كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْبَائِعَ أَحَقُّ إِذَا قِيلَ إِنَّ الزَّوْجَ هُنَاكَ أَحَقُّ فَعَلَى هَذَا تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّفِيعَ أَحَقُّ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ بِالصَّدَاقِ أَحَقُّ فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الشِّقْصِ ثُمَّ فِيمَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الَّذِي كَانَ ثَمَنًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ الَّذِي صَارَ مَعْرُوفًا.
قال المزني رحمه الله: " وإن استحق العبد بطلب الشُّفْعَةُ وَرَجَعَ الْبَائِعُ فَأَخَذَ شِقْصَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الثَّمَنِ يُوجِبُ إِبْطَالَ الْبَيْعِ، وَبُطْلَانُ الْبَيْعِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الشُّفْعَةِ، وَبُطْلَانُ الشُّفْعَةِ يُوجِبُ اسْتِرْجَاعَ الشِّقْصِ فَصَارَ اسْتِحْقَاقُ الثَّمَنِ مُخَالِفًا لِظُهُورِ الْعَيْبِ بِهِ الْمُوجِبِ لِفَسْخِهِ دُونَ إبطاله.
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ صَالَحَهُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى شقصٍ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى فَيَجُوزُ وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشُّفْعَةِ بِمِثْلِ الْحَقِّ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الصُّلْحُ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالصُّلْحُ ضَرْبَانِ صُلْحٌ عَنْ إِنْكَارٍ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَصُلْحٌ عَنْ إِقْرَارٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَالشُّفْعَةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ شِقْصًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَيُصَالِحَهُ مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِهِ عَلَى أَلْفٍ أَوْ عَبْدٍ فَيَصِيرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُشْتَرِيًا لِلشِّقْصِ بِالْأَلْفِ أَوْ بِالْعَبْدِ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمِثْلِ الْأَلْفِ أَوْ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا أَوْ عَبْدًا فَيُصَالِحَهُ مِنْهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِهِ عَلَى شِقْصٍ فَيَصِيرُ الْمُدَّعِي مُشْتَرِيًا لِلشِّقْصِ بِالْأَلْفِ أَوْ بِالْعَبْدِ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنَ الْمُدَّعِي بِمِثْلِ الْأَلْفِ أَوْ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَاللَّهُ أعلم.
مسألة
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا بينةٌ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ هَذِهِ الدَّارِ شِقْصًا وَأَرَادَ أَخْذَ شِقْصِ صَاحِبِهِ بِشُفْعَتِهِ فَإِنْ وُقِّتَتِ الْبَيِّنَةُ فَالَّذِي سَبَقَ بِالْوَقْتِ لَهُ الشُّفْعَةُ وَإِنْ لَمْ تُؤَقَّتْ وَقْتًا بَطُلَتِ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا اشْتَرَيَا مَعًا وَحَلَفَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَيَا دَارًا فِي عَقْدَيْنِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَا سَبَقْتُكَ بِالْعَقْدِ فَلِي الشُّفْعَةُ عَلَيْكَ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ لَا يَكُونَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا عَلَى مَا تَدَاعَيَاهُ، وَالْمَسْبُوقُ بِالدَّعْوَى مُقَدَّمٌ فِي الْيَمِينِ فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ مَلَكَ قَبْلَهُ فَتَكُونُ يمينه على العلم لتفي مَا ادَّعَاهُ صَاحِبُهُ مِنْ تَقَدُّمِ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَيُسْتَحْلَفُ الثَّانِي بِمِثْلِ هَذِهِ الْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا الْأَوَّلُ لِدَعْوَاهُ عَلَى الثَّانِي مِثْلَ ما ادعاه الثاني على عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الأول من هَذِهِ الْيَمِينِ الْمَوْضُوعَةِ لِنَفْيِ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَحْلِفَ بِهَا أَوْ يَنْكُلَ عنها.
فإن حلف بها فقد برئ ما ادُّعِيَ عَلَيْهِ وَسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ فِيمَا مَلَكَهُ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ إِحْلَافَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْيَمِينِ وَتَسْقُطُ الشَّفْعَتَانِ، وَإِنْ نَكَلَ الْأَوَّلُ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي السَّابِقِ بِالدَّعْوَى لِيَحْلِفَ عَلَى إِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ قَطْعًا بِاللَّهِ لَقَدْ مَلَكَ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَإِذَا حَلَفَ حُكِمَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَتَسْقُطُ دَعْوَى النَّاكِلِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ أُخِذَ بِالشُّفْعَةِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ حَقٌّ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُقَدَّمُ بِالْيَمِينِ حَلَفَ وَنَكَلَ بَعْدَهُ الثَّانِي رُدَّتْ يَمِينُهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِيَحْلِفَ بِهَا إِثْبَاتًا لِمَا ادَّعَاهُ قَطْعًا بِاللَّهِ لَقَدْ مَلَكَ قَبْلَ صَاحِبِهِ وَلَا يُكْتَفَى بِالْيَمِينِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْأُولَى لِنَفْيِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةَ لِإِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْأُولَى عَلَى الْعِلْمِ وَالثَّانِيَةُ على البت فهذا أحدكم أَيْمَانِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا كَانَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيهَا بَيَانٌ لِإِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِيهَا بَيَانٌ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا بَيَانٌ لإثبات ولا لإسقاط الشفعة، والرابع: أن يتعارض الإثبات والإسقاط.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بَيَانٌ لِإِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقِيمَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي الْمُحَرَّمِ وَيُقِيمَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي صفر فتكون الشفعة للأسبق منهما شراء لتقدم مِلْكِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُقِيمَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي الْمُحَرَّمِ وَأَنَّ صَاحِبَهُ اشْتَرَى فِي صَفَرٍ فَيُحْكَمَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَإِنِ انْفَرَدَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِثُبُوتِهَا بِتَقَدُّمِ مِلْكِهِ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقِيمَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى قَبْلَ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْهَدَ بِوَقْتِ الْعَقْدَيْنِ.
فَقَدْ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُحْكَمُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ مَا لَمْ يُعَيَّنْ وَقْتُ الْعَقْدَيْنِ، لِجَوَازِ الِاشْتِبَاهِ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْوَقْتِ لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ تَعَيُّنِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ بِأَنَّهُ أَسْبَقُ مِنَ الْآخَرِ فَإِنْ أُشْهِدَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَسْبَقُ مِنَ الْآخَرِ أَجْزَأَ وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنِ الزمان وإنما يَلْزَمُ تَعْيِينُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ إِذَا كان الاجتهاد فِيهِ مَدْخَلٌ كَالَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بَيَانٌ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ فَهُوَ أَنْ يُقِيمَ كُلُّ واحد منهما
بَيِّنَةً أَنَّهُ عَقَدَ الشِّرَاءَ فِي وَقْتٍ مِثْلِ وَقْتِ صَاحِبِهِ مِثْلَ أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَى مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ فَتَدُلَّ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى سُقُوطِ الشُّفْعَةِ فِي الْعَقْدَيْنِ لِوُقُوعِهِمَا مَعًا وَأَنَّهُ لَيْسَ ثُبُوتُهَا مَعَ التَّسَاوِي لِأَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ ثُبُوتِهَا عَلَيْهِ فَسَقَطَتَا لِتَعَارُضِهِمَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا بَيَانُ الْإِثْبَاتِ وَالْإِسْقَاطِ فَقَدْ تَكُونُ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْبَيِّنَتَيْنِ تاريخ، والثاني أن تؤرخ أحدهما دُونَ الْأُخْرَى، وَالثَّالِثُ: أَنْ تُؤَرَّخَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْبَيِّنَتَيْنِ إِلَى وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهِ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَقَعَا مَعًا مِثْلَ أَنْ يُقِيمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ، فَغُرَّتُهُ يَوْمٌ كَامِلٌ تَسَعُ لِتَقَدُّمِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَاحْتِمَالٌ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ السَّابِقَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ الْعَقْدَانِ فِي حَالٍ مَعًا، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ بَيَانٌ لِإِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ ولإسقاطهما فَوَجَبَ أَنْ تُلْغَى الْبَيِّنَتَانِ لِعَدَمِ الْبَيَانِ فِيهِمَا، وَيَرْجِعَانِ إِلَى التَّدَاعِي وَالتَّحَالُفِ عَلَى مَا مَضَى.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ تَتَعَارَضَ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْإِثْبَاتِ وَالْإِسْقَاطِ فَهُوَ أَنْ يُقِيمَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي الْمُحَرَّمِ وَأَنَّ صَاحِبَهُ اشْتَرَى فِي صَفَرٍ وَيُقِيمَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ اشْتَرَى فِي صَفَرٍ، أَوْ يُقِيمَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي أَوَّلِ يَوْمِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ اشْتَرَى فِي ثَانِيهِ وَيُقِيمَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ اشْتَرَى فِي رَابِعِهِ فَكُلُّ هَذَا تَعَارُضٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَزْمِنَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْبَيِّنَتَيْنِ تَشْهَدُ بِتَقَدُّمِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَكَانَ فِي تَعَارُضِهِمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: يَسْقُطَانِ، وَيَتَرَاجَعَانِ إِلَى الْيَمِينِ وَالتَّحَالُفِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُوقَفَانِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ فِيهِمَا بَيَانٌ، وَيُمْنَعَانِ مِنَ التَّحَالُفِ حَتَّى يَقَعَ بَيَانٌ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ فَأَيُّهُمَا قُرِعَتْ حُكِمَ بِهَا وَفِي إِحْلَافِ مَنْ قُرِعَتْ بَيِّنَتُهُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْلِفُ إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقُرْعَةَ دَخَلَتْ تَرْجِيحًا لِلدَّعْوَى، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَحْلِفُ إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقُرْعَةَ دَخَلَتْ تَرْجِيحًا لِلْبَيِّنَةِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ المزني رحمه الله: " ولو أن البائع قال بعث مِنْ فلانٍ شِقْصِي بِأَلْفِ درهمٍ وَأَنَّهُ قَبَضَ الشِّقْصَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فلانٌ وَادَّعَاهُ الشَّفِيعُ فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَدْفَعُ الْأَلْفَ إِلَى الْبَائِعِ وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ ادَّعَى بَيْعَ شِقْصِهِ عَلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ وَحَضَرَ الشَّفِيعُ مُصَدِّقًا الْبَائِعَ، وَمُطَالِبًا لِلشُّفْعَةِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مُدَّعِيًا بَقَاءَ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِقَبْضِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ادِّعَاءِ الْبَيْعِ مُدَّعِيًا بَقَاءَ الثَّمَنِ حُكِمَ عَلَيْهِ لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَى الْمُشْتَرِي وَمُقِرٌّ لِلشَّفِيعِ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ فَإِنْ رُدَّتْ دَعْوَاهُ فَفِي مَنْعِهِ مِنْ مُحَاكَمَةِ الْمُشْتَرِي وَإِحْلَافِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ لَهُ إِحْلَافُهُ لِأَنَّ قَصْدَهُ حُصُولُ الثَّمَنِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ.
وَسَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ مِنْ مُشْتَرٍ أَوْ شَفِيعٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ إِنْ أُحْلِفَ أَنْ يُحْكَمَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ وَفِيهِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الشَّفِيعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ إِحْلَافُهُ؛ لِاسْتِحْقَاقِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ بِإِنْكَارِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْبُغْيَةِ بِوُصُولِ الْمِلْكِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَلَا يَبْطُلُ بِيَمِينِهِ حَقُّ الشَّفِيعِ.
فَإِذَا قُضِيَ لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ لَزِمَهُ دَفْعُ الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ، وَيَكُونُ عُهْدَةُ الشفيع ها هنا عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّرَاءُ مَعَ إِنْكَارِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ عُهْدَتُهُ.
فَصْلٌ
: وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَعَ ادِّعَاءِ الْبَيْعِ مُقِرًّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنَ الْمُشْتَرِي فَفِي الشُّفْعَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَطَائِفَةٍ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تُسْتَحَقُّ إِلَّا بِيَمِينٍ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُسْتَحِقًّا لِقَبْضِ الثَّمَنِ، أَمَّا الْبَائِعُ فَلِإِقْرَارِهِ بِقَبْضِهِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِإِنْكَارِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَا مُخَاصَمَةَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ، وَلِلشَّفِيعِ مُخَاصَمَةُ الْمُشْتَرِي فِي الشُّفْعَةِ، وَإِحْلَافُهُ عَلَى إِنْكَارِ الشِّرَاءِ؛ لِمَا فِي إِنْكَارِهِ مِنْ إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ بِاسْتِحْقَاقِهَا مِنْ يَدِهِ فَيُحْكَمُ بِهَا لِلشَّفِيعِ، وَفِي الثَّمَنِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُوقَفُ فِي ذِمَّةِ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَالْمُشْتَرِي لَا يَدَّعِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْبَضُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يملك الشفعة من غير بدل فعل هَذَا إِذَا قَبَضَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا لِلْمُشْتَرِي فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُدْفَعُ إِلَى الْبَائِعِ وَيُسْتَرْجَعُ مِنَ الْبَائِعِ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ مِنَ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ هُوَ الْمَوْقُوفَ لِلْمُشْتَرِي فِي بَيْتِ الْمَالِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا بِيعَ شِقْصٌ مِنْ دَارٍ فَجَاءَ الشَّرِيكُ فِيهَا مُدَّعِيًا مِلْكَ الْمَبِيعِ مِنْهَا وَلَمْ يكن له
بَيِّنَةٌ فَحَلَفَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي الدَّعْوَى فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ بِغَيْرِ شُفْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ مقر بطلان البيع والله أعلم.
مسألة
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا كَانَ لِلشِّقْصِ ثَلَاثَةُ شُفَعَاءَ فَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّالِثِ فَإِنْ كَانَا سَلَّمَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إِلَى أَنْفُسِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا سَلَّمَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إِلَى أَنْفُسِهِمَا مَا سَلَّمَهُ صَاحِبُهُمَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِثَلَاثَةِ شُفَعَاءَ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَلَى أَحَدِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ عَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ نُظِرَ: فَإِنْ كانا حَضَرَ الشَّفِيعَانِ الْآخَرَانِ مُطَالِبَيْنِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ الْعَافِي، وَخَصْمَهُ فِي الْعَفْوِ، وَشَرِيكَاهُ فِي الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُعَلَّقُ به بِعَفْوِهِ حَقٌّ لِرُجُوعِهِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ غَابَ الشَّفِيعَانِ الْآخَرَانِ، أَوْ عَفَوَا صَارَ الْمُشْتَرِي خَصْمًا لِلْعَافِي فَإِنْ عَدِمَ الْعَافِي بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِعَفْوِهِ جَازَ أَنْ يُحْلِفَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَهِيَ: شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَالٍ فَإِنْ شَهِدَ عَلَى الْعَافِي شَرِيكَاهُ فِي الشُّفْعَةِ نُظِرَ فِيهَا.
فَإِنْ كَانَا قَدْ عَفَوَا عَنْ شُفْعَتِهِمَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا لِبَرَاءَتِهِمَا مِنْ تُهْمَةٍ وَسَلَامَتِهِمَا مِنْ جَرِّ مَنْفَعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا قَدْ عَفَوَا رُدِّتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لما فيها من اتهامهما يجر الزِّيَادَةِ إِلَى أَنْفُسِهِمَا، لِأَنَّ أَحَدَ الشُّرَكَاءِ إِذَا عَفَا تَوَفَّرَ حَقُّهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ فَلَوْ عَفَا الشَّرِيكَانِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ رَدِّ شَهَادَتِهِمَا لَمْ يُسْمَعْ بَعْدَ عَفْوِهِمَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِذَا رُدِّتْ لِتُهْمَةٍ لَمْ تُسْمَعْ بَعْدَ زَوَالِ التُّهْمَةِ.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوِ ادَّعَى الشَّفِيعُ عَلَى رجلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى الشِّقْصَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ مِنْ صَاحِبِهِ الْغَائِبِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهُ وَأَقَامَ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ عَلَيْهِ أَخَذَ بِشُفْعَتِهِ وَنَفَذَ الْحُكْمُ بِالْبَيْعِ عَلَى صَاحِبِهِ الْغَائِبِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رحمه الله هذا قول الكوفيين وهو عنيد تَرْكٌ لِأَصْلِهِمْ فِي أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ وَهَذَا غَائِبٌ قُضِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ بَاعَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَأَبْرَأَ مِنْهُ إِلَيْهِ الْمُشْتَرِيَ وَبِذَلِكَ أَوْجَبُوا الشُّفْعَةَ لِلشَّفِيعِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَإِنَّمَا أَعَادَهَا الْمُزَنِيُّ لِيَتَكَلَّمَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ.
فَإِنْ غَابَ مِلْكُ الشِّقْصِ تَارِكًا حَقَّهُ فِي يَدِ نَائِبٍ عَنْهُ، فَادَّعَى الشفيع على الغائب الْحَاضِرِ أَنَّهُ اشْتَرَى حِصَّةَ الْغَائِبِ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ الشِّرَاءَ حَلَفَ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِهِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، وَعَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيْعِ، وَلِلشَّرِيكِ الشُّفْعَةُ، وَهَذَا قَوْلٌ وَافَقَهُ أبو حنيفة وَأَهْلُ الْعِرَاقِ مَعَ إِنْكَارِهِمُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمُزَنِيُّ بِأَنَّهُمْ تَرَكُوا أُصُولَهُمْ وَنَاقَضُوا أَقْوَالَهُمْ عَلَى غَائِبٍ يُنْكِرُونَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُزَنِيُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مناقضة أصلهم.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّ اعْتِرَاضَ الْمُزَنِيِّ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَصْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْضُونَ عَلَى غَائِبٍ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحَاضِرٍ يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَهَذَا قَضَاءٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الْحَاضِرِ، وَعَلَى الْبَائِعِ الْغَائِبِ، فَنَفَذَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ مَعَ غِيبَتِهِ لِنُفُوذِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِحُضُورِهِ مَعَ أَنَّ أبا حنيفة يَجْعَلُ الْمُشْتَرِيَ وَكِيلًا لِلشَّفِيعِ فِي تَمَلُّكِ الشِّقْصِ لَهُ مِنَ الْبَائِعِ وَهُوَ يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى وَكِيلِ الْغَائِبِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ أَبُو الْفَيَّاضِ إِنَّ هَذَا نَقْضٌ لِأَصْلِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الشَّفِيعِ لِلْمُشْتَرِي عَقْدَ الْبَيْعِ كَدَعْوَى الْمُشْتَرِي وَدَعْوَى الْمُشْتَرِي عِنْدَهُمْ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى عَلَى غَائِبٍ فَإِذَا رَدُّوا دَعْوَى الْمُشْتَرِي، وَامْتَنَعُوا مِنَ الْقَضَاءِ لَهُ بِالشِّرَاءِ عَلَى الْغَائِبِ لَزِمَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا دَعْوَى الشَّفِيعِ وَيَمْنَعُوا مِنَ الْقَضَاءِ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ أَجَازُوهَا لِلشَّفِيعِ لزم إجازتها للمشتري.
مسألة
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوِ اشْتَرَى شِقْصًا وَهُوَ شفيعٌ فَجَاءَ شفيعٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي خُذْهَا كلها بالثمن أو دع قال هُوَ بَلْ آخُذُ نِصْفَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ شُفْعَتَهُ لِغَيْرِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا كَانَ لِلشِّقْصِ شَفِيعَانِ فَاشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا، وَحَضَرَ الْآخَرُ مُطَالِبًا بِالشُّفْعَةِ، فَلَهُ أَخْذُ نِصْفِ الشِّقْصِ مِنْ شَرِيكِهِ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ، وَقَالَ أبو حنيفة شُفْعَةُ الْمُشْتَرِي بَاطِلَةٌ فِيمَا اشْتَرَاهُ، وَلَا تَثْبُتُ لَهُ شُفْعَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلِشَرِيكِهِ أَخْذُ جَمِيعِ الشِّقْصِ مِنْ يَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ بِأَخْذِ النِّصْفِ مِنْهُ.
وَحَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَوَجَدْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ قَائِلًا بِخِلَافِهِ وَمُوَافِقًا لِأَصْحَابِهِ.
وَدَلِيلُ أبي حنيفة أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يتم ببائع ومشتري، فَلَمَّا لَمْ تَجِبْ لِلْبَائِعِ شُفْعَةٌ فِيمَا بَاعَ، لم يجب المشتري شُفْعَةٌ فِيمَا اشْتَرَى، وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ أَحَدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَدْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ فِيمَا مَلَكَ عَقْدَهُ بِالْبَيْعِ قَالَ: وَالْإِنْسَانُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ حَقٌّ أَلَا تَرَى أَنَّ جِنَايَةَ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ هَدْرٌ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَثْبُتَ لِلْمُشْتَرِي شُفْعَةٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ ربعةٍ أَوْ غَيْرِهِ لا ببيعه حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِنْ بَاعَ فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَى يُؤْذِنَهُ ".
فَجَعَلَ أَخْذَ الشَّرِيكِ بِالشِّرَاءِ صَحِيحًا وَلَوْ أَبْطَلَ شُفْعَتَهُ بِالشِّرَاءِ لَكَانَ غُرُورًا، وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَمْلِكَ الْمَبِيعَ بِالْخِلْطَةِ دُونَ الشِّرَاءِ، فَأَوْلَى أَنْ يَمْلِكَهُ بِالْخِلْطَةِ، وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا أَقْوَى سَبَبًا وَأَثْبَتُ تَمْلِيكًا، وَلِأَنَّ الشَّرِيكَ قَدْ يَمْلِكُ بِالشِّرَاءِ تَارَةً، وَبِالشُّفْعَةِ أُخْرَى، فَلَمَّا كَانَ لَوْ مَلَكَ كُلَّ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ فِيهَا إِبْطَالُ حَقِّهِ مِنْهَا وَجَبَ إِذَا مَلَكَ بِالشِّرَاءِ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الشَّرِيكُ إِبْطَالَ حَقِّهِ مِنْهَا.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ بِالشُّفْعَةِ، لَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهِ الشُّفْعَةُ كَمَا لَوْ مَلَكَ بِالشُّفْعَةِ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْبَائِعِ فَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ تَارِكٌ وَالتَّارِكُ لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَالْمُشْتَرِيَ طَالِبٌ وَالطَّالِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ بِالشِّرَاءِ الشُّفْعَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا أَسْقَطَ بِالشِّرَاءِ الشُّفْعَةَ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الْوَلَاءَ الَّذِي عَلَيْهِ أَسْقَطَ الْوَلَاءَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ بِهِ وِلَايَةَ نَفْسِهِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ شَرِيكَ الْمُشْتَرِي فِي الشُّفْعَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا النِّصْفَ بِالشُّفْعَةِ فَلَهُ حَالَتَانِ: حَالَةُ عَفْوٍ، وَحَالَةُ طَلَبٍ.
فَإِنْ عَفَا اسْتَقَرَّ مِلْكُ الشِّقْصِ كُلِّهِ لِلْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ وَحْدَهُ دُونَ الشُّفْعَةِ، وَإِنْ طَلَبَ نُظِرَ: فَإِنْ طَلَبَ الْكُلَّ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا النِّصْفَ وَإِنْ طَلَبَ النِّصْفَ، وَبَذَلَ لَهُ الْمُشْتَرِي الْكُلَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا أَخَذُ النِّصْفِ كَمَا لَوْ أَخَذَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ الكل بحضوره ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَبَذَلَ لَهُ الْحَاضِرُ الْكُلَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا أَخْذُ النِّصْفِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ شُفْعَتَهُ غَيْرَهُ، وَيُخَالِفَ عَفْوَ أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ عَنْ حَقِّهِ فِي وُجُوبٍ أَخْذِ الْبَاقِي مِنْهُمَا لِلْكُلِّ وَتَرْكِهِ؛ لِأَنَّ الْعَافِيَ لَمْ يَمْلِكْ بِشُفْعَتِهِ مَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ وَالْآخِذَ بِشُفْعَتِهِ قَدْ مَلَكَ مَا مَلَكَهُ غَيْرُهُ.
فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا تَفْرِيقٌ لِصَفْقَتِهِ؟ قِيلَ: إِنَّمَا هُوَ تَفْرِيقٌ لَهَا بِالشُّفْعَةِ دُونَ الْبَيْعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُمْتَنِعٍ كَالشَّفِيعَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا كَانَ لِلشِّقْصِ ثَلَاثَةُ شُفَعَاءَ فَاشْتَرَى اثْنَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ غَابَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَحَضَرَ الشَّفِيعُ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِ فَطَالَبَ الْحَاضِرُ مِنَ المشترين بِالشُّفْعَةِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ النِّصْفِ الَّذِي اشْتَرَاهُ نِصْفَهُ، وَهُوَ الرُّبْعُ لِأَنَّهُمَا شَفِيعَانِ حَضَرَا مِنْ جُمْلَةِ ثَلَاثَةِ غَابَ أَحَدُهُمْ، فَإِذَا حَضَرَ الغائب من المشترين، لَمْ يَخْلُ حَالُهُ وَحَالُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الَّذِي كان حاضراً من أربعة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْفُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عن شفعة صاحبه فليستحق الشَّفِيعُ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنَ الْأَوَّلِ نِصْفَ مَا اشْتَرَاهُ، وَهُوَ الرُّبْعُ، وَأَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي نِصْفَ مَا اشْتَرَاهُ أَيْضًا وَهُوَ الرُّبْعُ، فَيَصِيرُ مَعَهُ نِصْفُ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَتَيْنِ، وَيَبْقَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ الرُّبْعُ بالشراء وحده.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يُطَالِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ الرُّبْعَ بِالشِّرَاءِ لِصَاحِبِهِ بِالشُّفْعَةِ فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ثُلُثَ مَا بِيَدِهِ مِنَ الرُّبْعِ الْبَاقِي، وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ ثُلُثَهُ، وَيَأْخُذُ مِنَ الشَّفِيعِ أَيْضًا ثُلُثَ مَا بِيَدِهِ مِنَ الرُّبُعِ الْمَأْخُوذِ بِالشُّفْعَةِ، وَهُوَ نِصْفُ السُّدْسِ لِأَنَّهُ أَخَذَ ثُلُثَهُ ثُمَّ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ثُلُثَ النِّصْفِ بِالشِّرَاءِ وَهُوَ السُّدْسُ، وَقَدْ أَخَذَ السُّدْسَ بِالشُّفْعَةِ فَيَصِيرُ مَعَهُ الثُّلُثُ وَيَبْقَى مَعَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ السُّدْسُ بِالشِّرَاءِ وَقَدْ أَخَذَ السُّدْسَ بِالشُّفْعَةِ فَيَصِيرُ مَعَهُ الثُّلُثُ وَيَصِيرُ مَعَ الشَّفِيعِ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِ السُّدْسَانِ وَهُوَ الثُّلُثُ بِالشُّفْعَتَيْنِ فَيَصِيرُ الشِّقْصُ بَيْنَهُمَا أثلاثاً.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْفُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي فَيَكُونُ لِلثَّانِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْأَوَّلِ ثُلُثَ الرُّبْعِ الْبَاقِي بِيَدِهِ وَهُوَ نِصْفُ السُّدْسِ ثُمَّ يَأْخُذَ الشَّفِيعُ مِنَ الثَّانِي نِصْفَ النِّصْفِ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَهُوَ الرُّبْعُ فَيَصِيرُ مَعَ الشَّفِيعِ سُدُسُ الرُّبْعِ مَأْخُوذٌ بِالشُّفْعَتَيْنِ وَيَصِيرَ مَعَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي رُبُعٌ وَسُدُسٌ بِالشِّرَاءِ وَالشُّفْعَةِ، فَالرُّبْعُ مَمْلُوكٌ بِالشِّرَاءِ، وَالسُّدْسُ مَأْخُوذٌ بِالشُّفْعَةِ وَيَبْقَى مَعَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ السُّدْسُ بالشراء وحده.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَعْفُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الثَّانِي ثُلُثَ النِّصْفِ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَهُوَ السُّدْسُ، وَيَأْخُذَ الشَّفِيعُ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَبْقَى مَعَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي السُّدْسُ بِالشِّرَاءِ وَحْدَهُ، وَيَصِيرَ مَعَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ رُبُعٌ وَسُدُسٌ بِالشِّرَاءِ وَالشُّفْعَةِ، فَالرُّبْعُ مَمْلُوكٌ بِالشِّرَاءِ، وَالسُّدْسُ مَأْخُوذٌ بِالشُّفْعَةِ وَيَصِيرَ مَعَ الشَّفِيعِ رُبُعٌ، وَسُدُسٌ بِالشُّفْعَتَيْنِ.
فَلَوْ عَفَا الثَّانِي عَنِ الْأَوَّلِ، وَعَفَا الشَّفِيعُ عَنِ الثَّانِي أَخَذَ الْأَوَّلُ مِنَ الثَّانِي الرُّبْعَ بِالشِّرَاءِ وَحْدَهُ، وَيَصِيرُ مَعَ الْأَوَّلِ النِّصْفُ بِالشِّرَاءِ وَالشُّفْعَةِ عَلَى السَّوَاءِ، وَيَصِيرُ مَعَ الشَّفِيعِ الرُّبْعُ وحده بالشفعة الأولى.
مسألة
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً عَمْدًا فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى شِقْصٍ وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ كان للشفيع أخذه بالأرش مِنْ دَارٍ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لا يجب فيها قوداً إِمَّا لِأَنَّهَا خَطَأٌ مَحْضٌ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا خَطَأٌ مَحْضٌ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا خَطَأٌ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِمَّا لأنها عمد ممن لا يجري عليه قوداً كَالْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ وَالْحُرِّ عَلَى عَبْدِهِ فَالْوَاجِبُ فِي الْمُوضِحَةِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا الدِّيَةُ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ أَنْ يَعْلَمَا قَدْرَ الدِّيَةِ أَوْ يَجْهَلَاهُ فَإِنْ جَهِلَاهُ كَانَ الصُّلْحُ بَاطِلًا لِأَنَّ جَهَالَةَ الْبَدَلِ تَقْتَضِي فَسَادَ الْعَقْدِ، وَلَا شُفْعَةَ مَعَ بُطْلَانِ الصُّلْحِ.
وَإِنْ عَلِمَاهُ نُظِرَ فَإِنْ قُدِّرَتْ وَرِقًا أَوْ ذَهَبًا نُظِرَ.
فَإِنْ جَهِلَا تَخْفِيفَهَا فِي الْخَطَأِ أو تغليظهما فِي شِبْهِ الْعَمْدِ بَطَلَ الصُّلْحُ وَالشُّفْعَةُ، وَإِنْ عَلِمَا تَخْفِيفَهَا فِي الْخَطَأِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى دِيَتِهَا وَهُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا، وَخَمْسُونَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا، أَوْ عَلِمَا تَغْلِيظَهَا فِي شِبْهِ الْعَمْدِ بِزِيَادَةِ الثُّلُثِ فِي الْوَرَقِ، وَالذَّهَبِ صَحَّ الصُّلْحُ، وَوَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فِي الشِّقْصِ الْمَأْخُوذِ بِدِيَةِ الْمُوضِحَةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ إِنْ قُدِّرَتْ بِهَا تَخْفِيفًا أَوْ تَغْلِيظًا، أَوْ مِنَ الدَّنَانِيرِ إِنْ قُدِّرَتْ بِهَا تَخْفِيفًا أَوْ تَغْلِيظًا.
وَإِنْ كَانَتِ الدِّيَةُ إِبِلًا وَهِيَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ أَخْمَاسٌ فِي تَخْفِيفِ الْخَطَأِ أَوْ أَثْلَاثٌ فِي تَغْلِيظِ شِبْهِ الْعَمْدِ نُظِرَ: فَإِنْ جَهِلَا قَدْرَهَا أَوْ عَلِمَا الْقَدْرَ وَجَهِلَا وَصْفَهَا، أَوْ عَلِمَا الْقَدْرَ وَالصِّفَةَ وَجَهِلَا جِنْسَهَا لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ مِنْ جِنْسِ إِبِلِ الْجَانِي وَعَاقِلَتِهِ، فَالصُّلْحُ وَالشُّفْعَةُ بَاطِلَانِ.
وَإِنْ عَلِمَا الْقَدْرَ وَالصِّفَةَ وَالْجِنْسَ فَفِي صِحَّةِ الصُّلْحِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصُّلْحَ بَاطِلٌ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْصُوفَةِ الْأَلْوَانِ وَلَا مَضْبُوطَةٍ فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَا بَدَلًا فِي عَقْدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصُّلْحَ جَائِزٌ وَالشُّفْعَةَ فِيهِ وَاجِبَةٌ لِثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ عَلَى صِفَةٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا وَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهَا فِي أَقَلِّ أَوْصَافِهَا الَّتِي تُوجِبُ قَبُولَهَا فَلَا يُقَوَّمُ سِمَانُهَا وَخِيَارُهَا، لِأَنَّ الْجَانِيَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا وَلَا يُقَوَّمُ مهازيلها ومعيبها، لأن المجني علي لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي فِي الْأَصْلِ: أَنْ تَكُونَ الْمُوضِحَةُ مُوجِبَةً لِلْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ فَيُصَالِحَهُ مِنَ الْقَوَدِ عَلَى شِقْصٍ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ مِنْ قَوَدٍ، أَوْ عَقْلٍ فَالْكَلَامُ فِيهِ على ما مضى من علمها بِقَدْرِ الدِّيَةِ أَوْ جَهْلِهِمَا بِهِ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ تُوجِبُ الْقَوَدَ وَحْدَهُ صَحَّ الصُّلْحُ مِنْهُ عَلَى الشِّقْصِ الْمَأْخُوذِ عَنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِقَدْرِ الدِّيَةِ، وَالْجَهْلِ بِهِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ عن القود المصالح الَّذِي يَصِحُّ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْهُ ثُمَّ لِلشَّفِيعِ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْخُذَهُ بِبَدَلِ الْقَوَدِ مِنَ الدِّيَةِ فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الدِّيَةِ عَيَّنَهُ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ فِي أَخْذِ أَجْنَاسِهَا مُغَلَّظَةً فِي الْعَمْدِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا حَضَرَ رَجُلٌ مَغْنَمًا فَأَعْطَاهُ الْإِمَامُ لِحُضُورِهِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ، وَطَالَبَهُ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَخْلُ حَاضِرُ الْمَغْنَمِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَهُ بِرَضْخٍ أَوْ سَهْمٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ رَضْخًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الرَّضْخَ بِحُضُورِهِ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَاتِ، وَإِنْ أَخَذَهُ بِسَهْمٍ مُسْتَحَقٍّ فَفِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا شُفْعَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الْغَنَائِمَ مُسْتَفَادَةٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَأَشْبَهَتْ إِحْيَاءَ الْمَوَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشُّفْعَةَ فِيهِ ثَابِتَةٌ، لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَاضَهُ عَنْ حُضُورٍ وَعَمَلٍ فَأَشْبَهَ الْعِوَضَ فِي الْإِجَارَاتِ فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقَدْرِ سَهْمِهِ مِنَ المغنم.
مسألة
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوِ اشْتَرَى ذميٌّ مِنْ ذميٍّ شِقْصًا بخمرٍ أَوْ خنزيرٍ وَتَقَابَضَا ثُمَّ قَامَ الشفيع وكان نَصْرَانِيًّا أَوْ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَ وَلَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا فسواءٌ لَا شُفْعَةَ لَهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا قِيمَةَ لَهُمَا عِنْدَهُ بحالٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَبَايَعَ الذِّمِّيَّانِ شِقْصًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَتَقَابَضَا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِمُسْلِمٍ وَلَا ذِمِّيٍّ وَقَالَ أبو حنيفة: الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلْمُسْلِمِ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ: وَالذِّمِّيُّ مِثْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ لِلْخَمْرِ ثَمَنًا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، وَغُرْمًا فِي اسْتِهْلَاكِهِ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ، وَدَلِيلُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ تَحْرِيمِ ثَمَنِهِ وَسُقُوطِ غُرْمِهِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، وَالْمُسْلِمِ عَلَى السَّوَاءِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ لَوْ عَقَدَهُ مُسْلِمٌ سَقَطَتْ فِيهِ الشفعة وجب إذا عقده ذمي أن يسقط فِيهِ الشُّفْعَةُ فَكَمَا لَوْ عَقَدَهُ بِمَيْتَةٍ، أَوْ دَمٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ فِي عَقْدِهِ بِالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ فِي عَقْدِهِ بالخمر والخنزير كالمسلم.
مسألة
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي الشُّفْعَةِ سواءٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ كَوُجُوبِهَا لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَتَجِبُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الذِّمِّيِّ كَوُجُوبِهَا لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ كَوُجُوبِهَا لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا شُفْعَةَ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 141) وَرُوِيَ عَنِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا شُفْعَةَ للذميِّ عَلَى الْمُسْلِمِ " وَلِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ مِنْ إِحْيَاءِ الذي لِلْمَوَاتِ فَأَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ الْإِسْلَامُ مِنْ شُفْعَةِ الذِّمِّيِّ فِي الْأَمْلَاكِ.
وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ " وَلِأَنَّ مَا جَازَ أَنْ يُمَلَّكَ بِهِ الْمُسْلِمُ مِنْ
الْمُعَاوَضَاتِ جَازَ أَنْ يُمَلَّكَ بِهِ الذِّمِّيُّ كَالْبِيَاعَاتِ، وَلِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بِالْبَيْعِ مَلَكَ بِالشُّفْعَةِ كَالْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمَوْضُوعَةَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فِي الْعُقُودِ يَسْتَوِي فِيهَا الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالشِّرْكِ مِنْ إِزَالَةِ الْمِلْكِ اسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ قِيَاسًا عَلَى عِتْقِ الذِّمِّيِّ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 141) فَهُوَ أَنَّ هَذَا السَّبِيلَ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ لَا عَلَى الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ رِوَايَتِهِمْ فِي أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ مَعَ وَهَانِهِ فَهُوَ أَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ إِذَا قَالَ بَعْدَ إِمْسَاكِهِ عَنِ الطَّلَبِ لَمْ أَعْلَمْ بِهَا لَكُمْ شَرْعًا، وَلَيْسَتْ فِي دِينِنَا شَرْعًا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَشْفَعَ فِي الْأَمَانِ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَمُنِعَ وَالشُّفْعَةُ مَأْخُوذَةٌ بِبَدَلٍ مُمْكِنٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: حُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا شُفْعَةَ لِبَدَوِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ، وَحُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ عَلَى حَاضِرٍ وَفِيمَا مَضَى دَلِيلٌ مُقْنِعٌ، وَقَالَ أبو حنيفة لَا شُفْعَةَ فِي دُورِ مَكَّةَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَتُسْتَحِقُّ شُفْعَتُهَا، وَدَلِيلُ بَيْعِهَا مَاضٍ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَالشُّفْعَةِ بناء عليه والله أعلم.
قال المزني رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا شُفْعَةَ فِي عبدٍ وَلَا أمةٍ ولا دابةٍ مَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَسْمُ هَذَا كُلُّهُ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَعْنَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شُفْعَةَ فِي مَنْقُولٍ مِنْ حَيَوَانٍ، أَوْ عُرُوضٍ.
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مُشْتَرَكٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الشَّرِيكُ شفيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شيءٍ " وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " فِي الْعَبْدِ الشُّفْعَةُ " وَلِأَنَّهَا شَرِكَةٌ يَدْخُلُ بِهَا مَضَرَّةٌ فَوَجَبَ الشُّفْعَةُ فِيهَا كَالْأَرَضِينَ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ ".
فَأَثْبَتَهَا فِي الْمُشَاعِ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الْحُدُودُ وَتُصْرَفُ عَنْهُ الطُّرُقُ بِالْقِسْمَةِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ
إِلَّا فِي الْأَرْضِ، وَالْعَقَارِ فَدَلَّ عَلَى انْتِفَائِهَا عَمَّا سِوَى الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ.
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي ربعةٍ أَوْ حائطٍ " فَأَثْبَتَ جِنْسَ الشُّفْعَةِ فِي الرَّبْعِ وَالْحَائِطِ، وَنَفَاهَا عَمَّا سِوَى الرَّبْعِ وَالْحَائِطِ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ إما أن يكون للخوف من مؤونة الْقَسْمِ، وَالْحَيَوَانُ مِمَّا لَا يُقْسَمُ، أَوْ يَكُونَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُسْتَدَامِ لِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَهَذَا ضَرَرٌ لَا يَسْتَدِيمُ وَفِيهِ انْفِصَالٌ، فَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَمَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ انْقِطَاعٍ فِي إِسْنَادِهِ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَلَى أَنَّهُ يُحْمَلُ قَوْلُهُ الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعَقَارِ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ رِوَايَتِهِمْ فِي الْعَبْدِ شُفْعَةٌ فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الشُّفْعَةِ فِي الْعَبْدِ إِذَا كَانَ ثَمَنًا فِي أَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ وَلَا يَكُونُ ابْتِيَاعُ ذَلِكَ بِالْعَبْدِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب.
مختصر القراض إملاء وما دخل في ذلك من كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَيَّرَ رِبْحَ ابْنَيْهِ فِي الْمَالِ الَّذِي تَسَلَّفَاهُ بِالْعِرَاقِ فَرَبِحَا فِيهِ بِالْمَدِينَةِ فَجَعَلَهُ قِرَاضًا عِنْدَمَا قَالَ لَهُ رجلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا فَفَعَلَ وَأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَفَعَ مَالًا قِرَاضًا فِي النِّصْفِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاضَ وَالْمُضَارَبَةَ اسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ، فَالْقِرَاضُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْمُضَارَبَةُ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَفِي تَسْمِيَتِهِ قِرَاضًا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ تَأْوِيلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَدْ قَطَعَهُ مِنْ مَالِهِ وَالْقَطْعُ يُسَمَّى قِرَاضًا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ سَلَفُ الْمَالِ قَرْضًا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمُقْرِضُ مِقْرَاضًا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ، وقبل قرض الفار لأنه قطع الفار.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ تَأْوِيلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ سُمِّيَ قِرَاضًا لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صُنْعًا كَصُنْعِ صَاحِبِهِ فِي بَذْلِ الْمَالِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَوُجُودِ الْعَمَلِ مِنَ الْآخَرِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ تَقَارَضَ الشَّاعِرَانِ إِذَا تَنَاشَدَا.
وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ فَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَضْرِبُ فِي الرِّبْحِ بِسَهْمٍ، وَالثَّانِي أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ فلان يصرف الأمور ظهر البطن، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ) {النساء: 101) أَيْ تَفَرَّقْتُمْ فِيهَا بِالسَّفَرِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ، وَيُشَارِكُ فِي الْأَوَّلِ الْبَغْدَادِيُّونَ وَبَاقِي الْبَصْرِيِّينَ.
فَصْلٌ
: وَالْأَصْلُ فِي إِحْلَالِ الْقِرَاضِ وَإِبَاحَتِهِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) {البقرة: 198) وَفِي الْقِرَاضِ ابْتِغَاءُ فَضْلٍ وَطَلَبِ نَمَاءٍ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بعضٍ " وَفِي الْقِرَاضِ رِزْقُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ ضَارَبَ لِخَدِيجَةَ بِأَمْوَالِهَا إِلَى الشَّامِ وَأَنْفَذَتْ مَعَهُ خَدِيجَةُ عَبْدًا
لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةُ، وَرَوَى أَبُو الْجَارُودِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ الْعَبَّاسُ إِذَا دَفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً اشْتَرَطَ عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ بَحْرًا، وَلَا يَنْزِلَ بِهِ وَادِيًا، وَلَا يَشْتَرِيَ بِهِ ذَاتَ كبدٍ رطبةٍ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضامنٌ فَرَفَعَ شَرْطَهُ إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَجَازَهُ.
وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عبد الله وَعُبَيْدَ اللَّهِ ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَدِمَا فِي جَيْشِ الْعِرَاقِ وَقَدْ تَسَلَّفَا مِنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَالًا اشْتَرَيَا بِهِ مَتَاعًا فَرَبِحَا فِيهِ بِالْمَدِينَةِ رِبْحًا كَثِيرًا فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ: أَكُلُّ الْجَيْشِ تَسَلَّفَ مِثْلَ هذا؟ فقال: لَا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَأَنِّي بِكُمَا وَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى إِنَّكُمَا ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ، رُدَّا الْمَالَ وَالرِّبْحَ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ تَلِفَ الْمَالُ أَكُنَّا نُضَّمَنُهُ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَرِبْحُهُ لَنَا إِذَنْ، فَتَوَقَّفَ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي فِي مُشَاطَرَتِهِمَا عَلَى الرِّبْحِ كَمُشَاطَرَتِهِ فِي الْقِرَاضِ فَفَعَلَ.
وَعَلَى هَذَا الْأَثَرِ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ لِاشْتِهَارِهِ وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ لَهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ قَوْلُ الْجَلِيسِ لَوْ جَعَلْتَهُ قراضاً وإقرار عمر له صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ فَكَانَا مَعًا دَلِيلَيْنِ عَلَى صِحَّةِ الْقِرَاضِ، وَلَوْ عَلِمَ عُمَرُ فَسَادَهُ لَرَدَّ قَوْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ مَا فَعَلَهُ مَعَهُمَا قِرَاضًا لَا صَحِيحًا وَلَا فَاسِدًا، وَلَكِنِ اسْتَطَابَا طَهَارَةَ أَنْفُسِهِمَا بِمَا أَخَذَهُ مِنْ رِبْحِهِمَا لِاسْتِرَابَتِهِ بِالْحَالِ واتهامه أنا مُوسَى بِالْمَيْلِ لِأَنَّهُمَا ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَمْرُ الَّذِي يَنْفِرُ مِنْهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَتَأْبَاهُ طَبِيعَةُ الْإِسْلَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ أَجْرَى عَلَيْهِ فِي الرِّبْحِ حُكْمَ الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَالِ عَقْدٌ يَصِحُّ حَمْلُهُمَا عَلَيْهِ فَأَخَذَ مِنْهُمَا جَمِيعَ الرِّبْحِ وَعَاوَضَهُمَا عَلَى الْعَمَلِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَقَدَّرَهُ بِنِصْفِ الرِّبْحِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِمَا أُجْرَةً، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجْرَى عَلَيْهِمَا فِي الرِّبْحِ حُكْمَ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَعَهُمَا عَقْدٌ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ فَاتَّسَعَ حُكْمُهُ عَنِ الْعُقُودِ الْخَاصَّةِ، فَلَمَّا رَأَى الْمَالَ لِغَيْرِهِمَا، وَالْعَمَلَ مِنْهُمَا وَلَمْ يَرَهُمَا مُتَعَدِّيَيْنِ فِيهِ جَعَلَ ذَلِكَ عَقْدَ قراض صحيح،
وَهَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ مَعًا دَلِيلًا مَعَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ دَفَعَ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ.
ثُمَّ دَلِيلُ جَوَازِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا جَاءَتِ السُّنَّةُ بِالْمُسَاقَاةِ وَهِيَ عَمَلٌ فِي مَحَلٍّ يَسْتَوْجِبُ بِهِ شَطْرَ ثَمَرِهَا اقْتَضَى جواز القرض بِالْمَالِ لِيَعْمَلَ فِيهِ بِهِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ، فَكَانَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْقِرَاضِ، وَكَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ الْقِرَاضِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ، وَلِأَنَّ فِيهِمَا رِفْقًا بَيْنَ عَجْزٍ عَنِ التَّصَرُّفِ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَمَعُونَةٍ لِمَنْ عُدِمَ الْمَالَ مِنْ ذَوِي الْأَعْمَالِ لِمَا يَعُودُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ مِنْ رِبْحِهِمَا.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْقَرْضِ فَهُوَ عَقْدُ مَعُونَةٍ وَإِرْفَاقٍ يَجُوزُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَا أَقَامَا عَلَيْهِ مُخْتَارَيْنِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُمَا وَيَجُوزُ فَسْخُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
وَصِحَّةُ عَقْدِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِالْمَالِ وَالثَّانِي انْفِرَادُ الْآخَرِ بِالْعَمَلِ وَالثَّالِثُ الْعِلْمُ بِنَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الرِّبْحِ وَقَدْ يَتَفَرَّعُ عَنْ كُلِّ شَرْطٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فُرُوعٌ نَسْتَوْفِيهَا في موضعها.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إِلَّا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ أَثْمَانٌ لِلْأَشْيَاءِ وَقِيَمِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
لَا يَصِحُّ الْقِرَاضُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ دُونَ الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى جَوَازُ الْقِرَاضِ بِالْعُرُوضِ لِأَنَّهَا مَالٌ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ صَحَّ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ صَحَّ بِالْعُرُوضِ كَالْبَيْعِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْقِرَاضَ مَشْرُوطٌ بِرَدِّ رَأْسِ الْمَالِ وَاقْتِسَامِ الرِّبْحِ وَعَقْدَهُ بِالْعُرُوضِ يَمْنَعُ مِنْ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، أَمَّا رَدُّ رَأْسِ الْمَالِ فَلِأَنَّ فِي الْعُرُوضِ مَا لَا مِثْلَ لَهَا فَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهَا، وَأَمَّا الرِّبْحُ فَقَدْ يُفْضِي إِلَى اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِهِ دُونَ الْآخَرِ لِأَنَّهُ إِنْ زَادَ خَيَّرَهُ الْعَامِلُ بِالرِّبْحِ فَاخْتُصَّ بِهِ رَبُّ الْمَالِ، وَإِنْ نَقَصَ أَخَذَ الْعَامِلُ شَطْرَ فَاضِلِهِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ.
وَهَذِهِ أُمُورٌ يَمْنَعُ الْقِرَاضُ مِنْهَا فَوَجَبَ أَنْ يمنع ما أَدَّى إِلَيْهَا وَلِأَنَّ مَا نَافَى مُوجَبَ الْقِرَاضِ مُنِعَ مِنْ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَيْهِ الْقِرَاضُ كَالْمَنَافِعِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَهُوَ أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ مُوجَبَ الْقِرَاضِ وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْبَيْعِ فَالْمَعْنَى مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِيهِ رَدُّ مِثْلٍ، وَلَا قِسْمَةُ رِبْحٍ فَجَازَ بِكُلِّ مَالٍ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِمَا كَانَ مِنْهَا مَضْرُوبًا لَا غِشَّ فِيهِ، فَإِنْ قَارَضَ بِالنِّقَارِ وَالسَّبَائِكِ لَمْ يَجُزْ وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة، وَإِنْ قَارَضَ بِالْوَرِقِ الْمَغْشُوشِ لَمْ يَجُزْ.
وَقَالَ أبو حنيفة يَجُوزُ إِذَا كَانَ أَكْثَرُهَا فِضَّةً اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الْأَغْلَبِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ غِشَّ الْفِضَّةِ بِالنُّحَاسِ لَوْ تَمَيَّزَ عَنْهَا لَمْ يَجُزْ بِهِ الْقِرَاضُ، فَإِذَا خَالَطَهَا لَمْ يَجُزْ بِهِ الْقِرَاضُ كَالْحَرَامِ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ تَخْلُصْ فِضَّتُهُ لَمْ تَجُزْ مُفَاوَضَتُهُ كَالْكَثِيرِ الْغِشِّ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِضُرُوبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْخَالِصَةِ مِنْ غِشٍّ فإن قيل فَمِنْ شَرْطِهِمَا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ عِنْدَ عَقْدِ الْقِرَاضِ بِهَا، فَإِنْ تَقَارَضَا عَلَى مَالٍ لَا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ كَانَ الْقِرَاضُ بَاطِلًا لِلْجَهْلِ بِمَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَا قَدْرَهُ وَجَهِلَا صِفَتَهُ بَطَلَ الْقِرَاضُ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَةِ كَالْجَهْلِ بِالْقَدْرِ فِي بُطْلَانِ الْعَقْدِ.
فَلَوْ عُقِدَ الْقِرَاضُ عَلَى أَلْفٍ مِنْ أَنْوَاعٍ شَتَّى فَإِنْ عَلِمَا كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ جَهِلَاهُ بَطَلَ، فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُقَارِضَ بِأَيِّ الْأَلْفَيْنِ شَاءَ وَيَسْتَوْدِعَ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِالْقِرَاضِ هَلْ عُقِدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِأَلْفِ دِينَارٍ؟
فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ كِيسَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الْأَلْفَيْنِ قِرَاضًا، وَالْأُخْرَى وَدِيعَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ وَيَكُونُ قِرَاضًا صَحِيحًا لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مَعْلُومَةٍ لِتَسَاوِي الْأَلْفَيْنِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِلْجَهْلِ بِمَالِ الْقِرَاضِ مِنْ مَالِ الْوَدِيعَةِ، وَلَكِنْ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا وَأَلْفًا عَلَى أَنَّ لَهُ مِنْ رِبْحِ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ النِّصْفَ، وَمِنْ رِبْحِ الْآخَرِ الثُّلُثَ، فَإِنْ عَيَّنَ الْأَلْفَ الَّتِي شَرَطَ لَهُ نِصْفَ رِبْحِهَا مِنَ الْأَلْفِ الَّتِي شَرَطَ لَهُ ثُلُثَ رِبْحِهَا جَازَ وكانا عقدين، وإن لم يعين له يَجُزْ لِلْجَهْلِ بِمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَقْدَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَلَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ مَالُ الْقِرَاضِ دَرَاهِمَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِدَنَانِيرَ، وَلَا إِذَا كَانَ دَنَانِيرَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِدَرَاهِمَ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بِغَيْرِ مَالِ الْقِرَاضِ خَارِجٌ عَنِ الْقِرَاضِ، وَيَكُونُ الشِّرَاءُ لِلْعَامِلِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ دَرَاهِمَ وَكَانَ الشِّرَاءُ بِالدَّنَانِيرِ أَوْفَقَ أَنْ يَبِيعَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ ثُمَّ يَشْتَرِيَ حِينَئِذٍ بِالدَّنَانِيرِ، وَهَكَذَا إِذَا كَانَ مَالُ الْقِرَاضِ دَنَانِيرَ وَكَانَ الشِّرَاءُ بِالدَّرَاهِمِ أَوْفَقَ بَاعَ الدَّنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ فِي يَدِ رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَقَارَضَهُ عَلَيْهَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ قَدْرَهَا وَصِفَتَهَا جَازَ، وَلَوْ كَانَا يَجْهَلَانِ الْقَدْرَ أَوِ الصِّفَةَ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ قَالَ لَهُ قَدْ قَارَضْتُكَ عَلَى أَلْفٍ مِنْ دَيْنِيِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ فَاقْبِضْهَا مِنْهُ قِرَاضًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ قِرَاضٌ عَلَى مَالٍ غائب، فإن
قَبَضَهَا وَاتَّجَرَ بِهَا صَحَّ الْقَبْضُ لِأَنَّهُ وَكَّلَ فِيهِ وَكَانَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ لِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ لِحُدُوثِهِمَا عَنْ مِلْكِهِ فِي قِرَاضٍ فَاسِدٍ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى الْعَامِلِ دَيْنٌ فَقَالَ لَهُ قَدْ جَعَلْتُ أَلْفًا مِنْ دَيْنِي عَلَيْكَ قِرَاضًا فِي يَدِكَ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيلًا بِأَنَّهُ قِرَاضٌ عَلَى مَالٍ غَائِبٍ، وَفِيمَا حَصَلَ فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ أَوِ الْخُسْرَانِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ تَخْرِيجًا: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ كَالْحَادِثِ عَنْ مُقَارَضَتِهِ مِنْ دَيْنٍ عَلَى غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْعَامِلِ مِنَ الدَّيْنِ إِذَا اتَّجَرَ بِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الرِّبْحَ وَالْخُسْرَانَ لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ دَيْنُ رَبِّ الْمَالِ، وَلَا يَبْرَأُ بِالتِّجَارَةِ مِنْ دَيْنِ رَبِّ الْمَالِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّ قَبْضَهُ مِنْ غَيْرِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ وَكَيْلٌ فِيهِ لِرَبِّ الْمَالِ فَعَادَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِحُدُوثِهِمَا عَنْ مِلْكِهِ، وَقَبْضَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُبَرِّئًا لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ فَعَادَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَيْهِ دُونَ رَبِّ الْمَالِ لِحُدُوثِهِمَا عَنْ مِلْكِهِ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ يَعُودُ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى مَنْ لَهُ الْمَالُ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا غَصَبَهُ أَلْفًا ثُمَّ قَارَضَهُ عَلَيْهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ استهلكهما بِالْغَصْبِ فَقَدْ صَارَتْ بِالِاسْتِهْلَاكِ دَيْنًا فَيَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً على ضربين:
أحدهما: أن مقارضه عليها بَعْدَ إِبْرَائِهِ مِنْ ضَمَانِهَا فَيَجُوزُ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ وَدِيعَةً.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُقَارِضَهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِإِبْرَائِهِ مِنْهَا فَفِي الْقِرَاضِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ، وَمَا حَصَلَ فِيهَا مِنْ رِبْحٍ وَخُسْرَانٍ فَلِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقِرَاضَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ قِرَاضٌ عَلَى مَالٍ حَاضِرٍ كَمَا لَوْ بَاعَهَا عَلَيْهِ أَوْ رَهَنَهَا مِنْهُ، وَفِي بَرَاءَتِهِ مِنْ ضَمَانِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهَا لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُؤْتَمَنًا عَلَيْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِهَا كَمَا لَا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِ مَا ارْتَهَنَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا بِعَقْدِ الْقِرَاضِ فَضَمَانُهَا بَاقٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهَا بِدَفْعِهَا فِي ثَمَنِ مَا ابْتَاعَهُ بِهَا بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهَا إِنْ عَاقَدَ عَلَيْهَا بِأَعْيَانِهَا، وَلَمْ يَبْرَأْ إِنْ عَاقَدَ بِهَا فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهَا فِي التَّعْيِينِ مَدْفُوعَةٌ إِلَى مُسْتَحِقِّهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا فَصَارَتْ كَرَدِّهَا عَلَيْهِ، وَفِيمَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ يَكُونُ مُبَرِّئًا لِنَفْسِهِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ عوضاً وَأَمَرَهُ بِبَيْعِهِ وَالْمُضَارَبَةِ بِثَمَنِهِ لَمْ يَجُزْ لِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: جَهَالَةُ ثَمَنِهِ، وَالْقِرَاضُ بِالْمَالِ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِيَةُ: عَقْدُهُ بِالصِّفَةِ وَالْقِرَاضُ بِالصِّفَاتِ بَاطِلٌ، فَإِنْ بَاعَهُ الْعَامِلُ كَانَ بَيْعُهُ جَائْزًا لِصِحَّةِ الْإِذْنِ فِيهِ، وَإِنِ اتَّجَرَ بِهِ كَانَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ لِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ لِحُدُوثِهِمَا عَنْ مِلْكِهِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي عَمَلِ الْقِرَاضِ دُونَ بَيْعِ الْعَرَضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِي بَيْعِ الْعَرَضِ جُعْلًا، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ فِي عَمَلِ الْقِرَاضِ رِبْحًا فَصَارَ مُتَطَوِّعًا بِالْبَيْعِ مُعْتَاضًا عَلَى الْقِرَاضِ، وَلَوْ قَالَ خُذْ مِنْ وَكِيلِي أَلْفَ درهم فضارب بها لم يجز لعلة واحدة، وَهُوَ أَنَّهُ قِرَاضٌ بِصِفَةٍ، وَمَا حَصَلَ مِنْ رِبْحٍ وَخُسْرَانٍ فَلِرَبِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا دَفَعَ إِلَى صَيَّادٍ شَبَكَةً لِيَصِيدَ بِهَا وَيَكُونَ الصَّيْدُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ الصَّيْدُ لِلصَّيَّادِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الشَّبَكَةِ، وَلَوْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَاشِيَةً لِيُعْلِفَهَا مُمْسِكًا لِرِقَابِهَا، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا يَدُرُّ مِنْ دُرِّهَا وَنَسْلِهَا لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، فَأَمَّا الْمَعْلُوفَةُ فَإِنْ كَانَتْ رَاعِيَةً لَمْ يَرْجِعْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً يَرْجِعُ بِثَمَنِهَا مَعَ أُجْرَتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ صَيْدِ الشَّبَكَةِ وَنِتَاجِ الْمَاشِيَةِ، أَنَّ حُدُوثَ النِّتَاجِ مِنْ أَعْيَانِهَا فَكَانَ لِمَالِكِهَا دُونَ عَالِفِهَا، وَحُصُولَ الصَّيْدِ بِفِعْلِ الصَّيَّادِ فَكَانَ لَهُ دُونَ مَالِكِ الشَّبَكَةِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ دَفَعَ سَفِينَةً إِلَى مَلَّاحٍ لِيَعْمَلَ فِيهَا بِنِصْفِ كَسْبِهَا لَمْ يَجُزْ وَكَانَ الْكَسْبُ لِلْمَلَّاحِ لِأَنَّهُ بِعَمَلِهِ، وَعَلَيْهِ لِمَالِكِ السَّفِينَةِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ دَفَعَ إِلَى نَسَّاجٍ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ وَيَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي فَضْلِ ثَمَنِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَتْ مُعَامَلَةً فَاسِدَةً، وَالثَّوْبُ لِصَاحِبِ الْغَزْلِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ لِلْغَزْلِ لِتَكُونَ أَجْرَتُهُ نِصْفَ ثَمَنِهِ كَانَتْ إِجَارَةً فَاسِدَةً، وله أجرة مثله.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ قَارَضَهُ وَجَعَلَ رَبُّ الْمَالِ مَعَهُ غُلَامَهُ وَشَرَطَ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِلِ وَالْغُلَامِ أَثْلَاثًا فَهُوَ جائزٌ وَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَانِ وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ قَارَضَ رَجُلًا بِمَالٍ عَلَى أَنَّ ثُلُثَ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَثُلُثَهُ لِغُلَامِهِ وَالثُّلُثَ الْبَاقِي لِلْعَامِلِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَشْتَرِطَ عَمَلَ الْغُلَامِ مَعَ الْعَامِلِ فَهَذَا قِرَاضٌ جَائِزٌ لِأَنَّ مَالَ غُلَامِهِ لَهُ إِذِ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَصَارَ كَأَنَّهُ شَرَطَ ثُلُثَيِ الرِّبْحِ لِنَفْسِهِ وَالثُّلُثَ الْبَاقِي لِلْعَامِلِ ثُمَّ جَعَلَ نِصْفَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ رِبْحٍ مَصْرُوفًا إِلَى نَفَقَةِ غُلَامِهِ فَيَكُونُ فِيهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَيْهِ أَوْ يَحْبِسَهَا عَنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُشْتَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ مَعَ الْعَامِلِ فَفِي الْقِرَاضِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ لِأَنَّ عَمَلَ غُلَامِهِ كَعَمَلِهِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَ الْعَامِلِ بِنَفْسِهِ بَطَلَ الْقِرَاضُ كَذَلِكَ إِذَا شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِرَاضَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْغُلَامَ مَالٌ فَصَارَ اشْتِرَاطُ عَمَلِ الْغُلَامِ مَعَهُ كَاشْتِرَاطِهِ أَنْ يُعَاوِنَهُ بِمَالِهِ أَوْ دَارِهِ أَوْ حِمَارِهِ ثُمَّ يَحْصُلَ لَهُ ثُلُثَا الرِّبْحِ وَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِلْعَامِلِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِنْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ ثُلُثَ الرِّبْحِ لِنَفْسِهِ وَثُلُثَهُ لِأَبِيهِ أَوْ زَوْجَتِهِ وَثُلُثَهُ لِلْعَامِلِ فَالْقِرَاضُ بَاطِلٌ سَوَاءٌ شَرَطَ عَمَلَ أَبِيهِ أَوْ زَوْجَتِهِ مَعَهُ أَوْ لَا، لِأَنَّ أَبَاهُ وَزَوْجَتَهُ يَمْلِكَانِ وَلَا حَقَّ لَهُمَا فِي رِبْحِ مَالِ الْقِرَاضِ فَخَالَفَ حَالَ الْعَبْدِ الَّذِي يَرْجِعُ مَا شَرَطَهُ لَهُ إِلَى سَيِّدِهِ.
فَلَوْ تَصَادَقَا أَنَّ مَا شَرَطَ لِأَبِي رَبِّ الْمَالِ أَوْ زَوْجَتِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ الِاسْمِيَّةِ صَحَّ الْقِرَاضُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فَادَّعَى أَحَدُهُمَا اسْتِعَارَةً لِيَصِحَّ الْقِرَاضُ، وَادَّعَى الْآخَرُ التَّمْلِيكَ لِيَبْطُلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى التَّمْلِيكَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَيَكُونُ الْقِرَاضُ بَاطِلًا إِنْ حَلَفَ.
وَلَكِنْ لَوْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ لِنَفْسِهِ ثُلُثَيِ الرِّبْحِ لِيَدْفَعَ مِنْهُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ زَوْجَتِهِ الثُّلُثَ وَالْبَاقِيَ لِلْعَامِلِ صَحَّ الْقِرَاضُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ مَا شَرَطَهُ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ إِلَى مَنْ شَرَطَهُ لَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ، وَمِثَالُ ذَلِكَ فِي الصَّدَاقِ أَنْ يُصْدِقَهَا أَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَى أَبِيهَا أَلْفًا مِنْهَا كَانَ الصَّدَاقُ جَائِزًا، وَلَا يَلْزَمُهَا دَفْعُ الْأَلْفِ إِلَى أَبِيهَا.
وَمِثَالُ الْأُولَى: أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ أَبَاهَا أَلْفًا أُخْرَى كَانَ الصَّدَاقُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ الصَّدَاقِ مَا لَا يلزمه بدله.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَهُ إِلَى مدةٍ مِنَ الْمُدَدِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقِرَاضَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ عَقْدُهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ مُدَّةٍ يَلْزَمُ فِيهَا، فَلَوْ شَرَطَا مُدَّةً يَكُونُ الْقِرَاضُ فِيهَا لَازِمًا بَطَلَ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَصِحُّ.
وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ يَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ الْمُدَّةِ كَالشَّرِكَةِ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مُطْلَقًا فَبَطَلَ مُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَاشْتِرَاطُ الْمُدَّةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَا لُزُومَ الْعَقْدِ فِيهَا فَيَكُونُ الْقِرَاضُ بَاطِلًا لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا الْفَسْخَ فِي الْعَقْدِ بَعْدَهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَا فَسْخَ الْقِرَاضِ بَعْدَ الْمُدَّةِ فِي البيع والشراء، فيكون القراض باطلاً لمنافاته مُوجَبُ الْعَقْدِ فِي بَيْعِ مَا حَصَلَ فِي الْقِرَاضِ مِنْ عِوَضٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا فَسْخَ الْقِرَاضِ بَعْدَ الْمُدَّةِ فِي الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ فَيَكُونُ الْقِرَاضُ جَائِزًا، لِأَنَّ لَهُ فَسْخُ الْقِرَاضِ فِي الشِّرَاءِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ قِرَاضًا مَا شِئْتُ أَنَا مِنَ الزَّمَانِ أَوْ مَا شِئْتَ أَنْتَ جَازَ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ تَكُونُ الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ.
وَلَوْ قَالَ خُذْهُ مَا رَضِيَ فُلَانٌ مَقَامَكَ أَوْ مَا شَاءَ فُلَانٌ أَنْ يُقَارِضَكَ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ قِرَاضًا فَاسِدًا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِرَاضًا مَوْقُوفًا عَلَى رَأْيِ غَيْرِهِمَا.
وَلَوْ قَالَ خُذِ الْمَالَ قِرَاضًا مَا أَقَامَ الْعَسْكَرُ أَوْ إِلَى قُدُومِ الْحَاجِّ نُظِرَ: فَإِنْ شَرَطَ لُزُومَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ بَاطِلًا، وَإِنْ شَرَطَ فَسْخَهُ بَعْدَهَا فِي الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِمَا لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ قِسْطًا مِنَ الْغَرَرِ وَتَأْثِيرًا فِي الْفَسْخِ.
فَصْلٌ
: وَلَوْ قَالَ خُذِ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى أَنْ لَا تَبِيعَ وَلَا تَشْتَرِيَ إِلَّا عَنْ رَأْيِي أَوْ بِمُطَالَعَتِي لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيقَاعِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ.
وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ لَا تتجر إلا في البرد دُونَ غَيْرِهِ أَوِ الْحِنْطَةِ دُونَ غَيْرِهَا جَازَ لأن لَهُ أَنْ يَخُصَّ الْأَنْوَاعَ وَيَعُمَّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ الْحَجْرَ فِيمَا قَدْ خَصَّ أَوْ عَمَّ.
وَلَوْ قَالَ خُذِ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى أَنْ يَكُونَ بِيَدِي أَوْ مَعَ وَكِيلِي وَأَنْتِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِرَاضَ بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيقَاعِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ فِي الْعُقُودِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَوْثِقَ بِغَيْرِهِ فِي حِفْظِ الْمَالِ.
فَأَمَّا إِنْ جَعَلَ عَلَيْهِ مُشْرِفًا نُظِرَ: فَإِنْ رَدَّ إِلَى الْمُشْرِفِ تَدْبِيرًا أَوْ عَمَلًا فَسَدَ الْقِرَاضُ، لِأَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّ رَدَّ إِلَيْهِ مُشَارَفَةَ عُقُودِهِ وَمُطَالَعَةَ عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ تَدْبِيرِ وَلَا عَمَلٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ كَمَا مَضَى لِأَنَّهُ حَافِظٌ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا دِرْهَمًا عَلَى صَاحِبِهِ وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا أَوْ يَشْتَرِطُ أَنْ يُوَلِّيَهُ سِلْعَةً أَوْ عَلَى أَنْ يَرْتَفِقَ أَحَدُهُمَا فِي ذَلِكَ بشيءٍ دُونَ صَاحِبِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ مُوجِبٌ لِاشْتِرَاكِ رَبِّ الْمَالِ، وَالْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّ الْمَالَ وَالْعَمَلَ مُتَقَابِلَانِ، فَرَأْسُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ الْعَامِلِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الرِّبْحِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا مَعَ تَسَاوِيهِمَا.
وَإِذَا مُنِعَا مِنَ اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالرِّبْحِ دُونَ الْآخَرِ وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَا مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالرِّبْحِ دُونَ الْآخَرِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ مِنَ الرِّبْحِ دِرْهَمًا مَعْلُومًا وَالْبَاقِيَ لِصَاحِبِهِ أَوْ بَيْنَهُمَا فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُحَصِّلُ مِنَ الرِّبْحِ إِلَّا الدِّرْهَمَ الْمَشْرُوطَ فَيَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا وَيَنْصَرِفُ الْآخَرُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَدْ شَرَطَهُ فَقَدْ أَخَذَ جَمِيعَ الرِّبْحِ، وَانْصَرَفَ الْعَامِلُ بغير شيء من وُجُودِ الْعَمَلِ وَحُصُولِ الرِّبْحِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ قَدْ شَرَطَهُ فَقَدْ أَخَذَ جَمِيعَ الرِّبْحِ وَانْصَرَفَ رب المال بغير شيء من وُجُودِ الْمَالِ وَحُصُولِ الرِّبْحِ.
وَمِثَالُهُ فِي الْبُيُوعِ أَنْ يَبِيعَهُ الثَّمَرَةَ إِلَّا مُدًّا يَسْتَثْنِيهِ لِنَفْسِهِ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَهْلَكَ الثَّمَرَةُ إِلَّا ذَلِكَ الْمُدَّ فَيَصِيرُ الْبَائِعُ آخِذًا لِلثَّمَنِ وَالثَّمَرَةِ مَعًا.
وَلَوْ شَرَطَا تَفَاضُلًا فِي الرِّبْحِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عُشْرَ الرِّبْحِ وَتِسْعَةَ أَعْشَارِهِ لِلْآخَرِ، جَازَ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْصَرِفُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ رِبْحٍ.
وَمِثَالُهُ فِي الْبُيُوعِ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ إِلَّا عُشْرَهَا فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْهَا فَهُوَ مَبِيعٌ وَغَيْرُ مَبِيعٍ.
فَصْلٌ
: وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُوَلِّيَ مَا يَرْتَضِيهِ أَوْ مَا يَكْتَسِبُهُ بِرَأْسِ مَالِهِ فَيَبْطُلُ الْقِرَاضُ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ فِي الْمُشْتَرِي رِبْحٌ إِلَّا فِيمَا تَوَلَّاهُ فَيَصِيرُ مُخْتَصًّا بِجَمِيعِ الرِّبْحِ وَيَخْرُجُ الْآخَرُ بِغَيْرِ رِبْحٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا رَفْقًا دُونَ صَاحِبِهِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ رُكُوبَ مَا اشْتَرَاهُ مِنَ الدَّوَابِّ أَوِ اسْتِخْدَامَ مَا اشْتَرَاهُ مِنَ الْعَبِيدِ أَوْ لُبْسَ مَا اشْتَرَاهُ مِنَ الثِّيَابِ مُدَّةَ بَقَائِهَا فِي الْقِرَاضِ فَيَبْطُلُ الْقِرَاضُ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ فِي أَثْمَانِهَا فَضْلٌ إِلَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا مِنَ الرَّفْقِ فَيَصِيرُ مُنْفَرِدًا بِالرِّبْحِ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مُقَوَّمَةٌ كَالْأَعْيَانِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَوْ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فلانٍ أَوْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا سِلْعَةً بِعَيْنِهَا وَاحِدَةً ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاضَ ضَرْبَانِ: عام وخاص:
فَالْعَامُّ أَنْ يُقَارِضَهُ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ فِيمَا أَرَادَ مِنْ أَصْنَافِ الْأَمْتِعَةِ وَأَنْوَاعِ الْعُرُوضِ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا عَلِمَ فِيهِ صَلَاحًا مِنْ ذَلِكَ.
وَالْخَاصُّ أَنْ يُقَارِضَهُ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ فِي الثِّمَارِ أَوْ فِي الْأَقْوَاتِ أَوْ فِي الثِّيَابِ فَيَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى شِرَاءِ مَا عُيِّنَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ عَقَدَهُ عَامًّا ثُمَّ خَصَّهُ فِي نَوْعٍ بِعَيْنِهِ صَارَ خَاصًّا، وَلَوْ عَقَدَهُ خَاصًّا فِي نَوْعٍ ثُمَّ جَعَلَهُ عَامًّا في كل نوع صار عامداً، لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ جَائِزًا وَلَيْسَ يَنْعَقِدُ لَازِمًا.
وَأَمَّا إِذَا قَارَضَهُ عَلَى شِرَاءِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَرْضٍ بِعَيْنِهِ كَانَ الْقِرَاضُ بَاطِلًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى شِرَاءِ غَيْرِهِ، أَوْ قَدْ لَا يُبَاعُ إِلَّا بِمَا لَا فَضُلَ فِي ثَمَنِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ قَارَضَهُ عَلَى أَلَّا يَشْتَرِيَ إِلَّا مِنْ فُلَانٍ أَوْ لَا يَبِيعَ إِلَّا عَلَى فُلَانٍ كَانَ الْقِرَاضُ بَاطِلًا، لِأَنَّ فُلَانًا قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ مُبَايَعَتِهِ، وَقَدْ لَا يَرْغَبُ فِي مُبَايَعَتِهِ، أَوْ لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا بِمَا لَا فضل في ثمنه.
وهكذا لو قارضه على أَلَّا يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ إِلَّا فِي دُكَّانٍ بِعَيْنِهِ كَانَ الْقِرَاضُ بَاطِلًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَنْهَدِمُ ذَلِكَ الدُّكَّانُ، أَوْ قَدْ يُغْلَبُ عَلَيْهِ أَوْ قَدْ لَا يُبَايِعُ مِنْهُ.
فَأَمَّا إِذَا قَارَضَهُ عَلَى أَلَّا يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ إِلَّا فِي سُوقِ كَذَا جَازَ بِخِلَافِ الدُّكَّانِ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ السُّوقَ الْعَامَّةَ كَالنَّوْعِ الْعَامِّ وَالدُّكَّانَ الْمُعَيَّنَ كَالْعَرَضِ الْمُعَيَّنِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَوْ نَخْلًا أَوْ دَوَابَّ يَطْلُبُ ثَمَرَ النَّخْلِ ونتاج الداب وَيَحْبِسُ رِقَابَهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: عَقْدُ الْقِرَاضِ يَقْتَضِي تَصَرُّفَ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَإِذَا قَارَضَهُ بِمَالٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ نَخْلًا يُمْسِكُ رِقَابَهَا وَيَطْلُبُ ثِمَارَهَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ قَدْ مَنَعَ تَصَرُّفَ الْعَامِلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلِأَنَّ الْقِرَاضَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَكُونُ النَّمَاءُ فِيهِ حَادِثًا عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهُوَ فِي النَّخْلِ حَادِثٌ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ قِرَاضًا، وَلَا يَكُونَ مُسَاقَاةً لِأَنَّهُ عَاقَدَهُ عَلَى جَهَالَةٍ بِهَا قَبْلَ وُجُودِ مِلْكِهَا.
وَهَكَذَا لَوْ قَارَضَهُ عَلَى شِرَاءِ دَوَابَّ أَوْ مَوَاشِي يَحْبِسُ رِقَابَهَا وَيَطْلُبُ نِتَاجَهَا لَمْ يَجُزْ لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنِ اشْتَرَى بِالْمَالِ النَّخْلَ وَالدَّوَابَّ صَحَّ الشِّرَاءُ، وَمُنِعَ مِنَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ عَنْ إِذْنِهِ، وَالْبَيْعَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَكَانَ الْحَاصِلُ مِنَ الثِّمَارِ وَالنِّتَاجُ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ حَدَثَ عَنْ مِلْكِهِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي الشَّرْطِ وَالْخِدْمَةِ، لِأَنَّهَا عَمَلٌ عَارَضَ عَلَيْهِمَا.
وَحُكِيَ عَنْ محمد بن الحسن جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى قَالَ: لَوْ أَطْلَقَ الْقِرَاضَ مَعَهُ جَازَ لَهُ
أَنْ يَشْتَرِيَ أَرْضًا أَوْ يَسْتَأْجِرَهَا لِيَزْرَعَهَا أَوْ يَغْرِسَهَا وَيَقْتَسِمَا فَضْلَ زَرْعِهَا وَغَرْسِهَا وَهَذَا فَاسِدٌ لما بيناه.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ فَعَلَ فَذَلِكَ كُلُّهُ فاسدٌ فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَالرِّبْحُ وَالْمَالُ لِرَبِّهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
إِذَا كَانَ الْقِرَاضُ فَاسِدًا فَعَمِلَ الْعَامِلُ فِيهِ قَبْلَ مَنْعِهِ مِنَ العامل وَاسْتِرْجَاعِ الْمَالِ مِنْهُ كَانَتْ عُقُودُ بُيُوعِهِ وَشِرَائِهِ صَحِيحَةً مَعَ فَسَادِ الْقِرَاضِ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ بِهَا وَاخْتِصَاصِ الْفَسَادِ بِنَصِيبِهِ مِنْ رِبْحِ الْقِرَاضِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ وَالْخُسْرَانُ عَلَيْهِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا فَسَدَ حُمِلَ عَلَى حُكْمِهِ لَوْ صَحَّ، فَلَمَّا كَانَ الْقِرَاضُ الصَّحِيحُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِلُ شَيْئًا وَجَبَ إِذَا فَسَدَ أَلَّا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ مَلَكَ الْعَامِلُ فِيهِ الْمُسَمَّى فِي العقد الصحيح ملك في أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ كَالْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا مَلَكَهُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ مَلَكَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِ لَوْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ إِنَّ الْعَقْدَ إِذَا فَسَدَ حُمِلَ عَلَى حُكْمِهِ لَوْ صَحَّ فَهُوَ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَسُقُوطِهِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى حُكْمِ الصَّحِيحِ فِيمَا سِوَى الضَّمَانِ.
عَلَى أَنَّهُ في الصحيح لما ضرب بسهم فِي كَثِيرِ الرِّبْحِ جَازَ أَلَّا يَأْخُذَ شَيْئًا مَعَ عَدَمِ الرِّبْحِ، وَفِي الْفَاسِدِ لَمَّا ضَرَبَ بسهم فِي كَثِيرِ الرِّبْحِ لَمْ يَبْطُلْ عَلَيْهِ عَمَلُهُ مَعَ عَدَمِ الرِّبْحِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ بَاعَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ بَيْعًا فَاسِدًا وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفًا ضَمِنَ الْمُشْتَرِي بِتَلَفِهِ أَلْفًا، وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ يَدِهِ بِمِائَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِأَلْفٍ بَيْعًا فَاسِدًا وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً لَمْ يَضْمَنِ الْمُشْتَرِي بِتَلَفِهِ إِلَّا مِائَةً كَذَلِكَ، كَذَلِكَ فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ.
مَسْأَلَةٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوِ اشْتَرَطَ أَنْ يَشْتَرِيَ صِنْفًا مَوْجُودًا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَجَائِزٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ ضَرْبَانِ: خَاصٌّ وَعَامٌّ.
فَأَمَّا الْعَامُّ فَهُوَ أَنْ يُطْلَقَ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ فِي كُلِّ مَا يَرْجُو فِيهِ رِبْحًا فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى عُمُومِ التَّصَرُّفِ، وَأَمَّا الْخَاصُّ فَهُوَ أَنْ يَخْتَصَّ الْعَامِلُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا يُوجَدُ فِي عُمُومِ الأحوال كالحنطة والبر فَيَجُوزُ، وَيَكُونُ مَقْصُورَ التَّصَرُّفِ
عَلَى النَّوْعِ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ، فَلَوْ أُذِنَ له أن يتجر في البر جاز أن يتجر في صنوف البر كُلِّهَا مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالْإِبْرَيْسَمِ وَالْخَزِّ وَالصُّوفِ الْمَلْبُوسِ ثِيَابًا أَوْ جِبَابًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي الْبُسُطِ وَالْفُرُشِ،.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يتجر في الأكسية البركانية أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهَا مَلْبُوسَةً.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِخُرُوجِهَا عَنِ اسْمِ البر.
فَلَوْ أُذِنَ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي الطَّعَامِ اقْتَصَرَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَحْدَهَا دُونَ الدَّقِيقِ.
وَقَالَ محمد بن الحسن يَجُوزُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِخُرُوجِ الدَّقِيقِ عُرْفًا عَنِ اسْمِ الطَّعَامِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْحِنْطَةِ لَجَازَ بِالْخُبْزِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لَهُ خُذْ هَذَا الْمَالَ عَلَى أَنْ تَتَّجِرَ بِهِ فِي الْحِنْطَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ لَهُ خُذْهُ وَاتَّجِرْ بِهِ فِي الْحِنْطَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ التِّجَارَةِ فِي الْحِنْطَةِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ قَالَ لَهُ خُذْهُ عَلَى أَنْ تَتَّجِرَ بِهِ فِي الْحِنْطَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ، وَإِنْ قَالَ لَهُ خُذْهُ وَاتَّجِرْ بِهِ فِي الْحِنْطَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَّجِرَ فِي غَيْرِهَا جَازَ لِأَنَّهُ مَشُورَةٌ مِنْهُ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ فِي الْحَالَيْنِ غَيْرُ آذِنٍ فِيمَا سِوَى الْحِنْطَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُوجَدُ وَقَدْ لَا يُوجَدُ كَإِذْنِهِ فِي أَنْ يَتَّجِرَ فِي الْعُودِ الرَّطْبِ أَوْ فِي الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ أَوْ فِي الْخَيْلِ الْبُلْقِ أَوْ فِي الْعَبِيدِ الْخِصْيَانِ فَالْقِرَاضُ بَاطِلٌ سَوَاءٌ وَجَدَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْهُ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ مِنْ وُجُودِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَكَانٍ قَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ فِيهِ غَالِبًا فَيَجُوزُ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا يُوجَدُ فِي زَمَانٍ وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ كَالثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ فَيَنْظُرُ فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَوَانِ تِلْكَ الثِّمَارِ فَالْقِرَاضُ بَاطِلٌ، فَإِنْ جَاءَتْ تِلْكَ الثِّمَارُ مِنْ بَعْدُ لَمْ يَصِحَّ الْقِرَاضُ بَعْدَ فَسَادِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَانِ الثِّمَارِ وَإِبَانَتِهَا فَالْقِرَاضُ جَائِزٌ مَا كَانَتْ تِلْكَ الثَّمَرَةُ بَاقِيَةً، فَإِنِ انْقَطَعَتْ فَفِي الْقِرَاضِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَ الْقِرَاضُ بِانْقِطَاعِهَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ أَنْ يَتَّجِرَ بِهَا إِلَّا بِإِذْنٍ وَعَقْدٍ مُسْتَجَدٍّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِرَاضَ عَلَى حَالِهِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِفَسْخِهِ فِي كُلِّ عَامٍ أَتَتْ فِيهِ تِلْكَ الثَّمَرَةُ فَيَتَّجِرُ بِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقِرَاضُ فِي نَوْعٍ مَوْجُودٍ فِي كُلِّ الزَّمَانِ فَانْقَطَعَ فِي بَعْضِهِ لِقِلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَالْقِرَاضُ عَلَى وَجْهِهِ وَحَالِهِ، وَهَكَذَا إِذَا انْقَطَعَ لِجَائِحَةٍ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ كَانَ مُمْكِنًا لِلِاسْتِدَامَةِ فَخَالَفَ الثمار الرطبة في أحد الوجهين.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا سَافَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ مِنَ الْمَالِ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضَ الْمُؤْنَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا يَعْمَلُهَا الْعَامِلُ وَلَهُ النَّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِي جَوَازِ سَفَرِ الْعَامِلِ بِمَالِ الْقِرَاضِ.
وَالثَّانِي: فِي مُؤْنَةِ الْعَمَلِ.
وَالثَّالِثُ: فِي نَفَقَةِ الْعَامِلِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ سَفَرُ الْعَامِلِ بِمَالِ الْقِرَاضِ، فَلِرَبِّ الْمَالِ معه ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يَنْهَاهُ عَنِ السَّفَرِ بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِجْمَاعًا فَإِنْ سَافَرَ بِهِ ضمنه والقراض في حاله صحيحاً.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي السَّفَرِ بِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِجْمَاعًا فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ إِلَى بَلَدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لم يخص له بلد أجاز أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِلَى الْبَلَدِ الْمَأْمُونَةِ الْمَمَالِكِ وَالْأَمْصَارِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ أَنْ يُسَافِرُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَمَتَاجِرِهِمْ إِلَيْهَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنِ الْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِيهَا وَلَا فِي الْبُعْدِ إِلَى أَقْصَى الْبُلْدَانِ، فَإِنْ بَعُدَ إِلَى أَقْصَى الْبُلْدَانِ ضمن المال.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقَ فَلَا يَأْذَنُ لَهُ فِي السَّفَرِ وَلَا يَنْهَاهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ سَفَرِهِ بِالْمَالِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا سَوَاءٌ رَدَّ الْأَمْرَ إِلَى رَأْيِهِ أَمْ لَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ إِذَا أَرَادَ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَنْهَهُ، وَقَالَ محمد بن الحسن وأبو يوسف يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ إِلَى حَيْثُ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ مِنْهُ قَبْلَ اللَّيْلِ.
وَقَالَ محمد بن الحسن يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى حيث لا تلزمه مؤونة ودليلنا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ الْمُسَافِرَ وَمَالَهُ عَلَى قلتٍ إِلَّا مَا وَقَى اللَّهُ " - يَعْنِي عَلَى خَطَرٍ - وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِرَ بِالْمَالِ، وَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ كَالْوَكِيلِ، وَلِأَنَّ كُلَّ سفر منع من الْوَكِيلُ مُنِعَ مِنْهُ الْعَامِلُ كَالسَّفَرِ الْبَعِيدِ.
فَصْلٌ : وأما ال
فصل
الثاني وهو مؤونة الْعَمَلِ فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: قَسَمٌ يَجِبُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ وَلَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَقِسْمٌ يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَلَا يَجِبُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، فَأَمَّا مَا يَجِبُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَأُجْرَةُ الْمَحْمَلِ وَأُكْرِيَّةِ الْخَانِيَاتِ وَمَا صَارَ مَعْهُودًا مِنَ الضَّرَائِبِ الَّتِي لَا يُقْدَرُ عَلَى مَنْعِهَا فَلَهُ دَفْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ثُمَّ وَضْعُهُ مِنَ الرِّبْحِ الْحَاصِلِ لِيَكُونَ الْفَاضِلُ بَعْدَهُ مِنَ الرِّبْحِ هُوَ الْمَقْسُومُ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ على شرطهما.
وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ فَهُوَ مَا جَرَتْ عَادَةُ التُّجَّارِ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مثل نشر البن وَطَيِّهِ وَعَرْضِ الْأَمْتِعَةِ وَمُبَاشَرَةِ الْعُقُودِ وَقَبْضِ الْأَثْمَانِ وَاقْتِضَاءِ الدُّيُونِ فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ لِأَنَّهُ بِهِ مَلَكَ الرِّبْحَ.
وَأَمَّا النِّدَاءُ عَلَى الْأَمْتِعَةِ فَمَنْ يَزِيدُ فَلَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ عُرْفَ التُّجَّارِ فِي أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَجْرِ بِهِ وَتَكُونُ أُجُورُ الْمُنَادِينَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ.
وَأَمَّا الْوَزَّانُ فَإِنْ كان فيما يحفر ولم تجر عادة التجارة بِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ كَانَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَقِلُّ وَيَخِفُّ كَالْعُودِ وَالْمِسْكِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ لِأَنَّ عَادَةَ التُّجَّارِ جَارِيَةٌ بِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَ لَهُ تُحْمَلُ الْأُجْرَةُ فِي مَالِهِ.
وَلَوْ فَعَلَ بِنَفْسِهِ مَا يَسْتَحِقُّ فِي مَالِ الْقِرَاضِ كَانَ تَطَوُّعًا مِنْهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى عَمَلِهِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ عِوَضَيْنِ أُجْرَةً وَرِبْحًا.
فَصْلٌ
: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ نَفَقَةُ الْعَامِلِ فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يَخْتَصُّ الْعَامِلُ بِالْتِزَامِهِ وَهُوَ نَفَقَةُ حَضَرِهِ فِي مَأْكُولِهِ وَمَلْبُوسِهِ لِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: اخْتِصَاصُ الْعَامِلِ بِالرِّبْحِ دُونَ رَبِّ الْمَالِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ نَفَقَةَ إِقَامَتِهِ لَا تَخْتَصُّ بِعَمَلِ الْقِرَاضِ فَلَمْ تَلْزَمْ فِي مَالِ الْقِرَاضِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: نَفَقَةُ سَفَرِهِ، فَالَّذِي رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ هُنَا أَنَّ لَهُ النَّفَقَةَ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ وَالَّذِي أَحْفَظُ لَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إِلَّا عَلَى نفقة معلومة في كل يوم، وثمن ما يَشْتَرِيهِ فَيَكْتَسِبُهُ وَرَوَى فِي مُخْتَصَرِهِ وَجَامِعِهِ وُجُوبَ النفقة، وجعلها في جامعه معلومة كنفقة الزوجات، وَفِي مُخْتَصَرِهِ بِالْمَعْرُوفِ كَنَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ، فَهَذَا مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ.
وَرَوَى أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: فَكَانَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ يَحْمِلَانِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ لَهُ النَّفَقَةَ فِي سَفَرِهِ لِاخْتِصَاصِ سَفَرِهِ بِمَالِ الْقِرَاضِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الِاسْتِيطَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا نَفَقَةَ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ اخْتِصَاصِهِ بِالرِّبْحِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ دُونَ رَبِّ الْمَالِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا نَفَقَةَ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا عَلَى مَا رَوَاهُ
البويطي.
حملا رِوَايَةَ الْمُزَنِيِّ عَلَى نَفَقَةِ الْمَتَاعِ دُونَ الْعَامِلِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَدْفُوعٌ بِمَا بَيَّنَهُ الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ مِنْ قَوْلِهِ نَفَقَةٌ مَعْلُومَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَثَمَنُ مَا يَشْتَرِيهِ فَيَكْتَسِبُهُ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ فَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَجَامِعِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة وَمَالِكٍ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ التَّفْرِيعُ.
فَتَجِبُ نَفَقَةُ مَرْكُوبِهِ فِي سَفَرِهِ وَمَسِيرِهِ بِالْمَعْرُوفِ فِي مِثْلِ سَفَرِهِ، وَتَجِبُ نَفَقَةُ مَأْكُولِهِ وَمَلْبُوسِهِ الْمُخْتَصِّ بِلِبَاسِ سَفَرِهِ.
وَفِي تَقْدِيرِ نَفَقَتِهِ وَجْهَانِ لِاخْتِلَافِ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ وَتَقْدِيرُهَا أَدْفَعُ لِلْجَهَالَةِ، وَهَذَا مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا معتبرة بالمعروف من غير تقدير لأنها مؤونة فِي عَمَلِ الْقِرَاضِ فَاشْتَبَهَتْ بِسَائِرِ مُؤَنِ الْمَالِ؛ وَلِأَنَّ تَقْدِيرَهَا يُفْضِي إِلَى اخْتِصَاصِ الْعَامِلِ بِفَضْلِهَا إِنْ رَخُصَ السِّعْرُ، أَوْ إِلَى تَحَمُّلِ بَعْضِهَا إِنْ عَلَا فَوَجَبَ أَنْ تُعْتَبَرَ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ فِيهَا أُجْرَةُ حَمَّامٍ وَلَا حَجَّامٍ وَلَا ثَمَنُ دَوَاءٍ وَلَا شَهْوَةٍ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَهُ فِي نَفَقَتِهِ أُجْرَةُ حَمَّامِهِ وَحَجَّامِهِ وَمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ دَوَائِهِ وَمَا قَرُبَ مِنْ شَهَوَاتِهِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ أَوْكَدُ مِنْهَا وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْتَصُّ بِسَفَرِهِ وَلَا بِعَمَلِهِ، فَأَشْبَهَ صَدَاقَ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا وَنَفَقَةَ مَنْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا عَلَى أَنَّ مُزَاحَمَاتِهَا مَنْ جُعِلَ لَهُ نَفَقَةُ السَّفَرِ مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَحَكَاهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ بَعْضِ مُتَقَدِّمِيهِمْ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْقِيَاسِ فَإِنْ دَخَلَ فِي سَفَرِهِ بَلَدًا فله النفقة ما أقام في مَقَامَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ أَرْبَعًا فَإِنْ زَادَ عَلَى إِقَامَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مَالِ الْقِرَاضِ مِنْ مَرَضٍ طَرَأَ أَوْ عَارِضٍ يَخْتَصُّ بِهِ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ دُونَ الْقِرَاضِ.
وَإِنْ كَانَ مُقَامُهُ لِأَجْلِ مال القراض انتظار البيعة وَقَبْضِ ثَمَنِهِ أَوِ الْتِمَاسًا لِحِمْلِهِ أَوْ لِسَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَنَفَقَتُهُ فِيهِ كَنَفَقَتِهِ فِي سَفَرِهِ لاختصاصه بالقراض.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنْ خَرَجَ بمالٍ لِنَفْسِهِ كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ بِالْحِصَصِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إِذَا سَافَرَ بِمَالِ الْقِرَاضِ لَمْ يُمْنَعْ أَنْ يُسَافِرَ بِمَالٍ لِنَفْسِهِ وَمَنَعَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ أَنْ يُسَافِرَ بِمَالٍ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ مُسْتَحَقٌّ فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَصَارَ كَالْأَجِيرِ.
وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ فِي الْحَضَرِ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِهِ وَمَالِ الْقِرَاضِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ لَمَّا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ فِي الْمَالِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ عَلَيْهِ جَمِيعَ الْمَالِ، فَإِذَا أَدَّى مَا لَزِمَهُ مِنْ عَمَلِ الْقِرَاضِ فَسَوَاءٌ فِيمَا سِوَاهُ مُمْسِكًا أَوْ عَامِلًا.
فَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَلَّا يُسَافِرَ بِمَالٍ لِنَفْسِهِ بَطَلَ الْقِرَاضُ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْقَعَ عَلَيْهِ حَجْرًا غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِمَالِ نَفْسِهِ وَمَالِ الْقِرَاضِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلِطَ مَالَهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ وَعَلَيْهِ تَمْيِيزُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالَيْنِ، فَإِنْ خَلْطَهُمَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فَيَجُوزُ وَيَصِيرُ شَرِيكًا وَمُضَارِبًا، وَمُؤْنَةُ الْمَالِ مُقَسَّطَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَنَفَقَةُ نَفْسِهِ إِنْ قِيلَ إِنَّهَا لَا تَجِبُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهَا، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا تَجِبُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَهِيَ مُقَسَّطَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ بِالْحِصَصِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْلِطَ الْمَالَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فَيَبْطُلُ الْقِرَاضُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْعَادِلِ بِهِ عَنْ حُكْمِهِ فَيَلْتَزِمُ نَفَقَةَ نَفْسِهِ لَا تَخْتَلِفُ، وَتَكُونُ نَفَقَةُ الْمَالَيْنِ بِقَدْرِ الْحِصَصِ، وَرِبْحُ مَالِ الْقِرَاضِ كُلِّهِ لِرَبِّ الْمَالِ لِفَسَادِ الْقِرَاضِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيهِ وَلَا يُوجَبُ لَهُ أُجْرَةُ كُلِّ الْعَمَلِ، لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ تَوَزَّعَ عَلَى مَالِهِ وَمَالِ الْقِرَاضِ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ أَبْضَعَ رَبُّ الْمَالِ عَامِلَهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ بِضَاعَةً لِنَفْسِهِ يَخْتَصُّ بِرِبْحِهَا جَازَ إِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي الْقِرَاضِ، وَلَمْ يَجُزْ إِنْ كَانَ عَنْ شَرْطٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ إِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ شَرْطٍ لِأَنَّهُ كَالْمَعْمُولِ عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَا تَجَرَّدَ عَنِ الشَّرْطِ كَانَ تَطَوُّعًا لَا يَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ أَبْضَعَهُ شِرَاءَ ثَوْبٍ يَكْتَسِيهِ أَوْ طَعَامٍ يَقْتَاتُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِغَيْرِ رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُبْضِعَهُ مَتْجَرًا جَازَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُبْضِعَهُ مَتْجَرًا لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِالْأَمْرَيْنِ.
فَصْلٌ
: وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَبْتَاعَ لِنَفْسِهِ من مال القراض، ولا أن يَبِيعَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ لِأَنَّهُ وكيل، وكذلك لا يجوز أن يبتاع ذلك لمن يلي عليه من صغار ولده، وهكذا لَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ لِأَنَّهُ كَالْبَائِعِ لِنَفْسِهِ.
فَصْلٌ
: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْعَمَلِ فِي قَدْرِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّفَقَةِ اللَّازِمَةِ فِي مَالِ
الْقِرَاضِ فَالْقَوْلُ فِيهِ إِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى النَّفَقَةِ كَمَا كَانَ مُؤْتَمَنًا عَلَى الرِّبْحِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ مِنَ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي ادِّعَاءِ الْعَامِلِ رد المال على ربه.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَمَا اشْتَرَى فَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ سِلْعَةً فِي الْقِرَاضِ فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَعَ الْعَيْبِ فَضْلٌ وَظُهُورُ رِبْحٍ فَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّ لِحَقِّ رَبِّ الْمَالِ فِي الْفَضْلِ الظَّاهِرِ، وَلَيْسَ لِرَبِّ المال أن يرد لحق العامل في ال
فصل
الظَّاهِرِ.
فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى الرَّدِّ فَذَلِكَ لَهُمَا لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا، وَيَكُونُ حَالُ السِّلْعَةِ مَعَ ظُهُورِ الْعَيْبِ كَحَالِهِمَا لَوْ سَلِمَتْ مِنْ عَيْبٍ لِظُهُورِ الْفَاضِلِ فِي الْحَالَيْنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِيهَا لِأَجْلِ الْعَيْبِ خُسْرَانٌ وَعَجْزٌ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ، وَفِي إِمْسَاكِ الْعَيْبِ تَلَفٌ لِلنَّسَاءِ، وَلِأَنَّهُ حَلَّ مَحَلَّ مَالِكِهِ، وَلِلْمَالِكِ فَسْخُهُ وَرَدُّهُ، فَإِنْ رَضِيَ الْعَامِلُ بِعَيْبِهِ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ رَدُّهُ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ النَّقْصِ فِي مَالِهِ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالرَّدِّ، فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى الْإِمْسَاكِ وَالرِّضَا بِالْعَيْبِ جَازَ لِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ لَا يَتَجَاوَزُهُمَا.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا حَالَ الْوَكِيلِ فِي رَدِّ مَا وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، وَأَنَّ مَا اشْتَرَاهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إِلَّا بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ لِأَنَّ شِرَاءَهُ غَيْرُ مَرْدُودٍ إِلَى رَأْيِهِ لِجَوَازِ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ بِعَيْبِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَهُ الرَّدُّ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِذْنِ بِالشِّرَاءِ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمُشْتَرِي كَالْمُقَارِضِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ من الْعَيْبِ فَضْلٌ أَوْ لَا بِخِلَافِ الْمُقَارِضِ، وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُ الْمُوَكِّلِ فِي الرَّدِّ، فَإِنْ نَهَاهُ الْمُوَكِّلُ عَنِ الرَّدِّ مُنِعَ مِنَ الرَّدِّ بِخِلَافِ الْعَامِلِ لِأَنَّ لِلْعَامِلِ شِرْكًا فِي الرِّبْحِ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ شِرْكٌ فِيهِ، فَصَارَ الْوَكِيلُ مُوَافِقًا لِلْعَامِلِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَمُخَالِفًا فِي الْوَجْهِ الذي ذكرناه.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِنِ اشْتَرَى وَبَاعَ بِالدَّيْنِ فَضَامِنٌ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَا يَخْلُو حَالُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أَنْ يَأْمُرَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ نَقْدًا، فَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالنَّسَاءِ وَلَا أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسَاءِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالنَّسَاءِ فَيَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسَاءِ، أَمَّا النَّقْدُ فَلِأَنَّهُ أَحَظُّ، وَأَمَّا النَّسَاءُ فَلَمَّا كَانَ الْإِذْنُ فَلَوْ نَهَاهُ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ لِلْعَامِلِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّغْرِيرِ بِتَأْخِيرِ النَّسَاءِ، وَخَالَفَ الْوَكِيلَ وَصَارَ عَقْدُ الْقِرَاضِ بَاطِلًا.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ مَعَ إِذْنِ النَّسَاءِ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ سَلَمًا، لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ أَكْثَرُ غَرَرًا مِنَ النَّسَاءِ فِي الْأَعْيَانِ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ سَلَمًا جَازَ، وَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ سَلَمًا لَمْ يَجُزْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وُجُودُ الْحَظِّ غَالِبًا فِي الشِّرَاءِ وَعَدَمُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ الْإِذْنَ له بالبيع والشراء من غير أن يذكرله نَقْدًا أَوْ نَسَاءً فَقَدْ قَالَ أبو حنيفة يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسَاءِ، وَبِمِثْلِهِ قَالَ فِي الْوَكِيلِ مَعَ إِطْلَاقِ الْإِذْنِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي عُمُومَ الْحَالَيْنِ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَعَ إِطْلَاقِ الْإِذْنِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ إِلَّا بِالنَّقْدِ لِأَنَّ الْآجَالَ لَا تَثْبُتُ فِي الْعُقُودِ إِلَّا بِشَرْطٍ كَالْأَثْمَانِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ النَّسَاءِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَعَاقَدَ بِالنَّسَاءِ فَذَلِكَ نَوْعَانِ: بَيْعٌ وَشِرَاءٌ، فَأَمَّا الشِّرَاءُ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بِالنَّسَاءِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ بَاطِلًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِيَ بِالنَّسَاءِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ لَازِمًا لَهُ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ فَبَاطِلٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَبِيعِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ، فَإِنْ قَبَضَهُ ضَمِنَهُ حِينَئِذٍ بِالْإِقْبَاضِ وعليه واسترجاعه مَا كَانَ بَاقِيًا، فَإِنْ تَلِفَ فَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ بِضَمَانِهِ وَغُرْمِهِ مَنْ شَاءَ مِنَ العامل أو المشتري، فإذا أُغْرِمَ الْعَامِلُ رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ أُغْرِمَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْعَامِلِ لِأَنَّ الْغُرْمَ ثَبَتَ عَلَى مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ التَّلَفُ.
فَصْلٌ
: فَلَوْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: اعْمَلْ فِي الْقِرَاضِ بِرَأْيِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَاقِدَ بِالنَّسَاءِ لَا بَيْعًا وَلَا شِرَاءً لِأَنَّ عَمَلَهُ بِرَأْيِهِ يَنْصَرِفُ إِلَى تَدْبِيرِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي وُفُورِ الْأَرْبَاحِ وَالْتِمَاسِ النَّمَاءِ دُونَ النساء.
فصل
: وإذا قارضه عل غَيْرِ مَالٍ لِيَشْتَرِيَ بِالنَّسَاءِ فَإِنَّ الْقِرَاضَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْأَعْيَانِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الذمم.
وَلَوْ قَارَضَهُ عَلَى مَالٍ فَأَذِنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ بِالنَّسَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ نَسَاءً بِأَكْثَرَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ قَدْرًا لِأَنَّ ما زاد عليه خارج منه.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَهُوَ مصدقٌ فِي ذَهَابِ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الْعَامِلَ مُؤْتَمَنٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانٌ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ لِمَنْفَعَةِ مَالِكِهِ بِطَلَبِ الرِّبْحِ، وَمَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّبْحِ فَإِنَّمَا هُوَ عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ الْمُسْتَعْجِلِ فَإِذَا ادَّعَى تَلَفَ الْمَالِ مِنْ يَدِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنِ ادَّعَى رَدَّ الْمَالِ عَلَى رَبِّهِ فَالْأُمَنَاءُ ثَلَاثَةٌ:
أَمِينٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَهُوَ الْمُودَعُ، وَأَمِينٌ لَا يُقْبَلُ قوله وهو المرتهن، وأمين مختلف في قَبُولُ قَوْلِهِ فِي الرَّدِّ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ الْمُضَارِبُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي الرَّدِّ مَعَ يَمِينِهِ كَالْمُوَدَعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الرَّدِّ وَإِنْ كان مقبولاً في التلف كالمرتهن.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِإِذْنِهِ عَتَقَ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَالْمُضَارِبُ ضامن والعبد له ولمالك إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْبَحَ فِي بَيْعِهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ أَبَا رَبِّ الْمَالِ أَوْ أُمَّهُ أَوْ بِنْتَهُ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِهِ صَحَّ الشِّرَاءُ، وَكَانَ لَازِمًا لِرَبِّ الْمَالِ، وَهُوَ فِي شِرَائِهِ لَهُ كَالْوَكِيلِ، وَقَدْ بَطَلَ مِنَ الْقِرَاضِ مَا دَفَعَهُ فِي ثَمَنِهِ، وَكَانَ كَالْقَابِضِ لَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَهَلْ يَكُونُ عَقْدُ ابْتِيَاعِهِ دَاخِلًا فِي عَقْدِ قِرَاضِهِ، أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبي حامد الإسفراييني أنه دخل فِي عَقْدِ قِرَاضِهِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ لَوْ كَانَ عَلَى رِقِّهِ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ فَضْلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي عَقْدِ قراضه لخروجه من حُكْمِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي شِرَائِهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي شِرَائِهِ عَلَى عِوَضٍ مِنْهُ، فَصَارَ كَالْمُشْتَرِي فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ.
فَصْلٌ
: وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لأن عقد القارض يُوجِبُ ابْتِيَاعَ مَا تُرْجَى الزِّيَادَةُ فِي ثَمَنِهِ، وَالزِّيَادَةُ فِي ثَمَنِ هَذَا مَعْدُومَةٌ، وَاسْتِهْلَاكُ
الْمَالِ بِهِ مَوْجُودٌ فَصَارَ شِرَاؤُهُ فِي حَقِّ رَبِّ الْمَالِ كَشِرَاءِ مَا لَا يُعَاوَضُ عَلَيْهِ مِنْ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ.
وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ بِمَا وَصَفْتُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لَمْ يَخْلُ شِرَاءُ الْعَامِلِ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِ الْمَالِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ.
فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ بَطَلَ شِرَاؤُهُ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ بِعَيْنٍ لَا يَمْلِكُ بِهِ فَصَارَ كَبَيْعِهِ بِمَالٍ مَغْصُوبٍ.
وَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ كَانَ الشِّرَاءُ لَازِمًا لَهُ، وَإِنْ نَقَدَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فِي ثَمَنِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، وَبَطَلَ مِنَ الْقِرَاضِ قَدْرُ مَا دَفَعَ مِنْ ثَمَنِهِ لِأَنَّهُ صَارَ بِالدَّفْعِ مَضْمُونَ الْمِثْلِ فِي ذِمَّتِهِ فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْقِرَاضِ لِخُرُوجِهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِنِ اشْتَرَى الْعَامِلُ أَخَا رَبِّ الْمَالِ أَوْ عَمَّهُ صَحَّ الشِّرَاءُ وَكَانَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لِجَوَازِ تَمَلُّكِهِ لَهُمْ، وَطَلَبَ الْفَضْلَ فِي ثَمْنِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا يُعْتَقُونَ بِالْمِلْكِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ امْرَأَةً فَاشْتَرَى الْعَامِلُ زَوْجَهَا فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهَا صَحَّ الشِّرَاءُ وَبَطَلَ النِّكَاحُ، وَكَانَ عَلَى حَالِهِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا مُبْطِلٌ لِلنِّكَاحِ وَغَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِتْقِ.
وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لِمَا فِيهِ مِنْ دُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَخَرَجَ عَنْ مُطْلَقِ الْإِذْنِ كَشِرَاءِ الْأَبِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَازِمٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لِتَفَارُقِهِ، وَثُبُوتِ مِلْكِهِ، وَجَوَازِ أَخْذِ الْفَضْلِ مِنْ ثَمَنِهِ بِخِلَافِ الْأَبِ الْمَعْدُومِ ذَلِكَ كُلِّهُ فيه والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: " فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَشْتَرِي أَبَا سَيِّدِهِ فَالشَّرَاءُ مفسوخٌ لِأَنَّهُ مخالفٌ وَلَا مال له (وقال) في كتاب الدعوى والبينات في شراء العبد من يعتق على مولاه قولان: أحدهما جائزٌ والآخر لا يجوز (قال المزني) قياس قوله الذي قطع به أن البيع مفسوخٌ لأنه لا ذمة لَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى الْعَبْدَ أَبَا سَيِّدِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أحدهما: أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ شِرَائِهِ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ بَاطِلًا لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى بَائِعِهِ وَيَرْتَجِعُ بِمَا دَفَعَهُ فِي ثَمَنِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي شِرَائِهِ، فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ وَفِي زَمَانِ عِتْقِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بِأَدَاءِ الثَّمَنِ.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي غُرَمَاءِ الْعَبْدِ، هَلْ مَلَكُوا بِدُيُونِهِمْ حَجْرًا عَلَى مَا بِيَدِهِ أَوْ لَا؟
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ سَيِّدِهِ فِيهِ إِذْنٌ وَلَا نَهْيٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشِّرَاءَ بَاطِلٌ كَالْمَضَارِبِ إِذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ أَبَا رَبِّهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ شِرَاءُ الْعَبْدِ بِعَيْنِ الْمَالِ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِذِي ذِمَّةٍ يُعَامَلُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يُعَامَلُ عَلَى مَا بِيَدِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الشِّرَاءَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ عَقْدَ الْعَبْدِ مَنْسُوبٌ إِلَى سَيِّدِهِ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِهِ فَصَارَ عَقْدُهُ كَعَقْدِهِ.
فَعَلَى هَذَا هَلْ يُعْتَقُ فِي الْحَالِ أَوْ بِأَدَاءِ الثَّمَنِ؟
عَلَى مَا مَضَى مِنْ وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَى الْعَبْدُ أَبَا نَفْسِهِ صَحَّ الشِّرَاءُ وَكَانَ عَلَى رِقِّهِ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ لِأَنَّ شِرَاءَهُ لسيده لا لنفسه.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنِ اشْتَرَى الْمُقَارِضُ أَبَا نَفْسِهِ بِمَالِ رَبِّ الْمَالِ وَفِي الْمَالِ فضلٌ أَوْ لَا فَضْلَ فِيهِ فسواءٌ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ وكيلٍ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ فَبَيْعُهُ جائزٌ وَلَا رِبْحَ لِلْعَامِلِ إِلَّا بَعْدَ قَبْضِ رَبِّ الْمَالِ مَالَهُ وَلَا يَسْتَوْفِيهِ رَبُّهُ إِلَّا وَقَدْ بَاعَ أَبَاهُ وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ مِنَ الرِّبْحِ شَيْئَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمَالُ إِلَى رَبِّهِ كَانَ مُشَارِكًا لَهُ وَلَوْ خَسِرَ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَقَلُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَانَ فِيمَا بَقِيَ شَرِيكًا لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئَا زَائِدًا مَلَكَهُ نَاقِصًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ أَبَا نَفْسِهِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي الْمَالِ عِنْدَ شِرَائِهِ رِبْحٌ يَسْتَحِقُّ فِيهِ سَهْمًا أَوْ لَا رِبْحَ فِيهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ كَانَ أَبُو الْعَامِلِ عَلَى رِقِّهِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَمْ يَمْلِكْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي شِرَاءِ أَبِيهِ لِرَبِّ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ يَسْتَحِقُّ فِيهِ بِعَمَلِهِ سَهْمًا فَفِي عِتْقِهِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي الْعَامِلِ - هَلْ يَكُونُ شَرِيكًا فِي الرِّبْحِ بِعَمَلِهِ وَمَالِكًا لِحَقِّهِ مِنْهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ؟ أَوْ هُوَ وَكِيلٌ يَأْخُذُ مَا شَرَطَ مِنَ الرِّبْحِ أُجْرَةً يَمْلِكُهَا بِالْحِصَصِ؟
أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّ الْعَامِلَ وَكِيلٌ مُسْتَعْجِلٌ وَلَيْسَ بِشَرِيكٍ وَمَا يَخُصُّهُ مِنَ الرِّبْحِ أُجْرَةٌ لَا يَمْلِكُهَا بِالظُّهُورِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا بِالْقَبْضِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ وَكَانَ شَرِيكًا لَوَجَبَ إِذَا تَلِفَ مِنَ الْمَالِ شَيْءٌ أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ مُقَسَّطًا عَلَى الْأَصْلِ وَالرِّبْحِ، لِأَنَّ تَلَفَ بَعْضِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ التَّالِفُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ مَحْسُوبًا مِنْ رِبْحِهِ وَلَمْ يَتَقَسَّطْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْلِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا فِيهِ وَلَا مَالِكًا لِشَيْءٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ زَائِدًا لَمَلَكَهُ نَاقِصًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرِّبْحَ عِنْدَ ظُهُورِهِ وَقَبْلَ قَبْضِهِ مُرْصَدٌ لِصَلَاحِ الْمَالِ وَتَثْمِيرِهِ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ لَكَانَ مَجْبُورًا بِهِ، وَلَوْ كَانَ مِلْكًا لِلْعَامِلِ وَشَرِيكًا فِيهِ لَمَا جَازَ أَنْ يُجْبَرَ بِهِ مَالُ غَيْرِهِ أَلَا تَرَاهُ إِذَا قَبَضَ الرِّبْحَ وَمَلَكَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْبَرَ الْخُسْرَانُ بِهِ لِأَنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ لَا يُجْبَرُ بِهِ مَالُ غَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ كَانَ شَرِيكًا فِي رِبْحٍ إِنْ ظَهَرَ كَانَ شَرِيكًا فِي خُسْرَانٍ إِنْ حَدَثَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَامِلُ شَرِيكًا فِي الْخُسْرَانِ وَلَا مُلْتَزِمًا لِشَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا فِي الرِّبْحِ وَلَا مَالِكًا لِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ أَبُو الْعَامِلِ عَلَى رِقِّهِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِشَيْءٍ مِنْهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْعَامِلَ شَرِيكٌ فِي الرِّبْحِ بِعَمَلِهِ وَمَالِكٌ لَهُ بِظُهُورِهِ، وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة، وَوُجْهَتُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ لِلْعَامِلِ إِجْبَارَ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الْقِسْمَةِ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا فِيهِ بِسَهْمٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِجْبَارُ عَلَى قِسْمَتِهِ - أَلَا تَرَاهُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ لَا يَمْلِكُ إِجْبَارَهُ عَلَى الْقِسْمَةِ لِأَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ، وَيَمْلِكُهُ فِي الْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ لَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى الْقِسْمَةِ وَيُجْبِرُهُ إِذَا كَانَ فِيهِ رِبْحٌ، وَلَا شَيْءَ أَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْقِسْمَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الرِّبْحِ أُجْرَةً لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا بِالْقَبْضِ لَمَا جَازَ أَنْ تَكُونَ مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْمُضَارَبَةِ مَعَ الْجَهَالَةِ بِرِبْحِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَهْمَ الْعَامِلِ مِنْهَا لِشَرِكَتِهِ فِيهَا، وَلَيْسَتْ أُجْرَةً تَبْطُلُ مَعَ الْجَهَالَةِ بِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَهْمُهُ مِنَ الرِّبْحِ أُجْرَةً عَلَى عَمَلِهِ فِي الْمَالِ لَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ مَعَ الْخُسْرَانِ لِوُجُودِ الْعَمَلِ، وَإِنْ عُدِمَ الرِّبْحَ كَوُجُودِهِ مَعَ ظُهُورِ الرِّبْحِ لِأَنَّ فَوَاتَ الْأُجْرَةِ لَا تُسْقِطُ مُعَاوَضَةَ الْعَمَلِ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ فَتَلَفَ الْمَالُ بَعْدَ الْعَمَلِ لَمْ يُهْدَرْ عَمَلُهُ وَاسْتَحَقَّ بِهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى فَسَادِ الْأُجْرَةِ وَصِحَّةِ الشَّرِكَةِ.
فَعَلَى هَذَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ لَا بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَتْ حِصَّتُهُ مِنَ الرحب هِيَ جَمِيعَ ثَمَنِهِ.
وَيَبْطُلُ عَقْدُ الْقِرَاضِ فِي جَمِيعِ الْمَالِ - بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَبَا رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ الْعَامِلَ إِذَا اشْتَرَى أَبَا رَبِّ الْمَالِ بِأَمْرِهِ بَطَلَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ.
وَإِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ أَبَا نَفْسِهِ بَطَلَ جَمِيعُ الْقِرَاضِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَبَا رَبِّ الْمَالِ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ مِنَ الْقِرَاضِ بِقَدْرِهِ، وَلَمْ يَبْطُلْ جَمِيعُ عَقْدِهِ، وَأَبُو الْعَامِلِ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ مِنْ رِبْحِهِ، وَرِبْحُ الْقِرَاضِ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا قِسْمَةً وَسَوَاءٌ كَانَتْ حِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ أَوْ أَكْثَرَ فِي أَنَّ الْقِرَاضَ كُلَّهُ قَدْ بَطَلَ لِأَنَّ أَخْذَ بَعْضِ الرِّبْحِ كَأَخْذِ جَمِيعِهِ فِي الْفَسْخِ.
فَإِنِ اسْتَأْنَفَ مِنَ الْمَالِ مَعَهُ قِرَاضًا بَعْدَ شِرَاءِ أَبِيهِ كَانَ عَقْدًا مُسْتَجَدًّا، وَإِنْ كَانَتْ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ أَبِيهِ كَأَنَّهَا كَانَتْ بِقَدْرِ نِصْفِهِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وَصَارَ بِعِتْقِهِ مُسْتَوْفِيًا لِجَمِيعِ حَقِّهِ ثُمَّ يُنْظَرُ:
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةٍ بَاقِيَةٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ وَعَتَقَ جَمِيعُهُ فَيَصِيرُ نِصْفُهُ مُعْتَقًا بِالثَّمَنِ وَنِصْفُهُ مُعْتَقًا بِالْقِيمَةِ.
وَإِنْ كَانَ معسراً بقيمة باقية وعتق مِنْهُ مَا عَتَقَ وَرَقَّ مِنْهُ مَا رَقَّ.
فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ عِنْدَ شِرَاءِ أَبِيهِ فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا لِبَقَاءِ أَبِيهِ عَلَى الرِّقِّ، فَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ فِيمَا بَعْدُ عَتَقَ عَلَيْهِ وَبَطَلَتِ الْمُضَارَبَةُ.
فَصْلٌ
: إِذَا ادَّعَى الْعَامِلُ ظُهُورَ الرِّبْحِ فِي الْمَالِ وَطَالَبَ بِالْقِسْمَةِ لَمْ يُجْبَرِ الْمَالِكُ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِظُهُورِ الرِّبْحِ أَوْ يَتَحَاسَبَانِ فَيَظْهَرُ لَهُ الرِّبْحُ.
وَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ أَنْ يُحَاسِبَهُ إِلَّا بَعْدَ حُضُورِ الْمَالِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَصْدُقُ فيما يخير بِهِ مِنْ وُفُورِهِ أَوْ سَلَامَتِهِ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَالُ تَحَاسَبَا، فَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ تَقَاسَمَا، فَلَوْ تَقَاسَمَا قَبْلَ الْمُحَاسَبَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعَامِلُ مِنْ قَدْرِ الرِّبْحِ ثُمَّ تَحَاسَبَا فَوَجَدَا رَأْسَ الْمَالِ نَاقِصًا تَرَادَّا الرِّبْحَ لِيَسْتَكْمِلَ رَأْسَ الْمَالِ.
وَلَوْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ، وَالْعَامِلُ بِالْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَةِ الْمَالِ عَنْهُمَا فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ:
أحدهما: يجوز لأنه احتياط لهما تركاه.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ لِأَنَّهُمَا يَتَحَاسَبَانِ عَلَى جَهَالَةٍ.
وَاللَّهُ أعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَمَتَى شَاءَ رَبُّهُ أَخْذَ مَالِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ وَمَتَى شَاءَ الْعَامِلُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْقِرَاضِ خَرَجَ مِنْهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبِعْدَهُ مَعَ وُجُودِ الرِّبْحِ أَوْ حُدُوثِ الْخُسْرَانِ، فَإِذَا فَسَخَهَا أَحَدُهُمَا انْفَسَخَتْ وَصَارَ كَاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى فَسْخِهَا ثُمَّ لَا يَخْلُو الْمَالُ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاضًّا أَوْ غَيْرَ نَاضٍّ.
فَإِنْ كَانَ نَاضًّا مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ دَرَاهِمَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ، أَوْ يَكُونَ دَنَانِيرَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرَ، فَالْعَامِلُ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْفَاسِخَ أَوْ رَبُّهُ، ثُمَّ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ تَقَاسَمَاهُ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ، أَوْ كَانَ فِيهِ خُسْرَانٌ أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْعَامِلِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ دَرَاهِمَ وَرَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرَ أَوْ يَكُونَ دَنَانِيرَ وَرَأْسُ المال دراهم فحكم هذا كمحكمه لَوْ كَانَ عَرْضًا.
وَلَهُمَا فِي الْعَرْضِ بَعْدَ فَسْخِ الْقِرَاضِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى بَيْعِهِ فَيَلْزَمُ الْعَامِلَ أَنْ يَبِيعَهُ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ عَقْدِهِ فَإِذَا نَضَّ ثَمَنُهُ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ وَتَقَاسَمَا فَضْلًا إِنْ كَانَ فيه.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَرْكِ بَيْعِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي ثَمَنِهِ لَوْ بِيعَ فَضْلٌ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّ الْعَامِلِ مِنْهُ وَصَارَ الْعَرْضُ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ بِزِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ، فَإِنْ زَادَ ثَمَنُهُ بَعْدَ تَرْكِ الْعَامِلِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي زِيَادَتِهِ لِخُرُوجِهِ بِالتَّرْكِ عَنْ قِرَاضِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ لَوْ بِيعَ عِنْدَ تَرْكِهِ فَيَنْظُرُ فِي تَرْكِ الْعَامِلِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَهُ إِسْقَاطًا لِحَقِّهِ فَقَدْ صَارَ الْعَرْضُ بِزِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا شيء للعامل فيه.
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَهُ تَأْخِيرًا لِبَيْعِهِ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنْ فَضْلِ ثَمَنِهِ وَلَهُ بَيْعُهُ متى شاء.
والحال الثالث: أَنْ يَدْعُوَ الْعَامِلُ إِلَى بَيْعِهِ وَيَمْنَعَهُ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لا يرجو من ثَمَنِهِ فَضْلًا وَلَا يَأْمُلَ رِبْحًا فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِبَيْعِهِ شيئاً.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَرْجُوَ فِي ثَمَنِهِ فَضْلًا وَيَأْمُلَ رِبْحًا فَلَهُ بَيْعُهُ وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَمْنَعَهُ لِيَصِلَ بِالْبَيْعِ إِلَى حَقِّهِ مِنَ الرِّبْحِ.
فَلَوْ بَذَلَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْ رِبْحِهِ وَمَنَعَهُ مِنْ بَيْعِهِ فَفِي بَيْعِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ فِي سَيِّدِ الْعَبْدِ الْجَانِي إِذَا مَنَعَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعِهِ، وَبَذَلَ لَهُ قَدْرَ قِيمَتِهِ:
أَحَدُهُمَا: يُمْنَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ لِوُصُولِهِ إِلَى قِيمَتِهِ، وَيُمْنَعَ الْعَامِلُ مِنْ بَيْعِ الْعَرْضِ لِوُصُولِهِ إِلَى رِبْحِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ إِلَّا بِبَذْلِ جَمِيعِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْجُو الْوُصُولَ إِلَيْهَا بِالْبَيْعِ إِنْ حَدَثَ لَهُ رَاغِبٌ، وَلَا يُمْنَعُ الْعَامِلُ مِنْ بَيْعِ الْعَرْضِ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْجُو زِيَادَةً على القيمة لحدوث راغب.
والحال الرابع: أَنْ يَدْعُوَ رَبُّ الْمَالِ إِلَى بَيْعِهِ وَيَمْتَنِعَ الْعَامِلُ مِنْهُ.
فَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ لِغَيْرِ تَرْكٍ لحقه منه أجبر على بيعه لتنقطع عليه فِيهِ وَيَتَصَرَّفَ رَبُّ الْمَالِ فِي ثَمَنِهِ.
وَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ تَرْكًا لَحَقِّهِ مِنْهُ فَفِي إِجْبَارِهِ عَلَى بَيْعِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُجْبِرُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ إِنَّمَا يَلْزَمُ فِي حَقَّيْهِمَا، وَبِبُطْلَانِ الْقِرَاضِ قَدْ سَقَطَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقًّا لَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ لِأَنَّ رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْعَرْضُ رَأْسَ الْمَالِ وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عنه.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ صَارَ لِوَارِثِهِ فَإِنْ رَضِيَ تُرِكَ الْمُقَارِضُ عَلَى قِرَاضِهِ وَإِلَّا فَقَدِ انْفَسَخَ قِرَاضُهُ وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ أَنْ يَعْمَلَ مَكَانَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، عَقْدُ الْقِرَاضِ يَبْطُلُ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوِ الْعَامِلِ، لِأَنَّ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ دُونَ اللَّازِمَةِ تَبْطُلُ بِمَوْتِ عَاقِدِهَا وَهُمَا فِي الْعَقْدِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ تَمَّ بِهِمَا، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ.
فَإِنْ بَطَلَ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ هُوَ رَبُّ الْمَالِ أَوِ الْعَامِلَ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا هُوَ رَبُّ الْمَالِ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ نَاضًّا أَوْ عَرْضًا:
فَإِنْ كَانَ نَاضًّا مُنِعَ الْعَامِلُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، ثُمَّ لِوَرَثَةِ رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَسْتَرْجِعُوا رَأْسَ الْمَالِ، وَيُقَاسِمُوا الْعَامِلَ عَلَى رِبْحٍ إِنْ كَانَ.
فَإِنْ أَذِنُوا لَهُ فِي الْمُقَامِ عَلَى قِرَاضِ أَبِيهِمْ كَانَ ذَلِكَ عَقْدًا مُبْتَدَأً، فَلَا يَخْلُو حَالُهُمْ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونُوا عالمين بقدر المال، أو جاهلين له.
فَإِنْ كَانُوا عَالِمَيْنِ بِقَدْرِهِ صَحَّ الْقِرَاضُ إِنْ كَانُوا أَهْلَ رُشْدٍ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَرِكَةِ مَيِّتِهِمْ دُيُونٌ وَلَا وَصَايَا.
وَإِنْ كَانُوا بِخِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إِذْنُهُمْ.
ثُمَّ إِذَا صَحَّ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لِلْعَامِلِ فِيهِ رِبْحٌ قَبْلَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ.
فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَكُلُّ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ قِرَاضُ لِوَرَثَةِ رَبِّهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ رِبْحٌ قَبْلَ مَوْتِ رَبِّهِ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْمَالِ بِحِصَّتِهِ مِنْ رِبْحِهِ، وَيَخْتَصُّ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ فَضْلِهِ، وَمُضَارِبٌ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الرِّبْحِ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ بِمَا شَرَطَ لَهُ مِنْ رِبْحِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ جَاهِلِينَ بِقَدْرِ الْمَالِ عِنْدَ إِذْنِهِمْ لَهُ بِالْقِرَاضِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ نَذْكُرُهُمَا مِنْ بَعْدُ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِرَاضَ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ بِمَالٍ مَجْهُولٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِرَاضَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ.
وَإِنْ كَانَ مَالُ الْقِرَاضِ عِنْدَ مَوْتِ رَبِّهِ عَرْضًا فَلِلْعَامِلِ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ الْوَرَثَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ الْمَاضِي وَلَيْسَ الشِّرَاءُ مِنْ حُقُوقِهِ إِلَّا بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَرَثَةُ فِي الْمُقَامِ عَلَى قِرَاضِ أَبِيهِمْ:
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بَيْعِهِ لِلْعَرْضِ فَقَدْ صَارَ الثَّمَنُ نَاضًّا فَيَكُونُ كَإِذْنِهِمْ لَهُ بِالْقِرَاضِ وَالْمَالُ نَاضٌّ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ بَيْعِ الْعَرْضِ فَفِي جَوَازِ الْقِرَاضِ وَجْهَانِ خَرَجَ مِنْهُمَا الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْقِرَاضَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ عَقْدَهُ بِالْعَرْضِ بَاطِلٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إِنَّ الْقِرَاضَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ اسْتِصْحَابٌ لِعَقْدٍ جَائِزٍ.
فَصْلٌ
: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا هُوَ الْعَامِلُ فَلَيْسَ لِوَارِثِهِ أَنْ يَبِيعَ وَلَا يَشْتَرِيَ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَالُ نَاضًّا أَوْ عَرْضًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ رَبُّ الْمَالِ فَيَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَارِثَ وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ الْعَامِلُ فَلَا يَجُوزَ لِوَارِثِهِ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ: إِنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ قَدْ أَوْجَبَ ائْتِمَانَ الْعَامِلِ عَلَى
التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ لِرَبِّهِ أَوْ لِوَارِثِهِ، وَمَا أَوْجَبَ ائْتِمَانَ وَارِثِ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ لَا مَعَ رَبِّهِ وَلَا مَعَ وَارِثِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ نَاضًّا اسْتَرْجَعَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَاقْتَسَمَا رِبْحًا إِنْ كَانَ فِيهِ، فَلَوْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ لِوَارِثِ الْعَامِلِ فِي الْمُقَامِ عَلَى الْقِرَاضِ صَحَّ إِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِقَدْرِ الْمَالِ وَيَبْطُلُ إِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ بِقَدْرِهِ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا حَيْثُ بَطَلَ بِجَهَالَةِ الْقَدْرِ وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ رَبُّ الْمَالِ فَيَصِحُّ الْقِرَاضُ بِإِذْنِ وَارِثِهِ لِلْعَامِلِ وَلَا يَبْطُلُ بِجَهَالَةِ الْقَدْرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ:
إِنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْقِرَاضِ الْمَالُ مِنْ جِهَةِ رَبِّهِ، وَالْعَمَلُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ، فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ بَاقِيًا فَجَازَ اسْتِصْحَابُ الْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ لِبَقَاءِ مَقْصُودِهِ، وَلَمْ يَبْطُلْ بِحُدُوثِ الْجَهَالَةِ فِيهِ، وَإِذَا مَاتَ الْعَامِلُ فَقَدْ فَاتَ أَحَدُ الْمَقْصُودَيْنِ، وَلَمْ يُمْكِنِ اسْتِصْحَابُ الْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَانَ اسْتِئْنَافُ عَقْدٍ مَعَ وَارِثِهِ فَبَطَلَ بِحُدُوثِ الْجَهَالَةِ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ مَالُ الْقِرَاضِ عِنْدَ مَوْتِ الْعَامِلِ عَرْضًا لَمْ يَجُزْ لِوَارِثِهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بيع الْعَرْضِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ رَبِّهِ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَإِذَا أَذِنَ لَهُ بَاعَهُ، وَاقْتَسَمَا بَعْدَ رَدِّ رأس المال الفضل إذا كَانَ فِيهِ، وَلَوْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ لِوَارِثِ الْعَامِلِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى عَقْدِ الْقِرَاضِ كَالْعَامِلِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بَيْعِ الْعَرْضِ، وَالْعِلْمِ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ بَاقِيًا أَوْ ثَمَنُهُ مَجْهُولًا بَطَلَ وَجْهًا وَاحِدًا لِمَا ذَكَرْنَا من الفرق والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيَبِيعُ مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ مَعَ مَا كَانَ مِنْ ثيابٍ أَوْ أَدَاةِ السَّفَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فضلٌ كَانَ لِوَارِثِهِ وَإِنْ كَانَ خسرانٌ كَانَ ذَلِكَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا بَطَلَ الْقِرَاضُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَجَبَ بَيْعُ كُلِّ مَا كَانَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ مِنْ عَرْضٍ لِلتِّجَارَةِ أَوْ أَدَاةٍ لِلسَّفَرِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: مع ما كان في ثِيَابٍ فَتَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي سَفَرِهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِ ثِيَابَ سَفَرِهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا فِي الْقِرَاضِ.
وَهُوَ لَعَمْرِي يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ.
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَى ثِيَابٍ اشتراها العامل للتجارة أو اشتراها لِنَفْسِهِ وَهِيَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِسَفَرِهِ.
فَإِذَا بِيعَ جَمِيعُ مَا وَصَفْنَا فَلَا يَخْلُو مَا حَصَلَ مِنْ ثَمَنِ جَمِيعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهُ، فَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَهُ كُلَّهُ وَلَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِيهِ لِعَدَمِ رِبْحِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ رَأْسَ مَالِهِ ثُمَّ الْعَامِلُ شَرِيكُهُ فِي رِبْحِهِ عَلَى مُقْتَضَى شَرْطِهِ فِي عَقْدِهِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ.
فَلَوْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ صَارَ نَاضًّا نُظِرَ فِيهِ:
فَإِنْ كَانَا قَدْ عَيَّنَا حَقَّ الْعَامِلِ مِنْهُمَا فِيهِ كَانَ التَّالِفُ مِنْهُ تَالِفًا مِنْهُمَا بِالْحِصَصِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا قَدْ عَيَّنَا حَقَّ العامل فيه فالتلف مِنْهُ تَالِفٌ مِنَ الرِّبْحِ وَحْدَهُ لِأَنَّ الرِّبْحَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَيَّنَ مِلْكُ الْعَامِلِ لَهُ مُرْصَدٌ لِجُبْرَانِ رَأْسِ الْمَالِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إِمَّا بِخُسْرَانٍ قَدْ حَصَلَ فِي الْمَالِ أَوْ لِحَادِثٍ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَائِدًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ دُونَ الْعَامِلِ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَعُودُ عَلَيْهِمَا وَالْخُسْرَانُ مُخْتَصٌّ بِرَبِّ الْمَالِ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا كَانَ الْخُسْرَانُ عَلَيْهِمَا كَمَا كَانَ الرِّبْحُ لَهُمَا؟
قِيلَ: هُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ وَإِنْ عَادَ الخسران على رب المال، لأنه الْخُسْرَانَ يَعُودُ إِلَيْهِ إِلَى مَا تَنَاوَلَهُ عَقْدُ الْقِرَاضِ مِنْهُمَا، وَالْقِرَاضُ إِنَّمَا تَنَاوَلَ عَمَلًا مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ، وَمَالًا مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ، فَعَادَ الْخُسْرَانُ عَلَى الْعَامِلِ بِذَهَابِ عَمَلِهِ، وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ بِذَهَابِ مَالِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَا فِي عَقْدِ الْقِرَاضِ تَحَمُّلَ الْعَامِلَ لِلْخُسْرَانِ كَانَ الْقِرَاضُ بَاطِلًا لِاشْتِرَاطِهِمَا خِلَافَ مُوجِبِهِ.
فَصْلٌ
: فَأَمَّا إِذَا شَرَطَا جَمِيعَ الرِّبْحِ لِأَحَدِهِمَا فَهُمَا مسألتان:
أحدها: أَنْ يَشْتَرِطَا جَمِيعَ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ.
وَالثَّانِيَةُ: أن يشترطا جميع الربح للعامل.
فأما إذا اشْتَرَطَا جَمِيعَ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ نُظِرَ فِيهِ.
فَإِنْ لَمْ يَقُلْ رَبُّ الْمَالِ عِنْدَ دَفْعِهِ أَنَّهُ قِرَاضٌ، وَلَكِنَّهُ قَالَ خُذْهُ فَاشْتَرِ بِهِ وَبِعْ وَلِي جَمِيعَ الرِّبْحِ فَهَذِهِ اسْتِعَانَةٌ بِعَمَلِهِ وَلَيْسَ بِقِرَاضٍ وَالْعَامِلُ مُتَطَوِّعٌ بِعَمَلِهِ فِيهِ وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ فِي عَمَلِهِ.
وَإِنْ قَالَ خُذْهُ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِي فَهَذَا قِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ إِنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ، لِأَنَّهُ مَعَ الرِّضَا بِأَنْ لَا رِبْحَ لَهُ مُتَطَوِّعٌ بِعَمَلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ إِنَّ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لِعَمَلِهِ فِي قِرَاضٍ فَاسِدٍ، فَصَارَ كَالْمَنْكُوحَةِ عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ تَسْتَحِقُّ مَعَ الرِّضَا بِذَلِكَ مهل المثل.