الحاوي الكبيرصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْإِقْرَارِ

صفحات 3-42
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ وَالْمَوَاهِبِ وَالْعَارِيَّةِ

مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا يَجُوزُ إِلَّا إِقْرَارُ بَالِغٍ حُرٍّ رشيدٍ وَمَنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي الْإِقْرَارِ وَلُزُومِ الْحُكْمِ بِهِ: - الْكِتَابُ.
وَالسُّنَّةِ.
وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أنْفُسِكُمْ) {النساء: 135) وَقَالَ تَعَالَى: {قَالَ أأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) {آل عمران: 81) . وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العْهَدَ كَانَ مَسْْولاً) {الإسراء: 34) يَعْنِي بِوَفَاءِ الْإِقْرَارِ وَالْتِزَامِ حُكْمِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلْيُمْلِل الّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ) {البقرة: 282) يعني بالإملاء والإقرار بِهِ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي الْتِزَامِهِ فِيهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) {التوبة: 102) . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ ". وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " يَا أُنَيْسُ اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعترفت فارجمها ".

وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ماعزاً بإقرار، وَرَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ بِإِقْرَارِهَا وَقَطَعَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ بِإِقْرَارِهِ.
وَقَدْ حَكَمَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بِالْإِقْرَارِ فِي قَضَايَاهُمْ وَلَمْ يَزَلِ الْحُكَّامُ يَعْمَلُونَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُونَ بِهِ.
وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْحُقُوقِ لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْإِقْرَارِ فَكَانَتِ الضَّرُورَةُ دَاعِيَةً إِلَى الْأَخْذِ بِهِ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةً إِلَى الْعَمَلِ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ مَعَ احْتِمَالِهَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ مَعَ قِلَّةِ الِاحْتِمَالِ فِيهِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ كَتَبَ الْحُكَّامُ فِي قَضَايَاهُمْ إِذَا كَانَتْ عَنْ شَهَادَةٍ: أَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ عَلَى حَقِّهِ، وَلَمْ يَكْتُبُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ، فَحَقِيقَةُ الْإِقْرَارِ: الْإِخْبَارُ بِحَقٍّ عَلَيْهِ.
وَحَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ: الْإِخْبَارُ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ.
فَاجْتَمَعَا مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إِخْبَارٌ بِحَقٍّ وَافْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ، وَالْحَقَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِقْرَارُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ: بِمُقِرٍّ، وَمُقَرٍّ لَهُ، وَمُقَرٍّ بِهِ، وَمُقَرٍّ عِنْدَهُ.
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمُقِرُّ: فَهُوَ الْمُخْبِرُ بِالْحَقِّ عَلَيْهِ وَالْمُقِرُّونَ ضَرْبَانِ: مُكَلَّفٌ وَغَيْرُ مُكَلَّفٍ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمُكَلَّفِ، وَهُوَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَإِقْرَارُهُمَا بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ بِمَالٍ أَوْ بدَنٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ.
وَجَوَّزَ أبو حنيفة إِقْرَارَ الْمُرَاهِقِ إِذَا كَانَ بِإِذْنِ أَهْلِهِ أَوْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي عَقْدٍ فَأَقَرَّ بِدَيْنٍ صَحَّ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِهِ وَجَوَازِ عَقْدِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَاسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَنْ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ صَحَّ إِقْرَارُهُ كَالْبَالِغِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ كَالْجُنُونِ، وَلِأَنَّ كُلَّ إِقْرَارٍ مَنَعَ مِنْهُ الْجُنُونُ مَنْعَ مِنْهُ الصِّغَرُ كَالْإِقْرَارِ بِالْبَدَنِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ جَوَازُ إقراره أنه

مِمَّنْ يَصِحُّ إِسْلَامُهُ وَيَجُوزُ عَقْدُهُ، لَا نُسَلِّمُهُ بَلْ لَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ وَلَا يَجُوزُ عَقْدُهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ مُسْتَوْفِيًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَفِي جَوَازِ وَصِيَّتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ: فَعَلَى هَذَا سَقَطَ السُّؤَالُ.
وَالثَّانِي: جَائِزَةٌ.
فَعَلَى هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ إِقْرَارِهِ وَوَصِيَّتِهِ: أَنَّ فِي لُزُومِ إِقْرَارِهِ إِضْرَارًا بِهِ فَسَقَطَ.
وَفِي صِحَّةِ وَصِيَّتِهِ رِفْقًا بِهِ فَأُمْضِيَتْ.
وَأَمَّا الْمُكَلَّفُ فَضَرْبَانِ: مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَغَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
أَمَّا غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ: فَهُوَ الْبَالِغُ الرَّشِيدُ الْعَاقِلُ فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ إِذَا أَقَرَّ مُخْتَارًا وَبَاطِلٌ إِنْ أَقَرَّ مُكْرَهًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقِرُّ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا وَإِقْرَارُ جَمِيعِهِمْ لَازِمٌ.
وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ غَيْرِهِ فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ فَهُوَ السَّفِيهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِبَدَنٍ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ نَفَذَ إِقْرَارُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَمْ يَلْزَمْ إِقْرَارُهُ فِيهِ مَا كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَاقِيًا، فَإِنْ فُكَّ حَجْرُهُ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ حُكْمًا لِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ، وَلَزِمَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ لُزُومِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَقَرَّ بِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقًّا لِآدَمِيٍّ.
فَلَوْ كَانَ حِينَ أَقَرَّ سَفِيهًا لَكِنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ فَإِقْرَارُهُ لَازِمٌ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا، وَهُوَ فِي الْإِقْرَارِ كَالرَّشِيدِ.
وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ غَيْرِهِ فَأَرْبَعَةٌ: أَحَدُهُمُ: الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ سَيِّدِهِ.
وَالثَّانِي: الْمُفْلِسُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِأَجْلِ غُرَمَائِهِ.
وَالثَّالِثُ: الْمَرِيضُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِأَجْلِ وَرَثَتِهِ.
وَالرَّابِعُ: الْمُرْتَدُّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّ بَيْتِ الْمَالِ.
وَمَعْنَى الْحَجْرِ فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُخْتَلِفٌ وَسَنُفْرِدُ الْحُكْمَ فِي إِقْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
أَمَّا الْعَبْدُ فَإِقْرَارُهُ على ضربين:

أَحَدُهُمَا: فِي بَدَنٍ كَحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَإِقْرَارُهُ بِهِ لَازِمٌ وَاسْتِيفَاؤُهُ فِي الْحَالِ وَاجِبٌ صَدَّقَ السَّيِّدُ أَوْ كَذَّبَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: فِي مَالٍ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَنْ جِنَايَةٍ فَإِقْرَارُهُ بِهِ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْحَالِ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَ السَّيِّدُ فَيَتَعَلَّقُ الْإِقْرَارُ بِرَقَبَتِهِ وَتُبَاعُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ جِنَايَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُكَذِّبًا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ وَيُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَسَارِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَنْ مُعَامَلَةٍ فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَانَ إِقْرَارُهُ لَازِمًا فِيمَا بِيَدِهِ صَدَّقَ السَّيِّدُ أَمْ كَذَّبَ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ بِالْإِذْنِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَانَ إِقْرَارُهُ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّتِهِ يُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَسَارِهِ سَوَاءٌ صَدَّقَ السَّيِّدُ أَمْ كَذَّبَ.
وَنَحْنُ نَسْتَوْفِي شَرْحَ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافِ فِيهِ مِنْ بَعْدُ.
وَأَمَّا الْمُفْلِسُ فَإِقْرَارُهُ لَازِمٌ فِي حَال حَجْرِهِ لَكِنْ إِنْ صَدَّقَهُ الْغُرَمَاءُ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ شَرِيكًا لَهُ فِي مَالِهِ يُخَاصِمُهُمْ بِقَدْرِ مَا أُقِرَّ بِهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ الْغُرَمَاءُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي حَجْرِهِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ أَوْ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ؟ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُشَارِكُ الْغُرَمَاءَ بِهِ وَيُؤْخَذُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ فَعَلَى هَذَا يُشَارِكُهُمْ فِي مَالِهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي أُقِرَّ به.
وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَإِقْرَارُهُ لَازِمٌ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ وَفِيهِ مَسَائِلُ تَأْتِي مَسْطُورَةً.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَإِقْرَارُهُ فِي بَدَنِهِ لَازِمٌ قَبْلَ الْحَجْرِ وَبَعْدَهُ، وَأَمَّا إِقْرَارُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ حَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَجْرِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ الْمَرَضِ فَعَلَى هَذَا عُقُودُهُ لَازِمَةٌ وَإِقْرَارُهُ نَافِذٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى حَجْرِ السَّفَهِ فَعَلَى هَذَا عُقُودُهُ بَاطِلَةٌ وَفِي إِقْرَارِهِ وَجْهَانِ.
وَإِنْ كَانَ إِقْرَارُهُ قَبْلَ حَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إِقْرَارُهُ عَلَى مَا مَضَى.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَحْجُورًا عليه إلا بحكم حاكم فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إِقْرَارُهُ لَازِمًا نَافِذًا.

فَأَمَّا السَّكْرَانُ فَلَا يَخْلُو حَالُ سُكْرِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَعْصِيَةٍ.
أَوْ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ لَا يَلْزَمُ فِي مَالٍ وَلَا بَدَنٍ كَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَلَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ سُكْرُهُ مَعْصِيَةً فَالْمَذْهَبُ لُزُومُ إِقْرَارِهِ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ كَمَا يَقَعُ طَلَاقُهُ.
وَقَدْ خَرَّجَ الْمُزَنِيُّ قَوْلًا فِي الْقَدِيمِ أَنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ فَعَلَى هَذَا إِقْرَارُهُ لَا يَلْزَمُ فِي مَالٍ وَلَا بَدَنٍ.
فَأَمَّا الَّذِي يُجَنُّ فِي زَمَانٍ وَيُفِيقُ فِي زَمَانٍ، فَإِنْ أَقَرَّ فِي زَمَانِ جُنُونِهِ بَطَلَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ فِي حَالِ إِفَاقَتِهِ لَزِمَ إِقْرَارُهُ.
فَلَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ إِفَاقَتِهِ هَلْ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي حَالِ الْجُنُونِ أَمِ الْإِفَاقَةِ؟ فَقَالَ الْمُقِرُّ: كُنْتُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ مَجْنُونًا، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ كُنْتَ مُفِيقًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ، فَهَذَا حُكْمُ الْمُقِرِّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ وَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِحَالٍ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْإِقْرَارُ مِنْ حَقٍّ وَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا.
أَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ.
فَإِنْ كَانَ آدَمِيًّا فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَنْ يَكُونَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
فَإِنْ كَانَ حراً حُرًّا صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكُوا.
وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَهُ دُونَ سَيِّدِهِ كَالْإِقْرَارِ بِالزَّوْجِيَّةِ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَهُ كَانَ الْإِقْرَارُ لِسَيِّدِهِ وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مُعَارًا فِيهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ قَبُولُ السَّيِّدِ دُونَهُ.

وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ لِغَيْرِ آدَمِيٍّ كَإِقْرَارِهِ لِبَهِيمَةٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ فَلَا يخلو حال الإقرار في ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُضَافَ إِلَى وَجْهٍ مُسْتَحِيلٍ كَإِقْرَارِهِ لِذَلِكَ بِدَيْنٍ مِنْ مُعَامَلَةٍ فَيَكُونُ بَاطِلًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُضَافَ إِلَى وَجْهٍ يَصِحُّ وَلَا يَسْتَحِيلُ كَإِقْرَارِهِ لِمَسْجِدٍ بِمَالٍ مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْ لِرِبَاطٍ بِمَالٍ مِنْ وَقْفٍ عَلَيْهِ، أو لماشية مسبلة بعلوفة مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، فَهَذَا إِقْرَارٌ لَازِمٌ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ وَإِنَّمَا هُوَ إِقْرَارٌ بِجِهَاتٍ يَنْصَرِفُ المال فيها.
والقسم الثالث: أن يكون مطرقاً وَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ في المقر للحمل بإقرار مطلقا فَهَذَا الشَّرْطُ الثَّانِي.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُقَرُّ بِهِ فَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ الْإِقْرَارُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَدِّهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ كُلُّ شَيْءٍ جَازَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّهُ حَدٌّ لِمَا تَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلِمَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِهِ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ صَحَّ الْإِقْرَارُ بِهِ سُمِعَتِ الدَّعْوَى فِيهِ، وَمَا رُدَّ فِي أَحَدِهِمَا رُدَّ فِي الْآخَرِ وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي مَجْهُولٍ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَصَّى لِي زَيْدٌ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَتُسْمَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى الْمَجْهُولَةُ عَلَى وَارِثِهِ وَيَرْجِعُ إِلَى بَيَانِهِ فِيهَا لِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالشَّيْءِ الْمَجْهُولِ وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى الْمَجْهُولَةُ فِيمَا سِوَاهُ.
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمُقَرِّ بِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَدَنٍ.
أَوْ مَالٍ.
فَأَمَّا الْبَدَنُ فَضَرْبَانِ: حَقٌّ لِلَّهِ.
وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّ.
فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزنى وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَى سَتْرِهِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهُ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ". وَأَمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ فَالْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ فَعَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ والتمكين وَأَمَّا الْمَالُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ إِقْرَارٍ.

وَالثَّانِي: حَقُّ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ عَيْنًا كَعَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ دَيْنًا كَمَالٍ فِي الذِّمَّةِ.
وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مَنْفَعَةَ مَالٍ كَمَنَافِعِ الْإِيجَارَاتِ.
وَالرَّابِعُ: مَا كَانَ مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مِنْ غَيْرِ مَالٍ كَالْأَنْجَاسِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا وَالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ.
وَالْخَامِسُ: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ كَالشُّفْعَةِ.
وَالسَّادِسُ: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ غَيْرِ الْأَمْوَالِ كَالزَّوْجِيَّةِ وَالْقَسَمِ.
فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَخْلُو حَالُ مُسْتَحِقِّهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ.
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ إِقْرَارٍ مَا لَمْ يَقَعْ تَنَافُرٌ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ لَزِمَهُ الْأَمْرَانِ مَعًا، الْإِقْرَارُ بِهِ وَالْأَدَاءُ لَهُ.
فَهَذَا الشَّرْطُ الثَّالِثُ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ الْمُقَرُّ عِنْدَهُ فَهُوَ مَنْ يَصِيرُ بِهِ الْحَقُّ مَحْفُوظًا.
وهو أحد تفسير أَمْرَيْنِ: إِمَّا حَاكِمٌ يُلْزِمُ.
أَوْ شَاهِدٌ مُتَحَمِّلٌ.
وَلَيْسَ لِلْإِقْرَارِ عِنْدَ غَيْرِ هَذَيْنِ تَأْثِيرٌ.
فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ عِنْدَ حَاكِمٍ فَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ سَمَاعِهِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ عنده قبل سماع الدعوى من غَيْرِ دَعْوَى فَفِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَصْرِيِّينَ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا مُخَرَّجًا مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ: هَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ: بِجَوَازِ حُكْمِهِ صَحَّ الْإِقْرَارُ عِنْدَهُ قَبْلَ سَمَاعِ الدَّعْوَى، وَإِنْ قِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ عِنْدَهُ قَبْلَ سَمَاعِ الدَّعْوَى.
وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ فَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَسْتَرْعِيَهُمَا الْإِقْرَارُ، فَيَقُولُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ اشْهَدَا عَلَيَّ بِذَلِكَ.
فإن لم يسترعيهما وَأَقَرَّ عِنْدَهُمَا أَوْ سَمِعَاهُ يُقِرُّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُمَا، فَفِي صِحَّةِ تَحَمُّلِهِمَا وَجَوَازِ شَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ نَذْكُرُ تَوْجِيهَهُمَا فِي مَوْضِعِهِ إن شاء الله تعالى.

مسألة:

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شيءٌ ثُمَّ جَحَدَ قِيلَ لَهُ أَقِرَّ بِمَا شِئْتَ مِمَّا يقع عليه اسم شيءٍ من مالٍ أو تمرةٍ أَوْ فلسٍ وَاحْلِفْ مَا لَهُ قِبَلَكَ غَيْرُهُ فَإِنْ أَبَى حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى مَا ادعى واستحقه مَعَ نُكُولِ صَاحِبِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالْإِقْرَارُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُفَسَّرٍ وَمُجْمَلٍ فَالْمُفَسَّرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُسْتَوْفًى وَمُقَصِّرٌ.
فَالْمُسْتَوْفَى كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ مئة دِينَارٍ قَاشَانِيَّةٌ، فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ مَفْهُومَ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى سُؤَالٍ عَنْهُ وَيُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ إِنْ قَبِلَهُ الْمُدَّعِي.
وَالْمُقَصِّرُ أَنْ يقول: له علي مئة دِينَارٍ فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ مَفْهُومَ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ مَجْهُولَ الصِّفَةِ فَلِذَلِكَ صَارَ مُقَصِّرًا، فَيُسْأَلُ عَنْ صِفَةِ الدَّنَانِيرِ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَا يُفَسِّرُهُ مِنْ صِفَتِهَا إِنْ قَبِلَهُ الْمُدَّعِي.
وَأَمَّا الْمُجْمَلُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: عَامٌّ.
وَخَاصٌّ.
فَالْخَاصُّ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ فَكَانَ خَاصًّا لِاخْتِصَاصِهِ بِالْمَالِ دُونَ غَيْرِهِ وَمُجْمَلًا مِنْ جِنْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ.
وَأَمَّا الْعَامُّ فَقَوْلُهُ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، لِأَنَّ الشَّيْءَ أَعَمُّ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا لِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا وَاخْتُلِفَ فِي إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمَعْدُومَاتِ.
فَإِنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِهِ جِنْسًا وَصِفَةً وَقَدْرًا لِأَنَّ اسم الشيء لا يدل على واحد منهما، ثم له حالتان: حالة تفسير.
حالة لَا تَفْسِيرٍ.
فَإِنْ لَمْ يُفَسِّرْ عِنْدَ سُؤَالِ الْحَاكِمِ لَهُ عَنِ التَّفْسِيرِ أَعَادَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ ثَانِيَةً فَإِنْ أَبَى التَّفْسِيرَ أَعَادَ عَلَيْهِ ثَالِثَةً.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِعَادَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَقِيلَ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ أَمِ اسْتِحْبَابٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ قَبْلَهُ لِيَسْتَحِقَّ بِالتَّكْرَارِ امْتِنَاعَهُ من التفسير.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: اسْتِحْبَابٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنْ حُكِمَ عَلَيْهِ قَبْلَ إِعَادَةِ الْقَوْلِ ثَلَاثًا أَجْزَأَ بَعْدَ إِعْلَامِهِ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ.
فَإِذَا امْتَنَعَ عَنِ التَّفْسِيرِ بَعْدَمَا وَصَفْنَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: وهو المنصوص عليه من هَذَا الْمَوْضُوعِ وَفِي أَحَدِ كِتَابَيِ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ نَاكِلًا، وَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ حَلَفَ عَلَيْهِ حُكِمَ لَهُ بِهِ لِأَنَّهُ بِالِامْتِنَاعِ مِنَ التَّفْسِيرِ كَالْمُمْسِكِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى فَاقْتَضَى أَنْ يَصِيرَ نَاكِلًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْكِتَابِ الْآخَرِ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُفَسِّرَ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُقِرًّا وَبِالِامْتِنَاعِ عَنِ التَّفْسِيرِ يَصِيرُ كَالْمَانِعِ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْبَسَ بِهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِنْ فَسَّرَ فَلَا يَخْلُو حَالُ تَفْسِيرِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: - إِمَّا أَنْ يُفَسِّرَ بِمَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ.
أَوْ بِمَا لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ؟ فَإِنْ فَسَّرَ بِمَا لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ كَقَوْلِهِ: أَرَدْتُ شَمْسًا أَوْ قَمَرًا أَوْ كَوْكَبًا أَوْ رِيحًا أَوْ نَارًا، لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُفَسَّرًا، وَكَذَا لَوْ فَسَّرَهُ بِتَافِهٍ حَقِيرٍ كَتَمْرَةٍ أَوْ لُقْمَةٍ لَمْ يَكُنْ مُفَسَّرًا لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْمُ الشَّيْءِ عَلَيْهِ مُنْطَلِقًا فَهُوَ مِمَّا لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ مُطَالَبَةٌ وَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ إِقْرَارٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: ارْتِفَاعُ الْيَدِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: مُسَاوَاةُ الْجَمِيعِ فِيهِ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَالًا.
وَالثَّانِي: غَيْرُ مَالٍ.
فَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَكُونُ مَالًا كَتَفْسِيرِهِ ذَلِكَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِجِنْسِ الدَّعْوَى.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا؟ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِجِنْسِ الدَّعْوَى مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَيُفَسِّرُ الشَّيْءَ بِالدَّرَاهِمِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَدْرِ الدَّعْوَى مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَيُفَسِّرُ الشَّيْءَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا مُقِرٌّ بِجَمِيعِ الدَّعْوَى وَمُصَدِّقٌ عَلَيْهَا فَصَارَ مُصَدَّقًا فِي تَفْسِيرِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُوَافِقٍ لِقَدْرِ الدَّعْوَى مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عليه مائة

دِرْهَمٍ فَيُفَسِّرُ الشَّيْءَ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي فَسَّرَهُ وَيَحْلِفُ عَلَى بَاقِي الدَّعْوَى الَّذِي أَنْكَرَهُ.
فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِجِنْسِ الدَّعْوَى مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ دَرَاهِمَ فَيُفَسِّرُ الشَّيْءَ بِالدَّنَانِيرِ فَيُقَالُ لِلْمُدَّعِي: هَلْ تَدَّعِي عَلَيْهِ مَا فَسَّرَهُ مِنَ الدَّنَانِيرِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَدَّعِيهَا وَأَدَّعِي الدَّرَاهِمَ، حُكِمَ لَهُ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي فَسَّرَهَا الْمُقِرُّ وَأُحْلِفَ لَهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ.
وَإِنْ قَالَ: لَسْتُ أَدَّعِي الدَّنَانِيرَ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَى الْمُقِرِّ بِهَا وَأُحْلِفَ الْمُقِرُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي مِنَ الدَّرَاهِمِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي صَدَّقَهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالشَّيْءِ مَا فَسَّرَهُ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَلَكِنْ قَالَ هُوَ غَيْرُ مَا ادَّعَيْتَ أُحْلِفَ الْمُقِرُّ بِاللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ.
وَإِنْ قَالَ: بَلْ أَرَادَ بِالشَّيْءِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مَا ادَّعَيْتُهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَلَكِنْ كَذِبَ فِي التَّفْسِيرِ حَلَفَ الْمُقِرُّ بِاللَّهِ مَا أَرَادَ بِالشَّيْءِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الدَّرَاهِمَ الَّتِي ادَّعَيْتُ عَلَيْهِ بِهَا.
فَأَمَّا إِذَا فَسَّرَ الشَّيْءَ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ مِثْلَ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ فَفِي قَبُولِ هَذَا التَّفْسِيرِ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَقْبُولٌ وَيُسْأَلُ عَنْهُ الْمُدَّعِي عَلَى مَا مَضَى لِأَنَّهُ مَعَ انْطِلَاقِ الشَّيْءِ عليه مما تمتد إليه اليد.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي التَّفْسِيرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَيَكُونُ كَمَنْ لَمْ يُفَسِّرْ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِمَّا تُقَرُّ عليه اليد وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالْكَلْبِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ كَانَ مُفَسِّرًا بِهِ لِأَنَّ الدَّعْوَى قَدْ تَصِحُّ أَنْ يُتَوَجَّهَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تُقَرُّ عَلَيْهِ الْيَدُ وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَالْخَمْرِ والخنزير ولم يَكُنْ بِهِ مُفَسِّرًا لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ أَنْ يُتَوَجَّهَ إِلَيْهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مالٌ أَوْ مالٌ كثيرٌ أو عظيمٌ فإنما يقع عليه اسم مالٍ فأما من ذهب إلى ما تجب فيه الزكاة فلا أعلمه خبراً ولا قياساً أرأيت إذا أغرمت مسكيناً يرى الدراهم عظيماً أو خليفةً يرى ألف ألف قليلاً إذا أقر بمالٍ عظيمٍ مائتي درهمٍ والعامة تعلم أن ما يقع في القلب من مخرج قوليهما مختلفٌ فظلمت المقر له إذ لم تعطه من خليفة إلا التافه وظلمت المسكين إذا أغرمته أضعاف العظيم إذ ليس عندك في ذلك إلا محمل كلام الناس ".

قال الماوردي: وهذا صحيح إذا قال: له عَلَيَّ مَالٌ، فَهَذَا مِنَ الْمُجْمَلِ الْخَاصِّ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْهُ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ، رَجَعَ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ، فَمَا فَسَّرَهُ مِنْ شَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَمْوَالِ قُبِلَ مِنْهُ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمُحَرَّمٍ لَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِهِ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ مَضَيَا.
فَأَمَّا إِذَا وَصَلَ إِقْرَارَهُ بِأَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ كَثِيرٌ أَوْ مَالٌ عَظِيمٌ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى: فَقَالَ أبو حنيفة: لَا نَقْبَلُ منه أقل من مئتي دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا وَهُوَ النِّصَابُ الْمُزَكَّى مِنَ الْأَثْمَانِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْبَلُ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، هُوَ النِّصَابُ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ.
وَقَالَ اللَّيْث بْنُ سَعْدٍ أَقَلُّ مَا نَقْبَلُ مِنْهُ اثْنَانِ وسبعون درهماً.
وقال الشافعي: يرجع إِلَى تَفْسِيرِهِ فَمَا فَسَّرَهُ بِهِ مِنْ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ سَوَاءٌ كَانَ مَنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَاسْتَدَلَّ أبو حنيفة لِمَذْهَبِهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يَحْلِفُ فِي الْمَقَامِ فَقَالَ لَهُ: أَفِي دَمٍ؟ قِيلَ: لَا، قَالَ: أَفَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ؟ قِيلَ: لَا، فَقَالَ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِهَذَا الْمَقَامِ.
فَحَمَلْتُمْ قَوْلَهُ أَفَعَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ على مئتي دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَلَزِمَكُمْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمُوَاسَاةِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرَهُمْ) {التوبة: 103) . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَبَيْنَ مَالٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ لَمْ تؤخذ الزكاة من أقل من مئتي دِرْهَمٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا لِخُرُوجِهِ مَنْ حُكْمِ اللَّفْظِ فَكَذَا فِي الْإِقْرَارِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ لِمَذْهَبِهِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: مَا كَانَتْ تقطع اليد في عبد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ.

فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يُقْطَعُ فِيهِ مَالٌ تَافِهٌ حَقِيرٌ، فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا عَظِيمًا وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ الْمَقَادِيرِ فِي الشَّرْعِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ أَصْلًا فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ الْمُطْلَقِ.
وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَاسْتَدَلَّ لِمَذْهَبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (التوبة: 25) . فَعُدَّتْ فَكَانَتِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مَوْطِنًا.
والدليل على جميعهم أن العظم إذا كانت صفة لقدر لَمْ يُوجِبْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ عَظِيمٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أكثر من درهم لو لم يصفه بعظيم، فَكَذَا إِذَا كَانَ صِفَةً لِمُجْمَلٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ.
فَلَمَّا كَانَ لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَمْ يَكُنِ الْمَالُ مُقَدَّرًا وَجَبَ إِذَا أَقَرَّ بِمَالٍ عَظِيمٍ أَنْ لَا يَصِيرَ مُقَدَّرًا.
وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْعَظِيمَ صِفَةٌ تَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ قَدْرٍ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، لِأَنَّ الْقَلِيلَ قَدْ يَكُونُ عَظِيمًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ، وَالْعَظِيمُ قَدْ يَكُونُ قَلِيلًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدًّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى) {النساء: 77) فَجَعَلَ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7، 8) فَجَعَلَ ذَلِكَ كَثِيرًا لِتَوَجُّهِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ إِلَيْهِ فَصَارَ إِطْلَاقُ الْعَظِيمِ يَقْتَضِي إِضَافَتَهُ إِلَى الْمَجْهُولِ لِجَوَازِ إِضَافَتِهِ إِلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالْمَجْهُولُ لَا يَكُونُ مُقَدَّرًا.
وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْعَظِيمَ لَا يَتَقَيَّدُ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعُرْفِ حَدًّا وَلَا يَخْتَصُّ مِنَ الْأَمْوَالِ جِنْسًا وَلَا قَدْرًا لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَظِيمُ الْجِنْسِ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بالعظيم أنه حلال أو أنه موجب للثوابوالعقاب وَلِأَنَّ عَظِيمَ الْقَدْرِ قَدْ يَخْتَلِفُ عِنْدَ النَّاسِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ يَسَارِهِمْ وَإِعْسَارِهِمْ.
فَالْخَلِيفَةُ يَرَى الْأَلْفَ قَلِيلًا وَالْفَقِيرُ يَرَى الدِّرْهَمَ عَظِيمًا.
ثُمَّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَعَةِ النُّفُوسِ وَضِيقِهَا، فَذُو النَّفْسِ الْوَاسِعَةِ يَرَى الْكَثِيرَ قَلِيلًا وَذُو النَّفْسِ الضَّيِّقَةِ يَرَى الْقَلِيلَ كَثِيرًا عَظِيمًا.
وَمَعَ اخْتِلَافِ الِاسْتِعْمَالِ لَهُ وَتَبَايُنِ الْمُرَادِ بِهِ يَبْطُلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَدًّا أَوْ يَتَنَاوَلُ مِنَ الْأَمْوَالِ جِنْسًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَهُوَ أَنَّ مُرَادَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يُعْرَفْ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ إِنَّمَا عُرِفَ بِقَرِينَةِ صُحْبَتِهِ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الدَّمِ تَغْلِيظًا فَعَقَلَ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَعَ مَا شَاهَدَهُ مِنْ حَالِهِ فِيهِ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ مئتا دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَلَوْ وُجِدَ فِي الْإِقْرَارِ مِثْلُهُ لَقُلْنَاهُ.
ثُمَّ هُوَ أَبْعَدُ النَّاسِ اسْتِدْلَالًا بِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ فِيمَا ورد فيه.

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ نُصُبِ الزَّكَوَاتِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَتَقَدَّرَ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالنِّصَابِ مِنْهُمَا لَتَقَدَّرَ فِي الْمَوَاشِي بِالنُّصُبِ فِيهَا، ثُمَّ الْمَالُ لَا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ دُونَ غَيْرِهِمَا فلم يجعله مُخْتَصًّا بِهِ أَوْ مُقَدَّرًا فِيهِمَا وَهَلَّا جَعَلَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَمُقَدَّرًا بِنِصَابٍ مِنْ كُلِّ مَالٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ مَالِكٍ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فَهُوَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ التَّافِهَ مِمَّا لَا يُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِتَافِهٍ تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ كَالْغَاصِبِ وَالْجَانِي عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ تَافِهًا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ لَا أَنَّهُ تَافِهٌ فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إنَّهُ أَقَلُّ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ أَنَّهُ يَسُوغُ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ فِيمَا قَدِ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ، فَإِذَا حَصَلَ الْخِلَافُ فِي الْقَدْرِ كَانَ الْأَوْلَى رَدُّهُ إِلَى الْأَقَلِّ وَلَا يَسُوغُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ غَيْرُ مُقَدَّرٍ؟ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ اللَّيْثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عَددهَا عَلَى أَنَّهُ عَدَدُ الْمَوَاطِنِ الْكَثِيرَةِ لَا الْمَالُ الْكَثِيرُ.

فَصْلٌ

: فإذا ثبت أنه إقرارغير مُقَدَّرٍ فَسَوَاءٌ قَالَ مَالٌ عَظِيمٌ أَوْ لَهُ مَالٌ جَزِيلٌ أَوْ ثَقِيلٌ أَوْ مُغْنٍ أَوْ جَمَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ كَثِيرٌ عَظِيمٌ جَزِيلٌ ثَقِيلٌ مُغْنٍ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ فَمَا فَسَّرَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ قُبِلَ مِنْهُ، وَلَوْ قِيرَاطًا مِنْ فِضَّةٍ أَوْ مُدَّ حِنْطَةٍ أَوْ بَاقَةً مِنْ بَقْلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ وَإِلَّا فَلَهُ إِحْلَافُهُ.
فَصْلٌ : فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِزَيْدٍ عَلَيَّ ثُمَّ بَيَّنَ دِرْهَمًا وَاحِدًا أَوْ أَقَلُّ قُبِلَ مِنْهُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ إِلَّا هَذَا الْقَدْرُ فَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَكَانَ قَدْ بَيَّنَ إِقْرَارَهُ بِدِرْهَمٍ قُبِلَ مِنْهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْذِبُ الشُّهُودُ فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِزَيْدٍ عَلَيَّ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِدِرْهَمٍ وَأَقَرَّ لِزَيْدٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ قُبِلَ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِالْأَكْثَرِ فِي أَنَّهُ حَلَالٌ وَبِالْأَقَلِّ فِي أَنَّهُ حَرَامٌ لِأَنَّ الْحَلَالَ كَثِيرٌ وَالْحَرَامَ قَلِيلٌ، فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِزَيْدٍ جِنْسًا ثُمَّ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بمئة دِينَارٍ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ إِلَّا مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالذَّهَبِ قَلِيلًا بَيَّنَ أَوْ كَثِيرًا لِاحْتِمَالِ قَوْلِهِ أَكْثَرَ فِي الْحَلَالِ دُونَ الْقَدْرِ وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَالِ زَيْدٍ.
فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ ما لزيد عدداً ثم أقر لزيد بمئة دينار لزمه أن يبين أكثر من مئة وَسَوَاءٌ بَيَّنَ مِنَ الدَّنَانِيرِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
فلو قال له علي أكثر مما لزيد عدداً وجنساً ثم أقر لزيد بمئة دِينَارٍ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِأَكْثَرِ مِنْ مئة دِينَارٍ وَلَوْ بِأَدْنَى زِيَادَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ أَزَالَ الِاحْتِمَالَ بِذِكْرِ الْجِنْسِ وَالْعَدَدِ.
فَلَوِ ابْتَدَأَ الْمُدَّعِي فقال: لي عليك مئة دِينَارٍ، فَقَالَ لَكَ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْهَا ثُمَّ بين درهماً

قُبَلِ مِنْهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَلَوْ قَالَ أَكْثَرُ مِنْهَا عَدَدًا، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا أكثر من مئة عَدَدًا، وَسَوَاءٌ بَيَّنَ الدَّنَانِيرَ أَوْ غَيْرَهَا.
وَلَوْ قَالَ أَكْثَرُ مِنْهَا جِنْسًا وَعَدَدًا لَمْ يُقْبَلْ منه إلا أكثر من مئة دِينَارٍ وَلَوْ بِأَدْنَى زِيَادَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ أَوْ عَظِيمَةٌ أَوْ لَمْ يَقُلْهَا فَهِيَ ثلاثةٌ ". قَالَ الماوردي: وهذا صحيح.
إذا قال: له عليَّ دَرَاهِمُ فَأَقَلُّ مَا يُقْبَلُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَهُوَ أَقَلُّ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ مِنَ الْأَعْدَادِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ أَقَلُّ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ اثْنَانِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا دِرْهَمَانِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ " وَبِقَوْلِهِ تعالى: {وَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِهِ السُّدُسُ) {النساء: 11) . ثُمَّ كَانَتِ الْأُمُّ تُحْجَبُ بِالِاثْنَيْنِ وَإِنْ ذُكِرُوا بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ مُشْتَقٌّ مِنِ اجْتِمَاعِ الشَّيْءِ مَعَ الشَّيْءِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ.
وَالدَّلَالَةُ عَلَى خَطَأِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الشَّاذَّةِ أَنَّ اللِّسَانَ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْآحَادِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَالْآحَادُ يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ مِنَ الْأَعْدَادِ وَالتَّثْنِيَةُ يَتَنَاوَلُ الِاثْنَيْنِ، وَالْجَمْعُ يَتَنَاوَلُ الثَّلَاثَةَ.
وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ يَسْلَمُ فِي التَّثْنِيَةِ وَلَا يَسْلَمُ فِي الْجَمْعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَّفِقَ العدد فيهما مَعَ اخْتِلَافِ صِيغَةِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُمَا.
فَأَمَّا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جماعةٌ " فَهُوَ الدَّلِيلُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا فِي اللِّسَانِ لَاسْتغْنى فِيهِ عَنِ الْبَيَانِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يَعْلَمُ الْأَسْمَاءَ وَإِنَّمَا بَيَّنَ الْأَحْكَامَ فَأَخْبَرَ أَنَّ حُكْمَ الِاثْنَيْنِ فِي الصَّلَاةِ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ اللِّسَانُ فِي اللُّغَةِ.
فَأَمَّا حَجْبُ الْأُمِّ بِالْأَخَوَيْنِ فَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَامَتْ فِيهِ عَلَى صَرْفِ الْحُكْمِ عَمَّا اقْتَضَاهُ اللِّسَانُ أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمُخَالَفَتِهِ مُقْتَضَى اللِّسَانِ وَقَالَ: تَرَكْتَ لِسَانَ قَوْمِكَ فَلَمْ يُنْكِرْ عُثْمَانُ مُخَالَفَتَهُ لِمُقْتَضَى اللِّسَانِ فأخبره أَنَّ الدَّلِيلَ صَرَفَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ الْجَمْعَ مُشْتَقٌّ مِنْ جَمْعِ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ فَيُقَالُ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اجْتِمَاعِ الْجَمَاعَةِ كَمَا أَنَّ التَّثْنِيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنِ اجْتِمَاعِ الِاثْنَيْنِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ فَسَوَاءٌ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ أَوْ قَالَ لَهُ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ أَوْ عَظِيمَةٌ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ إِنْ بَيَّنَهَا قُبِلَتْ مِنْهُ.
وَقَالَ أبو حنيفة لَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي إِقْرَارِهِ بِالدَّرَاهِمِ الْكَثِيرَةِ أَوِ الْعَظِيمَةِ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ.
وَيُوشِكُ أَنْ يبينهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَقَلِّ الْمَهْرِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّنَا دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ صِفَةَ الشَّيْءِ بِالْكَثْرَةِ وَالْعِظَمِ لَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ قَدْرٍ مَحْدُودٍ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الِاحْتِمَالِ وَالتَّجْوِيزِ، وَأَنَّ الْإِقْرَارَ مَوْضُوعٌ عَلَى إِلْزَامِ الْيَقِينِ وَاطِّرَاحِ الشَّكِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَسَوَاءٌ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ أَوْ عَظِيمَةٌ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دُرَيْهِمَاتٌ لَمْ يُقْبَلْ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ وَدَرَاهِمُ لَزِمَهُ فِي الْحُكْمِ سِتَّةُ دَرَاهِمَ فَهَذَا حُكْمُ الْإِقْرَارِ إِذَا صَرَّحَ بِالْعَدَدِ دُونَ الْعَدَدِ.
فَأَمَّا إِنْ صَرَّحَ بِالْعَدَدِ دُونَ الْمَعْدُودِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ إِلَى بَيَانِهِ فِيهَا، فَإِنْ بَيَّنَهَا مِنْ جِنْسٍ أَوْ أَجْنَاسٍ قُبِلَتْ.
وَقَالَ محمد بن الحسن لَا أَقْبَلُهَا مَعَ إِطْلَاقِ الْعَدَدِ إِلَّا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْإِقْرَارِ يُطْرَحُ وَالْيَقِينُ مُعْتَبَرٌ، عَلَى أَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي الْأَعْدَادِ أَنْ يَتَنَاوَلَ جِنْسًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْأَجْنَاسِ كَمَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْجِنْسِ.
فَلَوْ قَالَ أَرَدْتُ بِالثَّلَاثَةِ فُلُوسًا قُبِلَ مِنْهُ سَوَاءٌ تَعَامَلَ النَّاسُ بِهَا أَمْ لَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ أَرَدْتُ بِالثَّلَاثَةِ دِرْهَمًا وَدِينَارًا وَفَلْسًا قُبِلَ مِنْهُ وَاللَّهُ أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ ألفٌ ودرهمٌ وَلَمْ يُسَمِّ الْأَلْفَ قِيلَ لَهُ أَعْطِهِ أَيَّ ألفٍ شِئْتَ فُلُوسًا أَوْ غَيْرَهَا وَاحْلِفْ أَنَّ الْأَلْفَ الَّتِي أَقْرَرْتَ بِهَا هِيَ هَذِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بألفٍ وعبدٍ أَوْ أَلْفٍ ودارٍ لَمْ يجعل الألف الأول عَبِيدًا أَوْ دُورًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَأَحْوَالٌ ثَلَاثٌ، فَمِنْهَا حالتان متفق على حكمهما: - إحداهما: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِرْهَمٌ فَكُلُّ ذَلِكَ دَرَاهِمُ إِجْمَاعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ فَسَّرَ الْأَلْفَ قَبْلَ الدِّرْهَمِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْأَلْفِ إِجْمَاعًا لِإِبْهَامِهَا وَلَا يَكُونُ الدِّرْهَمُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهَا تَفْسِيرًا لَهَا.

وَأَمَّا الثَّالِثَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْأَلْفِ لِإِبْهَامِهَا وَلَا يَكُونُ الْعَطْفُ بِالدِّرْهَمِ تَفْسِيرًا لَهَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَصِيرُ الْأَلْفُ بِالدِّرْهَمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا دَرَاهِمَ كُلُّهَا وَلَا يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهَا اسْتِدْلَالًا، بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْعَطْفِ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ: رَأَيْنَا زَيْدًا وَعَمْرًا دَلَّ عَلَى رُؤْيَتِهِ لِعَمْرٍو لِعَطْفِهِ عَلَى زَيْدٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: لَهُ عليّ ألف ومئة درهم تفسيراً للألف بالمئة الْمَعْطُوفَةِ عَلَيْهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَلْفًا وَدِرْهَمٌ تَفْسِيرًا لِلْأَلْفِ بِالدِّرْهَمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدَدٌ مُفَسِّرٌ مَعْطُوفٌ عَلَى عَدَدٍ مُبْهَمٍ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ الْعَطْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَصْفًا لَمْ يَكُنْ بَيَانًا، كَقَوْلِهِ: أَلْفٌ وَعَبْدٌ لَا يَكُونُ الْأَلْفُ كُلُّهَا عَبِيدًا وَلِأَنَّ الْعَطْفَ لَوْ كَانَ بَيَانًا لَاسْتَحَالَ أَنْ يُعَادَ مَعَهُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ وَلَمَا جَازَ أَنْ يَقُولَ: مَرَرْتُ بِأَلْفِ رَجُلٍ وَصَبِيٍّ كَمَا لَا يصح أن يقول: مررت بألف رجل صبي، وَلَوَجَبَ إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ، أَنْ يَلْزَمَهُ أَلْفُ دِينَارٍ وَدِينَارٍ.
لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمَا يُوجِبُ نَعْتَ الْأَلْفِ بِالدَّنَانِيرِ.
وَفِي الْقَوْلِ بِخِلَافِ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ مَا قَالُوهُ فِي الْعَطْفِ، فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْعَطْفِ اسْتِشْهَادًا بِقَوْلِهِمْ رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا فَخَطَأٌ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْعَطْفِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِأَنَّ رُؤْيَةَ عَمْرٍو مَعْلُومَةٌ بِرُؤْيَةٍ زَيْدٍ، وَهُمْ جَعَلُوا حُكْمَ الْأَلْفِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا مَأْخُوذًا مِنَ الْعَطْفِ بَعْدَهَا وَهُمَا ضدان.
وأما قوله: له عليّ ألف ومئة دِرْهَمٍ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْأَلْفِ كَالدِّرْهَمِ فَعَلَى هَذَا سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا، فَعَلَى هَذَا، الْفَرْق بَيْنَهُمَا أَنَّ الدِّرْهَمَ الزَّائِدَ عَلَى الْأَلْفِ عَدَدٌ زَائِدٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْعَدَدِ الأول، وهو إذا قال ألف ومئة فَقْدِ اسْتَكْمَلَ الْعَدَدَ ثُمَّ وَصَفَ ذَلِكَ بِالدِّرْهَمِ تَفْسِيرٌ بِالِاتِّفَاقِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَعْضِ الْعَدَدِ دُونَ بَعْضٍ وَصَارَ رَاجِعًا إِلَى جَمِيعِهِ فَافْتَرَقَا.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ إِلَى تَفْسِيرِ الْأَلْفِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الدِّرْهَمِ فَإِنْ فَسَّرَهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ فُلُوسٍ أَوْ جَوْزٍ قُبِلَ مِنْهُ.
وَكَذَا لَوْ فَسَّرَ

الْأَلْفَ بِأَجْنَاسٍ كَثِيرَةٍ قُبِلَ أَيْضًا، وَأُحْلِفَ إِنْ أَكْذَبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ.
وَهكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمَانِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْأَلْفِ.
فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ أَلْفٌ وَأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَهَلْ يصير ذ لك تَفْسِيرًا لِلْأَلْفِ الْمُبْهَمَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا كَمَا لَوْ كَانَ الْعَدَدُ الزَّائِدُ دِرْهَمًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَا بَعْدَ الْأَلْفِ عَدَدًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: لَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إِلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلْأَلْفِ.
وَإِنْ كَانَ عَدَدًا مَنْصُوبَ التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَمَا زَادَ كَانَ تَفْسِيرًا لِلْأَلْفِ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَخَصُّ بِالصِّفَاتِ وَالنُّعُوتِ وَيَصِيرُ تَقْدِيرُ هَذَا الْكَلَامِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَأَحَدَ عَشَرَ مِنَ الدَّرَاهِمِ.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ ألفٌ إِلَّا دِرْهَمًا قِيلَ لَهُ أَقِرَّ لَهُ بِأَيِّ ألفٍ شِئْتَ إذا كان الدرهم مستثنى منها ويبقى بعده شيءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْإِقْرَارِ يَصِحُّ مِنْ جِنْسِهِ وَغَيْرِ جِنْسِهِ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْإِقْرَارِ هَلْ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَقَالَ محمد بن الحسن وزفر بن هزيل: لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ بِحَالٍ، لَا فِي مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ وَلَا غَيْرِهِ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إِسْقَاطَ بَعْضِ الْجُمْلَةِ وَبَعْضُهَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلاَّ رَبُّ العَالَمِينَ) {الشعراء: 77) وَقَالَ تَعَالَى: {فَسَجَدَ المَلاَئِكَةُ كُلُهُمْ أجْمَعُونَ إلاَّ إبْلِيسَ) {الحجر: 30، 31) وَقَالَ الشَّاعِرُ: (وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ)

وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِذَا رَجَعَ إِلَى جُمْلَةٍ صَارَ الْمُرَادُ بِهَا مَا بَقِيَ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا فَلَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا عَدَا الْمُرَادِ جِنْسًا أَوْ غَيْرَ جِنْسٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَكُمْ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ جِنْسٍ وَلَمْ تُجَوِّزْهُ فِي غَيْرِ الإقرار؟ ذ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: قِيلَ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْحُقُوقِ الْمُقَرُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ بَدَلًا عَنْهَا وَيَبْعُدُ وُجُودُ مِثْلِهِ فِي غَيْرِ الْإِقْرَارِ

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِنْسٍ وَغَيْرِ جِنْسٍ، فَأَلْفَاظُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَّا وَغَيْرُ، وَعَدَا، وَخَلَا، وَمَا خَلَا، وَحَاشَا وَجَمِيعُهَا فِي الْحُكْمِ وَصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَاحِدٌ.
فَأَمَّا إذا قال له: عليّ ألف استثني مئة، أو أحط مئة أو أندر مئة فَقدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً صَحِيحًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ اسْتِثْنَاءً صَحِيحًا لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِحُكْمِهِ فَأَغْنَى عَنْ لَفْظِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ مَوْعِدٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَمَا إِذَا قَالَ: أَسْتَثْنِي أَوْ أَحُطُّ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا قَالَ أَحُطُّ أَوْ أَنْدُرُ.
ثُمَّ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا فَإِنِ انْفَصَلَ بَطَلَ لِاسْتِقْرَارِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ.
وَلَا يَخْلُو إِذَا اتَّصَلَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: - إِمَّا أَنْ يَرْفَعَ كُلَّ الْجُمْلَةِ.
أَوْ يَرْفَعَ أَقَلَّهَا.
أَوْ يَرْفَعَ أَكْثَرَهَا.
فَإِنْ رَفَعَ كُلَّ الْجُمْلَةِ كَانَ بَاطِلًا كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا أَلْفًا لِأَنَّ هَذَا رُجُوعٌ وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ.
وَإِنْ رَفَعَ الْأَقَلَّ صَحَّ كَقَوْلِهِ: ألف إلا مئة أَوْ إِلَّا أَرْبَعَمِائَةٍ فَيَصِيرُ الْبَاقِي مِنَ الْأَلْفِ بعد الاستثناء أربعمائة أكثر الألف، هو ستمائة، وَيَكُونُ هَذَا الْمُرَادُ بِالْإِقْرَارِ وَلَا يَكُونُ مَا خَرَجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ مُرَادًا بِاللَّفْظِ وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ.
أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَاماً) {العنكبوت: 14) . وَإِنْ رَفَعَ الْأَكْثَرَ كَقَوْلِهِ: أَلْفٌ إِلَّا تِسْعُمِائَةٍ أَوْ إِلَّا سِتُّمِائَةٍ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ حَتَّى لَوْ بَقِيَ مِنَ الْأَلْفِ بَعْدِ الِاسْتِثْنَاءِ درهم صح.

قَالَ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ النَّحْوِيُّ: لَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَّا أَنْ يَبْقَى أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْجُمْلَةِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لُغَةٌ يُوجَدُ سَمَاعًا، وَلَمْ يَرِدِ اسْتِثْنَاءُ أَكْثَرِ الْجُمْلَةِ كَمَا لَمْ يَرِدِ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ الْجُمْلَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَبَعٌ لِبَاقِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْهَا لِأَنَّ الْأَكْثَرَ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْأَقَلِّ: وَهَذَا خَطَأٌ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {قَالَ رَبِّ بَمَا أَغْوَيْتَنِي لأَزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ إلاَّ عِبَادَكَ منهم المُخْلَصِينَ، قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيم أنَّ عِبَادِيَّ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ) {الحجر: 39، 42) . فَاسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنَ الْمُخَلَصِينَ تَارَةً وَالْمُخْلَصِينَ مِنَ الْغَاوِينَ أُخْرَى، وَإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الْأُخْرَى فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ، وَلِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ وَظَاهِرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ.
قَالَ الشَّاعِرُ: (رُدوا التي نقصت تسعين عن مئةٍ ... ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّالَا)

وَلِأَنَّ الْخَارِجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي اللَّفْظِ وَلَا مُرَادٌ بِهِ فَاسْتَوَى حُكْمُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَإِذَا كَانَ كذلك قال: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا تِسْعُمِائَةٍ صَحَّ، وَكَانَ المراد باللفظ مئة، وجرى مجرى قوله: له عليّ مئة.
فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَأَلْفٌ وَأَلْفٌ إلا ألفاً، فهي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَلْفًا مِنَ الْأَلْفِ فَبَطَلَ وَلَزِمَهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: صَحِيحٌ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ وَإِنْ كَانَ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ فَصَحَّ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهَا أَلْفًا وَيَبْقَى عَلَيْهِ أَلْفَانِ، وَهَكَذَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَثْنِيَ أَلْفَيْنِ لِأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى كُلِّ الْجُمْلَةِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ أَلْفٌ.
وَمِثْلُهُ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ وَوَاحِدَةٌ وَوَاحِدَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً فَيَكُونُ عَلَى هَذَيْنِ الوجهين:

ويجوز أن يتعاقب الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَهُ اسْتِثْنَاءٌ ثَانٍ، وَيَتَعَقَّبَ الثَّانِي ثَالِثٌ، وَيَتَعَقَّبَ الثَّالِثَ رَابِعٌ إِلَّا أَنَّ كُلَّ اسْتِثْنَاءٍ يَعُودُ إِلَى مَا يَلِيهِ فَيُثْبِتُ ضِدَّ حُكْمِهِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنْ عَادَ إِلَى إِثْبَاتٍ كَانَ نَفْيًا وَإِنْ عَادَ إِلَى نَفْيٍ كَانَ إِثْبَاتًا أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ إِلَّا بَنِي تَمِيمٍ كَانَ يَنْفِي رُؤْيَةَ بَنِي تَمِيمٍ مُثْبِتًا لِرُؤْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
وَقَدْ جَاءَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالُواْ إنَّا أَرْسَلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلاَّ آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنْجُوهُمْ أجْمَعِينَ إلاَّ امْرَأَتَهُ) {الحجر: 58، 61) فَاسْتَثْنَى آلَ لُوطٍ مِنَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ اسْتَثْنَى امْرَأَتَهُ مِنْ آلِ لُوطٍ.
فإذا قال: عليّ ألف إلا خمسمائة إلا ثلاثمئة إلا مئتين إلا مئة كَانَ هَذَا إِقْرَارًا بِسَبْعِمِائَةٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ إِثْبَاتٌ لَهَا ثُمَّ إِلَّا خَمْسَةً نَفْيٌ لَهَا مِنَ الْأَلْفِ، فَيَبْقَى مِنْهَا خَمْسُمِائَةٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ إِلَّا ثَلَاثَةً إِثْبَاتٌ لَهَا مِنَ الْخَمْسِمِائَةِ التي نفاها، فيضم إلى المثبت فتصير ثمانمئة ثم قوله إلا مئتين نَفْيٌ لَهَا مِنَ الثَّلَاثِمِائَةِ الَّتِي أَثْبَتَهَا، فَتَخْرُجُ مِنَ الْمُثَبَتِ فَيَبْقَى سِتُّمِائَةٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ إِلَّا مئة إثبات لها من المئتين الَّتِي نَفَاهَا فَتُضَمُّ إِلَى الْبَاقِي مِنَ الْإِثْبَاتِ وَهُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَيَصِيرُ الْإِقْرَارُ بِسَبْعِمِائَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ إِثْبَاتَيْنِ وَلَا بَيْنَ نَفْيَيْنِ وَلَكِنْ لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ ألف إلا مئتين وإلا مئة كَانَا جَمِيعًا نَفْيًا مِنَ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوَاوِ الْعَطْفِ فَلَمْ يَعُدْ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ وَعَادَ جَمِيعًا إِلَى الْجُمْلَةِ.
فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا أَلْفٌ إِلَّا مئة، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَكُونُ عَلَيْهِ أَلْفٌ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ عَلَيْهِ تِسْعُمِائَةٍ.
وَالثَّالِثُ: يَكُونُ عَلَيْهِ مئة.
فَإِذَا قُلْنَا إِنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا فَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ رَفَعَ جَمِيعَ الْجُمْلَةِ فَبَطَلَ وَالِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي رَجَعَ إِلَى اسْتِثْنَاءٍ بَاطِلٍ فَبَطَلَ فَلَزِمَهُ آلاف لبطلان الاستثناء منها.
فإذا قلنا يلزمه تسعمئة فَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ بَطَلَ لِرَفْعِهِ الْجُمْلَةَ فأقيم الثاني مقامه وهو مئة فصار الباقي من الألف تسعمئة.
وإذا قلنا يلزمه مئة فَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ إِنَّمَا يَرْفَعُ الْجُمْلَةَ إذا لم عقبه استثناء، فإذا يعقبه استثناء مئة صَارَ الْبَاقِي مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ تِسْعُمِائَةٍ فَإِذَا رجعت إلى الألف كان الباقي منها مئة.

وَمِثْلُهُ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً فَيَكُونُ عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ.
فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ درهم ومئة ديناً إِلَّا خَمْسِينَ فَأَرَادَ بِالْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَاةِ جِنْسًا غَيْرَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ قُبِلَ مِنْهُ.
وَإِنْ أَرَادَ أَحَدَ الْجِنْسَيْنِ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ أَوْ هُمَا قُبِلَ مِنْهُ.
وَإِنْ فَاتَ بَيَانُهُ فَعِنْدَ أبي حنيفة يَعُودُ إِلَى مَا يَلِيهِ.
وَعِنْدَنَا أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، ثُمَّ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَعُودُ إِلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمِيعُ الِاسْتِثْنَاءِ فَيُسْتَثْنَى مِنَ الْأَلْفِ درهم خمسون ومن المئة دِينَارٍ خَمْسُونَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَيُسْتَثْنَى مِنَ الدَّرَاهِمِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَمِنَ الدَّنَانِيرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَصُورَة

ُ مَسْأَلَةِ

الْكِتَابِ فِي رَجُلٍ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا دِرْهَمًا فَعِنْدَنَا أَنه يَرْجِعَ إِلَى بَيَانِهِ فِي الْأَلْفِ وَلَا يَصِيرُ بِاسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنْهَا دَرَاهِمُ كُلُّهَا.
وَعِنْدَ أبي حنيفة ومحمد يَصِيرُ الْأَلْفُ كُلُّهَا دَرَاهِمَ لِاسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنْهَا لِمَنْعِهِمْ أَنْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَلَوْ قَالَ أَلْفٌ إِلَّا عَبْدًا لَمْ تَصِرِ الْأَلْفُ عَبِيدًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة وصارت عند محمد بن حسن عَبِيدًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى بَيَانِهِ فِي الْأَلْفِ فَأَيَّ شَيْءٍ بَيَّنَهُ قَبِلْنَا بَيَانَهُ فِيهِ، فَإِنْ بَيَّنَ الْأَلْفَ دَرَاهِمَ أَسْقَطْنَا منها درهماً لاستثناءه إِيَّاهُ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ، وَإِنْ بَيَّنَهَا فُلُوسًا أَوْ نُحَاسًا أَوْ خَرَزًا أَوْ جَوْزًا قَبِلْنَاهُ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَكُونُ مَعْلُومًا قَوَّمْنَاهُ وَأَسْقَطْنَا مِنْ قِيمَتِهِ الدِّرْهَمَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَكُونُ مَعْلُومًا سَأَلْنَاهُ عَنْ قِيمَتِهِ وَأَسْقَطْنَا مِنْهُ الدِّرْهَمَ الْمُسْتَثْنَى.
فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ إِسْقَاطِ الدِّرْهَمِ بَقِيَّةٌ فَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إِسْقَاطِ الدِّرْهَمِ بَقِيَّةٌ مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ بِأَلْفِ جَوْزَةٍ قِيمَتُهَا دِرْهَمٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ بَيَانُهُ وَيُؤْخَذُ عَلَيْهِ بِبَيَانِ مَا يَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ الْمُسْتَثْنَى حَتَّى يَبْقَى بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ بَقِيَّةٌ وَإِنْ قُبِلَتْ فَيَكُونُ هُوَ الْقَدْرُ الْمُقَرُّ بِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَارَ كَمَنْ أَقَرَّ بِمُجْمَلٍ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ فَيَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُحْبَسُ حَتَّى يُبَيِّنَ.

وَالثَّانِي: يُجْعَلُ كَالنَّاكِلِ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي عَلَى مَا ادَّعَى وَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ من قيمة الألف جوزة الَّتِي بَيَّنَهَا وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا لِأَنَّهُ إِذَا بَيَّنَ أَلْفَ جَوْزَةٍ قَوَّمَهَا دِرْهَمًا وَاسْتَثْنَى مِنْهَا دِرْهَمًا كَانَ كَمَنْ قَالَ لَهُ دِرْهَمٌ إِلَّا دِرْهَمًا فَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَلْزَمُهُ الدِّرْهَمُ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الرَّافِعَ لِلْجُمْلَةِ بَاطِلٌ كَذَلِكَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ ألفٌ إِلَّا كَرَّ حِنْطَةٍ أَوْ إِلَّا عَبْدًا أَجْبَرْتُهُ عَلَى أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ استثناء عاد إلى جملة لم يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: - أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُفَسَّرًا مِنْ جُمْلَةٍ مُفَسَّرَةٍ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا فَيَصِحُّ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْجُمْلَةِ مَا يَبْقَى بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا كَانَ اسْتِثْنَاءً مُفَسَّرًا صَحِيحًا كَجَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَمِنَ الْجِنْسِ وَيَسْقُطُ مِنَ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ بَقِيَّةُ الدِّينَارِ الْمُسْتَثْنَى وَيَكُونُ الْبَاقِي هُوَ الْمُقَرُّ بِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُجْمَلًا مِنْ مُجْمَلٍ، كَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا شَيْئًا، فَيَبْدَأُ بِسُؤَالِهِ عَنِ الْأَلْفِ فَإِذَا فَسَّرَهَا بِمَعْلُومٍ سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ فَإِذَا فَسَّرَهُ بِمَعْلُومٍ أُسْقِطَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَكَانَ الْبَاقِي هُوَ الْمُقَرُّ بِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ شَيْءٌ إِلَّا أَلْفًا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ الْمُقَرِّ بِهِ ثُمَّ عَنِ الْأَلْفِ الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْهَا، فَإِذَا فَسَّرَهُمَا بِمَعْلُومٍ لَزِمَ الْبَاقِي وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفَ ثَوْبٍ إِلَّا عَبْدًا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ فَهُوَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُفَسَّرًا مِنْ مُجْمَلٍ كَقَوْلِهِ لَهُ: علي ألف إلا درهماً، ويسئل عَنِ الْأَلْفِ الْمُجْمَلَةِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَسَّرِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَلْفُ ثَوْبٍ إِلَّا دِينَارًا لِأَنَّ الْأَلْفَ الثَّوْبِ وَإِنْ كَانَتْ مُفَسَّرَةَ الْجِنْسِ فَهِيَ مُجْمَلَةُ الصِّفَةِ فَاحْتِيجَ إِلَى السُّؤَالِ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ سِلْمًا كَانَ السُّؤَالُ عَنِ الصِّفَةِ دُونَ القيمة.
وإن كان عقباً مُسْتَهْلَكًا كَانَ السُّؤَالُ عَنِ الْقِيمَةِ دُونَ الصِّفَةِ إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فَيَكُونُ فِي الصِّفَةِ دَلِيلٌ فَيُسْأَلُ عَنْهَا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُجْمَلًا مِنْ مُفَسَّرٍ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا شَيْئًا.
فَيُسْأَلُ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُجْمَلِ دُونَ الْأَلْفِ الْمُفَسَّرَةِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا عَبْدًا سُئِلَ عَنِ الْعَبْدِ وَقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ فَهُوَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلْأَلْفِ بِالدَّرَاهِمِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا: فَهُوَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ تَفْسِيرٌ لِلِاسْتِثْنَاءِ وَتَفْسِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا للمستثنى منه والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ أَقَرَّ بِثَوْبٍ فِي منديلٍ أَوْ تمرٍ فِي جِرَابٍ فَالْوِعَاءُ لِلْمُقِرِّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ فِي ظَرْفٍ كَقَوْلِهِ: لَهُ عِنْدِي ثَوْبٌ فِي مَنْدِيلٍ أَوْ حُلِيٌّ فِي حُقٍّ أَوْ جَوْهَرَةٌ فِي دُرْجٍ أَوْ سَمْنٌ فِي عُكَّةٍ أَوْ زَيْتٌ فِي دُبَّةٍ فَالْإِقْرَارُ يَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ دُونَ ظَرْفِهِ وَيَكُونُ الظَّرْفُ خَارِجًا مِنْ إِقْرَارِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة يَكُونُ الظَّرْفُ دَاخِلًا فِي إِقْرَارِهِ وَأَصْحَابُهُ يَحْكُونَ ذَلِكَ عَنْ محمد، وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: إِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ ذَائِبًا لَا يَسْتَغْنِي عَنْ ظَرْفِ دَخْلَ الظَّرْفُ فِي الْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا لَمْ يَدْخُلْ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ لَفْظَ الْإِقْرَارِ بِقَوْلِهِ: عِنْدِي يَقْتَضِي تَنَاوُلَ مَا يَعْقُبُهُ وَجَاءَ بَعْدَهُ، فَإِذَا قَالَ ثَوْبٌ فِي مَنْدِيلٍ صَارَا دَاخِلَيْنِ فِي إِقْرَارِهِ وَلَمْ يَكُنْ: أَحَدُهُمَا بِأَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالْإِقْرَارِ بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ الظَّرْفَ شَيْئَانِ: - مَكَانٌ، وَوِعَاءٌ.
فَلَمَّا كَانَ ظَرْفُ الْمَكَانِ لَا يَدْخُلُ فِي الإقرار كقوله: له عندي بغل في إسطبل أَوْ عَبْدٌ فِي دَارٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ظَرْفُ الْوِعَاءِ لَا يَدْخُلُ فِي الْإِقْرَارِ، كَقَوْلِهِ لَهُ عِنْدِي ثَوْبٌ فِي مَنْدِيلٍ، وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِلْمُقَرِّ بِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي إِقْرَارِهِ كَالْمَكَانِ، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يُلْزِمُ بِالِاحْتِمَالِ.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ثَوْبًا فِي مَنْدِيلٍ لي، وزيت فِي دُبَّةٍ لِي، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالظَّرْفِ لَا يَقْتَضِي دُخُولَ مَا فِيهِ، كَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِمَا فِي الظَّرْفِ لَا يَقْتَضِي دُخُولَهُ فِيهِ لِانْفِصَالِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بَعْدَ فَسَادِهِ لِخُرُوجِ الْمَكَانِ مِنْ إِقْرَارِهِ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِلَفْظِهِ أَنَّ الِاحْتِمَالَ يَنْتَفِي عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فَلَزِمَ، وَلَا يَنْتَفِي عَنِ الظَّرْفِ فَلَمْ يَلْزَمْ.

فَصْلٌ

: فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي فَرَسٌ مُسْرَجٌ أَوْ بَغْلٌ مُلْجَمٌ فَهُوَ إِقْرَارٌ بِالْفَرَسِ وَالْبَغْلِ دُونَ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: غَصَبْتُ دَارًا مَفْرُوشَةً قُمَاشًا كَانَ إِقْرَارًا بِغَصْبِ الدَّارِ دُونَ الْقُمَاشِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي دَابَّةٌ مَعَ سَرْجِهَا، أَوْ غَصَبْتُهُ دَارًا بِقُمَاشِهَا كَانَ إقرار بِالْجَمِيعِ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ، فَإِنْ كَانَ الطِّرَازُ مَنْسُوجًا مَعَهُ دَخَلَ بِالْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ بَعْضُ الثَّوْبِ، وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا عَلَيْهِ فَفِي دُخُولِهِ فِي الْإِقْرَارِ وَجْهَانِ: -

أَحَدُهُمَا: يَدْخُلُ لِاتِّصَالِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَدْخُلُ لِتَمْيِيزِهِ وَاحْتِمَالِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي دُبَّةٌ فِيهَا زَيْتٌ أَوْ غِرَارَةٌ فِيهَا حِنْطَةٌ كَانَ إِقْرَارُهُ بِالدُّبَّةِ وَالْغِرَارَةِ دُونَ الزَّيْتِ وَالْحِنْطَةِ لِتَمْيِيزِهِ وَاحْتِمَالِهِ وَهُوَ مِمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ أبو حنيفة فَصَارَ حُجَّةً عَلَيْهِ.

فَصْلٌ : فَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي رَأْسُ عَبْدٍ كَانَ إِقْرَارًا بِجَمِيعِ الْعَبْدِ لِأَنَّ رَأْسَ الْعَبْدِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي فَصُّ خَاتَمٍ كَانَ إِقْرَارًا بِالْفَصِّ دُونَ الْخَاتَمِ لِتَمْيِيزِهِ عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ كَانَ إِقْرَارُهُ بِهِ وَبِفَصِّهِ لِأَنَّ اسم الخاتم بجمعهما.
وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُهُ عَبْدًا إِلَّا رَأْسَهُ أَوْ إِلَّا يَدَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يَكُونُ غَاصِبًا لجميعه لاستحالة مَا اسْتَثْنَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ مُقِرًّا بِجُزْءٍ مِنْهُ يُرْجَعُ فِي بَيَانِهِ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ قَالَ لَهُ قِبَلِي كَذَا أَقَرَّ بِمَا شَاءَ وَاحِدًا وَلَوْ قَالَ كَذَا وَكَذَا أَقَرَّ بِمَا شَاءَ اثْنَيْنِ وَإِنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا قِيلَ لَهُ أَعْطِهِ دِرْهَمَيْنِ لِأَنَّ كَذَا يَقَعُ عَلَى دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا قِيلَ لَهُ أَعْطِهِ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ كَذَا يَقَعُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ دِرْهِمٍ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَهَذَا خِلَافُ الْأَوَّلِ هُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ كَذَا يَقَعُ عَلَى أَقَلَ مِنْ دَرْهِمٍ وَلَا يُعْطَى إِلَا الْيَقِينُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وهذا صحيح.
وهي ثلاث مسائل تشتمل كل مسألة منها على

فصل

ين: أحداها: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا كَذَا.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا ,. فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا فَهُوَ إِقْرَارٌ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّهُ مُجْمَلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ فَسَّرَهُ مِنْ دِرْهَمٍ أَوْ فَلْسٍ أَوْ قِيرَاطٍ قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا يُقْبَلُ فِي تفسير إقراره بشيء.
فإن ضم ذكر الدراهم إِلَى قَوْلِهِ كَذَا، فَقَالَ لَهُ: عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ بِالرَّفْعِ، أَوْ كَذَا دِرْهَمٍ بِالْخَفْضِ، أَوْ كَذَا دِرْهَمًا بِالنَّصْبِ، فَعَلَيْهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَعَلَى تَصَانِيفِ الْإِعْرَابِ فِيهَا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، لَا يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْإِعْرَابِ في نحو دِرْهَمٍ بِالْخَفْضِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِائَةَ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ يَكُونُ تَمْيِيزُهُ مَخْفُوضًا بِالْإِضَافَةِ غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ جَمِيعًا لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَوْجَبُوا فِيهِ دِرْهَمًا وَاحِدًا، لِأَنَّ قَوْلَهُ كَذَا يَتَنَاوَلُ مِنَ الْأَعْدَادِ وَاحِدًا وَقَوْلُهُ دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِجِنْسِهِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا ال

ْمَسْأَلَةُ

الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا كَذَا فَهُوَ إِقْرَارٌ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَكَرَّرَ لِأَنَّ حَذْفَ وَاوِ الْعَطْفِ يَجْعَلُ التَّكْرَارَ تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ شَيْءٌ.
أَوْ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ دِرْهَمًا وَاحِدًا.
وَإِذَا كَانَ بِمَا وَصَفْنَا إِقْرَارًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ رُجِعَ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ فَإِنْ ضَمَّهُ إِلَى ذِكْرِ الدَّرَاهِمِ نُظِرَ، فَإِنْ قَالَ كَذَا كَذَا دِرْهَمٌ بِالرَّفْعِ وَكَذَا كَذَا دِرْهَمٍ بِالْخَفْضِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ وَإِنْ قَالَ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا بِالنَّصْبِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ سَوَاءٌ كَانَ نَحْوِيًّا يُعْرِبُ كَلَامَهُ أَمْ لَا، وَقَالَ محمد بن الحسن عَلَيْهِ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا سَوَاءٌ كَانَ نَحْوِيًّا أَمْ لَا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إِنْ كَانَ مِنَ الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَا يُعْرِبُونَ فِي الْكَلَامِ فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ كَانَ نَحْوِيًّا فَعَلَيْهِ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا كَمَا قَالَ محمد بن الحسن اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ أَوَّلُ الْأَعْدَادِ الْمُرَكَّبَةِ الَّتِي يَكُونُ تَمْيِيزُهَا مَنْصُوبًا فَأُلْزِمَ مُقْتَضَى لَفْظِهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْحُكْمِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ إِذَا تَعَقَّبَهُ تَفْسِيرُ الْجِنْسِ لَمْ يُوجِبْ زِيَادَةً فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْأَعْدَادِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ بِمُقْتَضَى اللِّسَانِ فِي قَوْلِهِ كَذَا دِرْهَمٍ بِالْخَفْضِ في إيجاب مئة دِرْهَمٍ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ تَفْسِيرَ الْجِنْسِ لَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْعَدَدِ كَذَلِكَ فِي النَّصْبِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَيْنِ دَلِيلٌ وَانْفِصَالٌ.
فَصْلٌ : وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَهَذَا إِقْرَارٌ بِشَيْئَيْنِ لِدُخُولِ وَاوِ الْعَطْفِ بَيْنَهُمَا، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا ثُمَّ كَذَا كَانَ إِقْرَارُهُ بِشَيْئَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا بَلْ كَذَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ إِقْرَارًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَكُونُ الثَّانِي إِثْبَاتًا لِلْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ إِقْرَارًا بِشَيْئَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي اللِّسَانِ أَنْ يَقُولَ رَأَيْتُ زَيْدًا بَلْ زَيْدًا، يَعْنِي الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا عَنَى غَيْرَهُ.
فَإِنَّ ضَمَّهُ إِلَى ذِكْرِ الدَّرَاهِمِ فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا بِالنَّصْبِ أو درهم بالخفض، قال الشافعي: ههنا يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ وَحَكَى الْمُزَنِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ جَوَابِهِ عَلَى أَرْبَعِ طُرُقٍ: إِحْدَاهَا: وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ المسألة على قولين:

أحدها: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّ كَذَا وَكَذَا شَيْئَانِ فَأَوْجَبَ تفسرهما بِالدِّرْهَمِ أَنْ يَكُونَا دِرْهَمَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ كَذَا يَقَعُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ دِرْهَمٍ فَيَصِيرُ الشَّيْئَانِ دِرْهَمًا.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ اخْتِلَافَ نَصِّهِ فِي مَوْضِعَيْنِ لِاخْتِلَافِ إعراب الكلامين فقوله ههنا عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ إِذَا قَالَهُ مَنْصُوبًا، وَقَوْلُهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ إِذَا قَالَهُ مَرْفُوعًا.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ اخْتِلَافَ نَصِّهِ لِاخْتِلَافِ لفظه، فقوله: ههنا عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ إِذَا ذَكَرَ بَيْنَهُمَا الْوَاوَ فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، وَقَوْلُهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ، عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا الْوَاوَ فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا، أَوْ شَكَّ الْحَاكِمُ هَلْ ذَكَرَ الْوَاوَ فِي إِقْرَارِهِ أَمْ لَا.
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَلْزَمُهُ فِيهِ إِلَّا التَّفْسِيرُ قَالَ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا فِي الْأُمِّ.
وَالطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ اخْتِلَافَ نَصِّهِ لِاخْتِلَافِ إرادته فقوله " ههنا يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ " إِذَا أَرَادَهُمَا أَوْ أَطْلَقَ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ " يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ " إِذَا أَرَادَ دِرْهَمًا وَاحِدًا وَلَمْ يُطْلِقْ.
فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِهِ.
فَأَمَّا محمد بن الحسن فَيَقُولُ يَلْزَمُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ دَخَلَتْهُ الْوَاوُ.
وَكَانَ تَفْسِيرُهُ مَنْصُوبًا، وَهَكَذَا يَقُولُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فِيمَنْ كَانَ نَحْوِيًّا وَفِيمَا ذكرنا عليهما مقنع والله أعلم.

مسألة:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَالْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ والمرض سواء يتخاصمون مَعًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ بَدَيْنٍ فِي صِحَّتِهِ وَأَقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ فَكِلَا الْحَقَّيْنِ لَازِمٌ، فَإِنِ اتَّسَعَ مَالُهُ لِقَضَائِهِمَا قُضِيَا مَعًا وَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْهُمَا كَانَ فِيهِ سَوَاءٌ وَتَسَاوَى غَرِيمُ الْمَرِيضِ وَغَرِيمُ الصِّحَّةِ فَيَقْتَسِمَانِ الْمَالَ بِالْحِصَصِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يُقَدَّمُ غَرِيمُ الصِّحَّةِ عَلَى غَرِيمِ المريض فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ تَفَرَّدَ بِأَخْذِ الْمَالِ كُلِّهِ وَإِنْ فَضَلَ عَنْهُ فَضْلَةٌ أَخَذَهَا غَرِيمُ الْمَرَضِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ غَرِيمِ الصِّحَّةِ جَمِيعَ دِينِهِ.
اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ أَوْكَدُ وَأَقْوَى مِنَ التَّصَرُّفِ فِي حَالِ الْمَرَضِ لنفوذ

عَطَايَاهُ فِي الصِّحَّةِ وَرَدِّهَا فِي الْمَرَضِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِقْرَارِ فِي حَالِ الْمَرَضِ، وَلِأَنَّ دُيُونَ الْغُرَمَاءِ تَصِيرُ بِالْمَرَضِ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِ الْمَالِ لِمَنْعِهِ مِنْ هِبَتِهِ فَصَارَ إِقْرَارُهُ فِي مَرَضِهِ بَعْدَ تَعَلُّقِ دُيُونِ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَاوِيَهُمْ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ قَدْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ حَجْرًا وَالْإِقْرَارُ قَبْلَ الْحَجْرِ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِقْرَارِ بَعْدَهُ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ كُلَّ إِقْرَارٍ نَفَذَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ كَانَ لُزُومُهُ فِي الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ سَوَاءً.
أَصْلُهُ إِذَا أَقَرَّ بِثَمَنِ سِلْعَةٍ فِي يَدِهِ أَوْ بِمَهْرٍ لِزَوْجَتِهِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يَلْزَمُ بِهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْحَقِّ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ يَسْتَوِي حُكْمُهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وَجَبَ أَنْ يستوي حكمه في الصحة والمرض إذا ثبت بِالْإِقْرَارِ قِيَاسًا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ، وَلِأَنَّ كُلَّ حَالٍ يَسْتَوِي فِيهِمَا ثُبُوتُ النَّسَبِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهَا ثُبُوتُ الدَّيْنِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ كَالصِّحَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُحْدِثُ حَجْرًا فِي الْإِقْرَارِ بِدَلَالَةِ نُفُوذِهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ حَالُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقُوَّةِ تَصَرُّفِهِ فِي الصِّحَّةِ عَلَى تَصَرُّفِهِ فِي الْمَرَضِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَسَادُهُ لِمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حَيْثُ اسْتَوَى فِيهِ حَالُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُسَلَّمٌ فِي الْعَطَايَا الَّتِي لِلْوَرَثَةِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا فِيمَا دُونَ الْإِقْرَارِ الَّذِي لَا اعْتِرَاضَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الدُّيُونَ بِالْمَرَضِ تَصِيرُ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِ الْمَالِ فَهُوَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ تَلَفَ الْمَالِ لَا يُبْطِلُ دُيُونَهُ وَثُبُوتُ غَيْرِ دُيُونِهِمْ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ وَإِنَّمَا تَصِيرُ دُيُونُهُمْ بِالْمَوْتِ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِ الْمَالِ دُونَ الْمَرَضِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الْمَرَضَ قَدْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ حَجْرًا فَهُوَ أَنَّ حَجْرَ الْمَرَضِ وَاقِعٌ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْإِقْرَارِ وَالْحَجْرُ فِيمَا سِوَى الْمَرَضِ وَاقِعٌ فِي الْإِقْرَارِ.

فَصْلٌ

: إِذَا ضَاقَ مَالُ الْمَرِيضِ عَنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ فَقَدَّمَ بَعْضَ غُرَمَاءِهِ بِدَيْنِهِ فَقَضَاهُ لَمْ يُشْرِكْهُ الْبَاقُونَ فِيهِ، وَقَالَ أبو حنيفة لِبَاقِي الْغُرَمَاءِ مُشَارَكَتُهُ فِيهِ بِالْحِصَصِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ فِي الْمَرَضِ فَصَارَ الْحَجْرُ وَاقِعًا عَلَيْهِ فِيهَا.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَا لَزِمَ قَضَاؤُهُ اسْتَوَى فِيهِ حَالُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ قِيَاسًا عَلَيْهِ إِذَا قَضَى ثَمَنَ سِلْعَةٍ فِي يَدِهِ، وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ الْأَدَاءُ مَعَ وُجُودِ الْوَفَاءِ صَحَّ مِنْهُ الْأَدَاءُ مَعَ الْعَجْزِ كَالصَّحِيحِ طرداً، والصغر عكساً والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَقَرَّ لوارثٍ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى حَدَثَ لَهُ وارثٌ يَحْجُبُهُ فَالْإِقْرَارُ لازمٌ وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ وارثٌ فَمَنْ أَجَازَ الْإِقْرَارَ لِوَارِثٍ أَجَازَهُ وَمَنْ أَبَاهُ رَدَّهُ وَلَوْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وارثٍ فَصَارَ وَارِثًا بَطُلَ إِقْرَارُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
أَمَّا إِقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ فِي الصِّحَّةِ فَلَازِمٌ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَّا إِقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ فَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ.
وَإِنْ مَاتَ مِنْهُ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ لُزُومَ إِقْرَارِهِ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ بُطْلَانَ إِقْرَارِهِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فِي غَيْرِ الشَّرْحِ يُخَرِّجُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَازِمٌ.
وَالثَّانِي: بَاطِلٌ.
وَكَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَجْعَلُ إِقْرَارَهُ لِلْوَارِثِ لَازِمًا قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَجْعَلُ مَا قَالَهُ مِنْ بُطْلَانِ إِقْرَارِهِ حِكَايَةً عَنْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة وَمَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: إِقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ بَاطِلٌ استدلالاً بأمرين: - أحدها: أَنَّهُ فِي إِقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ مَتْهُومٌ فِي الْمَيْلِ إِلَيْهِ كَالتُّهْمَةِ بِدَعْوَاهُ لِنَفْسِهِ بِالْمَيْلِ إِلَيْهَا فَوَجَبَ أن لا يقبل إقراره كما لا بقبل ادِّعَاؤُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَجْرَ الْمَرَضِ يَخْتَصُّ بِمَنْعِ الْوَارِثِ مِمَّا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْأَجْنَبِيُّ لِأَنَّ عَطِيَّتَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ جَائِزَةٌ إِذَا احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ وَعَطِيَّتُهُ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ، وَإِنِ احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنَ الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ وَإِنْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إِقْرَارِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ لِغَيْرِ الْوَارِثِ صَحَّ إِقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ كَالصَّحِيحِ طَرْدًا وَالسَّفِيهِ عَكْسًا، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ فِي الصِّحَّةِ صَحَّ إِقْرَارُهُ فِي الْمَرَضِ كَالْمُقِرِّ لِغَيْرِ الْوَارِثِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ بِالْوَارِثِ صَحَّ إِقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ كَالْمُقِرِّ بِمَهْرِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلِأَنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ بِوَارِثٍ أَعَمُّ مِنْ إِقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ بِالْوَارِثِ يَتَضَمَّنُ نَسَبًا وَوِلَايَةً وَمَالًا فَكَانَ إِقْرَارُهُ بِمَالٍ لِلْوَارِثِ أَحَقَّ بِالْجَوَازِ مِنْ إِقْرَارِهِ بِوَارِثٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّهُ مَتْهُومٌ فِي إِقْرَارِهِ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَزِمَ لِهَذَا الْمَعْنَى فَسَادُ إِقْرَارِهِ كَالدَّعْوَى اسْتَوَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فِي الْإِبْطَالِ كَمَا اسْتَوَى حَالُ ادِّعَائِهِ لِنَفْسِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ أَبْعَدُ عَنِ التُّهْمَةِ مِنَ الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا حَالٌ يَجْتَنِبُ الْإِنْسَانُ فِيهَا الْمَعَاصِيَ وَيُخْلِصُ الطَّاعَةَ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عَهْدِهِ إِلَى عُمَرَ

وَهَذَا مَا عَهِدَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عِنْدَ آخِرِ عَهِدِهِ بِالدُّنْيَا وَأَوَّلِ عَهْدِهِ بِالْآخِرَةِ فِي الْحَالِ الَّتِي يُؤْمِنُ فِيهَا الْكَافِرُ وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِرُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ حَجْرَ الْمَرِيضِ يَخْتَصُّ بِالْوَارِثِ دُونَ غَيْرِهِ فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا اخْتَصَّ بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ لِاخْتِصَاصِهِ بِبُطْلَانِ الْعَطِيَّةِ لَاقْتَضَى أَنْ يَبْطُلَ إِقْرَارُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ فِيمَا جَاوَزَ الثُّلُثَ كَمَا بَطَلَتْ عَطِيَّتُهُ فِيمَا جَاوَزَ الثُّلُثَ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ إِقْرَارِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ وَعَطِيَّتِهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ دَلِيلٍ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ الْوَارِثِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ يُرَاعَى كَوْنُ الْمُقَرِّ لَهُ وَارِثًا عِنْدَ الْإِقْرَارِ أَوْ عِنْدَ الْوَفَاءِ؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يُرَاعَى فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا عِنْدَ الْإِقْرَارِ لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ بِالْإِقْرَارِ لَا بِمَا يَحْدُثُ عِنْدَ الْوَفَاةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة وَمَالِكٌ يُرَاعَى فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا عِنْدَ الْوَفَاةِ لَا عِنْدَ الْإِقْرَارِ، لِأَنَّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا، وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الْوَفَاةِ فِي تَقْدِيرِ ثُلُثِهِ وَنُفُوذِ عَطِيَّتِهِ فَكَذَلِكَ فِي إِقْرَارِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ وَارِثُهُ أَخًا فَأَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ وَلَمْ يَمُتْ حَتَّى حَدَثَ لَهُ ابْنٌ حَجَبَ الْأَخَ فَهَذَا إِقْرَارٌ لِغَيْرِ الْوَارِثِ فَيَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ وَارِثٍ عِنْدَ الْوَفَاةِ.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَكُونُ إِقْرَارًا لِوَارِثٍ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِقْرَارِ فَيَكُونُ بَاطِلًا.
وَلَوْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ لَمْ يَمُتِ الْمُقِرُّ حَتَّى مَاتَ الِابْنُ فَصَارَ الْأَخُ وَارِثًا، فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ إِقْرَارًا لِوَارِثٍ فَيَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنِ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ فِي الْقَوْلَيْنِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَكُونُ إِقْرَارًا لِغَيْرِ وَارِثٍ فَيَصِحُّ.

فَصْلٌ

: فَلَوْ مَلَكَ أَخَاهُ ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ وَهُوَ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ نَفَذَ عِتْقُهُ وَفِي مِيرَاثِهِ قَوْلَانِ: - أَحَدُهُمَا: لَا يَرِثُ إِذَا قِيلَ إنَّ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ مَرْدُودٌ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُوجِبُ رَدَّ الْإِقْرَارِ لَهُ، وَرَدُّ الْإِقْرَارِ يُبْطِلُ الْحُرِّيَّةَ وَيُسْقِطُ الْإِرْثَ فَأَثْبَتَ الْحُرِّيَّةَ بِثُبُوتِ الْإِقْرَارِ وَسَقَطَ الْإِرْثُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَرِثُ إِذَا قِيلَ إنَّ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ مَقْبُولٌ فَيَكُونُ الْعِتْقُ نَافِذًا بِإِقْرَارِهِ وَالْإِرْثُ ثَابِتًا بِنَسَبِهِ وَلَا يَرْتَفِعُ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ ابْنَ هَذِهِ الْأَمَةِ وَلَدُهُ مِنْهَا وَلَا مَالَ لَهُ

غيرها ثم مات فهو ابنه وهما حران بموته ولا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا وَيَجُوزُ إِبْطَالُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُ حريةٍ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ يَمْلِكُ أَمَةً ذَاتِ وَلَدٍ فَقَالَ فِي مَرَضِهِ: هَذَا ابْنُ هَذِهِ الْأَمَةِ وَلَدِي مِنْهَا، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ تُحِيطُ بِقِيمَتِهَا فَقَدْ صَارَ الْوَلَدُ لَاحِقًا بِهِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَمَةُ فِرَاشًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَحَدٍ رِقٌّ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُهُ فِي الْأُمِّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: - أَحَدُهَا: أن يقول في إقراره ببينونة أَنِّي اسْتَوْلَدْتُهَا فِي مِلْكِي.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: اسْتَوْلَدْتُهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ استولدتها بِوَطْءِ شُبْهَةٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُطْلِقَ.
فَإِنْ قَالَ اسْتَوْلَدْتُهَا فِي مِلْكِي صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِإِقْرَارِهِ تُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ وَالْوَلَدُ خُلِقَ حُرًّا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ رِقٌّ وَسَوَاءٌ خَرَجَا مِنَ الثلث أو لَا صَدَّقَ الْغُرَمَاءُ أَمْ كَذَّبُوا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لَهُ قَوْلٌ يَقَعُ بِهِ الْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ أَوْكَدُ مِنْ إِيقَاعِ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِعِتْقِ عَبْدٍ فِي صِحَّتِهِ نَفَذَ إِقْرَارُهُ وَنَجُزَ عِتْقُهُ وَلَوِ ابْتَدَأَ عِتْقَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَالدُّيُونُ مُحِيطَةٌ بِقِيمَتِهِ بَطَلَ عِتْقُهُ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي مَرَضِهِ كَانَ وَلَدُهُ حُرًّا وَصَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ فَلَأَنْ تَصِيرَ كَذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ عَنْ فِعْلِ الصِّحَّةِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: وَهُوَ تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ فِيهَا حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا مُوجِبٌ لِعِتْقِهَا وَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَالثَّانِي مُوجِبٌ لِرِقِّهَا وَهُوَ الدُّيُونُ وَجَبَ إِثْبَاتُ أَوْكَدِهِمَا وَالْعِتْقُ أَوْكَدُ مِنْ دُيُونِ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْطَالُ عِتْقٍ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَيَجُوزُ إِسْقَاطُ الدُّيُونِ بِالْإِبْرَاءِ مِنْهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا، فَلِهَذَيْنِ صَارَا بِمَوْتِهِ حُرَّيْنِ، فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُمَا حُرَّانِ بِمَوْتِهِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ خُلِقَ حُرًّا لَمْ يَجْرِ رِقٌّ؟ قِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ اجْتَمَعَتْ فِيهِمَا بِمَوْتِهِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِمَا وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي أَحَدِهِمَا.

فَصْلٌ

: وَإِنْ قَالَ اسْتَوْلَدْتُهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ فَالْوَلَدُ قَدْ عُتِقَ عَلَيْهِ وَصَارَ حُرًّا بِالْمِلْكِ بَعْدَ أَنْ خُلِقَ مَمْلُوكًا لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ مِنْ عَقْدِ نِكَاحٍ مَمْلُوكٌ وَلَهُ الْوَلَاءُ عَلَى وَلَدِهِ لِأَنَّهُ عُتِقَ عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ رِقِّهِ وَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ وَلَاءٌ لِأَنَّهُ خُلِقَ حُرًّا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ رِقٌّ، فَأَمَّا الْأُمُّ فَلَا تَصِيرُ لَهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أُمَّ وَلَدٍ لِأَنَّهَا لَمْ تُعَلَّقْ بِحُرٍّ وَإِنَّمَا عُلِّقَتْ بِمَمْلُوكٍ، وَحُرِّيَّةُ أم الولد إنما ثبتت بِحُرِّيَّةِ وَلَدِهَا، وَتَكُونُ عَلَى الرِّقِّ بَعْدَ مَوْتِهِ وتباع في ديون غرماءه.

فَصْلٌ

: وَإِنْ قَالَ اسْتَوْلَدْتُهَا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ ثُمَّ مَلَكَهَا فَالْوَلَدُ خُلِقَ حُرًّا لِأَنَّهُ مِنْ شُبْهَةِ مَلِكٍ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِلْأَبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ رِقٌّ وَهَلْ تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لعدم ملكه عند الاستيلاد.
وَالثَّانِي: وَهُوَ رِوَايَةُ حَرْمَلَةَ أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِعُلُوقِهَا مِنْهُ بِحُرٍّ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ فِي الْقَدِيمِ يَعْتَبِرُ فِي كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ أَنْ تُعَلَّقَ مِنْهُ بِحُرٍّ، وَفِي الْجَدِيدِ يَعْتَبِرُ أَنْ تُعَلَّقَ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِنْ أَطْلَقَ إِقْرَارَهُ وَلَمْ يُضِفِ اسْتِيلَادَهَا إِلَى مِلْكٍ وَلَا غَيْرِهِ فَالْوَلَدُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْأَمَةِ فَإِنْ لَمْ تَدَّعِ إِصَابَتَهَا فِي الْمِلْكِ فَهِيَ عَلَى الرِّقِّ، وَإِنِ ادَّعَتْ إِصَابَتَهَا فِي الْمِلْكِ فَإِنْ صَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ تُعْتَقُ بِالْمَوْتِ وَلَا اعْتِبَارَ بِإِكْذَابِ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ يَقُومُونَ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ فِي الْإِقْرَارِ، وَإِقْرَارُ الْمَوْرُوثِ مَقْبُولٌ مَعَ تَكْذِيبِ الْغُرَمَاءِ فَكَذَلِكَ إِقْرَارُ الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ أَكْذَبَهَا الْوَرَثَةُ وَادَّعَوُا اسْتِيلَادَهَا فِي غَيْرِ مِلْكٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: - أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَرَثَةِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ اسْتِصْحَابًا لِرِقِّهَا الثَّابِتِ ثُمَّ تُبَاعُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ مَرْقُوقَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَمَةِ مَعَ يَمِينِهَا عَلَى الْبَتِّ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ مِنْ حَالِ الْمِلْكِ، وَعَدَمِ النِّكَاحِ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ تُعْتَقُ بالموت والله أعلم بالصواب.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لحملٍ بدينٍ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا حَتَّى يَقُولَ كَانَ لِأَبِي هَذَا الْحَمْلِ أَوْ لِجَدِّهِ عَلَى مالٍ وَهُوَ وَارِثُهُ فَيَكُونُ إقراراً له (قال المزني) رحمه الله هَذَا عِنْدِي خِلَافُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ أَنَّ فُلَانًا وَكِيلٌ لفلانٍ فِي قَبْضِ مَا عَلَيه إنَّهُ لَا يَقْضِي عليه بدفعه لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِالتَوْكِيلِ فِي مالٍ لَا يَمْلِكُهُ وَيَقُولُ لَهُ إِنْ شِئْتَ فَادْفَعْ أَوْ دَعْ وَكَذَلِكَ هَذَا إِذَا أَقَرَّ بمالٍ لرجلٍ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاتَ وَوَرِثَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا عِنْدِي بالحق أولى وهذا وذاك عندي سواء فيلزمه ما أقر به فيهما على نفسه فإن كان الذي ذكر أنه مات حيًّا وأنكر الذي له المال الوكالة رجعا عليه بما أتلف عليهما ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ أَقَرَّ لِحَمْلِ امْرَأَةٍ بِمَالٍ فَلَا يَخْلُو حَالُ إِقْرَارِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعْزِيهِ إِلَى جِهَةٍ مُمْكِنَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعْزِيهِ إِلَى جِهَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُرْسِلَهُ مُطْلَقًا.

فَإِنْ عَزَاهُ إِلَى جِهَةٍ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ إِرْثٌ مِنْ أَبِيهِ أَوْ وَصِيَّةٌ عَنْ مُوصٍ صَحَّ الْإِقْرَارُ وَلَزِمَ.
وَإِنْ أَرْسَلَهُ وَأَطْلَقَهُ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَالْمَوَاهِبِ مِنْ كِتَابِ الْأُمِّ وَنَقْلَهُ الْمُزَنِيُّ ههنا: إِنَّ الْإِقْرَارَ بَاطِلٌ وَهُوَ قَوْلُ أبي يوسف، لأن إثبات الحقوق يجري بين الأحياء الموجودين غَالِبًا وَذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنِ الْحَمْلِ فَبَطَلَ بِغَالِبِ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَصِحَّ لَهُ إِقْرَارٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا كِتَابٌ لَمْ يَنْقُلِ الْمُزَنِيُّ مِنْهُ شَيْئًا أَنَّ إِقْرَارَهُ صَحِيحٌ.
وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ محمد بن الحسن لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ لَزِمَ وَلَمْ يَبْطُلْ لِاحْتِمَالِ فَسَادِهِ وَجْهٌ كَمَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِلطِّفْلِ وَإِنِ اسْتَحَالَ اسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ بِمُعَامَلَتِهِ لِأَنَّ لَهُ وَجْهًا فِي الصِّحَّةِ وَكَذَلِكَ فِي الْحَمْلِ.
وَإِنْ عَزَا إِقْرَارَهُ إِلَى جِهَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ، فَكَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لِمُعَامَلَتِي إِيَّاهُ أَوْ بِجِنَايَتِي عَلَيْهِ فَهَذِهِ حَالَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ فِي الْحَمْلِ فَإِذَا وَصَلَ الْإِقْرَارُ بِهَا فَإِنْ قِيلَ بِبُطْلَانِ إِقْرَارِهِ مَعَ الْإِطْلَاقِ فَهَذَا إِذَا وَصَفَهُ بِالْمُحَالِ أُبْطِلَ، فَإِنْ قِيلَ بِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ مَعَ الْإِطْلَاقِ فَفِيهِ إِذَا وَصَلَهُ بِصِفَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ قَوْلَانِ مِنْ تبعيض الإقرار فيمن قال: ضمنت ألفا على أَنَّنِي بِالخِيَارِ: - أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِقْرَارَ لَازِمٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالصِّلَةُ رُجُوعٌ فَلَمْ يُقْبَلْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِقْرَارَ بَاطِلٌ لِأَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ مُرْتَبِطٌ بِبَعْضٍ وَحُكْمُهُ أَوَّلُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى آخِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا فَإِنْ قِيلَ بِبُطْلَانِ إِقْرَارِهِ مَعَ التَّقْيِيدِ لِمَا يَسْتَحِيلُ أَوْ مَعَ الْإِطْلَاقِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بصحة إقراره مع التقييد بالمكن أَوْ مَعَ الْإِطْلَاقِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّفْرِيعُ.
فَنَقُولُ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُقَرِّ لِحَمْلِهَا مِنْ أَنْ تَضَعَ حَمْلًا أَوْ لَا.
فَإِنْ لَمْ تَضَعْ حَمْلًا وَكَانَ مَا بِهَا غلظاً وربحاً بَطَلَ الْإِقْرَارُ لَهُ، ثُمَّ نُظِرَ فِي الْإِقْرَارِ فَإِنْ كَانَ قَدْ عَزَاهُ إِلَى وَصِيَّةٍ بَطَلَتْ وَرُدَّتْ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَإِنْ كَانَ قَدْ عَزَاهُ إِلَى مِيرَاثٍ رُدَّ عَلَى غَيْرِ الْحَمْلِ مِنْ وَرَثَةٍ مُسْتَحِقَّةٍ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطْلَقَهُ أُقِرَّ فِي يَدِ الْمُقِرِّ لِعَدَمِ مُدَّعِيهِ.
وَإِنْ وَضَعَتْ حَمْلًا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَضَعَهُ حياً.

وَالثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُ مَيِّتًا.
فَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا فَالْجَوَابُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عَدَمِ وَضْعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ وَصِيَّةً وَلَا يَسْتَحِقُّ إِرْثًا.
وَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ لِأَنَّ أَقَلَّ الحمل ستة أشهر فيعلم بوضعه قبلها إن كَانَ مَخْلُوقًا عِنْدَ الْإِقْرَارِ فَصَحَّ لَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ لِأَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةَ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ فَيُعْلَمُ بِوَضْعِهِ بَعْدَهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا عِنْدَ الْإِقْرَارِ فَبَطَلَ وَكَانَ كَمَنْ أَقَرَّ بِحَمْلٍ فَلَمْ يُوضَعْ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِحَمْلِهَا مِنْ أَنْ تُصَابَ بِوَطْءٍ تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ أَوْ ذِي شُبْهَةٍ أَمْ لَا.
فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا مُفْتَرِشٌ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ تَقَدُّمِ حَمْلِهَا وَلُحُوقِهِ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهُ كَحُكْمِنَا بِتَقَدُّمِهِ وَلُحُوقِهِ بِالْوَطْءِ مَنْ قَبْلِهِ.
وَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ مُفْتَرِشٌ تَصِيرُ لَهُ فِرَاشًا فَالظَّاهِرُ حُدُوثُ حَمْلِهَا وَلُحُوقُهُ بِالْوَاطِئِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَبَطَلَ الْإِقْرَارُ لَهُ كَحُكْمِنَا بِحُدُوثِهِ وَلُحُوقِهِ بِالْوَاطِئِ مِنْ بَعْدِهِ.
فَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدَهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالثَّانِي لِأَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ فَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ بِتَقَدُّمِ الثَّانِي لِعِلْمِنَا بِتَقْدِيمِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَهُمَا حَمْلَانِ وَالثَّانِي مِنْهُمَا مُتَأَخِّرٌ فَصَحَّ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ فَتَقَدَّمَهُ وَبَطَلَ الثَّانِي لِتَأَخُّرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْحَالَيْنِ مَوْطُوءَةً بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَمْ لَا؟

فَصْلٌ

: فَإِذَا صَحَّ الْإِقْرَارُ لِلْحَمْلِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَالِ وَضْعِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَضَعَ وَاحِدًا أَوْ عَدَدًا فَإِنْ وَضَعَتْ وَاحِدًا فَجَمِيعُ الْإِقْرَارِ لَهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِقْرَارُ وَصِيَّةً أَوْ مِيرَاثًا.
وَإِنْ وَضَعَتْ عَدَدًا فَإِنْ كَانَ ذُكُورًا لَا غَيْرَ أَوْ إِنَاثًا لَا غَيْرَ فَالْإِقْرَارُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ مِيرَاثًا فَهُوَ بَيْنُهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِنْ كانت وَصِيَّةً فَهُوَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ فَهُوَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّسَاوِي حَتَّى يُعْلَمَ

سَبَبُ التَّفَاضُلِ فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ اسْتِيلَادِهِ كَانَ عَلَى حَقِّهِ مِيرَاثًا يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ وَقَعَ مَيِّتًا سَقَطَ سَهْمُهُ وَكَانَ الْإِقْرَارُ لِمَنْ سِوَاهُ مِنَ الْحَمْلِ.

فَصْلٌ

: أَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْوَكَالَةِ إِذَا ادَّعَاهَا رَجُلٌ لِغَائِبٍ فِي قَبْضِ حَقِّهِ فَصُدِّقَ عَلَيْهَا أَنَّ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْمَالُ دَفْعَ الْمَالِ إِلَى الْوَكِيلِ بِالتَّصْدِيقِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ دَفْعُ الْمَالِ إِلَى الْحَمْلِ الْوَارِثِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُزَنِيُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِتَصْدِيقِ الْوَكِيلِ غَيْرَ مُقِرٍّ لَهُ بِمِلْكِ الْمَالِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إِلَيْهِ وَفِي الْوَارِثِ مُقِرٍّ لَهُ بِمِلْكِ الْمَالِ فَلَزِمَهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَدْفَعُ الْمَالَ إِلَى الْوَكِيلِ لَا يَبْرَأُ مِنَ التَّبِعَةِ وَمُطَالَبَةِ الْغَائِبِ بِهِ إِنْكَارَ الْوَكَالَةِ فَلَمْ يُلْزَمْ إِلَّا بِمَا تَزُولُ مَعَهُ التَّبِعَةُ مِنْ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِالْوَكَالَةِ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ تُشْهَدُ لَا يُلْزَمُ الدَّفْعَ إِلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَى قَبْضِهِ لِتَزُولَ التَّبِعَةُ عِنْدَ إِنْكَارِ الْقَبْضِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً لَزِمَ الدَّفْعُ بِغَيْرِ إِشْهَادٍ لِزَوَالِ التَّبِعَةِ فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ حَالُ الْوَارِثِ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ مُقِرٌّ بِارْتِفَاعِ التَّبِعَةِ عَنْهُ فِيهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ أَوْ مَجْنُونٌ بمال كان الإقرار لازماً إن وصله يمكن أَوْ أَطْلَقَهُ لَا يَخْتَلِفُ.
وَإِنْ وَصَلَهُ بِمُسْتَحِيلٍ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: فَأَمَّا إِنْ أَقَرَّ لِدَابَّةِ زَيْدٍ أَوْ لِدَارِ عَمْرٍو بِمَالٍ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ لِاسْتِحَالَةِ مِلْكِ الدَّابَّةِ وَالدَّارِ شيئا.
وَلَوْ أَقَرَّ لِعَبْدِ زِيدٍ بِمَال فَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَمْلِكُ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ، وَإِنْ قِيلَ لَا يَمْلِكُ فَفِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ لَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ كَالْإِقْرَارِ لِلْبَيْعَةِ.
وَالثَّانِي: يصح لإمكان معاملته في ذِمَّتِهِ وَهَذَا أَصَحُّ.
فَأَمَّا إِنْ أَقَرَّ لِمَصْنَعٍ أَوْ مَسْجِدٍ بِمَالٍ صَحَّ الْإِقْرَارُ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِقُّ صَرْفَ ذَلِكَ الْمَالِ فِي عِمَارَتِهِ مِنْ غَلَّةٍ وُقِفَتْ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ وَصِيَّتِهِ لَهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَصِلَ إِقْرَارَهُ بِذَلِكَ فَيَصِحُّ، والأول أصح.
أما إِنْ أَقَرَّ لِبَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ بِمَالٍ بَطَلَ الْإِقْرَارُ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا الْوَصِيَّةُ لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ يُمْكِنُ اسْتِحْقَاقُ مَالٍ مِنْ جِهَتِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِحَمْلِ جَارِيَتِهِ فَإِنْ وَصَلَ إِقْرَارَهُ بِمُمْكِنٍ كَقَوْلِهِ وَصَّى لِي بِرَقَبَتِهَا وَلَهُ بِحَمْلِهَا صَحَّ إِقْرَارُهُ وَلَزِمَ، وَسَوَاءٌ أَطْلَقَ الإقرار أو أرسله، فالذي نقله الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَمْلِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ مُنْفَرِدًا بِبَيْعٍ وَلَا هِبَةٍ وَلَا مِيرَاثٍ.
وَيَجِيءُ قَوْلٌ ثَانٍ مِنَ الْإِقْرَارِ لِلْحَمْلِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَمْلِ صَحِيحٌ لِإِمْكَانِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَصِيَّةِ والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ هَذَا الرَّقِيقُ لَهُ إِلَّا وَاحِدًا كان للمقر أن يأخذ أيهم شاء ". قال الماوردي: وهؤلاء العبيد له إلا واحد صَحَّ الْإِقْرَارُ وَكَانَ مَجْهُولًا لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُسْتَثْنَى مجهول وجهالة الاستثناء مفضي إِلَى جَهَالَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْجَهَالَةُ فِي الْإِقْرَارِ لَا تُبْطِلُهُ لِإِمْكَانِ بَيَانِهِ مِنْ نَفْيِ الْجَهَالَةِ بِسُؤَالِهِ كَالْمُقِرِّ بِشَيْءٍ، ثُمَّ يُؤْخَذُ الْمُقِرُّ بِبَيَانِ الْعَبْدِ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْ إِقْرَارِهِ وَأَيُّ عَبْدٍ بَيَّنَهُ قُبِلَ مِنْهُ سَوَاءٌ بَيَّنَ أَعْلَاهُ أَوْ أَدْنَاهُ.
وَمَنْ مَنَعَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا نفى أَكْثَرَ الْجُمْلَةِ مَنَعَ مِنْ بَيَانِ أَكْثَرِهِمْ قِيمَةً وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْإِقْرَارِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَلِأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَهُ حِينَ إِقْرَارِهِ صَحَّ فَكَذَلِكَ بَعُدَ إِقْرَارُهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي تَعْيِينِهِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكْذَبَهُ أَحْلَفَهُ وَاسْتَحَقَّهُ فَلَوْ مَاتَ الْعَبِيدُ كُلُّهُمْ إِلَّا وَاحِدًا فَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ هُوَ هَذَا الْوَاحِدُ فَفِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ وَجْهَانِ: - أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ لفوات من مات فيصير باستثناءه رَافِعًا لِجَمِيعِ إِقْرَارِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ لِجَوَازِ بَيَانِهِ قَبْلَ مَوْتِ مَنْ سِوَاهُ فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ فَمَاتَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا اسْتِثْنَاءً رَافِعًا لِلْجُمْلَةِ كَمَا لَا يَكُونُ مَوْتُ جَمِيعِهِمْ رُجُوعًا عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِمْ وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، وَلَكِنْ لَوْ قُتِلَ جَمِيعُهُمْ إِلَّا وَاحِدًا فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى هَذَا الْوَاحِدَ قُبِلَ مِنْهُ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَمْ يَفُتْ لِاسْتِحْقَاقِ قِيمَتِهِ عَلَى الْقَاتِلِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ غَصَبْتُهُ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إِلَّا وَاحِدًا ثُمَّ مَاتُوا وَبَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمَغْصُوبِينَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فلانٍ وَمِلْكُهَا لفلانٍ فَهِيَ لفلانٍ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ غصبها منه ولا تجوز شهادته للثاني لأنه غاصبٌ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ قَالَ: غَصَبْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو فَعَلَيْهِ تسليمها إلى زيد الذي أقر بغضبها منه وهو مستأنف للشهادة بملكها لعمرو فلم تسمع الشهادة منه لأنه غاصب والغاصب مردود الشهادة ثم لا غرم عليه لعمرو الذي أقر له بملكها لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَالِكًا وَغَيْرُهُ أَحَقُّ بِالْيَدِ الإجارة أَوْ رَهْنٍ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَجَبَ تَسْلِيمُهَا إِلَى صَاحِبِ الْيَدِ الْمَغْصُوبَةِ مِنْهُ دُونَ الْمُقَرِّ بِمِلْكِهَا لَهُ وَسَقَطَ الْغُرْمُ عَنْهُ لِاسْتِحْقَاقِ صَاحِبِ الْيَدِ لَهَا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَالِكًا لَهَا ثُمَّ يَكُونُ عَمْرٌو الْمُقَرُّ لَهُ بِمِلْكِهَا خَصْمًا فِيهِ لِزَيْدٍ الْمُقَرِّ لَهُ بِغَصْبِهَا فَإِنِ اعْتَرَفَ لَهُ بِمِلْكِهَا سَلَّمَهَا إِلَيْهِ وَإِنْ أَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَجْلِ يَدِهِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: وَلَوِ ابْتَدَأَ فَقَالَ: مِلْكُ هَذِهِ الدَّارِ لِزَيْدٍ غَصَبْتُهَا مِنْ عَمْرٍو فَهِيَ لِزَيْدٍ الْأَوَّلِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِمِلْكِهَا دُونَ عَمْرٍو الثَّانِي الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِغَصْبِهَا فَصَارَ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ إِقْرَارًا مَحْضًا لِثُبُوتِ يَدِهِ مِنْ قَبْلُ وَوُجُوبِ رَفْعِهَا بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَإِنْ بَدَأَ بِذِكْرِ الْغَصْبِ كَانَ مَا بَعْدَهُ مِنْ ذِكْرِ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ شَهَادَةً مَحْضَةً ثُمَّ إِذَا جُعِلَتْ لِلْأَوَّلِ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْمِلْكِ، فهل يلزمه غرم قيمتها للثاني المقر له أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ نَذْكُرُهُمَا فِيمَا بَعْدُ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا قَالَ: اسْتَعَرْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ وَمَلْكُهَا لِعَمْرٍو لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إِلَى زَيْدٍ الْأَوَّلِ الَّذِي اسْتَعَارَهَا مِنْهُ، وَصَارَتْ شَهَادَتُهُ بِمِلْكِهَا لِعَمْرٍو لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْتَعِيرِ جَائِزَةً بِخِلَافِ الْغَاصِبِ.
وَلَوِ ابْتَدَأَ فَقَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ وَاسْتَعَرْتُهَا مِنْ عَمْرٍو لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إِلَى زَيْدٍ الْأَوَّلِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَهَلْ يُغَرَّمُ قِيمَتَهَا لِعَمْرٍو الْمُعِيرِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ".

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُهَا مِنْ فلانٍ لَا بَلْ مِنْ فلانٍ كَانَتْ لِلْأَوَّلِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ للثاني وكان الثاني خَصْمًا لِلْأَوَّلِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا قَالَ: غَصَبْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو، أَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ لَا بَلْ لِعَمْرٍو، أَوْ قَالَ: غَصَبْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ وَغَصَبَهَا زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو أَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ وَغَصَبْتُهَا مِنْ عَمْرٍو.
فَالدَّارُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ لِزَيْدٍ الْأَوَّلِ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْغَصْبِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَقَدُّمُ الْإِقْرَارِ لَهُ وَالْمَنْعُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ لِلْأَوَّلِ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ وَصَارَ بِالْإِقْرَارِ الثَّانِي مُقِرًّا فِي الْمِلْكِ الْأَوَّلِ فَرُدَّ وَلَمْ يُقْبَلْ.

وَهَلْ يَلْزَمُهُ غُرْمُ قِيمَتِهَا لِلثَّانِي بِمَا عَقَّبَهُ مِنَ الْإِقْرَارِ لَهُ بِالْمِلْكِ أَوِ الْغَصْبِ أَمْ لا؟ على قولين: أحدهما: نقله المزني ههنا مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَالْمَوَاهِبِ مِنَ الْأُمِّ أَنْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي لم ينقل به الْمُزَنِيُّ شَيْئًا أَنَّ الْغُرْمَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ.
فَإِذَا قِيلَ بِسُقُوطِ الْغُرْمِ عَنْهُ فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ فَعَلَ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْإِقْرَارِ وَإِنَّمَا رَفَعَ الشَّرْعُ حُكْمَهُ بِالْأَوَّلِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ فِعْلِ الْوَاجِبِ غُرْمٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَيْنَ الدَّارِ قَائِمَةً وَالْقِيمَةَ مَعَ وُجُودِهَا غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ مُفَوِّتٌ لَهَا عَلَى الثَّانِي بِفِعْلِهِ فَصَارَ كَالْمُسْتَهْلِكِ فَلَزِمَهُ الْغُرْمُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُقِرٌّ لِلثَّانِي بِالْغَصْبِ وَالْغَصْبُ مُوجِبٌ لِغُرْمِ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْمَغْصُوبِ مِنَ الْغَاصِبِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهَا الْمُقِرُّ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْ يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ لِأَجْلِ إِقْرَارِهِ بِتَسْلِيمِهَا إِلَى الْأَوَّلِ فِي أَنَّ وُجُوبَ الْغُرْمِ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنْ سَلَّمَهَا بِنَفْسِهِ لُزِمَ الْغُرْمَ قَوْلًا وَاحِدًا لِمَا بَاشَرَهُ مِنَ الْأَصَالَةِ بِالتَّسْلِيمِ.
فَإِنْ سَلَّمَهَا الْحَاكِمُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ سَلَّمَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يُغَرَّمْ وَإِنْ سَلَّمَهَا الْحَاكِمُ غُرِّمَ، قَالَ لِأَنَّ تَسَلُّمَ الْحَاكِمِ تَمْلِيكٌ فَصَارَ الْمَلِكُ مُسْتَهْلَكًا عَلَى الثَّانِي فَاسْتَحَقَّ الْغُرْمَ وَتَسْلِيمُهُ بنفسه ليس بتمليك فلم يغرم.
وعكسه ما ذَكَرْنَا أَشْبَهُ بِالْحَقِّ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ الْبَيْعِ بِغَصْبِهِ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ وَلَزِمَهُ غُرْمُ الْقِيمَةِ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِالْغَصْبِ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ قَدْ عَاوَضَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الصَّائِرِ إِلَيْهِ فَغُرِّمَ وَفِي الْأَوَّلِ لَمْ يُعَاوِضْ عَلَيْهِ فَلَمْ يُغَرَّمْ.

ولو أعتق عبداً ثم أقر بغضه لَمْ يُبْطُلِ الْعِتْقُ وَكَانَ غُرْمُ قِيمَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَاوِضْ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ أَعْتَقَهُ مُتَطَوِّعًا أَوْ عَنْ كَفَّارَةٍ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا قَالَ: غَصَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو وَلَمْ يُعَيِّنْ بِالْإِقْرَارِ أَحَدَهُمَا فَيُؤْخَذُ بِالتَّعْيِينِ، فَإِذَا عَيَّنَ أَحَدَهُمَا تَوَجَّهَ الْإِقْرَارُ إِلَيْهِ وَكَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعَبْدِ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ بِالْإِقْرَارِ.
فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَهُمَا وَقَالَ لَسْتُ أَعْرِفُهُ حَلَفَ لَهُمَا، وَكَانَ الْعَبْدُ مَوْقُوفًا بَيْنَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا، وَإِنْ حَلَفَ لِأَحَدِهِمَا كَانَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَهُوَ مُقِرٌّ بِغَصْبِهِ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِ دَفْعُهُ إِلَيْهِمَا وَلَا غُرْمَ.
وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ وَغَصَبْتُهُ مِنْ عَمْرٍو فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أحدهما: أن يَكُونُ كَالْمُقِرِّ بِغَصْبِهِ لِثَانٍ بَعْدَ أَوَّلٍ، فَيُسَلَّمُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ غُرْمُ قِيمَتِهِ لِلثَّانِي أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُقِرِّ بِغَصْبِهِ مِنْهُمَا فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا وَلَا غُرْمَ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُ زَيْدًا أَوْ غَصَبْتُ مِنْ زَيْدٍ وَلَمْ يَصِلْ هَذَا الْإِقْرَارَ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ بِغَاصِبٍ لِشَيْءٍ يُوجِبُ غُرْمًا لِأَنَّ قَوْلَهُ غَصَبْتُ زَيْدًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ حَبْسَهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَمَنْعَهُ مِنْ عَمِلِهِ، وَقَوْلُهُ غَصَبْتُ مِنْ زَيْدٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ مِنْ حَقِيرٍ تَافِهٍ، فَلَوْ قَالَ غَصَبْتُ زَيْدًا كَلْبًا أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا وَجَبَ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فَائِتًا فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، لِتَحْرِيمِ قِيمَتِهِ وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُ زَيْدًا خَمْرًا أَوْ قَالَ خِنْزِيرًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ، وَأُرِيقَ الْخَمْرُ وَقُتِلَ الْخِنْزِيرُ لِتَحْرِيمِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا وَالْمَنْعِ مِنْ إِقْرَارِ الْيَدِ عَلَيْهِمَا وَاللَّهُ أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُ الْعَبْدِ فِي الْمَالِ إِلَّا بأن يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فَمَتَى عُتِقَ وَمَلَكَ غُرِّمَ وَيَجُوزُ إِقْرَارُهُ فِي الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالْحَدِّ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ وَجُمْلَةُ إِقْرَارِ الْعَبْدِ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أقسام: (الأول) : قسم يتعلق ببدنه.
(الثاني) : قسم يتعلق بماله.
(الثالث) : وَقِسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ وَمَالِهِ.

فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِبَدَنِهِ فَإِقْرَارُهُ بِقَتْلٍ يُوجِبُ قَوَدًا أَوْ زِنًا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قَذْفًا يُوجِبُ جَلْدًا وَذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ وَمَأْخُوذٌ بِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِتَكْذِيبِ سَيِّدِهِ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ وزفر ومحمد بن الحسن وَدَاوُدُ: إِنَّ إِقْرَارَهُ بِتَكْذِيبِ السَّيِّدِ مَرْدُودٌ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ بَدَنَهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ فَكَانَ إِقْرَارُهُ فِي بَدَنِهِ إِقْرَارًا فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ وَلِأَنَّهُ مَتْهُومٌ فِي إِقْرَارِهِ إِضْرَارًا بِسَيِّدِهِ فَكَانَ مَرْدُودًا كَإِقْرَارِهِ بِالْمَالِ وَهَذَا خَطَأٌ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مُبْدٍ لِصَفْحَتِهِ مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَى بَدَنِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ إِقْرَارُهُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِقْرَارُ السَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ يُقْبَلُ فِيهِ إِقْرَارُ الْعَبْدِ عَلَى السَّيِّدِ كَالرِّدَّةِ طَرْدًا وَالْمَالِ عَكْسًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِإِقْرَارِهِ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ فَهُوَ أَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ إِقْرَارَهُ فِيهِ لَا يَنْفُذُ وَلَوْ مَلَكَهُ لَنَفَذَ إِقْرَارُهُ فِيهِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتُّهْمَةِ فَهُوَ أَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الْعَاقِلِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ إِضْرَارًا بِغَيْرِهِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَالِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مُدَايَنَةُ مُرَاضَاةٍ.
وَالثَّانِي: جِنَايَةُ إِكْرَاهٍ.
فَأَمَّا مُدَايِنَةَ الْمُرَاضَاةِ فَهُوَ كُلُّ حَقٍّ لَزِمَ بِاخْتِيَارِ مُسْتَحِقِّهِ وَمُعَامَلَةٍ مُسْتَوْجَبَةٍ كَالْأَثْمَانِ وَالْقُرُوضِ وَالْأُجُورِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ تَعَلَّقَ إِقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ مُسَلَّطٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمُوجِبِهَا، فَإِنْ ضَاقَ مَا بِيَدِهِ عَنْ دَيْنِهِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ كَانَ الْفَاضِلُ عَنْهُ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ إِذَا عُتِقَ وَأَيْسَرَ بِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة يَكُونُ الْفَاضِلُ مِنْ دُيُونِ إِقْرَارِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ إِذْنَ السَّيِّدِ مُوجِبٌ لِضَمَانِ دُيُونِهِ كَمَا يُوجِبُ إِذْنُهُ بِالنِّكَاحِ ضَمَانَ الصَّدَاقِ لِزَوْجَتِهِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ كُلَّ حَقٍّ ثَبَتَ بِرِضَا مُسْتَحِقِّهِ كَانَ مَحَلُّهُ فِي الذِّمَّةِ دُونَ الرَّقَبَةِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى حَقُّ الْجِنَايَةِ مِنَ الْمَأْذُونِ لَهُ وَغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي تَعَلُّقِهِ بِالرَّقَبَةِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الْمُدَايَنَةِ مِنَ الْمَأْذُونِ لَهُ وَغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي تَعَلُّقِهِ بِالذِّمَّةِ فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالصَّدَاقِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُهُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ السُّؤَالُ سَاقِطًا.

وَالثَّانِي: يَصِيرُ ضَامِنًا لَهُ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُوجِبُ عَلَى السَّيِّدِ تَزْوِيجَ عَبْدِهِ إِذَا احْتَاجَ وَسَأَلَ.
فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَالْمُدَايَنَةِ وُجُوبُ الْإِذْنِ لَهُ بِالتَّزْوِيجِ فَكَانَ مُلْتَزِمًا لِلصَّدَاقِ فِيهِ كَالنَّفَقَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِذْنُ لَهُ بِالتِّجَارَةِ فَلَمْ يُلْزَمْ ضَمَانَ مَا حَدَثَ مِنْ مُدَايَنَةٍ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ بِالتِّجَارَةِ فَجَمِيعُ دُيُونِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهَا بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَسَارِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا مِنْ كَسْبِهِ وَلَا إِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ مَالًا أَنْ يَصْرِفَهُ فِي دُيُونِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَمْلِكُ إِذَا مَلَّكَهُ أَوْ لَا.
وَسَوَاءٌ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ عَلَى الدُّيُونِ أَمْ لَا، وَيُمْنَعُ الْغُرَمَاءُ مِنْ مُطَالَبَتِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ وَبَعْدَ عِتْقِهِ حَتَّى يُوسِرَ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ عَنْ جِنَايَةٍ وَاسْتِكْرَاهٍ كَأُرُوشِ الْجِنَايَةِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَدِيَاتِ الْخَطَأِ وَكُلُّ مَا وَجَبَ لِمُسْتَحَقِّهِ بغير اختيار ورضى فَلَا يَخْلُو حَالُ السَّيِّدِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ.
أَوْ يُكَذِّبَهُ.
فَإِنَّ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ عَلَى إِقْرَارِهِ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِوُجُوبِهِ ولزومه فهو متعلق برقتبه يُبَاعُ فِيهَا وَيَقْضِي وَإِنْ ضَاقَتِ الْقِيمَةُ عَنْ جِنَايَتِهِ فَفِي الْفَاضِلِ مِنْهَا وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ هَلْ تَعَلَّقَ ابْتِدَاءً بِرَقَبَتِهِ أَوْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى رَقَبَتِهِ؟ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهَا وَجَبَتِ ابْتِدَاءً فِي رَقَبَتِهِ فَعَلَى هَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ عِتْقِهِ مِنْ بَقِيَّةِ جِنَايَتِهِ وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْهَا هَدْرًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا وَجَبَتِ ابْتِدَاءً فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى رَقَبَتِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْفَاضِلُ عَنْ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَسَارِهِ.
فَأَمَّا إِنْ كَذَّبَهُ السَّيِّدُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْجِنَايَةِ وَالِاسْتِهْلَاكِ لَمْ يَتَعَلَّقِ الْإِقْرَارُ بِرَقَبَتِهِ وَكَانَ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَسَارِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَمْ لَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ قَضَاهُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ كَالْحُرِّ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالتِّجَارَةِ لَا يَتَضَمَّنُ إِذْنًا بِغَيْرِ التِّجَارَةِ فَاسْتَوَى حَالُ جِنَايَتِهِ مَعَ وُجُودِ الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ وَلِأَنَّ أَرْشَ الِاقْتِصَاصِ مِنَ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ على

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل