الحاوي الكبيرصفحات 105-144
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع

صفحات 105-144
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَعْفُ أَنْ يقتص ولو كان واحد مِنْ جَمَاعَةٍ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سلطانا﴾ فَلَوْ سَقَطَ حَقُّهُ بِعَفْوِ غَيْرِهِ لَكَانَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ مَوْضُوعٌ لِنَفْيِ الْمَعَرَّةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ، كَذَلِكَ الْقَوَدُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَثَابَتِهِمْ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَفْوُ بَعْضِهِمْ عَنِ الدِّيَةِ مُؤَثِّرًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَفْوُهُ عَنِ الْقَوَدِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إليه بإحسان﴾ وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلَى عَفْوِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُ جَاءَ بِذِكْرِ الشَّيْءِ مُنْكِرًا، وَجَعَلَ عَفْوَهُ مُوجِبًا لِاتِّبَاعِ الدِّيَةِ بِمَعْرُوفٍ، وَأَنْ تُؤَدَّى إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ وَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِ الْعَفْوِّ مِنَ الوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فمن قتل بعده قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ " فَجَعَلَ الْخِيَارَ فِي الْقَوَدِ لِجَمِيعِ أَهْلِهِ لَا لِبَعْضِهِمْ، وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَطَالَبَ أَوْلِيَاؤُهُ بِالْقَوَدِ فَقَالَتْ أُخْتُ الْمَقْتُولِ وَهِيَ زَوْجَةُ الْقَاتِلِ: عَفَوْتُ عَنْ حَقِّي مِنَ القَوَدِ فَقَالَ عُمَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، عُتِقَ الرَّجُلُ يَعْنِي مِنَ القَوَدِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَدٌ مَعَ انْتِشَارِهِ فِيهِمْ، فَثَبَتَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ أَحَدُ بَدَلَيِ النَّفْسِ فَلَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِهِ كَالدِّيَةِ، وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ قَدْ مَلَكَ بِالْعَفْوِ بَعْضَ نَفْسِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَوِيَ فِي الْبَاقِي مِنْهَا كَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي نَفْسِ الْقَاتِلِ إِيجَابُ الْقَوَدِ وَإِسْقَاطُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَغْلِبَ حُكْمُ الْإِسْقَاطِ عَلَى الْإِيجَابِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوَدَ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الشُّبَهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِسُقُوطِ مَا وَجَبَ مِنْهُ بَدَلًا وَهُوَ الدِّيَةُ، وَلَيْسَ لِلْإِيجَابِ مَا سَقَطَ مِنْهُ بَدَلٌ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَقَدْ مَضَى.
وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوَدِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُمْ فِي الْقَوَدِ مُشْتَرِكُونَ وَفِي الْحَدِّ مُنْفَرِدُونَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمْ بِاسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ وَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ، وإنما اشتركوا جميعها فِي الْقَوَدِ وَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْحَدِّ لأمرين:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مَلَكُوا الْقَوَدَ مِيرَاثًا عَنْ مَيِّتِهِمْ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ نَفْسِهِ فَاشْتَرَكُوا فِيهِ كَالدِّيَةِ وَمَلَكُوا الْحَدَّ نِيَابَةً عَنْ مَيِّتِهِمْ لِنَفْيِ الْعَارِ عَنْهُ فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوَدَ بَدَلٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَفْوِ حَقُّ مَنْ لَمْ يَعْفُ، فَلِذَلِكَ مَا اشْتَرَكُوا وَلَيْسَ لِلْحَدِّ بَدَلٌ فَانْفَرَدَ، وَلِئَلَّا يَسْقُطَ بِالْعَفْوِ حَقُّ مَنْ لَمْ يَعْفُ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَإِنَّمَا لَمْ تُسْقِطْ بِالْعَفْوِ حَقَّ مَنْ لَمْ يَعْفُ، لِأَنَّهَا تَتَبَعَّضُ فَصَحَّ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاسْتِيفَائِهِ حَقَّهُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى اسْتِيفَاؤُهُ إِلَى حَقِّ شَرِيكِهِ وَالْقَوَدُ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي إِلَى حَقِّ شَرِيكِهِ، فَسَرَى الْعَفْوُ عَنِ الْقَوَدِ وَلَمْ يَسْرِ الْعَفْوُ عَنِ الدِّيَةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَفْوَ أَحَدِهِمْ مُوجِبٌ لِسُقُوطِ الْقَوَدِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمُ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى الدِّيَةِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَعْفُ فَقَدْ مَلَكُوا حُقُوقَهُمْ مِنَ الدِّيَةِ بِسُقُوطِ الْقَوَدِ وَلَا يَقِفُ مِلْكُ الدِّيَةِ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ صَارَ فِي حُقُوقِهِمْ بِسُقُوطِ الْقَوَدِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ جَارِيًا مَجْرَى قَتْلِ عَمْدِ الْخَطَأِ الَّذِي لَا يَجِبُ فِيهِ قَوَدٌ، وَيَمْلِكُ بِهِ الدِّيَةَ بِنَفْسِ الْقَتْلِ كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَأَمَّا الدِّيَةُ فِي حَقِّ الْعَافِي فَمُعْتَبَرَةٌ بِعَفْوِهِ عَنِ الْقَوَدِ، فَإِنْ قَرَنَهُ بِاخْتِيَارِ الدِّيَةِ وَجَبَ لَهُ حَقُّهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْرِنْهُ بِاخْتِيَارِ الدِّيَةِ كَانَ عَلَى مَا مَضَى مِنَ القَوْلَيْنِ فِي الَّذِي أَوْجَبَهُ قَتْلُ الْعَمْدِ، ثُمَّ عَلَى مَا مضى من التفصيل.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ عَفَوْا جَمِيعًا وَعَفَا الْمُفْلِسُ يُجْنِي عَلَيْهِ أَوْ عَلَى عَبْدِهِ الْقِصَاصُ جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا مَنْعُهُمْ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يُمْلَكُ بِالْعَمْدِ إِلَّا بِمَشِيئَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ حَيًّا وَبِمَشِيئَةِ الْوَرَثَةِ إِنْ كان ميتاً (قال المزني) رحمه الله ليس يشبه هذا الاعتلال أصله لأنه احتج في أن العفو يوجب الدية بأن الله تعالى لما قال ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ لم يجز أن يقال عفا إن صولح على مال لأن العفو ترك بلا عوض فلم يجز إذا عفا عن القتل الذي هو أعظم الأمرين إلا أن يكون له مال في مال القاتل أحب أو كره ولو كان إذا عفا لم يكن له شيء لم يكن للعافي ما يتبعه بمعروف ولا على القاتل ما يؤديه بإحسان (قال المزني) رحمه الله فهذا مال بلا مشيئة أو لا تراه يقول إن عفو المحجور جائز لأنه زيادة في ماله وعفوه المال لا يجوز لأنه نقص في ماله وهذا مال بغير مشيئة فأقرب إلى وجه ما قال عندي في العفو الذي ليس لأهل الدين منعه منه هو أن يبرئه من القصاص ويقول بغير مال فيسقطان وبالله التوفيق ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ الْوَارِثِ لِقَتْلِ الْعَمْدِ فِي عَفْوِهِ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ جَائِزَ الْأَمْرِ مَالِكَ التَّصَرُّفِ فَيَصِحُّ عَفْوُهُ عَنِ الْقَوَدِ وَعَنِ الدِّيَةِ جَمِيعًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ قَلَمٌ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، فَلَا يَصِحُّ عَفْوُهُ عَنِ الْقَوَدِ وَلَا عَنِ الدِّيَةِ جَمِيعًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ:: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَجْرٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ فَهَذَا قَدْ يُسْتَحَقُّ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَرِكَةِ الْمَقْتُولِ دُيُونٌ وَوَصَايَا فَتَتَعَلَّقُ بِدَيْنِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، فَيَصِيرُ الْوَارِثُ فِي حُكْمِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى تُقْضَى الدُّيُونُ وَتُنَفَّذَ الْوَصَايَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ فِي حُقُوقِ غُرَمَائِهِ حَتَّى يَسْتَوْعِبُوا مَالَهُ فِي دُيُونِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، لِسَفَهٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حِفْظًا لِمَالِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ مَرِيضًا يُمْنَعُ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنَ العَطَاءِ إِلَّا فِي ثُلْثِهِ فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ يَصِحُّ عَفْوُهُمْ عَنِ الْقَوَدِ إِلَى الدِّيَةِ، لِأَنَّ الْقَوَدَ لَا يُؤَثِّرُ فِي حُقُوقِهِمْ وَالْعَفْوَ عَنْهُ أَرْفَقُ بِهِمْ وَفِي صِحَّةِ عَفْوِهِمْ عَنِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَجْعَلُ قَتْلَ الْعَمْدِ فِيهِ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ وَحْدَهُ وَالدِّيَةُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِاخْتِيَارِ الْوَارِثِ، فَيَصِحُّ عَفْوُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا فَيُعَارَضُ فِيهِ وَلَا يَمْلِكُهَا إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ، وَهُوَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ عَمَّا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْوَصَايَا وَالْهِبَاتِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ عَفْوَ الثَّلَاثَةِ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَجْعَلُ قَتْلَ الْعَمْدِ فِيهِ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ، أَوِ الدِّيَةَ لِأَنَّهُ عَفْوٌ عَنْ مَالٍ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الْمَرِيضُ فَعَفْوُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُعْتَبَرٌ مِنْ ثُلْثِهِ، فَإِنِ احْتَمَلَ ثُلْثُهُ جَمِيعَ الدِّيَةِ صَحَّ عَفْوُهُ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا صَحَّ عَفْوُهُ عَنْ ثُلْثِهَا وَبَطَلَ عَنْ بَاقِيهَا فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنْعِهِ مِنَ الدِّيَةِ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ.

وَالثَّانِي: فِي اخْتِيَارِهِ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إن قَتلَ الْعَمْد مُوجِبٌ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ مِنَ القَوَدِ أَوِ الدِّيَةِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فَسَلِمَ كَلَامُهُ فِيهِ، وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى اخْتَلَطَ تَعْلِيلُهُ، وَضَعُفَ دَلِيلُهُ وَفِي كَشْفِهِ إِطَالَةٌ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى سَيرِهِ عِنْدَ تَأَمُّلِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(باب القصاص بالسيف وغيره)

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سلطاناً﴾ قَالَ وَإِذَا خَلَّى الْحَاكِمُ الْوَلِيَّ وَقَتَلَ الْقَاتِلَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى سَيْفِهِ فَإِنْ كَانَ صَارِمًا وَإِلَّا أَمَرَهُ بِصَارِمٍ لِئَلَّا يُعَذِّبَهُ ثُمَّ يَدَعُهُ وَضَرْبَ عُنُقِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ مِنَ الجِنَايَاتِ ضَرْبَانِ: طَرَفٌ، وَنَفْسٌ.
فَأَمَّا الطَّرَفُ فَلَا يُمْكِنُ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ مِنَ اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ، لِمَا يَخَافُ مِنْ تَعَدِّيهِ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ، وَأَمَّا النَّفْسُ فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَوَلَّى اسْتِيفَاءَ الْقَوَدِ مِنْهَا بِنَفْسِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ لِلْآيَةِ ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا " وَكَمَا يَسْتَوْفِي جَمِيعَ حُقُوقِهِ بِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْقَوَدَ مَوْضُوعٌ لِلتَّشَفِّي فَكَانَتِ الْمُبَاشَرَةُ فِيهِ أَشْفَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاسْتِيفَاؤُهُ لِلْقَوَدِ مُعْتَبَرٌ بِسِتَّةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْحَاكِمُ لِيُمَيِّزَ الْعَمْدَ الْمَحْضَ مِنْ عَمْدِ الْخَطَأِ، وَلِيَتَعَيَّنَ بِالْحُكْمِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، وَلِئَلَّا يَتَسَرَّعَ النَّاسُ إِلَى اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِيهِ رَجُلًا فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً مُنِعَتْ، لِمَا فِيهِ مِنْ بَذْلَتِهَا وَظُهُورِ عَوْرَتِهَا.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ ثَابِتَ النَّفْسِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ، فَإِنْ ضَعُفَتْ مُنِعَ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَعْرِفَ الْقَوَدَ وَيُحْسِنَ إِصَابَةَ الْمَفْصِلِ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ مُنِعَ.
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ قَوِيَّ الْيَدِ نَافِذَ الضَّرْبَةِ، فَإِنْ ضَعُفَتْ يَدُهُ لِشَلَلٍ أَوْ مَرَضٍ مُنِعَ.
فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ وَصَارَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَلِيِّ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ عَدَدًا، فَإِنْ كان واحداً قام باستيائه، وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا خَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَكَامَلْ فِيهِ شُرُوطُ الِاسْتِيفَاءِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِكَ الْبَاقُونَ فِيهِ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ أَحَدُهُمْ، فَإِنْ سَلَّمُوهُ لِأَحَدِهِمْ كَانَ أَحَقَّهُمْ بِهِ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِيهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ قَرَعَ كَانَ أَحَقَّهُمْ بِاسْتِيفَائِهِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الِاسْتِيفَاءُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمُ اعْتُبِرَ فِي اسْتِيفَائِهِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:

أَحَدُهَا: حُضُورُ الْحَاكِمِ الَّذِي حَكَمَ لَهُ بِالْقَوَدِ، أَوْ نَائِبٌ عَنْهُ لِيَكُونَ حُضُورُهُ تَنْفِيذًا لِحُكْمِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَحْضُرَهُ شَاهِدَانِ لِيَكُونَا بَيِّنَةً فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ أَوْ فِي التَّعَدِّي بِظُلْمٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ مِنَ الأَعْوَانِ مَنْ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِمْ أَعَانُوا، فَرُبَّمَا حَدَثَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى كَفٍّ وَرَدْعٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُؤْمَرَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ بِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ يَوْمِهِ، لِيَحْفَظَ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الإِضَاعَةِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يُؤْمَرَ بِالْوَصِيَّةِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ، لِيَحْفَظَ بِهَا حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يُؤْمَرَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ ذُنُوبِهِ، لِيَزُولَ عِنْدَ مَآثِمِ الْمَعَاصِي.
وَالسَّابِعُ: أَنْ يُسَاقَ إِلَى مَوْضِعِ الْقِصَاصِ سَوْقًا رَفِيقًا، وَلَا يُكَلَّمُ بِخَنَا وَلَا شَتْمٍ.
وَالثَّامِنُ: أَنْ تُسْتَرَ عَوْرَتُهُ بِشِدَادٍ حَتَّى لَا تَبْرُزَ لِلْأَبْصَارِ.
وَالتَّاسِعُ: أَنْ تُشَدَّ عَيْنَيْهِ بِعِصَابَةٍ حَتَّى لَا يَرَى الْقَتْلَ وَيُتْرَكُ مَمْدُودَ الْعُنُقِ، حَتَّى لَا يَعْدِلَ السَّيْفُ عَنْ عُنُقِهِ.
وَالْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ سَيْفُ الْقِصَاصِ صَارِمًا لَيْسَ بِكَالٍّ وَلَا مَسْمُومٍ، لِأَنَّ الْكَالَّ وَالْمَسْمُومَ يُفْسِدُ لَحْمَهُ وَيَمْنَعُ مِنْ غُسْلِهِ، فَيُرَاعَى سَيْفُ الْوَلِيِّ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ وَإِلَّا الْتَمَسَ سَيْفًا عَلَى صِفَتِهِ أَوْ أُعْطِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الشُّرُوطَ وَالْأَوْصَافَ إِحْسَانًا فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَمَنْعًا مِنَ التَّعْذِيبِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْإِحْسَانَ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ". وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ " نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْبَهَائِمِ " فَكَانَ النَّهْيُ عن تعذيب الآدميين أحق.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ ضَرَبَهُ بِمَا لَا يُخْطَئُ بِمِثْلِهِ مِنْ قطع رجل أو سط عُزِّرَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلِي الْعُنُقَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ كَتِفِهِ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ وَأَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يُحْسِنُ ضَرْبَ الْعُنُقِ لِيُوجِيَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا مَحَلُّ الْقِصَاصِ مِنَ النَّفْسِ فَهُوَ الْعُنُقُ يُضْرَبُ بِالسَّيْفِ مِنْ جِهَةِ الْقَفَا، لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَالسَّيْفُ فِيهِ أَمْضَى حَتَّى يَقْطَعَ الْمَرِيءَ وَالْوَدَجَيْنِ، وَلَا يُرَاعِي قَطْعَ الْحُلْقُومِ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ السَّيْفُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ فِي قَطْعِ الْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ تَوْجِئَةً، وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ مَعَهُ أَوْجَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ إِلَى الذَّبْحِ الْمُعْتَبَرِ فِي تَذْكِيَةِ البهائم

لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْحُرْمَةِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحُكْمِ، فَإِنْ وَصَلَ بِالضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى مَحَلِّ التَّوْجِئَةِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَزِدْ، وَإِنْ لَمْ تَصِلْ إِلَى مَحَلِّ التَّوْجِئَةِ ضَرَبَهُ ثَانِيَةً، فَإِنْ لَمْ تَصِلِ الثَّانِيَةُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَالِ سَيْفِهِ فَيُعْطَى غَيْرَهُ مِنَ السُّيُوفِ الصَّارِمَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَعْفِ يَدِهِ، فَيُعْدَلُ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْقُوَّةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ ضَرَبَهُ فَوَقَعَ السَّيْفُ فِي غَيْرِ عُنُقِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقَعَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ الْغَلَطُ فِي مِثْلِهِ كَضَرْبِهِ لِرِجْلِهِ أَوْ ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ، فَيُعَزَّرُ لِتَعَدِّيهِ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْغَلَطِ فِيهِ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ لِاسْتِحَالَةِ صِدْقِهِ، وَالْيَمِينُ تَدْخُلُ فِيمَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِيمَا قَطَعَ أَوْ جَرَحَ، وَلَا غُرْمَ لِأَرْشٍ وَلَا دِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ إِتْلَافَ نَفْسِهِ، وَإِنْ تَعَدَّى بِالسَّيْفِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقَعَ السَّيْفُ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ الْغَلَطُ بِمِثْلِهِ كَأَعْلَى الْكَتِفِ وَأَسْفَلِ الرَّأْسِ سُئِلَ، فَإِنْ قَالَ: عَمَدْتُ عُزِّرَ وَمُنِعَ وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْتُ أُحْلِفَ عَلَى الْخَطَأِ لِإِمْكَانِهِ وَلَمْ يُعَزَّرْ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ القِصَاصِ، فَإِنْ تَابَ بَعْدَ عَمْدِهِ وَأَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى الْقِصَاصِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ حَقِّهِ مِنَ الاسْتِيفَاءِ بِقَوْلِهِ: " وَأَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يُحْسِنُ ضَرْبَ الْعُنُقِ " لِيُوجِيَهُ " يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِتَابَةَ فِيهِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " يُمَكِّنُهُ الْحَاكِمُ مِنَ الاسْتِيفَاءِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِلَافِ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، فَخَرَّجَهُ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ، وَخَرَّجَهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَالْمَنْعُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بَانَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْقِصَاصَ، وَالتَّمْكِينُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُحْسِنُ الْقِصَاصَ.
(فَصْلٌ) وَلَوْ كَانَ الْجَانِي قَدْ قَطَعَ يَدَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ، فَأَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ القَطْعِ وَالْقَتْلِ جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقَطْعَ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا مُنِعَ مِنَ القَطْعِ وَالْقَتْلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ أَمْرَانِ: الْإِمَاتَةُ، وَشُرُوطُ الِاسْتِيفَاءِ فَلَوْ بَادَرَ الْوَلِيُّ وَقَدْ عَدِمَ شُرُوطَ الِاسْتِيفَاءِ فَاقْتَصَّ بِنَفْسِهِ مِنَ النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ لَمْ يُضْمَنْ قَوَدًا وَلَا دِيَةً، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى ما استحق ويعزره الحاكم لافتياته.
وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِيفَاءِ فَامْتَنَعَ مِنَ اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ وَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَإِنِ اسْتَنَابَ وَإِلَّا اخْتَارَ لَهُ الْحَاكِمُ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي مُبَاشَرَةِ الِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ النَّائِبُ إِلَّا بِأُجْرَةٍ أُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ مِنَ المَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يُعْطَاهُ كَانَتْ أُجْرَتُهُ فِي مَالِ المقتص منه

دون المتقص لَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَكُونُ الْأُجْرَةُ فِي مَالِ الْمُقْتَصِّ لَهُ دُونَ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، وَسَيَأْتِي الكلام معه.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " (قال) وَلَوْ أُذِنَ لِرَجُلٍ فَتَنَحَّى بِهِ فَعَفَاهُ الْوَلِيُّ فَقَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ مَا عَلِمَهُ عَفَا وَلَا عَلَى الْعَافِي وَالثَّانِي أَنْ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ قَوَدٌ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْوَلِيِّ لأنه متطوع وهذا أشبههما (قال المزني) رحمه الله فَالْأَشْبَهُ أَوْلَى بِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا التَّوْكِيلُ فِي الْقِصَاصِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: تَوْكِيلٌ فِي إِثْبَاتِهِ.
وَالثَّانِي: تَوْكِيلٌ فِي اسْتِيفَائِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا كِلَا الضَّرْبَيْنِ فِي كِتَابِ " الْوَكَالَةِ "، وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَيْهِمَا، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ التَّوْكِيلُ فِي إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَبَا يُوسُفَ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ حَدٌّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الشُّبْهَةَ مَا اخْتَصَّتْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْفَاعِلِ فَلَمْ يَتَعَدَّ إِلَى التَّوْكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ، وَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي الْإِثْبَاتِ مُخْتَصٌّ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ، وَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْمُوَكِّلُ وَتَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ.
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ إِلَّا بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ جَوَّزَ لَهُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ وَحْدَهُ بَعْدَ إِثْبَاتِهِ، لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْإِثْبَاتِ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ فِي الْبَيْعِ يَجُوزُ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْبَيْعِ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُوَكِّلِ مَقْصُورٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ التَّوْكِيلُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَدَّاهُ وَلِأَنَّ إِثْبَاتَ الْقِصَاصِ يَقِفُ مُوجِبُهُ عَلَى خِيَارِ الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ، وَلِأَنَّ فِي اسْتِيفَائِهِ لِلْقِصَاصِ إِتْلَافَ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ وَخَالَفَ قَبْضُ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ مِنْ وجهين.
أحدها: أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْبَيْعِ قَبْضُ الثَّمَنِ، وَالْمَقْصُودَ فِي الْقِصَاصِ مُخْتَلِفٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رَدَّ الثَّمَنِ مُسْتَدْرَكٌ، وَرَدَّ الْقِصَاصِ غَيْرُ مُسْتَدْرَكٍ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اقْتَصَّ الْوَكِيلُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمُوَكِّلِ إِلَى الدِّيَةِ لِفَوَاتِ الْقِصَاصِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بمشهد الْمُوَكِّلِ فَيَصِحُّ الْوَكِيلُ، لِأَنَّهَا اسْتِنَابَةٌ فِي مُبَاشَرَةِ الِاسْتِيفَاءِ وَالْمُوَكِّلُ هُوَ الْمُسْتَوْفِي.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ، فَظَاهِرُ مَا قَالَهُ هَاهُنَا صِحَّةُ الْوِكَالَةِ، وَظَاهَرُ مَا قَالَهُ فِي كِتَابِ " الْوِكَالَةِ " فَسَادُهَا، فَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَسَادُهَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ جَوَازِهَا وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ، وَمَنْ عَدَلَ بِهِمَا مِنْ أصحابنا إلى اختلاف تأويلين، وعلى كلى الْقَوْلَيْنِ مِنْ صِحَّةِ الْوِكَالَةِ وَفَسَادِهَا إِذَا اسْتَوْفَاهُ الْوَكِيلُ كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّ مُوَكِّلِهِ لِتَصَرُّفِهِ فِيهِ عَنْ إِذْنِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي الْقِصَاصِ، ثُمَّ يَعْفُوَ عَنْهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ الْوَكِيلُ مِنْهُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ اقْتِصَاصِ الْوَكِيلِ، فَيَكُونُ عَفْوُهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ عَفْوَهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَعَفْوِهِ عَنْ دَيْنٍ قَدِ اسْتَوْفَاهُ وَكِيلُهُ وَيَكُونُ عَفْوُهُ بَعْدَ الْقَبْضِ بَاطِلًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْفُوَ قَبْلَ أَنْ يَقْتَصَّ الْوَكِيلُ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ الْوَكِيلِ أَبْعَدَ مِنْ زَمَانِ الْعَفْوِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ عَلَى مَسَافَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَيَعْفُوَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ الْقِصَاصِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَيَكُونُ عَفْوُهُ بَاطِلًا لَا حُكْمَ لَهُ كَمَا لَوْ رَمَى سِلَاحَهُ عَلَى المتقص مِنْهُ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ قَبْلَ وُصُولِ السِّلَاحِ إِلَيْهِ كَانَ عَفْوُهُ هَدَرًا؛ لِأَنَّهُ عَفْوٌ عَمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ الْوَكِيلِ أَقْصَرَ مِنْ زَمَانِ الْعَفْوِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ عَلَى مَسَافَةِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ وَيَعْفُوَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ اقْتِصَاصِ الْوَكِيلِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيلُ بِعَفْوِ مُوَكِّلِهِ قَبْلَ الْقِصَاصِ فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْإِذْنِ وَيَصِيرُ قَاتِلًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَيَكُونُ الْمُوَكِّلُ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْقَوْلَيْنِ: وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَعْلَمَ الْوَكِيلُ بِعَفْوِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَقْتَصَّ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُسْتَصْحِبٌ حَالَةَ إِبَاحَةٍ، فَكَانَتْ أَقْوَى شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ، وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عليه قولان:

أَحَدُهُمَا: لَا دِيَةَ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْإِبَاحَةِ كَالْقَوَدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الدِّيَةُ، لِأَنَّهُ صَادِقُ الْحَظْرِ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ، فَصَارَ بِعَمْدِ الْخَطَأِ أَشْبَهَ، وَكَالْحَرْبِيِّ إِذَا أَسْلَمَ وَقَتَلَهُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ، قَدْ أَسْلَمَ الْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْيَمَانِ فَقَتَلَهُ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِهِ " فَقَضَى عَلَيْهِمْ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِدِيَتِهِ " وَمِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ خَرَّجَ أَصْحَابُنَا بَيْعَ الْوَكِيلِ بَعْدَ عَزْلِهِ وَقَبْلَ عِلْمِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَيْعَهُ بَاطِلٌ لِمُصَادَفَتِهِ حَالَ الْعَزْلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَحِيحٌ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ، و

َمَسْأَلَةُ

اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي نَسْخِ الْحُكْمِ هَلْ يَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّسْخِ، أَمْ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَسْخِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُ إِلَّا بَعْدَ انْتِشَارِهِ وَالْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اسْتَدَارُوا فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ حِينَ بَلَغَهُمْ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ إِلَيْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فَرْضَ النَّسْخِ لَازِمٌ لِلْكَافَّةِ مَعَ الْبَلَاغِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ فِي جَمِيعِهِمْ وَلَا عَلِمَهُ أَكْثَرُهُمْ، لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْجَمَاعَةِ وَاحِدٌ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ إِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ قَوَدٍ وَلَا عَقْلٍ فَقَتْلُ الْوَكِيلِ لِلْجَانِي يَكُونُ قَوَدًا وَيَكُونُ عَفْوُ الْمُوَكِّلِ بَاطِلًا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي الْوَكِيلِ هَلْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَجْرَى عَلَى قَتْلِهِ حُكْمَ اسْتِيفَائِهِ قَوَدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَنْ رَمَى دَارَ الْحَرْبِ فَقَتَلَ مُسْلِمًا ضَمِنَهُ وَكَفَّرَ عَنْهُ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي إِنَّ الْوَكِيلَ ضَامِنٌ لِلدِّيَةِ، فَعَفْوُ الْمُوَكِّلِ صَحِيحٌ وَحَقُّهُ فِي الدِّيَةِ إِذَا اسْتَوْجَبَهَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ التَّفْصِيلِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْجَانِي قَاتِلِ أَبِيهِ يَرْجِعُ بِهَا فِي مَالِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى وَكِيلِهِ، وَيَرْجِعُ أَوْلِيَاءُ الْقَاتِلِ الْمَقْتُولِ بِدِيَتِهِ عَلَى الْوَكِيلِ، وَهَلْ تَكُونُ حَالَّةً فِي مَالِ الْوَكِيلِ أَوْ مُؤَجَّلَةً عَلَى عَاقِلَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ تَكُونُ حَالَّةً فِي مَالِهِ مَعَ الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهُ عَامِدٌ فِي فِعْلِهِ وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَوَدُ فِيهِ بِشُبْهَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِيَ هُرَيْرَةَ تَكُونُ مُؤَجَّلَةً عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّهُ قَتَلَهُ مُعْتَقِدًا لِاسْتِبَاحَةِ قَتْلِهِ فَصَادَفَ الْحَظْرَ فَصَارَ خَاطِئًا فَإِذَا أُغْرِمَ الْوَكِيلُ الدِّيَةَ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِهَا قَوْلَانِ، كَالزَّوْجِ الْمَغْرُورِ إِذَا أُغْرِمَ مَهْرَ الْمِثْلِ بِالْغُرُورِ هَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَارِمِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَدْ صَارَ بِعَفْوِهِ غاراً

لِلْوَكِيلِ حِينَ لَمْ يُعْلِمْهُ بِعَفْوِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْوَكِيلُ مُسْتَعْمَلًا أَوْ مُتَطَوِّعًا، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْأَطْرَافِ إِذَا اقْتَصَّ مِنْهَا الْوَكِيلُ بَعْدَ العفو.

(مسألة)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا تُقْتَلُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا مُرْضِعٌ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَوْ تُرِكَتْ بِطِيبِ نَفْسِ الْوَلِيِّ حَتَّى يُوجَدَ لَهُ مُرْضِعٌ فَإِنْ لَمْ يفعل قتلت (قال المزني) رحمه الله إِذَا لَمْ يُوجَدْ لِلْمَوْلُودِ مَا يَحْيَا بِهِ لَمْ يَحِلَّ عِنْدِي قَتْلُهُ بِقَتْلِ أُمِّهِ حَتَّى يُوجَدَ مَا يَحْيَا بِهِ فَتُقْتَلَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا وَهِيَ حَائِلٌ فَحَمَلَتْ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهَا حَامِلًا حَتَّى تَضَعَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] وَفِي قَتْلِ الْحَامِلِ سَرَفٌ لِلتَّعَدِّي بِقَتْلِ الْحَمْلِ مَعَهَا، وَلِأَنَّ الْغَامِدِيَّةَ أَقَرَّتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالزنا وهي حامل، وقالت: طهرني يا رسو ل اللَّهِ فَقَالَ لَهَا: " اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي حَمْلَكِ " وَأَمَرَ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأَةٍ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَهِيَ حَامِلٌ فَرَدَّهَا عَلِيٌّ وَقَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: " لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ ". وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الْقَائِلُ ذَلِكَ مُعَاذ بْن جَبَلٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: (كَادَ النِّسَاءَ يعجزون أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَكَ " وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَابَلَ فِي الْحَامِلِ حَقَّانِ: أَحَدُهُمَا: يُوجِبُ تَعْجِيلَ قَتْلِهَا وَهُوَ الْقِصَاصُ.
وَالثَّانِي: اسْتِبْقَاءُ حَيَاتِهَا وَهُوَ الْحَمْلُ، فَقُدِّمَ حَقُّ الْحَمْلِ فِي الِاسْتِيفَاءِ عَلَى حَقِّ الْقِصَاصِ فِي التَّعْجِيلِ لِأَنَّ فِي تَعْجِيلِ قَتْلِهَا إِسْقَاطَ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ وَفِي إِنْظَارِهَا اسْتِيفَاءَ الْحَقَّيْنِ، فَكَانَ الْإِنْظَارُ أَوْلَى مِنَ التَّعْجِيلِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْحَمْلِ أَوْ فِي آخِرِهِ، عُلِمَ ذَلِكَ بِحَرَكَةِ الْحَمْلِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ إِلَّا بِقَوْلِهَا لِيُسْتَبْرَأَ صِحَّةُ دَعْوَاهَا.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا لِلْحَمْلِ حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عُدُولٍ، وَيُعَجَّلُ قَتْلُهَا إِنْ لَمْ يَشْهَدْنَ لَهَا، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: 228] فَكَانَ هَذَا الْوَعِيدُ عَلَى مَا وَجَبَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ، وَتَحْلِفُ عَلَيْهِ إِنِ اتُّهِمَتْ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا أُمْهِلَتْ حَتَّى تُرْضِعَ وَلَدَهَا اللَّبَأَ الَّذِي لَا يَحْيَا الْمَوْلُودُ إِلَّا بِهِ، وَيَتَعَذَّرُ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَغْلَبِ، فَإِذَا أَرْضَعَتْهُ مَا لَا يَحْيَا إِلَّا بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِي رَضَاعِهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُوجَدُ لَهُ مُرْضِعٌ سِوَاهَا، فَالْوَاجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهَا حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رَضَاعَةَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَّرْنَاهَا لِحِفْظِ حَيَاتِهِ حَمْلًا فَأَوْلَى أَنْ نؤخرها لحفظ

حَيَاتِهِ مَوْلُودًا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِلْغَامِدِيَّةِ حِينَ عَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ وَضْعِ حَمْلِهَا: " اذْهَبِي حَتَّى تُرْضِعِيهِ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ". وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ لَهُ مُرْضِعٌ قَدْ تَعَيَّنَتْ وَسُلِّمَ إِلَيْهَا مُلَازِمَةً لِرَضَاعِهِ فَيُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي بَقِيَّةِ نِفَاسِهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْوَلَدِ عَلَيْهَا حَقٌّ وَلَا لِحَيَاتِهِ بِهَا تَعَلُّقٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوجَدَ لَهُ مَنْ لَا يَتَرَتَّبُ لِرَضَاعِهِ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ يُوجَدُ لَهُ بَهِيمَةٌ ذَاتُ لَبَنٍ يَكْتَفِي بِلَبَنِهَا وَلَا يُوجَدُ لِرَضَاعِهِ أَحَدُ النِّسَاءِ، فيقال لولي القصاص.
الأولى بك أن تصر عَلَيْهَا لِتَقُومَ بِرَضَاعِهِ، لِئَلَّا يَخْتَلِفَ عَلَيْهِ لَبَنُ النِّسَاءِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ لَهُ إِحْدَاهُنَّ، أَوْ يُعْدَلْ بِهِ إِلَى لَبَنِ بَهِيمَةٍ وَلَبَنُ النِّسَاءِ أَوْثَقُ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُكَ الصَّبْرُ، لِأَنَّ فِيمَا يُوجَدُ مِنْ لَبَنِ الْبَهِيمَةِ وَمَنْ لَا يَتَرَتَّبُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ حِفْظٌ لِحَيَاتِهِ فَإِنْ صَبَرَ مُخْتَارًا أُخِّرَ قَتْلُهَا، وَإِنِ امْتَنَعَ وَطَلَبَ التَّعْجِيلَ قُتِلَتْ وَلَمْ تُؤَخَّرْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا مُرْضِعٌ فَأَحَبُّ إِلَيَّ لَوْ تُرِكَتْ بِطِيبِ نَفْسِ الْوَلِيِّ حَتَّى يُوجَدَ لَهُ مُرْضِعٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَتْ " وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ أَرَادَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ مُرْضِعٌ أَبَدًا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيُوجَدُ لَهُ مُرْضِعٌ يَتَرَتَّبُ لِرَضَاعِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي الْحَالِ وَلَا تَسَلَّمَتْهُ، فَفِي تَعْجِيلِ قَتْلِهَا قَبْلَ تَعْيِينِ مُرْضِعَةٍ وَتَسْلِيمِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ أَظْهَرُهُمَا تَعْجِيلُ قَتْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْوَلِيُّ بِإِنْظَارِهَا إِلَى تَعْيِينِ الْمُرْضِعِ وَتَسْلِيمِهِ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ عَلَى الْمَوْلُودِ مِنْ تَلَفِ النَّفْسِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ تَأْخِيرُ قَتْلِهَا حَتَّى يَتَعَيَّنَ الْمُرْضِعُ وَتَتَسَلَّمُهُ، رَضِيَ بِهِ الْوَلِيُّ أَوْ لَمْ يَرْضَ؟ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَأَخَّرَ تَعْيِينُ المرضع وتسليمه إليها زماناً لا يصير الْمَوْلُودُ فِيهِ عَلَى فَقْدِ الرَّضَاعِ فَيَتْلَفُ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رحمه الله: " ولوعجل الْإِمَامُ فَاقْتَصَّ مِنْهَا حَامِلًا فَعَلَيْهِ الْمَأْثَمُ فَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينًا ضَمِنَهُ الْإِمَامُ عَلَى عَاقِلَتِهِ دُونَ المقتص (قال المزني) رحمه الله بل على الولي لأنه اقتص لنفسه مختاراً فجنى على من لا قصاص له عليه فهو بغرم ما أتلف أولى من إمام حكم له بحقه فأخذه وما ليس له ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا عُجِّلَ قَتْلُ الْحَامِلِ قَوَدًا ولم تسهل حَتَّى تَضَعَ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا بَعْدَ الْقَتْلِ من أن تلق وَلَدًا، أَوْ لَا تُلْقِيَهُ فَإِنْ لَمْ تُلْقِ وَلَدًا فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَمْلِ، لِأَنَّهُ مَوْهُومٌ وَيُنْظَرُ حَالُهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَمَارَاتُ الْحَمْلِ ظَاهِرَةً عَلَيْهَا كَانَ قَاتِلُهَا آثِمًا إِذَا عَلِمَ

بِالْأَمَارَاتِ، لِأَنَّهُ عَجَّلَ بِقَتْلٍ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ أَمَارَاتُهُ فَلَا مَأْثَمَ فِيهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ خُلُوُّهَا مِنَ الحَمْلِ وَإِنْ أَلْقَتْ وَلَدًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حَيًّا يَبْقَى بعد قتلها فلاضمان فِيهِ لِبَقَاءِ حَيَاتِهِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَهَا رُوعِيَ أمره فيما يبين وَضْعِهِ وَمَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَزَلْ فِيهِ ضَمِنًا يَحْدُثُ بِهِ ضَعْفٌ بَعْدَ ضَعْفٍ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَوْتِهِ أَنَّهُ كَانَ يِقَتل أُمَّه فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ وَضْعِهِ وَمَوْتِهِ سَلِيمًا يَزْدَادُ قُوَّةً بَعْدَ قُوَّةٍ ثُمَّ مَاتَ، فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ مَوْتِهِ أَنَّهُ عَنْ سَبَبٍ حَادِثٍ بَعْدَ وِلَادَتِهِ فَلَا يَضْمَنُ دِيَتَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُ جَنِينًا لَا يَبْقَى لَهُ حَيَاةٌ فَيَكُونُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ إِلْقَائِهِ أنه كان بقتل أُمّه لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَيَاتَهُ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِحَيَاتِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَقَدَ غِذَاءَهُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا وَجَبَ فِيهِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا هِيَ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ: وَنِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أَبِيهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَإِنِ اسْتَهَلَّ الْجَنِينُ صَارِخًا ضُمِنَ بِكَمَالِ دِيَتِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ضُمِنَ بِدِيَةِ رَجُلٍ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى ضُمِنَ بِدِيَةِ امْرَأَةٍ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْجَنِينَ مَضْمُونٌ بِالْغُرَّةِ إِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، وَبِالدِّيَةِ إِنِ اسْتَهَلَّ كَانَ لُزُومُهَا مَقْصُورًا عَلَى الْإِمَامِ لحكمه بالقصاص، وعلى الوليد لِاسْتِيفَائِهِ الْقِصَاصَ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا فِي الْحَمْلِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ الْوَلِيُّ بِالْحَمْلِ وَلَا يَعْلَمَ بِهِ الْإِمَامُ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ دُونَ الْإِمَامِ لِمُبَاشَرَتِهِ لِقَتْلٍ عُلِمَ حَظْرُهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ الْإِمَامُ بِالْحَمْلِ وَلَا يَعْلَمَ بِهِ الْوَلِيُّ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ لِحُكْمِهِ بِقَتْلٍ عُلِمَ حَظْرُهُ، كَالشُّهُودِ بِالْقَتْلِ إِذَا اسْتَوْفَاهُ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا ضَمِنُوهُ دُونَ الْحَاكِمِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: فِي هَذَا الْقِسْمِ " يَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَى الْوَلِيِّ دُونَ الْإِمَامِ لِمُبَاشَرَتِهِ " وَهُوَ فَاسِدٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ الْإِمَامُ وَالْوَلِيُّ بِالْحَمْلِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْوَلِيِّ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: عَلَى الْوَلِيِّ دُونَ الْإِمَامِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ مُطَالِبٌ بِحَقِّهِ وَالْإِمَامَ هُوَ الْمُمَكِّنُ مِنْهُ، وَالْحَاكِمُ بِهِ فَكَانَ بِالْتِزَامِ الضَّمَانِ أَحَقَّ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَعْلَمَ الْإِمَامُ وَلَا الْوَلِيُّ بِالْحَمْلِ، فَفِي مَا يُلْزِمُ الضَّمَانَ ثلاثة أوجه:

أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْوَلِيِّ، لِمُبَاشَرَتِهِ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة إنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْوَلِيِّ، بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، إنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْوَلِيِّ نِصْفَيْنِ لِوُجُودِ التَّسْلِيطِ مِنَ الإِمَامِ وَوُجُودِ الْمُبَاشَرَةِ مِنَ الوَلِيِّ، فَصَارَا فِيهِ شَرِيكَيْنِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا اسْتَقَرَّ تَعْيِينُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّقْسِيمِ كَانَ مَا ضَمِنَهُ الْوَلِيُّ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ غُرَّتِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ خَطَئِهِ الَّذِي تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ، وَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ دُونَ الْكَفَّارَةِ.
فَأَمَّا مَا ضَمِنَهُ الْإِمَامُ مِنَ الدِّيَةِ أَوِ الْغُرَّةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ يَتَحَمَّلُونَهُ عَنْهُ، لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ ضَمِنَ جَنِينَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْهَبَهَا فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا قَالَ لَعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ " عزمت عليه لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِكَ " يَعْنِي مِنْ قُرَيْشٍ، لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةُ عُمَرَ وَكَمَا يَتَحَمَّلُونَ عَنْهُ الْعَقْلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ كَغَيْرِ الْإِمَامِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَكُونُ الدِّيَةُ أَوِ الْغُرَّةُ مَضْمُونَةً فِي بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ يَكْثُرُ مِنَ الإِمَامِ لِمَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَا يَجِدُ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا وَالِاجْتِهَادِ فِيهَا بُدًّا، فَلَوْ تَحَمَّلَتْ عَاقِلَتُهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ خَطَأِ اجْتِهَادِهِ عَجَزُوا عَنْهُ وَلَمْ يُطِيقُوهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي مَالِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُمْ وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ كَانَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَصَالِحِهِمْ، فَيَكُونُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ.
قِيلَ: لَمَّا كَانَ سَبَبُهُ الْقِصَاصَ الَّذِي فِيهِ حِفْظُ حَيَاتِهِمْ وَصَلَاحُ أَنْفُسِهِمْ كَانَ مُوجِبُ الْخَطَأِ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ مَصَالِحِهِمْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا ضَمِنَهُ مِنَ الدِّيَةِ أَوِ الْغُرَّةِ عَلَى تَأْجِيلِ الْخَطَأِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالدِّيَةِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي مَعْنَى الْوُجُوبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ فِي مَالِ الْإِمَامِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ عَاقِلَتُهُ وَالْعَاقِلَةُ تتحمل الدية دون الكفارة.

(مسألة)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَتَلَ نَفَرًا قُتِلَ لِلْأَوَّلِ وَكَانَتِ الدِّيَاتُ لِمَنْ بَقِيَ فِي مَالِهِ فَإِنْ خَفِيَ الْأَوَّلُ مِنْهُمْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ قَتَلَ أَوَّلًا قُتِلَ بِهِ وَأُعْطِيَ الْبَاقُونَ الدِّيَاتِ مِنْ مَالِهِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَتَلَ الْوَاحِدُ جَمَاعَةً إِمَّا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ أَلْقَى عَلَيْهِمْ حَائِطًا، أَوْ أَلْقَاهُمْ فِي نَارٍ، أَوْ غَرَّقَهُمْ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ قَتَلَهُمْ فِي أَوْقَاتٍ شَتَّى وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ بِأَحَدِهِمْ، وَتُؤْخَذَ مِنْ مَالِهِ دِيَاتُ الْبَاقِينَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُقْتَلُ بِجَمَاعَتِهِمْ وَقَدِ اسْتَوْفَوْا بِهِ حُقُوقَهُمْ، وَلَا دِيَةَ لَهُمْ فِي مَالِهِ فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ وَحُقُوقِهِمْ وَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غَيْرَ الْقَوَدِ، وَأَنَّ الدِّيَةَ لَا تُسْتَحَقُّ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا فَاتَ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِالْمَوْتِ لَمْ يَجِبْ فِي مَالِهِ دِيَةٌ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، وَاسْتَدَلَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إِنْ كَانُوا كُفُؤًا لِلْوَاحِدِ إِذَا قَتَلُوهُ قُتِلُوا بِهِ، وَجَبَ أن يكون الواحد كفوءاً لِلْجَمَاعَةِ إِذَا قَتَلَهُمْ قُتِلَ بِهِمْ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ إِذَا تَرَادَفَ عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ تَدَاخَلَ بَعْضُهُ في بعض، كالعبد إذا قتل جَمَاعَةٌ، وَكَالْمُحَارِبِ إِذَا قَتَلَ فِي الْحِرَابَةِ جَمَاعَةً، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَدٌّ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَدَاخَلَ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ، كَحَدِّ الزِّنَا وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَلِأَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي عَيْنٍ ضَاقَتْ عَنْ حُقُوقِ جَمِيعِهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا أُسْوَةً كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أن النفس بالنفس﴾ فَمَنْ جَعَلَ نَفْسًا بِأَنْفُسٍ خَالَفَ الظَّاهِرَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سلطاناً﴾ وَمَنْ قَتَلَهُ بِجَمَاعَتِهِمْ أَبْطَلَ سُلْطَانَ كُلِّ وَاحِدٍ منهم، ولأنها جنايات لا يتداخل خطأها فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَدَاخَلَ عَمْدُهَا، كَالْأَطْرَافِ لِأَنَّ وَاحِدًا لَوْ قَطَعَ أَيْدِيَ جَمَاعَةٍ قُطِعَ عِنْدَنَا بِأَحَدِهِمْ، وَأُخِذَ مِنْهُ دِيَاتُ الْبَاقِينَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُقْطَعُ يَدُهُ بِجَمَاعَتِهِمْ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ إِن كَانُوا عَشَرَةً تِسْعُ دِيَاتِ يَدٍ تُقْسَمُ بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ، فَصَارَ هَذَا الِاخْتِلَافُ إِجْمَاعًا عَلَى أَنْ لَا تَتَدَاخَلَ الْأَطْرَافُ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَاتٌ لَا تَتَدَاخَلُ فِي الْأَطْرَافِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَتَدَاخَلَ فِي النُّفُوسِ كَالْخَطَأِ، وَلِأَنَّ جِنَايَاتِ الْعَمْدِ أَغْلَظُ مِنَ الخَطَأِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ مِنْ مُوجِبِ الْخَطَأِ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ إِذَا أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا لَمْ تَتَدَاخَلْ كَالدُّيُونِ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مَوْضُوعٌ لِإِحْيَاءِ النُّفُوسِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ فَلَوْ قُتِلَ الْوَاحِدُ بِالْجَمَاعَةِ لَكَانَ فِيهِ إِغْرَاءٌ بِقَتْلِ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ بَعْدَ قَتْلِ الْأَوَّلِ شَيْئًا فِي جَمِيعِ مَنْ قَتَلَ، وَلِيُسَارِعَ النَّاسُ بَعْدَ ابْتِدَائِهِمْ بِالْقَتْلِ إِلَى قَتْلِ النُّفُوسِ وَلَمْ يَكُفُّوا، وَلَمْ يَصِرِ الْقِصَاصُ حَيَاةً، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ وَانْفِصَالٌ عَنْ جَمْعِهِ بَيْنَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، وَقَتْلِ الْوَاحِدِ بِالْجَمَاعَةِ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى قَتْلِ الْعَبْدِ وَالْمُحَارِبِ، فَإِنْ جُعِلَ الْأَصْلُ فِيهِ الْعَبْدَ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا تَدَاخَلَتْ جِنَايَاتُ خَطَئِهِ تَدَاخَلَتْ جِنَايَاتُ عَمْدِهِ، وَإِنْ جُعِلَ الْأَصْلُ قَتْلَ الْمُحَارِبِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَدَاخُلِ جِنَايَتِهِ فَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ إِلَى أَنَّهَا لَا تَتَدَاخَلُ، وَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ بِالْأَوَّلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ دِيَاتُ الْبَاقِينَ، وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى تَدَاخُلِهَا، لِأَنَّهَا صَارَتْ بِانْحِتَامِ قَتْلِهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُهُ تَتَدَاخَلُ وَإِذَا قِيلَ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ لَمْ يَنْحَتِمْ قَتْلُهُ، فَكَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَحُقُوقُهُمْ لَا تَتَدَاخَلُ وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْحُدُودِ وَقِيَاسِهِمْ عَلَى غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَيْنٌ يَسْتَوْفُونَ حُقُوقَهُمْ مِنْهَا، فَاسْتَهَمُوا فِي الْمَوْجُودِ مِنْهَا.
وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ مُفْلِسًا لَكَانَ الْأَوْلِيَاءُ مَعَهُ بِمَثَابَتِهِمْ وَإِذَا فَارَقَ الْمُفْلِسُ يَسَارَهُ وَجَدَ الْأَوْلِيَاءُ سَبِيلًا إِلَى اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِمْ، فَافْتَرَقَ الْجَمْعَانِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ قَاتِلَ الْجَمَاعَةِ يُقْتَلُ بِأَحَدِهِمْ لَمْ يَخْلُ حَالُ قَتْلِهِ لِجَمَاعَتِهِمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يقتلهم في دُفْعَة وَاحِدَة.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُشْكِلَ حَالُ قَتْلِهِ لَهُمْ وَمَنْ يُقَدَّمُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَأَحَقُّهُمْ بِالِاقْتِصَاصِ مِنْهُ وَلِيُّ الْأَوَّلِ، فَلَا يُخَاطَبُ أَوْلِيَاءُ الْبَاقِينَ إِلَّا بَعْدَ عَرْضِ الْقِصَاصِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ طَلَبَهُ اقْتَصَّ مِنْهُ لِلْأَوَّلِ وَكَانَ فِي مَالِهِ دِيَاتُ الْبَاقِينَ، فَإِنِ اتَّسَعَ مَالُهُ لِجَمِيعِ دِيَاتِهِمُ اسْتَوْفَوْهَا وَإِنْ ضَاقَ عَنْهَا اسْتَهَمُوا فِيهَا بِالْحِصَصِ، وَصَارَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ فِيهَا أُسْوَةً، وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ الْأَسْبَقُ فِي الْقِصَاصِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الدِّيَةِ، لِأَنَّ مَحَلَّ الدِّيَةِ فِي الذِّمَّةِ، وَهِيَ تَتَّسِعُ لِجَمِيعِهَا، فَشَارَكَ الْمُتَأَخِّرُ الْأَسْبَقَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الذِّمَّةِ، وَمَحَلُّ الْقَوَدِ الرَّقَبَةُ، وَهِيَ تَضِيقُ عَنِ اقْتِصَاصِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَتَّسِعُ إِلَّا لِوَاحِدٍ، فَيُقَدَّمُ الْأَسْبَقُ بِهَا عَلَى الْمُتَأَخِّرِ، فَإِنْ عَفَا الْأَوَّلُ عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ عُرِضَ الْقِصَاصُ عَلَى الثَّانِي، فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ رَجَعَ الْأَوَّلُ وَمَنْ بَعْدَ الثَّانِي بَدِيَاتِهِمْ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ عَفَا الثَّانِي عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ عُرِضَ الْقِصَاصُ عَلَى الثَّالِثِ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فِي وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَى آخِرِهِمْ، فَلَوْ عَمَدَ الْإِمَامُ فَقَتَلَهُ لِلْأَخِيرِ فَقَدْ أَسَاءَ وَأَثِمَ إِنْ عَلِمَ بِتَقَدُّمِ غَيْرِهِ، وَلَا يَأْثَمُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَهَكَذَا لَوْ بَادَرَ وَلِيُّ الْأَخِيرِ فَقَتَلَهُ قِصَاصًا لَمْ يَضْمَنْهُ، وَعُزِّرَ عَلَيْهِ وَرَجَعَ الْبَاقُونَ بَدِيَاتِهِمْ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ غَائِبًا

وَقَفَ الِاقْتِصَاصُ مِنَ القَاتِلِ عَلَى إِفَاقَةِ الْمَجْنُونِ وَبُلُوغِ الصَّبِيِّ، وَقُدُومِ الْغَائِبِ ثُمَّ عَرَضَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمِ الْقِصَاصَ عَلَى مَا مَضَى، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ الْإِمَامُ بُلُوغَ الصَّبِيِّ وَإِفَاقَةَ الْمَجْنُونِ وَقُدُومَ الْغَائِبِ وَعَجَّلَ قَتْلَهُ قِصَاصًا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلَهُ لَهُمْ، أَوْ يَقْتُلَهُ لِأَوْلِيَاءِ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنْ قَتَلَهُ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قِصَاصًا فِي حَقِّهِمْ وَلَا حَقِّ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ لَهُمُ الْعُدُولَ عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوِّتَ عَلَيْهِمْ حَقَّهُمْ مِنْهَا وَيَصِيرُ الْإِمَامُ ضَامِنًا لِدِيَةِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، لِأَنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ قِصَاصًا وَهَلْ تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ القَوْلَيْنِ، وَإِنْ قَتَلَهُ لِمَنْ حَضَرَ أَوْلِيَاؤُهُ عَنْ أَمْرِهِمْ جَازَ وَقَدْ أَسَاءَ بِتَقْدِيمِهِمْ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُمْ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ كَانَ عَلَى مَا مَضَى مِنْ قَتْلِهِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْغَائِبِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَ الْجَمَاعَةَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ سَلَّمُوا الْقَوَدَ لِأَحَدِهِمْ كَانَ أَحَقَّهُمْ بِهِ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ بِالدِّيَاتِ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ تَشَاحُّوا فِيهِ وَطَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يُقَادَ بِقَتِيلِهِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَاخْتَصَّ بِقَتْلِهِ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمْ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ بَدِيَاتِهِمْ فِي تَرِكَتِهِ، فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ فَاقْتَصَّ مِنْهُ بِقَتِيلِهِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَقَدْ أَسَاءَ الْإِمَامُ وَلَمْ يُعَزَّرِ الْمُقْتَصُّ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ عُزِّرَ، وَقَدِ اسْتَوْفَى بِالِاقْتِصَاصِ حَقَّهُ وَرَجَعَ الْبَاقُونَ بَدِيَاتِهِمْ فِي تَرِكَتِهِ، فَإِنْ ضَاقَتِ اقْتَسَمُوهَا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ فِي التَّقَدُّمِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ غُرْمًا ضَرَبُوا بِدُيُونِهِمْ مَعَ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِينَ بَدِيَاتِهِمْ فِي التَّرِكَةِ لِيَتَوَزَّعُوهَا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يُشْكِلَ حَالُ قَتْلِهِ لَهُمْ هَلْ تَرَتَّبُوا، أَوِ اشْتَرَكُوا؟ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْتَرِفَ أَوْلِيَاءُ جَمِيعِهِمْ بِالْإِشْكَالِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ سَلَّمْتُمِ القصاص لأحدكم كان أحققكم بِهِ وَإِنْ تَشَاحَحْتُمْ أُقْرِعَ بَيْنَكُمْ وَاقْتَصَّ مِنْهُ مَنْ قَرَعَ مِنْكُمْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفُوا وَيَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ عُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ عَدِمُوهَا رُجِعَ إِلَى الْجَانِي الْقَاتِلِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِالتَّقَدُّمِ لِأَحَدِهِمْ كَانَ أَحَقَّهُمْ بِالْقِصَاصِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِتَكَافُئِهِمْ، وَاخْتَصَّ بِالْقِصَاصِ مَنْ قَرَعَ مِنْهُمْ، فَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِالتَّقَدُّمِ لِأَحَدِهِمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ فِيهَا فَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا بِجُرْحٍ سَقَطَ حَقُّهُمَا مِنَ القِصَاصِ بِالِاعْتِرَافِ بِهِ لِغَيْرِهِمَا، وَالِاعْتِبَارُ بِالتَّقَدُّمِ أَنْ يُرَاعي وَقْت الْمَوْتِ لَا وَقْت الْجِنَايَةِ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَ زَيْدٍ ثُمَّ قَطَعَ يَدَ عَمْرٍو فَمَاتَ عَمْرٌو ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ اسْتَحَقَّ زَيْدٌ الْقِصَاصَ فِي الْيَدِ دُونَ عَمْرٍو، لِأَنَّ قَطْعَ يَدِهِ أَسْبَقُ وَاسْتَحَقَّ عَمْرٌو الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ دُونَ زَيْدٍ، لِأَنَّ مَوْتَهُ أَسْبَقُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَقَتَلَ آخَرَ قُطِعَتْ يَدُهُ بِالْيَدِ وَقُتِلَ بِالنَّفْسِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا قَطَعَ الْجَانِي يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ قُطِعَتْ يَدُهُ لِلْأَوَّلِ، وَقُتِلَ لِلثَّانِي.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ بِالثَّانِي وَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَطْعُ، لِأَنَّ الْقَتْلَ أَعَمُّ فَاسْتَوْعَبَ الْحَقَّيْنِ وَلِأَنَّ الغرض إفاتة نفسه والزيادة عليه ومثلة وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ فِي الرِّدَّةِ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ وَدَخَلَ فِيهِ قَطْعُ السَّرِقَةِ، كَذَلِكَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْيَدِ وَعَلَى النَّفْسِ، يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ قَطْعُ الْيَدِ فِي قَتْلِ النَّفْسِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعتدى عليكم﴾ فَوَجَبَ أَنْ يُجَازَى بِالْأَمْرَيْنِ، وَيُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَقَّانِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ وَالْقَتْلَ حَقَّانِ لِشَخْصَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَدَاخَلَا كَالدُّيُونِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ تَدَاخُلُهُمَا فِي الدِّيَةِ امْتَنَعَ تَدَاخُلُهُمَا فِي الْقَوَدِ، وَلِأَنَّ الْخَطَأَ أَخَفُّ مِنَ العَمْدِ وَهُمَا لَا يَتَدَاخَلَانِ فِي الْخَطَأِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَتَدَاخَلَا فِي الْعَمْدِ فَبَطَلَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ الْأَوَّلُ، وَلَا يَكُونُ نَكَالًا ومثلة، لِأَنَّهُ جَزَاءٌ فَاجْتِمَاعُ قَطْعِ السَّرِقَةِ وَقَتْلِ الرِّدَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَدَاخُلِهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَتَدَاخَلَانِ وَيُسْتَوْفَيَانِ، فَيُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ وَيُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَتَدَاخَلَانِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَازَ تَدَاخُلُهُمَا وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تَتَدَاخَلُ، وَهَكَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ زَنَا بِكْرًا ثُمَّ زَنَا ثَيِّبًا، هَلْ يَدْخُلُ الْجَلْدُ فِي الرَّجْمِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْحُكْمِ وَاتِّفَاقِهِمَا فِي الْمُوجِبِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

(فَصْلٌ)

وَلَوِ ابْتَدَأَ الْجَانِي فَقَتَلَ رَجُلًا، ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ اقْتُصَّ مِنْ يَدِهِ بِالْقَطْعِ، ثُمَّ مِنْ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ وَيُقَدَّمُ الْقَطْعُ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنِ الْقَتْلِ وَإِنْ تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْقَتِيلَيْنِ فِي تَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ فَالْأَسْبَقِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقَوَدِ فِي الْقَتِيلَيْنِ، فَقُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا، وَيُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقَوَدِ فِي الْيَدِ وَالنَّفْسِ فَرُبَّمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُمَا.
وَلَوْ قُدِّمَ الْقَتْلُ سَقَطَ الْقَطْعُ، وَإِذَا قُدِّمَ الْقَطْعُ لَمْ يَسْقُطِ الْقَتْلُ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ الْقَطْعُ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَلَى الْقَتْلِ وَإِنْ تَقَدَّمَ، وَلَكِنْ مِثَالُ الْقَتْلَيْنِ مِنَ الأَطْرَافِ أَنْ يَقْطَعَ طَرَفَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ مِنَ اثْنَيْنِ مِثْلَ أَنْ تُقْطَعَ مِنْ رَجُلٍ يُمْنَى يَدَيْهِ، وَمِنْ آخَرَ يُمْنَى يَدَيْهِ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مِنَ اليَدِ الْوَاحِدَةِ، فَيُقَدَّمُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهَا لِأَسْبَقِهِمَا كَالْقَتْلَيْنِ لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ، فَإِنْ عَفَا الْأَوَّلُ اقْتُصَّ مِنْهَا لِلثَّانِي.

فَإِنْ قِيلَ فَالْمَقْتُولُ كَانَ كَامِلَ الْأَطْرَافِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَّ لَهُ مِنْ نَفْسٍ كَامِلَةِ الْأَطْرَافِ.
قِيلَ: كَمَالُ النُّفُوسِ لَا يُعْتَبَرُ بِكَمَالِ الْأَطْرَافِ، لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَوْ كَانَ كَامِلَ الْأَطْرَافِ وَالْمَقْتُولُ نَاقِصَ الْأَطْرَافِ قُتِلَ بِهِ مَعَ كَمَالِ أَطْرَافِهِ وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ نَاقِصَ الْأَطْرَافِ وَالْمَقْتُولُ كَامِلَ الْأَطْرَافِ قُتِلَ بِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَةِ أَطْرَافِهِ؛ لِأَنَّ دِيَةَ النَّفْسِ وَإِنْ نَقَصَتْ أَطْرَافُهَا كَدِيَةِ النَّفْسِ وَإِنْ كَمُلَتْ أَطْرَافُهَا.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا ابْتَدَأَ الْجَانِي فَقَطَعَ أُصْبُع رَجُلٍ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَقَطَعَ مِنْ آخَرَ يَدَهُ الْيُمْنَى قُدِّمَ الْقِصَاصُ فِي الْأُصْبُع لِتَقَدُّمِ اسْتِحْقَاقِهِ، فَإِنِ اقْتَصَّ صَاحِبُ الْأُصْبُعِ مِنْهَا اقْتُصَّ بَعْدَهُ لِصَاحِبِ الْيَدِ وَقَدِ اقْتُصَّ مِنْ يَدٍ نَقَصَتْ أُصْبُعا بِيَدِهِ الْكَامِلَةِ فَيُرْجَعُ بَعْدَ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَانِي بِدِيَةِ أُصْبُع وَهِيَ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ القِصَاصِ فِي النَّفْسِ إِذَا نَقَصَتْ أَطْرَافُهَا، لِأَنَّ الْكَمَالَ مُعْتَبَرٌ فِي تَكَافُؤِ الْأَطْرَافِ، وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَكَافُؤِ النُّفُوسِ، لِأَنَّ دِيَةَ الْأَطْرَافِ مُسَاوِيَةٌ لِدِيَةِ النَّفْسِ الْكَامِلَةِ الْأَطْرَافِ، فَلَوْ عَفَا صَاحِبُ الْأُصْبُع عَنِ الْقِصَاصِ كَانَ لَهُ دِيَتُهَا وَقُطِعَ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ فِي يَدٍ كَامِلَةٍ بِيَدِهِ الْكَامِلَةِ، وَلَوْ تَرَتَّبَ الْقَطْعَانِ بِالضِّدِّ، فَبَدَأَ الْجَانِي فَقَطَعَ مِنْ رَجُلٍ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ مِنْ آخَرَ أُصْبُعا مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى قَدَّمَ الْقِصَاصَ لِصَاحِبِ الْيَدِ عَلَى الْقِصَاصِ لِصَاحِبِ الْأُصْبُع، لِتَقَدُّمِ قَطْعِ الْيَدِ عَلَى قَطْعِ الْأُصْبُع اعْتِبَارًا بِالْأَسْبَقِ.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا قَدَّمْتُمُ الْقِصَاصَ فِي الْأُصْبُع، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْيَدِ لِيَسْتَوْفِيَ بِهِ الْحَقَّانِ كَمَا قَدَّمْتُمُ الْقِصَاصَ فِي الْيَدِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَلَى الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقَّيْنِ؟ قِيلَ: لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ اعْتِبَارِ الْكَمَالِ فِي تَكَافُؤِ الْأَطْرَافِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِهِ فِي تَكَافُؤِ النُّفُوسِ، وَقَدِ اسْتَحَقَّ صَاحِبُ الْيَدِ بِكَمَالِ يَدِهِ الِاقْتِصَاصَ مِنْ يَدٍ كَامِلَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَصَّ لَهُ مِنْ يَدٍ نَاقِصَةٍ مَعَ إِمْكَانِ الِاقْتِصَاصِ مِنْهُمَا وَهِيَ كَامِلَةٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَاقْتَصَّ صَاحِبُ الْيَدِ سَقَطَ الْقِصَاصُ لِصَاحِبِ الْأُصْبُع وَرَجَعَ بِدِيَتِهَا، وَإِنْ عَفَا صَاحِبُ الْيَدِ عَنِ الْقِصَاصِ رَجَعَ بِدِيَتِهَا وَاقْتُصَّ لِصَاحِبِ الْأُصْبُع، وَهَكَذَا قَطْعُ الْأُنْمُلَةِ، مِنْ رَجُلٍ وَقَطْعُ تِلْكَ الْأُصْبُع مِنْ آخَرَ يَكُونُ عَلَى قِيَاسِ الْأُصْبُع مَعَ الْكَفِّ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنْ مَاتَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ الْأَوَّلُ بَعْدَ أَنِ اقْتَصَّ مِنَ اليَدِ فَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عِنْدِي أَنَّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ فِي مَالِ قَاطِعِهِ لِأَنَّ الْمَقْطُوعَ قَدِ اسْتَوْفَى قَبْلَ مَوْتِهِ مَا فِيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ بِاقْتِصَاصِهِ بِهِ قَاطِعَهُ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَقَتَلَ آخَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا لِلْأَوَّلِ، وَقُتِلَ قَوَدًا لِلثَّانِي ثُمَّ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سِرَايَةِ يَدِهِ، صَارَ الْقَطْعُ قَتْلًا وَقَدْ فَاتَ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ بِالْقَوَدِ الثَّانِي فَوَجَبَ لِلْمَقْطُوعِ دِيَةُ نَفْسِهِ بِسِرَايَةِ الْقَطْعِ إِلَيْهَا، وَقَدْ أَخَذَ بِالِاقْتِصَاصِ مِنْ يَدِهِ مَا يُقَابِلُ نِصْفَ دِيَةِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ وَلِيُّهُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي بِنِصْفِهَا لِيَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا بِالْقَطْعِ وَالْأَخْذِ بِمَا يُقَابِلُ جَمِيعَ دِيَةِ النَّفْسِ، وَلَوْ كَانَ الْجَانِي قَطَعَ مِنَ الأَوَّلِ إِحْدَى أَصَابِعِهِ وَقَتَلَ آخَرَ فَاقْتُصَّ لِلْأَوَّلِ مِنْ أُصْبُعهِ، وَقُتِلَ لِلثَّانِي ثُمَّ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سِرَايَةِ أصْبعهِ كَانَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي تِسْعَةَ أَعْشَارِ دينه لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى بِقَطْعِ الْأصبع عُشْرَهَا، فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا لِجَمِيعِ الدِّيَةِ وَلَوْ كَانَ الْجَانِي قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ فَقُطِعَتْ يَدَاهُ لِلْأولَ وَقُتِلَ لِلثَّانِي ثُمَّ سَرَتْ يَدُ الْمَقْطُوعِ إِلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ لِوَلِيِّهِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى بِقَطْعِ الْيَدِ كَمَالَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ فِي الْيَدَيْنِ جَمِيعَ الدِّيَةِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ رَجُلٍ فَاقْتُصَّ مِنْهَا ثُمَّ سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ كَانَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِ الْقَاطِعِ، لِأَنَّ الْقَطْعَ صَارَ قَتْلًا، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ إِلَى الدِّيَةِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى بِقَطْعِ الْيَدِ مَا يُقَابِلُ نِصْفَ الدِّيَةِ، فَصَارَ مُسْتَوْفِيًا لِجَمِيعِ الدِّيَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ، أَخَذَ دِيَةَ يَدِهِ وَلَمْ يَقْتَصَّ ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إِلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ سَقَطَ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّ عُدُولَهُ إِلَى دِيَةِ الْقَطْعِ عَفْوٌ عَنِ الْقَوَدِ فِي النَّفْسِ، وَلَوْ قَطَعَ يَد رَجُلٍ فَاقْتُصَّ مِنْهُمَا ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إِلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ، كَانَ لِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، فَإِنْ عَفَا إِلَى الدِّيَةِ لَمْ يستحقها، لأنه يقطع الْيَدَيْنِ قَدِ اسْتَوْفَاهُمَا، وَهَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ فِيهِ الْقَوَدُ وَلَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، وَهُوَ نَادِرٌ.
وَلَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ أَخَذَ دِيَةَ يَدِهِ ثُمَّ سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ، لِسُقُوطِ الْقَوَدِ بِدِيَةِ الْقَطْعِ وَاسْتِيفَاءِ دِيَةِ النَّفْسِ بِدِيَةِ الْيَدَيْنِ.

(فَصْلٌ)

وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ رَجُلٍ فَأَخَذَ الْمَقْطُوعُ دِيَتَهَا نِصْفَ الدِّيَةِ ثُمَّ عَادَ الْجَانِي إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ يَدِهِ فَفِيمَا يَلْزَمُهُ بِقَتْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ، لِأَخْذِهِ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي قَطْعِ الْيَدِ، وَيَرْجِعُ وَلَيُّهُ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَهُوَ الْبَاقِي مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَعَلَيْهِ جَمِيعُ دِيَةِ النَّفْسِ وَجَعَلَ جِنَايَةَ الْوَاحِدِ كَجِنَايَةِ الِاثْنَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِنْ عَفَا عَنِ الْقَوَدِ إِلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَكُونُ تَبَعًا لِلْأَعْضَاءِ فَلَمْ يُوجِبْ

سُقُوطُ الْقَوَدِ فِي الْيَدِ سُقُوطَهُ فِي النَّفْسِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ إِلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مَا فِيهِ نِصْفُهَا.

(فَصْلٌ)

إِذَا قَطَعَ نَصْرَانِيٌّ يَدَ مُسْلِمٍ فَاقْتَصَّ الْمُسْلِمُ مِنَ النَّصْرَانِيِّ ثُمَّ مَاتَ الْمُسْلِمُ مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعِ كَانَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِ النَّصْرَانِيِّ، لِأَنَّ الْقَطْعَ قَدْ صَارَ بِالسِّرَايَةِ نَفْسًا، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ كَانَ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسِ الدِّيَةِ، لِأَنَّ دِيَةَ الْمُسْلِمِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيَةَ النَّصْرَانِيِّ ثُلْثُهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَدِ اقْتَصَّ مِنْ إِحْدَى يَدَيْهِ بِنِصْفِهَا وَهُوَ أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَقَدْرُهُمَا سُدْسُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، فَصَارَ الْبَاقِي لَهُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَشْبَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ بِنِصْفِ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَأْخُذَ يَدَ النَّصْرَانِيِّ بِيَدِهِ وَدِيَةُ الْيَدِ نِصْفُ دِيَةِ النَّفْسِ صَارَ الْبَاقِي لَهُ نِصْفَ الدِّيَةِ أَلَا تَرَاهُ لَوِ ابْتَدَأَ النَّصْرَانِيُّ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ فَرَضِيَ وَلِيُّهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ كَانَتْ نَفْسُهُ بِنَفْسِ الْمُسْلِمِ وَلَمْ يَرْجِعْ وَلِيُّهُ بِفَاضِلِ دِيَتِهِ، كَذَلِكَ فِي الْيَدِ، وَلَوْ كَانَ النَّصْرَانِيُّ قَطَعَ يَدَيِ الْمُسْلِمِ فَاقْتَصَّ الْمُسْلِمُ مِنْهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُسْلِمُ كَانَ لِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ كَانَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثُلْثَيِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا بِالْيَدَيْنِ دِيَةَ نَصْرَانِيٍّ قَدْرُهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ ثُلْثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فَبَقِيَ لَهُ ثُلْثَاهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي يَدَيِ النَّصْرَانِيِّ دِيَةَ نَفْسِهِ فَصَارَ فِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهَا كَالْمُقْتَصِّ مِنْ نَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَوْ قَطَعَتِ امْرَأَةٌ يَدَ رَجُلٍ فَاقْتَصَّ مِنْهَا ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ عَفَا عَنْهَا إِلَى الدِّيَةِ رَجَعَ عَلَيْهَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ، لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ وَقَدْ أَخَذَ بِيَدِهَا نِصْفَ دِيَتِهَا وَهِيَ رُبْعُ دِيَةِ الرَّجُلِ فَبَقِيَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ بِالْيَدِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَالدِّيَتَانِ مَعَ تَفَاضُلِهِمَا يَتَمَاثَلَانِ فِي الْقِصَاصِ، وَلَوْ قَطَعَتِ الْمَرْأَةُ يَدَيِ الرَّجُلِ فَاقْتَصَّ مِنْهَا ثُمَّ مَاتَ: فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَرْجِعُ وَلِيُّهُ عَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهَا بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي بِشَيْءٍ لِاقْتِصَاصِهِ مِنْ يَدَيْنِ يَجِبُ فِيهَا دِيَةُ النَّفْسِ.

(فَصْلٌ)

سِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مضمونة على الجاني، وسراية القصاص غير مضمونة عَلَى الْمُقْتَصِّ، فَإِذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ فَاقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الجَانِي، ثُمَّ مَاتَ المجني

عَلَيْهِ مِنَ القَطْعِ، كَانَتْ نَفْسُهُ مَضْمُونَةً عَلَى الْجَانِي، وَلَوْ مَاتَ الْجَانِي مِنَ القِصَاصِ كَانَتْ نَفْسُهُ هَدَرًا لَا يَضْمَنُهَا الْمُقْتَصُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سِرَايَةُ الْقِصَاصِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُقْتَصِّ كَمَا أَنَّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْجَانِي، فَإِذَا مَاتَ الْجَانِي مَعَ سِرَايَةِ الْقِصَاصِ ضَمِنَ الْمُقْتَصُّ جَمِيعَ دِيَةِ نَفْسِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَا حَدَثَ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُبَاشِرِ كَالْجَانِي.
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِتَخْيِيرِ وَلِيِّهِ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ كَضَرْبِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ وَالْأَبِ لِوَلَدِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ مَا حَدَثَ مِنَ التَّلَفِ عَنْ ضَرْبِ الزَّوْجِ وَالْأَبِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ مَا حَدَثَ عَنِ الْقِصَاصِ يجب أن يكون مضموناً على المتقص.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41] وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: " مَنْ مَاتَ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَلَا دِيَةَ لَهُ الْحَقُّ قَتلهُ " وَلَيْسَ لَهُمَا مُخَالِفٌ فَصَارَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ مَا اسْتُحِقَّ قَطْعُهُ بِالنَّصِّ لَمْ يُضْمَنْ سِرَايَتُهُ كَالسَّرِقَةِ، وَلِأَنَّ السِّرَايَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَصْلِهَا فَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا لِحَظْرِهِ ضُمِنَتْ سِرَايَتُهُ، وَإِنْ كَانَ هَدَرًا لِإِبَاحَتِهِ لَمْ يُضْمَنْ سِرَايَتُهُ اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَقَرِّ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ بِأَنَّ مَنْ أَوْقَدَ نَارًا فِي مِلْكِهِ فَتَعَدَّتْ إِلَى جَارِهِ، أَوْ أَجْرَى الْمَاءَ فِي أَرْضِهِ فَجَرَى إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَوْقَدَ النَّارَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَأَجْرَى الْمَاءَ فِي غَيْرِ أَرْضِهِ ضُمِنَ بِتَعَدِّيهِمَا، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ مَا سَقَطَ فِيهَا وَلَوْ حَفَرَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ضَمِنَ مَا سَقَطَ فِيهَا كَذَلِكَ سِرَايَةُ الْقِصَاصِ عَنْ مُبَاحٍ فَلَمْ يَضْمَنْ وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ عَنْ مَحْظُورٍ فَضُمِنَتْ، وَهَذَا دَلِيلٌ وَانْفِصَالٌ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ السِّرَايَتَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ ضَرْبِ الزَّوْجِ وَالْأَبِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِصَاصِ تَقْدِيرُ الْقِصَاصِ بِالشَّرْعِ نَصًّا، فَلَمْ يَضْمَنْ وَالضَّرْبُ عَنِ اجْتِهَادٍ فَضَمِنَ، كَمَا لَا يُضْمَنُ مَا حَدَثَ عَنْ جَلْدِ الزَّانِي وَيُضْمَنُ ضَرْبُ التَّعْزِيرِ.

(فَصْلٌ)

إِذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ فَاقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الجَانِي ثُمَّ سَرَى الْقَطْعَانِ إِلَى النَّفْسِ، فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَمَاتَ الْجَانِي فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ مَوْتُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى موت الجاني، فيجزي قَطْعُ الْقِصَاصِ وَسِرَايَتُهُ عَنْ قَطْعِ الْجَانِي وَسِرَايَتِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَتِ السِّرَايَةُ فِي الْجِنَايَةِ مَقَامَ الْمُبَاشَرَةِ وَجَبَ أَنْ تَقُومَ السِّرَايَةُ فِي الْقِصَاصِ مَقَامَ الْمُبَاشَرَةِ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَى الْجَانِي أَخْذُ نَفْسِهِ وَقَدْ أَخَذَهَا وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِسِرَايَةِ قَوَدِهِ، هَذَا مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ سِرَايَةَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِهَا سِرَايَةَ الْجَانِي وهي

مَضْمُونَةٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الْجَانِي قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لا يجزى مَا تَقَدَّمَ مِنْ سِرَايَةِ الْقِصَاصِ فِي الْقَوَدِ عَمَّا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ سِرَايَةِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ تقديم القصاص من قبل استحقاقه لا يجزي بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَلَفًا، وَالسَّلَفُ فِي الْقِصَاصِ لَا يَجُوزُ فَعَلَى هَذَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ الْجَانِي نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تجزي سِرَايَةُ الْقِصَاصِ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَمَّا وَجَبَ بِالسِّرَايَةِ عَنِ الْجِنَايَةِ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ السِّرَايَتَيْنِ تَابِعَةٌ لِأَصْلِهَا، وَقَطْعَ الْقِصَاصِ مُتَأَخِّرٌ، فَجَرَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ سِرَايَتِهِ حُكْمُ المتأخر والله أعلم.

(مسألة)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَتَلَهُ عَمْدًا وَمَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَعْتُوهٌ أَوْ كَانَ حُرٌّ وَعَبْدٌ قَتَلَا عَبْدًا أَوْ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ قَتَلَا نَصْرَانِيًّا أَوْ قَتَلَ ابْنَهُ وَمَعَهُ أَجْنَبِيٌّ فَعَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْقِصَاصُ الْقِصَاصُ وَعَلَى الْآخَرِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ وَعُقُوبَةٌ إِنْ كَانَ الضَّرْبُ عمداً (قال المزني) رحمه الله وشبه الشافعي أخذ القود من البالغ دون الصبي بالقاتلين عمداً يعفو الولي عن أحدهما إن له قتل الآخر فإن قيل وجب عليهما القود فزال عن أحدهما بإزالة الولي قيل فإذا أزاله الولي عنه أزاله عن الآخر فإن قال لا قيل فعلهما واحد فقد حكمت لكل واحد منها بحكم نفسه لا بحكم غيره (قال) فإن شركه قاتل خطأ فعلى العامد نصف الدية في ماله وجناية المخطئ على عاقلته واحتج على محمد بن الحسن في منع القود من العامد إذا شاركه صبي أو مجنون فقال إن كنت رفعت عنه القود لأن القلم عنهما مرفوع وإن عمدهما خطأ على عاقلتهما فهلا أقدت من الأجنبي إذا قتل عمداً مع الأب لأن القلم عن الأب ليس بمرفوع وهذا ترك أصلك (قال المزني) رحمه الله قد شرك الشافعي رحمه الله محمد بن الحسن فيما أنكر عليه في هذه المسألة لأن رفع القصاص عن الخاطئ والمجنون والصبي واحد فكذلك حكم من شاركهم بالعمد واحد ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي قَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ قُتِلَ بِهِ كَحُرَّيْنِ قَتَلَا حُرًّا أَوْ عَبْدَيْنِ قَتَلَا عَبْدًا، أَوْ كَافِرَيْنِ قَتَلَا كَافِرًا، فَعَلَيْهِمَا إِذَا اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ الْقَوَدُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، كَحُرَّيْنِ قَتَلَا عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَا كَافِرًا، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا إِذَا اشْتَرَكَا لِسُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا انْفَرَدَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَجِبَ الْقَوَدُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَوِ انْفَرَدَ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ إِذَا انْفَرَدَ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ سُقُوطُ الْقَوَدِ عَنْهُ لَوِ انْفَرَدَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، كَالْأَبِ إِذَا شَارَكَ أَجْنَبِيًّا فِي قَتْلِ وَلَدِهِ، وَكَالْحُرِّ إِذَا شَارَكَ عَبْدًا فِي قَتْلِ عَبْدِهِ، وَكَالْمُسْلِمِ إِذَا شَارَكَ كَافِرًا فِي قَتْلِ كَافِرٍ، فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ لَا فِي فِعْلِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سُقُوطُ الْقَوَدِ عَنْهُ لَوِ انْفَرَدَ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ كالخاطئ إذا شارك عاملاً فِي الْقَتْلِ أَوْ تَعَمَّدَ الْخَطَأَ إِذَا شَارَكَ عَمْدًا مَحْضًا فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ لَا فِي نَفْسِهِ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي شَرِيكِ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ، هَلْ تُوجِبُ الشَّرِكَةُ سُقُوطَ الْقَوَدِ عَنْهُ بِسُقُوطِهَا عَنْ شَرِيكِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُ بِسُقُوطِهِ عَنْ شَرِيكِهِ، سَوَاءٌ كَانَ سُقُوطُ الْقَوَدِ عَنْهُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ كَالْأَبِ إِذَا شَارَكَ أَجْنَبِيًّا، أَوْ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ كَالْخَاطِئِ إِذَا شَارَكَ عَامِدًا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُ لِسُقُوطِهِ عَنْ شَرِيكِهِ، سَوَاءٌ سَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ كَالْأَبِ إِذَا شَارَكَ أَجْنَبِيًّا، أَوْ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ كَالْخَاطِئِ إِذَا شَارَكَ عَامِدًا.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِذَا شَارَكَ مَنْ سَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ كَالْأَبِ إِذَا شَارَكَ أَجْنَبِيًّا لَمْ يَسْقُطِ الْقَوَدُ عَنِ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ شَارَكَ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ كَالْخَاطِئِ إِذَا شَارَكَ عَامِدًا لَمْ يَجِبِ الْقَوَدُ عَلَى الْعَامِدِ، فَصَارَ الْخِلَافُ مَعَ مَالِكٍ فِي شَرِيكِ الْخَاطِئِ، عِنْدَهُ يُقْتَلُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُقْتَلُ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي شَرِيكِ الْأَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُقْتَلُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَلُ.
فَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ شَرِيكَ الْخَاطِئِ يُقْتَلُ، بِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ إِذَا انْفَرَدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ إِذَا شَارَكَ فَمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قَوَدٌ، كَشَرِيكِ الْأَبِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَتَعَدَّى حُكْمُ الْخَاطِئِ إِلَى الْعَامِدِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ لَجَازَ أَنْ يَتَعَدَّى حُكْمُ الْعَامِدِ إِلَى الْخَاطِئِ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ الدِّيَةِ بِمُشَارَكَةِ الْخَاطِئِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا حُكْمُ الْقَوَدِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ شَرِيكَ الْخَاطِئِ لَا يُقْتَلُ قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَلَا إِنَّ فِي قَتِيلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةً مِنَ الإِبِلِ مُغَلَّظَةً " وَهَذَا الْقَتِيلُ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ عَمْدٌ وَخَطَأٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ الدِّيَةَ دُونَ الْقَوَدِ، وَلِأَنَّهَا نفس خرجت بعدم وخطأ، فوجب أن يسقط فيه الْقَوَدُ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ الْوَاحِدُ عَمْدًا وَجَرَحَهُ خَطَأً؟ وَلِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ فِي النَّفْسِ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ يَغْلِبُ حُكْمُ الْمُسْقِطِ عَلَى حُكْمِ الْمُوجَبِ، كَالْحُرِّ إِذَا قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ مَمْلُوكٌ وَنِصْفُهُ حُرٌّ، وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْقَوَدِ فِي الْخَطَأِ يَجْرِي فِي حَقِّ الْقَاتِلِ مَجْرَى عَفْوِ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ، وَسُقُوطُهُ عَنِ الْأَبِ يَجْرِي مَجْرَى الْعَفْوِ عَنْ أَحَدِ الْقَاتِلَيْنِ، وَعَفْوُ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ يُوجِبُ سُقُوطَ الْقَوَدِ فِي حَقِّ مَنْ بَقِيَ مِنَ الأَوْلِيَاءِ وَالْعَفْوُ عَنْ أَحَدِ الْقَتَلَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْقَوَدِ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ القَتَلَةِ، وَهَذَا دَلِيلٌ وَانْفِصَالٌ عَنْ جَمِيعِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ: وَقَوْلُهُ: " لَوْ تَعَدَّى الْخَطَأ إِلَى الْعَمْدِ لَتَعَدَّى الْعَمْد إِلَى الْخَطَأِ " فَهُوَ خَطَأٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ اجْتِمَاعَ الْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ يَقْتَضِي تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْقَاطِ عَلَى الْإِيجَابِ.
وَقَوْلُهُ: " لَمَّا لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ الدِّيَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ الْقَوَدِ " لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الدِّيَةَ تَتَبَعَّضُ وَالْقَوَدُ لَا يَتَبَعَّضُ.
فَإِذَا ثَبَتَ سُقُوطُ الْقَوَدِ عَنِ الْعَامِدِ لِسُقُوطِهِ عَنِ الْخَاطِئِ فَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً حَالَّةً فِي مَالِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْخَاطِئِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُخَفَّفَةً إِلَى أَجَلِهَا.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ شَرِيكَ الْأَبِ لَا يُقْتَلُ بِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْقَوَدُ كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ، وَلِأَنَّ مُشَارَكَةَ الْأَبِ كَمُشَارَكَةِ الْمَقْتُولِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْمَقْتُولَ لَوْ شَارَكَ قَاتِلَهُ لَسَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ، كَذَلِكَ الْأَبُ إِذَا شَارَكَ الْأَجْنَبِيَّ وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْقَوَدُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ شَرِيكَ الْأَبِ يُقْتَلُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] وَلِأَنَّهَا نَفْسٌ مَضْمُونَةٌ خَرَجَتْ بِعَمْدٍ مَحْضٍ، فَلَمْ يَكُنْ سُقُوطُ الْقَوَدِ عَنْ أَحَدِ الْقَاتِلَيْنِ مُوجِبًا لِسُقُوطِهِ عَنِ الْآخَرِ، كَالْعَفْوِ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْقَوَدِ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ الْأَبِ بِمُشَارَكَةِ الْأَجْنَبِيِّ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ الْأَجْنَبِيِّ بِمُشَارَكَةِ الْأَبِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْخَاطِئِ فَهُوَ أَنَّ سُقُوطَهُ عَنِ الْخَاطِئِ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ، وَقَدِ امْتَزَجَ الْفِعْلَانِ فِي السِّرَايَةِ فَلَمْ يَتَمَيَّزَا، وَسُقُوطُهُ عَنِ الْأَبِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَقَدْ تَمَيَّزَ الْقَاتِلَانِ فَلَمْ يَسْتَوِيَا، وَجَمْعُهُ بَيْنَ شَرِكَةِ الْأَبِ وَشَرِكَةِ الْمَقْتُولِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ شَرِيكَ الْمَقْتُولِ يُقْتَلُ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا يُقْتَلُ، وَإِنْ قُتِلَ شَرِيكُ الْأَبِ، لِأَنَّ شَرِكَةَ الْمَقْتُولِ إِبْرَاءٌ وَلَيْسَتْ شَرِكَةُ الْأَبِ إِبْرَاءً.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا الْبَالِغُ الْعَاقِلُ إِذَا شَارَكَ فِي الْقَتْلِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَإِنْ كَانَ قَتْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَلَى صِفَةِ الْخَطَأِ فَلَا قَوَدَ عَلَى شَرِيكِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَطَأُ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ سَقَطَ بِهِ الْقَوَدُ عَنِ الْعَامِدِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ بِهِ غَيْرُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ كَانَ قَتْلُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ عَلَى صِفَةِ الْعَمْدِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي عَمْدِهِمَا هَلْ يَكُونُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ عَمْدَهَا خَطَأٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ " وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَمْدًا لَتَعَلَّقَ بِهِ الْقَوَدُ وَالْمَأْثَمُ، وَبِسُقُوطِهِمَا عَنْهُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْخَطَأِ، فَعَلَى هَذَا لَا قَوَدَ فِي الْعَمْدِ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ إِذَا شَارَكَهُمَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ حَالَّةً فِي مَالِهِ، وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ دِيَةِ الْخَطَأِ مُخَفَّفَةً عَلَى عَوَاقِلِهِمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ عَمْدَهَا عَمْدٌ، لِأَنَّهُمَا قَدْ يُمَيِّزَانِ مَضَارَّهُمَا مِنْ مَنَافِعِهِمَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ جَعَلَ لِلصَّبِيِّ تَمْيِيزًا فِي اخْتِيَارِ الْأَبَوَيْنِ، وَقَدَّمَهُ لِلصَّلَاةِ إِمَامًا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَمْدُهُ لِلْأَكْلِ فِي الصِّيَامِ عَمْدًا وَعَمْدُهُ لِلْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَمْدُهُ لِلْقَتْلِ عَمْدًا، وَلَوْ جَعَلَ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدًا وَعَمْدَ الْمَجْنُونِ خَطَأً لَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَشْبَهُ، لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ وَلَا تَصِحُّ مِنَ المَجْنُونِ، لَكِنَّ الْقَوْلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مُطْلَقٌ فَأَطْلَقْنَاهُ مَعَ الْفَرْقِ الَّذِي أَرَاهُ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِدِ إِذَا شَارَكَهُمَا فِي الْقَتْلِ الْقَوَدُ بِخُرُوجِ النَّفْسِ بِعَمْدٍ مَحْضٍ، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْأَبْدَانِ سَاقِطٌ عَنْهُمَا، وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً حَالَّةً مِنْ أَمْوَالِهِمَا، لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْأَمْوَالِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، فَصَارَ سقوط القود وعنهما عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِمَا فَلِذَلِكَ سَقَطَ الْقَوَدُ عَمَّنْ شَارَكَهُمَا، وَسُقُوطُهُ عَنْهُمَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مَعْنًى فِي أَنْفُسِهِمَا، فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَى مَنْ شَارَكَهُمَا.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا الْعَامِدُ إِذَا شَارَكَ فِي الْقَتْلِ سَبُعًا أَوْ ذِئْبًا أَوْ نَمِرًا لَمْ يَخْلُ حَالُ الرَّجُلِ الْعَامِدِ، وَمَنْ شَارَكَهُ مِنْ سَبُعٍ أَوْ ذِئْبٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُوجِئًا وَالسَّبُعُ جَارِحًا فَعَلَى الرَّجُلِ الْقَوَدُ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ فَعَلَيْهِ جَمِيعُهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ جَارِحًا وَالسَّبُعُ مُوجِئًا، فَيُنْظَرُ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ تَوْجِئَةُ السَّبُعِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ قَوَدٍ وَلَا أَرْشٍ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ جِرَاحَةُ الرَّجُلِ ضَمِنَ الْجِرَاحَةَ وَحْدَهَا بِقَوَدِهَا أَوْ أرشها.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا مُوجَئَيْنِ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ تَوْجِئَةُ السَّبُعِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ قَوَدٍ وَلَا عَقْلٍ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ تَوْجِئَةُ الرَّجُلِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ أَوْ جَمِيعُ الدِّيَةِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَا جَارِحَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الرَّجُلِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ أَظْهَرُهُمَا، عَلَيْهِ الْقَوَدُ لِخُرُوجِ النَّفْسِ بِالْعَمْدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا تَمْيِيزَ لِلسَّبُعِ، فَصَارَ كَاشْتِرَاكِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَهَكَذَا مُشَارَكَتُهُ لِلْحَيَّةِ إِذَا نَهَشَتْ يَكُونُ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ حَالَّةً فِي مَالِهِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا اشْتَرَكَ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ سَيِّدُهُ وَعَبْدٌ آخَرُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى السَّيِّدِ مِنْ قَوَدٍ وَلَا قِيمَةٍ، وَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُشَارِكِ لَهُ قَوْلَانِ، بِنَاءً عَلَى شَرِيكِ السَّبُعِ، لِأَنَّ فِعْلَ السَّيِّدِ غَيْرُ مَضْمُونٍ، كَمَا كَانَ فِعْلُ السَّبُعِ غَيْرَ مَضْمُونٍ.
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ لِخُرُوجِ النَّفْسِ بِعَمْدٍ مَحْضٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِمُشَارَكَةِ مَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا جَرَحَ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فَجَرَحَهُ مُسْلِمٌ آخَرُ وَمَاتَ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ جُرْحَهُ فِي الرِّدَّةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الثَّانِي قَوْلَانِ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَمْ يُضْمَنْ: أَحَدُهُمَا: يُقَادُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ رُجَلًا قُطِعَتْ يَدُهُ قَوَدًا وَقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى ظُلْمًا وَمَاتَ الْمَقْطُوعُ فَقَدْ خَرَجَتِ النَّفْسُ عَنْ قِصَاصٍ مُبَاحٍ وَظُلْمٍ مَحْظُورٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى ظَالِمِهِ بِالْقَطْعِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقْتَصُّ مِنْ نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَقْتَصُّ مِنْ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ اليَدِ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا.
(فَصْلٌ) فَأَمَّا كَلَامُ الْمُزَنِيِّ فَيَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا حَكَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي مُنَاظَرَتِهِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي شَرِيكِ الصَّبِيِّ، لِمَ أُسْقِطُ عَنْهُ الْقَوَدَ؛ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لِأَنَّ الْقَلَمَ عَنْهُ مَرْفُوعٌ، فَأَجَابَهُ الشَّافِعِيُّ:

بِأَنَّ شَرِيكَ الْأَبِ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ عِنْدَكَ، وَلَيْسَ الْقَلَمُ مَرْفُوعًا عَنِ الْأَبِ، فَأَبْطَلَ عَلَيْهِ تَعْلِيلَهُ بِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ.
قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُلْزَمُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هَذِهِ الْمُنَاقَضَةَ، لِأَنَّهَا نَقِيضُ الْعَكْسِ دُونَ الطَّرْدِ، وَالنَّقِيضُ إِنَّمَا يُلْزَمُ فِي الطَّرْدِ بِأَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ وَلَا حُكْمَ، وَلَا يُلْزَمُ فِي الْعَكْسِ بِأَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ وَلَا عِلَّةَ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِمْ نَقْضَ الْعِلَّةِ بِطَرْدِهَا وَعَكْسِهَا، فَأَلْزَمَهُمُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيلَ إِذَا كَانَ لِعَيْنٍ انْتَقَضَ بِإِيجَادِ الْعِلَّةِ وَلَا حُكْمَ، وَلَا يَنْتَقِضُ بِإِيجَادِ الْحُكْمِ وَلَا عِلَّةَ، وَإِذَا كَانَ التَّعْلِيلُ لِجِنْسٍ انْتَقَضَ بِإِيجَادِ الْعِلَّةِ وَلَا حُكْمَ بِإِيجَادِ الْحُكْمِ وَلَا عِلَّةَ، وَتَعْلِيلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَدْ كَانَ لِلْجِنْسِ دُونَ الْعَيْنِ، فَصَحَّ انْتِقَاضُهُ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ.
وَال

ْفَصْلُ

الثَّانِي: مِنْ كَلَامِ الْمُزَنِيِّ أَنِ اعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الشافعي فقال قد شارك محمد ابن الْحَسَنِ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ رَفَعَ الْقِصَاصَ عَنِ الْخَاطِئِ حَتَّى أَسْقَطَ بِهِ الْقَوَدَ عَنِ الْعَامِدِ، وَرَفَعَ الْقِصَاصَ عَنِ الصَّبِيِّ وَلَمْ يُسْقِطْ بِهِ الْقَوَدَ عَنِ الْبَالِغِ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ وَهْمٌ مِنَ المُزَنِيِّ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي عَمْدِ الصَّبِيِّ هَلْ يَكُونُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَجَعَلَهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ عَمْدًا فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْقَوَدُ عَنِ الْبَالِغِ إِذَا شَارَكَهُ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ فِي الْفَاعِلِ دُونَ الْفِعْلِ، بِخِلَافِ الْخَاطِئِ، وَإِنْ جُعِلَ عَمْدُهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي خَطَأً سَقَطَ بِهِ الْقَوَدُ عَنِ الْبَالِغِ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَتْلِ دُونَ الْفَاعِلِ كَالْخَاطِئِ، فَكَانَ اعْتِرَاضُهُ زَلَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(مسألة)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ الْقَاتِلَ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا قِصَاصَ بِحَالٍ لِلشُّبْهَةِ قَالَ الله تعالى ﴿فقد جعلنا لوليه سلطاناً﴾ يَحْتَمِلُ أَيَّ وَلِيٍّ قَتَلَ كَانَ أَحَقَّ بِالْقَتْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُنْزِلُونَهُ مَنْزِلَةَ الْحَدِّ لَهُمْ عَنْ أَبِيهِمْ إِنْ عَفوا إِلَّا واحدا كان له أن يحده (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لا يجهل عزر وقيل للولاة معه لكم حصصكم والقول من أين يأخذونها واحد من قولين أحدهما أنها لهم من مال القاتل يرجع بها ورثة القاتل في مال قاتله ومن قال هذا فإن عفوا عن القاتل الدية رجع ورثة قاتل المقتول على قاتل صاحبهم بحصة الورثة معه من الدية والقول الثاني في حصصهم أنها لهم في مال أخيهم القاتل قاتل أبيهم لأن الدية إنما كانت تلزمه لو كان لم يقتله ولي فإذا قتله ولي فلا يجتمع عليه

القتل والغرم والقول الثاني أن على من قتل من الأولياء قاتل أبيه القصاص حتى يجتمعوا على القتل (قال المزني) رحمه الله وأصل قوله إن القاتل لو مات كانت الدية في ماله (قال المزني) رحمه الله وليس تعدي أخيه بمبطل حقه ولا بمزيله عمن هو عليه ولا قود للشبهة ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْأَوْلِيَاءُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنْ لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ، فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ فَقَتَلَ الْقَاتِلَ انْقَسَمَتْ حَالُهُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَنْ إِذَنْ أَخِيهِ وَشَرِيكِهِ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ بِقَتْلِهِ مُتَعَدِّيًا، وَقَدِ اسْتَوْفَى الْقَوَدَ فِي حَقِّهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ عَفْوِ أَخِيهِ وَعِلْمِهِ بِعَفْوِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِهَذَا الْقَتْلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ لِسُقُوطِهِ فِي حَقِّهِمَا بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَخِيهِ إِذْنٌ وَلَا عَفْوٌ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِالْقَوَدِ، فَالصَّحِيحُ أَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِنُفُوذِ حُكْمِهِ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْمَنْعِ مِنَ القَوَدِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ لِنُفُوذِ حُكْمِهِ بِرَفْعِ الشُّبْهَةِ فِيهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الحَاكِمِ فِيهِ حُكْمٌ بِتَمْكِينٍ وَلَا مَنْعٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَرِيكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ كَالْأَمَةِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، إِذَا وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لِشُبْهَةِ الشَّرِكَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ نَفْسًا اسْتُحِقَّ بَعْضُهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَادَ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي لَمْ يُسْتَحَقَّ بَعْضُهَا، لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ كَمَا لَا يُقَادُ الْحُرُّ بِمَنْ نِصْفُهُ عَبْدٌ وَنِصْفُهُ حُرٌّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ فِي قَتْلِ بَعْضِ النَّفْسِ كَمَا يَجِبُ فِي قَتْلِ جَمِيعِهَا، لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْقَتْلِ يُقَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ مُتْلِفٌ لِبَعْضِ النَّفْسِ، كَمَا يُقَادُ بِهِ إِذَا

انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ، كَذَلِكَ هَذَا الشَّرِيكُ قَدْ صَارَ قَاتِلًا لِبَعْضِ النَّفْسِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ بَعْضِهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِبَعْضِ النَّفْسِ كَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْقَوَدِ مِنْ بَعْضِ الْجَسَدِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحَقَّ الْقَوَدَ مِنْ بَعْضِ الْجَسَدِ فَقَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، كَذَلِكَ إِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ قَوْلٌ فِيمَا ذَكَرْنَا صِحَّةَ حُكْمِهِ مِنَ الأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِيجَابًا وَإِسْقَاطًا.

(فصل)

فإذا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ تَفَرَّعَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا قبل بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْوَلِيِّ الْقَاتِلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُهَا، وَهُوَ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ دِيَةِ أَبِيهِ إِذَا جَعَلَ الدَّيْنَ الْمُتَمَاثِلَ قَصَاصًا، وَبَقِيَ عَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ، وَبَقِيَ لِأَخِيهِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ، وَفِي انْتِقَالِ حَقِّهِ مِنْ هَذَا النِّصْفِ عَنْ قَاتِلِ أَبِيهِ إِلَى أَخِيهِ الْقَاتِلِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ وَيَرْجِعُ الْأَخُ بِحَقِّهِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ، وَيَرْجِعُ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ عَلَى الْأَخِ الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَقِلْ حَقُّ الْأَخِ الَّذِي لَيْسَ بِقَاتِلٍ إِلَى الْأَخِ الْقَاتِلِ، لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى قَاتِلِ أَبِيهِ فَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى قَاتِلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ أَخِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَبْرَأَ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبَ لِلْأَخِ الْقَاتِلِ بَرِئَ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ أَخُوهُ لَمْ يَبْرَأْ، لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدِيةِ مُسْتَحَقٌّ لِوَرَثَةِ قَاتِلِ أَبِيهِ دُونَ أَخِيهِ، وَلَوْ أَبْرَأَ الْأَخُ ورثة قاتل أبيه برؤا لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى قَاتِلِ أَبِيهِ دُونَ أَخِيهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدِ انْتَقَلَ حَقُّ الْأَخِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ عَنْ قَاتِلِ أَبِيهِ إِلَى أَخِيهِ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْقَتْلِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِمَا مِنْ قَتْلِ أَبِيهِمَا كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُمَا وَدِيعَةٌ فَأَخَذَهَا أَحَدُهُمَا مِنَ المُودِعِ كَانَ قَابِضًا لِحَقِّهِمَا، وَلِلْأَخِ مُطَالَبَتُهُ بِحَقِّهِ مِنْهَا دُونَ الْمُودِعِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ بَرِئَ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْأَبِ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ وَصَارَ مَا عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ لِأَخِيهِ دُونَهُ، فَلَوْ أَبْرَأَهُ أَخُوهُ بَرِئَ وَلَوْ أَبْرَأَهُ وَرَثَةُ قَاتِلِ أَبِيهِ لَمْ يَبْرَأْ، وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ الْقَوَدَ عَلَى وَلِيِّ الْقَاتِلِ وَاجِبٌ فَلِوَرَثَةِ الْقَاتِلِ لِأَبِيهِ الْخِيَارُ، بَيْنَ أَنْ يَقْتَصُّوا أَوْ يَعْفُوا عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ، أَوْ يَعْفُوا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ.
فَإِنِ اقْتَصُّوا فَقَدِ اسْتَوْفَوْا حَقَّهُمْ قَوَدًا، وَعَلَيْهِمْ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِمْ دِيَةُ قَتِيلِهِ يَكُونُ نِصْفُهَا لِوَلِيِّهِ الْبَاقِي، وَنِصْفُهَا لِوَرَثَةِ وَلِيِّهِ الْمَقْتُولِ قَوَدًا، وَإِنْ عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ وَجَبَتْ لَهُمْ دِيَةُ أَبِيهِمْ عَلَى قَاتِلِهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِمْ دِيَةُ مقتولة، فيبرؤوا مِنْ نِصْفِهَا وَهُوَ حَقُّ الْقَاتِلِ، وَيَبْقَى لَهُمْ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي انْتِقَالِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ نِصْفِهَا لِلْوَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِقَاتِلٍ إِلَى مَنْ لَهُمْ عَلَيْهِ نِصْفُهَا وَهُوَ الْوَلِيُّ الْقَاتِلُ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى، لَوْ قِيلَ بِسُقُوطِ الْقَوَدِ حُكْمًا وَتَفْرِيعًا فَإِنْ عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جميعاً سقط

فِي قَتْلِ أَبِيهِمْ وَوَجَبَ فِي تَرِكَتِهِ دِيَةُ قَتِيلِهِ لِوَلِيِّهِ لِيَسْتَوِيَ فِيهَا الْقَاتِلُ وَغَيْرُ الْقَاتِلِ، وَيَجْرِيَ قَتْلُ أَبِيهِمْ بَعْدَ عَفْوِهِمْ مَجْرَى مَوْتِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ سَقَطَ الْقَوَدُ بِمَوْتِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ سَقَطَتْ عَنْهُ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ سَقَطَتْ عَنْهُ دِيَةُ قَتِيلِهِ، وَوَجَبَت لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ بِالْمُرَاضَاةِ عِنْدَ النُّزُولِ عَنِ الْقِصَاصِ الْمُمْكِنِ، وَالْمَوْتُ قَدْ مَنَعَ إِمْكَانَ الْقِصَاصِ فَمَنَعَ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَاسْتِدْلَالًا بَعْدَهُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ بِتَلَفِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ يُوجِبُ سُقُوطَ الدِّيَةِ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْقِصَاصِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ الْقِصَاصُ مِنْ نَفْسِهِ إِلَى الدِّيَةِ عِنْدَ تَلَفِهِ، لَصَارَتْ نَفْسُهُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، وَمَا أَحَدٌ يَضْمَنُ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا غَيْرُهُ.
وَدَلِيلُنَا مَعَ بِنَائِهِ عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ مُرَاضَاةٍ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فمن قتل بعده قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ " وَمَنْ خُيِّرَ بَيْنَ حَقَّيْنِ، إِذَا فَاتَهُ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِي الْآخَرِ، وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ مُسْتَحِقِّهِ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ إِلَى الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ انْتَقَلَ حَقُّ مَنْ لَمْ يَعْفُ إِلَى الدِّيَةِ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ لَمَّا وَجَبَتْ فِي أَخَفِّ الْقَتْلَيْنِ مِنَ الخَطَأِ كَانَ وُجُوبُهَا فِي أَغْلَظِهِمَا مِنَ العَمْدِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مُمَاثَلَةٌ لِجِنْسٍ مُتْلَفٍ، فَوَجَبَ إِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمِثْلِ أَنْ يُسْتَحَقَّ الِانْتِقَالُ إِلَى بَدَلِهِ مِنَ المَالِ، كَمَنِ اسْتَهْلَكَ ذَا مِثْلٍ مِنَ الطَّعَامِ فَأَعْوَزَ انْتَقَلَ إِلَى قِيمَتِهِ.
فَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَوْتِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَلَمْ تَسْقُطِ الدِّيَةُ بِمَوْتِهِ، وَلَكِنْ لِتَعَذُّرِ وَجُودِهَا بِعَدَمِ مِلْكِهِ وَقَفَ اسْتِحْقَاقُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْحُرُّ مُعْسِرًا.
وَقَوْلُهُ: " إِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ " فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَضْمَنَهَا حَيًّا بِبَذْلِ الدِّيَةِ جَازَ أَنْ يَضْمَنَهَا مَيِّتًا بِوُجُوبِ الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ الدِّيَةَ بَدَلًا مِنْ نَفْسِ قَتِيلِهِ لا من نفسه.

(مسألة)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ من م

فصل

الكوع فلم يبرأ حتى قطعها آخَرُ مِنَ المِرْفَقِ ثَمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِمَا الْقَوَدُ يُقْطَعُ قَاطِعُ الْكَفِّ مِنَ الكُوعِ وَيَدِ الْآخَرِ مِنَ المِرْفَقِ ثُمَّ يُقْتَلَانِ لِأَنَّ أَلَمَ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ وَاصِلٌ إِلَى الْجَسَدِ كُلِّهِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا تَوَالَتْ جِنَايَتَانِ فَأَزَالَتِ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا مَحَلَّ الْأُولَى، مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ، ويقطع الثاني بقيتهما مِنَ الكَتِفِ أَوِ الْمِرْفَقِ أَوْ يَقْطَعَ أَحَدُهُمَا أصْبعهُ وَيَقْطَعَ الثَّانِي بَقِيَّةَ كَفِّهِ، أَوْ يَكُونَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْقَدَمِ وَالسَّاقِ، ثُمَّ يَمُوتُ الْمَقْطُوعُ وَدَمُهُ سَائِلٌ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمَا قَاتِلَانِ وَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ وَفِي النَّفْسِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأَوَّلُ قَاطِعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْيَدِ دُونَ النَّفْسِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْيَدِ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ السِّرَايَةَ تَحْدُثُ عَنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا زَالَ مَحَلُّهَا زَالَتْ سِرَايَتُهَا لِانْقِطَاعِ مَادَّتِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ سِرَايَةَ الْأَكَلَةِ تَزُولُ بِقَطْعِ مَحَلِّهَا، فَصَارَ انْقِطَاعُهَا كَالِانْدِمَالِ، وَصَارَ الثَّانِي كَالْمُنْفَرِدِ، أَوِ الْمُوجِئِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَاتِلَ دُونَ الْأَوَّلِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ الْمَوْتَ بِالسِّرَايَةِ حَادِثٌ عَنْ أَلَمِهَا، وَأَلَمُ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ قَدْ سَرَى فِي الْحَالِ إِلَى الْجَسَدِ كُلِّهِ قَبْلَ الْقَطْعِ الثَّانِي، فَانْتَقَلَ مَحَلُّهُ إِلَى الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ الْحَيَاةِ فَإِذَا حَدَثَ الْقَطْعُ الثَّانِي أَحْدَثَ أَلَمًا ثَانِيًا زَادَ عَلَى الْأَلَمِ الْأَوَّلِ، فَصَارَ الْمَوْتُ حَادِثًا عَنْهُمَا لَا عَنِ الثَّانِي مِنْهُمَا، كَمَنْ سَجَّرَ تَنُّورًا بِنَارٍ حَمِيَ بِهَا ثُمَّ أَخْرَجَ سَجَارَهُ وَسَجَرَهُ بِأُخْرَى تَكَامَلَ حِمَاهُ بِهِمَا لَمْ يَكُنْ تَكَامُلُ الْحَمى مَنْسُوبًا إِلَى السَّجَارِ الثَّانِي، وَإِنْ زَالَ السَّجَارُ الْأَوَّلُ، بَلْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَيْهِمَا، كَذَلِكَ تَكَامُلُ الْأَلَمِ فِي الْقَلْبِ لَمْ يَكُنْ بِالْقَطْعِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، بَلْ كَانَ بِالثَّانِي وَالْأَوَّلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَزِيَادَةُ الْأَلَمِ الْأَوَّلِ مُنْقَطِعَةٌ وَزِيَادَةُ الْأَلَمِ الثَّانِي مُسْتَدِيمَةٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ مَنْسُوبًا إِلَى الْأَلَمِ الثَّانِي لِاتِّصَالِ مَادَّتِهِ دُونَ الْأَلَمِ الْأَوَّلِ لِانْقِطَاعِ مَادَّتِهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْأَلَمِ الثَّانِي وَقِلَّةَ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ مَانِعًا مِنْ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقَتْلِ، كَمَا لَوْ جَرَحَاهُ فَكَانَتْ جِرَاحَةُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ أَلَمًا كَانَا سَوَاءً فِي قَتْلِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ انْقِطَاعَ أَسْبَابِ الْأَلَمِ لَا يَمْنَعُ مِنْ مُسَاوَاةِ مَا بَقِيَتْ أَسْبَابُهُ فِي إِضَافَةِ الْقَتْلِ إِلَيْهِمَا، كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ أَحَدُهُمَا بِخَشَبَةٍ وَجَرَحَهُ الْآخَرُ بِسَيْفٍ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي قَتْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَثَرُ الْخَشَبَةِ مُرْتَفِعًا وَأَثَرُ السَّيْفِ بَاقِيًا، وَفِي هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ دَلِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَانْفِصَالٌ عَنِ الِاعْتِرَاضِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَطْعِ الْأَكَلَةِ لِانْقِطَاعِ سِرَايَتِهَا فَالْمَقْصُودُ بِهِ قَطْعُ الزِّيَادَةِ دُونَ الْإِزَالَةِ، وَأَنْ لَا يَسْرِيَ إِلَى مَا جَاوَزَهُ، وَأَمَّا الِانْدِمَالُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الْأَلَمِ، وَالْقَطْعُ لَا يُزِيلُ الْأَلَمَ وَإِنَّمَا يَقْطَعُ زِيَادَتَهُ فافترقا.

وَأَمَّا التَّوْجِئَةُ فَلَا بَقَاءَ لِلنَّفْسِ مَعَهَا، فَارْتَفَعَ بِهَا حُكْمُ السِّرَايَةِ وَنَاظَرَنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَقَدِ اسْتَدْلَلْتُ فِيهَا بِمَا تَقَدَّمَ، فَاعْتَرَضَ عَلَيَّ بِأَنَّ الْأَلَمَ عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَبْقَى مَعَ انْقِطَاعِ مَادَّتِهِ فَأَجَبْتُهُ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَلَمَ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ صَارَ مَحَلًّا لَهُ، فَتَوَالَتْ مِنْهُ مَوَادُّهُ كَمَا يَتَوَالَى مِنْ مَحَلِّ الْقَطْعِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا قَاتِلَانِ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الأَوَّلِ، فَيَقْطَعَ يَدَهُ بِالْجِنَايَةِ وَيَقْتُلَهُ بِالسِّرَايَةِ، فَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْكَفِّ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْطَعَ ذِرَاعَهُ مِنَ المِرْفَقِ بِالْجِنَايَةِ وَيَقْتُلَهُ بِالسِّرَايَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَفُّهُ بَاقِيَةً عَلَى ذِرَاعِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَفِي جَوَازِ قَطْعِ ذِرَاعِهِ قَبْلَ قَتْلِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ هَاهُنَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ إِفَاتَةُ نَفْسِهِ فَلَمْ تُعْتَبَرْ زِيَادَتُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ، لِأَنَّهُ إِيجَابُ قِصَاصٍ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ قِصَاصٌ، وَهَكَذَا كُلُّ جُرْحٍ إِذَا انْفَرَدَ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ إِذَا صَارَتَا نَفْسًا، فَفِي جَوَازِ الْقِصَاصِ مِنْهُ عند إرادة قتله قولان.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا تَشَاحَّ الْوُلَاةُ قِيلَ لَهُمْ لَا يَقْتُلُهُ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْكُمْ فَإِنْ سَلَّمْتُمْ لِوَاحِدٍ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ قَتْلُهُ وَإِنْ تَشَاحَحْتُمْ أَقْرَعْنَا بَيْنَكُمْ فَأَيُّكُمْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ خَلَّيْنَاهُ وَقَتْلَهُ وَيُضْرَبُ بِأَصْرَمِ سَيْفٍ وَأَشَدِّ ضَرْبٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: صِفَةُ الْقِصَاصِ وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَاهُ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي طَرَفٍ اسْتَوْفَاهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسٍ اسْتَوْفَاهُ الْأَوْلِيَاءُ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: فِي مُسْتَحِقِّهِ مِنَ الأَوْلِيَاءِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِأَحْوَالِهِمْ، وَهُمْ ثلاثة أصناف: أحدهما: أَنْ لَا يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْقِصَاصِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْقِصَاصِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِهِ وَبَعْضُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ فَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ كَانُوا إِذَا جَازَ أَمْرُهُمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُوَكِّلُوا مَنْ يَخْتَارُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْقِصَاصِ، وَبَيْنَ أَنْ يُفَوِّضُوهُ إِلَى الْإِمَامِ لِيَسْتَنِيبَ لَهُمْ مَنْ يَخْتَارُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِهِ وَبَعْضُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ خَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَبَقِيَ أَهْلُهُ هُمُ الْمُبَاشِرُونَ لَهُ

وَيَكُونُ التَّنَازُعُ فِيهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ قَالَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ أَنَا أَدْخُلُ فِي التَّنَازُعِ لِأَسْتَنِيبَ مَنْ يُبَاشِرُهُ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلتَّشَفِّي، فَكَانَ مُبَاشَرَةُ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ أَوْلَى مِنْ مُبَاشَرَةِ النَّائِبِ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، وَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي اسْتِيفَائِهِ، لِأَنَّهُ قَتْلُ وَاحِدٍ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ وَتَوَلَّاهُ أَحَدُهُمْ، فَإِنْ فَوَّضُوهُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ أَحَقَّهُمْ بِاسْتِيفَائِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَارُوا أَشَدَّهُمْ وَأَقْوَاهُمْ وَأَدْيَنَهُمْ، فَإِنْ عَدَلُوا عَنْهُ إِلَى أَدْوَنِهِمْ جَازَ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فِيهِ وَتَشَاجَرُوا عَلَيْهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَإِذَا خَرَجَتِ الْقَرْعَةُ لِأَحَدِهِمْ صَارَ أَحَقَّهُمْ بِاسْتِيفَائِهِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بَعْدَ خُرُوجِ قُرْعَتِهِ إِلَّا عَنْ إِذْنٍ مِنْ جَمِيعِهِمْ، لِأَنَّ الْإِقْرَاعَ بَيْنَهُمْ لَا يَكُونُ إِذْنًا مِنْهُمْ فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِهِ مُبَاشَرَةُ الِاسْتِيفَاءِ، وَيَكُونُ الِاسْتِيفَاءُ مَوْقُوفًا عَلَى اتِّفَاقِهِمْ.

(باب القصاص بغير السيف)

(مسألة)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ طَرَحَهُ فِي نَارٍ حَتَّى يَمُوتَ طُرِحَ فِي النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِجَمِيعِ مَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيدٍ وَغَيْرِ حَدِيدٍ، وَذَكَرْنَا خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنْ لَا قِصَاصَ إِلَّا فِي الْقَتْلِ بِالْحَدِيدِ وَالنَّارِ، وَلَا قَوَدَ فِي الْقَتْلِ، بِمُثَقَّلَاتٍ وَغَيْرِهَا إِلَّا بِمُثَقَّلِ الْحَدِيدِ وَحْدَهُ، فَأَمَّا اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَ بِالْحَدِيدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ كَانَ الْوَلِيُّ مُخَيَّرًا فِي اسْتِيفَائِهِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِالْحَدِيدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَتَلَهُ بِمُثَقَّلِ الْحَدِيدِ أَوْ بِالنَّارِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ مِنْهُ إِلَّا بِمُحَدَّدِ الْحَدِيدِ دُونَ مُثَقَّلِهِ، وَدُونَ النَّارِ، اسْتِدْلَالًا بِمَا رَوَاهُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ ". وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا قَوَدَ إِلَّا بِحَدِيدَةٍ ". وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَرَّقَ قَوْمًا بِالنَّارِ ادَّعَوْهُ إِلَهًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْعَبَّاسِ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَقْتُلْهُمْ إِلَّا بِالسَّيْفِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ "، وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَتْلِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِيفَائِهِ بِغَيْرِ السَّيْفِ كَالْمُرْتَدِّ وَكَالْقَاتِلِ بِالسَّيْفِ، وَلِأَنَّ تَفْوِيتَ النُّفُوسِ الْمُبَاحَةِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْمُحَدَّدِ كَالذَّبَائِحِ، مَعَ أَنَّ نُفُوسَ الْآدَمِيِّينَ أَغْلَظُ حُرْمَةً مِنْ نُفُوسِ الْبَهَائِمِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة: 194] ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]

وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ ". وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ شَدَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَتَلَهَا، وَأَخَذَ حُلِيَّهَا، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَشدخَ رَأْسهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ حَتَّى قُتِلَ.
وَلِأَنَّ كُلَّ آلَةٍ قَتَلَ مِثْلُهَا جَازَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ بِمِثْلِهَا كَالسَّيْفِ.
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مَوْضُوعٌ لِلْمُمَاثَلَةِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي النَّفْسِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ تُعْتَبَرَ فِي آلَةِ الْقَتْلِ.
وَلِأَنَّ الْقَتْلَ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى تَارَةً وَلِلْآدَمِيِّينَ تَارَةً، فَلَمَّا تَنَوَّعَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَيْنِ بِالْحَدِيدِ تَارَةً، وَبِالْمُثَقَّلِ فِي رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ نَوْعَيْنِ بِمُثَقَّلٍ وَغَيْرِ مُثَقَّلٍ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَحَدُ الْقَتْلَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ اسْتِيفَاءُ نَوْعَيْنِ كَالْقَتْلِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ ". وَقَوْلُهُ: " إِلَّا بِحَدِيدَةٍ "، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْقَتْلِ إذا كان بسيف أو حديدة، ورواية ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنْ لَا يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ " فَوَارِدٌ فِي غَيْرِ الْقِصَاصِ، لِأَنَّ القصاص مماثلة ليس بعذاب، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِيفَاءُ حَقٍّ، وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى قَتْلِ الْمُرْتَدِّ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الذبائح مع فساده يرجم الزَّانِي الْمُحْصَنُ فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِيهِ، وَأَنَّ مَحَلَّ الذَّبْحِ مُعَيَّنٌ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْآلَةُ مُعَيَّنَةً، وَلَمَّا اعْتُبِرَتِ الْمُمَاثَلَةُ بمحل الجناية اعتبرت بمثل آلتها.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ بِكُلِّ مَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ بِكُلِّ مَا قَتَلَ، إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَنْ يُقْتَلَ بِالسِّحْرِ، أَوْ بِاللِّوَاطِ، أَوْ بِسَقْيِ الْخَمْرِ، فَلَا يُقْتَلُ بِالسِّحْرِ وَإِنْ قَتَلَ وَلَا يُقْتَلُ باللواط وإن لاط به، ولا يقتب بِسَقْيِ الْخَمْرِ وَإِنْ سَقَاهُ، وَيُعْدَلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي قَتْلِ اللِّوَاطِ بِإِيلَاجِ خَشَبَةٍ، وَفِي سَقْيِ الْخَمْرِ بِسَقْيِ الْخَلِّ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَتِ الْمُمَاثَلَةُ لِحَظْرِهَا عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعُدُولِ عَنْهَا مُمَاثَلَةٌ، كَانَ السَّيْفُ أَحَقَّ، فَأَمَّا إِذَا قَتَلَ بِالسُّمِّ الْمَهْرِيِّ احْتَمَلَ الْقِصَاصُ بِمِثْلِهِ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: جَوَازُهُ اعْتِبَارًا بِإِمْكَانِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غُسْلُهُ، كَذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَنْ بَاشَرَ غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ.

(فَصْلٌ)

نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنْ حَرْقِهِ بِالنَّارِ، فَيَكُونُ الْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ حَرْقِهِ بِالنَّارِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، فَلَهُ ذَاكَ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَى وَأَسَلُّ، فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ، فَإِنْ عَدَلَ عَنِ الْعُنُقِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ جَسَدِهِ أَسَاءَ وَعُزِّرَ، وَقَدِ اسْتَوْفَى قِصَاصَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِإِحْرَاقِهِ بِالنَّارِ كَانَ لَهُ، وَرُوعِيَ مَا فَعَلَهُ الْجَانِي مِنْ إِحْرَاقِهِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلْقَى عَلَيْهِ نَارًا، فَيَكُونُ الْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ النَّارَ حَتَّى يَمُوتَ وَبَيْنَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، لِأَنَّهُ أَوْجَى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ، فَلِوَلِيِّهِ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي النَّارِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ النَّارَ، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ عَذَابًا، وَإِذَا أَلْقَاهُ فِي النَّارِ كَانَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي مِثْلِهَا وَمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِيمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَغْلَظُ عَذَابًا، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمِثْلِهِ وَمَا هُوَ أَمْضَى، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ، وَيُخْرَجُ مِنَ النَّارِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُشْوَى جِلْدُهُ، لِيُمْكِنَ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ، وَلَا تَمَاثُلَ بِالْمُحَرَّقِ إِنْ أَكلتهُ النَّارُ لِمَا عَلَيْنَا مِنِ اسْتِيفَاءِ جَسَدِهِ في حقوق الله تعالى.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وإن ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ أعطي وليه حجراً مثله فقتله به، وقال بعض أصحابنا، إن لم يمت من عدد الضرب قتل بالسيف ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا قَتَلَهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ بِمِثْلِهِ، وَكَانَ لِوَلِيِّهِ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ عَدَلَ إِلَى الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ بِالسَّيْفِ، لِأَنَّهُ أَوْجَى، وَإِنْ شَاءَ رَمَاهُ بِحَجَرٍ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي رَمَاهُ مِنْ بَدَنِ الْمَقْتُولِ إِنْ كَانَ فِي الرَّأْسِ رَمَاهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّهْرِ رَمَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَطْنِ رَمَاهُ عَلَى بَطْنِهِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْ مَوْضِعِ الرَّمْيِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ رَمَاهُ بِمِثْلِ مَا رمي فَمَاتَ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوَالِي رَمْيَهُ بِالْحَجَرِ وَيُكَرِّرُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَالَةٍ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهَا، وَلَا تَطُولُ حَيَاتُهُ بَعْدَهَا، فَيُمْسِكُ عَنْهُ كَمَا يُمْسَكُ عَنِ الْمَضْرُوبِ الْعُنُقِ

إِذَا بَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِرَمْيِهِ حَتَّى يَمُوتَ كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَالزَّانِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَعْدِلَ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ إِذَا لَمْ يَمُتْ مِنْ رَمْيه بِمِثْلِ مَا رَمَى، لِأَنَّ السَّيْفَ أَوْجَى، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَدْ ضَرَبَهُ بِعَصًا حَتَّى مَاتَ ضُرِبَ بِمِثْلِهَا وَبِمِثْلِ عَدَدِهَا، فَإِنْ ضَرَبَهُ ذَلِكَ الْعَدَدَ فَلَمْ يَمُتْ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُوَالِي عَلَيْهِ الضَّرْبَ حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يَعْدِلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ إِذَا لَمْ يَمُتْ مِنْ رَمْيه بِمِثْلِ مَا رَمَى، لِأَنَّ السَّيْفَ أَوْجَى، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَدْ ضَرَبَهُ بِعَصًا حَتَّى مَاتَ ضُرِبَ بِمِثْلِهَا وَبِمِثْلِ عَدَدِهَا، فَإِنْ ضَرَبَهُ ذَلِكَ الْعَدَدَ فَلَمْ يَمُتْ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُوَالِي عَلَيْهِ الضَّرْبَ حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يَعْدِلُ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، لَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَلٍ حَتَّى تَرَدَّى فَمَاتَ، أَوْ مِنْ جِدَارٍ أَوْ سَطْحِ دَارٍ وَأَرَادَ الْوَلِيُّ قَتْلَهُ فَعَلَ، وَإِنْ أَرَادَ إِلْقَاءَهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَعَلَ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُلْقَى حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يَعْدِلُ بِهِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ، فَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جِدَارٍ فَتَلَقَّاهُ رَجُلٌ مِنَ الأَرْضِ بِسَيْفِهِ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ رُوعِيَ مَدَى الْعُلُوِّ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ مَنْ أُلْقِيَ مِنْهُ فَالْمُسْتَقْبِلُ لَهُ بِسَيْفِهِ هُوَ الْقَاتِلُ، وَإِنْ كان ذلك المدى بعيد لَا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ مَنْ أُلْقِيَ مِنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُلْقِيَ هُوَ الْقَاتِلُ، لِأَنَّهُ بِإِلْقَائِهِ كَالْمُوجِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَقْبِلَ لَهُ بِالسَّيْفِ هُوَ الْقَاتِلُ، لِمُبَاشَرَةِ التَّوْجِئَةِ.

(مَسْأَلَةٌ)

(قال المزني) : هكذا قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمَحْبُوسِ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى مَاتَ إِنَّهُ يُحْبَسُ فَإِنْ لَمْ يَمُتْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ قُتِلَ بِالسَّيْفِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ حَبْسِهِ إِلَى قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ كَانَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَهُ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ جَازَ أَنْ يَحْبِسَهُ فِي ذَلِكَ الْمَحْبِسِ وَفِي غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اخْتِلَافِ الْمَحَابِسِ زِيَادَةٌ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُهُ إذا حبس من ثلاثة أحوال: أحدها: أَنْ يَمُوتَ كَأَنَّهُ قَدْ حَبَسَ الْمَقْتُولَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَاتَ فِيهَا، فَحُبِسَ هُوَ فَمَاتَ

فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَالْوَاجِبُ إِخْرَاجُهُ لِيُوَارَى وَيُدْفَنَ، وَلَا يُتْرَكُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ فَيَتَغَيَّرُ لَحْمُهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمُوتَ فِي مِثْلِهَا فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي الْمُدَّةِ وَالتَّلَفِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُحْبَسَ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَلَا يَمُوتُ فِيهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَدَامُ حَبْسُهُ حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ حبسته فِي بَيْتٍ مَفْعًى فَنَهَشَتْهُ أَفْعَى فَمَاتَ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ أَفَاعِيهِ تَغِيبُ عَنْهُ وَتَعُودُ إِلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُقِيمَةً فِيهِ نُظِرَ حَالُ الْبَيْتِ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا يَزِيدُ على طول الجبة وَمُنْتَهَى نَفْخِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِتَمَكُّنِهِ مِنَ البُعْدِ عَنْهَا إِذَا قَرَبَتْ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا يَقْصُرُ عَنْ طُولِهَا وَمَدَى نَفْخِهَا رُوعِيَ الْبَيْتُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ كُوًى وَنِقَابٌ تَتَسَرَّبُ فِيهِ الْأَفَاعِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْأَفْعَى أَنْ تَغِيبَ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ مُمْلِسًا لَا كُوَّةَ فِيهِ وَلَا نَقْبَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ دِيَتِهِ، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ كَعَمْدِ الْخَطَأِ إِلَّا إِنْ نَهَشَتْهُ الْأَفْعَى بِيَدِهِ، وَهِيَ مِنَ الأَفَاعِي الْقَاتِلَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يُقَادُ بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُقَادُ بِالسَّيْفِ، لِأَنَّ الْأَفَاعِيَ غَيْرُ مُتَمَاثِلَةٍ وَلَا نَهَشَاتِهَا مُتَسَاوِيَةٌ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَادَ بِإِنْهَاشِ الْأَفْعَى لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَفْعَى مَوْجُودَةً لَمْ يُعْدَلْ إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ فُقِدَتِ الْتُمِسَ مِثْلُهَا، فَإِنْ نَهَشَتْهُ فَمَاتَ فَقَدِ اسْتَوْفَى، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعَادُ عَلَيْهِ نَهَشُهَا حَتَّى يَمُوتَ.
وَالثَّانِي: يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ.
فَأَمَّا إِذَا حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ مَعَ سَبُعٍ حَتَّى افْتَرَسَهُ فَهَذَا قَاتِلٌ، لِأَنَّ ضَرَاوَةَ السَّبُعِ طَبْعٌ لَا تَزُولُ فِي الْأَغْلَبِ، وَفِي الْقَوَدِ مِنْهُ بِإِضْرَارِ السَّبُعِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي نَهْشَةِ الْأَفْعَى لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ فِي الْجِنَايَةِ وَالْقودِ، وَيُمْنَعُ السَّبُعُ مِنْ أَكْلِ لَحْمِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ لِحُرْمَتِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي رحمه الله: " وكذا قال لو غرقه في الماء وكذلك يلقيه في مهواة في البعد أو مثل سدة الأرض وكذا عدد الضرب بالصخرة فإن مات وإلا ضربت عنقه فالقياس على ما مضى في أول الباب أن يمنعه الطعام والشراب حتى يموت كما قال في النار والحجر والخنق بالحبل حتى يموت إذا كان ما صنع به من المتلف الوحي ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ صَحِيحٌ مَوْلَى الْغَرِيقِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَتْلِ الْمُغَرِّقِ بِالسَّيْفِ لِأَنَّهُ أَوْجَى وَبَيْنَ تَغْرِيقِهِ، لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي التَّغْرِيقِ مُمْكِنَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُغَرِّقَهُ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ وَفِي غَيْرِهِ، فَإِنْ غَرَّقَهُ فِي مَاءٍ مِلْحٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُغَرِّقَهُ فِي مَاءِ الْمِلْحِ وَفِي الْعَذْبِ، لِأَنَّ الْعَذْبَ أَسْهَلُ، وَإِنْ غَرَّقَهُ فِي الْعَذْبِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُغَرِّقَهُ فِي الْمِلْحِ، لِأَنَّهُ أَشَقُّ، وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَوْمَ رُبِطَ حَتَّى لَا يَنْجُوَ مِنْهُ ثُمَّ يُخْرَجُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُوَارَى، سَوَاءٌ فُعِلَ ذَلِكَ بِالْغَرِيقِ الْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يُفْعَلْ، فَإِنْ كَانَ في الماء من حيتانه ما يأكل غرقاً، فَإِنْ لَمْ يَأْكُلِ الْحِيتَانُ الْغَرِيقَ الْأَوَّلَ لَمْ يلق المقتص منه إلا في ماء يُؤْمَنُ أَنْ يَأْكُلَهُ حِيتَانُهُ، وَإِنْ أَكَلَتهُ الْحِيتَانُ فَفِي جَوَازِ إِلْقَائِهِ فِيهِ لِتَأْكُلَهُ حِيتَانُهُ وَجْهَانِ إِذَا اقْتَصَرَتِ الْحِيتَانُ عَلَى إِفَاتَةِ نَفْسِهِ دُونَ اسْتِهْلَاكِ جَسَدِهِ، فَإِنِ اسْتَهْلَكَتْهُ لَمْ يَجُزْ لِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي مُوَارَاةِ جَسَدِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ فَعَلَ بِهِ الْوَلِيُّ مَا فَعَلَ بِصَاحِبِهِ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَلِيُّ الْمَقْطُوعِ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ إِذَا سَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ بالخيار بين ثلاثة أحوال: أحدها: أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، لِأَنَّ النَّفْسَ يُقْتَصُّ مِنْ تَلَفِهَا بِالسِّرَايَةِ كَمَا يُقْتَصُّ مِنْ تَلَفِهَا بِالتَّوْجِيَةِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ يَدَيْهِ وَرِجْليه وَيَعْفُوَ عَنِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاقْتِصَاصُ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ السِّرَايَةِ كَانَ مَعَ السِّرَايَةِ أولى، فإن اقتص وعفى عَنِ النَّفْسِ إِلَى الدِّيَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى بِقَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَهَذَا مِنَ المَوَاضِعِ النَّادِرَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ فِيهَا مِنَ النَّفْسِ وَلَا يُمَلَّكَ دِيَتُهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا عفي عَنِ النَّفْسِ بَعْدَ الِاقْتِصَاصِ مِنَ الطَّرَفِ لَزِمَتْهُ دِيَةُ الْأَطْرَافِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْأَطْرَافَ تَبَعٌ لِلنَّفْسِ، فَإِذَا سَقَطَ بِالْعَفْوِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ سَقَطَ فِي الْأَطْرَافِ التَّابِعَةِ لَهَا، لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ فَصَارَ آخذًا لَهَا بِغَيْرِ قِصَاصٍ، فَلَزِمَهُ دِيَتُهَا، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلْأَطْرَافِ مَعَ الْعَفْوِ عَنِ النَّفْسِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا لَمْ يُضْمَنْ مِنَ الأَطْرَافِ إِذَا انْدَمَلَتْ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُضْمَنَ إِذَا سَرَتْ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ يَسْقُطُ بِالِانْدِمَالِ كَمَا يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يُسْتَوْفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا انْفَرَدَ، فَجَازَ مَعَ الْعَفْوِ عَنْ أَحَدِهِمَا أَنْ يُسْتَوْفَى الْآخَرُ مِنْهُمَا كَالطَّرَفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَكَالدَّيْنِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ سَقَطَ فِيهِ الضَّمَانُ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل