كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالْحَبْسِ وَمَا دَخَلَ فِي ذلك من كتاب السائبة
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: يُجْمَعُ مَا يُعْطِي النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ثَلَاثَةُ وجوهٍ ثُمَّ يَتَشَعَّبُ كُلُّ وجهٍ مِنْهَا فَفِي الْحَيَاةِ مِنْهَا وَجْهَانِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ مِنْهَا وَجْهٌ فَمِمَّا فِي الْحَيَاةِ الصَّدَقَاتُ وَاحْتَجَّ فِيهَا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَلَكَ مَائَةَ سهمٍ مِنْ خيبرٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُصِبْ مَالًا مِثْلَهُ قَطُّ وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " حبس الأصل وسبل الثمرة " قال الشافعي رحمه الله تعالى فلما أجاز - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أن يحبس أصل المال وتسبل الثمرة دل ذلك على إخراجه الأصل من ملكه إلى أن يكون محبوساً لا يملك من سبلٍ عليه ثمره بيع أصله فصار هذا المال مباينا لما سواه ومجامعاً لأن يخرج العبد من ملكه بالعتق لله عز وجل إلى غير مالك فملكه بذلك منفعة نفسه لا رقبته كَمَا يَمْلِكُ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْمَالِ لَا رقبته ومحرم على المحبس أن يملك المال كما محرم على المعتق أن يملك العبد ويتم الحبس وإن لم يقبض لأن عمر رضي الله عنه هو المصدق بأمر النبي ولم يزل يلبي صدقته فيما بلغنا حتى قبضه الله ولم يزل علي رضي الله عنه يلي صدقته حتى لقي الله تعالى ولم تزل فاطمة رضي الله عنها تلي صدقتها حتى لقيت الله وروى الشافعي رحمه الله حديثاً ذكر فيه أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تصدقت بمالها على بني هاشمٍ وبني المطلب وأن عليًّا كرم الله وجهه تصدق عليهم وأدخل معهم غيرهم ". فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَهُوَ الْوَصِيَّةُ وَلَهَا كِتَابٌ مُفْرَدٌ نَذْكُرُهَا فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا اللَّذَانِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَهُمَا الْهِبَةُ، وَالْوَقْفُ، فَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَهَا بَابٌ يَجِيءُ فِيمَا بَعْدُ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَهَذَا مَوْضِعُهُ فَالْوَقْفُ يَحْبِسُ الْأَصْلَ وَيُسْبِلُ الْمَنْفَعَةَ، وَجَمْعُهُ وُقُوفٌ وَأَوْقَافٌ، فَإِذَا وَقَفَ شَيْئًا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِنَفْسِ الْوَقْفِ وَلَزِمَ الْوَقْفُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ لُزُومُ الْقَبْضِ وَلَا حُكْم الْحَاكِمِ وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ أَجْمَعَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ ومحمد غَيْرَ أَنَّ محمدا يَقُولُ: مِنْ شَرْطِ لُزُومِهِ الْقَبْضُ، وَرَوَى عِيسَى بْنُ أَبَان أَنَّ أبا يوسف لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ كَانَ عَلَى قَوْلِ أبي حنيفة فِي بَيْعِ الْأَوْقَافِ حَتَّى حَدَّثَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ بِحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: هذا لا يسع أحد خلافه.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْوَقْفِ لَزِمَ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ، وَكَانَ الْوَاقِفُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ، وَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ وَرَثَتُهُ، وَإِنْ أَوْصَى بِالْوَقْفِ يَلْزَمُ فِي الثُّلُثِ قَالَ الْقَاضِي، قَدْ نَاقَضَ أبو حنيفة فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْوَقْفَ لَازِمًا فِي ثُلُثِهِ فِي حَالِ مَرَضِهِ الْمَخُوفِ إِذَا أَنْجَزَهُ وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ وَلَا لَازِمًا فِي جَمِيعِ مَالِهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا لَزِمَ فِي الثُّلُثِ بِوَصِيَّةٍ لَزِمَ فِيهِ فِي مَرَضِهِ إِذَا أَنْجَزَهُ وَفِي جَمِيعِ مَالِهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ مِثْلَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِهِ لَزِمَ فِي ثُلُثِهِ، وَإِذَا أَنْجَزَهُ فِي مَرَضِهِ لَزِمَ فِي ثُلُثِهِ، وَإِذَا أَنْجَزَهُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ لَزِمَ فِي جَمِيعِ مَالِهِ وَاحْتَجَّ بِأَشْيَاءَ.
أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ وَفُرِضَ فِيهَا الْفَرَائِضُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا حَبْسَ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءَ ".
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ صَاحِبَ الْأَذَانِ جَعَلَ حَائِطًا لَهُ صَدَقَةً وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فَأَتَى أَبَوَاهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ لَنَا عيشٌ إِلَّا هَذَا الْحَائِطَ فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ مَاتَا فَوَرِثَهُمَا " فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ وَقْفَهُ إِيَّاهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ عَلَى أَبَوَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: جاء محمدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِإِطْلَاقِ الْحَبْسِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا وَقَفَ وَقْفًا فَأَبْطَلَهُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَوْ كَانَ قَدْ لَزِمَ لَمْ يَصِحَّ إِبْطَالُهُ وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّهُ قَصَدَ إِخْرَاجَ مَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ لِمُجَدِّد الْقَوْل.
أَصْلُهُ: صَدَقَةُ التَّمْلِيكِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَزُولَ بِهِ الْمِلْكُ عَنِ الرَّقَبَةِ قِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذِهِ الْأَرْضُ مُحَرَّمَةٌ لَا تُوَرَّثُ وَلَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ لَمْ يَصِرْ وَقْفًا وَلَمْ يَزل مِلْكُهُ عَنْهَا وَقَدْ أَتَى بِصَرِيحِ مَعْنَى الْوَقْفِ فَإِذَا قَالَ وَقَفْتُهَا أَوْ حَبَسْتُهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهَا.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه ملك مائة سهمٍ من خَيْبَرَ اشْتَرَاهَا فَلَمَّا اسْتَجْمَعَهَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ مَالًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ مِثْلَهُ وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ " وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَهُ: " إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا وَحَبَسْتَ أَصْلَهَا " فَجَعَلَهَا عُمَرُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِي الرِّقَابِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلَّاهَا إِنْ أَكَلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيُطْعِمُ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ، وَأَوْصَى بِهَا إِلَى حَفْصَةَ، ثُمَّ إِلَى الْأَكَابِرِ مِنْ أَوْلَادِ عُمَرَ وَالتَّعَلُّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَهُ بِأَنْ يَحْبِسَ الْأُصُولَ، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يَقَعُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ بِحَالٍ، فَإِنْ قِيلَ: بَلْ يَصِحُّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَقِفُ وَيَرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى يَحْكُمَ بِهِ، فَإِذَا حَكَمَ بِهِ لَزِمَ قِيلَ: فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ اللُّزُومُ مِنْ جِهَتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ بِالْحُكْمِ، كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ عُمَرَ رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَحَكَمَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ لَنُقِلَ، لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّقْلِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالتَّعَلُّقُ الثَّانِي: بِالْخَبَرِ أَنَّ عُمَرَ جَعَلَهَا صَدَقَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَحْكَامَهَا فَقَالَ: لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَتَعَلَّقُ بِهَا إِذَا صَارَتْ صَدَقَةً وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا الْحَاكِمُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَأَنَسًا، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَفَاطِمَةَ وَغَيْرَهُمْ وَقَفُوا دُورًا وَبَسَاتِينَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَجَعَ فِي وَقْفِهِ فَبَاعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ وَرَثَتِهِمْ مَعَ اخْتِلَافِ هَمِّهِمْ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَنُقِلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ الرُّجُوعُ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَلْزَمُ بِالْوَصِيَّةِ فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
أَصْلُهُ: إِذَا بَنَى مَسْجِدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ الْحَاكِمَ، وَقَدْ قَالَ أبو حنيفة: إِذَا أُذِنَ لِقَوْمٍ فَصَلّوا فِيهِ صَارَ مَحْبِسًا وَثَبَتَ وَقْفُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَمِلَ مَقْبَرَةً وَأَرَادَ أَنْ يَقِفَهَا فَأَذِنَ لِقَوْمٍ فَدَفَنُوا فِيهَا ثَبَتَ الْوَقْفُ، وَلِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَ بِغَيْرِ حُكْمِهِ.
أَصْلُهُ: سَائِرُ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ الَّتِي تُزِيلُ الْمِلْكَ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ حَبْسَ الزَّانِيَةِ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعِلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) {النساء: 15) وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - السَّبِيلَ فَقَالَ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مائةٍ وَتَغْرِيبُ عامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مائةٍ وَالرَّجْمُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا يُنَبِّهُ فِي آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ: {إنَّ اللهَ أعْطَى كُلّ ذِي حِقٍ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ﴾ فكأنه قَالَ: لَا يُحْبَسُ عَنْ وَارِثٍ شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: فَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَائِطَ مَا كَانَ لَهُ إِنَّمَا كَانَ لِأَبَوَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ الْخَبَرِ " مَاتَا فَوَرِثَهُمَا ".
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ شُرَيْحٍ فَهُوَ أَنْ نَقُولَ: هَذَا مُرْسَلٌ، لِأَنَّ شُرَيْحًا تَابِعِيٌّ، وَلَا
نَقُولُ بِالْمَرَاسِيلِ أَوْ نَقُولُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْأَحْبَاسَ الَّتِي كَانَتْ تَفْعَلُهَا الْجَاهِلِيَّةُ، وَقَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: {مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ) {المائدة: 13) .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَقْفُ مَا صَحَّ لِمَعْنًى عَرَضَ فِيهِ فَرَدَّهُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ الرَّدُّ لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْحَبْسِ كَمَا لَوْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ بَيْعًا فَرَدَّهُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَبْسَ الْبَيْعِ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى صَدَقَةِ التَّمْلِيكِ فَإِنَّا نَقْلِبُهُ، فَنَقُولُ: فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً.
أَصْلُهُ: مَا ذَكَرُوهُ ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ إِذَا أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، وَإِذَا أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ الْوَقْفِ لَزِمَ أَلَا تَرَى أَنَّ هِبَةَ الْعَبْدِ لَا تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَعِتْقَهُ يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَهُوَ إِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَقْدٌ عَلَى الرَّقَبَةِ، لِأَنَّ الْوَقْفَ مُزِيلُ الْمِلْكِ عَنِ الرَّقَبَةِ فَهُوَ كَالْعِتْقِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمُ الْأَخِيرُ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَلْزَمَ إِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الْمَعْنَى، وَيَلْزَمَ إِذَا أُتِيَ بِلَفْظَةٍ كَمَا إِذَا قَالَ عَنْ عَقْدِ النِّكَاحِ أَحْلَلْتُ لَكَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ وَأَبَحْتُهَا لَكَ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ وَقَدْ صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ وَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ أَوْ أَنَكَحْتُكَ جَازَ ذَلِكَ والله أعلم.
فَصْلٌ
: ذَكَرَ أَصْحَابنَا تَفْسِيرَ السَّائِبَةِ، وَالْبَحِيرَةِ، وَالْوَصِيلَةِ، وَالْحَامِ، فَأَمَّا السَّائِبَةُ فَهِيَ النَّاقَةُ تَلِدُ عَشرَةَ بُطُونٍ كُلُّهَا إِنَاثٌ فَتُسَيَّبُ تِلْكَ النَّاقَةُ فَلَا تُحْلَبُ إِلَّا لِلضَّيْفِ وَلَا تُرْكَبُ، وَالْبَحِيرَةُ: وَلَدُهَا الَّذِي يَجِيءُ بِهِ فِي الْبَطْنِ الْحَادِي عَشَرَ فَإِذَا كَانَ أُنْثَى فَهِيَ الْبَحِيرَةُ، وَإِنَّمَا سَمَّوْهَا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْحَرُونَ أُذُنَهَا أَيْ يَشُقُّونَهَا، وَالنَّحْرُ الشَّقُّ، وَلِهَذَا سَمَّوُا الْبَحْرَ بَحْرًا لِأَنَّهُ شَقٌّ فِي الْأَرْضِ.
وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ فَهِيَ الشَّاةُ تلد خمسة بطن فِي كُلِّ بَطْنٍ عَنَاقَانِ فَإِذَا وَلَدَتْ بَطْنًا سَادِسًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى قَالُوا وَصَلَتْ أَخَاهَا فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ حَلَالًا لِلذُّكُورِ وَحَرَامًا لِلْإِنَاثِ وَأَمَّا الْحَامُ فَهُوَ الْفَحْلُ يَنْتِجُ مِنْ ظَهْرِهِ عَشَرَةَ بُطُونٍ فَيُسَيَّبُ وَيُقَالُ: حَمَي ظَهْرُهُ فَكَانَ لَا يُرْكَبُ.
فَصْلٌ
: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ لُزُومِ الْوَقْفِ عِنْدَنَا الْقَبْضُ وَقَالَ محمد بن الحسن: مِنْ شَرْطِ لُزُومِهِ الْقَبْضُ كَالْهِبَةِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعُمَرَ " حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ " وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِقْبَاضِ وَلِأَنَّهُ جَعَلَ إِلَيْهِ التَّحْبِيسَ، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يَمْلِكُ الْوَاقِفُ التَّحْبِيسَ، لِأَنَّهُ لَا تَصِيرُ بِوَقْفِهِ لَازِمًا حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ سَبَبٌ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ عُمَرَ وَقَفَ تِلْكَ السِّهَامَ الَّتِي مَلَكَهَا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ فَكَانَ يَلِي صَدَقَتَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ وَقَفَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَلَمْ يَزَلْ يلي
صَدَقَتَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ تزل فاطمة عليهما السَّلَامُ تَلِي صَدَقَتَهَا حَتَّى لَقِيَتِ اللَّهَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ يَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ فَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَطِيَّةٌ، لِأَنَّ الْوَقْفَ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ، وَالْعِتْقُ وَالْعَقْدُ لَا يُسَمَّى عَطِيَّةً، فَكَذَلِكَ الْوَقْفُ، ثم المعنى في الأصل إن ذل تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَوْهُوبِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَقْفُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ.
فَصْلٌ
: إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ دَارًا فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّ مِلْكَ الْوَاقِفِ يَزُولُ عَنِ الْمَوْقُوفِ بالوقف كما يزول بالبيع وغيره وخرج أبو العباس فيه قولاً آخر أنه لا يزول ملكه، وَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ " وَتَحْبِيسُ الْأَصْلِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْمِلْكِ، وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ الْوَقْفَ سَبَبٌ بِقَطْعِ تَصَرُّفِ الْوَاقِفِ فِي الرَّقَبَةِ وَالْمُنَفِّعَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُزِيلَ الْمِلْكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ وَغَيْرُهُمَا.
وَإِنَّ الْجَوَابَ عَمَّا ذَكَرُوهُ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّحْبِيسُ ذَكَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِلْكَ الْوَاقِفِ يَزُولُ عَنِ الْمَوْقُوفِ فَهَلْ يَزُولُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيَمْلِكُهُ أَوْ يَنْتَقِلُ مِلْكُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ طُرُقٍ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ ال
ْمَسْأَلَةُ
عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ قَالَ: كَمَا يَمْلِكُ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْمَالِ لَا رَقَبَتَهُ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: إِنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّ الرَّجُلَ إذا أوعى وَقْفًا عَلَيْهِ فَأَقَامَ شَاهِدًا أَوْ أَحَدًا حَلِفَ مَعَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ وَخَالَفَ ذَلِكَ الْعِتْقُ، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ الْيَمِينُ وَالشَّاهِدُ، فَلَوِ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ فَإِذَا تَقَرَّرَ الْقَوْلَانِ، فَإِنْ قَالَ إِنَّهُ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يُخْرِجُ الْمَوْقُوفَ عَنِ الْمَالِيَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَطْعَنُ بِالْغَصْبِ وَيُثْبِتُ عَلَيْهِ الْيَدَ وَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا مَلَكَهُ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَبِيعُ أُمَّ الْوَلَدِ وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجْهُهُ أَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ عَنِ الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمِلْكُ إِلَيْهِ كَالْعِتْقِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هُوَ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِحَصِيرِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ من الآدميين وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ هَا هُنَا وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ قَبُولِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى الْوَقْفِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْوَقْفَ وَإِنْ كَانَ يَنْتَقِلُ مِلْكُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ انْتِفَاعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ دَارًا
فَالْمَقْصُودُ بِهِ أَنْ يَأْخُذَ غَلَّتَهُ وَإِنْ كَانَ بُسْتَانًا فَالْمَقْصُودُ بِهِ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَرَتَهُ، وَذَلِكَ الْمَقْصُودُ مَالٌ، وَكُلَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ مَالًا قُبِلَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هَا هُنَا فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ الْمَوْقُوفِ كَمَا لَا يَمْلِكُ العتق بيع رقبته.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ وَلَقَدْ حَفِظْنَا الصَّدَقَاتِ عَنْ عَدَدٍ كثيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلَقَدْ حَكَى لِي عددٌ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَأَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَهَا حَتَى مَاتُوا يَنْقُلُ ذَلِكَ الْعَامَّةُ مِنْهُمْ عَنِ الْعَامَّةِ لا يختلفون فيه (قال الشافعي) رحمه الله: وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات لعلي ما وصفت لم يزل من تصدق بها من المسلمين من السلف يلونها على من ماتوا وإن نقل الحديث فيها كالتكلف (قال) واحتج محتج بحديث شريحٍ أن محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جاء بإطلاق الحبس فقال الشافعي الحبس الذي جاء بإطلاقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لو كان حديثاً ثابتاً كان على ما كانت العرب تحبس من البحيرة والوصيلة والحام لأنها كانت أحباسهم ولا نعلم جاهلياً حبس داراً على ولدٍ ولا في سبيل الله ولا على مساكين وأجاز النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لعمر الحبس على ما روينا والذي جاء بإطلاقه غير الحبس الذي أجازه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قال) واحتج محتج بقول شريح لا حبس عن فرائض الله (قال الشافعي) رحمه الله: لو جعل عرضةً له مسجداً لا تكون حبساً عن فرائض الله تعالى فكذلك ما أخرج من ماله فليس بحبسٍ عن فرائض الله ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: جُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَسَائِرُ النَّاسِ.
فَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: فَكَانَتِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " إِنَّا أَهْلَ بيتٍ لَا يَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ "، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى ثَمَرَةً مُلْقَاةً فَقَالَ: " لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا " وَلِأَنَّ الصَّدَقَاتِ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُنَزَّهٌ عَنْهُ.
وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يَقْبَلُهَا وَرُوِيَ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ حَمَلَ إليه تمراً في طبقٍ فَقَالَ: مَا هَذَا قَالَ: صَدَقَةٌ فَرَدَّهُ، ثُمَّ حَمَلَ إِلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا هَذَا قَالَ: هديةٌ فَقَبِلَهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أكل من لحمٍ تصدق به على بريرة وَقَالَ: " هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هديةٌ " وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ الِامْتِنَاعُ لِأَجْلِ التَّحْرِيمِ أَوْ لِأَجْلِ الِاسْتِحْبَابِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِأَجْلِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ رَدَّ الصَّدَقَةَ عَلَى سَلْمَانَ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لَمَا رَدَّهَا وَلَكَانَ يَطِيبُ قَلْبُهُ بِقَبُولِهَا وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِلصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ لَمَّا رَدَّ حِمَارَهُ الَّذِي أَهْدَاهُ إِلَيْهِ وَرَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ لَيْسَ بنا رد عليك وكلنا حُرُمٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي اللَّحْمِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ " هُوَ لَهَا صدقةٌ وَلَنَا هديةُ " وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّا أَهْلَ بيتٍ لَا يَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ " وَهَذَا عَامٌّ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ الِامْتِنَاعَ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ لَا التَّحْرِيمِ فَوَجْهُهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَّتْ لَهُ الْهَدِيَّةُ حَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ الْمُتَطَوَّعُ بها لغيره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلِأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِمِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ وَتَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ الْمُتَطَوَّعُ بِهَا، وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
فَأَمَّا أَهْلُ بَيْتِهِ: فَالصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنَّا أَهْلَ بيتٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ " وَقَوْلِهِ لِلْفَضْلِ فِي خُمْسِ الْخُمْسِ مَا يُغْنِيكُمْ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ أَخَذَ ثمرة مِنَ الصَّدَقَةِ فَأَكَلَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كخٍ كخٍ يَعْنِي ارْمِ بِهَا وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَكَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ السِّقَايَاتِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: " إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ ".
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَعْنِي بِأَهْلِ الْبَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبِذَوِي الْقُرْبَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فَهُمُ الَّذِينَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ وَهُمْ ذَوِي الْقُرْبَى فَأَمَّا آلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الَّذِينَ يُذْكَرُونَ فِي التَّشَهُّدِ فَقَدْ قِيلَ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ فَآلُ الرَّجُلِ: أَتْبَاعُهُ وَأَشْيَاعُهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَدخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ) {غافر: 46) وَأَرَادَ بِهِ أَشْيَاعَ فِرْعَوْنَ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ فَتَحِلُّ الصَّدَقَاتُ كُلُّهَا عَلَيْهِمِ الْمَفْرُوضَةُ وَغَيْرُ المفروضة والله أعلم بالصواب.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيَجُوزُ الْحَبْسُ فِي الرَّقِيقِ وَالْمَاشِيَةِ إِذَا عُرِفَتْ بِعَيْنِهَا قِيَاسًا عَلَى النَّخْلِ وَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ يَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ وَالدُّورِ وَالْأَرْضِ وَالرَّقِيقِ وَالْمَاشِيَةِ وَالسِّلَاحِ وَكُلِّ عَيْنٍ تَبْقَى بَقَاءً مُتَّصِلًا وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا.
وَقَالَ أبو يوسف: لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الْأَرَاضِي وَالدُّورِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالْغِلْمَانِ فَأَمَّا وَقْفُ الْغِلْمَانِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحَيَوَانِ عَلَى الِانْفِرَادِ فَلَا تَصِحُّ وَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَهُ مَا عَدَا الْأَرْضَ وَالدُّورَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَلَا يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ فَلَمْ يَصِحَّ وَقْفُهُ كَالْأَطْعِمَةِ وَالسَّمُومَاتِ وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ أُمَّ مَعْقَلٍ جَاءَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا مَعْقِلٍ جَعَلَ نَاضِحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ أَفَأَرْكَبُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " ارْكَبِيهِ فَإِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ " وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعَثَ عُمَرَ سَاعِيًا فَلَمَّا رَجَعَ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا إِنَّهُ قَدْ حَبَسَ أَذرعه وَأَعْبدَهُ وَمِنْ وجهه الْمَعْنَى أَنَّهَا عَيْنٌ تَجُوزُ بَيْعُهَا وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَائِهَا الْمُتَّصِلِ فَجَازَ وَقْفُهَا كَالدُّورِ.
وقولنا: " عين " احترازها يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ حَيَوَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ غيره موقفه لَمْ يَصِحَّ.
وَقَوْلُنَا: " يَجُوزُ بَيْعُهُ " احْتِرَازٌ مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْحُرِّ.
وَقَوْلُنَا: " يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا " احْتِرَازٌ مِنَ الْحَشَرَاتِ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا.
وقولنا: " مع
بَقَائِهَا الْمُتَّصِلِ " احْتِرَازٌ مِنَ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ بِالِانْتِفَاعِ.
وَقَوْلُنَا " الْمُتَّصِلُ " احْتِرَازٌ مِنَ السَّمُومَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَتَّصِلُ بَقَاؤُهَا وَإِنَّمَا تَبْقَى يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً فَقَطْ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ وَقْفُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ جَازَ وَقْفُهُ مُنْفَرِدًا كَالشَّجَرَةِ لِأَنَّهَا وَقْفٌ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَتُوقَفُ مُنْفَرِدَةً عَنْهَا، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْوَقْفِ انْتِفَاعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا عَدَا الْأَرْضَ وَالْعَقَارَ فَجَازَ وَقْفُهُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ فَهُوَ أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَيَصِحُّ وَقْفُهُ، ثُمَّ إِنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِالْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَثَبَّتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُ الشَّرِيكَ عَلَى الدَّوَامِ، وَإِنَّمَا يَدُومُ الضَّرَرُ فِيمَا لَا يَنْفَكُّ وَمَا يَنْفَكُّ فَلَا يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ فَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَقْفُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ الِانْتِفَاعُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا يَنْفَكُّ وَيُحَوَّلُ إِذَا كَانَ عَلَى الْأَوْصَافِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَجَازَ وَقْفُهُ إذا ثَبَتَ هَذَا فَكُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا وَأَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَائِهَا الْمُتَّصِلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَقْفُهَا إِذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مُطْلَقَةً وَهُوَ أَنْ يَقُولَ وقفت فرساً أو عبد فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَلِهَذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ ثَوْبًا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَالْإِخْبَارُ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْكَلْبُ فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَقْفُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا قَالَ تَصَدَّقْتُ بِدَارِي عَلَى قومٍ أَوْ رجلٍ معروفٍ حيٍّ يَوْمَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَقَالَ صدقةٌ محرمةٌ أَوْ قَالَ موقوفةٌ أَوْ قَالَ صدقةٌ مسبلةٌ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ فَلَا تَعُودُ مِيرَاثًا أَبَدًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ أَلْفَاظُ الْوَقْفِ سِتَّةٌ: تَصَدَّقْتُ وَوَقَفْتُ وَحَبَسْتُ لأن التصدق يَحْتَمِلُ الْوَقْفَ وَيَحْتَمِلُ صَدَقَةَ التَّمْلِيكِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا وَيَحْتَمِلُ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ فَإِذَا قَرَنَهُ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْوَقْفِ انْصَرَفَ إِلَى الْوَقْفِ وَانْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ وَالْقَرِينَةُ أَنْ يَقُولَ: تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً أَوْ مُحْبَسَةً أَوْ مُسْبلَةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ مُؤَبَّدَةً، أَوْ يَقُولُ صَدَقَةً لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تُصْرَفُ إِلَى الْوَقْفِ وَكَذَلِكَ إِذَا نَوَى الْوَقْفَ انْصَرَفَ إِلَى الْوَقْفِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَصِيرُ وَقْفًا مِنَ الْحُكْمِ، فَإِذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ نَوَى الْوَقْفَ صَارَ وَقْفًا فِي الْحُكْمِ حِينَئِذٍ كَمَا قَالَ أَنْتِ حِلٌّ وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا أَقَرَّتْ بِالنِّيَّةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحُكْمِ فَأَمَّا إِذَا قَالَ وَقَفْتُ كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيهِ، لِأَنَّ الشرع قد ورد بها حيث قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعُمَرَ: " حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ " وَعُرْفُ الشَّرْعِ بِمَنْزِلَةِ عُرْفِ الْعَادَةِ فَأَمَّا إِذَا قَالَ حُرِّمَتْ وَبَدَتْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ لِأَنَّهُ مَا وَرَدَ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا لَا يُسْتَعْمَلَانِ إِلَّا فِي الْوَقْفِ وَلَا يَحْتَمِلَانِ شَيْئًا آخَرَ فَإِذَا قُلْنَا إِنَّهُمَا صَرِيحَانِ فِيهِ فَالْحَاكِمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَإِذَا قُلْنَا كِنَايَتَانِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَرِينَةِ أَوِ النِّيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا هُوَ كِنَايَةٌ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ فَلَفْظَانِ التَّحْرِيمُ وَالتَّأْبِيدُ، فَإِذَا قَالَ حَرَّمْتُهَا أَوْ أَبَدْتُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَكُونُ كِنَايَةً لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يُرِيدَ بِتَحْرِيمِ الْوَقْفِ أَوْ يُرِيدَ تَحْرِيمَ التَّصَرُّفِ.
والوجه الثاني: يكون صريح، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَقْفُ مِنَ الصَّرِيحِ.
فَصْلٌ
: وَقْفُ الْمُشَاعِ يَجُوزُ وَقَالَ محمد بن الحسن لَا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّ رَهْنَهُ وَإِحَازَتَهُ لَا تَجُوزُ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ أن عمر رضي الله عنه ملك مائة سهمٍ مِنْ خَيْبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ " فَوَقَفَهَا بِأَمْرِهِ وَكَانَتْ مُشَاعًا، وَلِأَنَّ مَا صَحَّ بَيْعُهُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَنَافِعِ الْبَاقِيَةِ صَحَّ وَقْفُهُ كَالْمَحُوزِ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحَّ آخِرُهُ وَالْمُشَاعُ كَالْبَيْعِ.
فَصْلٌ
: وَقْفُ الدِّرْهَمِ وَالدَّنَانِيرِ لَا يَجُوزُ وَقْفُهَا لِاسْتِهْلَاكِهَا فَكَانَتْ كَالطَّعَامِ وَرَوَى أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ جَوَاز وَقْفِهَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى وَقْفِهَا عَلَى أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِمَنَافِعِهَا لَا لِاسْتِهْلَاكِهَا بِأَعْيَانِهَا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ وَقْفَ الْمَنَافِعِ وَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ وَقَفَهَا لِلْإِجَارَةِ وَالِانْتِفَاعِ الْبَاقِي فَعَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِجَارَةِ.
وَأَمَّا وَقْفُ الْحُلِيِّ فَجَائِزٌ لَا يَخْتَلِفُ لِجَوَازِ إِجَارَتِهِ أَوْ مَكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
فَصْلٌ
: أَرْضُ الْخَرَاجِ ضَرْبَانِ:
أحدهما: أن تكون مملوكة الدوار فَيَكُونُ خَرَاجُهَا جِزْيَةً تَسْقُطُ عَنْهَا بِالْإِسْلَامِ وَيَجُوزُ وَقْفُهَا لِكَوْنِهَا مِلْكًا تَامًّا لِوَقْفِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَمْلُوكَةِ الدوارِ كَأَرْضِ السَّوَادِ فَخَرَاجُهَا أُجْرَةٌ وَوَقْفُهَا لَا يَجُوزُ وَأَجَازَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا، وَهُوَ أَصْلُنَا فِي الْمَنْعِ مِنْ وَقْفِهَا، أَوْ لَا يجوز عندنا بيعها.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مِلْكِهِ إِلَّا إِلَى مَالِكِ منفعةٍ يَوْمَ يُخْرِجُهَا إِلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُسْبِلْهَا عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً أَبَدًا فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا عَلَيْهِ كَانَتْ مُحَرَّمَةً أَبَدًا وَرَدَدْنَاهَا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا يَوْمَ تَرْجِعُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْوَقْفَ مُلْحَقٌ بِالْهِبَاتِ فِي أَصْلِهِ، وَبِالْوَصَايَا فِي فَرْعِهِ، وَلَيْسَ كَالْهِبَاتِ الْمَحْضَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِيهَا مَنْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَلَا كَالْوَصَايَا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ أَصْلٍ مَوْجُودة، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صِحَّةَ الْوَقْفِ مَنْ يَجُوزُ وَقْفُهُ وَمَا يَجُوزُ وَقْفُهُ مُعْتَبَرٌ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ السَّبِيلِ، لِيُعْلَمَ مَصْرِفُهُ وَجِهَةُ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنْ قَالَ: وَقَفْتُهُ عَلَى
ما شاء زيد، وهكذا لو قَالَ وَقَفْتُهُ عَلَى مَا شَاءَ زَيْدٌ، كَانَ بَاطِلًا، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ وَقَفْتُهُ فِيمَا شَاءَ اللَّهُ، كَانَ بَاطِلًا، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ شِئْتُ، أَوْ فِيمَا شِئْتُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ لَهُ مَنْ شَاءَ، أَوْ مَا شَاءَ عِنْدَ وَقْفِهِ جَازَ، وَأَخَذَ بَيَانَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُمْ إِذَا تَعَيَّنُوا لَهُ عِنْدَ مَشِيئَتِهِ فَالسَّبِيلُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ وَاقِفِهِ يُؤْخَذُ بَيَانُهَا، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنُوا فَهِيَ مَجْهُولَةٌ كَوُرُودِ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهِ، فَهِيَ مَجْهُولَةٌ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَفِي الْوَقْفِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ وَهُوَ الْأَقْيَسُ لِلْجَهْلِ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَصْرِفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: جَائِزٌ وَفِي مَصْرِفِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهُمُ ابْنُ سريج.
أحدهما: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصْرِفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَقْفِ الْقُرْبَى، وَمَقْصُودَ الْقُرْبَى فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ وَصَّى بِإِخْرَاجِ ثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَيِّ الْجِهَاتِ صَرَفَ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَيَكُونُ أَقْرَبُ النَّاسِ نَسَبًا وَدَارًا مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ أَحَقَّ بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَصْرِفُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْبَرِّ لِعُمُومِ النَّفْعِ بِهَا.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبٌ لَهُ أَنَّ الْأَصْلَ وَقْفٌ وَالْمَنْفَعَةُ لَهُ، وَلِوَرَثَتِهِ، وَوَرَثَةِ وَرَثَتِهِ مَا بَقَوْا، فَإِذَا انْقَرَضُوا كَانَتْ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَكَأَنَّهُ وَقَفَ الْأَصْلَ وَاسْتَبْقَى الْمَنْفَعَةَ لِنَفْسِهِ وَلِوَرَثَتِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ قَالَ وَقَفْتُهَا على من يولد لي وليس له ولداً يَجُوزُ.
قِيلَ لَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ مَعَ الْإِطْلَاقِ قَدْ يَحْمِلُ بِالْعُرْفِ عَلَى جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ وَمَعَ تَعْيِينِ الْحَمْلِ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى جِهَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ.
فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَوْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَهُوَ وَقْفٌ بَاطِلٌ لِعِلَّتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَقْفَ مَا كَانَ سَبِيل مَخْصُوص الْجِهَاتِ لِتُعْرَفَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَذَا.
وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ هَذَا الشَّرْطِ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَقْفُهَا إِلَى جَمِيعِهِمْ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِهَةَ مَخْصُوصَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ فِيهِمْ لَا يُوجِبُ اسْتِيعَابَ جَمِيعِهِمْ كَالزَّكَاوَاتِ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى قَبِيلَةٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهِمْ كَوَقْفِهِ إِيَّاهَا عَلَى رَبِيعَةَ أَوْ مُضَرَ أَوْ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَقْفَ بَاطِلٌ تَعْلِيلًا بأن استيفاء جميعهم غير ممكن وليس في الشَّرْع لَهُمْ عُرْف.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَقْفَ جَائِزٌ تَعْلِيلًا بِأَنَّ الْجِهَةَ مَخْصُوصَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَيَدْفَعُ إِلَى مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهَذَا حُكْمُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
: وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُسْبَلَةً مُؤَبَّدَةً لَا تَنْقَطِعُ، فَإِنْ قَدَّرَهُ بِمُدَّةٍ بِأَنْ قَالَ: وَقَفُتُ دَارِي عَلَى زَيْدٍ سَنَةً لم يجز، وأجازه ما ملك، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، فَقَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَقَرَّبَ بِكُلِّ مَالِهِ وَبِبَعْضِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهِ فِي كُلِّ الزَّمَانِ وَفِي بَعْضِهِ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَإِنْ قِيلَ فَهَذِهِ عَارِيَةٌ وَلَيْسَتْ وَقْفًا.
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْعَارِيَةَ يَرْجِعُ فِيهَا وَهَذِهِ لَا رَجْعَةَ فِيهَا، أَوْ هَذَا خطأ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ " وَهَذَا أَصْلٌ غَيْرُ مُحْبَسٍ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ وَقَفَ إِلَى مُدَّةٍ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَتَقَ إِلَى مُدَّةٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَرَى مَجْرَى الْهِبَاتِ فَلَيْسَ فِي الْهِبَاتِ رُجُوعٌ وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الْوَصَايَا والصدقات فليس فيها.
لزوال الْمِلْكِ رُجُوعٌ، وَلِهَذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ أَنْ يَقِفَ بَعْضَ مَالِهِ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ أَنْ يَقِفَ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَقْفِ بَعْضِ مَالِهِ رُجُوعٌ فِي الْوَقْفِ، وَفِي وَقْفِهِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ رُجُوعٌ فِي الْوَقْفِ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْوَقْفَ إِلَى مُدَّةٍ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ الْوَقْفُ الْمُتَقَطِّعُ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّرْ بمدة لا يجوز.
مسألة
أَنْ يَقُولَ وَقَفْتُ بَعْدَهُ الدَّارَ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ آخِرَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ زَيْدًا يَمُوتُ فَيَصِيرُ الْوَقْفُ مُنْقَطِعًا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَلَى زَيْدٍ وَأَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ مَا تَنَاسَلُوا لِأَنَّهُ وَقْفٌ لَا يُعْلَمُ تَأْبِيدُهُ لِجَوَازِ انْقِرَاضِهِمْ فَصَارَ وَقْفًا مُنْقَطِعًا، وَهَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ نَفَرٍ لَأَنَّ الْمَسْجِدَ وَالرِّبَاطَ قَدْ يُخَرَّبَانِ وَيَبْطُلَانِ وَالثَّغْرَ قَدْ يُسَلَّمُ أَهْلَهُ فَصَارَ مُنْقَطِعًا حَتَّى يَقُولَ فَإِنْ بَطَلَ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا إِنْ وَقَفَهُ عَلَى قُرَّاءِ الْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا، لِأَنَّهُمْ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الْإِسْلَامُ، وَقَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَهَكَذَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ وَقْفًا بَاقِيًا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى ثَغْرٍ بِعَيْنِهِ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ بِمَا وَصَفْنَا أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ مُقَدَّرًا وَلَا مُنْقَطِعًا فَفِيهِ قَوْلَانِ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ: لِأَنَّ حُكْمَ الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ مُؤَبَّدًا، وَالْمُنْقَطِعُ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ فَلَمْ يَصِرْ وَقْفًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَقْفَ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَصْلُ مَوْجُودًا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ مَنْ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ كَالْوَصَايَا وَالْهِبَاتِ.
فَإِذَا قِيلَ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ كَانَ مِلْكُ الْوَاقِفِ وَلَا يَلْزَمُ فِي الْأَصْلِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، وله التصرف فيه كسائر أملاكه.
وإذا قِيلَ: بِجَوَازِ الْوَقْفِ كَانَ عَلَى الْأَصْلِ الْمَوْجُودِ مَا كَانَ بَاقِيًا لَا حَقَّ لَوَاقِفِهِ فِيهِ فَإِذَا هَلَكَ الْأَصْلُ وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ الْوَقْفُ فينقطع سبله فلا يخلوا حال الواقف في شرطه الواقفة من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يشترط تحريمها وتأبيدها.
والثاني: أن يشترط رجوعها إليه.
والثالث: أن يطلق، وإن اشرط رُجُوعَهَا إِلَيْهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ إِنَّهُمَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا لَهُمَا مِنَ الْآثَارِ لِمُوجِبِ الشَّرْطِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ تَغْلِيبًا لِلْحُكْمِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنِ اشْتَرَطَ تَأْبِيدَهَا أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ، لِأَنَّ تَعْيِينَ الْأَصْلِ فيه أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَفِي مَصْرَفِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ لِأَنَّهَا أَعَمُّ.
وَالثَّانِي: فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، لِأَنَّهُمْ مَقْصُودُ الصَّدَقَاتِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى أَقَارِبِ الْوَاقِفِ لَكِنْ أَطْلَقَ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ ذِكْرَ الْأَقَارِبِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ، وَرَوَى حَرْمَلَةُ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُخَرِّجُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرُدُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَرْجِعُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، وَهُوَ نَصُّ مَا رَوَاهُ حَرْمَلَةُ، وَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتِ الرِّوَايَةُ مُخْتَلِفَةً وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ مَحْمُولٌ عَلَى تَقْيِيدِ حَرْمَلَةَ وَيَرُدُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ أَقَارِبِهِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، لِأَنَّهُ مَصْرِفُ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ فِي ذَوِي الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَقَارِبَ صِلَةً لِلرَّحِمِ كَالزَّكَاةِ، وَإِذَا تقرر ما وصفنا فلا يخلوا حَالُ الْوَقْفِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ مَوْجُودٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَعْدُومٍ وَفَرْعٍ مَعْدُومٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ مَعْدُومٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَعْدُومٍ وَفَرْعٍ مَوْجُودٍ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ مَوْجُودٍ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُ الدَّارَ عَلَى زَيْدٍ فَإِذَا مَاتَ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَهَذَا جَائِزٌ، لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ زَيْدًا أَصْلًا وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَالْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ فَرْعًا وَهُمْ مَوْجُودُونَ، وَهَكَذَا إِذَا قَالَ: وَقَفْتُهَا عَلَى زَيْدٍ وَأَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ مَا تَنَاسَلُوا ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَادُ زَيْدٍ مَوْجُودِينَ، لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِمَوْجُودٍ وَيَتَعَقَّبُهُمْ فَرْعٌ مَوْجُودٌ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَارَ الْوَقْفُ مُلْحَقًا بِالْوَصَايَا فِي فَرْعِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَصْلٌ مَعْدُومٌ وَفَرْعٌ مَعْدُومٌ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُهَا
عَلَى مَنْ يُولَدُ لِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا، فَهَذَا وَقْفٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّ مَنْ يُولَدُ لَهُ مَعْدُومٌ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَارَ مُلْحَقًا بِالْهِبَاتِ ثُمَّ يَكُونُ مَا وقفه على ملكه قولاً واحد بِخِلَافِ مَا وَقَفَهُ وَقْفًا مُرْسَلًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ مَعْدُومٍ فَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمُقَدَّرِ وَالْمُنْقَطِعِ وَفِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: هُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَعْدُومٍ وَفَرْعٍ مَوْجُودٍ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُهَا عَلَى مَنْ يُولَدُ لِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُخَرِّجُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ مَعْدُومٍ.
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ لِعَدَمِ أَصْلِهِ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ لِوُجُودِ فَرْعِهِ وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يَجْعَلُ الْوَقْفَ بَاطِلًا قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَذَا هو الصحيح، والفرق بين هذا ويبن أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ مَعْدُومٍ أَنَّ مَا عُدِمَ أَصْلُهُ فَلَيْسَ لَهُ مَصْرِفٌ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ لَهُ مَصْرِفٌ فِي ثَانِي حَالٍ، فَبَطَلَ وَمَا وُجِدَ، فَلَهُ مَصْرِفٌ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا مَا يُخَافُ عَدَمُ مَصْرِفِهِ فِي ثَانِي حَالٍ فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إِلَّا أَنْ يُولَدَ لِي وَلَدٌ فَيَكُونُ الْوَقْفُ لَهُ وَلِوَلَدِهِ وَأَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا، وَإِذَا انْقَرَضُوا فَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَهَذَا وَقْفٌ جَائِزٌ، لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ فِيهِ أَصْلٌ وَفَرْعٌ، وَإِنَّمَا جَعَلَ مَا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَعْدُومًا، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ صِحَّةِ الْوَقْفِ، كَمَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى وَلَدٍ لَهُ مَوْجُودٌ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ الَّذِينَ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَانَ الْوَقْفُ جَائِزًا فَهَذَا حُكْمُ الشَّرْطِ الثَّانِي وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةٍ تَصِحُّ مِلْكُهَا أَوِ التَّمَلُّكُ لَهَا، لِأَنَّ غَلَّةَ الْوَقْفِ مَمْلُوكَةٌ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَالِكًا.
قِيلَ: هَذَا وَقَفٌ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا عَيَّنَ مَصْرِفَهُ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ فَصَارَ مَمْلُوكًا مَصْرُوفًا فِي هَذِهِ الْجِهَةِ مِنْ مَصَالِحِهِمْ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى دَابَّةِ زَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الدَّابَّةَ لَا تُمَلَّكُ وَلَا يُصْرَفُ ذَلِكَ فِي نَفَقَتِهَا، لِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُهَا عَلَى دَارِ عَمْرٍو لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُمَلَّكُ فَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى عِمَارَةِ دَارِ زَيْدٍ، نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ دَارُ زَيْدٍ وَقْفًا صَحَّ هَذَا الْوَقْفُ، لِأَنَّ الْوَقْفَ طَاعَةٌ وَحِفْظَ عِمَارَتِهِ قُرْبَةٌ، فَصَارَ كَمَا لَوْ وَقَفَهَا على مساجد أَوْ رِبَاطٍ أَوْ كَانَتْ دَارُ زَيْدٍ مِلْكًا طَلْقًا.
بَطَلَ هَذَا الْوَقْفُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُمَلَّكُ وَلَيْسَ اسْتِيفَاؤُهَا وَاجِبًا إِذْ لِزَيْدٍ بَيْعُهَا، وَلَيْسَ فِي حِفْظِ عِمَارَتِهَا طَاعَةٌ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى عَبْدِ زَيْدٍ، نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى نَفَقَةِ الْعَبْدِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ لِيَكُونَ الْعَبْدُ مَالِكًا لِغَلَّتِهِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْعَبْدِ هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ أَمْ لَا؟ وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى الْمُكَاتِبِينَ أَوْ على
مُكَاتِبٍ بِعَيْنِهِ كَانَ الْوَقْفُ جَائِزًا لِأَنَّ سِهَامَ الزَّكَوَاتِ أَغْلَظُ حُكْمًا، وَفِيهَا سَهْمُ الرِّقَابِ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى مُدَبَّرٍ كَانَ كَالْعَبْدِ وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ، وَلَكِنْ لَوْ وَقَفَهَا عَلَى عَبْدِهِ أَوْ مُدَبَّرِهِ أَوْ مَكَاتَبِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ فَهَذَا حُكْمُ الشَّرْطِ الثَّالِثِ.
فَصْلٌ
: وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْوَقْفَ طَاعَةٌ تُنَافِي الْمَعْصِيَةَ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى الزُّنَاةِ أَوِ السُّرَّاقِ أَوْ شُرَّابِ الْخَمْرِ أَوِ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ الْوَقْفُ فِي هَذِهِ الجهات باطلاً، لأنها معاصي يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَانَ عَلَيْهَا فَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَكَانَ الرَّجُلُ حِينَ وَقَفَهَا عَلَيْهِ مُرْتَدًّا فَعَلَى الْوَقْفِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ كَمَا لَوْ وَقَفَهَا عَلَى مَنِ ارْتَدَّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: جَائِزٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى مُرْتَدٍّ فَيَجُوزُ وَبَيْنَ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى مَنِ ارْتَدَّ فَلَا يَجُوزُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ، وَقْفٌ عَلَى الرِّدَّةِ، وَالرِّدَّةُ مَعْصِيَةٌ، وَالْوَقْفُ عَلَى رَجُلٍ هُوَ مُرْتَدٌّ لَيْسَ بِوَقْفٍ عَلَى الرِّدَّةِ فَلَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَلَى مَعْصِيَةٍ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: فِي الْوَقْفِ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ إِغْرَاءٌ بِالدُّخُولِ فِي الرِّدَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْوَقْفِ عَلَى مُرْتَدٍّ إِغْرَاءٌ بِالدُّخُولِ فِي الرِّدَّةِ، لِأَنَّ غَيْرَهُ لَوِ ارْتَدَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْوَقْفِ حَقٌّ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ فِي الرِّدَّةِ إِنْ لَوْ صَحَّ الْوَقْفُ.
فَأَمَّا إِذَا وَقَفَهَا عَلَى مُسْلِمٍ وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَالْوَقْفُ صَحِيحٌ وَأَبْطَلَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ أَمْلَاكَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ فَصَارَ الْوَقْفُ عَلَى الْمُرْتَدِّ يَنْقَسِمُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ:
بَاطِلٌ: وَهُوَ أَنْ يُنْفِقَهُ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ.
وَجَائِزٌ: وَهُوَ أَنْ يُنْفِقَهُ عَلَى مُسْلِمٍ فَيَرْتَدُّ.
وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ: وَهُوَ أَنْ يَقِفَهُ عَلَى رَجُلٍ مُرْتَدٍّ.
فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَجَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِفُ مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ، وَإِنْ مُنِعُوا الْمَفْرُوضَ مِنْهَا، فَلَوْ وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ غَلَّتِهِ، فَلَوِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَصْرِفَ الْوَقْفَ وَالْحَجَّ عَنْهُ، لِأَنَّ الْحَجَّ عَنِ الْمُرْتَدِّ لَا يَصِحُّ وَصُرِفَ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ أُعِيدَ الْوَقْفُ إِلَى الْحَجِّ عَنْهُ، وَلَوْ وَقَفَهَا فِي الْجِهَادِ عَنْهُ جَازَ، فَلَوِ ارْتَدَّ الْوَاقِفُ عَنِ الْإِسْلَامِ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى حَالِهِ مَصْرُوفًا فِي الْمُجَاهِدِينَ عَنْهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْحَجُّ وَيَصِحُّ مِنْهُ الْجِهَادُ، فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْكَنَائِسِ وَالْبَيْعِ فَبَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِفُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَوْ وَقَفَ دَارًا لِيُسْكِنَهَا
فَقُرَاءَ الْيَهُودِ وَمَسَاكِينَهُمْ، فَإِنْ جَعَلَ لِلْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَسَاكِينِهِمْ فِيهَا حَظًّا جَازَ الْوَقْفُ، وَإِنْ جَعَلَهَا مَخْصُوصَةً بِالْفُقَرَاءِ الْيَهُودِ فَفِي صِحَّةِ وَقْفِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: جَائِزَةٌ كَالْوَقْفِ عَلَى فُقَرَائِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمْ إِذَا انْفَرَدُوا بِسُكْنَاهَا صَارَتْ كَبَيْعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى كُتُبِ التَّوْرَاةِ والإنجيل فباطل، لأنها مبدلة، فصار وقف عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُعَلِّلُ بُطْلَانَ الوقف عليها بأنها كتب قد نخست وهذا تعليل فاسد لأن تلاوة النسوخ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى وَآيَاتِهِ خَطَأٌ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا يتلا وَيُكْتَبُ كَغَيْرِ الْمَنْسُوخِ، فَهَذَا حُكْمُ الشَّرْطِ الرَّابِعِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
: وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَعُودَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، وَإِنْ وَقَفَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ أبو يوسف: يَجُوزُ وَقْفُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ شَرَطَ أَوَّلَ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَ جَمِيعَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ حِينَ ضَاقَ الْمَسْجِدُ بِهِ مَنْ يَشْتَرِيَ هَذِهِ الْبُقْعَةَ وَيَكُونُ فِيهَا كَالْمُسْلِمِينَ وَلَهُ فِي الْجَنَّةِ خيرٌ مِنْهَا فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ وَقَالَ فِي بِئْرِ رُومَةَ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْ مَالِهِ، وَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاشْتَرَطَ فِيهَا رِشًا كَرِشَا الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: كَيْفَ ذَهَبَ هَذَا عَلَى الشَّافِعِيِّ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لصاحب البدنة " اركبها إذا ألجئت إليها حتى تَجِدَ ظَهْرًا " فَجَعَلَ لَهُ الِانْتِفَاعَ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ مَالِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعتق صفية، وجعل عتقها صدقها معاد إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ لِلَّهِ، وَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَفَ دَارًا لَهُ فَسَكَنَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَأَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ جَعَلَ رِبَاعَهُ صَدَقَاتٍ مَوْقُوفَاتٍ فَسَكَنَ مَنْزِلًا مِنْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَلِأَنَّهُ لما استوى هو وغيره في الوقت الْعَامِّ جَازَ أَنْ يَسْتَوِيَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي الْوَقْفِ الْخَاصِّ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ وَقْفَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ وَبِتَسْبِيلِ الثَّمَرَةِ يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ، وَلَا تَصِحُّ صَدَقَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ عَقْدٌ يَقْتَضِي زَوَالَ الْمِلْكِ فَصَارَ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَلَمَّا لَمْ تَصِحَّ مُبَايَعَةُ نَفْسِهِ وَلَا الْهِبَةُ بِهَا لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ مَنَافِعِ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ كَاسْتِثْنَائِهِ فِي العتق أَحْكَامِ الرِّقِّ لِنَفْسِهِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ هَذَا فِي الْعِتْقِ لَمْ يَجُزْ مِثْلُهُ فِي الْوَقْفِ، ولأن الوقف يوجب إزالة ملك استحداث غَيْرِهِ وَهُوَ إِذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يدل بِالْوَقْفِ مِلْكًا وَلَا اسْتَحْدَثَ بِهِ مِلْكًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ وَقْفًا وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ عُثْمَانَ شَرَطَ فِي بِئْرِ رُومَةَ أَنْ يَكُونَ دَلْوُهُ كَدِلَاءِ الْمُسْلِمَيْنِ فَهُوَ أَنَّ المال عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ لَا يُمْلَكُ بِالْإِجَازَةِ فَلَمْ يقف ما اشْتَرَطَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْبِئْرِ شَيْئًا وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَكَانَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْثِرْ بِهَا دُونَهُمْ وَأَنَّهُ فِيهَا كَأَحَدِهِمْ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ لِصَاحِبِ الْبَدَنَةِ " ارْكَبْهَا إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَى تَجِدَ ظَهْرًا " فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَدَنَةِ مَنَافِعَهَا فَجَازَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْوَقْفِ مَنَافِعُهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْبَدَنَةِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ مَنَافِعُهَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْوَقْفِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ يُعْتَبَرُ شَرْطٌ، فَكَذَلِكَ لَا يَعُودُ إِلَيْهِ بِالشَّرْطِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عِتْقِهِ لِصَفِيَّةَ فَهُوَ أَنَّ الْعِتْقَ عَلَى عِوَضٍ جَائِزٌ وَالْوَقْفَ عَلَى عِوَضٍ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَأَمَّا سُكْنَى عُمَرَ وَالزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وما وَقَفَاهُ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُكْنَاهُمَا بَعْدَ اسْتِطَابَةِ نُفُوسِ أَرْبَابِهِ، لِأَنَّ نَفْسَ مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ لَا يَأْتِي إِرْفَاقُ الْوَقْفِ بِهِ، وَلَوْ مَنَعَهُ لَامْتَنَعَ أَوْ يَكُونَ قَدِ اسْتَأْجَرَ ذَلِكَ مِنْ وَاقِفِهِ.
وَأَمَّا الْوَقْفُ الْعَامُّ فَسَنَذْكُرُ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَكُونُ جَوَابًا عَنْهُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ وَقْفَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَاقِفِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا أَوْ خَاصًّا، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَعَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُهُ عَلَى نَفْسِي ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَقْفًا لِنَفْسِهِ، وَهَلْ يَبْطُلُ أَنْ يَكُونَ وَقْفًا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؟ فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِأَصْلٍ بَاطِلٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِيهِ أَصْلًا عِنْدَ بُطْلَانِ الْأَصْلِ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَسْتَحِقُّونَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ اعْتِبَارًا بِظَاهِرِ شَرْطِهِ وَيَكُونُ أَحَقَّ بِغَلَّتِهِ مِنْهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّوِنَ الْوَقْفَ فِي الْحَالِ وَإِلَّا صَارَ وَقْفًا بَعْدَ مُدَّةٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَارَتِ الْغَلَّةُ إِلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ لَصَارَ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَعْمُولًا فِيهِ عَلَى شَرْطِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَامًّا فَعَلَى ضربين:
أحدهما: أن يكون مَنَافِعُهُ مُبَاحَةً كَمَرَافِقِ الْمَسْجِدِ وَمَاءِ الْبِئْرِ فَهَذَا يَكُونُ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطِ اسْتِدْلَالًا بِوَقْفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءٌ ثَلَاثٌ ".
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُهُ لَيْسَتْ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ كَثِمَارِ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطْلِقَهُ وَلَا يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْهُ كَرَجُلٍ وَقَفَ نَخْلًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَصَارَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، دَخَلَ فِيهِ وَجَازَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا كَأَحَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ بِوَصْفِهِ لَا بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَوْصُوفَيْنِ لَا عَلَى مَعْنَيَيْنِ فَيُسَاوِي مَنْ شَارَكَهُ فِي حَقِّهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا كَانَ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالزُّبَيْرِيِّ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ عَامًّا فَجَازَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْعُمُومِ بِعَيْنِهِ كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ بِوَصْفِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِعَيْنِهِ كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْخَاصِّ بِعَيْنِهِ، فَإِذَا قُلْنَا: يَجُوزُ دُخُولُهُ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حق قائم على التأييد يَخْلُفُهُ فِيهِ وَرَثَتُهُ وَوَرَثَةُ وَرَثَتِهِ مَا بَقُوا فَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَ حِينَئِذٍ عَلَى جَمَاعَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمُدَّةِ حَيَّاتِهِ فَإِذَا مَاتَ عَادَ إِلَى الْفُقَرَاءِ دُونَ وَرَثَتِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَرَاءِ وَإِذَا قِيلَ إِنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهُ فِيهِمْ بِعَيْنِهِ فَهَلْ يَكُونُ مَا جَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ أَمْ دَاخِلًا فِي عُمُومِ وَقْفِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، لِأَنَّ الْوَقْفَ بَطَلَ فِيهِ وَصَحَّ فِيمَا سِوَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ دَخَلَ فِي عُمُومِ وَقْفِهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَقِيَ فِي الْجَمِيعِ وَإِنَّمَا بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْحُكْمِ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى وَرَثَةِ وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَمَاتَ الْوَلَدُ وَكَانَ الْأَبُ الْوَاقِفُ أَحَدَ وَرَثَتِهِ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ قَدْرُ مِيرَاثِهِ مِنْهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالزُّبَيْرِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَرْجِعُ وَلَا عَلَى الْبَاقِينَ مِنْ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ قَدْرَ مَوَارِيثِهِمْ وَلَا يَأْخُذُونَ مِيرَاثَ غَيْرِهِمْ، وَيَرُدُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ يَنْظُرُ فِيمَا جَعَلَهُ لِوَرَثَةِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ فَيَكُونُ كَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالزَّوْجَةُ وَالْوَلَدُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّسَاوِي فِي الْعَطَايَا فَلَمْ يَشْتَرَطِ التَّفَاضُلَ، فَلَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى وَرَثَةِ زَيْدٍ، وَكَانَ زَيْدٌ حَيًّا فَلَا حَقَّ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَكُونُ مَوْرُوثًا وَإِنَّمَا يُسَمَّى أَهْلُهُ وَرَثَةً عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ هَذَا وَقْفًا عَلَى أَصْلٍ مَعْدُومٍ فَيَكُونُ عَلَى مَا مَضَى، وَلَوْ كَانَ زَيْدٌ مَيِّتًا كَانَ ذَلِكَ وَقْفًا صَحِيحًا عَلَى وَرَثَتِهِ ثُمَّ يَكُونُ عَلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ فِي التَّسَاوِي وَالتَّفْضِيلِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رحمه الله تعالى: " وَهِيَ عَلَى مَا شَرَطَ مِنَ الْأَثَرَةِ وَالتَّقْدِمَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْوَقْفَ عَمَلِيَّةٌ يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فَإِذَا وَقَفَ عَلَى
أَوْلَادِهِ وَكَانُوا مَوْجُودِينَ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ صَحَّ الْوَقْفُ إِنْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ وَبَطَلَ عَلَى أَوْلَادِهِ إِنْ كَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةٌ وَفِي بُطْلَانِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ قَوْلَانِ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الْوَاقِفُ عَلَى أَوْلَادِهِ فِي الصِّحَّةِ فأمضياه دخل فيهم الذكور والإناث والخناثى؛ لأنه كُلَّهُمْ أَوْلَادُهُ؛ فَإِنْ فَضَّلَ الذُّكُورَ عَلَى الْإِنَاثِ أَوْ فَضَّلَ الْإِنَاثَ عَلَى الذُّكُورِ حُمِلُوا عَلَى تَفْضِيلِهِ وَهَكَذَا لَوْ فَضَّلَ الصِّغَارَ عَلَى الْكِبَارِ أَوِ الْكِبَارَ عَلَى الصِّغَارِ، وَإِنْ أَطْلَقَ سَوَّى بَيْنَهُمْ وَلَا يُفَضَّلُ ذَكَرٌ عَلَى أُنْثَى وَلَا صَغِيرٌ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ ولا شيء لأولاده أَوْلَادِهِ إِذَا كَانَ وَقْفُهُ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَيَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَخَرَّجَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَتَعَلَّقُ بِحَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ دُونَ مَجَازِهَا وَحَقِيقَةُ اسْمِ الْوَلَدِ يَنْطَلِقُ عَلَى وَلَدِ الصُّلْبِ دُونَ وَلَدِ الْوَلَدِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ كَانَ ذَلِكَ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْ أَوْلَادِ صُلْبِهِ وَلِلْبَطْنِ الثَّانِي وَهُمْ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ يَشْتَرِكُ الْبَطْنُ الثَّانِي وَالْبَطْنُ الْأَوَّلُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ أَوْ يَقُولَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، وَلَا يَشْتَرِكُ الْبَطْنُ الثَّانِي وَالْبَطْنُ الْأَوَّلُ حَتَّى إِذَا انْقَرَضَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ أَخَذَ الْبَطْنُ الثَّانِي حِينَئِذٍ فَإِذَا انْقَرَضَ الْبَطْنُ الثَّانِي فَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْبَطْنِ الثَّالِثِ وَيَنْتَقِلُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَكُونُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مِنَ الْبُطُونِ وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْفُقَرَاءِ إِلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، وَإِنْ سَفَلُوا فَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي اسْتَحَقَّ ثَلَاثَةَ أَبْطُنٍ مِنْ وَلَدِهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ بَعْدَ الْبَطْنِ الثَّالِثِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ثُمَّ يُشَارِكُ كُلُّ بَطْنٍ لِمَنْ بَعْدَهُ إِلَّا أَنْ يُرَتِّبَ فَيَكُونُ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي أَبَدًا مَا بَقُوا وَتَنَاسَلُوا اسْتَحَقَّهُ كُلُّ بَطْنٍ يَحْدُثُ مِنْ وَلَدِهِ، فَإِنْ رَتَّبَ كَانَ عَلَى تَرْتِيبِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ شَارَكَ الْبَطْنُ الْأَعْلَى الْبَطْنَ الْأَسْفَلَ وَلَا حَقَّ لِلْفُقَرَاءِ فِيهِ مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ فَإِذَا انْقَرَضَ جَمِيعُهُمْ صَارَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ دَخَلَ فِيهِمْ وَلَدُ الْبَنِينَ مَعَ الْبَنَاتِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَدْخُلُ فِيهِمْ أَوْلَادُ الْبَنِينَ دُونَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ؛ لِأَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ لَا يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَكُونُوا مِنْ وَلَدِهِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
(بَنُونَا بنوا أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ)
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ بَنَاتِهِ هُمْ خَيْرُ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، هُوَ أَنَّ الْبَنَاتَ لَمَّا كُنَّ مِنْ أَوْلَادِهِ كَانَ أَوْلَادُهُنَّ أَوْلَادَ أَوْلَادِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَسَنِ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ فَسَمَّاهُ ابْنًا.
فَصْلٌ
: فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى نَسْلِي، أَوْ قَالَ عَلَى عَقِبِي، أَوْ عَلَى ذُرِّيَّتِي، دَخَلَ فِيهِمْ أَوْلَادُ الْبَنِينَ وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ وَإِنْ بَعُدُوا، لِأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ وَذُرِّيَّتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
{وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ يُجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى) {الأنعام: 84) فَجَعَلَ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَهُوَ إِنَّمَا نَسَبَ إِلَيْهِ بِأُمٍّ لَا بِأَبٍ، وَلَكِنْ لَوْ وَقَفَهَا عَلَى مُنَاسَبَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ أَوْلَادُ بَنَاتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إِلَى آبَائِهِمْ دُونَ أُمَّهَاتِهِمْ لَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِمِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ دُونَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: عَلَى عَصَبَتِي لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ إِلَّا الذُّكُورُ وَمِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ بَنِيهِ دُونَ الْإِنَاثِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى بَنِيَّ لَمْ يُشْرِكْهُمْ بَنَاتُهُ وَلَا الْخَنَاثَى، وَلَوْ قَالَ: عَلَى بَنَاتِي لَمْ يُشَارِكْهُمْ بَنُوهُ وَلَا الْخَنَاثَى، وَلَوْ قَالَ: عَلَى بَنِيَّ وَبَنَاتِي، دَخَلَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ وَفِي دُخُولِ الْخَنَاثَى فِيهِمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَدْخُلُونَ فِيهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْبَنِينَ وَلَا فِي الْبَنَاتِ.
والثاني: يدخلون فيهم، لأنهم لا يخلوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْبَنِينَ أَوْ مِنَ الْبَنَاتِ، وَإِنْ كَانُوا عِنْدَنَا مُشْكَلِينَ فَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مُشْكَلِينَ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُهَا عَلَى بَنِي فُلَانٍ، فَإِنْ أَشَارَ إِلَى رَجُلٍ لَا إِلَى قَبِيلَةٍ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَلَوْ أَشَارَ إِلَى قَبِيلَةٍ كَقَوْلِهِ: عَلَى بَنِي تَمِيمٍ فَفِي دُخُولِ الْبَنَاتِ فِيهِمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَدْخُلُونَ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْقَبِيلَةِ.
وَالثَّانِي: لَا يَدْخُلُونَ تَغْلِيبًا لِحَقِيقَةِ الِاسْمِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى بَنَاتِ فُلَانٍ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمِ الذُّكُورُ سَوَاءٌ أَرَادَ رَجُلًا أَوْ قَبِيلَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ حَدٌّ يَجْمَعُ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِاسْمِ الذُّكُورِ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِاسْمِ الْإِنَاثِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: مَنْ نَاسَبَهُ إِلَى الْجَدِّ.
وَالثَّانِي: مَنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي رَحِمٍ.
وَالثَّالِثُ: كُلُّ مَنِ اتصل منه ينسب أَوْ سَبَبٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ " وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى آلِهِ فَفِيهِمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ مَنْ دَانَ بِدِينِهِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ فَهُمُ الْمَوْلُودُونَ، يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، يَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَأَوْلَادُ الذُّكُورِ وَأَوْلَادُ الْإِنَاثِ، ثُمَّ الْوَالِدُونَ، يَسْتَوِي فِيهِمُ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ ثُمَّ يَسْتَوِي بَعْدَهُمُ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ عَلَى الْجَدِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُونَ.
وَالثَّانِي: يَسْتَوُونَ ثُمَّ يُقَدَّمُ بَنُو الْإِخْوَةِ عَلَى الْأَعْمَامِ، وَيُسَوِّي بَيْنَ الْأَخْوَالِ وَالْأَعْمَامِ،
وَيُسَوِّي بَيْنَ وَلَدِ الْأَبِ وَوَلَدِ الْأُمِّ وَهَلْ يُفَضَّلُ عَلَيْهِمَا وَلَدُ الْأَبِ وَالْأُمِّ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَإِنْ وَقَفَهَا عَلَى مَوَالِيهِ فَإِنْ ذَكَرَ مَوْلًى مِنْ أَعْلَى فَهِيَ لَهُ دُونَ مَنْ سَفَلَ، وَإِنْ ذَكَرَ مَوْلًى مِنْ أَسْفَلَ فَهِيَ لَهُ دُونَ مَنْ عَلَا، وَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ ثلاثة أوجه حكاهما أبو سعيد الاصطخري.
أحدهما:: يَكُونُ لِمَنْ عَلَا وَهُوَ الْمُعْتِقُ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ لِمَنْ سَفَلَ وَعَلَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اسْمِ الْمَوْلَى.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْوَقْفَ بَاطِلٌ لِامْتِيَازِ الْفَرِيقَيْنِ وَاسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى عِيَالِهِ فَهُمْ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ وَالِدٌ وَوَلَدٌ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى حَشَمِهِ فهم من في نفقة سِوَى الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى حَاشِيَتِهِ فهم المتصلون بخدمته.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْغِنَى وَالْحَاجَةِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وهذا صحيح للواقف أن يشترك فِي وَقْفِهِ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ الْفُقَرَاءَ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ وَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ الْأَغْنِيَاءَ دُونَ الْفُقَرَاءِ، وَلَوْ قَالَ وقف دَارِي عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ دَفَعَ مَنْ عَلَيْهَا إِلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى الْفَقْرَ منهم فإن جهلت حاله ما لم يعل غِنَاهُ وَلَا يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى فَقْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْعَدَمُ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَى مَنِ ادَّعَى الْغِنَى مِنْهُمْ عِنْدَ الْجَهْلِ بِحَالِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُ لَهُ بِالْغِنَى، لِأَنَّهُ يَدَّعِي حُدُوثَ مَا لَمْ يُعْلَمْ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى مَنِ اسْتَغْنَى مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا إِلَّا مَنْ كَانَ فَقِيرًا، ثُمَّ اسْتَغْنَى فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَزَلْ غَنِيًّا فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ يَقْتَضِي حُدُوثَ الْغِنَى، وَلَا يَدْفَعُ إِلَى مَنِ ادَّعَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى مَنِ افْتَقَرَ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا إِلَّا مَنْ كَانَ غَنِيًّا ثُمَّ افْتَقَرَ وَلَا يَدْفَعُ إِلَى مَنِ ادَّعَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ يَدَّعِي فَقْرًا بَعْدَ غِنًى.
فَصْلٌ
: فَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى فَقْرِ أَهْلِهِ فَكَانَ مِنْهُمْ صَبِيٌّ فَقِيرٌ لَهُ أَبٌ غَنِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ فَقِيرَةٌ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ أَوْ رَجُلٌ فَقِيرٌ لَهُ ابْنٌ غَنِيٌّ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَهُوَ يَشْتَغِلُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ كَانَ مِنْ فُقَرَاءِ الْوَقْفِ، وإن لم يكونوا من فقراء الزكوة، ألا ترى أنهم يكفرون بالصيام تكفيرهم الفقراء.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَمِنْ إِخْرَاجِ مَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا بصفةٍ وَرَدَّهُ إِلَيْهَا بِصِفَةٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْرِجَ مَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا وَيُدْخِلَ مَنْ أَدْخُلُهُ فِيهَا بِصِفَةٍ فَيَشْتَرِطُهَا وَإِذَا وُجِدَتْ دَخَلَتْ فِيهَا بِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَإِذَا عُدِمَتْ خَرَجَ مِنْهَا بِعَدَمِ الصِّفَةِ فَهَذَا جَائِزٌ وهو على شرطه فيه
محمولة كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُهَا عَلَى أَغْنِيَاءِ بَنِي تَمِيمٍ، فَمَنِ اسْتَغْنَى مِنَ الْفُقَرَاءِ أُدْخِلَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ وَمَنِ افْتَقَرَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ خَرَجَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُخْرِجَ مَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا بِاخْتِيَارِهِ وَيُدْخِلَ مَنْ أَدْخَلَ فِيهَا بِاخْتِيَارِهِ كَأَنَّهُ قَالَ قَدْ وَقَفْتُ دَارِي هَذِهِ عَلَى مَنْ شِئْتُ عَلَى أَنْ أُدْخِلَ فِي الْوَقْفِ مَنْ أَشَاءُ، وَأُخْرِجَ مِنْهُ مَنْ أَشَاءُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: جَائِزٌ كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُ بِصِفَةٍ وَأَخْرَجَهُ بِصِفَةٍ.
وَالثَّانِي: هُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَيَكُونُ الْوَقْفُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى مَوْصُوفٍ وَلَا مُعَيَّنٍ فَإِذَا قِيلَ: لَا يَجُوزُ كَانَ الْوَقْفُ بَاطِلًا إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَإِذَا قِيلَ بِجَوَازِهِ صَحَّ إِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى فِيهِ عند عقد الوقف قوماً، ثم له يُدْخِلَ مَنْ شَاءَ وَيُخْرِجَ مَنْ شَاءَ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَهَلْ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا شَاءَ، وَلَهُ شَرْطُهُ وَقَدِ اسْتَقَرَّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا مَا عَاشَ وَبَقِيَ لِعُمُومِ الشَّرْطِ، فَإِذَا مَاتَ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ فِيهِ عِنْدَ مَوْتِهِ مَنْ أَدْخَلَ فِيهِ فَقَدِ اسْتَقَرَّ دُخُولُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ فَقَدِ اسْتَقَرَّ خُرُوجُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ قَالَ وَقَفْتُهَا عَلَى الْأَرَامِلِ فَهُمُ النِّسَاءُ اللَّاتِي لَا أَزْوَاجَ لَهُنَّ، وَفِي اعْتِبَارِ فَقْرِهِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْيَتَامَى إِنْ خَصَّ أَرَامِلَ قَبِيلَةٍ لَمْ يراعي فَقْرُهُنَّ، وَإِنْ عَمَّ وَأَطْلَقَ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِمُ الرِّجَالُ الَّذِينَ لَا أَزْوَاجَ لَهُمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَدْخُلُونَ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ فِي الِاسْمِ.
وَالثَّانِي: يَدْخُلُونَ اعْتِبَارًا بِحَقِيقَةِ اللُّغَةِ، وَصَرِيحِ اللِّسَانِ وَأَنَّ الْأَرْمَلَ الَّذِي لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قَالَ الشَّاعِرُ:
(كُلُّ الْأَرَامِلِ قَدْ قَضَيْتُ حَاجَتَهَا ... فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ)
فَصْلٌ
: وَمَنْ وَقَفَهَا عَلَى الْغِلْمَانِ فَهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الذُّكُورِ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى الْجَوَارِي فَهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الْإِنَاثِ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى الْفِتْيَانِ فَهُمْ مَنْ قَدْ بَلَغَ وَإِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَذَا لَوْ وَقَفَهَا عَلَى الشَّبَابِ فَهُمْ كَالْفِتْيَانِ مَا بَيْنَ الْبُلُوغِ وَالثَّلَاثِينَ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى الْكُهُولِ فَهُمْ مَنْ لَهُ مِنْ بَيْنِ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ، وَقَدْ قِيلَ: فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَكَهْلاً وِمِنَ الصَّالِحينَ) {آل عمران: 46) أَنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَلَوْ وَقَفَهَا فَهُمْ مَنْ تَجَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى جِيرَانِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجِيرَانِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ دَرْبٌ يُعَلَّقُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ صَلَّى مَعَكَ فِي مَسْجِدِكَ وَدَخَلَ مَعَكَ إلى
حَمَّامِكَ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعُونَ دَارًا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ مَنْ نَسَبُوا إِلَى سُكْنَى مَحَلَّتِكَ، وَسَوَاءٌ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَالِكًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا وَيُسَوِّي بَيْنَ أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ وَجْهًا وَاحِدًا مَا لَمْ يُمَيِّزْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الشُّيُوعِ تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِالْفَقْرِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وقفها على قراء القرآن أعطي من قراءه كُلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَافِظًا وَلَا يُعْطَى مَنْ قَرَأَ بَعْضَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَرَأَ قُرْآنًا فَيُعْطَى مِنْهُ مَنْ قَرَأَ وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يُمْنَعُ مِنَ الْجُنُبِ وَلَوْ وَقَفَهُ عَلَى حُفَّاظِ الْقُرْآنِ لَمْ يُعْطَ مَنْ نَسِيَهُ بَعْدَ حِفْظِهِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى الْعُلَمَاءِ فَهُمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ لِأَنَّهُمْ فِي الْعُرْفِ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُونَ الْقُرَّاءِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ مَا تَصَرَّفَ فِي مَعَانِيهِ لَا مَا كَانَ مَحْفُوظَ التِّلَاوَةِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَقَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمُ الْغُزَاةُ، وَلَوْ وَقَفَهَا فِي سَبِيلِ الثَّوَابِ فَهُمُ الْقَرَابَاتُ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي رَحِمِكَ صدقةٌ وصلةٌ " وَلَوْ وَقَفَهَا فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ فَهُمْ سَهْمَانِ لِلصَّدَقَاتِ وَقِيلَ يَدْخُلُ فِيهِمُ الضَّيْفُ وَالسَّائِلُ وَالْمُعِيرُ وَفِي الْحَجِّ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى أَنَّهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا بَاعَهَا أَوْ رَجَعَ فِيهَا أَوْ أَخَذَ غَلَّتَهَا فَهُوَ وَقْفٌ بَاطِلٌ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ " فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَفَ وَكَتَبَ هَذَا مَا وَقَفَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَفَ عَيْنَ إِبَى ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَلِيَدْفَعَ اللَّهُ بِهَا عَنْ وَجْهِهِ حَرَّ جَهَنَّمَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى احْتَاجَ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ إِلَى بَيْعِهَا بِدَيْنٍ أَوْ نِيَابَةٍ فَلَهُمَا بَيْعُ مَا رَأَيَاهُ مِنْهَا، فَاحْتَاجَ الْحَسَنُ إِلَى بَيْعِهَا لِدَيْنٍ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ " لِيَدْفَعَ اللَّهُ بِهَا عَنْ وَجْهِهِ حَرَّ جَهَنَّمَ " فَامْتَنَعَ وَالدَّلَالَةُ عَلَى بُطْلَانِ الْوَقْفِ قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَبِّسِ الْأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ وَلِأَنَّ الشُّرُوطَ الْمُنَافِيَةَ للعقود مبطلة لها إذا اقتربت بِهَا كَالشُّرُوطِ الْمُبْطِلَةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يؤيد الْوَقْفَ وَلَا حَرَّمَهُ فَلَمْ يَصِحَّ كَالْقَدْرِ إِلَى وَقْتٍ بَلْ هَذَا أَفْسَدُ لِأَنَّهُ بِمَوْتِهِ أَجْهَلُ، فَأَمَّا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْ صَحَّ ما ذكر فيه فمحول عَلَى بَيْعِ مَا رَأَيَاهُ مِنْ غَلَّتِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ فِي هَذَا الْوَقْفِ وَجْهًا آخَرَ إِنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْوَقْفَ جَائِزٌ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ أَبَدًا.
فَصْلٌ
: فَإِذَا وَقَفَهَا عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو عَلَى أَنَّ لِزَيْدٍ مِنْهَا النِّصْفَ، وَلِعَمْرٍو مِنْهَا الثُّلُثَ كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ وَيَرْجِعُ السُّدُسُ الْفَاضِلُ عَلَيْهِمَا بالرد فيكون لزيد ثلاثة أخماسها ولعمرو خمسيها وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى أَنَّ لِزَيْدٍ نِصْفَهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَهَا وَلَمْ يَقُلْ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ إِنَّهَا عَلَيْهِمَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا سُمِّيَ لَهُ وَكَانَ السُّدُسُ الْفَاضِلُ إِذَا صَحَّ الْوَقْفُ فِيهِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى أَنَّ لِزَيْدٍ نِصْفَهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَهَا قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ فَيَكُونُ لِزَيْدٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِعَمْرٍو سَهْمٌ فَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو ثُمَّ عَلَى بَكْرٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى شَرْطِهِ فَكَانَتْ لِزَيْدٍ فَإِذَا مَاتَ فَلِعَمْرٍو فَإِذَا مَاتَ فَلِبَكْرٍ فَإِذَا مَاتَ فَلِلْفُقَرَاءِ فَإِذَا مَاتَ عَمْرٌو قَبْلَ زَيْدٍ ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ فَلَا حَقَّ فِيهَا لِبَكْرٍ وَكَانَتْ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، لِأَنَّ بَكْرًا رُتِّبَ بَعْدَ عَمْرٍو، وَجُعِلَ لَهُ مَا كَانَ لِعَمْرٍو، وَعَمْرٌو بِمَوْتِهِ قَبْلَ زَيْدٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ شَيْئًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَ بَكْرٌ عَنْهُ شَيْئًا.
فَصْلٌ
: الْوِلَايَةُ عَلَى الْوَقْفِ مُسْتَحَقَّةٌ فَإِنْ شَرَطَهَا الواقف في وقفها كَانَتْ لِمَنْ شَرَطَهَا لَهُ سَوَاءٌ شَرَطَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَإِنْ أَعْقَلَ اشْتِرَاطَهَا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرْنَاهَا مِنْ قَبْلُ.
أَحَدُهَا: أَنَّهَا لِلْوَاقِفِ اسْتِصْحَابًا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِحْقَاقِهَا عَلَى ملكه واستشهاداً بولاء عقته.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِلْمُوقَفِ عَلَيْهِ إِلْحَاقًا بِمِلْكِ الْمَنَافِعِ وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْأَخَصِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا لِلْحَاكِمِ وَلَهُ رَدُّهَا إِلَى مَنْ شَاءَ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ وَلُزُومِ نَظَرِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الْوَاقِفَ جعلها للأفضل والأفضل من بينه كَانَتْ لِأَفْضَلِهِمْ، فَلَوِ اسْتَقَرَّتْ لَهُ فَحَدَثَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ لَمْ يَنْتَقِلْ وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْأَفْضَلُ فِيهِمْ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُ الْفَاضِلِ فَيَصِيرَ مَفْضُولًا فَتَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَلَوْ جَعَلَهَا لِلْأَفْضَلِ مِنْ وَلَدِهِ فَهَلْ يُرَاعَى الْأَفْضَلُ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ أَمْ يُرَاعَى الْأَفْضَلُ مِنَ الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُرَاعَى أَفْضَلُ الْفَرِيقَيْنِ، لِأَنَّ كُلَّهُمْ وَلَدٌ.
وَالثَّانِي: يُرَاعَى أَفْضَلُ الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ لِأَنَّ الذُّكُورَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِنَاثِ فَلَوْ جَعَلَهَا لِابْنَيْنِ مِنْ أَفَاضِلِ وَلَدِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذِهِ الصِّفَةُ إِلَّا وَاحِدًا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى نَظَرِهِ وَحْدَهُ وَضَمَّ الْحَاكِمُ إِلَيْهِ أَمِينًا مِنْ غَيْرِ وَلَدِهِ، لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مُسْتَحِقٌّ لَهَا اخْتَارَ الحاكم أمينين يكونا وَالِيَيْنِ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْهُمْ فَاضِلَانِ فَلَمْ يَقْبَلَا الْوِلَايَةَ اخْتَارَ لِلْوِلَايَةِ غَيْرَهُمَا فَإِنْ طَلَبَا الْوِلَايَةَ بَعْدَ رَدِّهَا لَهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُمَا بِالرَّدِّ وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهِمَا بِالطَّلَبِ كَالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوِلَايَةِ شَرْطٌ هَلْ يَكُونُ الْمُوقَفُ عَلَيْهِ بِالْوِلَايَةِ أَحَقَّ.
أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُمَا إِذَا قِيلَ إِنَّهَا مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ بِغَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: هُمَا أَحَقُّ بِهَا إِذَا قِيلَ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ أَنَّهَا لَهُمَا.
فَصْلٌ
: فَإِذَا اخْتَلَفَ أَرْبَابُ الْوَقْفِ فِي شَرْطِهِ وَتَنَازَعُوا فِي تَرْتِيبٍ أَوْ تَفَاضُلٍ وَلَا بَيِّنَةٍ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ اشْتَرَكُوا جَمِيعًا فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَلَا تَفَاضُلٍ وَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ أَيْمَانَ بَعْضٍ لَزِمَتْ، فَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ حَيًّا كَانَ قَوْلُهُ فِيهِ مَقْبُولًا وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَلَوْ مَاتَ وَكَانَ وَارِثُهُ بَاقِيًا كَانَ قَوْلُ وَارِثِهِ فيه مقبولاً، فلو لم يكن واقف إلا وَارِثٌ، وَكَانَ والٍ عَلَيْهِ نُظِرَ فِي وِلَايَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ حَاكِمٍ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِ فِي شُرَكَاءِ الْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْوَاقِفِ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ فِي شُرُوطِهِ عِنْدَ اخْتِلَافِ أَهْلِهِ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْوَالِي عَلَيْهِ وَالْوَارِثُ فَأَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْوَارِثُ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاقِفِ.
وَالثَّانِي: الْوَالِي لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِالنَّظَرِ فَلَوْ جَعَلَ الْوَاقِفُ لِلْوَالِي عَلَيْهِ جَعْلًا وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ صَحَّ، وَكَانَ لَهُ مَا سُمِّيَ مِنْ أَجْلِ الْعِلَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " (وَمِنْهَا) فِي الْحَيَاةِ الْهِبَاتُ وَالصَّدَقَاتُ غَيْرُ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَهُ إِبْطَالُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنْ قَبَضَهَا أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بِأَمْرِهِ فَهِيَ لَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي الْأَوْقَافِ وَسَنَذْكُرُ أَحْكَامَ الْهِبَاتِ وَهِيَ مِنَ الْعَطَايَا الْجَائِزَةِ بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) {المائدة: 2) وَالْهِبَةُ بِرٌّ وَقَالَ {وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ) {البقرة: 177) الْآيَةَ يَعْنِي بِهِ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى كراعٍ لَأَجَبْتُ " وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " تَهَادُوا تَحَابُّوا " وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " إِنَّنَا نَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَنُكَافِئُ عَلَيْهَا " وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبَاحَتِهَا وَقِيلَ: إِنَّ الْهَدِيَّةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْهِدَايَةِ، لِأَنَّهُ اهْتَدَى بِهَا إِلَى الْخَيْرِ وَالتَّآلُفِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا تَقَرَّرَ إِبَاحَةُ الْهِبَةِ بِمَا ذَكَرْنَا فَتَكُونُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ بِمَوْهُوبٍ وَوَاهِبٍ وَمَوْهُوبٍ لَهُ وَعَقْدٍ وَقَبْضٍ.
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ فَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ صَحَّ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ، وَذَلِكَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ أَنْ يكون مملوكاً وإن كان غير مملوكاً مِنْ وَقْفٍ أَوْ طَلْقٍ لَمْ يَجُزْ وَأَنْ يكون معلوماً عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ مِنْ وَقْفٍ أَوْ طَلْقٍ لَمْ يَجُزْ وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَجُزْ، وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، فَإِنْ كان غائباً لم يجز لا يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ مِلْكِهِ مَانِعٌ، فَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ كَالْمَرْهُونِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لَمْ يَجُزْ فَهَذَا حُكْمُ الْمَوْهُوبِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَحُوزِ والمشاع سواء كان مما ينقسم ولا يَنْقَسِمُ.
وَقَالَ أبو حنيفة: هِبَةُ الْمُشَاعِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ جَائِزَةٌ وَالْمُشَاعُ الَّذِي يَنْقَسِمُ بَاطِلَةٌ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) {النساء: 4) وَلِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ كَالْمَحُوزِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْوَاهِبُ فَهُوَ كُلُّ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِكٍ كَالْغَاصِبِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا عَنْهُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ كَالسَّفِيهِ وَالْمُولَى عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَهُوَ مَنْ صَحَّ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَوْهُوبًا لَهُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَرَشِيدٍ فَأَمَّا مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ كالحمل والبهيمة ولا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَوْهُوبًا لَهُ، فَأَمَّا الْعَبْدُ ففي صحة كونه موهوباً قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ أَمْ لَا؟
فصل
: فأما العقد فهو بدل مِنَ الْوَاهِبِ، وَقَبُولٌ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ مَنْ يَقُومُ فِيهِ مِنْ وَلِيٍّ وَوَكِيلٍ، فَإِذَا قَالَ الْوَاهِبُ قَدْ وَهَبْتُ فَتَمَامُهُ أَنْ يَقُولَ: الموهوب عَلَى الْفَوْرِ: قَدْ قَبِلْتُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَتِمَّ الْعَقْدُ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْقَبُولُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ كَالْعِتْقِ، وَهُوَ قَوْلٌ شَذَّ بِهِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَخَالَفَ بِهِ الْكَافَّةَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْهَدَايَا فَلِلْهَدِيَّةِ فِي الْقَبُولِ حُكْمٌ يُخَالِفُ قَبُولَ الْهِبَاتِ نَحْنُ نَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبُولِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَهْدَى إِلَى النَّجَاشِيِّ مِسْكًا فَمَاتَ النَّجَاشِيُّ قَبْلَ وُصُولِ الْمِسْكِ إِلَيْهِ فَعَادَ الْمِسْكُ إِلَيْهِ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ نِسَائِهِ وَلَوْ صَارَ الْمِسْكُ لِلنَّجَاشِيِّ لَمَا اسْتَحَلَّ ذَلِكَ وَلَأَوْصَلَهُ إِلَى وَارِثِهِ، وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ تَامٌّ يَنْتَقِلُ عَنْ حَيٍّ فَافْتَقَرَ إِلَى قَبُولٍ كَالْبَيْعِ، وَفَارَقَ الْعِتْقَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُعْتِقَ لو ورد العتق لم يبطل والموهوب له لو ورد الْهِبَةَ بَطَلَتْ فَلِذَلِكَ مَا افْتَقَرَتِ الْهِبَةُ إِلَى قَبُولٍ وَلَمْ يَفْتَقِرِ الْعِتْقُ إِلَى قَبُولٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: قَدْ وَهَبْتُ لَكَ عَبْدِي هَذَا إِنْ شِئْتَ فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ، لَمْ يَكُنْ قَبُولًا حَتَّى يَقُولَ: قَدْ قَبِلْتُ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهِ، لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ هِبَةً لَهُ إِنْ شَاءَهَا، وَلَوْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ: قَدْ قَبِلْتُهُ إِنْ شِئْتَ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ قَبُولَ الْهِبَةِ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَى مَشِيئَةِ الْقَابِلِ دُونَ الْبَاذِلِ فَلَوِ ابْتَدَأَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقَالَ: هَبْ لِي عَبْدَكَ إِنْ شِئْتَ فقال: قد شئت لم يكن ذلك بدلاً حَتَّى يَقُولَ قَدْ وَهَبْتُ فَلَوْ قَالَ قَدْ وَهَبْتُ إِنْ شِئْتَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ بَذْلَ الْهِبَةِ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَى مَشِيئَةِ الْوَاهِبِ دُونَ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْقَبْضُ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْهِبَةِ لَا تَمَلُّكَ إِلَّا بِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُدُ: الْهِبَةُ تَتِمُّ بِالْعَقْدِ وَيُؤْخَذُ الْوَاهِبُ جَبْرًا بِالْقَبْضِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) {المائدة: 1) وَبِمَا رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ " قَالُوا: وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَفْتَقِرَ إِلَى قَبْضٍ كَالْوَصِيَّةِ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِينَ أَهْدَى إِلَى النَّجَاشِيِّ ثَلَاثِينَ أُوقِيَّةً مِسْكًا قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ إِنَّ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ وَسَيُرَدُّ عَلَيَّ فَأُعْطِيكِ فَلَمَّا رَدَّ عَلَيْهِ أَعْطَى كُلَّ واحدةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً وَدَفَعَ بَاقِيهِ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَلَوْلَا أَنَّ بِالْقَبْضِ يَمْلِكُ لَمَا اسْتَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَتَمَلَّكَهُ وَيَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَرَوَى الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَبَاهَا نَحَلَهَا جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَلَسَ فَتَشَهَّدَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ غِنًى بَعْدِي لَأَنْتِ وَإِنَ أَعَزَّ النَّاسِ فَقْرًا بَعْدِي لَأَنْتِ، وَإِنِّي قَدْ نَحَلْتُكِ جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي وَوَدِدْتُ لَوْ كنت جزيته وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ وَإِنَّمَا هُوَ أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، قَالَتْ: هَذَا أَخَوَايَ فَمَنْ أُخْتَايَ؟ قَالَ ذُو بَطْنٍ ابْنَةُ خَارِجَةَ فَإِنِّي أَظُنُّهَا جَارِيَةً قَالَتْ: لَوْ كُنَّ مَا بَيْنَ كَذَا وَكَذَا لَرَدَدْتُهُ فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ وَرُوِيَ أن عمر رضي الله عنه قال: مالي أَرَاكُمْ تُنْحِلُونَ لَا نَحْلِ إِلَّا مَا أَجَازَهُ الْمَنْحُولُ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ فَوَجَبَ أَنْ يَفْتَقِرَ إِلَى الْقَبْضِ كَالْقَرْضِ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا
يَلْزَمُ الْوَارِثَ إِلَّا بِالْقَبْضِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمَوْرُوثَ إِلَّا بِالْقَبْضِ كَالرَّهْنِ طَرْدًا وَالْبَيْعِ عَكْسًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) {المائدة: 1) فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ لَازِمُ الْعُقُودِ وَلُزُومُ الْهِبَةِ رُكُوبٌ بِالْقَبْضِ لَا بِالْعَقْدِ وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ " مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَالْمَعْنَى فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّهَا لَمَّا لَزِمَتِ الْوَارِثَ لَزِمَتِ الْمَوْرُوثَ، وَالْهِبَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمَّا لَمْ تَلْزَمِ الْوَارِثَ لَمْ تَلْزَمِ الْمَوْرُوثَ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْهِبَةِ فَهُوَ مُخْتَلِفٌ بِحَسْبَ اخْتِلَافِ الْمَقْبُوضَاتِ فَكُلُّ مَا كَانَ قَبْضًا فِي الْبَيْعِ كَانَ قَبْضًا فِي الْهِبَةِ إِلَّا أَنَّ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَبَضَ مَا دَفَعَ ثَمَنَهُ بغير إذن بائعه صح في الهبة لو قبضها بغير إذن بائعه صح في الهبة لو قبضها بغير إذنه الواهب لم تصح والفرق بينهما أن الرضى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي قَبْضِ الْبَيْعِ فَصَحَّ وَإِنْ كان بغير إذنه والرضى معتبر في قبض البيع فصح وإن كان بغير إذنه والرضى معتبر في قبض البيع فصح وإن كان بغير إذنه والرضى مُعْتَبَرٌ فِي قَبْضِ الْهِبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلَوْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ عَقْدِ الْهِبَةِ زَمَانُ الْقَبْضِ، وَهَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ أَمْ لَا؟ قَالَ الشافعي: تمت الهبة بِالْعَقْدِ وَمَضَى زَمَانُ الْقَبْضِ وَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى إِذْنٍ بِالْقَبْضِ وَقَالَ فِي الرَّهْنِ إِذَا كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَكَانَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَنْقُلُونَ جَوَابَ كُلٍّ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى وَيُخْرِجُونَهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَحْتَاجُ فِيهِمَا إِلَى إِذْنٍ بِالْقَبْضِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ، وَيَكُونُ الْعَقْدُ فِيهِمَا إِذْنًا بِقَبْضِهِمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنَ الْإِذْنِ بِالْقَبْضِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلِ الْجَوَابُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَحْتَاجُ فِي الرَّهْنِ إِلَى إِذْنٍ بِالْقَبْضِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْهِبَةِ إِلَى إِذْنٍ بِالْقَبْضِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْهِبَةَ تُزِيلُ الْمِلْكَ فَقَوِيَ أَمْرُهَا فَلَمْ تحتج فِي الْهِبَةِ إِلَى إِذْنٍ بِالْقَبْضِ وَالرَّهْنُ أَضْعَفُ منها لأنه لا يزيل الملك وافتقر إِلَى إِذْنٍ بِالْقَبْضِ.
فَصْلٌ
: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَبْضِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ إِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي وَلَوْ بَعْدَ طَوِيلِ الزَّمَانِ جَازَ، فَإِذَا قَبَضَ الْهِبَةَ فَفِيمَا اسْتَقَرَّ بِهِ مِلْكُهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَبْضَ هُوَ الْمِلْكُ فَعَلَى هَذَا لَوْ حَدَثَ مِنَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ نَمَاءٌ كَثَمَرَةِ نَخْلٍ وَنِتَاجِ وَمَاشِيَةٍ فَهُوَ لِلْوَاهِبِ دون الموهوب.
والقول الثاني: أن القبض يدل على ما تَقَدُّمِ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا حَدَثَ مِنَ النَّمَاءِ مِلْكًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ دُونَ الواهب فإن كان الْوَاهِبِ فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ قَدِ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ
تَسْلِيمِ الْأَصْلِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَيَكُونُ اسْتِهْلَاكُهُ رُجُوعًا فيه أن لَوْ كَانَ هِبَةً وَلَوِ اسْتَهْلَكَهُ وَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَصْلِ ضَمِنَهُ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا الْهَدَايَا فَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْهِبَاتِ فِي حُكْمِهَا لِأَنَّ فِي الْهِبَةِ عَقْدًا بِالْقَوْلِ يَفْتَقِرُ إِلَى بَدَلٍ وَقَبُولٍ وَلَيْسَ فِي الْهِبَةِ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إِلَى بَدَلٍ وَقَبُولٍ بَلْ إِذَا دَفَعَهَا الْمُهْدِي إِلَى الْمُهْدَى إليه فقبلها منه بالرضى وَالْعَقْدِ فَقَدْ مَلَكَهَا، وَهَكَذَا لَوْ أَرْسَلَهَا الْمُهْدِي مَعَ رَسُولِهِ جَازَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهِ إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُ الرَّسُولِ أَنْ يَقْبَلَهَا فَإِذَا أَخَذَهَا مِنَ الرَّسُولِ أَوْ أَذِنَ لِغُلَامِهِ فِي أَخْذِهَا مِنَ الرَّسُولِ أَوْ قَالَ لِلرَّسُولِ ضَعْهَا مَوْضِعَهَا اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُهْدَى إِلَيْهِ الْهِبَةَ فَلَوْ قَالَ الْمُرْسِلُ لَمْ أُنْفِذْهَا هَدِيَّةً وَكَذَبَ الرَّسُولُ بَلْ أَنْفَذْتُهَا وَدِيعَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَالْهَدَايَا تَخْتَصُّ بِالْمَأْكُولَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَالْهِبَاتُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَالْعُرْفُ في ذلك قوى شَاهَدٍ وَأَظْهَرُ دَلِيلٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِي طرف فإن كان الطرف مما لم تجريه الْعَادَةُ بِاسْتِرْجَاعِهِ مِثْلَ قَوَاصِرِ التَّمْرِ وَالْفَوَاكِهِ وَقَوَارِيرِ مَاءِ الْوَرْدِ وَالْأَزْهَارِ إِذَا كَانَتْ سَقْفًا فَهِيَ مملوكة مع الهدية لأن العرف لم يجز باسترجاعها، وإن كانت الطروف كالطيافير المدهونة والفضار وَالزُّجَاجِ الْمُحْكَمِ وَمَا شَاكَلَهُ مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِاسْتِرْجَاعِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ مَعَ الْهَدِيَّةِ وَلِلْمُهْدِي بَعْدَ إِرْسَالِ الْهَدِيَّةِ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا مَا لَمْ تَصِلْ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجَعَتْ إِلَيْهِ هَدِيَّتُهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ قَبْلَ وُصُولِهَا إليه فملكها.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيَقْبِضُ لِلطِّفْلِ أَبُوهُ، نَحَلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ وَدِدْتُ أَنَّكِ كُنْتِ قَبَضْتِيهِ وَهُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ (وَمِنْهَا) بَعْدَ الْوَفَاةِ الْوَصَايَا وَلَهُ إِبْطَالُهَا مَا لَمْ يَمُتْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وهذا صحيح تجوز الهبة الكل مَنْ صَحَّ مِنْهُ الْمِلْكُ مِنْ طِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ إِلَّا أَنَّ السَّفِيهَ يَصِحُّ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ، وَالطِّفْلَ وَالْمَجْنُونَ لَا يَصِحُّ منهما قبول الهدية، لأن القول السَّفِيهِ حُكْمًا وَلَيْسَ لِقَوْلِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ حُكْمٌ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَالْقَابِلُ لِلطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ وَلِيُّهُمَا مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ أَمِينٍ حَاكِمٍ وَهُوَ الْقَابِضُ لَهُمَا بَعْدَ الْقَبُولِ وَأَمَّا السَّفِيهُ فَهُوَ الْعَائِلُ وَوَلِيُّهُ هُوَ الْقَابِضُ فَإِنْ قَبَضَهَا السَّفِيهُ تَمَّتِ الْهِبَةُ أَيْضًا، وَلَوْ قَبَضَهَا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ لَمْ تَتِمَّ الْهِبَةُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ فإن كان الواهب للطفل أبوه فَهَلْ يَحْتَاجُ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ إِلَى لَفْظٍ بِالْبَدَلِ وَالْقَبُولِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُحْتَاجُ إليه بل ينو به، لأنه يكون مخاطب نَفْسَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُرِيدُ مَنْ عَقَدَ بِالْقَبُولِ فَيَبْذُلُ مِنْ نَفْسِهِ لِابْنِهِ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ فِي الْبَذْلِ وَالْإِقْبَاضِ نَائِبًا عَنْ نَفْسِهِ وَفِي الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ نَائِبًا عَنِ ابْنِهِ فَأَمَّا أَمِينُ الْحَاكِمِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ قَابِلٌ وَيَقْبِضَهُ مِنْهُ قَابِضٌ، وَكَذَلِكَ وَصِيُّ الْأَبِ وَهُمَا مَعًا بِخِلَافِ الْأَبِ كَمَا خَالَفَاهُ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ.
فَصْلٌ
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِنْهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ الْوَصَايَا وَلَهُ إِبْطَالُهَا مَا لَمْ يُثْبِتْ وَهَذَا
صَحِيحٌ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَسَّمَ الْعَطَايَا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فِي الْحَيَاةِ مِنْهَا قِسْمَانِ: الْوَقْفُ وَالْهِبَةُ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ قِسْمٌ وَهُوَ الْوَصَايَا قَدْ ذَكَرْنَا الْوَصَايَا وَإِنْ أَفْرَدَ لَهَا كِتَابًا لَاقْتَضَى التَّسْلِيمَ لَهَا وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْهِبَاتِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ وَإِنْ جاز بيعها في سائر الأحكام.
أحدهما: أَنَّ الْهِبَةَ عَطِيَّةٌ نَاجِزَةٌ، وَالْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ مُتَرَاخِيَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَجْهُولِ وَمَا لَمْ يَمْلِكْ وَبُطْلَانُ الْهِبَةِ بِذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: جَوَازُ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ بِمَالِكٍ فِي الْحَالِ مِنْ خَمْلٍ وَمُتَبَطِّرٍ وَبُطْلَانُ الْهِبَةِ كَذَلِكَ.
وَالرَّابِعُ: تَمَامُ الْوَصِيَّةِ بِالْقَبُولِ دُونَ الْقَبْضِ وَتَمَامُ الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ.
وَخَامِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: وَهُوَ الْمُكَافَأَةُ لَا تُسْتَحَقُّ فِي الْوَصِيَّةِ وَفِي اسْتِحْقَاقِهَا فِي الْهِبَةِ قَوْلَانِ نَذْكُرُهُمَا مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ الله عز وجل.
باب العمرى والرقبى من اختلاف مالك والشافعي رضي الله عنهما
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ حجرٍ الْمَدَرِيِّ عَنْ زيدٍ بْنِ ثابتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ جَعَلَ الْعُمْرَى لِلْوَارِثِ وَمِنْ حَدِيثِ جابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ سَبِيلُ الْمِيرَاثِ ". قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابتٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عُمَرَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يسارٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم وبه أقول (قال المزني) رحمه الله: معنى قول الشافعي عندي في العمرى أن يقول الرجل قد جعلت داري هذه لك عمرك أو حياتك أو جعلتها لك عمري أو رقبي ويدفعها إليه فهي ملكٌ للمعمر تورث عنه إن مات ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى عَطِيَّتَانِ مِنْ عَطَايَا الْجَاهِلِيَّةِ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِمَا بِأَمْرٍ ونهي، اختلف الْفُقَهَاءُ لِأَجَلِهِمَا وَفِي الَّذِي أُرِيدَ بِهِمَا، أَمَّا الْعُمْرَى فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: جَعَلْتُ دَارِي هَذِهِ لَكَ عُمْرِي أَوْ يَقُولُ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ أَوْ مُدَّةَ حَيَاتِكِ، فَيَكُونُ لَهُ مُدَّةُ حَيَاتِهِ وَعُمْرِهِ فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَى الْمُعْمِرِ إِنْ كَانَ حَيًّا أَوْ إِلَى وَارِثِهِ إِنْ كَانَ مَيِّتًا سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَمَلُّكِهِ إِيَّاهَا مُدَّةَ عُمْرِهِ وَحَيَاتِهِ، وَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَى الْمُعْمِرِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) {هود: 61) يَعْنِي أَسْكَنَكُمْ فِيهَا مُدَّةَ أَعْمَارِكُمْ فَصِرْتُمْ عُمَّارَهَا.
وَأَمَّا الرُّقْبَى فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُ دَارِي هَذِهِ لَكَ رُقْبَى، يعني: إنك ترقبي وَأَرْقُبُكَ وَإِنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَتْ إِلَيَّ وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَالدَّارُ لَكَ، فَسُمِّيَتْ رُقْبَى مِنْ مُرَاقَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَكَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى إِلَى أَنْ جَاءَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرُّقْبَى وَالْعُمْرَى، فَذَهَبَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إِلَى بُطْلَانِهَا اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ النَّهْيِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وأبو حنيفة وَصَاحِبَاهُ: إِلَى جَوَازِهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْعُمْرَى جَائِزَةٌ ".
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ
جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْعُمْرَى لِمَنْ وَهَبَ " فَأَمَّا قَوْلُهُ: " لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا " فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا إِلَى مَاذَا يُوَجَّهُ النَّهْيُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُوَجَّهُ إِلَى الْحُكْمِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: " فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ سبيل الميراث ". والوجه الثاني: أن يُوَجَّهُ إِلَى اللَّفْظِ الْجَاهِلِيِّ وَالْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ عَلَى مَا سَنَشْرَحُهُ مِنْ بَعْدُ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا صَحَّ فِي الْجُمْلَةِ جَوَازُ الْعُمْرَى فَقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ يُتَوَجَّهُ التَّمْلِيكُ فِيهَا إِلَى الرَّقَبَةِ أَمِ الْمَنْفَعَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأبي يوسف: التَّمْلِيكُ فِيهَا يُتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ كَالْهِبَاتِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: إَِنَّ التَّمْلِيكَ فِيهَا مُتَوَجَّهٌ إِلَى الْمَنْفَعَةِ وَالرَّقَبَةِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّ التَّمْلِيكَ فِي الْعُمْرَى يُتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ وَفِي الْعُمْرَى مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْمَنْفَعَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِهِمَا مَعًا الرَّقَبَةُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَيُّمَا رجلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهُ لِلَّذِي يُعْطَاهَا لَا يَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا " لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ، وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " جعل العمرى للوراث " وَلِأَنَّ لَفْظَ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى فِي قَوْلِهِمْ قَدْ جَعَلْتُ دَارِي هَذِهِ لَكَ عُمْرَى أَوْ رُقْبَى مُتَوَجَّهٌ إِلَى الرُّقْبَى لِوُقُوعِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا، وَتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَتَوَجَّهَ التَّمْلِيكُ إِلَيْهَا.
فَصْلٌ
: فَإِذَا صَحَّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعُمْرَى والرقبى يملك بهما الرقبى فَسَنَشْرَحُ الْمَذْهَبَ فِيهَا وَنَبْدَأُ بِالْعُمْرَى مِنْهُمَا وَلِلْمُعْمِرِ فِي الْعُمْرَى ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَى.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرِي أَنَا.
فَأَمَّا الْحَالُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ أَوْ حَيَاتَكَ فَلَا يَخْلُو فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ، أَوْ لِوَرَثَتِكَ بَعْدَكَ، فَهَذِهِ
عَطِيَّةٌ جَائِزَةٌ وَتَمْلِيكٌ صَحِيحٌ قَدْ مَلَكَهَا الْمُعْمَرُ مِلْكًا تَامًّا ثُمَّ صَارَتْ لِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ هِبَةً نَاجِزَةً وَمِلْكًا صَحِيحًا وَتَمَامُهَا بَعْدَ عَقْدِ الْعُمْرَى بِالْقَبْضِ الَّذِي بِهِ تَتِمُّ الْهِبَاتُ، وَلَيْسَ لِلْمُعْطِي بَعْدَ الْإِقْبَاضِ الرُّجُوعُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ مُخَيَّرًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمْرِكَ عَلَى أَنَّكَ إِذَا مِتَّ عَادَتْ إِلَيَّ إِنْ كُنْتُ حَيًّا أَوْ إِلَى وَرَثَتِي إِنْ كُنْتُ مَيِّتًا، فَهَذِهِ عَطِيَّةٌ وَتَمْلِيكٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْأَعْيَانِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِمُدَّةٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى التَّأْبِيدِ لَمَّا كَانَ الشَّرْطُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا ثُمَّ هِيَ عَلَى مِلْكِ الْمُعْطِي سَوَاءٌ أَقَبْضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ، وَلَهُ اسْتِرْجَاعُهَا وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهَا الْمُعْطَى، أَوْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَجْرِهَا مُدَّةَ تَصَرُّفِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ قَدْ أَبَاحَهُ إِيَّاهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمْرِكَ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَلِأَنْ يَكُونَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ رَوَاهُ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنْهُ إِنَّهُ عَطِيَّةٌ بَاطِلَةٌ لِتَقْدِيرِهَا بِمُدَّةِ الْحَيَاةِ وَلِأَنَّ جابر رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " أيما رجل أعمر لَهُ وَلِعَقِبِهِ " فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لَا يَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ فَجَعَلَ صَحِيحَ الْعَطِيَّةِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجْعَلْهَا لِعَقِبِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ عَيْنٍ قُدِّرَ بِمُدَّةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ دَارِي هَذِهِ عُمْرَكَ، وَلِأَنَّهَا عُمْرَى مُقَدَّرَةٌ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَاطِلَةً كَمَا لَوْ قَالَ: قَدْ أَعْمَرْتُكَهَا سَنَةً، وَلِأَنَّهُ إِذَا جَعَلَهَا لَهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَبْطُلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يُورَثَ عَنْهُ فَيَصِحُّ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الصِّحَّةِ مَعَ الِاحْتِمَالِ الْفَاسِدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ وَأَكْثَرِ الْقَدِيمِ إِنَّهَا عَطِيَّةٌ جَائِزَةٌ وَتَمْلِيكٌ صَحِيحٌ يَكُونُ لِلْمُعْطَى فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أو أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ سَبِيلُ الْمِيرَاثِ " وَلِرِوَايَةِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَعَلَ الْعُمْرَى لِلْوَارِثِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْمَرَ أُمَّهُ عَبْدًا فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ نَازَعَهُ الْوَرَثَةُ فِيهِ فَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِهِ مِيرَاثًا فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا جَعَلْتُهُ لَهَا عُمْرَهَا فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ " وَلِأَنَّ الْأَمْلَاكَ الْمُسْتَقِرَّةَ إِنَّمَا يَتَقَدَّرُ زَمَانُهَا بِحَيَاةِ الْمَالِكِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى وَرَثَةِ الْمَالِكِ فَلَمْ يَكُنْ مَا جَعَلَهُ لَهُ مِنَ الْمِلْكِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ مُنَافِيًا لحكم الأملاك وإذا لم تنافيه اقْتَضَى أَنْ يَصِحَّ وَإِذَا صَحَّ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا فَأَمَّا الْبَيْعُ إِذَا قَالَ: بِعْتُكَهَا مُدَّةَ حَيَاتِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وجهين:
أحدهما: وهو فرق ابن سريج على هذا الشرط يقضي فَسْخًا مُنْتَظَرًا، وَالْبَيْعُ إِذَا كَانَ فِيهِ فَسْخٌ مُنْتَظَرٌ بَطَلَ، وَالْهِبَةُ إِذَا كَانَ فِيهَا فَسْخٌ مُنْتَظَرٌ لَمْ تَبْطُلْ كَهِبَةِ الْأَبِ فَلِذَلِكَ بَطَلَ الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَلَمْ يَبْطُلِ الْعُمْرَى بِهَذَا الشرط.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: وَهُوَ فَرْقُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أن شروط البيع تقابل جزاء مِنَ الثَّمَنِ فَإِذَا بَطَلَتْ سَقَطَ مَا قَابَلَهَا منه فاقضى إِلَى جَهَالَةِ الثَّمَنِ فَلِذَلِكَ بَطَلَ الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَلَيْسَ فِي الْعُمْرَى ثَمَنٌ يَقْضِي هَذَا الشَّرْطُ إِلَى جَهَالَتِهِ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ مَعَ الشُّرُوطِ.
فَأَمَّا رِوَايَةُ جَابِرٍ أَنَّهُ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ مَعَ بَاقِي الرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي هِيَ عَلَى الْعُمُومِ إِذْ لَيْسَ تَتَنَافَى فِي ذَلِكَ فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ التَّمْلِيكَ لِلرَّقَبَةِ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ فِيهَا لَا يُسْتَحَقُّ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ يَمْلِكُ الْمُعْمِرُ الْمُعْطِي الِانْتِفَاعَ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِهَا، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مُتَوَجَّهٌ إِلَى الرَّقَبَةِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِذَا بَطَلَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا الْمُعْطِي وَانْتَفَعَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ، لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ لَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَلَكِنْ لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَإِنْ كَانَ تَلَفُهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِهِ ضَمِنَهَا، لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ، وَهُوَ غَيْرُ مَالِكٍ لَهَا، فَهَذَا حُكْمُ قَوْلِهِ: (قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمْرِكَ) وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنَّ الْعَطِيَّةَ صَحِيحَةٌ وَأَنَّ الْعُمْرَى مَوْرُوثَةٌ فَلَا رَجْعَةَ لِلْمُعْمِرِ الْمُعْطِي فِيهَا بعد القبض.
فصل
: فأما الحالة الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَى إِشَارَةً إِلَى عَقْدِ الْعُمْرَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ بِعُمْرِ أَحَدٍ، فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ إِنَّهَا بَاطِلَةٌ، لِلنَّهْيِ عَنْهَا وَلَا يَمْلِكُ بِهَا الْمُعْمِرِ الْمُعْطِي الْمَنْفَعَةَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ كَمَا لَا يَمْلِكُ لِرَقَبَتِهِ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّنَا قَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ التَّمْلِيكَ بِالْعُمْرَى مُتَوَجَّهٌ إِلَى الرَّقَبَةِ فَإِذَا بَطَلَ لم يملك بها المقصود بها غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَضْمَنِ الْأُجْرَةَ إِنْ سَكَنَ أَوْ تَصَرَّفَ فَلَوْ كَانَتِ الْعُمْرَى نَخْلًا فَأَثْمَرَتْ لَمْ يَمْلِكِ الثَّمَرَةَ، وَلَوْ كَانَتْ شَاةً فَنَتَجَتْ لم يملك الولد، فإذا تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ فِي يَدِهِ وَهَلَكَ الْوَلَدُ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَتْ بِفِعْلِهِ ضَمِنَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ إِنَّهَا جَائِزَةٌ، وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِرِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ مِنْ عَقَبِهِ ".
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمْرِي أَوْ جَعَلْتُهَا عُمَرَ زَيْدٍ والحكم فِيهِمَا وَاحِدٌ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُمَلِّكُهُ إِيَّاهَا عُمْرَهُ فَيُورَثُ عَنْهُ وَلَا جَعَلَهَا عُمْرَى فَيَسْتَعْمِلُ فِيهَا الْخَبَرَ، وَإِنَّمَا قَدَّرَ ذَلِكَ بِعُمْرِ نَفْسِهِ أَوْ عُمْرِ أَجْنَبِيٍّ فَاقْتَضَى لِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِ الْأَصْلِ خُرُوجُهَا مِنْ حُكْمِ النَّفْيِ أَنْ تَبْطُلَ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: قَدْ أَعْمَرْتُكَهَا
سَنَةً أَوْ شَهْرًا كَانَتْ كَذَلِكَ فِي الْبُطْلَانِ، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُغَلِّبُ فِيهَا حُكْمَ الْعُمْرَى وَيُخَرِّجُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُوَ خَطَأٌ لِمَا بَيَّنَاهُ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الرُّقْبَى فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ ارْتِقَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فَيَقُولُ قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ رُقْبَى تَرْقُبُنِي وَأَرْقُبُكَ فَإِنْ مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فَهِيَ لَكَ، فَهَذِهِ عَطِيَّةٌ بَاطِلَةٌ، لِمَا فِي هَذَا الشَّرْطِ مِنْ مُنَافَاةِ الْمِلْكِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أن يشترط ذلك بل يَقُولُ: قَدْ جَعَلْتُهَا لَكَ رُقْبَى فَعَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ إِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّمْلِيكُ اعْتِبَارًا بِمَقْصُودِ اللَّفْظِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ إِنَّهَا عَطِيَّةٌ جَائِزَةٌ يَمْلِكُهَا الْمُعْطِي أَبَدًا مَا كَانَ حَيًّا ويورث عنه إن مات سواء كان المطي حَيًّا أَوْ مَيِّتًا اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ سَبِيلُ الميراث ".
باب عطية الرجل ولده
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مالكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ مُحَمَدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يُحَدِّثَانِهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟ " قَالَ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أليس يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا فِي الْبِرِّ إِلَيْكَ سَوَاءً؟ " فقال بلى قال " فارجعه " قال الشافعي رحمه الله تعالى وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِيهِ دلالةٌ عَلَى أمورٍ مِنْهَا حُسْنُ الْأَدَبِ فِي أَنْ لَا يُفَضِّلَ فَيَعْرِضُ فِي قَلْبِ الْمَفْضُولِ شيءٌ يَمْنَعُهُ مِنْ بِرِّهِ فَإِنَّ الْقَرَابَةَ يَنْفَسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا لَا يَنْفَسُ الْعِدَى وَمِنْهَا أَنَّ إِعْطَاءَهُ بَعْضَهُمْ جائزٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فَارْجِعْهُ " وَمِنْهَا أَنَّ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَى وَلَدَهُ وَقَدْ فَضَّلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِنَخْلٍ وَفَضَّلَ عُمَرُ عَاصِمًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِشَيْءٍ أَعْطَاهُ إِيَاهُ وَفَضَّلَ عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: أَفْضَلُ الْهِبَاتِ صِلَةُ ذَوِي الْأَرْحَامِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الْأَرْحَامِ الْكَاشِحِ " فَإِذَا وَهَبَ لِوَلَدٍ فَيَخْتَارُ التَّسْوِيَةَ فِي الْهِبَةِ وَلَا يُفَضِّلُ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة وَهُوَ مَذْهَبُ شُرَيْحٍ ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق إلى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُعْطِيَ الذَّكَرَ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ اسْتِدْلَالًا بِقِسْمَتِهِ لِأَحَدِهِمْ سَهْمٌ فِي الْمَوَارِيثِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ وَلَوْ كُنْتُ مُفَضِّلًا لَفَضَّلْتُ الْبَنَاتَ " وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِهِمْ عَلَى الْمَوَارِيثِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُسَوِّي بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ كَالْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ وكالأبوين مع الابن والله أعلم.
مسألة
فَإِنْ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُمْ وَخَصَّ بِالْهِبَةِ بَعْضَهُمْ كَانَتِ الْهِبَةُ جَائِزَةً وَإِنْ أَسَاءَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة وَقَالَ طَاوُسٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ الْهِبَةُ بَاطِلَةٌ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لبشير " كل وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ " قَالَ: " فَأَرْجِعْهُ " وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ " فَأَشْهِدْ غَيْرِي عَلَى التَّبَرُّؤِ مِنْ فِعْلِهِ " ودل قوله
هذا جورعلى ذمة فِعْلِهِ قَالُوا وَلِأَنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ يُؤَدِّي إِلَى عُقُوقِ بَاقِيهِمْ وَمَا نُصِبَ عَلَى الْعُقُوقِ فَهُوَ عُقُوقٌ، وَالْعُقُوقُ حَرَامٌ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فَأَرْجِعْهُ " فَلَوْلَا تَعُودُ الْهِبَةُ لَمَا أَمَرَهُ بِالِاسْتِرْجَاعِ ثُمَّ قَوْلُهُ: " أَشْهِدْ غَيْرِي " دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَشْهَدَ فِيهِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِ وَإِنَّمَا أَمْرُهُ بِإِشْهَادِ غَيْرِهِ اسْتِئْنَافًا، وَهَذَا جَوَابٌ وَدَلِيلُ قَوْلِهِ هَذَا جَوَابٌ أَيْ مَيْلٌ يُقَالُ فَجَازَ السَّهْمُ إِذَا مَالَ عَنِ الرَّمْيَةِ فَقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَالَ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَصَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بنحل عِشْرِينَ وُسْقًا مِنْ تمرٍ وَقَالَ وَدِدْتُ أَنَّكِ قَدْ قَبَضْتِهِ وَهُوَ الْيَوْمُ مِنْ مَالِ الْوَارِثِ وَفَضَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَاصِمًا بِنَخْلٍ وَخَصَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَلَدَ أُمِّ كُلْثُومٍ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَجْمَعَ جَمِيعَهُمْ جَازَ أَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَهُمْ جَازَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِهِمْ كَالْأَجَانِبِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ هِبَةُ بَعْضِ الْأَوْلَادِ لِلْأَبِ جَازَتْ هِبَةُ الأب لبعض الأولاد.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اتَّصَلَ حَدِيثُ طَاوُسٍ " لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أن يرجع فيما وهب إلا والدٍ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ " لَقُلْتُ بِهِ وَلَمْ أُرِدْ واهباً غيره وهب ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَالْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ، وَلَيْسَ لِوَاهِبٍ أَقْبَضَ مَا وَهَبَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا فَيَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ، فَأَمَّا مَنْ سِوَاهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ ذَا رَحِمٍ، وَقَالَ أبو حنيفة: رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنْ وَهَبَ لِذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ لَهُ وَإِنْ وَهَبَ لِذِي غَيْرِ رَحِمٍ جَازَ الرُّجُوعُ، فَأَمَّا أبو حنيفة فَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي
فَصْلَ
يْنِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ وأبو حنيفة يَمْنَعُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: مَنْعُ الْأَجْنَبِيِّ من الرجوع في هبته، وأبو حنيفة فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ جَوَازُ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ فَاسْتَدَلَّ أبو حنيفة عَلَى الْمَنْعِ مِنْ رُجُوعِهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ مَالُ امرئٍ مسلمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنْهُ " فَكَانَ عُمُومُ هَذَا يَمْنَعُ مِنْ رُجُوعِهِ فِيمَا مَلَكَ الِابْنُ عَنْهُ، وَبِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِيهِ " وَبِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَهَبَ لِذِي رحمٍ لَمْ يَرْجِعْ وَمَنْ وَهَبَ لَغَيْرِ ذي رحمٍ رجع ما لم يبيت قَالَ: وَلِأَنَّ الْهِبَةَ لِذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا ثَوَابُ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ
الْمُكَافَأَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الصَّدَقَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ لِذِي الرَّحِمِ، وَلِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ عُقُوقًا وَعُقُوقُ ذِي الرَّحِمِ حَرَامٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَأُثِيبَ لَمْ يَرْجِعْ وَهَذَا قَدْ أُثِيبَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هِبَةِ الرَّحِمِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ.
وَدَلِيلُنَا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لبشير في هبته للنعمان مِنْ بَيْنِ وَلَدِهِ " فَأَرْجِعْهُ " فَلَوْلَا أَنَّ رُجُوعَهُ جَائِزٌ لَمَا أَمَرَهُ بِهِ وَلَكَانَ الْأَوْلَى لَوْ فَعَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا يَجُوزُ لرجلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ وَيَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَ عَادَ فِي قَيْئِهِ "، وَهَذَا نَصٌّ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ وَبِهَذَا يَخُصُّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ، وَيُتَمِّمُ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْخَبَرِ الثَّانِي، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَوْلَادُكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ طَيِّبِ كَسْبِكُمْ "، فَمَيَّزَ الْوَلَدَ مِنْ غَيْرِهِ وَجَعَلَهُ كَسْبًا لِوَالِدِهِ فَكَانَ مَا كَسَبَهُ الْوَلَدُ مِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ كَسْبِهِ، وَقَدْ يَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاعْتِلَالِ قِيَاسٌ فَيُقَالُ: لِأَنَّهُ وَهَبَ كَسْبَهُ لِكَسْبٍ غَيْرِ مُعْتَاضٍ عَنْهُ فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَمَا لَوْ وَهَبَ لِعَبْدِهِ، وَلِأَنَّ مَا لِلْوَلَدِ فِي يَدِ وَالِدِهِ لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ إِذَا كَانَ صَغِيرًا وَأَخَذَ النَّفَقَةَ مِنْهُ إِذَا كَانَ كَبِيرًا فَصَارَتْ هِبَةً لَهُ وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ فِي حُكْمِ مَا وَهَبَهُ وَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِهِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِغَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَقْبِضْهُ لِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ جَازَ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ وَإِنْ أَقْبَضَهُ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَاقِي فِي يَدِهِ، وَتَحْرِيرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسًا أَنَّهَا هِبَةٌ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا قِيَاسًا عَلَى مَا لَمْ يَقْبِضْ، وَلِأَنَّ الْأَبَ لِفَضْلِ حُنُوِّهِ تُبَايِنُ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ غَيْرِهِ فَلَا يُعَادِيهِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي يَدَيْهِ بِالتَّزْوِيجِ وَفِي مَالِهِ بِالْعُقُودِ لِفَضْلِ الْحُنُوِّ وَانْتِفَاءِ التُّهَمِ فَجَازَ أَنْ يُخَالِفَ غَيْرَهُ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ التُّهْمَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رُجُوعَهُ فِيهَا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلِأَنَّنَا وأبا حنيفة قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى الْفَرْقِ فِي الْهِبَةِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَذِي الرَّحِمِ فَلِأَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ فِيهَا مَعَ ذِي الرَّحِمِ الْمُبَاعِضِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ أَوْلَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ دُونَ ذِي الرَّحِمِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: النَّصُّ الْمُعَاضِدُ.
وَالثَّانِي: الْبَعْضِيَّةُ الْمُمَازَجَةُ.
وَالثَّالِثُ: التَّمْيِيزُ بِالْأَحْكَامِ الْمَخْصُوصَةِ، وَفِي هَذِهِ الْمَعَانِي جَوَابٌ، وَجَوَابُهُمْ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِالثَّوَابِ فَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَثْبَتَ بِالْمَالِ فَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ الْبَدَلُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ جَامِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبْدَلِ فَخَالَفَ مَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ الْبَدَلُ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الْهِبَةِ غَيْرُ الرَّاجِعِ فِيهَا مِنَ الْآبَاءِ.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَأَجَازَ أبو حنيفة لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يرجع فيها، استدلالاً بحديث عمرو.
وَدَلِيلُنَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ طَاوُسٍ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقَصَاصُ عَلَى واهبه
لَمْ يَمْلِكْ وَاهِبُهُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ فِي هِبَتِهِ كَالْأَخِ طَرْدًا وَالْوَالِدِ عَكَسًا، وَلِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقَرَابَةِ تَمْنَعُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ كَالزَّوْجَيْنِ، وَلِأَنَّهَا هِبَةٌ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَلَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِيهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ كَالْهِبَةِ عَلَى الثَّوَابِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا ثَبَتَ أَنْ لَيْسَ لِغَيْرِ الْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، وَمَنَعَ مَالِكٌ الْأُمَّ وَالْجَدَّ أَنْ يَرْجِعَا فِي هِبَتِهِمَا تَعَلُّقًا بِحَقِيقَةِ الْأُمِّ فِي الولد فهذا ليس بصحيح، لأن كلهم والد فيه بعضية، فَأَمَّا الْوَلَدُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ لِلْوَالِدِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ وَفَضْلِ الْحُنُوِّ وَحَقِّ الْوِلَايَةِ وَجَوَازِ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا صَحَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالِدٌ وَوَالِدَةٌ أَوْ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ وَهَبَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ سَوَاءٌ قَالَ الْأَبُ: قَصَدْتُ بِالْهِبَةِ بِرَّهُ فَعَقَّ وَلَمْ يَبِرَّ، أَوْ قَالَ لَمْ أَقْصِدْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنَّمَا يَرْجِعُ الْأَبُ فِي هِبَتِهِ إِذَا قَالَ قَصَدْتُ بِهَا بِرَّهُ وَظُهُورَ إِكْرَامِهِ وَلَمْ يَبِرَّ وَلَمْ يُكْرِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِنْ لَمْ يُقُلْ ذَلِكَ وَيَدَّعِيهِ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عُمُومُ الْخَبَرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا جَازَ بِهِ الرُّجُوعُ فَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ كَمَا أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بِهِ الرُّجُوعُ فَهَذَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا تَصَدَّقَ الْأَبُ عَلَى وَلَدِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْهِبَاتِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الصَّدَقَاتِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، مُسْلِمًا أَوْ كافراً.
فصل
: ولو تداعا رَجُلَانِ طِفْلًا وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ ابْنِي ثُمَّ وَهَبَا لَهُ هِبَةً لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يحكم لواحد منهما بأبوته، فإن انتفا عَنْ أَحَدِهِمَا وَلَحِقَ بِالْآخَرِ فَهَلْ لِمَنْ لَحِقَ بِهِ الرُّجُوعُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هِبَتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ، لِثُبُوتِ أُبُوَّتِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ حِينَ وَهَبَ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرْجِعُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا وَهَبَ الْأَبُ لأولاده ثم أراد أن يرجع في نفسه لِبَعْضِهِمْ جَازَ وَفِي كَرَاهِيَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُكْرَهُ لَهُ اسْتِرْجَاعُ الْهِبَةِ مِنْ بَعْضِهِمْ حَتَّى يَسْتَرْجِعَهَا مِنْ جَمِيعِهِمْ كَمَا يُكْرَهُ لَهُ الْهِبَةُ لِبَعْضِهِمْ حَتَّى يَهَبَ لِجَمِيعِهِمْ.
وَالثَّانِي: لَا يُكَرَهُ لِأَنَّ الْخَبَرَ فِي التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطَاءِ لَا فِي الْمَنْعِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا وَهَبَ لِابْنِهِ هِبَةً فَبَاعَهَا الِابْنُ أَوِ اسْتَهْلَكَهَا فَلَيْسَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهَا وإنما
يَرْجِعُ لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي يَدِهِ، وَهَكَذَا لَوْ رَهَنَهَا الِابْنُ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِهَا مَا كَانَتْ رَهْنًا، فَإِنِ افْتَكَّهَا الِابْنُ جَازَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِهَا، وَلَوْ بَاعَهَا الِابْنُ ثُمَّ ابْتَاعَهَا أَوْ وَرِثَهَا فَهَلْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهَا، لِبَقَائِهَا فِي يَدِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهَا، لِخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِ الِابْنِ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي يَدِ الِابْنِ ثُمَّ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِفَلَسِهِ فَفِي جَوَازِ رُجُوعِ الْأَبِ بِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهَا، لِبَقَائِهَا فِي يَدِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَرْجِعُ بِهَا، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهَا.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ هِبَةً ثُمَّ وَهَبَهَا الِابْنُ لِابْنِهِ جَازَ لِلِابْنِ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَهَلْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى ابْنِ ابْنِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهَا، لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِهِبَتِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهَا، لِأَنَّهُ غَيْرُ الْوَاهِبِ لَهُ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اسْتَرْجَعَهَا الِابْنُ مِنَ ابْنِهِ فَفِي رُجُوعِ الْأَبِ بِهَا وَجْهَانِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ جَارِيَةً فَأَعْتَقَهَا الِابْنُ، أَوْ دَارًا فَوَقَفَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِهَا وَلَا بِقِيمَتِهَا، لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكَةِ، وَهَكَذَا لَوْ وَطِئَ الِابْنُ الْجَارِيَةَ فَأَحْبَلَهَا لَا يُمْكِنُ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِهَا وَلَا بِقِيمَتِهَا، لَأَنَّ مَنْ مَلَكَ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى مَالِكٍ آخَرَ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يُحَبِّلْهَا جَازَ للأب الرجوع بها ثم وطئها حَرَامٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا صَارَتْ مَنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ مُطَالَبَتُهُ بِأَرْشِ التَّحْرِيمِ وَهَكَذَا لَوْ كَانَتِ الْأَمَةُ بِكْرًا فَافْتَضَّهَا الِابْنُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِأَرْشِ الْبَكَارَةِ، فَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا فِي يَدِ الِابْنِ جِنَايَةً أَخَذَ أَرْشَهَا ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى ابْنِهِ، لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِمَّا فَاتَ رُجُوعُ الْأَبِ بِهِ فَصَارَ أَرْشُ جِنَايَتِهَا كَثَمَنِهَا لَوْ بَاعَهَا، فَلَوْ كَانَ الِابْنُ كَاتَبَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً فَيَرْجِعُ بِهَا، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنِ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ رَجَعَ الْأَبُ بِهَا وَجْهًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَهَا، لَأَنَّ الْبَيْعَ يُزِيلُ الْمِلْكَ، وَالْكِتَابَةَ تُوقِفُ الْمِلْكَ وَلَا تُزِيلُهُ فَلَوْ دَبَّرَهَا الِابْنُ أَوْ أَعْتَقَهَا بِصِفَةٍ لَوْ بَاتَ جَازَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِهَا لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ مِلْكَهَا إِلَى غَيْرِهِ فَلَوْ كَانَ الِابْنُ قَدْ زَوَّجَهَا رَجَعَ الْأَبُ بِهَا وَالنِّكَاحُ عَلَى حَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَرَهَا الِابْنُ جَازَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ بِهَا وَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا وَالْأُجْرَةُ وَالْمَهْرُ مَعًا لِلِابْنِ دُونَ الْأَبِ.
فَصْلٌ
: ولو كَانَتِ الْهِبَةُ شَاةً فَنَتَجَتْ ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ بِهَا كَانَ النِّتَاجُ لِلِابْنِ دُونَ الْأَبِ، فَلَوْ كَانَتِ الشَّاةُ عِنْدَ الْهِبَةِ حَامِلًا ثُمَّ وَلَدَتْ فِي يَدِ الِابْنِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ بِالشَّاةِ فَفِي وَلَدِهَا قَوْلَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الحمل، فلو كانت الشاة حائلاً ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ بِهَا حَامِلًا فَفِي وَلَدِهَا إذا
وَضَعَتْهُ أَيْضًا قَوْلَانِ، وَلَوْ كَانَتِ الْهِبَةُ نَخْلًا فَأَثْمَرَتْ فِي يَدِ الِابْنِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ بِالنَّخْلِ فَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ مُؤَبَّرَةً عِنْدَ رُجُوعِ الْأَبِ فَهِيَ لِلِابْنِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا لِلِابْنِ أَيْضًا، لِأَنَّهَا مِمَّا تَتَمَيَّزُ.
وَالثَّانِي: لِلْأَبِ، لِأَنَّ مَا يُؤَبَّرُ مِنَ النخل تبع لأصل كَالْبَيْعِ.
فَصْلٌ
: وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ إِلَّا بِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ، سَوَاءٌ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بِخِلَافِ هِبَتِهِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهَا بِالنِّيَّةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ اسْتِرْجَاعُ مِلْكٍ فَكَانَ أَغْلَظَ ثُمَّ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ مُعَلَّقًا بِصِفَةٍ حَتَّى لَوْ قَالَ إِذَا دَخَلْتُ الدَّارَ فَقَدْ رَجَعْتُ فِي هِبَتِي لِابْنِي لَمْ يَجُزْ، وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي رُجُوعِهِ فِي الْوَصِيَّةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَالْهِبَةِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ الْوَصِيَّةُ بِالصِّفَةِ جَازَ الرُّجُوعُ فِيهَا بِالصِّفَةِ.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " لِمَنْ يَسْتَثِيبُ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ لَا يَسْتَثِيبُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْهِبَةَ نَوْعَانِ نَوْعٌ لَا يَقْتَضِي الْمُكَافَأَةَ وَنَوْعٌ يَقْتَضِيهَا، فَأَمَّا مَا لَا يَقْتَضِي الْمُكَافَأَةَ فَمِنْ ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: هِبَةُ الْإِنْسَانِ لِمَنْ دُونَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا التَّفَضُّلُ.
وَالثَّانِي: هِبَةُ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا النَّفْعُ.
وَالثَّالِثُ: هِبَةُ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِلصَّبِيِّ أَوِ الْمَجْنُونِ، لِأَنَّهَا مِمَّنْ لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ مِنْهَا.
وَالرَّابِعُ: الْهِبَةُ لِلْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا صِلَةُ الرَّحِمِ.
وَالْخَامِسُ: الْهِبَةُ لِلْمُنَافِرِ الْمُعَادِي، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا التَّآلُفُ.
وَالسَّادِسُ: الْهِبَةُ لِلْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْقُرْبَةُ وَالتَّبَرُّرُ.
وَالسَّابِعُ: الهبة للأصدقاء والإخوان، لأن المقصود بها تأكيد الْمَوَدَّةِ.
وَالثَّامِنُ: الْهِبَةُ لِمَنْ أَعَانَ بِجَاهٍ أَوْ بِمَالٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْمُكَافَأَةُ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْهِبَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّمَانِيَةِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْمُكَافَأَةَ، وَإِذَا أَقْبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ فَقَدْ مَلَكَهَا مِلْكًا مُسْتَقِرًّا كَالَّذِي يملك بابتياع أو ميراث.
فصل
: وأما مَا يَقْتَضِي الْمُكَافَأَةَ فَهُوَ مَا سِوَى هَذِهِ الْوُجُوهِ مِمَّا يَظْهَرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا طَلَبُ الْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا فَفِي وُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِسَلْمَانَ إِنَّا نَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَنُكَافِئُ عَلَيْهَا، وَلِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَاقَةً فَكَافَأَهُ فَلَمْ يَرْضَ فَكَافَأَهُ فَلَمْ يَرْضَ فَلَمْ يَزَلْ يُكَافِئُهُ حَتَى رَضِيَ ثُمَّ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ لَا أَتَّهِبَ إِلَّا مِنْ قرشيٍّ أَوْ أنصاريٍّ أَوْ ثقفيٍّ وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا، لأنهم
مَشْهُورُونَ بِسَمَاحَةِ النُّفُوسِ وَقِلَّةِ الطَّمَعِ فَلَوْلَا وُجُوبُ الْمُكَافَأَةِ لَمَا صَبَرَ عَلَى طَمَعِ الْأَعْرَابِيِّ وَآذَاهُ، لِأَنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ فِي النَّاسِ الْمُكَافَأَةُ بِهَا يَجْعَلُهُ كَالشَّرْطِ فِيهَا وَيَكُونُ قَبُولُ الْهِبَةِ رِضًى بِالْتِزَامِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حنيفة إِنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا يَحِلُّ مَالُ امرئٍ مسلمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنْهُ "، وَلِأَنَّ مَا صَحَّ تَمَلُّكُهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ بَدَلٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ الْبَدَلَ كَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ، وَلِأَنَّ الْعُقُودَ لَا يَخْتَلِفُ اسْتِحْقَاقُ الْبَدَلِ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْعَاقِدِينَ لَهَا اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْعُقُودِ مِنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ، وَالْوَصِيَّةِ وَالْعَارِيَةِ فِي إِسْقَاطِهِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الثَّوَابَ لَا يَجِبُ فَإِنَّ الْمُكَافَأَةَ لَا تُسْتَحَقُّ فَأَثَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَكَافَأَ فَهِيَ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ حُكْمُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْهِبَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، فَلَوِ اسْتُحِقَّتْ إِحْدَاهُمَا أَوْ ظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ فَالْأُخْرَى عَلَى حَالِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَرْجَعَ فَإِنْ شَرَطَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي نَفْسِهِ ثَوَابًا وَمُكَافَأَةً فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ الَّذِي شَرَطَ مَجْهُولًا فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ، لِاشْتِرَاطِ مَا يُنَافِيهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: جَائِزَةٌ، لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى بَدَلٍ مَعْلُومٍ كَالْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَإِذَا قُلْنَا بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الثَّوَابِ مَعْلُومًا كَانَ أَوْ مَجْهُولًا فَالْمَوْهُوبُ لَهُ ضَامِنٌ لَهَا بِالْقَبْضِ، لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، وَعَلَيْهِ رَدُّهَا لِفَسَادِ الْعَقْدِ، فَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهَا كَالْمَقْبُوضِ مِنْ بَيْعٍ فَاسِدٍ بِأَكْثَرَ مَا كَانَ قِيمَتُهُ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ عَلَى أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ فِي ضَمَانِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَوْ نَقَصَتْ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا ضَمِنَ قَدْرَ نَقْصِهَا، فَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْهِبَةِ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الثَّوَابِ الْمَعْلُومِ فَهِيَ كَالْبَيْعِ الْمَحْضِ يَسْتَحِقُّ فيه خيار المجلس بالعقد وخيار الثلث بِالشَّرْطِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِيهِ، وَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الْهِبَةُ وَجَبَ رَدُّ الثَّوَابِ، وَإِنِ اسْتُحِقَّ الثَّوَابُ وَجَبَ رَدُّ الْهِبَةِ وَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ مُعَيَّنًا أَوْ غُرِمَ مِثْلُهُ مَعَ بَقَاءِ الْهِبَةِ إِنْ كَانَ الثَّوَابُ مَوْصُوفًا، وَإِنْ ظَهَرَ فِي الْهِبَةِ عَيْبٌ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْمُقَامِ وَالْفَسْخِ.
فَصْلٌ
: وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الثَّوَابَ وَاجِبٌ وَالْمُكَافَأَةَ مُسْتَحَقَّةٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِطَ الثواب أولاً بشرطه، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَزِمَهُ بِالْعَقْدِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ.
أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُثِيبَ وَيُكَافِئَ حَتَّى يَرْضَى الْوَاهِبُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَزَلْ يُكَافِئُ الْأَعْرَابِيَّ حَتَّى رَضِيَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِمَا يَكُونُ فِي الْعُرْفِ ثَوَابًا لِمِثْلِ تِلْكَ الْهِبَةِ، لِأَنَّ الرِّضَى لا ينحصر فكان العرف أولى أن يعتبره.