الحاوي الكبيرصفحات 452-473
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي

صفحات 452-473
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهَا مَعَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صَدْرِ الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْمُخَابَرَةِ.
وَالْمُخَابَرَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَرَوَى يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ " كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَإِنَّ بَعْضَ عُمُومَتِي أَتَانِي فَقَالَ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ أمرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا وَأَنْفَعُ، قَالَ: فَقُلْنَا: " وَمَا ذَاكَ " قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ كَانَتْ لَهُ أرضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا أخاه ولا يكاريها بثلث ولا ربعٍ ولا طعامٍ مُسَمًّى، وَرَوَى ابْنُ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ " مَنْ لَمْ يَذَرِ الْمُخَابَرَةَ فَلْيُؤْذَنْ بحربٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلِأَنَّ الْأُصُولَ الَّتِي تَصِحُّ إِجَارَتُهَا وَلَا تَصِحُّ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ كَسْبِهَا، وَكَذَا الْأَرَضُ لَمَّا جَازَتْ إِجَارَتُهَا لَمْ تَجُزِ الْمُخَابَرَةُ عَلَيْهَا.
فَهَذِهِ دَلَائِلُ الْفَرِيقَيْنِ فِي صِحَّةِ الْمُخَابَرَةِ وَفَسَادِهَا، وَلَمَّا اقْتَرَنَ بِدَلَائِلِ الصِّحَّةِ عَمَلَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ مَعَ الضَّرُورَةِ الْمَاسَّةِ إِلَيْهَا، وَكَانَ مَا عَارَضَهَا مُحْتَمَلًا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى مَا فَسَّرَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَانَ صِحَّةُ الْمُخَابَرَةِ أَوْلَى مِنْ فَسَادِهَا مَعَ صِحَّةِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ لَهَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ.

فَصْلٌ

: فَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ الْمُخَابَرَةِ حَمْلًا فِيهَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ مِنْ بَذْرٍ وَسَهْمٍ، وَإِنْ قِيلَ بِفَسَادِهَا فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ فَالزَّرْعُ لَهُ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَبَقَرِهِ، وَآلَتِهِ، لِأَنَّهُ بَذَلَ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ فَسَادُ الْعَقْدِ فَرَجَعَ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِلزَّارِعِ فَالزَّرْعُ لَهُ وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةُ مِثْلِ أَرْضِهِ لِأَنَّهُ بَذَلَهَا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ فَسَادُ الْعَقْدِ، فَرَجَعَ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لَهُمَا، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ نِصْفُ أُجْرَةِ عَمَلِهِ، وَبَقَرِهِ، وَآلَتِهِ، وَعَلَى الْعَامِلِ لِرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفُ أُجْرَةِ أَرْضِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَوِ اشْتَرَكَ أَرْبَعَةٌ فِي زِرَاعَةِ الْأَرْضِ فَكَانَتِ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمْ، وَالْبَذْرُ لِلْآخَرِ، وَالْآلَةُ لِلْآخَرِ، وَمِنَ الرَّابِعِ الْعَمَلُ، عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِشُرَكَائِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ وَاصِلِ بْنِ أَبِي جَمِيلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ اشْتَرَكَ أَرْبَعَةُ رهطٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي زَرْعٍ فَقَالِ أَحَدُهُمْ قِبَلِيَ الْأَرْضُ، وَقَالَ الْآخَرُ، قِبَلِيَ الْبَذْرُ، وَقَالَ الْآخَرُ، قِبَلِيَ الْعَمَلُ، وقال الآخر قبلي الفدان، فما اسْتُحْصِدَ الزَّرْعُ صَارُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَجَعَلَ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَأَلْغَى صَاحِبَ الْأَرْضِ، وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْفَدَّانِ شَيْئَا مَعْلُومًا، وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ دِرْهَمًا كُلَّ يومٍ.

فَصْلٌ

: وَلِمَنْ قَالَ بِفَسَادِ الْمُخَابَرَةِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ يُتَوَصَّلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَى صِحَّةِ الشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِكَا فِي مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ إِمَّا بِمِلْكِ رَقَبَتِهَا أَوْ بِإِجَارَتِهَا أَوِ اسْتِعَارَتِهَا أَوْ تَكُونُ لِأَحَدِهِمَا فَيُؤَجِّرُ صَاحِبُهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نِصْفَهَا مَشَاعًا فَتَصِيرُ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ لَهُمَا ثُمَّ يَشْتَرِكَانِ فِي الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ فَيَصِيرُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ: قَدْ أَجَّرْتُكَ نِصْفَ أَرْضِي مَشَاعًا سَنَةً بِدِينَارٍ، وَاسْتَأْجَرْتُ نِصْفَ عَمَلِكَ وَنِصْفَ عَمَلِ مَا قَدْ شَاهَدْتُهُ مِنْ بَقَرِكَ وَآلَتِكَ سَنَةً بِدِينَارٍ ثُمَّ يَقَعُ الْقِصَاصُ وَالْإِبْرَاءُ، وَيُخْرِجَانِ الْبَذْرَ بَيْنَهُمَا فَيَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ قَدْ أَجَّرْتُكَ نِصْفَ أَرْضِي مَشَاعًا بِنِصْفِ عَمَلِكَ وَنِصْفِ عَمَلِ مَا شَاهَدْتُهُ مِنْ بَقَرِكِ وَآلَتِكِ سَنَةً، فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَأْجِرًا لِنِصْفِ مَا لِصَاحِبِهِ سَنَةً، بِنِصْفِ مَا لِلْآخَرِ سَنَةً، أَوْ يَعْقِدَانِ ذَلِكَ سِنِينَ مَعْلُومَةً، ثُمَّ يُخْرِجَانِ الْبَذْرَ بَيْنَهُمَا، فَيَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَالْعَمَلِ، فَيَصِيرُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الثُّلُثُ وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثَانِ، قَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ أَجَّرْتُكَ ثُلُثَيْ أَرْضِي بِثُلُثِ عَمَلِكَ، وَيُخْرِجُ صَاحِبُ الْأَرْضِ ثُلُثَ الْبَذْرِ فَيَصِيرُ ثُلُثُ الزَّرْعِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ.
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثَا الزَّرْعِ وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثُ، قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ قَدْ آجَرْتُكَ ثُلُثَ أَرْضِي بِثُلُثَيْ عَمَلِكَ وَيُخْرِجُ ثُلُثَيِ الْبَذْرِ فَيَصِيرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثَا الزَّرْعِ، وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثُ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ قَدِ اسْتَأْجَرْتُ نِصْفَ عَمَلِكَ بنصف هذا البذر، ونصف منفعة هذا الأرض فَيَصِيرُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ قَدْ أَجَّرْتُكَ نِصْفَ أَرْضِي بِنِصْفِ عَمَلِكَ وَنِصْفِ هَذَا الْبَذْرِ فَيَصِيرُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِذَا عَقَدَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ الْبَذْرُ فِيهِ مِنْ أَحَدِهِمَا فَهُوَ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا قَالَهُ بَلْ هُوَ عَقْدُ إِجَارَةٍ مَحْضَةٍ، وَالْأُجْرَةُ فِيهَا نِصْفُ الْبَذْرِ وَنِصْفُ الْعَمَلِ فَيَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ والعرَض وَمَا نَبَتَ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ عَلَى صفةٍ تُسَمِّيهِ كَمَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْمَنَازِلِ وَإِجَارَةُ الْعَبِيدِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إِجَارَةِ الْأَرضِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ إِلَى أَنَّ إِجَارَةَ الْأَرَضِينَ بَاطِلَةٌ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي مَا قَالَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِنَّ إِجَارَتَهَا جَائِزَةٌ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَلَا يَجُوزُ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَلَا بِمَا يَنْبُتُ مِنَ الْأَرْضِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبو حنيفة وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ إِنَّهَا تَجُوزُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ مَنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ بِمَا يَنْبُتُ مِنَ الْأَرْضِ مَنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَاسْتَدَلَّ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إِجَارَتِهَا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ الله فقال يابن خَدِيجٍ مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَالَ رَافِعٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ عَمَّيَّ وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يَعْلَمْهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدٍ أَبِي شُجَاعٍ عَنْ عِيسَى بْنِ سَهْلٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ إِنِّي لَيَتِيمٌ فِي حِجْرِ رافعٍ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَجَاءَهُ أَخِي عِمْرَانُ بْنُ سَهْلٍ فَقَالَ أَكْرَيْنَا أَرْضَنَا فُلَانَةً بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ دَعْهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ.
قَالَ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَجُزْ إِجَارَةُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ لِكَوْنِهِمَا أَصْلًا لِكُلِّ ثَمَرٍ فَكَذَلِكَ الْأَرْضُ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ.

فَصْلٌ

: وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ إِجَارَتَهَا بِالطَّعَامِ وَبِمَا يَنْبُتُ مِنَ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ، بِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ كَانَتْ لَهُ أرضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ ليزرعها أخاه، ولا يكاريها بثلثٍ ولا ربعٍ وَلَا بطعامٍ مُسَمًّى " وَرَوَى طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَقَالَ إِنَمَا يَزْرَعُ ثلاثةٌ، رجلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا، ورجلٌ مَنَحَ أَرْضًا، فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ، ورجلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بذهبٍ أَوْ فضةٍ.
وَلِأَنَّ اسْتِكْرَاءَ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا بَاطِلٌ كَالْمُخَابَرَةِ.
وَدَلِيلُنَا عَلَى مَالِكٍ رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلَكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلَكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَضْمُونٌ مَعْلُومٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَكَانَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ مَعَ شَبِيهِهِ عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ، فَصَارَ هَذَا تَفْسِيرًا لِمَا أَجْمَلَهُ مِنَ النَّهْيِ.

وَلِأَنَّ مَا صَحَّ أَنْ يُؤَاجَرَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ صَحَّ أَنْ يُؤَاجَرَ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ، وَلِأَنَّ مَا صَحَّ أَنْ تُؤَاجَرَ بِهِ الدُّورُ وَالْعَقَارُ صَحَّ أَنْ تُؤَاجَرَ بِهِ الْأَرْضُونَ كَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَسَنُ مِنْ حَدِيثَيْ رَافِعٍ فِي النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا فَسَّرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كِرَائِهَا بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ عَنْ رَافِعٍ مُخْتَلِفَةٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِ بَيْنَ الْأَرْضِ، وَبَيْنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ فَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ النَّخْلِ أَعْيَانٌ، وَمِنَ الْأَرْضِ آثَارٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثَيْ رَافِعٍ فَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَنَهْيُهُ عَنْ إِجَارَتِهَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى يَعْنِي مِنَ الْأَرْضِ الْمُؤَاجَرَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْمُخَابَرَةِ فَهُوَ أَنَّ الْعِوَضَ فِي الْمُخَابَرَةِ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَفِي الْإِجَارَةِ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ إِلَّا عَلَى سنةٍ معروفةٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وَأَنْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، وَأَنَّهَا تَجُوزُ سَنَةً، وَفِي جَوَازِهَا سِنِينَ قَوْلَانِ.
فَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ سَنَةً فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ سَنَةً هِلَالِيَّةً، فَيَصِحُّ وَيَكُونُ الْعَقْدُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ يُحْتَسَبُ بِكُلِّ شَهْرٍ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، كَامِلًا كَانَ أَوْ نَاقِصًا وَيَكُونُ قَدْرُ السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، وَهَذَا أَخَصُّ الْآجَالِ بِالشَّرْعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) {البقرة: 189) . وَالْقِسْمُ الثاني: أن يشترط سَنَةً عَدَدِيَّةً فَيَصِحُّ وَيَكُونُ الْعَقْدُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وستين يوماً كاملة لأن عدد الشهر مستوفٍ بِكَمَالِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ سَنَةً شَمْسِيَّةً وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَرُبُعُ يَوْمٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِهَذَا الْأَجَلِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ لِلْعِلْمِ بِالْمُدَّةِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِحِسَابٍ تُنْسَأُ فِيهِ أَيَّامٌ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى النَّسِيءَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا النَسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرَ) {التوبة: 37) . وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يُطْلِقَ ذِكْرَ السَّنَةِ، فلا يشترطهما هِلَالِيَّةً، وَلَا عَدَدِيَّةً وَلَا شَمْسِيَّةً فَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ حَمْلًا عَلَى السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ لِأَنَّهُ الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ فِي الْآجَالِ الشَّرْعِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ الْأَرْضَ ذَاتَ الْمَاءِ مِنَ الْعَيْنِ أَوِ النَّهْرِ أَوْ عَثَرِيًّا أَوْ غَيْلًا أَوِ الْآبَارِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا غَلَّةَ شتاءٍ وصيفٍ فَزَرَعَهَا إِحْدَى

الْغَلَّتَيْنِ وَالْمَاءُ قائمٌ ثُمَّ نَضَبَ الْمَاءُ فَذَهَبَ قَبْلَ الْغَلَّةِ الثَّانِيَةِ فَأَرَادَ رَدَّ الْأَرْضِ لِذَهَابِ الْمَاءِ عَنْهَا فَذَلِكَ لَهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِرَاءِ بِحِصَّةِ مَا زَرَعَ إِنْ كَانَ الثُّلُثُ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ وَسَقَطَتْ عَنْهُ حِصَةُ مَا لَمْ يَزْرَعْ لِأَنَّهُ لَا صَلَاحَ لِلزَّرْعِ إِلَّا بِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا قَدِ اسْتَأْجَرَهَا لَهُ، مِنْ زَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ، فَإِنْ أَغْفَلَ ذِكْرَ مَا يَسْتَأْجِرُهَا لَهُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ لِاخْتِلَافِهِ، ثُمَّ لَا يَذْكُرُ ذَلِكَ بِلَفْظِ الشَّرْطِ بَلْ يَقُولُ " لِتَزْرَعْهَا " فَإِنْ أَخْرَجَهَا مَخْرَجَ الشَّرْطِ، فَقَالَ " عَلَى أَنْ تَزْرَعَهَا " بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ إِذَا جَعَلَهُ شَرْطًا لَزِمَهُ، وَالْمُسْتَأْجِرُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا هو إذا مكن منها مخير بين استيفاءها أَوْ تَرْكِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا لِلسُّكْنَى كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ سُكْنَاهَا وَتَرْكِهَا، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ سُكْنَاهَا فِي الْعَقْدِ فَقِيلَ فِيهِ " عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا " بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ.
فَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا سَنَةً لِزَرْعِهَا غَلَّةَ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ مَاءٌ قَائِمٌ يُسْقِي بِهِ الزَّرْعَ مِنْ عَيْنٍ أو نهر أو نيل أوعثريا، وَهُوَ: الْمَاءُ الْمُجْتَمِعُ فِي أُصُولِ الْجِبَالِ أَوْ عَلَى رُؤُوسِهَا، أَوْ غَيْلًا، وَهُوَ: السَّيْحُ الْجَارِي، سُمِّيَ سَيْحًا لِأَنَّهُ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ، أَوْ غَلَلًا وَهُوَ: الْمَاءُ بَيْنَ الشَّجَرِ.
وَإِنَّمَا افْتَقَرَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا إِلَى وُجُودِ الْمَاءِ لِزَرْعِهَا، لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا يَنْبُتُ فِي جَارِي الْعَادَةِ إِلَّا بِمَاءٍ يَسْقِيهِ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَاءٌ يُمْكِنُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا لِأَنَّ عَلَى الْمُؤَجِّرِ تَمْكِينَ الْمُسْتَأْجِرِ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَبَطَلَتِ الْإِجَارَةُ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ سَقَى زَرْعَهَا بَعْلًا أَوْ عِذْيًا، وَالْبَعْلُ: مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ، وَالْعِذْيُ: مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، فَهِيَ كَالْأَرْضِ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا، لِأَنَّهُ غَيْرُ قَائِمٍ فِيهَا، وَقَدْ يَكُونُ وَلَا يَكُونُ، فَلَا يَصِحُّ إِجَارَتُهَا لِلزَّرْعِ.
فَإِذَا اسْتَأْجَرَهَا وَلَهَا مَاءٌ قَائِمٌ فَزَرَعَهَا إِحْدَى الْغَلَّتَيْنِ، ثُمَّ نَضَبَ الْمَاءُ أَوْ نَقَصَ أَوْ مَلَحَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ زَرْعُ الْغَلَّةِ الثَّانِيَةِ نُظِرَ، فَإِنْ تَوَصَّلَ الْمُؤَجِّرُ إِلَى إِعَادَةِ الْمَاءِ بِحَفْرِ نَهْرٍ، أَوْ بِئْرٍ، أَوِ اسْتِنْبَاضِ عَيْنٍ فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا وَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا.
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْمَاءِ أَوْ أَمْكَنَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى بِنَاءِ الدَّارِ إِذَا انْهَدَمَتْ، وَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى مُدَاوَاةِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ إِذَا ظَهَرَ بِهِ مَرَضٌ.
ثُمَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْمُقَامِ عَلَيْهِ أَوِ الْفَسْخِ، لِمَا حَدَثَ مِنَ النَّقْصِ بِتَعَذُّرِ التَّمْكِينِ.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا كَمَا لَوِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ أَوْ مَاتَ الْعَبْدُ، قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَرْضَ الْمُسْتَأْجَرَةَ بَاقِيَةٌ مَعَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا، وَالدَّارُ تَالِفَةٌ بِانْهِدَامِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ بِمَوْتِهِ، فَلَمْ تَبْطُلِ الْإِجَارَةُ بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنِ الْأَرْضِ، وَإِنْ بَطَلَتْ بِانْهِدَامِ الدَّارِ، وَمَوْتِ الْعَبْدِ وَاسْتَحَقَّ الْمُسْتَأْجِرُ الْخِيَارَ لِلنَّقْصِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَامَ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ، وَإِنْ فَسَخَ فَلَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، وَفِي جَوَازِ فَسْخِهَا فِيمَا مَضَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَاكَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لِمَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ بِاسْتِيفَائِهَا وَمَنِ اسْتَهْلَكَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ خِيَارًا فِي فَسْخِهِ، فَعَلَى هَذَا يُقِيمُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَيَرْجِعُ لِبَاقِي الْمُدَّةِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ مَا مَضَى كَمَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ ما بقي لأنها صفقة فلم يفترق حكمها فِي الْخِيَارِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ فَسَخَ فِي الْجَمِيعِ رَجَعَ بِالْمُسَمَّى، وَكَانَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ أَقَامَ عَلَى مَا مَضَى، وَفَسَخَ فِيمَا بَقِيَ، لَزِمَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِ ما مضى، ويرجع مِنْهَا بِقِسْطِ مَا بَقِيَ، وَقَدْ خَرَجَ قَوْلٌ آخَرُ: إِنَّهُ يُقِيمُ عَلَى مَا مَضَى بِكُلِّ الْأُجْرَةِ وَإِلَّا فَسَخَ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ لَمْ يُقَسِّطْ ذَلِكَ عَلَى الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا يُقَسِّطُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَإِذَا كَانَ الْمَاضِي مِنَ الْمُدَّةِ نِصْفَهَا لَمْ يَرْجِعْ بِنِصْفِ الْأُجْرَةِ، وَقِيلَ: " كَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ مِثْلِ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ؟ فَإِذَا قِيلَ عِشْرُونَ دِينَارًا، قِيلَ وَكَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ مِثْلِ الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ؟ فَإِذَا قِيلَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ رَجَعَ بِثُلُثِ الْأُجْرَةِ، وَلَوْ كَانَ أُجْرَةُ مَا مَضَى عشرة وأجرة ما بقي عشرون، رَجَعَ بِثُلُثَيِ الْأُجْرَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَخْتَلِفُ أُجْرَةُ مِثْلِ الْمُدَّتَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَسِّطَ عَلَى أَعْدَادِهَا وَلَزِمَ أَنْ يُقَسِّطَ عَلَى أُجُورِ أَمْثَالِهَا والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ تَكَارَاهَا سَنَةً فَزَرَعَهَا فَانْقَضَتِ السَّنَةُ وَالزَّرْعُ فِيهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يُحْصَدَ فَإِنْ كَانَتِ السَّنَةُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعَا يُحْصَدُ قَبْلَهَا فَالْكِرَاءُ جائزٌ وَلَيْسَ لِرَبِّ الزَّرْعِ أَنْ يُثَبِّتَ زَرْعَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَهُ عَنِ الْأَرْضِ إلا أن يشاء رب الأرض تركه (قال الشافعي) وإذا شرط أن يزرعها صنفاً من الزرع يستحصد أو يستقصل قبل السنة فأخره إلى وقتٍ من السنة وانقضت السنة قبل بلوغه فكذلك أيضاً وإن تكاراها لمدةٍ أقل من سنةٍ وشرط أن يزرعها شيئاً بعينه ويتركه حتى يستحصد وكان يعلم أنه لا يمكنه أن يستحصد في مثل المدة التي تكاراها فالكراء فيه فاسدٌ من قبل أني إن أثبت بينهما شرطهما ولم أثبت على رب الأرض أن يبقي زرعه فيها بعد انقضاء المدة أبطلت شرط الزارع أن يتركه حتى يستحصد وإن أثبت له زرعه حتى يستحصد أبطلت شرط رب الأرض فكان هذا كراء فاسداً ولرب الأرض كراء مثل أرضه إذا زرعه وعليه تركه حتى يستحصد ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ أَرْضًا مُدَّةً مَعْلُومَةً لِيَزْرَعَهَا زَرْعًا مَوْصُوفًا فَزَرَعَهَا، ثُمَّ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، قَبْلَ اسْتِحْصَادِ زَرْعِهَا، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُدَّةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ الزَّرْعَ يُسْتَحْصَدُ فِي مِثْلِهَا، وَالثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْصَدُ فِي مِثْلِهَا، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقَعَ الشَّكُّ فِيهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ بِجَارِي الْعَادَةِ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الزَّرْعِ يُسْتَحْصَدُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ قَبْلَ اسْتِحْصَادِهِ، فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَأَخُّرُ اسْتِحْصَادِهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الْجِنْسِ الَّذِي شَرَطَهُ إِلَى غَيْرِهِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ لِزَرْعِ الْبَاقِلَّا، فَيَزْرَعُهَا بُرًّا، فَتَنْقَضِي الْمُدَّةُ، وَالزَّرْعُ غَيْرُ مُسْتَحْصَدٍ، فَهَذَا يُؤْخَذُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ قَبْلَ اسْتِحْصَادِهِ لِأَنَّهُ بِعُدُولِهِ عَنِ الْبَاقِلَّا إِلَى الْبُرِّ يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا فَلَمْ

يَسْتَحِقَّ اسْتِيفَاءَ زَرْعٍ تَعَدَّى فِيهِ، فَإِنْ تَرَاضَى الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ عَلَى تَرْكِهِ إِلَى أَوَانِ حَصَادِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ أَقَرَّ، وَإِنْ رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ وَأَبَى الْمُؤَجِّرُ، أَوْ رَضِيَ الْمُؤَجِّرُ وَأَبَى الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ بَذْلِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ قُلِعَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ اسْتِحْصَادِهِ لِتَأْخِيرِ بَذْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُدُولٍ عَنْ جِنْسِهِ، فَهَذَا مُفَرِّطٌ، وَيُؤْخَذُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ قَبْلَ اسْتِحْصَادِهِ لِأَنَّ تَفْرِيطَهُ لَا يُلْزِمُ غَيْرَهُ، فَإِنْ بَذَلَ أُجْرَةَ مِثْلِ الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ وَرَضِيَ الْمُؤَجِّرُ بِقَبُولِهَا تُرِكَ وَإِلَّا قُلِعَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ اسْتِحْصَادِهِ لِأَمْرٍ سَمَائِيٍّ، مِنَ اسْتِدَامَةِ بَرْدٍ، أَوْ تَأْخِيرِ مَطَرٍ، أَوْ دَوَامِ ثَلْجٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُتْرَكُ إِلَى وَقْتِ اسْتِحْصَادِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ عُدْوَانٌ، وَلَا تَفْرِيطٌ فَإِذَا تُرِكَ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ أُجْرَةً مِثْلَ الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى عَقْدِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُؤْخَذَ بِقَلْعِ زَرْعِهِ وَلَا يُتْرَكَ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِظْهَارِ لِنَفْسِهِ فِي اسْتِزَادَةِ الْمُدَّةِ خَوْفًا مِنْ حَادِثِ سَمَاءٍ، فَلَمَّا لَمْ يَسْتَظْهِرْ صَارَ مُفْرِطًا.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ بِجَارِي الْعَادَةِ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الزَّرْعِ لَا يُسْتَحْصَدُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، مِثْلَ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِزَرْعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُشْتَرَطَ قَلْعَهُ عِنْدَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ، فَهَذِهِ إِجَارَةٌ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ زَرْعَهُ قَصِيلًا، وَلَا يُرِيدُهُ حَبًّا، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ أُخِذَ بِقَلْعِ زَرْعِهِ وَقَطْعِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ تَرْكَهُ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ، فَهَذِهِ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ اسْتِيفَاءِ الزَّرْعِ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يُنَافِي مُوجِبَهَا، فبطلت ثم للزارع استيفاء زرعه إلى وقت حصاد، وإن بطلت الإجارة، فلا يؤخذ بقلع زرع، لِأَنَّهُ زَرَعَ عَنْ إِذْنٍ اشْتَرَطَ فِيهِ التَّرْكَ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ ال

ْمَسْأَلَةِ

فِي اسْتِيفَاءِ الزَّرْعِ مَعَ فَسَادِ الْإِجَارَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يُؤْخَذَ بِقَلْعِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَقْسَامِ مَعَ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ: أَنَّ الْإِجَارَةَ إِذَا بَطَلَتْ رُوعِيَ الْإِذْنُ دُونَ الْمُدَّةِ، وَإِذَا صَحَّتْ رُوعِيَتِ الْمُدَّةُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ: أَنْ يُطْلِقَ الْعَقْدَ فَلَا يَشْتَرِطُ فِيهِ قَلْعًا وَلَا تَرْكًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ إِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي الْقَلْعَ أَوِ التَّرْكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ يَقْتَضِي الْقَلْعَ اعْتِبَارًا بِمُوجِبِ الْعَقْدِ، فَعَلَى هَذَا الْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ، وَيُؤْخَذُ الْمُسْتَأْجِرُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ عِنْدَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي التَّرْكَ إِلَى أَوَانِ الْحَصَادِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِيهِ، كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنَ الثِّمَارِ يَقْتَضِي إِطْلَاقَ بَيْعِهِ لِلتَّرْكِ إِلَى وَقْتِ الصِّرَامِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، وَيَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ تَرْكُ زَرْعِهِ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّرْكَ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْأَصْلِ وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الشَّكُّ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ هَلْ يُسْتَحْصَدُ الزَّرْعُ فِيهَا كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ لِزَرْعِ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَبَعْضِ السِّنِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُسْتَحْصَدَ، فَيَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ حُكْمَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ يُسْتَحْصَدُ فِيهِ وَيَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ حُكْمَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْصَدُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى إِسْقَاطًا لِلشَّكِّ وَاعْتِبَارًا بِالْيَقِينِ والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا تَكَارَى الْأَرْضَ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا إِنَّمَا يُسْقَى بِنُطَفِ سماءٍ أَوْ بسيلٍ إِنْ جَاءَ فَلَا يَصِحُّ كِرَاؤُهَا إِلَّا عَلَى أَنْ يُكْرِيَهُ إِيَّاهَا أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا يَصْنَعُ بِهَا الْمُسْتَكْرِي مَا شَاءَ فِي سَنَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَبْنِي وَلَا يَغْرِسُ فَإِذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا صَحَّ الْكِرَاءُ وَلَزِمَهُ زَرَعَ أَوْ لَمْ يَزْرَعْ فَإِنْ أَكْرَاهُ إِيَّاهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا وَلَمْ يَقُلْ أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهَا لَا تُزْرَعُ إِلَّا بمطرٍ أَوْ سيلٍ يَحْدُثُ فَالْكِرَاءُ فاسدٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ إِجَارَةَ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ لَا تَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا مَاءٌ قَائِمٌ يَغْتَذِي بِهِ الزَّرْعُ، فَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا، وَإِنَّمَا تُسْقَى بِمَا يَحْدُثُ مِنْ نُطَفِ سَمَاءٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ طَلٍّ أَوْ بِحُدُوثِ سَيْلٍ مِنْ زِيَادَةِ وَادٍ أَو نَهْرٍ فَلَا تَصِحُّ إِجَارَتُهَا لِلزَّرْعِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ أَجَّرْتُكَهَا عَلَى أَنَّهَا أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا مَاءَ لَهَا لِتَصْنَعَ بِهَا مَا شِئْتَ عَلَى أَنْ لَا تَبْنِيَ وَلَا تَغْرِسَ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْرُطْ هَذَا - وَقَدِ اسْتَأْجَرَهَا لِلزَّرْعِ - تَوَهَّمَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ مُلْتَزِمٌ بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ التَّمْكِينِ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ شَرْطٍ يَنْفِي هَذَا التَّوَهُّمَ وَيُزِيلُ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَخْلُو حَالَ الْعَقْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُشْتَرَطَ أَنْ لَا مَاءَ لَهَا فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَزْرَعَهَا وَلَا يَغْرِسَهَا، وَيَحْفِرَ فِيهَا لِلزَّرْعِ بِئْرًا إِنْ شَاءَ، وَعَلَيْهِ طَمُّهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُشْتَرَطَ أَنَّ لَهَا مَاءً، وَهُوَ مَا يَحْدُثُ مِنْ سَيْلٍ أَوْ مَطَرٍ فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ السَّيْلَ وَالْمَطَرَ قَدْ يَحْدُثُ وَقَدْ لَا يَحْدُثُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ الْعَقْدَ، فَلَا يَشْرُطُ أَنَّهَا بَيْضَاءُ لَا مَاءَ لَهَا، وَلَا يَشْرُطُ أَنَّ لَهَا مَاءً يَحْدُثُ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْأَرْضِ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ رَخْوَةً يُمْكِنُ حَفْرُ بِئْرٍ فِيهَا أَوْ شقُّ نَهْرٍ إِلَيْهَا فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ لِمَا فِيهَا مِنَ احْتِمَالِ الْتِزَامِ الْمُؤَجِّرِ لِذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أن تكون صلبة لا يمكن من حَفْرُ بِئْرٍ فِيهَا وَلَا شِقُّ نَهْرٍ إِلَيْهَا كَأَرَاضِي الْجِبَالِ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُهُ أَنَّ إِجَارَتَهَا مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَإِطْلَاقِ الْعَقْدِ جَائِزَةٌ لِأَنَّ اسْتِحَالَةَ ذَلِكَ فِيهَا يُغْنِي عَنِ الشَّرْطِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ إِجَارَتَهَا مَعَ الْإِطْلَاقِ بَاطِلَةٌ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا شَرْطٌ لِأَنَّهُ مَعَ اسْتِحَالَةِ حَفْرِهَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى زَرْعِهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَمَاءٍ.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ ذَاتَ نَهْرٍ مِثْلِ النِّيلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَعْلُو الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا زَرْعًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِأَنْ يُرْوَى بِالنِّيلِ لَا بِئْرَ لَهَا وَلَا مَشْرَبَ غَيْرُهُ فَالْكِرَاءُ فاسدٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي أَرْضٍ عَلَى نَهْرٍ يَعْلُو عَلَى مَاءِ الْبِئْرِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى سَقْيِهَا إِلَّا بِأَنْ يَزِيدَ مَاءُ ذَلِكَ النَّهْرِ حَتَّى يَعْلُوَ فَيَسْقيها كَأَرْضِ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَمَا انْحَدَرَ مِنْ أَرْضِ دِجْلَةَ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُؤَجِّرَهَا عِنْدَ زِيَادَةِ الْمَاءِ وَعُلُوِّهِ، وَإِمْكَانِ سَقْيِ الْأَرْضِ بِهِ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ لِوُجُودِ الْمَاءِ وَإِمْكَانِ الزَّرْعِ، وَلَيْسَ مَا يُخَافُ مِنْ صُدُورِ نُقْصَانِهِ بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا يُظَنُّ مِنْ حُدُوثِ الْأَسْبَابِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعَقْدِ لَا يَمْنَعُ فِي الْحَالِ مِنْ صِحَّتِهِ، كَمَوْتِ الْعَبْدِ، وَانْهِدَامِ الدَّارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حُدُوثَ النُّقْصَانِ إِنَّمَا يَكُونُ عُرْفًا بَعْدَ اكْتِفَاءِ الْأَرْضِ وَارْتِوَاءِ الزَّرْعِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُؤَجِّرَهَا عِنْدَ نُقْصَانِ الْمَاءِ وَقَبْلَ زِيَادَتِهِ فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ زَرْعَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَصَارَ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مُتَعَذِّرًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ حُدُوثَ الزِّيَادَةِ مَظْنُونٌ قَدْ يَحْدُثُ وَلَا يَحْدُثُ، وَقَدْ يَحْدُثُ مِنْهَا مَا يَكْفِي، وَمَا لَا يَكْفِي، فَلِهَذَيْنِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا أَرْضُ الْبَصْرَةِ ذَاتُ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ فَإِجَارَتُهَا لِلزَّرْعِ جَائِزَةٌ فِي وَقْتِ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ لَا يَتَغَيَّرُ الْمَدُّ عَنْ وَقْتِهِ وَلَا الْجَزْرُ عَنْ وَقْتِهِ عَلَى حَسَبِ أَيَّامِ الشُّهُورِ وَأَحْوَالِ الْقَمَرِ لَا تَخْتَلِفُ عَادَتُهُ وَلَا يَخْتَلِفُ وَقْتُهُ.
فَصْلٌ : فَإِذَا كَانَتْ أَرْضٌ مَنْ أَرَاضِي الْجِبَالِ قَدِ اسْتَقَرَّتْ فِيهَا نَدَاوَةُ الْمَطَرِ حَتَّى يُمْكِنَ زَرْعُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ مَطَرٍ يَأْتِي، وَلَا سَيْلٍ يَحْدُثُ جَازَ أَنْ تُؤَاجَرَ لِلزَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَاءٌ مُشَاهَدٌ، لِأَنَّ زَرْعَهَا عَلَى حَالِهَا هَذِهِ مُمْكِنٌ فَصَارَتْ كَالْأَرْضِ ذَاتِ الْمَاءِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا تَكَارَاهَا وَالْمَاءُ قائمٌ عَلَيْهَا وَقَدْ يَنْحَسِرُ لا حالة فِي وقتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الزَّرْعُ فَالْكِرَاءُ جائزٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْحَسِرُ وَلَا يَنْحَسِرُ كَرِهْتُ الْكِرَاءَ إِلَّا بَعْدَ انْحِسَارِهِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي أَرْضٍ دَخَلَهَا الْمَاءُ حَتَّى عَلَا عَلَيْهَا، وَأَقَامَ فِيهَا فَاسْتُؤْجِرَتْ لِلزَّرْعِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَمْنَعُ مِنْ مُشَاهَدَتِهَا لِكَدَرِهِ وَكَثْرَتِهِ وَلَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَةُ الْمُسْتَأْجِرِ لَهَا قَبْلَ عُلُوِّهِ، فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ لِلْجَهْلِ بِحَالِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ صَافِيًا لَا يَمْنَعُ مِنْ مُشَاهَدَتِهَا، أَوْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَ رُؤْيَةُ الْمُسْتَأْجِرِ لَهَا، قَبْلَ عُلُوِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مَانِعًا مِنْ مُشَاهَدَتِهَا فَهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا لِمَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهَا كَالْأُرْزِ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُمْكِنَ زَرْعُهُ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهِ كَالْحِنْطَةِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ بِجَارِي الْعَادَةِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْحَسِرُ عَنْهَا قَبْلَ وَقْتِ الزِّرَاعَةِ فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ مَا اسْتُؤْجِرَتْ لَهُ مُتَعَذَّرٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشُكَّ فِي انْحِسَارِ الْمَاءِ عَنْهَا قَبْلَ وَقْتِ الزِّرَاعَةِ فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ إِسْقَاطًا لِلشَّكِّ وَاعْتِبَارًا بِالْيَقِينِ فِي بَقَاءِ الْمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَاءَ يَنْحَسِرُ عَنْهَا يَقِينًا قَبْلَ وَقْتِ الزِّرَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ لَهَا مَغِيضًا يُمْكِنُ إِذَا فُتِحَ الْمَاءُ أَنْ يَغِيضَ فِيهِ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ لِلْقُدْرَةِ عَلَى إِرْسَالِ ماءها، وَالْمُكْنَةِ مِنْ زِرَاعَتِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ الجارية فيها فإنها تشرب مائها، وَتُنَشِّفُهُ الْأَرْضُ وَالرِّيَاحُ عُرْفًا قَائِمًا فِيهَا، وَعَادَةً جَارِيَةً لَا يُخْتَلَفُ فِيهَا فَفِي صِحَّةِ إِجَارَتِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ والظاهر من مذهب الشافي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ لِمَا اسْتَقَرَّ مِنَ الْعُرْفِ فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِنَّ الْإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ زَرْعَهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَارْتِقَاءَ الْمَاءِ عَلَيْهَا يَقِينٌ.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ غَرَّقَهَا بَعْدَ أَنْ صَحَّ كِرَاؤُهَا نِيلٌ أَوْ سيلٌ أَوْ شَيْءٌ يُذْهِبُ الْأَرْضَ أَوْ غُصِبَتِ انْتَقَضَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا مِنْ يَوْمِ تَلِفَتِ الأرض ". قال الماوردي: وصورتها في أرض استؤجؤت لِلزَّرْعِ فَغَرِقَتْ أَوْ غُصِبَتْ فَلَا يَخْلُو حَالُ غَرَقِهَا أَوْ غَصْبِهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ زَمَانًا يَسِيرًا كَالثَّلَاثِ فَمَا دُونَ فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ لَا تَبْطُلُ بِمَا حَدَثَ مِنْ غَرَقِهَا أَوْ غَصْبِهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، لَكِنَّهُ عَيْبٌ قَدْ طَرَأَ وَالْمُسْتَأْجِرُ لِأَجْلِهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ، وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ كَثِيرًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْإِجَارَةِ، فَقَدْ بَطَلَتْ لِلْحَائِلِ بَيْنَ

الْمُسْتَأْجِرِ وَمَا اسْتَأْجَرَهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ، ثُمَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَرْجِعَ بِالْأُجْرَةِ كُلِّهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ، كَأَنَّهُ مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ نِصْفُهَا، وَبَقِيَ نِصْفُهَا، فَالْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا بَاطِلَةٌ، ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَوَازُهَا فِيمَا مَضَى، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ قَوْلًا ثَانِيًا أَنَّهَا بَاطِلَةٌ فِيمَا مَضَى لِبُطْلَانِهَا فِيمَا بَقِيَ جَمْعًا لِلصَّفْقَةِ وَمَنْعًا مِنْ تَفْرِيقِهَا فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فَاسِدٌ، لِمَا تَقَدَّمَ من تعليل فساده.
فإذا قيل بهذه التَّخْرِيجِ فِي بُطْلَانِ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى وَرَجَعَ الْمُؤَجِّرُ بِأُجْرَةِ مِثْلِ مَا مَضَى، وَإِذَا قِيلَ بِصِحَّتِهَا فِيمَا مَضَى، وَأَنْ تَبْطُلَ فِيمَا بَقِيَ فَالْمَذْهَبُ لُزُومُهُ وَسُقُوطُ خِيَارِ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا يُقِيمُ عَلَيْهِ بِقِسْطِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ لَهُ فِيهِ الْخِيَارَ لِمَا حَدَثَ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ، فَإِنْ فَسَخَ الْتَزَمَ أُجْرَةَ مِثْلِ مَا مَضَى، وَرَجَعَ بِالْمُسَمَّى وَإِنْ أَقَامَ فَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُقِيمُ بِقِسْطِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَالثَّانِي - وَهُوَ مُخَرَّجٌ - أَنَّهُ يُقِيمُ بِكُلِّ الْأُجْرَةِ وَإِلَّا فَسَخَ.

مَسْأَلَةٌ قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهَا وَبَقِيَ بَعْضٌ وَلَمْ يَزْرَعْ فَرَبُّ الزِّرْعِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْكِرَاءِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا لِأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُسَلَّمْ لَهُ كُلُّهَا وَإِنْ كَانَ زَرَعَ بَطَلَ عَنْهُ مَا تَلِفَ وَلَزِمَهُ حِصَّةُ مَا زَرَعَ مِنَ الْكِرَاءِ وَكَذَا إِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ مِائَةَ صاعٍ بثمنٍ معلومٍ فَتَلِفَ خَمْسُونَ صَاعًا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ كُلَّ مَا اشْتَرَى وَكَذَلِكَ لَوِ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَ بَعْضُهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ مِنْهَا مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْكِرَاءِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَا يَتَبَعَّضُ مِنْ عبدٍ اشْتَرَاهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى حَدَثَ بِهِ عيبُ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ مَا هُوَ غَيْرُ معيبٍ وَالْمَسْكَنُ يَتَبَعَّضُ مِنَ الْمَسْكَنِ مِنَ الدَّارِ وَالْأَرْض كَذَلِكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَغَرَّقَ السَّيْلُ بَعْضَهَا وَبَقِيَ بَعْضُهَا فَالْإِجَارَةُ فِي الَّذِي غَرِقَ مِنْهَا بَاطِلَةٌ ثُمَّ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا فِي الْبَاقِي مِنْهَا جَائِزَةٌ وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ فِيهِ أَوْ أَخْذِهِ بِقِسْطِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ لِتَقْسِيطِ الْأُجْرَةِ عَلَى أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَتَقْسِيطِ ثَمَنِ الصُّبْرَةِ عَلَى أَجْزَاءِ الصُّبْرَةِ، وَلَيْسَ كَالْعَبْدِ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ لَمْ يَتَقَسَّطْ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا يُوجِبُ خِيَارَ الْمُشْتَرِي فِي أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ فَسْخِ الْبَيْعِ فِيهِ، وَقَدْ خَرَجَ قَوْلٌ إِنَّ الْإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ فِيمَا بَقِيَ لِبُطْلَانِهَا فِيمَا غَرِقَ، وَيَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ زَرْعِ الْبَاقِي، فَإِنْ زَرَعَهُ ضَمِنَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ دُونَ المسمى وليس بصحيح.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ مَرَّ بِالْأَرْضِ ماءٌ فَأَفْسَدَ زَرْعَهُ أَوْ أَصَابَهُ حريقٌ أَوْ جرادٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ جائحةٌ عَلَى الزَّرْعِ لَا عَلَى الْأَرْضِ كَمَا لَوِ اكْتَرَى مِنْهُ دَارًا لِلْبَزِّ فاحترق البز ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ أَرْضًا، فَزَرَعَهَا، ثُمَّ هَلَكَ الزَّرْعُ بِزِيَادَةِ مَاءٍ أَوْ لِشِدَّةِ بَرْدٍّ، أَوْ دَوَامِ ثَلْجٍ، أَوْ أَكْلِ جَرَادٍ، فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا وَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا، لِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا سَلِيمَةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِهَا، وَإِنَّمَا حَدَثَتِ الْجَائِحَةُ فِي مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ دُكَّانًا لِلْبَزِّ، فَاحْتَرَقَ الْبَزُّ لَمْ تَبْطُلِ الْإِجَارَةُ لِسَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَوِ احْتَرَقَ الدُّكَّانُ بَطَلَتِ الإجارة لتلف المعقود عليه.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اكْتَرَاهَا لِيَزْرَعَهَا قَمْحًا فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا مَا لَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ إِلَّا إِضْرَارَ الْقَمْحِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ الْحِنْطَةَ وَغَيْرَ الْحِنْطَةِ مِمَّا يَكُونُ ضَرَرُهُ مِثْلَ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَقَلَّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا مَا ضَرَرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ، وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: " لَا يَجُوزُ إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ أَنْ يَزْرَعَهَا غَيْرَ الْحِنْطَةِ، وَإِنْ كَانَ ضَرَرُهُ أَقَلَّ مِنْ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1) ، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَمَّا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ، قَالَ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ إِذَا اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ بِأَعْيَانِهَا أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُدُولِ عَمَّا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، كَذَلِكَ فِي إِجَارَةِ الْأَرْضِ لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ لَا يحوز أَنْ يَعْدِلَ فِيهَا عَنْ زَرْعِ الْحِنْطَةِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ فِي إِجَارَةِ الْأَرْضِ إِنَّمَا هُوَ لِتَقْدِيرِ الْمَنْفَعَةِ بِهِ لَا لِتَعْيِينِ استيفاءه، أَلَا تَرَاهُ لَوْ تَسَلَّمَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَزْرَعْهَا لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ لَأَنَّ مَا تَقَدَّرَتْ بِهِ الْمَنْفَعَةُ المستحقة قد كان ممكناً من استيفاءه، وَلَوْ تَعَيَّنَ الِاسْتِيفَاءُ بِالْعَقْدِ مَا لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ لِتَقْدِيرِ الْمَنْفَعَةِ فَهُوَ إِذَا اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِمَا تَقَدَّرَتْ بِهِ فِي الْعَقْدِ وَبِغَيْرِهِ جَازَ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ لِحَمْلِ قَفِيزٍ مِنْ حِنْطَةٍ فَحَمَلَ قَفِيزًا غَيْرَهُ وَكَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْرَعَ حِنْطَةً بِعَيْنِهَا فَزَرَعَ غَيْرَهَا، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يَتَضَمَّنُ أُجْرَةً يَمْلِكُهَا الْمُؤَجِّرُ وَمَنْفَعَةً يَمْلِكُهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَلَمَّا جَازَ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنَ الْأُجْرَةِ كَيْفَ شَاءَ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ وَبِمَنْ يُحِيلُهُ جَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ كَيْفَ شَاءَ بِزَرْعِ الحنطة وغير الحنطة وبإعارتها لمن يزرعها ويتركها وَتَعْطِيلِهَا.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) {المائدة: 1) فَمِثْلُ الْحِنْطَةِ مِمَّا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ بِمَا دَلَّلْنَا: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ تَعْيِينِ الْأَثْمَانِ بِالْعَقْدِ فَكَذَا فِي الْإِجَارَةِ، فَهُوَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي التَّعْيِينِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْعُدُولُ إِلَى جِنْسِهَا، وَالْحِنْطَةُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَعْيِينِ جِنْسِهَا، أَلَا تَرَاهُ لَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِزَرْعِ حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا جَازَ لَهُ الْعُقُودُ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْحِنْطَةِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى غَيْرِ الْحِنْطَةِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَجُوزُ لَهُ - بِوِفَاقِ دَاوُدَ - أَنْ يَزْرَعَهَا الْحِنْطَةَ وَغَيْرَ الْحِنْطَةِ مِمَّا يَكُونُ ضَرَرُهُ مِثْلَ ضَرَرِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَقَلَّ إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ يُجِيزُهُ بِالشَّرْطِ، وَنَحْنُ نُجِيزُهُ بِالْعَقْدِ وَالشَّرْطُ تَأْكِيدٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ، وَيُغْفِلَ ذِكْرَ مَا سِوَى الْحِنْطَةِ فَهَذَا الْقِسْمُ الَّذِي خَالَفَ فِيهِ دَاوُدُ، فَمَنَعَهُ مِنْ زَرْعِ غَيْرِ الْحِنْطَةِ، وَيَجُوزُ لَهُ عِنْدَنَا أَنْ يَزْرَعَهَا غَيْرَ الْحِنْطَةِ مِمَّا ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الْحِنْطَةِ أَوْ أَقَلُّ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ عَلَى أَنْ لَا يَزْرَعَ مَا سِوَاهَا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهَا مَا يُنَافِي مُوجِبَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ، وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا الْحِنْطَةَ وَغَيْرَ الْحِنْطَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ فَأُلْغِيَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطَ لَازِمٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا غَيْرَ الْحِنْطَةِ، لِأَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ إِنَّمَا تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ عَلَى مَا سُمِّيَ فِيهِ، أَلَا تَرَاهُ لَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِلزَّرْعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْغَرْسُ فَكَذَلِكَ إِذَا استأجرها لنوع من الزرع.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهَا مِثْلَ عروقٍ تَبْقَى فِيهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَرَبُّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْكِرَاءَ وَمَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ عَمَّا يُنْقِصُهَا زَرْعُ الْقَمْحِ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ كِرَاءَ مِثْلِهَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا اكْتَرَى وَزَادَ عَلَى الْمُكْرِي ضَرَرًا كَرَجُلٍ اكْتَرَى مَنْزِلًا يُدْخِلُ فِيهِ مَا يحمل سقفه فحمل فيه أكثر فأصر ذَلِكَ بِالْمَنْزِلِ فَقَدِ اسْتَوْفَى سُكْنَاهُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ضَرَرِهِ وَكَذَلِكَ لَوِ اكْتَرَى مَنْزِلًا سُفْلًا فَجَعَلَ فِيهِ الْقَصَّارِينَ أَوِ الْحَدَّادِينَ فَتَقَلَّعَ الْبِنَاءُ فَقَدِ اسْتَوْفَى مَا اكْتَرَاهُ وَعَلَيْهِ بِالتَّعَدِّي مَا نَقَصَ بِالْمَنْزِلِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَغْرِسَهَا وَلَا أَنْ يَزْرَعَهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنَ الْحِنْطَةِ كَالدَّخَنِ وَالْكَتَّانِ وَالذُّرَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ تَعَدَّى، وَيُؤْخَذُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فيه فصار كَالْغَاصِبِ، وَهَلْ يَصِيرُ بِذَلِكَ ضَامِنًا لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ حَتَّى يَضْمَنَ قِيمَتَهَا إِنْ غُصِبَتْ أَوْ تَلِفَتْ بِسَيْلٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: إِنَّهُ يَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ - بِالْعُدُولِ عَمَّا اسْتَحَقَّهُ - غَاصِبًا وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ الْأَصَحُّ - أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ رَقَبَةَ الْأَرْضِ، لِأَنَّ تَعَدِّيَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ لَا فِي الرَّقَبَةِ.
فَإِنْ تَمَادَى الْأَمْرُ بِمُسْتَأْجِرِهَا حَتَّى حَصَدَ زَرْعَهُ ثُمَّ طُولِبَ بِالْأُجْرَةِ فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَمَّى وَمَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُخَرِّجُونَ تَخْيِيرَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى لِأَنَّ تَعَدِّيَ الزَّارِعِ بِعُدُولِهِ عَنِ الْحِنْطَةِ إِلَى مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهَا كَتَعَدِّيهِ بِعُدُولِهِ عَنِ الْأَرْضِ إِلَى غَيْرِهَا، فَلَمَّا كَانَ بِعُدُولِهِ إِلَى غَيْرِ الْأَرْضِ مُلْتَزِمًا لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى فَكَذَلِكَ بِعُدُولِهِ إِلَى غَيْرِ الْحِنْطَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمُسَمَّى مِنَ الْأُجْرَةِ وَيَنْقُصُ الضَّرَرُ الزَّائِدُ عَلَى الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى مَا اسْتَحَقَّهُ وَزَادَ، فَصَارَ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَجَاوَزَ بِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ وَأَبُو العباس بن سريج وأبو حامد المروروزي: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ التَّخْيِيرُ مِنْهُ اخْتِلَافًا لِلْقَوْلِ فِيهَا فَيَكُونُ رَبُّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمُسَمَّى وَمَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ بِالزِّيَادَةِ كَالْمُتَجَاوِزِ بِرُكُوبِ الدَّابَّةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ وَيَرْجِعَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بِهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمُسَمَّى وَمَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ، وَاسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَسْتَأْجِرَ بَيْتًا لِحَمُولَةٍ مُسَمَّاةٍ فَيَعْدِلَ إِلَى غَيْرِهَا، فَهَذَا يُنْظَرُ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَ سُفْلَ بَيْتٍ لِيُحْرِزَ فِيهِ مِائَةَ رطل حديد فأحرز منه مِائَةً وَخَمْسِينَ رِطْلًا أَوْ عَدَلَ عَنِ الْحَدِيدِ إِلَى الْقُطْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ سُفْلَ الْبَيْتِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَلَا الْعُدُولُ عَنِ الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ عُلُوُّ بَيْتٍ تَكُونُ الْحَمُولَةُ عَلَى سَقْفِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ لِمِائَةِ رِطْلٍ مِنْ حَدِيدٍ فَوَضَعَ عَلَيْهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ رِطْلًا فَهَذِهِ زِيَادَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ فَيَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى مِنَ الْأُجْرَةِ وَأُجْرَةُ مِثْلِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ قد استأجره مائة رِطْلٍ قُطْنًا فَوَضَعَ فِيهِ مِائَةَ رِطْلٍ مِنْ حَدِيدٍ فَهَذَا ضَرَرٌ لَا يَتَمَيَّزُ لِأَنَّ الْقُطْنَ يَتَفَرَّقُ عَلَى السَّقْفِ، وَالْحَدِيدَ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ، فَكَانَ أَضَرَّ، فَيَكُونُ رُجُوعُ الْمُؤَجِّرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْقَوْلَيْنِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ دَلِيلِ الْمُزَنِيِّ عَلَى اخْتِيَارِهِ: أَنْ يَسْتَأْجِرَ دَارًا لِلسُّكْنَى فَيُسْكِنُ فِيهَا حَدَّادِينَ أَوْ قَصَّارِينَ، أَوْ يَنْصَبُّ فِيهَا رَحًى، فَهَذِهِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ لَا يَتَمَيَّزُ، فَيَكُونُ رُجُوعُ الْمُؤَجِّرِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْقَوْلَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُزَنِيِّ فِيمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ دَلِيلٌ مِنْ مَذْهَبٍ وَلَا حِجَاجٍ.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ قَالَ لَهُ ازْرَعْهَا مَا شِئْتَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ زَرْعِ مَا شَاءَ وَلَوْ أَرَادَ الْغِرَاسَ فَهُوَ غَيْرُ الزَّرْعِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْرَعَهَا مَا شَاءَ صَحَّ الْكِرَاءُ وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا جَمِيعَ أَصْنَافِ الزَّرْعِ مِمَّا يَكْثُرُ ضَرَرُهُ أَوْ يَقِلُّ، فَإِنْ زَرَعَهَا مَا يَكْثُرُ ضَرَرُهُ فَقَدِ اسْتَوْفَى جَمِيعَ حَقِّهِ، وَإِنْ زَرَعَ مَا يَقِلُّ ضَرَرُهُ فَقَدِ اسْتَوْفَى بَعْضَ حَقِّهِ وَسَامَحَ بِبَعْضِهِ.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَشَاءُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الدَّابَّةِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ فَتَهْلَكُ وَلَيْسَ يَشَاءُ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ لِأَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَزْرَعَ مَا تَضْعُفُ الْأَرْضُ عَنِ احْتِمَالِهِ هَلَكَ الزَّرْعُ دُونَ الْأَرْضِ.
فَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِلزَّرْعِ فَأَرَادَ الْغَرْسَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَاكَ لِأَنَّ ضَرَرَ الْغَرْسِ أَكْثَرُ مِنْ ضَرَرِ الزَّرْعِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَدْوَمُ بَقَاءً مِنَ الزَّرْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَنْشَرُ عُرُوقًا فِي الْأَرْضِ مِنْ عُرُوقِ الزَّرْعِ.
وَلَكِنْ لَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِلْغَرْسِ فَأَرَادَ الزَّرْعَ كَانَ لَهُ لِأَنَّ ضَرَرَ الزَّرْعِ أَقَلُّ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بَعْضَ حَقِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَقِّهِ.
فَلَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِلْغَرْسِ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ ضَرَرَ الْبِنَاءِ قَدْ يَزِيدُ عَلَى ضرر الغرس من صَلَابَةِ الْأَرْضِ وَخُشُونَتِهَا، وَلَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِلْبِنَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ وَلَا يَغْرِسَ لِأَنَّ الزرع والغرس يفسدها ويرخيها.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ قَالَ ازْرَعْهَا أَوِ اغْرِسْهَا مَا شِئْتَ فَالْكِرَاءُ جائزٌ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) أَوْلَى بِقَوْلِهِ أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي يَغْرِسُ أَكْثَرَ الْأَرْضِ فَيَكْثُرُ الضَّرَرُ عَلَى صَاحِبِهَا أَوْ لَا يَغْرِسُ فَتَسْلَمُ أَرْضُهُ مِنَ النُّقْصَانِ بِالْغَرْسِ فَهَذَا فِي مَعْنَى الْمَجْهُولِ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وهذا الفصل يشتمل على ثلاث مسائل: إحداهن: أَنْ يَقُولَ قَدْ أَجَّرْتُكَهَا لِتَزْرَعَهَا إِنْ شِئْتَ أَوْ تَغْرِسَهَا إِنْ شِئْتَ فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ زَرْعِهَا إِنْ شَاءَ، وَبَيْنَ غَرْسِهَا، فَإِنْ زَرَعَ بَعْضَهَا وَغَرَسَ بَعْضَهَا جَازَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ غَرْسُ الْجَمِيعِ كَانَ غَرْسُ الْبَعْضِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ قَدْ أَجَّرْتُكَهَا لِتَزْرَعَهَا أَوْ تَغْرِسَهَا فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَلَا أَحَدَهُمَا مُعَيَّنًا فَصَارَ مَا أَجَّرَهُ لَهُ مَجْهُولًا.
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ قَدْ أَجَّرْتُكَهَا لِتَزْرَعَهَا وَتَغْرِسَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ: إِنَّ الْإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُخَيِّرْهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا صَارَ مَا يَزْرَعُ مِنْهَا وَيَغْرِسُ مَجْهُولًا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ الْإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ النِّصْفَ، وَيَغْرِسَ النِّصْفَ لِأَنَّ جَمْعَهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ يَقْتَضِي التَّسْوِيةَ بَيْنَهُمَا، فَلَوْ زَرَعَ جَمِيعَهَا جَازَ، لِأَنَّ زَرْعَ النِّصْفِ الْمَأْذُونِ فِي غَرْسِهِ أَقَلُّ ضَرَرًا، وَلَوْ غَرَسَ جَمِيعَهَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ غَرْسَ النِّصْفِ الْمَأْذُونِ فِي زَرْعِهِ أَكْثَرُ ضَرَرًا.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنِ انْقَضَتْ سِنُوهُ لَمْ يَكُنْ لِرَبّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ غَرْسَهُ حَتَّى يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ ثَمَرَتِهِ إِنْ كَانَتْ فِيهِ يَوْمَ يَقْلَعُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَلِرَبِّ الْغِرَاسِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْلَعَهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ الْأَرْضَ وَالْغِرَاس كَالْبِنَاءِ إِذَا كَانَ بِإِذْنِ مَالِكِ الأرض مطلقاً.
(قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ الْقِيَاسُ عِنْدِي وَبِاللَّهِ التوفيق أنه إذا أجل له أَجَّلَ لَهُ أَجَلًا يَغْرِسُ فِيهِ فَانْقَضَى الْأَجَلُ أَوْ أَذِنَ لَهُ ببناءٍ فِي عرصةٍ لَهُ سِنِينَ وَانْقَضَى الْأَجَلُ أَنَّ الْأَرْضَ وَالْعَرْصَةَ مَرْدُودَتَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعِرْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ عَلَى أَهْلِهِ وَلَا يُجْبَرُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى غراسٍ وَلَا بناءٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَ يَقُولُ ﴿إلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ وَهَذَا قَدْ مَنَعَ مَالَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَا يَرْضَى شِرَاءَهُ فَأَيْنَ التَّرَاضِي ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَصُورَتُهَا فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَبْنِيَ فِيهَا وَيَغْرِسَ فَانْقَضَى الْأَجَلُ وَالْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ قَائِمٌ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ أَنْ يُحْدِثَ بِنَاءً وَلَا غَرْسًا، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَأَخَذَ بِقَلْعِ مَا أَحْدَثَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ مِنْ غَرْسٍ وَبِنَاءٍ فَأَمَّا الْقَائِمُ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا فِيهِ عند العقد من ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يَشْتَرِطَا قَلْعَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَيُؤْخَذُ المستأجر بقلع غرسه وبناءه لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَرْطِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ مَا حَدَثَ مِنْ حَفْرِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَا تَرْكَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَيُقِرُّ وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهَذَا الشرط لأنه من موجباته فلو أَخَلَّ بِالشَّرْطِ وَيَصِيرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ مُسْتَعِيرًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَا تَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ مَا لَمْ يُصَرَّحْ لَهُ بِالْعَارِيَةِ، فَإِنْ قَلَعَ الْمُسْتَأْجِرُ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ مَا حَدَثَ مِنْ حَفْرِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ بِالْمِلْكِ.
وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَلَعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقَا الْعَقْدَ فَلَا يُشْتَرَطَانِ فِيهِ قَلْعَهُ وَلَا تَرْكَهُ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ مَقْلُوعًا كَقِيمَتِهِ قَائِمًا أَخَذَ الْمُسْتَأْجِرُ بِقَلْعِهِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ فِيهِ، وَلَا نقص،

وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ قَائِمًا - وَهُوَ الْأَغْلَبُ - نُظِرَ فَإِنْ بَذَلَ رَبُّ الْأَرْضِ قِيمَةَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ قَائِمًا أَوْ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ قَائِمًا أَوْ مَقْلُوعًا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ تَرْكُهُ، لِأَنَّ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ بِقَلْعِهِ يَزُولُ بِبَذْلِ الْقِيمَةِ أَوِ النَّقْصِ وَقِيلَ لَا نَجْبُرُكَ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ، وَلَكِنْ نُخَيِّرُكَ بَيْنَ أَنْ تَقْلَعَهُ أَوْ تَأْخُذَ قِيمَتَهُ وَلَيْسَ لَكَ إِقْرَارُهُ وَتَرْكُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَبْذُلْ رَبُّ الْأَرْضِ قِيمَةَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ وَلَا قَدْرَ النَّقْصِ نُظِرَ فِي الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بَعْدَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِقْرَارُ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ وَأُخِذَ بِقَلْعِهِ، وَإِنْ بَذَلَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ مَعَ امْتِنَاعِ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ بَذْلِ الْقِيمَةِ أَوِ النَّقْصِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْغَرْسَ وَالْبِنَاءَ مَقَرٌّ لَا يُؤْخَذُ الْمُسْتَأْجِرُ بِقَلْعِهِمَا، وَيُؤْخَذُ أُجْرَةُ مِثْلِهِمَا، وَقَالَ أبو حنيفة وَالْمُزَنِيُّ وَيُؤْخَذُ الْمُسْتَأْجِرُ بِقَلْعِهِمَا وَلَا يُجْبَرُ رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ عَلَى تَرْكِهِمَا اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) {النساء: 29) . وَلَيْسَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ رضي بِالتَّرْكِ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ بِقَلْعِ زَرْعِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَقَرَّ إِلَى أَوَانِ حَصَادِهِ مَعَ أَنَّ زَمَانَ حَصَادِهِ مَحْدُودٌ فَلِأَنْ يُؤْخَذَ بِقَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ مَعَ الْجَهْلِ بِزَمَانِهِمَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ تَحْدِيدَ الْمُدَّةِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِي الِاسْتِيفَاءِ كَمَا أَوْجَبَ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِي إِحْدَاثِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ.
وهذا المذهب أظهر حجاجاً وأصح اجتهاداً واستدل أَصْحَابنا عَلَى تَرْكِهِ وَإِقْرَارِهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَيْسَ لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ ". فَاقْتَضَى ذَلِكَ وُقُوعَ الْفَرْقِ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمُحِقِّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَوي بَيْنَهُمَا فِي الْأَخْذِ بِالْقَلْعِ، قَالُوا وَلِأَنَّ مَنْ أَذِنَ لِغَيْرِهِ فِي إِحْدَاثِ حَقٍّ فِي مِلْكِهِ كَانَ مَحْمُولًا فِيهِ عَلَى الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِي مِثْلِهِ كَمَنْ أَذِنَ لِجَارِهِ فِي وَضْعِ أَجْذَاعِهِ فِي جِدَارِهِ كَانَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ عَلَى الْأَبَدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ بِقَلْعِهَا لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِاسْتِدَامَةِ تَرْكِهَا، كَذَلِكَ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ الْعَادَةُ فِيهِمَا جَارِيَةٌ بِالتَّرْكِ وَالِاسْتِيفَاءِ، دُونَ الْقَلْعِ وَالتَّنَاوُلِ فَحُمِلَا عَلَى الْعَادَةِ فِيهِمَا، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ يَفْسُدُ بِالزَّرْعِ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَرْكِهِ إِلَى أَوَانِ حَصَادِهِ ثُمَّ هِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ حِينَ يُؤْخَذُ بِقَلْعِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا كَانَتِ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً، فَبَنَى الْمُسْتَأْجِرُ فِيهَا وَغَرَسَ فَهُوَ فِي الْإِقْرَارِ وَالتَّرْكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ، لِأَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ كُلِّ عَقْدٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الْأَمَانَةِ وَالضَّمَانِ.

فَصْلٌ

: وإذا أراد المستأجر بيع بناءه وَغَرْسِهِ قَائِمًا فِي الْأَرْضِ فَإِنْ بَاعَهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ جَاز، وَإِنْ بَاعَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَفِي الْبَيْعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ مَتَى بَذَلَ لَهُ قِيمَتَهُ أُجْبِرَ عَلَى أَخْذِهَا أَوْ قَلْعِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ لِأَنَّ مَا يُخَافُ مِنْ زَوَالِ مِلْكِهِ فِي الثَّانِي لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ فِي الْحَالِ كَالْمَبِيعِ إِذَا اسْتُحِقَّتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ.

وَهَكَذَا رَبُّ الْأَرْضِ إِذَا أَرَادَ بَيْعَهَا فَإِنْ بَاعَهَا عَلَى مَالِكِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ جَازَ، وَإِنْ بَاعَهَا عَلَى غَيْرِهِ كَانَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَلَكِنْ لَوِ اجْتَمَعَ رَبُّ الْأَرْضِ وَصَاحِبُ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الْبَيْعِ جَازَ وَكَانَ الثَّمَنُ مُقَسَّطًا عَلَى الْقِيمَتَيْنِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا أَرَادَ الْمُزَارِعُ بيع الأكارة وَالْعِمَارَةِ فَقَدْ قَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَتْ لَهُ إِثَارَةٌ جَازَ لَهُ بَيْعُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِثَارَةٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِدْخَالُ يَدٍ بَدَلًا مِنْ يَدِهِ بِثَمَنٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَيُجْعَلُ الْأَكَّارُ شَرِيكًا لِرَبِّ الْأَرْضِ بِعِمَارَتِهِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعِمَارَةِ مَا لَمْ تَكُنْ أَعْيَانًا لِأَنَّ عِمَارَةَ الْأَرْضِ تَبَعٌ لَهَا.
فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ إِلَى رَجُلٍ لِيَبْنِيَ فِيهَا وَيَغْرِسَ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ عَلَى مِلْكِ رَبِّهَا، وَالْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ، وَلَهُ إِقْرَارُهُ مَا بَقِيَ.
وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَقَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ إِلَى رَجُلٍ لِيَغْرِسَهَا فسيلاً، فإذا صارت الفسيلة على ثلاث سعفان كَانَتِ الْأَرْضُ وَالنَّخْلُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا مَذْهَبٌ يُغْنِي ظُهُورُ فَسَادِهِ عَنْ إِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ : وَإِذَا وَقَفَ صَاحِبُ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ قَائِمًا صَحَّ لِلْوَقْفِ وَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَبْذُلَ لَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ قَائِمًا لِأَنَّهُ وَقْفٌ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْوَاقِفُ بِقَلْعِهِ إِنْ بَذَلَ لَهُ أَرْشَ نَقْصِهِ، فَإِذَا قَلَعَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى يَكُونُ وَقْفًا فِيهَا جَارِيًا عَلَى سَبِيلِهِ.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وما اكترى فاسدا وقبضها ولم يزرع ولم يَسْكُنْ حَتَى انْقَضَتِ السَّنَةُ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ ". قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَا قَبَضَهُ الْمُسْتَأْجِرُ عَنْ عَقْدٍ صَحِيحٍ فَمَنَافِعُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ تَصَرَّفَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَتَصَرَّفْ، فَأَمَّا مَا قَبَضَهُ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ فهو أيضاً ضامن لأجرة مِثْلِهَا سَوَاءٌ سَكَنَ وَتَصَرَّفَ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ تَصَرَّفَ ضَمِنَ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ لَمْ يَضْمَنْهَا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ التَّسْلِيمَ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ الْعِوَضَ إِلَّا بِالِانْتِفَاعِ، كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ طَرْدًا، وَالصَّحِيح عَكَسًا.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهَا مَنَافِعُ يَضْمَنُهَا فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهَا فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ، وَلِأَنَّ مَا ضَمِنَهُ مِنَ الْمَنَافِعِ بِالتَّصَرُّفِ ضَمِنَهَا بِالتَّلَفِ عَلَى يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ كَالْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأَعْيَانِ فِي الْمُعَاوَضَةِ وَالْإِبَاحَةِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ مَا قَبَضَ مِنَ الْأَعْيَانِ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَصَرُّفِهِ أَوْ غَيْرِ تَصَرُّفِهِ كَالْعَقْدِ

الصَّحِيحِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ إِذَا تَلِفَتْ مَضْمُونَةً فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ كَضَمَانِهَا فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْمَنْكُوحَةُ حُرَّةً فَالْحُرَّةُ لَمْ تَزَلْ يَدُهَا عَنْ نَفْسِهَا وَلَا عَنْ بُضْعِهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ مَهْرَ بُضْعِهَا إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَإِنَّهُ وَإِنِ اسْتَقَرَّ الْغَصْبُ عَلَى مَنَافِعِهَا فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَى بُضْعِهَا بَلْ يَدُهَا عَلَيْهِ أَثْبَتُ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا، اسْتَخْدَمَ أَوْ لَمْ يَسْتَخْدِمْ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا مَا لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا، وَلِذَلِكَ مَنَعَ سَيِّدُ الأمة من بيعها.
إذا غصبت لِأَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ حَائِلَةٌ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَزْوِيجِهَا إِذَا غُصِبَتْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْبضْعِ يَدٌ حَائِلَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا اكْتَرَى دَارًا سَنَةً فَغَصَبَهَا رجلٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كِرَاءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ له مَا اكْتَرَى ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا غُصِبَتِ الْأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ مِنْ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فله افسخ وَهَلْ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِالْغَصْبِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا: بَاطِلَةٌ، وَالْمُسْتَأْجِرُ بَرِيءٌ مِنْ أُجْرَةِ مُدَّةِ الْغَصْبِ، لا يَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ خَصْمًا لِلْغَاصِبِ فِيهَا لِأَنَّ خَصْمَ الْغَاصِبِ إِنَّمَا هُوَ الْمَالِكُ أَوْ وَكِيلُهُ، وَلَيْسَ الْمُسْتَأْجِرُ مَالِكًا وَلَا وَكِيلًا، فَلَمْ يَكُنْ خَصْمًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَبْطُلُ، لِأَنَّ غَاصِبَهَا ضَامِنٌ لِمَنَافِعِهَا، لَكِنْ يَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ بِحُدُوثِ الْغَصْبِ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْمُقَامِ وَالْفَسْخِ، فَإِنْ فَسَخَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْأُجْرَةُ، وَلَمْ يَكُنْ خَصْمًا لِلْغَاصِبِ فِيهَا، وَإِنْ أَقَامَ فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى، وَيَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَيَصِيرُ خَصْمًا لَهُ فِي الْأُجْرَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ، إِلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ شَيْءٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ خَصْمًا فِي الرَّقَبَةِ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ.
مَسْأَلَةٌ قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا اكْتَرَى أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ أَوِ الْخَرَاجِ فَعَلَيْهِ فِيمَا أخْرِجَتِ الصَّدَقَةُ خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وَهَذَا مَالُ مسلمٍ وَحَصَادُ مسلمٍ فَالزَّكَاةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الْأَرَضِينَ ضَرْبَانِ: أَرْضُ عُشْرٍ، وَأَرْضُ خَرَاجٍ، فَأَمَّا أَرْضُ الْعُشْرِ فَهُوَ مَا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ غَنِمُوهُ فَاقْتَسَمُوهُ، أَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ فَمَلَكُوهُ، فَالْعُشْرُ فِي زَرْعِهَا وَاجِبٌ إِنْ زَرَعَهَا مُسْلِمٌ، وَلَا عُشْرَ فِيهِ إِنْ كَانَ الزَّرْعُ لِمُشْرِكٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِذَا اشْتَرَى الذِّمِّيُّ أَرْضَ عُشْرٍ صَارَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ وَلَا تَعُودُ إِلَى الْعُشْرِ أَبَدًا.

وَقَالَ أبو يوسف وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ وَيَكُونُ فَيْئًا، فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مُسْلِمٍ حُوِّلَتْ إِلَى الْعُشْرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُجْبَرُ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعِهَا، وَلَا تَقَرُّ فِي يَدِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرٌ.
وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَرْضَ الْعُشْرِ لَا تَنْتَقِلُ إِلَى الْخَرَاجِ أَبَدًا فَإِنْ مَلَكَهَا ذِمِّيٌّ أَقَرَّتْ فِي يَدِهِ وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَلَكَهَا مُسْلِمٌ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ عَنْ زَرْعِهَا.
فَلَوْ أَجَّرَهَا الْمَالِكُ وَزَرَعَهَا الْمُسْتَأْجِرُ كَانَ عُشْرُ زَرْعِهَا وَاجِبًا عَلَى الزَّارِعِ الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمُؤَجِّرِ الْمَالِكِ.
وَقَالَ أبو حنيفة الْعُشْرُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَاوَضَ عَلَى الْأَرْضِ فَانْتَقَلَ الْحَقُّ إِلَيْهِ وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) {الأنعام: 141) وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فيما سقت السماء العشر ". لأن مَنْ مَلَكَ زَرعًا الْتَزَمَ عُشْرَهُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَلِأَنَّ اعْتِيَاضَ الْمُؤَجِّرِ عَنْ مَنَافِعِ الْأَرْضِ لَا يُوجِبُ الْتِزَامَ حُقُوقِ الزَّرْعِ كَالنَّفَقَةِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا أَرْضُ الْخَرَاجِ فَضَرْبَانِ خَرَاجٌ يَكُونُ جِزْيَةً، وَخَرَاجٌ يَكُونُ أُجْرَةً، فَالْخَرَاجُ الَّذِي يَكُونُ جِزْيَةً هُوَ مَا ضَرَبَهُ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَرْضِ أَهْلِ الْعَهْدِ مَعَ إِقْرَارِهَا عَلَى مِلْكِهِمْ فَهَذِهِ الْأَرْضُ إِنْ زَرَعَهَا أَهْلُ الْعَهْدِ وَجَبَ عَلَيْهِمِ الْخَرَاجُ دُونَ الْعُشْرِ، وَإِنْ أَسْلَمُوا أَوِ انْتَقَلَتْ عَنْهُمْ إِلَى مُسْلِمٍ وَجَبَ الْعُشْرُ فِي زَرْعِهَا وَسَقَطَت الْخَرَاجُ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ وَجَبَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِمْ لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهَا، وَوَجَبَ الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِمِلْكِهِ لِلزَّرْعِ، وَأَمَّا الْخَرَاجُ الذي يكون أجرة كأرض السواء الَّتِي ضَرَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهَا خَرَاجًا جَعَلَهُ إِمَّا ثَمَنًا وَإِمَّا أُجْرَةً عَلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْ رِقَابِ الْأَرْضِ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا، فَإِنْ زَرَعَهَا مُسْلِمٌ هِيَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ الْحَقَّانِ الْخَرَاجُ عَنِ الرَّقَبَةِ وَالْعُشْرُ عَنِ الزَّرْعِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: عَلَيْهِ الْخَرَاجُ وحده دون العشر لأن لا يَجْتَمِعَ فِيهَا حَقَّانِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي إِيجَابِ الْحَقَّيْنِ مَعًا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلَوْ كَانَ إِسْقَاطُ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ بِالْآخَرِ لَكَانَ الْعُشْرُ الْمُسْتَحَقُّ بِالنَّصِّ أَثْبَتَ وُجُوبًا مِنَ الْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَنِ اجْتِهَادٍ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي اكْتِرَاءِ دابةٍ إِلَى موضعٍ أَوْ فِي كِرَائِهَا أَوْ فِي إِجَارَةِ الْأَرْضِ تَحَالَفَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَالزَّرْعِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَكَارِيَانِ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ أَوْ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ أَوْ فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ تَحَالَفَا كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا، فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَيِّنَتِهِ تَعَارَضَتَا وَفِيهِمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ البينتان ويتحالفان.

وَالثَّانِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا قَرَعَتْ يَحْكُمُ بِهَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ اكْتَرَيْتُهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْكُوفَةِ فَقَالَ الرَّاكِبُ إِلَى بَغْدَادَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ أَقَامَا على ذك بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاكِبِ لِأَنَّهَا أَزْيَدُ، وَلَوْ قَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ اكْتَرَيْتُهَا بِعِشْرِينَ وَقَالَ الرَّاكِبُ بِعَشَرَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الدَّابَّةِ لِأَنَّهَا أَزْيَدُ.
وَهَذَا مَرْدُودٌ بِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لِأَنَّهُمَا مَعًا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَوِيَا فِي التَّحَالُفِ.
فَإِذَا اخْتَلَفَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا إِمَّا بِالتَّحَالُفِ أَوْ بِالْفَسْخِ الْوَاقِعِ بَعْدَ التَّحَالُفِ عَلَى مَا مَضَى فِي الْبُيُوعِ نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يَمْضِ مِنَ الْمُدَّةِ شَيْءٌ تَرَادَّا الْكِرَاءَ وَالْمكري، وإن مضت المدى الْتَزَمَ الْمُكْتَرِي أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَاسْتَرْجَعَ الْمُسَمَّى، وَسَوَاءٌ كَانَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُكْرِي أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهَا قِيمَةُ مُتْلِفٍ.

فَصْلٌ

: وَلَيْسَ لِمُؤَجّرِ الْأَرْضِ أَنْ يَحْتَبِسَ الْأَرْضَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى دَفْعِ الْأُجْرَةِ، وَلَا لِلْحَمَّالِ أَنْ يَحْبِسَ مَا اسْتُؤْجِرَ عَلَى حَمْلِهِ مِنَ الْمَتَاعِ لِيَأْخُذَ الْأُجْرَةَ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ وَلَيْسَ بِرَهْنٍ، فَأَمَّا الصَّانِعُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى عَمَلٍ مِنْ خِيَاطَةٍ أَوْ صِيَاغَةٍ أَوْ صَبْغٍ هَلْ لَهُ احْتِبَاسُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْعَمَلِ عَلَى أُجْرَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ ذَاكَ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي: لَهُ ذَاكَ لِأَنَّ عَمَلَهُ مِلْكٌ لَهُ كَالْبَائِعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ بكراءٍ وَقَالَ الْمُزَارِعُ عاريةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ يَمِينِهِ وَيَقْلَعُ الزَّارِعُ زَرْعَهُ وَعَلَى الزَّارِعِ كِرَاءُ مِثْلِهِ إِلَى يَوْمِ قَلْعِ زَرْعِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي إِبَانِ الزَّرْعِ أَوْ غَيْرِهِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَةِ فِي رَاكِبِ الدَّابَّةِ يَقُولُ أَعَرْتَنِيهَا وَيَقُولُ بَلْ أَكْرَيْتُكَهَا إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ وَخِلَافُ قَوْلِهِ فِي الْغَسَّالِ يَقُولُ صَاحِبُ الثَّوْبِ يغر أجرةٍ وَيَقُولُ الْغسالُ بأجرةٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ وَأَوْلَى بِقَوْلِهِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ في كتاب المزارعة.
وقد بينه فِي كِتَابِ الْعَارِيَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْعَارِيَةِ مُسْتَوْفَاةً وَلَكِنْ نُشِيرُ إِلَيْهَا لِمَكَانِ إِعَادَتِهَا، فَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْأَرْضِ وَزَارِعُهَا فَقَالَ رَبُّهَا بِأُجْرَةٍ وَقَالَ زَارِعُهَا عَارِيَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ دُونَ الزَّارِعِ وَقَالَ فِي الدَّابَّةِ إِذَا اخْتَلَفَ رَبُّهَا وَالرَّاكِبُ فَقَالَ رَبُّهَا بِأُجْرَةٍ وَقَالَ رَاكِبُهَا عَارِيَةٌ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ، دُونَ رَبِّهَا، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا يَنْقُلُونَ جَوَابَ

كُلِّ مَسْأَلَةٍ إِلَى الْأُخْرَى، وَيُخَرِّجُونَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرْنَا تَوْجِيهها.
وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَحْمِلُ جَوَابَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَجْعَلُ الْقَوْلَ فِي الدَّابَّةِ قَوْلَ رَاكِبِهَا دُونَ رَبِّهَا، وَفِي الْأَرْضِ الْقَوْلَ قَوْلَ رَبِّهَا دُونَ زَارِعِهَا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِي إِعَارَةِ الدَّوَابِّ وَإِجَارَةِ الْأَرَضِينَ.
فَإِذَا قِيلَ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ وَالدَّابَّةِ فَمَعَ يَمِينِهِ وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى عَلَى أَصَحِّ وَجْهَيْ أَصْحَابِنَا، وَفِي الْآخَرِ الْمُسَمَّى، وَإِذَا قِيلَ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّارِعِ وَالرَّاكِبِ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى، وَعَلَيْهِ رَفْعُ يَدِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَلَعَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ إِنَّمَا قُبِلَ فِي الْمَاضِي دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ بَذَلَهَا أَقَرَّ زَرْعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل