ مُسْلِمَةٌ سَلِيمَةٌ فَجَازَ عِتْقُهَا كَالْكَبِيرَةِ وَلِأَنَّ عِتْقَ الصَّغِيرِ أَطْوَلُ فِي الْحُرِّيَّةِ مُقَامًا فَكَانَتْ بِالْعِتْقِ أَوْلَى أَنْ يُفَكَّ مِنْ أَسْرِ الرِّقِّ مِنَ الْكَبِيرِ فَكَانَتْ بِالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ عِتْقَ الْكَفَّارَةِ مُوَاسَاةٌ وَالصَّغِيرُ أَحَقُّ بِالْمُوَاسَاةِ مِنَ الْكَبِيرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِدِيَةِ الْجَنِينِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ ظَاهِرٍ وَمَعْنًى.
أَمَّا الظَّاهِرُ: فَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي إِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ وَتَقْيِيدِهِ فِي الدِّيَةِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى: فَهُوَ أَنَّهَا فِي الدِّيَةِ قِيمَةُ مُتْلَفٍ فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وَفِي الْكَفَّارَةِ مُوَاسَاةٌ فَجَازَ أَنْ تَكُونَ مَجْهُولَةً.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الصِّغَرَ كَالزَّمَانَةِ فَهُوَ أَنَّ نَقْصَ الزَّمَانَةِ لَا يَزُولُ وَنَقْصَ الصِّغَرِ يَزُولُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ إِنَّ إِسْلَامَهَا مَجْهُولٌ مَظْنُونٌ فَهُوَ أَنَّ إِسْلَامَ الصَّائِمِ الْمُصَلِّي مَظْنُونٌ لِجَوَازِ أَنْ يُبْطِنَ الرِّدَّةَ، وَعَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا فَهُوَ يُسَاوِي الْمُتَيَقَّنَ فِي الْقِصَاصِ إِذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَكَذَلِكَ في الكفارة.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (أَوْ خَرْسَاءَ جِبِلِّيَّةٍ تَعْقِلُ الْإِشَارَةَ بِالْإِيمَانِ أَجْزَأَتْهُ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُعْتِقَهَا إِلَّا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِالْإِيمَانِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا الْأَخْرَسُ إِذَا حُكِمَ بِإِيمَانِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ فَعِتْقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ جَائِزٌ وَلَا يَمْنَعُ خَرَسُهُ مِنْ إِجْزَاءِ عتقه لأنه عيب لا يضر بالعمل إصراراً بَيِّنًا.
وَكَذَلِكَ الْأَصَمُّ فَإِنِ اجْتَمَعَ الْخَرَسُ وَالصَّمُّ لَمْ يَجُزْ فِي عِتْقِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا مُضِرٌّ بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا.
فَأَمَّا الْخَرْسَاءُ الْجِبِلِّيَّةُ الَّتِي لَمْ تَتْبَعْ أَحَدَ أَبَوَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ فَإِذَا وَصَفَتِ الْإِسْلَامَ بِالْإِشَارَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَكَانَتْ مَفْهُومَةَ الْإِشَارَةِ صَحَّ إِسْلَامُهَا وَأَجْزَأَ عِتْقُهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اخْتَبَرَ إِسْلَامَ السَّوْدَاءِ بِالْإِشَارَةِ، وَلِأَنَّ إِشَارَةَ الْخَرْسَاءِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ إِسْلَامَهَا مُعْتَبَرٌ بِالْإِشَارَةِ فَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهَا بَعْدَ الْإِشَارَةِ بِالْإِسْلَامِ أَجْزَأَتْهُ.
وَرَوَى الرَّبِيعُ فِي كِتَابِ (الْأُمِّ) إِذَا أَشَارَتْ بِالْإِسْلَامِ وَصلَّتْ جَازَ عِتْقُهَا فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ مِنْ صَلَاتِهَا بَعْدَ الْإِشَارَةِ هَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْعِتْقِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَوْكِيدٌ وَلَيْسَتْ شَرْطًا عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اقْتَصَرَ مِنَ الْأَعْجَمِيَّةِ عَلَى الْإِشَارَةِ بِالْإِسْلَامِ دُونَ الصَّلَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ صَلَاةَ الْأَخْرَسِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ إِسْلَامِهِ بِالْإِشَارَةِ وَحُمِلَ إِطْلَاقُ الْمُزَنِيِّ عَلَى تَفْسِيرِ الرَّبِيعِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ اسْتِدْلَالٌ يَخْتَصُّ بِالْأَخْرَسِ، وَالصَّلَاةُ فَقَدْ اشْتَرَكَ فِيهَا النَّاطِقُ وَالْأَخْرَسُ فَإِذَا أَمْكَنَ اخْتِبَارُ إِسْلَامِهِ بِمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ لَمْ يَجُزِ الِاخْتِصَارُ عَلَى مَا يُخْتَصُّ بِهِ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ سُبِيَتْ صَبِيَّةٌ مَعَ أَبَوَيْهَا كَافِرَيْنِ فَعَقَلَتْ وَوَصَفَتِ الْإِسْلَامَ وَصَلَّتْ إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ لَمْ تُجْزِئْهُ حَتَّى تَصِفَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الْبُلُوغِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا إِذَا سُبِيَتِ الصَّبِيَّةُ أَوِ الصَّبِيُّ مَعَ أَبَوَيْهِمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا فَلَا اعْتِبَارَ لِحُكْمِ السَّابِي وَهِيَ مُعْتَبَرَةُ الدِّينِ بِمَنْ سُبِيَ مَعَهَا مِنْ أَبَوَيْهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أبويها المسبي معها كان إسلاماً ولها وَأَجْزَأَ عِتْقُهَا فِي الْكَفَّارَةِ.
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَهِيَ عَلَى حُكْمِ الْكُفْرِ سَوَاءً كَانَ السَّابِي لَهَا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، فَإِنْ وَصَفَتِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ بُلُوغِهَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهَا وَجَازَ عِتْقُهَا، وَإِنْ وَصَفَتِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ بُلُوغِهَا وَصَلَّتْ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَمْيِيزِهَا وَعَقْلِهَا مَا تَقُولُ وَتَفْعَلُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِسْلَامًا مِنْهَا إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّمْيِيزِ وَالْعَقْلِ فِيمَا تَقُولُ وَتَفْعَلُ كَالْمُرَاهِقَةِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ إِسْلَامٌ كَمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ ارْتِدَادٌ لارتفاع القلم.
وقال أبو سعيد الاصطخري في أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ إِسْلَامُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ إِذَا عَقَلَ مَا يَقُولُ وَمَيَّزَ مَا يَفْعَلُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ الرِّدَّةُ وَفَرَّقَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ إِسْلَامَ غَيْرِ الْبَالِغِ يَصِحُّ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ وَرِدَّةَ غَيْرِ الْبَالِغِ لَا تَصِحُّ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ فَلَا يَصِحُّ تَبَعُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ الدَّارَكِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ وَيَكُونُ إِسْلَامُهُ فِي الْبَاطِنِ مَوْقُوفًا عَلَى بُلُوغِهِ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى إِسْلَامِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ أَظْهَرَ الشِّرْكَ لَمْ يُقْبَلْ فِي الظَّاهِرِ وَكَانَ مَقْبُولًا فِي الْبَاطِنِ.
وَالْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَأْتِي مِنْ بَعْدُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَبَعْدَ وَصْفِهِ الْإِسْلَامَ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَجْزَأَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى إِسْلَامِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَجْزَأَهُ عِتْقُهُ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ إِسْلَامُهُ، ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَإِنْ أَظْهَرَ الشِّرْكَ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ إِسْلَامُهُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِفَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ أَجْزَأَهُ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يُجْزِهِ فِي الْبَاطِنِ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا إِذَا سُبِيَ الطِّفْلُ دُونَ أَبَوَيْهِ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مُعْتَبِرٌ بِحُكْمِ سَابِيهِ وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّ الطِّفْلَ تَبَعٌ لِغَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَتْبَعْ أَبَوَيْهِ لِانْفِرَادِهِ عَنْهُمَا صَارَ تَبَعًا لَسَابِيهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمِلْكِهِ فَعَلَى هَذَا يُجْزِئُ عِتْقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلسَّابِي لِأَنَّ عَدَمَ الْبَعْضِيَّةِ لَا يَنْقُلُ حُكْمَهُ إِلَى مَالِكِ الرِّقِّ كَالْمُشْتَرِي فَعَلَى هَذَا لَا يجزئ عتقه في الكفارة.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَوَصْفُهَا الْإِسْلَامَ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَتَبْرَأَ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ وَأُحِبُّ لَوِ امْتَحَنَهَا بِالْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَمَا أشبهه) .
قال الماوردي: المعتبر في وصف الإسلام بثلاثة أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: الْبَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ.
وَالثَّالِثُ: الِاعْتِبَارُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
فَأَمَّا الشَّهَادَتَانِ فَهُوَ قَوْلُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ وَهَذَا شَرْطٌ فِي إِسْلَامِهِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَخَذَهُ عَلَى كُلِّ مِنْ أَخَذَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ.
وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ لَا يَصِحُّ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِهِ أَمْ لَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَاجِبٍ لِأَنَّ بَرَاءَتَهُ مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ مِنْ مُوجِبَاتِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي ثُبُوتِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ شَرْطٌ وَاجِبٌ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا إِلَّا بِهِ لِيَزُولَ الِاحْتِمَالُ عَنْ شَهَادَتِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ أَتَى فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَسَأَلَهُ عَنْ أُمُورٍ مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ فَأَخْبَرَهُ بِهَا فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ مُحِقٌّ فَقَالَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُبَايِعُونِي فَقَالَ: نَخَافُ أَنْ يَقْتُلَنَا يَهُودُ لِأَنَّ دَاوُدَ دَعَا أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ النُّبُوَّةَ فِي وَلَدِهِ فَلَمْ يُجْرِ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حُكْمَ الْإِسْلَامِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِنُبُوَّتِهِ وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَشْهَدُ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ دِينِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ شَرْطٌ فِي ثُبُوتِ الْإِسْلَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُّوذِيِّ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إِلَى إِسْمَاعِيلَ دُونَ إِسْحَاقَ وَهَذَا بَعْضُ قَوْلِ الْيَهُودِ، وَفِي إِسْلَامِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى لَمْ يَصِحَّ إِسْلَامُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ، وإن أن مِنَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى صَحَّ إِسْلَامُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالثَّوَابِ وَالْعَذَابِ فَكُلُّ ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَاجِبٍ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى نُبُوَّتِهِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي جُمْلَةِ تَصْدِيقِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الرِّقَابِ وَمَا لَا يجزئ)
(مسألة:)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (لَا يُجْزِئُ فِي رَقَبَةٍ وَاجِبَةٍ رَقَبَةٌ تُشْتَرَى بِشَرْطِ أَنْ تُعْتَقَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا) .
قَالَ الْمَاوَردِيُّ: فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ وَإِنْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ وَيُخَالَفُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ مَعَ بُطْلَانِ بَيْعِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ لَازِمٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَيُؤْخَذُ بِعِتْقِهِ جَزَاءً بِالشَّرْطِ وَلَا يُجْزِيهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِغَيْرِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: حَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى عِتْقِهِ لَكِنْ إِنِ امْتَنَعَ مِنْ عِتْقِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ فَفِي إِجْزَائِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عِتْقَهُ بِغَيْرِ الْكَفَّارَةِ فَأَجْزَأَ عَنِ الْعِتْقِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْعَبِيدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاشْتِرَاطَ فِي عِتْقِهِ ثَابِتٌ فِي فَسْخِ الْبَائِعِ إِنْ لَمْ يُعْتِقْ فَصَارَ مُسْتَحَقًّا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْطَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْ ثَمَنِهِ فَصَارَ نَقْصًا وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَ الْأَقَاوِيلِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا مُكَاتَبٌ أَدَّى مِنْ نُجُومِهِ شَيْئًا أَوْ لَمْ يُؤَدِّهِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
عِتْقُ الْمُكَاتَبِ وَاقِعٌ وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ يُجْزِئُ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ نُجُومِهِ وَلَا يُجْزِئُ إِنْ أَدَّاهُ اسْتِدْلَالًا بقول الله تعالى ﴿فتحرير رقبة﴾ وَاسْمُ الرَّقَبَةِ يَنْطَلِقُ عَلَى اسْمِ الْمُكَاتَبِ لِقَوْلِهِ تعالى ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: 60] وهم
الْمُكَاتَبُونَ فَصَارَ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ فَأَجْزَأَ وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ) وَإِذَا كَانَ عَبْدًا أَجْزَأَ عِتْقُهُ كَسَائِرِ الْعَبِيدِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهَا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ثَمَنِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ عِتْقُهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ قَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنَ الْإِجْزَاءِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَالْمَبِيعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ تَعْجِيلِ عِتْقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْعِتْقِ بِصِفَةٍ قَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنَ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْمَرْهُونِ قَالُوا: وَلِأَنَّ عِتْقَهُ يُوجِبُ فَسْخَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَصَارَ الْعِتْقُ وَاقِعًا بَعْدَ الْفَسْخِ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْفَسْخِ بِالْعَجْزِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَالْمُؤَدِّي بَعْضَ نُجُومِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَعْنَى فِي الْمُؤَدِّي بَعْضَ نُجُومِهِ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى بَعْضِ بَدَلِ الْعِتْقِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُؤَدِّهِ قِيلَ: لَيْسَ لِهَذَا الْمَعْنَى تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى بَعْضَ نُجُومِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ بَعْدَ فَسْخِ الْكِتَابَةِ أَجْزَأَ فَلَا يَكُونُ لِعَدَمِ هَذَا الْمَعْنَى تَأْثِيرٌ فِي الْإِجْزَاءِ لِأَنَّ الْعُقُودَ الْمَانِعَةَ من إجزاء عقه بَعْدَ الْأَدَاءِ هِيَ مَانِعَةٌ مِنْ إِجْزَاءِ عِتْقِهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ كَالْبَيْعِ وَالصُّلْحِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ حُرِّيَّةٍ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ عِتْقِ الْكَفَّارَةِ كَاسْتِيلَادِ أُمِّ الْوَلَدِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَعْنَى فِي أُمِّ الْوَلَدِ اسْتِقْرَارُ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهَا وَلَيْسَ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمُكَاتَبِ مُسْتَقِرًّا قِيلَ: اعْتِبَارُ هَذَا الْمَعْنَى يَفْسُدُ بِالْمُؤَدِّي بعض نجومه لأن سبب حريته غير مستقرولا يُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ مَنَعَهُ مِنْ بَيْعِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ عِتْقِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ كَالْبَيْعِ.
فَإِنْ قِيلَ الْمَعْنَى فِي الْبَيْعِ أَنَّ عِتْقَهُ لَا يَقَعُ وَالْمُكَاتَبُ عِتْقُهُ وَاقِعٌ قِيلَ: لَيْسَ اخْتِلَافُهُمَا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ مَانِعًا مِنِ اسْتِوَائِهِمَا فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَالْمُؤَدِّي بَعْضَ نُجُومِهِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجُزْ تَكْفِيرُهُ بِوَلَدِ الْمُكَاتَبِ لَمْ يَجُزْ تَكْفِيرُهُ بِالْمُكَاتَبِ كَالْوَرَثَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ الْوَرَثَةُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ الْمَوْرُوثُ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ، وَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مُكَاتَبِهِ كَمَا يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْمَنْعِ من الإجزاء بهما عن كفارته، ولأن سائراً أَحْكَامِ الْمُكَاتَبِ مُتَسَاوِيَةٌ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَبَعْدَهُ كَالشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالنَّسَبِ فَكَذَلِكَ فِي الْعِتْقِ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ إِبْرَاءٌ وَإِبْرَاؤُهُ عِتْقٌ وَعِتْقُهُ بِالْإِبْرَاءِ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ فَكَذَلِكَ إِبْرَاؤُهُ بِالْعِتْقِ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا بِسَبَبٍ إِلَى أَجَلٍ كَانَ تَعْجِيلُهُ مُعْتَبَرًا بِاسْتِحْقَاقِهِ لِذَلِكَ السَّبَبِ كَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ فَصَارَ تَعْجِيلُ الْعِتْقِ قَبْلَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ مُقَيَّدًا لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالْكِتَابَةِ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ إِجْزَائِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ لَوْ أُعْتِقَ بِالْأَدَاءِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ: فَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الرَّقَبَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةً لَمْ يَحْنَثْ بِمِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَلَوْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الرَّقَبَةِ لَكَانَ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ) وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يُعْتقَ مِنْهُ بِقَدْرِ أَدَائِهِ لَا أَنَّهُ كَالْعَبْدِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْعَبْدِ فَالْمَعْنَى فِيهِ جَوَازُ بَيْعِهِ وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِعِلَّةِ أَنَّهُ عَقْدٌ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فمنتقض بمن أدى بعض نجومه في الْمَعْنَى بِشَرْطِ الْخِيَارِ جَوَازُ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ فِيهِ بِغَيْرِ الْعِتْقِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْعِتْقِ بِصِفَةٍ فَالْمَعْنَى فِيهِ جَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِالْمَبِيعِ وَغَيْرِهِ وَتَمَلُّكِ أَكْسَابِهِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْمَرْهُونِ فَلِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِتْقِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَنْفَذُ عِتْقُهُ مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَنْفَذُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.
وَالثَّالِثُ: يَنْفَذُ عِتْقُهُ مَعَ يَسَارِهِ وَلَا يَنْفَذُ مَعَ إِعْسَارِهِ فَإِنْ مُنِعَ مِنْ نُفُوذِ عِتْقِهِ بَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، وَإِنْ قِيلَ بِنُفُوذِ عِتْقِهِ كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ وَيَمْلِكُ كَسْبَهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَلِأَنَّ الْمَرْهُونَ يَسْتَوِي حُكْمُ عِتْقِهِ بَعْدَ أَدَاءِ بَعْضِ الْحَقِّ وَقَبْلَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ أَدَاءِ بَعْضِ النُّجُومِ وَقَبْلَهُ.
وأما قولهم إِنَّ عِتْقَهُ مُوجِبٌ لِتَقْدِيمِ الْفَسْخِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عِتْقَهُ (إِبْرَاءٌ) وَلَيْسَ بِفَسْخٍ فَلَمْ يَسْلَمِ الِاسْتِدْلَالُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَسْخًا لَاسْتَوَى حُكْمُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَبَعْدَهُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يُجْزِئُ أُمُّ وَلَدٍ فِي قَوْلِ مَنْ لا يبيعها (قال المزني) رحمه الله تعالى هُوَ لَا يُجِيزُ بَيْعَهَا وَلَهُ بِذَلِكَ كِتَابٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا يُجْزِئُ عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا.
وَقَالَ دَاوُدُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَعِتْقُهَا عَنِ الْكَفَّارَةِ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: يَجُوزُ عِتْقُهَا عَنِ الْكَفَّارَةِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا.
وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَاسِدٌ وَإِبْطَالُ بَيْعِهَا يَأْتِي مِنْ بَعْدُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عِتْقَهَا لَا يُجْزِئُ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَارِيَةَ: (أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا)
أَيِ اسْتَحَقَّتْ عِتْقَهَا بِوَلَدِهَا لِأَنَّ تَجْوِيزَ عِتْقِهَا يَكُونُ بِمَوْتِهِ وَعِتْقُ الْكَفَّارَةِ مَا اخْتَصَّ بِهَا ولا يستحق بغيرها.
والثاني: أن استيلادها نَقْصٌ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ قُتِلَتْ وَجَبَ عَلَى قاتلها قيمتها ناقصة بالاستيلاد وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَمَالُ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا كَانَ كَالزَّمَانَةِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ عِتْقِ الْكَفَّارَةِ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَيُجْزِئُ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ أَبُو حنيفة ومالك الأوزاعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا يُجْزِيهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ لَا يَجُوزُ إِلْحَاقًا بِأُمِّ الْوَلَدِ.
وَعِنْدَنَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلْحَاقًا بِالْمُعْتَقِ بِصِفَةٍ وَالْكَلَامُ عَلَى بَيْعِهِ يَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَعْتَقَ مَرْهُونًا أَوْ جَانِيًا فَأَدَّى الرَّهْنَ وَالْجِنَايَةَ أَجْزَأَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا عِتْقُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَنِ الْكَفَّارَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ قَدَّمْنَا تَوْجِيهَهَا فِي كِتَابِ الرَّهْنِ.
أَحَدُهَا: أَنَّ عِتْقَهُ لَا يَصِحُّ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ.
وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ مَعَ الْيَسَارِ وَلَا يَصِحُّ مَعَ الْإِعْسَارِ فَإِنْ أُبْطِلَ الْعِتْقُ فَالْكَفَّارَةُ بَاقِيَةٌ وَالْعَبْدُ رَهْنٌ بِحَالِهِ وَإِنْ صَحَّ الْعِتْقُ بَطَلَ الرَّهْنُ وَأَجْزَأَهُ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ كَامِلُ الْمِلْكِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ الْعِتْقَ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَيُؤْخَذُ مِنَ الرَّاهِنِ الْمُعْتِقِ قِيمَتُهُ فَإِنْ كَانَ أَلْحَقُ حَالًّا جَعَلْتَهُ قِصَاصًا وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا رَهْنًا مَكَانَهُ أَوْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا مِنَ الْحَقِّ فَإِنْ أُعْسِرَ بِهَا أُنْظِرَ إِلَى مَعْسَرَتِهِ ثُمَّ غُرِّمَ مِنْ بَعْدِ يَسَارِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا عِتْقُ الْعَبْدِ الْجَانِي عَنِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ فَكَاكِهِ مِنَ الْجِنَايَةِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ يَنْفَذُ عِتْقُهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَنْفَذُ عِتْقُهُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ قَوْلَيْنِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقَوْلَانِ فِي جِنَايَةِ الْخَطَأِ، فَأَمَّا جِنَايَةُ الْعَمْدِ فَيَنْفَذُ عِتْقُهُ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقَوْلَانِ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ خَطَأً فَلَا يَنْفَذُ عِتْقُهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقَوْلَانِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مَعًا فَإِنْ سَوَّيْنَا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ سَوَّيْنَا بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، فََإِنْ فَرَّقْنَا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَفِي تَفْرِيقِنَا بَيْنَ الْمُوسِرِ والمعسر وجهان:
أَحَدُهُمَا: لَا فَرْقَ بَيْنَ يَسَارِ السَّيِّدِ وَإِعْسَارِهِ إِلَّا فِي تَعْجِيلِ الْغُرْمِ بِالْيَسَارِ وَإِنْظَارِهِ بِالْإِعْسَارِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ فَمَنْ قَالَ بِهَذَا اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ كَانَ مُوسِرًا نَفَذَ عِتْقُهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ معسراً فعلى قولين، فإن صَحَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرْتِيبِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَفِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْعِتْقَ قَدْ نَفَذَ أَجَزْأَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ لأنه عتق لا يستحق في غيره الْكَفَّارَةِ وَكَانَ الْمُعْتِقُ ضَامِنًا لِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَمَا دُونَ ضَمِنَ جَمِيعَهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْرُ قِيمَتِهِ لَا غَيْرَ لِأَنَّهُ لَوْ بِيعَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَضْمَنَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ كُلَّهُ لِأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ بَيْعِهِ لَجَازَ أَنْ يُوجَدَ رَاغِبٌ يَشْتَرِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَذُ فِي الْحَالِ فَهَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى أَدَاءِ الْأَرْشِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَكُونُ مَوْقُوفًا فَإِنْ أَدَّى السَّيِّدُ مَالَ الْجِنَايَةِ عُتِقَ حِينَئِذٍ وَأَجْزَأَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَإِنْ بِيعَ فِيهَا بَطَلَ وَكَذَلِكَ الْمَرْهُونُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ أَدَّى الرَّهْنَ وَالْجِنَايَةَ أَجْزَأَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا وَيَكُونُ بَاطِلًا مُرَاعَاةً لِأَنَّ الْعِتْقَ النَّاجِزَ لَا يُوقَفُ وَالْمَوْقُوفُ مَا عُلِّقَ بِالصِّفَاتِ وَهَذَا غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِصِفَةٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ أَدَّى أَجْزَأَهُ عَلَى إِجْزَاءِ الْأَدَاءِ دُونَ الْعِتْقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رضي الله عنه: ((قَالَ) وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ غَائِبًا فَهُوَ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو حَالُ الْعَبْدِ الْغَائِبِ إِذَا أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحَيَاتِهِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا، فَإِنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ حِينَ أَعْتَقَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ بِالْغَيْبَةِ بِإِبَاقٍ أَوْ غَيْرِ إِبَاقٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ صَادَفَ مِلْكًا تَامًّا وَمَنَافِعُ الْعَبْدِ فِي الْغَيْبَةِ كَامِلَةٌ وَقَدْ مَلَكَهَا بِالْعِتْقِ بَعْدَ أَنْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا بِالْإِبَاقِ وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِالْعِتْقِ أَوْ لَمْ يعلم لأن عمله لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي حُصُولِ الْإِجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِحَيَاتِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: - أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ فَيُجْزِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مُصَادَفَتِهَا لِمِلْكٍ تَامٍّ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَعْلَمَ بِحَيَاتِهِ بَعْدَ العتق فقد قال الشافعي هاهنا فَهُوَ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ فَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ عِتْقَهُ لَا يُجْزِيهِ وَقَالَ فِي الزَّكَاةِ إِنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ فِطْرِهِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَوَابَيْنَ إِلَى الْآخَرِ وَخَرَّجَ إِجْزَاءَ عِتْقِهِ وَوُجُوبَ زَكَاتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ حَيَاتِهِ وَفِي شَكٍّ مِنْ مَوْتِهِ فَحَمَلَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى يَقِينِ الْحَيَاةِ دُونَ الشَّكِّ فِي الْمَوْتِ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَفَّارَةِ وُجُوبُهَا فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالشَّكِّ، وَالْأَصْلُ فِي الزَّكَاةِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهَا فَلَمْ تَجِبْ بِالشَّكِّ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا تُجْزِيهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا وَتَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ ارْتِهَانُ ذِمَّتِهِ بِالْكَفَّارَةِ بِالظِّهَارِ الْمُتَحَقَّقِ وَارْتِهَانُهَا بِالزَّكَاةِ بِالْمِلْكِ الْمُتَحَقَّقِ فَلَمْ تَسْقُطِ الْكَفَّارَةُ بِالْحَيَاةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا وَلَا الزَّكَاةُ بِالْمَوْتِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ سُقُوطَ الْكَفَّارَةِ حَقٌّ لَهُ وَوُجُوبَ الزَّكَاةِ حَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ لَوْ شَكَّ فِي حَقٍّ لَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْطَعَ بِاسْتِحْقَاقِهِ وَلَوْ شَكَّ فِي حَقٍّ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْطَعَ بِسُقُوطِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ أَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ عَبْدًا مَغْصُوبًا نَفَذَ عِتْقُهُ لِأَنَّهُ صَادَفَ مِلْكًا تَامًّا.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ لِأَنَّهُ بالغضب مَسْلُوبُ الْمَنْفَعَةِ فَأَشْبَهَ الزَّمِنَ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ وَعَدَمِ الْإِجْزَاءِ.
وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْإِجْزَاءَ مُعْتَبَرٌ بِأَنْ يُنْظَرَ حَالُ الْعَبْدِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ غَاصِبِهِ بِالْهَرَبِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى سَيِّدِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَنَافِعِ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخَلَاصِ وَالْهَرَبِ فَالْإِجْزَاءُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ قَدَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْخَلَاصِ بِمَوْتِ الْغَاصِبِ أَوْ عَجْزِهِ أَجْزَأَهُ حِينَئِذٍ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخَلَاصِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُجْزِهِ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إِجْزَاؤُهُ مَوْقُوفًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِتْقُهُ مَوْقُوفًا كَالْغَائِبِ إِذَا عُلِمَ بِحَيَاتِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ أَعْتَقَ حَمْلَ جَارِيَةٍ لَهُ عِتْقُ الْحَمْلِ دُونَ أُمِّهِ وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ لِعِلَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشافعي:
أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ مَشْكُوكُ الْحَالِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَمْلًا صَحِيحًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ غَلَطًا أَوْ رِيحًا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الدُّنْيَا فَيَجْرِي عَلَيْهِ الْإِجْزَاءُ وَلِهَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَلَوْ سَقَطَ الْحَمْلُ حَيًّا لَمْ يُجْزِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْلِ إِذَا وُضِعَ وَبَيْنَ الْمَغْصُوبِ إِذَا خُلِّصَ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْمَغْصُوبِ مَوْجُودَةٌ وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا وَفِي الْحَمْلِ مَعْدُومَةٌ، وَلَوْ أَعْتَقَ الْأُمَّ عُتِقَتْ مَعَ حَمْلِهَا، وَكَانَ الْإِجْزَاءُ مُخْتَصًّا بِعِتْقِ الْأُمِّ دُونَ الْحَمْلِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ عِتْقِ الْأُمِّ حَيْثُ سَرَى إِلَى حَمْلِهَا وَبَيْنَ عِتْقِ الْحَمْلِ حَيْثُ لَمْ يَسْرِ إِلَى أُمِّهِ أَنَّ الْحَمْلَ تَابِعٌ وَالْأُمَّ مَتْبُوعَةٌ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ عُتِقَ بِمِلْكِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الَّذِينَ يُعْتِقُونَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ فَهُمُ الْوَالِدُونَ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، وَالْمَوْلُودُونَ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَأَوْلَادِ الْبَنِينَ وَأَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَلَا يُعْتَقُ مَنْ عدا هذين الطرفين من الأقارب والعصبات فإن اشْتَرَى أَحَدَ هَؤُلَاءِ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ عَتَقُوا عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَلَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمْ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ أَجْزَأَهُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهَا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ صَادَفَتْ نِيَّةَ الْحُرِيَّةِ بِسَبَبِ الْعِتْقِ فَوَجَبَ أَنْ تُجْزِئَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ بِالْمِلْكِ أَقْوَى مِنَ الْعِتْقِ بِالْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُتَحَتِّمٌ وَبِالْمُبَاشَرَةِ مُخَيَّرٌ فَلَمَّا أَجْزَأَهُ عِتْقُ الْمُبَاشَرَةِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُجْزِيَهِ عِتْقُ الْمِلْكِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ بِالْمِلْكِ قُرْبَةٌ وَعِتْقَ الْكَفَّارَةِ قُرْبَةٌ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ فَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ، وَلِأَنَّ تَرَادُفَ الْقُرَبِ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا بِصَوْمٍ فَاعْتَكَفَ شَهْرَ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ وَعَنْ نَذْرِهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رقبة﴾ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَرِّرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ وَهَذَا عِتْقٌ بِغَيْرِ تَحْرِيرٍ فَلَمْ يُجْزِهِ لِإِخْلَالِهِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ ثَبَتَ بِحَقِّ الِاسْتِيلَاءِ فَلَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ فَلَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِالْإِرْثِ فَنَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ مَعَ الْإِرْثِ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ الْمُسْتَحَقَّ بِسَبَبٍ إِذَا صُرِفَ بِالنِّيَّةِ عَنْ ذِكْرِ السَّبَبِ إِلَى الْكَفَّارَةِ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ نَوَى قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ أَنْ يَصِيرَ بِدُخُولِهَا حُرًّا عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ تَكْفِيرٌ
فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى الْوَالِدِ كَالطَّعَامِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ بِأَنَّهَا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ فَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّهَا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ كَمَا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ثُمَّ يَنْتَقِضُ بِمَنْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ مَلَكْتُ سَالِمًا أَنْ أُعْتِقَهُ فَمَلَكَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَهُوَ سَلِيمٌ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْعَبْدِ الْقِنِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبْقِيَهُ فَجَازَ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبْقِيَ أَبَاهُ عَبْدًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعِتْقَ بِالْمِلْكِ أَقْوَى مِنْهُ بِالْمُبَاشَرَةِ لِانْحِتَامِهِ فَهُوَ فَسَادُهُ بِأُمِّ الْوَلَدِ ثُمَّ حَقُّ الْمُبَاشَرَةِ بِالْعِتْقِ أَقْوَى لِأَنَّهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى التَّطَوُّعِ إِنْ شَاءَ وَإِلَى الْوَاجِبِ إِنْ أَحَبَّ وَلَيْسَ كَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ الَّذِي لَا يَقِفُ عَلَى خِيَارِهِ فِي التَّطَوُّعِ فَلَمْ يَقِفْ عَلَى خِيَارِهِ فِي الْوُجُوبِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُمَا قُرْبَتَانِ فَلَمْ يَتَنَافَيَا فَهُوَ فَسَادُهُ بِمَا ذَكَرْنَا فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ سَالِمٍ إِنِ اشْتَرَاهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ وَإِنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ قُرْبَتَانِ، وَمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِصَوْمٍ فَاعْتَكَفَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بِأَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ مُجْزِيًا عَنْ رَمَضَانَ دُونَ نَذْرِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً فَاشْتَرَاهَا بَطَلَ النِّكَاحُ بِالشِّرَاءِ فَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَوْ لَا يَظْهَرُ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بِهَا أَجْزَأَهُ عِتْقُهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ لِأَنَّهَا كَسَائِرِ رَقِيقِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ لَمْ يَطَأْ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ الشِّرَاءِ نَظَرَ فَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ أَلْحَقَ بِهِ الْوَلَدَ وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَأَجْزَأَهُ عِتْقُ الْأُمِّ لِأَنَّهَا عُلِّقَتْ بِهِ مِنْ عَقْدِ نِكَاحٍ فَلَمْ تَصِرْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وقت الشراء لم يحلق بِهِ وَأَجْزَأَهُ عِتْقُ الْأُمِّ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَعُتِقَ الْوَلَدُ بِعِتْقِ أُمِّهِ وَهُوَ حَمْلٌ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ فَلَا يَخْلُو حَالُ وَضْعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَنْ وَقْتِ الْوَطْءِ فَيَكُونُ لَاحِقًا بِهِ مِنْ عَقْدِ نِكَاحٍ لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ فَيُجْزِئُهُ عِتْقُ الْأُمِّ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَيُعْتَقُ الْوَلَدُ بِالْمِلْكِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَنْ وَقْتِ الْوَطْءِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَيُجْزِيهِ عِتْقُ الْأُمِّ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَيُعْتَقُ الْوَلَدُ تَبَعًا لِأُمِّهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ وَطْئِهِ فَيُلْحَقُ بِهِ عَنْ وَطْءٍ فِي مِلْكِهِ فَلَا يُجْزِيهِ عِتْقُ الْأُمِّ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَيَكُونُ الْوَلَدُ مَخْلُوقًا حراً.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ عَنْ ظِهَارِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَعْتِقَ وَلَا يُرَدُّ عِتْقُهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نِصْفَهُ فَإِنْ أَفَادَ وَاشْتَرَى النِّصْفَ الثَّانِيَ وَأَعْتَقَهُ أَجْزَأَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَعْتَقَ الْمُكَفِّرَ عبداً بينه وبين شريكه ناوياً بن عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ عُتِقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ أَمَّا نَصِيبُهُ مِنْهُ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ وَأَمَّا نَصِيبُ شَرِيكِهِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: يُعْتَقُ بِاللَّفْظِ أَيْضًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: بِاللَّفْظِ وَدَفْعِ الْقِيمَةِ مَعًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى فَإِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ بَأَنَ عِتْقَهُ بِاللَّفْظِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعِ الْقِيمَةَ لَمْ يُعْتَقْ وَلِتَوْجِيهِ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَوْضِعٌ.
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ تَفَرَّعَ حُكْمُ الْعِتْقِ وَالْإِجْزَاءِ عَلَيْهَا، فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْعِتْقَ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ وَاقِعٌ بِاللَّفْظِ أَوْ قُلْنَا إِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ فَدَفَعَهَا وَعَتَقَ بِاللَّفْظِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِتْقِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ الْوَاقِعِ بِاللَّفْظِ هَلْ هُوَ عِتْقُ مُبَاشَرَةٍ أَوْ عِتْقُ سِرَايَةٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِتْقُ مُبَاشَرَةٍ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ نَصِيبُ نَفْسِهِ يُعْتَقُ بِالْمُبَاشَرَةِ لِوُقُوعِهِ بِاللَّفْظِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ عِتْقٌ بِالسَّرَايَةِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِنَصِيبِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِيَكُونَ الْمَتْبُوعُ مُتَقَدِّمًا.
فَإِذَا صَحَّ هَذَانِ الْوَجْهَانِ نُظِرَ فَإِنْ نَوَى عِتْقَ جَمِيعِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ عِنْدَ لَفْظِهِ بِعِتْقِهِ أَجْزَأَهُ عِتْقُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لِأَنَّ الشَّرْعَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتِقَ لِحِصَّتِهِ مِنْ غَيْرِ مُشْتَرِكٍ كَالْمُعْتِقِ لِجَمِيعِهِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ نَوَى عِتْقَ حِصَّتِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ فَقَدْ أَجْزَأَهُ عِتْقُ نَصِيبِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ لِوُجُودِ نِيَّتِهِ مَعَ التَّلَفُّظِ بِعِتْقِهِ وَفِي إِجْزَاءِ مَا عُتِقَ عَلَيْهِ مِنْ حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ هَلْ يُعْتَقُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِالسَّرَايَةِ، فَإِنْ قِيلَ يُعْتَقُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَجْزَأَتْهُ نِيَّتُهُ فِي حِصَّتِهِ عَنِ النِّيَّةِ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ.
وَإِنْ قِيلَ يُعْتَقُ بِالسِّرَايَةِ لَمْ يُجْزِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَالِكًا لِجَمِيعِ الْعَبْدِ فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ يَنْوِي بِنِصْفِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ عُتِقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ وَأَجْزَأَهُ مِنْهُ لنِصْفِ الَّذِي نَوَاهُ وَفِي إِجْزَاءِ نِصْفِهِ الْبَاقِي وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ وَيَكُونُ عِتْقَ مُبَاشَرَةٍ.
وَالثَّانِي: لَا يُجْزِئُ وَيَكُونُ عِتْقَ سِرَايَةٍ.
(فَصْلٌ:)
إِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ: إِنَّهُ لَا يُعْتَقُ إِلَّا بِاللَّفْظِ وَدَفْعِ الْقِيمَةِ فَإِذَا دَفَعَ الْقِيمَةَ عَتَقَ وَكَانَ عِتْقًا بِالسِّرَايَةِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَتُعْتَقُ حِصَّتُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ، فَأَمَّا نِيَّةُ التَّكْفِيرِ فَمُعْتَبَرَةٌ فِي حِصَّتِهِ مَعَ التَّلَفُّظِ بِعِتْقِهِ وَفِي اعْتِبَارِهَا فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: مَعَ دَفْعِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نُفُوذِ الْعِتْقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَقْتُ اللَّفْظِ لِيَقْتَرِنَ بِسَبَبِ الْعِتْقِ وَلَا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُ كَمَا لَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْوَالِدِ لِتَقَدُّمِ سَبَبِهِ عَلَى نِيَّتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ مَعَ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْعِتْقِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ مَعَ دَفْعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نُفُوذِ الْعِتْقِ.
وَأَرَى وَجْهًا رَابِعًا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النِّيَّةِ مَعَ لَفْظِ الْعِتْقِ وَالنِّيَّةِ مَعَ دَفْعِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إِذَا وَقَعَ بِسَبَبَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْتَصَّ النِّيَّةُ بِأَحَدِهِمَا فَإِنْ نَوَى عِنْدَ أَحَدِهِمَا لَمْ يُجْزِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا عُتِقَ نَصِيبُهُ مِنْهُ وَلَمْ يُعْتَقْ نَصِيبُ شَرِيكِهِ وَأَجْزَأَهُ عِتْقُ النِّصْفِ الَّذِي مَلَكَهُ وَكَانَ الْبَاقِي مِنْهُ عَلَى رِقِّهِ فَإِنْ بَقِيَ عَلَى إِعْسَارِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُتِمَّ التَّكْفِيرَ بِالصِّيَامِ أَوِ الْإِطْعَامِ لَمْ يَجُزْ إِذَا أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا أَوْ يُطْعِمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا لِيَكُونَ نِصْفُ التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ وَنَصِفُهُ بِالصِّيَامِ أَوِ الْإِطْعَامِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فِي جِنْسَيْنِ، وَقِيلَ: عَلَيْكَ أَنْ تُكْمِلَ التَّكْفِيرَ بِالصِّيَامِ أَوِ الْإِطْعَامِ فَتَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي نِصْفِ الْعِتْقِ الَّذِي قَدَّمَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِتْقٌ نَافِدٌ فِي التَّكْفِيرِ وَكَمَّلَهُ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ لِئَلَّا يَتَبَعَّضَ الصِّيَامُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِيرُ تَطَوُّعًا وَيَكُونُ التَّكْفِيرُ بِصَوْمِ الشَّهْرَيْنِ لِأَنَّ الصَّوْمَ كَفَّارَةٌ كاملة وليس يلزم أن يريد عَلَيْهَا فَصَارَ مَا تَقَدَّمَهَا تَطَوُّعًا، وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ إِعْسَارِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْعِتْقِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْعِتْقِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْمُرَاعَى بِالْكَفَّارَةِ حَالُ الْوُجُوبِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى مَا مَضَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْعِتْقِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْمُرَاعَى بِالْكَفَّارَةِ حَالُ لأداء فَعَلَى هَذَا إِنِ اشْتَرَى نِصْفَهُ الَّذِي أَعْتَقَ نِصْفَهُ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ لِاسْتِقْرَارِ رِقِّهِ بَعْدَ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَخَالَفَ حَالُ يَسَارِهِ وَقْتَ عِتْقِهِ فَإِذَا أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ تَكَمَّلَ لَهُ عِتْقُ عَبْدٍ عَنْ كَفَّارَتِهِ فَأَجْزَأَهُ وَإِنْ فَرَّقَ الْعِتْقَ كَمَا يُجْزِئُ تَفْرِيقُ الطَّعَامِ.
وَإِنِ اشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ آخَرَ فَأَعْتَقَهُ حَتَّى يُكْمِلَ عِتْقَ رَقَبَةٍ مِنْ عَبْدَيْنِ فَفِي إجزائه وجهان:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ لِكَمَالِ الْعِتْقِ الْمُسْتَحَقِّ وَإِنْ تَبَعَّضَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ فِي التَّبْعِيضِ نَقْصًا وَعِتْقُ النَّاقِصِ غَيْرُ مُجْزِئٍ وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْنِ باقيهما حراً أَجْزَأَهُ لِارْتِفَاعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا وَإِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا مَمْلُوكًا لَمْ يُجْزِهِ لِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمَا وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى أَنْ جَعَلَ لَهُ رَجُلٌ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ لَمْ يُجْزِئْهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ عَنْ ظِهَارٍ وَلَهُ عَبْدٌ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ هَذَا عَنْ ظِهَارِكَ عَلَى أَنَّ لَكَ عَلَيَّ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ.
فَلَا يَخْلُو حَالُهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ ظِهَارِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ قَدْ أَعْتَقْتُ عَبْدِي عَنْ ظِهَارِي عَلَى عَشْرَةِ دَنَانِيرَ لِي عَلَيْكَ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ عَنْ ظِهَارِهِ لِأَنَّ عِتْقَ الظِّهَارِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا عَنْهُ وَلَا يَكُونُ مشتركاً بين الظهار بين غَيْرِهِ وَهَذَا عِتْقٌ قَدْ جَعَلَهُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظِّهَارِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْهُ فَلَمْ يَخْلُصْ عَنِ الظِّهَارِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الظِّهَارِ وَإِذَا لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الظِّهَارِ صَارَ الْعِتْقُ وَاقِعًا عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ وَعَلَيْهِ الْعَشْرَةُ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ صَرَفَ الْعِتْقَ إِلَى شَيْئَيْنِ إِلَى الظِّهَارِ وَإِلَى الْعِوَضِ فَإِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عَنِ الظِّهَارِ ثَبَتَ حُكْمُ الْآخَرِ وَهُوَ الْعِوَضُ فَصَارَ مُعْتِقًا عَبْدَ نَفْسِهِ بِعِوَضٍ عَلَى غَيْرِهِ فَوَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ وَيَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ وَعَلَيْهِ مَا بَذَلَهُ مِنَ الْعِوَضِ وَهُوَ الْعَشْرَةُ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ.
(فَصْلٌ:)
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ الْمُعْتِقُ: قَدْ أَعْتَقْتُ عَبْدِي هَذَا عَنْ ظِهَارِي دُونَ عِوَضِكَ فَيُعْتَقُ عَنْ ظِهَارِهِ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ خَالِصًا عَنْهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى بَاذِلِ الْعِوَضِ لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّهُ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ الْمُعْتِقُ: قَدْ أَعْتَقْتُ عَبْدِي هَذَا عَنْ ظِهَارِي وَيُمْسِكُ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ فَلَا يُصَرِّحُ بِإِثْبَاتِهِ وَلَا بِنَفْيهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْتِقَ بَعْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْبَاذِلِ لِلْبَذْلِ، فَيُجْزِيهِ عِتْقُهُ عَنْ ظِهَارِهِ لَا يَخْتَلِفُ لِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: إِمْسَاكُهُ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ فِي عِتْقِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: خُرُوجُهُ عَنْ حُكْمِ الْجَوَابِ لِبُعْدِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُعْتِقَهُ فِي الْحَالِ عُقَيْبَ الْبَذْلِ ففيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِيهِ عَنْ ظِهَارِهِ تَعْلِيلًا بِإِمْسَاكِهِ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْبَاذِلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِيهِ عَنْ ظِهَارِهِ وَيَكُونُ عَنِ الْبَاذِلِ وَعَلَيْهِ مَا بَذَلَ تَعْلِيلًا بِأَنَّ قُرْبَ الزَّمَانِ يُخْرِجُهُ مُخْرَجَ الْجَوَابِ فَصَارَ الْحُكْمُ مصروفاً إليه والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ رَجُلٌ عَبْدًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقُهُ وَلَوْ أَعْتَقَهُ بِأَمْرِهِ بِجُعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ وَالْوَلَاءُ لَهُ وَهَذَا مِثْلُ شِرَاءِ مَقْبُوضٍ أَوْ هِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْهُ بِجُعْلٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَنْ حَيٍّ لَمْ يَخْلُ عِتْقُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ الْعِتْقُ وَاقِعًا عَنِ الْمُعْتِقِ دُونَ الْمُعَتَقِ عَنْهُ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ عَنْهُ تَطَوُّعًا أَوْ عَنْ وَاجِبٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِهِ وَكَانَ الْعِتْقُ عَنِ المعتق ولا الولاء، فإن أعتقه عن واجب حاز وَكَانَ عَنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ وَلَهُ الْوَلَاءُ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَهَا عَنْ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَجَاءَ أَنْ يَنْفَعَهُ وَيَلْحَقَهُ ثَوَابُهُ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ الْوَاجِبَ كَالدَّيْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقْضَى دَيْنُ الْحَيِّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النَّجْمِ: 39] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (كِتَابُ اللَّهِ أَصْدَقُ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . فَلَمْ يَجْعَلِ الْوَلَاءَ إِلَّا لِمُعْتِقٍ، وَلِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ وَفِي عِتْقِ غَيْرِهِ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْعِتْقِ مِنْهُ وَعَدَمِ النِّيَّةِ فَكَانَ بِأَنْ لَا يُجْزِيَهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ ضَرْبَانِ عَلَى بَدَنٍ وَفِي مَالٍ.
فَأَمَّا عِبَادَاتُ الْأَبْدَانِ: كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ فَلَا تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ بِحَالٍ، وَأَمَّا عِبَادَاتُ الْأَمْوَالِ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ فَلَا تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ بِغَيْرِ إِذَنٍ وَتَصِحُّ بِإِذْنٍ، كَذَلِكَ الْعِتْقُ فِي الْكَفَّارَةِ عِبَادَةٌ فِي مَالٍ يَجِبُ أَنْ تَصِحَّ بِإِذْنٍ وَلَا تَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عِتْقِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ أَخِيهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ لِقَوْلِهَا رَجَاءَ أَنْ يَنْفَعَهُ وَيَلْحَقَهُ ثَوَابُهُ وَمَالِكٌ يَمْنَعُ مِنْ تَطَوُّعِ الْعِتْقِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلَوْ كَانَ عَنْ وَاجِبٍ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَنْ إِذْنِهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَمْ يكون فِيهِ دَلِيلٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ وَلِذَلِكَ سَقَطَ بِالْإِبْرَاءِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ نِيَّةُ الْأَدَاءِ فَجَازَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِيهِ أَنْ يُقْضَى عَنْهُ وَالْعِتْقُ مُسْتَحَقٌّ فِيهِ النِّيَّةُ فَلَمْ يَجُزْ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ أُعْتِقَ عَنِ الْحَيِّ بِإِذْنِهِ جَازَ وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ سَوَاءً كَانَ الْعِتْقُ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا وَسَوَاءً أَعَتَقَ عَنْهُ بِجُعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جُعْلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِجُعْلٍ جَازَ وَإِنْ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ جُعْلٍ لَمْ يَجُزِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَنْ جُعْلٍ فَهُوَ مَبِيعٌ وَعِتْقُ المبيع قبل قبضه يجوز، وإذا كن بِغَيْرِ جُعْلٍ فَهُوَ هِبَةٌ وَعِتْقُ الْمَوْهُوبِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَجُوزُ وَلِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ وَلَيْسَ بِالْعِتْقِ فِيهَا قَبْضًا لِأَنَّهُ بِتَسْلِيمِ الرَّقَبَةِ وَلَمْ يَحْصُلْ بِالْعِتْقِ تَسْلِيمٌ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الشَّرْعِ قَدْ أُقِيمَ مُقَامَ الْقَبْضِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا لَوْ أَعْتَقَهُ فِي يَدِ بَائِعِهِ نَفَذَ عِتْقُهُ وَسَقَطَ عَنِ الْبَائِعِ ضَمَانُهُ وَإِذَا كَانَ قَبْضًا فِي الْبَيْعِ صَارَ قَبْضًا فِي الْهِبَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي صِحَّةِ الْعِتْقِ.
وَلِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْعِتْقِ يُحَصِّلُ اسْتِدْعَاءَ مُعَاوَضَةٍ تَفْتَقِرُ عِنْدَنَا إِلَى إِيجَابٍ وَقَبْضٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَقَبْضٍ وَالْعِتْقُ قَائِمٌ مُقَامَ الْإِيجَابِ وَالْقَبْضِ عِنْدَنَا وَقَائِمٌ مُقَامَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ عِنْدَهُمْ، وَالْإِذْنُ فِي الْعِتْقِ بِغَيْرِ جُعْلٍ يُحَصِّلُ اسْتِدْعَاءَ هِبَةٍ يَفْتَقِرُ عِنْدَنَا إِلَى إِيجَابٍ وَقَبْضٍ وَعِنْدَهُمْ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَقَبْضٍ وَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ بَعْدَهَا قَائِمًا مُقَامَ الْإِيجَابِ وَالْقَبْضِ كَالْبَيْعِ، وَفِي هَذَيْنِ الِاسْتِدْلَالَيْنِ انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ اسْتِدْلَالَيْنِ، وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ إِذَا جَازَتْ بِفِعْلِ الْغَيْرِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا بَدَلُ الْعِوَضِ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْهُ بِجُعْلٍ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَعْنَاهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِإِبْطَالِهِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ بِجُعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَسَوَاءٌ فِي الْعِتْقِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِجُعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَازِ الْعِتْقِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ بِجُعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ بِالْجُعْلِ بَيْعٌ وَبِغَيْرِ الْجُعْلِ هِبَةٌ فَهُوَ لَا يُعْتِقُهُ عَنْهُ إِلَّا وَقَدْ مَلَكَهُ ثُمَّ عَتَقَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: مَتَى يَصِيرُ مَالِكًا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِالْعِتْقِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَالِكًا لَهُ بِاسْتِدْعَاءِ الْعِتْقِ ثُمَّ عَتَقَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمِلْكِ بِلَفْظِ الْعِتْقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِأَوَّلِ لَفْظِ الْعِتْقِ وَيُعْتِقُ بِآخِرِ لَفْظِ الْعِتْقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنْ يَقَعَ الْمِلْكُ وَالْعِتْقُ مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَفْظِ الْعِتْقِ فَمَنِ اشْتَرَى أباه مَلَكَهُ وَعُتِقَ عَلَيْهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ: قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِلَفْظِ الْعِتْقِ وَيُعْتِقُ بَعْدَ
استقرار الملك، [وكذلك يقول فيمن اشترى أباه أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالشِّرَاءِ وَيُعْتِقُ عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ] . وَمِثَالُ هَذِهِ ال
ْمَسْأَلَةِ
اخْتِلَافُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ دُعِيَ إِلَى أَكْلِ طَعَامٍ مَتَى يَمْلِكُ مَا يَأْكُلُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: يَمْلِكُ اللُّقْمَةَ إِذَا أَخَذَهَا بِيَدِهِ.
وَالثَّانِي: إِذَا وَضَعَهَا فِي فَمِهِ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا ابْتَلَعَهَا، فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهَا إِذَا أَخَذَهَا بِيَدِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهَا غَيْرَهُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَالِكَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي تَمَلُّكِهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ كَالْعَارِيَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ مَنَافِعَهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعِيرَهَا غَيْرَهُ.
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْعِتْقُ عَنِ الْمَيِّتِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَنْ وَصِيَّةٍ مِنْهُ فَيَصِحُّ سَوَاءً كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ بِهِ تَقُومُ مُقَامَ مُبَاشَرَتِهِ لَهُ، وَلَوْ بَاشَرَ عِتْقَ التَّطَوُّعِ صَحَّ فَكَذَلِكَ إِذَا أَوْصَى بِهِ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ تَطَوُّعًا فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ سَوَاءً كَانَ الْعِتْقُ مِنْ وَارِثٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ وَوَقَعَ الْعِتْقُ عَنِ الْمَالِكِ الْمُعْتِقِ دُونَ الْمَيِّتِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ وَاجِبًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجِبَ وُجُوبًا لَا تَخْيِيرَ فِيهِ كَالْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ فَيَصِحُّ عَنِ الْمَيِّتِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَبِغَيْرِ وَصِيَّتِهِ مَنْ أَصْلِ تَرِكَتِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ عَنْهُ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ بِأَمْرِهِ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْأَمْوَالِ فَأَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ فِيهِ لِلْمَيِّتِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ يَنْتَقِلُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى الْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَتِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي الْعِتْقِ الْوَاجِبِ تَخْيِيرٌ مِثْلَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ الَّتِي هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ الثَّلَاثَةِ قِيمَةً صَحَّ وَإِنْ كَانَ أكثرها قيمة لم يصح لأنه بِنُقْصَانِهِ وَاجِبًا وَزِيَادَتِهِ تَطَوُّعًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْمُعْتِقِ فَفِي جَوَازِهِ عَنْهُ وجهان:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُ عَنْهُ وَيَكُونُ وَاقِعًا عَنِ الْمُعْتِقِ دُونَ الْمَيِّتِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْزِئُ عَنِ الْمَيِّتِ وَيَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ وَيَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى أَقْرَبِ عَصَبَتِهِ لِأَنَّهُ عِتْقٌ وَاجِبٌ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ تَخْيِيرٌ لِسُقُوطِ الْوَاجِبِ بِهِ فَأَشْبَهَ ما لا تخيير فيه.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ عَنْ ظِهَارَيْنِ أَوْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَبْدًا تَامًّا نصفاً عن واحدة ونصفاً عن عَنْ وَاحِدَةٍ ثُمَّ أُخْرَى نِصْفًا عَنْ وَاحِدَةٍ وَنِصْفًا عَنْ وَاحِدَةٍ فَكَمَلَ فِيهَا الْعِتْقُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ إِمَّا مِنْ جِنْسَيْنِ مِثْلَ كَفَّارَةِ قَتْلٍ وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِثْلَ كَفَّارَتَيْ قَتْلٍ أَوْ كَفَّارَتَيْ ظِهَارٍ فَأَعْتَقَ عَنْهُمَا عَبْدَيْنِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْتِقَ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ بِعَيْنِهِ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ بِعَيْنِهَا وَيُعْتِقَ الْعَبْدَ الْآخَرَ عَنِ الْكَفَّارَةِ الْأُخْرَى فَهَذَا جَائِزٌ وَيَكُونُ الْعِتْقُ فِيهِمَا عَلَى مَا عَيَّنَ وَنَوَى، فَلَوْ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْقُلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَبْدَيْنِ إِلَى الْكَفَّارَةِ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ وَكَانَ الْعِتْقُ نَافِذًا عَلَى التَّعْيِينِ الْأَوَّلِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُعْتِقَ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ لَا يُعَيِّنُهَا وَيُعْتِقَ الْعَبْدَ الْآخَرَ عَنِ الْكَفَّارَةِ الْأُخْرَى لَا يُعَيِّنُهَا فَيُجْزِيهِ أَيْضًا سَوَاءً كَانَتِ الْكَفَّارَتَانِ عَنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يُعَيِّنَ اسْتِدْلَالًا: بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ فِي الْمُوجِبِ وَالْمُوجَبِ فَافْتَقَرَتْ إِلَى التَّعْيِينِ كَالصَّلَاةِ وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْمُوجِبِ أَنَّ إِحْدَاهُمَا عَنْ قَتْلٍ وَالْأُخْرَى عَنْ ظِهَارٍ وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْمُوجَبِ أَنَّ فِي إِحْدَاهُمَا إِطْعَامًا وَلَيْسَ فِي الْأُخْرَى إِطْعَامٌ.
ودليلنا: هو أنه حق يؤدي إلى وَجْهِ التَّكْفِيرِ فَلَمْ يَلْزَمْ فِيهِ التَّعْيِينُ كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْكَفَّارَتَيْنِ إِذَا اتَّفَقَتَا فِي الصُّورَةِ فَعَدَمُ التَّعْيِينِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ كَالدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي الْمُخْتَلِفِ مِنْهُ وَالْمُؤْتَلِفِ كَالصَّلَوَاتِ يَلْزَمُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيمَا اخْتَلَفَ مِنْهَا كَالصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَفِيمَا ائْتَلَفَ مِنْهَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي الْمُخْتَلِفِ مِنْهُ وَالْمُؤْتَلِفِ كَالزَّكَوَاتِ لَا يَلْزَمُ
تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيمَا اخْتَلَفَ مِنْهَا كَمَنْ لَهُ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ مُهْرِيَّةٌ حَاضِرَةٌ وَخَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ مُجَيْدِيَّةٌ غَائِبَةٌ فَأَخْرَجَ شَاتَيْنِ عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَجْزَأَ كَمَا يُجْزِيهِ لَوْ كَانَتِ الْعَشْرُ مَنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمُ فِي الْكَفَّارَةِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي الْمُؤْتَلِفِ لَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُهَا فِي الْمُخْتَلِفِ كَالزَّكَاةِ لِأَنَّهَا وَافَقَتْهَا فِي الْمُؤْتَلِفِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا.
خَالَفَتْهَا فِي الْمُؤْتَلِفِ وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ تَعْيِينُهَا فِي الْجِنْسَيْنِ لَوَجَبَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ قَدْ شَكَّ فِيهَا هَلْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ عَنْ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَيْنِ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ عَلَيْهِ ظُهْرٌ أَوْ عَصْرٌ يَقْضِي صَلَاتَيْنِ وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا عِتْقُ عَبْدٍ وَاحِدٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غَيْرُ وَاجِبٍ.
(فَصْلٌ:)
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُو
َ مَسْأَلَةُ
الْكِتَابِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَبْدَيْنِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَتَيْنِ فَيُعْتِقُ نِصْفَ سَالِمٍ عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَنِصْفَهُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَيُعْتِقُ نِصْفَ غَانِمٍ عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَنِصْفَهُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَهَذَا الْعِتْقُ مُجْزِئٌ عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْتَقَ عَنْهُمَا عَبْدَيْنِ لَكِنِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ الْعِتْقُ مُبَعَّضًا عَلَى مَا يَرُدُّهُ أَوْ مُكَمِّلًا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هَاهُنَا أَنَّهُ يَكُونُ مُبَعَّضًا عَلَى مَا نَوَى لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالتَّبْعِيضِ قَدْ كَمَلَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ أَنَّهُ يَكْمُلُ الْعِتْقُ فَيُجْعَلُ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ بِكَمَالِهِ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ بِكَمَالِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ الْأُخْرَى لِأَنَّ عِتْقَ بَعْضِ الْعَبْدِ يَسْرِي إِلَى جَمِيعِهِ فَلَمَّا امْتَنَعَ أَنْ يَتَبَعَّضَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ امْتَنَعَ أَنْ يَتَبَعَّضَ فِي كَفَّارَتَيْنِ، وَفَائِدَةُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ عَنْ كَفَّارَةٍ فَأَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ وَنِصْفَ آخَرَ حَتَّى كَمَلَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مِنْ عَبْدَيْنِ فَفِي إِجْزَائِهِمَا عَنْهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِيهِ إِذَا مُنِعَ مِنْ تَبْعِيضِ الْعِتْقِ هُنَاكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْزِيهِ إِذَا جَوَّزُوا التَّبْعِيضَ هُنَاكَ.
وَفِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إِنْ أَعْتَقَ النِّصْفَ مِنْ عبدين باقيهما حراً أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا مَمْلُوكًا لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْأَحْرَارِ فَيُوجَدُ مَقْصُودُ الْعِتْقِ فِيهِمَا وَإِذَا كَانَ بَاقِيهِمَا مَمْلُوكًا جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْعَبِيدِ فَلَمْ يُوجَدْ مَقْصُودُ الْعِتْقِ فِيهَا.
وَمِثَالُ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ: أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ فَيُخْرِجَ نِصْفَيْ شَاتَيْنِ نِصْفًا مِنْ شَاةٍ وَنِصْفًا مِنْ أُخْرَى فَفِي إِجْزَائِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ شاة.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِيهِ لِمَا أَدْخَلَ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ حَتَّى يُخْرِجَ شَاةً كَامِلَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ بَاقِي الشَّاتَيْنِ مِلْكًا لِلْفُقَرَاءِ أَجْزَأَهُ لِارْتِفَاعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِمْ لَمْ يُجْزِ لِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَصَامَ شَهْرَيْنِ عَنْ إِحْدَاهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ وَكَذَلِكَ لَوْ صَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ عَنْهُمَا أَجْزَأَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ فَإِنَّهُمَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ فَلَهُ فِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ فِيهِمَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى عِتْقِ رَقَبَتَيْنِ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُمَا عَلَى مَا مَضَى مِنْ حُكْمِ عِتْقِهِ لَهُمَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ فِيهِمَا بِأَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَا يَخْلُو حَالُ صَوْمِهِ فِيهِمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ صوم شهرين متتابعين عن إحدى الكفارتين بعينها ويصوم شهرين آخرين عن الكفارة الأخرى بعينها فهذا يجزئه وقد أكد ذك بِالتَّعْيِينِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ لَا يُعَيِّنُهَا وَيَصُومَ شَهْرَيْنِ عَنِ الْأُخْرَى لَا يُعَيِّنُهَا فَهَذَا يُجْزِيهِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِأَنَّ التَّعْيِينَ غَيْرُ مُفِيدٍ فَلَمْ يَلْزَمْ كَمَا أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَلْزَمُ فِيهَا تَعْيِينُ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يترك الصوم على إبهامه أو بعينه وَسَوَاءً كَانَتِ الْكَفَّارَتَانِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا خَالَفَ فِي الْعِتْقِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْرُدَ صَوْمَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَهَذَا يُجْزِيهِ وَقَدْ زَادَ بِأَنَّهُ تَابَعَ بَيْنَ صَوْمِ الْكَفَّارَتَيْنِ وَيَكُونُ شَهْرَانِ مُتَوَالِيَانِ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ وَشَهْرَانِ مُتَوَالِيَانِ عَنِ الْكَفَّارَةِ الْأُخْرَى.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ وَشَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ فَلَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَتَيْنِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ لِأَنَّ تَتَابُعَ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ مُسْتَحَقٌّ وَقَدْ صَارَ بِالتَّبْعِيضِ مُفَرِّقًا.
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ فِي إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ وَمِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَةِ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَةً وَاحِدَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْعِتْقِ عَنْ إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ شَاءَ سَوَاءً بَدَأَ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وُجُوبُهُ مِنْهُمَا أَوْ فِيمَا تَأَخَّرَ، ثُمَّ يَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ عَنِ الْكَفَّارَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْعِتْقِ عَنْ إِحْدَاهُمَا لَا يُعَيِّنُهَا ثُمَّ بِالصَّوْمِ عَنِ الْأُخْرَى لَا يُعَيِّنُهَا كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ فِيهِمَا أَوْ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ فِيهِمَا، فَلَوْ بَدَأَ بِالصَّوْمِ ثُمَّ أَعْتَقَ أَجْزَأَهُ الْعِتْقُ وَلَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ صَامَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْعِتْقِ، وَلَوْ جَعَلَ الْعِتْقَ عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ مَعًا وَالصَّوْمَ عَنْهُمَا مَعًا تَكْمِيلًا لِكُلِّ كَفَّارَةٍ مِنْ جِنْسَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَتَيْنِ وَأَجْزَأَهُ الْعِتْقُ وَفِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا مَضَى:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْتَكْمِلُ الْعِتْقَ فِي إِحْدَاهُمَا وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ لِلْأُخْرَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا نَوَى مِنَ التَّبْعِيضِ فَلَا يَتَكَمَّلُ، فَإِنْ أَيْسَرَ بِإِكْمَالِ الْعِتْقِ أَوِ اسْتَدَانَ حَتَّى أَعْتَقَ عَبْدًا آخَرَ عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى إِعْسَارِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُكْمِلَ الْكَفَّارَةَ بِالصَّوْمِ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَصُومَ عَنْ نِصْفِ كُلِّ كَفَّارَةٍ شَهْرًا لِأَنَّ تَبْعِيضَ الصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَةِ غَيْرُ مُجْزِئٍ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَيَصُومُ لَهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ مَا قَدَّمَهُ مِنَ الْعِتْقِ مُؤَثِّرًا فِي التَّكْفِيرِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَكْمِيلِ الصِّيَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُؤَثِّرُ فِيهِ لِتَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَكْمُلُ الصِّيَامُ جَبْرًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً ليس له غيرها وصيام شَهْرَيْنِ ثُمَّ مَرِضَ فَأَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا يَنْوِي بِجَمِيعِ هَذِهِ الْكَفَّارَاتِ الظِّهَارِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ واحدة بعينها أجرأه لِأَنَّ نِيَّتَهُ فِي كُلِّ كَفَّارَةٍ بِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ إِمَّا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ أَجْنَاسٍ فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ فِي وَاحِدَةٍ وَمِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ فِي ثَانِيَةٍ وَمِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ فِي ثَالِثَةٍ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بالعتق عن أحدهما إِمَّا بِعَيْنِهَا أَوْ مُبْهَمَةً، وَإِنَّمَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْإِطْعَامُ بَعْدَ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْإِطْعَامَ ثُمَّ الصِّيَامَ ثُمَّ الْعِتْقَ أَجْزَأَهُ الْعِتْقُ وَحْدَهُ وَاسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ بَعْدَهُ ثُمَّ الْإِطْعَامَ بَعْدَ الصَّوْمِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ الطَّعَامَ الَّذِي قَدَّمَهُ لِعَدَمِ إِجْزَائِهِ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ قَدْ مَلَكُوهُ بِالْقَبْضِ، فَلَوْ نَوَى وَقَدْ رَتَّبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ أَثْلَاثًا اعْتُدَّ بِجَمِيعِ الْعِتْقِ وَلَمْ يُعْتَدَّ بِجَمِيعِ الصِّيَامِ وَاعْتُدَّ بِالثُّلُثِ مِنَ الْإِطْعَامِ ثُمَّ هَلْ يَتَكَمَّلُ الْعِتْقُ فِي أَحَدِهِمَا أَمْ لَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ وَلَزِمَهُ تَكْمِيلُ الْإِطْعَامِ عَنْ إِحْدَاهُمَا وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصِّيَامِ عَنِ الأخرى.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فَشَكَّ أَنْ تََكُونَ مِنْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ نَذْرٍ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ أَيِّهَا كَانَ أَجْزَأَهُ وَلَوْ أَعْتَقَهَا لَا يَنْوِي وَاحِدَةً مِنْهَا لَمْ يُجْزِئْهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيَانُ حُكْمِ النِّيَّةِ والكلام يشتمل فيها على ثلاثة فصول:
أحدهما: في وُجُوبِهَا.
وَالثَّانِي: فِي صِفَتِهَا.
وَالثَّالِثُ: فِي مَحَلِّهَا.
فَأَمَّا وُجُوبُ النِّيَّةِ فَمُسْتَحَقٌّ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ قَدْ تُفْعَلُ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ تَارَةً وَعَلَى طَرِيقِ التَّطَوُّعِ أُخْرَى فَوَجَبَ أَنْ تُسْتَحَقَّ فِيهَا النِّيَّةُ لِيَمْتَازَ بِهَا الْوَاجِبُ مِنَ التَّطَوُّعِ.
وَأَمَّا صِفَةُ النِّيَّةِ فَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ أَنَّهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ الَّتِي عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ عَنْ أَيِّ كَفَّارَةٍ وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ عِتْقٌ وَاجِبٌ أَوْ صَوْمٌ وَاجِبٌ أَوْ إِطْعَامٌ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ يَتَنَوَّعُ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ وَصْفِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ عَنْ كَفَّارَةٍ لِتَمْيِيزِهِ.
وَأَمَّا مَحَلُّ النِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ صَوْمًا فَفِي لَيْلِ الصِّيَامِ لَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ كَسَائِرِ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ.
وَإِنْ كَانَ عِتْقًا أَوْ طَعَامًا لَمْ تُجْزِهِ النِّيَّةُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَيَّنَ لَهُ الْعَبْدُ الَّذِي يُعْتِقُهُ وَالطَّعَامُ الَّذِي يُطْعِمُهُ، فَأَمَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْعَبْدِ وَالطَّعَامِ فَفِي مَحَلِّ النِّيَّةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَنْوِي مَعَ لَفْظِ الْعِتْقِ وَمَعَ تَفْرِيقِ الطَّعَامِ فَإِنْ نَوَى قَبْلَهُمَا لَمْ يُجْزِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ التَّعْيِينِ وَبَعْدَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ، وَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِنَا فِي مَحَلِّ النِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ فِيهَا عِنْدَ عَزْلِهَا.
وَالثَّانِي: عِنْدَ دَفْعِهَا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ وَهُوَ شَاكٌّ فِي سَبَبِ وُجُوبِهَا هَلْ وَجَبَتْ بِقَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ، فَإِنْ أَعْتَقَ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ مَعَ الشَّكِّ فِي الْمُوجِبِ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَا يَجِبُ، وَإِنْ نَوَى الْعِتْقَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْوِ أَنَّهُ فِي الْكَفَّارَةِ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّ نِيَّةَ التَّكْفِيرِ مُسْتَحَقَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ تَعْيِينِ السَّبَبِ غَيْرَ مُسْتَحَقَّةً، فَإِنْ كَانَ عَيَّنَ الْعِتْقَ وَنَوَى أَنَّهُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَعَ الشَّكِّ
فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَدَائِهَا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ عَنْ قَتْلٍ وَلَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ بَقَائِهَا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ عَنْ ظِهَارٍ، فَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا عَنْ ظِهَارٍ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِالنِّيَّةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا عَنْ قَتْلٍ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِالنِّيَّةِ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَصَارَ الْوَاجِبُ بَاقِيًا عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ كَمَنْ شَكَّ فِي حَدَثِهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَوْلٍ أَوْ نَوَمٍ فَتَوَضَّأَ يَنْوِي حَدَثَ الْبَوْلِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ عَنْ نَوْمٍ أَجْزَأَهُ.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ الْوَاحِدِ رَافِعٌ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ وَلَيْسَتِ الْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ رَافِعَةً لِجَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ.
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَشَكَّ فِيهَا هَلْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ عَنْ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ نَذْرٍ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً يَنْوِي بِهَا الْعِتْقَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ نِيَّةَ التَّكْفِيرِ مُسْتَحَقَّةٌ فِي الْعِتْقِ وَلَوْ نَوَى بِهَا الْعِتْقَ عَنِ التَّكْفِيرِ نَظَرَ فِي عِتْقِ النَّذْرِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا فِي نَذْرِ اللِّجَاجِ الْخَارِجِ مَخْرَجَ الْأَيْمَانِ أَجْزَأَهُ هُنَا الْعِتْقُ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي هَذَا النَّذْرِ تَكْفِيرٌ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ نَذْرَ مُجَازَاةٍ أَوْ تَبَرُّرٍ لم يجزه لأنه لا يكن الْعِتْقُ فِيهِ تَكْفِيرًا وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ أَدَائِهَا وَلَا مِنْ بَقَائِهَا فِي النَّذْرِ وَحْدَهُ، فَإِنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً ثَانِيَةً يَنْوِي بِهَا عِتْقَ النَّذْرِ وَحْدَهُ أَجْزَأَهُ وَسَقَطَتِ الْكَفَّارَةُ يَقِينًا عَنْ ذِمَّتِهِ لِأَنَّ عِتْقَ التَّكْفِيرِ قَدْ سَقَطَ بِالْعِتْقِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَعِتْقَ النَّذْرِ قَدْ سَقَطَ الثَّانِي الْمُعَيَّنِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَأَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ فَإِنْ رَجَعَ أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى دَيْنٍ أَدَّاهُ أَوْ قِصَاصٍ أُخِذَ مِنْهُ أَوْ عُقُوبَةٍ عَلَى بَدَنِهِ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ وَلَوْ صَامَ فِي رِدَّتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّ الصَّوْمَ عَمَلُ الْبَدَنِ وَعَمَلُ الْبَدَنِ لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَنْ يُكْتَبُ لَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ فِي مِلْكِ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ مَا كَانَ حياً وتصرفه فيه جائز.
والقول الثاني: أن ملكه زائل عن ملله وَتَصَرُّفَهُ فِيهِ مَرْدُودٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى وَكَذَلِكَ تَصَرُّفُهُ، فَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ عُلِمَ زَوَالُ مِلْكِهِ وَفَسَادُ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ عُلِمَ أَنَّ مِلْكَهُ كَانَ بَاقِيًا وَتَصَرُّفَهُ جَائِزًا، وَلِتَوْجِيهِ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَوْضِعٌ مِنْ كِتَابِ الرِّدَّةِ.
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا مِنْهَا وَكَانَ عَلَى الْمُرْتَدِّ كَفَّارَةٌ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ ثَابِتٌ وَتَصَرُّفَهُ فِيهِ جَائِزٌ أَوْ قِيلَ إِنَّهُمَا عَلَى الْوَقْفِ وَالْمُرَاعَاةِ جَازَ لَهُ إِخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّ مِلْكَهُ زَائِلٌ وَتَصَرُّفَهُ مَرْدُودٌ فَفِي جَوَازِ تَكْفِيرِهِ مِنْ مَالِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ مَالِهِ كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ لِاسْتِحْقَاقِ الْكَفَّارَةِ فِي مَالِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ كَالدُّيُونِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ رِدَّتِهِ وَالْكَفَّارَةَ قَدْ تَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ رِدَّتِهِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ فَيُجْزِيهِ أَنْ يُعْتِقَ فِيهِ مُؤْمِنَةً قَدْ كَانَ لَهَا مَالِكًا قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ هَذَا الْمُسْلِمَ عَنْ كَفَّارَتِي بِكَذَا.
فَإِنِ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَيَنْفَذُ الْعِتْقُ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ بَاطِلًا وَعِتْقُهُ مَرْدُودًا وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ وَإِنْ كَانَ قُرْبَةً تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَنْصَرِفُ إِلَى الْآدَمِيِّينَ فَأَشْبَهَتْ قَضَاءَ الدُّيُونِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُكَفِّرُ بِالصِّيَامِ فَلَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ فِي الرِّدَّةِ لِأَنَّهُ مِنْ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ الْمَحْضَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ مُسْلِمٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ ففي جوازه منه وجهان:
أحدهما: يجوز من الْإِطْعَامُ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ كَالْعِتْقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْإِطْعَامِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الصِّيَامِ الَّذِي لَا يَصِحُّ مِنْهُ فَأَجْرَى عَلَى الْبَدَلِ حُكْمَ الْمُبْدَلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْعُيُوبِ فِي الرِّقَابِ الواجبة)
(مِنْ كِتَابَيِ الظِّهَارِ قَدِيمٍ وَجَدِيدٍ)
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: (لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِمَّنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا ذُكِرَ لِي عَنْهُ وَلَا بَقِيَ مَنْ خَالَفَ فِي أَنَّ مِنْ ذَوَاتِ النَقْصِ مِنَ الرِّقَابِ مَا لَا يُجْزِئُ وَمِنْهَا مَا يُجْزِئُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهَا دون بعض فلم اجد من مَعَانِي مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ إِلَّا مَا أَقُولُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَجِمَاعُهُ أَنَّ الْأَغْلَبَ فِيمَا يُتَّخَذُ لَهُ الرَّقِيقُ الْعَمَلُ وَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ تَامًّا حَتَّى تَكُونَ يَدَا الْمَمْلُوكِ بَاطِشَتَيْنِ وَرِجْلَاهُ مَاشِيَتَيْنِ وَلَهُ بَصَرٌ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أَطْلَقَهَا وَلَمْ يَصِفْهَا فَأَجْمَعَ مَنْ تَقَدَّمَ الشَّافِعِيَّ وَعَاصَرَهُ عَلَى أَنَّ عُمُومَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ وَأَنَّ مِنَ الرِّقَابِ مَا يُجْزِئُ وَمِنْهَا مَا لَا يُجْزِئُ فَكَانَ الْعُمُومُ مَخْصُوصًا وَخَالَفَ دَاوُدُ مِنْ بَعْدُ فَقَالَ: الْعُمُومُ مُسْتَعْمَلٌ وَجَمِيعُ الرِّقَابِ تُجْزِئُ مِنْ مَعِيبٍ وَسَلِيمٍ وَنَاقِصٍ وَكَامِلٍ تَمَسُّكًا بِالْعُمُومِ وَاحْتِجَاجًا بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي النَّقْصِ وَالْكَمَالِ، وَهَذَا خَطَأٌ مَدْفُوعٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِرَقَبَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَفَأَعْتِقُ هَذِهِ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (أَيْنَ اللَّهُ؟) فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ لَهَا (مَنْ أَنَا؟) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ.
وَإِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ فَدَلَّ سُؤَالُ السَّائِلِ عَنْهَا وَامْتِحَانُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَهَا عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ وَأَنَّ مِنَ الرِّقَابِ مَا يُجْزِئُ وَمِنْهَا مَا لَا يُجْزِئُ فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ دَاوُدَ أَنَّ كُلَّ الرِّقَابِ تُجْزِئُ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ فِي الْكَفَّارَةِ ذِكْرَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ ثُمَّ كَانَ عُمُومُ الْإِطْعَامِ مَخْصُوصًا فِي أَنْ لَا يُجْزِئَ مِنْهُ إِلَّا مُقَدَّرٌ وَلَا يُجْزِئُ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ إِطْعَامِ لُقْمَةٍ وَكِسْرَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصَ الْعُمُومِ بِمَا يَقْتَضِيهِ مَقْصُودُ التَّحْرِيرِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَمَقْصُودُ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ هُوَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ وَتَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ فَأَمَّا تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ فَهُوَ أَنْ يَصِيرَ بِالْحُرِّيَّةِ جَائِزَ الشَّهَادَةِ ثَابِتَ الْوِلَايَةِ مَاضِيَ التَّصَرُّفِ.
وَأَمَّا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ.
فَهُوَ أَنْ يَصِيرَ بِالْحُرِّيَّةِ مَالِكًا لِمَنَافِعِ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعِتْقُ
فِي غَيْرِ كَفَّارَةٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ نَاقِصَ الْمَنَافِعِ لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ وَإِنْ كَانَ فِي كَفَّارَةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الْمَنَافِعِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْعُيُوبِ مَا يُجْزِئُ كَالْبَرْصَاءِ وَالْحَمْقَاءِ وَالْقَبِيحَةِ وَالْمَقْطُوعَةِ الْخِنْصَرِ أَوِ الْبِنْصِرِ، وَأَنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ وَالْمُقْعَدَةُ وَالْمَقْطُوعَةُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَدَلَّنَا ذَلِكَ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ رَاعَوْا مَا أَثَّرَ فِي الْعَمَلِ وَلَمْ يُرَاعُوا مَا أَثَّرَ فِي الْأَثْمَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعَبِيدِ هُوَ الْعَمَلُ لِأَنَّهُمْ مُرْصَدُونَ لِخِدْمَةٍ أَوْ تَكَسُّبٍ وَالنُّقْصَانُ مِنْ مَقْصُودِ الشَّيْءِ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْبَيْعِ لَمَّا كَانَ مَقْصُودُهُ الثَّمَنَ كَانَ مَا أَثَّرَ فِي نُقْصَانِهِ عَيْبًا يُوجِبُ الْخِيَارَ وَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا وَلَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ الْخِيَارُ كَالنِّكَاحِ لَمَّا كَانَ مَقْصُودُهُ الِاسْتِمْتَاعَ كَانَ مَا أَثَّرَ فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ مُوجِبًا لِلْخِيَارِ وَمَا يُؤَثِّرْ فِيهِ لَمْ يُوجِبْهُ كَذَلِكَ الْعِتْقُ فِي الْكَفَّارَةِ لَمَّا كَانَ مَقْصُودُهُ تَمْلِيكَ الْعَمَلِ كَانَ مَا أَثَّرَ فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ مَانِعًا مِنَ الْإِجْزَاءِ وَمَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ أَجْزَأَ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ أَنَّ كُلَّ عيب أضرب بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا مَنَعَ مِنَ الْإِجْزَاءِ فِي الْكَفَّارَةِ وَمَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْإِجْزَاءِ فِيهَا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا اسْتَقَرَّ مَا أَصَّلْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَمِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْعِتْقِ الْعَمَى لِأَنَّهُ مِنْ أَبْلَغِ النَّقْصِ فِي الْإِضْرَارِ بِالْعَمَلِ فَلَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ فَأَمَّا الْحَوْلَاءُ وَالْعَمْشَاءُ وَالْعَوْرَاءُ فَتُجْزِئُ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُضِرٍّ بِالْعَمَلِ فَأَمَّا ضَعْفُ الْبَصَرِ فَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَطِّ وَإِثْبَاتِ الْوُجُوهِ الْقَرِيبَةِ مَنَعَ مِنَ الْإِجْزَاءِ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا نَقْصُ الْأَطْرَافِ فَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ أَوْ مَقْطُوعَ الرِّجْلَيْنِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ مَقْطُوعَةً أَوْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ تُجْزِهِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُجْزِيهِ وَهَكَذَا يَقُولُ فِيمَنْ قُطِعَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ وَإِحْدَى رِجْلَيْهِ مِنْ خِلَافٍ أَجْزَأَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شِقٍّ وَاحِدٍ لَمْ تُجْزِهِ لِأَنَّ ذَهَابَ أَحَدِ الْعُضْوَيْنِ لَمْ يُسْقِطْ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ فَأَجْزَأَ كَالْعَوْرَاءِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ قَطْعَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ مُضِرٌّ بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الْإِجْزَاءِ كَقَطْعِهِمَا مَعًا، وَلِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مُوَافِقٌ عَلَى أَنَّ قَطْعَ الْإِبْهَامَيْنِ يَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ فَقَطْعُ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ وَفِيهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى الْإِبْهَامَيْنِ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الْإِجْزَاءِ، فَأَمَّا الْعَوَرُ فَأَجْزَأَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضِرٍّ بِالْعَمَلِ وَلَا مُؤَثِّرٍ فِيهِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِبَقَاءِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ يَفْسُدُ عَلَيْهِ بِقَطْعِ إِحْدَى اليدين والرجلين من شق [واحد] .
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا قَطْعُ الْأَصَابِعِ فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ الْإِبْهَامِ أَوِ السَّبَّابَةِ أَوِ الْوُسْطَى فَقَطْعُ إِحْدَى هَذِهِ الثَّلَاثِ مَانِعٌ مِنَ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَأْثِيرًا فِي
الْعَمَلِ.
فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ فِي إِحْدَى إِصْبَعَيْنِ وَهِيَ الْخِنْصَرُ أَوِ الْبِنْصِرُ فَقَطْعُ إِحْدَاهُمَا لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا فَإِنْ قُطِعَتَا مَعًا نُظِرَ فَإِنْ قطعنا مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تُجْزِهِ وَإِنْ كَانَتَا مِنْ يَدَيْنِ أَجْزَأَ.
فَأَمَّا أَصَابِعُ الرِّجْلِ فَقَطْعُ الْإِبْهَامِ مِنْهَا مَانِعٌ مِنَ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّ فَقْدَهَا مِنَ الرِّجْلِ مُضِرٌّ بِالْمَشْيِ كَمَا أَنَّ فَقْدَهَا مِنَ الْيَدِ مُضِرٌّ بِالْبَطْشِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْإِبْهَامِ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ إِذَا قُطِعَ أَحَدُهَا مِنْ سَبَّابَةٍ أَوْ وُسْطَى أَوْ خِنْصَرٍ أَوْ بِنْصِرٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْإِجْزَاءِ بِخِلَافِ الْيَدِ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مِنَ الرِّجْلِ مُتَقَارِبَةٌ وَفِي الْيَدِ مُتَفَاضِلَةٌ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْهُمَا فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، مَنَعَ مِنَ الْإِجْزَاءِ، لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا مُضِرٌّ بِالْمَشْيِ، وَشَلَلُ الْإِصْبَعِ يَقُومُ مَقَامَ قَطْعِهَا وَكَذَلِكَ شَلَلُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا قَطْعُ الْأَنَامِلِ فَإِنْ قُطِعَتْ أُنْمُلَتَانِ مِنْ إِصْبَعٍ كَانَ قَطْعُهَا كَقَطْعِ تِلْكَ الْأَصَابِعِ، فَإِنْ قُطِعَتَا مِنْ إِحْدَى الْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ الْإِبْهَامِ أَوِ السَّبَّابَةِ أَوِ الْوُسْطَى لم تجزه، وإن قطعتا من إحدى إصبعين البنصر أو الخنصر أجزأ، وإن قطع أُنْمُلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ إِصْبَعٍ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْإِبْهَامِ لَمْ تُجْزِهِ لِأَنَّهَا ذَاتُ أُنْمُلَتَيْنِ يَذْهَبُ بِإِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ مَنَافِعِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ إِحْدَى الْأَصَابِعِ الْأَرْبَعِ ذَوَاتِ الْأَنَامِلِ الثَّلَاثِ أَجْزَأَ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ أَكْثَرُهَا فَبَقِيَ أَكْثَرُ مَنَافِعِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْجَبُّ وَالْخِصَاءُ فَلَا يَنْفَعَانِ مِنَ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُمَا لَا يَضُرَّانِ بِالْعَمَلِ وَكَذَلِكَ جَدْعُ الْأَنْفِ وَقَطْعُ الْأُذُنِ، فَأَمَّا شِجَاجُ الرَّأْسِ وَجِرَاحُ الْبَدَنِ فَإِنِ انْدَمَلَتْ مَعَ سَلَامَةِ الْأَعْضَاءِ لَمْ تَمْنَعْ مِنَ الْإِجْزَاءِ وَإِنْ شَانَتْ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُضِرَّةٍ بِالْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ تَنْدَمِلْ أَجْزَأَ مَا دُونَ مَأْمُومَةِ الرَّأْسِ وَجَائِفَةِ الْبَدَنِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَخُوفَةٍ وَلَمْ يُجْزِ مِنْهَا مَأْمُومَةُ الرَّأْسِ وَجَائِفَةُ الْبَدَنِ، لِأَنَّهُمَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ مَخْوفَتَانِ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَيَكُونُ يَعْقِلُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ بِالْعَقْلِ تَصِحُّ الْأَعْمَالُ وَتَسْتَقِيمُ الْأَحْوَالُ، فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا قَدْ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ لَمْ يُجْزِهِ لِفَوَاتِ عَمَلِهِ، وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ فِي زَمَانٍ وَيُفِيقُ فِي زَمَانٍ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ زَمَانُ جُنُونِهِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَانِ إِفَاقَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ، فََإِنْ كَانَ زَمَانُ إِفَاقَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَانِ جُنُونِهِ نُظِرَ فَإِنْ بَقِيَ فِي زَمَانِ إِفَاقَتِهِ سَدِرًا مَضْعُوفًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ إِلَّا بَعْدَ حِينٍ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ زَالَ عَنْهُ السَّدَرُ بِالْإِفَاقَةِ وَقَدَرَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْعَمَلِ أَجْزَأَهُ فَأَمَّا الْأَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ بَلْهَ بَلَادَةٍ وَدَهَشٍ لَمْ يُجْزِهِ لِتَأْثِيرِهِ فِي الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ بَلَهَ سَلَامَةٍ وَقِلَّةِ فِطْنَةٍ أَجْزَأَهُ.
فَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَيُجْزِئُ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيُجْزِئُ وَهُوَ الَّذِي يَضَعُ كَلَامَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيَأْتِي بِالْحَسَنِ فِي مَوْضِعِ الْقَبِيحِ وَبِالْقَبِيحِ فِي مَوْضِعِ الْحَسَنِ وَهَذَا غير مضر بالعمل فأجزأ.
(مسالة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ كَانَ أَبْكَمَ أَوْ أَصَمَّ يَعْقِلُ أَوْ أَحْمَقَ أَوْ ضَعِيفَ الْبَطْشِ (قَالَ) فِي الْقَدِيمِ الأخرس لا يجزئ (قال المزني) رحمه الله أولى بقوله إنه يجزئ لأن أصله أن ما اضر بالعمل ضرراً بيناً لم يجز وإن لم يضر كذلك أجزأ (قال) والذي يجن ويفيق يجزئ وإن كان مطبقا لم يجزئ ويجوز المريض لأنه يرجى والصغير كذلك) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيُجْزِئُ لِأَنَّ الصَّمَمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ وَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ يُجْزِئُ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ فَكَانَ الْمُزَنِيُّ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ: وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ إِذَا كَانَ أَبْكَمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْخَرَسِ وَالصَّمِّ لِأَنَّهُمَا نُقْصَانٌ يَضُرُّ اجْتِمَاعُهُمَا بِالْعَمَلِ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ يُجْزِئُ إِذَا انْفَرَدَ بِالْخَرَسِ دُونَ الصَّمِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اخْتِلَافَ حَالَيْهِمَا إِنَّ قَوْلَهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ فِي خَرَسِهِ وَقَوْلَهُ فِي الْجَدِيدِ يُجْزِئُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ فِي خَرَسِهِ.
وَأَمَّا الضَّعِيفُ الْبَطْشُ لِضُؤُولَةِ جِسْمِهِ وَدِقَّةِ عَظْمِهِ فَإِنْ ضَعْفَ بَطْشِهِ قَدْ فَوَّتَ أَكْثَرَ عَمَلِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَوَّتَ أَقَلَّهُ أَجْزَأَهُ.
وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْبُرْءِ أَجْزَأَ وَإِنْ مَاتَ لِأَنَّهُ قل ما يَخْلُو جِسْمٌ مِنْ مَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ عَاشَ، وَأَمَّا عُلُوُّ السِّنِّ فَإِنْ أَفْضَى لِلْهَرَمِ وَذَهَابِ الْبَطْشِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ نَاهِضَ الْحَرَكَةِ ظَاهِرَ الْبَطْشِ أَجْزَأَهُ.
فَأَمَّا الطِّفْلُ الصَّغِيرُ فَيُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ ابْنَ يَوْمِهِ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الزِّيَادَةِ وَالْكَمَالِ فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ الْمَرْجُوَّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغِرَّةِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ.
وَأَمَّا الْأَعْرَجُ فَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي مَشْيِهِ مُؤَثِّرًا فِي حَرَكَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ أَجْزَأَهُ وَيُجْزِئُ الْأَغْشَمُ وَالْأَخْشَمُ وَعِتْقُ غَيْرِ ذِي الصِّنَاعَةِ وعتق الفاسد وَوَلَدِ الزِّنَا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يُجْزِئُ عِتْقُ وَلَدِ الزِّنَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ)
وَهَذَا مَذْهَبٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي عِتْقِ الْكَفَّارَةِ سَلَامَةُ الدِّينِ وَالْعَمَلِ وَلَيْسَ وِلَادَتُهُ مِنْ ريبة مؤثر فِي أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَمْنَعِ الْإِجْزَاءَ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ: -
أَحَدُهَا: شَرُّ الثَّلَاثَةِ ذِكْرًا لِأَنَّهُ يُذْكَرُ أَبَدًا أَنَّهُ وَلَدُ زِنًا إِذَا سُئِلَ عَنْ أَبِيهِ.
وَالثَّانِي: شَرُّ الثَّلَاثَةِ نَسَبًا لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى أَبٍ.
وَالثَّالِثُ: شَرُّ الثَّلَاثَةِ إِنْ كَانَ زَانِيًا لِأَنَّهُ قَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ الزِّنَا وَفَسَادِ النَّسَبِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ كَانَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةٍ وَقَدْ عَرَّفَهُ بِالشَّرِّ فَقَالَ: وَلَدُ الزِّنَا مِنْهُمْ هُوَ شَرُّهُمْ كَمَا يُقَالُ: الْمُشْتَمِلُ بِثَوْبِهِ هُوَ شَرُّ الْجَمَاعَةِ لَا لِاشْتِمَالِهِ بِالثَّوْبِ وَلَكِنْ نَبِّهْ عَلَيْهِ بِاشْتِمَالِ الثَّوْبِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(باب من له الكفارة بالصيام من كتابين)
(مسألة:)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (مَنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا وَلَا مَا يَشْتَرِي بِهِ مَمْلُوكًا كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْعِتْقَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ عَلَى التَّرْتِيبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْدَلَ عَنْهُ إِلَى الصِّيَامِ إِلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَيَلْزَمُهُ الْعِتْقُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِ كِفَايَتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: -
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الرَّقَبَةِ وَلَا عَلَى قِيمَتِهَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الرَّقَبَةِ أَوْ عَلَى قِيمَتِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا فَعَلَيْهِ الْعِتْقُ ولا يجزيه الصَّوْمُ إِجْمَاعًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الرَّقَبَةِ أَوْ عَلَى قِيمَتِهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَكْفِيرِهِ بِالصِّيَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصِّيَامِ سَوَاءً وَجَدَ الرَّقَبَةَ أَوْ قِيمَتَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِمَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ سَوَاءً وَجَدَ الرَّقَبَةَ أَوْ قِيمَتَهَا وَعَلَيْهِ الْعِتْقُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ إِنْ كان واحداً لِلرَّقَبَةِ وَبِالصَّوْمِ إِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلْقِيمَةِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شهرين متتابعين﴾ وَهَذَا وَاجِدٌ لِلرَّقَبَةِ فَلَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ قَالَ: وَلِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِرَقَبَةٍ تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهَا إِلَى الصَّوْمِ كَمَا لَوْ وَجَدَهَا فَاضِلَةً عَنْ كِفَايَتِهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ بِأَنَّ الْحُقُوقَ ضَرْبَانِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْآدَمِيِّينَ ثُمَّ كَانَتْ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ تُسْتَوْفَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ وَلَا تَقِفُ عَلَى الْفَاضِلِ عن الكفاية فحق
الله تعالى أول أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ وَلَا يَقِفُ عَلَى الْفَاضِلِ عَنِ الْكِفَايَةِ وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) فَجَعَلَ مَا تَعَلَّقَ بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَرْفَهُ فِي الْكِفَايَةِ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ فِي الْكَفَّارَةِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَفَعَ إِلَى الْوَاطِئِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَرْقًا مِنْ تَمْرٍ لِيُطْعِمَهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا فَقَالَ: (خُذْهُ فَكُلْهُ) فَجَعَلَهُ وَعِيَالَهُ أَحَقَّ بِهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ فَدَلَّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْكِفَايَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ قُلْنَا: الْكَفَّارَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُ إِخْرَاجُهَا عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ وَجَبَتْ لَقُدِّمَتْ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ بَدَلٍ فَوَجَبَ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِالْمَالِ أَنْ تَخْتَصَّ بِالْفَاضِلِ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ كَالطَّهَارَةِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْمَاءِ لِعَطَشِهِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَّلْتَ بِغَيْرِ هَذِهِ الْعِلَّةِ فَقُلْتَ: لِأَنَّ حَاجَتَهُ تَسْتَغْرِقُ مَا مَعَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَالْعَادِمِ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى الْبَدَلِ أَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ خَائِفِ الْعَطَشِ فِي الطَّهَارَةِ، ولأن الْقُدْرَةَ عَلَى الْبَدَلِ فِي حُكْمِ الْقُدْرَةِ عَلَى البدل فَلَمَّا تَعَلَّقَتِ الْقُدْرَةُ عَلَى قِيمَةِ الرَّقَبَةِ بِالْفَاضِلِ عَنِ الْكِفَايَةِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْقُدْرَةُ عَلَى الرَّقَبَةِ مُتَعَلِّقَةً بِالْفَاضِلِ عَنِ الْكِفَايَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى وُجُودِهَا فَاضِلَةً عَنْ كِفَايَتِهِ فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمْ تَسْتَغْرِقْ حَاجَتَهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِ مَالِكٍ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا تَجِبُ إِلَّا عَنْ مُعَاوَضَةٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ صَدَاقٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ فَأُكِّدَتْ وَحُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى تَجِبُ ابْتِدَاءً فَخُفِّفَتْ.
والثاني: أن لحق الله تعالى في الكفارة بدلاً فَكَانَ أَخَفَّ وَلَيْسَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ بَدَلٌ فَكَانَ أَغْلَظَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْسَعُ وَلِذَلِكَ تَعَلَّقَتِ الزَّكَاةُ بِمَالٍ دُونَ مَالٍ وَحَقُّ الْآدَمِيِّ أَضْيَقُ فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ بِكُلِّ مَالٍ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا مِنْ تَعَلُّقِ الْعِتْقِ بِوُجُودِ الْفَاضِلِ عَنِ الْكِفَايَةِ فَمِنْ كِفَايَتِهِ الثِّيَابُ الَّتِي يَلْبَسُهَا لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِأَحَدٍ عَنْهَا، وَدَارُهُ الَّتِي يَسْكُنُهَا لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْهَا، وَأَمَّا رَقَبَةٌ يَسْتَخْدِمُهَا فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْخِدْمَةِ لِزَمَانَةٍ أَوْ لَمْ تَجْرِ عَادَةُ مِثْلِهِ إِلَّا بِالْخِدْمَةِ فَالرَّقَبَةُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ مِنْ جُمْلَةِ كِفَايَتِهِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ مِثْلِهِ بِالْخِدْمَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا تُضَافُ إِلَى كِفَايَتِهِ وَتَكُونُ فَاضِلَةً عَنْهُ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مِنْ كِفَايَتِهِ لِكَوْنِهَا مِنْ كِفَايَةِ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ مَنْ يَخْدِمُ نَفْسَهُ فَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى مَنْ يَخْدِمُهُ.
وَأَمَّا الْمَادَّةُ فَهِيَ مِنْ كِفَايَتِهِ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا وَلَا يُلْزِمُ بَدَنَهُ إِلَّا بِهَا وَهِيَ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثِ جِهَاتٍ إِمَّا مِنِ اسْتِغْلَالِ عَقَارٍ أَوْ رِبْحِ تِجَارَةٍ أَوْ كَسْبِ صِنَاعَةٍ.
فَأَمَّا اسْتِغْلَالُ الْعَقَارِ فَقَدْ يَكُونُ تَارَةً أَرْضًا تُزْرَعُ وَتَارَةً شَجَرًا تستثمر وتارة أبنية تؤاجر، وَمَثَلُهُ أَنْ يَكُونَ مَاشِيَةً تُحْتَلَبُ، فَإِنْ مَلَكَ من هذه الأصول ما تكونه غَلَّتُهُ وَفْقَ كِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ كَانَتْ هَذِهِ الْأُصُولُ مِنْ جُمْلَةِ كِفَايَتِهِ فَيُجْزِيهِ الصَّوْمُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ.
وَإِنْ مَلَكَ مِنْهَا مَا غَلَّتُهُ أَكْثَرُ مِنْ كِفَايَتِهِ كَانَتْ زِيَادَتُهَا خَارِجَةً عَنْ كِفَايَتِهِ، فَإِنْ بَلَغَتْ زِيَادَةُ أُصُولِهَا قِيمَةَ الرَّقَبَةِ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ دُونَ الصَّوْمِ وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ قِيمَةِ الرَّقَبَةِ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ.
وَأَمَّا رِبْحُ التِّجَارَةِ فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ مَا يَكُونُ رِبْحُهُ وَفْقَ كِفَايَتِهِ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ جُمْلَةِ الْكِفَايَةِ وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ دُونَ الْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ زَائِدًا عَنِ الْقَدْرِ الَّذِي يَكْتَفِي بِرِبْحِهِ كَانَتِ الزِّيَادَةُ خَارِجَةً عَنْ كِفَايَتِهِ فَيَصْرِفُهَا فِي عِتْقِ كَفَّارَتِهِ.
وَأَمَّا كَسْبُ الصِّنَاعَةِ فَإِنْ كَانَ وَفْقَ الْكِفَايَةِ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْكِفَايَةِ نَظَرَ فِي زِيَادَةِ الْكَسْبِ فَإِنْ قُلْتَ وَكَانَتْ لَا تَجْتَمِعُ فَتَبْلُغُ قِيمَةَ الرَّقَبَةِ إِلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ يُنْسَبُ فِيهِ إِلَى تَأْخِيرِ التَّكْفِيرِ عَنْ وَقْتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ جَمْعُهَا لِلْعِتْقِ وَجَازَ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ إِذَا جُمِعَتْ فِي قَلِيلِ الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُنْسَبُ فِيهِ إِلَى تَأْخِيرِ التَّكْفِيرِ بَلَغَتْ قِيمَةَ الرَّقَبَةِ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَا قَارَبَهَا فَفِي وُجُوبِ جَمْعِهَا لِلتَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ جَمْعُهَا وَالتَّكْفِيرُ بِالْعِتْقِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ فِي زَمَانٍ لَا يُنْسَبُ فِيهِ إِلَى تَأْخِيرِ التَّكْفِيرِ فَصَارَ كَالْقَادِرِ عَلَيْهَا فِي الْوَقْتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ جَمْعُهَا لِلْعِتْقِ وَيَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْعِتْقِ فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّوْمِ حَتَّى جَمَعَ فَاضِلَ الْكَسْبِ فَبَلَغَ قِيمَةَ الرَّقَبَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يكفر بالعتق اعتباراً بوقف الْأَدَاءِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ يَزِيدُ عَلَى مَسْكَنِ مِثْلِهِ وَخَادِمٌ يَزِيدُ عَلَى خَادِمِ مِثْلِهِ وَثِيَابٌ تَزِيدُ عَلَى ثِيَابِ مِثْلِهِ نَظَرَ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَةَ الرَّقَبَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِبْدَالُ بِذَلِكَ وَجَازَ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ بَلَغَتْ زِيَادَةُ أَثْمَانِهَا قِيمَةَ الرَّقَبَةِ لَزِمَهُ الِاسْتِبْدَالُ بِهَا وَبَاعَ مَسْكَنَهُ أَوْ خَادِمَهُ أَوْ ثِيَابَهُ وَاشْتَرَى مِنْ أَثْمَانِهَا مَسْكَنَ مِثْلِهِ وَخَادِمَ مِثْلِهِ وَثِيَابَ مِثْلِهِ وَصَرَفَ فَاضِلَ الْأَثْمَانِ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ صَامَ تَطُوُّعَا أَوْ مِنَ الْأَيَّامِ الَتِي نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهَا اسْتَأْنَفَهُمَا متتابعين وقال في كتاب القديم إن أفطر المريض بنى واحتج في القاتلة التي عليها صوم شهرين متتابعين إذا حاضت أفطرت فإذا ذهب الحيض بنت وكذلك المريض إذا ذهب المرض بنى (قال) المزني رحمه الله وسمعت الشافعي منذ دهر يقول: إن أفطر بنى (قال المزني) رحمه الله: وإن هذا لشبيه لأن المرض عذر وضرورة والحيض عذر وضرورة من قبل الله عز وجل يفطر بهما في شهر رمضان وبالله التوفيق) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ فِي الظِّهَارِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ كَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ بِالْوَطْءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنْ أَفْطَرَ فِيهِمَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ بِعُذَرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ.
فَإِنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ وَبَطَلَ بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الصَّوْمِ وَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالصَّوْمِ عَلَى صِفَةٍ فَإِذَا كَانَ بِخِلَافِ الصِّفَةِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الْإِجْزَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَامَ فِي تَضَاعِيفِ الشَّهْرَيْنِ تَطَوُّعًا أَوْ عَنْ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ بَطَلَ بِهِ التَّتَابُعُ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا لِأَنَّ التَّتَابُعَ مُسْتَحَقٌّ لِصَوْمِ الظِّهَارِ لَا لِغَيْرِهِ فَإِذَا تَخَلَّلَهُ غَيْرُهُ زَالَ عَنْهُ صِفَتُهُ الْمُسْتَحَقَّةُ فَبَطَلَ بِهِ التَّتَابُعُ وَجَرَى صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ مَجْرَى فِطْرِهِ فِي حُكْمِ صَوْمِ الظِّهَارِ، وَإِنِ اعْتَدَّ بِمَا نَوَاهُ مِنَ الصِّيَامِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ التَّتَابُعِ قَدْ أَفْسَدَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الصَّوْمِ وَإِنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ فَالْأَعْذَارُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا اخْتَصَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: مَا اخْتَصَّ بِالزَّمَانِ.
فَأَمَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ فَالْأَعْذَارُ الَّتِي يُفْطِرُ بِهَا فِي صَوْمِهِ سِتَّةُ أَعْذَارٍ.
أَحَدُهَا: الْحَيْضُ وَهَذَا لِاخْتِصَاصِهِ بِالنِّسَاءِ لَا يَكُونُ فِي صَوْمِ الظِّهَارِ لِاخْتِصَاصِ صَوْمِ الظِّهَارِ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْوَطْءِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَالصَّوْمُ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ وَاحِدٌ لِاسْتِحْقَاقِ التَّتَابُعِ فِي الشَّهْرَيْنِ الْمُسْتَحَقَّيْنِ فَبَدَأَ بِالْحَيْضِ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ يُبْنَى عَلَيْهِ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْذَارِ، فَإِذَا وُجِدَ الْحَيْضُ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ بَطَلَ بِهِ الصَّوْمُ فِي زَمَانِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْفِطْرَ بِهِ وَمُنَافَاةِ الصَّوْمِ لَهُ وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ التَّتَابُعُ وَلَا مَا تَقَدَّمَ بِهِ مِنَ الصَّوْمِ وَجَازَ الْبِنَاءُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الصَّوْمِ لِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ:
أحدهما: لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِعُذْرٍ فَخَالَفَ حُكْمَ الْفِطْرِ بِغَيْرِ عذر.
والثاني: أنه سب وَقَعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ فَخَالَفَ حُكْمَ الْفِطْرِ عَنِ اخْتِيَارٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ زَمَانَهُ يُنَافِي الصَّوْمَ فَأَشْبَهَ اللَّيْلَ وَخَالَفَ الزَّمَانَ الَّذِي لَا يُنَافِي الصَّوْمَ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ عَادَاتِ النِّسَاءِ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ لَا حَيْضَ فِيهِمَا فَلَمْ تُكَلَّفْ مَا لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِطْرُهَا بِالنِّفَاسِ لَا يُقْطَعُ بِهِ التَّتَابُعُ وَقَدْ كَانَ يَقْتَضِي عَلَى التَّعْلِيلِ الرَّابِعِ أَنْ يَبْطُلَ بِهِ التَّتَابُعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَالِبٍ وتقدم على صوم شهرين لإنفاس فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى صَوْمِ شَهْرَيْنِ لَا حَيْضَ فِيهِمَا لَكِنَّ حُكْمَ النِّفَاسِ مُلْحَقٌ بِالْحَيْضِ فَأَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَهُ وَإِنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ عِلَلِهِ.
وَالْعُذْرُ الثَّانِي: الْمَرَضُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحَيْضِ فَإِذَا أَفْطَرَ بِهِ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ فَفِي بُطْلَانِ تَتَابُعِهِ قَوْلَانِ: -
أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ يَجُوزُ الْبِنَاءُ تَعْلِيلًا بِمَعْنَيَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فِطْرٌ بِعُذْرٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ سَبَبَهُ وَاقِعٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ التَّتَابُعَ قَدْ بَطَلَ تَعْلِيلًا بِمَعْنَيَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَرَضَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ بِخِلَافِ الْحَيْضِ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي الْمَرَضِ مُجْزِئٌ وَفِي الْحَيْضِ غَيْرُ مُجْزِئٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُمْكِنُ فِي الْأَغْلَبِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ لَا مَرَضَ فِيهِمَا وَلَا يُمْكِنُ فِي الْأَغْلَبِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ لَا حَيْضَ فِيهِمَا.
وَالْعُذْرُ الثَّالِثُ: الْفِطْرُ بِالسَّفَرِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفِطْرِ بِالْمَرَضِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْفِطْرَ بِالْمَرَضِ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَانَ الْفِطْرُ بِالسَّفَرِ أَوْلَى أَنْ يَقْطَعَ التَّتَابُعَ لِوُجُودِ عِلَّتَيْنِ وَهُمَا أَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ فِي الْأَغْلَبِ خُلُوُّهُ مِنَ السَّفَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمَرَضَ لَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ لِعِلَّتَيْنِ فَهَلْ يُبْطِلُهُ الْفِطْرُ بِالسَّفَرِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْعِلَّتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ تَعْلِيلًا بِأَنَّهُ فِطْرٌ بِعُذْرٍ فَاسْتَوَيَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُبْطِلُ التَّتَابُعَ تَعْلِيلًا بِأَنَّهُ سَبَبٌ وَقَعَ بِاخْتِيَارٍ فَخَالَفَ الْمَرَضَ الْوَاقِعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ.
وَالْعُذْرُ الرَّابِعُ: الْفِطْرُ بِالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفِطْرِ بِالْمَرَض فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يبطل التتابع كان الفطر بالجنون بالإغماء أَوْلَى أَنْ لَا يُبْطِلَ التَّتَابُعَ لِوُجُودِ عِلَّتَيْهِ وَهُمَا: الْعُذْرُ وَوُقُوعُ سَبَبِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْفِطْرَ بِالْمَرَضِ يُبْطِلُ التَّتَابُعَ بِعِلَّتَيْنِ فَهَلْ يُبْطِلُهُ الْفِطْرُ بِالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُبْطِلُهُ تَعْلِيلًا بِإِمْكَانِ خُلُوِّهِ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُبْطِلُهُ تَعْلِيلًا بِأَنَّهُ يُنَافِي الصَّوْمَ كَالْحَيْضِ وَلَا يُنَافِيهِ الْمَرَضُ بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَصَارَ الْمَرَضُ مُوَافِقًا لِلْحَيْضِ فِي عِلَّتَيْنِ وَمُخَالِفًا لَهُ فِي عِلَّتَيْنِ فَلِذَلِكَ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالسَّفَرُ مُوَافِقٌ لِلْحَيْضِ فِي عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمُخَالِفٌ لَهُ فِي ثَلَاثِ عِلَلٍ فَلِذَلِكَ كَانَ أَضْعَفَ مِنَ الْمَرَضِ وَالْجُنُونُ، وَالْإِغْمَاءُ مُوَافِقٌ لِلْحَيْضِ فِي ثَلَاثِ عِلَلٍ وَمُخَالِفٌ لَهُ فِي عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلِذَلِكَ كَانَ أَقْوَى مِنَ الْمَرَضِ.
وَالْعُذْرُ الْخَامِسُ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا أَفْطَرَتَا بِالْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِخَوْفٍ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَهُوَ كَالْفِطْرِ بِالْمَرَضِ فَيَكُونُ بُطْلَانُ التَّتَابُعِ بِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا فَإِنْ قِيلَ: فَالْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ يُبْطِلُ التَّتَابُعَ فَهَذَا أَوْلَى لِوُجُودِ عِلَّتَيْنِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْخَوْفَ عَلَى النَّفْسِ لَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ لِعِلَّتَيْنِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ تَعْلِيلًا بِأَنَّهُ فِطْرٌ بِعُذْرٍ.
وَالثَّانِي: يُبْطِلُ تَعْلِيلًا بِأَنَّهُ سَبَبٌ وَقَعَ عَنِ اخْتِيَارٍ فَصَارَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي السَّفَرِ.
وَالْعُذْرُ السَّادِسُ: الْإِكْرَاهُ وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْأَكْلِ بِأَنْ يُوجَرَ فِي حَلْقِهِ كُرْهًا فَلَا يُفْطِرُ.
وَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ وَتَتَابُعِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُكَرَهُ بِالضَّرْبِ وَمَا يَصِيرُ بِهِ مُكْرَهًا لِيَأْكُل فَيَأْكُلُ مُكْرَهًا عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ فَفِي فِطْرِهِ بِذَلِكَ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْحَالِفِ إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْحِنْثِ هَلْ يَصِيرُ حَانِثًا أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَلَا يُفْطِرُ فِي صَوْمِهِ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ عَلَى تَتَابُعِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِوُجُودِ عِلَّتَيْنِ وَعَدَمِ عِلَّتَيْنِ كالمرض:
أَحَدُهُمَا: لَا يُبْطِلُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ وَلِأَنَّ سَبَبَهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُبْطِلُ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ وَلِإِمْكَانِ خُلُوِّ الصَّوْمِ مِنْهُ.
فَأَمَّا الْأَكْلُ نَاسِيًا فَلَا يُفْطِرُ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَلِأَنَّ وُجُودَ مِثْلِهِ فِي الْقَضَاءِ لَا يُؤْمَنُ وَإِذَا كَانَ عَلَى صَوْمِهِ كَانَ عَلَى تَتَابُعِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْأَعْذَارُ الْمُخْتَصَّةُ بالزمان فأربعة: -
أحدهما: شهر رمضان يمنع من صوم غيهر فِيهِ.
وَالثَّانِي: يَوْمُ الْفِطْرِ وَيَمْنَعُ مِنْ جَمِيعِ الصِّيَامِ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَهُوَ كَيَوْمِ الْفِطْرِ يَمْنَعُ مِنْ جَمِيعِ الصَّوْمِ.
وَالرَّابِعُ: أَيَّامُ التشويق الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا تَطَوُّعًا وَفِي جَوَازِ صَوْمِهَا فِي كَفَّارَةِ التَّمَتُّعِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ يَجُوزُ لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ لَا يَجُوزُ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ فَلَا تَصُومُوا) فَإِنْ مُنِعَ مِنْ صَوْمِهَا فِي الْمُتَعِ مُنِعَ مِنْهَا فِي كُلِّ صَوْمٍ وَكَانَتْ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنْ جُوِّزَ صَوْمُهَا فِي التَّمَتُّعِ فَفِي جَوَازِ صَوْمِهَا فِي غَيْرِهِ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّوْمِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ تَحْرِيمِهَا وَاسْتِثْنَاءِ التَّمَتُّعِ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ جَوَازَ صَوْمِهَا فِي التَّمَتُّعِ مُوجِبٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ فِي كُلِّ صَوْمٍ لَهُ سَبَبٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاثْنَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَخْتَصَّانِ بِقَطْعِ صَوْمِ الظِّهَارِ وَهُمَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَتَقَدَّمُهُمَا مَا يَقْطَعُ الصَّوْمَ فَصَارَا قَاطِعَيْنِ لِلصَّوْمِ، أَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ فَلِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ صَوْمِ الظِّهَارِ لِأَنَّهُ إِنْ نَوَى صَوْمَ الظِّهَارِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْهُ لِأَنَّ الزَّمَانَ يَمْنَعُ مِنْهُ، وَإِنْ نَوَى عَنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ نَوَاهُ وَلَمْ يُجْزِ عَنِ الظِّهَارِ، وَأَمَّا يَوْمُ النَّحْرِ فَلِمُنَافَاتِهِ كُلَّ الصِّيَامِ بِوُجُوبِ الْفِطْرِ فِيهِ ثُمَّ يَقْطَعَانِ التَّتَابُعَ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى صَوْمِهِ بِاخْتِيَارِهِ لِإِمْكَانِ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمَا فَصَارَ كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَأَمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْقَطِعَ الصَّوْمُ بِهِمَا، أَمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَيَتَقَدَّمُهُ شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُخْتَصُّ بِقَطْعِ الصَّوْمِ وَأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَيَتَقَدَّمُهَا يَوْمُ النَّحْرِ الْمُخْتَصُّ بِقَطْعِ الصَّوْمِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِرْ هَذَانِ الصَّوْمَانِ مُخْتَصَّيْنِ بِقَطْعِ صَوْمِ الظِّهَارِ بِوُجُودِهِمَا فِي تَضَاعِيفَ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّا بِمَنْعِ ابْتِدَاءِ
صوم الظهار، فإن صام أول شهر شَوَّالٍ حَتَّى دَخَلَ فِي صَوْمِهِ يَوْمُ الْفِطْرِ لم يعقد بِهِ وَحْدَهُ وَبَنَى عَلَى مَا بَعْدَهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ إِذَا ابْتَدَأَ بِهَا فِي صَوْمِ ظِهَارِهِ فَإِنْ قِيلَ بِمَذْهَبِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ يَجُوزُ صومها فيما له سبب لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِيمَا لَهُ سَبَبٌ وَمَا لَا سَبَبَ لَهُ مَنَعْتَ ابْتِدَاءَ الصِّيَامِ وَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَى مَا بَعْدَهَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ صَوْمَ شهرين متتابعين والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِذَا صَامَ بِالْأَهِلَّةِ صَامَ هِلَالَيْنِ وَإِنْ كَانَ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَلَيْسَ يَخْلُو حَالُهُ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَبْتَدِئَ فِي أَوَّلِ الْهِلَالِ أَوْ فِي تَضَاعِيفِهِ، فَإِنْ بَدَأَ بِهِ فِي أَوَّلِهِ وَاسْتَهَلَّ الشَّهْرَ بِصَوْمِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ هِلَالَيْنِ لِأَنَّ شُهُورَ الشَّرْعِ هِيَ الشُّهُورُ الْهِلَالِيَّةُ لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] وَشُهُورُ الْأَهِلَّةِ قَدْ تَكْمُلُ تَارَةً فَتَكُونُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَتَنْقُصُ أُخْرَى فَتَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَحُكْمُ الشَّهْرِ يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ زِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ، رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الْعَشْرِ) يَعْنِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: (وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الْعَشْرِ وَثَنَى إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ كَأَنَّهَا عَقْدُ خَمْسِينَ يَعْنِي تسعة وعشرين) وقالت عائشة - رضي الله عنه - (صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تِسْعَةً وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ) فَإِنْ كَانَ شَهْرَا صَوْمِهِ كَامِلَيْنِ صَامَ سِتِّينَ يَوْمًا وَإِنْ كَانَا نَاقِصَيْنِ صَامَ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَامِلًا وَالْآخَرُ نَاقِصًا صَامَ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا.
(فَصْلٌ:)
وَإِنِ ابْتَدَأَ بِالصَّوْمِ فِي تَضَاعِيفِ الشَّهْرِ كَأَنَّهُ بَدَأَ بِالصَّوْمِ وَقَدْ مَضَى مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَكَانَ أَوَّلُ صَوْمِهِ الْحَادِي عَشَرَ فَيَصُومُ بَاقِيَهُ ثُمَّ يَنْظُرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ كَامِلًا وَكَانَ بَاقِيهِ عِشْرِينَ يَوْمًا صَامَ الشَّهْرَ الَّذِي بَعْدَهُ مَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ كَامِلًا كَانَ أَوْ نَاقِصًا ثُمَّ صَامَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ يَسْتَكْمِلُ بِهَا الشَّهْرَ الْأَوَّلَ وَقَدْ أَكْمَلَ بِهَا صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ نَاقِصًا وَكَانَ بَاقِيهِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا صَامَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا يَسْتَكْمِلُ بِهَا الشَّهْرَ الْأَوَّلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا اعْتِبَارًا بِكَمَالِهِ دُونَ نُقْصَانِهِ.
.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ هِيَ عِدَّةُ مَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ قَبْلَ صَوْمِهِ لِأَنَّ الشَّهْرَ النَّاقِصَ لَا يَلْزَمُ تَكْمِيلُهُ كَمَا لَوِ ابْتَدَأَ بِالصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الشَّهْرَ إِذَا فَاتَ هِلَالُهُ وَجَبَ عَدَدُهُ وَإِذَا عُدَّ وَجَبَ أَنْ يُسْتَكْمَلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ)
وَلَأَنْ يَعُدَّ مَا صَامَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَعُدَّ مَا لَمْ يَصُمْ وَقَدْ صَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنْ تَرَكَ مِنْ أَوَّلِهِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَوَجَبَ أَنْ يَصُومَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا ليكمل بها ثلاثين يوماً
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُقَدِّمَ نِيَّةَ الصَّوْمِ قَبْلَ الدُّخُولِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ النِّيَّةُ فِي صَوْمِ الظِّهَارِ مستحقة قبل الفجر لأنه صوم واجب عليه أَنْ يُجَدِّدَ النِّيَّةَ لِكُلِّ يَوْمٍ وَإِنْ كَانَ تَتَابُعُ الصَّوْمِ مُسْتَحَقًّا كَمَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ مَعَ نِيَّةِ الصَّوْمِ أَنْ يَنْوِيَ التَّتَابُعَ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ تَتَابُعَ الصَّوْمِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّتَابُعِ كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ ثُمَّ كَانَتْ نِيَّةُ الصَّوْمِ وَاجِبَةً فَكَذَلِكَ نِيَّةُ التَّتَابُعِ، فَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ وَلَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ لَمْ يُجْزِهِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَابَعَةُ صَلَاتَيِ الْجَمْعِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةِ الْجَمْعِ كَذَلِكَ مُتَابَعَةُ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةِ الْمُتَابَعَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ نِيَّةُ التَّتَابُعِ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَلَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الصَّوْمِ بِخُرُوجِ الْيَوْمِ فَلَزِمَهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الصَّوْمِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ التَّتَابُعِ بِخُرُوجِ الْيَوْمِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ التَّتَابُعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَا يَلْزَمُهُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ بِحَالٍ لَا فِي جَمِيعِهِ وَلَا فِي أَوَّلِهِ لِأَنَّ تَتَابُعَ الصَّوْمِ مِنْ شروطه وأحكامه والعبادة إذا تضمت شُرُوطًا وَأَحْكَامًا أَجْزَأَتِ النِّيَّةُ لَهَا عَنِ النِّيَّةِ لِشُرُوطِهَا وَأَحْكَامِهَا كَالنِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ تُغْنِي عَنْ أَنْ يَنْوِيَ مَا تَضَمَّنَهَا مِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَشُرُوطٍ.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ نَوَى صَوْمَ يَوْمٍ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهِ ثُمَّ أَفَاقَ قَبْلَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَطْعَمْ أَجْزَأَهُ إِذَا دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَهُوَ يَعْقِلُ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّوْمِ وهو يعقل (قال المزني) رحمه الله: كل من أصبح نائماً في شهر رمضان صام وإن لم يعقله إذا تقدمت نيته (قال) ولو أغمي عليه فيه وفي يوم بعده ولم يطعم استأنف الصوم لأن في اليوم الذي أغمي عليه فيه كله غير صائم ولا يجزئه إلا أن ينوي كل يوم منه على حدته قبل الفجر لأن كل يوم منه غير صاحبه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْجُنُونُ فَيُبْطِلُ الصَّوْمَ سَوَاءً كَانَ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ أَوْ فِي بَعْضِهِ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ وَيُنَافِي الْعِبَادَةَ.