كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَدُهُمَا: وَقَدْ نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ أَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ وَعَلَيْهَا التُّرَابُ الَّذِي أُخِذَ مِنْهَا ثُمَّ يقوم بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْهَا وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ أَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ هَذَا وَمِنْ قِيمَةِ التُّرَابِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنِ الْأَرْضِ.
وَإِنْ كَانَ التُّرَابُ بَاقِيًا فَلِلْغَاصِبِ وَرَبِّ الْأَرْضِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهِ إِلَى الْأَرْضِ فَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ بَعْدَ رَدِّهِ غُرْمُ نَقْصٍ إِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا فِي أَكْثَرِ الْحَالَيْنِ أُجْرَةً مِنْ كَوْنِهَا ذَاتَ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِ ذات تراب إلى أن أخذ فِي رَدِّ التُّرَابِ فَأَمَّا أُجْرَتُهَا فِي زَمَانِ رَدِّ التُّرَابِ إِلَيْهَا فَإِنْ كَانَ رَدُّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمَالِكِ لَهَا وَتَصَرُّفِهِ فِيهَا فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَالِكِ لَهَا فعليه الأجرة.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِ التُّرَابِ خَارِجًا عَنْهَا وَأَنْ لَا يَرُدَّهُ إِلَيْهَا فَذَلِكَ لَهُمَا مَا لَمْ يَطْرَحِ التُّرَابَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ وَهَبَ لَهُ التُّرَابَ فَلَيْسَ لَهُ أَبَدًا فِي اسْتِرْجَاعِهِ وَرَدِّهِ حَقٌّ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَهَبْهُ لَهُ فَمَتَى طَالَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَرَدِّهِ كَانَ لَهُ وَأَخَذَ الْغَاصِبُ بِرَدِّهِ فَإِنْ طَالَبَهُ بِنَقْصِ الْأَرْضِ نَظَرَ.
فَإِنْ كَانَ رَدُّ التُّرَابِ إِلَيْهَا يَمْنَعُ مِنَ النَّقْصِ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالنَّقْصِ وَإِنْ كَانَ رَدُّ التُّرَابِ إِلَيْهَا لَا يَمْنَعُ مِنَ النَّقْصِ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالنَّقْصِ الْحَاصِلِ فِيهَا بعد رد التراب إليها.
والحال الثالث: أَنْ يَدْعُوَ رَبُّ الْأَرْضِ إِلَى رَدِّ التُّرَابِ إِلَيْهَا وَيَمْتَنِعَ الْغَاصِبُ فَيُؤْخَذُ الْغَاصِبُ جَبْرًا بِرَدِّ التُّرَابِ إِلَيْهَا فَإِنْ عَظُمَتْ مَؤُنَةُ رَدِّهِ وَتَضَاعَفَتِ الْكُلْفَةُ فِي نَقْلِهِ لِأَنَّهُ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ بِعُدْوَانِهِ وَغَصْبِهِ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَالِكِ فِي رَدِّ التُّرَابِ نَفْعٌ أَمْ لَا بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ فِي قَلْعِ الشَّجَرِ وَالتَّزْوِيقِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ التُّرَابَ عَيْنٌ يَمْلِكُهَا فَكَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا زَمِنًا لَا يَنْفَعُ سَيِّدَهُ وَهُوَ كَلٌّ عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ نَفَقَتَهُ وَلَا يَرْجُو نَفْعَهُ فَإِنَّ الْغَاصِبَ مَأْخُوذٌ بِرَدِّهِ عَلَى مَالِكِهِ وَإِنْ ثقلت عليه مؤنة رده.
والحال الرابع: أَنْ يَدْعُوَ الْغَاصِبُ إِلَى رَدِّهِ وَيَمْتَنِعَ مِنْهُ الْمَالِكُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَالِكِ فِي مَنْعِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْ ضَمَانِ التُّرَابِ أَوْ لَا يُبْرِئُهُ فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ رَدِّهِ وَلَمْ يُبَرِّئْهُ مِنْ ضَمَانِهِ فَلِلْغَاصِبِ رَدُّ التُّرَابِ وَحْدَهُ لِيَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُهُ بِالرَّدِّ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَنْعِهِ وَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ رَدِّهِ بَعْدَ إِبْرَائِهِ مِنْهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْغَاصِبِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي رَدِّهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ أَوْ لَا غَرَضَ لَهُ في رده صحيح وذلك من وجوه:
أحدها: أَنْ يَكُونَ قَدْ نَقَلَهُ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى مَغْصُوبَةٍ فَيَرُدُّهُ لِيَبْرَأَ مِنْ غَصْبِهَا، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَقَلَهُ إِلَى طَرِيقٍ سَابِلَةٍ تَضِيقُ عَنْهُ أَوْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَتْلَفَ بِهِ مَا يَضْمَنُهُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ
نَقْلَهُ إِلَى مَسْجِدٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُقَرُّ عَلَى تَرْكِهِ فِيهِ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ الَّتِي نُقِلَ التُّرَابُ عَنْهَا قَدْ صَارَتْ حُفَرًا لَا يُأْمَنُ ضَمَانُ مَا يَسْقُطُ فِيهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا أَغْرَاضٌ صَحِيحَةٌ وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَرُدَّ التُّرَابَ لِأَجْلِهَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ فِي رَدِّهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لِحُصُولِ التُّرَابِ فِي أَرْضٍ أُخْرَى لِمَالِكِ التُّرَابِ أَوْ فِي مَوَاتٍ لَا يُمْنَعُ مِنْ تَرْكِهِ فِيهِ مُنِعَ الْغَاصِبُ مِنْ رَدِّهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْعَابِ بَدَنِهِ وَأَعْوَانِهِ بِغَيْرِ نَفْعٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ إِضْرَارٌ لِغَيْرِهِ وَهَذَا سَفَهٌ.
فَصْلٌ
: فأما المزني فإنه يمنع الغاصب من سد الْبِئْرِ وَرَدِّ التُّرَابِ إِذَا مَنَعَهُ الْمَالِكُ مِنَ السَّدِّ وَالرَّدِّ اسْتِشْهَادًا بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ نَسْجِ الْغَزْلِ ثَوْبًا وَضَرْبِ الطِّينِ لَبِنًا وَطَبْعِ النُّقْرَةِ دَنَانِيرَ فَنَبْدَأُ بِشَرْحِ الْمَذْهَبِ فِيمَا ذَكَرَهُ ثُمَّ بِالْكَلَامِ مَعَهُ، وَالْمَذْهَبُ فِي الْغَزَلِ إِذَا نَسَجَهُ الْغَاصِبُ ثَوْبًا وَالطِّينِ إِذَا ضَرَبَهُ لَبِنًا وَالنُّقْرَةِ إِذَا طَبَعَهَا دَنَانِيرَ أَنَّهُ مَتَى رَضِيَ الْمَالِكُ بِأَخْذِ الْغَزْلِ ثَوْبًا مَنْسُوجًا وَالطِّينِ لَبِنًا مَضْرُوبًا وَالنُّقْرَةِ دَنَانِيرَ مَطْبُوعَةً فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ نَقْضُ الْغَزْلِ وَتَكْسِيرُ اللَّبِنِ وَسَبْكِ الدَّنَانِيرِ وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا أُجْرَةُ الْعَمَلِ.
أَمَّا النَّقْضُ وَالتَّكْسِيرُ وَالسَّبْكُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْعَابِ بَدَنِهِ وَأَعْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِلَابِ نَفْعٍ وَلَا دَفْعٍ لِضَرَرٍ.
وَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَلِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ عملاً وتعدى به المعتدي لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَجْرًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَمِلَهُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى غَيْرِهِ أَجْرًا فَلَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ قَبْلَ تَسْلِيمِ ذلك إلى مالكه نقص الثَّوْبَ فَجَعَلَهُ غَزْلًا وَكَسَرَ اللَّبِنَ طِينًا وَسَبَكَ الدَّنَانِيرَ نُقْرَةً حَتَّى صَارَ عَلَى حَالِهِ الْأُولَى قَبْلَ الْغَصْبِ ضَمِنَ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الثَّوْبِ مَنْسُوجًا وَغَزْلًا وَمَا بَيْنَ قِيمَةِ اللَّبِنِ مَضْرُوبًا وَطِينًا وَمَا بَيْنَ قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ مَطْبُوعَةً وَنُقْرَةً لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا حِينَ زَادَتْ بِعَمَلِهِ وَيُمْنَعُ مِنْ إِعَادَتِهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُ النَّقْصِ.
فَأَمَّا رَبُّ الْغَزْلِ وَالطِّينِ وَالنُّقْرَةِ إِذَا طَالَبَ الْغَاصِبَ بِنَقْضِ الثَّوْبِ غَزْلًا وَتَكْسِيرِ اللَّبِنِ طِينًا وَسَبْكِ الدَّنَانِيرِ نُقْرَةً فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ أُخِذَ الْغَاصِبُ بِهِ لِيَعُودَ ذَلِكَ كَمَا غَصَبَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ صحيح عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْكَلَامُ مَعَ الْمُزَنِيِّ فَيُقَالُ لَهُ إِنْ كُنْتَ تَمْنَعُ الغاصب من سد البئر ورد التراب مع ارْتِفَاعِ الْأَغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ وَزَوَالِ الْمَقَاصِدِ الْوَاضِحَةِ فَنَحْنُ نُوَافِقُكَ عَلَيْهِ ولَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ خِلَافٌ فِيهِ وَلَا يُشْتَبَهُ عَلَيْكَ الْخِلَافُ بِقَوْلِهِ فِي سَدِّ الْبِئْرِ نَفَعَهُ أَوْ لَمْ يَنْفَعْهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ يَنْفَعْهُ فِي الْحَالِ إِذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ فِي ثَانِي حَالٍ وَإِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ مَعَ الْغَاصِبِ مِنْ سَدِّ الْبِئْرِ وَرَدِّ التُّرَابِ مَعَ وُجُودِ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ فَنَحْنُ نُخَالِفُكَ فِيهَا وَنَمْنَعُ مَا ذَكَرْتَهُ أَنْ يَكُونَ دليلاً عليها لارتفاع الأغراض في نقص الْغَزْلِ وَتَكْسِيرِ اللَّبِنِ وَطَهُورِهِ فِي سَدِّ الْبِئْرِ وَرَدِّ التُّرَابِ وَلَيْسَ لَكَ إِدْخَالُ الضَّرَرِ عَلَى الْغَاصِبِ مَعَ زَوَالِهِ عَنِ الْمَغْصُوبِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا غَصَبَ رَجُلٌ أَرْضًا وَقَلَعَ مِنْهَا شَجَرًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الشَّجَرُ بَاقِيًا أَوْ مُسْتَهْلَكًا فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فَفِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الشَّجَرِ قَائِمًا وَمَقْلُوعًا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ عَلَى الشَّجَرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الْأَرْضِ ذَاتِ شَجَرٍ قَائِمٍ وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا وَالشَّجَرُ مَقْلُوعٌ مِنْهَا لِأَنَّ تَعَدِّيَهُ قَدْ سَرَى إِلَى الْأَرْضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ أَغْلَظَ الْأَمْرَيْنِ لِاجْتِمَاعِ الْعِلَّتَيْنِ فِي تَغْلِيظِ الْغَصْبِ فَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ قَدْ نَجَرَهُ أَبْوَابًا أَوْ عَمِلَهُ سُفُنًا فَزَادَ فِي قِيمَتِهِ بِعَمَلِهِ بِقَدْرِ مَا ضَمِنَهُ مِنْ نَقْصِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ضَمَانُ النَّقْصِ بِمَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعَمَلِ وَلَزِمَهُ الْغُرْمُ مَعَ رَدِّهِ زَائِدًا فَإِنْ خَلَعَ الْأَبْوَابَ وَهَدَمَ السُّفُنَ حَتَّى ذَهَبَتْ زِيَادَةُ عَمَلِهِ ضَمِنَ أَيْضًا نَقْصَهَا بَعْدَ ذَهَابِ الْعَمَلِ لِمَا عَلَّلْنَا بِهِ مِنْ لُزُومِ رَدِّهَا مَعْمُولَةً.
وَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ قَدِ اسْتُهْلِكَ حِينَ قَلَعَهُ فَضَمَانُهُ يَكُونُ عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ.
فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَضْمَنُ قِيمَةَ الشَّجَرِ قَائِمًا.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْأَرْضِ بِقَلْعِ الشَّجَرِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ: يَضْمَنُ أَغْلَظَ الْأَمْرَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ أَرْضًا فَطَرَحَ فِيهَا تُرَابًا لَمْ يَخْلُ حَالُ التُّرَابِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ أخذه منها أم لَا فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُ مِنْهَا أَخَذَهُ الْغَاصِبُ إِنْ تَمَيَّزَ وَضَمِنَ مَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ بِأَخْذِهِ إِنْ نَقَصَتْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهُ مِنْهَا لِبَسْطِ ذَلِكَ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى قِيمَتِهَا الْأُولَى لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا لَهُ لِأَنَّ تُرَابَهُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا قَدْ نَقَصَتْ عَنْ حَالِهَا قَبْلَ بَسْطِ التُّرَابِ فِيهَا فَيَضْمَنُ قَدْرَ نَقْصِهَا، وَيَصِيرُ تُرَابُهُ مُسْتَهْلَكًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا قَدْ زَادَتْ عَنْ حَالِهَا قَبْلَ بَسْطِ التُّرَابِ فِيهَا فَلَا يَخْلُو حَالُ التُّرَابِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا فَإِنْ كَانَ نَجِسًا كَالْأَرْوَاثِ وَالْكَسَايِحِ النَّجِسَةِ فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيهَا لِفَوَاتِ الرُّجُوعِ بِهَا وَتَحْرِيمِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ لَا شَيْءَ لَهُ في لِاسْتِهْلَاكِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ فِيمَا لَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا فِي ثَمَنِ الْأَرْضِ بِقَدْرِ ثَمَنِ التُّرَابِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِهْلَاكًا لِتُرَابِهِ كَمَا لَا يَكُونُ صَبْغُ الثَّوْبِ بِمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ مِنْهُ اسْتِهْلَاكًا لِلصَّبْغِ فَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ قِيمَةَ الْأَرْضِ قَبْلَ بَسْطِ التُّرَابِ فِيهَا فَإِذَا قِيلَ أَلْفٌ نُظِرَ قِيمَةَ التُّرَابِ قَبْلَ بَسْطِهِ فَإِذَا قِيلَ
مِائَةٌ نُظِرَ قِيمَةَ الْأَرْضِ بَعْدَ بَسْطِ التُّرَابِ فيها فإن كانت ألف وَمِائَةً وَلَيْسَ فِي الْقِيمَتَيْنِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ عَلَى مَا قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ فَيَصِيرُ الْغَاصِبُ شَرِيكًا لَهُ فِي الْأَرْضِ بِمِائَةٍ هِيَ قِيمَةُ تُرَابِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ أَلْفًا وَخَمْسِينَ فَقَدْ نَقَصَتْ عَنِ الْقِيمَتَيْنِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ خَمْسُونَ فَيَكُونُ الْغَاصِبُ شَرِيكًا فِي الْأَرْضِ بِالْخَمْسِينَ الزَّائِدَةِ عَلَى الْأَلْفِ وَيَكُونُ النَّقْصُ دَاخِلًا عَلَيْهِ وَحْدَهُ لِضَمَانِهِ نَقْصَ الْأَرْضِ بِالتَّعَدِّي وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ فَقَدْ زَادَتْ عَلَى الْقِيمَتَيْنِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ مِائَةً فَتَكُونُ الْمِائَةُ الزَّائِدَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ فِي أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا لِحُدُوثِهَا عَنِ الْمَالَيْنِ مَعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَهَلَكَتْ فَقَالَ ثَمَنُهَا عشرةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا بِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مَضْمُونٌ بِأَكْثَرِ قِيمَتِهِ فِي السُّوقِ وَالْبَدَنِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: وَهُوَ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ وَقْتَ الْغَصْبِ اعْتِبَارًا بِحَالِ التَّعَدِّي، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْفِعْلِ كَابْتِدَائِهِ شَرْعًا وَلِسَانًا أَمَّا الشَّرْعُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) {النساء: 136) أَيِ اسْتَدِيمُوا الْإِيمَانَ.
وَقَالَ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمِ) {الفاتحة: 6) أَيْ ثَبِّتْنَا عَلَى الْهِدَايَةِ إِلَيْهِ فَاسْتَوَى حُكْمُ الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِدَامَةِ فِي الْأَمْرِ وَالطَّلَبِ: وَأَمَّا اللِّسَانُ فَهُوَ أَنَّ مُسْتَدِيمَ الْغَصْبِ يُسَمَّى فِي كُلِّ حَالٍ غَاصِبًا، وَيُقَالُ قَدْ غَصَبَ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْغَصْبُ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ كَالْجِنَايَةِ فَلَمَّا كَانَتْ سَرَايَةُ الْجِرَاحِ فِي الْجِنَايَةِ إِلَى تَلَفِ النَّفْسِ تُوجِبُ ضَمَانَ مَا حَدَثَ بَعْدَ الْجِرَاحِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَادِثُ بَعْدَ الْغَصْبِ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ فِي حَالِ الْغَصْبِ، ثُمَّ هُوَ فِي الْغَصْبِ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ لِبَقَاءِ يَدِهِ فِي الْغَصْبِ وَارْتِفَاعِهَا فِي الْجِنَايَةِ، وَفِي مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعَانِي الْمَاضِيَةِ مَعَهُ فِي زِيَادَةِ الْبَدَنِ دَلِيلٌ كَافٍ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا وَاخْتَلَفَا فِي الْمَغْصُوبِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي قِيمَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي تَلَفِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي مِثْلِهِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ اخْتِلَافُهُمَا فِي قِيمَتِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقِيمَةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الصِّفَةِ، فَيَقُولُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ
قِيمَتُهُ عِنْدِي أَلْفٌ وَيَقُولُ الْغَاصِبُ قِيمَتُهُ عِنْدِي مِائَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِ قِيمَتِهِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنْكَارُهُ الزِّيَادَةَ وَالْقَوْلُ فِي الشَّرْعِ قَوْلُ الْمُنْكِرِ دُونَ الْمُدَّعِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَارِمٌ، وَالْقَوْلُ فِي الْأُصُولِ قَوْلُ الْغَارِمِ، فَإِنْ قِيلَ فَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ يَفْسُدُ بِالشَّفِيعِ إِذَا اخْتَلَفَ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي قَدْرِهِ دُونَ الشَّفِيعِ وَالشَّفِيعُ مُنْكِرٌ وَغَارِمٌ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَالِكٌ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ انْتِزَاعُ مِلْكِهِ إِلَّا بِقَوْلِهِ كَمَا أَنَّ الْغَارِمَ مَالِكٌ وَلَا يَغْرَمُ إِلَّا بِقَوْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فَاعِلُ الشِّرَاءِ فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ كَمَا أَنَّ الْغَاصِبَ فَاعِلُ الْغَصْبِ فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ فَحَلَّ الْمُشْتَرِي بِهَذَيْنِ مَحَلَّ الْغَارِمِ وَسَلِمَ الْمَعْنَيَانِ.
فَصْلٌ
: فَإِنْ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْقِيمَةِ سُمِعَتْ وَهِيَ شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ أَلْفٌ وَقْتَ الْغَصْبِ أَوْ وَقْتَ التَّلَفِ أَوْ فِيمَا بَيْنَ الْغَصْبِ وَالتَّلَفِ حُكِمَ بِهَا لِأَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ قِيمَتَهُ كَانَتْ أَلْفًا قَبْلَ الْغَصْبِ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْغَصْبِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْغَاصِبِ لَكِنْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ إِنَّهُ يَصِيرُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ هَذِهِ الْقِيمَةِ مَا لَمْ يُعْلَمْ نَقْصُهَا.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْغَصْبِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَالْبَيِّنَةُ فِيهِ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَصِيرَ الْقَوْلُ بِهَا قَوْلَ الْمَشْهُودِ لَهُ لَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، فَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِصِفَاتِ الْعَبْدِ دُونَ قِيمَتِهِ لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى قَدْرِ الْقِيمَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ بِهَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَقْوِيمَ مَا لَا مِثْلَ لَهُ بِالصِّفَةِ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْقِيمَةِ دُونَ الصِّفَةِ فَلَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ فِي غَيْرِ مَا تَدَاعَيَاهُ وَاخْتَلَفَا فِيهِ.
فَصْلٌ
: وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقِيمَةِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الصِّفَةِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ صِفَةَ زِيَادَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صِفَةَ نَقْصٍ فَأَمَّا صِفَةُ الزِّيَادَةِ فَهِيَ دَعْوَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ قِيمَةُ عَبْدِي أَلْفٌ لِأَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ صَانِعٌ وَيَقُولُ الْغَاصِبُ قِيمَتُهُ مِائَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَاتِبٍ وَلَا صَانِعٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ لَا يَخْتَلِفُ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ وَهُمَا
الْغُرْمُ وَالْإِنْكَارُ.
وَأَمَّا صِفَةُ النَّقْصِ فَهِيَ دَعْوَى الْغَاصِبِ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ الْغَاصِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ الَّذِي غَصَبْتُهُ مِنْكَ مِائَةٌ لِأَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ آبِقٌ وَيَقُولُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ قِيمَتُهُ أَلْفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَارِقٍ وَلَا آبِقٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يمنيه تَعْلِيلًا بِعُرْفِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ تَعْلِيلًا بِإِنْكَارِهِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فِي الْآجَالِ.
وَهُوَ اخْتِلَافُهُمَا فِي تَلَفِهِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَبْدٌ بَاقٍ فِي يَدِكَ وَيَقُولُ الْغَاصِبُ قَدْ تَلِفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ ثُمَّ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى تَلَفِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي الْقِيمَةَ.
وَقَدْ حَلَفَ الْغَاصِبُ عَلَى تَلَفِ الْعَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِلتَّلَفِ فَيَمِينُ الْغَاصِبِ مَانِعَةٌ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْآبِقِ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ قِيمَتُهُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِلَافُهُمَا فِي مِثْلِهِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِفَاتِ الْمِثْلِ.
كَقَوْلِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ غَصَبْتَنِي طَعَامًا حَدِيثًا فَيَقُولُ الْغَاصِبُ بَلْ غَصَبْتُكَ طَعَامًا عَتِيقًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ تَعْلِيلًا بِالْمَعْنَيَيْنِ فِي الْإِنْكَارِ وَالْغُرْمِ ثُمَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْقَصُ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي أَصْلِ الْمِثْلِ كَقَوْلِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِمَا غَصَبْتَنِيهِ مِثْلٌ وَقَوْلِ الْغَاصِبِ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فَلَا اعْتِبَارَ لِاخْتِلَافِهِمَا وَيَرْجِعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحُكَّامِ فَإِنْ حَكَمُوا لَهُ بِمِثْلٍ طُولِبَ بِهِ وَإِنْ حَكَمُوا فِيهِ بِالْقِيمَةِ أُخِذَتْ مِنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي وُجُودِ الْمِثْلِ كَقَوْلِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْمِثْلُ مَوْجُودٌ.
وَبِقَوْلِ الْغَاصِبِ بَلِ الْمِثْلُ مَعْدُومٌ فَيَكْشِفُ الْحَاكِمُ عَنْ وُجُودِهِ وَيَقْطَعُ تَنَازُعَهُمَا فِيهِ، فَإِنْ وَجَدَهُ لَزِمَ الْغَاصِبَ دَفَعُ الْمِثْلِ رَخِيصًا كَانَ أَوْ غَالِيًا، وَإِنْ عُدِمَهُ خُيِّرَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بَيْنَ أَنْ يَتَعَجَّلَ أَخْذَ الْقِيمَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إِلَى وُجُودِ الْمِثْلِ فَإِنْ تَعَجَّلَ أَخْذَ الْقِيمَةِ ثُمَّ وُجِدَ الْمِثْلُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى مَا أَخَذَ مِنْ قِيمَتِهِ بِخِلَافِ الْآبِقِ إِذَا أُخِذَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ وُجِدَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قِيمَةَ الْآبِقِ أُخِذَتْ عِنْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ فَلَزِمَ رَدُّهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَقِيمَةَ ذِي الْمِثْلِ أُخِذَتْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدُ، فَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ خُيِّرَ
إِلَى وُجُودِ الْمِثْلِ ثُمَّ رَجَعَ مُطَالِبًا بِالْقِيمَةِ قَبْلَ الْوُجُودِ فَذَلِكَ لَهُ لِتَعَجُّلِ حَقِّهِ بِخِلَافِ الْمُسَلَّمِ فِي الشَّيْءِ إِلَى مُدَّةٍ يَنْقَطِعُ فِيهَا فَرَضِيَ الْمُسَلَّمُ بِالصَّبْرِ إِلَى وُجُودِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَعَذُّرَ وُجُودِ السِّلْمِ عَيْبٌ فَإِذَا ارْتَضَى بِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ، وَصَبْرَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إِلَى وُجُودِ الْمِثْلِ إِنْظَارٌ وَتَأْجِيلُ تَطَوُّعٍ بِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ ثِيَابٌ أَوْ حُلِيٌّ، بَعْدَ غَصْبِهِ، فَادَّعَاهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ لِأَنَّهَا فِي يَدِ عَبْدِهِ، وَقَالَ الْغَاصِبُ بَلْ هِيَ لِي فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يمنيه لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا عَلَيْهِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ كَانَ لَهُ كيلٌ أَوْ وزنٌ فَعَلَيْهِ مِثْلُ كَيْلِهِ وَوَزْنِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أن ماله مِثْلٌ فَهُوَ مَضْمُونٌ فِي الْغَصْبِ بِالْمَثَلِ، وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ.
فَأَمَّا حَدُّ مَا لَهُ مِثْلٌ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَا كَانَ لَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ فَعَلَيْهِ مِثْلُ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ حَدًّا لِمَا لَهُ مِثْلٌ لِأَنَّ كُلَّ ذِي مِثْلٍ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ لَهُ مِثْلٌ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ شَرْطًا فِي الْمُمَاثَلَةِ عِنْدَ الْغُرْمِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَدًّا لِمَا لَهُ مِثْلٌ، وَحَدُّ مَا لَهُ مِثْلٌ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ شَرْطَانِ: تَمَاثُلُ الْأَجْزَاءِ وَأَمْنُ التَّفَاضُلِ، فَكُلُّ مَا تَمَاثَلَتْ أَجْزَاؤُهُ وَأُمِنَ تَفَاضُلُهُ فَلَهُ مِثْلٌ كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، فَإِنْ كَانَ مَكِيلًا كَانَ الْكَيْلُ شَرْطًا فِي مُمَاثَلَتِهِ دُونَ الْوَزْنِ وَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا كَانَ الْوَزْنُ شَرْطًا فِي مُمَاثَلَتِهِ دُونَ الْكَيْلِ، فَأَمَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَجْزَاؤُهُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ أَوْ خِيفَ تَفَاضُلُهُ كَالثِّمَارِ الرَّطْبَةِ فَلَا مِثْلَ لَهُ وَتَجِبُ قِيمَتُهُ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ تَحْدِيدُ ذِي الْمِثْلِ بِمَا وَصَفْنَا فَعُدِمَ الْمَثْلُ وَلَمْ يُوجَدْ وَجَبَ الْعُدُولُ إِلَى الْقِيمَةِ لِأَنَّهَا مِثْلٌ فِي الشَّرْعِ لِمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ، وَكَذَا يَكُونُ مِثْلًا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ، ثُمَّ فِي الْقِيمَةِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ:
أَحَدُهُمَا: يُرْجَعُ إِلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ الْمَغْصُوبِ فِي أَكْثَرِ مَا كَانَ قِيمَةً مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُرْجَعُ إِلَى قِيمَةِ الْمِثْلِ، لِأَنَّ الْمِثْلَ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ بِالْغَصْبِ ثُمَّ قِيمَةُ الْمِثْلِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأمكنة، واختلاف الأزمة فإن للمثمن في كل بلد ثمن، وَفِي كُلِّ زَمَانٍ ثَمَنا.
فَأَمَّا الْمَكَانُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ فِيهِ فَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ الْغَصْبُ فِيهِ لِأَنَّ الْمِثَلَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَاسْتَحَقَّ تَسْلِيمُهُ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ وَكَذَا قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُثَمَّنُ مَغْصُوبًا بِالْبَصْرَةِ، اعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ بِالْبَصْرَةِ وَإِنْ كَانَ بِبَغْدَادَ اعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ بِبَغْدَادَ وَعِنْدِي مِنْ وَقْتِ التَّلَفِ إِلَى وَقْتِ الْعَدَمِ وَأَمَّا زَمَانُ الْقِيمَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: ذكره أبو عي الطَّبَرِيُّ فِي إِفْصَاحِهِ، أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِنْ
وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ الْعَدَمِ كَمَا تُعْتَبَرُ قيمته بدلاً مثل له أكثر ما كان قِيمَتُهُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْعَدَمِ لَا غَيْرَ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا كَانَ زَائِدًا قَبْلَهَا، لِأَنَّ نَقْصَ ثَمَنِهِ مَعَ وُجُودِ الْمِثْلِ لَا يُوجِبُ غُرْمَ النَّقْصِ مَعَ دَفْعِ الْمِثْلِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَنَقْصِهِ غَيْرُ مُعْتَبِرَةٍ وَقَدِ اعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ فِي آخِرِ وَقْتِ إِمْكَانِهِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ حِنْطَةً بِالْبَصْرَةِ ثُمَّ اجْتَمَعَ بِبَغْدَادَ فَطَالَبَهُ بِحِنْطَتِهِ فَلَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ حَيْثُ غَصَبَهُ إِيَّاهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمِثْلِهَا لِبَقَاءِ عَيْنِهَا فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ بِبَغْدَادَ مِثْلَ قِيمَتِهَا بِالْبَصْرَةِ أَوْ أَقَلَّ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَ حِنْطَتِهِ بِبَغْدَادَ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ بِبَغْدَادَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا بِالْبَصْرَةِ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ بِالْبَصْرَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي غَصَبَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِبَغْدَادَ قِيمَةَ مِثْلِ طَعَامِهِ بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ بَذَلَ ذَلِكَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَعْدُ إِذْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ قِيمَةَ أَوْ مِثْلَ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْقَبْضِ فِي مَكَانِ الغصب.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ فَزَادَ فِي قِيمَتِهِ قِيلَ لِلْغَاصِبِ إِنْ شِئْتَ فَاسْتَخْرِجِ الصَّبْغَ عَلَى أَنَّكَ ضامنٌ لِمَا نَقَصَ وَإِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ شريكٌ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فَإِنْ مُحِقَ الصَّبْغُ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ قيمةٌ قيل ليس لك ههنا مالٌ يَزِيدُ فَإِنْ شِئْتَ فَاسْتَخْرِجْهُ وَأَنْتَ ضامنٌ لِنُقْصَانِ الثَّوْبِ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْهُ وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُ الثَّوْبَ ضَمِنَ النُّقْصَانَ وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ الصَبْغَ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ مَا نَقَصَ الثَّوْبَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) هَذَا نَظِيرُ مَا مَضَى فِي نَقْلِ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الصَّبْغِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِلْغَاصِبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الثَّوْبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِأَجْنَبِيٍّ.
فَإِنْ كَانَ الصَّبْغُ لِلْغَاصِبِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أحدها: أن يُمْكِنَ اسْتِخْرَاجُهُ.
وَالثَّانِي: لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ.
وَالثَّالِثُ: أن يمكن استخراج بعضه ولا يمكن استخراج بعضه فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِخْرَاجُهُ
لَمْ يَخْلُ ثَمَنُهُ بَعْدَ الصَّبْغِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ قَبْلَ الصبغ أو يكون أقل، أو يكون أكثر، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ قَبْلَ الصَّبْغِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَقِيمَةُ الصَّبْغِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَيُبَاعُ الثَّوْبُ بَعْدَ صَبْغِهِ بعشرة دراهم فهي بأثرها لِرَبِّ الثَّوْبِ لِاسْتِهْلَاكِ الصَّبْغِ إِمَّا بِذَهَابِ قِيمَتِهِ وَإِمَّا لِجَرِّهِ النَّقْصَ لِلثَّوْبِ.
وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ بَعْدَ الصَّبْغِ أَقَلَّ مِثْلَ أَنْ يُسَاوِيَ بَعْدَ الصَّبْغِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ فَيَأْخُذُهَا رَبُّ الثَّوْبِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِنَقْصِهِ وَهُوَ دِرْهَمَانِ لِيَسْتَكْمِلَ بِهَا جَمِيعَ الثَّمَنِ وَيَصِيرُ صَبْغُ الْغَاصِبِ وَنَقْصُ أَجْزَاءِ الثَّوْبِ مُسْتَهْلَكَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ بَعْدَ الصَّبْغِ أَكْثَرَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَنِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ ثَمَنِ الصَّبْغِ، أَوْ يَكُونُ أَقَلَّ أَوْ يَكُونُ أَكْثَرَ.
فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ ثَمَنِ الصَّبْغِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ بَعْدَ الصَّبْغِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا فَيَأْخُذُ رَبُّ الثَّوْبِ مِنْهَا عَشْرَةً الَّتِي هِيَ ثَمَنُ ثَوْبِهِ وَيَأْخُذُ الْغَاصِبُ عَشْرَةً هِيَ ثَمَنُ صَبْغِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهَا نَقْصٌ لَا فِي الثَّوْبِ وَلَا فِي الصَّبْغِ، وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الصَّبْغِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ بَعْدَ الصَّبْغِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَيَأْخُذُ مِنْهَا رَبُّ الثَّوْبِ عَشْرَةً ثَمَنَ ثَوْبِهِ كَامِلًا وَيَأْخُذُ الْغَاصِبُ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ وَيَصِيرُ النَّقْصُ مُخْتَصًّا بِصَبْغِهِ لِضَمَانِهِ نَقْصَ الثَّوْبِ وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا فَيَأْخُذُ رَبُّ الثَّوْبِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا عِشْرَةٌ مِنْهَا هِيَ ثَمَنُ ثَوْبِهِ وَخَمْسَةٌ هِيَ قِسْطُ الصَّبْغِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَإِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ المالين ولم يختص الغاصب بهما وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً بِعَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالِهِ وَمَالِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ وَحَصَلَ لَهُ عوض في مال نفسه.
فإن ادعى أَحَدُهُمَا إِلَى بَيْعِهِ وَأَبَى الْآخَرُ نُظِرَ فِي الدَّاعِي إِلَى الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ رَبَّ الثَّوْبِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ لِتَعَدِّيهِ بِالصَّبْغِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْبَيْعِ فَيَسْتَدِيمُ حُكْمُ الْغَصْبِ، وَإِنْ دعى الْغَاصِبُ إِلَى بَيْعِهِ لِيَتَوَصَّلَ إِلَى ثَمَنِ صَبْغِهِ وَأَبَى رَبُّ الثَّوْبِ فَإِنْ بَذَلَ لَهُ مَعَ إِبَائِهِ ثَمَنَ الصَّبْغِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ لَوْ بِيعَ الثَّوْبُ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَبْذُلْ لَهُ ثَمَنَ الصَّبْغِ فَفِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي " إِفْصَاحِهِ ":
أحدهما: أنه يجبر رب الثور عَلَى بَيْعِهِ لِيَتَوَصَّلَ الْغَاصِبُ إِلَى ثَمَنِ صَبْغِهِ كَمَا يُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَيْهِ لِيَتَوَصَّلَ رَبُّ الثَّوْبِ إِلَى ثَمَنِ ثَوْبِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُجْبَرَ رَبُّ الثَّوْبِ عَلَى بَيْعِهِ، لِأَنَّ الْغَاصِبَ مُتَعَدٍّ بِصَبْغِهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِتَعَدِّيهِ إِزَالَةَ مِلْكِ رَبِّ الثَّوْبِ عَنْ ثَوْبِهِ.
فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الصبغ إذا لم يكن اسْتِخْرَاجُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سَوَادًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَلْوَانِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ الصَّبْغُ سَوَادًا فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ وَكَانَ رَبُّ الثَّوْبِ مُخَيَّرًا بين أن يأخذه ولا في شَيْءَ عَلَيْهِ لِلصَّبْغِ وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلْغَاصِبِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَتَهُ.
وَإِنْ كَانَ
الصَّبْغُ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الصَّبْغِ وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلْغَاصِبِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ فَجُعِلَ لَهُ فِي الْأَصْبَاغِ كُلِّهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْغَاصِبِ قِيمَةَ ثَوْبِهِ إِنْ شَاءَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَصْبُوغًا إِنْ شَاءَ لَكِنْ إِنْ كَانَ الصَّبْغُ سَوَادًا فَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَوْنًا غَيْرَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ لما خَصَّ السَّوَادَ بِإِسْقَاطِ الْقِيمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْلَافِ أَجْزَاءِ الثَّوْبِ.
وَقَالَ آخَرُونَ، بَلْ قَالَهُ فِي آخِرِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ حِينَ كَانَ السَّوَادُ نَقْصًا وَلَوْنًا مَذْمُومًا فَأَمَّا بَعْدَ أَنْ صَارَ شِعَارَ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ وَزِيَادَةً فِي الثَّوْبِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْوَانِ فَلَا، وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ وَتَعْلِيلٌ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّوَادِ لِأَنَّ مِنَ الْأَلْوَانِ مَا قَدْ يَكُونُ نَقْصًا تَارَةً وَتَارَةً أُخْرَى زِيَادَةً، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ عَامًّا فِي اعْتِبَارِ النَّقْصِ وَزِيَادَتِهِ، وَلَا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالسَّوَادِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا تَمْلِيكُ الْغَاصِبِ الثَّوْبَ بِأَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْهُ فَخَطَأٌ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ قِيمَتِهَا مِنَ الْغَاصِبِ قِيَاسًا عَلَيْهِ لَوْ كَانَ غَيْرَ مَصْبُوغٍ وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِيمَةُ الثَّوْبِ قَبْلَ صَبْغِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَعْدَ صَبْغِهِ كَالْآجُرِّ، وَلِأَنَّ الصَّبْغَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا أَوْ غَيْرَ نَقْصٍ فَإِنْ كَانَ نَقْصًا ضَمِنَهُ لَا غَيْرَ كَالْمُتَمَيِّزِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَقْصًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَضْمَنَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الصَّبْغُ مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ، فَلِلْغَاصِبِ وَرَبِّ الثَّوْبِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِهِ فِي الثَّوْبِ وَبَيْعِهِ مَصْبُوغًا فَيَجُوزُ وَيَكُونُ الْقَوْل فِيهِ بَعْدَ بَيْعِهِ كَالْقَوْلِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ صَبْغِهِ.
والحال الثاني: أن يتفقا على استخراجه منه فلذلك جَائِزٌ لِيَصِلَ الْغَاصِبُ إِلَى صَبْغِهِ وَرَبُّ الثَّوْبِ إِلَى ثَوْبِهِ، فَإِنِ اسْتَخْرَجَهُ وَأَثَّرَ فِي الثَّوْبِ نقصاً ضمنه به.
والحال الثالث: أَنْ يَدْعُوَ الْغَاصِبُ إِلَى اسْتِخْرَاجِهِ وَيَدْعُوَ رَبُّ الثَّوْبِ إِلَى تَرْكِهِ فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَسْتَخْرِجَهُ سَوَاءٌ نَفَعَهُ أَوْ لَمْ يَنْفَعْهُ لِأَنَّهَا عَيْنٌ فَمَلِكَهَا وَالْأَعْيَانُ الْمَمْلُوكَةُ لَا يُقْهَرُ مُلَّاكُهَا عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ضَامِنًا لِنَقْصِ الثَّوْبِ وَنَقْصِ الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ فِيهِ بِدُخُولِ الصَّبْغِ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ قَدْ مَلَكَهَا فَفَوَّتَهَا الْغَاصِبُ عَلَيْهِ بِاسْتِخْرَاجِ صَبْغِهِ، مِثَالُهُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الثَّوْبِ عشرة وقيمة الصبغ عشرة فيساوي الثوب مصبوغا ثَلَاثِينَ، وَبَعْدَ اسْتِخْرَاجِ الصَّبْغِ مِنْهُ خَمْسَةً، فَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ عَشَرَةً خَمْسَةً مِنْهَا هِيَ نَقْصُ الثَّوْبِ قَبْلَ صَبْغِهِ، وَخَمْسَةً أُخْرَى هِيَ نَقْصُ قِسْطِهِ من الزيادة الحادثة بعد صبغه.
والحال الرابع: أَنْ يَدْعُوَ رَبُّ الثَّوْبِ إِلَى اسْتِخْرَاجِهِ وَيَدْعُوَ الْغَاصِبُ إِلَى تَرْكِهِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَهُ اسْتِبْقَاءً لِمِلْكِ الصَّبْغِ فِيهِ، فَيُنْظَرُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الصَّبْغُ قَدْ أَحْدَثَ زِيَادَةً تَفُوتُ بِاسْتِخْرَاجِ الصَّبْغِ مِنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ، أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ إِذَا امْتَنَعَ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِهْلَاكِ مَالِهِ مَعَ قُدْرَةِ رَبِّ الثَّوْبِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِالْبَيْعِ قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَالٌ، قِيلَ لِلْغَاصِبِ إِنْ شِئْتَ فَاسْتَخْرِجِ الصَّبْغَ عَلَى أَنَّكَ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ وَإِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ شَرِيكٌ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فَحَصَلَ الْخِيَارُ إِلَيْهِ فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي حُكْمِ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ إِذَا بِيعَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ، أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ لِأَنَّهُ عِرْقٌ ظَالِمٌ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي الِاسْتِبْقَاءِ فَصَارَ كَالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، وَيَكُونُ تخبر الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ فِي التَّرْكِ وَالِاسْتِخْرَاجِ عِنْدَ رِضَا رَبِّ الثَّوْبِ بِالتَّرْكِ، فَعَلَى هَذَا إِنِ اسْتَخْرَجَهُ ضَمِنَ نَقْصَ الثَّوْبِ قَبْلَ الصَّبْغِ وَلَمْ يَضْمَنْ نَقْصَهُ بِالزِّيَادَةِ فِي حَال الصَّبْغِ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِإِجْبَارِ الْغَاصِبِ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتْرُكَهُ الْغَاصِبُ عَفْوًا عَنْهُ وَإِبْرَاءً مِنْهُ، فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ نَقْصًا فِي الثَّوْبِ أَوْ كَانَ لَهُ مَؤُنَةٌ فِي الِاسْتِخْرَاجِ أَوْ كَانَ قَدْ جَبَرَ نَقْصًا دَخَلَ عَلَى الثَّوْبِ أُجْبِرَ الْغَاصِبُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ، وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً مَحْضَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا هِبَةُ عَيْنٍ لَا يَلْزَمُ رَبَّ الثَّوْبِ قَبُولُهَا وَيُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ تَجْرِي مَجْرَى غَيْرِ الْمُتَمَيِّزَةِ كَالطُّولِ وَالسِّمَنِ فِي خُرُوجِهَا عَنِ الْهِبَةِ إِلَى الْمُسَامَحَةِ وَلَا يُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى الِاسْتِخْرَاجِ.
فَهَذَا حُكْمُ الصَّبْغِ إِذَا أَمْكَنَ اسْتِخْرَاجُهُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الصَّبْغُ مِمَّا يمكن استخراج بعضه ولا يمكن استخراج بعضه فَالْقَوْلُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ كَالْقَوْلِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالْقَوْلُ فِيمَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ كَالْقَوْلِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، فَيُجْمَعُ فِي هَذَا الْقِسْمِ حُكْمُ الْقِسْمَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ تَقْسِيمًا وَشَرْحًا فَهَذَا حُكْمُ الصَّبْغِ إِذَا كَانَ لِلْغَاصِبِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا إِذَا كَانَ الصَّبْغُ لِرَبِّ الثَّوْبِ فَكَالرَّجُلِ غَصَبَ ثَوْبًا يُسَاوِي عَشَرَةً وَصَبْغًا يُسَاوِي عَشَرَةً وَصَبَغَ بِهِ الثَّوْبَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِخْرَاجُ الصَّبْغِ، نُظِرَ قِيمَةَ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا، فَإِنْ كَانَ يُسَاوِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَخْذَهُ الْمَالِكُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ نَقَصَ مَصْبُوغًا عَنِ الْعِشْرِينَ أَخَذَهُ مَالِكُهُ وَرَجَعَ بِمَا بَقِيَ بَعْدَ قِيمَتِهِ مِنَ الْعِشْرِينَ لِيَسْتَكْمِلَ قِيمَةَ الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ.
فَإِنْ كَانَ اسْتِخْرَاجُ الصَّبْغِ مُمْكِنًا فَلَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِي اسْتِخْرَاجِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَيْنًا فِيهِ وَلِلْمَالِكِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَرْضَى بِتَرْكِ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ مَعَهُ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَتَيْنِ إِنْ حَدَثَ فِيهَا نَقْصٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَدْعُوَ إِلَى اسْتِخْرَاجِ الصَّبْغِ، فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي اسْتِخْرَاجِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الثَّوْبِ أَبْيَضَ، وَمِنْهَا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الصَّبْغِ فِي غَيْرِهِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ اسْتِخْرَاجُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لِاسْتِخْرَاجِهِ مَؤُنَةٌ يَذْهَبُ بِهَا شَطْرُ قِيمَتِهِ، فَإِنَّ الْغَاصِبَ مَأْخُوذٌ بِاسْتِخْرَاجِهِ وَضَمَانِ نَقْصِ إِنْ حَدَثَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي اسْتِخْرَاجِهِ غَرَضٌ نظر، فإن لم يستضر الغاصب بنقص بضمنه فِي الثَّوْبِ أُخِذَ بِاسْتِخْرَاجِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَضِرُّ بِنَقْصٍ يَحْدُثُ فِيهِ فَهَلْ يُؤْخَذُ جَبْرًا بِاسْتِخْرَاجِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَالشَّجَرَةِ فِي الْأَرْضِ:
أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ بِاسْتِخْرَاجِهِ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَالِكِ بِاسْتِرْجَاعِ مِلْكِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ غَصْبِهِ فَعَلَى هَذَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَتَيْنِ وَلَا يَضْمَنُ زِيَادَةً إِنْ كَانَتْ قَدْ حَدَثَتْ بِالصَّبْغِ، وَلَوْ طَالَبَ بِغُرْمِ النَّقْصِ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْرَاجٍ أُجِيبُ إِلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى حَالَتِهِ وَلَا يُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعَبَثِ وَالْإِضْرَارِ، وَلَوْ سَأَلَ غُرْمَ نَقْصٍ لَوْ كَانَ يَحْدُثُ بِالِاسْتِخْرَاجِ لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا نَقْصٌ مِنَ الْقِيمَتَيْنِ فَيَضْمَنُ ذَلِكَ النَّقْصَ.
فَصْلٌ: فِي صبغ الأجنبي
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الصَّبْغُ لِأَجْنَبِيٍّ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُمْكِنَ اسْتِخْرَاجُهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِخْرَاجُهُ كَانَ رَبُّ الثَّوْبِ وَرَبُّ الصَّبْغِ شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ مَصْبُوغًا بِقِيمَةِ الثوب وقيمة الصبغ لاجتماع ماليهما فِيهِ، ثُمَّ لَا تَخْلُو قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ.
فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ مِثْلَ أن تكون قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عَشَرَةً فَيُسَاوِي الثَّوْبً مَصْبُوغًا عِشْرِينَ، فَإِذَا تَسَلَّمَاهُ مَصْبُوغًا بَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ حَقِّهِمَا وَكَانَا فِيهِ عَلَى الشَّرِكَةِ بِالْقِيمَتَيْنِ، فَإِنْ بَذَلَ رَبُّ الثَّوْبِ لِرَبِّ الصَّبْغِ قِيمَةَ صَبْغِهِ أُجْبِرَ عَلَى أَخْذِهَا لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَيْنِ مَالِهِ لِكَوْنِهِ مُسْتَهْلَكًا فِي الثَّوْبِ فَلَوْ بَذَلَ رَبُّ الصَّبْغِ لِرَبِّ الثَّوْبِ قِيمَةَ ثَوْبِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا وَقِيلَ: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهَا، وَبَذْلِ قِيمَةِ الصَّبْغِ لِأَنَّ الثَّوْبَ أَصْلُ عَيْنِهِ قَائِمَةٌ، وَالصَّبْغَ تَبَعٌ قَدِ اسْتُهْلِكَ فِي الثَّوْبِ وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا أَقَلَّ مِنَ الْقِيمَتَيْنِ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَتَنْقَسِمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِالْقِسْطِ عَلَى الْقِيمَتَيْنِ وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْغَاصِبِ بِدِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ هِيَ نَقْصُ مَا غَصَبَ مِنْهُ فَيَصِيرَانِ رَاجِعَيْنِ عَلَيْهِ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ تَكْمِلَةَ الْعِشْرِينَ.
وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا أَكْثَرَ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ
قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِقَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ لِحُدُوثِ الْعَشَرَةِ الزَّائِدَةِ فِي مَالَيْهِمَا وَإِنْ كَانَ اسْتِخْرَاجُهُ مُمْكِنًا فَلِرَبِّ الثَّوْبِ وَرَبِّ الصَّبْغِ الْأَحْوَالُ الْأَرْبَعَةُ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِ الصبغ في الثوب فلذلك لَهُمَا ثُمَّ إِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ رَجْعَا به على الغاصب ليستكملا القيمتين.
والحال الثاني: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ فَذَلِكَ لَهُمَا سَوَاءٌ أَضَرَّ اسْتِخْرَاجُهُ بِالْغَاصِبِ فِي حُدُوثِ نَقْصٍ يَلْزَمُهُ غُرْمُهُ أَمْ لَا، لِأَنَّ الْمَالِكَيْنِ قَدِ اتَّفَقَا عَلَى تَمْيِيزِ الْمَالَيْنِ ثُمَّ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا حَدَثَ مِنَ النَّقْصِ فِي مَالِهِ بِالِاسْتِخْرَاجِ لِتَعَدِّيهِ الْمُتَقَدِّمِ بِالصَّبْغِ.
وَالْحَالُ الثالث: أَنْ يَدْعُوَ رَبُّ الصَّبْغِ وَحْدَهُ إِلَى اسْتِخْرَاجِهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ رَبُّ الثَّوْبِ عَلَى الْغَاصِبِ بنقص ثوبه ورب الصبغ ينقص صَبْغِهِ فَإِنْ كَانَ اسْتِخْرَاجُهُ يُحْدِثُ فِي الثَّوْبِ نقصاً وليس للغاصب حَاضِرًا فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، قِيلَ لِرَبِّ الصَّبْغِ لَيْسَ لَكَ اسْتِخْرَاجُ صَبْغِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرَمَ لِرَبِّ الثَّوْبِ نَقْصَ ثَوْبِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا لَكَ عَلَى الْغَاصِبِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ القدرة.
والحال الرابع: أَنْ يَدْعُوَ رَبُّ الثَّوْبِ وَحْدَهُ إِلَى اسْتِخْرَاجِهِ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِذَلِكَ نَقْصٌ فِي الصَّبْغِ أُخِذَ الْغَاصِبُ بِالْتِزَامِ مَؤُنَةِ الِاسْتِخْرَاجِ وَغُرْمِ النَّقْصِ إِنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الصَّبْغِ بَعْدَ أَنِ استخرج لم يُؤْخَذْ رَبُّ الصَّبْغِ بِاسْتِخْرَاجِ الصَّبْغِ إِلَّا أَنْ يَبْذُلَ لَهُ رَبُّ الثَّوْبِ نَقْصُ الصَّبْغِ عَلَى الْغَاصِبِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ فِي إِجْبَارِ الْغَاصِبِ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ لَوْ كَانَ الصَّبْغُ لَهُ.
فَصْلٌ
: قَالَ الْمُزَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا نَظِيرُ مَا مَضَى فِي نَقْلِ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ، يَعْنِي أَنَّ الْغَاصِبَ مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِخْرَاجِ صَبْغِهِ كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُ مِنْ رَدِّ التُّرَابِ فَأَمَّا التُّرَابُ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ.
وَأَمَّا الصَّبْغُ فَهُوَ عَيْنُ مَالٍ لَا يُمْنَعُ مِنِ اسْتِرْجَاعِهِ وَإِنْ كَانَ غاصباً لغيره.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله: " وولو كَانَ زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ أَوْ خيرٍ مِنْهُ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِنْ هَذَا مَكِيلَتَهُ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَ زَيْتِهِ وَإِنْ خَلَطَهُ بِشَرٍّ مِنْهُ أَوْ صَبَّهُ فِي بانٍ فَعَلَيْهِ مِثْلُ زَيْتِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
لِأَنَّ الزيت مِثْلًا فَإِذَا غَصَبَ زَيْتًا وَخَلَطَهُ بِغَيْرِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْلِطَهُ بِزَيْتٍ.
وَالثَّانِي: بِغَيْرِ زَيْتٍ، فَإِنْ خَلَطَهُ بِزَيْتٍ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْربٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَخْلِطَهُ بِمِثْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَخْلِطَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخْلِطَهُ بِأَرْدَأَ مِنْهُ، فَإِنْ خَلَطَهُ بِمِثْلِهِ كَانَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَكِيلَةَ زَيْتِهِ مِنْهُ وَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَكِيَلَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ إِلَى مِثْلِ مَكِيلَةِ زَيْتِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ها هنا، أن له ذاك لأنه قد قَالَ فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِنْ هَذَا مَكِيَلَةً وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَ زَيْتِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِ زَيْتِهِ تَسَاوَتِ الْأَعْيَانُ الْمُمَاثِلَةُ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يتحجز عَلَيْهِ فِي عَيْنٍ دُونَ عَيْنٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَكِيلَةَ زَيْتِهِ مِنْ ذَلِكَ الزَّيْتِ الْمُخْتَلَطِ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا عن رضى مِنْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ وَلَيْسَ يَدْخُلُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَرَرٌ بِهِ فَكَأَنَّ الْمَغْصُوبَ أَحَقُّ بِمَا لَيْسَ لَهُ عَيْنُ مَالٍ فِيهِ، وَيَكُونُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَاجِعًا إِلَى خَلْطِهِ وَالْأَجْوَدُ دُونَ الْمِثْلِ.
فَصْلٌ
: وَإِنْ خَلَطَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ، فَإِذَا بَذَلَ لَهُ الْغَاصِبُ مَكِيلَةَ زَيْتِهِ مِنْهُ أُجْبِرَ عَلَى أَخْذِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ لِوُجُودِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ فِيهِ مَعَ الزِّيَادَةِ، فِي الْجَوْدَةِ، وَإِنْ عَدَلَ بِهِ الْغَاصِبُ إِلَى مِثْلِ مَكِيلَةِ زَيْتِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَطَالَبَ بِحَقِّهِ مِنْ نَفْسِ مَا اخْتَلَطَ بِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْغَصْبِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ فِي الْعُدُولِ إِلَى مِثْلِ مَكِيلَةِ زَيْتِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً لَا تَتَمَيَّزُ فَلَمْ يَلْزَمِ الْغَاصِبَ بَذْلُهَا، وَكَانَ الْمِثْلُ أَحَقَّ لِيَزُولَ بِهِ الضَّرَرُ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَضْرِبُ بِثَمَنِ زَيْتِهِ فِي الزَّيْتِ الْمُخْتَلِطِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَصَبَهُ صَاعًا مِنْ زَيْتٍ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهُ بِصَاعٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَيُبَاعُ الصَّاعَانِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ فَيَأْخُذُ الْمَغْصُوبُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ هِيَ ثَمَنُ صَاعِهِ وَيَأْخُذُ الْغَاصِبُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ هِيَ ثَمَنُ صَاعِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا قُسِّمَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا بِقَدْرِ ثَمَنِ الصَّاعَيْنِ لِتَكُونَ الزِّيَادَةُ مُقَسَّطَةً بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ ثُلُثُ الْعِشْرِينَ وَلِلْغَاصِبِ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتَوْفَى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ثَمَنَ صَاعِهِ
خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَدَخَلَ النَّقْصُ عَلَى الْغَاصِبِ لِضَمَانِهِ بِالتَّعَدِّي إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ لِرُخْصِ السُّوقِ فَلَا يَضْمَنُهُ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ قَالَ: الْمَغْصُوبُ أَنَا آخُذُ مِنْ هَذَا الزَّيْتِ الْمُخْتَلِطِ زَيْتًا بِقِيمَةِ مَا اسْتَحَقَّهُ وَهُوَ ثُلُثُ الصَّاعَيْنِ بِخَمْسَةٍ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُجَابُ إِلَى هَذَا لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّبَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ آخِذًا لِثُلُثَيْ صَاعٍ بَدَلًا مِنَ الصَّاعِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجَابُ إِلَى هَذَا وَيُعْطَى مِنَ الصَّاعَيْنِ ثُلُثَيْ صَاعٍ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مِلْكِهِ وَلَا يَكُونُ هَذَا رِبًا لِأَنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي الْبِيَاعَاتِ وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي هَذَا بَيْعٌ وَإِنَّمَا هُوَ تَارِكٌ بَعْضَ الْمَكِيلَةِ فَيَكُونُ مُسَامِحًا.
فَصْلٌ
: وَإِذَا خَلَطَهُ بِأَرْدَأَ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ يَغْصِبَ مِنْهُ صَاعًا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَيَخْلِطُهُ بِصَاعٍ يُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْغَاصِبِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى مَكِيلَةِ زَيْتِهِ مِنْ هَذَا الْمُخْتَلِطِ فَيَجُوزُ وَيَصِيرُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مُسَامِحًا بِجَوْدَةِ زَيْتِهِ.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى مِثْلِ مَكِيلَةِ زَيْتِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ وَقَدِ اسْتَوْفَى الْحَقَّ مِنْ غير محاباة.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبْذُلَ لَهُ الْغَاصِبُ مِثْلَ مَكِيلَةِ زَيْتِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَدْعُوَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ إِلَى أَخْذِهِ مِنَ الْمُخْتَلِطِ بِزَيْتِهِ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ كَمَا لَوِ اخْتَلَطَ بِمِثْلِ زَيْتِهِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ لِاسْتِهْلَاكِ زَيْتِهِ بِالِاخْتِلَاطِ وَلَهُ الْعُدُولُ بِهِ إِلَى الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِوُجُودِ عَيْنِ مَالِهِ فِيهِ فَعَلَى هَذَا إِنْ رَضِيَ أَنْ يأخذ منه مثل مكيلته جاز وكان مسامحاً بِالْجَوْدَةِ، وَإِنْ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ بِقِيمَةِ زَيْتِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجَابُ إِلَى ذَلِكَ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: يُجَابُ إِلَيْهِ وَيَكُونُ شَرِيكًا فِيهِ بِالثُّلُثَيْنِ قِسْطِ عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسَةَ عَشْرَةَ إِنْ قَاسَمَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ ثلثي الصاعين وذلك صاع وثلثه على صفعته ها هنا وإن اقتضاه التعليل جاز.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَطْلُبَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِثْلَ مَكِيلَةِ زَيْتِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَيَدْعُوَ الْغَاصِبُ إِلَى أَخْذِهِ مِنَ الْمُخْتَلِطِ بِزَيْتِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَيُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى دَفْعِ مِثْلِ الْمَكِيلَةِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا فِي الزَّيْتِ الْمُخْتَلِطِ بِقِيمَةِ زَيْتِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ من قدر مكيلة لنقصه، ويكون له ثلثاه عَلَى مَا مَضَى فَإِنْ طَلَبَ الْقِسْمَةِ كَانَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ:
فَصْلٌ
: فَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَخْلِطَ الزَّيْتَ بِغَيْرِ زَيْتٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ كَالْعَسَلِ فيؤخذ الغاصب باستخراجه وأرش ما نَقص مِنْ قِيمَتِهِ وَمِثْلِ مَا نَقَصَ مِنْ ملكيته.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْلِطَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ كَالشَّيْرَجِ وَالْبَانِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ها هنا أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِ وَيَغْرَمُ لَهُ مِثْلَ مَكِيلَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ بِقِيمَةِ زَيْتِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ صَاعًا مِنْ زَيْتٍ يُسَاوِي خَمْسَةً مُخَلَّطَةً بِصَاعٍ مِنْ بَانٍ يُسَاوِي عَشَرَةً فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُ ثَمَنِهَا إِنْ كَانَ الثُّلُثُ خَمْسَةً فَصَاعِدًا وَإِنْ نَقَصَ بِالِاخْتِلَاطِ مِنَ الْخَمْسَةِ رَجَعَ بِقَدْرِ النَّقْصِ فَإِنْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ لِيَأْخُذَ ثُلُثَ الْجُمْلَةِ فَهُمَا جنسان فيخرج من اقْتِسَامِهِمَا بِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْقِسْمَةِ هَلْ هِيَ بَيْعٌ أَوْ تَمْيِيزُ نَصِيبٍ؟ فَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ اخْتِلَاطَ الزَّيْتِ بِغَيْرِهِ يُفْضِي إِلَى التَّفَاضُلِ وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا تَمْيِيزُ نَصِيبٍ جَازَ وَاللَّهُ أعلم بالصواب.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ أَغْلَاهُ عَلَى النَّارِ أَخَذَهُ وَمَا نَقَصَتْ مَكِيلَتُهُ أَوْ قِيمَتُهُ ".
قال الماوردي: وصورتها في من غَصَبَ زَيْتًا فَأَغْلَاهُ بِالنَّارِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى حَالَتِهِ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مَكِيلَتِهِ وَلَا مِنْ قِيمَتِهِ فَيَرْجِعُ بِهِ الْمَغْصُوبُ وَيَبْرَأُ مِنْهُ الْغَاصِبُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْقُصَ مِنْ مَكِيلَتِهِ دُونَ قِيمَتِهِ مِثْلَ أَنْ يَغْصِبَ مِنْهُ عَشَرَةَ آصُعٍ مِنْ زَيْتٍ يُسَاوِي كُلُّ صَاعٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَيَرْجِعُ إِلَى سَبْعَةِ آصُعٍ يُسَاوِي كُلُّ صَاعٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَكِيلَةِ مَا نَقَصَ وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ فَلَوْ كَانَ قَدْ زَادَ فِي قِيمَةِ الْمَغْلِيِّ الْبَاقِي بِمِثْلِ قِيمَةِ مَا نَقَصَ مِنَ الْآصُعِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَسْقُطْ عَنِ الْغَاصِبِ غُرْمُ الْمَكِيلَةِ النَّاقِصَةِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا يَمْلِكُهَا الْغَاصِبُ فَيَكُونُ قِصَاصًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْقُصَ مِنْ قِيمَتِهِ دُونَ مَكِيلَتِهِ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْآصُعُ الْعَشَرَةُ عَلَى مَكِيلَتِهَا لَكِنْ تَعُودُ قِيمَةُ كُلِّ صَاعٍ بَعْدَ غَلْيِهِ بِالنَّارِ إِلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُهُ مُنْتَهِيًا لَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ نَقْصٌ آخر غيره فهذا يسترجع من الغاصب مغلي مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ فِي كُلِّ صَاعٍ وَهُوَ دِرْهَمٌ فَيَرْجِعُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ النَّقْصُ قَدِ انْتَهَى لِحُدُوثِ نَقْصٍ آخَرَ بَعْدُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ من النقص الثاني محدود، فَلَيْسَ لَهُ إِبْدَالُ الزَّيْتِ بِغَيْرِهِ وَيَنْتَظِرُ حُدُوثَ نُقْصَانٍ فَيَرْجِعُ بِهِ، فَإِنْ تَلِفَ الزَّيْتُ قَبْلَ انْتِهَاءِ نُقْصَانِهِ فَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا كَانَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ مِنْ نَقْصٍ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ خَلَعَ سِنَّ صَبِيٍّ لَمْ يَثْغَرْ فَانْتَظَرَ بِهِ مَا يَكُونُ مِنْ نَبَاتِهَا أَوْ ذَهَابِهَا فَمَاتَ قَبْلَ مَعْرِفَتِهَا ففي استحقاق ديتها قولان يخرج منهما ها هنا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا أَرْشَ لَهُ لِعَدَمِ حُدُوثِهِ وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا فَطَالَبَ بِالْأَرْشِ مِثْلَ حُدُوثِ النَّقْصِ لَمْ يَكُنْ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ الْأَرْشُ لِلْعِلْمِ بِهِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا فَطَالَبَ بِهِ قَبْلَ حُدُوثِ النَّقْصِ كَانَ لَهُ فَلَوْ لَمْ يَهْلِكِ الزَّيْتُ وَلَكِنْ بَاعَهُ قَبْلَ انْتِهَاءِ نُقْصَانِهِ فَإِنْ أَعْلَمَ بِهِ الْمُشْتَرِي فَلَا رَدَّ له بحدوث نقصه لعلمه بعينه وللمغصوب أَنْ يرْجعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِنَقْصِهِ لِأَنَّهُ عَاوَضَ عَلَيْهِ نَاقِصًا وَإِنْ لَمْ يُعْلِمِ الْمُشْتَرِيَ بِهِ فَلَهُ الرَّدُّ بِحُدُوثِ نَقْصِهِ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُشْتَرِي وَرَدَّهُ رَجَعَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِأَرْشِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ وَلَمْ يُؤَدِّهِ كَانَ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَاصِبِ بِأَرْشِ نَقْصِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ بِهِ لِأَنَّهُ بِالْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ سَلِيمًا قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي فَصَارَ بِمَثَابَةِ مَا لَمْ يَحْدُثْ بِهِ نَقْصٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ لضمانه له بالغصب.
ولا يكون حدوث رضى المشتري به برأة لِلْغَاصِبِ مِنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ الثَّانِي غَيْرَ مَحْدُودٍ ففيه وجهان:
أحدهما: أن للمغصوب إِنْ شَاءَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِمِثْلِهِ لِمَا فِي اسْتِيفَائِهِ إِلَى انْتِهَاءِ النَّقْصِ الْمَجْهُولِ مِنْ شِدَّةِ الْإِضْرَارِ.
وَفَوَاتِ الِانْتِفَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ لِأَنَّ دُخُولَ النَّقْصِ الْمَجْهُولِ عَلَى الْأَعْيَانِ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَالِاسْتِهْلَاكِ فِي الْغُرْمِ.
أَلَا تَرَاهُ لَوْ جَرَحَ عَبْدًا جَهِلْنَا مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ حَالَ جُرْحِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَالَبَ الْجَارِحُ بِالْقِيمَةِ فِي بَدَلِهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ غَلْيُهُ بِالنَّارِ قَدْ نَقَصَ مِنْ مَكِيلَتِهِ وَقِيمَتِهِ مِثْلَ أَنْ تَعُودَ الْآصُعُ الْعَشَرَةُ إِلَى سَبْعَةٍ وَيَرْجِعُ قِيمَةُ كُلِّ صَاعٍ مِنَ السَّبْعَةِ إِلَى أَرْبَعَةٍ فَيَضْمَنُ النَّقْصَيْنِ نَقْصَ الْمَكِيلَةِ بِالْمِثْلِ، وَنَقْصَ الْقِيمَةِ بِالْأَرْشِ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ مِنْهُ عَصِيرًا فَأَغْلَاهُ بِالنَّارِ نَقَصَ قِيمَتَهُ إِنْ نَقَصَتْ وَهَلْ يَضْمَنُ نَقْصَ مَكِيلَتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ نَقْصَ الْمَكِيلَةِ بِخِلَافِ الزَّيْتِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ نَقْصَ مَكِيلَةِ الزَّيْتِ بِاسْتِهْلَاكِ أَجْزَائِهِ وَنَقْصَ مَكِيلَةِ الْعَصْرِ بِذَهَابِ مَائِيَّتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي (إِفْصَاحِهِ) أَنَّهُ يَضْمَنُ نَقْصَ الْمَكِيلَةِ كَمَا يَضْمَنُ نَقْصَهَا مِنَ الزَّيْتِ لِأَنَّ ما نقصت النار من مائتيه وَيُقَوَّمُ فِي الْعَصِيرِ بِقِيمَتِهِ فَصَارَ عَصِيرًا نَاقِصَ الْمَكِيلَةِ، وَهَكَذَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ لَبَنًا فَعَمِلَهُ جبناً رجع به جبناً وينقص إِنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ وَهَلْ يَرْجِعُ بِنَقْصِ مكيلته على الوجهين: والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَطَ دَقِيقًا بدقيقٍ فَكَالزَّيْتِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ غَصَبَ دَقِيقًا فَخَلَطَهُ بِدَقِيقٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ إنَّهُ كَالزَّيْتِ فِي أَنَّ لَهُ مِثْلًا تَعَلُّقًا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ بِظَاهِرِهِ وَمِنَ الِاحْتِجَاجِ فِيهِ بِتَمَاثُلِ أَجْزَائِهِ وَإنَّ تَفَاوُتَ الطَّحْنِ فِي النُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ أَقْرَبُ مِنْ تَفَاوُتِ الْحِنْطَةِ فِي صِغَرِ الْحَبِّ وَكِبَرِهِ فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ حَالُ مَا خُلِطَ بِهِ مِنَ الدَّقِيقِ فِي كَوْنِهِ مِثْلًا أَوْ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ وَيُعْطِيهِ مِثْلَ مَكِيلِهِ بِعَيْنِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الزَّيْتِ سَوَاءً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنَّ الدَّقِيقَ لَا مِثْلَ لَهُ لِاخْتِلَافِ طَحْنِهِ الْمُفْضِي بِالصَّنْعَةِ وَالْعَمَلِ إِلَى عَدَمِ تَمَاثُلِهِ وَلَيْسَ كَالْحِنْطَةِ الَّتِي لَيْسَ لِلْآدَمِيِّينَ صَنْعَةً فِي كِبَرِ حَجْمِهَا وَصِغَرِهِ وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَالزَّيْتِ فِي أَنَّهُ يصير مستهلكاً لا في أن مثلاً له فَعَلَى هَذَا إِذَا خَلَطَ الدَّقِيقَ بِدَقِيقٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رَبَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا فِي الدَّقِيقِ الْمُخْتَلِطِ بِقِيمَةِ دَقِيقِهِ يُبَاعُ فَيَقْتَسِمَانِ ثَمَنَهُ فَإِنْ لَحِقَهُ نَقْصٌ رَجَعَ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِسَامَ بِهِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْقِسْمَةِ هَلْ هِيَ بَيْعٌ أَوْ تَمَيُّزُ نَصِيبٍ فَإِنْ غَصَبَ دَقِيقًا فَنَخَلَهُ وَاسْتَهْلَكَ نُخَالَتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ قِيمَةَ النُّخَالَةِ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ أَغْلَظَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ النُّخَالَةِ أَوْ مِنْ نَقْصِ الدَّقِيقِ بِنَخْلِ النُّخَالَةِ وَقَدْ مَضَى نَظِيرُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي اسْتِهْلَاكِ التُّرَابِ مِنَ الْأَرْضِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِشَعِيرٍ فَلِلْحِنْطَةِ مِثْلٌ كَالزَّيْتِ فَإِنْ أمكن تمييزها مِنَ الشَّعِيرِ الْمُخْتَلِطِ بِهَا أَخَذَ الْغَاصِبُ بِتَمَيُّزِهَا وَإِنْ ثَقُلَتْ مَؤُنَةُ التَّمَيُّزِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَمَيُّزُهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ كَالزَّيْتِ إِذَا خُلِطَ ببان.
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِمِثْلِ حِنْطَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا فِي الْمُخْتَلِطِ بِقِيمَةِ حِنْطَتِهِ فَإِنْ حَدَثَ بالاختلاط نقص رجع به.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ كَانَ قَمْحًا فَعَفُنَ عِنْدَهُ رَدَّهُ وَقِيمَةَ مَا نَقَصَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا عَفُنَتِ الْحِنْطَةُ فِي يَدِ غَاصِبِهَا أَوْ سَاسَتْ بِالسُّوسِ أَوْ دَادَتْ بِالدُّودِ فَلَهُ اسْتِرْجَاعُهَا وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا قَلَّ النَّقْصُ أَوْ كَثُرَ.
وَقَالَ أبو حنيفة هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا نَاقِصَةً أَوْ يَرْجِعَ بِمِثْلِهَا وَقَدْ مَضَى فِي الْكَلَامِ مَعَهُ فِي مِثْلِ هَذَا مَا يُغْنِي، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ نَقْصِهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاهِيًا أَوْ غَيْرَ مُتَنَاهٍ فَإِنْ كَانَ مُتَنَاهِيًا رَجَعَ بِهِ رَبُّ الْحِنْطَةِ عَلَى الْغَاصِبِ بَعْدَ اسْتِرْجَاعِ حِنْطَتِهِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ متناةٍ وَلَا مَحْدُودٍ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي نَقْصِ الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ.
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَبَّ الْحِنْطَةِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِمِثْلِ حِنْطَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَبَيْنَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَا وَيَرْجِعَ بِمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ لِبَقَاءِ عَيْنِ مَالِهِ وَيَرْجِعُ بِمَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ من نقص.
فصل
: غصب الحنطة وطحنها ... فَإِنْ غَصَبَ مِنْهُ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ دَقِيقًا فَخَبَزَهُ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ دَقِيقًا وَخُبْزًا وَبِنَقْصٍ إِنْ حَدَثَ فِيهِ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَرْجِعَ بِأُجْرَةِ الْعَمَلِ وَلَا بِزِيَادَةٍ إِنْ حَدَثَتْ وَقَالَ أبو حنيفة الْغَاصِبُ أَمْلَكُ بِهَا إِذَا زَادَتْ وَبِغُرْمِ مِثْلِهَا لِئَلَّا يَكُونَ عَمَلُهُ مُسْتَهْلَكًا وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لَيْسَ لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ غَصَبَهُ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا.
قَالَ أبو حنيفة: يَمْلِكُهَا وَيَغْرَمُ مِثْلَهَا وَمَا حَصَلَ مِنْ نَمَاءٍ عِنْدَ الْحَصَادِ كَانَ لَهُ وَيَأْمُرُهُ، أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَنْ غَصَبَ غَرْسًا فَغَرَسَهُ حَتَّى صَارَ شَجَرًا مَلَكَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ حِينَ مَلَكَهُ وَهَذَا خَطَأٌ يَدْفَعُهُ نَصُّ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: لَيْسَ لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مَالُ الْحِنْطَةِ الْمَزْرُوعَةِ عِنْدَ مُطَالَبَةِ الْمَالِكِ لَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَذْرًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَقْلًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ سُنْبُلًا.
فَإِنْ كَانَتْ بَذْرًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَمْعُهُ مُمْكِنًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُمْكِنٍ.
فَإِنْ كَانَ جَمْعُهُ مُمْكِنًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أحدهما: أن تقل مؤنة جمعه للمغصوب مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبَ بِجَمْعِهِ وَرَدِّهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكْثُرَ مَؤُنَةُ جَمْعِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ غَصَبَ حِنْطَةً فِي بَلَدٍ فَنَقَلَهَا إِلَى غَيْرِهِ.
هَلْ يُكَلَّفُ الْغَاصِبُ نَقْلَهَا وَرَدَّ عَيْنِهَا أَوْ يَجُوزُ لَهُ رَدُّ مِثْلِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرُدُّ الْمَنْقُولَةَ بِعَيْنِهَا إِلَى الْبَلَدِ ويجمع الْمَبْذُورَةِ بِعَيْنِهَا مِنَ الْأَرْضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لا يكلف نقل النقولة، وَلَهُ رَدُّ مِثْلِهَا وَلَا يُكَلَّفُ جَمْعَ الْمَبْذُورَةِ وَيَكُونُ فِي حُكْمِ مَا لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ مِنَ الْبَذْرِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ مِنَ الْحَبِّ وَكَانَ بَذْرًا فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ الْغَاصِبَ بِمِثْلِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَصِيرَ عَلَيْهِ إِلَى نَبَاتِهِ وَإِمْكَانِ أَخْذِهِ فَإِنْ رَضِيَ بِالْمِثْلِ مَلَكَ الْمِثْلَ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنِ الْبُذُورِ فَإِذَا نَبَتَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِالْمِثْلِ وَإن صيرَ عَلَيْهِ إِلَى نَبَاتِهِ وَإِمْكَانِ أَخْذِهِ فَذَلِكَ لَهُ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَبْذُورًا فِي أَرْضِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْ فِي أَرْضِ الْغَاصِبِ أَوْ فِي أَرْضِ أَجْنَبِيٍّ فَإِذَا صَارَ بَقْلًا يُمْكِنُ جَزُّهُ كَانَ فِي حُكْمِ مَا سَنَذْكُرُهُ فَلَوْ تَلِفَ الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ أَخْذِهِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ تَلُفُّهُ قَبْلَ إِمْكَانِ أَخْذِهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ حَبًّا فَنَقَلَهُ النَّمْلُ أَوْ بَعْدَ أَنْ نَبَتَ عَلَى حَدٍّ لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ فَأَكَلَهُ الدُّودُ فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُهُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهَا لِأَنَّ إِعْوَازَ أَخْذِهِ قَبْلَ التَّلَفِ بِتَعَدِّيهِ وَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ بَعْدَ إِمْكَانِ أَخْذِهِ بَقَلًا ذَا قِيمَةٍ فَالْغَاصِبُ بَرِئَ مِنْ ضمانه لأنه بالترك بعد الممكنة مِنَ الْأَخْذِ قَاطِعٌ لِتَعَدِّي الْغَاصِبِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ قَدْ صَارَ بَقْلًا ذَا قِيمَةٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ حَالَتَانِ.
حَالَةٌ يَرْضَى بِأَخْذِهِ بَقْلًا وَحَالَةٌ يُطَالِبُ بِمِثْلِهِ حَبًّا فَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بَقْلًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بَقْلًا أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ حَبًّا رُدَّ عَلَى الْغَاصِبِ بِقَدْرِ النَّاقِصِ مِنَ الْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بَقْلًا مِثْلَ قِيمَتِهِ حَبًّا أَوْ أَزْيَدَ مِنْ قِيمَةِ الْحَبِّ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ فَلَوْ كَانَتْ قَدْ نَقَصَتْ مِنْ قِيمَةِ الْحَبِّ فِي أَوَّلِ نَبَاتِهِ ثُمَّ زَادَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ فَفِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ لِذَلِكَ النَّقْصِ وَجْهَانِ.
ذَكَرْنَاهَا فِي الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ إِذَا نَقَصَتْ بِمَرَضٍ ثُمَّ زَالَ النَّقْصُ بِزَوَالِ الْمَرَضِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نَقْصٌ لَمْ يَسْتَقِرَّ فجرى مجرى نقص السوق.
الوجه الثَّانِي: أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ لَزِمَ بِحُدُوثِ النَّقْصِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِحَادِثِ زِيَادَةٍ لَا يَمْلِكُهَا فَأَمَّا إِذَا قَالَ لَسْتُ أَرْضَى بِهِ بَقْلًا وَأُرِيدُ مِثْلَ الْمَغْصُوبِ مِنِّي حَبًّا ففيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: يُجَابُ إِلَى طَلَبِهِ وَيُؤْخَذُ الْغَاصِبُ بِإِعْطَائِهِ مثل حنطته ليصل إلى مثل المغصوب الْمَغْصُوبَةُ لَا يَلْزَمُ غُرْمُ أَصْلِهَا لِنَقْصٍ إِنْ حَدَثَ فِيهَا أَوْ حَالٍ انْتَقَلَ عَنْهَا كَالثَّوْبِ إِذَا أَخْلَقَ وَالشَّاةِ إِذَا ذُبِحَتْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَاسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِالرِّضَا أَوْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مَعَ عَدَمِ الرِّضَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْأَرْضِ الَّتِي زَرَعَ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ لِمَالِكِ الزَّرْعِ فَلَهُ إِقْرَارُ الزَّرْعِ فِيهَا إِلَى الْحَصَادِ إِنْ شَاءَ وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْأَرْضِ قَبْلَ أَخْذِهَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَغَلَهَا بِالزَّرْعِ الصَّائِرِ إِلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ غَصْبًا وَزَرْعًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِلْغَاصِبِ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الزَّرْعِ فِي أَرْضِهِ إِلَى وَقْتِ حَصَادِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَهُ أَخْذُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِقَلْعِهِ لِحُصُولِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ بِالتَّعَدِّي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى تَرْكِهِ إِنْ بَذْلَ لَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَجْرَ الْمِثْلِ مِنْ وَقْتِ التَّسْلِيمِ إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ لِحُصُولِ الْبَذْرِ فِي أَرْضِهِ بِاخْتِيَارِهِ.
والْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِأَجْنَبِيٍّ فَلِمَالِكِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ مَالِكَ الزَّرْعِ بِقَلْعِهِ إِلَّا أَنْ يَجِبَ إِلَى تَرْكِهِ رَاضِيًا بِأُجْرَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ لِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ قَدْ صَارَ سُنْبُلًا فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَخْذُهُ فِي سُنَبُلِهِ وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْغَاصِبِ بِالْبَدَلِ لِأَنَّهُ فِي سُنْبُلِهِ قَدْ عَادَ إِلَى حَالِهِ قَبْلَ غَصْبِهِ ثُمَّ جَمِيعُ مَا لُزِمَ الْغَاصِبُ عَلَيْهِ مَؤُنَةُ سَقْيٍ وَعَمَلٌ فَمُتَطَوِّعٌ بِهِ مِنْ مَالِهِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَأَمَّا الْعُشْرُ الْوَاجِبُ لِلْفُقَرَاءِ فهو حق لله تَعَالَى فِي الزَّرْعِ فَلَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ لِأَنَّهُ إِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ فَلَيْسَ الْغَاصِبُ مَالِكًا، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَجِبُ فِي عَيْنِ الزَّرْعِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْغَاصِبِ فَإِنْ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ وَهُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ نُظِرَ فَإِنْ أَخْذَهُ الْإِمَامُ أَجْزَأَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ فَرَّقَهُ الْغَاصِبُ عَلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَنِ الْوَاجِبِ فِيهِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنَ الْمَالِكِ فِي إِخْرَاجِهِ وَيَكُونُ الغاصب ضامن لِمَا أُخْرِجَ فَلَوْ أُخِذَ الْعُشْرُ مِنَ الْغَاصِبِ قَالَ لَا يُجْزِئُ أَخْذُهُ لِوَضْعِهِ الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ مَا أَخَذَهُ الْوَالِي مِنْهُ وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ جَبْرًا لِأَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَهُ مِنْهُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ رجل بيضاً فراخاً أو فروخاً كَانَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مِلْكِهِ ولو غصب منه شاة فأنزا عليه فَحْلُهُ فَوَضَعَتْ سَخْلًا كَانَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لِلْأُمِّ فِي الْمِلْكِ وَلَوْ غَصَبَ مِنْهُ فَحْلًا فَأَنْزَاهُ عَلَى شَاةٍ لَهُ فَوَضَعَتْ سَخْلًا كَانَ لِلْغَاصِبِ لِأَنَّهُ
مَالِكٌ لِلْأُمِّ وَلَا شَيْءَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي نزو فحله لأنه عصب فَحْلٍ مُحَرَّم الثَّمَنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّزْوُ قَدْ نَقَصَ مِنْ بَدَنِهِ وَقِيمَتِهِ فَيَرْجِعُ عَلَى الغاصب بقدر نقصه.
فَصْلٌ
: وَلَوْ غَصَبَهُ شَاةً فَذَبَحَهَا وَطَبَخَهَا لَمْ يَمْلِكْهَا وَيَرْجِعْ بِهَا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَطْبُوخَةً وَبِنَقْصٍ إِنْ حَدَثَ فِيهَا.
وَقَالَ أبو حنيفة قَدْ صَارَتْ بِالطَّبْخِ لِلْغَاصِبِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زَارَ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ شَاةً مَصْلِيَّةً فَأَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً فَلَمْ يَصِغْهَا فَقَالَ مالي لَا أَصِيغُهَا إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا أَوْ قَالَ خبراً قالوا يا رسول الله إن أَخَذْنَاهَا مِنْ بَنِي فلانٍ وَإِنَّهُمْ إِذَا وَافُوا راضيناهم فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَطْعِمُوهَا الْأَسَارَى فَجَعَلَ لَهُمْ تَمَلُّكَهَا بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِإِطْعَامِهَا لِلْأَسَارَى وَلَوْ لَمْ يَمْلِكُوهَا لَمَنَعَهُمْ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَحِلُّ لأحدٍ مِنْكُمْ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شيءٌ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ " فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ يَثْرِبِيٍّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ غَنَمًا لِابْنِ عَمِّي أَخَذْتُ مِنْهَا شَاةً قَالَ إِنْ لَقِيتَهَا نَعْجَةً تَحْمِلُ شَفْرَةً وَزِنَادًا بِخَبْتِ الْجَمِيشِ فَلَا تَهِجْهَا.
الْجَمِيشُ صَحْرَاءُ بَيْنَ مكة وَالْحِجَازِ قَلِيلَةُ السَّاكِنِ يُرِيدُ إِنْ لَقِيتَهَا بِهَذَا الْمَوْضِعِ الْمُهْلِكِ وَمَعَهَا شَفْرَةٌ وهي السكين وزناد، وهي المقدحة تَعْرِضْ لَهَا.
فَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي اسْتُدِلَّ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ إِذْنِهِمْ مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ مُقَدَّرٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِتَعَذُّرِ مُسْتَحِقِّيهِ عَنِ اسْتِبْقَاءِ الطَّعَامِ لَهُمْ فَأْمَرَهُمْ بِذَلِكَ حِفْظًا لِقِيمَتِهِ عَلَى أَرْبَابِهِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ مَجُوسِيٌّ شَاةً فَذَبَحَهَا ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ يَحْرُمُ أَكْلُهَا وَثَمَنُهَا وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَحَقُّ بِجِلْدِهَا وَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَةِ لِأَنَّهَا مِنْ عَيْنِ مَالِهِ فَإِنْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ فَدَبَغَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ لِرَبِّهِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ لِدَابِغِهِ فَلَوِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي ذَبْحِ شَاةٍ مَغْصُوبَةٍ ضَمِنَ الْمَجُوسِيُّ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِأَنَّهُ أَحَدُ الذَّابِحَيْنِ وَضَمِنَ الْمُسْلِمُ نِصْفَ نَقْصِهَا لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُشَارِكُ لَهُ فِي الذَّبْحِ مَجُوسِيًّا.
مِثَالُهُ: أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الشَّاةِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَوْ ذَبَحَهَا مُسْلِمٌ صَارَتْ قِيمَتُهَا عَشَرَةً فَيَضْمَنُ الْمُسْلِمُ خَمْسَةً وَالْمَجُوسِيُّ عَشَرَةً.
فَصْلٌ
: وَلَوْ غَصَبَ رَجُلًا عَصِيرًا فَصَارَ فِي يده خلاً رجع به المغصوب منه وبنقص إِنْ حَدَثَ فِي قِيمَتِهِ وَلَوْ صَارَ الْعَصِيرُ خَمْرًا رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهِ عَصِيرًا لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهُ وهَلْ لَهُ أَخْذُ الْخَمْرِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ لِوُجُوبِ إِرَاقَتِهِ وَإِتْلَافِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ أَخْذُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْتَفِعُ بِإِرَاقَتِهِ فِي طِينٍ أَوْ سَقْيِ حَيَوَانٍ فَلَوْ صَارَ الْخَمْرُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ خَلًّا رَجَعَ بِهِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، وَفِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ وَجْهَانِ: كَنَقْصِ الْمَرَضِ إِذَا زَالَ.
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ لِوُجُوبِهَا.
وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا تَخْرِيجًا مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ قَلَعَ سِنًّا مِنْ ثَغْرٍ فَغَرِمَ دِيَتَهَا ثُمَّ عَادَتْ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ غَصَبَ مِنْهُ تَمْرًا فَعَمِلَهُ دِبْسًا أَوْ سِمْسِمًا فَعَصَرَهُ شَيْرَجًا أَوْ زَيْتُونًا فَاعْتَصَرَهُ زَيْتًا، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَرْجِعَ بِنَقْصٍ إِنْ حَدَثَ فِيهِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ وَطَالَبَهُ بِالْبَدَلِ عَنْ أَصْلِ مَا غَصَبَهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ مما لَا مِثْلَ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ كَالتَّمْرِ اللَّصِيقِ الْمَكْنُوزِ بِالْبَصْرَةِ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا اسْتَخْرَجَهُ مِنْ دِبْسِهِ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَةِ تَمْرِهِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْمَغْصُوبِ أَخَصُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالسِّمْسِمِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَثَابَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي اسْتِرْجَاعِ مَا اسْتَخْرَجَ مِنْهُ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِمِثْلِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَغْصُوبِ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَوِ اسْتَهْلَكَ مَا قَدِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْمَغْصُوبِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ كَالتَّمْرِ الْمَكْنُوزِ إِذَا اسْتَخْرَجَ دِبْسَهُ بِالْمَاءِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ التَّمْرِ وَالدِّبْسِ غَيْرُ ذِي مِثْلٍ فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمِثْلِ الْأَصْلِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَلَا يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الدَّقِيقِ بِأَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ كَالْحِنْطَةِ إِذَا طَحَنَهَا دَقِيقًا فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمِثْلِ الْأَصْلِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَلَا يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الدَّقِيقِ لِأَنَّ ذِي الْمِثْلِ أَوْلَى مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَتِ الْحِنْطَةُ بَعْدَ الطَّحْنِ قَدْ زادت قيمتها
دَقِيقًا عَلَى قِيمَتِهَا حَبًّا اسْتَحَقَّ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ بَعْدَ أَخْذِ الْمِثْلِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ فِي الدَّقِيقِ كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ جَارِيَةً فَسَمِنَتْ ثُمَّ رَدَّهَا بَعْدَ ذَهَابِ السِّمَنِ ضَمِنَ نَقْصَ السِّمَنِ الْحَادِثِ فِي يَدِهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فَلَأَنْ يَضْمَنَ نَقْصَ الزِّيَادَةِ مَعَ اسْتِرْجَاعِ الْمِثْلِ أَوْلَى.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ بِمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالزَّيْتُونِ إِذَا اعْتَصَرَهُ زَيْتًا لِأَنَّ لِلزَّيْتِ مِثْلٌ وَلَيْسَ لِلزَّيْتُونِ مِثْلٌ فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِمِثْلِ الزَّيْتِ الْمُسْتَخْرَجِ وَبِنَقْصٍ إِنْ حَدَثَ فِي الزَّيْتُونِ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْمَغْصُوبُ ذَا مِثْلٍ كَانَ الْمِثْلُ أَوْلَى مِنْ قِيمَةِ الْأَصْلِ لِتَقْدِيمِ الْمِثْلِ عَلَى الْقِيمَةِ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالسِّمْسِمِ إِذَا اعْتَصَرَهُ شَيْرَجًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السِّمْسِمِ وَالشَّيْرَجِ مِثْلٌ فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْخِيَارُ فِي الرُّجُوعِ بِمِثْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ مِنَ السِّمْسِمِ أَوِ الشَّيْرَجِ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْغَصْبِ فَإِنْ رَجَعَ بِالسِّمْسِمِ وَكَانَ أَنْقَصَ ثَمَنًا مِنَ الشَّيْرَجِ فَأَرَادَ نَقْصَهُ لَمْ يَجُزْ وَقِيلَ إِنْ رَضِيتَ بِهِ وَإِلَّا فَاعْدِلْ عَنْهُ إلى الشيرج ولا أرش لك لأن عَيْنُ مالكٍ مُسْتَهْلكٍ وَلِكُلِّ حَقِّكَ مِثْلٌ فَلَا مَعْنَى لِأَخْذِ الْأَصْلِ مَعَ الْأَرْشِ مَعَ اسْتِحْقَاقِكَ لمثل لا يدخله أرش.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ غَصَبَهُ ثَوْبًا وَزَعْفَرَانًا فَصَبَغَهُ بِهِ فَرَبُّهُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهُ أبيض وزعفرانه صحيحاً وضمنه قِيمَةَ مَا نَقَصَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا مَضَى مِنْ أَقْسَامِ الْغَاصِبِ ثَوْبًا إِذَا صَبَغَهُ، وَسَنَذْكُرُ الْآنَ لِتَكْرَارِهَا مَا حَضَرَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِيهَا فَإِذَا غَصَبَ ثَوْبًا وَزَعْفَرَانًا وَصَبَغَهُ بِهِ نُظِرَ، فَإِنْ رَضِيَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِأَخْذِهِ مَصْبُوغًا مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ فَذَاكَ لَهُ وَإِنْ طَلَبَ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ وَجَبَ تَقْوِيمُ الثَّوْبِ أَبْيَضَ وَتَقْوِيمُ الزَّعْفَرَانِ صَحِيحًا، فَأَمَّا الثَّوْبُ فَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الصَّبْغِ وَأَمَّا الزَّعْفَرَانُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ الصَّبْغِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الزَّعْفَرَانَ مُسْتَهْلَكٌ فِي الصَّبْغِ فَاعْتُبِرَ بِأَكْثَرِ قِيمَتِهِ فِي السُّوقِ لِأَنَّ زِيَادَةَ السُّوقِ مَعَ الِاسْتِهْلَاكِ مَضْمُونَةٌ، وَالثَّوْبُ غَيْرُ مُسْتَهْلَكٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ أَكْثَرَ مَا كَانَ قِيمَةً لِأَنَّ زِيَادَةَ السُّوقِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فَإِذَا قِيلَ قِيمَةُ الثَّوْبِ عِنْدَ الصَّبْغِ عَشَرَةٌ وَقِيمَةُ الزَّعْفَرَانِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ إِلَى وَقْتِ الصَّبْغِ عَشَرَةٌ فَصَارَ الْمَضْمُونُ عَلَى الْغَاصِبِ مِنَ الْقِيمَتَيْنِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَتُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا عِنْدَ أَخْذِهِ مِنَ الغاصب إذا كان السُّوقُ فِيهَا عَلَى الْحَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي تَقْوِيمِهَا عَلَى الْغَاصِبِ لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ فَإِنْ زَادَتِ السُّوقُ لَمْ تُعْتَبَرِ الزِّيَادَةُ لِدُخُولِ الضَّرَرِ بِهَا عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَإِنْ نَقَصَتِ السُّوقُ لَمْ يُعْتَبَرِ النُّقْصَانَ لِدُخُولِ الضَّرَرِ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَإِذَا قُوِّمَ مَصْبُوغًا عَلَى مَا وَصَفْنَا فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا أَخَذَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِزِيَادَتِهِ
الَّتِي لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا رَجَعَ عَلَى الغاصب بعد أخذه بقدر نقصه فَلَوْ قَالَ الْغَاصِبُ أَذِنْتَ لِي فِي صَبْغِهِ وَأَنْكَرَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقَدْرِ النَّقْصِ فَلَوْ قَالَ أَذِنْتُ لَكَ ثُمَّ رَجَعْتُ فِي الْإِذْنِ قَبْلَ صَبْغِكَ.
وَقَالَ الْغَاصِبُ بَلْ كُنْتَ إِلَى حِينِ الصَّبْغِ عَلَى إِذْنِكَ فَفِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الرَّهْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ.
فَأَمَّا إِنِ اخْتَلَفَا فِي الصَّبْغِ فَقَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ هُوَ لِي وَقَالَ الْغَاصِبُ بَلْ هُوَ لِي.
فَإِنْ كَانَ الصَّبْغُ مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَجْلِ يَدِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ قد صار مستهلك فِي الثَّوْبِ فَجَرَى مَجْرَى أَجْزَائِهِ.
فَأَمَّا صِبَاغُ الثَّوْبِ بِالْأَجْرِ إِذَا اخْتَلَفَ هُوَ وَرَبُّ الثَّوْبِ فِي الصَّبْغِ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ الصَّبْغُ لِي وَقَالَ الصَّبَّاغُ الصَّبْغَ لِي فَإِنْ كَانَ الصَّبَّاغُ أَجِيرًا مُنْفَرِدًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ فِي الصَّبْغِ وَإِنْ كَانَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبَّاغِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْيَدَ فِي الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ لِرَبِّ الثَّوْبِ وَفِي الْمُشْتَرَكِ لِلْأَجِيرِ.
فَصْلٌ: قصر الثوب بعد الغصب وغسله
فَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَغَسْلَهُ أَوْ قَصَرَهُ رَدَّهُ مَغْسُولًا وَمَقْصُورًا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَةِ الْغَسْلِ وَالْقِصَارَةِ وَلَوْ نَقْصَ بِهِمَا ضَمِنَ النُّقْصَانَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُفْلِسِ حِينَ يَكُونُ شَرِيكًا فِي زِيَادَةِ الْقِصَارَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَبَيْنَ الْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا غَلَطَ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا، هُوَ أَنَّ زِيَادَةَ الْقِصَارَةِ بِالْعَمَلِ وَالْغَاصِبُ مُتَعَدٍّ بِعَمَلِهِ فَلَمْ يَمْلِكِ الزِّيَادَةَ بِهِ، وَالْمُفْلِسُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِعَمَلِهِ فَمَلَكَ الزِّيَادَةَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فصل: تقطيع الثوب المغصوب قميصا
ً
وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ قَمِيصًا فَإِنْ لَمْ يَخُطْهُ فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ وَيَرْجِعْ بِأَرْشِ نَقْصِهِ وَقَالَ أبو يوسف رَبُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدَعَهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِأَخْذِ قِيمَتِهِ.
وَقَالَ محمد بن الحسن إِنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَمَا نَقَصَ وَبَيْنَ أَنْ يَدَعَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَيَأْخُذَ قِيمَتَهُ، وَفِيمَا مَضَى مِنَ الدَّلَائِلِ فِي أَمْثَالِ هَذَا كَافٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ خُيُوطُ الْخِيَاطَةِ لِرَبِّ الثَّوْبِ أَوْ لِلْغَاصِبِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنْ كَانَتْ لِرَبِّ الثَّوْبِ أَخْذَهُ مَخِيطًا فَإِنْ طَالَبَ الْغَاصِبُ بِنَقْصِ الْخُيُوطِ مِنْهُ وَفَتْقِ الْخِيَاطَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ أَجْبِرَ الْقَاطِعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَلَى دَفْعِ مَا حَدَثَ مِنْ نَقْصٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْغَاصِبِ فَأَرَادَ اسْتِخْرَاجَهَا مِنَ الثَّوْبِ فَلَهُ ذَاكَ وَضَمِنَ مَا نَقَصَ
بِالِاسْتِخْرَاجِ وَإِنْ تَرْكَهُ فَرَضِيَ رَبُّ الثَّوْبِ بِتَرْكِهِ فَلَهُ ذَاكَ فَإِنْ طَلَبَ فَتْقَهُ وَاسْتِخْرَاجَ خُيُوطِهِ فإن كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أُخِذَ الْغَاصِبُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخُيُوطُ لِأَجْنَبِيِّ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَاصِبَ بِاسْتِخْرَاجِهَا وَيَضْمَنَ لَهُ مَا نَقَصَهَا وَيَضْمَنُ لِرَبِّ الثَّوْبِ مَا نَقَصَ مِنَ الثَّوْبِ، وَهَكَذَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَطَرَّزَهُ أَوْ رَفَاهُ كَانَ الْقَوْلُ في الطراز والرفو كَالْقَوْلِ فِي الْخِيَاطَةِ سَوَاءً.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ دَقِيقًا وَعَسَلًا وَدُهْنًا وَعَصَدَهُ عَصِيدًا أَخَذَهُ الْمَالِكُ مَعْقُودًا فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ بِقِيمَةِ الْمُقَدَّرَاتِ الْمَغْصُوبَةِ مِنْهُ فَصَاعِدًا مِثْلَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الدَّقِيقِ دِرْهَمًا وَقِيمَةُ الدُّهْنِ دِرْهَمَيْنِ وَقِيمَةُ الْعَسَلِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَتَكُونُ قِيمَةُ الْعَصِيدَةِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا أَخَذَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا شيء للغاصب في زيادة إن كانت بعمله وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ مَعْصُودًا فَكَانَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ أَخَذَهَا وَرَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قَدْرَ نَقْصِهِ فَلَوْ تَرَكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْعَصِيدَ عَلَى الغاصب وطالب الغاصب بالبدل من أَفْرَادِ مَا غَصَبَ مِنْهُ لَمْ يَخْلُ حَالُ ذلك من ثلاثة أضرب:
أحدهما: أَنْ تَكُونَ جَمِيعًا مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ جَمِيعُهَا مِمَّا لَهُ مِثْلٌ.
والثالث: أن يكون بعضها مما لا مِثْلٌ وَبَعْضُهَا مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الْمَغْصُوبِ منه لَا مِثْلَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهَا مَعَ بَقَاءِ أَعْيَانِهَا وَيَسْتَرْجِعُهَا وَنَقْصَهَا.
وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهَا مِمَّا لَهُ مِثْلٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لبعضها مثل وبعضهما لَا مِثْلَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَمْعِ بَدَلٌ، وَيَأْخُذُ أَعْيَانَ مَالِهِ مَعَ النَّقْصِ لِأَنَّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ لَا يُسْتَحَقُّ بَدَلُهُ وَلَيْسَ يَمْتَازُ عَمَّا لَهُ مِثْلٌ فَأُجْبِرَ عَلَى أَخْذِ جَمِيعِهِ دُونَ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ كَانَ لَوْحًا فَأَدْخَلَهُ فِي سفينةٍ أَوْ بَنَى عَلَيْهِ جِدَارًا أُخِذَ بِقَلْعِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا غَصَبَ لَوْحًا فَبَنَى عَلَيْهِ سَفِينَةً أَوْ دَارًا أُخِذَ بِهَدْمِ بِنَائِهِ وَرَدِّ اللَّوْحِ بِعَيْنِهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ أبو حنيفة وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَدْفَعُ الْقِيمَةَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى هَدْمِ الْبِنَاءِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فَمَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وفي أخذه بهدم بنائه أعظم إضرار به، وبقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا إِنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ".
وَفِي أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْهُ فِيهِ تَيْسِيرٌ قَدْ أُمِرَ بِهِ وَفِي هَدْمِ بِنَائِهِ تَعْسِيرٌ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ.
قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ يُسْتَضَرُّ بِرَدِّهِ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ كَالْخَيْطِ إِذَا خَاطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهُ إِلَّا بِاسْتِهْلَاكِ مَالٍ فَلَمْ يَجِبْ رَدُّهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ مَالٌ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ ". فَلَزِمَهَا رَدُّ اللَّوْحِ لِأَخْذِهِ.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يَحِلُّ لامرئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ " وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مَالَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَهَذَا خَبَرٌ ظَاهِرٌ كَالنَّصِّ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدًا وَمَقَالًا " وَلِأَنَّ كُلَّ مَغْصُوبٍ جَازَ رَدُّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رده كالذي لم يبن عليه فرداً وَالْخَيْطِ فِي جَرْحِ الْحَيَوَانِ عَكْسًا وَلِأَنَّهُ شَغَلَ الْمَغْصُوبَ بِمَا لَا حُرْمَةَ لَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْضُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَزَرَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَوِ احْتَاجَ ابْتَدَأَ إِلَيْهِ لَمْ يُجْبَرْ مَالِكُهُ عَلَيْهِ وَجَبَ إِذَا غَصَبَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى رَدِّهِ إِلَيْهِ كَالْأَرْضِ طَرْدًا وَالْخَيْطِ لِجُرْحِ الْحَيَوَانِ عَكْسًا، وَلِأَنَّ دخول الضرر على الغاصب لا يمنع عن رَدِّ الْمَغْصُوبِ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَلَّا يَرُدَّ الْمَغْصُوبِ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ " فَهُوَ أَنَّهُ مُشْتَرَكُ الدَّلِيلِ لِأَنَّ فِي مَنْعِ الْمَالِكِ مِنْهُ إِضْرَارٌ بِهِ فَكَانَ دُخُولُ الضَّرَرِ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَرَفْعُهُ عَنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْلَى مِنْ دُخُولِهِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي تَيْسِيرِ أَمْرِهِ وَرَفْعِهِ عَنِ الْغَاصِبِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا " فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي تَيْسِيرِ أَمْرِهِ بِرَدِّ مَالِهِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْغَاصِبِ فِي تَمْلِيكِ غَيْرِ مَالِكِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التيسير في غير العصاة.
والغاصب عاصي لَا يَجُوزُ التَّيْسِيرُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الذَّرِيعَةِ إِلَى اسْتِدَامَةِ الْمَعْصِيَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْخَيْطِ فِي جُرْحِ الْحَيَوَانِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْخَيْطِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَفِي اللَّوْحِ لَهُ رَدُّهُ.
وَالثَّانِي: الْمُعَاوَضَةُ فِي الْأَصْلِ بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْخَيْطِ أَنَّهُ لَوِ احْتَاجَ ابْتِدَاءً إِلَيْهِ أُجْبِرَ الْمَالِكُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى رَدِّهِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْفَرْعِ، وَهَذَا إِنْ سَلِمُوا مِنْ دُخُولِ النَّقْصِ عَلَيْهِمْ بِالْأَرْضِ إِذَا بَنَى فِيهَا بِأَنْ قَالُوا: لَيْسَتِ الْأَرْضُ عِنْدَنَا مَغْصُوبَةً.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ إِذَا كَانَ فِيهَا مَالٌ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ فَهُوَ أَنَّ اسْتِرْجَاعَ اللَّوْحِ وَاجِبٌ وإنما يستحق لحفظ المال للغير وبالصبر حَتَّى تَصِلَ السَّفِينَةُ إِلَى الشَّطِّ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ نَقْضَ الْبِنَاءِ لِرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَاجِبٌ فَسَوَاءٌ كَانَ الْبِنَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَسَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّوْحِ قَلِيلَةٌ أَوْ كَثِيرَةٌ حَتَّى لو كانت قيمة اللوح درهم وَقِيمَةُ الْبِنَاءِ أَلْفَ دِرْهَمٍ
أُخِذَ بِقَلْعِهِ حَتَّى يَخْلُصَ اللَّوْحُ لِرَبِّهِ إِلَّا أَنْ يُرَاضِيَهُ عَلَى أَخْذِ ثَمَنِهِ ثُمَّ إِذَا اسْتَرْجَعَ اللَّوْحَ لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ إِنْ كَانَتْ له أجرة وأرض نَقْصِهِ إِنْ حَدَثَ فِيهِ نَقْصٌ فَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ حَجَرًا فَبَنَى عَلَيْهِ مَنَارَةَ مَسْجِدٍ أُخِذَ بِنَقْضِ الْمَنَارَةِ لِرَدِّ الْحَجَرِ ثُمَّ عَلَيْهِ غُرْمُ نَقْضِ الْمَنَارَةِ لِلْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَطَوِّعُ ببنائها لِخُرُوجِ ذَلِكَ عَنْ مِلْكِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ اللَّوْحُ قَدْ بَنَى عَلَيْهِ سَفِينَةً فَإِنْ كَانَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الشَّطِّ أَوْ بِقُرْبِهِ هُدِمَتْ لِأَخْذِ اللَّوْحِ مِنْهَا حَتَّى يَصِلَ اللَّوْحُ إِلَى رَبِّهِ وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً فِي الْبَحْرِ فَإِنْ كَانَ اللَّوْحُ فِي أَعْلَاهَا بِمَكَانٍ لَا يَهْلِكُ مَا فِي السَّفِينَةِ بِأَخْذِهِ أُخِذَ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ فِي أَسْفَلِهَا فَإِنْ أُخِذَ مِنْهَا هَلَكَتْ وَمَا فِيهَا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا حَيَوَانٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْلَعَ حِرَاسَةً لِنُفُوسِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا آدَمِيِّينَ أَوْ بَهَائِمَ وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْبَهَائِمُ لِلْغَاصِبِ أَوْ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَتَيْنِ حُرْمَةُ نَفْسِهِ وَحُرْمَةُ صَاحِبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَيَوَانٌ وَكَانَ فِيهَا مَالٌ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ اللَّوْحِ مِنْهَا لِمَا فِي أَخْذِهِ مِنْ إِتْلَافِ مَالٍ لَهُ حُرْمَةٌ فِي الْحِفْظِ وَالْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ لِلْغَاصِبِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ اللَّوْحُ مِنْهَا وَإِنْ تَلِفَ مَالُ الْغَاصِبِ فِيهَا لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ بِتَعَدِّي مَالِكِهِ كَمَا يَذْهَبُ مَالُهُ فِي هَدْمِ بِنَائِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَخْذُهُ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَى الشَّطِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلَاكِ مَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَلَيْسَ كَالْبِنَاءِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى اللَّوْحِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ فَعَلَى هَذَا يُقَالُ لِرَبِّ اللَّوْحِ أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَصْبِرَ بِاللَّوْحِ حَتَّى تَصِلَ السَّفِينَةُ إِلَى الشَّطِّ فَتَأْخُذَ لَوْحَكَ وَبَيْنَ أَنْ تَأْخُذَ فِي الْمَوْضِعِ قِيمَةَ لَوْحِكَ، فَلَوِ اخْتَلَطَتِ السَّفِينَةُ الَّتِي دَخَلَ اللَّوْحُ فِي بِنَائِهَا بِعَشْرِ سُفُنٍ لِلْغَاصِبِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا بِهَدْمِ جَمِيعِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُهْدَمُ جَمِيعُهَا حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ كَمَا يُهْدَمُ جَمِيعُ السَّفِينَةِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَدْمُ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ اللَّوْحُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَهْلِكَ عَلَيْهِ هَدْمَ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ اللَّوْحُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَهْلَكَ عَلَيْهِ مَالٌ لَا يَتَعَيَّنُ التَّعَدِّي فِيهِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ عَمِلَ اللَّوْحَ الْمَغْصُوبَ بَابًا أَوْ بَنَاهُ سَفِينَةً أو غَصَبَ حَدِيدًا فَعَمَلَهُ دِرْعًا لَمْ يَمْلِكْهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
وَجَعَلَهُ أبو حنيفة مَالِكًا لِذَلِكَ بِعَمَلِهِ وَذَلِكَ مِنْ أَقْوَى الذَّرَائِعِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَغْصُوبِ وَإِذَا لَمْ يَمْلِكِ الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ بِبِنَائِهِ وَبِغَرْسِهِ فِيهَا وَالْأَرْضُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَغْصُوبَةٍ فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ غَيْرَهَا مِنَ الْمَغْصُوبِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ أَوْلَى وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ
فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ اسْتِرْجَاعُهُ مِنْهُ مَعْمُولًا وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي عَمَلِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَعْيَانٌ مُزَالَةٌ فَيَسْتَرْجِعُهَا وَيَضْمَنُ نَقْصَ الْمَغْصُوبِ.
وَاللَّهُ أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَوْ خَيْطًا خَاطَ بِهِ ثَوْبَهُ فَإِنْ خَاطَ بِهِ جُرْحَ إِنْسَانٍ أَوْ حيوانٍ ضَمِنَ الْخَيْطَ وَلَمْ يُنْزَعْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِيمَنْ غَصَبَ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ شَيْئًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ خَاطَ بِهِ غَيْرَ حَيَوَانٍ كَالثِّيَابِ فَيُؤْخَذَ الْغَاصِبُ بِنَزْعِهِ وَرَدِّهِ عَلَى مَالِكِهِ وَأَرْشِ نَقْصِهِ إِنْ نَقَصَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ خَاطَ بِهِ حَيَوَانًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مَيْتًا عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ بِالْخَيْطِ فَيُنْظَرَ فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا لَا حُرْمَةَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالْبَهِيمَةِ نَزَعَ الْخَيْطَ مِنْهُ وَرَدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ حُرْمَةُ كَالْآدَمِيِّ نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يَفْحُشُ حَالُهُ بَعْدَ نَزْعِ الْخَيْطِ مِنْهُ نُزِعَ وَإِنْ فَحُشَ لَمْ ينزع لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " حُرْمَةُ ابْنِ آدَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ كَحُرْمَتِهِ فِي حَيَاتِهِ ".
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَيًّا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ النَّفْسِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ كَالْمُرْتَدِّ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ فَيُؤْخَذَ بِنَزْعِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا حُرْمَةَ لِحِفَاظِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُغَرَّمُ بَعْدَ نَزْعِهِ أَرْشَ نَقْصِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَحْظُورَ النَّفْسِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَافَ مِنْ نَزْعِهِ التَّلَفُ فَيُقَرُّ الْخَيْطُ وَلَا يُنْزَعُ سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبَ أَوْ غَيْرَهُ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ حِرَاسَةِ نَفْسِهِ بَعْدَ غَصْبِهِ، فَأَوْلَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى تَرْكِهِ فَعَلَى هَذَا يُغَرَّمُ قِيمَتَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَأْمَنَ التَّلَفَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْمَنَ الضَّرَرَ وَشِدَّةَ الْأَلَمِ فَهَذَا يُنْزَعُ مِنْهُ وَيُرَدُّ عَلَى مَالِكِهِ مَعَ أَرْشِ نَقْصِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُخَافَ ضَرَرٌ أَوْ شِدَّةُ أَلَمٍ وَتَطَاوُلُ مَرَضٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي تَيَمُّمِ الْمَرِيضِ إِذَا خَافَ تَطَاوُلَ الْمَرَضِ وَشِدَّةَ الْأَلَمِ.
أَحَدُهُمَا: يُنْزَعُ إِذَا قِيلَ لَا يَتَيَمَّمُ.
وَالثَّانِي: يُقَرُّ إِذَا قِيلَ يَتَيَمَّمُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: فِي الْأَصْلِ.
أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ آدَمِيٍّ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْكُولٍ كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُؤْمَنَ تَلَفُهَا فَيُنْزَعُ الْخَيْطُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُخَافَ تَلَفُهَا فَيُقَرُّ لِحُرْمَةِ نَفْسِهَا الَّتِي لَا يَجُوزُ انْتِهَاكُهَا بِتَعَدِّي مَالِكِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مَأْكُولًا كَالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ فَإِنْ أُمِنَ تَلَفُهَا بِنَزْعِهِ نُزِعَ وَإِنْ خِيفَ تَلَفُهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: رَوَاهُ الرَّبِيعُ تُذْبَحُ لِيُنْزَعَ الْخَيْطُ مِنْهَا لِأَنَّهُ قَدْ يُوصَلُ إِلَى أَخْذِهِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ وَحَرْمَلَةُ أَنَّهُ يُقَرُّ الْخَيْطُ وَلَا يُنْزَعُ وَيُؤْخَذُ الْغَاصِبُ بِقِيمَتِهِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن ذبح البهائم إلا لمالكةٍ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ ذَبَحَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهَا حُوسِبَ بِهَا قبل وَمَا حَقُّهَا قَالَ أَنْ يَذْبَحهَا لِغَيْرِ مأكلةٍ
فَصْلٌ
: وَإِذَا مَرَّتْ بَهِيمَةُ رَجُلٍ فِي سُوقٍ فَابْتَلَعَتْ جَوْهَرَةَ رَجُلٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْبَهِيمَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَالِكُهَا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَوْهَرَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ لِمَا جَنَتْهُ فَلَوْ سَأَلَهُ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِيعَ الْبَهِيمَةِ لِيَتَوَصَّلَ مِنْهَا إِلَى أَخْذِ الْجَوْهَرَةِ أَوْ يَصِيرَا مَعًا في ملكه فلم يُجْبَرِ الْمَالِكُ عَلَى الْبَيْعِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَوْهَرَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْبَهِيمَةِ أُجْبِرَ صَاحِبُهَا عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَوْهَرَةِ أَقَلَّ لَمْ يُجْبَرْ وَهَذَا فاسداً اسْتِدْلَالًا بِقِيَاسَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا لَا يُسْتَحَقُّ تَمَلُّكُهُ بِاسْتِهْلَاكِ الْأَقَلِّ لَمْ يُسْتَحَقَّ تَمَلُّكُهُ بِاسْتِهْلَاكِ الْأَكْثَرِ قِيَاسًا عَلَى كَسْرِهَا إِنَاءً أَوْ أَكْلِهَا طعام.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَا يُسْتَحَقُّ تَمَلُّكُهُ مَعَ تَلَفِ الشَّيْءِ لَمْ يُسْتَحَقَّ تَمَلُّكُهُ مَعَ بَقَائِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا قِيمَتُهُ أَقَلُّ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا كَانَ ضَامِنًا لَهَا سَوَاءٌ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ شَاةً أَوْ بَعِيرًا، وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ بَعِيرًا ضَمِنَ وَإِنْ كَانَتْ شَاةً لَمْ يَضْمَنْ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَعِيرِ النُّفُورُ فَلَزِمَ مَنْعُهُ وَمُرَاعَاتُهُ وَالْعُرْفَ فِي الشَّاةِ السُّكُونُ فَلَمْ يَلْزَمْ مَنْعُهَا وَمُرَاعَاتُهَا، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ سُقُوطَ مُرَاعَاةِ الشَّاةِ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنْهَا الْسلَامَةُ فَإِنْ أَفَضَتْ إِلَى غَيْرِ السَّلَامَةِ لَزِمَ الضَّمَانُ كَمَا أُبِيحَ لِلرَّجُلِ ضَرْبُ زَوْجَتِهِ وَلِلْمُعَلِّمِ ضَرْبُ الصَّبِيِّ لِأَنَّ عَاقِبَتَهُ السَّلَامَةُ فَإِنْ أَفْضَى الضَّرْبُ بِهَا إِلَى التَّلَفِ ضَمِنَا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ نُظِرَ فِي الْبَهِيمَةِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ لَزِمَهُ غُرْمُ الْقِيمَةِ لِتَحْرِيمِ ذَبْحِهَا وَتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تذبح علي وَتُؤْخَذُ الْجَوْهَرَةُ مِنْ جَوْفِهَا.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا وَتُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَةُ الْجَوْهَرَةِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ أَوْ ذَبَحَهَا
لِمَأْكَلَةٍ فَوَصَلَ إِلَى الْجَوْهَرَةِ رَجَعَ بِهَا الْمَالِكُ وَرَدَّ مَا أَخَذَهُ مِنَ الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ أَخَذَ قِيمَةَ آبِقٍ ثُمَّ وَجَدَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ مَالِهِ مِثْلُ عِنْدِ عَدَمِ الْمِثْلِ ثُمَّ يَجِدُ الْمِثْلَ فَيَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَى الْقِيمَةِ وَلَا يَرْجِعُ بِالْمِثْلِ وَكَذَا لَوْ سَافَرَ عَنْ عَبْدٍ غُصِبَهُ بِالْبَصْرَةِ فَالْتَقَى بِمَالِكِهِ بِمَكَّةَ فَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ الْعَبْدِ بِالْبَصْرَةِ ثُمَّ قَدِمَا إِلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ أَخْذِ الْقِيمَةِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى الْقِيمَةِ وَلَا يَرْجِعُ بِالْعَبْدِ هُوَ أَنَّ جَوَازَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى ذَبْحِ الْبَهِيمَةِ لِأَخْذِ مَا فِيهَا مِنَ الْجَوْهَرَةِ حَرَامٌ فَكَانَ أَخْذُ الْقِيمَةِ ضَرُورَةً فَإِذَا حُصِّلَتِ الْجَوْهَرَةُ زَالَتِ الضَّرُورَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْقُدُومِ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَغْصُوبُ وَالصَّبْرِ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ذِي الْمِثْلِ فَيَجُوزُ وَلَا يَحْرُمُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرُورَةٌ يُعْتَبَرُ زَوَالُهَا فِي الرُّجُوعِ فَصَارَ أَخْذُ الْقِيمَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ يَرْجِعُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهَا بِالْأَصْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَهِيَ الْآبِقُ إِذَا ظَهَرَ، وَالْعُدُولُ إِلَى الْمَغْصُوبِ بَعْدَ أَخْذِ الْقِيمَةِ.
وَلَا يَرْجِعُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهَا بِالْأَصْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَهُمَا: الْمِثْلُ إِذَا وُجِدَ بَعْدَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، وَالْقَدُّومِ إِلَى بَلَدِ الْمَغْصُوبِ الْبَاقِي بَعْدَ أَخْذِ الْقِيمَةِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا تَبَايَعَا بَهِيمَةً وَابْتَلَعَتْ ثَمَنَهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِالدَّفْعِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْبَهِيمَةِ فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ فالثَّمَن غَيْر مَضْمُونٍ لِأَنَّ ما جنته في يده مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَالثَّمَنُ مِلْكٌ لَهُ وَعَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْبَهِيمَةِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الثَّمَنِ بِمَوْتٍ أَوْ بِذَبْحٍ اخْتَارَهُ الْمُشْتَرِي لِمَأْكَلِهِ رُدَّ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَالثَّمَنُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ غَرِمَ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً فَهَلْ تُذْبَحُ لِأَخْذِ الثَّمَنِ مِنْهَا أَمْ لَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَبْتَلِعَ الثَّمَنَ قَبْلَ قَبْضِهِ.
فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالْعَقْدِ فَالْبَيْعُ لَا يَبْطُلُ وَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَمَا ابْتَلَعَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَّا الْبَائِعُ فَلِزَوَالِ يَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّهُ مَالُهُ وَجِنَايَةُ الْبَهِيمَةِ مِنْ ضَمَانِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ مِمَّا لَا تُؤْكَلُ لَزِمَهُ غُرْمُ مِثْلِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ الثَّمَنُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ يَتَقَاضَانه وَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ مَأْكُولَةً فَهَلْ تُذْبَحُ أَمْ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ لَا تُذْبَحُ لَزِمَ غُرْمَ مِثْلِ الثَّمَنِ وَتَقَصَّاهُ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِنْ قِيلَ تُذْبَحُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَقَصَّاهُ لِأَنَّ وُجُودَ عَيْنِهِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَالْعَيْنُ لَا تَكُونُ قِصَاصًا مِنَ الذِّمَّةِ فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ لِأَنَّ ذَبْحَ الْبَهِيمَةِ قَدِ اسْتُحِقَّ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَذَلِكَ عَيْبٌ حَادِثٌ وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَلِأَجْلِهِ مَا اسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي خِيَارًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِمَا أَوْجَبَ الْعَيْبَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْبَهِيمَةُ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّ تَلَفَ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ وَهُوَ مُتَعَذِّرُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَالتَّالِفِ ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ تَالِفٌ مِنْ مَالِهِ وَالْبَائِعُ غَيْرُ ضَامِنٍ لَهُ وَعَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْبَهِيمَةِ عَلَى الْبَائِعِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الثَّمَنِ بِمَوْتِهَا رُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَالثَّمَنُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَيُغَرَّمُ مِثْلَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْبَهِيمَةُ مَأْكُولَةً فَفِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي ذَبْحِهَا فِيمَا ابْتَلَعَتْهُ فَإِنْ قِيلَ لَا تُذْبَحُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِتَلَفِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ وَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَإِنْ قِيلَ تُذْبَحُ فَالْبَيْعُ لَا يَبْطُلُ لِأَنَّ الثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ذُبِحَتْ وَدُفِعَ الثَّمَنُ إِلَى الْبَائِعِ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فِي فَسْخِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ ذُبِحَتْ وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ.
فَإِنْ كَفَّ الْبَائِعُ عن ذبحها لم يسقط خِيَارُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَوْ طَالَبَ بِهِ مِنْ بَعْدُ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْأَعْيَانِ لَا تَصِحُّ وَلَوْ وَهَبَهُ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهَا هِبَةُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَخِيَارُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا عَلَى حَالِهِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا مَرَّتْ بَهِيمَةُ رَجُلٍ بِقِدْرِ بَاقِلَّانِيٍّ فَأَدْخَلَتْ رَأْسَهَا فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِكَسْرِ الْقِدْرِ أَوْ ذَبْحِ الْبَهِيمَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْقِدْرِ مُتَعَدِّيًا فِي وَضْعِهَا فِي غَيْرِ حَقٍّ وَصَاحِبُ الْبَهِيمَةِ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَالْوَاجِبُ كَسْرُ الْقِدْرِ لِتَخْلِيصِ الْبَهِيمَةِ وَيَكُونُ كَسْرُهَا هَدَرًا لِتَعَدِّيهِ بِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ مُتَعَدِّيًا لِإِدْخَالِهَا فِي غَيْرِ حَقِّ وَصَاحِبِ الْقِدْرِ غَيْرِ مُتَعَدٍّ فَيَكُونُ تَخْلِيصُ الْبَهِيمَةِ مَضْمُونًا عَلَى صَاحِبِهَا لِتَعَدِّيهِ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تُؤْكَلُ كُسِرَتِ الْقِدْرُ لِأَنَّ لِنَفْسِ الْبَهِيمَةِ حُرْمَةً فِي حِرَاسَتِهَا ثُمَّ كَسْرُ الْقِدْرِ مَضْمُونٌ عَلَى صَاحِبِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْكَلُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ ذَبْحِهَا فِي تَخْلِيصِ مَا جَنَتْهُ:
أَحَدُهُمَا: تُذْبَحُ وَيُخْرَجُ رَأْسُهَا مِنَ الْقِدْرِ وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا وَتُكْسَرُ الْقِدْرُ لِتَخْلِيصِ رَأْسِهَا ثُمَّ يَضْمَنُ أَرْشَ كَسْرِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَالتَّخْلِيصُ مَضْمُونٌ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ لَا بِالتَّعَدِّي لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا وَلَكِنْ يُرِيدُ اسْتِصْلَاحَ مِلْكِهِ بِهِ فَضَمِنَ مُؤْنَةَ اسْتِصْلَاحِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْبَهِيمَةُ مَأْكُولَةً كُسِرَتِ الْقِدْرُ وَضَمِنَ كَسْرَهَا وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ وَلَا تُكْسَرُ الْقِدْرُ.
وَالثَّانِي: تُكْسَرُ الْقِدْرُ وَيَضْمَنُ الْكَسْرَ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدِّيًا فَالتَّخْلِيصُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّعَدِّي كَالْمُتَصَادِمَيْنِ.
فَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ كُسِرَتِ الْقِدْرُ وَضَمِنَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ نِصْفَ الْكَسْرِ وَكَانَ النِّصْفُ الْبَاقِي هَدَرًا.
وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً فَإِنْ قِيلَ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا كُسِرَتِ الْقِدْرُ وَضَمِنَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ كَسْرَ الْقِدْرِ لَا ضَمَانَ نِصْفِ كَسْرِهَا.
وَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ ذَبْحُهَا فَتَنَازَعَا فَقَالَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ تُكْسَرُ الْقِدْرِ لِأَضْمَنَ نِصْفَ كَسْرِهَا وَقَالَ صَاحِبُ الْقِدْرِ بَلْ تُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ لِأَضْمَنَ نِصْفَ النَّقْصِ فِي ذَبْحِهَا نُظِرَ الْبَادِئُ مِنْهُمَا بِطَلَبِ التَّخْلِيصِ فَجُعِلَ ذَلِكَ فِي جَنَبَتِهِ فَإِنْ بَدَأَ بِهِ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ أُجْبِرَ عَلَى ذَبْحِهَا وَرَجَعَ نِصْفُ نَقْصِهَا، وَإِنْ بَدَأَ بِهِ صَاحِبُ الْقِدْرِ أُجْبِرَ عَلَى كَسْرِهَا وَرَجَعَ بِنِصْفِ نَقْصِهَا فَإِنْ كَانَا مُمْسِكَيْنِ عَنِ النِّزَاعِ حَتَّى تَطَاوَلَ بِهِمَا الزَّمَانُ أُجْبِرَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ عَلَيْهِ خَلَاصَ بَهِيمَتِهِ لِأَنَّهَا نَفْسٌ يَحْرُمُ تَعْدِيَتُهَا وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْقِدْرِ خَلَاصُ قِدْرِهِ إِلَّا إِذَا شَاءَ.
وَإِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ لَا يُوصَلُ إِلَى مَنْحَرِهَا لِدُخُولِهِ فِي الْقِدْرِ فَلَا يَكُونُ عَقْرُهَا ذَكَاةً لَهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَصِلُ إِلَى مَنْحَرِهَا بِكَسْرِ الْقِدْرِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ كَسْرُ الْقِدْرِ لِأَنَّ عَقْرَ الْبَهِيمَةِ لِغَيْرِ الذَّكَاةِ حَرَامٌ.
ثُمَّ يَضْمَنُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ نِصْفَ الْكَسْرِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ في فصيل دخول دَارًا فَكَبِرَ فِيهَا حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَابِهَا إِلَّا بِهَدْمِهِ أَوْ أُتْرُجَّةٍ مِنْ شَجَرَةٍ دَخَلَتْ فِي إِنَاءٍ كَبَرَتْ فِيهِ فلم تخرج إلا بكسره.
مسألة: من غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ مَنْ أَكَلَهُ ثُمَّ اسْتُحِقَّ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ مَنْ أَكَلَهُ ثُمَّ اسْتُحِقَّ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُ الْغَاصِبِ بِهِ فَإِنْ غَرِمَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْوَاهِبِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنْ غَرِمَهُ فَقَدْ قِيلَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَاهِبِ وَقِيلَ لا يرجع به (قال المزني) رحمه الله أشبه بقوله إن هبة الغاصب لا معنى لها وقد أتلف الموهوب له ما ليس له ولا للواهب فعليه غرمه ولا يرجع به فإن غرمه الغاصب رجع به عليه هذا عندي أشبه بأصله ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى قِسْمَيْنِ يَتَضَمَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةَ فُصُولٍ: فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمَسْطُورُ مِنْهَا فمصور في من غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ غَيْرَهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَهَبَهُ لِرَجُلٍ فَيَأْكُلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ هِبَتِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْعِمَهُ عَبْدَ غَيْرِهِ أو بهيمته.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ أَنْ يَهَبَهُ لِرَجُلٍ فَيَأْكُلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَرَبُّ الطَّعَامِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ لِاسْتِهْلَاكِهِ بِيَدِهِ، فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فَأَغْرَمَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّهُ مغصوب أو لم يعلم بأنه مغصوب لم يَرْجِعْ بِغُرْمِهِ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِعِلْمِهِ كَالْغَاصِبِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا يُغَرِّمُهُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ غَارٌّ لَهُ فِي إِيجَابِ الْغُرْمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ لِبُطْلَانِ هِبَتِهِ فَصَارَ كَاسْتِهْلَاكِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ هِبَتِهِ وَإِذَا رَجَعَ الْمَالِكُ بِغُرْمِهِ عَلَى الْغَاصِبِ الْوَاهِبِ فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ عَلَيْهِ بِمَا غُرِّمَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَفِي رُجُوعِهِ بِالْغُرْمِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ بِهِ لِأَنَّهُ غَارٌّ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ الْغَارِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْغُرْمِ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ.
فَلَوِ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فِي عِلْمِهِ بِكَوْنِ الطَّعَامِ مَغْصُوبًا فَادَّعَى الْغَاصِبُ عِلْمَهُ لِيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَأَنْكَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعِلْمَ نظر فإن قال له الغاصب أعلمنك عِنْدَ الْهِبَةِ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ وإن قال أعلمت مِنْ غَيْرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى إِعْلَامَهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ أَنْكَرَ عَقْدَ الْبَهِيمَةِ عَلَى الصِّحَّةِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَادِّعَائِهِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أن يأذن له في أكله فيأكل مِنْ غَيْرِ هِبَةٍ وَإِقْبَاضٍ فَإِنْ عَلِمَ الْآكِلُ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَرَبُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْآكِلِ فَيُغَرِّمَهُ وَلَا يَرْجِعَ الْآكِلُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَيُغَرِّمَهُ وَيَرْجِعَ الْغَاصِبُ بِهِ عَلَى الْآكِلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَرَبُّهُ أَيْضًا بِالْخِيَارِ فِي إِغْرَامِ أَيِّهِمَا شَاءَ فَإِنْ غَرَّمَ الْآكِلَ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى أَنَّ فِي رُجُوعِهِ بِالْغُرْمِ عَلَى الْغَاصِبِ قَوْلَيْنِ كَمَا لَوِ اسْتَهْلَكَهُ مِنْ غَيْرِ هِبَتِهِ، وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْآكِلِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ أَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْآكِلِ بِإِذْنِ الْغَاصِبِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ وَاسْتِهْلَاكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْغَاصِبِ فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فَإِنْ غَرَّمَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ فَعَلَى مَذْهَبِ الْبَغْدَادِيِّينَ يَكُونُ رُجُوعُهُ بِالْغُرْمِ عَلَى الْآكِلِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَعَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ لَا يَرْجِعُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يُطْعِمَهُ بَهِيمَةً لِرَجُلٍ أَوْ عبد.
فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ مَالِكِ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ وَحْدَهُ يَرْجِعُ بِهِ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَالِكِ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ فَإِنْ أُعْسِرَ بِهِ الْغَاصِبُ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ وَلَا عَلَى مَالِكِهِمَا لِأَنَّ الْمُتْلِفَ هُوَ الْغَاصِبُ دُونَهُمَا وَإِنْ كَانَ إِطْعَامُهُمَا ذَلِكَ بِأَمْرِ مَالِكِيهِمَا نُظِرَ فَإِنْ عَلِمَ عِنْدَ أَمْرِهِ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَمَالِكُ الطَّعَامِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ فَيُغَرِّمَهُ وَلَا يَرْجِعَ بِهِ الْآمِرُ عَلَى الْغَاصِبِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَيُغَرِّمَهُ وَيَرْجِعَ بِهِ الْغَاصِبُ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْآمِرُ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ نُظِرَ فَإِنْ سَلَّمَهُ وَتَوَلَّى هُوَ إِطْعَامَ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ ذَلِكَ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ كَانَ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ فَهَذَا أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فَمُصَوَّرٌ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ إِذَا كَانَتْ فِي رَبِّ الطَّعَامِ.
فَالْفَصْلُ الْأَوَّلُ: إِذَا وَهَبَ الْغَاصِبُ الطَّعَامَ لِمَالِكِهِ فَإِنْ عَلِمَ عِنْدَ الْأَكْلِ أَنَّهُ طَعَامُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِغُرْمِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ للْأَجْنَبِيّ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِذَا غَرِمَهُ رَجَعَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهِ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْأَجْنَبِيَّ بَعْدَ الْغُرْمِ لَا يَرْجِعُ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ الْغَاصِبُ لِرَبِّ الطَّعَامِ فِي أَكْلِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِهِ حِينَ أَكْلِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِغُرْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَعَلَى قَوْلِ الْبَغْدَادِيِّينَ يَكُونُ رُجُوعُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَعَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ يَرْجِعُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْآكِلِ الْأَجْنَبِيِّ.
وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْعِمَهُ عَبْدَ رَبِّ الطَّعَامِ أَوْ بَهِيمَتَهُ.
فَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِغُرْمِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ فَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رَجَعَ فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ كَانَ رُجُوعُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِ كَانَ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ إِيَّاهُ وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ إِنْ أَغْرَمَهُ لَا يَرْجِعُ بِالْغُرْمِ عَلَى الْغَاصِبِ وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ إِذَا أَغْرَمَهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ تَوْجِيهًا لَهُ وَهُوَ لَعَمْرِي أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ، وَلِمَنِ اخْتَارَ الْآخَرَ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ تَوْجِيهًا لَهُ مِنَ الْغُرُورِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ أَنَّ غَاصِبَ الطَّعَامِ بَاعَهُ عَلَى مَالِكِهِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ أَوْ لَا يَعْلَمُ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ بِإِتْلَافِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِتْلَافِهِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَمَنِهِ وَالْغَاصِبُ بَرِيءٌ مِنْ ضَمَانِهِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِالِابْتِيَاعِ مِنْ حِينِ الضَّمَانِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَهَكَذَا لَوْ غَصَبَهُ الْمَالِكُ مِنَ الْغَاصِبِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ طَعَامُهُ بَرِئَ مِنْهُ الْغَاصِبُ لِمَا عَلَّلْنَاهُ فِي الِابْتِيَاعِ لِأَنَّ الْغَصْبَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِنْ أَوْدَعَهُ الْغَاصِبُ عِنْدَ مَالِكِهِ أَوْ رَهَنَهُ إِيَّاهُ أَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ فَأَجَّرَهُ وَقَبَضَهُ
مِنْهُ بِالْوَدِيعَةِ أَوْ بِالرَّهْنِ أَوْ بِالْإِجَارَةِ ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ، نُظِرَ فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ قَبْضِهِ أَنَّهُ مَالُهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُودَعِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ بَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِهِ لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَفِي بَرَاءَةِ الْغَاصِبِ مِنْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَبْرَأُ مِنْهُ لِعَوْدِهِ إِلَى يَدِ مَالِكِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَبْرَأُ مِنْهُ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ يَدِهِ إِمَّا نِيَابَةً عَنْهُ أَوْ أَمَانَةً مِنْهُ فَلَمْ تَزَلْ يَدُهُ فَكَانَ عَلَى ضَمَانِهِ فَلَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ خَلَطَهُ بِمَالِ الْمَالِكِ فَتَلِفَ وَالْمَالِكُ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَالُ فِي يَدِ الْمَالِكِ فَالضَّمَانُ بَاقٍ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ فَإِنْ تَلِفَ بِاسْتِهْلَاكِ الْمَالِكِ بَرِئَ مِنْهُ الْغَاصِبُ وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ كَانَ فِي بَرَاءَتِهِ وجهان.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ حَلَّ دَابَةً أَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طائرٍ فَوَقَفَا ثُمَّ ذَهَبَا لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُمَا أَحْدَثَا الذَّهَابَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلِ حَلَّ دَابَّةً مَرْبُوطَةً أَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ مَحْبُوسٍ فَشَرَدَتِ الدَّابَّةُ وَطَارَ الطَّائِرُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ شُرُودُ الدَّابَّةِ وَطَيَرَانُ الطَّائِرِ بِتَهْيِيجِهِ وَتَنْفِيرِهِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ إِجْمَاعًا وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَ الْحَلُّ سَبَبًا وَالطَّيَرَانُ مُبَاشَرَةً لِأَنَّهُ قَدْ أَلْجَأَهُ بِالتَّهْيِيجِ وَالتَّنْفِيرِ إِلَى الطَّيَرَانِ وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى السَّبَبِ إِلْجَاءُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ الْمُلْجِئِ وَسَقَطَ حُكْمُ الْفَاعِلِ كَالشَّاهِدَيْنِ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ إِذَا اقْتَصَّ مِنْهُ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَا تَعَلُّقُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا دُونَ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُمَا أَلْجَآهُ بِالشَّهَادَةِ فَسَقَطَ حُكْمُ الْمُبَاشِرَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ تَهْيِيجٌ وَلَا تَنْفِيرٌ للدابة والطائر ففيه حالتان:
أحدهما: أَنْ يَلْبَثَا بَعْدَ حَلِّ الرِّبَاطِ وَفَتْحِ الْقَفَصِ زَمَانًا وَإِنْ قَلَّ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِانْفِصَالِ السَّبَبِ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ تَشْرُدَ الدَّابَّةُ وَيَطِيرَ الطَّائِرُ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ فَفِي الضَّمَانِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِاتِّصَالِ السَّبَبِ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْإِلْجَاءِ وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ مُتَّصِلًا وَمُن
ْفَصِلً
ا بِأَنَّ أَسْبَابَ التَّلَفِ
الْمَضْمُونَةِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَفَتْحِ الْقَفَصِ سَبَبٌ لِلتَّلَفِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ مَعَ اتِّصَالِهِ بِسَبَبِهِ جَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ مَعَ انْفِصَالِهِ عَنْ سَبَبِهِ كَالْجَارِحِ يَضْمَنُ إِنْ تَعَجَّلَ التَّلَفُ أو تأجل.
ودليلنا هو أن للحيوان اختيار يَتَصَرَّفُ بِهِ كَمَا يُشَاهَدُ عِيَانًا مِنْ قَصْدِهِ لِمَنَافِعِهِ وَاجْتِنَابِهِ لِمَضَارِّهِ، ثُمَّ لِمَا قَدِ اسْتَقَرَّ حُكْمًا مِنْ تَحْرِيمِ مَا قَدْ صَادَهُ بِاسْتِرْسَالِهِ وَتَحْلِيلِ مَا صَادَهُ بِاسْتِرْسَالِ مُرْسِلِهِ فَإِذَا اجْتَمَعَ السبب والاعتبار تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالِاخْتِيَارِ دُونَ السَّبَبِ كَمُلْقِي نَفْسِهِ مُخْتَارًا فِي بِئْرٍ يَسْقُطُ الضَّمَانُ بِاخْتِيَارِهِ عَنْ حَافِرِ الْبِئْرِ وَطَيَرَانِ الطَّائِرِ بِاخْتِيَارِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْجَأٍ وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ بَعْدَ فَتْحِ الْقَفَصِ أَلَّا يَطِيرَ فَوَجَبَ إِذَا طَارَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْفَتْحِ ضَمَانٌ، وَلِأَنَّ طَيَرَانَ الطَّائِرِ بِفَتْحِ الْقَفَصِ كَهَرَبِ الْعَبْدِ الْمَحْبُوسِ إِذَا فُتِحَ عَنْهُ الْحَبْسُ فَلَمَّا كَانَ فَاتِحُ الْحَبْسِ عَنِ الْعَبْدِ الْمَحْبُوسِ لَا يَضْمَنُهُ إِنْ هَرَبَ فَكَذَلِكَ فَاتِحُ الْقَفَصِ عَنِ الطَّائِرِ لَا يَضْمَنُهُ إِنْ طَارَ، وَلِأَنَّ مَثَابَةَ مَنْ فَتَحَ الْقَفَصَ عَنِ الطَّائِرِ حَتَّى طَارَ بِمَثَابَةِ مَنْ هَتَكَ حِرْزَ مَالٍ حَتَّى سُرِقَ، ثُمَّ كَانَ لَوْ فتح باب داراً فِيهَا مَالٌ فَسُرِقَ لَمْ يَضْمَنْهُ فَكَذَلِكَ الْقَفَصُ إِذَا فُتِحَ بَابُهُ حَتَّى طَارَ طَائِرُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ وَلِأَنَّ فَتْحَ الْقَفَصِ يَكُونُ تَعَدِّيًا عَلَى الْقَفَصِ دُونَ الطَّائِرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الطَّائِرُ فِي الْقَفَصِ بَعْدَ فَتْحِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ قَطُّ وَمَا انْتُفِيَ عَنْهُ التَّعَدِّي لَمْ يَضْمَنْ بِهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ أَسْبَابَ التَّلَفِ مَضْمُونَةٌ كَحَافِرِ الْبِئْرِ يَضْمَنُ مَا سَقَطَ فِيهَا فَهُوَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَذَاكَ أَنَّ مِنْ طَابَعِ الْحَيَوَانِ تَوَقِّي التَّالِفِ فَإِذَا سَقَطَ فِي الْبِئْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ سُقُوطَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَضَمِنَ الْحَافِرُ وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُ سَقَطَ بِاخْتِيَارِهِ بِإِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَمْدًا سَقَطَ الضَّمَانُ عَنِ الْحَافِرِ وَالطَّيْرُ مَطْبُوعٌ عَلَى الطَّيَرَانِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ إِلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ فَإِذَا طَارَ دَلَّ عَلَى أَنَّ طَيَرَانَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَسَقَطَ الضَّمَانُ عَنْ فَاتِحِ الْقَفَصِ وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُ طَارَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ بِالْإِلْجَاءِ وَالتَّنْفِيرِ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى فَاتِحِ الْقَفَصِ فَكَانَ سَوَاءً.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِاسْتِوَاءِ الْأَسْبَابِ فِيمَا تَعَجَّلَ بِهَا التَّلَفُ أَوْ تَأَجَّلَ فَلِأَصْحَابِنَا فِي ضَمَانِهِ إِذَا طَارَ عَقِبَ الْفَتْحِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُهُ فَعَلَى هَذَا سَقَطَ السُّؤَالُ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَطِيرَ فِي الْحَالِ فَيَضْمَنُ وَبَيْنَ أَنْ يَطِيرَ بَعْدَ زَمَانٍ فَلَا يَضْمَنُ هُوَ أَنَّ الطَّيْرَ مَطْبُوعٌ عَلَى النُّفُورِ مِنَ الْإِنْسَانِ فَإِذَا طَارَ فِي الْحَالِ عُلِمَ أَنَّهُ طَارَ لِنُفُورِهِ مِنْهُ فَصَارَ كَتَنْفِيرِهِ إِيَّاهُ وَإِذَا لَبِثَ زَمَانًا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ النُّفُورُ فَصَارَ طَائِرًا بِاخْتِيَارِهِ وَاللَّهُ أعلم بالصواب.
فصل
: فإذا أمر طفلاأوً مَجْنُونًا بِإِرْسَالِ طَائِرٍ فِي يَدِهِ فَطَارَ فَهُوَ كَفَتْحِهِ الْقَفَصَ عَنْهُ فِي أَنَّهُ نَفَّرَهُ أَوْ أَمَرَ الطِّفْلَ بِتَنْفِيرِهِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُنَفِّرْهُ وَلَبِثَ زَمَانًا لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ طَارَ فِي الْحَالِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ كَانَ الطَّائِرُ سَاقِطًا عَلَى جِدَارٍ أو برج فنفره بحجر رماهبه فَطَارَ مِنْ تَنْفِيرِهِ لم يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ طَائِرًا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّنْفِيرِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ رَمَى رَجُلٌ حَجَرًا فِي هَوَاءِ داره فأصاب طائراً فقتله ضمن سواه عَمَدَهُ أَوْ لَمْ يَعْمِدْهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِالرَّمْيِ فِي هَوَاءِ دَارِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ الطَّائِرِ مِنَ الطَّيَرَانِ فِي هَوَائِهِ.
فَصَارَ كَمَا لَوْ رَمَاهُ فِي غَيْرِ هَوَائِهِ وَخَالَفَ دخل الْبَهِيمَةِ إِلَى دَارِهِ إِذْ مَنَعَهَا بِضَرْبٍ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِهِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا لِأَنَّ لَهُ مَنْعَ الْبَهِيمَةِ مِنْ دَارِهِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا فَتَحَ رَجُلٌ مُرَاحَ غَنَمٍ فَخَرَجَتْ لَيْلًا فَرَعَتْ زَرْعًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي فَتَحَهُ الْمَالِكُ ضَمِنَ الزَّرْعَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْمَالِكِ لَمْ يَضْمَنْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فَإِذَا فَتَحَ عَنْهَا ضَمِنَ وَغَيْرُ الْمَالِكِ لَا يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فَإِذَا فَتَحَ عَنْهَا لَمْ يَضْمَنْهُ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ حَلَّ دَابَّةً مَرْبُوطَةً عَنْ عَلَفٍ أَوْ شَعِيرٍ فَأَكَلَتْهُ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ الدَّابَّةَ هِيَ الْمُتْلِفَةُ دُونَهُ، وَكَذَا لَوْ كَسَرَتْ إِنَاءً فِي الدَّارِ لَمْ يَضْمَنْهُ لَمَا عَلَّلْنَا وَسَوَاءٌ اتَّصَلَ بذلك بالحل أو ان
فصل
عنه.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ حَلَّ زِقًّا أَوْ رَاوِيَةً فَانْدَفَقَا ضَمِنَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الزِّقُّ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا فَكَانَ الْحَلُّ لَا يَدْفَعُ مَا فِيهِ ثُمَّ سَقَطَ بتحريكٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْحَلَّ قَدْ كَانَ وَلَا جِنَايَةَ فِيهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي زِقٍّ قَدْ أُوكِيَ عَلَى مَا فِيهِ فَحَلَّ الْوِكَاءَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِي الزِّقِّ فَلَا يَخْلُو حَالُ مَا فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَرَقِّ الْمَائِعَاتِ قِوَامًا وَأَسْرَعِهَا ذَهَابًا كَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فَمُ الزِّقِّ مُنَكَّسًا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا فِيهِ لِأَنَّ الزَّيْتَ مَعَ التَّنْكِيسِ لَا يَبْقَى فَكَانَ هُوَ الْمُتْلِفَ لَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فَمُ الزِّقِّ مُسْتَعْلِيًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمِيلَ فِي الْحَالِ فَيَذْهَبَ مَا فِيهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ مُتَمَاسِكٌ بِوِكَائِهِ فَإِذَا حَلَّهُ كَانَ بِالْحَلِّ تَالِفًا وَلَيْسَ كَالدَّابَّةِ إِذَا حَلَّهَا لِأَنَّ للدابة اخيتار.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَلْبَثَ بَعْدَ الْحَلِّ مُتَمَاسِكًا زَمَانًا ثُمَّ يَمِيلَ فَيَسْقُطَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الزِّقُّ مُسْتَنِدًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَاقِيًا بَعْدَ الْحَلِّ فَعُلِمَ أَنَّ تَلَفَهُ بِغَيْرِ الْحَلِّ مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ أَوْ تَحْرِيكِ إِنْسَانٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا فِي الزِّقِّ ثَخِينَ الْقَوَامِ بَطِيءَ الذَّهَابِ كالدابس الثخين
وَالْعَسَلِ الْقَوِيِّ فَإِذَا حَلَّ وِكَاءَهُ فَانْدَفَعَ يَسِيرًا بَعْدَ يَسِيرٍ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَعْلِيَ الرَّأْسِ فَلَبِثَ زَمَانًا لَا يَنْدَفِعُ شَيْئًا مِنْهُ ثُمَّ انْدَفَعَ فَلَا ضَمَانَ وَإِنِ انْدَفَعَ فِي الْحَالِ أَوْ كَانَ مُنَكَّسًا، نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ مَالِكُهُ عَلَى اسْتِدْرَاكِ سَدِّهِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِدْرَاكِ لِمَا فِيهِ فَإِنِ اسْتَدْرَكَهُ بِالسَّدِّ لَزِمَهُ ضَمَانُ مَا خَرَجَ قَبْلَ السَّدِّ وَإِنْ تَرَكَهُ الْمَالِكُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِدْرَاكِ سَدِّهِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ خَرَقَ ثَوْبَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ أَوْ قَتَلَ عَبْدَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى دَفْعٍ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَلَا تَكُونُ قُدْرَةُ الْمَالِكِ على الدفع اختياراً أو إبراءاً كذلك ها هنا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الْقَتْلِ وَالتَّخْرِيقِ مُبَاشِرٌ وَفِي حَلِّ الْوِكَاءِ مُتَسَبِّبٌ وَالسَّبَبُ يَسْقُطُ حُكْمُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَمَرَّ بِهَا إِنْسَانٌ وَهُوَ يَرَاهَا وَيَقْدِرُ عَلَى اجْتِنَابِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى سَقَطَ فِيهَا لَنْ يَضْمَنَ الْحَافِرُ، وَلَوْ كَانَ الزِّقُّ مُسْتَعْلِيَ الرَّأْسِ وَهُوَ يَنْدَفِعُ بَعْدَ الْحَلِّ يَسِيرًا بَعْدَ يَسِيرٍ فَجَاءَ آخَرُ فَنَكَّسَهُ حَتَّى تَعَجَّلَ خُرُوجَ مَا فِيهِ فَذَهَبَ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ ضَمَانُ مَا خَرَجَ قَبْلَ التنكيث وَفِيمَا خَرَجَ بَعْدَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ضَمَانَهُ عَلَيْهِمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي سَبَبِ ضَمَانِهِ كَالْجَارِحِينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ضَمَانَهُ عَلَى الثَّانِي وَحْدَهُ لِسُقُوطِ السَّبَبِ مَعَ الْمُبَاشَرَةِ فَصَارَ كَالذَّابِحِ بَعْدَ الْجَارِحِ يُسْقِطُ سِرَايَةَ الْجُرْحِ بِتَوْجِيهِ الذَّبْحِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَا فِي الزِّقِّ جَامِدًا كَالسَّمْنِ وَالدِّبْسِ إِذَا جَمُدَ فَيَنْكَشِفَ بِحَلِّ الْوِكَاءِ أَوْ يكشف الْإِنَاءِ حَتَّى تَطْلُعَ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَيَذُوبُ وَيَذْهَبُ فَإِنْ كَانَ الزِّقُّ أَوِ الْإِنَاءُ عَلَى حَالٍ لَوْ كَانَ مَا فِيهَا عِنْدَ الْحَلِّ وَالْكَشْفِ ذَائِبًا بَقِيَ فِي زِقِّهِ وَإِنَائِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَبْقَى لَوْ كَانَ ذَائِبًا فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَوَبَانَهُ مِنْ تَأْثِيرِ الشَّمْسِ لَا مِنْ تَأْثِيرِ حَلِّهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّ بِحَلِّهِ إِيَّاهُ وَكَشْفِهِ لَهُ أَثَّرَتْ فِيهِ الشَّمْسُ فَكَانَ الْحَلُّ أَقْوَى سَبَبٍ فَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ أَدْنَى رَجُلٌ مِنَ الْجَامِدِ نَارًا بَعْدَ كَشْفِ إِنَائِهِ وَحَلِّ وِكَائِهِ فَحُمِيَ بِهَا فَذَابَ وَذَهَبَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
أَمَّا صَاحِبُ النَّارِ فَلَمْ يُبَاشِرْ بِهَا مَا يَضْمَنُ بِهِ، وَأَمَّا كَاشِفُ الإناء وحل الْوِكَاءِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ عِنْدَ فِعْلِهِ جِنَايَةٌ يَضْمَنُ بِهَا وَصَارَا كَسَارِقَيْنِ ثَقَبَ أَحَدُهُمَا الْحِرْزَ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ الْمَالَ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ هَتَكَ الْحِرْزَ وَبَهَتْكِ الْحِرْزِ لَا يجب القطع.
والثاني: أَخَذَ مَالًا غَيْرَ مُحَرَّزٍ وَأَخْذُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ فَإِنْ قِيلَ لم
يَضْمَنُ إِذَا ذَابَ بِالشَّمْسِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يَضْمَنْ إِذَا ذَابَ بِالنَّارِ.
قِيلَ لِأَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مَعْلُومٌ فَصَارَ كَالْقَاصِدِ لَهُ، وَدُنُوَّ النَّارِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَمْ يَصِرْ قَاصِدًا لَهُ.
وَلَكِنْ لَوْ كَانَ كَاشِفُ الْإِنَاءِ وَحَالُّ الْوِكَاءِ هُوَ الَّذِي أَدْنَى النَّارَ مِنْهُ فَذَابَ ضَمِنَ وَجْهًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الشَّمْسِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلِأَنَّ إِدْنَاءَ النَّارِ مِنْ فِعْلِهِ وَلَيْسَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ فِعْلِهِ وَخَالَفَ وُجُودَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسَيْنِ وَصَارَ كَتَفَرُّدِهِ بَهَتْكِ الْحِرْزِ وَأَخْذِ مَا فِيهِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ لَوْ كَانَ مِنْ نَفْسَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا حَلَّ رَجُلٌ رِبَاطَ سَفِينَةٍ فَشَرَدَتْ بَعْدَ حَلِّ رِبَاطِهَا فَغَرِقَتْ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَرَقُهَا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِحُدُوثِ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَطَاوَلَ بِهَا اللُّبْثُ بَعْدَ الْحَلِّ ثُمَّ تَغْرِقَ بَعْدَهُ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَظْهَرَ سَبَبُ غَرَقِهَا بِحَادِثٍ مِنْ رِيحٍ أَوْ مَوْجٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِتَلَفِهَا بِمَا هُوَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَظْهَرَ حُدُوثُ سَبَبٍ لِتَلَفِهَا فَفِي ضَمَانِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا كَمَا لَا يَضْمَنُ الزِّقَّ إِذَا لَبِثَ بَعْدَ حَلِّهِ ثُمَّ مَالَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِخِلَافِ الزِّقِّ لِأَنَّ الْمَاءَ أحد المتلفات.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ غَصَبَهُ دَارًا فَقَالَ الْغَاصِبُ هِيَ بِالْكُوفَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّ الدَّعْوَى الْمَجْهُولَةَ لَا تَصِحُّ حَتَّى تُفَسَّرَ وَأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَجْهُولِ يَصِحُّ وَيُؤْخَذُ الْمُقِرُّ بِالتَّفْسِيرِ فَإِذَا ابْتَدَأَ رَجُلٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ غَصَبْتُ فُلَانًا هَذَا دَارًا جَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُقَرَّ لَهُ عَنْ قَبُولِ الْإِقْرَارِ بِالدَّارِ قَبْلَ أَنْ يسأل المقرر عَنْ حُدُودِ الدَّارِ وَمَوْضِعِهَا حَتَّى إِنْ رَدَّ الْإِقْرَارَ كُفِيَ تَكَلُّفَ السُّؤَالِ وَإِنْ قَبِلَ الْإِقْرَارَ أَمْسَكَ عَنْ سُؤَالِ الْمُقِرِّ أَيْضًا عَنْ مَوْضِعِهَا وَحُدُودِهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُقَرُّ لَهُ سُؤَالَ الْمُقِرِّ عَنْ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَسْأَلُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالسُّؤَالِ لَهُ عَمَّا لَمْ يَسْأَلْهُ فَإِذَا سَأَلَهُ الْمُقَرُّ لَهُ عَنْ ذَلِكَ سَأَلَ الْمُقِرَّ حِينَئِذٍ أَيْنَ الدَّارُ فَإِنْ قَالَ هِيَ بِالْبَصْرَةِ فَالْحَاكِمُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ مَوْضِعِهَا مِنْ قَبَائِلِ الْبَصْرَةِ ثُمَّ عَنْ حُدُودِهَا مِنَ الْقَبِيلَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَسْأَلَ الْمُقَرَّ لَهُ عَنِ الدَّارِ الَّتِي غَصَبَهُ إِيَّاهَا هَلْ هِيَ بِالْبَصْرَةِ أَمْ لَا؟ حَتَّى إِنِ ادَّعَاهَا بِغَيْرِ الْبَصْرَةِ كُفِيَ تَكَلُّفَ السُّؤَالِ عَنْ مَوْضِعِهَا وَحُدُودِهَا مِنَ الْبَصْرَةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ ثَلَاثَةُ أحوال:
أحدهما: أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ إِقْرَارَهُ بِالدَّارِ الَّتِي هِيَ بِالْبَصْرَةِ وَلَا يَدَّعِي عَلَيْهِ غَيْرَهَا فَيَحْكُمُ لَهُ بِهَا بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ فَتَجِبَ به يمين.