الحاوي الكبيرصفحات 163-202
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْعِتْق

صفحات 163-202
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كِتَابَةَ أَحَدِهِمْ عَلَى عِشْرِينَ دِينَارًا، وَكِتَابَةَ الْآخَرِ عَلَى ثَلَاثِينَ دِينَارًا، وَكِتَابَةَ الثَّالِثِ عَلَى خَمْسِينَ دِينَارًا، فَيُؤَدُّوا مَعًا خَمْسِينَ دِينَارًا.
ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فَيَقُولُ مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ: أَدَّيْنَاهَا بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ثُلُثُهَا مَحْسُوبًا مَالَ كِتَابَتِهِ، وَيَقُولُ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ: أَدَّيْنَاهَا عَلَى الْقِيَمِ فَلِي نِصْفُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا، وَلَكَ يَا مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَلَكَ يَا مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا، فَيَكُونُ التَّنَازُعُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مُخْتَصًّا وَلَا يَكُونُ السَّيِّدُ فِيهِ خَصْمًا لَهُمْ، لِأَنَّ تَنَازُعَهُمْ لَا يَقْتَضِي اسْتِرْجَاعَ شَيْءٍ مِنَ السَّيِّدِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنْ تَصَادَقُوا بَعْدَ الِاخْتِلَافِ عَمِلَ عَلَى تُصَادِقِهِمْ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَصْدِيقُ السَّيِّدِ لَهُمْ، وَإِنْ أَقَامُوا عَلَى التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فَالَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ فِي ادِّعَاءِ التَّسَاوِي، وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمْ كَثَلَاثَةٍ فِي أَيْدِيهِمْ دَارٌ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا وَادَّعَى الْآخَرُونَ أَنَّهَا بَيْنَهُمْ عَلَى تُفَاضُلٍ فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ مَنِ ادَّعَى التَّسَاوِيَ دُونَ التَّفَاضُلِ لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمْ عَلَيْهَا فَاسْتَوَتْ حُقُوقُهُمْ فِيهَا.

فَصْلٌ

فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يُؤَدُّوا جَمِيعَ الْمِائَةِ فَيَعْتِقُوا بِهَا فِي الظَّاهِرِ، ثُمَّ يَدَّعِي مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ التَّسَاوِي لِيَرْجِعَ بِالْبَاقِي، وَيَدَّعِي مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ التَّفَاضُلَ عَلَى قَدْرِ الْقِيَمِ، لِيَتَحَرَّرَ عِتْقُهُ بِأَدَائِهِ فَيُنْظَرُ فِي دَعْوَى مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْفَاضِلِ عَنْهَا، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّاهُ عَمَّنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ قَرْضًا عَلَيْهِ يَأْخُذُهُ بِرَدِّهِ، فَالسَّيِّدُ خَارِجٌ مِنْ تَنَازُعِهِمْ، وَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى خَصْمًا لَهُمْ، وَقَدْ عَتَقُوا جَمِيعًا بِذَلِكَ الْأَدَاءِ.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ الْفَضْلَ إِلَى السَّيِّدِ قَرْضًا عَلَيْهِ، أَوْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ صَارَ السَّيِّدُ فِي هَذَا التَّنَازُعِ خَصْمًا لَهُمْ، فَإِنْ صَدَّقَ الدَّعْوَى لَزِمَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ أَكْذَبَهَا وَصَدَّقَ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ فِي عِتْقِهِ بِهَا صَارَ دَاخِلًا فِي التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ الْأُمِّ إِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَكُونُ الْمَالُ الْمُؤَدَّى عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ، وَلَا تَرَاجُعَ فِيهِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِي الدَّيْنِ أَنَّ الْمُؤَدَّى فِيهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مُعْتَبَرًا.
وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْأَدَاءِ وُقُوعُ الْعِتْقِ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْبَلَ مَا خَالَفَهُ فِي نَقْضِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أن القول فيه قول من قلت قيمته فِي التَّسَاوِي وَرَدَّ قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ادِّعَاءِ التَّفَاضُلِ، لِأَنَّ الدَّعْوَى إِذَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ يَدٍ وَعُرْفٍ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْيَدِ عَلَى العرف.

أَلَا تَرَى أَنَّ دَبَّاغًا وَعَطَّارًا، لَوْ تَنَازَعَا دِبَاغَةً وَعِطْرًا لَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِالْيَدِ، وَإِنْ كَانَ الْعِطْرُ فِي الْعُرْفِ لِلْعَطَّارِ وَالدِّبَاغَةُ لِلدَّبَّاغِ، وَلِأَنَّ رَجُلَيْنِ لَوِ اشْتَرَيَا دَارًا بِأَلْفٍ لِأَحَدِهِمَا رُبُعَهَا وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَدَفَعَا إِلَى بَائِعِهَا أَلْفًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ صَاحِبُ الرُّبُعِ: الْأَلْفُ الَّتِي دَفَعْنَاهَا بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ فَلِيَ الرُّجُوعُ بِالْبَاقِي.
وَقَالَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ: إِنَّنَا دَفَعْنَاهَا عَلَى قَدْرِ مَا عَلَيْنَا فَلَا تَرَاجُعَ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى التَّسَاوِي اعْتِبَارًا بِالْيَدِ دُونَ الْعُرْفِ وِفَاقًا كَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ حِجَاجًا، ثُمَّ يَكُونُ الْعِتْقُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا نَافِذًا فِي الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إِنِ ادُّعِيَتْ أَدَاءً عَنِ الْأَكْثَرِ قِيمَةً قَرْضًا، فَقَدْ عَتَقَ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِنِ ادُّعِيَتْ وَدِيعَةً عِنْدَ السَّيِّدِ أَوْ قَرْضًا فَقَدْ صَدَّقَ السَّيِّدُ لِلْأَكْثَرِ قِيمَةً عَلَى أَدَائِهِ لَهَا، وَاعْتَرَفَ بِعِتْقِهِ بِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ قَدْ أَكْذَبَهُ، وَصَدَّقَ مُدَّعِي التَّسَاوِي، فَإِذَا جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَمْ يَعْتِقِ الْأَكْثَرَ قِيمَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ التَّفَاضُلِ، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ، حَتَّى يُؤَدِّيَ بَقِيَّتَهَا بَعْدَ تَسَاوِيهِمْ فِيهَا، لِيَعْتِقَ حِينَئِذٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُقْبَلْ وَسَيِّدَهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَدَّى أَحَدُهُمْ عَنْ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فَإِنْ تَطَوَّعَ فَعَتَقُوا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فَإِنْ أَدَّى بِإِذْنِهِمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: لَيْسَ لِأَحَدِ الْمُكَاتَبِينَ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ أَوْ فِي عُقُودٍ أَنْ يُؤَدِّيَ كَسْبَهُ، إِلَّا مَالَ كِتَابَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُكَاتَبِينَ مَعَهُ سَوَاءٌ، أَدَّى عَنْهُ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ أَدَّاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَانَتْ هِبَةً لَهُ، وَإِنْ أَدَّاهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، كَانَ قَرْضًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَصْرِفَ مَالَهُ فِي هِبَةٍ وَلَا قَرْضٍ فَإِنْ فَعَلَ وَأَدَّى عَنْ غَيْرِهِ مَالًا إِلَى سَيِّدِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ السَّيِّدِ فِي قَبْضِهِ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ.
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ فَالْأَدَاءُ بَاطِلٌ، وَغَيْرُ مُحْتَسَبٍ بِهِ لِلْمُؤَدَّى عَنْهُ وَيَكُونُ مُحْتَسِبًا بِهِ لِلْمُؤَدِّي إِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ قَدْ حَلَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ كَانَ الْمُؤَدِّي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ مِنْ سَيِّدِهِ، أَوْ يَجْعَلَهُ تَعْجِيلًا عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ عَالِمًا بِأَنَّهُ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَعِلْمُهُ بِهِ كَالْإِذْنِ فِيهِ فَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ إِذَا وَهَبَ أَوْ أَقْرَضَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَيَكُونُ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ مَا بِيَدِهِ مُسْتَحَقٌّ فِي كِتَابَتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَصِحُّ ذَلِكَ وَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيمَا بِيَدِهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِإِذْنِهِ كَالْعَبْدِ.

فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ صَارَ كَمَا لَوْ أَدَّاهُ بِغَيْرِ عِلْمِ سَيِّدِهِ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ وَيُحْتَسَبُ بِهِ لِلْمُؤَدِّي مِنْ كِتَابَتِهِ إِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى أَجْلِهَا كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا من سيده، أو يعجلها عَنْ كِتَابَةِ نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ يَسْتَرْجِعْهَا الْمُكَاتَبُ وَلَا عَجَّلَهَا عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى أَدَّى مَا عَلَيْهِ، فَعَتَقَ فَفِي اسْتِحْقَاقِ اسْتِرْجَاعِهَا بَعْدَ عِتْقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَنْصُوصِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْتِرْجَاعَهَا وَالسَّيِّدُ أَوْلَى بِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى أَدَائِهَا فِي كِتَابَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَالوجهُّ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَهَا، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْعِتْقِ أَقْوَى مِلْكًا، وَتَصَرُّفًا فَلَمَّا اسْتَحَقَّ اسْتِرْجَاعَهَا فِي أَضْعَفِ حَالَيْهِ، كَانَ اسْتِرْجَاعُهَا فِي أَقْوَاهُمَا أَوْلَى وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ جَائِزٌ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِي أَدَاءِ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدَاؤُهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ، وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِبَذْلِهِ كَالْهِبَاتِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّاهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ يَرْجِعُ بِهِ كَالْقَرْضِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُؤَدِّي وَالْمُؤَدَّى عَنْهُ من أربعة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْجِزَا فَيَرِقَّا فَلَا رُجُوعَ لِلْمُؤَدِّي بِمَا أَدَّى لَا عَلَى سَيِّدِهِ وَلَا عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ، لِأَنَّهُ بِعَوْدِهِ إِلَى الرِّقِّ قَدْ صَارَتْ أَمْوَالُهُ لِسَيِّدِهِ، وَالسَّيِّدُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ غُرْمٌ فَلَا يَثْبُتُ لِعَبْدِهِ عَلَيْهِ مَالٌ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُؤَدِّيَا فَيَعْتِقَا فَلِلْمُؤَدِّي بَعْدَ عِتْقِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا أُنْظِرَ بِهِ إِلَى مَيْسَرَتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْتِقَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَيَبْقَى الْمُؤَدِّي عَلَى رِقِّهِ فَيُنْظُرُ فِي عِتْقِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَا أَقْرَضَهُ الْمُؤَدِّي نَفَذَ عِتْقُهُ، وَكَانَ الْمَالُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ دَيْنًا حَالًّا لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ بِمَا أَقْرَضَهُ الْمُؤَدِّي فَفِيهِ وَجْهَانِ أَخْرَجَهُمَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي إِفْصَاحِهِ احْتِمَالًا: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عِتْقَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ قَدْ نَفَذَ، وَرِقَّ الْمُؤَدِّي قَدِ اسْتَقَرَّ وَيَكُونُ الْأَدَاءُ دَيْنًا لِلسَّيِّدِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُعْتَقِ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الْأَدَاءِ وَالْعَجْزِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ بِذَلِكَ الْأَدَاءِ وَيُحْتَسَبُ بِهِ لِلْمُؤَدِّي، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ الْبَاقِي عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ عَتَقَ وَأُعِيدَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ إِلَى رِقِّهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أُعِيدَا مَعًا إِلَى الرِّقِّ اعْتِبَارًا بِحَالِ الكسب.

وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَعْتِقَ الْمُؤَدِّي، وَلَا يَعْتِقَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَهُوَ عَلَى رِقِّهِ، فَلِلْمُؤَدَّى عَنْهُ ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَبَدَلُ مَا اقْتَرَضَ فَيُؤَدِّيهَا وَيَتَحَرَّرُ عتقها بِهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْجِزَ عَنْ بَاقِي الْكِتَابَةِ، وَعَنِ الْقَرْضِ جَمِيعًا فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُعِيدَهُ إِلَى الرِّقِّ، وَيَكُونَ قَرْضُ الْمُؤَدِّي دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إِذَا أُعْتِقَ وَأَيْسَرَ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ مَا يَتَصَرَّفُ فِي أَحَدِهَا إِمَّا فِي عِتْقِهِ أَوْ فِي قَرْضِهِ.
فَيُقَالُ لِلْمُؤَدِّي انْتَظِرْهُ بِقَرْضِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا بِيَدِهِ فِي عِتْقِهِ فَإِنْ أَجَابَ فَعَلَى ذَاكَ، وَإِنِ امْتَنَعَ قِيلَ لِلسَّيِّدِ انْتَظِرْهُ بِنَفْسِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا بِيَدِهِ فِي قَرْضِهِ، فَإِنْ أَجَابَ فَعَلَى ذَاكَ وَإِنِ امْتَنَعَ أَيْضًا وَتَنَازَعَا الْمَوْجُودَ فَالْمُؤَدِّي الْمُقْرِضُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ السَّيِّدِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَرْضَ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ وَمَالَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي عَوْدِ الْمُقْرِضِ بِهِ حِفْظًا لِحَقِّهِ وَحَقِّ السَّيِّدِ بِعَوْدِهِ إِلَى رِقِّهِ، وَحِفْظُ الْحَقَّيْنِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِ أَحَدِهِمَا بالآخر، والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَمَّلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ الْكِتَابَةَ فَإِنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَتْ جَمَاعَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَمْ يَلْزَمْ ضَمَانُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ لَا بِالْعَقْدِ وَلَا بِالشَّرْطِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُ ضَمَانُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ كَانَ أَوْكَدَ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ضَمَانَ مَالِ الْكِتَابَةِ لَا يَصِحُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ضَمَانَ الْمُكَاتَبِ لَا يَصِحُّ.
فَأَمَّا ضَمَانُ مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَصِحُّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ حُكْمِ الضَّمَانِ أَنْ يَلْزَمَ، وَمَالَ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّمَانَ وَثِيقَةٌ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ وَالْكِتَابَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ.
وَأَمَّا ضَمَانُ الْمُكَاتَبِ فَلَا يَصِحُّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ أَوْقَعَتْ حَجْرًا عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ، وَضَمَانُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ.

وَالثَّانِي: أَنَّ مَا بِيَدِهِ مُسْتَحَقٌّ فِي كِتَابَتِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ فِيهَا ضَمَانَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَأْخُوذًا بِمَالِ كِتَابَتِهِ لَا غَيْرَ وَإِنْ شَرَطَ فِيهَا السَّيِّدُ ضَمَانَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَالْكِتَابَةُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ إِذَا نَافَاهُ أَبْطَلَهُ كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبُيُوعِ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا الْحَوَالَةُ بِمَا عَلَى الْمُكَاتَبِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ فَيُحِيلَ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ، فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ، لأن الحوالة تكون في الحقوق اللازمة ما عَلَى الْمُكَاتَبِ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ، فَيُحِيلَ سَيِّدَهُ بِمَا حَلَّ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ، فَتَصِحَّ الْحَوَالَةُ، لِأَنَّ دَيْنَ الْمُكَاتَبِ عَلَى غَرِيمِهِ لَازِمٌ فَصَارَتِ الْحَوَالَةُ بدين لازم.
والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدًا كِتَابَةً فَاسِدَةً فَأَدَّى عَتَقَ وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ عَتَقَ وَرَجَعَ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا دَفَعَ فَأَيُّهُمَا كَانَ لَهُ الْفَضْلُ رَجَعَ بِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْعِتْقُ ضَرْبَانِ: نَاجِزٌ، وَعَلَى صِفَةٍ.
فَأَمَّا النَّاجِزُ فَهُوَ مَا كَانَ وُقُوعُهُ مُقْتَرِنًا بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ فَيَقَعُ بَاتًّا لَا رُجُوعَ فِيهِ بَعْدَ نُفُوذِهِ.
وَأَمَّا الْمُعَلَّقُ بِصِفَةٍ فَضَرْبَانِ: صِفَةٌ مَحْضَةٌ، وَصِفَةٌ مُعَاوَضَةٌ.
فَأَمَّا الصِّفَةُ الْمَحْضَةُ.
فَكَقَوْلِهِ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ بِدُخُولِ الدَّارِ وَبِقُدُومِ زَيْدٍ وَقَعَ الْعِتْقُ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِتْقَ مُعَاوَضَةٍ وَإِنْ وَقَعَ الْعِتْقُ بِدَفْعِ مَالٍ، لِأَنَّ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَمَتَى دَفَعَ الْأَلْفَ كَامِلَةً عَتَقَ بِهَا لَكِنْ إِنْ قَالَ: إِذَا دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ الدَّفْعُ عَلَى الْفَوْرِ.
فَإِذَا دَفَعَ فِي مَجْلِسِهِ عَتَقَ وَإِنْ تَرَاخَ لَمْ يَعْتِقْ.
وَإِنْ قَالَ: مَتَى دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ دَفْعُهَا عَلَى التَّرَاخِي فَمَتَى دَفَعَهَا عَاجِلًا، أَوْ آجِلًا عَتَقَ بِهَا.
وَإِذَا كَانَ عِتْقُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَاقِعًا بِدَفْعِ جَمِيعِ الْأَلْفِ فَلَيْسَ

هَذَا بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، يُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ مَخْرَجُ الْقَوْلِ مِنْ مَالِكٍ، جَازَ الْأَمْرُ فَإِذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَعَلَّقَ بِهِ سِتَّةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: لُزُومُ حُكْمِهِ لِلسَّيِّدِ وَالْعَبْدِ، فَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ وَلَا لِلْعَبْدِ رَفْعُهُ، وَلَا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى فَسْخِهِ، لِأَنَّ الصِّفَاتِ لَا يَلْحَقُهَا فَسْخٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ هَذَا الْمَالِ، لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَا فِي الذِّمَّةِ، وَهَذَا الْمَالُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ متى مات السيد بطلت الصفة، ولم يعتق الْعَبْدُ بِدَفْعِ، الْأَلْفِ إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صِفَةُ قَوْلِهِ: إِنْ دَفَعْتَ إِلَيَّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِهَا كَسْبَ نَفْسِهِ وَأَكْسَابُهُ تَكُونُ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ يُوجِبُ تَمَلُّكَ الْكَسْبِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ مَا فَضَلَ فِي يَدِ الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهِ بِدَفْعِ الْأَلْفِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالْعِتْقِ.
وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ لَا تَرَاجُعَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ مُعْتَقٌ بِصِفَةٍ لَمْ يَتَضَمَّنْهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا صِفَةُ الْمُعَاوَضَةِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا صَحَّ فِيهِ الْعَقْدُ فَغَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ.
وَالثَّانِي: مَا فَسَدَ فِيهِ الْعَقْدُ فَغَلَبَ فِيهِ حُكْمُ الصِّفَةِ.
فَأَمَّا الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْعَقْدُ فَهِيَ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ قَدْ صَحَّتْ صِفَةً، وَمُعَاوَضَةً، فَيَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ نَوَى فِي الصِّفَةِ أَنَّهُ مَتَى دَفَعَ الْمَالَ عَتَقَ صَحَّ، وَلَوْ تَغَلَّبَتِ الصِّفَةُ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ النِّيَّةُ كَمَا لَوْ نَوَى أَنَّهُ مَتَى دَفَعَ إِلَيْهِ عَبْدُهُ أَلْفًا عَتَقَ لَمْ يَعْتِقْ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا سِتَّةُ أَحْكَامٍ تُخَالِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ: أَحَدُهَا: لُزُومُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهَا مَا كَانَ الْعَبْدُ مُقِيمًا عَلَى الْأَدَاءِ، وَلَيْسَتْ لَازِمَةً مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ، لِأَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ مِنَ الْأَدَاءِ الَّذِي يَعْتِقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ، وَإِنْ مَلَكَ الِامْتِنَاعَ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَنْظَرَهُ بِالْمَالِ عِنْدَ عَجْزِهِ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِحَالِهَا فَلَوِ اجتمعا على فسخها صح النسخ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ مِنْهَا، لِأَنَّ الْمَالَ فِيهَا كَالثَّمَنِ الَّذِي يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ وَيَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ كَمَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ لِسُقُوطِ الْعِوَضِ فِي الْحَالَيْنِ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَتَى مَاتَ السَّيِّدُ لَمْ تَبْطُلِ الْكِتَابَةُ، وَقَامَ الْوَارِثُ فِيهَا مَقَامَهُ، فَإِذَا أَدَّاهَا الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِ عَتَقَ، لِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لَازِمَةٌ، وَالْعُقُودُ اللَّازِمَةُ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ.
وَالرَّابِعُ: أن المكاتب قد ملك به كَسْبَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، لِأَنَّ سُلْطَانَ السَّيِّدِ قَدْ زَالَ عَنْهُ، وَنَفَقَتَهُ قَدْ سَقَطَتْ عَنْهُ، فَصَارَ الْكَسْبُ لِلْمُكَاتَبِ كَمَا صَارَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ مَا فَضَلَ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ كَانَ مِلْكًا لَهُ لَا حَقَّ فِيهِ لِلسَّيِّدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ فَأَوْلَى أَنْ يَمْلِكَهُ بَعْدَهُ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْعِتْقِ لِوُقُوعِهِ عَنْ عِوَضٍ صَحِيحٍ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الَّتِي لَا يَصِحُّ فِيهَا الْعَقْدُ فَهِيَ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ قَدْ جَمَعَتْ صِفَةً وَمُعَاوَضَةً، فَالْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفٍ مُعَاوَضَةً، وَقَوْلَهُ فَإِذَا أَدَّيْتَ إِلَيَّ آخِرَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ عِتْقٌ بِصِفَةٍ، فَإِذَا بَطَلَ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى بِأَحَدِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَبْطُلُ بِهَا الْكِتَابَةُ، بَقِيَ حُكْمُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ، وَتَعَلَّقَ بِهَا سِتَّةُ أَحْكَامٍ قَدْ تُخَالِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الْفَصْلَيْنِ وَسَطَّرَ الْمُزَنِيُّ بَعْضَهَا مِنْ بَعْدُ، وَنَحْنُ نَسْتَوْفِي شَرْحَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ بَعْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا اقْتَضَاهُ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ.
فَأَحَدُ الْأَحْكَامِ السِّتَّةِ: أَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْعِتْقُ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وَلِلسَّيِّدِ إِبْطَالُهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِأَنْ يَرْفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ فَيُبْطِلَهَا فَإِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ بَعْدَ إِبْطَالِهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَدَفَعَ الْمَالَ الْمُتَعَلِّقَ بِهَا لَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ بِخِلَافِ الصِّفَاتِ الْمَحْضَةِ، الَّتِي لَا يَجُوزُ لَهُ إِبْطَالُهَا، وَيَقَعُ الْعِتْقُ بِوُجُودِهَا لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْتِزَامِ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ الْمَحْضَةِ، فَلَمْ يَقَعْ إِلَّا بِهَا وَهُوَ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْمُعَاوَضَةِ، مُلْتَزِمٌ لَهَا عَلَى شَرْطِ الْعِوَضِ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ بِالْفَسَادِ بَطَلَ اللُّزُومُ، وَصَارَ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِهِ كَالْعُيُوبِ فِي الْبُيُوعِ، وَفَارَقَا حُكْمَ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ أَيْضًا الَّتِي لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهَا، لِسَلَامَةِ مَا شَرَطَهُ مِنَ الْعِوَضِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ هَذَا الْعِوَضِ لِفَسَادِهِ وَأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: إِنْ دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ أَبْرَأَهُ لَمْ يَبْرَأْ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ متى مات السيد بطلت الصفة، ولم يعتق بِالْأَدَاءِ إِلَى الْوَرَثَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَبْطُلُ، وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ إِلَى الْوَرَثَةِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ من وجهين:

أحدهما: أَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ [مَا لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الْعُقُودِ بِالْمَوْتِ، كَمَا تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ] مِنْ جِهَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ حُكْمِ الصِّفَةِ.
وَالسَّيِّدُ إِذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِصِفَةٍ بَطَلَ حُكْمُهَا بِمَوْتِهِ، كَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ بِهَا كَسْبَ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ فِيهَا الْعِوَضُ بِوُقُوعِ الْعِتْقِ، فَمَلَكَ بِهَا الْكَسْبَ كَالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا يَمْلِكُ النَّمَاءَ وَإِنْ مَلَكَهُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، فَهَلَّا كَانَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ كَذَلِكَ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَمْلِكِ النَّمَاءَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَمَلَكَهُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ بِهَا فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ مِنْ عِتْقِ نَفْسِهِ بِالْأَدَاءِ، مِثْلَ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ فِي الكتابة الصحيحة، فذلك مَلَكَ كَسْبَ نَفْسِهِ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ كَمَا يَمْلِكُهُ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ مَا فَضَلَ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ عِتْقِهِ مِلْكٌ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى مِلْكِهِ قَبْلَ عِتْقِهِ.
وَالسَّادِسُ: أَنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ عَتَقَ، وَيَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَدَّاهُ، إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَهْلَكَ عِتْقَ نَفْسِهِ عَلَى بَدَلٍ فَاسِدٍ فَصَارَ كَاسْتِهْلَاكِ الْمُشْتَرِي مَا ابْتَاعَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ يَلْزَمُهُ قِيمَةُ مَا اسْتَهْلَكَهُ كَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي الْقِيمَةِ، وَمَالِ الْأَدَاءِ، فَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ لَمْ يَقَعَا قِصَاصًا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَنَاوَبَا.
وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَفِي وُقُوعِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةُ أَقَاوِيلَ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَمِيعِهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَقَعُ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا بِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي تَقَابُضِهِ فَصَارَ كَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِوَارِثِهِ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ إِلَى الْوَارِثِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهَا فِي دَيْنِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، لِانْتِقَالِ الْعَيْنِ إِلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِيرُ قِصَاصًا بِرِضَى أَحَدِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْآخَرُ، لِأَنَّ مَنْ

عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ قَضَاؤُهُ مِنْ أَيِّ مَالِهِ شَاءَ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ لِصَاحِبِهِ فَكَانَ لَهُ قَضَاؤُهُ مِنْ مَالِهِ، أَوْ مِنْ دَيْنِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِيرُ قِصَاصًا بِتَرَاضِيهِمَا، فَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِرْ قِصَاصًا كَالْحَوَالَةِ الَّتِي لَا تَتِمُّ إِلَّا بِرِضَى الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ قِصَاصًا وَإِنْ تَرَاضَيَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
وَكَمَا لَوْ تَجَانَسَ الْحَقَّانِ وَكَانَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ لَمْ يَقَعِ الْقِصَاصُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلُ فَإِنْ قُلْنَا: يَكُونُ قِصَاصًا نُظِرَ فِي الْحَقَّيْنِ.
فَإِنْ تَسَاوَيَا بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حَقِّ صَاحِبِهِ وَإِنْ تَفَاضَلَا سَقَطَ الْأَقَلُّ مِنَ الْأَكْثَرِ وَرُدَّ الْفَاضِلُ.
فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ رَجَعَ السَّيِّدُ بِالْفَاضِلِ مِنْهَا عَلَى مُكَاتَبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ أَكْثَرَ رَجَعَ الْعَبْدُ بِالْفَاضِلِ مِنْهُ عَلَى سَيِّدِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَكُونُ قِصَاصًا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطَالَبَةُ الْآخَرِ بِمَا عَلَيْهِ، فَإِذَا قَبَضَهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: لَا أَدْفَعُ مَا عَلَيَّ حَتَّى أَقْبِضَ مَالِي كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْسُ مَا لِصَاحِبِهِ عَلَى حَقِّهِ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهَا فِي تَقْدِيمِ الْقَبْضِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْحَقَّيْنِ فِي الذِّمَّتَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ أَبْطَلَ السَّيِّدُ الْكِتَابَةَ وَأَشْهَدَ عَلَى إِبْطَالِهَا أَوْ أَبْطَلَهَا الْحَاكِمُ ثُمَّ أَدَّاهَا الْعَبْدُ لَمْ يعتق والفرق بين هذا وقوله إن دخلت الدار فأنت حر أن اليمين لا بيع فيها بحال بينه وبينه والكتابة كالبيع الفاسد إذا فات رد قيمته) . قال الماوردي: وهذا فيما قدمناه فِي الْأَحْكَامِ السِّتَّةِ وَقُلْنَا: إِنَّ لِلسَّيِّدِ إِبْطَالَ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ حَتَّى لَا يَعْتِقَ الْعَبْدُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْطَالُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَإِذَا أَرَادَ السَّيِّدُ إِبْطَالَ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ إِبْطَالِهَا بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ، حَتَّى يَحْكُمَ بِإِبْطَالِهَا، فَإِنْ أَرَادَ إِبْطَالَهَا بِنَفْسِهِ، جَازَ أَنْ يُبْطِلَهَا بِمَشْهَدِ الْعَبْدِ وَغَيْبَتِهِ فَيَقُولَ: قَدْ أَبْطَلْتُ كِتَابَةَ عَبْدِي، أَوْ نَقَضْتُهَا وَفَسَخْتُهَا بِلَفْظٍ مَسْمُوعٍ يَشْهَدُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَيْسَتِ الشَّهَادَةُ شَرْطًا فِي إِبْطَالِهَا، لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ تُرَادُ لِقَطْعِ التَّجَاحُدِ فَإِنْ نَوَى إِبْطَالَهَا لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلنِّيَّةِ فِي إِثْبَاتِ عَقْدٍ، وَلَا فِي إِبْطَالِهِ، وَإِنْ رَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْطَالُهَا إِلَّا بَعْدَ ثَبَاتِ فَسَادِهَا عِنْدَهُ، وَمَسْأَلَةُ

السَّيِّدِ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهَا عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَحْكُمَ بِإِبْطَالِهَا، وَيَقُومَ ذَلِكَ مَقَامَ إِبْطَالِ السَّيِّدِ لَهَا، فَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِفَسَادِهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِبْطَالًا لَهَا لِفَسَادِهَا قَبْلَ حُكْمِهِ، وَإِبْطَالِهَا هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْعِتْقَ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ هُوَ الَّذِي سَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ بِبُطْلَانِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ حَقٌّ يَخْتَصُّ بِالسَّيِّدِ لَا يَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الِامْتِنَاعَ مِنَ الأداء.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ أَدَّى الْفَاسِدَةَ إِلَى الْوَارِثِ لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقَائِلُ إِنْ أَدَّيْتَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: [وَهَذَا مِمَّا دَخَلَ فِي الْأَحْكَامِ السِّتَّةِ، وَقُلْنَا: إِنْ مَوْتَ السَّيِّدِ يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ، وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِهِ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ؟ فَإِنْ أَدَّى الْعَبْدُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إِلَى الْوَارِثِ لَمْ يَعْتِقْ] ، وَإِنْ أَدَّى فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ إِلَى الْوَارِثِ عَتَقَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا إِذَا صَحَّتْ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ وَعَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَإِذَا فَسَدَتْ غَلَبَ فِيهَا الْعِتْقُ بِالصِّفَةِ، وَالْعِتْقُ بِالصِّفَاتِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ.
كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَعْتِقْ بِدُخُولِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَازِمَةٌ إِذَا صَحَّتْ وَمَا لَزِمَ مِنَ الْعُقُودِ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ فَإِذَا فَسَدَتْ لَمْ يَلْزَمْ، وَمَا لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعُقُودِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ كَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا أَخَذَ الْمُكَاتَبُ سَهْمَ الرِّقَابِ فِي الزَّكَاةِ فَأَدَّاهُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ نَظَرَ فَإِنْ أَدَّاهُ بَعْدَ إِبْطَالِهَا، بِمَوْتِهِ، أَوْ بِإِبْطَالِهِ لَهَا فِي حَيَاتِهِ اسْتَرْجَعَ سَهْمَ الرِّقَابِ مِنَ السَّيِّدِ لِخُرُوجِ هَذَا الْعَبْدِ مِنْهُمْ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ حَتَّى أَدَّى فِيهَا سَهْمَ الرِّقَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ يَعْتِقُ بِهِ اسْتَرْجَعَ مِنَ السَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ يَعْتِقُ بِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ: (اسْتَرْجَعَ مِنَ السَّيِّدِ وَلَمْ يَعْتِقِ الْعَبْدُ بِهِ، لِأَنَّ فَسَادَهَا يُخْرِجُهُ مِنْ جُمْلَةِ الرِّقَابِ) وَأَرَى أَنْ لَا يَسْتَرْجِعَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَجْرِي عَلَى فَاسِدِهَا فِي مِلْكِ الِاكْتِسَابِ وَوُقُوعِ الْعِتْقِ بِهِ حُكْمُ الصِّحَّةِ، كَذَلِكَ فِي سَهْمِ الرِّقَابِ.
والله أعلم.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ لَمْ يَمُتِ السَّيِّدُ وَلَكِنَّهُ حُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فَتَأَدَّاهَا مِنْهُ لَمْ يعتق) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً فَجُنَّ السَّيِّدُ، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ وَلَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ وَإِنْ لَمْ تَبْطُلِ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ، لِأَنَّ وُقُوعَ الْحَجْرِ بِالْجُنُونِ وَالسَّفَهِ يُبْطِلُ مَا لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعُقُودِ كَالْوِكَالَاتِ، وَلَا يُبْطِلُ بِهَا مَا لَزِمَ فَيَصِيرُ بُطْلَانُ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ وَاقِعًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِبْطَالُ السَّيِّدِ لَهَا وَالْحَاكِمِ إِنْ سَأَلَهُ.
وَالثَّانِي: مَوْتُ السَّيِّدِ.
وَالثَّالِثُ: وُقُوعُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِجُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ.
فَإِذَا بَطَلَتْ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ وَكَانَ الْعَبْدُ عَلَى رِقِّهِ وَالْمَالُ الْمُؤَدَّى مِلْكًا لِسَيِّدِهِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي دِينَارًا فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ جُنَّ السَّيِّدُ لَمْ يَبْطُلْ مَا عَقَدَهُ مِنْ عِتْقِ عَبْدِهِ بِالدَّيْنَارِ، لِأَنَّ هَذَا لَازِمٌ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ رَفْعُهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ بِالْجُنُونِ، وَجَرَى مَجْرَى الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ فِي لُزُومِهِ وَبَقَائِهِ، بَعْدَ الْجُنُونِ عَلَى حُكْمِهِ وَخَالَفَ حُكْمَ الكتابة الفاسدة من هذا الوجه.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَخْبُولًا عَتَقَ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ لَا تَبْطُلُ بِجُنُونِ الْعَبْدِ وإن بطلت بجنون السيد، فإن جن أو حجر عليه لسنه كَانَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ بَاقِيًا يَعْتِقُ بِهَا بِالْأَدَاءِ كَالْعِتْقِ بِالصِّفَةِ.
وَالْفَرْقُ فِيهَا بَيْنَ جُنُونِهِ، وَجُنُونِ السَّيِّدِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ رَفْعَ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ مَلَكَهُ السَّيِّدُ فَلِذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِجُنُونِ الْعَبْدِ وَإِنْ بَطَلَتْ بِجُنُونِ السَّيِّدِ.
وَالثَّانِي: أنَّ وُقُوعَ الْحَجْرِ عَلَى السَّيِّدِ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ كِتَابَتِهِ، فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ بِوُقُوعِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حَالَ الْعَبْدِ، لِأَنَّ حَجْرَ الرِّقِّ لَا يُؤَثِّرُ فِي كِتَابَتِهِ، كَذَلِكَ حُدُوثُ الْحَجْرِ بِجُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ، لَا يُوجِبُ بُطَلَانَ كِتَابَتِهِ، وَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ بِجُنُونِ الْعَبْدِ وَسَفَهِهِ فَأَدَّاهَا السَّيِّدُ مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ عَتَقَ، فَأَمَّا التَّرَاجُعُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ فَيَنْقَسِمُ حَالُ الْعَبْدِ الْمَجْنُونِ فِي عِتْقِهِ بِالْأَدَاءِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُكَاتِبَهُ السَّيِّدُ كِتَابَةً صَحِيحَةً، ثُمَّ يُجَنَّ الْعَبْدُ فَيُؤَدِّيَ مَالَ كِتَابَتِهِ فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَهَذَا يُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ عَنْ كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ فَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْمُؤَدِّي هُوَ الْمُسْتَحِقُّ بِالْعَقْدِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُكَاتِبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ وَيَتَأَدَّاهَا مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ.
فَهَذَا لَا يُعْتَقُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ وَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمُعَاوَضَاتِ وَلَا مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ ضَمَانُ مَالٍ، فَكَانَتِ الْكِتَابَةُ مَعَهُ بَاطِلَةً، فَتَجَرَّدَ فِيهَا الْعِتْقُ بِالصِّفَةِ الْمَحْضَةِ، وَسَقَطَ فِيهَا حُكْمُ الْبَدَلِ.
وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِمَا أَنْ لَا تَرَاجُعَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ بِأَدَائِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَسْطُورُ الْمَسْأَلَةِ - أَنْ يُكَاتِبَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ كِتَابَةً فَاسِدَةً، ثُمَّ يُجَنَّ الْعَبْدُ، فَيَتَأَدَّاهَا السَّيِّدُ مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ وَيَعْتِقَ بِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحَبِهِ بِشَيْءٍ، وَنَقَلَ الرَّبِيعُ فِي كِتَابِ الْأُمِّ أَنَّ السَّيِّدَ يَرْجِعُ عَلَى عَبْدِهِ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ بِقِيمَتِهِ، وَيَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا تَأَدَّاهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ: أحدهما: لا يتراجعان على نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ، لِأَنَّ مَا اسْتَهْلَكَهُ الْمَجْنُونُ عَنْ مُعَاوَضَةٍ فَاسِدَةٍ لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْمَجْنُونِ، إِذَا اشْتَرَى وَتَسَلَّمَ مَا اشْتَرَى فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ كَانَ عَاقِلًا ضَمِنَهُ فَكَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَتَرَاجَعَانِ الْقِيمَةَ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّبِيعُ لِوُقُوعِ الْعِتْقِ عَنْ كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ، وَجُنُونُهُ فِي الْأَدَاءِ كَالصِّحَّةِ فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمَثَابَتِهِ فِي الْغُرْمِ، فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ اخْتِلَافَ النَّقْلِينَ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُمَا لَا يَتَرَاجَعَانِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَجْنُونًا فِي حَالِ الْكِتَابَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَنَقْلُ الرَّبِيعِ فِي وُجُوبِ التَّرَاجُعِ بَيْنَهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ بَعْدَهَا فِي حَالِ الْأَدَاءِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ نَقْلَ الرَّبِيعِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي وُجُوبِ التَّرَاجُعِ وَنَقْلَ الْمُزَنِيِّ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ زَادَ فِيهِ لَا سَهْوًا مِنْهُ.

وَهَذَا التَّوَهُّمُ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ هُوَ السَّهْوُ، لِأَنَّ وَضْعَ الْكَلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصْحِيحِهِ بِإِثْبَاتٍ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ نَفْيًا، لِعُمُومِ الرُّجُوعِ، وَلَوْ أَرَادَ إِثْبَاتَ الرُّجُوعِ لَقَالَ: وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِالْقِيمَةِ فَعُلِمَ فَسَادُ مَا تَوَهَّمَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَصِحَّةُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ لِصِحَّةِ نَظْمِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ كَانَتْ كِتَابَةً صَحِيحَةً فَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَهُ وَارِثَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَبَاهُ كَاتَبَهُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَحَلَفَ مَا عَلِمَ أَنَّ أَبَاهُ كَاتَبَهُ كَانَ نِصْفُهُ مُكَاتَبًا وَنَصِفُهُ مَمْلُوكًا يَخْدِمُ يَوْمًا وَيُخَلَّى يَوْمًا وَيَتَأَدَّى مِنْهُ الْمُقِرُّ نِصْفَ كُلِّ نَجْمٍ لَا يَرْجِعُ بِهِ أَخُوهُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَتَقَ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَقَرَّ أَنَّهُ عَتَقَ بِشَيْءٍ فَعَلَهُ أَبُوهُ وَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ رَقِيقًا بَيْنَهُمَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي عَبْدٍ مَاتَ سَيِّدُهُ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ أَبَاهُمَا كَاتَبَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي نُجُومٍ وَصَفَهَا، فَلَا يَخْلُو حَالُ الاثنين من ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَدِّقَاهُ فَيَصِيرَ مُكَاتَبًا مِنْ أَبِيهِمَا فَإِنْ أَدَّى إِلَيْهِمَا عَتَقَ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْأَبِ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمَا بِالْإِرْثِ وَإِنْ عَجَزَ رَقَّ وَصَارَ عَبْدًا لَهُمَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُكَذِّبَاهُ فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا بِاللَّهِ إِنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ أن أباهما كاتبه، لأنه يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ فَكَانَتْ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ.
فَإِنْ نَكَلَا عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَحَلَفَ عَلَى الْبَتِّ بِاللَّهِ لَقَدْ كَاتَبَهُ أَبُوهُمَا عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْمَالِ وَالنُّجُومِ، وَثَبَتَتْ كِتَابَتُهُ وَإِنْ نَكَلَ الْمُكَاتَبُ كَانَ عَلَى رِقِّهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُصَدِّقَهُ أَحَدُهُمَا وَيُكَذِّبَهُ الْآخَرُ، فَتَصِيرَ حِصَّةُ الْمُصَدِّقِ مِنْهُ، وَهِيَ النِّصْفُ مُكَاتَبًا وَيَحْلِفَ الْمُكَذِّبُ عَلَى الْعِلْمِ، وَتَكُونَ حِصَّتُهُ وَهِيَ النِّصْفُ رِقًّا، وَإِنَّمَا لَزِمَتِ الْكِتَابَةُ فِي حِصَّةِ الْمُصَدِّقِ بِإِقْرَارِهِ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ فِيهِ يَسْتَضْرُّ بِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصِحُّ كِتَابَةُ بَعْضِهِ، وَهُوَ لَوْ كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا مُكَاتَبَةُ حِصَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ وَفِي جَوَازِهَا بِإِذْنِهِ قَوْلَانِ فَهَلَّا كَانَ كَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ.
قِيلَ: لِأَنَّ كِتَابَةَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ صَاحِبِهِ قُصِدَ بِهَا تَبْعِيضُ أَحْكَامِ الْعَبْدِ مَعَ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَى شَرِيكِهِ فَمُنِعَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا إِذَا صَدَّقَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ مِنْهُ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لَمْ يَبْتَدِئْ فِيهِ تَبْعِيضُ الْأَحْكَامِ، وَإِدْخَالُ الضَّرَرِ فَكَانَ إِقْرَارُهُ مَاضِيًا فَإِذَا نَفَذَ إِقْرَارُ الْمُصَدِّقِ في حقهنظر فَإِنْ كَانَ عَدْلًا جَازَ أَنْ يَشْهَدَ

عَلَى أَخِيهِ بِالْكِتَابَةِ مَعَ عَدْلٍ آخَرَ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَا يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ به عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا فَقُبِلَتْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ يُقْصَدُ بِهَا الْعِتْقُ فَلَمْ تَثْبُتْ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ فَإِذَا شَهِدَ الْآخَرُ مَعَ غَيْرِهِ صَارَتْ حِصَّةُ الْمُكَذِّبِ مُكَاتَبَةً وَكَمَلَتْ كِتَابَةُ جَمِيعِ الْعَبْدِ فَيُؤْخَذُ بِالْأَدَاءِ إِلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُصَدِّقُ عَدْلًا، أَوْ كَانَ عَدْلًا فَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ شَاهِدًا حَلَفَ الْمُكَذِّبُ عَلَى حِصَّتِهِ وَرَقَّتْ.

فَصْلٌ

فَإِذَا صَارَ نِصْفُ الْعَبْدِ مُكَاتَبًا بِإِقْرَارِ الْمُصَدِّقِ، وَنَصِفُهُ مَرْقُوقًا بِيَمِينِ الْمُكَذِّبِ، مَلَكَ الْعَبْدُ نِصْفَ كَسْبِهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْكِتَابَةِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ نَفَقَتِهِ وَمَلَكَ الْمُكَذِّبُ نِصْفَ كَسْبِهِ بِمَا لَهُ فِيهِ مِنْ رِقٍّ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ نَفَقَتِهِ، ثم للمكذب والعبد ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ لِيَكْتَسِبَ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِيهِ، وَيَكْتَسِبَ لِلْمُكَذِّبِ يَوْمًا وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِيهِ، فَهَذَا جَائِزٌ وَيَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَسْبِ يَوْمِهِ وَالْتِزَامِ النَّفَقَةِ فِيهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْكَسْبِ وَالْتِزَامِ النَّفَقَةِ فَيَجُوزَ وَيَكُونَ النِّصْفُ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ مَعَ الْتِزَامِ النِّصْفِ مِنْ نَفَقَتِهِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلْمُكَذِّبِ مَعَ الْتِزَامِ النِّصْفِ مِنَ النَّفَقَةِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْعُوَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْمُهَايَأَةِ وَيَمْتَنِعَ الْآخَرُ مِنْهَا فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمُمْتَنِعِ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُعَجَّلٌ فِي الْكَسْبِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَأْخِيرُهُ بِالْمُهَايَأَةِ.
فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَمْرُهُ فِي الْكَسْبِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ مُهَايَأَةٍ أَوِ اشْتِرَاكٍ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ فَيَعْتِقَ أَوْ يَعْجِزَ فَيَرِقَّ.
فَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ صَارَ جَمِيعُهُ مَرْقُوقًا، وَمَا أَخَذَهُ الْمُصَدِّقُ مِنْ أَدَائِهِ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ بِهِ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِهِ لَا حَقَّ فِيهِ لِأَخِيهِ الْمُكَذِّبِ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ الْكَسْبِ مَا قَابَلَ حَقَّهُ، وَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ صَارَ نِصْفُهُ حُرًّا، وَنِصْفُهُ مَمْلُوكًا، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَى الْمُصَدِّقِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْنِفِ الْعِتْقَ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَ فِعْلَ غَيْرِهِ فِيهِ فَصَارَ كَعَبْدٍ ادَّعَى بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَصَدَّقَهُ أَحَدُ ابْنَيْهِ وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ عُتِقَتْ حِصَّةُ الْمُصَدِّقِ، وَلَمْ تُقَوَّمْ عَلَيْهِ حِصَّةُ الْمُكَذِّبِ ثُمَّ الْكَلَامُ بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي نِصْفِهِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْوَلَاءِ.
وَالثَّانِي: فِي الْمِيرَاثِ.
فَأَمَّا الْوَلَاءُ فِي النِّصْفِ الَّذِي انْعَتَقَ فَيَكُونُ لِلْأَبِ، لِأَنَّهُ عَتَقَ عَنْ كِتَابَتِهِ، وَهَلْ يَنْفَرِدُ، بِهِ الْمُصَدِّقُ، أَوْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ وَلَاءٌ مِلْكُهُ لِلْأَبِ فَانْتَقَلَ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ ابْنَاهُ، وَلَا يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا كَمَا لَوْ تَحَرَّرَ عِتْقُ جَمِيعِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ الْمُصَدِّقُ بِوَلَاءِ النِّصْفِ كُلِّهِ، لِأَنَّ أَخَاهُ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَمْلِكَ وَلَاءَ النِّصْفِ الْبَاقِي لَوْ صَدَّقَ وَقَدْ صَارَ إِلَيْهِ بِالتَّكْذِيبِ رِقُّ بَاقِيهِ فَلَمْ يَمْلِكِ الْوَلَاءَ فِي حَقِّ أَخِيهِ، وَجَرَى مَجْرَى أَخَوَيْنِ حَلَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى دَيْنٍ لِأَبِيهِ مَعَ شَاهِدٍ أَقَامَهُ وَنَكَلَ الْآخَرُ، اخْتَصَّ الْحَالِفُ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَلَمْ يُشَارِكْهُ الْأَخُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا فِي تَرِكَةِ أَبِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مِثْلِ مَا صَارَ إِلَى أَخِيهِ لَوْ حَلَفَ.
وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فِي مَوْتِ هَذَا الَّذِي قَدْ عَتَقَ نِصْفُهُ وَرَقَّ نَصِفُهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُورَثُ مَا لَمْ تَكْمُلْ حُرِّيَّتُهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُكَذِّبِ الْمَالِكِ لِرِقٍّ نِصْفِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ مَوْرُوثًا بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ فَيَكُونُ نِصْفُهُ لِلْمُكَذِّبِ مِلْكًا بِحَقِّ الرِّقِّ، وَالنِّصْفُ الْمُقَابِلُ لِحُرِّيَّتِهِ لِوَلَدِهِ إِنْ كَانَ لَهُ، لِأَنَّ النَّسَبَ فِي الْمِيرَاثِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلَاءِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مُنَاسِبٌ انْتَقَلَ بِالْوَلَاءِ إِلَى مَالِكِ الْوَلَاءِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ الْمُصَدِّقِ مِنْهُمَا وَالْمُكَذِّبِ كَانَ مِيرَاثُ النِّصْفِ بَيْنَهُمَا، لِكَوْنِ الْوَلَاءِ لَهُمَا وَاخْتُصَّ الْمُكَذِّبُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ مِلْكًا، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ لِلْمُصَدِّقِ كَانَ مِيرَاثُ النِّصْفِ لَهُ خَاصَّةً، وَصَارَ مَا خَلَّفَهُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا شَرِكَةً نِصْفُهُ بِالْمِلْكِ لِلْمُكَذِّبِ وَنِصْفُهُ بالإرث للمصدق.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ وَرِثَا مُكَاتَبًا فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَهُوَ برئ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الْكِتَابَةِ فَإِنْ أَدَّى إِلَى أَخِيهِ نَصِيبَهُ عَتَقَ وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْأَبِ وَإِنْ عَجَزَ قُوِّمَ عَلَيْهِ وَعَتَقَ إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَوَلَاؤُهُ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فِنِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ لِأَخِيهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَعْتِقُ نِصْفُهُ عَجَزَ أَوْ لَمْ يَعْجِزْ وَوَلَاؤُهُ لِلْأَبِ لِأَنَّهُ الَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدَهُ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَتَرَكَ ابْنَيْنِ لَمْ تَبْطُلِ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِهِ لِلُزُومِهَا فِي حَقِّهِ، وَمَا لَزِمَ مِنَ الْعُقُودِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ كَالْبُيُوعِ.
وَعَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَالَ الْكِتَابَةِ إِلَى الِابْنَيْنِ، لِقِيَامِهِمَا فِيهَا مَقَامَ الْأَبِ، وَلَيْسَ لَهُمَا فَسْخُهَا لِأَنَّ مَا لَزِمَ الْأَبَ كَانَ لَهُمَا أَلْزَمَ.
فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِمَا مَا عَلَيْهِ عَتَقَ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْأَبِ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمَا بِالْإِرْثِ وَإِنْ عَجَزَ وَاسْتَرَقَاهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمَا.

فَأَمَّا إِنْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا حِصَّتَهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ نَصِيبِهِ عَتَقَ وَبَرِئَ وَكَانَ عِتْقُهُ إِبْرَاءً، وَإِبْرَاؤُهُ عِتْقًا لِاقْتِرَانِ الْمَالِ بِالرِّقِّ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِبْرَاءِ وَالْعِتْقِ مَقَامَ صَاحِبِهِ، وَسَاوَاهُ فِي حُكْمِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعْتِقُ بِالْإِبْرَاءِ نَصِيبُ الْمُبَرِّئِ وَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى كِتَابَتِهِ لِأَنَّهُمَا مَعًا يَقُومَانِ مَقَامَ الْأَبِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَبَ لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ نِصْفِ كِتَابَتِهِ لَمْ يُعْتَقْ فَكَذَلِكَ إِذَا أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ وَهُوَ النِّصْفُ لَمْ يُعْتَقْ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الِابْنَ قَدْ أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ حَقِّهِ فَشَابَهَ الْأَبَ، إِذَا أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ كِتَابَتِهِ وَشَابَهَ إِبْرَاءَ الْأَبِ مِنْ بَعْضِ الْكِتَابَةِ أَنْ يُبْرِئَهُ الِابْنُ مِنْ بَعْضِ نَصِيبِهِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا أَعْتَقَ فَبَرِئَ أَوْ أُبْرِئَ فَعَتَقَ، فَفِي تَقْوِيمِ بَاقِيهِ عَلَى مُعْتِقِهِ وَمُبْرِئِهِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا قَوْلَانِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمَا، وَنَقَلَهُمَا الْمُزَنِيُّ إِلَى جَامِعِهِ الْكَبِيرِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْبَاقِي عَلَى كِتَابَتِهِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْعِتْقِ كَانَ مِنَ الْأَبِ، وَلِذَلِكَ كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ وَالْوَارِثُ إِنَّمَا وَرِثَ الْمَالَ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَصِيرَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ بِالْعَجْزِ، فَإِذَا أَبْرَأَ أَوْ أَعْتَقَ، كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَنْفِيذًا لِعِتْقِ الْأَبِ، وَتَعْجِيلًا لِمَا أَخَّرَهُ فَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَبِيهِ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَى الْأَبِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ بِالْمَوْتِ، فَعَلَى هَذَا تَعْتِقُ حِصَّةُ الْمُبَرِّئِ فِي حَالِ الْإِبْرَاءِ وَالْعِتْقِ، وَيَكُونُ نِصْفُهُ الْبَاقِي عَلَى كِتَابَتِهِ يُؤَدِّيهَا إِلَى الْأَخِ فَإِنْ أَدَّاهَا عَتَقَ نِصْفُهُ الْبَاقِي وَصَارَ جَمِيعُهُ حُرًّا وَوَلَاؤُهُ لِلْأَبِ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمَا بِالْإِرْثِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَاقِي كِتَابَتِهِ، رَقَّ نِصْفُهُ، وَكَانَ مَلِكًا لِلْأَخِ، وَكَانَ وَلَاءُ نِصْفِهِ الْمُعْتَقِ لِلْأَبِ، وهل ينفرد به المعتق، أو يكون شركة بَيْنَهُمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ مَضَيَا: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ عَنِ الْأَبِ إِرْثًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ خَاصَّةً، لِأَنَّ أَخَاهُ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مِلْكِ مِثْلِهِ لَوْ عَجَّلَ الْعِتْقَ، أَوِ الْإِبْرَاءِ فَلَمَّا اخْتَارَ رِقَّهُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالرِّقِّ وَيُشَارِكَ فِي الْوَلَاءِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ وَأَكْثَرِ كُتُبِهِ أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَى الْمُعْتِقِ بَاقِيهِ، لأنه يتعجيل الْعِتْقِ عَادِلٌ عَنْ عِتْقِ الْأَبِ فَصَارَ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا بِحُكْمِ سَرَايَتِهِ لِعِتْقِهِ وَيَسَارِهِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَتَعَجَّلُ بِسَرَايَةِ عِتْقِهِ فِي الْحَالِ، أَوْ تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْعَجْزِ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَتَعَجَّلُ السِّرَايَةُ لِطُرُوئِهَا عَلَى مَحَلٍّ يَسْرِي فِيهِ الْعِتْقُ، فَصَارَتْ كَالسِّرَايَةِ فِي عِتْقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى عَجْزِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّ حَقَّ الْأَبِ فِي عِتْقِهِ وَمِلْكِ وَلَائِهِ أَسْبَقُ فَلَمْ يَجُزْ إِبْطَالُهُ إِلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا بِتَعْجِيلِ السِّرَايَةِ

أَخَذَ الْمُعْتِقُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ أَخِيهِ فِي وَقْتِ عِتْقِهِ، وَبِمَاذَا يَقَعُ الْعِتْقُ فِي هَذَا النِّصْفِ الْمُقَوَّمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: بِلَفْظِ الْمُعْتِقِ، وَيَكُونُ مَأْخُوذًا بِالْقِيمَةِ بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَقَعُ بِاللَّفْظِ وَأَدَاءِ الْقِيمَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ النِّصْفُ قَبْلَ دَفْعِ قِيمَتِهِ عَلَى رِقِّهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ عِتْقَهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا مُرَاعًى فَإِنْ دُفِعَتِ الْقِيمَةُ بَانَ أَنَّهُ وَقَعَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ، وَعَلَى أَيِّ الْأَقَاوِيلِ عَتَقَ فَوَلَاءُ هَذَا النِّصْفِ الْمُقَوَّمِ يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ عَتَقَ بِالتَّقْوِيمِ عَلَيْهِ لَا بِالْكِتَابَةِ.
فَأَمَّا وَلَاءُ نِصْفِهِ الَّذِي أَعْتَقَهُ فَلِلْأَبِ وَهَلْ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُعْتِقُ، أَوْ يَكُونُ شَرِكَةً بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ؟ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ السِّرَايَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْعَجْزِ انْتَظَرَ بِهَا أَدَاءَ الْمُكَاتَبِ فَإِنْ أَدَّى كِتَابَةَ بَاقِيهِ، عَتَقَ وَلَا تَقْوِيمَ فِيهِ، وَكَانَ جَمِيعُ وَلَائِهِ لِلْأَبِ يَنْتَقِلُ إِلَى الْأَخَوَيْنِ نِصْفَيْنِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ كِتَابَةِ بَاقِيهِ، قُوِّمَ حِينَئِذٍ لِوَقْتِهِ، وَوَقَعَ الْعِتْقُ هَاهُنَا بِاللَّفْظِ مَعَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ بَعْدَ اللَّفْظِ امْتَنَعَ أَنْ يَقَعَ بِهِ، وَلَمَّا وَقَفَ عَلَى أَدَاءِ الْكِتَابَةِ دُونَ الْقِيمَةِ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُرَاعًى بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِأَدَائِهَا مَعَ اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهَا.
وَإِذَا كَانَ بِذَلِكَ كَانَ وَلَاءُ نِصْفِهِ الْمُقَوَّمِ مُخْتَصًّا بِهِ لَا حَقَّ فِيهِ لِأَخِيهِ وَفِي وَلَاءِ مَا بَاشَرَهُ مِنَ الْعِتْقِ وَالْإِبْرَاءِ وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى.
فَيَصِيرُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مَالِكًا لِجَمِيعِ وَلَائِهِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي مَالِكًا لِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ إِنْ بَاعَهُ، وَأَخُوهُ مَالِكًا لِرُبُعِهِ.
وَاللَّهُ أعلم بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
لَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٌ وَالزَّهْرِيُّ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كُتِبَتْ صَحِيفَةُ الْمُكَاتَبِ عَتَقَ بِهَا، وَكَانَ غَرِيمًا بِمَا عَلَيْهِ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَدَّى قَدْرَ قِيمَتِهِ عَتَقَ وَكَانَ غَرِيمًا بِمَا فَضَلَ عَنْهَا.

وَحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيَرِقُّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ.
وَحُكِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَدَّى ثُلُثَ كِتَابَتِهِ، عَتَقَ وَكَانَ غَرِيمًا بِالْبَاقِي.
وَحُكِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ عَتَقَ، وَكَانَ غَرِيمًا بِالْبَاقِي.
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ أَقَاوِيلِهِمْ بِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ حُرٍّ وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ عَبْدٍ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِتْقَهُ لَا يَقِفُ عَلَى أَدَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ.
وَدَلِيلُنَا: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ". وَهَذَا نَصٌّ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَيُّمَا عَبْدٍ كُوتِبَ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةَ أَوَاقٍ فَهُوَ عَبْدٌ أَوْ قَالَ: كُوتِبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ " وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ يَغْلِبَ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ، فَتَجْرِيَ مَجْرَى الْبَيْعِ، أَوْ يَغْلِبَ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ، فَتَجْرِيَ مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ فَإِنْ جَرَتْ مَجْرَى الْبَيْعِ فَالْبَيْعُ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِتَسْلِيمِ جَمِيعِ ثَمَنِهِ وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ لَمْ تَقَعْ إِلَّا بِوُجُودِ جَمِيعِ الصِّفَةِ فَبَطَلَ بِهَذَا مَا قَالُوهُ.
فَأَمَّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ مَعَ ضَعْفِهِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ دِيَتَهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَعْتِقُ مِنْهُ، وَيَكُونُ إِنْ صَحَّ مَحْمُولًا عَلَى عِتْقِ أَحَدِ الِابْنَيْنِ عَلَى مَا مَضَى.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ إِلَّا بِجَمِيعِ الْأَدَاءِ فَعَقَدَ السَّيِّدُ الْكِتَابَةَ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا أَدَّى مِنْهُمَا نَجْمًا، عَتَقَ مِنْهُ بِقِسْطِهِ كَانَتِ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً لِاقْتِرَانِهَا بِشَرْطٍ يُنَافِيهَا، فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ نَجْمًا مِنْهَا عَتَقَ مِنْهُ بِقِسْطِهِ، لِوُجُودِ الصِّفَةِ فِيهِ وَسَرَى الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ وَرَجَعَ السَّيِّدُ إِلَى مُكَاتَبِهِ، وَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ أَفْضَتْ إِلَى عِتْقِ جَمِيعِهِ، وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أداه إليه.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْبَعْضِ الَّذِي عَتَقَ مِنْهُ بِالصِّفَةِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا عَتَقَ بِالسِّرَايَةِ لِاخْتِصَاصِ الْعِتْقِ فِي الْكِتَابَةِ بالصفة دون السراية.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَوَلَدٌ مَاتَ عَبْدًا وَلَا يُعْتَقُ بَعْدَ الْمَوْتِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ فَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ الْفَسْخَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْعَجْزِ كَالْبَيْعِ الَّذِي لَا يُفْسَخُ بَعْدَ لُزُومِهِ إِلَّا بِعَيْبٍ.
وإِذَا أَرَادَ الْمُكَاتَبُ الْفَسْخَ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَكِنَّهُ يَمْلِكُ الِامْتِنَاعَ مِنَ الْأَدَاءِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ بِهِ السَّيِّدُ الْفَسْخَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ كَلُزُومِهَا مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ وَيُجْبَرُ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْأَدَاءِ إِذَا وَجَدَ وَفَاءً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَقَدِ اخْتَلَفَا فِي إِجْبَارِهِ عَلَى الْكَسْبِ، فَقَالَ مَالِكٌ، يُجْبَرُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ.
وَاسْتَدَلَّا عَلَى لُزُومِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَقْدَ الْمُعَاوَضَةِ إِذَا لَزِمَ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ لَزِمَ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ كَالْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِوَضَ إِذَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعِتْقِ لَزِمَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَلْفٍ لَزِمَتْهُ الْأَلْفُ.
وَدَلِيلُنَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالَ إِذَا لَزِمَ صَحَّ ضَمَانُهُ، وَضَمَانُ مَالِ الْكِتَابَةِ عَنِ الْمُكَاتَبِ لَا يَصِحُّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَالَ إِذَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعِتْقِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُ الْأَلْفِ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِلُزُومِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، فَلِأَنَّ جَوَازَ ضَمَانِهِ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِهِ، وَضَمَانَ مَالِ الْكِتَابَةِ لَا يَصِحُّ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِبَيْعِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ ضَمَانِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا وَمَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ الْأَدَاءِ مَاتَ عَبْدًا [سَوَاءٌ كَانَ الْبَاقِي قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، تَرَكَ وَفَاءً أَوْ لَمْ يَتْرُكْ، خَلَّفَ وَلَدًا أَوْ لَمْ يُخَلِّفْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ لَمْ

يُخَلِّفْ وَفَاءً مَاتَ عَبْدًا، وَإِنْ خَلَّفَ وَفَاءً عَتَقَ بِآخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، وَمَاتَ حُرًّا وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا مَاتَ عَبْدًا] . وَإِنَّ خَلَّفَ وَلَدًا مَمْلُوكًا وُلِدَ فِي كِتَابَتِهِ مِنْ أَمَتِهِ أُجْبِرَ عَلَى الْأَدَاءِ إِنْ خَلَّفَ وَفَاءً، لِيَعْتِقَ بِأَدَائِهِ فَيَتْبَعَهُ فِي عِتْقِهِ، وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً أُجْبِرَ عَلَى الْكَسْبِ، لِيُؤَدِّيَهُ فَيَعْتِقَ بِهِ تَبَعًا لِأَبِيهِ.
وَلَوْ تَرَكَ الْمُكَاتَبُ، وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا حُرٌّ وَالْآخَرُ مَمْلُوكٌ كَانَ مِيرَاثُهُ لِوَلَدِهِ الْمَمْلُوكِ دُونَ الْحَرِّ لِيُؤَدِّيَهُ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَا لَمْ يَنْفَسِخْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنَ، لَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِ الْآخَرِ كَالْبَيْعِ، لِأَنَّ مَنْ تَمَّتْ بِهِ الْكِتَابَةُ لَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ كَالسَّيِّدِ.
وَلِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ فِي حَيَاتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَالدَّيْنِ.
وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الْعِتْقَ وَالْإِبْرَاءَ يَقُومَانِ فِي عِتْقِ الْمُكَاتَبِ مَقَامَ الْأَدَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُعْتَقْ بِإِبْرَائِهِ وَعِتْقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَعْتِقَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ مَا عَتَقَ بِهِ الْمُكَاتَبُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَمْ يَعْتِقْ بِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ كَالْإِبْرَاءِ وَالْعِتْقِ.
وَلِأَنَّ مَوْتَ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْأَدَاءِ يَقْتَضِي أَنْ يَمُوتَ عَبْدًا كَالَّذِي لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، وَلَا وَلَدًا، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِآخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، أَوْ يَتَعَلَّقَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِآخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ تَحْرِيرُ عِتْقٍ قَبْلَ وُجُودِ الْأَدَاءِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَبْدًا لَمْ يُعْتَقْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَلْفِظْ سَيِّدُهُ بِالْعِتْقِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْبَيْعِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْفَسِخْ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْإِعْسَارِ لَمْ يَنْفَسِخْ بِالْيَسَارِ.
وَلَمَّا انْفَسَخَتِ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِ الْمُعْسِرِ انْفَسَخَتْ بِمَوْتِ الْمُوسِرِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَوْتِ السَّيِّدِ مَعَ افْتِرَاقِهِمَا بِمَا ذَكَرْنَا فِي اللُّزُومِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ السَّيِّدَ مَوْرُوثٌ فَجَازَ أَنْ يَقُومَ وَارْثُهُ مَقَامَهُ فِي بَقَاءِ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِ وَالْمُكَاتَبَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ فَانْقَطَعَ بِمَوْتِهِ حُكْمُ مَا لَمْ يُبْرِمْ مِنْ عُقُودِهِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِتَعَلُّقِهِ فِي ذِمَّتِهِ كَالدَّيْنِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ

بِتَرِكَتِهِ حَقُّ وَرَثَتِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ دَيْنُ كِتَابَتِهِ أَلَا تَرَى لَوْ تَرَكَ أَقَلَّ مِنَ الْوَفَاءِ، لَمْ يُورَثْ عَنْهُ، وَصَارَ إِلَى سَيِّدِهِ ملكا.
والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ جَاءَهُ بِالنَّجْمِ فَقَالَ السَّيِّدُ هُوَ حَرَامٌ أَجْبَرْتُ السَّيِّدَ عَلَى أَخْذِهِ أَوْ يُبْرِئُهُ مِنْهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا دَفَعَ الْمُكَاتَبُ مَالَ نَجْمٍ مِنْ كِتَابَتِهِ إِلَى سَيِّدِهِ فَقَالَ السَّيِّدُ: هُوَ حَرَامٌ، لِأَنَّهُ مِنْ غَصْبٍ، أَوْ رِبًا وَقَالَ الْمُكَاتَبُ بَلْ هُوَ مَالِي، وَحَلَالٌ لِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ مَعَ يَمِينِهِ دُونَ السَّيِّدِ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ مِلْكِهِ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ وَهُوَ فِي يَمِينِهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَغْصُوبٍ وبين أن يحلف انه ملكه، فإذن حَلَفَ قِيلَ لِلسَّيِّدِ إِمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ، أَوْ تُبَرِّئَهُ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ الْمُفْلِسُ إِذَا حَلَفَ عَلَى مَالٍ ادَّعَاهُ فَأَكْذَبَهُ فِيهِ بَعْضُ غُرَمَائِهِ وَحُكِمَ لَهُ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ يُقَسِّمُهُ بَيْنَ مَنْ صَدَّقَهُ مِنْ غُرَمَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ أَكْذَبَهُ فِيهِ حَقٌّ، لِاعْتِرَافِهِ بِتَحْرِيمِهِ فَهَلَّا كَانَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ كَذَلِكَ.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُفْلِسَ لَا يَسْتَضِرُّ بِامْتِنَاعِ بَعْضِ غُرَمَائِهِ مِنْ أَخْذِهِ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَالْمُكَاتَبَ يَسْتَضِرُّ بِامْتِنَاعِ سَيِّدِهِ مِنْ أَخْذِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ أُجْبِرَ السَّيِّدُ عَلَى أَخْذِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجْبَرْ غَرِيمُ الْمُفْلِسِ.
وَمِثَالُ الْمُكَاتَبِ مِنَ الْمُفْلِسِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا غَرِيمٌ وَاحِدٌ قَدِ اعْتَرَفَ بِتَحْرِيمِهِ فَيُجْبَرَ عَلَى أَخْذِهِ، أَوْ إِبْرَائِهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَضِرُّ فِي الْغَرِيمِ الْوَاحِدِ بِتَرْكِ أَخْذِهِ كَالْمُكَاتَبِ فَصَارَا سَوَاءً.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى أَخْذِهِ فَلَا يَخْلُو حاله فيه من ثلاثة أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذَهُ وَإِمَّا أَنْ يُبْرِئَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْأَخْذِ وَالْإِبْرَاءِ.
فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ الْمَالَ بَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ آخِرِ نُجُومِهِ عَتَقَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ تَضَاعِيفِهَا كَانَ عِتْقُهُ مُعَلَّقًا بِأَدَاءِ مَا بَقِيَ، فَإِذَا صَارَ الْمَالُ فِي يَدِ السَّيِّدِ نَظَرَ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ تَحْرِيمِهِ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مُسْتَحِقَّهُ كَانَ مُقَرًّا فِي يَدِهِ عَلَى مُسْتَحَقِّهِ، وَلَا يُجْعَلُ مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزَعْ مِنْ يَدِهِ.
وَإِنْ سَمَّى مُسْتَحِقَّهُ فَقَالَ: هُوَ مَغْصُوبٌ مِنْ زَيْدٍ لَزِمَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى زَيْدٍ، لِاعْتِرَافِهِ لَهُ بِمَا صَارَ فِي يَدِهِ، وَلِأَنَّهُ سَمَّى فَصَارَ كَرَجُلٍ أَقَرَّ بِدَارٍ فِي يَدِ أَبِيهِ أَنَّهَا غَصْبٌ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ فَصَارَتِ الدَّارُ إِلَيْهِ، لَزِمَهُ رَدُّهَا عَلَى مَنِ اعْتَرَفَ بِغَصْبِهَا مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ رَهَنَ رَجُلٌ عَبْدًا فَادُّعِيَتْ عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةٌ صُدِّقَ عَلَيْهَا

الْمُرْتَهِنُ وَكُذِّبَ الرَّاهِنُ، فَأَحْلَفَ الرَّاهِنَ عَلَيْهَا وَبِيعَ الْعَبْدُ، ثُمَّ دُفِعَ ثَمَنُهُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إِلَى مَنْ صَدَّقَهُ عَلَى دَعْوَى الْجِنَايَةِ، فَهَلَّا كَانَ فِي سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ كَذَلِكَ: قِيلَ: لِأَنَّ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ يَتَعَيَّنُ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَزِمَ السَّيِّدَ رَدُّهُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَلَمْ يَلْزَمِ الْمُرْتَهِنَ رَدُّهُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْبِضِ السَّيِّدُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَبْرَأَ مِنْهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ شَاهِدًا عَلَى مُكَاتَبَةِ بَعْضِهِ، وَلَوْ لَمْ يُبَرِّئْهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا قَبْلَ الْإِبْرَاءِ ضَرَرًا، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا بَعْدَهُ ضَرَرًا، وَتَجُوزُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، إِذَا سُمِّيَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، وَلَا تَجُوزُ إِنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ إِذَا لم تجز الشهادة، وإذا لَمْ يَقْبِضِ السَّيِّدُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا أَبْرَأَهُ فَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَسْتَعْدِيَ الْحَاكِمَ عَلَى سَيِّدِهِ حَتَّى يَأْمُرَهُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قَبْضٍ أَوْ إِبْرَاءٍ.
فَإِنْ أَقَامَ عَلَى امْتِنَاعِهِ نَابَ الْحَاكِمُ عَنْهُ في القبض دون الإ [راء لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إِسْقَاطٌ وَالْقَبْضَ اسْتِيفَاءٌ، فَإِذَا قَبَضَهُ الْحَاكِمُ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ سَمَّى الْمَغْصُوبَ مِنْهُ سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ إِذَا طَالَبَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ اسْتَبْقَاهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِهِ، أَوْ فِي يَدِ أَمِينٍ مِنْ أُمَنَائِهِ، فَإِنْ جَاءَ مُدَّعِيهِ بِبَيِّنَتِهِ أَقَامَهَا عَلَى غَصْبِهِ مِنْهُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ.
وَإِنْ جَاءَ السَّيِّدُ مُطَالِبًا بِإِقْرَارِهِ فِي يَدِهِ، لَمْ يَدْفَعْهُ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي قَبْضَتِهِ لَمْ يَنْتَزِعْهُ مِنْهُ إِلَّا مَالِكٌ، وَإِذَا صَارَ فِي يَدِ الْحَاكِمِ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَّا إِلَى مَالِكٍ وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ فَأُخِذَ بِإِقْرَارِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ فِي حق غيره.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إِنْ شَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِأَمْرِهِ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَأْمِرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ) وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ، وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ اسْتِهْلَاكُ ما بِالْتِزَامِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَالْمُكَاتَبُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي التَّزْوِيجِ جَازَ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَلَوْ أَرَادَتِ الْمُكَاتَبَةُ أَنْ تُخَالِعَ زَوْجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِهْلَاكِ الْمَالِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهَا السَّيِّدُ فِي الْخُلْعِ، فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهَا، لَا يَعْدُوهَا.
فَعَلَى هَذَا يَسْتَوِي حُكْمُ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ فِي جَوَازِهِمَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فِيهِ لِضِعْفِ إِذْنِهِ مَعَهَا.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخُلْعِ وَالنِّكَاحِ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ قَدْ يَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَى النِّكَاحِ، فَجَازَ وَالْمُكَاتَبَةَ غَيْرُ مُضْطَرَّةٍ إِلَى الْخُلْعِ فَلَمْ يَجُزْ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يَتَسَرَّى بِحَالٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ الْإِمَاءَ لِلتِّجَارَةِ وَاكْتِسَابِ الرِّبْحِ، لِأَنَّ التِّجَارَةَ فِيهِنَّ جَائِزَةٌ.
فَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا، وَيَسْتَمْتِعَ بِإِصَابَتِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، لِضَعْفِ حُكْمِهِ وَقُصُورِ تَصَرُّفِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي إِصَابَتِهَا وَالتَّسَرِّي بِهَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَبْدِ، هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ، أَمْ لَا؟ فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ مَلَكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ، لِأَنَّ التَّسَرِّيَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي مِلْكٍ، وَلَيْسَ الْمُكَاتَبُ مَالِكًا.
وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ، إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ، فَيَجُوزُ تَسَرِّيهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، كَالنِّكَاحِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِمَا فَاسْتَوَيَا.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ فِي جَوَازِهِمَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ قَوْلَيْنِ كَالْهِبَةِ، وَلَيْسَ هَذَا التَّخْرِيجُ صَحِيحًا، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهِبَةَ اسْتِهْلَاكُ مِلْكٍ عَاجِلٍ، وَالنِّكَاحَ وَالتَّسَرِّيَ قَدْ يُفْضِي إِلَى الِاسْتِهْلَاكِ وَلَا يُفْضِي.
وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّرُورَةَ مَفْقُودَةٌ فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ تُوجَدُ فِي التَّسَرِّي وَالنِّكَاحِ.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: (فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَتْ فِي حُكْمِ أُمِّ وَلَدِهِ وَإِنْ وَضَعَتْ لِأَقَلَّ فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ إِلَّا بِوَطْءٍ بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَهُ بَيْعُهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا وَطِئَ الْمُكَاتَبُ أَمَةً، قَدِ اشْتَرَاهَا فِي كِتَابَتِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي وَطْئِهَا، وَلَا مَهْرَ، سَوَاءٌ جَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ مَنَعَ مِنْهُ، أَمَّا سُقُوطُ الْحَدِّ فَلِوُجُودِ الشُّبْهَةِ فِي تَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا أَوْ غَيْرَ مَالِكٍ، وَأَمَّا سُقُوطُ الْمَهْرِ فَلِأَنَّ مَهْرَهَا مِنْ كَسْبِهِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَهْرٌ، فَإِنْ أَحْبَلَهَا وَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةِ مِلْكٍ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْنِ مَمْلُوكَيْنَ، وَلَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ أَبَوَيْهِ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَى الْأَبِ بِالْمِلْكِ لِبَقَاءِ الْأَبِ عَلَى رِقِّهِ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ بَيْعُهُ لِحُرْمَةِ نَسَبِهِ، وَيَكُونُ تَبَعًا لَهُ فِي الْكِتَابَةِ يُعْتَقُ بِعِتْقِهِ، وَيَرِقُّ بِرِقِّهِ، وَهَلْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، لِأَنَّهَا عَلَقَتْ بِهِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، فَلَمْ تَنْتَشِرْ حُرْمَتُهُ إِلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا فِي كِتَابَتِهِ وَبَعْدَ عِتْقِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، لِأَنَّ لِوَلَدِهَا فِي الْحَالِ حُرْمَةً تَمْنَعُ مِنْ

جَوَازِ بَيْعِهِ، فَانْتَشَرَتْ حُرْمَتُهُ إِلَيْهَا فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهَا، فَعَلَى هَذَا يُوقَفُ أَمْرُهَا عَلَى عِتْقِهِ ورقه.
فَإِنْ عَتَقَ حَرُمَ بَيْعُهَا، وَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ صَارَتْ هِيَ وَوَلَدُهَا مِلْكًا لِلسَّيِّدِ، تَبَعًا لِرِقِّ الْمُكَاتَبِ، وَلَهُ بَيْعُ جَمِيعِهِمْ، هَذَا إِذَا كَانَ وَضْعُهَا لِلْوَلَدِ قَبْلَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ.
فَأَمَّا إِذَا وَضَعَتْ وَلَدًا بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مَمْلُوكٌ فِي حَالِ الْعُلُوقِ وَحُرٌّ فِي وَقْتِ الْوِلَادَةِ، فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِأَبِيهِ لِعِتْقِ الْوَلَدِ بَعْدَ رِقِّهِ، وَهَلْ تَصِيرُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ أَمْ لَا؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَإِنْ وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُلُوقُهُ مُتَقَدِّمًا فِي الرِّقِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُدُوثِهِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَقَدُّمِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْيَقِينِ دُونَ الشَّكِّ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ، لأنه لم يجر عَلَيْهِ رِقٌّ، وَتَكُونُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهَا عَلَقَتْ بِحُرٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَيُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى أَنْ يَضَعَ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ الله الذي آتاكم﴾ وَهَذَا عِنْدِي مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَاحْتَجَّ بِابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَوَضَعَ عَنْهُ خَمْسَةَ آلَافٍ أَحْسَبُهُ قَالَ مِنْ آخِرِ نُجُومِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، يَجِبُ عَلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا، إِمَّا إِبْرَاءً مِنْهُ أَوْ رَدًّا عَلَيْهِ مِمَّا أَخَذَ مِنْهُ، تَخْفِيفًا عَنْهُ وَمَعُونَةً لَهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ طَوْعًا وَإِلَّا أُخِذَ بِهِ جَبْرًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ) . وَلَوْ كَانَ الْإِيتَاءُ وَاجِبًا لِعِتْقٍ مَعَ بَقَاءِ ذَلِكَ الدِّرْهَمِ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهِ.
وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ مُعَاوَضَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ شَيْئًا غَيْرَ مَشْرُوطٍ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْآخَرُ كَالْبَيْعِ طَرْدًا لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، إِلَّا مَا شَرَطَهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ، وَشَرَطَهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمُثَمَّنِ، وَكَالنِّكَاحِ عَكْسًا، لَمَّا اسْتَحَقَّتِ الزَّوْجَةُ فِيهِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ مِنَ الْمُتْعَةِ اسْتَحَقَّ الزَّوْجُ فِيهِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ، مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ بِالطَّلَاقِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ.

قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِالشَّرْعِ لَتَقَدَّرَ بِهِ كَالزَّكَاةِ، فَدَلَّ تَرْكُ تَقْدِيرِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ يُفْضِي إِلَى جَهَالَةِ الْبَاقِي، فَتَصِيرُ الْكِتَابَةُ بِمَجْهُولٍ.
وَالْعِوَضُ الْمَجْهُولُ تَبْطُلُ بِهِ الْكِتَابَةُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجِبَ في الشرع، ولأنه وُجُوبَهُ مُعْتَبَرٌ بِصِفَةِ الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ إِذَا أَدَّى آخِرَهَا فَهُوَ حُرٌّ، فَإِذَا أَسْقَطَ عَنْهُ قَدْرَ الْإِيتَاءِ لَمْ تَكْمُلِ الصِّفَةُ، وَلَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِيتَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] فَأَمَرَ بِالْإِيتَاءِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ بِالْإِيتَاءِ مُقْتَرِنٌ بِالْأَمْرِ بِالْكِتَابَةِ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ، كَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْإِيتَاءِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ.
قِيلَ: قَدْ كَانَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِيهَا، لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْكِتَابَةِ، وَبَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْإِيتَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيُحْمَلُ وُجُوبُ الْإِيتَاءِ عَلَى مَا يُعْطُونَهُ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ فِي الزَّكَاةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَهُمْ فِيهَا سَهْمًا.
قِيلَ: لَا يَصِحُّ حَمْلُ هَذَا الْإِيتَاءِ عَلَى سَهْمِهِمْ فِي الزَّكَاةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33] مَحْمُولًا عَلَى شَهَادَةِ الْعَبْدِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ [النور: 33] وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى سَادَاتِهِمْ، لِيَكُونَ إِرْسَالُ الْخِطَابِ فِي الْآخَرِ عَائِدًا إِلَى مَنْ أُرِيدَ بِالْأَوَّلِ، وَلَا يَكُونُ عَائِدًا إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ.
وَإِذَا عَادَ إلى سادة العبيد، لم يجز أن يجمل عَلَى الزَّكَاةِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ إِلَى عَبْدِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ سَهْمَهُمْ فِي الزَّكَاةِ مُسْتَفَادٌ مِنْ آيَةٍ أُخْرَى، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى حُكْمٍ آخَرَ أَوْلَى.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِيتَاءِ مِنْ مَالٍ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ.
وَلَا يُضِيفُ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الْأَمْوَالِ لَهُ إِلَّا لِتَشْرِيفِ الْمَالِ وَاسْتَطَابَتِهِ، وَالزَّكَوَاتُ هِيَ أَوْسَاخُ الذُّنُوبِ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهَا أَوْلَى.
وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ رُبُعَ الْكِتَابَةِ وَهَذَا تَفْسِيرٌ وَدَلِيلٌ.

وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا فِيهِ عَلَى صَاحِبِهِ حَقًّا غَيْرَ مَشْرُوطٍ [فوجب أَنْ يَسْتَحِقَّ الْآخَرُ فِيهِ حَقًّا غَيْرَ مَشْرُوطٍ] كَالَّذِي ذَكَرُوهُ مِنَ النِّكَاحِ وَالَّذِي يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ بِغَيْرِ شَرْطِ الْوَلَاءِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، وَهُوَ الْإِيتَاءُ.
وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَنْ قِيَاسِهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِذَا بَاعَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَلْفٍ فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَبْدُ مِثْلَهُ، لِأَنَّ وَصْفَ الْعِلَّةِ أَنَّهُ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ، وَهُوَ الْعِتْقُ بِالْعِوَضِ، وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي النَّوْعِ، وَإِنْ شَذَّ عَنْ بَعْضِهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مُسْتَمِرٌّ فِي الْعُقُودِ طَرْدًا فِي النِّكَاحِ، وَعَكْسًا فِي الْبُيُوعِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ مَعُونَةَ الْمُكَاتَبِينَ عَلَى غَيْرِ سَادَاتِهِمْ مِنْ زَكَوَاتِ الْأَمْوَالِ، فَكَانَ وُجُوبُ مَعُونَتِهِمْ عَلَى سَادَاتِهِمْ أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ زَكَاتِهِمْ إِلَيْهِمْ، فَانْصَرَفَ الْوُجُوبُ إِلَى غَيْرِ زَكَاتِهِمْ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالْخَبَرِ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّنَا نَقُولُ مَعَ وُجُوبِ الْإِيتَاءِ أَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَلَا نَجْعَلُ الدِّرْهَمَ الْبَاقِي قِصَاصًا مِنَ الْإِيتَاءِ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ تَسَاوِي الْحَقَّيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالْعِلْمِ بِالْمِقْدَارِ، وَمِقْدَارُ الْإِيتَاءِ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا مِنْ مَعْلُومٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ لَتَقَدَّرَ بِهِ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ بِالشَّرْعِ مَا يَتَقَدَّرُ بِالِاجْتِهَادِ كَالْمُتْعَةِ وَالنَّفَقَةِ، فَكَذَلِكَ الْإِيتَاءُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةٍ فِي الْعِوَضِ، فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ يَتَعَيَّنُ الْإِيتَاءُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَدْفَعَهُ مِنْ أَيِّ أَمْوَالِهِ شَاءَ، فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَى الْجَهَالَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْعِوَضِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ إِذَا تَضَمَّنَهَا الْعَقْدُ، وَلَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ إِنْ طَرَأَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ وَأَرْشُهُ مَجْهُولٌ، وَهُوَ مَحْطُوطٌ مِنْ أَصْلِ الثَّمَنِ، وَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى جَهَالَةِ الثَّمَنِ، لِحُدُوثِهِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، كَذَلِكَ الْإِيتَاءُ فِي الْكِتَابَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ هَذَا يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ الصِّفَةِ وَيُغَيِّرُ حُكْمَهَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَالِ يُؤَدَّى مَعَ وُجُوبِ الْإِيتَاءِ، وَيَكُونُ رَدًّا أَوْ إِبْرَاءً.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْإِيتَاءِ تَوَجَّهَ الْكَلَامُ بَعْدَهُ فِي ثلاثة فصول:

أَحَدُهَا: فِي جِنْسِ الْإِيتَاءِ.
وَالثَّانِي: فِي قَدْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: فِي وَقْتِهِ.
فَأَمَّا جِنْسُهُ: فَهُوَ مَا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ، فَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْتِيَهُ دَنَانِيرَ، وَلَا عَرْضًا وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْتِيَهُ دَرَاهِمَ وَلَا عَرْضًا، حَتَّى يَكُونَ الْإِيتَاءُ مِنْ كِتَابَةِ الدَّرَاهِمِ دَرَاهِمَ، وَمِنْ كِتَابَةِ الدَّنَانِيرِ دَنَانِيرَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] فَإِنْ تَرَاضَيَا أَنْ يُؤْتِيَهُ عَنْ كِتَابَةِ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ أَوْ عَرْضًا، أَوْ عَنْ كِتَابَةِ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ أَوْ عَرْضًا، جَازَ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ إِذَا كَانَ دَرَاهِمَ، فَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهَا دَنَانِيرَ أَوْ عَرْضًا جَازَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِيتَاءَ مُسْتَحَقٌّ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الْحَقُّ فِي الْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَتَعَيَّنُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهَا إِنْ شَاءَ، أَوْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهَا مِنْ غَيْرِهَا، كَالزَّكَاةِ يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي إِخْرَاجِهَا مِنْ عَيْنِ الْمَالِ الْمُزَكَّى، أَوْ مِنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَقَّهُ مُعَيَّنٌ فِي الْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] مَعْنَاهُ: الَّذِي آتَاكُمْ مُكَاتَبُوكُمْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّكَاةِ، أَنَّ الْإِيتَاءَ حَطِيطَةٌ، وَالْحَطِيطَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ عَيْنِ الْمَالِ، وَالزَّكَاةُ مَعُونَةٌ يَسْتَوِي فِيهَا عَيْنُ الْمَالِ وَمِثْلُهُ، فَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْإِيتَاءُ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَتَرَاضَيَا بِغَيْرِ الْجِنْسِ، جَازَ أَنْ يَتَرَاضَيَا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْقَدْرُ: فَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالرُّبُعِ وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ، وفيه وجهان: أحدهما: انه معتبر بما انطلق عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيتَاءِ، مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، حَتَّى لَوْ أَعْطَاهُ دِرْهَمًا مِنَ الْوَرِقِ أَجْزَأَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَقَدَّرْ بِشَرْعٍ وَلَا عُرْفٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، أَنَّهُ يَتَقَدَّرُ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الْكِتَابَةِ، كَالْمُتْعَةِ الَّتِي رُوعِيَ فِيهَا عِنْدَ إِطْلَاقِهَا مُتْعَةُ الْمِثْلِ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يُرَاعَ فِيهَا مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، لِأَنَّ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ قَلِيلٌ لَا يُؤَثِّرُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي معونته.

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اعْتُبِرَ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: كَثْرَةُ مَالِ الْكِتَابَةِ وَقِلَّتِهِ، فَيَكُونُ مَا يُعْطَى من الكثير وأكثر من الْقَلِيلِ أَقَلَّ.
وَالثَّانِي: قُوَّةُ الْمُكَاتَبِ وَضَعْفُهُ، فَيُعْطَى الضَّعِيفُ الْكَسْبِ أَكْثَرَ، وَالْقَوِيُّ الْكَسْبِ أَقَلَّ.
وَالثَّالِثُ: يَسَارُ السَّيِّدِ وَإِعْسَارُهُ، فَيُعْطِيهِ الْمُوسِرُ أَكْثَرَ، وَالْمُعْسِرُ أَقَلَّ، فَيَعْتَبِرُ فِي الِاجْتِهَادِ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَمَا أَدَّى الِاجْتِهَادُ إِلَيْهِ، مِنْ قَدْرٍ، فَهُوَ الْمُسْتَحَقُّ فِي الْإِيتَاءِ، إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِيهِ عَلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَيَمْضِيَ عَلَى اتِّفَاقِهِمَا فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ قَدَّرَهُ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ، وَكَانَ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُسْتَحَقُّ.

فَصْلٌ

فَأَمَّا الْوَقْتُ: فَلَهُ وَقْتَانِ: وَقْتُ جَوَازٍ وَوَقْتُ وُجُوبٍ.
فَأَمَّا وَقْتَ الْجَوَازِ: فَمِنْ وَقْتِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ إِلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ فِيهَا.
فَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعَقْدِ، فَلَا يُجْزِئُ مَا تَقَدَّمَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهَا سَبَبٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّعْجِيلُ.
فَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ: فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَعْدَ الْعِتْقِ، كَالْمُتْعَةِ الَّتِي تُسْتَحَقُّ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَلِيَكُونَ مُعَانًا فِي وَقْتٍ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا يُعْطَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، أَنَّهُ يَجِبُ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَيَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ فِي آخِرِ نَجْمٍ، لِأَنَّ الْإِيتَاءَ مَعُونَةٌ عَلَى الْعِتْقِ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ مُعَانٌ بِمَالَيْنِ: زَكَاةٍ وَإِيتَاءٍ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْعِتْقِ، فَكَذَلِكَ الْإِيتَاءُ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَالسَّيِّدُ مَا كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ بَاقِيًا مُخَيَّرٌ بَيْنَ حَالَيْنِ: بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ الْإِيتَاءِ نَقْدًا وَبَيْنَ أَنْ يُبَرِّئَ الْمُكَاتَبَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَطْلُبَهُ نَقْدًا، وَإِنْ أَعْطَاهُ نَقْدًا وَطَلَبَ الْمُكَاتَبُ الْإِبْرَاءَ، فَقَوْلُ الْمُكَاتَبِ أولى، لأنهن يُرِيدُ تَعْجِيلَ مَا عَلَيْهِ بِالْإِبْرَاءِ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ وَقَدْ قَبَضَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ حَاصَّ الْمُكَاتَبُ بِالَّذِي لَهُ أَهْلُ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى الْوَصَايَا عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أن الإيتاء واجب كالدين.
فإذا أَمْكَنَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ السَّيِّدِ

أخذ به جبرا، وإن تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنَ السَّيِّدِ حَتَّى يَعْتِقَ بِهِ، فَأَمَّا تَعَذُّرُهُ مِنْهُ فَيَكُونُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا تَفْلِيسٌ، أَوْ مَوْتٌ.
فَإِنْ أَفْلَسَ السَّيِّدُ وَلَهُ غُرَمَاءُ، وَحَضَرَ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ عِتْقِهِ مُطَالِبًا بِالْإِيتَاءِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ أَوْ قَدْرُ الْإِيتَاءِ مِنْهُ مَوْجُودًا فِي يَدِ السَّيِّدِ، فَالْمُكَاتَبُ مُقَدَّمٌ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ كَالْبَائِعِ إِذَا وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ شَيْءٌ، فَالْمُكَاتَبُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْجُودِ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ.

فَصْلٌ

وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَحَضَرَ الْمُكَاتَبُ مُطَالِبًا يُقَدَّمُ حَقُّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ.
ثُمَّ نَقَلَ الْمُزَنِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ: (حَاصَّ الْمُكَاتَبُ بِالَّذِي لَهُ أَهْلُ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا) ، فَاعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِهِ بِإِنْ قَالَ: (الْإِيتَاءُ وَاجِبٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَاصَّ بِهِ أَهْلَ الدَّيْنِ، وَيَتَقَدَّمَ بِهِ أَهْلَ الْوَصَايَا) . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَتَقَدَّمُ بِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ كَأَهْلِ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا، ثُمَّ يُحَاصُّ بِهِ أَهْلَ الدَّيْنِ، وَيَتَقَدَّمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا لِأَنَّهُ دَيْنٌ فكان مضمونا إِلَى الدَّيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَصَايَا بِالدَّيْنِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ يَثْبُتُ بَعْضُهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَبَعْضُهُ بِالْوَصِيَّةِ، فَصَارَتِ الْوَصَايَا وَالدَّيْنُ سَوَاءً، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُحَاصَّ الْمُكَاتَبُ أَهْلَ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا.
وَلَوْ كَانَتِ الْوَصَايَا بِالْعَطَايَا لَتَقَدَّمَ بِهَا عَلَيْهِمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ وَصَّى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ فَيُحَاصُّ أَهْلَ الدَّيْنِ بِالْوَاجِبِ، وَأَهْلَ الْوَصَايَا بِالْفَاضِلِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُحَاصُّ أَهْلَ الْوَصَايَا بِجَمِيعِ الْإِيتَاءِ، لِضَعْفِهِ عَنِ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُصُولُ الْخِلَافِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ.
وَالثَّانِي: الْجَهَالَةُ بِقَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَاوِيَ مَا اتُّفِقَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ وَقَدْرِهِ.
وَالْقَوْلُ بِهَذَا الْوَجْهِ تَعْلِيلًا بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَاسِدٌ، لِأَنَّنَا قد حكمنا باستحقاقه وقدره.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ بِحَالٍ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، لِيَسْتَفِيدَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا، كَمَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ إِلَى الْكِتَابَةِ هُوَ الْمَنْدُوبُ إِلَى الْعِتْقِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْتِقَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَاتِبَ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ أَكْسَابِهِ وَالْيَتِيمُ يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَهْلِكَ رِقَّهُ بِالْكِتَابَةِ.
فَأَمَّا بَيْعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنَّمَا جَازَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْعَلَهُ، لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تُسْتَفَادُ بِغَيْرِ الْبَيْعِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَفِيدَهَا لَهُ بِالْبَيْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ، لِأَنَّ زِيَادَةَ أَكْسَابِهِ تُمَلَّكُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ، مِنْ سَهْمِ الزَّكَاةِ مَا لَا يَمْلِكُهُ فِي رِقِّهِ، فَاسْتَفَادَ بِالْكِتَابَةِ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ مَعَ الرِّقِّ.
قِيلَ: هَذَا مَظْنُونٌ، وَلَيْسَ مِنْ أَكْسَابِهِ اللَّازِمَةِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَا يَكُونَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَهْلِكَ رِقَّهُ بِالْمَظْنُونِ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَاتَبَهُ الْوَلِيُّ كَانَتْ كِتَابَتُهُ بَاطِلَةً لَا يُعْتَقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، سَوَاءٌ أَدَّاهَا إِلَى الْوَلِيِّ أَوْ إلى اليتيم بعد بلوغه.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ اخْتَلَفَ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْكِتَابَةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْعَقْدِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِيهِ، قَدْ يَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إِمَّا فِي قَدْرِ الْمَالِ: فَيَقُولُ الْمُكَاتَبُ عَلَى أَلْفٍ، وَيَقُولُ السَّيِّدُ: عَلَى أَلْفَيْنِ أَوْ يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ فَيَقُولُ الْمُكَاتَبُ: عَلَى دَرَاهِمَ سُودٍ، وَيَقُولُ السَّيِّدُ: عَلَى دَرَاهِمَ بِيضٍ.
أَوْ يَخْتَلِفَانِ فِي الأجل فيقول السيد إلى ستة، وَيَقُولُ الْمُكَاتَبُ: إِلَى سَنَتَيْنِ.
أَوْ يَخْتَلِفَانِ فِي عَدَدِ النُّجُومِ، فَيَقُولُ السَّيِّدُ: الْأَجَلُ سَنَةً قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَيْهَا أَنَّهَا فِي نَجْمَيْنِ.
وَيَقُولُ الْمُكَاتَبُ فِي أَرْبَعَةِ أَنْجُمٍ فَيَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا فِي صِفَةِ الْكِتَابَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ سَوَاءً فِي الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عُمِلَ عَلَيْهَا وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهَا فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا، كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا.
فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ قُضِيَ بِقَوْلِ الْحَالِفِ مِنْهُمَا عَلَى النَّاكِلِ، فَإِنْ حَلَفَا مَعًا لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَقَعَ الْفَسْخُ بَيْنَهُمَا، وَفِيمَا يَقَعُ بِهِ الْفَسْخُ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: بِنَفْسِ التَّحَالُفِ.
وَالثَّانِي: بِفَسْخِ الْحَاكِمِ كَمَا قُلْنَا فِي تَحَالُفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَيَعُودُ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْفَسْخِ عَبْدًا، وَقَدْ مَلَكَ السَّيِّدُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ تَحَالُفُهُمَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَانْفَسَخَتِ الْكِتَابَةُ تَرَاجَعَا، فَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِقِيمَتِهِ، وَيَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: تَحَالَفَا فَتَرَادَّا كَمَا يَتَرَادُّ الْمُتَبَايِعَانِ بَعْدَ التَّحَالُفِ عِنْدَ تلف المبيع.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ فَقَالَ سَيِّدُهُ قَدْ أَدَّى إِلَيَّ كِتَابَتَهُ وَجَرَّ إِلَيَّ وَلَاءَ وَلَدِهِ مِنْ حُرَّةٍ وَأَنْكَرَ مَوَالِي الْحُرَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَوَالِي الْحُرَّةِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِحُرَّةٍ فَأَوْلَدَهَا كَانَ أَوْلَادُهُ مِنْهَا أحراراً تبعاً لأمهم، فإن كانت حدة الْأَصْلِ لَا وَلَاءَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَوْلَادِهَا بحال، وإن كان على الحرة ولا لمعتق، فعلى الأولاء وَلَاءٌ لِمُعْتِقِ الْأُمِّ.
فَإِنْ عَتَقَ الْأَبُ بِالْأَدَاءِ جَرَّ وَلَاءَ أَوْلَادِهِ مِنْ مُعْتِقِ أُمِّهِمْ إِلَى مُعْتِقِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ مَوْلَاهُ وَمَوْلَى الْأُمِّ، فَقَالَ مَوْلَى الْمُكَاتَبِ: قَدْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ وَجَرَّ إِلَيَّ وَلَاءَ أَوْلَادِهِ.
وَقَالَ مَوْلَى الْأُمِّ: لَمْ يُعْتَقْ وَوَلَاءُ أَوْلَادِهِ لِي نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ حَيًّا فَقَدْ عَتَقَ بِإِقْرَارِ سَيِّدِهِ بِعِتْقِهِ، وَانْجَرَّ الْوَلَاءُ عَنْ مُعْتِقِ الْأُمِّ إِلَى مُعْتِقِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ مَاتَ، وَاخْتَلَفَ السَّيِّدُ وَمَوْلَى الْأُمِّ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ قَامَتْ بِمَا ادَّعَاهُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ بَيِّنَةٌ عَمِلَ عَلَيْهَا، وَانْجَرَّ بِهَا الْوَلَاءُ عَنْ مُعْتِقِ الْأُمِّ إِلَيْهِ وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَلَى مَالٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَوْلَى الْأُمِّ مَعَ يَمِينِهِ، وَوَلَاءُ الْأَوْلَادِ لَهُ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ فِي عِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهَا حَالٌ لَا يَنْفُذُ فِيهَا عِتْقُهُ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ رِقِّ الْمُكَاتَبِ، وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِمُعْتِقِ الْأُمِّ، فَلَمْ ينتقل عنها بشك محتمل.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ قَالَ قَدِ اسْتَوْفَيْتُ مَالِي عَلَى أَحَدِ مُكَاتِبِيَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ عتق والآخر على نجومه والمكاتب عبد ما بقي درهم فإن مات وعنده وفاء فهو وماله لسيده وكيف يموت عبداً ثم يصير بالأداء بعد الموت حرا وإذا كان لا يعتق في حياته إلا بعد الأداء فكيف يصح عتقه إذا مات قبل الأداء) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ، ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ الْكِتَابَةِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى

مَا عَلَى أَحَدِهِمَا، أَخَذَ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ بَيَّنَ أَحَدَهُمَا وَعَيَّنَ عَلَيْهِ عَتَقَ وَكَانَ الْآخَرُ عَلَى كِتَابَتِهِ.
فَإِنِ ادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدَّى فَعَتَقَ حَلَفَ لَهُ السَّيِّدُ، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِشَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَيَعْتِقَ بِالْبَيِّنَةِ، وَيَعْتِقَ الْأَوَّلُ بِالْإِقْرَارِ، وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ: قَدْ أَشْكَلَ عَلَيَّ الَّذِي أَدَّى، وَلَسْتُ أَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، حَلَفَ لَهُمَا إِذَا تَدَاعِيَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ بَقَائِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ نِسْيَانِهِ، ثُمَّ فِيهِمَا بَعْدَ يَمِينِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى كِتَابَتِهِ، وَلَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِهَا، وَقَدْ حُكِيَ هَذَا الْوَجْهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ الْأَدَاءُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الدَّعْوَى تُرَدُّ عَلَى الْمُكَاتَبَيْنِ حَتَّى يَتَحَالَفَا عَلَى الْأَدَاءِ، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا كَانَا عَلَى الْكِتَابَةِ لَا يَعْتِقَانِ إِلَّا بِالْأَدَاءِ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ قُضِيَ بِالْأَدَاءِ لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا دُونَ النَّاكِلِ وَعَتَقَ، وَكَانَ النَّاكِلُ عَلَى كِتَابَتِهِ.

فَصْلٌ

وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ بَيَانِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَ الْمُكَاتَبَيْنِ، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ تَضَمَّنَ عِتْقَ أَحَدِهِمَا، وَالْعِتْقُ إِذَا أَشْكَلَ تَمَيَّزَ بِالْقُرْعَةِ، فَإِذَا قَرَعَ أَحَدُهُمَا عَتَقَ، وَكَانَ الْآخَرُ عَلَى كِتَابَتِهِ يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا إِلَى وَرَثَةِ سَيِّدِهِ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ هُوَ الْمُؤَدِّي حَلَفَ لَهُ الْوَرَثَةُ عَلَى الْعِلْمِ بِاللَّهِ، أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ أَبَاهُمْ تَأَدَّاهَا مِنْهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا قُرْعَةَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي أَدَاءٍ وَإِبْرَاءٍ، لَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ الْكِتَابَةِ مِنَ الدُّيُونِ.
فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ فِيهِمَا إِلَى بَيَانِ الْوَرَثَةِ وَعَتَقَ مَنْ عَيَّنُوهُ، وَحَلَفُوا لِلْآخَرِ إِنِ ادَّعَاهُ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى الْوَرَثَةِ كَانَ كَإِشْكَالِهِ عَلَى السَّيِّدِ فِي حَيَاتِهِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَدَّى كِتَابَتَهُ فَعَتَقَ وَكَانَتْ عَرْضًا فَأَصَابَ بِهِ السَّيِّدُ عَيْبًا رَدَّهُ وَرَدَّ الْعِتْقَ (قَالَ) وَلَوْ فَاتَ الْمَعِيبُ قِيلَ لَهُ إِنْ جِئْتَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ وَإِلَّا فَلِسَيِّدِكَ تَعْجِيزُكُ كَمَا لَوْ دَفَعْتَ دَنَانِيرَ نَقْصًا لَمْ تَعْتِقْ إِلَّا بِدَفْعِ نُقْصَانِ دَنَانِيرِكَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى عَرْضٍ مَوْصُوفٍ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ فِي

الذِّمَّةِ، وَأَمْكَنَ قَبْضُهُ فِي نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا وَهُوَ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى ثَوْبَيْنِ فَمَا زَادَ صَحَّتِ الْكِتَابَةُ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، أَوْ عَبْدٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ فِي نَجْمَيْنِ، حَتَّى يَكُونَ عَلَى ثَوْبَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ، أَوْ عَلَى ثَوْبٍ وَعَبْدٍ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْكِتَابَةِ مِنْ جِنْسَيْنِ، فَإِذَا انْعَقَدَتِ الْكِتَابَةُ عَلَى هَذَا، وَأَتَاهُ بِالْعَرْضِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ فِي النَّجْمِ الْأَخِيرِ، فَعَتَقَ بِآخِرِ دَفْعِهِ، ثُمَّ وَجَدَ السَّيِّدُ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ بِهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَرْضِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ الَّتِي قَبَضَهُ عَلَيْهَا، فَيَكُونَ لِلسَّيِّدِ الْخِيَارُ فِي إِمْسَاكِهِ، أَوْ رَدِّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَهُ رَاضِيًا بِعَيْبِهِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ، وَاسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُكَاتَبِ بِهِ، كَالْمُشْتَرِي إِذَا رَضِيَ بِعَيْبِ مَا اشْتَرَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا امْتَنَعَ وُقُوعُ الْعِتْقِ بِوُجُودِ الْعَيْبِ لِفَوَاتِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنَ الْكِتَابَةِ عَشَرَةٍ، فَأَعْطَاهُ تِسْعَةً لَمْ يَعْتِقْ.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نُقْصَانَ الْقَدْرِ يَسْتَحِقُّهُ نُطْقًا اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ، فَامْتَنَعَ بِهِ وُقُوعُ الْعِتْقِ، وَنُقْصَانُ الصِّفَةِ يَسْتَحِقُّهُ حُكْمًا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، فَجَازَ أَنْ يَقَعَ بِهِ الْعِتْقُ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ نُطْقُ الشَّرْطِ وَبَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَهَالَةَ بِخِيَارِ الشَّرْطِ تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ، لِاسْتِحْقَاقِهِ نُطْقًا، وَالْجَهَالَةَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ لَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ، لِاسْتِحْقَاقِهِ حُكْمًا وَشَرْعًا.
وَإِنْ رَدَّ السَّيِّدُ الْعَرْضَ بِعَيْبِهِ كَانَ لَهُ ذَاكَ، كَالْمُشْتَرِي فِي رَدِّ مَا وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، وَيَرْتَفِعُ الْعِتْقُ بِالرَّدِّ لَا بِظُهُورِ الْعَيْبِ، لِأَنَّ رَدَّهُ بِعَيْبِهِ نَقْصٌ يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ أَجْزَائِهِ، فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ الْعِتْقُ كَمَا لَوْ كَانَتْ كِتَابَتُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَأَدَّاهَا إِلَّا قِيرَاطًا لَمْ يَعْتِقْ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ ارْتِفَاعُ الْعِتْقِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَهُوَ كَالطَّلَاقِ إِذَا وَقَعَ لَمْ يَرْتَفِعْ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى ثَوْبٍ طَلَّقَهَا بِهِ، ثُمَّ وَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا رَدَّهُ بِهِ، وَلَمْ يَرْتَفِعِ الطَّلَاقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَهَلَّا كَانَتِ الْكِتَابَةُ كَذَلِكَ.
قِيلَ: إِنَّمَا لَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ إِذَا كَانَ مُسْتَقِرًّا وَهَذَا الْعِتْقُ وَقَعَ مُتَوَهَّمًا، ثُمَّ بَانَ بِالرَّدِّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ وَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ضَيِّقًا أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الْخُلْعِ حُكْمُ الطَّلَاقِ، فَجَازَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ بِعَيْبِ العوض، والمغلب في الكتابة حكم العرض، فَجَازَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْعِتْقُ بِعَيْبِ الْعِوَضِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ قِيلَ لِلْمُكَاتَبِ بَعْدَ رَدِّ الْعِوَضِ عَلَيْهِ: قَدِ ارْتَفَعَ عِتْقُكَ، وَأَنْتَ عَلَى كِتَابَتِكَ، فَإِنْ جِئْتَ سَيِّدَكَ بِبَدَلِ هَذَا الْعِوَضِ سَلِيمًا مِنْ عَيْبٍ اسْتَقَرَّ عِتْقُكَ، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِبَدَلِهِ فَلَهُ تَعْجِيزُكَ وَاسْتِرْقَاقُكَ.

فَصْلٌ

وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْعِوَضِ الْمَعِيبِ، أَنْ يَتْلَفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ، فَالْمُسْتَحَقُّ فِيهِ الرُّجُوعُ بِأَرْشِهِ، فَيَرْتَفِعُ الْعِتْقُ بِاسْتِحْقَاقِ الْأَرْشِ، كَمَا يَرْتَفِعُ بِنُقْصَانِ الْقَدْرِ، وَلَا يَقِفُ عَلَى خِيَارِ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْأَرْشَ إِلَى سَيِّدِهِ عَتَقَ حِينَئِذٍ بِهِ وَإِنِ امْتَنَعَ كَانَ لِلسَّيِّدِ تَعْجِيزُهُ بِهِ وَاسْتِرْقَاقُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ الْمَعِيبُ بَاقِيًا فِي يَدِ السَّيِّدِ، لَكِنْ قَدْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ يَمْنَعُهُ مِنْ رَدِّهِ، فَيَكُونُ وُقُوعُ الْعِتْقِ مَوْقُوفًا عَلَى مَا يَسْتَقِرُّ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْأَرْشَ لَمْ يَسْتَقِرَّ لِإِمْكَانِ الرَّدِّ وَالرَّدَّ لَمْ يَسْتَقِرَّ لِحُدُوثِ الْعَيْبِ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرْجِعَ العرض مَعِيبًا، فَيَرُدَّ مِثْلَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اسْتِرْجَاعِهِ وَيَدْفَعَ قَدْرَ أَرْشِهِ.
فَإِذَا كَانَ هَكَذَا بُدِئَ بِالسَّيِّدِ وَقِيلَ لَهُ: أَتَرْضَى بِعَيْبٍ؟ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ اسْتَقَرَّ وُقُوعُ الْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِالْعَيْبِ قِيلَ لِلْمُكَاتَبِ: أَتَرْضَى أَنْ يُسْتَرْجَعَ الْعِوَضُ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ، فَإِنْ رَضِيَ بِاسْتِرْجَاعِهِ كَانَ ارْتِفَاعُ عِتْقِهِ مَوْقُوفًا عَلَى رَدِّ الْعِوَضِ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّهُ ارْتَفَعَ عِتْقُهُ، فَإِنْ قَضَاهُ بِمِثْلِهِ سَلِيمًا، وَإِلَّا عَجَّزَهُ السَّيِّدُ وَاسْتَرَقَّهُ، وَإِنِ امْتَنَعَ من استرجاعه معيبا فالمستحق في الْأَرْشُ، فَيَرْتَفِعُ عِتْقُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ لِلْأَرْشِ، إِلَّا أَنْ يَسْمَحَ بِهِ السَّيِّدُ، فَيَصِيرَ كَالْإِبْرَاءِ، وَيَسْتَقِرَّ بِهِ وقوع العتق.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ أُنْظِرَ يَوْمًا وَأَكْثَرُهُ ثَلَاثٌ فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ حَلَفَ وَبَرِئَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَدَّعِيَ الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَ كِتَابَتِهِ، وَيُنْكِرُهُ السَّيِّدُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْهُ مَالَ كِتَابَتِهِ، وَيَكُونُ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ يَمِينِ السَّيِّدِ عَلَى حَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ نَكَلَ السَّيِّدُ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ وَعَتَقَ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ بَيِّنَةٌ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ حَاضِرَةً سُمِعَتْ وَحُكِمَ بِهَا عَلَى سَيِّدِهِ، وَهِيَ شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهَا عَلَى دَفْعِ مَالٍ، وَإِنْ أَفْضَتْ إِلَى الْعِتْقِ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ تُسْمَعَ الشَّهَادَةُ فِيمَا يُفْضِي إِلَى مَا لَا يَثْبُتُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ، كَمَا تُسْمَعُ فِي الْوِلَادَةِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَإِنْ ثَبَتَ بِهَا نَسَبٌ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ غَائِبَةً قِيلَ لَهُ: أَتَقْدِرُ عَلَى إِحْضَارِهَا عَنْ قَرِيبٍ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا.
قِيلَ: فَأَنْتَ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ فَيَحْلِفُ السَّيِّدُ، وَيَكُونُ الْمُكَاتَبُ بَاقِيًا عَلَى كِتَابَتِهِ، فَإِنِ اسْتَرَقَّهُ السَّيِّدُ بِالْعَجْزِ ثُمَّ حَضَرَتْ بَيِّنَتُهُ مِنْ بَعْدُ جَازَ سَمَاعُهَا، وَالْحُكْمُ بِعِتْقِهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ أَحَقُّ بِالْحُكْمِ مِنَ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَقْدِرُ عَلَى إِحْضَارِ بَيِّنَتِي عَنْ قَرِيبٍ أُنْظِرَ لِإِحْضَارِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ،

وَأَكْثَرُهُ ثَلَاثٌ، لِأَنَّ الْمُهْلَةَ فِي إِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ عُرْفُ الْحُكَّامِ فِي الضَّرُورَاتِ وَكَانَ غَايَةَ إِنْظَارِهِ ثَلَاثًا، لِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْقِلَّةِ إِلَى حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَيُمْنَعُ السَّيِّدُ فِي زَمَانِ إِنْظَارِهِ مِنْ مُطَالَبَتِهِ وَتَعْجِيزِهِ، وَيُمَكَّنُ الْعَبْدُ فِيهَا مِنَ اكْتِسَابِهِ، لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَقُّهُ، لَكِنْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي كَسْبِهِ إِنْ أَظْهَرَ السَّيِّدُ تَعْجِيزَهُ، وَلَا يُحْجَرُ إِنْ لَمْ يُظْهِرْ تَعْجِيزَهُ فَإِنْ حَضَرَتِ الْبَيِّنَةُ سُمِعَتْ عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْ زَمَانِ الْإِنْظَارِ أُحْلِفَ عَلَى ما مضى.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ عَجَزَ أَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ بُدِئَ بِهَا عَلَى السَّيِّدِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ دُيُونٌ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ أَرْشٍ عَنْ جِنَايَةٍ وَمَالٍ مِنْ كِتَابَةٍ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يَقْضِي بِهِ جَمِيعَ الْحُقُوقِ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ قَضَاءِ جَمِيعِهَا، وَكَانَ مَا بِيَدِهِ يَعْجِزُ عَنْهَا كَانَ صَرَفَ مَا بِيَدِهِ إِلَى غُرَمَائِهِ وَفِي أَرُوشِ جِنَايَاتِهِ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إِلَى سَيِّدِهِ، لِاسْتِقْرَارِ الدُّيُونِ وَالْأَرُوشِ فِي ذِمَّتِهِ وَأَخْذِهِ جَبْرًا بِأَدَائِهِ، وَلَيْسَ مَالُ الْكِتَابَةِ مُسْتَقِرًّا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ جَبْرًا بِأَدَائِهِ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَتِ الدُّيُونُ وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ قَضَائِهَا فَضْلٌ أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِلْكًا إِنْ عَجَّزَهُ وَأَدَاءً إِنْ أَنْظَرَهُ وَإِنْ عَجَزَ مَا بِيَدِهِ عَنْ دُيُونِهِ وَجِنَايَاتِهِ قُدِّمَتِ الدُّيُونُ عَلَى الْجِنَايَاتِ لِتَعَلُّقِ الْجِنَايَاتِ بِرَقَبَتِهِ، وَتَعَلُّقِ الدُّيُونِ بِذِمَّتِهِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى أَرْبَابَ الدُّيُونِ دَفَعَ حِينَئِذٍ فِي جِنَايَاتِهِ، فَإِنْ عَجَزَ مَا بِيَدِهِ عَنْ دُيُونِهِ أُنْظِرَ بِالْبَاقِي إِلَى وَقْتِ يَسَارِهِ، وَبِيعَ فِي جِنَايَاتِهِ إِنْ كَانَ أُرُوشُهَا بِقَدْرِ ثَمَنِهِ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهَا، وَكَانَ الْبَاقِي عَلَى رِقِّ سَيِّدِهِ، وَلَا يُبَاعُ فِي بَاقِي دُيُونِهِ، لِأَنَّ دُيُونَهُ تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ بَعْدَ مَا بِيعَ مِنْهُ فِي جِنَايَاتِهِ أَنْ يَسْتَبْقِيَ الْكِتَابَةَ فِي بَاقِيهِ جَازَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْهَا فِي بَعْضِهِ، فَيَمْتَنِعَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا بَطَلَتِ الْكِتَابَةُ فِي بَعْضِهِ، فَجَازَ أَنْ يَضُمَّ الْبَاقِي مِنْهَا، فَإِذَا أَدَّى كِتَابَةَ بَاقِيهِ عَتَقَ، وَفِي تَقْوِيمِ بَاقِيهِ عَلَى السَّيِّدِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ لِتَقْدِيمِ سَبَبِ الْعِتْقِ قَبْلَ التَّبْعِيضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي وَيَسْرِي الْعِتْقُ فِي جَمِيعِهِ، لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ لِلْإِنْظَارِ كَالِابْتِدَاءِ بِالْعِتْقِ، لَكِنْ لَوْ بِيعَ بَعْضُهُ فِي حَيَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِ مَالُ كِتَابَتِهِ لَزِمَ السَّيِّدُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْكِتَابَةَ فِي بَاقِيهِ، لِأَنَّهَا إذا لزمت جَمِيعِهِ لَزِمَتْ فِي بَعْضِهِ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِنْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ عِتْقَهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى خِيَارِهِ بَعْدَ التَّبْعِيضِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا إِذَا مَاتَ هَذَا الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَجِنَايَاتٌ وَمَالُ كِتَابَةٍ فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا، تَرَكَ وَفَاءً أَوْ لَمْ يَتْرُكْ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَقَعُ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الموت، وكان

مَا خَلَّفَهُ مِنَ الْمَالِ مَصْرُوفًا فِي دُيُونِهِ وَجِنَايَاتِهِ، لَا يَتَقَدَّمُ بِهِ أَرْبَابُ الدُّيُونِ عَلَى أَصْحَابِ الْجِنَايَاتِ، لِفَوَاتِ رَقَبَتِهِ بِالْمَوْتِ، فَصَارَتْ أُرُوشُ الْجِنَايَاتِ مُسَاوِيَةً دُيُونَ الْمُعَامَلَاتِ، فَإِنْ عَجَزَ مَالُهُ عَنْهَا تَحَاصَّ الْفَرِيقَانِ فِي مَالِهِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ الرُّجُوعُ عَلَى السَّيِّدِ بِشَيْءٍ إِنْ بَقِيَ مِنْهَا وَهُوَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بدين عبده، ولا بجنايته.
والله اعلم.

كِتَابَةُ بَعْضِ عَبْدٍ وَالشَّرِيكَانِ فِي الْعَبْدِ يُكَاتِبَانِهِ أو أحدهما

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ بَعْضَ عَبْدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ حُرًّا وَلَا بَعْضًا مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْنَعُ مِنَ السَّفَرِ وَالِاكْتِسَابِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي سَيِّدٍ تَفَرَّدَ بكتابة بعض عبد، فلا يخلو حال بَاقِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ حُرًّا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِشَرِيكٍ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ الَّذِي كَاتَبَهُ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَاقِي الْمُكَاتَبِ حُرًّا، فَالْكِتَابَةُ عَلَى الْمَرْقُوقِ مِنْهُ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْحُرِّيَّةُ.
فَإِذَا جَازَتْ كِتَابَةُ مَنْ لَا حُرِّيَّةَ فِيهِ كَانَتْ كِتَابَةُ مَنْ فِيهِ حُرِّيَّةٌ أَجْوَزَ، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ مُخْتَلِفٌ وَكَسْبَهُ مُتَبَعِّضٌ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ تَارَةً بِحَقِّ حُرِّيَّتِهِ، وَلَهُ بِقَدْرِهَا مِنْ كَسْبِهِ، وَيَتَصَرَّفُ لِسَيِّدِهِ تَارَةً بِحَقِّ مِلْكِهِ، وَلَهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِذَا كَاتَبَ بَاقِيهِ اسْتَكْمَلَ جَمِيعَ تَصَرُّفِهِ وَكَسْبِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَكَانَ بِالْكِتَابَةِ أَحَقَّ بِهِ، فَإِذَا صَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَمَلَ تَصَرُّفُهُ، وَجَازَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِسَهْمِ الرِّقَابِ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَإِنْ أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ كَمَلَ عِتْقُهُ وَتَحَرَّرَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ عَجَزَ وَعَادَ إِلَى الرِّقِّ أَخَذَ السَّيِّدُ مَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِ الرِّقِّ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِ الْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ لَوْ لَمْ يُكَاتِبْهُ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ مِلْكًا لِشَرِيكٍ فِيهِ، فَلَا تَخْلُو كِتَابَةُ هَذَا السَّيِّدِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فِيهِ.
أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ، لِمَا فِيهَا مِنْ دُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى الشَّرِيكِ بِنُقْصَانِ قِيمَةِ حِصَّتِهِ، وَجَوَّزَهَا الْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ حِصَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَلْحَقُ الشَّرِيكَ فِيهِ ضَرَرٌ،

فَجَوَّزْنَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْكِتَابَةُ يَدْخُلُ بِهَا ضَرَرٌ عَلَيْهِ، فَمَنَعَ مِنْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَإِنْ كَاتَبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، فَفِي صِحَّةِ كِتَابَتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ عَلَى مَسَائِلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْكِتَابَةَ صَحِيحَةٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهَا دُخُولُ الضَّرَرِ عَلَى الشَّرِيكِ، وَإِذْنُهُ رِضًا بِالضَّرَرِ فَزَالَ الْمَنْعُ وَصَحَّتِ الْكِتَابَةُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَكْثَرِ كُتُبِهِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ، أَنَّ الْكِتَابَةَ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهَا الشَّرِيكُ لِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ موضع الْكِتَابَةِ أَنْ يَكْمُلَ بِهَا تَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَكْمُلُ تَصَرُّفُهُ بِكِتَابَةِ بَعْضِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ لِكِتَابَتِهِ مَنَعَهُ الشَّرِيكُ مِنَ السَّفَرِ، لِرِقِّهِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ فَاسِدَةً.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ بِكِتَابَةِ بَعْضِهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَالِ الصدقات، لأن الشريك إن يَأْخُذْ مِنْهُ بِقَدْرِ سَهْمِهِ وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لَهُ، فَمُنِعَ مِنْهَا حَتَّى تَكْمُلَ كِتَابَةُ جَمِيعِهِ.
وَالثَّالِثُ: لِأَنَّهُ إِذَا كُوتِبَ فِي نِصْفِهِ عَلَى أَلْفٍ، لَمْ يَعْتِقْ إِلَّا بِأَدَاءِ أَلْفَيْنِ، لِيَأْخُذَ الشَّرِيكُ مِنْهَا أَلْفًا وَالْمُكَاتَبُ أَلْفًا، وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذَا لَمْ تَصِحَّ بِهِ الْكِتَابَةُ كَمَا لَوْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ لَفْظًا.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا عَتَقَ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ سَرَى الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ، فَعَتَقَ بِالْكِتَابَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا، فَفَسَدَتْ كَمَا لَوْ قَالَ: كَاتَبْتُكَ عَلَى أَنَّكَ إِذَا أَدَّيْتَ مَالَ كِتَابَتِكَ فَأَنْتَ وَأَخُوكَ حُرَّانِ، كَانَتْ كِتَابَتُهُ فَاسِدَةً، لِتَعَدِّي الْعِتْقِ فِيهَا إِلَى مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي عَقْدِهَا، كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا.

فَصْلٌ

فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ مِنْهَا إنَّ الْكِتَابَةَ صَحِيحَةٌ، فَكَسْبُ الْمُكَاتَبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، لِيَأْخُذَ الشَّرِيكُ مِنْهُ بِقَدْرِ مِلْكِهِ، وَيَأْخُذَ الْمُكَاتَبُ مِنْهُ بِقَدْرِ كِتَابَتِهِ لِيُؤَدِّيَهُ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يُهَايِئْهُ الشَّرِيكُ قَاسَمَهُ عَلَى كُلِّ كَسْبِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ فِي الصَّدَقَاتِ، وَإِنْ هَايَأَهُ لِيَكْتَسِبَ لِنَفْسِهِ يَوْمًا وَلِلشَّرِيكِ يَوْمًا، جَازَ وَفِي وُجُوبِهَا إِذَا طَلَبَهَا أَحَدُهُمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ كَمَا تَجِبُ الْقِسْمَةُ إِذَا دَعَا إِلَيْهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَأَصْلُهُ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ نِسَائِهِ، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَةً، وَهِيَ مُهَايَأَةٌ قَدْ أَوْجَبَهَا لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا، وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ بَعْدَ الْمُهَايَأَةِ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ فِي الصَّدَقَاتِ فِي أَيَّامِ نَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا فِي أَيَّامِ سَيِّدِهِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى تَأْخِيرِ حَقٍّ مُعَجَّلٍ، وتعجيل حق موخر.
وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذَا لَمْ يَلْزَمْ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَ قِسْمَةَ الشُّرَكَاءِ، لِأَنَّهُ لَا تَعْجِيلَ فِيهَا وَلَا تَأْخِيرَ.
وَأَمَّا قَسْمُ الزَّوْجَاتِ، فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِفْرَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِحَقِّهَا، لَزِمَتِ الْمُهَايَأَةُ بَيْنَهُنَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا، لِإِمْكَانِ الِاشْتِرَاكِ مِنْ غَيْرِ مُهَايَأَةٍ فَافْتَرَقَا فَإِذَا صَحَّ هَذَا، وَأَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ مِنْ مَالِ كِتَابَتِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ أَدَاؤُهُ قَبْلَ أَنْ دَفَعَ إِلَى الشَّرِيكِ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ لَمْ يَعْتِقْ بِهِ، لِأَنَّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْهُ، فَلَمْ يَكْمُلْ بِهِ الْأَدَاءُ فَلَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ كَانَ مَا أَدَّاهُ بَعْدَ أَنْ دَفَعَ إِلَى الشَّرِيكِ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ عتق منه قدر ما كوتب منه بالعتق، ثُمَّ اعْتُبِرَتْ بِحَالِ سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ إِلَى بَاقِيهِ، وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ لِلشَّرِيكِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَرَى إِلَى الْبَاقِي، وَيُقَوَّمُ عَلَى الشَّرِيكِ الَّذِي كَاتَبَهُ وَقْتَ الْأَدَاءِ وَصَارَ جَمِيعُ الْمُكَاتَبِ حُرًّا بِالْأَدَاءِ وَالسِّرَايَةِ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ فَلِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ اسْتِرْقَاقُهُ، وَيَصِيرُ جَمِيعُ الْمُكَاتَبِ عَبْدًا قِنًّا، وَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ بَعْدَ التَّعْجِيزِ لِلسَّيِّدِ الْمُكَاتَبِ دُونَ الشَّرِيكِ، لِأَنَّ الشَّرِيكَ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنَ الْكَسْبِ.

فَصْلٌ

وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إِنَّ كِتَابَتَهُ فَاسِدَةٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُبْطِلَ كِتَابَتَهُ وَيَرْفَعَهَا، فَإِنْ أَبْطَلَهَا وَرَفَعَهَا لَمْ يُعْتَقْ بِالْأَدَاءِ، وَكَانَ جَمِيعُهُ مَرْقُوقًا، وَاقْتَسَمَ سَيِّدَاهُ كَسْبَهُ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنَ اشْتِرَاكٍ أَوْ مُهَايَأَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ وَلَا رَفْعُهَا فَمَتَى ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّى قَدْرَ الْكِتَابَةِ إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ، نُظِرَ فِيمَا أَدَّاهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا أَخَذَهُ الشَّرِيكُ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ عَتَقَ بِهِ، وَوَقَفَ الْعِتْقُ عَلَى قَدْرِ الْكِتَابَةِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ مُعْسِرًا، وَسَرَى إِلَى جَمِيعِهِ الْعِتْقُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِقِيمَةِ مَا عَتَقَ مِنْهُ بِالْكِتَابَةِ دُونَ السِّرَايَةِ، لِوُقُوعِ الْعِتْقِ فِيهِ عَلَى كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ، وَرَجَعَ الْمُكَاتَبُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ تَقَاصَّا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ تَرَادَّا، وَإِنْ كَانَ مَا أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ إِلَى سَيِّدِهِ لَمْ يَأْخُذِ الشَّرِيكُ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ فَفِي عِتْقِ الْمُكَاتَبِ بِهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَقُ كَمَا لَا يُعْتَقُ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، لِاسْتِحْقَاقِ الشَّرِيكِ لِبَعْضِهِ، فَلَمْ يَكْمُلْ بِهِ الْأَدَاءُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَقُ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، لِأَنَّ الصَّحِيحَةَ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ وَالْعِوَضُ الْمَدْفُوعُ يُسْتَحَقُّ فَلَمْ يَكْمُلْ بِخِلَافِ الْفَاسِدَةِ فَإِنَّهُ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ، وَقَدْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، وَإِنْ لَمْ تُمَلِّكْ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي هَذَا الثَّوْبَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَعْطَاهُ، وَكَانَ مَغْصُوبًا عَتَقَ بِهِ

فَصْلٌ

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ، كَأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ جَمِيعَهُ فَكَاتَبَ نِصْفَهُ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْكِتَابَةَ فَاسِدَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ مَقْصُودُ الْكِتَابَةِ الْعِتْقَ، وَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُبَعِّضَ عِتْقَ عَبْدِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَعِّضَ كِتَابَتَهُ.
وَجَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كِتَابَةَ بَعْضِهِ، وَخَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلًا ثَانِيًا، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكِتَابَةِ شَرِيكَ غَيْرِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَرِيكَ نَفْسِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرِكِ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الْكِتَابَةِ على حصته فكان غير تبعيض لحقه، وقادر في ملكه جميع الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يُكَاتِبَهُ بِأَسْرِهِ فَصَارَ مُبَعِّضًا لحقه فإن قلنا: تجوز كِتَابَتُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَازَ أَنْ يُهَايِئَ الْمُكَاتَبَ عَلَى كَسْبِهِ، فَيَكْسِبَ لِنَفْسِهِ يَوْمًا يُؤَدِّيهِ فِي كِتَابَتِهِ، وَيَوْمًا يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ، وَجَازَ أَنْ لَا يُهَايِئَهُ وَيَكُونَ عَلَى الشَّرِكَةِ فِي كَسْبِهِ فَإِنْ أَدَّى إِلَيْهِ شَيْئًا احْتَسَبَ مِنَ الْكِتَابَةِ بِنِصْفِهِ الْمُقَابِلِ، لِمَا كَاتَبَ مِنْهُ، وَكَانَ لَهُ النِّصْفُ الْبَاقِي لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ فِي الْمُهَايَأَةِ أَوْ مَعَ الْإِشْرَاكِ قَدْرَ كِتَابَتِهِ عَتَقَ نِصْفُهُ بِالْكِتَابَةِ وَبَاقِيهِ بِالسِّرَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، لِأَنَّ الْيَسَارَ مُعْتَبَرٌ فِي تَقْوِيمِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ بِتَقْوِيمِ حِصَّتِهِ إِذَا سَرَى الْعِتْقُ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ مُوسِرٌ إِذَا مَلَّكَهَا وَلَا يَرْجِعُ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِقِيمَةِ بَاقِيهِ إِذَا سَرَى الْعِتْقُ إِلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِفَسَادِ الْكِتَابَةِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُهَا وَإِبْطَالُهَا بِالْفَسَادِ، وَلَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْهَا حَتَّى أَدَّى الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِ جَمِيعَ مَالِهَا، نَظَرَ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْفَى السَّيِّدُ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ بِالْمِلْكِ عَتَقَ، وإن كان قبل أداء حقه، فَفِي عِتْقِهِ وَجْهَانِ، عَلَى مَا حَكَّاهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، فَإِذَا رَجَعَ الْعِتْقُ عَلَى حِصَّةِ الْكِتَابَةِ سَرَى إِلَى بَاقِيهِ، فَعَتَقَ جَمِيعُهُ، وَتَرَادَّا الْقِيمَةَ فِي الْأَدَاءِ، لِوُقُوعِ الْعِتْقِ عَنْ كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ، وَفِيمَا يَرْجِعُ السَّيِّدُ بِهِ عَلَى مُكَاتَبِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَمِيعُ الْقِيمَةِ، لِوُقُوعِ عِتْقِهِ فِي كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُعْتَقُ بِالْكِتَابَةِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا عَتَقَ بِالسِّرَايَةِ، لِاخْتِصَاصِ السَّيِّدِ بِهِ فِي حَقِّهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَاهُ مَعًا حَتَّى يَكُونَا فيه سواء وقال في كتاب الإملاء على محمد بن الحسن وإذا أذن أحدهما لصاحبه أن يكاتبه فالكتابة جائزة وللذي لم يكاتبه أن يختدمه يوما ويخلى والكسب يوما فإن أبرأه مما عليه كان نصيبه حرا وقوم عليه الباقي وعتق إن كان موسراً ورق إن كان معسراً (قال المزني) الأول بقوله أولى لأنه زعم لو كانت كتابتهما فيه سواء فعجزه أحدهما فأنظره الآخر فسخت الكتابة بعد ثبوتها حتى يجتمعا على الإقامة عليها فالابتداء بذلك أولى (قال المزني) ولا يخلو من أن تكون كتابة نصيبه جائزة كبيعه إياه فلا معنى لإذن شريكه أو لا تجوز فلم جوزه بإذن من لا يملكه) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ جَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى كِتَابَتِهِ، فَتَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ؟ قِيلَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَذْهَبُ إِلَى هَذَا، وَيُخَرِّجُ كِتَابَتَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا اجْتَمَعَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَاقِدَانِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْعَقْدَيْنِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْمُنْفَرِدِ بِكِتَابَتِهِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إِلَى فَسَادِ هَذَا التَّخْرِيجِ، وَأَنَّ الْكِتَابَةَ بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهَا جَائِزَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، لِكَمَالِ تَصَرُّفِهِ وَهُوَ فِي كِتَابَتِهِمَا كَامِلُ التَّصَرُّفِ، وَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَهُوَ مِنْ كِتَابَةِ أَحَدِهِمَا مَمْنُوعٌ مِنْهَا، فَافْتَرَقَا.
فَإِذَا صَحَّ جَوَازُ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى كِتَابَتِهِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَاهُ حَتَّى يَكُونَا فِيهِ سَوَاءً، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِيَهُمَا فِي مِلْكِهِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبَتُهُ عَلَى مَالٍ يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، أَوْ يَتَفَاضَلَانِ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: حَتَّى يَكُونَا فِيهِ سَوَاءً يَعْنِي فِي الْعَبْدِ وَلَوْ أَرَادَ الْكِتَابَةَ لَقَالَ: حَتَّى يَكُونَا فِيهَا سَوَاءً وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْمِلْكِ فَكَانَ لِأَحَدِهِمَا ثلثه، وللآخر ثُلُثَاهُ لَمْ تَصِحَّ كِتَابَتُهُمَا لِتَفَاضُلِهِمَا وَقُوَّةِ أَحَدِهِمَا، فَصَارَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا مَعْدُومًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ الْأُمِّ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي مَالِ الْكِتَابَةِ بِحَسْبِ الْمِلْكِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَكَاتَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَلْفٍ جَازَ، وَلَوْ كَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى أَلْفٍ، وَالْآخَرُ عَلَى أَلْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ، لِتَفَاضُلِهِمَا فِي الْمَالِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَكَاتَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أَلْفٍ لَمْ يَجُزْ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَالِ مَعَ تَفَاضُلِهِمَا فِي الْمِلْكِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ صَاحِبُ الثُّلُثِ عَلَى أَلْفٍ وَصَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ عَلَى أَلْفَيْنِ جَازَ، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَالِ وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْمِلْكِ، لِيَكُونَ الْكَسْبُ الْمُؤَدَّى بَعْدَ الْكِتَابَةِ مُعْتَبَرًا بِاسْتِحْقَاقِهِمَا لَهُ بِالْمِلْكِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل