كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَأَمَّا إِنْ شَرَطَا جَمِيعَ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ خُذْهُ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الرِّبْحِ لَكَ فَهَذَا قِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى حُكْمِ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ.
وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لِدُخُولِهِ عَلَى عِوَضٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ خُذْهُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ رِبْحِهِ لَكَ، وَلَا يُصَرِّحُ فِي حَالِ الدَّفْعِ بِأَنَّهُ قِرَاضٌ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ قَرْضًا وَسَلَفًا وَلَا يَكُونُ 0 قِرَاضًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْطُوقٍ بِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَالِ وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ قِرَاضًا فَاسِدًا، وَلَا يَكُونُ قَرْضًا وَلَا سَلَفًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْطُوقٍ بِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَالِ، وَيَكُونُ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، فَتَلِفَ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ فِي يَدِ الْعَامِلِ وَبَقِيَ أَلْفٌ فَلَا يَخْلُو حَالُ تَلَفِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ تَلَفُهَا قَبْلَ ابْتِيَاعِ الْعَامِلِ بِهَا فَهَذَا يَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ فِيهِ الْأَلْفَ الْبَاقِيَةَ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَامِلُ أَنْ يُجْبِرَ بِالرِّبْحِ الْأَلْفَ التَّالِفَةَ لِأَنَّهَا بِالتَّلَفِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ قِرَاضًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَلَفُهَا بَعْدَ أَنِ اشْتَرَى بِهَا وَبَاعَ ثُمَّ تَلِفَتْ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَ فَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ كِلَا الْأَلْفَيْنِ، وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ أَنْ يُجْبَرَ بِالرِّبْحِ الْأَلْفَ التَّالِفَةَ لِأَنَّهَا بِالتَّصَرُّفِ الْكَامِلِ قَدْ صَارَتْ قِرَاضًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ تَلَفُهَا بَعْدَ أَنِ اشْتَرَى بِهَا عَرْضًا وَتَلِفَ الْعَرْضُ قَبْلَ بَيْعِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا قِرَاضٌ لِتَلَفِهَا بَعْدَ التَّصَرُّفِ بِهَا فِي الِابْتِيَاعِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَعَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَجْبُرَ بِالرِّبْحِ الْأَلْفَ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ قِرَاضًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَلْفَ التَّالِفَةَ لَا تَصِيرُ قِرَاضًا لِتَلَفِهَا قَبْلَ كَمَالِ التَّصَرُّفِ بِبَيْعِ مَا اشْتُرِيَ بِهَا.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَا يلزم العامل أن يجبر بالربح الألف التالفة لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ قِرَاضًا.
فَصْلٌ
: فَإِذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، فَاشْتَرَى الْعَامِلُ بِهَا عُرُوضًا ثُمَّ تَلْفِتُ الْأَلْفُ قَبْلِ دَفْعِهَا ثَمَنًا فَلَا يَخْلُو حَالُ الشِّرَاءِ مِنْ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِ الْأَلْفِ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ بَاطِلًا لِأَنَّ تَلَفَ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُوجِبٌ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ بَطَلَ الْقِرَاضُ وَيَسْتَرْجِعُ الْبَائِعُ عَرْضَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ فِي ذِمَّةِ الْعَامِلِ، وَلَمْ يَعْقِدْهُ عَلَى عَيْنِ الْأَلْفِ فَفِي الشِّرَاءِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِلْعَامِلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ مَا يَكُونُ الشِّرَاءُ مَصْرُوفًا إِلَيْهِ؛ وَهَذَا على الوجه الذي يقول منه إِنَّ مَا تَلِفَ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَقَبْلَ الْبَيْعِ خَارِجٌ مِنَ الْقِرَاضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشِّرَاءَ يَكُونُ فِي الْقِرَاضِ لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ لَهُ، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ مَا تَلِفَ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَقَبْلَ الْبَيْعِ دَاخِلٌ فِي الْقِرَاضِ.
فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ أَلْفًا ثَانِيَةً تُصْرَفُ فِي ثَمَنِ الْعَرْضِ يَصِيرُ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَعَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَجْبُرَ بِالرِّبْحِ الْأَلْفَ التَّالِفَةَ، فَلَوْ تَلِفَتْ الْأَلْفُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ دَفْعِهَا فِي ثَمَنِ الْعَرْضِ لَزِمَ رَبَّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ أَلْفًا ثَالِثَةً وَيَصِيرُ رَأْسُ الْمَالِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَجْبُرَ بِالرِّبْحِ كِلَا الْأَلْفَيْنِ التَّالِفَتَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، ثُمَّ دَفَعَ بَعْدَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ أُخْرَى قِرَاضًا فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ خَلْطِ الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ بِالْأَلْفِ الْأُولَى فَهَذَا جَائِزٌ، وَيَكُونَ كُلُّ أَلْفٍ مِنْهُمَا قِرَاضًا مُفْرَدًا، سَوَاءٌ كَانَ مَا شَرَطَاهُ مِنْ رِبْحَيْهِمَا وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا وَيُمْنَعَ مِنْ خَلْطِهِمَا لِلشَّرْطِ وَلِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْعَقْدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَأْمُرَهُ بِخَلْطِ الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ بِالْأَلْفِ الْأُولَى فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الرِّبْحِ مِنْهُمَا مُخْتَلِفًا فَلَا يَجُوزَ لِأَنَّ اخْتِلَاطَهُمَا يَمْنَعُ مِنْ تَمَيُّزِ رِبْحِهِمَا، وَيَكُونَ الْقِرَاضُ فِي الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ بَاطِلًا.
فَأَمَّا الْأَلْفُ الْأُولَى فَإِنْ كَانَ قَدِ اشْتَرَى بِهَا عَرْضًا لَمْ يَبْطُلِ الْقِرَاضُ فِيهَا لأن العقد بعد الشراء مستقر وَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا لِمَ يَشْتَرِيهَا عَرْضًا بَطَلَ الْقِرَاضُ فِيهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِهَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الرِّبْحِ مِنْهُمَا مُتَّفَقًا، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيُّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِالْأَلْفِ الْأُولَى صَحَّ الْقِرَاضُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشِّرَاءِ صَحَّ فِي الْأُولَى وَبَطَلَ فِي الثَّانِيَةِ.
وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَشْتَرِ بِالْأُولَى عَرْضًا فَالْقِرَاضُ فِيهَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَصَارَتِ الْأَلْفَانِ قِرَاضًا وَاحِدًا، وَإِذَا اشْتَرَى بِهَا
عَرْضًا فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْقِرَاضُ فِيهَا وَصَارَتِ الْأَلْفُ الثَّانِيَةُ قِرَاضًا ثَانِيًا، وَخَلْطُ أَحَدِ الْقِرَاضَيْنِ بِالْآخَرِ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ بِالْآخَرِ وَهُوَ بِاخْتِلَاطِهِ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَأْمُرَهُ بِخَلْطِهِمَا وَلَا يَنْهَاهُ فَيُنْظَرُ:
فَإِنْ كَانَ شَرْطُ الرِّبْحِ مُخْتَلِفًا فَهُمَا قِرَاضَانِ لَا يَجُوزُ خَلْطُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْبُرَ خُسْرَانَ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ شَرْطُ رِبْحِهِمَا مُتَّفَقًا نُظِرَ:
فَإِنْ كَانَ دَفْعُ الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِالْأَلْفِ الْأُولَى كَانَا قِرَاضَيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ خَلْطُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْبُرَ خُسْرَانَ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَ دَفْعُ الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِالْأَلْفِ الْأُولَى فَهُمَا قِرَاضٌ وَاحِدٌ، وَيَجُوزُ خَلْطُ إِحْدَى الْأَلْفَيْنِ بِالْأُخْرَى وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَجْبُرَ خُسْرَانَ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ الْآخَرِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا دَفَعَ أَلْفًا قِرَاضًا فَعَمِلَ بِهَا الْعَامِلُ وَخَسِرَ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مِنْهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ ثُمَّ عَمِلَ الْعَامِلُ بِالْبَاقِي فصارت ألفاً وخمسمائة وأراد أَنْ يَعْلَمَا قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ لِيَقْتَسِمَا الرِّبْحَ فَوَجْهُ الْعَمَلِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ:
لَمَّا خَسِرَ فِي الْأَلْفِ مِائَةً لَزِمَ تَقْسِيطُهَا عَلَى التِّسْعِمِائَةٍ فَيَكُونُ قِسْطُ كُلِّ مِائَةِ دِرْهَمٍ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَتِسْعًا، فَلَمَّا اسْتَرْجَعَ رَبُّ الْمَالِ مِائَةً تَبِعَهَا قِسْطُهَا مِنَ الْخُسْرَانِ وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَتِسْعًا وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُسْتَرْجَعُ مِنَ الْأَلْفِ وَيَبْقَى رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا وَثَمَانِيَةَ أَتْسَاعِ دِرْهَمٍ.
فَلَوْ كَانَ قَدْ خَسِرَ الْعَامِلُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَاسْتَرْجَعَ رَبُّ الْمَالِ مِائَةَ دِرْهَمٍ صَارَ رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا لِأَنَّ قِسْطَ كُلِّ مِائَةٍ مِنَ الْخُسْرَانِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ قَارَضَ الْعَامِلُ بِالْمَالِ آخَرَ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ فَهُوَ ضامنٌ فإن رجع فَلِصَاحِبِ الْمَالِ شَطْرُ الرِّبْحِ ثُمَّ يَكُونُ لِلَّذِي عمل شطره فيما يبقى قال المزني هذا قوله قديماً وأصل قوله الجديد المعروف أن كل عقدٍ فاسدٍ لا يجوز وإن جوز حتى يبتدأ بما يصلح فإن كان اشترى بعين المال فهو فاسدٌ وإن كان اشترى بغير العين فالشراء جائز والربح والخسران للمقارض الأول وعليه الضمان وللعامل الثاني أجرٌ مثله في قياس قوله ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْقِرَاضِ مَمْنُوعٌ أَنْ يُقَارِضَ غَيْرَهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ إِذْنًا صَحِيحًا صَرِيحًا.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ عِنْدَ دَفْعِهِ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ جَازَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْهُ قِرَاضًا إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِهِ فَجَازَ أَنْ يُقَارِضَ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ رَأْيِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِيهِ مَوْكُولًا إِلَى رَأْيِهِ، فَإِذَا قَارَضَ بِهِ كَانَ الْعَمَلُ لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَارَضَ بِجَمِيعِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ لِعُدُولِهِ بِذَلِكَ عَنْ عَمَلِهِ إِلَى عَمَلِ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ إِذَا قَارَضَ بِبَعْضِهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ غَيْرَهُ بِالْمَالِ إِلَّا بِإِذْنٍ صَرِيحٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ فَلَا يَخْلُو رَبُّ الْمَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَأْذَنَ لَهُ فِي مُقَارَضَةِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي مُقَارَضَةِ غَيْرِهِ، وَلَا يَأْذَنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يأذن له في العمل بنفس وَفِي مُقَارَضَةِ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَأْذَنَ لَهُ فِي مُقَارَضَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ.
فَإِنْ قَارَضَ غَيْرَهُ بِالْمَالِ فَقَدْ تَعَدَّى وَصَارَ ضَامِنًا لِلْمَالِ بِعُدْوَانِهِ، وَأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ فِيمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ مُعْتَبَرًا بِحُكْمِ الْغَاصِبِ فِيمَا حَصَلَ لَهُ فِي الْمَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْ رِبْحٍ.
وَالْغَاصِبُ إِذَا اشْتَرَى بِالْمَالِ الْمَغْصُوبِ عَرْضًا وَأَفَادَ فِيهِ رِبْحًا لَمْ يَخْلُ عَقْدُ ابْتِيَاعِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِ الْمَالِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ.
فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْمَالِ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْمَغْصُوبِ بَاطِلٌ، وَمَعَ بُطْلَانِ الشِّرَاءِ يَفُوتُ الرِّبْحُ فَلَا يَحْصُلُ لِلْغَاصِبِ وَلَا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ وَالثَّمَنُ مَدْفُوعٌ مِنَ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ لِثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَالرِّبْحُ مَمْلُوكٌ بِهَذَا الِابْتِيَاعِ لِصِحَّتِهِ.
وَفِي مُسْتَحَقِّهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ إِنَّ الرِّبْحَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ دُونَ الْغَاصِبِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَمَّا كَانَ مَا حَدَثَ عَنِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْ ثِمَارٍ وَنِتَاجٍ مِلْكًا لِرَبِّهِ دُونَ غَاصِبِهِ
وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنَ الرِّبْحِ مِلْكًا لِرَبِّهِ دُونَ غَاصِبِهِ لِأَنَّهُمَا مَعًا نَمَاءٌ عَنْ مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مَحْظُورٍ تُوُصِّلَ بِهِ إِلَى مِلْكِ مَالٍ، كَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ الْمَحْظُورُ مَانِعًا مِنْ مِلْكِ ذَلِكَ الْمَالِ كَمِيرَاثِ الْقَاتِلِ لَمَّا كَانَ الْقَتْلُ مَحْظُورًا عَلَيْهِ مُنِعَ مِنَ الْمِيرَاثِ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ الْمِيرَاثُ ذَرِيعَةً إِلَى الْقَتْلِ.
كَذَلِكَ الْغَاصِبُ لَمَّا كَانَ الْغَصْبُ مَحْظُورًا عَلَيْهِ مُنِعَ مِنْ أَنْ يَمْلِكَ الرِّبْحَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الرِّبْحَ بِغَصْبِهِ لَصَارَ ذَرِيعَةً إِلَى الْغَصْبِ لِيَرُدَّ الْمَالَ بَعْدَ اسْتِفَادَةِ الرِّبْحِ، فَهَذَا عَلَى وَجْهِ قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة إِنَّ الرِّبْحَ لِلْغَاصِبِ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ شيئان:
أحدها: أَنَّ كُلَّ نَمَاءٍ حَدَثَ عَنْ سَبَبٍ كَانَ مِلْكُ ذَلِكَ النَّمَاءِ لِمَالِكِ ذَلِكَ السَّبَبِ، وَرِبْحُ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ حَادِثٌ عَنِ التَّقَلُّبِ وَالْعَمَلِ دُونَ المال فاقتضى أن يكون ملكاً لمن فه التَّقَلُّبُ وَالْعَمَلُ دُونَ مَنْ لَهُ الْمَالُ وَهُوَ الْغَاصِبُ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الثِّمَارَ وَالنِّتَاجَ لَمَّا كَانَتْ حَادِثَةً عَنِ الْمَالِ دُونَ الْعَمَلِ كَانَتْ لِمَنْ لَهُ الْمَالُ دُونَ مَنْ لَهُ الْعَمَلُ وَهُوَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ دُونَ الْغَاصِبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْغَاصِبَ مَأْخُوذٌ بِمِثْلِ مَا اسْتَهْلَكَ بِغَصْبِهِ، وَهُوَ إِنَّمَا اسْتَهْلَكَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ دُونَ الرِّبْحِ، فَوَجَبَ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ الْمَالِ المغصوب دون الربح.
فهذا توجيه قوليه فِي الْجَدِيدِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْغَاصِبِ فَحُكْمُ الْعَامِلِ إِذَا قَارَضَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ بِالْقِرَاضِ غَاصِبٌ فَيَصِيرُ ضَامِنًا لِلْمَالِ، وَفِي الرِّبْحِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقَدِيمُ إِنَّ رِبْحَ الْمَغْصُوبِ لِرَبِّ الْمَالِ، فَعَلَى هذا قال المزني ها هنا إِنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ الرِّبْحِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ وَالْعَامِلِ الثَّانِي.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ:
فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَقُولُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ رِبْحُ مَالٍ مَغْصُوبٍ فَأَشْبَهُ الْمَغْصُوبَ مِنْ غَيْرِ مُقَارَضَةٍ، فَإِذَا أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ وَرِبْحَهُ كُلَّهُ رَجَعَ الْعَامِلُ الثَّانِي عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَهْلِكُ لِعَمَلِهِ وَالْعَامِلُ لَهُ بِقِرَاضِهِ.
فَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ الْعَامِلِ الثَّانِي كَانَ رَبُّهُ بِالْخِيَارِ فِي الرُّجُوعِ بِرَأْسِ مَالِهِ وَجَمِيعِ رِبْحِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ أَوِ الْعَامِلِ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ ضَامِنٌ بِعُدْوَانِهِ وَالثَّانِي ضَامِنٌ بِيَدِهِ.
فَإِنْ أُغْرِمَ الْأَوَّلُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الثَّانِي بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ أَمِينُهُ فِيمَا غَرِمَهُ، وَإِنْ أُغْرِمَ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ مَعَ أُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ وَإِنْ أَخَذَ جَمِيعَ الرِّبْحِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْعَامِلَيْنِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْغَصْبِ عَلَيْهِمَا بِالْمُخَالَفَةِ.
وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ صَحِيحٌ، وَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَيْسَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ إِلَّا نَصِفُهُ بِخِلَافِ الْمَأْخُوذِ غَصْبًا محضاً، لأن رب المال في هذا الوضع دَفَعَ الْمَالَ رَاضِيًا بِالنِّصْفِ مِنْ رِبْحِهِ وَجَاعِلًا نِصْفَهُ الْبَاقِيَ لِغَيْرِهِ، فَذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهُ إِلَّا النِّصْفَ.
فَأَمَّا النِّصْفُ الْبَاقِي فَقَدْ رَوَى الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ الْعَامِلَيْنِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّ هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْمُزَنِيِّ فِي نَقْلِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ النِّصْفُ الْبَاقِي مِنَ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِلثَّانِي لِفَسَادِ عَقْدِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ، فَيُجْعَلُ الرِّبْحُ بَيْنَ رَبِّ المال وَالْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَيُجْعَلُ لِلثَّانِي أَنْ يَرْجِعَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ نَقْلَ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ، وَيَكُونُ النِّصْفُ الْبَاقِي مِنَ الرِّبْحِ بَيْنَ الْعَامِلَيْنِ نِصْفَيْنِ عَلَى شَرْطِهِمَا، لِأَنَّهُ لَمَّا جَرَى عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ حُكْمُ الْقِرَاضِ مَعَ رَبِّ الْمَالِ، جَرَى عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ حُكْمُ الْقِرَاضِ مَعَ الْعَامِلِ الثَّانِي فَصَارَ النِّصْفُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى سَوَاءٍ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِيمَا أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ مِنْ نِصْفِ الرِّبْحِ، لِأَنَّهُ بِاسْتِحْقَاقِ رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ مِنْهُمَا، وَيَصِيرَا كَأَنَّهُ لَا رِبْحَ لَهُمَا إِلَّا النِّصْفُ الْبَاقِي، فَهَذَا حُكْمُ قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ إِنَّ رِبْحَ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ لِلْغَاصِبِ، فَعَلَى هَذَا لَا شَيْءَ لِرَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ أَيِّ الْعَامِلَيْنِ شَاءَ بِرَأْسِ مَالِهِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِعُدْوَانِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَبِيَدِهِ.
فَأَمَّا الرِّبْحُ فَقَدْ قَالَ الْمُزَنِيُّ: يَكُونُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَحْكِيٌّ أَنَّ الْمُزَنِيَّ مُخْطِئٌ فِي نَقْلِهِ، وَالرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْعَامِلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ إِذَا صَارَ الرِّبْحُ تَبَعًا لِلْعَمَلِ، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلْمَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلثَّانِي الَّذِي لَهُ الْعَمَلُ دُونَ الْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ الْمُزَنِيَّ مُصِيبٌ فِي نَقْلِهِ وَالرِّبْحُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَلِلثَّانِي عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي قِرَاضٍ فَاسِدٍ، وَالْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ لَا يَمْلِكُ رِبْحَهُ وَإِنْ فَسَدَ قِرَاضُهُ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِفَسَادِ الْعَقْدِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَصِيدَ لَهُ وَيَحْتَشَّ إِجَارَةً فَاسِدَةً، فَصَادَ الْأَجِيرُ وَاحْتَشَّ كَانَ الصَّيْدُ وَالْحَشِيشُ لِلْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْأَجِيرِ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِمُسْتَأْجِرِهِ لَا لِنَفْسِهِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ.
فَهَذَا حُكْمُ قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ.
فَتَخَرَّجَ فِي الرِّبْحِ عَلَى مَا شَرَحْنَا مِنْ حُكْمِ الْقَوْلَيْنِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْعَامِلِينَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَلِلْعَامِلِ الثَّانِي عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالنِّصْفَ الْبَاقِي بَيْنَ الْعَامِلَيْنِ نِصْفَيْنِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْعَامِلِ الثَّانِي وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مَذْهَبٌ مَحْكِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِرَبِّ المال ولا للعامل الثاني، وهذا بَلْ يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي مُقَارَضَةِ غَيْرِهِ، وَلَا يَأْذَنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ، فَهَذَا وَكَيْلٌ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَارِضَ نَفْسَهُ، كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَايِعَ نَفْسَهُ.
ثُمَّ يُنْظَرُ.
فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَدْ عَيَّنَ لَهُ مَنْ يُقَارِضُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ اجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ فِيمَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِقِرَاضِهِ مِنْ ذَوِي الْأَمَانَةِ وَالْخِبْرَةِ.
فَإِنْ قَارَضَ أَمِينًا غَيْرَ خَبِيرٍ بِالتِّجَارَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ قَارَضَ خَبِيرًا بِالتِّجَارَةِ غَيْرَ أَمِينٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَجْتَمِعَ الشَّرْطَانِ فِيهِ: الْخِبْرَةُ وَالْأَمَانَةُ.
فَإِنْ عَدَلَ عَمَّا وَصَفْنَا فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْدِلَ إِلَى مقارضة نفسه.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْدِلَ إِلَى مُقَارَضَةِ غَيْرِ مَنْ عَيَّنَهُ رَبُّ الْمَالِ.
فَإِنْ عَدَلَ إِلَى مُقَارَضَةِ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَالِ لِأَنَّ ائْتِمَانَهُ عَلَى الْمَالِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى مُقَارَضَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى التِّجَارَةِ بِهِ، فَصَارَ لِأَجْلِ ذَلِكَ مُتَعَدِّيًا ضَامِنًا، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي رِبْحِ الْمَالِ، وَيَكُونُ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ رِبْحَ الْمَغْصُوبِ يَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ أَوْ لِلْغَاصِبِ، لِأَنَّهُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لِلْغَاصِبِ فَقَدْ صَارَ بِمُقَارَضَتِهِ نَفْسَهُ مُشْتَرِيًا لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَعَ الْقَوْلَيْنِ مَعًا حَقٌّ فِي الرِّبْحِ.
وَلَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَطَوِّعًا بِعَمَلٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ.
وَإِنْ عَدَلَ إِلَى مُقَارَضَةِ غَيْرِ مَنْ عَيَّنَهُ رَبُّ الْمَالِ كَانَ ضَامِنًا لِلْمَالِ بِعُدْوَانِهِ، وَكَانَ الْعَامِلُ فِيهِ ضَامِنًا لَهُ بِيَدِهِ، لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ يَدَهُ عَلَى مَالٍ مَضْمُونٍ ضَمِنَهُ، كَمَنِ اسْتَوْدَعَ مَالًا مَغْصُوبًا.
وَيَكُونُ جَمِيعُ رِبْحِهِ لِرَبِّ الْمَالِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْعَامِلَ مَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ، وَلَا رُجُوعَ لِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ، وَهَلْ يُرْجَعُ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ الْغَارِّ لَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي الزَّوْجِ الْمَغْرُورِ - هَلْ يَرْجِعُ مَنْ غَرَّهُ بِالَّذِي غَرِمَهُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ، وَفِي مُقَارَضَةِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ بِالْخِيَارِ لِمَكَانِ الْإِذْنِ فِي الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ وَفِي مُقَارَضَةِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ صَحَّ وَكَانَ الرِّبْحُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ.
وَإِنْ قَارَضَ غَيْرَهُ كَانَ وَكِيلًا فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ مَعَهُ، وَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا فِيهِ ثُمَّ نُظِرَ فِي عَقْدِهِ لِلْقِرَاضِ مَعَ غَيْرِهِ:
فَإِنْ جَعَلَ الرِّبْحَ فِيهِ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ فِيهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْهُ صَحَّ الْقِرَاضُ، وَكَانَ الرِّبْحُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ.
وَإِنْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ فِي الرِّبْحِ سَهْمًا وَجَعَلَ الرِّبْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ أَثْلَاثًا كَانَ الْقِرَاضُ فَاسِدًا، لِأَنَّ رِبْحَ الْقِرَاضِ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمَالِ وَالْعَمَلِ، وَهُوَ وَكِيلٌ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَا عَمَلٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ فِي الرِّبْحِ حَقٌّ، وَصَارَ شَرْطُهُ مُنَافِيًا لِلْعَقْدِ فَبَطَلَ وَصَارَ الْعَامِلُ مُضَارِبًا فِي قِرَاضٍ فَاسِدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لِجَوَازِ مُقَارَضَتِهِ، وَإِنَّمَا بَطَلَ الْعَقْدُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ.
وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ وَلَا عَلَى الْعَامِلِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُتَعَدٍّ فِي الْمَالِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ التَّعَدِّي فِي الْعَقْدِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا تَعَدِّي الْعَامِلِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَعَدِّيهِ فِيهِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ مِثْلَ إِذْنِهِ بِالتِّجَارَةِ فِي الْأَقْوَاتِ فَيَتَّجِرُ فِي الْحَيَوَانِ، فَهَذَا تَعَدٍّ يُضْمَنُ بِهِ الْمَالُ، وَيَبْطُلُ مَعَهُ الْقِرَاضُ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى فِي مُقَارَضَةِ غَيْرِهِ بِالْمَالِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَعَدِّيهِ لِتَغْرِيرِهِ بِالْمَالِ، مِثْلَ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالسَّفَرِ، أَوْ يَرْكَبَ بِهِ بَحْرًا وَلَمْ يُؤْمَرْ بِرُكُوبِ الْبَحْرِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِ الْمَالِ بِيَدِهِ ضَمِنَهُ، وَبَطَلَ الْقِرَاضُ بِتَعَدِّيهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مَعَ تَعَدِّيهِ فِي عَيْنِ الْمَالِ غَاصِبًا.
وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ انْتِقَالِ عَيْنِ الْمَالِ إِلَى عَرُوضٍ مَأْذُونٍ فِيهَا ضَمِنَهَا بِالتَّعَدِّي وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ الْقِرَاضُ لِاسْتِقْرَارِهِ بِالتَّصَرُّفِ وَالشِّرَاءِ.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ حَالَ عَلَى سلعةٍ فِي الْقِرَاضِ حولٌ وَفِيهَا ربحٌ فَفِيهَا قولان: أحدهما أن الزكاة على رأس المال والربح وحصة ربح صاحبه ولا زكاة على العامل لأن ربحه فائدةٌ فإن حال الحول منذ قوم صار للمقارض ربحٌ زكاه مع المال لأنه خليطٌ بربحه وإن رجعت السلعة إلى رأس المال كان لرب المال.
والقول الثاني أنها تزكى بربحها لحولها لأنها لرب المال ولا شيء للعامل في الربح إلا بعد أن يسلم إلى رب المال ماله (قال المزني) هذا أشبه بقوله لأنه قال لو اشترى العامل أباه وفي المال ربحٌ كان له بيعه فلو ملك من أبيه شيئاً لعتق عليه وهذا دليلٌ من قوله على أحد قوليه وقد قال الشافعي رحمه الله لو كان له ربحٌ قبل دفع المال إلى ربه لكان به شريكاً ولو خسر حتى لا يبقى إلا قدر رَأْسِ الْمَالِ كَانَ فِيمَا بَقِيَ شَرِيكًا لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئَا زَائِدًا مَلَكَهُ نَاقِصًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَصُورَتُهَا أَنْ يَكُونَ مَالُ الْقِرَاضِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَيَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا وَقَدْ صَارَتْ بِرِبْحِ التِّجَارَةِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، فَفِي زَكَاتِهَا قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي الْعَامِلِ، هَلْ هُوَ شَرِيكٌ فِي الرِّبْحِ؟ أَوْ وَكِيلٌ مُسْتَأْجِرٌ بِحِصَّةٍ مِنَ الرِّبْحِ؟
فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ وَكِيلٌ مُسْتَأْجَرٌ، وَحِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ أُجْرَةٌ يَمْلِكُهَا بِالْقَبْضِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ زَكَاةُ الْأَلْفَيْنِ كُلُّهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ لكونه مالكاً لجميعها.
ويزكى الربح بحول الأصول لِأَنَّهُ نَمَاءٌ يَتْبَعُ أَصْلَهُ فِي الْحَوْلِ وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِنَ الْمَالِ إِنْ شَاءَ.
وَمِنْ أَيْنَ يُخْرِجُهَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يُخْرِجُهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَأَصْلُهُ أَنَّهَا وَجَبَتْ فِي أَصْلِ الْمَالِ وَالرِّبْحُ تَبَعٌ، فَعَلَى هَذَا قَدْ بَطَلَ مِنَ الْقِرَاضِ بِقَدْرِ مَا أَخْرَجَهُ فِي الزَّكَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُخْرِجُهَا مِنَ الرِّبْحِ دُونَ الأصل لأنها مؤونة فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْمُؤَنِ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْفَسِخُ بِإِخْرَاجِهَا شَيْءٌ مِنَ الْقِرَاضِ لِبَقَاءِ الْأَصْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنَ الْأَصْلِ زَكَاتَهُ وَمِنَ الرِّبْحِ زَكَاتَهُ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِيهِمَا فَلَمْ يَخْتَصَّ إِخْرَاجُهَا بِأَحَدِهِمَا.
فَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ مِنَ الْقِرَاضِ بِقَدْرِ مَا أَخْرَجَ مِنْ زَكَاةِ الْأَصْلِ دُونَ الرِّبْحِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَامِلَ شَرِيكٌ يَضْرِبُ فِي الرِّبْحِ بِسَهْمِ الْمِلْكِ.
فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْأَصْلِ وَحِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ وَذَلِكَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَفِي مَحَلِّ إِخْرَاجِهَا الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ.
وَيَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ.
وَفِي ابْتِدَاءِ حَوْلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ حِينِ ظُهُورِ الرِّبْحِ لِحُدُوثِهِ عَنْ مِلْكِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ حِينِ الْمُحَاسَبَةِ وَالْفَضْلِ لِأَنَّهُ مِنْ حِينَئِذٍ يَعْلَمُ حَالَ الرِّبْحِ.
وَهُوَ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا يُخَالِفُ رَبُّ الْمَالِ الَّذِي يُزَكِّي الرِّبْحَ بِحَوْلِ الْأَصْلِ، لِأَنَّ اجْتِمَاعَ النَّمَاءِ مَعَ أَصْلِهِ يُوجِبُ ضَمَّهُ إِلَيْهِ فِي حَوْلِهِ، وَانْفِرَادَهُ عَنْهُ يُوجِبُ إِفْرَادَهُ بِحَوْلِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ النحال إِذَا كَانَتْ مَعَ أُمِّهَا زُكِّيَتْ بِحَوْلِ أُمَّهَاتِهَا، وَلَوِ انْفَرَدَتْ زُكِّيَتْ بِحَوْلِهَا.
ثُمَّ هَلْ يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ أَمْ لَا؟
عَلَى وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي الزَّكَاةِ هَلْ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي الْعَيْنِ؟
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الْمَالِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ إِخْرَاجَ رَبِّ الْمَالِ لَهَا مِنَ الْمَالِ يَكُونُ مِنْ أَصْلٍ فَجَازَ، وَإِخْرَاجَ الْعَامِلِ لَهَا مِنَ الْمَالِ يَكُونُ مِنْ رِبْحٍ فَلَمْ يَجُزْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا ثِمَارُ الْمُسَاقَاةِ إِذَا وَجَبَ الْعُشْرُ فِيهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ:
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَزَكَاةِ الْمَالِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُ فِي حِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ، وَالثَّانِي فِي حِصَّتَيْهِمَا مَعًا، وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْأَدَاءِ بِهَا لِأَنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ فِي حَقَّيْهِمَا بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى سَوَاءٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِنَّ الْعُشْرَ فِيهَا مَأْخُوذٌ مِنْهَا مَعًا قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ فِي أَحَدِ القولين.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمَّا اخْتَصَّ بِبَعْضِ الْمَالِ الْمُزَكَّى وَهُوَ الْأَصْلُ اخْتَصَّ بِتَحَمُّلِ الزَّكَاةِ عَنِ الْكُلِّ.
وَكَمَا لَمْ يَخْتَصَّ رَبُّ الْمَالِ بِشَيْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ لَمْ يَتَحَمَّلْ زَكَاةَ كُلِّ الثَّمَرَةِ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ نَصِيبَ الْعَامِلِ مِنْ رِبْحِ الْمَالِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ لِجَوَازِ أَنْ يَجْبُرَ بِهِ مَا حَدَثَ مِنْ نُقْصَانِ الْأَصْلِ فَلَمْ تَلْزَمْهُ زَكَاتُهُ، وَنَصِيبُهُ مِنَ الثَّمَرَةِ مُسْتَقِرٌّ لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَهُمَا، وَالتَّالِفَ مِنْهَا يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَمَتَى شَاءَ رَبُّ الْمَالِ أَخَذَ مَالَهُ وَمَتَى أَرَادَ الْعَامِلُ الْخُرُوجَ مِنَ الْقِرَاضِ فَذَلِكَ لَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً وَذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُقَامِ عَلَى الْقِرَاضِ أَوْ فَسْخِهِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ، بِخِلَافِ الْمُسَاقَاةِ اللَّازِمَةِ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي الْمُسَاقَاةِ مُؤَقَّتَةٌ إِلَى مُدَّةٍ لَوْ لَمْ يَلْزَمِ الْعَقْدُ فِيهَا لَفَسَخَ رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ عَمَلِ الْعَامِلِ فَيَجْمَعُ لِنَفْسِهِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالثَّمَرَةِ، وَيَخْرُجُ الْعَامِلُ بِفَوْتِ الْعَمَلِ بِغَيْرِ ثَمَرَةٍ، فَلِذَلِكَ لَزِمَتْ.
وَلَيْسَ الْقِرَاضُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الرِّبْحَ فِيهِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِمُدَّةٍ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِأَقَلِّ عَمَلٍ وَبِأَقْرَبِ مُدَّةٍ، وَإِذَا فَسَخَ أَمْكَنَ الْعَامِلَ اسْتِدْرَاكُ عَمَلِهِ بِبَيْعِ مَا ابْتَاعَهُ فَلَا يَفُوتُهُ رِبْحُهُ فلذلك لم يلزم.
مسائل المزني
قال المازني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَهَذِهِ مَسَائِلُ أَجَبْتُ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ وَقِيَاسِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ".
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " مِنْ ذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ خُذْهَا فَاشْتَرِ بِهَا هَرَوِيًّا أَوْ مَرْوِيًّا بِالنِّصْفِ كَانَ فَاسِدًا لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ فَإِنِ اشْتَرَى فجائزٌ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَإِنْ بَاعَ فباطلٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَا قَالَ.
إِذَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إِلَى الْعَامِلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا هَرَوِيًّا أَوْ مَرْوِيًّا بِالنِّصْفِ كَانَ فَاسِدًا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ فساده على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أَنَّ عِلَّةَ فَسَادِهِ أَنَّهُ قَالَ فَاشْتَرِ بِهَا هَرَوِيًّا أَوْ مَرْوِيًّا فَلَمْ يُبَيِّنْ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ من
الْمَرْوِيِّ أَوِ الْهَرَوِيِّ وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَجَعْلَهُ مُشْكَلًا، وَالْقِرَاضُ إِنَّمَا يَصِحُّ بِأَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ الْأَجْنَاسِ أَوْ يُعَيَّنَ بِأَحَدِ الْأَجْنَاسِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عِلَّةَ فَسَادِهِ أَنَّهُ قَالَ بِالنِّصْفِ وَلَمْ يُبَيِّنِ النِّصْفَ هَلْ يَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ أَوْ لِلْعَامِلِ؟ قَالَ وَاشْتِرَاطُهُ نِصْفَ الرِّبْحِ لِنَفْسِهِ مُبْطِلٌ لِلْقِرَاضِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ نِصْفَ الْعَامِلِ وَاشْتِرَاطُهُ نِصْفَ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلْقِرَاضِ، فَصَارَ الْقِرَاضُ بِهَذَا الْقَوْلِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَبَطَلَ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ بَطَلَ بِقَوْلِهِ فَاشْتَرِ وَلَمْ يَقُلْ وَبِعْ، وَالْقِرَاضُ إِنَّمَا يَصِحُّ بِالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فَلِذَلِكَ بَطَلَ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي عِلَّةِ فَسَادِهِ فَإِنِ اشْتَرَى كَانَ الشِّرَاءُ جَائِزًا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِنْ بَاعَ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ قِرَاضًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ قِرَاضًا فَاسِدًا لِلْجَهْلِ بِنَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنَ الرِّبْحِ إِلَّا أَنَّ شِرَاءَ الْعَامِلِ وَبَيْعَهُ جَائِزٌ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهِمَا لِكَوْنِهِمَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْقِرَاضِ وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الْقِرَاضَ جَائِزٌ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ الْقِرَاضِ فَحَمَلَ إِطْلَاقَهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ فِي إِطْلَاقِ الْقِرَاضِ لَجَازَ مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ إِذَا أَغْفَلَ فِيهِ الثَّمَنَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ وَهُوَ الْقِيمَةُ وَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ وَكُلِّ الْعُقُودِ.
فَأَمَّا إِذَا قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاشْتَرِ بِهِ وَبِعْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ قِرَاضًا صَحِيحًا، وَيَصِحُّ شِرَاءُ الْعَامِلِ وَبَيْعُهُ.
وَهَلْ يَكُونُ قِرَاضًا فَاسِدًا أَوْ مَعُونَةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ اسْتِعَانَةً بِعَمَلِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ وَبِعْ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِي، فَعَلَى هَذَا لَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ قِرَاضًا فَاسِدًا لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِ أَمْرِهِ وَحَالِ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِي لِمَا فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ سَوَاءٌ حَصَلَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ.
مسألة
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنْ قَالَ خُذْهَا قِرَاضًا أَوْ مُضَارَبَةً عَلَى مَا شَرَطَ فلانٌ مِنَ الرِّبْحِ لفلانٍ فَإِنْ عَلِمَا ذَلِكَ فجائزٌ وَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَفَاسِدٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا دَفَعَ الْمَالَ قِرَاضًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ فِي الرِّبْحِ قَدْرًا وَجَعَلَهُ مَحْمُولًا عَلَى مِثْلِ مَا قَارَضَ بِهِ زَيْدٌ عَمْرًا فَإِنْ عَلِمَا مَا تَقَارَضَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو عَلَيْهِ صَحَّ قِرَاضُهُمَا لِأَنَّهُمَا عَقَدَاهُ بِمَعْلُومٍ مِنَ الرِّبْحِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَى مِثْلِ مَا قَارَضَ بِهِ زَيْدٌ عَمْرًا وَقَدْ عَلِمَا أَنَّهُمَا تَقَارَضَا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَلِذَلِكَ صَحَّ الْقِرَاضُ فِي الْحَالَيْنِ.
وَإِنْ جَهِلَا مَا قَارَضَ بِهِ زَيْدٌ عَمْرًا كَانَ الْقِرَاضُ بَاطِلًا لِجَهْلِهِمَا بِقَدْرِهِ، وَالْجَهَالَةُ بِقَدْرِ الرِّبْحِ مُبْطِلَةٌ لِلْقِرَاضِ.
فَإِنْ عَلِمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَقَارَضَ عَلَيْهِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو لَمْ يَصِحَّ لِوُقُوعِهِ فَاسِدًا.
وَهَكَذَا لَوْ عَلِمَهُ أَحَدُهُمَا حَالَ الْعَقْدِ وَجَهِلَهُ الْآخَرُ لَمْ يَصِحَّ الْقِرَاضُ لِأَنَّ جَهْلَ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْعِوَضِ كَجَهْلِهِمَا مَعًا بِهِ.
فَلَوْ قَالَ خُذْهُ قِرَاضًا عَلَى مَا يُقَارِضُ بِهِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو كَانَ بَاطِلًا، لِأَنَّ زَيْدًا قَدْ يُقَارِضُ عَمْرًا وَقَدْ لَا يُقَارِضُهُ، وَقَدْ يُقَارِضُهُ عَلَى قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: خُذْهُ قِرَاضًا عَلَى مَا يُوَافِقُكَ عَلَيْهِ زَيْدٌ لَمْ يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِمَا يَكُونُ مِنْ مُوَافَقَتِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ خُذْهُ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ لَكَ مِنَ الرِّبْحِ مَا يَكْفِيكَ أَوْ يُقْنِعُكَ لَمْ يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِكِفَايَتِهِ وَقَنَاعَتِهِ.
فَإِنِ اشْتَرَى وَبَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ، وَكَانَ جَمِيعُ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ لِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
مسألة
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنْ قَارَضَهُ بِأَلْفِ درهمٍ عَلَى أَنَّ ثُلُثَ رِبْحِهَا لِلْعَامِلِ وَمَا بَقِيَ مِنَ الرِّبْحِ فَثُلُثُهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ فجائزٌ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ معلومةٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا كَانَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ مَعْلُومًا صَحَّ بِهِ الْقِرَاضُ وَإِنْ بَعُدَ وَطَالَ، فَإِذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ، لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ، وَمَا بَقِيَ فَلِي ثُلُثُهُ وَثُلُثَاهُ لَكَ صَحَّ الْقِرَاضُ وَكَانَ لِلْعَامِلِ سَبْعَةُ أَتْسَاعِ الرِّبْحِ، وَلِرَبِّ الْمَالِ تُسْعَانِ لِأَنَّ مَخْرَجَ الثَّلَاثَةِ تِسْعَةٌ، وَهُوَ مَضْرُوبُ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ، فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ بِالثُّلُثِ مِنَ التِّسْعَةِ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ بِثُلُثَيْ مَا بَقِيَ مِنَ التِّسْعَةِ أَرْبَعَةٌ فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ سَبْعَةَ أَتْسَاعٍ، وَيَبْقَى لِرَبِّ الْمَالِ تُسْعَانِ.
غَيْرَ أَنَّنَا نَسْتَحِبُّ لَهُمَا أَنْ يَعْدِلَا عَنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْغَامِضَةِ إِلَى مَا يُعْرَفُ عَلَى الْبَدِيهَةِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، لِأَنَّ هَذِهِ عِبَارَةٌ قَدْ تُوضَعُ لِلْإِخْفَاءِ وَالْإِغْمَاضِ كَمَا قَالَ الشاعر:
(لَكِ الثُّلُثَانِ مِنْ قَلْبِي ... وَثُلُثَا ثُلُثِهِ الْبَاقِي)
(وَثُلُثَا ثُلُثِ مَا يَبْقَى ... وَثُلُثَ الثُّلُثِ لِلسَّاقِي)
(وَتَبْقَى أسهمٍ ستٍّ ... تُفَرَّقُ بَيْنَ عُشَّاقِي)
فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الشَّاعِرِ وَبَلَاغَتِهِ وَتَحْسِينِ عِبَارَتِهِ، كَيْفَ أَغْمَضَ كَلَامَهُ، وَقَسَّمَ قَلْبَهُ، وَجَعْلَهُ مُجَزَّءًا عَلَى أَحَدٍ وَثَمَانِينَ جُزْءًا هِيَ مَضْرُوبُ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ لِيَصِحَّ مِنْهَا مَخْرَجُ ثُلُثِ ثُلُثِ ثُلُثِ الثُّلُثِ الْبَاقِي، فَجَعَلَ لِمَنْ خَاطَبَهُ أَرْبَعَةً وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ قَلْبِهِ، وَجَعَلَ لِلسَّاقِي جُزْءًا، وَبَقِيَ سِتَّةُ أَجْزَاءٍ يُفَرِّقُهَا فِيمَنْ يُحِبُّ.
وَلَيْسَ لِلْإِغْمَاضِ فِي مُعَاوَضَاتِ الْعُقُودِ وَجْهٌ يُرْتَضَى وَلَا حَالٌ تُسْتَحَبُّ غَيْرَ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يُخْرَجُ بِهِ عَنْ حُكْمِ الصِّحَّةِ إِلَى الْفَسَادِ، وَلَا عَنْ حَالِ الْجَوَازِ إِلَى المنع لأنه قد يؤول بِهِمَا إِلَى الْعِلْمِ، وَلَا بِجَهْلٍ عِنْدَ الْحُكْمِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَلَبَ رَبُّ الْمَالِ شَرْطَهُ، فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ ثُلُثَ الرِّبْحِ، وَثُلُثَيْ مَا يَبْقَى وَجَعْلَ الْبَاقِي لِلْعَامِلِ صَحَّ، وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ أَتْسَاعِهِ، وَلِلْعَامِلِ تُسْعَانِ.
فَلَوْ قَالَ لِي رُبُعُ الرِّبْحِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا بَقِيَ وَلَكَ الْبَاقِي صَحَّ، وَكَانَ الرِّبْحُ مَقْسُومًا عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا هِيَ مَضْرُوبَةُ أَرْبَعَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ، فَيَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ مِنْهَا اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا، وَلِلْعَامِلِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ.
وَلَوْ قَالَ لِي ثُلُثُ الرِّبْحِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا بَقِيَ وَلَكَ الْبَاقِي صَحَّ، وَكَانَ الرِّبْحُ مَقْسُومًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا هِيَ مَضْرُوبُ ثَلَاثَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِأَنْصَافِهَا إِلَى سِتَّةٍ يَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ مِنْهَا خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلْعَامِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ.
فَصْلٌ: الْقَوْلُ فِي حصة أحدهما من الربح
إِذَا بَيَّنَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا مِنَ الرِّبْحِ دُونَ الْآخَرِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَرِّحَ بِذِكْرِ الْقِرَاضِ عِنْدَ الدَّفْعِ، وَالثَّانِي: أَلَّا يُصَرِّحَ بِذِكْرِهِ.
فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ الْقِرَاضِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ نَصِيبَ نَفْسِهِ أَوْ نَصِيبَ الْعَامِلِ فَإِنْ بَيَّنَ نَصِيبَ نَفْسِهِ فَقَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاشْتَرِ بِهِ وَبِعْ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ كَانَ حَرَامًا فَاسِدًا لِأَنَّ لَهُ جَمِيعَ الرِّبْحِ فَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ بَعْضِهِ بَيَانٌ.
فَإِنْ بَيَّنَ نَصِيبَ الْعَامِلِ فَقَالَ عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَ الرِّبْحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ وَيَكُونُ قِرَاضًا فَاسِدًا كَمَا لَوْ بَيَّنَ نَصِيبَ نَفْسِهِ لِلْجَهْلِ بِحُكْمِ الْبَاقِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ قِرَاضًا صَحِيحًا، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ بَيَّنَ بَاقِيَ الرِّبْحِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ
يَسْتَحِقُّ كُلَّ الرِّبْحِ بِالْمِلْكِ، فَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْهُ النِّصْفَ لِلْعَامِلِ ثَبَتَ أَنَّ الْبَاقِيَ لَهُ النِّصْفُ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُصَرِّحَ بِذِكْرِ الْقِرَاضِ فِي عَقْدِهِ: فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ نَصِيبَ الْعَامِلِ أَوْ نَصِيبَ نَفْسِهِ.
فَإِنْ بَيَّنَ نَصِيبَ الْعَامِلِ فَقَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَ الرِّبْحِ صَحَّ الْقِرَاضُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّ بَاقِيَ الرِّبْحِ بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ مِنْهُ إِنْ حُمِلَ عَلَى حُكْمِ الْمَالِ كَانَ لِرَبِّهِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى حُكْمِ الْقِرَاضِ فَهُوَ بِمَثَابَتِهِ.
وَإِنْ بَيَّنَ نَصِيبَ نَفْسِهِ فَقَالَ خُذْهُ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجُوزُ حَمْلًا عَلَى مُوجَبِ الْقِرَاضِ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي الرِّبْحِ، فَصَارَ الْبَيَانُ لِنَصِيبِ أَحَدِهِمَا دَالًّا عَلَى أَنَّ الْبَاقِي لِلْآخَرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وأبي علي بن أبي هريرة أن الْقِرَاضَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لِنَفْسِهِ بَعْضَ الرِّبْحِ الَّذِي هُوَ مَالِكٌ لِجَمِيعِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيَانٌ لِمَا بَقِيَ.
فَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ: لَوْ قَالَ خُذْهُ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ وَلَكَ ثُلُثٌ بَطَلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي عَلِيٍّ لِلْجَهْلِ بِحُكْمِ السُّدْسِ الْبَاقِي، وَصَحَّ فِيهِ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ السُّدْسُ الْمُغْفَلُ ذِكْرُهُ لِرَبِّ الْمَالِ مَضْمُومًا إِلَى النِّصْفِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ قَالَ خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْقِرَاضُ جَائِزٌ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا يَكُونُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُتَفَاضِلًا وَمُتَسَاوِيًا فَصَارَ ذَلِكَ جَهْلًا بِحِصَصِهِمَا.
فَصْلٌ
: وَلَوْ قَالَ خُذْ هَذَا الْأَلْفَ قِرَاضًا وَلَكَ رِبْحُ نِصْفِهَا لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ قَالَ لَكَ نِصْفُ رِبْحِهَا جَازَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ لَهُ رِبْحَ نِصْفِهَا صَارَ مُنْفَرِدًا بِرِبْحِ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ حُقٌّ وَعَامِلًا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ الْقِرَاضِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ نِصْفُ الْكُلِّ.
مسألة
قال المزني رحمه الله تعالى: " وَإِنْ قَارَضَهُ عَلَى دَنَانِيرَ فَحَصَلَ فِي يَدَيْهِ دَرَاهِمُ أَوْ عَلَى دَرَاهِمَ فَحَصَلَ فِي يَدَيْهِ دَنَانِيرُ فَعَلَيْهِ بَيْعُ مَا حَصَلَ حَتَى يَصِيرَ مِثْلَ مَا لِرَبِّ الْمَالِ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ رَدُّ رَأْسِ الْمَالِ فِي مِثْلِ جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ وَاجِبٌ عَلَى الْعَامِلِ، فَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ
دَرَاهِمَ فَحَصَلَ مَعَهُ دَنَانِيرُ فَعَلَيْهِ بَيْعُ الدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ حَتَّى يَحْصُلَ مَعَهُ رَأْسُ الْمَالِ إِذْ لَا فَرْقَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمُ بَيْنَ أَنْ يكون المال عرضاً أو دنانيراً لِأَنَّهُمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ.
فَلَوْ حَصَلَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِقَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَكَانَ بَاقِيهِ مِنَ الرِّبْحِ عَرْضًا لَمْ يَلْزَمِ الْعَامِلَ بَيْعُهُ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَدْ وَصَلَ إِلَى رَأْسِ مَالِهِ، وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الرِّبْحِ مِنَ الْعَرْضِ، وَلَا يَلْزَمُ واحد مِنْهُمَا بَيْعُهُ إِلَّا بِالتَّرَاضِي عَلَيْهِ، وَكَانَ حُكْمُهُمَا فِي قِسْمَتِهِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ حَالُ ذَلِكَ الْعَرْضِ مِنْ قِسْمَتِهِ جَبْرًا أَوْ صُلْحًا أَوِ الْبَيْعِ مِنْهُمَا جَبْرًا أَوْ صُلْحًا.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ المزني رحمه الله تعالى: " وَإِذَا دَفَعَ مَالًا قِرَاضًا فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ ديونٌ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ أَنِ اشْتَرَى وَبَاعَ وَرَبِحَ أَخَذَ الْعَامِلُ رِبْحَهُ وَاقْتَسَمَ الْغُرَمَاءُ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا قِرَاضًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَثْمِيرِ مَالِهِ، وَسَوَاءٌ قَارَضَ الْعَامِلُ عَلَى تَسَاوٍ فِي الرِّبْحِ أَوْ تَفَاضُلٍ، وَكَانَ أَقَلَّهُمَا سَهْمًا أَوْ أَكْثَرَ، وَيَكُونُ مَا يَصِلُ إِلَى الْعَامِلِ مِنْ كَثِيرِ الرِّبْحِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ دُونَ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ بِيَسِيرِ الرِّبْحِ وَاصِلٌ إِلَى مَا لَمْ يَكُنْ وَاصِلًا إِلَيْهِ لَوْ كَفَّ عَنِ الْقِرَاضِ.
وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ أَجَّرَ دَارًا بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ فَإِذَا عَاوَضَ عَلَيْهَا فِي مَرَضِهِ بِبَعْضِ الْأُجْرَةِ فَقَدْ أَتْلَفَ مِلْكَهُ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ وَلَيْسَ رَبُّ الْمَالِ مَالِكًا لِرِبْحِ الْمَالِ الَّذِي صَارَ إِلَى بَعْضِهِ فَلِذَلِكَ كان من رأس المال والله أعلم.
فَأَمَّا الْمَرِيضُ إِذَا سَاقَى عَلَى نَخْلَةٍ فِي مَرَضِهِ بِأَقَلِّ السَّهْمَيْنِ مِنَ الثَّمَرَةِ وَدُونَ مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ فِي الْعَادَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلثَّمَرَةِ حِينَ سَاقَى كَمَا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلرِّبْحِ حِينَ قَارَضَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا نَقَصَ مِنْ سَهْمِهِ فِي مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ مُحَابَاةٌ يُعْتَبَرُ فِي الثُّلُثِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقِرَاضِ أَنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ قَدْ تَحْصُلُ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَرِبْحُ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِعَمَلٍ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ صِحَّةُ الْقِرَاضِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي قَلِيلِ الرِّبْحِ وَكَثِيرِهِ، تَوَلَّى رَبُّ الْمَالِ إِنْ كَانَ حَيًّا مُحَاسَبَةَ الْعَامِلِ، وَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْأَصْلَ وَحِصَّةَ الرِّبْحِ، وَإِنْ مَاتَ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي مُحَاسَبَةِ الْعَامِلِ، وَاسْتِيفَاءِ الْحَقَّيْنِ مِنْ أَصْلٍ وَرِبْحٍ.
فَإِنْ مَاتَ مُفْلِسًا وَكَثُرَتْ دُيُونُهُ عَنْ مَالِهِ قُدِّمَ الْعَامِلُ بِحِصَّتِهِ مِنْ رِبْحِ الْمَالِ عَلَى سائر
الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ شَرِيكًا فَالشَّرِيكُ لَا يَدْفَعُهُ الْغُرَمَاءُ عَنْ شَرِكَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أَجِيرًا فَحَقُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْمَالِ كَالْمُرْتَهِنِ، وَالْمُرْتَهِنُ لَا يُزَاحِمُهُ الْغُرَمَاءُ فِي رَهْنِهِ.
وَكَذَا لَوْ أَخَذَ الْمَرِيضُ مَالًا قِرَاضًا صَحَّ وَإِنْ كَانَ بِأَقَلِّ السَّهْمَيْنِ مِنَ الرِّبْحِ، وَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لِأَنَّ قَلِيلَ الرِّبْحِ كَسْبٌ وَلَيْسَ بِإِتْلَافٍ.
فَصْلٌ
: يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَأَبِ الطِّفْلِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ مَالِهِ قِرَاضًا إِذَا رَأَى ذَلِكَ حَظًّا وَصَلَاحًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَثْمِيرِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْخُذَ الْقِرَاضَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاقِدَ بِمَالِ الْيَتِيمِ مَعَ نَفْسِهِ، وَيَجُوزَ لِلْأَبِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقَارِضَ بِالْمَالِ لِأَنَّ تَصَرُّفَ العبد مقصورعلى إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا قِرَاضًا لِأَنَّ الْإِذْنَ مَقْصُورٌ عَلَى التِّجَارَةِ بِمَالِ سَيِّدِهِ.
فَأَمَّا السَّفِيهُ فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ عَقْدُ الْقِرَاضِ لَا عَامِلًا وَلَا ذَا مَالٍ لِفَسَادِ عقوده.
مسألة
قال المزني رحمه الله تعالى: " وَإِنِ اشْتَرَى عَبْدًا وَقَالَ الْعَامِلُ اشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي بِمَالِي وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ فِي الْقِرَاضِ بِمَالِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَالْآخَرُ مدعٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ اشْتَرَيْتُهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ لِنَفْسِكَ وَفِيهِ خسرانٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مصدقٌ فِيمَا فِي يَدَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا كَانَ بِيَدِ الْعَامِلِ عَبْدٌ قَدْ ظَهَرَ فِي مِثْلِهِ فَضْلٌ، فَادَّعَى رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ مُشْتَرًى مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، وَقَالَ الْعَامِلُ بَلِ اشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي، أَوْ قَالَ الْعَامِلُ وَفِي الْعَبْدِ خُسْرَانٌ إِنَّنِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلِ اشْتَرَيْتَهُ لِنَفْسِكَ فَالْقَوْلُ فِي الْحَالَيْنِ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْمَالِ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ، لِأَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ وَلِلْقِرَاضِ، وَلَا يَتَمَيَّزَ مَا بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ فَلَزِمَ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِ، فَإِنْ أَقَامَ رَبُّ الْمَالِ بَيِّنَةً بِخِلَافِهِ فَهِيَ مُمْكِنَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ، وَنَحْكُمُ بِهَا عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ عَلَى عَقْدِهِ أَنَّهُ عَقَدَ بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّهَا مَسْمُوعَةٌ يُحْكَمُ بِهَا عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى عَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْقِرَاضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَنْوِيَ بِالْعَقْدِ عَلَى الْعَيْنِ أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ فَيَبْطُلُ وَلَا يَكُونُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ فِي قَدْرِ مَا شَرَطَاهُ مِنَ الرِّبْحِ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ شَرَطْتُ لَكَ ثُلُثَ الرِّبْحِ وَبَاقِيهِ لِي، وَقَالَ بَلْ شَرَطْتَ لِي ثُلُثَيِ الرِّبْحِ وَبَاقِيهِ لَكَ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ.
وَقَالَ أبو حنيفة الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ عَقْدٍ فَلَمْ يَتَرَجَّحْ قَوْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَوَجَبَ أَنْ يَتَحَالَفَا كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ فَقَالَ الْعَامِلُ هُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ هُوَ أَلْفَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ بِقَدْرِ مَا ادَّعَاهُ رَبُّ الْمَالِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الْعَامِلُ وَقَدْ أَحْضَرَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ أَنَّ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ رَأْسُ مَالٍ وَلَيْسَ فِيهَا رِبْحٌ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ، وَعَنْ أبي حنيفة رِوَايَتَانِ مُخَرَّجَتَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي الْعَامِلِ - هَلْ هُوَ وَكِيلٌ أَوْ شَرِيكٌ؟
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعَامِلَ وَكِيلٌ مُسْتَأْجَرٌ، وَهَذَا قَوْلُ زفر بن الهذيل.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ شَرِيكٌ مُسَاهِمٌ، وَهَذَا قَوْلُ محمد بن الحسن، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي اخْتِلَافِهِمَا لِأَنَّ قَوْلَهُ نَافِذٌ فِيمَا بِيَدِهِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ أَحْضَرَ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَذَكَرَ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ مِنْهَا أَلْفٌ وَالرِّبْحَ أَلْفَانِ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسُ الْمَالِ مِنْهَا أَلْفَانِ وَالرِّبْحُ أَلْفٌ حُكِمَ بِقَوْلِ الْعَامِلِ وَاقْتَسَمَا الْأَلْفَيْنِ رِبْحًا، وَجُعِلَ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفًا.
فَلَوْ قَالَ الْعَامِلُ وَقَدْ أَحْضَرَ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ رَأْسُ الْمَالِ مِنْهَا أَلْفٌ، وَالرِّبْحُ أَلْفٌ وَالْأَلْفُ الثَّالِثَةُ لِي أَوْ وَدِيعَةٌ فِي يَدِي، أَوْ دَيْنٌ عَلَيَّ فِي قِرَاضٍ، وَادَّعَاهَا رَبُّ الْمَالِ رِبْحًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يمينه لمكان يده.
مسألة
وَلَوْ قَالَ الْعَامِلُ اشْتَرَيْتُ هَذَا الْعَبْدَ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ الْقِرَاضِ ثُمَّ اشْتَرَيْتُ الْعَبْدَ الثَّانِيَ بِتِلْكَ الألف قبل أن أنقذ كَانَ الْأَوَّلُ فِي الْقِرَاضِ وَالثَّانِي لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ فِي الْقِرَاضِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَالِ القراض، فإن كَانَ مَالُ الْقِرَاضِ أَلْفًا فَاشْتَرَى بِالْعَبْدِ أَلْفًا مُنِعَ مِنْ شِرَاءِ غَيْرِهِ فِي الْقِرَاضِ لِأَنَّ مَا اشْتُرِيَ فِي الْقِرَاضِ مُقَدَّرٌ بِمَالِ الْقِرَاضِ.
فَإِنِ اشْتَرَى عَبْدًا ثَانِيًا بِأَلْفٍ ثَانِيَةٍ قَبْلَ نَقْدِ الْأَلْفِ الْأُولَى فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الْأَلْفَ الَّتِي بِيَدِهِ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْعَبْدِ الثَّانِي:
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ تِلْكَ الْأَلْفِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ كَانَ شِرَاؤُهُ بَاطِلًا لِاسْتِحْقَاقِهَا فِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ بِعَيْنِ تِلْكَ الْأَلْفِ كَانَ الشِّرَاءُ لَازِمًا لَهُ لَا الْقِرَاضُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْفُذَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَلَا عُدْوَانَ عَلَيْهِ فِي شِرَاءِ الثَّانِي وَإِنْ فَقَدَ الْأَلْفَ الْأُولَى فِي ثَمَنِ الثَّانِي ضَمِنَهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ مَالِهِ أَلْفًا مِثْلَهَا فِي ثَمَنِ الْأَوَّلِ وَيَبْرَأُ بِدَفْعِهَا إِلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ مِنْ ضَمَانِهَا لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ دَفْعَهَا مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِعَقْدِ الْقِرَاضِ الَّذِيِ هُوَ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ دَافِعٌ لَهَا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، ثُمَّ الْقِرَاضُ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ عَلَى صِحَّتِهِ لِأَنَّ تَعَدِّيَ الْعَامِلِ فِي ثَمَنِهِ الْمُسْتَحِقِّ لِبَائِعِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ.
وَإِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ عَبْدًا فَقُتِلَ فِي يَدِهِ فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أُخِذَتِ الْقِيمَةُ مِنْ قَاتِلِهِ، وَكَانَتْ فِي مَالِ الْقِرَاضِ.
وَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا فَلِرَبِّ الْمَالِ والعامل أربعة أحوال:
أحدها: أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمَا، وَالْقِرَاضُ بِحَالِهِ فِيمَا أَخَذَاهُ مِنْ قِيمَتِهِ.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِهِ فَذَلِكَ لَهُمَا وَيَكُونُ ذَلِكَ مَحْسُوبًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَيَبْطُلُ الْقِرَاضُ فِيهِ، سَوَاءٌ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ أَمْ لَا، كَمَا لَوْ أَمَرَ رَبُّ الْمَالِ بِشِرَاءِ ابْنِهِ كَانَ ثَمَنُ ابْنِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ خَارِجًا مِنَ الْقِرَاضِ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ في حصته شيء من قيمته.
والحالة الثَّالِثَةُ أَنْ يَدْعُوَ الْعَامِلُ إِلَى الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِهِ وَيَمْتَنِعَ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رب المال أوليس لِلْعَامِلِ اسْتِهْلَاكُ مَالِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَذَلَ لَهُ الْعَامِلُ ثَمَنَهُ لِيَقْتَصَّ مِنْ قَاتِلِهِ لَمْ يَلْزَمْ رَبَّ الْمَالِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَفْوًا من رب المال عن القصاص.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَدْعُوَ رَبُّ الْمَالِ إِلَى الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِهِ وَيَمْتَنِعَ الْعَامِلُ.
فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ عِنْدَ قَتْلِهِ فَلَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِي مَنْعِ رَبِّ الْمَالِ مِنَ الْقِصَاصِ كَمَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي قِيمَتِهِ مِنْ رِبْحٍ.
فَإِذَا اقْتَصَّ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ كَانَ ثَمَنُهُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَبَطَلَ فِيهِ الْقِرَاضُ، وَإِنْ كَانَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ فَهَلْ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ قَاتِلِهِ بِعَفْوِ الْعَامِلِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي الْعَامِلِ - هَلْ هُوَ شَرِيكٌ أَوْ وَكِيلٌ؟
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقِصَاصُ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ شَرِيكٌ فِي فَضْلِ ثَمَنِهِ كَمَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ بِعَفْوِ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ وَكِيلٌ، لَكِنْ لَهُ مُطَالَبَةُ رَبِّ الْمَالِ بِحِصَّتِهِ مِنْ فَاضَلِ ثَمَنِهِ، وَرَبُّ الْمَالِ عَلَى حَقِّهِ فِي الِاقْتِصَاصِ مِنْ قَاتِلِهِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ المزني رحمه الله تعالى: " وَإِنْ نَهَى رَبُّ الْمَالِ الْعَامِلَ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ وَفِي يَدَيْهِ عرضٌ اشْتَرَاهُ فَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ فِي يَدَيْهِ عينٌ فَاشْتَرَى فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ وَالرِّبْحُ لَهُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى بِالْمَالِ بِعَيْنِهِ فَالشِّرَاءُ باطلٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ وَيَتَرَادَّانِ حَتَّى تَرْجِعَ السِّلْعَةُ إِلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ هَلَكَتْ فَلِصَاحِبِهَا قِيمَتُهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَيَرْجِعُ بِهَا الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي وَيَتَرَادَّانِ الثَّمَنَ الْمَدْفُوعَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشِّرَاءَ بِمَالِ الْقِرَاضِ مَوْقُوفٌ عَلَى خِيَارِ مَالِكِهِ، وَالْبَيْعَ حَقٌّ لِلْعَامِلِ فَإِذَا مَنَعَ رَبُّ الْمَالِ مِنَ الشِّرَاءِ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ، فَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ بطل، وصار ضامناً للثمن يدفعه، وَالْبَائِعُ ضَامِنٌ لَهُ بِقَبْضِهِ، وَرَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ فِي مُطَالَبَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
فَإِنْ أُغْرِمَ الْعَامِلُ رَجَعَ الْعَامِلُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَرَجَعَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِسِلْعَتِهِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً أَوْ بِقِيمَتِهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً.
وَإِنْ أُغْرِمَ الْبَائِعُ لَمْ يَرْجِعِ الْبَائِعُ بِغَرَامَةِ الثَّمَنِ، وَرَجَعَ بِسِلْعَتِهِ إِنْ بَقِيَتْ وَبِقِيمَتِهَا إِنْ تَلِفَتْ.
وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ عِنْدَ نَهْيِ رَبِّ الْمَالِ عَنِ الشِّرَاءِ فقد اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ صَحَّ الشِّرَاءُ لَهُ لَا فِي مَالِ الْقِرَاضِ، وَمُنِعَ مَنْ دَفْعِ ثَمَنِهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، فَإِنْ دَفَعَهُ مِنْهُ ضَمِنَهُ كَمَا قُلْنَا لَوْ عَيَّنَهُ.
فَأَمَّا بَيْعُ مَا بَدَّلَ الْعَامِلُ مِنْ عُرُوضِ الْقِرَاضِ فَهُوَ حَقٌّ لَهُ لَا يُمْتَنَعُ مِنْهُ بِمَنْعِ رَبِّ الْمَالِ لَهُ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ فَضْلِ ثَمَنِهِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ لَهُ إِلَّا بِبَيْعِهِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا سُرِقَ الْمَالُ مِنْ يَدِ الْعَامِلِ أَوْ جَحَدَهُ إياه من عامل فهو برئ مِنْ ضَمَانِهِ، وَهَلْ يَكُونُ خَصْمًا فِي الْمُطَالَبَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ مِنْ مَالِكِهِ أَمْ لَا؟ .
عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَكُونُ خَصْمًا فِيهِ وَوَكِيلًا فِي الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ قَدْ ضَمِنَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ خَصْمًا فِيهِ وَلَا مُسْتَحِقًّا لِلْمُطَالَبَةِ بِهِ إِلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْ رَبِّهِ لِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عَنْ عَمَلِ الْقِرَاضِ وَإِنَّمَا عَمَلُ الْعَامِلِ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَقَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ لِأَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ مُوجِبٌ عَلَى الْعَامِلِ اسْتِيفَاءَ مَالِهِ وَحِفْظَ أَصْلِهِ، أَلَا تَرَاهُ لَوِ اسْتَرْجَعَ الْمَالَ مِنْ سَارِقِهِ، وَقَبَضَهُ مِنْ جَاحِدِهِ كَانَ قِرَاضًا بِمُتَقَدِّمِ عقده.
مسألة
قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوْ قَالَ الْعَامِلُ رَبِحْتُ أَلْفًا ثُمَّ قَالَ غَلِطْتُ أَوْ خِفْتُ نَزْعَ الْمَالِ مِنِّي فَكَذَبْتُ لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ وَلِمَ يَنْفَعْهُ رُجُوعُهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا ذَكَرَ الْعَامِلُ أَنَّ الرِّبْحَ فِي الْقِرَاضِ أَلْفٌ، فطالبه بنصفها فزعم أنه خطأ فِي الْإِقْرَارِ بِهَا، أَوْ خَافَ انْتِزَاعَ الْمَالِ مِنْ يَدِهِ فَكَذَبَ فِيهَا، فَإِنْ عَلِمَ رَبُّ الْمَالِ بِصِدْقِهِ فِيمَا قَالَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مُطَالَبَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَانَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ، وَالْعَامِلُ رَاجِعٌ فِي إِقْرَارِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ.
فَإِنْ سَأَلَ الْعَامِلُ إِحْلَافَ رَبِّ الْمَالِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَقَرَّ بِهِ مِنَ الرِّبْحِ فَإِنْ ذَكَرَ شُبْهَةً مُحْتَمَلَةً اسْتَحَقَّ بِهَا إِحْلَافَ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ شُبْهَةً فَفِي إِحْلَافِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سريج وأبو عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ أَنَّ لَهُ إِحْلَافَهُ لِإِمْكَانِ قَوْلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَيْسَ لَهُ إِحْلَافُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِقْرَارِهِ.
فَأَمَّا إِنِ ادَّعَى الْعَامِلُ تَلَفَ الرِّبْحِ من يده كان قولاً مَقْبُولًا، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إِنْ كَذَّبَهُ رَبُّ الْمَالِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ جَبَرَ بالربح خسراناً من بع قُبِلَ قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِهِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إِنْ كَذَّبَهُ.
مسألة
قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اشْتَرَى الْعَامِلُ أَوْ بَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَبَاطِلٌ وَهُوَ لِلْمَالِ ضَامِنٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ مَوْضُوعٌ لِتَثْمِيرِهِ وَتَنْمِيَتِهِ، فَيَلْزَمُهُ فِي بَيُوعِهِ وأَشربَتِهِ شَرْطَانِ:
أَحَدُ شَرْطَيْ شِرَائِهِ: أَنْ يَشْتَرِيَ مَا يَرْجُو مِنْهُ فَضْلًا وَرِبْحًا إِمَّا فِي الْحَالِ أَوْ فِي ثَانِي حَالٍ، فَإِنِ اشْتَرَى مَا يَعْلَمُ أَنْ لَا فَضْلَ فِيهِ فِي الْحَالِ وَلَا فِي ثَانِي حَالٍ لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ الرِّبْحِ الْمَقْصُودِ بِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ إِمَّا مُسْتَرْخَصًا إِنْ كَانَ بَيْعُهُ فِي الْحَالِ أَوْ بِثَمَنِ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ يَتَوَقَّعُ فِيهِ رِبْحًا فِي ثَانِي حَالٍ.
فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ نُظِرَ: فإن كان العين فِيهِ يَسِيرًا قَدْ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا تَخْلُو غَالِبًا مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْعَقْدِ:
فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْمَالِ بَطَلَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ كَانَ الشِّرَاءُ لَازِمًا لَا فِي مَالِ الْقِرَاضِ.
وَأَمَّا بَيْعُهُ فَبِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَوَقَّعَ بِهِ تَنَاهِي أَسْعَارِهِ الْمَعْهُودَةِ لِيَسْتَكْمِلَ بِهِ الرِّبْحَ الْمَقْصُودَ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَوْفِيَ أَوْفَرَ الْأَثْمَانِ الْمَوْجُودَةِ لِأَنَّ بِهَا مَحَلٌّ بِرِبْحٍ مَقْصُودٍ.
فَإِنْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ نُظِرَ فِيمَا غُبِنَ بِهِ:
فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا قَدْ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا تَخْلُو غَالِبًا مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقْبِضْ، فَإِنْ قَبَضَ ضَمِنَ، وَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ قَوْلَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنْ نقص القيمة.
ولا يبطل عقد القراض (بضمانه) لاستقراره بتصرفه.
مسألة
قال المزني رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اشْتَرَى فِي الْقِرَاضِ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ أُمَّ ولدٍ دَفَعَ الثَّمَنَ فَالشِّرَاءُ باطلٌ وَهُوَ لِلْمَالِ ضَامِنٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْقِرَاضِ مَا لَا يَصِحُّ شراؤه ولا يجوز تملكه من الوقوف والعضوب وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَكَذَلِكَ الْخُمُورُ وَالْخَنَازِيرُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا.
وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ كَانَ الْعَامِلُ نَصْرَانِيًّا صَحَّ شِرَاؤُهُ لِلْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَأُمِرَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِحِصَّتِهِ مِنْ رِبْحِهِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَهُ الْمُسْلِمُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَشْتَرِيَهُ النَّصْرَانِيُّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْنَعُ مِنْ شِرَاءِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ فِيهِ مِنْ شِرَاءِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ كَالْمُسْلِمِ.
وَإِذَا صَحَّ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ فَسَادِ هَذَا الشِّرَاءِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ مَا لَمْ يَدْفَعْ مَالَ الْقِرَاضِ فِي ثَمَنِهِ، وَإِنْ دَفْعَهُ ضَمِنَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى النَّصْرَانِيِّ مَالًا مُضَارَبَةً، وَلَا أكره للمسلم
أَنْ يَأْخُذَ مِنَ النَّصْرَانِيِّ مَالًا مُضَارَبَةً وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَظْهَرُ أَمَانَةً مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَأَصَحُّ بُيُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَارِضَ بِمَالِهِ رَجُلَيْنِ، وَلِلرَّجُلَيْنِ أَنْ يُقَارِضَا بِمَالِهِمَا رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَصَحَّ مَعَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ كَالْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ، وإذا صح ذلك ففيه ثلاثة فصول: أحدهما: أَنْ يُقَارِضَ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِمَالِهِ رَجُلَيْنِ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ الرِّبْحِ، وَالنِّصْفَ الْبَاقِيَ بَيْنَ الْعَامِلَيْنِ فَهَذَا جَائِزٌ، وَهَكَذَا لَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ ثُلُثَيِ الرِّبْحِ، وَالثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ثُلُثَاهُ وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ جَازَ وَكَانَ الرِّبْحُ مَقْسُومًا عَلَى تِسْعَةٍ لِرَبِّ الْمَالِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ ثُلُثِي الْبَاقِي سَهْمَانِ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمٌ.
فَصْلٌ
: وَالْفَصْلُ الثَّانِي: أَنْ يُقَارِضَ رَجُلَانِ بِمَالِهِمَا رَجُلًا وَاحِدًا وَهُمَا فِي الْمَالِ سَوَاءٌ فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَا لَهُ مِنْ مَالِهِمَا شَرْطًا وَاحِدًا، وَيَكُونَا فِي بَاقِي الربح على سواء فهذا جَائِزٌ، مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَا: لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالْبَاقِي مِنْهُ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ فَيَصِيرُ الرِّبْحُ بَيْنَ ثَلَاثَتِهِمْ أَثْلَاثًا.
وَلَوْ جَعَلَا لَهُ نِصْفَ الرِّبْحِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَالْبَاقِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا لِلْعَامِلِ سَهْمَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيِ الْمَالِ سَهْمٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا لَهُ شَرْطًا مُخْتَلِفًا وَيَكُونَا فِي الْبَاقِي عَلَى سَوَاءٍ فَهَذَا بَاطِلٌ، مثاله: أن يقولا لك ثلث الربح من حِصَّةِ أَحَدِنَا، وَرُبُعُهُ مِنْ حِصَّةِ الْآخَرِ، وَبَاقِي الرِّبْحِ بَيْنَنَا بِالسَّوِيَّةِ فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ إِذَا أَخَذَ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا الثُّلُثَ بَقِيَ لَهُ مِنْ رُبُعِهِ ثُلُثَاهُ، وَإِذَا أَخَذَ مِنَ الْآخَرِ الرُّبْعَ بَقِيَ لَهُ مِنْ رُبُعِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطَا لَهُ التَّسَاوِيَ فِيمَا يَتَفَاضَلَانِ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَا لَهُ شَرْطًا وَاحِدًا وَيَكُونَا فِي الْبَاقِي مُتَفَاضِلَيْنِ فَهَذَا بَاطِلٌ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَا لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ مِنَ الْمَالَيْنِ، وَالْبَاقِي بَيْنَنَا أَثْلَاثًا فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْبَاقِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ رُبُعِهِ ثُلُثَاهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطَا التَّفَاضُلَ فِيمَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَشْتَرِطَا لَهُ شَرْطًا مُخْتَلِفًا، وَيَكُونَ الْبَاقِي مُخْتَلِفًا عَلَى مُقْتَضَى شَرْطِهِمَا فِيمَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ مِنْهُمَا فَهَذَا جَائِزٌ، مثاله: أن يقوله لَكَ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِنَا بِعَيْنِهِ ثُلُثُ ثُلُثِ الرِّبْحِ وَبَاقِي رِبْحِهِ لَهُ، وَمِنْ حِصَّةِ الْآخَرِ ثُلُثَا ثُلُثِ الرِّبْحِ وَبَاقِي رِبْحِهِ لَهُ جَازَ وكان الربح
مَقْسُومًا عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِلْعَامِلِ بِالْحَقَّيْنِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، سَهْمَانِ مِنْهَا بِثُلُثِ الثُّلُثِ، وَأَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ بِثُلُثَيِ الثُّلُثِ وَلِصَاحِبِ الْمَالِ الْبَاذِلِ مِنْ حَقِّهِ ثُلُثَ الثُّلُثِ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلْآخَرِ الْبَاذِلِ مِنْ حَقِّهِ ثُلُثَيِ الثُّلُثِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ.
فَصْلٌ
: وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَارِضَ رَجُلَانِ بِمَالِهِمَا رَجُلَيْنِ فَهَذَا يَنْقَسِمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَقْسَامِ.
وَإِذَا صَرَفْتَ فِكْرَكَ إِلَيْهَا وَصَحَّتْ لَكَ مُتَقَابِلَةً وَفِي أَجْزَاءِ أَقْسَامِهَا نُبَيِّنُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَهُ مِنْهَا، وَهُوَ أَنْ يكون صاحب المال زيد وعمرو والعاملان زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَيَجْعَلَ زَيْدٌ لِزَيْدٍ مِنْ رِبْحِ الْمَالِ ثُلُثَ الثُّلُثِ وَلِعَمْرٍو ثُلُثَ السُّدْسِ، وَالْبَاقِي مِنْ رِبْحِ حِصَّتِهِ لِنَفْسِهِ، وَيَجْعَلَ عَمْرٌو لِعَمْرٍو مِنْ رِبْحِ الْمَالِ رُبُعَ الثُّلُثِ وَلِزَيْدٍ رُبُعَ السُّدْسِ، وَالْبَاقِي مِنْ رُبُعِ حِصَّتِهِ لِنَفْسِهِ فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ سَهْمًا، لِأَنَّ مُخْرِجَ ثُلُثِ السُّدْسِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عشر يدخل فيها مُخْرِجُ ثُلُثِ الثُّلُثِ، وَمُخْرِجُ رُبُعِ السُّدْسِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ يَدْخُلُ فِيهَا مُخْرِجُ رُبُعِ الثُّلُثِ وَالْعَدَدَانِ يَتَّفِقَانِ بِالْأَسْدَاسِ فَكَانَ سُدُسُ أَحَدِهِمَا فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ سَهْمًا، مِنْهَا لِزَيْدٍ الْعَامِلِ مِنْ حِصَّةِ زَيْدٍ بِثُلُثِ الثُّلُثِ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ، وَمِنْ حِصَّةِ عَمْرٍو بِرُبُعِ السُّدْسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَصَارَ لَهُ مِنَ الْحِصَّتَيْنِ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا ثُمَّ لِعَمْرٍو وَالْعَامِلِ مِنْ عَمْرٍو بِرُبُعِ الثُّلُثِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ مِنْ حِصَّةِ زَيْدٍ بِثُلُثِ السُّدْسِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، فَصَارَ لَهُ مِنَ الْحِصَّتَيْنِ عَشَرَةُ أَسْهُمٍ، ثُمَّ لِزَيْدٍ صَاحِبِ الْمَالِ بِالْبَاقِي مِنْ رِبْحِ حِصَّتِهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا ثُمَّ لعمرو وصاحب الْمَالِ بِالْبَاقِي مِنْ رِبْحِ حِصَّتِهِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا، وَلَوْلَا أَنَّ فِي اسْتِيفَاءِ أَقْسَامِ هَذَا الْفَصْلِ ال
ْمَسْأَلَةَ
تُذْهِبُ نَشَاطَ الْقَارِئِ وَتَسْتَكِدُّ فِكْرَ الْمُتَأَمِّلِ لَاسْتَوْفَيْتُهَا، وَإِنْ كَانَ فِيمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ كِفَايَةٌ لِمَنْ يَفْهَمُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
المساقاة مجموعةً من إملاءٍ ومسائل شتى جمعتها منه لفظاً
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ نَصَّفَ الثَّمَرِ لَهُمْ وَكَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرِصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وإن شئتم فلي (قال الشافعي) ومعنى قوله في الخرص إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي أن يخرص النخل كله كأنه خرصها مائة وسقٍ وعشرة أوسقٍ وعشرة أوسقٍ رطباً ثم قدر أنها إذا صارت تمراً نقصت عشرة أوسقٍ فصحت منها مائة وسقٍ تمراً فيقول إن شئتم دفعت إليكم النصف الذي ليس لكم الذي أنا فيه قيم لأهله على أن تضمنوا لي خمسين وسقاً تمراً من تمرٍ يسميه ويصفه ولكم أن تأكلوها وتبيعوها رطباً كيف شئتم وإن شئتم فلي أن أكون هكذا مثلكم وتسلمون إليّ نصفكم وأضمن لكم هذه المكيلة ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَهِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى النَّخْلِ وَالشَّجَرِ بِبَعْضِ ثَمَرِهِ وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مُفَاعَلَةٌ عَلَى مَا يَشْرَبُ بِسَاقٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَوْضِعَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ سُمِّيَ سَقْيًا فَاشْتَقُّوا اسْمَ الْمُسَاقَاةِ مِنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ غَالِبَ الْعَمَلِ الْمَقْصُودِ فِيهَا هُوَ السَّقْيُ فَاشْتُقَّ اسْمُهَا مِنْهُ.
وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ لَا يُعْرَفُ خِلَافٌ بَيْنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي جَوَازِهَا وَهُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أبا حنيفة وَحْدَهُ دُونَ أَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِبْطَالِهَا وَحُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ كَرَاهَتُهَا.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أبي حنيفة عَلَى إِبْطَالِ الْمُسَاقَاةِ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْغَرَرِ، وَغَرَرُ الْمُسَاقَاةِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ وَعَدَمِهَا، وَبَيْنَ قِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا، فَكَانَ الْغَرَرُ فِيهِ أَعْظَمَ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بِإِبْطَالِهَا الْعَقْدَ أَحَقُّ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعَ أَعْيَانٍ بَاقِيَةٍ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا بِبَعْضِهَا كَالْمُخَابَرَةِ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ تَنَاوَلَ ثَمَرَةً لَمْ تُخْلَقْ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَمَا لَوِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ بِمَا تُثْمِرُهُ هَذِهِ النَّخْلَةُ فِي الْقَابِلِ.
وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إِجَارَةٌ عَلَى عَمَلٍ جُعِلَتِ الثَّمَرُ فِيهِ أُجْرَةً، وَالْأُجْرَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً، أَوْ ثَابِتَةً فِي الذِّمَّةِ، وَمَا تثمره نخل المساقاة غير معين، وَلَا ثَابِتَةٍ فِي الذِّمَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَاطِلَةً.
وَلِأَنَّ مَا مُنِعَ مِنَ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا سِوَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ مِنَ الشَّجَرِ مِنْ جَهَالَةِ الثَّمَرِ مُنِعَ مِنْهَا مِنَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ لِجَهَالَةِ الثَّمَرِ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مسلم بن خالد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ نَقُومُ لَكُمْ بِالْعَمَلِ فِي النَّخْلِ، قَالَ فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهِمْ يَعْمَلُونَهَا وَيَقُومُونَ بِهَا عَلَى أَنَّ لِرَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَطْرَ الثَّمَرِ وَلَهُمُ الشَّطْرَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَبْعَثُ مَنْ يَخْرِصُهَا عَلَيْهِمْ، فَيَأْخُذُونَهَا وَيُؤَدُّونَ الشَّطْرَ ".
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِلْيَهُودِ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ: " أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يبعث عبد الله بن رواحة، فيخرص بينه وَبَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: " إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي " فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ.
فَدَلَّتْ مُسَاقَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأهل خيبر - وإن كانت مستفيضة يستغني عَنْ نَقْلٍ - عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى نَخْلٍ.
اعترضوا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْخَبَرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَقَدَهَا عَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ مَا أَقَرَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُسَاقَاةُ لَا تَصِحُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَتَّى تُعْقَدَ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّمَا عَقَدَهُ عَلَى هَذَا لِأَنَّ النَّسْخَ فِي زَمَانِهِ مُمْكِنٌ، وَعِلْمَهُ بِمَا أَقَرَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مُثَابٌ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الشَّرْطُ، وَنَسْخُ بَعْضِ شَرَائِطِ الشَّيْءِ لَا يُوجِبُ نَسْخَ بَاقِيهِ، وَالْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ لَا فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، فَإِنْ قِيلَ فَلَمْ يَذْكُرِ الْمُدَّةَ قِيلَ إِنَّمَا اقْتَصَرَ الرَّاوِي عَلَى نَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَنْقُلْ شُرُوطَ الْعَقْدِ.
وَالسُّؤَالُ الثَّانِي: إِنْ قَالُوا: إِنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ عَبِيدٌ يُسْتَرَقُّونَ لَا تَصِحُّ مُسَاقَاتُهُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ مُخَارَجَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اصْطَفَى صَفِيَّةَ مِنْ سَبْيِهِمْ، وَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَالَحَهُمْ عَلَى إِقْرَارِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ مَعَهُمْ وَضَمَّنَهُمْ شَطْرَ الثَّمَرَةِ، وَصُلْحُ الْعَبِيدِ وَتَضْمِينُهُمْ لَا يَجُوزُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجْلَاهُمْ عَنِ الْحِجَازِ، وَإِجْلَاءُ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عَبِيدًا لَتَعَيَّنَ مَالِكُوهُمْ، وَلَاقْتَسَمُوا رِقَابَهُمْ فَأَمَّا صَفِيَّةُ فَإِنَّهَا كَانَتْ مِنَ الذرية دون المقاتلة.
والقول الثَّالِثُ: إِنْ قَالُوا إِنَّ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، وَإِنَّمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ شَطْرَ ثِمَارِهِمْ جِزْيَةً.
وَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَلَكَ أَرْضَهُمْ وَكُلَّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَلَكْتُ مِائَةَ سهمٍ مِنْ خَيْبَرَ وَهُوَ مالٌ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مِثْلَهُ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حبس الأصل وسهل الثَّمَرَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجْلَاهُمْ عَنْهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْلِيَهُمْ عَنْ أَمْلَاكِهِمْ ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ الْمُنْعَقِدِ عَنْ سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مُسَاقَاةِ أَهْلِ خَيْبَرَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اتِّبَاعًا لَهُ إِلَى أَنْ حَدَثَ مِنْ إِجْلَائِهِمْ مَا حَدَثَ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى هُوَ أَنَّهَا تُنَمَّى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ إِجَارَتُهَا جَازَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الْقِرَاضِ.
ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْقِرَاضِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاضِ وَمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَأْخُوذًا عَنْ تَوْقِيفٍ أَوِ اجْتِهَادٍ يُرَدُّ إِلَى أَصْلٍ وَلَيْسَ فِي الْمُضَارَبَةِ توقيف نص عليه، فلم يبقى إِلَّا اجْتِهَادٌ أَدَّى إِلَى إِلْحَاقِهِ بِأَصْلٍ، وَلَيْسَ فِي الْمُضَارَبَةِ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ تُرَدُّ إِلَيْهِ إِلَّا الْمُسَاقَاةَ.
وَإِذَا كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ أَصْلًا لِفَرْعٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَانَتْ أَحَقَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ الْمُضَارَبَةُ إِجْمَاعًا وَكَانَتْ عَمَلًا عَلَى عِوَضٍ مَظْنُونٍ مِنْ رِبْحٍ مَجُوزٍ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِأَنَّهَا عَمَلٌ عَلَى عِوَضٍ مُعْتَادٍ مِنْ ثَمَرَةٍ غَالِبَةٍ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الْغَرَرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا:
أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَيْسَتْ غَرَرًا لِأَنَّ الْغَرَرَ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ جَائِزَيْنِ عَلَى سَوَاءٍ أَوْ بِتَرَجَّحِ الْأَخْوَفِ مِنْهُمَا، وَالْأَغْلَبُ مِنَ الثَّمَرَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ حُدُوثُهَا فِي وَقْتِهَا فِي الْعُرْفِ الْجَارِي فِي مِثْلِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ الْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَدْ صَارَتْ مُسْتَثْنَاةً بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِي إِبَاحَتِهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْمُخَابَرَةِ فَهُوَ أَنَّهُ قِيَاسٌ يَدْفَعُ إِحْدَى السُّنَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَلَوْ جَازَ أَنْ نَقِيسَ الْمُسَاقَاةَ عَلَى الْمُخَابَرَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْهَا لَجَازَ أَنْ نَقِيسَ الْمُخَابَرَةَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ فِي جَوَازِهَا وَلَكِنِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فِيمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ إِجَازَةِ الْمُسَاقَاةِ وَإِبْطَالِ الْمُخَابَرَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تُرَدَّ إِحْدَى السُّنَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُخَابَرَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا أَمْكَنَ التَّوَصُّلُ إِلَى مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ بِالْإِجَارَةِ لَمْ تَصِحَّ فِيهَا الْمُخَابَرَةُ، وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنِ التَّوَصُّلُ إِلَى مَنْفَعَةِ النَّخْلِ بِالْإِجَارَةِ صَحَّتْ فِيهَا الْمُسَاقَاةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ النَّمَاءَ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ حَادِثٌ بِالْعَمَلِ مِنْ تَلْقِيحِ النَّخْلِ وَقَطْعِ الْكَرْمِ فَجَازَ أَنْ يَصِحَّ الْعَمَلُ فِيهَا ببعض نماءها كَالْقِرَاضِ، وَلَيْسَ النَّمَاءُ فِي الْأَرْضِ حَادِثًا عَنِ الْعَمَلِ وَإِنَّمَا هُوَ حَادِثٌ عَنِ الْبَذْرِ الْمُودَعِ فِي الْأَرْضِ فَلَمْ يَصِحَّ الْعَمَلُ فِيهَا بِبَعْضِ النَّمَاءِ كَالْمَوَاشِي.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْبَيْعِ وَأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لَمْ يُخْلَقْ فَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى النَّخْلِ الْمَخْلُوقَةِ وَكَانَتِ الثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ تَبَعًا كَالْقِرَاضِ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَى مَالٍ مَوْجُودٍ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ الرِّبْحُ الْمَعْدُومُ تَبَعًا وَلَيْسَ كَالْبَيْعِ الَّذِي صَارَ الْعَقْدُ فِيهِ مُخْتَصًّا بِمَعْدُومٍ لَمْ يُخْلَقْ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْإِجَارَةِ إِذَا جُعِلَتِ الْأُجْرَةُ فِيهَا ثَمَرَةً لَمْ تُخْلَقْ فَهُوَ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَمَّا صَحَّ عَقْدُهَا عَلَى مَعْلُومٍ مَوْجُودٍ لم يجر عَقْدُهَا عَلَى مَعْدُومٍ وَلَا مَجْهُولٍ وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ عَلَى مَوْجُودٍ مَعْلُومٍ جَازَ عقدها على معلوم وَمَجْهُولٍ، وَفَرْقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْعِوَضَ فِي الْإِجَارَةِ يَمْلِكُهُ الْأَجِيرُ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يُسْتَأْنَفَ مِلْكٌ مَجْهُولٌ بِعِوَضٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ فَجَازَ أَنْ تَحْدُثَ فِي مِلْكِهِ مَالٌ مَجْهُولٌ، وَلِهَذَا مَنَعْنَا عَلَى الْأَصَحِّ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ أُجْرَةً فَلَمْ يَصِحَّ لِأَجْلِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِجَهَالَةِ الْأُجْرَةِ وَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الشَّجَرِ فَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ مَا يَكُونُ فَرْقًا وَجَوَابًا والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا سَاقَى عَلَى النَّخْلِ أَوِ الْعِنَبِ بِجُزْءٍ معلومٍ فَهِيَ الْمُسَاقَاةُ الَّتِي سَاقَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْضًا بَيْضَاءَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا الْمَدْفُوعَةُ إِلَيْهِ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ فَلَهُ جزءٌ معلومٌ فَهَذِهِ الْمُخَابَرَةُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَمْ تُرَدَّ إِحْدَى السُّنَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نَمَاءَ النَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْعَمَلِ فَكَانَ فِي تَرْكِ لُزُومِهِ تَفْوِيتٌ لِلْعَمَلِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَنَمَاءُ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ مُتَّصِلٌ بِالْعَمَلِ فَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ لُزُومِهِ تَفْوِيتٌ لِلْعَمَلِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، فَلِذَلِكَ انْعَقَدَ لَازِمًا فِي الْمُسَاقَاةِ وَجَائِزًا فِي الْمُضَارَبَةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَصِحَّةُ الْعَقْدِ فِيهَا مُعْتَبَرَةٌ بِأَرْبَعَةِ شَرَائِطَ:
فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ النَّخْلُ مَعْلُومَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً بِأَنْ قَالَ قَدْ سَاقَيْتُكَ أَحَدَ حَوَائِطِي أَوْ عَلَى مَا شِئْتَ مِنْ نَخْلِي كَانَ بَاطِلًا لِأَنَّ النَّخْلَ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ فَبَطَلَ بِالْجَهَالَةِ كَالْبَيْعِ.
فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى نَخْلٍ غَائِبٍ بِشَرْطِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ
عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْبَيْعِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ - وَهُوَ الْأَصَحُّ - إِلَى فَسَادِ الْعَقْدِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفَرَّقُوا بين المساقاة والبيع بأن البيع يعدي عَنِ الْغَرَرِ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ غَرَرُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ قَوِيَ عَلَى احْتِمَالِهِ فَصَحَّ فِيهِ، وَعَقْدُ الْمُسَاقَاةِ غَرَرٌ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ غَرَرُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ ضَعُفَ عَلَى احْتِمَالِهِ فَبَطَلَ فِيهِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ إِلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ مُشَاهَدٍ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ لَا ثَمَرَةَ عَلَيْهَا، صَحَّ الْعَقْدُ وَلَوْ أَثْمَرَتْ مِنْ وَقْتِهِ إِنْ كَانَتْ عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ مُثْمِرَةً فَقَدْ قَالَ الْمُزَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَجُزْ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا حَتَّى يَطِيبَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لَمْ يَجُزْ.
وَقَالَ أبو يوسف ومحمد: إِنْ كَانَتْ تَزِيدُ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَزِدْ لَمْ يَجُزْ فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ فِي الْإِمْلَاءِ جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى ثَمَرَةٍ مَعْدُومَةٍ كَانَ جَوَازُهَا بِالْمَعْلُومَةِ أَوْلَى، وَلَعَلَّ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْعَامِلِ إِنَّهُ أَجِيرٌ.
وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَالْأَصَحُّ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ بَاطِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَدْ حَكَى الْبُوَيْطِيُّ ذَلِكَ عَنْهُ نَصًّا لِأَنَّ عِلَّةَ جَوَازِهَا عِنْدَهُ أَنَّ لِعَمَلِهِ تَأْثِيرًا فِي حُدُوثِ الثَّمَرَةِ كَمَا أَنَّ لِلْعَمَلِ الْمُضَارِبَ تَأْثِيرًا فِي حُصُولِ الرِّبْحِ وَلَوْ حَصَلَ رِبْحُ الْمَالِ قَبْلَ عَمَلِ الْعَامِلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ كَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ، فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى النَّخْلِ الْمُثْمِرَةِ عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ الْمُقْبِلِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَجَّلُ الْعَمَلَ فِيهَا اسْتِصْلَاحًا لِثَمَرَةٍ قَائِمَةٍ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.
فَصْلٌ
: وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَصِيبُ الْعَامِلِ مِنَ الثَّمَرَةِ مَعْلُومًا بِجُزْءٍ شَائِعٍ فِيهَا مِنْ نِصْفٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ عُشْرٍ، قَلَّ ذَلِكَ الْجُزْءُ أَوْ كَثُرَ كَالْمُضَارَبَةِ فَإِنْ جُهِلَ نَصِيبُهُ بِأَنْ جُعِلَ لَهُ مَا يُرْضِيهِ أَوْ مَا يَكْفِيهِ أَوْ مَا يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ جُعِلَ لَهُ مِنْهَا مِائَةُ صَاعٍ مُقَدَّرَةٌ لَمْ يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِهِ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَرَةِ وَأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ جَمِيعَهَا أَوْ سَهْمًا يَسِيرًا مِنْهَا.
فَلَوْ قَالَ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذِهِ النَّخْلِ سَنَةً وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ نَصِيبِهِ مِنْ ثَمَرِهَا فَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ جَوَازُهَا وَجَعَلَ الثَّمَرَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ حَمْلًا لَهَا عَلَى عُرْفِ النَّاسِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَتَسْوِيَةً بَيْنِهِمَا فِي الثَّمَرَةِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ تَرْكَ ذِكْرِ الْعِوَضِ فِي الْعَقْدِ لَا يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى مَعْهُودِ النَّاسِ عُرْفًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مَعَ أَنَّ الْعُرْفَ فِيهِ مُخْتَلِفٌ فَإِذَا قَالَ عَامَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ النَّخْلِ سَنَةً وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ نَصِيبِهِ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعَامَلَةِ عِنْدَهُ عُرْفٌ وَلَوْ قَالَ سَاقَيْتُكَ عَلَى مِثْلِ مَا سَاقَى زَيْدٌ عَمْرًا فَإِنْ عَلِمَا قَدْرَ ذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَسَاقِيَهُ فِي السِّنِينَ كُلِّهَا عَلَى نَصِيبٍ وَاحِدٍ مِثْلِ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ أَنَّ لَكَ فِي السِّنِينَ كُلِّهَا النِّصْفَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّصِيبُ مُخْتَلِفًا فَيَكُونُ لَهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى النِّصْفُ وَفِي الثَّانِيَةِ الثُّلُثُ وَفِي الثَّالِثَةِ الرُّبْعُ وَمَنَعَ مَالِكٌ مِنَ اخْتِلَافِ نَصِيبِ الْعَامِلِ فِي كُلِّ عَامٍ حَتَّى يُسَاوِيَ نَصِيبَهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْوَامِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِي أَحْوَالِهِ مُتَّفِقًا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُخْتَلِفًا كَالْبَيْعِ والإجارة.
فَإِذَا عُلِمَ نَصِيبُ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْعَامِلَ شَرِيكٌ فِي الثَّمَرَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وَقَدْ خَرَجَ قَوْلٌ آخر أن أجير كالمضارب ويختص رب المال بتحمل الزكوة دون العامل، والأصح أنه شريك تجب الزكوة عَلَيْهِمَا إِنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابًا فَإِنْ كَانَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ أَقَلَّ مِنْ نصاب وجملة الثمرة نصاباً ففي وجوب الزكوة قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْخِلْطَةِ فِي غَيْرِ الْمَوَاشِي هَلْ يَكُونُ كَالْخِلْطَةِ فِي الْمَوَاشِي.
فأما سواقط النخل عن السَّعَفِ وَالسَّرْخِ وَاللِّيفِ فَهُوَ لِرَبِّ النَّخْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَأْلُوفِ النَّمَاءِ، وَلَا مَقْصُودِ النَّخْلِ فَإِنْ شَرْطَهُ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا لَا يُشَارِكُهُ رَبُّ الْمَالِ فِيهِ، وَإِنْ شَرَطَاهُ بَيْنَهُمَا فَفِي الْمُسَاقَاةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: جَائِزَةٌ، لِأَنَّهُ نَمَاءٌ كَالثَّمَرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَعْهُودِ النَّمَاءِ وَلَا مَقْصُودِهِ.
فَصْلٌ
: وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَجُوزُ إِطْلَاقُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَدَّرَ بِمُدَّةِ مَعْلُومَةٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا قَدَّرَ لِأَهْلِ خَيْبَرَ مُدَّةً، وَقَالَ أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِنْ قُدِّرَتْ بِمُدَّةٍ لَزِمَتْ إِلَى انْقِضَائِهَا وَإِنْ لَمْ تُقَدَّرْ بِمُدَّةٍ صَحَّتْ وَكَانَتْ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ لِأَنَّ مَا لَزِمَ مِنْ عُقُودِ الْمَنَافِعِ تَقَدَّرَتْ مُدَّتُهُ كَالْإِجَارَةِ.
فَإِذَا كَانَتِ الْمُدَّةُ الْمَعْلُومَةُ شَرْطًا فِيهَا فَأَقَلُّهَا مُدَّةٌ تَطَّلِعُ فِيهَا الثَّمَرَةُ وَتَسْتَغْنِي عَنِ الْعَمَلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَهَا بِذَلِكَ حَتَّى يُقَدِّرَهَا بِالشُّهُورِ الَّتِي قَدْ أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ بِأَنَّ الثِّمَارَ تَطَّلِعُ فِيهَا اطِّلَاعًا مُتَنَاهِيًا.
فَإِنْ تَأَخَّرَ اطِّلَاعُ الثَّمَرَةِ فِيهَا بِحَادِثٍ ثُمَّ اطَّلَعَتْ بَعْدَ تَقَضِّيهَا فَعَلَى الْأَصَحِّ مِنَ الْمَذْهَبِ فِي أَنَّ الْعَامِلَ شَرِيكٌ تَكُونُ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا وَإِنَّ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُسَاقَاةِ قَبْلَ اطِّلَاعِهَا لِأَنَّ ثَمَرَةَ هَذَا الْعَامِ حَادِثَةٌ عَلَى مِلْكِهِمَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَإِنِ اسْتَحَقَّ الثَّمَرَةَ إِلَّا فِيمَا اخْتَصَّ بِالثَّمَرَةِ مِنْ تَأْبِيرٍ وَتَلْقِيحٍ، وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَانْقِطَاعِ الْعَمَلِ وَلَا يَسْتَهْلِكُ عَمَلَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَيُحْكَمَ لَهُ حِينَئِذٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
فَأَمَّا أَكْثَرُ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ فَيَأْتِي.
فَصْلٌ
: وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَاهُ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، فَيَقُولُ سَاقَيْتُكَ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْعُقُودِ سَبْعَةٌ مِنْ أَسْمَائِهَا لِيَنْتَفِيَ الِاحْتِمَالُ عَنْهَا.
فَإِنْ عَقَدَاهُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ بِأَنْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِلْعَمَلِ فِيهَا كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِيهَا لَا تَصِحُّ، فَإِذَا عَقَدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ انْصَرَفَ إِلَيْهِمَا فَبَطَلَ.
وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَاهُ بِوَاحِدَةٍ مِنَ اللَّفْظَتَيْنِ، وَقَالَ قَدْ عَامَلْتُكَ عَلَيْهَا بِالْعَمَلِ فِيهَا عَلَى الشَّرْطِ مِنْ ثَمَرِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ هَكَذَا يَكُونُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ الْعَقْدُ، وَهَذَانِ
الْوَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْبَيْعِ إِذَا عُقِدَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا اشْتَمَلَ الْعَقْدُ عَلَى شُرُوطِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ صَحَّ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْرَطَ فِيهِ خِيَارُ الثَّلَاثِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ كَالْإِجَارَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْثِقَ فِيهِ بِالشَّهَادَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْثِقَ فِيهِ بِالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ.
ثُمَّ يُؤْخَذُ الْعَامِلُ بِالْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي النَّخْلِ حَتَّى أَثْمَرَتْ كَانَ لَهُ نَصِيبُهُ مِنَ الثَّمَرَةِ إِنْ قِيلَ إِنَّهُ شَرِيكٌ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهَا إِنْ قِيلَ إِنَّهُ أَجِيرٌ، وَلِرَبِّ النَّخْلِ أَنْ يَأْخُذَ الْعَامِلَ جَبْرًا بِالْعَمَلِ لِلُزُومِ الْعَقْدِ.
فَإِنْ أَرَادَ الْعَامِلُ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ عَلَيْهَا مُدَّةَ مَسَاقَاتِهِ جَازَ بِمِثْلِ نَصِيبِهِ فَمَا دُونُ كَالْإِجَارَةِ وَلَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الزِّيَادَةَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ حَيْثُ كَانَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُسَاقِيَ عَلَيْهَا وَبَيْنَ الْمُضَارَبَةِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ لِلْعَامِلِ أَنْ يُضَارِبَ بِهَا.
أَنَّ تَصَرُّفَ الْعَامِلِ فِي الْمُضَارَبَةِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ الْعَقْدَ ليس بلازم فلم يملك إلا فتيات عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ، وَتَصَرُّفَ الْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِلُزُومِ الْعَقْدِ فَمَلَكَ الاستنابة في تصرفه.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ بِمَا وَصَفْتُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ دُونَ غَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَ صَدَقَةَ ثَمَرَتِهِمَا بِالْخَرْصِ وَثَمَرُهُمَا مجتمعٌ بائنُ مِنْ شجرةٍ لَا حَائِلَ دُونَهُ يَمْنَعُ إِحَاطَةَ النَّاظِرِ إِلَيْهِ وَثَمَرُ غَيْرِهِمَا مُتَفَرِّقٌ بَيْنَ أَضْعَافِ ورقٍ لَا يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا عَلَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الشَّجَرِ مِنَ النَّبَاتِ مُثْمِرًا عَلَى ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ النَّخْلُ وَالْكَرْمُ.
وَقَالَ دَاوُدُ الْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ فِي النَّخْلِ دُونَ الْكَرْمِ.
وَحُكِيَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ بَعْلًا مِنَ النَّخْلِ، وَمَنَعَ مِنْهَا فِي الْبَعْلِ مِنَ النَّخْلِ وَفِي الْكَرْمِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْكَرْمِ هَلِ قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ قَالَ بِهِ نَصًّا وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَاقَى فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ.
وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ قَالَ بِهِ قِيَاسًا عَلَى النَّخْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا، أَحَدُهُمَا اشْتِرَاكُهُمَا فِي وُجُوبِ الزكوة فِيهِمَا، وَالثَّانِي بُرُوزُ ثَمَرِهِمَا، وَإِمْكَانُ خَرْصِهِمَا.
فَصْلٌ
: وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بُطْلَانِ الْمُسَاقَاةِ فِيهِ وَهُوَ الْمَقَاثِي وَالْبَطَاطِخُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَالْعَلَفُ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِحُدُوثِ ثَمَرِهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ شَجَرًا ثَابِتًا فَهُوَ بِالزَّرْعِ أَشْبَهُ، وَالْمُخَابَرَةُ عَلَى الزَّرْعِ باطلة
فَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ الزَّرْعَ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَالْمَوْزِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ.
فَصْلٌ
: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا كَانَ شَجَرًا فَفِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ إِنَّ الْمُسَاقَاةَ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي الْأَشْجَارِ مَعْنَى النَّخْلِ مِنْ بَقَاءِ أَصْلِهَا وَالْمَنْعِ مِنْ إِجَارَتِهَا كَانَتْ كَالنَّخْلِ فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِأَرْضِ خَيْبَرَ شَجَرٌ لَمْ يُرْوَ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِفْرَادُهَا عَنْ حُكْمِ النَّخْلِ، وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ مُشْتَقَّةُ الِاسْمِ مِمَّا يَشْرَبُ بِسَاقٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ أبي يوسف إِنَّ الْمُسَاقَاةَ عَلَى الشَّجَرِ بَاطِلَةٌ، اخْتِصَاصًا بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَبَيْنَ الشَّجَرِ، أَحَدُهُمَا اخْتِصَاصُ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا دُونَ مَا سِوَاهُمَا مِنْ جَمِيعِ الْأَشْجَارِ، وَالثَّانِي: بُرُوزُ ثَمَرِهِمَا وَإِمْكَانُ خَرْصِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الأشجار، فأما إذا كان بين النخل قَلِيلٌ فَسَاقَاهُ عَلَيْهِمَا صَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ فِيهِمَا وَكَانَ الشَّجَرُ تَبَعًا كَمَا تَصِحُّ الْمُخَابَرَةُ فِي الْبَيَاضِ الذي بين النخل ويكون تبعاً.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ سِنِينَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي أَقَلِّ الْمُسَاقَاةِ فَأَمَّا أَكْثَرُ مُدَّتِهَا فَكَالْإِجَارَةِ فِي أَكْثَرِ مُدَّتِهَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ إِلَّا سَنَةً وَاحِدَةً لِزِيَادَةِ الْغَرَرِ فِيمَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ سِنِينَ كَثِيرَةً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَجُوزُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ الثَّلَاثِينَ حَدًّا لِأَكْثَرِ الْمُدَّةِ اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَذَهَبَ سَائِرُهُمْ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَيْسَ بِحَدٍّ لِأَكْثَرِ الْمُدَّةِ، وَلَهُمْ فِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَهُ مِثَالًا عَلَى وَجْهِ التَّكْثِيرِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يَبْقَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
فَعَلَى هَذَا فِي أَنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ سِنِينَ كَثِيرَةً، فَهَلْ ذِكْرُ أُجْرَةِ كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا لَازِمٌ فِيهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ أَنْ يُبَيِّنَ أُجْرَةَ كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُ.
فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ أَكْثَرَ مِنْ سِنَةٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَجُوزُ سِنِينَ كَثِيرَةً يُعْلَمُ بَقَاءُ النَّخْلِ إِلَيْهَا، كَمَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ سِنِينَ كَثِيرَةً.
وَهَلْ يَلْزَمُ ذِكْرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِيهَا قَوْلًا وَاحِدًا وَفَرْقًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْإِجَارَةِ بِأَنَّ ثِمَارَ النَّخْلِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ السِّنِينَ وَمَنَافِعَ الْإِجَارَةِ لا تختلف.
فَصْلٌ
: فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى نَخْلَةٍ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنَّ لَهُ ثَمَرَةَ سَنَةٍ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ عَيَّنَ السَّنَةَ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا كَانَتْ مَجْهُولَةً، وَإِنْ عَيَّنَهَا فَقَدْ شَرَطَ جَمْعَ الثَّمَرَةِ فِيهَا.
وَلَوْ جَعَلَ لَهُ نِصْفَ الثَّمَرَةِ فِي سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الْعَشَرَةِ إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ لِلْجَهْلِ بِهَا وَإِنْ عَيَّنَهَا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ بَطَلَتِ الْمُسَاقَاةُ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ بَعْدَ حَقِّهِ مِنَ الثَّمَرَةِ عَمَلًا لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَإِنْ كَانَتِ السَّنَةُ الْأَخِيرَةُ فَفِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا صَحِيحَةٌ كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ فِي بَعْضِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهَا مُدَّةً تُثْمِرُ فِيهَا وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ ثَمَرِهَا وَبِهَذَا الْمَعْنَى خَالَفَ السَّنَةَ الْوَاحِدَةَ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا سَاقَاهُ عَشْرَ سِنِينَ فَاطَّلَعَتْ ثَمَرَةُ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ بَعْدَ تَقَضِّيهَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ فِي ثَمَرَةِ تِلْكَ السَّنَةِ حَقٌّ لِتَقَضِّيَ مُدَّتِهِ وَزَوَالِ عَقْدِهِ، وَلَوِ اطَّلَعَتْ قَبْلَ تَقَضِّي تِلْكَ السَّنَةِ ثُمَّ تَقَضَّتْ وَالثَّمَرَةُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَهِيَ بَعْدُ طَلْعٌ أَوْ بَلَحٌ كَانَ لَهُ حَقُّهُ مِنْهَا لِحُدُوثِهَا فِي مُدَّتِهِ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ أَجِيرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهَا طَلْعًا أَوْ بَلَحًا وَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ إِلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ شَرِيكٌ كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهَا إِلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَتَنَاهِي الثَّمَرَةِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى النَّخْلِ فَاطَّلَعَتْ بَعْدَ قَبْضِ الْعَامِلِ لَهَا وَقَبْلَ عَمَلِهِ فِيهَا اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ لِحُدُوثِهَا فِي يَدِهِ، وَلَوِ اطَّلَعَتْ قَبْلَ قَبْضِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِيهَا فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ أَجِيرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تِلْكَ الثَّمَرَةِ نَصِيبٌ لِارْتِفَاعِ يَدِهِ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ شَرِيكٌ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْعَقْدِ حَادِثَةٌ عَنْ مِلْكِهِمَا وَعَلَى الْعَامِلِ أُجْرَةٌ مِثْلَ مَا اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فيها والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى نخلٍ وَكَانَ فِيهِ بياضٌ لَا يُوصَلُ إِلَى عَمَلِهِ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى النَّخْلِ وَكَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى سَقْيِهِ إِلَّا بِشِرْكِ النَّخْلِ فِي الْمَاءِ فَكَانَ غَيْرَ متميزٍ جَازَ أَنْ يُسَاقِيَ عَلَيْهِ مَعَ النَّخْلِ لَا مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى أَهْلِ خيبرٍ النَّخْلَ عَلَى أَنَّ لَهُمُ النِّصْفَ مِنَ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَلَهُ النِّصْفَ وَكَانَ الزَّرْعُ كَمَا وَصَفْتُ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّخْلِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْمُخَابَرَةُ هِيَ دَفْعُ الْأَرْضِ إِلَى مَنْ يَزْرَعُهَا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ زَرْعِهَا، فَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ فِيهَا بَيَاضٌ فَسَاقَاهُ عَلَى النَّخْلِ وَخَابَرَهُ عَلَى الْبَيَاضِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ مُنْفَرِدًا عَنِ النَّخْلِ وَيُمْكِنُ سَقْيُ النَّخْلِ وَالتَّوَصُّلُ إِلَى صَلَاحِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْبَيَاضِ وَلَا تَصَرُّفَ فِيهِ فَلَا تَصِحُّ الْمُخَابَرَةُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ قَلَّ الْبَيَاضُ أو
كَثُرَ، وَسَوَاءٌ أَفْرَدَهُ بِالْعَقْدِ أَوْ جَعَلَهُ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الْمُسَاقَاةِ تَمَيَّزَ بِحُكْمِهِ وَانْفَرَدَ عَنْ غَيْرِهِ فَبَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ بَيْنَ النَّخْلِ، وَلَا يَتَوَصَّلُ إِلَى سَقْيِ النَّخْلِ إِلَّا بِسَقْيِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا جَازَ أَنْ يُخَابِرَهُ عَلَيْهِ مَعَ مَسَاقَاتِهِ عَلَى النَّخْلِ تَبَعًا لِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثمرٍ وزرعٍ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ فِي تَوَابِعِ الْعَقْدِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعَقْدِ كالثمرة التي لم يبد صَلَاحُهَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ تَبَعًا لِلنَّخْلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مُفْرَدَةً بِغَيْرِ شرط، وكالحمل واللبن في الضرع يجوز بيعها تَبَعًا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا مُفْرَدًا وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْمُخَابَرَةِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ تَبَعًا لِئَلَّا يَفُوتَ الْعَمَلُ فِيهِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَلَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى إِفْرَادِهِ بِالْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ كَثِيرًا يَزِيدُ عَلَى النَّخْلِ فِفِيِ جَوَازِ الْمُخَابَرَةِ عَلَيْهِ تَبَعًا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا يَجُوزُ كَالْيَسِيرِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْيَسِيرَ يَكُونُ تَبَعًا لِلْكَثِيرِ وَلَا يَكُونُ الْكَثِيرُ تَبَعًا لِلْيَسِيرِ.
فَصْلٌ
فَإِذَا صَحَّتِ الْمُخَابَرَةُ عَلَى بَيَاضِ الْأَرْضِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُجْمَعَ بينهما في العقد أو يفردهما، فإن جميع بَيْنِهِمَا فِي الْعَقْدِ فَسَاقَاهُ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ عَلَى النَّخْلِ وَخَابَرَهُ عَلَى الْبَيَاضِ فَلَا يَخْلُو قَدْرُ الْعِوَضِ فِيهِمَا مِنْ أَنْ يَتَسَاوَى أَوْ يَتَفَاضَلَ، فَإِنْ تَسَاوَى فَقَالَ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى النَّخْلِ وَخَابَرْتُكَ عَلَى الْبَيَاضِ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِمَا، وَإِنْ تَفَاضَلَ العرض فِيهِمَا فَقَالَ قَدْ سَاقَيْتُكَ عَلَى النَّخْلِ وَخَابَرْتُكَ عَلَى الْبَيَاضِ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرَةِ وَثُلُثِ الزَّرْعِ أَوْ عَلَى ثُلُثِ الثَّمَرَةِ وَنِصْفِ الزَّرْعِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ يَجُوزُ كَمَا لَوْ تَسَاوَى الْعَرْضُ فِيهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا إِذَا تَفَاضَلَا تَمَيَّزَا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ وَلَا مَتْبُوعًا.
فَإِنْ أُفْرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعِقْدٍ فَسَاقَاهُ عَلَى النَّخْلِ فِي عَقْدٍ وَخَابَرَهُ عَلَى الْبَيَاضِ فِي عَقْدٍ آخَرَ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْعُقُودَ الْمُنْفَرِدَةَ لَا يَكُونُ بَعْضُهَا تَبَعًا لِبَعْضٍ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اخْتَلَفُوا فِيمَنِ اشْتَرَى نَخْلًا ذَاتَ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا ثُمَّ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ فِي عَقْدٍ آخَرَ بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ.
فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ جَوَازُهُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأَصْلٍ صَارَ إِلَى مشترٍ وَاحِدٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ جَمَعَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِتَفَرُّدِ كُلِّ عَقْدٍ بِحُكْمِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا جَوَّزْتُمُ الْمُخَابَرَةَ عَلَى الْبَيَاضِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ فَهَلَّا جَوَّزْتُمْ إِجَارَةَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ تَبَعًا لِإِجَارَةِ الْأَرْضِ.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُخَابَرَةَ لَا تَتَجَانَسَانِ لِأَنَّهُمَا أَعْيَانٌ تُؤْخَذُ مِنْ أُصُولٍ بَاقِيَةٍ فَجَازِ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا تَبَعًا لِتَجَانُسِهِمَا، وَإِجَارَةُ النَّخْلِ وَالْأَرْضِ مُخْتَلِفَتَانِ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ فِي الْأَرْضِ آثَارٌ وَمَنَافِعَ الْإِجَارَةِ فِي النَّخْلِ أَعْيَانٌ فَلَمْ يَجُزِ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا تَبَعًا لِاخْتِلَافِهِمَا.
فَصْلٌ
: وَلَوْ كَانَ بَيْنَ نَخْلِ الْمُسَاقَاةَ زَرْعٌ لِرَبِّ النَّخْلِ كَالْمَوْزِ وَالْبِطِّيخِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ فَسَاقَاهُ عَلَى النَّخْلِ وَالزَّرْعِ مَعًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِمَا بِالنِّصْفِ مِنْهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ كَمَا تَجُوزُ الْمُخَابَرَةُ تَبَعًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ فِي الزَّرْعِ لَا تَجُوزُ تَبَعًا، وَإِنْ جَازَتِ الْمُخَابَرَةُ تَبَعًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَلَى الزَّرْعِ هِيَ اسْتِحْقَاقُ بَعْضِ الْأَصْلِ وَالْمُخَابَرَةَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَصْلِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَيْسَ لِلْمُسَاقِي فِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ فَإِنْ فَعَلَ فَكَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ النَّخْلِ إِلَّا بِعَقْدٍ مِنْ مَالِكِهِ أَوْ إِذْنٍ مِنْ جِهَتِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاُضَِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ ما كان تبعاً للعقد ودخل فِيهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ كَالْحَمْلِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إلى الْمُسَمَّى بِهَا.
وَلَيْسَ كُلُّ مَا صَحَّ دُخُولُهُ فِيهَا تَبَعًا بِشَرْطٍ دَخَلَ فِيهَا تَبَعًا بِغَيْرِ شَرْطٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَصِحُّ دُخُولُهُ فِي الْعَقْدِ تَبَعًا بِشَرْطٍ وَلَا يُدْخِلُهُ تَبَعًا بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ الْمُؤَبَّرَةُ تَتْبَعُ النَّخْلَ بِشَرْطٍ وَلَا تَتْبَعُهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَفَارَقَ ذَلِكَ الْحَمْلُ وَاللَّبَنُ، لِأَنَّهُمَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا مُفْرَدًا بِوَجْهٍ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَا تَبَعًا لِأَصْلِهِمَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ وَالثَّمَرَةُ، لِأَنَّ إِفْرَادَ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا قَدْ يَجُوزُ عَلَى وَجْهٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتْبَعَ أَصْلَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ، كَذَلِكَ بَيَاضُ الْأَرْضِ لَمَّا جَازَ أَنْ يُفْرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بِالْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا بِغَيْرِ شَرْطٍ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنْ لَيْسَ لِلْعَامِلِ زَرْعُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهِ فَزَرَعَهُ فَهُوَ كَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ غَصْبًا فَيَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقَلْعِهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ
حَقٌّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ الزَّارِعَ عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ زَرْعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَلْعُ الزَّرْعِ مُضِرًّا بِأَرْضِهِ أَمْ لَا.
وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ كَانَ قَلْعُهُ مُضِرًّا بِالْأَرْضِ أُجْبِرَ الزَّارِعُ عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ مَقْلُوعًا اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عَطَاءٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قومٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شيءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يَحِلُّ مَالُ امرئٍ مسلمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنْهُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شيءٌ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ إِذَا رُوضِيَ عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي اسْتِيفَائِهِ، وَقَوْلُهُ: وَلَهُ نَفَقَتُهُ أَيْ: زَرْعُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ نَفَقَتَهُ هِيَ مِنْ مَالِهِ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا جَعَلْتُمْ وَلَدَ الْأَمَةِ مِنْ زِنًا لِسَيِّدِهَا دُونَ الزَّانِي بِهَا لِعُدْوَانِهِ لَزِمَكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا زَرْعَ الْغَاصِبِ لِرَبِّ الْأَرْضِ دُونَ الْغَاصِبِ لِعُدْوَانِهِ.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ زَرْعَ الْغَاصِبِ مِنْ بَذْرِهِ يَقِينًا فَجُعِلَ لَهُ وَوَلَدَ الزَّانِي مِنْ مَائِهِ ظَنًّا لَا يَقِينًا فَلَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ بَذْرَ الزَّارِعِ مَالَ مَمْلُوكٍ تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، فَصَارَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَلَيْسَ مَاءُ الزَّانِي مَوْصُوفًا بِالْمِلْكِ، وَلَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الْمُعَاوَضَةُ فَلَمْ يَصِرْ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِلْكًا لِلزَّانِي.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنْ لَا حَقَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي الزَّرْعِ فَلَا يَخْلُو حَالُ رَبِّ الْأَرْضِ وَالزَّارِعِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى تَرْكِ الزَّرْعِ إِلَى أَوَانِ الْحَصَادِ، فَيَجُوزُ وَيُؤْخَذُ الزَّارِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى قَلْعِ الزَّرْعِ بَقْلًا فَيَجُوزُ وَيُؤْخَذُ الزَّارِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إِلَى حِينِ قَلْعِهِ وَبِأَرْشِ نَقْصِهِ إِنْ حَدَثَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فَيَدْعُوَ الزَّارِعُ إِلَى اسْتِيفَائِهِ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ، وَيَدْعُوَ رَبُّ الْأَرْضِ إِلَى قَلْعِهِ بَقْلًا فِي الْحَالِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ وَيُجْبَرُ الزَّارِعُ عَلَى الْقَلْعِ وَغَرِمَ الأجرة والأرش.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا عَلَى جزءٍ معلومٍ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ.
فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى مَا يَكْفِيهِ أَوْ مَا يُرْضِيهِ بِطَلَبِ الْمُسَاقَاةِ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْهَا، إِذْ قَدْ لَا يُرْضِيهِ إِلَّا جَمِيعُهَا، وَلَا يَكْفِيهِ إِلَّا أَكْثَرُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا صَحَّتِ الْمُسَاقَاةُ مَعَ الْجَهَالَةِ بِقَدْرِ الثَّمَرَةِ فَهَلَّا صَحَّتْ مَعَ الْجَهَالَةِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ؟ قِيلَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِقَدْرِ مَا يَحْدُثُ مِنَ الثَّمَرَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ، وَالْعِلْمَ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْهَا مُمْكِنٌ فَاعْتُبِرَ.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ ثَمَرَ نخلاتٍ بِعَيْنِهَا مِنَ الْحَائِطِ لَمْ يَجُزْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ يُوجِبُ اشْتِرَاكَ الْعَامِلِ وَرَبِّ النَّخْلِ فِي الثَّمَرَةِ فَإِذَا عَقَدَاهَا عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ ثَمَرَ نَخَلَاتٍ بِعَيْنِهَا مِنْهَا أَفْضَى إِلَى أَنْ يَسْتَبِدَّ أَحَدُهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ دُونَ صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا تَحْمِلَ تِلْكَ النَّخَلَاتُ فَيَنْصَرِفَ الْعَامِلُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا تَحْمِلَ إِلَّا تِلْكَ النَّخَلَاتُ وَحْدَهَا، فَيَنْصَرِفَ رَبُّ الْمَالِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَلِذَلِكَ بَطَلَ.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا جَازَ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى تِلْكَ النَّخَلَاتِ بِعَيْنِهَا مِنْ جُمْلَةِ النَّخْلِ كُلِّهِ - وَإِنْ جَازَ أَنْ تَحْمِلَ أَوْ لَا تَحْمِلَ - فَهَلَّا جَازَ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى جَمِيعِهَا بِثَمَرِ تِلْكَ النَّخَلَاتِ بِعَيْنِهَا - وَإِنْ جَازَ أَنْ تَحْمِلَ أَوْ لَا تَحْمِلَ - قِيلَ لِأَنَّهُ إِذَا أَفْرَدَ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ بتلك النخلات بعينها تساويا فيها - وحملت أَوْ لَمْ تَحْمِلْ - وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ عَلَى جَمِيعِهَا بِثَمَرِ تِلْكَ النَّخَلَاتِ فَقَدْ يَتَفَاضَلَانِ فِيهَا - إن حملت أو لم تحمل -.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وكذلك لو اشترط عن صَاحِبِهِ صَاعًا مِنْ تمرٍ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ أَحَدِهِمَا الصَّاعَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَرَةِ يُفْضِي إِلَى الْجَهَالَةِ بِقَدْرِ الْعِوَضِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهَالَةِ بِالْبَاقِي بَعْدَ الصَّاعِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا تَحْمِلَ النَّخْلُ إِلَّا ذَلِكَ الصَّاعَ، وَإِذَا بَطَلَتَا لِمُسَاقَاةٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِمَا وَصَلْنَا كَانَتِ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِرَبِّ النَّخْلِ وَكَانَ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِيمَا عمل.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ دَخَلَ فِي النَّخْلِ عَلَى الْإِجَارَةِ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ وَيَحْفَظَ بشيءٍ مِنَ التَّمْرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ فَالْإِجَارَةُ فاسدةٌ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْإِجَارَاتِ وَلَيْسَتْ مِنَ الْمُسَاقَاةِ، وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَعْمَلَ فِي نَخْلِهِ أَوْ فِي غَيْرِ نَخْلِهِ عَلَى أَنَّ أُجْرَتَهُ ثَمَرَةُ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ لَمْ تُخْلَقْ فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ مَا تَحْمِلُ وَأَنَّهَا رُبَّمَا لَمْ تَحْمِلْ وَالْأُجْرَةُ لَا تَصْلُحُ إِلَّا مَعْلُومَةً فِي الذِّمَّةِ أَوْ عَيْنًا مُشَاهَدَةً.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مَوْجُودَةً فَقَدْ خُلِقَتْ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ بَادِيَةَ الصَّلَاحِ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ شَرَطَ لَهُ جَمِيعَهَا أَوْ سَهْمًا شَائِعًا فِيهَا، لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ بَادِيَةِ الصَّلَاحِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُشْتَرَطَ لَهُ جَمِيعَهَا فَيُنْظَرُ، فَإِنْ شَرَطَهُ فِيهِ الْقَطْعَ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنَ الثَّمَرَةِ جَائِزَةٌ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ فِيهَا الْقَطْعَ لَمْ يَجُزْ لِفَسَادِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْرُطَ لَهُ سَهْمًا شَائِعًا فِيهَا مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ فَتَبْطُلَ الْإِجَارَةُ، لِأَنَّ اشْتِرَاطَ قَطْعِ الْمُشَاعِ لَا يُمْكِنُ وَالْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ لَا يَجُوزُ، فَلِذَلِكَ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ، وَيُحْكَمُ لِلْعَامِلِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إِنْ عَمِلَ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وكل ما كان فيه مستزادٌ في التمر مِنْ إِصْلَاحِ الْمَاءِ وَطَرِيقِهِ وَتَصْرِيفِ الْجَرِيدِ وَإِبَارِ النَّخْلِ وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ بِالنَّخْلِ وَنَحْوِهِ جَازَ شَرْطُهُ عَلَى الْعَامِلِ فَأَمَا شَدُّ الْحِظَارِ فَلَيْسَ فِيهِ مستزادٌ وَلَا صَلَاحٌ فِي الثَّمَرَةِ فَلَا يَجُوزُ شَرْطُهُ عَلَى الْعَامِلِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ فِي الْمُسَاقَاةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الثَّمَرَةِ دُونَ النَّخْلِ.
وَالثَّانِي: مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ، وَالثَّالِثُ: مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْلِ وَالثَّمَرَةِ.
وَالرَّابِعُ: مَا لَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الثَّمَرَةِ وَلَا النَّخْلِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الثَّمَرَةِ دُونَ النَّخْلِ فَمِثْلُ إِبَارِ النَّخْلِ وَتَصْرِيفِ الْجَرِيدِ وَتَلْقِيحِ الثَّمَرَةِ وَلِقَاطِهَا رُطَبًا وَجِدَادِهَا تَمْرًا.
فَهَذَا الضَّرْبُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ.
وَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قَسَمٌ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ شرط وهو كل ما لاتحصل الثمرة إلا به كالتلقيح والإبار، وقسماً يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ إِلَّا بِالشَّرْطِ، وَهُوَ كُلُّ مَا فِيهِ مُسْتَزَادٌ لِلثَّمَرَةِ وَقَدْ تَصْلُحُ بِعَدَمِهِ، كَتَصْرِيفِ الْجَرِيدِ وَتَدْلِيَةِ الثَّمَرَةِ، وَقَسَمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ كُلُّ مَا تَكَامَلَتِ الثَّمَرَةُ قَبْلَهُ كَاللِّقَاطِ وَالْجِدَادِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ إِلَّا بِشَرْطٍ لِتَكَامُلِ الثَّمَرَةِ بِعَدَمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْعَامِلِ بِغَيْرِ شَرْطٍ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ وَإِنْ تَكَامَلَتْ قَبْلَهُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ، فَمِثْلُ سَدِّ الْحَظَائِرِ وَحَفْرِ الْآبَارِ، وَشَقِّ السَّوَاقِي، وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ.
فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ وَكَذَا مَا شَاكَلَهُ مِنْ عَمَلِ الدَّوَالِيبِ وَإِصْلَاحِ الزَّرَانِيقِ.
فَإِنْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا وَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ حَمْلًا عَلَى الشُّرُوطِ الزَّائِدَةِ فِي الرَّهْنِ تَبْطُلُ وَلَا يَبْطُلُ مَعَهَا الرَّهْنُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ عُقُودَ الْمُعَاوَضَاتِ إِذَا تَضَمَّنَتْ شُرُوطًا فَاسِدَةً بَطَلَتْ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْلِ وَالثَّمَرَةِ فَكَالسَّقْيِ وَالْإِثَارَةِ وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ بِالنَّخْلِ.
. إِلَى مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ النَّخْلِ وَمُسْتَزَادٌ فِي الثَّمَرَةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا تَصْلُحُ الثَّمَرَةُ إِلَّا بِهِ كَالسَّقْيِ فِيمَا لَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنَ النَّخْلِ حَتَّى يُسْقَى سَيْحًا فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ كَنَخْلِ الْبَصْرَةِ فَهُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ شُرُوطِ هَذَا الْفَصْلِ سَوَاءٌ، وَهُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي فِي هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ، وَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْعَامِلِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَاشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ تَأْكِيدٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ النخل زيادة الثَّمَرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ، وَاشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ لِأَنَّهُ بِصَلَاحِ النَّخْلِ أَخَصُّ مِنْهُ بِصَلَاحِ الثَّمَرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الثَّمَرَةِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ النَّخْلِ فَلَمْ يَتَنَافَ الشَّرْطَانِ فِيهِ فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْعَامِلِ لَزِمَهُ، وَإِنْ شُرِطَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ لَزِمَهُ، وَإِنْ أُعْقِلَ لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَمَّا الْعَامِلُ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ أَوْ مِنْ شُرُوطِهِ وَأَمَّا رَبُّ النَّخْلِ فَلِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَثْمِيرِ مَالِهِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الضَّرْبُ الرَّابِعُ وَهُوَ مَا لَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى النَّخْلِ وَلَا عَلَى الثَّمَرَةِ فَهُوَ كَاشْتِرَاطِهِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ قَصْرًا أَوْ يَخْدِمَهُ شَهْرًا أَوْ يَسْقِيَ لَهُ زَرْعًا، فَهَذِهِ شُرُوطٌ تُنَافِي الْعَقْدَ، وَتَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِشَيْءٍ فِي مَصْلَحَتِهِ.
وَاللَّهُ أعلم بالصواب وهو حسبنا ونعم المعين.