الحاوي الكبيرصفحات 548-558
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْبُيُوعِ

صفحات 548-558
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يُعَيِّنَ الْعَبْدَ وَيُعَيِّنَ ثَمَنَهُ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ الْعَبْدَ وَيُعَيِّنَ ثَمَنَهُ.
كَقَوْلِهِ اشْتَرِ لِي سَالِمًا بِمِائَةِ دينار.
فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: - أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِالْمِائَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا.
فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِالدَّنَانِيرِ لَكِنْ بِأَقَلَّ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ كَأَنِ اشْتَرَاهُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، صَحَّ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ.
لِأَنَّ حُصُولَ الْعَبْدِ لَهُ بِبَعْضِ الثَّمَنِ أَحَظُّ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ أَفَلَيْسَ لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ عَلَى زَيْدٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَبَاعَهُ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي مُحَابَاتِهِ.
فَمَثَلًا إِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَنْ لَا يَجُوزَ الشِّرَاءُ بِأَقَلَّ مِنْهَا لِأَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ فِي مُحَابَاتِهِ.
قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِذَا وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ بِالْمِائَةِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ قَبْضِ الزِّيَادَةِ.
وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ قَبْضُ مَا مُنِعَ مِنْ قَبْضِهِ.
وَإِذَا وُكِّلَ فِي الشِّرَاءِ بِالْمِائَةِ جَازَ الشِّرَاءُ بِأَقَلَّ مِنْهَا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ وَدَفْعُ الْوَكِيلِ الْبَعْضَ جَائِزٌ وَإِنْ مَنَعَ الزِّيَادَةَ.
وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَا يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا فَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنَ الْمِائَةِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِصَلَاحِ نَفْسِهِ.
وَلَوْ قَالَ اشْتَرِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَا تَشْتَرِيهِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا جَازَ أن يشتريه بالمائة ربما بَيْنَ الْخَمْسِينَ وَالْمِائَةِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِخَمْسِينَ لِلنَّهْيِ عَنْهَا.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْدُوبٌ إِلَى الِاسْتِرْخَاصِ إِلَّا مَا نَهَاهُ عَنْهُ مِنَ الْقَدْرِ لِمَعْنًى هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ يَمِينٍ حَلَفَ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالْمِائَةِ لَمَّا دَخَلَ فِيهِ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْخَمْسِينَ دَاخِلًا فِيهِ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا.
فَهَذَا حُكْمُ الْعَبْدِ إِذَا اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنَ الْمِائَةِ، فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ من المائة كأن اشتراه بماية وَخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ مِائَةِ دِينَارٍ وَقِيرَاطٍ، فَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُوَكِّلِ وَهُوَ لَازِمٌ لِلْوَكِيلِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ بِعَيْنِ الْمَالِ.
هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: الشِّرَاءُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ بِالْمِائَةِ دِينَارٍ الَّتِي عُيِّنَ عَلَيْهَا وَالْوَكِيلُ

ضَامِنٌ لِلزِّيَادَةِ فِي مَالِهِ.
وَعَلَيْهِ غُرْمُهَا لِلْبَائِعِ لأنه يصير لمجاوزته القدر المعين مُتَطَوِّعًا بِهَا وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي جُمْلَةِ الثَّمَنِ الَّذِي لَزِمَ بِالْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَعَّضَ حُكْمُهُ.
وَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الْمُغَابَنَةِ فِي الشِّرَاءِ مَضْمُونَةً عَلَى الْوَكِيلِ مَعَ صِحَّةِ الشِّرَاءِ لِلْمُوَكِّلِ لَكَانَ النُّقْصَانُ بِقَدْرِ الْمُغَابَنَةِ فَيَ الْبَيْعِ مَضْمُونًا عَلَى الْوَكِيلِ مَعَ لُزُومِ الْبَيْعِ لِلْمُوَكِّلِ.
وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَرَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْبَيْعِ.
فَبَطَلَ المذهب إليه في الشراء.
فَإِنِ اشْتَرَاهُ بالمائة دينار صح ولزم الموكل.
وإن اشتراه بمائة درهم لم يلزم الموكل وإن كانت الدراهم أقل من قيمته لأن عدوله عن جنس الثمن كعدوله عن عين العبد.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ لَا يعين العبد ولا يعين ثمنه كقوله اشتر لِي عَبْدًا فَإِنْ وَصَفَهُ صِفَةً يَتَمَيَّزُ بِهَا مُرَادُهُ مِنَ الْعَبِيدِ صَحَّ.
وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بُطْلَانُ الْوَكَالَةِ فِي شِرَائِهِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجَازَ الْوَكَالَةَ فِي شِرَاءِ أَيِّ عَبْدٍ كَانَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا بِثَمَنِ مِثْلِهِ فَمَا دُونَ صَحَّ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ.
وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ بِقَدْرٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُوَكِّلِ وَيَكُونُ لِلْوَكِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِعَيْنِ الْمَالِ بِوِفَاقِ أَبِي الْعَبَّاسِ هَاهُنَا.
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِيمَا ارْتَكَبَهُ هُنَاكَ.
فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَشَرَةِ أَعْبُدٍ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ صَفْقَةً وَتَفَارِيقَ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ فَإِنْ قَالَ اشْتَرِهِمْ صَفْقَةً وَاحِدَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ تَفَارِيقَ.
فَلَوْ كَانُوا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَاشْتَرَاهُمُ الْوَكِيلُ مِنْهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً.
فَإِنْ كَانَ مِلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا عَنْ صَاحِبِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا خَمْسَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ بِكَمَالِهِمْ وَلِلْآخَرِ خَمْسَةٌ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ هَذَا الْعَقْدُ لِأَنَّهُمَا صَفْقَتَانِ وَهُوَ إِنَّمَا أَمَرَ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ.
ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ سَمَّى فِي الْعَقْدِ لِكُلِّ خَمْسَةٍ ثَمَنًا لَزِمَ الْوَكِيلَ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِعَيْنِ الْمَالِ.
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ خَمْسَةٍ مِنْهُمْ ثَمَنًا وَاحِدًا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِيهِ قَوْلًا: أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ الْوَكِيلُ مِنَ اخْتِلَافِ قوليه في من تَزَوَّجَ أَرْبَعًا عَلَى صَدَاقٍ بِأَلْفِ مُبْهَمَةٍ بَيْنَهُنَّ.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّخْرِيجُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَشَرَةُ كُلُّهُمْ شَرِكَةً بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَفِي لُزُومِ هَذَا الشِّرَاءِ لِلْمُوَكِّلِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَازِمٌ لِحُصُولِ جَمِيعِهِمْ بِالْعَقْدِ الْوَاحِدِ.
وَالثَّانِي: غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِعَيْنِ الْمَالِ وَهُوَ لَازِمٌ لِلْوَكِيلِ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَاقِدَانِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ العقدين.

فأما إن اشترى الوكيل في شراء الْعَبْدِ الْوَاحِدِ نِصْفَهُ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ عَقْدُهُ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يَسْتَضِرُّ بِهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ الْعَبْدَ وَلَا يُعَيِّنَ ثَمَنَهُ.
كَقَوْلِهِ: اشْتَرِ لِي سَالِمًا.
فَعَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنِ الْمَثَلِ فَمَا دُونَ.
فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُوَكِّلِ بِوِفَاقِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَبِخِلَافِ مَا قَالَهُ فِي الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ بِالثَّمَنِ الْمُقَدَّرِ.
وَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فَرَّقَ أَبُو الْعَبَّاسِ بِأَنَّ الْمُعَيَّنَ عَلَى ثَمَنِهِ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ اجْتِهَادٌ فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فَصَارَ مُتَطَوِّعًا بِهَا.
وَلَهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَى ثَمَنِهِ اجْتِهَادٌ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا بِهَا.
كَانَ فَرْقُهُ مُنْتَقَضًا بِالْبَيْعِ حَيْثُ بَطَلَ بِنُقْصَانِ الثَّمَنِ فِي الْمُقَدَّرِ وَغَيْرِ الْمُقَدَّرِ.
فَلَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ وَقَدِ اشْتَرَى الْعَبْدَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ قَدْ أَجَزْتُهُ وَقَبِلْتُ الشِّرَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بِالْمُخَالَفَةِ قَدْ صَارَ لِلْوَكِيلِ فَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى الْمُوَكِّلِ بِالْإِجَازَةِ وَالْقَبُولِ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لِلْمُوَكِّلِ قَبُولُ الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الزَّائِدِ وَيَصِيرُ الْمِلْكُ لَهُ بِالْقَبُولِ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ مَنْعُهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَرَفَ عَقْدَ الشِّرَاءِ عَنْهُ بِالثَّمَنِ الزَّائِدِ نَظَرًا لَهُ فَلَمَّا سَامَحَ فِي النَّظَرِ بِالزِّيَادَةِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ، قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِي الْبَيْعِ فَبَاعَ بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلَا وَلَمْ يَصِحَّ بِإِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَنَّ بَيْعَ الْوَكِيلِ بِمُخَالَفَتِهِ يَكُونُ فَاسِدًا فَلَمْ يَصِحَّ بِالْإِجَازَةِ.
وَشِرَاءَ الْوَكِيلِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ يَكُونُ صَحِيحًا لِنَفْسِهِ فَصَحَّتْ فِيهِ الْإِجَازَةُ.
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ لَا يُعَيِّنَ الْعَبْدَ وَيُعَيِّنَ ثمنه.
فكقوله: اشتر لي عبدا بماية دِرْهَمٍ.
فَإِنْ وَصَفَ الْعَبْدَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مُرَادُهُ مِنَ الْعَبِيدِ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَقُومُ ذِكْرُ الثَّمَنِ مَقَامَ الصِّفَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الصِّفَةِ لِتَمْيِيزِ الْعَبْدِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي ابْتِيَاعِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَقُومُ مَقَامَ الصِّفَةِ لِأَنَّ ذِكْرَ الثَّمَنِ لَا يَدُلُّ عَلَى جِنْسٍ مِنَ الْعَبِيدِ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْأَجْنَاسِ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْوَكَالَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَاطِلَةً.
وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ إِطْلَاقَهَا مِنْ أَصْحَابِنَا جَائِزَةً.
فَإِذَا اشْتَرَى الْعَبْدَ بِالْمِائَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا وَنَصَّ عَلَيْهَا وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً صَحَّ.
وَإِنْ كَانَ لَا يُسَاوِي مِائَةً لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ.
وَلَوِ اشْتَرَاهُ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَلَوْ بِقِيرَاطٍ، وَهُوَ يُسَاوِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ لِلْمُخَالَفَةِ فِيهِ.

وَلَوِ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ، فَإِنْ كَانَ يُسَاوِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَلَا يُسَاوِي الْمِائَةَ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِشِرَاءِ عَبْدٍ يُسَاوِي مِائَةً.
فَإِنْ كَانَ يُسَاوِي الْمِائَةَ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ لَمَّا الْتَزَمَهُ بِالْمِائَةِ كَانَ بِمَا دُونَهَا أَلْزَمَ لَهُ.
فَلَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِمِائَةٍ فَاشْتَرَى لَهُ عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ.
فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَبْدَيْنِ لَا يُسَاوِي مِائَةً فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ للموكل.
وإن كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي مِائَةً فَفِيهِ قَوْلَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدَيْنِ بِالْمِائَةِ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِالْمِائَةِ كَانَ بِهِمَا أَرْضَى.
وَلِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ حَيْثُ وَكَّلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُوَكِّلَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُمَا بِالْمِائَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا بِقِسْطِ ثَمَنِهِ مِنَ الْمِائَةِ لِأَنْ لَا يَلْتَزِمَ بِمِلْكِ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ.
فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ يُسَاوِي مِائَةً وَالْآخَرُ يُسَاوِي أَقَلَّ.
فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يَأْخُذُهُمَا جَمِيعًا بِالْمِائَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُمَا بِالْمِائَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ الَّذِي يُسَاوِي الْمِائَةَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
فَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُسَاوِي مِائَةً فَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُوَكِّلِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال المزني رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَكَّلَنِي فُلَانٌ بِقَبْضِهِ مِنْكَ فَصَدَّقَهُ وَدَفَعَهُ وَتَلِفَ وَأَنْكَرَ رَبُّ الْحَقِّ أَنْ يَكُونَ وَكَّلَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ فَإِذَا أُغْرِمَ الدَّافِعُ لَمْ يَرْجِعِ الدَّافِعُ عَلَى الْقَابِضِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ وَكِيلٌ بَرِيءٌ وَإِنْ أُغْرِمَ الْقَابِضُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الدَّافِعِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أنه مظلوم بريء ". قال الماوردي: وصورتها في من غَابَ وَلَهُ مَالٌ عَلَى رَجُلٍ أَوْ فِي يَدِهِ فَحَضَرَ رَجُلٌ ادَّعَى وَكَالَةَ الْغَائِبِ فِي قَبْضِ مَالِهِ.
فَإِنْ أَقَامَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فِي الْوَكَالَةِ بَيِّنَةً عَادِلَةً حُكِمَ بِهَا.
وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا ابْنُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ لِأَبِيهِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ فِيهِمَا ابْنُ مِنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ لِأَبِيهِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ حَقِّ صَاحِبِ الْحَقِّ بِهَذَا الدَّفْعِ.
وَلَكِنْ لَوْ كَانَ فِيهِمَا ابْنُ صَاحِبِ الْحَقِّ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى أَبِيهِ لَا لَهُ.
فَإِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالْوَكَالَةِ أَجْبَرَ الْحَاكِمُ مِنْ عَلَيْهِ الْمَالُ عَلَى دَفْعِهِ إِلَى الْوَكِيلِ.
لِأَنَّ لصاحب الحق أن يستوفيه بنفسه إن شاءه أو بوكيله إن شاءا وليس لمن هو عليه أن يمتنع في تَسْلِيمِهِ إِلَى وَكِيلِ مَالِكِهِ.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِي الْوَكَالَةِ بَيِّنَةٌ يُثْبِتُ بِهَا الْوَكَالَةَ لَمْ يَلْزَمْ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى مُدَّعِي الْوَكَالَةِ.
سَوَاءٌ صَدَّقَهُ عَلَى الْوَكَالَةِ أَوْ كَذَّبَهُ.
وَقَالَ أبو حنيفة وَالْمُزَنِيُّ إِنْ صَدَّقَهُ عَلَى الْوَكَالَةِ لَزِمَهُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ كَالْمُصَدِّقِ لِمُدَّعِي مِيرَاثِ رَبِّ الْمَالِ يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ تَعْلِيلُ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ دَفْعٌ لَا يُبَرِّئُهُ مِنْ حَقِّ الْوَكِيلِ عِنْدَ إِنْكَارِ الْوَكَالَةِ وَمَنْ لَمْ يَبْرَأْ بِالدَّفْعِ عِنْدَ إِنْكَارٍ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ بِوَثِيقَةٍ فَلَهُ الِامْتِنَاعُ عَنِ الدَّفْعِ إِلَّا بِإِشْهَادِ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ وَثِيقَةٌ فَفِي جَوَازِ امْتِنَاعِهِ مِنَ الدَّفْعِ لِأَجْلِ الشَّهَادَةِ وَجْهَانِ: - أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ لأن لا يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ يَمِينٌ عِنْدِ ادِّعَائِهِ بَعْدَ دَفْعِهِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ وَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْحَقِّ الْإِشْهَادُ لِأَنَّهُ إِذَا أَنْكَرَ الْحَقَّ بَعْدَ أَدَائِهِ حَلَفَ بَارًّا.
وَالتَّعْلِيلُ الثَّانِي هُوَ تَعْلِيلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَنَّهُ مُقِرٌّ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَمُدَّعٍ عَقْدَ وَكَالَةٍ لِغَيْرِهِ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ وَلَمْ يَلْزَمْ إِقْرَارُهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَوْ أَقَرَّ بِمَوْتِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَأَنَّ هَذَا الْحَاضِرَ وَصِيُّهُ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ لَمْ يَلْزَمْ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِاسْتِحْقَاقِ قَبْضِهِ فَكَذَا الْوَكِيلُ فَأَمَّا اعْتِرَافُهُ لِلْوَارِثِ بِمَوْتِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَلْزَمُهُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ أَنَّهُ مُقِرٌّ لِلْوَارِثِ بِالْمِلْكِ فَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَبْرَأُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَصِيرُ الْوَكِيلُ مَالِكًا وَلَا يَبْرَأُ بِقَبْضِهِ مِنَ الْحَقِّ.
فَأَمَّا إِنْ أَقَرَّ مَنْ عَلَيْهِ الْمَالُ بِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ أَحَالَ هَذَا الْحَاضِرَ بِهِ.
فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْمِلْكِ فَصَارَ كَإِقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ.
وَالثَّانِي: لَا يُلْزِمُهُ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ عِنْدَ الْجُحُودِ فَصَارَ كَإِقْرَارِهِ بِالتَّوْكِيلِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْ أَنْ يُصَدِّقَ الْوَكِيلَ أَوْ يُكَذِّبَهُ.
فَإِنْ كَذَّبَهُ عَلَى الْوَكَالَةِ وَأَنْكَرَهُ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ عِنْدَ أبي حنيفة وَالْمُزَنِيِّ الْيَمِينُ لِوُجُوبِ الدَّفْعِ عِنْدَهُمَا مَعَ التَّصْدِيقِ.
وَلَا يَجُوزُ مَعَ تَكْذِيبِهِ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى الْوَكَالَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ فِي الْحُكْمِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ.
فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَدِمَ صَاحِبُ الْحَقِّ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِالْوَكَالَةِ أَوْ يُنْكِرَهَا، فإن اعترف بها بريء

مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِالدَّفْعِ سَوَاءٌ وَصَلَ الْمُوَكِّلُ إِلَى حَقِّهِ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ بِتَلَفِهِ.
فَإِنْ أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِذَا حَلَفَ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ ثُمَّ لَا تَخْلُو حَالَةُ حَقِّهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا.
فَإِنْ كَانَ حَقُّهُ عَيْنًا قَائِمَةً كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيِّ وَالْوَدَائِعِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَابِضِ وَالدَّافِعِ ضَامِنٌ لَهَا.
أَمَّا الدَّافِعُ فَلِتَعَدِّيهِ بِالدَّفْعِ.
وَأَمَّا الْقَابِضُ فَلِيَدِهِ عِنْدَ إِنْكَارِ تَوْكِيلِهِ.
وَيَكُونُ رَبُّهَا بِالْخِيَارِ في المطالبة مَنْ شَاءَ بِهَا مِنَ الدَّافِعِ أَوِ الْقَابِضِ سَوَاءٌ كَانَتْ بَاقِيَةً أَوْ تَالِفَةً، إِلَّا أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْقَابِضِ بِهَا وَمُطَالَبَةُ الدَّافِعِ بِاسْتِرْجَاعِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً كَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِالْقِيمَةِ.
فَإِنْ طَالَبَ بِهَا الدَّافِعَ وَأَغْرَمَهُ بَرِئَا.
وَلَمْ يَرْجِعِ الدَّافِعُ عَلَى الْقَابِضِ بِغُرْمِهَا لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّ الْقَابِضَ وَكَيْلٌ بَرِيءٌ مِنْهَا وَأَنَّهُ مَظْلُومٌ بِهَا وَإِنْ طَالَبَ الْقَابِضَ فَأَغْرَمَهُ بَرِئَا وَلَمْ يَرْجِعِ الْقَابِضُ عَلَى الدَّافِعِ بِغُرْمِهَا لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِبَرَاءَتِهِ مِنْهَا وَأَنَّهُ هُوَ الْمَظْلُومُ بِهَا.

(فَصْلٌ)

وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الدَّافِعِ فَالدَّافِعُ ضَامِنٌ لَهُ لِبَقَائِهِ فِي ذِمَّتِهِ.
وَهَلْ يَكُونُ الْقَابِضُ ضَامِنًا لَهُ وَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَتُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِهِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِقَبْضِ حَقِّهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْقَابِضَ غَيْرُ ضَامِنٍ لَهُ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مُطَالَبَةُ الْقَابِضِ بِهِ.
لِأَنَّ دَيْنَهُ فِي ذِمَّةِ الدَّافِعِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ حَقُّهُ فِي مَا صَارَ بِيَدِ الْقَابِضِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَالِبَ الْقَابِضَ بِهِ.
فَعَلَى هَذَا إِذَا رَجَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ وَطَالَبَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ وَاسْتَوْفَاهُ مِنْهُ.
نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ إِلَى الْوَكِيلِ قَائِمًا فِي يَدِهِ رَجَعَ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ بِغُرْمِهِ.
لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بأنه وكيل بريء مِنْهَا وَأَنَّهُ هُوَ الْمَظْلُومُ بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.

(مسألة)

قال المزني رضي الله عنه: " وَإِنْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ فَبَاعَهَا نَسِيئَةً كَانَ لَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَا وَكَّلَهُ إِلَّا بِالنَّقْدِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ إِلَّا بِصَرِيحِ إِذْنٍ مِنْ مُوَكِّلِهِ وَأَنَّ إِطْلَاقَ إِذْنِ الْمُوَكِّلِ يَقْتَضِي تَعْجِيلَ الثَّمَنِ بِخِلَافِ قَوْلِ أبي حنيفة.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَلَّقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِأَرْبَعَةِ فُصُولٍ: فَالْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بِالنَّقْدِ فَيَبِيعَهُ بِالنَّسِيئَةِ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بِالنَّسِيئَةِ فَيَبِيعَهُ بِالنَّقْدِ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ فَيَشْتَرِيَ بالنسيئة.

وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ فَيَشْتَرِيَ بِالنَّقْدِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ فَيَبِيعَ بالنسيئة فللوكيل والمشتري أربعة أحوال: أحدهما: أَنْ يُصَدِّقَاهُ عَلَى أَنَّ إِذْنَهُ كَانَ بِالنَّقْدِ فلا يميز عَلَى الْمُوَكِّلِ لِتَصْدِيقِهِمَا لَهُ بِذَلِكَ وَيَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ: وَالصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِهِ الْقَدِيمِ بَاطِلًا.
أَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ أَوْ لَمْ يُجِزْهُ لِوُقُوعِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَكِيلِ التَّسْلِيمُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ سَلَّمَ ذَلِكَ إِلَى الْمُشْتَرِي كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَكِيلِ وَالْمُشْتَرِي ضَامِنًا.
أَمَّا الْوَكِيلُ فَلِتَعَدِّيهِ بِالدَّفْعِ.
وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِعِلَّتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُصُولُ يَدِهِ عَلَى مَا لَزِمَ ضَمَانُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: قَبْضُهُ عَنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا اسْتَرْجَعَهُ الْمُوَكِّلُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْوَكِيلَ بِاسْتِرْجَاعِهِ.
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْوَكِيلِ أَوِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ رَجَعَ الْوَكِيلُ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ وَإِنْ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ دَفَعَ إِلَيْهِ الثَّمَنَ فَيَرْجِعَ بِهِ.
وَكَانَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُخَرِّجُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجْهًا فِي الْقَدِيمِ.
حَيْثُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ: إِنَّ الْغَاصِبَ إِذَا أَجَّرَ مَا غَصَبَهُ كَانَ الْمَالِكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْإِجَارَةِ وَأَخْذِ الْمُسَمَّى وَبَيْنَ فَسْخِهَا وَالْمُطَالَبَةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
فَجَعَلَ الْمُوَكِّلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَمُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَبَيْنَ فَسْخِهِ وَاسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا أَوِ الْقِيمَةِ إِنْ كَانَ تَالِفًا.
فَإِنْ أَمْضَيَا الْبَيْعَ فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي بِهِ دُونَ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ فُسِخَ فَلَهُ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بالقيمة وأنكر باقي أصحابنا هذا التخريج.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُكَذِّبَهُ الْوَكِيلُ وَالْمُشْتَرِي وَيَزْعُمَانِ أَنَّهُ أَذِنَ فِي بَيْعِ النَّسِيئَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي صِفَتِهِ.
وَيَحْلِفُ لَهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً لِأَنَّهُمَا أَكْذَبَاهُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ.
فَإِذَا حَلَفَ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا اسْتَرْجَعَهُ وَإِنْ كان تالفا يرجع القيمة عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْوَكِيلِ وَالْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِمَا ضَامِنَيْنِ بِمَا بَيَّنَّا.
فَإِنْ رَجَعَ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ بِالثَّمَنِ إِنْ كَانَ قَدْ أَقْبَضَهُ إِيَّاهُ.
سَوَاءٌ زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا.
وَإِنْ رَجَعَ الْمُوَكِّلُ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْوَكِيلِ.
فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي بما زَادَ فِي الْقِيمَةِ عَلَى قَدْرِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ مقر الْمُوَكِّلَ ظَالِمٌ بِهَا.
فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى غَيْرِ مَنْ ظَلَمَهُ.

والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْوَكِيلُ وَيُكَذِّبَهُ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ إِلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الْمُكَذِّبِ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ الْقِيمَةُ.
وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى يَمِينٍ لِتَصْدِيقِهِ لَهُ.
وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَا بُدَّ مِنَ الْيَمِينِ لتكذيبه له.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي وَيُكَذِّبَهُ الْوَكِيلُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الْمُصَدِّقِ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ الْقِيمَةُ.
فَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَحْتَجْ إِلَى يَمِينٍ لِتَصْدِيقِهِ لَهُ.
وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ لِتَكْذِيبِهِ لَهُ.
هَذَا حُكْمُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أُذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ بِالنَّسِيئَةِ فَيَبِيعُ بِالنَّقْدِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ خَرَجَ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ النَّقْدِ أَمْ لَا.
فَإِنْ نَهَاهُ صَرِيحًا عَنْ بَيْعِ النَّقْدِ كَانَ بَيْعُهُ بَاطِلًا.
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ عَلَى مَا مَضَى.
وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ النَّقْدِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِيعَهُ نَقْدًا بِمَا يُسَاوِي بِالنَّقْدِ.
فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّتَ عَلَيْهِ فَضْلَ النَّسِيئَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أن يبيعه نقدا بما يساوي نسيئة كأن يُسَاوِيَ بِالنَّقْدِ مِائَةً وَبِالنَّسِيئَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَيَبِيعَهُ بِمِائَةً وَخَمْسِينَ نَقْدًا.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ لِحُصُولِ الزِّيَادَةِ مَعَ التَّعْجِيلِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي ثُبُوتِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ مَلِيٍّ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِبَيْعِ النَّسِيئَةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَخْرِيجُ الْبَيْعِ لِلْكَسَادِ أَوْ عَيْبٍ.
وَإِمَّا طَلَبُ الْفَضْلِ فِي الثَّمَنِ وقد حصل الْأَمْرَانِ لَهُ بِهَذَا الْبَيْعِ.
فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ ثُبُوتِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّةِ مَلِيٍّ فَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إِذَا عَجَّلَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ وَيَشْتَرِيَ بِالنَّسِيئَةِ.
فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَيِّنَ بِهِ الثَّمَنَ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ.
فَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى بِغَيْرِ الْعَيْنِ كَانَ مُخَالِفًا وَلَزِمَ الْوَكِيلَ.
وَإِنِ اشْتَرَى بِالْعَيْنِ إِلَى أَجَلٍ كَانَ بَاطِلًا وَلَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ وَلَا الْوَكِيلَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُعَيِّنَ لَهُ الثَّمَنَ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يشتري بما يساوي نسيئا وَبِأَكْثَرَ مِمَّا يُسَاوِي نَقْدًا.
فَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ

لِلْمُوَكِّلِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْتِزَامِ فَضْلِ النَّسَاءِ وَالشِّرَاءُ لَازِمٌ لِلْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ مُوَكِّلِهِ.
وَإِنْ ذَكَرَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي لَازِمٌ لِلْوَكِيلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِيَهُ نَسِيئَةً بِمَا يُسَاوِي نَقْدًا أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ النَّسَاءِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الشِّرَاءَ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ غَرَضُهُ فِي الِاسْتِصْلَاحِ مَعَ تَأْجِيلِ الثَّمَنِ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ الشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُوَكِّلِ لِمُخَالَفَتِهِ وَبَقَاءِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي بَيْعِ النَّسَاءِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ نَقْدًا.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ فَيَشْتَرِيَ بِالنَّقْدِ فَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُوَكِّلِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِمَا يُسَاوِي نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْتِزَامِهِ تَعْجِيلَ ثَمَنٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إِلَى أَجَلٍ فَاشْتَرَاهُ إِلَى أَجَلٍ هُوَ أَقْرَبُ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ.
وَلَوِ اشْتَرَاهُ إِلَى أَجَلٍ هُوَ أَبْعَدُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ غَيْرُ لَازِمٍ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ فِي اشْتِرَاطِ خِيَارِ الثلاث في عقده فَلَا يَشْتَرِطُهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ عقده لازما وقد أذن له في عقده غَيْرُ لَازِمٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَرْكِهِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَإِنْ شَرَطَهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُ عَقَدَهُ غَيْرَ لَازِمٍ وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي عَقْدٍ لَازِمٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ إِذْنُهُ مُطْلَقًا فَإِنْ عَقَدَهُ الْوَكِيلُ نَاجِزًا مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ صَحَّ الْبَيْعُ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ.
وَإِنْ عَقَدَهُ بِخِيَارِ الثَّلَاثِ فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَلُزُومِهِ لِلْمُوَكِّلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ الْخِيَارَ زِيَادَةُ نَظَرٍ لَهُ وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ وَلَا يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ لِأَنَّ الْعَقْدَ بِالْخِيَارِ يَصِيرُ غير لازم.

(مسألة)

قال المزني رضي الله عنه: " وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ فَأَصَابَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ مَا رَضِيَ بِهِ الْآمِرُ وَكَذَلِكَ الْمُقَارِضُ وهو قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَعْنَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ إِذَا أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ حَالَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُعَيِّنَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَصِفَهُ وَلَا يُعَيِّنَهُ.
فَإِنْ وَصَفَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ لَزِمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ سَلِيمًا مِنَ الْعُيُوبِ

لِأَنَّ إِطْلَاقَ الصِّفَةِ يَقْتَضِيهِ وَيَجُوزُ لِلْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَشْتَرِيَ السَّلِيمَ وَالْمَعِيبَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ شِرَاءَ الْوَكِيلِ لِلْقِنْيَةِ وَلَيْسَ فِي الْمَعِيبِ صَلَاحٌ لِلْمُقْتَنِي وَشِرَاءَ الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ.
وَقَدْ يُوجَدُ الرِّبْحُ فِي الْمَعِيبِ كَوُجُودِهِ فِي السَّلِيمِ.
فَإِنِ اشْتَرَى الْوَكِيلُ عَبْدًا عَلَى الصِّفَةِ وَكَانَ مَعِيبًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ.
فَالشِّرَاءُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُوَكِّلِ لِإِقْدَامِهِ عَلَى ابْتِيَاعِ مَا لَمْ يَقْتَضِهِ الْإِذْنُ.
وَهُوَ لَازِمٌ لِلْوَكِيلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ اعْتِبَارِ صِفَةِ الْإِذْنِ فِي الْعَقْدِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِيَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ فَلِلْمُوَكِّلِ إِذَا عَلِمَ بِعَيْبِهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى رَدِّهِ وَلَا يَلْزَمَهُ اسْتِئْذَانُ مُوَكِّلِهِ لِأَنَّ رَدَّ الْمَعِيبِ فِي حُقُوقِ عَقْدِهِ.
فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: قَدْ أَمْهَلْتُكَ فِي رَدِّهِ فَطَالِعْ مُوَكِّلَكَ بِعَيْبٍ لَمْ تَلْزَمْهُ الْمُطَالَعَةُ وَكَانَ لَهُ تَعْجِيلُ الرَّدِّ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ رَدَّهُ ثُمَّ جَاءَ الْمُوَكِّلُ رَاضِيًا بِعَيْبِهِ لَمْ يَكُنْ لِرِضَاهُ بَعْدَ الرَّدِّ تَأْثِيرٌ لِفَسْخِ الْبَيْعِ بِالرَّدِّ قَبْلَ الرِّضَا.
وَلَوْ رَضِيَ بِعَيْبِهِ قَبْلَ رَدِّ الْوَكِيلِ، لَزِمَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ الرَّدُّ.
وَلَوْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ بِعَيْبِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى كَانَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لِلْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ شِرْكًا فِي الرِّبْحِ.
وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ فِيهِ شِرْكٌ، فَإِنِ ادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْوَكِيلِ حين أراد الرد أن موكله راض بِالْعَيْبِ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ.
فَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِرِضَا مُوَكِّلِهِ بِالْعَيْبِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ تَعَالَى أنه ما علم موكله مُوَكِّلُهُ بِالْعَيْبِ.
وَلَهُ الرَّدُّ وَاسْتِرْجَاعُ الثَّمَنِ ثُمَّ لِلْبَائِعِ إِذَا رَدَّ الثَّمَنَ عَلَى الْوَكِيلِ وَظَفِرَ بِالْمُوَكِّلِ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ أَيْضًا مَا رَضِيَ بِعَيْبِ الْعَبْدِ الَّذِي ابْتَاعَهُ مُوَكِّلُهُ قَبْلَ رَدِّهِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ الْبَائِعُ وَحُكِمَ لَهُ بِلُزُومِ الْبَيْعِ وَاسْتِحْقَاقِ الثَّمَنِ.
فَهَذَا حُكْمُ الْوَكِيلِ إِذَا رَدَّ بِالْعَيْبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا إِنْ رَضِيَ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ نُظِرَ فِي الْمُوَكِّلِ فَإِنْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ كَانَ الشِّرَاءُ لَازِمًا لَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِالْعَيْبِ نُظِرَ فِي عَقْدِ الْبَائِعِ فَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى مُوَكِّلَهُ فِيهِ فَلَهُ الرَّدُّ.
لِأَنَّ مَالِكَ الشِّرَاءِ لَا يَلْتَزِمُ عَيْبًا لَمْ يَرْضَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ فِي عَقْدِهِ نُظِرَ فِي الْبَائِعِ فَإِنْ صَدَّقَ الْوَكِيلَ أَنَّ عَقْدَ الشِّرَاءِ لِمُوَكِّلِهِ كَانَ لَهُ الرَّدُّ.
وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ حَلَفَ لَهُ وَلَا رَدَّ لِلْوَكِيلِ عَلَى الْبَائِعِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِضَاهُ.
فَأَمَّا الْمُوَكِّلُ فَلَا رَدَّ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْبَائِعِ الْمَالِكِ لِلثَّمَنِ، وَلَكِنَّ لَهُ أَنْ يرجع عليه بنقصان العيب لأنه قد صَارَ كَالْمُسْتَهْلِكِ لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِضَاهُ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ رُجُوعِ الْمُوَكِّلِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيِّ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ النَّقْصِ مِنْ ثَمَنِهِ فَأَمَّا إِنْ كَانَ يُسَوِّي مَعِيبًا بِمِثْلِ مَا اشْتَرَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ لِعَدَمِ النَّقْصِ فِي الثَّمَنِ.
اسْتِشْهَادًا بِأَنَّ

مَنِ ادَّعَى بَيْعَ عَبْدِهِ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفٍ وَأَنْكَرَ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِالْبَيْعِ فَحُكِمَ لَهُ بِالثَّمَنِ ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ فَإِنْ كَانَ ثَمَنُ الْعَبْدِ أَلْفًا فَلَا غُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ.
وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ غُرِّمَ الشُّهُودُ بِرُجُوعِهِمْ قَدْرَ النَّقْصِ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ سَوَاءٌ كَانَ يَسْوَى قَدْرَ ثَمَنِهِ مَعِيبًا أَمْ لَا.
لِأَنَّ الْعَيْبَ إِذَا كان معه الرد مقدرا بالأرش ولم يَكُنْ مُعْتَبَرًا بِنَقْصِ الثَّمَنِ.
وَلَيْسَ كَالَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ رُجُوعِ الشُّهُودِ لِأَنَّ غَارِمَ الثَّمَنِ بِشَهَادَتِهِمْ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِمَا غَرِمَ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ يَغْرَمُهُ.
فَهَذَا حُكْمُ التَّوْكِيلِ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ مَوْصُوفٍ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَعِيبًا فَهَلْ لِلْوَكِيلِ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ أَنْ يَرُدَّهُ قَبْلَ اسْتِئْذَانِ مُوَكِّلِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا: لَا رَدَّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِ مُوَكِّلِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ بِالتَّعْيِينِ فِيهِ قَدْ قَطَعَ اجْتِهَادَهُ فِيهِ وَلَعَلَّهُ قَدْ أَمَرَهُ بِشِرَائِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ.
لَهُ الرَّدُّ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِأَنَّ الرَّدَّ من حقوق عقده ولأن لا يكون مأخوذا به إن لم يرضى الْمُوَكِّلُ بِعَيْبِهِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ إِذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ حُدُوثُ مِثْلِهِ فَرَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ بِيَمِينِهِ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِعَيْبِهِ أَوْ بِتَصْدِيقِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ بِالْعَيْبِ الَّذِي كَانَ بِهِ مِنْ قَبْلِ بَيْعِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يُمْكِنُ حُدُوثُ مِثْلِهِ.
فَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا عَلَى تَقَدُّمِ عَيْبِهِ كَانَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
وَإِنْ رَدَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِتَصْدِيقِ الْوَكِيلِ عَلَى تَقَدُّمِ عَيْبِهِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
لِأَنَّ تَصْدِيقَ الْوَكِيلِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى مُوَكِّلِهِ.
وَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ عِنْدَ نُكُولِ الْوَكِيلِ فَهَلْ لِلْوَكِيلِ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْيَمِينِ بَعْدَ النُّكُولِ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ؟ (فَصْلٌ) وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إِلَى وَكِيلِهِ دَرَاهِمَ لِيَدْفَعَهَا سِلْمًا فِي طَعَامٍ، وَأَسْلَمَهَا الْوَكِيلُ فِي طَعَامٍ ثُمَّ إِنَّ المسلم إليه رد من الدراهم ردية وَصَدَّقَهُ عَلَيْهَا الْوَكِيلُ فَأَكْذَبَهُ الْمُوَكِّلُ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ.
وَفِيهَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِبَدَلِهَا عَلَى الْوَكِيلِ وَيَكُونُ الطَّعَامُ فِي ذِمَّتِهِ لِلْمُوَكِّلِ.
وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُشْتَرِي الدَّرَاهِمِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا إِذَا أَصَابَ بِهَا بَعْدَ الْقَبْضِ عَيْبًا إنَّهُ يُبَدِّلُهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَى الْوَكِيلِ.
فَإِذَا أَدَّى الطَّعَامَ إِلَى الْمُوَكِّلِ رجع على الوكيل

بحصة مَا رَدَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ.
مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ عُشْرَ الثَّمَنِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِعُشْرِ الطَّعَامِ.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إنَّ مُشْتَرِيَ الدَّرَاهِمِ إِذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا رَدَّهَا وَلَمْ تُبَدَّلْ.
فَعَلَى هَذَا لِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ قِيمَةَ مَا دَفَعَ مِنْ عُشْرِ الطَّعَامَ مِنَ الدَّرَاهِمِ الْمَعِيبَةِ الَّتِي رُدَّتْ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ بِإِزَاءِ حَقِّهِ اسْتَوْفَاهُ.
وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ رَدَّ الزِّيَادَةَ وَلَمْ يَأْخُذْهَا.
فَلَوْ أَبْرَأَ الْمُوَكِّلُ الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ بِقِسْطِ الْمَعِيبِ فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا فِي يَدِ الْوَكِيلِ فِي الدَّرَاهِمِ الْمَعِيبَةِ.
لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ.
وَلَا لِلْمُسْلَمِ إِلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا.
لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ.
فَإِنْ عَادَ الْمُوَكِّلُ فَصَدَّقَ الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ عليها أَنَّهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ رَجَعَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ.
لِأَنَّهُ يَقُولُ هِيَ لِي وَقَدْ أَبْرَأَنِي الْمُوَكِّلُ مِنْ طَعَامِهِ فَبَرِئْتُ.
وَإِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: هِيَ دَرَاهِمِي فَلِي الرُّجُوعُ بِهَا.
فَلِلَّذِي يَسْبِقُ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ.

(فَصْلٌ)

إِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ وَكِيلًا فِي شِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ مِنْ مَالِ مُوَكِّلِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ فَهَلْ يَكُونُ الْوَكِيلُ خَصْمًا فِي الرُّجُوعِ بَدَرْكِ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ بِالْوَكَالَةِ الْأُولَى أَمْ لَا؟ ذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ خَصْمًا فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ عَقْدِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ خَصْمًا إِلَّا بِاسْتِئْنَافِ وَكَالَةٍ.
لِأَنَّ مَا اقْتَضَتْهُ الْوَكَالَةُ قَدْ تَقَضَّى وَالصَّحِيحُ عِنْدِي غَيْرُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَنْ نَنْظُرَ، فَإِنِ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِ الْوَكِيلِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ، كَانَ الْوَكِيلُ خَصْمًا فِي الرُّجُوعِ بِدَرَكِهِ.
وَإِنِ اسْتَحَقَّ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا فِيهِ إِلَّا بِاسْتِئْنَافِ وَكَالَةٍ، لِأَنَّ بِحُصُولِهِ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ قَدْ نُقِضَتْ أَحْكَامُ وَكَالَتِهِ وَانْقَطَعَتْ عَلَقُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَبْلَ وُصُولِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الْمُزَنِيُّ رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَيْنٌ وَقَدْ وُكِّلَ هَذَا بِقَبْضِهِ لَمْ يَقْضِ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ بِدَفْعِهِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِتَوْكِيلِ غَيْرِهِ فِي مَالٍ لَا يَمْلِكُهُ وَيَقُولُ لَهُ إِنْ شِئْتَ فَادْفَعْ أَوْ دَعْ وَلَا أَجْبُرُكَ عَلَى أَنْ تَدْفَعَ (قال) وللوكيل وللمقارض أن يردا ما اشتريا بالعيب وليس للبائع أن يحلفهما ما رضي رب المال وقال ألا ترى أنهما لو تعديا لم ينتقض البيع ولزمهما الثمن وكانت التباعة عليهما لرب المال ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَذَكَرْنَا أَنَّ مُدَّعِيَ وَكَالَةِ الْغَائِبِ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ لَا يَلْزَمُ دَفْعَ الْمَالَ إِلَيْهِ مَا لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِهِ وَسَوَاءٌ صَدَّقَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ فِي قَبْضِهِ أَوْ كَذَّبَ وَيَجُوزُ لَهُ مَعَ تَصْدِيقِهِ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ إِلَيْهِ جَوَازًا لَا وُجُوبًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
آخِرُ كِتَابِ الْوَكَالَةِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين كثيرا يتلوه

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل