كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَإِنْ أَرَادَ بَعْدَ تَعْيِينِهِ بِالْعَقْدِ أَنْ يُبَدِّلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ لِيَرْكَبَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِنِ اسْتُبْدِلَ بِمَنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الثِّقَلِ وَالْحَرَكَةِ أَوْ أَخَفَّ جَازَ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَبْدَلَ بِمَنْ هُوَ أَثْقَلُ.
وَلَوْ أَرَادَ الْجَمَّالُ الْمُكْرِي أَنْ يُبَدِّلَ الْبَعِيرَ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ الرَّاكِبِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَقَّ الرُّكُوبِ لِلرَّاكِبِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ فَصَارَ وَإِنْ تَعَيَّنَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَلَيْسَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: ذِكْرُ مَا يُرَكَبُ فِيهِ مِنْ سَرْجٍ أَوْ قَتَبٍ أَوْ عَلَى زَامِلَةٍ أَوْ فِي مَحْمَلٍ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ عَلَى الْبَهِيمَةِ وَالرَّاكِبِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَرْجٍ أَوْ قَتَبٍ أَوْ زَامِلَةٍ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مُشَاهِدًا وَمَوْصُوفًا فَيَصِيرُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ مَعْلُومًا فَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْهُ وَلَمْ يُوصَفْ صَحَّ إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَى الْجَمَّالِ وَبَطَلَ إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَى الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا عَلَى الْجَمَّالِ فَهُوَ مُسْتَأْجَرٌ مَعَ الْبَعِيرِ فَصَحَّ أَنْ لَا يُوصَفَ كَمَا يَصِحُّ أَنْ لَا يُوصَفَ الْبَعِيرُ وَإِذَا كَانَ مَشْرُوطًا عَلَى الرَّاكِبِ فَهُوَ مَحْمُولٌ بِأُجْرَةٍ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ لَا يُوصَفَ كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ لَا يُوصَفَ كُلُّ مَحْمُولٍ.
وَأَمَّا الْمَحْمَلُ فَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَى الْجَمَّالِ صَحَّ وَإِنْ أَشَارَ إِلَى الْجِنْسِ الْمَعْهُودِ مِنْهَا صَحَّ أَنْ لَا يُشَاهَدَ وَلَا يُوصَفَ وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَى الرَّاكِبِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ.
فَأَمَّا بِالصِّفَةِ فَلَا يَصِيرُ مَعْلُومًا لِاخْتِلَافِهَا مَعَ السَّعَةِ وَالضِّيقِ بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ لِاخْتِلَافِ أَغْرَاضِ النَّاسِ فِيهَا وَتَبَايُنِ مَقَاصِدِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ عُرْفٌ يُقْصَدُ وَلَا صِفَةٌ تُضْبَطُ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِالصِّفَةِ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِيهِ كَمَا يَصِحُّ فِي الْمُشَاهَدَةِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ مَحَامِلِ بَلَدٍ لَا تَخْتَلِفُ كَالْبَغْدَادِيَّةِ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً كَالْخُرَاسَانِيَّةِ لَمْ يَجُزْ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ يَفْسُدُ بِمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ شَرَطَ عَلَى الْمَحْمَلِ ظِلًّا احْتَاجَ فِيهِ إِلَى شَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الظِّلُّ مَعْلُومًا وَالْعِلْمُ بِهِ قَدْ يَكُونُ بِالْمُشَاهَدَةِ تَارَةً وَبِالصِّفَةِ أُخْرَى بِخِلَافِ الْمَحْمَلِ.
وَالثَّانِي: ذِكْرُ ارْتِفَاعِهِ وَانْخِفَاضِهِ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ عَلَى الْبَعِيرِ وَالرَّاكِبِ.
فَأَمَّا الْمَعَالِيقُ فَهِيَ مَا يَتَعَلَّقُ عَلَى الْمَحْمَلِ مِنْ تَوَابِعِهِ وَأَدَوَاتِ رَاكِبِهِ كَالْقِرْبَةِ وَالسَّطْحِيَّةِ وَالزِّنْبِيلِ وَالْقِدْرِ وَكَذَا الْمِضْرَبَةِ وَالْمِخَدَّةِ فَإِنْ شُوهِدَ ذَلِكَ مَعَ الْمَحْمَلِ أَوْ وُصِفَ مَعَ مُشَاهَدَةِ الْمَحْمَلِ صَارَ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَعْلُومًا وَصَحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ أُطْلِقَ ذِكْرُهَا مِنْ غَيْرِ مُشَاهِدَةٍ وَلَا صِفَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِيقُ النَّاسِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ مُخْتَلِفَةً بَطَلَ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْقِيَاسُ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ فِيهَا مُتَعَذَّرٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: جَوَازُهَا لِضِيقِ الْأَمْرِ فِي مُشَاهَدَتِهَا أَوْ صِفَتِهَا وَأَنَّ الْعَمَلَ بِإِطْلَاقِهَا جَائِزٌ وَعُرْفَ النَّاسِ فِيهَا مَقْصُودٌ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا مَا يُكْتَرَى لِلْحَمُولَةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى شَرْطٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ الْمَحْمُولُ مَعْلُومًا وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ جِنْسِ الْمَرْكُوبِ وَصِفَتِهِ بِخِلَافِ الرُّكُوبِ لِأَنَّ أَغْرَاضَ النَّاسِ فِي
رُكُوبِهِمْ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَقْبِحُ رُكُوبَ الْحَمِيرِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْعِرَابِ مِنَ الْإِبِلِ وَلَا يَرْضَى إِلَّا بِرُكُوبِ الْخَيْلِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْبَخَاتِيِّ مِنَ الْإِبِلِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَقْبِحُ ذَلِكَ وَلَا يَرْضَاهُ فَاحْتَاجَ إِلَى ذِكْرِ جِنْسِ الْمَرْكُوبِ.
وَأَمَّا الْحَمُولَةُ فَالْقَصْدُ مِنْهَا إِيصَالُهَا إِلَى الْبَلَدِ الْمَقْصُودِ وَلَيْسَ لَهُ غَرَضٌ يَصِحُّ فِي اخْتِلَافِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ جِنْسِهِ.
وَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ بَعْدَ ذِكْرِ الْبَلَدِ الْمَقْصُودِ أَنْ تَكُونَ الْحَمُولَةُ مَعْلُومَةً فَقَدْ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِوَاحِدٍ مِنْ أَمْرَيْنِ: هُمَا الْمُشَاهَدَةُ أَوِ الصِّفَةُ، فَإِنْ شَاهَدَ الْحَمُولَةَ صَارَتْ مَعْلُومَةً وَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى قَدْرِ وَزْنِهَا كَمَا لَوْ شَاهَدَ الصُّبْرَةَ الْمَبِيعَةَ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ كَيْلِهَا.
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ إِنَّهُ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ حَتَّى تَكُونَ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ عِنْدَهُمَا مَعَ الْمُشَاهَدَةِ مَخْرَجَ مَنْ دَفَعَ الدَّرَاهِمَ جُزَافًا فِي السَّلَمِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ.
كَذَلِكَ هَذَا لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ جَمِيعًا غَيْرُ مُنْبَرِمٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدِ الْحَمُولَةَ وَوُصِفَتْ صَحَّ وَاحْتَاجَتْ فِي الصِّفَةِ إِلَى شَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ الْجِنْسَ مَنْ قُطْنٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ حِنْطَةٍ أَوْ ثِيَابٍ.
وَالثَّانِي: ذِكْرُ الْوَزْنِ وَأَنَّهُ مِائَةُ رِطْلٍ وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا جَازَ أَنْ يُذْكَرَ قَدْرُهُ كَيْلًا كَالْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ الْوَزْنُ فِيهِ أَحْوَطَ وَالْعُرْفُ فِيهِ أَكْثَرَ فَلَوْ كَانَ الْمَحْمُولُ زَادًا فَذُكِرَ وَزَنُهُ وَلَمْ يُذْكَرْ أَجْنَاسُهُ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ كُلِّ جِنْسٍ فَإِنْ ذُكِرَ كُلُّ جِنْسٍ وَقَدْرُهُ مِنْ كَعْكٍ وَدَقِيقٍ وَتَمْرٍ وَسَوِيقٍ جَازَ ثُمَّ إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنِي عَنْ ظُرُوفٍ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الظُّرُوفُ مَعْلُومَةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي وَزْنِ الْمَتَاعِ الْمَحْمُولِ فَيَجُوزَ أَنْ تُجْهَلَ.
وَإِنْ تَمَيَّزَتْ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالْمُشَاهَدَةِ تَارَةً وَبِالصِّفَةِ أُخْرَى فَإِنْ أَطْلَقَهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الْجِنْسَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ ذَكَرَ الْجِنْسَ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ مُخْتَلِفًا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ مُتَّفِقًا مُتَقَارِبًا كَالْغَرَائِزِ الْجَبَلِيَّةِ جَازَ فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ قُطْنٍ فَأَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ مَكَانَهُ حَدِيدًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْحَدِيدَ يَجْتَمِعُ عَلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ فَيَضْغَطُهُ وَالْقُطْنُ يَتَجَافَى عَنْهُ وَهَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لَحَمْلِ حَدِيدٍ فَأَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ مَكَانَهُ قُطْنًا لَمْ يَجُزْ لَأَنَّ الْقُطْنَ لِتَجَافِيهِ تَسْتَقْبِلُهُ الرِّيَاحُ فَيَشُقُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحَدِيدُ لِاجْتِمَاعِهِ وَصِغَرِهِ وَلَكِنْ لَوِ اسْتَأْجَرَ لِحَمْلِ حِنْطَةٍ جَازَ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَهَا مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي تُقَارِبُ الْحِنْطَةَ كَالشَّعِيرِ وَالْعَدَسِ كَمَا جَازَ فِي الرُّكُوبِ أَنْ يُبَدِّلَ الرَّاكِبُ مِثْلَهُ وَعَلَى هَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ لِيَرْكَبَ عَلَى سَرْجٍ فَرَكِبَ عَرِيًّا لَمْ يَجُزْ لَأَنَّ رُكُوبَ الْبَهِيمَةِ عَرِيًّا يَضُرُّ بِهَا وَلَوِ اسْتَأْجَرَ لِيَرْكَبَ عَرِيًّا فَرَكِبَ عَلَى سَرْجٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ حَمُولَةٍ لَمْ يَشْتَرِطْهَا.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا مَا يُكْتَرَى لِلْعَمَلِ فَقَدْ يُكْرَى لِأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعَمَلِ فَإِنْ شَاءَ غَيْرَهَا كَانَ مُلْحَقًا بِأَحَدِهَا فَأَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَمَلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِحَرْثِ الْأَرْضِ فَيُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْبَهِيمَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْحَرْثِ مَعْلُومًا إِمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَوْ بِالذَّكَرِ مِنْ
ثَوْرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ جَامُوسٍ أَوْ بَغْلٍ لِأَنَّ عَمَلَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا مُخْتَلِفٌ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ نَاحِيَةُ الْأَرْضِ الْمَحْرُوثَةِ مَعْلُومَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ مَعْلُومَةً لِأَنَّ النواحي قد تختلف أرضها في الصلابة والرخاوة.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا وَالْعِلْمُ بِهِ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا بِتَقْدِيرِ الْعَمَلِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُدَّةِ كَاشْتِرَاطِهِ حَرْثَ عَشْرَةِ أَجْرِبَةٍ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُدَّةِ وَإِمَّا بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ مَعَ الْجَهْلِ بِقَدْرِ الْعَمَلِ كَاشْتِرَاطِ حَرْثِ شَهْرٍ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِقَدْرِ الْعَمَلِ فَيَصِيرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ مَعْلُومًا.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْعَمَلِ: أَنْ يُسْتَأْجَرَ لِدِيَاسِ الزَّرْعِ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَيَحْتَاجَ إِلَى شَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ جِنْسِ الزَّرْعِ مَنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ لِاخْتِلَافِهِ.
وَالثَّانِي: الْعِلْمُ بِقَدْرِ الْعَمَلِ وَقَدْ يَتَقَدَّرُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: بِمُشَاهَدَةِ الزَّرْعِ وَرُؤْيَتِهِ فَيَصِيرُ الْعَمَلُ مَعْلُومًا وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ جِنْسُ مَا يُدْرَسُ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَدَّرَ الْعَمَلُ بِالْبَاقَاتِ وَالْحُزَمِ فَلَا تَصِحُّ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَدَّرَ بِالزَّمَانِ كَاشْتِرَاطِهِ أَنْ يدوس ردعه شَهْرًا فَيَصِحَّ وَيَصِيرَ الْعَمَلُ بِالزَّمَانِ مَعْلُومًا وَتَحْتَاجُ صحة العقد مع الشرطين الماضين إِلَى شَرْطٍ ثَالِثٍ وَهُوَ ذِكْرُ جِنْسِ مَا يَدُوسُ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ مَعَ ذِكْرِ الْعَدَدِ لِأَنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ مِنَ الْبَهَائِمِ فِي الدِّيَاسِ أَثَرًا يُخَالِفُ غَيْرَهُ مِنَ الْأَجْنَاسِ.
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَمَلِ أَنْ يُسْتَأْجَرَ لِإِدَارَةِ الدَّوَالِيبِ فَتُعْتَبَرُ صِحَّةُ الْإِجَارَةِ فِيهِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْبَهِيمَةُ مَعْلُومَةً إِمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالتَّعْيِينِ وَإِمَّا بِذِكْرِ الْجِنْسِ مِنْ بَقَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ لِأَنَّ عَمَلَ كُلِّ جِنْسٍ يُخَالِفُ غَيْرَهُ، وَالثَّانِي: يَعْتَبِرُ الدُّولَابَ الدَّارَ وَلَا تَقَعُ فِيهِ الصِّفَةُ لِأَنَّهَا لَا تَضْبُطُهُ وَلَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُشَاهِدَةِ لِاخْتِلَافِ الدَّوَالِيبِ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ فِي خِفَّةِ الْخَشَبِ وَثِقَلِهِ وَضِيقِ الْكُوزِ وَسَعَتِهِ وَكَثْرَتِهِ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يُشَاهِدِ الدُّولَابَ لَمْ يَجُزْ وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْعَمَلِ مَعْلُومًا وَالْعِلْمُ بِهِ يَتَقَدَّرُ بِالْمُدَّةِ وَلَا يَتَقَدَّرُ بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ ذَلِكَ بِسَقْيِ عَشْرَةِ أَجْرِبَةٍ فَقَدْ يُرْوَى بِقَلِيلِ الْمَاءِ وَقَدْ لَا يُرْوَى إِلَّا بِكَثِيرِهِ فَلَا يَصِيرُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ مَعْلُومًا فَاحْتِيجَ إِلَى تَقْدِيرِهِ بِالْمُدَّةِ فَيُسْتَأْجَرُ لِسَقْيِ شَهْرٍ فَيَصِيرُ الْعَمَلُ بِالْمُدَّةِ مَعْلُومًا.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَخْرُجُ مِنَ الْمُدَّةِ أَوْقَاتُ الِاسْتِرَاحَةِ وَزَمَانُ الْعُلُوفَةِ فَيُصِيرُ الْعَمَلُ بِذِكْرِ الْمُدَّةِ مَجْهُولًا قِيلَ هَذِهِ أَوْقَاتٌ اسْتَثْنَاهَا الْعُرْفُ وَالشَّرْعُ فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَتَقَدَّرْ شَرْطًا تَقَدَّرَتْ عُرْفًا وَكَانَ تَفَاوُتُ الْعُرْفِ فِيهَا يَسِيرًا يُعْفَى عنه لعدم التحرر مِنْهُ.
وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَمَلِ أَنْ يُسْتَأْجَرَ لِاصْطِيَادِ صَيْدٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: ذِكْرُ جِنْسِ الْجَارِحِ مِنْ فَهْدٍ أَوْ نَمِرٍ أَوْ بَازٍ أَوْ صَقْرٍ وَأَمَّا الْكَلْبُ فعلى وجهين
ذَكَرْنَاهُمَا.
وَلَوْ عَيَّنَ الْجَارِحَ فِي الْعَقْدِ كَانَ أَوْلَى لِاخْتِلَافِهَا فِي الضَّرَاوَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَإِنْ لَمْ يعنيه وَأَطْلَقَ ذِكْرَ الْجِنْسِ بَعْدَ وَصْفِهِ بِالتَّعْلِيمِ صَحَّ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: ذِكْرُ مَا يُرْسَلُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّيْدِ مِنْ غَزَالٍ أَوْ ثَعْلَبٍ أَوْ حِمَارِ وَحْشٍ لِأَنَّ لِكُلِّ صَيْدٍ مِنْ ذَلِكَ أَثَرًا فِي إِتْعَابِ الْجَارِحِ فَإِنْ شَرَطَا جِنْسًا فَأَرْسَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ جَازَ إِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَقْرَبَ وَإِنْ كَانَ أَصْعَبَ صَارَ مُتَعَدِّيًا وَضَمِنَ الْجَارِحَ إِنْ هَلَكَ وَأُجْرَةُ تَعَدِّيهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ وَلَا يَتَقَدَّرُ ذَلِكَ إِلَّا بِالزَّمَانِ كَاشْتِرَاطِهِ اصْطِيَادَ شَهْرٍ فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ بِأَعْدَادِ مَا يَصْطَادُ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ قَدْ يَعِنُّ لَهُ الصَّيْدُ وَلَا يَعِنُّ وَقَدْ يَصِيدُ إِذَا عَنَّ وَقَدْ لَا يَصِيدُ فَهَذَا تَفْصِيلُ مَا تُكْرَى لَهُ الْبَهَائِمُ مِنَ الْمَنَافِعِ الْمَأْلُوفَةِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا آلَةُ الرُّكُوبِ وَالْحَمُولَةِ إِذَا أَطْلَقَ اشْتِرَاطَهَا عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي فَيَنْظُرُ فِيهَا فَمَا كَانَ مِنْهَا لِلتَّمْكِينِ مِنَ الرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ كَالْحَوِيَّةِ وَالْقَتَبِ وَالْأُكَافِ وَالْخِطَامِ فَكُلُّهُ عَلَى الْجَمَّالِ الْمُكْرِي لِأَنَّ الرُّكُوبَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِهِ فَكَانَ مِنْ حُقُوقِ التَّمْكِينِ اللَّازِمَةِ لَهُ وَمَا كَانَ مِنْهَا لِتَوْطِيَةِ الْمَرْكُوبِ كَالْمَحْمَلِ وَالْوِطَاءِ وَالظِّلِّ وَمَا يُعَلَّقُ بِهِ الْمَحْمَلُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ مِنْ بَرْدَعَةٍ زَائِدَةٍ فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الرَّاكِبِ الْمُكْتَرِي.
فَأَمَّا الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بَيْنَ الْمَحْمَلَيْنِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْجَمَّالِ الْمُكْرِي لِأَنَّهُ مِنْ آلَةِ التَّمْكِينِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى الرَّاكِبِ الْمُكْتَرِي لِأَنَّهُ مِنْ آلَةِ الْمَحْمَلِ اللَّازِمِ لَهُ؛ فَأَمَّا الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْمَحْمَلُ عَلَى الْبَعِيرِ فَعَلَى الْجَمَّالِ الْمُكْرِي بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ مِنْ آلَةِ التَّمْكِينِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ أَكْرَاهُ إِلَى مَكَّةَ فَشَرَطَ سَيْرًا مَعْلُومًا فَهُوَ أَصَحُّ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَالَذِي أَحْفَظُهُ أَنَّ السَّيْرَ مَعْلُومٌ عَلَى الْمَرَاحِلِ لِأَنَّهَا الْأَغَلْبُ مِنْ سَيْرِ النَّاسِ كَمَا أَنَّ لَهُ مِنَ الْكِرَاءِ الْأَغْلَبَ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ وَأَيُّهُمَا أَرَادَ الْمُجَاوَزَةَ أَوِ التَّقْصِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ السَّيْرَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِلَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ وَقْتِ اسْتِرَاحَةِ وَوَقْتِ سَيْرٍ فَإِنْ شَرَطَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ قَدْرَ سَيْرِهَا فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ بِفَرَاسِخَ مَعْلُومَةٍ وَفِي وَقْتٍ مِنَ الزَّمَانِ مَعْلُومٍ كَأَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ أَوْ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ آخِرِهِ أَوْ طَرَفَيِ النَّهَارِ صَحَّ الْعَقْدُ وَحُمِلَا عَلَى شَرْطِهِمَا سَوَاءٌ وَافَقَا فِيهِ عُرْفَ النَّاسِ أَوْ خَالَفَاهُ كَمَا لَوْ شَرَطَا فِي الْأُجْرَةِ نَقْدًا سَمَّيَاهُ صَحَّ بِهِ العقد سواء وافقا في الْأَغْلَبُ مِنْ نُقُودِ النَّاسِ أَوْ خَالَفَاهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا سَيْرًا مَعْلُومًا فِي زَمَانٍ مَعْلُومٍ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ سَيْرُ النَّاسِ فِي طَرِيقِهِمْ مَعْلُومًا بِمَنَازِلَ قَدْ تَقَدَّرَتْ لَهُمْ عُرْفًا وَفِي زَمَانٍ قَدْ صَارَ لَهُمْ إِلْفًا كَمَنَازِلِ طَرِيقِ مَكَّةَ فِي وَقْتِنَا وَسَيْرُ الْحَاجِّ فِيهَا فِي أَوْقَاتٍ رَاتِبَةٍ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ مَعَ إِطْلَاقِ السَّيْرِ وَحُمِلَا عَلَى عُرْفِ النَّاسِ فِي سَيْرِهِمْ قَدْرًا وَوَقْتًا وَإِنْ كَانَ سَيْرُ النَّاسِ مُخْتَلِفًا بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ كَمَا أَنَّ إِطْلَاقَ النَّقْدِ فِي الْأُجْرَةِ يُوجِبُ حَمْلَهَا عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ نَقْدُ النَّاسِ مُخْتَلِفًا بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا أَرَادَ أَحَدُ الْمُتَكَارِيَيْنِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَسِيرِ بَيْنَهُمَا فِي قَدْرِهِ وَزَمَانِهِ إِمَّا بِالشَّرْطِ أَوِ الْعُرْفِ أَنْ يُخَالِفَ فِي زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ وَإِنْ تَخَالَفَتْ زَمَانُهُ فِي تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَحُمِلَ مِنْ فَارِقِ الشَّرْطِ أَوِ الْعُرْفِ عَلَى مَا الْتَزَمَاهُ شَرْطًا أَوْ عُرْفًا مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْحَلَةُ خَمْسَ فَرَاسِخَ فَأَرَادَ الْمُكْتَرِي أَنْ يَسْتَزِيدَ لِيُعَجِّلَ الْمَسِيرَ أَوْ أَرَادَ الْمُكْرِي أَنْ يَنْقُصَ لِتَرْفِيهِ الْبَعِيرِ.
أَوْ كَانَ فِي اللَّيْلِ فَأَرَادَ الْمُكْتَرِي أَنْ يَسِيرَ نَهَارًا أَوْ كَانَ فِي النَّهَارِ فأراد المكتري أن يسير ليلا البعير لِأَنَّ سَيْرَ اللَّيْلِ أَرْفَقُ بِالْبَعِيرِ وَأَشَقُّ عَلَى الرَّاكِبِ وَسَيْرَ النَّهَارِ أَرْفَقُ بِالرَّاكِبِ وَأَشَقُّ عَلَى الْبَعِيرِ لَمْ يَجُزْ وَحَمَلَ الْمُخَالِفُ مِنْهُمَا حَقَّهُ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ وَالْعُرْفِ وَهَكَذَا لَوْ طَلَبَ الْجَمَّالُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْقَافِلَةِ فِي مَسِيرِهِ طَلَبًا لِلْكَلَأِ أَوِ السِّعَةِ أَوْ طَلَبَ ذَلِكَ الرَّاكِبُ لَمْ يَجُزْ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا نُزُولُ الرَّاكِبِ لِلرَّوَاحِ لِيَمْشِيَ تَخْفِيفًا عَلَى الْبَعِيرِ فَإِنْ شَرَطَهُ الْجَمَّالُ عَلَى الرَّاكِبِ وَكَانَ مَعْلُومًا صَحَّ وَلَزِمَ وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْهُ الْجَمَّالُ عَلَى الرَّاكِبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ فِي سَفَرِهِمْ ذَلِكَ عُرْفٌ فِي الرَّوَاحِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّاكِبِ وَكَانَ لَهُ اسْتِدَامَةُ الرُّكُوبِ مَا كَانُوا عَلَى السَّيْرِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ عُرْفٌ فِي الرَّوَاحِ كَعُرْفِهِمْ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَى الرَّاكِبِ أَنْ يَمْشِيَ لِلرَّوَاحِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْعَقْدِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا اكْتَرَى لِنَفْسِهِ أَوْ لِعَبْدِهِ عَقَبَةً لِيَمْشِيَ وَقْتًا وَيَرْكَبَ وَقْتًا فَيَمْشِي بِقَدْرِ مَا رَكِبَ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهَا اثْنَانِ فَيَسْتَأْجِرَا بَعِيرًا لِيَتَعَاقَبَاهُ فَهَذَا جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى بَعِيرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ثُمَّ يُحْمَلُ الشَّرِيكَانِ فِي تَعَاقُبِهِمَا عَلَى عُرْفِ النَّاسَ.
وَهُوَ أَنْ يَرْكَبَ أَحَدُهُمَا سِتَّةَ أَمْيَالٍ ثُمَّ يَنْزِلَ فَيَمْشِيَ حَتَّى يَرْكَبَ شَرِيكُهُ مِثْلَهَا فَإِنْ تَنَازَعَا فِي الْأَسْبَقِ مِنْهُمَا بِالرُّكُوبِ جَازَ أَنْ يَقْتَرِعَا لِأَنَّهَا فِي الْقَسْمِ الَّذِي تَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرُ العقبة واحد يَرْكَبُ فِي وَقْتٍ وَيَمْشِي فِي وَقْتٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَعِيرِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَهُ عَقَبَةٌ عَلَى مَا يَعْرِفُ النَّاسُ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي بِقَدْرِ مَا رَكِبَ وَلَا يُتَابِعِ الْمَشْيَ فَيَقْدَحَ وَلَا الرُّكُوبَ فَيَضُرَّ بِبَعِيرِهِ يَعْنِي أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ فِي الْوَقْتِ فِي رُكُوبِهِ وَمَشْيِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَمْيَالِ السِّتَّةِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِمَا وَإِنْ كَانَ الْبَعِيرُ مُعَيَّنًا فَفِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: صَحِيحَةٌ كَالرَّوَاحِ الَّذِي يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ مَعَ تَعَيُّنِ الْبَعِيرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَالَهُ الْمُزَنِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهَا وَقَعَ عَلَى عَيْنِ شَرْطٍ فِيهَا تَأْخِيرُ الْقَبْضِ وَخَالَفَ اشْتِرَاطَ الرَّوَاحِ الَّذِي هُوَ يسير كالاستراحة.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ تَكَارَى إِبِلًا بِأَعْيَانِهَا رَكِبَهَا وَإِنْ ذَكَرَ حَمُولَةً مَضْمُونَةً وَلَمْ تَكُنْ بِأَعْيَانِهَا رَكِبَ مَا يحمله غير مضربه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كِرَاءَ الْإِبِلِ مُعَيَّنٌ وَمَضْمُونٌ فَالْمُعَيَّنُ أَنْ يَكْتَرِيَ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ قَدْ رَآهُ فَيُوقِعَ الْعَقْدَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلرَّاكِبِ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ وَلَا لِلْجَمَّالِ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ فَإِنْ ظَهَرَ بِالْبَعِيرِ عَيْبٌ مِنْ صُعُوبَةِ ظَهْرٍ أَوْ خُشُونَةِ سَيْرٍ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخُ كَمَا يَفْسَخُ بِظُهُورِ الْعَيْبِ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ.
فَإِنْ هَلَكَ الْبَعِيرُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ وَصَارَ كَانْهِدَامِ الدَّارِ وَمَوْتِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى.
وَأَمَّا الْمَضْمُونُ فَهُوَ أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ رَكُوبَةَ بَعِيرٍ لَا يُعَيِّنُهُ أَوْ حَمُولَةً مَضْمُونَةً فِي ذِمَّتِهِ وَيَخْتَارَ أَنْ يَقُولَ فِي الْعَقْدِ بَعِيرًا مِنَ الْإِبِلِ السِّمَانِ الْمَسَانِّ الْمُذَلَّلِ تَأْكِيدًا فَإِنْ أَغْفَلَهُ صَحَّ الْعَقْدُ وعلى الجمال أن يحمله على بعير وطئ الظَّهْرِ سَهْلِ السَّيْرِ فَإِنْ أَرْكَبَهُ بَعِيرًا خَشِنَ الظَّهْرِ صَعْبَ السَّيْرِ فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْجَمَّالِ بِبَدَلِهِ مِمَّا لَا عَيْبَ فِي سَيْرِهِ كَمَا يَسْتَبْدِلُ بِالسَّلَمِ الْمَضْمُونِ إِذَا وَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْبَعِيرُ طَالَبَ بِغَيْرِهِ وَلَوْ أَرَادَ الراكب والبعير وطئ الظَّهْرِ سَهْلُ السَّيْرِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأَوْطَأَ مِنْهُ وَأَسْهَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي السَّلَمِ إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ عَلَى صِفَتِهِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَا هُوَ أَجْوَدُ فَلَوْ أَرَادَ الْجَمَّالُ أَنْ يُبَدِّلَ الْبَعِيرَ الَّذِي قَدِ اسْتَوْطَأَهُ الرَّاكِبُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْإِبِلِ الْوَطِيئَةِ فَإِنِ انْزَعَجَ بِهِ الرَّاكِبُ أَوِ اسْتَضَرَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْزَعِجْ بِهِ جَازَ وَلَمْ يكن للراكب عليه اعتراض.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَعَلَيْهِ أَنْ يُرْكِبَ الْمَرْأَةَ وَيُنْزِلَهَا عَنِ الْبَعِيرِ بَارِكًا لِأَنَّهُ رُكُوبُ النِّسَاءِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَامَ بِالْبَعِيرِ الْمَكْرِي فِي قَوْدِهِ وَتَسْيِيرِهِ وَنُزُولِهِ وَرَحِيلِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْجَمَّالِ الْمُكْرِي دُونَ الرَّاكِبِ الْمُكْتَرِي سَوَاءٌ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ مَضْمُونٍ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ التَّمْكِينِ.
وإن كَانَ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ إِذَا كَانَ الرَّاكِبُ امْرَأَةً أَنْ يُنِيخَ لَهَا الْبَعِيرَ إِذَا أَرَادَتِ الرُّكُوبَ أو النزول لتركب وتنزل والبعير بارك سَوَاءٌ قَدَرَتْ عَلَى الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ مَعَ قِيَامِ الْبَعِيرِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ رُكُوبِ النِّسَاءِ فَحَمَلَتْ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ فِي رُكُوبِهَا وَالْبَعِيرُ قَائِمٌ هَتْكًا وَتَبَرُّجًا فَمُنِعَ مِنْهُ.
فَأَمَّا الرَّجُلُ فَإِنْ كَانَ شَيْخًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ ثَقِيلَ الْبَدَنِ أَوْ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ رُكُوبَ الْبَعِيرِ الْقَائِمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُنِيخَ لَهُ الْبَعِيرَ فِي رُكُوبِهِ وَنُزُولِهِ كَالْمَرْأَةِ.
وَإِنْ كَانَ شَابًّا سَرِيعَ النَّهْضَةِ يُحْسِنُ رُكُوبَ الْبَعِيرِ الْقَائِمِ وَقَفَ لَهُ الْبَعِيرُ حَتَّى يَرْكَبَهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُنِيخَهُ لَهُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالشَّيْخِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْبَعِيرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِرُكُوبِهِ عَلَيْهِ تَعَلَّقَ بِهِ وَرَكِبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَبَّكَ لَهُ الْجَمَّالُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ لِيَرْقَى عَلَيْهَا فَيَتَمَكَّنَ مِنْ رُكُوبِ الْبَعِيرِ عَلَى مَا جَرَى بِهِ العرف والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيُنْزِلَ الرَّجُلَ لِلصَّلَاةِ وَيَنْتَظِرَهُ حَتَّى يُصَلِّيَهَا غَيْرَ معجلٍ لَهُ وَلِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ من الوضوء ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَقْدِرُ الرَّاكِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ عَلَى الْبَعِيرِ فَعَلَى الْجَمَّالِ أَنْ يُنْزِلَهُ لِأَجْلِهِ وَمَا قَدَرَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ يُنْزِلْهُ؛ فَمِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ رَاكِبًا كَحَاجَتِهِ إِلَى الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ لِمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَحْمَلًا وَصَلَاةُ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا رَاكِبًا فَالشَّرْعُ يَمْنَعُ مِنْ أَدَائِهَا إِلَّا نَازَلَا فَإِذَا نَزَلَ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَبَاطَّأَ وَلَا لِلْجَمَّالِ أَنْ يُعَجِّلَهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَمِنْ أَدَاءِ صَلَاتِهِ بِفُرُوضِهَا وَسُنَنِهَا فَإِنْ تَثَاقَلَ فِي الْحَاجَةِ وَتَبَاطَأَ عَنِ الْعَادَةِ مُنِعَ فَإِنْ كَانَ طَبْعًا فِيهِ وَعَادَةً لَهُ كَانَ عَيْبًا وَالْجَمَّالُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الصَّبْرِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ فَسْخِ الْإِجَارَةِ.
هَكَذَا لَوْ كَانَ غَيْرَ الرُّكُوبِ خُيِّرَ الْجَمَّالُ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ إِلَّا أَنْ يَسْتَبْدِلَ الرَّاكِبُ بِنَفْسِهِ مَنْ لَا يَكُونُ عَسُوفًا فَلَا خِيَارَ لِلْجَمَّالِ فَأَمَّا مَا يُمْكِنُ الرَّاكِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ رَاكِبًا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَصَلَاةِ النَّافِلَةِ فَلَيْسَ عَلَى الْجَمَّالِ أَنْ يُنْزِلَهُ لِذَلِكَ وَسَوَاءٌ كَانَتِ النَّافِلَةُ مِنَ السُّنَنِ الْمُوَظَّفَاتِ أَوْ كَانَتْ تَطَوُّعًا لِأَنَّ فِعْلَ الْجَمِيعِ عَلَى البعير جائز.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَارَى بَعِيرًا بِعَيْنِهِ إِلَى أجلٍ معلومٍ إِلَّا عِنْدَ خُرُوجِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ إِجَارَةَ الظَّهْرِ لِلرُّكُوبِ أَوِ الْحَمُولَةِ ضَرْبَانِ مُعَيَّنَةٌ وَمَضْمُونَةٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً عَلَى بَعِيرٍ بِعَيْنِهِ جَازَ أَنْ يَتَقَدَّرَ رُكُوبُهُ بِالْمُدَّةِ فَيَسْتَأْجِرَهُ لِيَرْكَبَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مَكَّةَ فَيَصِيرُ الرُّكُوبُ مَعْلُومًا بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ بِالْمُدَّةِ وَالْمَسَافَةِ وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ فَإِنْ شَرَطَ فِي هَذَا الْعَقْدِ الْمُعَيَّنِ أَجَلًا جُعِلَ مَحَلًّا للقبض والتسليم كَقَوْلِهِ أَجَّرْتُكَ هَذَا الْبَعِيرَ لِتَرْكَبَهُ إِلَى مَكَّةَ عَلَى أَنْ أُسَلِّمَهُ إِلَيْكَ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا سَوَاءٌ قَلَّ الْأَجَلُ أَوْ كَثُرَ وَقَالَ أبو حنيفة يَجُوزُ الْعَقْدُ سَوَاءٌ قَلَّ الْأَجَلُ أَوْ كَثُرَ وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ قَلَّ الْأَجَلُ صَحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ كَثُرَ فَسَدَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ قَبْضَ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَاتِ يَتَأَخَّرُ حُكْمًا فِي الْمَضْمُونِ وَالْمُعَيَّنِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ إِقْبَاضُ الرَّقَبَةِ مُتَأَخِّرًا شَرْطًا فِي الْمَضْمُونِ وَالْمُعَيَّنِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا تَعَيَّنَ بِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ لَمْ يَجُزْ تَأْجِيلُ قَبْضِهِ كَالْبَيْعِ وَلِأَنَّ عُقُودَ الْمَنَافِعِ إِذَا تَعَيَّنَتْ رِقَابُهَا بَطَلَتْ بِتَأْجِيلِ إِقْبَاضِهَا كَالزَّوْجَةِ إِذَا شَرَطَ تَأْجِيلَ تَسْلِيمِهَا وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةِ عَيْنٍ يَتَخَلَّلُ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالتَّسْلِيمِ مَنْفَعَةٌ يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُ الْعَاقِدِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ كَالْعَقْدِ عَلَى امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا حُكْمًا فَجَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ شَرْطًا فَهُوَ أَنَّ قَبْضَ الْمَنَافِعِ مُتَعَجَّلٌ وَإِنَّمَا الِاسْتِيفَاءُ مُتَأَخَّرٌ لِتَعَذُّرِ التَّعْجِيلِ فِيهِ وَلَيْسَ كَالرَّقَبَةِ الَّتِي لَا يَتَعَذَّرُ تَعْجِيلُ قَبْضِهَا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْقَبْضِ بِشَرْطٍ لَا يَصِحُّ فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا ثُمَّ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ كَالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ إِذَا تَأَخَّرَ قَبْضُهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا الْمَضْمُونُ فِي الذِّمَّةِ فَيَجُوزُ تَقْدِيرُ الرُّكُوبِ فِيهِ بِالْمُدَّةِ وَالْمَسَافَةِ كَالْمُعَيَّنِ وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهُ وَتَأْجِيلُهُ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَمْتَنِعْ فِيهِ تأجيل القبض
كَالسَّلَمِ فَإِنْ عُقِدَ حَالًا جَازَ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ فِيهِ حَالَةً وَمُؤَجَّلَةً وَإِنْ عُقِدَ مُؤَجَّلًا كَاسْتِئْجَارِهِ رُكُوبَ بَعِيرٍ فِي ذِمَّتِهِ يَرْكَبُهُ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ وَقْتِهِ لَمْ يَجُزْ تَأْجِيلُ الْأُجْرَةِ فِيهِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا بِدَيْنٍ، وهل يلزم تَعْجِيلُ قَبْضِهَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ كَالسَّلَمِ الْمَضْمُونِ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا يَجُوزُ فِي الْعَقْدِ الْمُعَجَّلِ وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ مَاتَ الْبَعِيرُ رَدَّ الْجَمَّالُ مِنَ الْكِرَاءِ مِمَّا أَخَذَ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ وَإِنْ كَانَتِ الْحَمُولَةُ مَضْمُونَةً كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بإبلٍ غَيْرِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَوْتَ الْبَعِيرِ الْمُكْتَرَى يُوجِبُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ إِنْ كَانَ الْعَقْدُ مُعَيَّنًا وَلَا يُوجِبُ الْفَسْخَ إِنْ كَانَ الْعَقْدُ مَضْمُونًا وَإِذَا انْفَسَخَ فِي الْمُعَيَّنِ كَانَ فِي حُكْمِ الدَّارِ إِذَا انْهَدَمَتْ وَالْعَبْدِ إِذَا مَاتَ.
وَإِذَا لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْمَضْمُونِ طُولِبَ الْجَمَّالُ بِبَدَلِهِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَمُتِ الْبَعِيرُ وَلَكِنْ شَرَدَ الْبَعِيرُ مِنْ رَاكِبِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ نُسِبَ شُرُودُ الْبَعِيرِ إِلَى تَفْرِيطِ الرَّاكِبِ أَوْ تَعَدِّيهِ ضَمِنَهُ وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى تَفْرِيطِهِ أَوْ تَعَدِّيهِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ وُجِدَ الْبَعِيرُ بَعْدَ تَقَضِّي مُدَّةِ الْمَسِيرِ فَإِنْ نُسِبَ إِلَى تَفْرِيطِ الرَّاكِبِ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ بِالْأُجْرَةِ لِأَنَّهَا بِالتَّفْرِيطِ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ كَالرَّقَبَةِ وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى تَفْرِيطِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ فِيهِ مُقَدَّرًا بِالْمُدَّةِ فَإِذَا انْقَضَتْ وَالْبَعِيرُ شَارِدٌ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْبَعِيرُ مُعَيَّنًا أَوْ مَضْمُونًا لِأَنَّ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يَفُوتُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا شَهْرًا فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى انْقَضَى الشَّهْرُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُقَدَّرًا بِالْمَسَافَةِ لَمْ تَبْطُلِ الْإِجَارَةُ لِبَقَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ قَبْضُهُ فَصَارَ كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ فَأَخَّرَهُ لَمْ تَبْطُلِ الْإِجَارَةُ ثُمَّ الرَّاكِبُ بِالْخِيَارِ لِلضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ السَّيْرِ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا غُصِبَ الْبَعِيرُ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ السَّيْرِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَنْسُوبًا إِلَى مَنْعِ الْمُكْرَى مِنْهُ فَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَمَا لَوْ شَرَدَ وَإِنْ كَانَ غَصْبًا مِنْ أَجْنَبِيٍّ حَالَ بَيْنَ الْبَعِيرِ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَرَاكِبِهِ وَصَارَ ضَامِنًا لِرَقَبَتِهِ وَأُجْرَةِ مَنَافِعِهِ فَفِي الْعَقْدِ قَوْلَانِ: بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْمَبِيعِ؛ إِذَا اسْتَهْلَكَهُ أَجْنَبِيٌّ قَبْلَ قَبْضِ مُشْتَرِيهِ.
فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ بَطَلَ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ.
.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ وَبَيْنَ الْمُقَامِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا قَدْ بَطَلَتْ إِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُقَدَّرًا بِالْمُدَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا مَضَى فِي شُرُودِ الْبَعِيرِ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مَعًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَبْطُلُ وَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُقَدَّرًا بِالْمُدَّةِ كان
خِيَارُهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بَيْنَ الْمُقَامِ عَلَى الْإِجَارَةِ وَالرُّجُوعِ عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ عَلَى الْمُكْرِي بِالْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُقَدَّرًا بِالْمَسَافَةِ كَانَ خِيَارُهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: الْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ بِالْمُسَمَّى.
وَالثَّانِي: الْمُقَامُ وَأَخْذُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنَ الْغَاصِبِ وَقَدِ اسْتُوفِيَ.
وَالثَّالِثُ: الْمُقَامُ وَرُكُوبُ الْبَعِيرِ وَيَرْجِعُ الْجَمَّالُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَيُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ اختاره الراكب فهو له.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الرِّحْلَةِ رَحَلَ لَا مَكْبُوبًا وَلَا مُسْتَلْقِيًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ فَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَأْوِيلُهُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّاكِبُ إِلَى تَقْدِيمِ الْمَحْمَلِ إِلَى مُقَدِّمَةِ الْبَعِيرِ لِيَكُونَ أَوْطَأَ لِرُكُوبِهِ وَيَدْعُوَ الْجَمَّالُ إِلَى تَأْخِيرِ الْمَحْمَلِ إِلَى مُؤَخِّرِ الْبَعِيرِ لِيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَى الْبَعِيرِ وَإِنْ شَقَّ عَلَى الرَّاكِبِ فَلَا يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُرَاعَى عُرْفُ النَّاسِ فِيهِ فَيُجْعَلُ الْمَحْمَلُ وَسَطًا لَا يُقَدَّمُ وَلَا يُؤَخَّرُ حَتَّى لَا يَنْكَبَّ وَلَا يَسْتَلْقِيَ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّاكِبُ إِلَى أَنْ يُوَسَّعَ قَيْدُ الْمَحْمَلِ الْمُقَدَّمِ حَتَّى يَنْزِلَ وَيُضَيَّقَ قَيْدُ الْمُؤَخَّرِ حَتَّى يَعْلُوَ لِيَسْتَلْقِيَ الرَّاكِبُ عَلَى ظَهْرِهِ فَلَا يَنْكَبُّ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفَاهِيَتِهِ وَيَدْعُو الْجَمَّالُ إِلَى تَوْسِيعِ الْمُؤَخَّرِ لِيَنْزِلَ وَيُضَيِّقُ الْمُقَدَّمَ لِيَعْلُوَ لِيَنْكَبَّ الرَّاكِبُ عَلَى وَجْهِهِ فَيَكُونَ أَرْفَهَ عَلَى الْبَعِيرِ لِيَصِيرَ الْحِمْلُ عَلَى عَجُزِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُرَاعَى عُرْفُ النَّاسِ فِيهِ فَيُسَوَّى بَيْنَ قَيْدِ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ حَتَّى لَا يَنْكَبَّ وَلَا يَسْتَلْقِيَ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ تَأْوِيلُهُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّاكِبُ إِلَى تَضْيِيقِ قَيْدَيِ الْمَحْمَلِ لِيَعْلُوَ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ وَيَدْعُوَ الْجَمَّالُ إِلَى تَوْسِيعِهِمَا لِيَسْتَلْقِيَ عَلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ فَيُمْنَعَا وَيُشَدَّ وَسَطًا لَا عَالِيًا ولا مستلقياً.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالْقِيَاسُ أَنْ يُبَدِّلَ مَا يَبْقَى مِنَ الزَّادِ وَلَوْ قِيلَ إِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ الزَّادِ يَنْقُصُ فَلَا يُبَدَّلُ كَانَ مَذْهَبًا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) الْأُوَلُ أَقْيَسُهُمَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي مُسَافِرٍ اكْتَرَى مِنْ جَمَّالٍ جَمَلًا لِيَرْكَبَهُ وَيَحْمِلَ مِائَةَ رِطْلٍ مِنْ زَادٍ لِيَأْكُلَهُ فِي سَفَرِهِ فَفَنِيَ بِالْأَكْلِ أَوْ فَنِيَ بَعْضُهُ فَهَلْ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُبَدِّلَ ما فني من الزَّادِ بِمِثْلِهِ أَمْ لَا فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ أَنْ يُبَدِّلَ مَا فَنِيَ مِنْهُ كَمَا يُبَدِّلُ مَا سُرِقَ مِنْهُ وَكَمَا يُبَدِّلُ الْمَتَاعَ لَوْ تَلِفَ بِغَيْرِهِ وَكَمَا يَحْمِلُ بَدَلَ الْمَاءِ الَّذِي يَشْرَبُهُ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ لِأَنَّهُ أَقْيَسُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُبَدِّلُ مَا فَنِيَ مِنْهُ بِالْأَكْلِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِيهِ أَنَّ الزَّادَ إذا فني
بِالْأَكْلِ لَمْ يُبَدَّلْ فَكَانَ الْعُرْفُ فِيهِ أَوْلَى أَنْ يُعْتَبَرَ وَلِأَنَّ أُجْرَةَ الزَّادِ فِي الْعُرْفِ أقل من أجرة المتاع لما أسفرت بِهِ الْعَادَةُ مِنْ إِبْدَالِ الْمَتَاعِ دُونَ الزَّادِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِنْ كَانَتْ أَسْعَارُ الزَّادِ فِي الْمَنَازِلِ مُتَقَارِبَةً فِي الرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ وَكَانَ انْقِطَاعُهُ مَأْمُونًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْدَالُهُ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ فِي حَمْلِ زَادٍ إِلَى مَنْزِلٍ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى مِثْلِهِ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ وَإِنْ كَانَ يَنْتَقِلُ إِلَى مَنَازِلَ تَغْلُو فِيهَا أَثْمَانُ الزَّادِ فَيُبَدِّلُ مَا فَنِيَ مِنْهُ لَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلُ فِيهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ جارٍ بِهِ والقياس دال عليه والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكْتَرِيَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اكْتَرَى جَمَلًا مِنْ جَمَّالٍ لِيَرْكَبَهُ إِلَى مَكَّةَ أَوْ يَرْكَبَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوِ اكْتَرَاهُ لِحَمُولَةٍ فَهَرَبَ الْجَمَّالُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْجَمَلِ الْمُكْتَرَى مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَخْلُفَهُ مَعَ الرَّاكِبِ أَوْ يَهْرُبَ بِهِ مَعَهُ فَإِنْ خَلَفَهُ مَعَ الرَّاكِبِ فَلِلرَّاكِبِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فِي رُكُوبِهِ إِلَى مَكَّةَ وَالْجَمَلُ لَا يَسْتَغْنِي فِي مُدَّةِ الرُّكُوبِ عَنْ خَادِمٍ وَعُلُوفَةٍ.
وَذَلِكَ حَقٌّ لِلرَّاكِبِ عَلَى الْجَمَّالِ فَإِنْ وُجِدَ الرَّاكِبُ حَاكِمًا رَفَعَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْكُمَ فِي مَالِ الْجَمَّالِ إِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا بِأُجْرَةِ خَادِمٍ وَثَمَنِ عُلُوفَةٍ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا اقْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ مِنَ الرَّاكِبِ قَدْرَ مَا يَصْرِفُهُ فِي أُجْرَةِ خَادِمٍ وَثَمَنِ عُلُوفَةٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْجَمَّالِ يَرْجِعُ بِهِ الْمُقْرِضُ عَلَيْهِ مَتَى وَجَدَهُ أَوْ فِي مَالِهِ أَيْنَ وُجِدَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّرَ الْحَاكِمُ أُجْرَةَ الْخَادِمِ وَثَمَنَ الْعُلُوفَةِ لِيُسْقِطَ التَّنَازُعَ فَإِنْ أَنْفَقَ الرَّاكِبُ زِيَادَةً عَلَى تَقْدِيرِ الْحَاكِمِ فَهِيَ تَطَوُّعٌ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْجَمَّالِ وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرِ الْحَاكِمُ أُجْرَةَ الْخَادِمِ وَثَمَنَ الْعُلُوفَةِ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمَنَازِلِ جَازَ تَوَسُّطُ الرَّاكِبِ فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ.
فَإِنِ اخْتَلَفَ الرَّاكِبُ وَالْجَمَّالُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ:
أَحَدُهَا: أَنَّ القول فيه قول الراكب المتفق لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَمَّالِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ فِي عَلَفٍ مِثْلِهَا فَإِذَا وَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ وَافَقَ قَوْلَ الْجَمَّالِ أَوِ الرَّاكِبِ أَوْ خَالَفَهُمَا وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ خَالَفَ قِيَاسَ الْأُصُولِ الْمُوجِبَةِ لِأَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ فَقَدْ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ إِذَا تَفَاحَشَ إِلَى مَا يَكُونُ عَدْلًا بَيْنَ النَّاسِ.
فَأَمَّا إِنْ أَنْفَقَ الرَّاكِبُ بِغَيْرِ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَلَا اسْتِئْذَانِهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاكِمِ كَانَ مُتَطَوِّعًا لَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الْحَاكِمِ أَوْ عَدِمَهُ فَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ بِالرُّجُوعِ لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ أُشْهِدَ أَنَّهُ يُنْفِقُ لِيَرْجِعَ فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَاكِمًا لِنَفْسِهِ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ بِمَالِ غَيْرِهِ وَكَمَا لَا يَرْجِعُ مُسْتَوْدَعُ الدَّابَّةِ عَلَى رَبِّهَا بِثَمَنِ عُلُوفَتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى غَائِبٍ فَجَازَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَنْ يَتَوَصَّلَ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْمُكْنَةِ كَمَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ الْمَمْنُوعِ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ مَالِ من هو عليه جهراً وسراً بحكم غير حُكْمٍ وَخَالَفَ ذَلِكَ حَالَ مُسْتَوْدَعِ الدَّابَّةِ لِتَطَوُّعِهِ بِاسْتِيدَاعِهَا فَصَارَ مُتَطَوِّعًا بِنَفَقَتِهَا فَهَذَا حُكْمُ الْجَمَّالِ إِذَا هَرَبَ وَخَلَفَ الْجَمَلَ مَعَ الرَّاكِبِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ بِالْجَمَلِ مَعَهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْإِجَارَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً أَوْ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَسْتَأْجِرُ عَلَى الْجَمَّالِ جَمَلًا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الرَّاكِبُ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْجَمَّالِ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ قَرْضًا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَلَوْ دَفَعَ الْحَاكِمُ الْمَالَ إِلَى الرَّاكِبِ لِيَكْتَرِيَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَا يَجُوزُ لِبَائِعِ السَّلَمِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى مُشْتَرِيهِ مَالًا يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْحَاكِمُ لِلْجَمَّالِ مَالًا وَلَا مُقْرِضًا نَظَرَ فِي الْإِجَارَةِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ تَنْقَضِي بَطَلَتْ بِالْفَوَاتِ وَكَانَتِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ دَيْنًا عَلَى الْجَمَّالِ يَتْبَعُهُ بِهَا الرَّاكِبُ مَتَى وَجَدَهُ أَوْ وَجَدَ لَهُ مَالًا وَإِنْ كَانَتْ إِلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهِ لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّأْخِيرِ وَكَانَ الرَّاكِبُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَاتِّبَاعِ الْجَمَّالِ بِالْأُجْرَةِ وَبَيْنَ الْمُقَامِ عَلَى الْإِجَارَةِ وَأَخْذِ الْجَمَّالِ بِهَا مَتَى وُجِدَ وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ مُعَيَّنَةً عَلَى بَعِيرٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى الْجَمَّالِ بَعِيرًا غَيْرَهُ لِأَنَّ مَا تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الْبَدَلُ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ فَشَرَدَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ بَدَلَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي الْإِجَارَةِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ مُسَمَّاةٍ بَطَلَتْ بِانْقِضَائِهَا وَكَانَ الْمُسَمَّى مِنَ الْأُجْرَةِ دَيْنًا عَلَى الْجَمَّالِ إِنْ قَبَضَهُ وَإِنْ كَانَتْ إِلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهِ لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّأْخِيرِ وَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ لِاسْتِضْرَارِهِ بِالتَّأْخِيرِ بَيْنَ الْمُقَامِ وَالْفَسْخِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ بَعِيرًا لِيَرْكَبَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَتَاعًا بَدَلًا مِنْ رُكُوبِهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الرَّاكِبَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الْبَعِيرِ فِي مَسِيرِهِ مُتَقَدِّمًا وَمُتَأَخِّرًا فَصَارَ بِذَلِكَ أَسْهَلَ عَلَى الْبَعِيرِ مِنَ الْمَتَاعِ.
وَلَوْ كَانَ قَدِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ مَتَاعٍ فَأَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ بَدَلًا مِنَ الْمَتَاعِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَتَاعَ يَتَفَرَّقُ فِي جَنْبَيِ الْبَعِيرِ فَصَارَ بِذَلِكَ أَسْهَلَ عَلَى الْبَعِيرِ مِنَ الرَّاكِبِ الَّذِي يَرْكَبُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ ظَهْرِهِ.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ وَلَمْ يُسَمِّ رُكُوبًا وَلَا حِمْلًا كَانَتِ الْإِجَارَةُ بَاطِلَةً.
وَهَكَذَا لَوْ ذَكَرَ رُكُوبًا وَلَمْ يُعَيِّنْ رَاكِبَهُ أَوْ ذَكَرَ حِمْلًا وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَهُ أَوْ ذَكَرَ قَدْرَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ جِنْسَهُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ لِلْجَهْلِ بِهَا.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا شَهْرًا اعْتُبِرَ فِي صِحَّةِ إِجَارَتِهَا شَرْطَانِ
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَذْكُرَ النَّاحِيَةَ الَّتِي يَرْكَبُهَا فِيهَا لِأَنَّ الْأَرْضَ تَخْتَلِفُ بِالْحُزُونَةِ وَالسُّهُولَةِ فَإِنْ أَغْفَلَ ذِكْرَ النَّاحِيَةِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ الْمَكَانَ الَّذِي يُسَلِّمُهَا فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْكَبُهَا مُسَافِرًا إِلَى بَلَدٍ تَكُونُ مُسَافَتُهُ شَهْرًا فَيَكُونُ تَسْلِيمُهُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَقَدْ يَرْكَبُهَا ذَاهِبًا وَعَائِدًا مُدَّةَ شَهْرٍ فَيَكُونُ تسليمه
فِي بَلَدِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفًا مَعَ إِطْلَاقِ الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ أَغْفَلَهُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فَلَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا مَسَافَةَ شَهْرٍ إِلَى مَكَّةَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ مَا تَقَدَّرَ الْعَمَلُ فِيهِ لَمْ يَجُزِ اشْتِرَاطُ الْمَدَّةِ فِيهِ وَمَا شُرِطَ فِيهِ الْمُدَّةُ لَمْ يُجْزِ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ التَّعْلِيلِ؛ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُجِيزُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ وَكَانَ أَبُو الْفَيَّاضِ يَقُولُ إِنْ كَانَ الْعَمَلُ مُمْكِنًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ صَحَّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَمْ يَصِحَّ وَالتَّعْلِيلُ الْمَاضِي يُفْسِدُ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إِلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْكَبَهَا إِلَى غَيْرِهِ فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ تَسْلِيمَهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْكَبَ إِلَى غَيْرِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ تَسْلِيمَهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لِاسْتِئْجَارِهِ إِيَّاهَا ذَاهِبًا وَعَائِدًا جَازَ أَنْ يَرْكَبَهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ وَكَانَ طَرِيقُهُ مُسَاوِيًا لِطَرِيقِهِ فِي السُّهُولَةِ وَالْحَزُونَةِ أَوْ أَسْهَلَ مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ إِنْ كَانَ أَبْعَدَ أَوْ أَحْزَنَ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الْيَهُودِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ حُرًّا مُسْلِمًا فَإِنْ كَانَ عَلَى عَمَلٍ مَضْمُونٍ فِي ذِمَّتِهِ جَازَ.
وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَسْتَقِي الْمَاءَ لِامْرَأَةٍ يَهُودِيَّةٍ كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِدْمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَفِي الْإِجَارَةِ قَوْلَانِ؛ كَمَا لَوِ ابْتَاعَ الْيَهُودِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ.
وَالثَّانِي: جَائِزَةٌ.
فَإِنْ نَقَلَهَا الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ نَفْسِهِ إِلَى مُسْلِمٍ وَإِلَّا فَسَخَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا استأجر المسلم أخيراً فَوَجَدَهُ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَبْطُلُ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَهُوَ مَا كَانَ اخْتِلَافُ الدِّينِ مَانِعًا مِنْهُ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَمْنَعُ مِنْهُ حُكْمًا كَالْحَجِّ فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ فِيهِ وَإِنْ حَجَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفَوِّتُ لِعَمَلِ نَفْسِهِ بِمَا كَتَمَهُ مِنْ كُفْرِهِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا مَنَعَ مِنْهُ حَظْرًا مِثْلُ كَتْبِ الْمَصَاحِفِ لِأَنَّ الْكَافِرَ مَمْنُوعٌ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ حَتَّى كَتَبَهُ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ دُونَ الْمُسَمَّى لِأَنَّ الْعَمَلَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ كَمُلَ لِمُسْتَأْجِرِهِ عَنْ عَقْدٍ حُكِمَ بِفَسَادِهِ فَهَذَا قِسْمٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ وَهُوَ أَعْمَالُ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا طَاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَبِنَاءِ دَارٍ أَوْ عِمَارَةِ أَرْضٍ أَوْ رَعْيِ مَاشِيَةٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَعْمَالٌ يَسْتَوِي فِيهَا الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا تَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ وَهُوَ مَا كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ طَاعَةً مَقْصُودَةً كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْرِ الْأَضَاحِي فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ مُعَيَّنَةً فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ فِي الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ لِأَنَّ قِيَامَ الْمُسْلِمِ بِهِ أَعْظَمُ ثَوَابًا وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ قِيلَ لِلْأَجِيرِ إِنِ اسْتَنَبْتَ فِيهَا مُسْلِمًا فَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَإِنْ تَوَلَّيْتَهَا بِنَفْسِكِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ.
فَصْلٌ
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِرَضَاعِ طِفْلٍ جَازَ إِذَا عَرَفَتْ سِنَّهُ مُشَاهَدَةً أَوْ خَبَرًا وَكَانَ زَمَانُ رَضَاعِهِ مَعْلُومًا فَإِنْ لَمْ تُشَاهِدْهُ وَلَا أَخْبَرَتْ بِسِنِّهِ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ شُرْبِهِ بِاخْتِلَافِ سِنِّهِ ثُمَّ عَلَيْهَا
أَنْ تَسْقِيَهُ قَدْرَ رَيِّهِ وَفِي أَوْقَاتِ حَاجَتِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَجْهُولًا فَهِيَ جَهَالَةٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَعُفِيَ عَنْهَا فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا مَعَ الرَّضَاعِ حَضَانَةَ الطِّفْلِ وَخِدْمَتَهُ لَزِمَهَا وَإِنْ أَغْفَلَا ذَلِكَ فَفِي لُزُومِهِ لَهَا وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي الْحَضَانَةِ هَلْ مَقْصُودُهَا الرَّضَاعُ وَالْخِدْمَةُ أَمِ الْخِدْمَةُ وَالرِّضَاعُ تَبَعٌ.
فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْخِدْمَةَ تَبَعٌ لِلرَّضَاعِ فِي الْحَضَانَةِ فَعَلَى هَذَا لَا تُجْبَرُ عَلَى خِدْمَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرِّضَاعَ تَبَعٌ لِلْخِدْمَةِ فَعَلَى هَذَا تُجْبَرُ عَلَى خِدْمَتِهِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُرْضِعَةِ أَنْ تَأْتِيَ إِلَى الطِّفْلِ فَتُرْضِعَهُ بَلْ عَلَى وَلِيِّ الطِّفْلِ إِذَا أَرَادَ إِرْضَاعَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَيْهَا لِيَرْتَضِعَ وَلِوَلِيِّ الطِّفْلِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ أَكْلِ مَا يَضُرُّ بِلَبَنِهَا؛ فَإِنْ كَانَ الطِّفْلُ لَا يَسْتَمْرِئُ لَبَنَهَا لِعِلَّةٍ فِي اللَّبَنِ فَهَذَا عَيْبٌ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ لَمْ يَمْنَعِ الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ فَلَهُ الْفَسْخُ وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ إِجَارَةِ نَفْسِهَا مُرْضِعًا فَإِنْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا وَإِذَا سَقَتِ الْمُرْضِعَةُ الطِّفْلَ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ فَلَهَا الْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا أُجْرَةَ لَهَا.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لَهَا الْأُجْرَةُ.
وَلَوْ مَاتَتِ الْمُرْضِعَةُ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ وَلَوْ مَاتَ الطِّفْلُ فَفِي بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَتْ.
وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ وَيَأْتِي الْمُسْتَأْجِرُ بِبَدَلِهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْخُلْعِ وَإِذَا ضَاعَ حُلِيُّ الطِّفْلِ لَمْ تَضْمَنْهُ إِنْ قِيلَ إِنَّ الْعِوَضَ لِلرَّضَاعِ وَالْخِدْمَةَ تَبَعٌ؛ فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْعِوَضَ أُجْرَةٌ لِلْخِدْمَةِ وَالْحِفْظِ فَهِيَ كَالْأَجِيرِ لَا يَضْمَنُ إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا وَيَضْمَنُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِنْ كَانَ مُشْتَرِكًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
تضمين الأجراء من الإجارة من كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " الْأُجَرَاءُ كُلُّهُمْ سواءٌ وَمَا تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهِمْ فَفِيهِ واحدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا الضَّمَانُ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْأَجْرَ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لا ضمان إلا بالعدوان (قال المزني) هذا أولاهما به لأنه قطع بأن لا ضمان على الحجام يأمره الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه أو يبيطر دابته وقد قال الشافعي إذا ألقوا عن هؤلاء الضمان لزمهم إلقاؤه عن الصناع وقال ما علمت أني سألت واحداً منهم ففرق بينهما منهم وروي عن عطاءٍ أنه قال لا ضمان على صانعٍ ولا أجيرٍ (قال المزني) رحمه الله ولا أعرف أحداً من العلماء ضمن الراعي المتفرد بالأجرة عندي في القياس مثله (قال الشافعي) رحمه الله وإذا استأجر من يخبز له خبزاً معلوماً في تنورٍ أو فرنٍ فاحترق فإن كان خبزه في حالٍ لا يخبز في مثلها لاستعار التنور أو شدة حموه أو تركه تركاً لا يجوز في مثله فهو ضامن وإن كان ما فعل صلاحاً لمثله لم يضمن عند من لا يضمن الأجير ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الْأُجَرَاءِ وَالصُّنَّاعِ ضَرْبَانِ: مُنْفَرِدٌ وَمُشْتَرِكٌ وَحُكْمُهُمَا يَخْتَلِفُ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ إِنَّ الْأُجَرَاءَ كُلَّهُمْ سَوَاءٌ يَعْنِي بِهِ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرِكَ مَعَ اخْتِلَافِ صَنَائِعِهِمْ.
فَأَمَّا الْأَجِيرُ الْمُنْفَرِدُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ عَمَلُهُ فِي يَدِ مُسْتَأْجِرِهِ كَرَجُلٍ دَعَا صَانِعًا إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَصُوغَ لَهُ حُلِيًّا أَوْ يَخِيطَ لَهُ ثُوبًا أَوْ يَخْبِزَ لَهُ خُبْزًا أَوْ يُبَيْطِرَ لَهُ فَرَسًا أَوْ يَخْتِنَ لَهُ عَبْدًا فَيَنْفَرِدُ الْأَجِيرُ بِعَمَلِهِ فِي مَنْزِلِ الْمُسْتَأْجِرِ فَهَذَا أَجِيرٌ مُنْفَرِدٌ سَوَاءٌ حَضَرَ الْمُسْتَأْجِرُ عَمَلَهُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ وَهَكَذَا لَوْ حَمَلَ الْمُسْتَأْجِرُ ثَوْبَهُ إِلَى دُكَّانِ الْأَجِيرِ لِيَخِيطَهُ أَوْ حَمَلَ إلي حُلِيَّهُ لِيَصُوغَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ وَيَدُهُ عَلَى مَالِهِ فَهَذَا أَجِيرٌ مُنْفَرِدٌ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي دُكَّانِهِ عَمَلٌ لِغَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَهَذَانِ النَّوْعَانِ عَلَى سَوَاءٍ فِي حُكْمِ الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ وَأَمَّا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرِكُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ عَمَلُهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ لِمُسْتَأْجِرِهِ مَعَ عَمَلِهِ لِمُسْتَأْجِرٍ آخَرَ كَالْقَصَّابِينَ وَالْخَيَّاطِينَ فِي حَوَانِيتِهِمْ فَأَمَّا الْأَجِيرُ الَّذِي يَكُونُ عَمَلُهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا لِمُسْتَأْجِرٍ وَاحِدٍ لَا يُشْرِكُهُ بِغَيْرِهِ كَصَانِعٍ أَوْ خَيَّاطٍ يَعْمَلُ فِي دُكَّانِهِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَا يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَمُسْتَأْجِرُهُ غَائِبٌ عَنْ عَمَلِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ أَوْ حُكْمَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ فَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمُسْتَأْجِرٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَغْدَادِيِّينَ إِنَّهُ فِي حُكْمِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ.
فصل
: وإذ قد وضح ما ذكرنا من حَالِ الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ وَالْمُشْتَرِكِ فَسَنَذْكُرُ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَّا الْمُنْفَرِدُ إِذَا تَلِفَ الْمَالُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَخْلُو تَلَفِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِجِنَايَتِهِ وَعُدْوَانِهِ أَوْ لَا فَإِنْ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ وَعُدْوَانِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ مَالِكِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ جَنَى عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ هُوَ راكبها أو على ثياب رجل فهو لَابِسُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا كَذَلِكَ هَذَا الْأَجِيرُ وَإِنْ تَلِفَ ذَلِكَ بِغَيْرِ جِنَايَةِ الْأَجِيرِ وَلَا عُدْوَانِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا تَلِفَ فِي يَدِ أَرْبَابِهِ لَمْ يَضْمَنْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ وَلَا عُدْوَانٍ فَإِنِ اخْتَلَفَ رَبُّ الْمَالِ وَالْأَجِيرُ فِي الْعُدْوَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَجِيرِ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَ قَوْلِهِ لِإِنْكَارِهِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا أُجْرَةُ الْأَجِيرِ فَإِنْ كَانَ تَلَفُ ذَلِكَ قَبْلَ عَمَلِهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْإِجَارَةِ فَإِنْ كَانَتْ مَعْقُودَةً عَلَى عَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ بَطَلَتْ بِتَلَفِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً لَمْ تَبْطُلْ وَاسْتَعْمَلَهُ الْمُسْتَأْجِرُ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ تَلَفُ ذَلِكَ بَعْدَ عَمَلِهِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ لِأَنَّ عَمَلَهُ إِذَا كَانَ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَقَدْ حَصَلَ قَبْضُهُ فَلَزِمَهُ الْأُجْرَةُ وَسَوَاءٌ كَانَ التَّلَفُ بِعُدْوَانِ الْأَجِيرِ أَمْ لَا إِلَّا أَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ بَعْدَ الْعَمَلِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ مَعْمُولًا وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْعَمَلِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ.
فَلَوِ اخْتَلَفَ الْأَجِيرُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي الْعَمَلِ فَادَّعَاهُ الْأَجِيرُ وَأَنْكَرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا عَمَلَ فَهَذَا حُكْمُ الْأَجِيرِ الْمُنْفَرِدِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرِكُ فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ بِجِنَايَتِهِ وَعُدْوَانِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّ الْأَمَانَاتِ تُضْمَنُ بِالْجِنَايَاتِ وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ جِنَايَتِهِ وَلَا عُدْوَانِهِ فَفِي وُجُوبِ ضَمَانِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَامِنٌ وَقَبْضُهُ قَبْضُ ضَمَانٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يوسف ومحمد بن الحسن وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَوَجَّهَهُ مَا رَوَى خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو وقال كان علي كرم الله وجهه يضن الْأَجِيرَ وَيَقُولُ هَذَا يُصْلِحُ النَّاسَ وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ كَالْمُسْتَعِيرِ وَلِأَنَّ الْأُجْرَةَ تُرْجَعُ إِلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَالْمُؤَجِّرِ الْمُسْتَحِقِّ لِأُجْرَتِهَا كَذَلِكَ الْأَجِيرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَالِ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ صَائِرَةٌ إِلَيْهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَالْعَارِيَةِ وَفِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَقْتَ التَّلَفِ.
وَالثَّانِي: أَكْثَرَ مَا كَانَ قِيمَتُهُ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَقَبْضُهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ:
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْلِ الْأَجِيرِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ تَلِفَ بِفِعْلِهِ ضَمِنَهُ سَوَاءٌ كَانَ فِعْلُهُ عُدْوَانًا أَمْ لَا فَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا الْأَجِيرُ وَإِنْ عَمِلَ سَوَاءٌ ضَمِنَ أَوْ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ عَمَلَهُ تَلِفَ فِي يَدِ نَفْسِهِ لَا فِي يَدِ مُسْتَأْجِرِهِ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْهُ
هُوَ أَنَّ الْأُصُولَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ ضَمِنَهُ كَالْمُقْتَرِضِ وَالْمُسْتَعِيرُ أَخَذَهُ لِمَنْفَعَةِ مَالِكِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْمُودِعِ وَمَنْ أَخَذَهُ لِمَنْفَعَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ كَالْمُضَارِبِ وَالْمُرْتَهِنِ فَلَا يَضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي كَذَلِكَ الْأَجِيرُ أَخَذَ الْمَالَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ وَمَنْفَعَةِ مَالِكِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ.
وَلِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَمَّا جَعَلَ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ يَدَ أَمَانَةٍ وَجَبَ أن يجعل يد الأجير يد أمانة ولأنه لما كان أحد الأجيرين وهو المنفرد مؤتمناً وجب أن يكون الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكُ مُؤْتَمَنًا.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ اخْتَارَ سُقُوطَ الضَّمَانِ وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ غَيْرَ أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِمَا لَا حُجَّةَ فِيهِ وَسَنُوَضِّحُ مِنْ حُكْمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ حُجَّتِهِ فَأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ الْحَجَّامُ يُحَجِّمُ أَوْ يَخْتِنُ فَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ عَنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا حَدَثَ بِجِنَايَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ جِنَايَةٌ فَإِنْ حَجَّمَ أَوْ خَتَنَ حُرًّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
سَوَاءٌ كَانَ الْحَجَّامُ مُنْفَرِدًا أَوْ مُشْتَرِكًا لِأَنَّ الْحُرَّ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ يَدٌ فَصَارَ الْمُنْفَرِدُ وَالْمُشْتَرِكُ مَعَهُ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ حَجَّمَ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ مَعَ سَيِّدِهِ أَوْ فِي مَنْزِلِ سَيِّدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَجَّامِ لِأَنَّ يَدَ سَيِّدِهِ لَمْ تَزَلْ عَنْهُ فَلَمْ يَضْمَنْ إِلَّا بِالْجِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ سَيِّدِهِ وَلَا مَنْزِلِهِ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ لِأَنَّ الْحَجَّامَ أَجِيرٌ مُشْتَرِكٌ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الرَّاعِي فَإِنْ نُسِبَ إِلَى التَّعَدِّي بِالرَّعْيِ فِي مَكَانٍ مُسَبَّعٍ أَوْ جَدْبٍ أَوْ مَخُوفٍ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى التَّعَدِّي نُظِرَ فَإِنْ رَعَى فِي مِلْكِ الْمَالِكِ فَهُوَ مُنْفَرِدٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ رَعَى فِي غَيْرِ مَالِهِ لَكِنْ كَانَ الْمَالِكُ مَعَهُ فَكَذَلِكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْمَالِكُ وَلَا رَعَى فِي مِلْكِ الْمَالِكِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مَعَ غَنَمِ جَمَاعَةٍ فَهُوَ مُشْتَرِكٌ وَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِوَى غَنَمِهِ فَعَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا هَلْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرِكِ أَوِ الْمُنْفَرِدِ فَمِنْ جَعَلَهُ كَالْمُنْفَرِدِ أَسْقَطَ الضَّمَانَ عَنْهُ وَمِنْ جَعَلَهُ كَالْمُشْتَرِكِ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْبَيْطَارُ فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ عُدْوَانٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأٌ ضَمِنَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ عُدْوَانٌ فَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ مَعَ صَاحِبِهَا أَوْ فِي مَنْزِلِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْبَيْطَارِ فِي جُمْلَةِ غَيْرِهَا فَعَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ مُفْرَدَةً وَحْدَهَا فَعَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْأَجِيرُ لِحِفْظِ الدُّكَّانِ فَيُؤْخَذُ مَا فِيهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى الْمَالِ وَلِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ عَنْهُ لَمْ تَزَلْ.
فَأَمَّا الْحَمَّامِيُّ إِنْ تَلِفَتْ ثِيَابُ النَّاسِ عِنْدَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْعِوَضِ هَلْ هُوَ ثَمَنُ الْمَاءِ أَوْ أُجْرَةُ الْحِفْظِ وَالدُّخُولِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ثَمَنُ الْمَاءِ وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِحِفْظِ الثِّيَابِ وَمُعِيرًا لِلسَّطْلِ فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ الثِّيَابَ إِنْ تَلِفَتْ وَلَهُ غُرْمُ السَّطْلِ إِنْ هَلَكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةُ الدُّخُولِ وَالسَّطْلِ وَحِفْظِ الثِّيَابِ فَعَلَى هَذَا لَا غُرْمَ فِي السَّطْلِ إِنْ هَلَكَ وَيَكُونُ فِي ضَمَانِ الثِّيَابِ كَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ وَهَكَذَا حُكْمُ الثِّيَابِ فِيمَا يَأْخُذُهُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْخَبَّازُ إِذَا اسْتُؤْجِرَ لِخُبْزٍ فِي تَنُّورٍ أَوْ فُرْنٍ فَاحْتَرَقَ فَإِنْ نُسِبَ إِلَى الْعُدْوَانِ فِي عَمَلِهِ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ يَظْهَرُ عُدْوَانُهُ فِيهَا.
أَحَدُهَا: أَنْ يَخْبِزَ فِي شِدَّةِ حُمَّى التَّنُّورِ وَالْتِهَابِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَخْبِزَ فِي حَالِ سُكُونِهِ وَبَرْدِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطَوِّلَ مَكْثَ الْخُبْزِ فِي التَّنُّورِ عَنْ حَدِّهِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ عُدْوَانٌ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ مَعَ الْمَالِكِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْخَبَّازِ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْخَبَّازِ مَعَ غَيْرِهِ فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْخَبَّازِ مُنْفَرِدًا فَعَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فَلَمْ يَكُنْ فِيمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ لِمَا اخْتَارَهُ مِنْ سُقُوطِ الضَّمَانِ.
فَأَمَّا إِنِ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ حَمَّالًا أَوْ مَلَّاحًا لِحَمْلِ مَتَاعٍ فَهَلَكَ فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ تعدٍ بِالْمَسِيرِ فِي مَسْلَكٍ مَخُوفٍ أَوْ زَمَانٍ مَخُوفٍ أَوْ تَقْصِيرٌ فِي آلَةٍ أَوْ أَعْوَانٌ ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تعدٍ وَلَا تَقْصِيرٌ فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ مَعَهُ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَإِنْ حَمَلَ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ فَضَمَانُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنْ حَمَلَهُ مُنْفَرِدًا فَعَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا وَهَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ الْمَلَّاحُ مَلَّاحًا لِمَدِّ السَّفِينَةِ فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ فَإِنْ نُسِبَ إِلَى تعدٍ أَوْ تَفْرِيطٍ ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمَلَّاحُ حَاضِرًا لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَعَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا هَلْ يَكُونُ مُنْفَرِدًا أَوْ مُشْتَرِكًا وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا يَكُونُ جَمِيعُ نَظَائِرِهِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا فَلَا أُجْرَةَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْعُدْوَانِ وَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُوَكَّلًا فِي اقْتِضَاءِ دُيُونٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا قَبَضَهُ مِنْهَا لِأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي استؤجر عليه هو الاقضاء وَحْدَهُ وَالْقَبْضُ مَأْذُونٌ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ إِذَا اقْتَضَى وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُوَكَّلَ فِي بَيْعِ مَتَاعٍ فَيَكُونَ أَجِيرًا فَيِ الْبَيْعِ وَمَأْذُونًا لَهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ فَإِنْ تَلِفَ الثَّمَنُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ تَلِفَ الْمَتَاعُ فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ كَانَ مُشْتَرِكًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوَكَّلَ فِي شِرَاءِ مَتَاعٍ فَيَكُونَ أَجِيرًا فِي الشِّرَاءِ مَأْذُونًا لَهُ فِي قَبْضِ الْمَتَاعِ فَإِنْ تَلِفَ الْمَتَاعُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ تلف الثمن فعلى قولين:
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنِ اكْتَرَى دَابَّةً فَضَرَبَهَا أَوْ كَبَحَهَا بِاللِّجَامِ فَمَاتَتْ فَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُ الْعَامَّةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ فَعَلَ مَا لَا يَفْعَلُ الْعَامَّةُ ضَمِنَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا يَجُوزُ لِمُسْتَأْجِرِ الدَّابَّةِ أَنْ يَضْرِبَهَا عِنْدَ تَقْصِيرِ الْمَسِيرِ ضَرْبَ استطلاح لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ عَادَةِ النَّاسِ وَكَذَلِكَ كَبْحُهَا بِاللِّجَامِ وَرَكْضُهَا بِالرِّجْلِ فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ عُرْفَ النَّاسِ فَيَضْمَنَ وَقَالَ أبو حنيفة: لَيْسَ لِمُسْتَأْجِرِ الدَّابَّةِ أَنْ يَضْرِبَهَا مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِكُ فِي ضَرْبِهَا فَإِنْ ضَرَبَهَا ضَمِنَ وَالدَّلِيلُ عَلَى إباحة
ضَرْبِهَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: اضْرِبُوهَا عَلَى الْعِثَارِ وَلَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّفَارِ يَعْنِي أَنَّهَا فِي الْعِثَارِ سَاهِيَةٌ فَالضَّرْبُ يُوقِظُهَا وَفِي النِّفَارِ تَزْدَادُ بِالضَّرْبِ نُفُورًا فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَطَلَعَ بَعِيرِي فَاشْتَرَاهُ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَحَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَسُوقُهُ وَأَنَا رَاكِبُهُ وَإِنَّهُ لَيَضْرِبُهُ بِالْعَصَا وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ إِذَا كَانَ مَعْهُودًا فَإِذَا لَمْ يُتَوَصَّلْ إِلَى اسْتِيفَاءِ الْمَسِيرِ إِلَّا بِالضَّرْبِ فَذَلِكَ مُبَاحٌ.
فَعَلَى هَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجِيرٍ وإنما هو مستأجر.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَأَمَّا الرُّوَّاضُ فَإِنَّ شَأْنَهُمُ اسْتِصْلَاحُ الدَّوَابِّ وَحَمْلُهَا على السير والحمل عليها بالضرب على أكثر مما يَفْعَلُ الرَّاكِبُ غِيرَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَرَاهُ الرُّوَّاضُ صَلَاحًا بِلَا إعناتٍ بينٍ لَمْ يَضْمَنْ فَإِنْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ متعدٍ وَضَمِنَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَا يَسْتَبِيحُهُ الرَّائِضُ مِنْ ضَرْبِ الدَّابَّةِ فَهُوَ أَكْثَرُ مِمَّا يَسْتَبِيحُهُ الرَّاكِبُ لِأَنَّ الرَّائِضَ يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ ضَرْبٍ فِي تَذْلِيلِ الدَّابَّةِ وَاسْتِصْلَاحِهَا لَا يَحْتَاجُ الرَّاكِبُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ عِنْدَ التَّذْلِيلِ أَنْفَرُ مِنْهَا عِنْدَ الْمَسِيرِ.
فَلَوْ تَجَاوَزَ الرَّاكِبُ ضَرْبَ الرُّكَّابِ إِلَى ضَرْبِ الرَّائِضِ ضَمِنَ لِتَعَدِّيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الرَّائِضُ فِيهِ مُتَعَدِّيًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ تَجَاوَزَ الرَّائِضُ عَادَةَ الرُّوَّاضِ صَارَ مُتَعَدِّيًا وَلَزِمَهُ الضَّمَانُ وَإِنْ لَمْ يَتَجَاوَزْ عَادَةَ الرُّوَّاضِ صَارَ غَيْرَ متعدٍ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الضمان.
فإذا رَاضَهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ رَاضَهَا فِي غَيْرِ يَدِهِ وَلَا مَعَهُ ضَمِنَ فَإِنْ رَاضَهَا مَعَ غَيْرِهِ فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا بِهَا فَعَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فَصَارَ الرَّاكِبُ بِخِلَافِ الرَّائِضِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْرُ الضَّرْبِ الَّذِي يَسْتَبِيحُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي: الضَّمَانُ لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُسْتَأْجِرٌ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إِلَّا بِالْعُدْوَانِ وَالرَّائِضَ أَجِيرٌ وَفِي ضَمَانِهِ إِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا قَوْلَانِ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالرَّاعِي إِذَا فَعَلَ مَا لِلرُّعَاةِ فَعْلُهُ مِمَّا فِيهِ صلاحٌ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ ضَمِنَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا يُفْضِي لِأَحَدِ قَوْلَيْهِ بِطَرْحِ الضَّمَانِ كَمَا وَصَفْتُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الرَّاعِي فِي انْفِرَادِهِ وَاشْتِرَاكِهِ وَأَنَّهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأُجَرَاءِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِالتَّعَدِّي وَسُقُوطِهِ عَنْهُ بِالِانْفِرَادِ وَاخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الِاشْتِرَاكِ وَلَيْسَ تَفْرِيعُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِبْطَالًا لِلْقَوْلِ الْآخَرِ فَيَصِحُّ احْتِجَاجُ الْمُزَنِيِّ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أنه
أَرْجَحُ الْقَوْلَيْنِ فِي نَفْسِهِ وَهَذَا صَحِيحٌ مِنْ مَذْهَبِهِ بَلْ قَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْلَا خَوْفِي مِنْ خِيَانَةِ الْأُجَرَاءِ لَقَطَعْتُ الْقَوْلَ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عنهم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ أَكْرَى حَمْلَ مكيلةٍ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ فَهُوَ الْمَكِيلَةُ جائزٌ وَفِي الزَّائِدِ فاسدٌ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّ لِتَصْوِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَحَمْلِ الْجَوَابِ عَلَيْهَا مُقَدِّمَةً وَهِيَ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ سَوَاءٌ.
فَإِذَا اسْتَأْجَرَ لِحَمْلِ صُبْرَةٍ إِلَى بَلَدٍ مُسَمًّى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالصُّبْرَةُ مُشَاهَدَةٌ وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ مَبْلَغَ كَيْلِهَا جَازَ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَهَا بِمِائَةٍ وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِتَقْسِيطِ الْأُجْرَةِ عَلَى أَجْزَاءِ الصُّبْرَةِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ جُمْلَةَ الْأُجْرَةِ مَعْلُومَةٌ وَلَوْ قَالَ قَدِ اسْتَأْجَرْتُكَ لِحَمْلِهَا كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ وَإِنْ جَهَلَا فِي الْحَالِ مَبْلَغَ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ لِأَنَّ أُجْرَةَ الْأَجْزَاءِ مَعْلُومَةٌ تُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْأُجْرَةِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَهَا كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ وَلَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِحَمْلِ هَذِهِ الصُّبْرَةَ قَفِيزًا مِنْهَا بِدِرْهَمٍ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ جَازَ أَيْضًا (لِأَنَّهُ قَدْ عَقَدَ عَلَى الْجُمْلَةِ) وَذِكْرُ أُجْرَةِ قَفِيزٍ مِنْهَا تَسْعِيرٌ لِجَمِيعِهَا وَتَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ فِيهِمَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ مِثْلَ ذلك في البيع صح وَسَوَاءٌ أَخْرَجَ الزِّيَادَةَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ فَقَالَ عَلَيَّ أَنَّ مَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ أَوْ لَمْ يَقِلْ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهَا.
فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوِ اكْتَرَى حَمْلَ مَكِيلَةٍ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ فَهُوَ فِي الْمَكِيلَةِ جَائِزٌ وَفِي الزِّيَادَةِ فَاسِدٌ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَتِهَا.
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ صُورُتُهَا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِحَمْلِ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ حَاضِرَةٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَبِحَمْلِ مَا حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ طَعَامٍ لَهُ غَائِبٍ بِحِسَابِ ذَلِكَ فَتَصِحَّ الْإِجَارَةُ فِي الْعَشَرَةِ الْأَقْفِزَةِ الْحَاضِرَةِ وَتَبْطُلُ فِي الزِّيَادَةِ الْغَائِبَةِ لِأَنَّهَا قَدْ تَحْضُرُ أَوْ لَا تَحْضُرُ وَقَدْ تَقِلُّ وَتَكْثُرُ وَهَكَذَا فِي الْبَيْعِ أَيْضًا وَلَوْ أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ فَقَالَ عَلَى أَنْ تحمل ما زاد بحاسبه بطلت الإجارة في الحاضر والغائب.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَلْ صُورَتُهَا فِي صُبْرَةٍ حَاضِرَةٍ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ وَيَشُكُّ فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا فَيَسْتَأْجِرُهُ لِحَمْلِ الْعَشَرَةِ الأقفزة المعلومة بعشرة دارهم وَالزِّيَادَةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا بِحِسَابِ ذَلِكَ فَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ فِي الْعَشْرِ لِلْعِلْمِ بِهَا وَتَبْطُلُ فِي الزِّيَادَةِ لِلشَّكِّ فِيهَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَقَعَ الشَّكُّ فِي وُجُودِهِ فَبَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ طَعَامٌ يَشُكُّ فِي بَقَائِهِ أَوْ أَكْلِ عِيَالِهِ لَهُ فَاسْتَأْجَرَ لِحَمْلِهِ كَانَ فَاسِدًا فَعَلَى هَذَا لَوْ جَعَلَ الْإِجَارَةَ فِي الزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا شَرَطًا فِي الْعَشَرَةِ الْمَعْلُومَةِ فَقَالَ عَلَى أَنَّ مَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فِي الْجَمِيعِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَلْ صُورَتُهَا فِي صُبْرَةٍ
حَاضِرَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى عَشْرَةِ أَقْفِزَةٍ.
فَيَسْتَأْجِرُ لِعَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ مِنْهَا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ فِي الزِّيَادَةِ وَإِنْ صحت في العشر لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَمْ تُعْقَدْ عَلَى جَمِيعِ الصُّبْرَةِ وَإِنَّمَا عُقِدَتْ عَلَى عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ مِنْهَا وَأُضِيفَ إِلَى الْعَقْدِ زِيَادَةٌ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِيهَا.
وَلَوْ جَعَلَ الزِّيَادَةَ شَرَطًا فِي الْعَقْدِ فَقَالَ عَلَى أَنَّ مَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فِي الْجَمِيعِ وَلَهُ إِنْ حَمَلَ شَيْئًا أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ أَشْبَهُ الطُّرُقِ بِلَفْظِ الشَّافِعِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " ولو حمل له مَكِيلَةً فَوُجِدَتْ زَائِدَةً فَلَهُ أَجْرُ مَا حَمَلَ من الزيادة وإن كان الجمال هُوَ الْكَيَّالَ فَلَا كِرَاءَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ وَلِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ الزِّيَادَةِ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ يَضْمَنُ قَمْحَهُ بِبَلَدِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اكْتَرَى مِنْ جَمَّالٍ حِمْلَ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ مِنْ صُبْرَةِ طَعَامٍ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ بِدِينَارٍ فَحَمَلَهَا وَوَجَدَ قَدْرَهَا بِخِلَافِ مَا شَرَطَ فَفِي الْمَسْأَلَة
ِ فَصْلَ
انِ:
أَحَدُهُمَا: ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ ذَلِكَ زَائِدًا.
وَالثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ ذَلِكَ نَاقِصًا.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ الطَّعَامُ زَائِدًا عَلَى الْعَشَرَةِ فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً قَدْ تَكُونُ بَيْنَ الْمَكَايِيلِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا وَيَأْخُذُهَا رَبُّ الطَّعَامِ وَلَا أُجْرَةَ لِلْجَمَّالِ فِيهَا وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً لَا تَكُونُ بَيْنَ الْمَكَايِيلِ مِثْلَ أَنْ تُكَالَ الْعَشَرَةُ فَوُجِدَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ قَفِيزًا فَيُنْظَرُ فِي مِكْيَالِ مِثْلِهَا بِالْبَصْرَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ رَبَّ الطَّعَامِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجَمَّالَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَجْنَبِيًّا فَإِنْ كَانَ الْكَيَّالُ رَبَّ الطَّعَامِ أَخَذَ طَعَامَهُ وَلَزِمَهُ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ فِي الْعَشَرَةِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنْ تَلِفَ الْبَعِيرُ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَمَّالِ أَوْ مَعَ رَبِّ الطَّعَامِ أَوْ مَعَ أَجْنَبِيٍّ فَإِنْ كَانَ مَعَ رَبِّ الطَّعَامِ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَمَّالِ فَقَدْ تَفَرَّدَ بِضَمَانِ الْجِنَايَةِ وَحْدَهَا فَلَمْ يَلْزَمْ جَمِيعُ الْقِيمَةِ لِحُدُوثِ التَّلَفِ مِنْ مُبَاحٍ وَمَحْظُورٍ وَفِي قَدْرِ مَا يَلْزَمُهُ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قوليه في الجلاد.
ناب عن الجمال فهو كان لو كما بِيَدِ الْجَمَّالِ وَإِنْ نَابَ عَنْ رَبِّ الطَّعَامِ فهو كما لَوْ كَانَ بِيَدِ رَبِّ الطَّعَامِ.
فَصْلٌ
: وَإِنْ كَانَ الْكَيَّالُ هُوَ الْجَمَّالَ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ وَيَأْخُذُ الْمُسَمَّى فِي الْعَشَرَةِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِقَدْرِ الْبَعِيرِ إِنْ تَلِفَ سَوَاءٌ كَانَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ رَبِّ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ الْجَانِي عَلَى مَالِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْخَمْسَةِ الزائدة فلربها والجمال فيها أربعة أَحْوَالٍ:
حَالٌ يَتَّفِقَانِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ رَبُّهَا بالكوفة فَيَجُوزُ وَحَالٌ يَتَّفِقَانِ عَلَى تَضْمِينِ الْجَمَّالِ لَهَا لِيَرُدَّ مِثْلَهَا بِالْبَصْرَةِ فَيَجُوزُ وَحَالٌ يَتَّفِقَانِ عَلَى ردها بعينها إلى الْبَصْرَةِ فَيَجُوزُ وَحَالٌ يَخْتَلِفَانِ فَيَدْعُو رَبُّهَا إِلَى رَدِّهَا بِعَيْنِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ وَيَدْعُو الْجَمَّالُ إِلَى تَضْمِينِهَا لَهُ لِيَرُدَّ مِثْلَهَا بِالْبَصْرَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الطَّعَامِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمَّالُ بِرَدِّهَا إِلَى الْبَصْرَةِ بِعَيْنِهَا كَالْغَاصِبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَمَّالِ وَيَأْخُذُ الزِّيَادَةَ مَضْمُونَةً لِيَرُدَّ مِثْلَهَا بِالْبَصْرَةِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الطَّعَامِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْكُوفَةِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمَّا اتَّصَلَتْ فَارَقَتْ حُكْمَ الْغَصْبِ وَصَارَتْ كَالْغَرْسِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَحْمُولُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ دَقِيقٍ أَوْ سَوِيقٍ لَزِمَ الْجَمَّالَ رَدُّ الزِّيَادَةِ بِعَيْنِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا فَلَوْ هَلَكَ الطَّعَامُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى رَبِّهِ ضَمِنَ الْجَمَّالُ الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِهَا دُونَ الْعَشَرَةِ الَّتِي لَا عُدْوَانَ فِيهَا.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا صَارَ ضَامِنًا لِجَمِيعِ ذَلِكَ لِاخْتِلَاطِ مَا تَعَدَّى فِيهِ بِغَيْرِهِ كَمَنْ تَعَدَّى فِي دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمَ عِنْدَهُ وَدَفَعَهُ ثُمَّ رَدَّ الدِّرْهَمَ منها واختلط بها صار ضامناً لجميعها قبل الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمَّا تَعَيَّنَ بِالتَّعَدِّي جَازَ إِذَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ أَنْ يَصِيرَ ضَامِنًا لِغَيْرِهِ لَا لِجَمِيعِهِ وَالزِّيَادَةُ الَّتِي تَعَدَّى فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ مُشَاعَةٌ فِيمَا لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ فَلَمْ يَضْمَنْ إِلَّا السَّهْمَ الشَّائِعَ بِالتَّعَدِّي.
فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الزِّيَادَةِ فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رَبِّ الطَّعَامِ وَالْجَمَّالِ فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ مَنْ يَدُهُ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ رَبِّ الطَّعَامِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْجَمَّالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَصِيرُ ضَامِنًا لِجَمِيعِ الطَّعَامِ إِنْ هَلَكَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى رَبِّهِ.
لِأَنَّهُ بِادِّعَاءِ الزِّيَادَةِ قَدْ صَارَ مُقِرًّا بِالتَّعَدِّي فِي خَلْطِهِمَا فَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفَ مُسْتَأْجِرُ الدَّارِ وَمَالِكُهَا فِي قُمَاشِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْأَبْوَابِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْقُمَاشِ وَيَدَ الْمَالِكِ عَلَى الْأَبْوَابِ.
فَصْلٌ
: وَإِنْ كَانَ الْكَيَّالُ أَجْنَبِيًّا فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ كَيْلِ الطَّعَامِ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَسَارَ مَعَهُ فَيَضْمَنُ الْجَمَّالُ مَا كَانَ يَضْمَنُهُ رَبُّ الطَّعَامِ لَوْ كَانَ هُوَ الْكَيَّالَ وَأُجْرَةَ مِثْلِ الزِّيَادَةِ وَقِيمَةَ الْبَعِيرِ إِنْ هَلَكَ.
وَيَضْمَنُ لِرَبِّ الطَّعَامِ مَا كَانَ يَضْمَنُهُ الْجَمَّالُ لَوْ كَانَ هُوَ الْكَيَّالَ مِنْ عِوَضِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ وَتَخْيِيرُهُ بَيْنَ قَبْضِهَا مِنْهُ أَوْ تَضْمِينِهِ إِيَّاهَا أَخْذُ مِثْلِهَا مِنْهُ فَإِنْ أَرَادَ رَدَّ عَيْنِهَا كَانَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ كَيْلِ الطَّعَامِ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَلَمْ يَسِرْ مَعَهُ فَيَضْمَنُ لِرَبِّ الطَّعَامِ مَا كَانَ يَضْمَنُهُ لَوْ سَارَ مَعَهُ وَيَضْمَنُ لِلْجَمَّالِ أُجْرَةَ الزِّيَادَةِ وَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ مِنْ قِيمَةِ الْبَعِيرِ إِنْ تَلِفَ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكِيلَ الطَّعَامَ وَلَا يَحْمِلَهُ وَلَا يَسِيرَ مَعَهُ فَلَا يَضْمَنُ لِلْجَمَّالِ شَيْئًا لَا مِنْ أُجْرَةِ الزِّيَادَةِ وَلَا مِنْ قِيمَةِ الْبَعِيرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِي الْجَمَلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانٌ.
وَأَمَّا ضَمَانُ الطَّعَامِ لِرَبِّهِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ كَيْلِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حِرْزِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِرَبِّ الطَّعَامِ أَيْضًا لِأَنَّ يَدَ مَالِكِهِ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ بِفِعْلِهِ وَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ ضَمِنَهُ بِالْغُرْمِ إِنْ تَلِفَ وَلَمْ يَضْمَنْهُ بِالرَّدِّ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي حَمَلَ مِنْهُ لِأَنَّ غَيْرَهُ حَمَلَهُ فَهَذَا حُكْمُ الزِّيَادَةِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا قَدْ يَكُونُ مِثْلَهُ بَيْنَ الْمَكَايِيلِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ وَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ نَاقِصًا وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِغُرْمِ النَّقْصِ وَلَا بِأُجْرَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ كَثِيرًا مِثْلَ أَنْ يُوجَدَ الْعَشَرَةُ الْأَقْفِزَةُ سَبْعَةً فَلَا يَخْلُو حَالُ رَبِّهِ وَالْجَمَّالِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ نُقْصَانٌ لَمْ يُحْمَلْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ نُقْصَانٌ قَدْ هَلَكَ بَعْدَ أَنْ حُمِلَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَدَّعِيَ رَبُّهُ أَنَّهُ نُقْصَانٌ لَمْ يُحْمَلْ وَيَدَّعِيَ الْجَمَّالُ أَنَّهُ نُقْصَانٌ قَدْ هَلَكَ بَعْدَ أَنْ حُمِلَ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَدَّعِيَ رَبُّهُ أَنَّهُ نُقْصَانٌ قَدْ هَلَكَ بَعْدَ أَنْ حُمِلَ وَيَدَّعِيَ الْجَمَّالُ أَنَّهُ نُقْصَانٌ لَمْ يُحْمَلْ.
فَأَمَّا الْقَسَمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ نُقْصَانٌ لَمْ يُحْمَلْ لَهُ فَيُنْظَرُ فِي الْكَيَّالِ فَإِنْ كَانَ هُوَ الجمال أو أجنبي فَأُجْرَةُ النُّقْصَانِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْجَمَّالِ وَرَبُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ فَتَنْفَسِخَ الْإِجَارَةُ فِي النقصان وبين أن يأخذه يحملها فَتَكُونَ الْإِجَارَةُ بَاقِيَةٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْكَيَّالُ هُوَ رَبَّ الطَّعَامِ نُظِرَ فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ مُسَامَحَةَ الْجَمَّالِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْجَمَّالِ بِحَمْلِ النُّقْصَانِ وَلَا بِأُجْرَتِهِ.
وَإِنْ قَالَ سَهَوْتُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا شَاءَ مِنْ حَمْلِ النُّقْصَانِ أَوْ أُجْرَتِهِ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فَادَّعَى الْجَمَّالُ أَنَّ رَبَّ الطَّعَامِ قَصَدَ بِالنُّقْصَانِ الْمُسَامَحَةَ وَادَّعَى رَبُّ الطَّعَامِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا فَالْقَوْلُ فِيهِ قول رب الطعام مع يمينه لأنه قَصْدَهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقَسَمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ نُقْصَانٌ قَدْ هَلَكَ بَعْدَ أَنْ حُمِلَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَهْلَكَ ذَلِكَ بِتَعَدِّي الْجَمَّالِ أَوْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ فَإِنْ هَلَكَ بِتَعَدِّي الْجَمَّالِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ.
وَلَهُ الْأُجْرَةُ إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا هَلَكَ إِنْ كَانَ مُشْتَرِكًا وَإِنْ هَلَكَ بِغَيْرِ تَعَدِّيهِ نُظِرَ فِي الطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ مَعَ رَبِّهِ أَوْ مَعَهُ وَمَعَ الْجَمَّالِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْجَمَّالِ ولا الْأُجْرَةُ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَمَّالِ وَحْدَهُ فَهُوَ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرِكُ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي النُّقْصَانِ وَهَلْ لَهُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَلَيْسَ لِرَبِّ الطَّعَامِ أَنْ يُكَلِّفَهُ حَمْلُ النُّقْصَانِ لِأَنَّهُ قَدْ حَمَلَهُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ رَبُّهُ أَنَّهُ نُقْصَانٌ لَمْ يُحْمَلْ وَيَدَّعِيَ الْجَمَّالُ أَنَّهُ
نُقْصَانٌ قَدْ هَلَكَ بَعْدَ أَنْ حُمِلَ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ رَبِّهِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْجَمَّالُ مِنَ الْحَمْلِ ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِأُجْرَةِ النُّقْصَانِ أَوْ بِحَمْلِهِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ رَبُّهُ أَنَّهُ نُقْصَانٌ قَدْ هَلَكَ بَعْدَ أَنْ حُمِلَ لِيَرْجِعَ عَلَى الْجَمَّالِ بِغُرْمِهِ وَيَدَّعِيَ الْجَمَّالُ أَنَّهُ نُقْصَانٌ لَمْ يُحْمَلْ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْجَمَّالِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ رَبُّ الطَّعَامِ مِنَ الْغُرْمِ وَلَا رُجُوعَ لِرَبِّ الطَّعَامِ عَلَيْهِ بِأُجْرَةٍ ولا حمل لأنه بادعاء التلف مقراً بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنَ الْحَمْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَمُعَلِّمُ الْكِتَابِ وَالْآدَمِيِّينَ مخالفٌ لِرَاعِي الْبَهَائِمِ وَصُنَّاعِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّ الْآدَمِيِّينَ يُؤَدَّبُونَ بِالْكَلَامِ فَيَتَعَلَّمُونَ وَلَيْسَ هَكَذَا مُؤَدِّبُ الْبَهَائِمِ فَإِذَا ضَرَبَ أَحَدًا مِنَ الْآدَمِيِّينَ لِاسْتِصْلَاحِ الْمَضْرُوبِ أَوْ غَيْرِ اسْتِصْلَاحِهِ فَتَلَفَ كَانَتْ فِيهِ ديةٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ يَجُوزُ لِمُعَلِّمِ الصِّبْيَانِ أَنْ يُؤَدِّبَهُمْ بِالضَّرْبِ اسْتِصْلَاحًا لَهُمْ وَهَكَذَا الْأَبُ فِي وَلَدِهِ وَالزَّوْجُ عِنْدَ نُشُوزِ امْرَأَتِهِ فَإِنْ تَعَدَّى أَحَدُ هَؤُلَاءِ فِي الضَّرْبِ إِلَى أَنْ خَرَجَ فِيهِ إِلَى حَدِّ التَّلَفِ فَهُوَ قَاتِلٌ عَمْدًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوْدُ إِلَّا الْوَالِدَ فِي وَلَدِهِ فَتَلْزَمُهُ الدِّيَةُ دُونَ الْقَوْدِ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ وَاحِدٌ الِاسْتِصْلَاحَ فَحَدَثَ مِنْهُ التَّلَفُ فَلَا قَوْدَ لِأَنَّهُ خَطَأٌ شِبْهُ الْعَمْدِ وَالضَّارِبُ ضَامِنٌ لِدِيَةِ الْمَضْرُوبِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِذَا ضَرَبَ الْمُعَلِّمُ الصَّبِيَّ بِأَمْرِ أَبِيهِ لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ ضَرَبَهُ الْأَبُ بِنَفْسِهِ ضَمِنَ وَقَالَ أبو يوسف ومحمد الأب لا يضمن والمعلم يضمن وهذا أربى مِنْ قَوْلِ أبي حنيفة وَإِنْ كَانَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدًا لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَضْمَنُ مَا حَدَثَ مِنَ اسْتِصْلَاحِ زَوْجَتِهِ بِالضَّرْبِ الْمُبَاحِ وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْمُعَلِّمُ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ ضَمِنَ مَنْ هُوَ مُبَاحُ الضَّرْبِ وَمَا حَدَثَ عَنِ الْمُبَاحِ صَارَ كَالرَّائِضِ لَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ إِذَا ضَرَبَهَا قِيلَ الْمُبَاحُ مِنْ ضَرْبِ الْآدَمِيِّينَ فِي اسْتِصْلَاحِهِمْ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى التَّلَفِ فَإِذَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ صَارَ غَيْرَ مُبَاحٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَائِضِ الْبَهَائِمِ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْآدَمِيِّينَ قَدْ يُؤَدَّبُونَ بِالْكَلَامِ فَكَانَ لَهُ إِلَى اسْتِصْلَاحِهِمْ سَبِيلٌ بِغَيْرِ الضَّرْبِ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الضَّمَانُ إِنْ حَدَثَ مِنْ ضَرْبِهِمْ تَلَفٌ وَالْبَهَائِمُ لَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِصْلَاحِهَا إِلَّا بِالضَّرْبِ فَلَمْ يَجِدِ الرَّائِضُ إِلَى تَرْكِهِ سَبِيلًا فَلَمْ يَضْمَنْ.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " والتعزيز لَيْسَ بِحَدٍّ يَجِبُ بِكُلِّ حالٍ وَقَدْ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلَا يَأْثَمُ مَنْ تَرَكَهُ قَدْ فَعَلَ غَيْرَ شيءٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَيْرَ حَدٍّ فَلَمْ يَضْرِبْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْغُلُولُ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يُؤْتَ بِحَدٍّ قَطُّ فَعَفَاهُ وَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى امرأةٍ فِي شيءٍ بَلَغَهُ عَنْهَا فَأَسْقَطَتْ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ مُؤَدِّبٌ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْ كَانَ اجْتَهَدَ فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجْتَهِدْ فَقَدْ غَشَّ عَلَيْكَ الدِّيَةَ فَقَالَ عُمَرُ عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَجْلِسَ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِكَ فَبِهَذَا قُلْنَا خَطَأُ الْإِمَامِ عَلَى عَاقِلَتِهِ دُونَ بَيْتِ المال ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعْزِيرُ الْإِمَامِ لِمُسْتَحِقِّ التَّعْزِيرِ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فَإِنْ حَدَثَ عَنْهُ تَلَفٌ كَانَ مَضْمُونًا.
وَقَالَ أبو حنيفة التَّعْزِيرُ وَاجِبٌ لَا يَضْمَنُ مَا حَدَثَ عَنْهُ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَنْبُ الْمُؤْمِنِ حِمًى فَلَمْ يَجُزِ اسْتِبَاحَةُ مَا حَظَرَ مِنْهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
قَالَ وَلِأَنَّهُ انْتِهَاكُ عِرْضٍ مَحْظُورٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا الحدود وَدَلِيلُنَا عَفْوُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ كثيرٍ مِنْ مُسْتَحِقِّيهِ وَلَمْ يَعْفُ عَنْ وَاجِبٍ مِنَ الْحُدُودِ وَقَالَ حِينَ سُئِلَ الْعَفْوَ عَنْ حَدٍّ لَا عَفَا اللَّهُ عَنِّي إِنْ عَفَوْتُ فَمِمَّا عَفَا عَنْهُ مِنَ التَّعْزِيرِ أَنَّهُ أَتَى وَقَدْ حَظَرَ الْغُلُولَ بِرَجُلٍ قَدْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَلَمْ يُعَزِّرْهُ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَاتِ اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ وَلَمْ يُعَزِّرْهُ وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (التوبة: 58) . وَتَنَازَعَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ شِرْبًا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ.
فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ فَنَسَبَهُ إِلَى الْمَيْلِ وَالتَّحَيُّفِ فَلَمْ يُعَزِّرْهُ وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) {النساء: 65) ، فَفَارَقَ بِعَفْوِهِ عَنِ التَّعْزِيرِ مَا حَظَرَهُ مِنَ الْعَفْوِ عَنِ الْحُدُودِ فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا فِي الْوُجُوبِ وَلِأَنَّهُ ضَرْبٌ غَيْرُ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ وَالزَّوْجِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَنْبُ الْمُؤْمِنِ حِمًى فَهُوَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ أَصَحُّ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي حِمَى جَنْبِهِ مِنْ وُجُوبِهِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَبَاطِلٌ يضرب الزَّوْجِ ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْحَدِّ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْهُ وَجَبَ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّعْزِيرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَحَدَثَ عَنْهُ التَّلَفُ فَالْإِمَامُ ضَامِنٌ لَهُ وَقَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة لَا ضَمَانَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ زَوَاجِرَ الْإِمَامِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ كَالْحُدُودِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَ إِلَى امرأةٍ فِي شيءٍ بَلَغَهُ عَنْهَا رَسُولًا فَأَسْقَطَتْ.
فَقَالَ لِعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا تَقُولَانِ؟ فَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ وَإِنَّمَا أَنْتَ مؤدبٌ فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ إِنْ كَانَا مَا اجْتَهَدَا فَقَدْ غَشَّا وَإِنْ كَانَا قَدِ اجْتَهَدَا فَقَدْ أَخْطَآ عَلَيْكَ الدِّيَةُ فَقَالَ عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِكَ يَعْنِي عَلَى قريشٍ لِأَنَّهُمْ عَاقِلَتُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَحَدٌ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَيَمُوِتُ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا أَلْحَقَ قَتْلَهُ إلا شارب الخمر فإنه رَأْيٌ رَأَيْنَاهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَمَنْ مَاتَ مِنْهُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ أَوْ قَالَ فِي بَيْتِ الْمَالِ يَعْنِي فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ الَّذِي رَآهُ لِلْمَصْلَحَةِ اخْتِيَارًا وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ تَعْزِيرٌ.
وَلِأَنَّهُ ضَرْبٌ غَيْرُ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى فِعْلٍ مُتَقَدِّمٍ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ عِنْدَ
التَّلَفِ كَضَرْبِ الزَّوْجِ وَالْمُعَلِّمِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَنْ دَفَعَ إِنْسَانًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى فِعْلٍ مُتَقَدِّمٍ فَأَمَّا الْحُدُودُ الْوَاجِبَةُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ضَمَانٌ لِمَا عَلَيْهِ مِنَ اسْتِيفَائِهَا وَإِنَّ الضَّمَانَ يَمْنَعُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهَا.
فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الضَّمَانِ مِنَ التَّعْزِيرِ فَأَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ لِحَدِيثِ عُمَرَ وَقَوْلِهِ لِعَلِيٍّ عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِكَ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ.
وَالْقَوْلُ الثاني: إِنَّ الدِّيَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فِيهِ عَنْ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنَ الضَّمَانِ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ فَعَلَى هَذَا فِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا.
وَالثَّانِي: فِي مَالِهِ وَيَكُونُ تَأْوِيلُ فِعْلِ عُمَرَ فِي تَحْصِيلِ الدِّيَةِ لِعَاقِلَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ فَعَادَ إِلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا أَنَّ مَنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِذَا عَدِمُوا جُعِلَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " ولو اختلفا في ثوبٍ فقال ربه امرأتك أَنْ تُقَطِّعَهُ قَمِيصًا وَقَالَ الْخَيَّاطُ بَلْ قُبَاءً بَعْدَ أَنْ وَصَفَ قَوْلَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إِنَ الْقَوْلَ قَوْلُ الْخَيَّاطِ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْقَطْعِ وَقَوْلَ أبي حنيفة إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إِلَى رجلٍ فَقَالَ رهن وقال ربه وديعة.
ولعل من حجته أن يقول وإن اجتمعا على أنه أمره بالقطع فلم يعمل له عمله كما لو استأجره على حملٍ بإجارةٍ فقال قد حملته لم يكن ذلك له إلا بإقرار صاحبه وهذا أشبه القولين وكلاهما مدخول (قال المزني) رحمه الله القول ما شبه الشافعي بالحق لأنه لا خلاف أعلمه بينهم أن من أحدث حدثاً فيما لا يملكه أنه مأخوذ بحدثه وأن الدعوى لا تنفعه فالخياط مقر بأن الثوب لربه وأنه أحدث فيه حدثاً وادعى إذنه وإجارةً عليه فإن أقام بينةً على دعواه وإلا حلف صاحبه وضمنه ما أحدث في ثوبه ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ الْخَيَّاطُ قَبَاءً ثُمَّ اخْتَلَفَ رَبُّهُ وَالْخَيَّاطُ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ أَمَرْتُكَ أَنْ تَقْطَعَهُ قَمِيصًا فَتَعَدَّيْتَ بِقَطْعِهِ قَبَاءً فَعَلَيْكَ الضَّمَانُ.
وَقَالَ الْخَيَّاطُ بَلْ أَنْتَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْطَعَهُ قَبَاءً فَلَا ضَمَانَ عَلَيَّ وَلِيَ الْأُجْرَةُ فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ عُمِلَ عَلَيْهَا وَحُكِمَ بِمُوجِبِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَحَكَى مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْخَيَّاطِ وَمَذْهَبُ أبي حنيفة إن القول قول رب الثوب.
قَالَ وَهَذَا أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ وَكِلَاهُمَا مَدْخُولٌ فَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ ذَلِكَ إِلَى مُخْتَصَرِهِ هَذَا وَحَكَى فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَجِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ ثَوْبًا لِيَصْبُغَهُ أَحْمَرَ فَقَالَ الصَّبَّاغُ بَلْ أَخْضَرَ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ فَهَذَا نَقْلُ مَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في ذلك على ثلاثة طرق:
أحدهما: وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْخَيَّاطِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة.
وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَكِلَاهُمَا مَدْخُولٌ بِمَعْنًى مُحْتَمَلٍ لَا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ لِمَا يَعْتَرِضُهُ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا قَوْلُ مُجْتَهِدٍ ثُمَّ مَالَ إِلَى تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا لِقُوَّتِهِ عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لِأَصْحَابِنَا وَلَعَلَّهَا طَرِيقَةُ أَبِي الطِّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ عَلَى مَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ مِنْهُمَا هَذَانِ الْقَوْلَانِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّهُ وَإِنْ ذَكَرَ قَوْلَ أبي حنيفة وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فَقَدْ رَغِبَ عَنْهُمَا بِقَوْلِهِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَدْخُولٌ ثُمَّ أَمْسَكَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِمَذْهَبِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ اكْتِفَاءً بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي اخْتِلَافِ المتعاقدين ومن التخالف وَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الْأَجِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا قِيلَ بِمَذْهَبِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْخَيَّاطِ فَوَجْهُهُ فِي الْمَصَالِحِ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْخَيَّاطَ يَعْمَلُ فِي الثَّوْبِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَلَا يَقْصِدُ خِلَافَهُ وَإِنْ جَرَى غَيْرُ ذَلِكَ فَنَادِرٌ فَصَارَتِ الْعَادَةُ مُصَدِّقَةً لِقَوْلِ الْخَيَّاطِ دُونَ رَبِّ الثَّوْبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَيَّاطَ لَمَّا صَدَّقَ عَلَى الْإِذْنِ الْمُبِيحِ لِتَصَرُّفِهِ صَارَ مُؤْتَمَنًا فَلَمْ يُقْبَلِ ادِّعَاءُ رَبِّ الثَّوْبِ عَلَيْهِ فِيمَا يُوجِبُ غُرْمًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِفْضَاءِ إِلَى أَنْ لَا يَشَاءَ مُسْتَأْجِرٌ أَنْ يُثْبِتَ غُرْمًا وَيُسْقِطَ أَجْرًا إِلَّا ادِّعَاءً خِلَافًا وَهَذَا يُدْخِلُ عَلَى النَّاسِ ضَرَرًا فحسم، فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ الْخَيَّاطُ بِاللَّهِ تَعَالَى لَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ قَبَاءً وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ لَهُ الْأُجْرَةُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ إِنَّمَا قُبِلَ فِي سُقُوطِ الْغُرْمِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْأُجْرَةِ لِأَنَّهُ فِيهَا مُدَّعٍ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الْخُيُوطُ لِرَبِّ الثَّوْبِ لَمْ يَكُنْ للخياط نقص الْخِيَاطَةِ لِأَنَّهَا آثَارٌ مُسْتَهْلَكَةٌ وَيَصِيرُ الثَّوْبُ قَبَاءً مَخِيطًا لِرَبِّهِ وَإِنْ كَانَتِ الْخُيُوطُ لِلْخَيَّاطِ فَلَهُ اسْتِرْجَاعُهَا وَضَمَانُ مَا نَقَصَ مِنَ الثَّوْبِ بِأَخْذِهَا إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ قِيمَتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ إِنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَحْكُومًا بِقَبُولِ قَوْلِهِ فِي الْإِذْنِ فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى أَوْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْمُسَمَّى مِنَ الْأُجْرَةِ بِتَحْقِيقِ مَا حُكِمَ بِهِ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ.
وَالثَّانِي: أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِئَلَّا يَصِيرَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِي الْعَقْدِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا قِيلَ بِمَذْهَبِ أبي حنيفة إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ فَوَجْهُهُ فِي الْقِيَاسِ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي مِلْكِ أَحَدِهِمَا فَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمَالِكِ كَمَا لَوْ قَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ وَدِيعَةً وَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ بَلْ دَفَعْتَهُ إِلَيَّ رَهْنًا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَالِكِ كَذَلِكَ هَذَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِذْنِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ رَبِّ الثَّوْبِ دُونَ الْخَيَّاطِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْإِذْنِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي صِفَةِ ذَلِكَ الْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ إِذَا ادَّعَى عَلَى مُوَكِّلِهِ الْإِذْنَ فِي بَيْعِ دَارٍ فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ كَذَلِكَ الْخَيَّاطُ وَرَبُّ الثَّوْبِ يَجِبُ أَنْ يُرْجَعَ فِيهِ إِلَى رَبِّ الثَّوْبِ فِي صِفَةِ الْإِذْنِ كَمَا يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي أَصْلِ الْإِذْنِ.
وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنِ اعْتَبَرَ الْمَصَالِحَ فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ رَبُّ الثَّوْبِ بِاللَّهِ تَعَالَى مَا أَمَرَهُ بِقَطْعِهِ قَبَاءً نَفْيًا لِمَا ادَّعَاهُ الْخَيَّاطُ وَلَا يَحْلِفُ لِإِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِذْنِ فِي الْقَمِيصِ بِخِلَافِ الْخَيَّاطِ الَّذِي يَكُونُ يَمِينُهُ لِإِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِذْنِ فِي الْقَبَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْلِفُ عَلَى مَا يُطَالِبُ بِهِ فَالْخَيَّاطُ يُطَالِبُ بِالْأُجْرَةِ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَى مِنَ الْإِذْنِ فِي الْقَبَاءِ وَتَبِعَهُ سُقُوطُ الضَّمَانِ وَرَبُّ الثَّوْبِ يُطَالِبُ بِمَا جَنَاهُ الْخَيَّاطُ وَيُنْكِرُ الْأُجْرَةَ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا يُطَالِبُ بِهِ مِنْ جِنَايَةِ الْخَيَّاطِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَيَحْلِفُ الْخَيَّاطُ بِاللَّهِ تَعَالَى مَا أَمَرَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ قَمِيصًا وَلَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ قَبَاءً وَيُحْكَمُ لَهُ بِمَا ذَكَرْنَا وَإِذَا جُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الثَّوْبِ حَلَفَ بِاللَّهِ تَعَالَى مَا أَمَرَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ قَبَاءً وَلَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ قَمِيصًا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْجَامِعَةَ لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ التَّحَالُفِ الَّذِي يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ مُنْكِرًا وَمُدَّعِيًا فَاحْتَاجَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ لِمَا أَنْكَرَهُ وَالْإِثْبَاتِ لِمَا ادَّعَاهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ههنا فَإِذَا صَحَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ يَمِينَ الْخَيَّاطِ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَيَمِينَ رَبِّ الثَّوْبِ عَلَى النَّفْيِ وَحَلَفَ رَبُّ الثَّوْبِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا أُجْرَةَ لِلْخَيَّاطِ لِتَعَدِّيهِ فِي الْخِيَاطَةِ وَلَهُ اسْتِرْجَاعُ الْخُيُوطِ إِنْ كَانَتْ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا إِنْ كَانَتْ لِرَبِّ الثَّوْبِ ثُمَّ عَلَى الْخَيَّاطِ الضَّمَانُ وَفِيمَا يَضْمَنُهُ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: يَضْمَنُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ قَبَاءً وَقَمِيصًا لِأَنَّ قَطْعَ الْقَمِيصِ مَأْذُونٌ فِيهِ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَبَاءً مِثْلَ قِيمَتِهِ قَمِيصًا أَوْ أَكْثَرَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ يَغْرَمُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ ثَوْبًا صَحِيحًا وَمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ قَبَاءً لِأَنَّهُ بِالْعُدُولِ عَنِ الْقَمِيصِ مُتَعَدٍّ فِي ثَوْبٍ صَحِيحٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ مَا صَلَحَ مِنَ الْقَبَاءِ لِلْقَمِيصِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَمَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْقَمِيصِ ضَمِنَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَقْطُوعًا لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالتَّعَدِّي.
فَصْلٌ
: وَإِذَا قِيلَ بِالصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَصْلِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَتَحَالَفَا كَالْبَيْعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ مُنْكِرًا وَمُدَّعِيًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَا لَوِ اخْتَلَفَا وَالثَّوْبُ صَحِيحٌ فَقَالَ رَبُّهُ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَهُ قَمِيصًا وَقَالَ الْخَيَّاطُ بَلِ اسْتَأْجَرْتَنِي لِأَخِيطَهُ قَبَاءً لَمْ يُعْمَلْ عَلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتَحَالَفَا عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجَبَ إِذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ قَطْعِ الثَّوْبِ أَنْ يَتَحَالَفَا عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ التَّحَالُفَ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ أَوْجَبَ التَّحَالُفَ مَعَ تَغَيُّرِ أَحْوَالِهِ فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَهَلْ يَقْتَصِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى يَمِينٍ وَاحِدَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ أَوْ عَلَى يَمِينَيْنِ إِحْدَاهُمَا لِلنَّفْيِ وَالْأُخْرَى لِلْإِثْبَاتِ، عَلَى وَجْهَيْنِ، فَإِذَا تَحَالَفَا سَقَطَ الْغُرْمُ عَنِ الْخَيَّاطِ بِيَمِينِهِ وَسَقَطَتِ الْأُجْرَةُ عَنْ رَبِّ الثَّوْبِ بِيَمِينِهِ.
فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ قُضِيَ لِلْحَالِفِ منهما عَلَى النَّاكِلِ فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ الْخَيَّاطَ قُضِيَ لَهُ بِالْأُجْرَةِ وَسُقُوطِ الْغُرْمِ وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ رَبَّ الثَّوْبِ قُضِيَ لَهُ بِالْغُرْمِ عَلَى مَا مَضَى وَسُقُوطِ الْأُجْرَةِ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِخَيَّاطٍ إِنْ كَانَ يَكْفِينِي هَذَا الثوب قميصاً فاقطعه فَلَمْ يَكْفِهِ كَانَ ضَامِنًا وَلَوْ قَالَ أَيَكْفِينِي هَذَا الثَّوْبُ قَمِيصًا فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ شَرْطٌ وَالثَّانِيَ اسْتِفْهَامٌ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اكْتَرَى دَابَّةً فَحَبَسَهَا قَدْرَ الْمَسِيرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ حَبَسَهَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ ذَلِكَ ضَمِنَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا شَهْرًا أَوْ لِيَرْكَبَهَا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَمْسَكَهَا شَهْرًا أَوْ قَدْرَ مِسِيرِهِ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْكَبَهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ مَانِعٍ مِنْ رُكُوبِهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدِ اسْتَوْفَى مَا اسْتَحَقَّهُ بِالْإِجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ وَضَمِنَ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ وَقَالَ أبو حنيفة لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ إِذَا أَمْسَكَهَا وَلَمْ يَرْكَبْهَا إِلَّا أَنْ يَرْكَبَهَا مُتَوَجِّهًا إِلَى سَفَرِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُمْسِكُهَا مُقِيمًا فَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِاتِّفَاقِنَا وَإِيَّاهُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَتَسَلَّمَهَا وَلَمْ يَسْكُنْهَا مُدَّةَ إِجَارَتِهِ فِيهَا فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَكَذَا الدَّابَّةُ لِأَنَّ السُّكْنَى وَالرُّكُوبَ حَقٌّ لَهُ وَلَيْسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ فَوَّتَ مَنَافِعَهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَسَوَاءٌ كَانَ بِرُكُوبٍ أَوْ غَيْرِ رُكُوبٍ فَلَوْ تَلِفَتِ الدَّابَّةُ بِيَدِهِ مَعَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ مَعَ الرُّكُوبِ الْمُضِرِّ لَمْ يَضْمَنْ فَلِأَنْ لَا يَضْمَنَ مَعَ الْكَفِّ عَنِ الرُّكُوبِ أَوْلَى.
وَإِنْ أَمْسَكَ عَنْ رُكُوبِهَا لِعُذْرٍ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ يَعُودُ إِلَى الدَّابَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ يَعُودُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ فِي الطَّرِيقِ.
فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ عَائِدًا إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِمَرَضٍ حَابِسٍ أَوْ أَمْرٍ عَائِقٍ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ عَجْزُهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ مَانِعًا مِنِ اسْتِيفَائِهِ بِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ عَائِدًا إِلَى الدَّابَّةِ لِمَرَضِهَا فَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ.
ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْإِجَارَةِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ قَدِ انْقَضَتْ فَقَدْ بَطَلَتْ وَإِنْ كَانَتْ إِلَى مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ فَهِيَ بِحَالِهَا.
وإن كان العذر في الطريق عن جَدْبٍ أَوْ خَوْفٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ لِعُذْرٍ فِي الدَّابَّةِ لَكَوْنِ الْعُذْرِ فِي الْحَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ فَصَارَ مَمْنُوعًا مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ أَمْسَكَهَا مُدَّةَ شَهْرٍ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ إِمْسَاكُهَا لِعُذْرٍ مَانِعٍ مِنَ الرَّدِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الرَّقَبَةِ وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَ الْمُدَّةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُمْسِكَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُطَالِبَهُ الْمُؤَجِّرُ بِهَا فَيَمْنَعَهُ مِنْهَا فَهَذَا غَاصِبٌ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي مُدَّةِ حَبْسِهَا وَضَمَانُهَا إِنْ تَلِفَتْ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُطَالِبَهُ الْمُؤَجِّرُ بِهَا فَيَسْتَنْظِرَهُ فِيهَا فَيُنْظِرَهُ مُخْتَارًا فَهَذَا فِي حُكْمِ الْمُسْتَعِيرِ يَضْمَنُ الرَّقَبَةَ ضَمَانَ الْعَارِيَةِ وَلَا يَضْمَنُ الْأُجْرَةَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَبْذُلَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَلَا يَقْبَلَهَا الْمُؤَجِّرُ فَهَذَا فِي حُكْمِ الْوَدِيعَةِ لَا يَضْمَنُ الرَّقَبَةَ وَلَا الْأُجْرَةَ إِلَّا أَنْ يَرْكَبَهَا فَيَصِيرَ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ رَدٌّ وَلَا مِنَ الْمُؤَجِّرِ طَلَبٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ نَقْضِ الْإِجَارَةِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الْمُؤَجِّرِ وَبَيْنَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهَا بِنَفْسِهِ كَالْوَدِيعَةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ الرَّقَبَةَ وَلَا الْأُجْرَةَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُؤَجِّرِ طَلَبٌ وَمِنَ الْمُسْتَأْجِرِ مَنْعٌ وَلَا وَجْهَ لِمَنْ خَرَّجَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْإِجَارَةِ مِنَ الرَّهْنِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَتَغَلَّبُ فِيهِ نَفْعُ الْمُرْتَهِنِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ رَدِّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَفِي الْإِجَارَةِ يَسْتَوِيَانِ فَاخْتَصَّ بِهَا الْمَالِكُ لِحَقِّ الْمِلْكِ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمُخَرَّجِ يَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنَ الرَّدِّ بَعْدَ تَقَضِّي مُدَّتِهِ غَاصِبًا يَضْمَنُ الرَّقَبَةَ وَالْأُجْرَةَ.
فَلَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُؤَجِّرُ حَبَسْتَهَا مَانِعًا لَهَا فَعَلَيْكَ الْأُجْرَةُ وَالضَّمَانُ وَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ بَلْ بَذَلْتُهَا لَكَ فَتَرَكْتَهَا عَلَيَّ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيَّ وَلَا ضَمَانَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ فِي ضَمَانِ الرَّقَبَةِ أَنَّهُ مَا حَبَسَهَا مَانِعًا وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَإِنْ قِيلَ بِالصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَقَّ الرَّدِّ مُخْتَصٌّ بِالْمُؤَجِّرِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ أَيْضًا كَالضَّمَانِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهُمَا وَإِنْ قِيلَ بِالْوَجْهِ الْآخَرِ الْمُخَرَّجِ إِنَّ حَقَّ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَأْدِيَةُ حَقِّهِ مِنَ الرَّدِّ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى بَلَدٍ مُسَمًّى فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ عَلَيْهَا رَاكِبًا إِلَى مَنْزِلِهِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ نُظِرَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا تَتَقَارَبُ أَقْطَارُهُ جَازَ أَنْ يَرْكَبَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ كَمَا لَوْ نَزَلَ فِي طَرِيقِهِ مَنْزِلًا جَازَ أَنْ يَنْزِلَ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَوَّلِ الْمَنْزِلِ وَآخِرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ وَاسِعًا متباعداً الْأَقْطَارِ فَلَيْسَ لَهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَلَدِ أَنْ يَرْكَبَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ إِلَّا بِشَرْطٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ رُكُوبَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَإِنْ نَزَلَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْبَلَدِ ثُمَّ قَالَ أَخْطَأْتُ مَنْزِلِي مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَوْ لَمْ يَنْزِلْ لَكَانَ حَقًّا وَإِنْ نَزَلَ فَلَوْ شَرَطَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَرْكَبَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ مِنَ الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ عَارِفًا بِمَكَانِ مَنْزِلِهِ مِنَ الْبَلَدِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَسَمَّاهُ لَهُ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلَا سَمَّى لَهُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ بعير إِلَى مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهَا أَنْ يَحُجَّ عَلَيْهِ وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَى مَكَّةَ أَنْ يَرْكَبَهُ إِلَى مِنًى.
ثُمَّ إِلَى عَرَفَةَ ثُمَّ يَرْكَبُهُ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ ثُمَّ إِلَى مِنًى ثُمَّ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ مِنْ مَكَّةَ عَائِدًا إِلَى مِنًى لِيَبِيتَ بِهَا وَيَرْمِيَ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَاكَ لِأَنَّهُ مِنْ بَقَايَا الْحَجِّ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَاكَ لِإِحْلَالِهِ مِنَ الْحَجِّ.
فصل
: وإذا تعادل رجلان على بعير استأجره فارتدف معهما ثالث ركب بعير أَمْرِهِمَا لَزِمَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ لِمَالِكِهِ دُونَ مُسْتَأْجِرَيْهِ وَلَزِمَهُ ضَمَانُ الْبَعِيرِ إِنْ تَلِفَ وَفِي قَدْرِ ما يلزمه من قيمته ثلاث مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: النِّصْفُ اعْتِبَارًا بِجِنْسِ الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ.
وَالثَّانِي: الثُّلُثُ اعْتِبَارًا بِأَعْدَادِهِمْ دُونَ وَزْنِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة لِأَنَّ الرِّجَالَ لَا يُوزَنُونَ.
والثالث: يقدر ثِقَلِهِ مِنْ ثِقَلِ الْجَمَاعَةِ تَقْسِيطًا عَلَى وَزْنِهِمْ لِأَنَّ الرِّجَالَ لَا يُوزَنُونَ فِيمَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الثِّقَلُ وَالْخِفَّةُ وَالْحِمْلُ مِمَّا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِ تَقْسِيطُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يُوزَنُوا وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا.
وَلَوْ كَانَ الرَّاكِبَانِ أَذِنَا لِلرَّدِيفِ أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُمَا ضَمِنُوا جَمِيعًا أَعْنِي المستأجرين والرديف البعير إن تَلِفَ لِتَعَدِّي الرَّاكِبَيْنِ بِالْإِذْنِ وَتَعَدِّي الرَّدِيفِ بِالرُّكُوبِ وَرَبُّ الْبَعِيرِ بِالْخِيَارِ فِي الرُّجُوعِ عَلَى أَيِّهِمْ شَاءَ فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الرَّدِيفِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ رَجَعَ عَلَى أَحَدِ الرَّاكِبَيْنِ نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ الْبَعِيرُ مَعَ الْجَمَّالِ فَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُهُ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ كَالرَّدِيفِ وَيَرْجِعُ بِهَا الْغَارِمُ عَلَى الرَّدِيفِ بَعْدَ غُرْمِهَا وَإِنْ كَانَ الْبَعِيرُ مَعَهُمَا دُونَ الجمال
ضَمِنَهُمَا جَمِيعَ الْقِيمَةِ فِي الْبَعِيرِ وَلَمْ يَرْجِعِ الْغَارِمُ مِنْهُمَا عَلَى الرَّدِيفِ بَعْدَ غُرْمِهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا كَانَ يَلْزَمُ الرَّدِيفُ مِنْهَا عَلَى الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ طَحَّانًا لِيَطْحَنَ لَهُ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ بِقَفِيزٍ مِنْهَا مَطْحُونًا لَمْ يجز لأنه جعل المعقودة عَلَيْهِ مَعْقُودًا بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ يَعْنِي بِهِ مَا اكْتَرَاهُ وَلَكِنْ لَوِ اسْتَأْجَرَ لِطَحْنِ تِسْعَةِ أَقْفِزَةٍ بِالْقَفِيزِ الْعَاشِرِ مِنْهَا جَازَ لِأَنَّهُ جَعَلَ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ وَعَشَرَةً مَعْقُودًا بِهِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ إِلَى غَسَّالٍ فَغَسَلَهُ أَوْ إِلَى قَصَّارٍ فَقَصَّرَهُ أَوْ إِلَى خَيَّاطٍ فَخَاطَهُ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَذْكُرَ لَهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ لَهُ أُجْرَةً مَجْهُولَةً.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ لَهُ أُجْرَةً فَإِنْ ذَكَرَ لَهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً كَقَوْلِهِ اغْسِلْ هَذَا الثَّوْبَ بِدِرْهَمٍ فَهَذِهِ إِجَارَةٌ صَحِيحَةٌ وَلِلْغَسَّالِ الدِّرْهَمُ الْمُسَمَّى وَإِنْ ذَكَرَ لَهُ أُجْرَةً مَجْهُولَةً كَقَوْلِهِ اغْسِلْهُ لِأُرْضِيَكَ أَوْ لِأُقَاطِعَكَ أَوْ لِأُعْطِيَكَ مَا شِئْتَ فَهَذِهِ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ وَلِلْغَسَّالِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ عَمَلَهُ إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً وَلَا مَجْهُولَةً.
مِثْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِغَسَّالٍ فَيَغْسِلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ أَجْرًا صَحِيحًا وَلَا فَاسِدًا قَالَ الشَّافِعِيُّ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِأَنَّهُ صَارَ بَاذِلًا لِعَمَلِهِ عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ أَجْرًا كَمَا لَوْ بَذَلَ طَعَامَهُ عَلَى غَيْرِ بَدَلٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ ثَمَنًا وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَسْكِنِّي دَارَكَ شَهْرًا فَأَسْكَنَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ أَجْرًا فَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ اغْسِلْ ثَوْبِي فَغَسَلَهُ وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ لَهُ الْأُجْرَةُ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ قَدْ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لِعَمَلِهِ فِي مِلْكِهِ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ وَهَذَا يَفْسَدُ بِبَاذِلِ الطَّعَامِ وَدَافَعِ الدَّارِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِنْ كَانَ رَبُّ الثَّوْبِ سَأَلَ الْغَسَّالَ مُبْتَدِئًا فَقَالَ اغْسِلْ ثَوْبِي هَذَا فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَ الْغَسَّالُ طَلَبَهُ مُبْتَدِئًا مِنْ رَبِّهِ فَقَالَ أَعْطِنِي ثَوْبَكَ لِأَغْسِلَهُ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ إِنْ كَانَ الْغَسَّالُ مَعْرُوفًا أَنْ يَغْسِلَ بِأَجْرٍ فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِذَلِكَ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَكُلُّ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فَاسِدَةٌ بِبَاذِلِ الطَّعَامِ وَدَافِعِ الدَّارِ حَيْثُ لَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سَائِلًا أَوْ مَسْئُولًا وَمَعْرُوفًا بِالْمُعَاوَضَةِ أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا نَزَلَ رَجُلٌ فِي سَفِينَةِ مَلَّاحٍ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ فَحَمَلَهُ فِيهَا إِلَى بَلَدٍ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لِأَنَّ الرَّاكِبَ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لِمَنْفَعَةِ مَوْضِعِهِ مِنَ السَّفِينَةِ عَلَى مَالِكِهَا فَضَمِنَ الْأُجْرَةَ وَهَكَذَا الْجَمَّالُ.
وَإِنْ نَزَلَ فِيهَا عَنْ إِذْنِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عِوَضٍ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَا أُجْرَةَ لَهُ وعلى قول
الْمُزَنِيِّ لَهُ الْأُجْرَةُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ وَإِنِ ابْتَدَأَ الرَّاكِبُ فَسَأَلَهُ فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَإِنِ ابْتَدَأَ الْمَلَّاحُ فَطَلَبَهُ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ إِنْ كَانَ الْمَلَّاحُ مَعْرُوفًا أَنْ يَحْمِلَ بِأُجْرَةٍ فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِذَلِكَ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَهَكَذَا لَوْ دَخَلَ حَمَّامًا بِغَيْرِ إِذْنٍ فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَإِنْ دَخَلَهُ بِإِذْنٍ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاخْتِلَافِ.
وَلَوْ أَخَذَ مِنْ سِقَاءٍ مَاءً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ وَإِنْ أَخَذَهُ بِطَلَبٍ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاخْتِلَافِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ قَمِيصًا لِيَلْبَسَهُ فَأْتَزَرَ بِهِ ضَمِنَ لِتَعَدِّيهِ لِأَنَّ لِبْسَهُ أَصْوَنُ وَلَوْ أَلْقَاهُ عَلَى كَتِفِهِ مُرْتَدِيًا بِهِ لَمْ يَضْمَنْ بِالتَّعَدِّي لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْوَنُ وَهَلْ يَضْمَنُ بِالتَّفْرِيطِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ لِأَنَّ لِبْسَهُ أَحْرَزُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْوَنُ.
فَصْلٌ
: وَلَوِ اسْتَأْجَرَ قَمِيصًا لِيَلْبَسَهُ فَنَامَ فِيهِ نُظِرَ فَإِنْ نَامَ فِيهِ لَيْلًا فَقَدْ تَعَدَّى وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِنْ نَامَ فِيهِ نَهَارًا لِلْقَائِلَةِ لَمْ يَتَعَدَّ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِنَوْمِ النَّاسِ لَيْلًا فِي لِبَاسِ نَهَارِهِمْ وَجَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي نَوْمِ نَهَارِهِمْ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ حَائِكًا لِيَنْسِجَ لَهُ ثُوبًا عَلَى أَنَّ أُجْرَتَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةً لِلْجَهْلِ بِمَبْلَغِ قِيمَتِهِ فَإِنْ نَسَجَهُ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَلَا تُؤْخَذُ قَبْلَ عَمَلِهِ بِنَسْجِهِ لِأَنَّ فَسَادَ الْإِجَارَةِ يَمْنَعُ مِنْ لُزُومِهَا فَلَوْ قَالَ إِنْ نَسَجْتَهُ فِي الْحَفِّ فَأُجْرَتُكَ دِينَارٌ وَإِنْ نَسَجْتَهُ فِي السَّاذَجِ فَأُجْرُتُكَ نِصْفُ دِينَارٍ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهَا لَمْ تُعْقَدْ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَلَهُ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِسَاجَتِهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا أَجَّرَ الرَّجُلُ حَمَّامًا بِالنِّصْفِ مِنْ كَسْبِهِ فَسَدَتِ الْإِجَارَةُ لِلْجَهْلِ بِهَا وَلَوْ أَجَّرَهُ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ صَحَّتْ وَكَانَتِ الْعِمَارَةُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَمُؤْنَةُ الْحَطَبِ وَالْوَقُودِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الْعِمَارَةَ مِنْ حُقُوقِ التَّمْكِينِ فَاخْتَصَّ بِهَا الْمُؤَجِّرُ فَلَوْ شُرِطَتْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ وَمُؤْنَةُ الْحَطَبِ وَالْوَقُودِ مِنْ حُقُوقِ الِاسْتِيفَاءِ فَاخْتَصَّ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَلَوْ شُرِطَتْ عَلَى الْمُؤَجِّرِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ وَقَدْ يَشْتَرِطُ النَّاسُ فِي وَقْتِنَا هَذَا فِي إِجَارَةِ الْحَمَّامَاتِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ كُلٌّ مِنْهَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَا احْتَاجَ الْحَمَّامُ إِلَيْهِ مِنْ بَيَاضٍ وَسَوَادٍ لِيَنْفَرِدَ الْمُؤَجِّرُ بِمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ هَدْمٍ وَبِنَاءٍ وَهَذَا يُبْطِلُ الْإِجَارَةَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ تَعْجِيلَ سَلَفٍ لَا يَقَعُ بِهِ الْقَضَاءُ لِيُرَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إِنْ لَمْ يَسْتَأْجِرْ ثَانِيَةً وَهَذَا يُبْطِلُ الْإِجَارَةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُؤَجِّرُ دُخُولَ الْحَمَّامِ هُوَ وَعِيَالُهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ وَهَذَا يُبْطِلُ الْإِجَارَةَ فَلَوْ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ لِخِلُوِّهَا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَقَلَّ دُخُولُ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِأَمْرٍ يَعُودُ إِلَى الْمُؤَجِّرِ مِنْ خَرَابِ الْحَمَّامِ وَشَعَثِهِ فَعَلَى الْمُؤَجِّرِ عِمَارَةُ مَا خَرَّبَ وَإِصْلَاحُ مَا تَشَعَّثَ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ جَبْرًا فَإِنْ بَادَرَ إِلَى عِمَارَتِهِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَإِنْ لَمْ يُبَادِرْ إِلَى عِمَارَتِهِ فَالْمُسْتَأْجِرُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْمُقَامِ وَالْفَسْخِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِأَمْرٍ يَعُودُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ قِلَّةِ الْحَطَبِ وَالْمَاءِ وَمُرَاعَاةِ الْوَقُودِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُنْسَبَ ذَلِكَ إِلَى وَاحِدٍ منها فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ مِنْهُ لِفِتْنَةٍ حَادِثَةٍ أَوْ لِخَرَابِ النَّاحِيَةِ فَهَذَا عَيْبٌ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِرَغْبَةٍ عَنْهُ لِحُدُوثِ مَا هُوَ أَعْمَرُ مِنْهُ فَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ
فَصْلٌ
: إِجَارَةُ دُورِ مَكَّةَ جَائِزَةٌ وَمَنَعَ مَالِكٌ وأبو حنيفة مِنْ إِجَارَتِهَا اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ فِي مَكَّةَ " إِنَّهَا سوائبٌ ".
وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلَا أُجُورُ بُيُوتِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ إِجَارَتِهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ وَقَدْ قِيلَ لَهُ هَلَّا نَزَلْتَ فِي دُورِكَ فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ ربعٍ ".
فَلَوْلَا جَوَازُ بَيْعِهَا مَا أَمْضَى بَيْعَ عَقِيلٍ وَجَعَلَ مُشْتَرِيَهَا مِنْهُ أَحَقَّ بِهَا مِنْهُ وَقَدِ اشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَارًا بِمَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يُنْكِرْ شِرَاءَهُ أَحَدٌ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إِلَيْهِمْ دُورَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) {الحشر: 28) فَاقْتَضَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ بَقَاءَ مِلْكِهِمْ عليها وإذا بما ذَكَرْنَا مِلْكَهَا وَجَوَازَ بَيْعِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ إِجَارَتِهَا.
لِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ مِنَ الدور جازت أجارته كسائر البلاد.
ولأنه لَوْ لَمْ تُمْلَكْ رِقَابُهَا وَيُسْتَحَقَّ سُكْنَاهَا لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْطِنَ بِهَا دَارًا وَلَاسْتَهَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا لِاسْتِوَائِهِمْ فِيهَا فَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْخَبَرَيْنِ فَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْهُمَا فِي الْبُيُوعِ.
فَصْلٌ
: تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى كَتْبِ الْمَصَاحِفِ وَمَنَعَ مِنْهَا بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا أُبِيحَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمَعْلُومَةِ جَازَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْفَرْضُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَاضَ عَنْهُ كَالْإِجَارَةِ عَلَى كَتْبِ الْفِقْهِ والحديث.
فَصْلٌ
: إِجَارَةُ الْمُشَاعِ تَجُوزُ مِنَ الشَّرِيكِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ أبو حنيفة تَجُوزُ مِنَ الشَّرِيكِ وَلَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى رَهْنِ الْمُشَاعِ دَلِيلٌ عَلَى إِجَارَتِهِ وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ صَحَّ مَعَ الشَّرِيكِ صَحَّ مَعَ غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ.
فَصْلٌ
: فِي إِجَارَةِ الْحَفَائِرِ وَالْبِنَاءِ وهذا ال
فصل
مشتمل على مسألتين:
أحدهما: فِي حَفَائِرِ الْآبَارِ وَالْأُخْرَى فِي الْبِنَاءِ.
فَأَمَّا حَفَائِرُ الْآبَارِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْقِدَ الْإِجَارَةَ فِيهِ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَرَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ لِحَفْرِ بِئْرٍ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ كُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ فَيَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ عُمْقَ الْبِئْرِ وَدَوَرَهَا إِذَا أَشَارَ إِلَى الأرض التي يحفر فها وَتَكُونُ أُجْرَتُهُ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ عَمَلِهِ كَأُجْرَتِهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَهَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَانَ قِسْطُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ دِرْهَمًا يَسْتَوِي فِيهِ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ فِي حَفْرِ أَعْلَى الْبِئْرِ وَالْيَوْمُ الْأَخِيرُ فِي حَفْرِ أَسْفَلِهَا وَهَذَا مِمَّا لَيْسَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى حَفْرٍ مُقَدَّرٍ بِالْعَمَلِ دُونَ الْمُدَّةِ كَرَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فِي عُمْقٍ وَدَوَرٍ مَعْلُومَيْنِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَيَصِحُّ مَضْمُونًا وَمُعَيَّنًا وَقَالَ قَوْمٌ لَا يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَاطِنَ الْأَرْضِ قَدْ يَخْتَلِفُ بِالصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ فَتَخْتَلِفُ أُجْرَتُهُ بِاخْتِلَافِ صَلَابَتِهِ وَرَخَاوَتِهِ.
وَذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ تُرَابِ الْبِئْرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَصَارَ الْعَمَلُ بِهَذَيْنِ مَجْهُولًا فَبَطَلَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ حَتَّى تَكُونَ مَعْقُودَةً عَلَى الْأَيَّامِ وَهَذَا قَوْلٌ شَذَّ قَائِلُهُ عَنِ الْكَافَّةِ وَخَالَفَ فِيهِ الْجَمَاعَةُ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ عَلَى أَعْمَالٍ مَعْلُومَةٍ كَعَقْدِهَا عَلَى أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ فِي الْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الصَّنَائِعِ يَصِحُّ فِيهَا الْأَمْرَانِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَهَكَذَا حَفْرُ الْآبَارِ يَصِحُّ فِيهِ الْأَمْرَانِ فَإِنْ قُدِّرَ بِالْأَيَّامِ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مَعْلُومٍ وَإِنْ قُدِّرَ بِالْعَمَلِ كَانَ عُمْقًا وَدَوَرًا فَهُوَ عَلَى مَعْلُومٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ فِي الصِّحَّةِ عَلَى السَّوَاءِ وَقَوْلُهُمْ إِنَّ بَاطِنَ الْأَرْضِ قَدْ يَخْتَلِفُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فَقَدْ عَرَفَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بَاطِنَ الْأَرْضِ كُلَّ تُرْبَةٍ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَصَارَ بَاطِنُهَا بِمُشَاهَدَةِ الظَّاهِرِ مَعْلُومًا كَالْمُشَاهَدِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ كَمَا يَصِيرُ بَاطِنُ الصبرة من الطعام معلوماً بمشاهدة الظَّاهِرِ فَيَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا لِأَنَّهُ إِنْ وُجِدَ نَقْصًا وَتَغَيُّرًا فُسِخَ فَكَذَا الْإِجَارَةُ وَقَوْلُهُمْ إِنَّ التُّرَابَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ فَخَطَأٌ لِأَنَّ مَا تَقَدَّرَ حَفْرُهُ بِالْعُمْقِ وَالدَّوَرِ تَقَدَّرَ تُرَابُهُ وَصَارَتِ الْبِئْرُ مِكْيَالًا لِتُرَابِهَا الْمَحْفُورِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ تُرَابَ مَا اسْتُؤْجِرَ عَلَى حَفْرِهِ فَانْهَارَ التُّرَابُ فِيهَا وَعَادَ إِلَيْهَا لَا يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ ثَانِيَةً لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مِنْ إِخْرَاجِ التُّرَابِ قَدْ وَفَّاهُ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ الْإِجَارَةِ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ مَعْلُومَةِ الْعُمْقِ وَالدَّوَرِ بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ فَعَلَى الْأَجِيرِ أَنْ يَحْفِرَ مَا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ مَا سُمِّيَ لَهُ فَإِنْ حَفَرَ بَعْضَهَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ ظَهَرَتْ صَخْرَةٌ
لَا يَقْدِرُ عَلَى حَفْرِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أُجْرَتِهَا بِمَاذَا يَكُونُ مُعْتَبِرًا فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُقَوَّمُ أُجْرَةُ مَا حَفَرَ وَأُجْرَةُ مَا تَرَكَ ثُمَّ تقسط الأجر الْمُسَمَّاةُ عَلَيْهَا فَمَا قَابَلَ الْمَحْفُورَ فَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يَتَقَسَّطُ عَلَى عَدَدِ الْأَذْرُعِ لِاخْتِلَافِ مَا بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ.
مِثَالُهُ أَنْ يستأجر على حفر عشرة أَذْرُعٍ فِي دَوَرٍ مَعْلُومٍ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَيَحْفِرَ خَمْسَ أَذْرُعٍ وَيَتْرُكَ خَمْسًا فَيُقَالُ كَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَحْفُورَةِ فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ قِيلَ وَكَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَتْرُوكَةِ فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا جَمَعْتُهُمَا وَجَعَلْتُ كُلَّ خَمْسَةٍ سَهْمًا فَيَكُونُ جَمِيعُ السِّهَامِ أَرْبَعَةً ثُمَّ قَسَّمْتُ الثَّلَاثِينَ الَّتِي هِيَ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ يَخْرُجُ لِلسَّهْمِ الْوَاحِدِ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفٌ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِالْخَمْسِ الْمَحْفُورَةِ.
فَإِنْ قِيلَ تُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَحْفُورَةِ عَشَرَةً وَتُسَاوِي أُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَتْرُوكَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا جَعَلْتُ كُلَّ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ سَهْمًا فَتَكُونُ السِّهَامُ كُلُّهَا خَمْسَةً ثُمَّ قَسَّمْتُ الثَّلَاثِينَ الْمُسَمَّاةَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ يُخْرِجُ لِكُلِّ سَهْمٍ سِتَّةَ دَرَاهِمَ فَيَسْتَحِقُّ بِالْخَمْسَةِ الْمَحْفُورَةِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا لِأَنَّ قِسْطَ مَا حُفِرَ سَهْمَانِ فَإِنْ قِيلَ تُسَاوِي أُجْرَةُ الخمس المحفورة عشرة دارهم وَأُجْرَةُ الْخَمْسِ الْمَتْرُوكَةِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا جَعَلْتُ كُلَّ عَشَرَةٍ سَهْمًا فَتَكُونُ السِّهَامُ كُلُّهَا سِتَّةً ثُمَّ قَسَّمْتُ الثَّلَاثِينَ عَلَيْهَا يُخْرِجُ لِكُلِّ سَهْمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِالْخَمْسَةِ الْمَحْفُورَةِ.
لِأَنَّ قِسْطَ عَمَلِهِ سَهْمٌ وَاحِدٌ ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْمَبَرَّةِ فَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قِيَاسُ أُصُولِهِ فيما لا يتساوى أَجْزَاؤُهُ.
فَصْلٌ
: وَقَالَ أبو حنيفة تَضَاعُفُ الْأَذْرُعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِعَدَدِ مَسَافَتِهَا ثَمَّ تُقَسَّمُ الْأُجْرَةُ عَلَى مَا اجْتَمَعَ مِنْهَا فَمَا خَرَجَ لِكُلِّ ذِرَاعٍ فَهُوَ قَدْرُ أُجْرِتِهِ مِثَالُهُ: أَنْ يَسْتَأْجِرَ على حفر خمسة أَذْرُعٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَيَجْعَلَ الذِّرَاعَ الْأُولَى ذِرَاعًا وَاحِدًا لِأَنَّ نَقْلَ تُرَابِهَا مِنْ ذِرَاعٍ وَاحِدٍ وَيَجْعَلَ الذِّرَاعَ الثَّانِيَةَ ذِرَاعَيْنِ لِأَنَّ نَقْلَ تُرَابِهَا مِنْ ذِرَاعَيْنِ وَيَجْعَلَ الذِّرَاعَ الثَّالِثَةَ مِنْ ثلاثة أذرع لأن نقل ترابها من ثلاثة أذرع ويجعل الذراع الرابعة أربعة أذرع لأن نقل ترابها من أربعة أذرع ويجعل الذراع الخامسة خمسة أذرع لأن نقل ترابها من خمسة أَذْرُعٍ ثُمَّ يَجْعَلَ ذِرَاعًا وَذِرَاعَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَخَمْسًا فَتَكُونُ خَمْسَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا وَهِيَ مَسَافَةُ مَا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَذْرُعِ الْخَمْسِ ثُمَّ يُقَسِّمُ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ عَلَيْهَا وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا يَكُونُ قِسْطُ كُلِّ ذِرَاعٍ دِرْهَمًا فَإِنْ حَفَرَ ذِرَاعًا وَاحِدًا اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا وَاحِدًا.
ثُمَّ إِنْ حَفَرَ ذِرَاعَيْنِ اسْتَحَقَّ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ الأولى ذراع والثانية ذراعان صارا أثلاثاً وَإِنْ حَفَرَ ثَلَاثَ أَذْرُعٍ اسْتَحَقَّ سِتَّةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ الْأُولَى ذِرَاعٌ وَالثَّانِيَةَ ذِرَاعَانِ وَالثَّالِثَةَ ثَلَاثٌ صَارَ الْجَمِيعُ سِتًّا فَإِنْ حَفَرَ أَرْبَعَ أَذْرُعٍ اسْتَحَقَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ الْأُولَى ذِرَاعٌ وَالثَّانِيَةَ ذِرَاعَانِ وَالثَّالِثَةَ ثَلَاثٌ وَالرَّابِعَةَ أَرْبَعٌ صَارَ الْجَمِيعُ عَشْرًا فَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة لِأَنَّ مَسَافَةَ الْأَذْرُعِ إِذَا ضُوعِفَتْ مُتَسَاوِيَةً فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ عَلَى مَبْلَغِ عَدَدِهَا مُقَسَّطَةً.
فَصْلٌ
: وَقَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا فِي الْفِقْهِ وَمُجَوِّدِيهِمْ فِي الْحِسَابِ بِمَذْهَبٍ تَوَسَّطَ فِيهِ بَيْنَ مَذْهَبِي الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة لِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ فِي الْقِيَاسِ مُطَّرِدًا وَعَلَى الْأُصُولِ مُسْتَمِرًّا فَإِنَّ فِيهِ اطِّرَاحًا لِعَمَلٍ يَصِحُّ فِيهِ وَيَنْحَصِرُ مِنْهُ وَمَذْهَبَ أبي حنيفة وَإِنْ كَانَ فِي الْعَمَلِ مُطَّرِدًا وَفِي الْحِسَابِ صَحِيحًا فَإِنَّ فِيهِ حُكْمًا يَفْسُدُ فِي الْقِيَاسِ وَيَبْطُلُ عَلَى الْأُصُولِ وَذَلِكَ أَنَّ حَفْرَ الْآبَارِ يَشْتَمِلُ عَلَى حَفْرٍ وَنَقْلِ تُرَابٍ فَالْحَفْرُ يَتَمَاثَلُ فِي الْأَذْرُعِ كُلِّهَا وَلَيْسَ فِي حَفْرِ الذِّرَاعِ الْأَخِيرِ عَمَلٌ يَزِيدُ عَلَى حَفْرِ الذِّرَاعِ الْأُولَى فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَ أُجُورِهَا لِتَسَاوِي الْعَمَلِ فِيهَا فَصَارَ مَذْهَبُ أبي حنيفة مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَاسِدًا فَأَمَّا نَقْلُ التُّرَابِ الْمَحْفُورِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَافَةِ وَيَتَضَاعَفُ بِأَعْدَادِ الْأَذْرُعِ لِأَنَّ مَسَافَةَ الذِّرَاعِ الثَّانِيَةِ مِثْلَا مَسَافَةِ الذِّرَاعِ الْأُولَى وَمَسَافَةَ الثَّالِثَةِ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهَا وَمَسَافَةَ الرَّابِعَةِ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهَا وَمَسَافَةَ الْعَاشِرَةِ عَشَرَةُ أَمْثَالِهَا وَمَسَافَةَ النَّقْلِ مَحْفُورَةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَذْرُعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ تَقْسِيطِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا وَتَحْقِيقِ الْمُسْتَحَقِّ بِهَا إِلَى تَقْوِيمٍ مَعْمُولٍ أَوْ مَتْرُوكٍ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي تَقْسِيطِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا فَصَارَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اطِّرَاحٌ لِعَمَلٍ هُوَ أَصَحُّ تَحْقِيقًا وَأَخْصَرُ تَقْسِيطًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تُقَسَّطَ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ عَلَى الْحَفْرِ وَالنَّقْلِ فَمَا قَابَلَ الْحَفْرَ قُسِّمَ عَلَى أَعْدَادِ الْأَذْرُعِ مِنْ غَيْرِ تَفَاضُلٍ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي جَمِيعِهَا مُتَمَاثِلٌ وَمَا قَابَلَ النَّقْلَ قِسْمَةٌ عَلَى مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ مَسَافَةُ الْأَذْرُعِ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا مُتَضَاعِفٌ مُتَفَاضِلٌ.
فَإِنْ قِيلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَضَّلَ بَيْنَ أُجْرَةِ الْحَفْرِ وَالنَّقْلِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا تَبَعٌ لِلْآخَرِ قِيلَ هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ النَّقْلِ تَبَعًا لِلْحَفْرِ بِأَوْلَى مِنْ جَعْلِ الْحَفْرِ تَبَعًا لِلنَّقْلِ وَإِذَا لَمْ يَتَمَيَّزِ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا كَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنَ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعَقْدِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْحَفْرِ أَجِيرًا لَا يَنْقُلُ وعلى النقل أجراً لَا يَحْفِرُ صَحَّ فَلَمْ يَكُنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَقْدِ بِمَانِعٍ مِنْ تَمَيُّزِهَا فِي أَحْكَامٍ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ الْعَمَلُ فَلِلْعَمَلِ عَلَيْهِ مُقَدِّمَةٌ وَهُوَ أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَبْلَغَ مَسَافَةِ نَقْلِ التُّرَابِ مِنْ عَشْرِ أَذْرُعٍ وَشَقَّ عَلَيْكَ أَنْ تَجْمَعَ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ عَلَى الْوَلَاءِ فَبَابُهُ الْمُخْتَصَرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَاحِدًا يَكُونُ أَحَدَ عَشَرَ ثُمَّ تَضْرِبُهَا فِي نِصْفِ الْعَشَرَةِ تَكُونُ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ وَأَنْ تَضْرِبَ نِصْفَ أَحَدَ عَشَرَ فِي عَشَرَةٍ تَكُنْ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ وَهُوَ مَبْلَغُ الْعَدَدِ الْمَجْمُوعِ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى عَشَرَةٍ عَلَى الْوَلَاءِ.
وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ شُجَاعُ بْنُ نَصْرٍ أَنَّ الْوَاحِدَ وَالْعَشَرَةَ يَكُونُ أَحَدَ عَشَرَ وَالِاثْنَانِ وَالتِّسْعَةُ يَكُونُ أَحَدَ عَشَرَ وَالثَّلَاثَةُ وَالثَّمَانِيَةُ أَحَدَ عَشَرَ وَالْأَرْبَعَةُ وَالسَّبْعَةُ أَحَدَ عَشَرَ وَالْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ أَحَدَ عَشَرٍ فَتَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي مَعَكَ مِنْ جُمْلَةِ أَعْدَادِ الْعَشْرِ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَحَدَ عَشَرَ فَلِذَلِكَ ضَرَبْتَ فِي نِصْفِ الْعَشَرَةِ وَهُوَ خَمْسَةٌ فِي أَحَدَ عَشَرَ فَعَلَى هَذَا إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَجْمَعَ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ عَلَى الْوَلَاءِ فَزِدِ الْوَاحِدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ.
ثُمَّ اضْرِبْهَا فِي نِصْفِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَكُنْ مِائَةً وَعِشْرِينَ وَإِنْ شِئْتَ ضَرَبْتَ نِصْفَ سِتَّةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَكُنْ مِائَةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ صِرْنَا إِلَى الْعَمَلِ فَإِذَا قِيلَ رَجُلٌ اسْتُؤْجِرَ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ عُمْقُهَا خَمْسُ أَذْرُعٍ فِي دَوَرٍ مَعْلُومٍ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ يُقَالُ كَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ الْحَفْرِ فَإِذَا قِيلَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ قِيلَ وَكَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ النَّقْلِ فَإِذَا قِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةٌ فَاجْعَلْ أُجْرَةَ الْحَفْرِ الَّتِي هِيَ خَمْسَةٌ مَقْسُومَةً عَلَى عَدَدِ الْأَذْرُعِ الْخَمْسِ بِالسَّوِيَّةِ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَفْرِ فَضْلٌ فَيَكُونُ قِسْطُ كُلِّ ذِرَاعٍ بِالْحَفْرِ وَحْدَهُ دِرْهَمًا وَاحِدًا ثُمَّ اجْعَلْ أُجْرَةَ النَّقْلِ الَّتِي هِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا مَقْسُومَةً عَلَى مَبْلَغِ مَسَافَةِ الْأَذْرُعِ الْخَمْسِ وَهُوَ خَمْسَ عَشَرَةَ ذِرَاعًا لِأَنَّهُ ذِرَاعٌ وَذِرَاعَانِ وَثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ وَخَمْسٌ وَإِنْ شئت أن تعمله بالباب المختصر زدت على الْخَمْسَةَ وَاحِدًا يَكُنْ سِتَّةً ثُمَّ تَضْرِبُهَا فِي نِصْفِ الْخَمْسَةِ يَكُنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ ضَرَبْتَ نِصْفَ السِّتَّةِ فِي خَمْسَةٍ تَكُنْ خَمْسَةَ عَشَرَ.
وهي مبلغ مسافة النقل مِنْ خَمْسِ أَذْرُعٍ فَإِذَا قُسِّمَتْ عَلَيْهَا قُسِّطَتْ مِنَ الْأُجْرَةِ وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا كَانَ أُجْرَةُ كُلِّ ذِرَاعٍ دِرْهَمًا فَإِذَا حَفَرَ وَنَقَلَ ذِرَاعًا وَاحِدًا اسْتَحَقَّ دِرْهَمَيْنِ لِأَنَّ لَهُ بِالْحَفْرِ درهماً وبالنقل درهماً ولو حفر ونقل ذارعين اسْتَحَقَّ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ لَهُ بِحَفْرِ ذِرَاعَيْنِ دِرْهَمَيْنِ وَبِنَقْلِ ذِرَاعَيْنِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ الْأُولَى ذِرَاعٌ وَالثَّانِيَةَ ذِرَاعَانِ وَلَوْ حَفَرَ وَنَقَلَ ثَلَاثَ أَذْرُعٍ اسْتَحَقَّ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ لَهُ بِحَفْرِ الْأَذْرُعِ الثَّلَاثِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَلَهُ بِالنَّقْلِ مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ مَسَافَةَ سِتِّ أَذْرُعٍ سِتَّةُ دَرَاهِمَ.
وَلَوْ حَفَرَ وَنَقَلَ أَرْبَعَ أَذْرُعٍ اسْتَحَقَّ أَرْبَعَةَ عشر درهماً لأن بحفر الأذرع الأربعة أربعة دراهم وله بالنقل من أربعة أذرع مسافة عشرة أَذْرُعٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَلَوِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ عُمْقُهَا (خَمْسَ عَشَرَةَ ذِرَاعًا) فَيَ دَوَرٍ معلوم بمائة وخمسين درهماً قبل كَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ الْحَفْرِ بِلَا نَقْلٍ فَإِنْ قِيلَ عِشْرُونَ دِرْهَمًا قِيلَ وَكَمْ تُسَاوِي أُجْرَةُ النَّقْلِ بِلَا حَفْرٍ فَإِنْ قِيلَ ثَمَانُونَ دِرْهَمًا فَفِي الْأُجْرَةِ مُحَابَاةٌ فَاجْمَعْ أُجْرَةَ الْحَفْرِ وَالنَّقْلِ تَكُنْ مِائَةَ دِرْهَمٍ.
وَاجْعَلْ كُلَّ عِشْرِينَ سَهْمًا تَكُنْ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ سَهْمٌ مِنْهَا لِلْحَفْرِ وَأَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ لِلنَّقْلِ ثُمَّ اقْسِمِ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ وَهِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ يَكُنْ قِسْطُ كُلِّ سَهْمٍ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَتَجْعَلُ أُجْرَةَ الحفر وحده ثلاثون دِرْهَمًا لِأَنَّ قِسْطَ الْحَفْرِ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَتَحْصُلُ أجرة النقل وحده مائة وعشرون دِرْهَمًا لِأَنَّ قِسْطَ النَّقْلِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ثُمَّ اقْسِمْ أُجْرَةَ الْحَفْرِ وَهِيَ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا عَلَى أعداد الأذرع وهي خمسة عشر ذِرَاعًا تَكُنْ أُجْرَةُ كُلِّ ذِرَاعٍ دِرْهَمَيْنِ.
وَاقْسِمْ أُجْرَةَ النَّقْلِ وَهِيَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا عَلَى مَسَافَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ ذِرَاعًا وَهِيَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ذراعاً لأنك إذا زدت على خمسة عشر واحد ثُمَّ ضَرَبْتَ نِصْفَهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ كَانَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَيَكُونُ أُجْرَةُ نَقْلِ كُلِّ ذِرَاعٍ وَاحِدَةٍ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَإِذَا حَفَرَ وَنَقَلَ خَمْسَ أذرع واستحق بالحفر وحده عشر دَرَاهِمَ كَانَ لَهُ بِكُلِّ ذِرَاعٍ دِرْهَمَانِ وَاسْتَحَقَّ بالنقل وحده
خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا لِأَنَّ مَسَافَةَ خَمْسِ أَذْرُعٍ خمسة عشر ذِرَاعًا لَهُ بِكُلِّ ذِرَاعٍ دِرْهَمٌ فَيَصِيرُ جَمِيعَ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالْحَفْرِ وَالنَّقْلِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
وَلَوْ حَفَرَ وَنَقَلَ عَشْرَ أَذْرُعٍ اسْتَحَقَّ بِالْحَفْرِ وَحْدَهُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا لِأَنَّ لَهُ بِكُلِّ ذِرَاعٍ دِرْهَمَيْنِ وَاسْتَحَقَّ بِالنَّقْلِ وَحْدَهُ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا لِأَنَّ مَسَافَةَ عَشْرِ أَذْرُعٍ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا لَهُ بِكُلِّ ذِرَاعٍ دِرْهَمٌ فَيَصِيرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِالْحَفْرِ وَالنَّقْلِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْبِنَاءُ فَالْإِجَارَةُ عَلَيْهِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَعْقُودَةً عَلَى الْأَيَّامِ فَيَصِحُّ فَيُسَاوِي أُجُورَ الْأَيَّامِ مِمَّا سُمِّيَ لَهَا مِنْ سُفْلِ الْبِنَاءِ وَعُلُوِّهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَعْقُودَةً عَلَى بِنَاءٍ مُقَدَّرٍ بِالْعَمَلِ فَتَصِحُّ إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْعَقْدِ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْبِنَاءُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْعُلُوِّ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ آلَةُ الْبِنَاءِ مَوْصُوفَةً مِنْ حَجَرٍ أَوْ آجُرٍّ أَوْ لَبَنٍ بِجِصٍّ وَطِينٍ.
فَإِنْ أَغْفَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ الْعَمَلِ بِاخْتِلَافِهِ وَلَوْ شَرَطَ الْآلَةَ عَلَى الْأَجِيرِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ وَصَفَهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ عَقْدَيْنِ مِنْ إِجَارَةٍ وَبَيْعٍ فِي عَقْدٍ؛ فَإِذَا عَقَدَ الْإِجَارَةَ بِاجْتِمَاعِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ صَحَّتْ بِوِفَاقِ مَنْ خَالَفَ فِي إِجَارَةِ الْآبَارِ وَيُؤْخَذُ الْأَجِيرُ بِإِتْمَامِ الْبِنَاءِ؛ فَإِنْ بَنَى بَعْضَهُ ثُمَّ قَطَعَهُ عَنْ إِتْمَامِهِ قَاطِعٌ وَأَرَادَ أُجْرَةَ مَا عَمِلَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبِنَاءِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَاثِلَ الْمِسَاحَةِ فِي عُلُوِّهِ وَسُفْلِهِ كَالْمَنَارِ وَالسَّوَارِي.
فَيَكُونُ حُكْمُهَا كَحُكْمِ الْآبَارِ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَلِفَ الْمِسَاحَةِ كَالْمَخْرُوطَاتِ فَيَقُومُ الْمَعْمُولُ والمتروك ثم تسقط الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا فَمَا قَابَلَ الْمَعْمُولَ مِنْهَا فَهُوَ حَقُّ الْأَجِيرِ فِيمَا عَمِلَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
مُخْتَصَرٌ مِنَ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ وَالشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ وَمَا دَخَلَ فِيهِ من كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ومسائل سمعتها منه لفظاً
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بِأَسًا حَتَى أَخْبَرَنَا رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ فَتَرَكْنَاهَا لِقَوْلِ رَافِعٍ (قَالَ الشافعي) رحمه الله وَالْمُخَابَرَةُ اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي نَهْيِهِ عَنِ الْمُخَابَرَةِ عَلَى أَنْ لَا تَجُوزَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَلَا عَلَى الرُّبُعِ وَلَا عَلَى جزءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ لِأَنَّهُ مجهولٌ وَلَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ إِلَّا مَعْلُومًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، الْمُخَابَرَةُ هِيَ الْمُزَارِعَةُ وَهِيَ مَا وَصَفَهَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهَا اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالْمُخَابَرَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ قُتَيْبَةَ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ مُعَامَلَةِ خَيْبَرَ حِينَ أَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ خَابِرُوهُمْ أَيْ عَامِلُوهُمْ عَلَى خَيْبَرَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْخُبْرَةِ وَهِيَ النَّصِيبُ.
قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ:
(إِذَا مَا جَعَلْتِ الشَّاةَ لِلْقَوْمِ خُبْرَةً ... فَشَأْنُكِ أَنِّي ذَاهِبٌ لِشُؤُونِ)
والخبرة: أن يشتري الشاة جماعة قيقتسمونها.
وَإِذَا كَانَتِ الْمُخَابَرَةُ هِيَ اسْتِكْرَاءَ الْأَرْضِ لِزِرَاعَتِهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ، ضَرْبٌ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَسَادِهِ، وَضَرْبٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِهِ، فَهُوَ أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ زَرْعِ الْأَرْضِ مُفْرِدَةً عَنْ حِصَّةِ صَاحِبِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَدْ زَارَعْتُكَ عَلَى هَذِهِ الأرض على أن ما زرعت من هرن كان لي وما زرعت من أفل كان لك، أو على مَا نَبَتَ مِنَ الْمَاذِيَانَاتِ كَانَ لِي، وَمَا نَبَتَ عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ كَانَ لَكَ، أَوْ عَلَى أَنَّ مَا سُقِيَ بِالسَّمَاءِ فَهُوَ لِي وَمَا سُقِيَ بِالرِّشَاءِ فَهُوَ لَكَ، فَهَذِهِ مُزَارِعَةٌ بَاطِلَةٌ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَسَادِهَا لِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِمَا عَلَى السَّوَاقِي وَمَا سُقِيَ بِالْمَاءِ مِنْهَا فَنَهَانَا رَسُولُ اللِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن
ذَلِكَ وَأَمَرَنَا أَنْ نُكْرِيَهَا بذهبٍ أَوْ ورقٍ، وَلِأَنَّ تَمَيُّزَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْنَعُ من إلحاقه بالمساقاة المشاعة، ويخرج بالجهالة عَنْ حُكْمِ الْإِجَارَةِ الْجَائِزَةِ فَصَارَ بَاطِلًا.
فَصْلٌ
: وأما الضرب الذي اختلف الْفُقَهَاءُ فِيهِ فَهُوَ أَنْ يُزَارِعَهُ عَلَى أَرْضِهِ لِيَكُونَ الْعَمَلُ عَلَى الْأَجِيرِ وَالْأَرْضُ لِرَبِّهَا وَالْبَذْرُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِحَسَبِ شَرْطِهِمَا عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ زَرْعٍ كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَهْمٍ مَعْلُومٍ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ لِيَأْخُذَ الزَّارِعُ سَهْمَهُ بِعَمَلِهِ، وَيَأْخُذَ رَبُّ الْأَرْضِ سَهْمَهُ بِأَرْضِهِ فَهَذِهِ هِيَ الْمُخَابَرَةُ وَالْمُزَارِعَةُ الَّتِي اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ شَرَطَ الْبَذْرَ عَلَى الزَّارِعِ أَوْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وأبو حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهَا جَائِزَةٌ سَوَاءٌ شَرَطَ الْبَذْرَ عَلَى الزَّارِعِ أو على رب الأرض، وبه قال في الصَّحَابَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَمِنَ الْفُقَهَاءِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وأبو يوسف ومحمد.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ الْبَذْرَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الزَّارِعِ جَازَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ.
وَاسْتَدَلَّ من أجاز ذلك بِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثمرٍ وزرعٍ.
وَرَوَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ قُلْتُ لِطَاوُسٍ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْهَا فَقَالَ: يَا عَمْرُو أَخْبَرَنِي أَعْلَمُهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَلَكِنْ قَالَ: لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا.
وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ " رَحِمَ اللَّهُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ أَنَا أَعْلَمُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُ " - يَعْنِي مَا رَوَاهُ عَنِ الْمُخَابَرَةِ - قَالَ زَيْدٌ: " آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَا قَدِ اقْتَتَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمَا فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ ".
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ عَلَى الْأُصُولِ بِبَعْضِ نَمَائِهَا يَجُوزُ كَالْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ وَالْمُضَارَبَةِ بِالْمَالِ، وَكَذَلِكَ الْمُخَابَرَةُ عَلَى الْأَرْضِ.
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ الْمُخَابَرَةُ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِالْمُسَاقَاةِ جَازَتْ بِانْفِرَادِهَا.