الحاوي الكبيرصفحات 515-24
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع

صفحات 515-24
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَنْتَقِلُ بَعْدَ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ إِلَى خَالَاتِ الْأَبَوَيْنِ عَمَلًا عَلَى تَدْرِيجِ الْأُبُوَّةِ.
فَإِذَا قِيلَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِنَّهَا تَنْتَقِلُ بَعْدَهُنَّ إِلَى بَنَاتِ الْأُخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ تُقَدَّمُ فِيهَا بَنَاتُ الْأَخَوَاتِ عَلَى بَنَاتِ الْإِخْوَةِ لِتَقَدُّمِ الْأَخَوَاتِ فِيهَا عَلَى الْإِخْوَةِ، فَتُقَدَّمُ فِيهَا بَنَاتُ الْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ بَنَتُ الْأُخْتِ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنَتُ الأخت للأم على قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ تُقَدَّمُ بِنْتُ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ عَلَى بِنْتِ الْأُخْتِ لِلْأَبِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُنَّ إلى بنات الإخوة فيقدم بِنْتُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ بِنْتُ الْأَخِ للأب، ثم بنت الأخ للأم.
وعلى قول ابن سريج على ما ذكرنا ثُمَّ تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ بَعْدَهُنَّ إِلَى بَنَاتِ بَنِي الْإِخْوَةِ دُونَ بَنَاتِ بَنِي الْأَخَوَاتِ؛ لِأَنَّ بَنِي الْأُخْوَةِ عَصَبَةٌ يَرْثُونَ، وَبَنُو الْأَخَوَاتِ لَا يَرْثُونَ فتقدم الحصانة بِنْتَ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ لِبِنْتِ الأخ للأب، لأحضانة لِبِنْتِ ابْنِ الْأَخِ لِلْأُمِّ، لِأَنَّهَا تُدْلِي بِذَكَرٍ لَا يَرْثِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُنَّ إِلَى بَنَاتِ الْأَعْمَامِ فَتُقَدَّمُ بِنْتُ الْعَمِّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ بِنْتُ الْعَمِّ لِلْأَبِ، وَلَا حَضَانَةَ لِبِنْتِ الْعَمِّ لِلْأُمِّ لِإِدْلَائِهَا بِذَكَرٍ لَا يَرِثُ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ بَنَاتِ الْعَصِبَاتِ إِلَى بَنَاتِ الْخَالَاتِ ثُمَّ بَنَاتِ الْعَمَّاتِ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا قِيلَ بِالْوَجْهِ الثَّانِي: فِي انْتِقَالِهَا بَعْدَ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ إِلَى خَالَاتِ الْأَبَوَيْنِ انْتَقَلَتِ الْحَضَانَةُ إِلَى خَالَاتِ الْأُمِّ يَتَرَتَّبْنَ فِيهَا تَرْتِيبَ الْخَالَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ، وَلَا حَضَانَةَ لِعَمَّاتِ الْأُمِّ لِإِدْلَائِهِنَّ بِأَبِي الْأُمِّ، وَهُوَ ذَكَرٌ لَا يَرِثُ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ خَالَاتِ الْأُمِّ إِلَى خَالَاتِ الْأَبِ ثُمَّ إِلَى عَمَّاتِهِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ خَالَاتِ الْأَبِ وَعَمَّاتِهِ إِلَى خَالَاتِ أُمِّ الْأُمِّ دُونَ عَمَّاتِهَا، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُنَّ إِلَى خَالَاتِ الْجَدِّ ثُمَّ إِلَى عَمَّاتِهِ، ثُمَّ تَسْتَعْلِي كَذَلِكَ إِلَى دَرَجَةٍ بَعْدَ دَرَجَةٍ، وَلَا تَسْتَوْعِبُ عَمُودَ الْأُمَّهَاتِ كَمَا اسْتَوْعَبَتْ أُمَّهَاتِ الْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّ الْبُعْدَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأُمِّ وَارِثَةٌ كَالْقُرْبَى، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَضَانَتِهِنَّ قُرْبُ الدَّرَجِ، وَالْخَالَاتُ وَالْعَمَّاتُ بِخِلَافِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ لَا يَرِثْنَ، فَاعْتُبِرَ فِيهِنَّ قُرْبُ الدَّرَجِ، فَإِذَا عُدِمَ خَالَاتُ الْأُمَّهَاتِ وَخَالَاتُ الْآبَاءِ وَعَمَّاتُهُ انْتَقَلَتِ الْحَضَانَةُ بَعْدَهُنَّ إِلَى بَنَاتِ الْأَخَوَاتِ ثُمَّ إِلَى بَنَاتِ بَنَاتِ الْأُخْوَةِ ثُمَّ إِلَى بَنَاتِ الْعَصَبَةِ ثُمَّ إِلَى بَنَاتِ الْخَالَاتِ، ثُمَّ إِلَى بَنَاتِ الْعَمَّاتِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَإِذَا اسْتَوْضَحْتَ مَا قَرَّرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ صَحَّ لَكَ التَّفْرِيعُ عَلَيْهَا عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْقُرَابَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِهَاتِ، وَسَنَذْكُرُ تَفَرُّدَ الرَّجُلِ بِهَا، وَاشْتِرَاكَهُمْ مَعَ النِّسَاءِ فِيهَا مِنْ بَعْدُ وبالله التوفيق.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا وِلَايَةَ لِأُمِّ أَبِي الْأُمِّ لِأَنَّ قَرَابَتَهَا بِأَبٍ لَا بِأُمٍّ فَقَرَابَةُ الصَّبِيِّ مِنَ النِّسَاءِ أَوْلَى ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ كُلُّ ذكر لها يَرِثُ فَلَا حَضَانَةَ لَهُ، لِأَنَّهُ عُدِمَ آلَةَ التَّرْبِيَةِ مِنَ الْأُنُوثِيَّةِ وَفَقَدَ قُوَّةَ النَّسَبِ لِسُقُوطِ للميراث فَجَرَى مَجْرَى الْأَجَانِبِ فَمِنْهُمْ أَبُو الْأُمِّ وَلَا حَضَانَةَ لَهُ وَكَذَلِكَ الْخَالُ وَالْعَمُّ لِلْأُمِّ، وَبَنُو الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ حَضَانَةٌ، فَلَا حَضَانَةَ لِبَنَاتِهِمْ لِإِدْلَائِهِنَّ بِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، فَصِرْنَ فِيهِ أَضْعَفَ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ إِذَا سَقَطَتْ حَضَانَةُ الْكَافِرَةِ وَالْفَاسِقَةِ وَذَاتِ الزَّوْجِ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَةُ بَنَاتِهِنَّ، وَإِنْ أَدْلَيْنَ بِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، فَهَلَّا كَانَتِ الْمُدْلِيَةُ بِذَكَرٍ لَا يَرِثُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا، كَذَلِكَ.
قِيلَ: لِأَنَّ سُقُوطَ الْحَضَانَةِ بِالْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالْفِسْقِ لِعَارِضِ نَقْصٍ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي تَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَضَانَةَ، وَقَدْ يَزُولُ فَتَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ وَلَيْسَ كَمَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الذُّكُورِ الَّذِينَ لَا يَرْثُونَ لِأَنَّهُمْ سَقَطُوا لِعَدَمِ النَّسَبِ لَا لِنَقْصِ عِرْضٍ فَافْتَرَقُوا فَعَلَى هَذَا فَلَا حَضَانَةَ لِأُمِّ أَبِي الْأُمِّ وَلَا لِأُمَّهَاتِ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جَدَّةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَبٌ بَيْنَ أُمَّيْنِ.
فَإِنِ انْفَرَدَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ مِنَ الْقَرَابَاتِ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا فَهَلْ يُسَاوِينَ الْأَجَانِبَ فِيهَا، وَيَصِرْنَ أَحَقَّ بِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُنَّ وَالْأَجَانِبَ فِيهَا سَوَاءٌ، فَإِنْ قَدِمُوا مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهَا بَعْدَ عَدَمِ مُسْتَحِقِّهَا لِتَمَيُّزِهِمْ بِقَرَابَةٍ بَانُوا بِهَا جَمِيعَ الْأَجَانِبِ فَعَلَى هَذَا لَوِ اجْتَمَعَ فِيهَا الذُّكُورُ، وَمَنْ أَدْلَى بِهِمْ مِنَ الْإِنَاثِ فَفِي أَحَقِّهِمْ بِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الذُّكُورَ أَحَقُّ بِهَا لِقُرْبِهِمْ مِمَّنْ أَدْلَى بِهِمْ لِبُعْدِهِمْ فَيَكُونُ أَبُو الْأُمِّ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ مِنْ أُمِّهِ.
وَالْخَالُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ بِنْتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِنَاثَ مَعَ بَعْدَهُنَّ أَحَقُّ بِهِمَا مِمَّنْ أَدْلَيْنَ بِهِ مِنَ الذُّكُورِ مع قربهم لاختصاصهن بالأنثوية الَّتِي هِيَ آلَةُ التَّرْبِيَةِ، وَمَقْصُودُ الْحَضَانَةِ فَتَكُونُ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ

أَحَقَّ مِنْ أَبِيهَا، وَبِنْتُ الْخَالِ أَحَقَّ بِهَا مِنَ الْخَالِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا انْفَرَدَ الذُّكُورُ مِنْهُمْ عَنِ الْإِنَاثِ، وَتَنَازَعَ الْحَضَانَةَ مِنْهُمُ اثْنَانِ نُظِرَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا وِلَادَةٌ كَأَبِي الْأُمِّ وَالْخَالِ كَانَتِ الْحَضَانَةُ لِمَنِ اخْتُصَّ مِنْهُمَا بِالْوِلَادَةِ فَتَكُونُ لِأَبِي الْأُمِّ دُونَ الْخَالِ لِبَعْضِيَّتِهِ، وَأُجْرَى حُكْمُ الْأُبُوَّةِ عَلَيْهِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ وَعِتْقِهِ عَلَيْهِ إِذَا مَلَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا وِلَادَةٌ كَالْخَالِ وَالْعَمِّ مِنَ الْأُمِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، فَيَتَقَرَّعُ بَيْنَهُمَا فِيهَا وَلَا اعْتِبَارَ بِمَنْ أَدْلَيَا بِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ مَعَ وُجُودِ مُسْتَحِقِّهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَشْبَهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا مِنْهُمَا مَنْ قَوِيَ بِسَبَبِ إِدْلَائِهِ، فَيَكُونُ الْخَالُ لِإِدْلَائِهِ بِالْأُمِّ أَحَقَّ بِهَا مِنَ الْعَمِّ لِلْأُمِّ لِإِدْلَائِهِ بِالْأَبِ الَّذِي تَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْأُمُّ، وَلَوْ كَانَ ابْنَ أَخٍ لِأُمِّ وَعَمٍّ لِأُمٍّ، كَانَ الْعَمُّ لِلْأُمِّ أَحَقَّ بِهَا مِنَ ابْنِ الْأَخِ لِلْأُمِّ لِإِدْلَائِهِ لِأُمِّ الْأَبِ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ، وَهَكَذَا لَوِ انْفَرَدَ النِّسَاءُ مِنْهُمْ عَنِ الذُّكُورِ، وَتَنَازَعَهَا مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ وَكَانَتْ فِي إِحْدَاهُمَا وِلَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْأُخْرَى كَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ مَعَ بِنْتِ الْخَالِ كَانَتْ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ أَحَقَّ بِهَا لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ مِنْ بِنْتِ الْخَالِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا وِلَادَةٌ كَبِنْتِ الْخَالِ وَبِنْتِ الْعَمِّ لِلْأُمِّ كَانَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: وَلَكِنْ لَوْ تَنَازَعَ فِيهَا مِنْهُنَّ أُنْثَى وَذَكَرٌ، وَلَيْسَ يُدْلِي وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ كَانَتِ الْأُنْثَى أَحَقَّ بِهَا مِنَ الذَّكَرِ وَجْهًا وَاحِدًا لِاخْتِصَاصِهَا بِآلَةِ التَّرْبِيَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الذَّكَرِ وِلَادَةٌ سَوَاءٌ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ مَعَ الْأَبِ غَيْرَ الْأُمِّ وأمهاتها فأما أخواته وغيرهين فَإِنَّمَا حُقُوقُهُنَّ بِالْأَبِ فَلَا يَكُونُ لَهُنَّ حَقٌّ مَعَهُ وَهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اجْتِمَاعُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ فِي الْحَضَانَةِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ انْفِرَادَ النِّسَاءِ بِهَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ الرِّجَالَ بِهَا عَلَى النِّسَاءِ كَمَا قَدَّمَ انْفِرَادَ النِّسَاءِ بِهَا عَلَى الرِّجَالِ لِيَكُونَ حُكْمُ اجْتِمَاعِهِمَا مَبْنِيًّا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ مِنْ حُكْمِ انْفِرَادِهِمَا.
فَإِذَا اجْتَمَعَ الرِّجَالُ مِنْ أَقَارِبِ الْمَوْلُودِ يَتَنَازَعُونَ حَضَانَتَهُ، مُنْفَرِدِينَ عَنِ النِّسَاءِ فَلَا حَقَّ فِيهَا لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ وَارِثٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَعْفِ قِسْمِهِمْ لِسُقُوطِ مِيرَاثِهِمْ وَتَمَيُّزِهِمْ عَمَّنْ لَا يَرِثُ من النساء بعد الْأُنُوثِيَّةِ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ الْأَقْوَى فِي اسْتِحْقَاقِ

الْحَضَانَةِ وَإِذَا اخْتَصَّتْ بِالْوَرَثَةِ مِنَ الذُّكُورِ لِمَنْ يستحقها من قبل الأم إلا واحد، وَهُوَ الْأَخُ لِلْأُمِّ، لِأَنَّهُ لَا يَرْثِ مِنْ جِهَتِهَا ذَكَرٌ سِوَاهُ، وَكَثُرَ مُسْتَحِقُّوهَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لِكَثْرَةِ الْوَرَثَةِ مِنْهُمْ، وَلَا يَرْثِ مِنْهُمْ إِلَّا عَصَبَةٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَحَقُّ الذُّكُورِ بِالْحَضَانَةِ مِنَ الْوَرَثَةِ الْأَبُ، لِاخْتِصَاصِهِ بِمُبَاشَرَةِ الْوِلَادَةِ وَتَمَيُّزِهِ بِفَضْلِ الْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُ إِلَى آبَائِهِ الَّذِينَ وَلَدُوهُ، وَيَتَقَدَّمُ بِهَا الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَيَكُونُ أَبْعَدُ الْآبَاءِ دَرَجَةً أَحَقَّ بِهَا مِنَ الْإِخْوَةِ، وَإِنْ قَرُبُوا، فَإِذَا عُدِمَ الْأَجْدَادُ انْتَقَلَتْ بَعْدَهُمْ إِلَى الْإِخْوَةِ فَيُقَدَّمُ الْأَخُ لِلْأَبِ والأم ثم الأخ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأُمِّ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا عُدِمَ الْإِخْوَةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى بَنِي الْإِخْوَةِ، وَيَتَقَدَّمُونَ بِهَا عَلَى الْأَعْمَامِ لِقُوَّةِ تَعَصُّبِهِمْ فِي حَجْبِ الْأَعْمَامِ عَنِ الْمِيرَاثِ فَيَتَقَدَّمُ بِهَا ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ ولاحق فِيهَا لِابْنِ الْأَخِ لِلْأُمِّ، لِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُمْ إِلَى أَوْلَادِهِمَا وَإِنْ سَفَلُوا ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُمْ إِلَى الْأَعْمَامِ فَيَتَقَدَّمُ بِهَا الْعَمُّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ لِلْعَمِّ لِلْأُمِّ، لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَهَا إِلَى أَوْلَادِهَا وَإِنْ جَعَلُوا يَتَقَدَّمُونَ بِهَا عَلَى أَعْمَامَ الْأَبِ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُمْ إِلَى بَنِي الْأَعْمَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَنْتَقِلُ بَعْدَ الْإِخْوَةِ إِلَى الْأَعْمَامِ دُونَ بَنِي الْأُخْوَةِ لِقُوَّتِهِمْ فِي الدَّرَجَةِ عَلَى غَيْرِ الْأُخْوَةِ فَإِذَا عُدِمَ الْأَعْمَامُ انْتَقَلَتْ إِلَى بَنِي الْإِخْوَةِ وَإِنْ سَفَلُوا دُونَ بَنِي الْأَعْمَامِ، وَإِنْ قَرُبُوا عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا لِاخْتِصَاصِ بَنِي الْإِخْوَةِ بِالْمَحْرَمِ دُونَ بَنِي الْأَعْمَامِ يَتَقَدَّمُونَ بِهَا وَإِنْ سَفَلُوا عَلَى أَعْمَامِ الْأَبِ فَإِذَا عُدِمَ بَنُو الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ فَفِي مُسْتَحِقِّ الْحَضَانَةِ بَعْدَهُمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَنْتَقِلُ بَعْدَهُمْ إِلَى بَنِي الْأَعْمَامِ إِذَا قِيلَ يَتَقَدَّمُ بِهَا بَنُو الْإِخْوَةِ وَإِنْ سَفَلُوا عَلَى الْعَمِّ ثُمَّ يَنْتَقِلُ بَعْدَهُمْ إِلَى عَمِّ الْأَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى عَمِّ الْأَبِ يَتَقَدَّمُ بِهَا عَلَى بَنِي الْعَمِّ إِذَا قِيلَ: إِنَّ الْعَمَّ مُقَدَّمٌ بِهَا عَلَى بَنِي الْإِخْوَةِ فَإِذَا عُدِمَ عَمُّ الْأَبِ انْتَقَلَتْ بَعْدَهُ إِلَى بَنِي الْعَمِّ يَتَقَدَّمُونَ بِهَا وَإِنْ سَفَلُوا عَلَى بَنِي الْعَمِّ، وَإِنْ قَرُبُوا لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْقُرْبِ وَتَسَاوِيهِمْ فِي عَدَمِ الْمَحْرَمِ ثُمَّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي بَنِي أَبٍ بَعْدَ أَبٍ فَإِذَا عُدِمَ جَمِيعُ الْعَصَبَاتِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى الْمُعْتَقِ فِيهَا حَقٌّ، لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ بِالْعِتْقِ حَقَّ نَفْسِهِ عَنِ الْمُعْتِقِ فَسَقَطَتْ حَضَانَتُهُ فَإِنْ كَانَ لِلْمَوْلَى الْمُعْتَقِ نَسَبٌ هُوَ أَبْعَدُ مَنْ نَسَبِ مَنْ حَضَرَ، فَهَلْ يَتَرَجَّحُ بِوِلَايَةِ مَنْ بَعْدِهِ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ كَعَمٍّ وَعَمِّ أَبٍ مُعْتَقٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يَتَقَدَّمُ بِهِ وَإِنْ بَعُدَ لِجَمْعِهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَجْرِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ التعصب فَتَكُونُ الْحَضَانَةُ لِعَمِّ الْأَبِ لِوَلَائِهِ دُونَ الْعَمِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ بِهِ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَضَانَةَ فَلَمْ يَتَرَجَّحْ بِهِ الْحَضَانَةُ إِلَّا مَعَ التَّكَافُؤِ فَيَكُونُ الْعَمُّ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ بِقُرْبِهِ مِنْ عَمِّ الْأَبِ مَعَ ولادته، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ حُكْمُ مَا أَوْضَحْنَا مِنْ حُكْمِ النِّسَاءِ إِذَا انْفَرَدُوا عَنِ الرِّجَالِ، وَمِنْ حُكْمِ الرِّجَالِ إِذَا انْفَرَدَتْ عَنِ النِّسَاءِ تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ حُكْمُ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَأَحَقُّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِالْحَضَانَةَ الْأُمُّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي " وَلِأَنَّهَا مُبَاشَرِةٌ لِلْوِلَادَةِ قَطْعًا وَإِحَاطَةً وَهِيَ فِي الْأَبِ مَظْنُونَةٌ وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ حُنُوًّا وَإِشْفَاقًا، وَلِأَنَّهَا بِتَرْبِيَتِهِ أَخْبَرُ وَعَلَى التَّشَاغُلِ لِحَضَانَتِهِ أَصْبَرُ، فَإِذَا أُعْدِمَتِ الْأُمُّ فَأُمُّهَا لِأَنَّهَا تَلِي الْأُمَّ فِي مَعَانِيهَا ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ يَتَقَدَّمْنَ عَلَى الْأَبِ مَعَ قُرْبِهِ.
فَإِذَا عُدِمَتِ الْأُمُّ وَأُمَّهَاتُهَا انْتَقَلَتِ الْحَضَانَةُ إِلَى الْأَبِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا دَلَّ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ تَقْدِيمِ مَنْ أَدْلَى بِالْأُمِّ مِنَ النِّسَاءِ كَالْخَالَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، لِأَنَّ فِي الْأَبِ مِنَ الولادة، والاختصاب بِالنَّسَبِ، وَفَضْلِ الْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ مَا لَا يَكُونُ فِيمَنْ عُدِمَ الْوِلَادَةَ وَيَكُونُ مَنِ اخْتُصَّ بِالْوِلَادَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ فَمَنْ عُدِمَ الْوِلَادَةَ فَإِنْ تَسَاوَى فِي الْوِلَادَةِ أَبَوَانِ قُدِّمَتِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ بِالْأُنُوثِيَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالتَّرْبِيَةِ، فَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتِهَا إِلَى الْأَبِ، فَإِنْ عُدِمَ انْتَقَلَتْ إِلَى أُمِّهِ، وَمَنْ عَلَا تَقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ فَإِنْ عُدِمَ أُمَّهَاتُ الْأَبِ انْتَقَلَتْ إِلَى أَبِي الْأَبِ وَهُوَ الْجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتِهِ ثُمَّ إِلَى أَبِي الْجَدِّ ثُمَّ أُمَّهَاتِهِ عَلَى هَذَا، حَتَّى تَسْتَوْعِبَ عَمُودَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ الْوِلَادَةِ فِيهِمْ مَنْ عُدِمَهَا، فَإِذَا عُدِمَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُسْتَحِقِّ الْحَضَانَةِ بَعْدَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ مِنَ الْأَقَارِبِ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ فَتُقَدَّمُ الْأَخَوَاتُ وَالْخَالَاتُ وَالْعَمَّاتُ، وَمَنْ أَدْلَى بِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ عَلَى جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْأُنُوثِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِالْحَضَانَةِ أَخَصُّ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْقَرَابَةِ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِيهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ الْعَصَبَاتِ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَحَقُّ مِنْ جَمِيعِ النِّسَاءِ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ، وَمَنْ يُدْلِي بِهِنَّ مِنْ بَنَاتِهِنَّ لِاخْتِصَاصِ الْعَصِبَاتِ بِالنَّسَبِ وَاسْتِحْقَاقِهِمْ لِلْقِيَامِ بِتَأْدِيبِ الْمَوْلُودِ وَتَقْوِيمِهِ وَلِقُوَّتِهِمْ بِاسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِهِ وَاخْتِصَاصِهِمْ بِنَقْلِهِ إِلَى وَطَنِهِمْ، فَصَارُوا بِذَلِكَ أَحَقَّ بِكَفَالَتِهِ، بِخِلَافِ مَنْ عُدِمَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ مِنَ النساء.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَصَحُّهَا أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْعُمُومِ مَعَ تَفَاضُلِ الدَّرَجِ، وَيَتَرَتَّبُونَ تَرْتِيبَ الْعَصَبَاتِ فِي دَرَجَتِهِ فَالْمُسَاوِي لِلْأُمِّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَإِنْ كَانَ الرِّجَالُ أَقْرَبَ قُدِّمُوا وَإِنْ كَانَ النِّسَاءُ أَقْرَبَ قُدِّمْنَ وَإِنِ اسْتَوَى الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي الدَّرَجِ قُدِّمَ النِّسَاءُ فِيهَا عَلَى الرِّجَالِ لِاخْتِصَاصِهِنَّ بِالْأُنُوثِيَّةِ، فَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ إِلَى الْإِخْوَةِ، وَالْأَخَوَاتِ فَتُقَدَّمْنَ الْأَخَوَاتُ لِأُنُوثَتِهِنَّ ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُنَّ إِلَى الْإِخْوَةِ، فَإِذَا عُدِمُوا انْتَقَلَتْ إلى بنوات الْأَخَوَاتِ ثُمَّ إِلَى بَنِي الْإِخْوَةِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَ ابن أخت وابن أخ كانت بنت الأخ أحق من الْأُخْتِ، وَإِنْ كَانَ مُدْلِيًا بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ اعْتِبَارًا بِأُنُوثِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّ فَإِذَا عُدِمَ دَرَجَةُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ الْمُسَاوِينَ لِلْوَلَدِ فِي دَرَجَتِهِ انْتَقَلَتْ بَعْدَهُمْ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِيهِمْ وَهُمْ مِنْ مُسَاوِي الْأَبَوَيْنِ فِي دَرَجَتِهِمَا الْخَالَاتُ، وَالْمُسَاوِينَ لِلْأَبِ فِي دَرَجَتِهِ الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ لِإِدْلَائِهِنَّ بِالْأُمِّ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنَ الْأَبِ تَنْتَقِلُ بَعْدَهُنَّ إِلَى الْعَمَّاتِ يَتَقَدَّمُونَ فِيهَا عَلَى الْأَعْمَامِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ بَعْدَهُنَّ إِلَى الْأَعْمَامِ فَإِذَا عُدِمَ الْأَعْمَامُ انْتَقَلَتْ إِلَى بَنَاتِ الْخَالَاتِ ثُمَّ إِلَى بَنَاتِ الْعَمَّاتِ ثُمَّ إِلَى بَنَاتِ الْعَمِّ ثُمَّ إِلَى بَنِي الْعَمِّ.
فَإِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ انْتَقَلْتَ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَهِيَ الدَّرَجَةُ الَّتِي تُسَاوِي دَرَجَةَ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ فَيُسَاوِي دَرَجَةَ الْجَدَّةِ خَالَاتُ الْأُمِّ وَتُسَاوِي دَرَجَةَ الْجَدِّ أَعْمَامُ الْأَبِ وَعَمَّاتُهُ فَتَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ إِلَى خَالَاتِ الْأُمِّ ثُمَّ إِلَى خَالَاتِ الْأَبِ ثُمَّ إِلَى عَمَّاتِ الْأَبِ ثُمَّ إِلَى أَعْمَامِ الْأَبِ.
ثُمَّ إِلَى أَوْلَادِهِمْ فَتَكُونُ بعدهم بنات خَالَاتِ الْأُمِّ ثُمَّ لِبَنَاتِ خَالَاتِ الْأَبِ ثُمَّ لِبَنَاتِ عَمَّاتِ الْأَبِ ثُمَّ لِبَنَاتِ أَعْمَامِ الْأَبِ ثُمَّ لِبَنِي أَعْمَامِ الْأَبِ ثُمَّ تُسْتَعْلَى عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ الدَّرَجِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(فَصْلٌ)

فَلَوِ اجْتَمَعَ مَعَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْحَضَانَةِ خُنْثَى مُشْكِلٌ نُظِرَ فِي مُسْتَحِقِّهَا، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا لَمْ يُسَاوِهِ الْخُنْثَى فِيهَا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً وَهَلْ يَتَقَدَّمُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَدَمِ الرِّجَالِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهَا امْرَأَةً لَمْ يُسَاوِهَا الْخُنْثَى، وَهَلْ يَتَقَدَّمُ بِذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، إِذَا تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ امْرَأَةٌ فَلَوْ أَخْبَرَ الْخُنْثَى عَنِ اخْتِيَارِهِ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ رجلاً أَوِ امْرَأَةٌ عُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ وَهَلْ يُعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ فِي اسْتِحْقَاقِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ أعرف بنفسه.

وَالثَّانِي: لَا يُعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ لِتُهْمَتِهِ.

(فَصْلٌ)

إِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ فِي كَفَالَةِ الْمَوْلُودِ، وَلَهُ زَوْجَةٌ كَبِيرَةٌ نُظِرَ، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا أَوِ اسْتِمْتَاعِهَا بِهِ، فَهِيَ أَحَقُّ بِكَفَالَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْ جَمِيعِ قِرَابَاتِهِ، لِمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْمَوَدَّةِ، فَكَانَ أَسْكَنَ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ أَعْطَفَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا وَاسْتِمْتَاعُهَا بِهِ فَلَا حَقَّ لَهَا فِي كَفَالَتِهِ، وَأَقَارِبُهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَحَقُّ مِنْهُمَا بِهِ، فَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ أَقَارِبِهِ، فَهَلْ يَتَرَجَّحُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَقَارِبِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِكَفَالَتِهِ مِنْ جَمِيعِهِمْ لِجَمْعِهَا بَيْنَ سَبَبَيْنِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا تَتَرَجَّحُ بِهِ عَلَى غَيْرِهَا، وَتَقِفُ فِي الْكَفَالَةِ عَلَى دَرَجَتِهَا مِنَ الْقَرَابَةِ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ بِالْكَفَالَةِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَوْلُودُ جَارِيَةً، وَلَهَا زَوْجٌ كَبِيرٌ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كَانَ أَحَقَّ بِكَفَالَتِهَا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ فَالْأَقَارِبُ أَحَقُّ بِكَفَالَتِهَا مِنْهُ، فَإِنْ شَارَكَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ فَهَلْ يَتَرَجَّحُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلِيُّهُمْ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا لم يكن أبا أَوْ كَانَ غَائِبًا أَوْ غَيْرُ رَشِيدٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ الْجَدُّ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ نَقْصِهِ بِرِقٍّ، أَوْ كُفْرٍ، أَوْ مَعَ غَيْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَلَامَتِهِ، وَكَذَلِكَ أُمُّ الْأُمِّ تَقُومُ مَقَامَ الْأُمِّ عِنْدَ مَوْتِهَا، وَنَقْصِهَا وَمَعَ غَيْبَتِهَا.
فَإِنْ قِيلَ فلما نَقَلْتُمُ الْحَضَانَةَ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا بِالْغَيْبَةِ، وَلَمْ تَنْقُلُوا وِلَايَةَ النِّكَاحِ عَنِ الْغَائِبِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْغَيْبَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِهَا حَقُّ الْوَلِيِّ، وَتَمْنَعُ مِنَ الْكَفَالَةِ فَسَقَطَ بِهَا حَقُّ الْكَفِيلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ يَتَقَدَّمُ بِالْحَضَانَةِ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الْمَوْلُودِ بَيْنَهُمْ فِي الْكَفَالَةِ فَأَصْلُ تَخْيِيرِهِ يَكُونُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ الْأُمِّ وَالْأَبِ، وَلَا تَخْيِيرَ بَيْنَ غَيْرِهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا، فَإِنْ عُدِمَتِ الْأُمُّ خُيِّرَ بَيْنَ الْأَبِ وَبَيْنَ جَمِيعِ أُمَّهَاتِ الْأُمِّ، وَكُنَّ فِي تَخْيِيرِ الْمَوْلُودِ بَيْنَ الْأَبِ وَبَيْنَهُنَّ كَالْأُمِّ، وَلَوْ عُدِمَ الْأَبُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمِّ، خُيِّرَ الْمَوْلُودُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَمِيعِ آبَاءِ الْأَبِ مِنْ سَائِرِ الْأَجْدَادِ، وَكَانُوا فِي تَخْيِيرِ الْمَوْلُودِ بَيْنَ الْأُمِّ وَبَيْنَهُمْ كَالْأَبِ وَإِذَا وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَبِ وَجَمِيعِ الْجَدَّاتِ وَبَيْنَ الْأُمِّ وَجَمِيعِ الْأَجْدَادِ، ثبت

التَّخْيِيرُ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَجْدَادِ وَجَمِيعِ الْجَدَّاتِ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ.
فَأَمَّا تَخْيِيرُ الْمَوْلُودِ بَيْنَ الْأُمِّ وَبَيْنَ سائر العصبات عشر عَدَمِ الْأَبِ وَالْأَجْدَادِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَبَيْنَهُمْ فَفِيهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُخَيَّرُ وَتَكُونُ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكَذَلِكَ أَبُو أَبِي الْأَبِ وَكَذَلِكَ الْعَصَبَةُ يَقُومُونَ مَقَامَ الْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَقْرَبُ مِنْهُمْ مَعَ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمِّهَاتِهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْجَدُّ أَبُو أَبِي الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ نَقْصِهِ وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ يقوم مَقَامَ الْأُمِّ، عِنْدَ مَوْتِهَا أَوْ نَقْصِهَا، فَأَمَّا التخيير الْمَوْلُودِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّي حَضَانَتِهِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، والأم والأب، ولا تخير بَيْنَ غَيْرِهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا، فَإِنْ عُدِمَتِ الْأُمُّ خُيِّرَ بَيْنَ الْأَبِ وَبَيْنَ جَمِيعِ أُمَّهَاتِ الْأُمِّ وَإِنْ عُدِمَ الْأَبُ خُيِّرَ بَيْنَ الْأُمِّ وَجَمِيعِ آبَاءِ الْأَبِ، هَذَا فِيمَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْيِيرِهِ بَيْنَ الْأُمِّ وَسَائِرِ الْعَصَبَاتِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُخَيَّرُ وَتَكُونُ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَتِهِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْوِلَادَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُخَيَّرُ كَمَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وبين الأب لأنهم عصبة مناسبون كالأب ولحديث عُمَارَةَ الْجُرَمِيِّ قَالَ: خَيَّرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ أُمِّي وَعَمِّي وَقَالَ لِأَخٍ لِي هُوَ أَصْغَرُ مِنِّي، وَهَذَا أَيْضًا لَوْ قَدْ بَلَغَ لَخَيَّرْتُهُ.
فَأَمَّا تَخْيِيرُهُ بَيْنَ الْأَبِ وَبَيْنَ غَيْرِ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتِهَا مِنْ نِسَاءِ الْحَضَانَةِ، فَإِنْ أَدْلَيْنَ بِالْأَبِ لَمْ يُخَيَّرْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الْأَبِ، وَإِنْ أَدْلَيْنَ بِالْأُمِّ كَالْخَالَاتِ فَفِي تَخْيِيرِهِ بَيْنَ الْأَبِ وَبَيْنَهُنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا تَخْيِيرُهُ بَيْنَ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ، وَبَيْنَ سَائِرِ النِّسَاءِ سِوَى الْأُمَّهَاتِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا تخير وَتَكُونُ الْعَصَبَاتُ أَحَقَّ.
وَالثَّانِي: لَا يُخَيَّرُ وَيَكُونُ نِسَاءُ الْقُرَابَاتِ أَحَقَّ.
وَالثَّالِثُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ عَصَبَاتِهِ وبين نساء قراباته إذا تساوت درجتهم فَإِنْ تَسَاوَى اثْنَانِ فِي عَصَبَتِهِ لِأَخَوَيْنِ أَوِ اثْنَتَانِ مِنْ قِرَابَاتِهِ كَالْأُخْتَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يخير بينهما.

وَالثَّانِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُخَيَّرُ وَيَسْتَحِقُّهُ مِنْ قرع منهما.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَرَادَ الْأَبُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنِ الْبَلَدِ الَّذِي نَكَحَ بِهِ الْمَرْأَةَ كَانَ بَلَدَهُ أَوْ بَلَدَهَا فَسَوَاءٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِذَا قَالَ أَرَدْتُ النَّقْلَةَ وَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ مُرْضَعًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا انْتَقَلَ الْأَبُ عَنْ وَطَنِ الْأُمِّ لِاسْتِيطَانِ غَيْرِهِ مِنَ البلاد يكون بِوَلَدِهِ أَحَقَّ مِنْ أُمِّهِ سَوَاءٌ كَانَ رَضِيعًا فِي زَمَانِ الْحَضَانَةِ أَوْ فَطِيمًا فِي زَمَانِ الْكَفَالَةِ، وَهَكَذَا لَوْ أَقَامَ الْأَبُ وَانْتَقَلَتِ الْأُمُّ، كَانَ الْأَبُ أَحَقَّ بِالْوَلَدِ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بَلَدَهُ أَوْ بَلَدَهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِ انْتَقَلَتِ الْأُمُّ إِلَى بَلَدِهَا الَّذِي نَكَحَهَا فِيهِ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى غَيْرِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ حِفْظَ نَسَبِهِ مُخْتَصٌّ بِأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، وَهُوَ أَوْلَى بِمَصَالِحِهِ لِثُبُوتِ التَّوَارُثِ بِهِ، وَلَوْ خَرَجَ لِسَفَرِ حَاجَةٍ فَالْأَمْرُ عَلَى حَقِّهَا مِنْ كَفَالَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ لِمَا يَنَالُهُ مِنْ شَقَاءِ السَّفَرِ وَكَثْرَةِ الحظر فلو اختلفا في السفرن فَقَالَ الْأَبُ أُرِيدُهُ لِلنَّقْلِ فِي الِاسْتِيطَانِ وَقَالَتِ الْأُمُّ: بَلْ تُرِيدُهُ لِلْحَاجَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبِ مع يمنيه لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَزْمُهُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي كَفَالَةِ وَلَدِهِ جَازَ.
وَلَوْ أَرَادَتِ الْأُمُّ الِاسْتِنَابَةَ لَمْ يَجُزْ، لِاخْتِصَاصِ الْأَبِ بِالْمُرَاعَاةِ، وَهِيَ تُمَكِّنُهُ مِنَ الِاسْتِنَابَةِ وَاخْتِصَاصُ الْأُمِّ بِمُبَاشَرَةِ التَّرْبِيَةِ، وَهَى مَعْقُودَةٌ مَعَ الاستنابة.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكَذَلِكَ الْعَصَبَةُ إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ الْأُمُّ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَتَكُونُ أَوْلَى ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَعْنِي أَنَّ الْعَصَبَةَ بَعْدَ الْأَبِ يَقُومُونَ مَقَامَهُ إِذَا انْتَقَلُوا فِي إِخْرَاجِهِ مَعَهُمْ لِحِفْظِ نَسَبِهِ بِهِمْ، كَالْأَبِ، فَإِنِ انْتَقَلَ بَعْضُهُمْ وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ، فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْتَقِلَ أَبَاعِدُهُمْ وَيُقِيمَ أَقَارِبُهُمْ فَالْمُقِيمُونَ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْتَقِلَ أَقَارِبُهُمْ وَيُقِيمَ أَبَاعِدُهُمْ فَالْمُنْتَقِلُونَ أَوْلَى بِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الدَّرَجَةِ قُرْبًا وَبُعْدًا فَالْمُقِيمُونَ أَوْلَى به من المتنقلين لِاسْتِوَائِهِمْ فِي حِفْظِ نَسَبِهِ وَحُصُولِ الدَّعَةِ بِإِقَامَتِهِ.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا حَقَّ لِمَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ فِي وَلَدِ الْحُرِّ وَإِذَا كَانَ وَلَدُ الْحُرِّ مَمَالِيكَ فَسَيِّدُهُمْ أَحَقُّ بِهِمْ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا حَقَّ لِلْمَمْلُوكِ فِي حَضَانَةِ وَلَدِهِ، لِأَنَّ فِي الْحَضَانَةِ وِلَايَةً لَا تَسْتَحِقُّ مَعَ الرِّقِّ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَمَنْ رَقَّ بَعْضُهُ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ جَارِيَةٌ، فَإِنْ عَتَقُوا زَاحَمُوا أَهْلَ الْحَضَانَةِ فِيهَا وَلَا يَمْنَعُهُمْ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ عَلَيْهِمْ مُنَازَعَةَ مَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْحُرِّيَّةِ وَلِكَمَالِ التصرف.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا كَانُوا مِنْ حُرَّةٍ وَأَبُوهُمْ مَمْلُوكٌ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِمْ وَلَا يُخَيَّرُونَ فِي وَقْتِ الْخِيَارِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو دُخُولُ الرِّقِّ بَيْنَ الْوَلَدِ وَأَبَوَيْهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَأَبَوَاهُ مَمْلُوكَيْنِ فَلَا حَضَانَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِرِقِّهِ وَلَا لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي وَلَدِ مَمْلُوكِهِ لِحُرِّيَّتِهِ وَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْعَادِمِ لِأَبَوَيْهِ فَيَقُومُ بِكَفَالَتِهِ وَنَفَقَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى أَنْ يُرَاهِقَ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ مُرَاعَاةِ غَيْرِهِ، وَيَقْدِرَ عَلَى الِاكْتِسَابِ بِنَفْسِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ الْبُلُوغُ إِلَّا فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَالُ الضَّرُورَةِ، وَفِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ كَمَالُ الْوَلَدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مَمْلُوكًا وَأَبَوَاهُ حُرَّيْنِ فَلَا كَفَالَةَ لَهُمَا بَعْدَ الْبَيْعِ لِرِقِّ الْوَلَدِ، وَلَا حَضَانَةَ لِأَبِيهِ فِيمَا دُونَ السَّبْعِ، وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأُمِّ لِحَضَانَتِهِ فِي السَّبْعِ رَضِيعًا أَوْ فَطِيمًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَسْتَحِقُّهَا لِفَضْلِ حُنُوِّهَا، وَعَجْزِ السَّيِّدِ عَنْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَسْتَحِقُّهَا، لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَأَبُوهُ حُرَّيْنِ، وَأُمُّهُ مَمْلُوكَةً فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ حَاضِنًا وَكَفِيلًا لِحُرِّيَّتِهِ وَرِقِّ الْأُمِّ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَأُمُّهُ مَمْلُوكَيْنِ وَأَبُوهُ حُرًّا، فَلَا حَقَّ لِأَبِيهِ فِي حضانته ولا في كفالة، فَأَمَّا أُمُّهُ فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ فَلَا حَقَّ لَهَا فِي حَضَانَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ لِسَيِّدِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ صِغَرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لا تولد وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا ". وَهَلْ تَصِيرُ بِالْمَنْعِ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا مُسْتَحِقَّةً لِحَضَانَتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَسْتَحِقُّهَا، لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا قَدْ جَعَلَهَا أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَسْتَحِقُّهَا لِأَنَّ ثُبُوتَ الرِّقِّ عَلَيْهَا مَانِعٌ مِنْ وِلَايَتِهَا.

(باب نفقة المماليك)

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنِ بَكْرٍ أَوْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " الْمُزَنِيُّ شَكَّ " عَنْ عَجْلَانَ أَبِي مُحْمَدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ (قَالَ) فَعَلَى مَالِكِ الْمَمْلُوكِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الْبَالِغَيْنِ إِذَا شَغَلَهُمَا فِي عَمَلٍ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا وَيَكْسُوَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: النَّفَقَةُ تَجِبُ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ، بِنَسَبٍ، وَزَوْجِيَّةٍ وَمِلْكِ يَمِينٍ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُهَا بِالنَّسَبِ وَالزَّوْجِيَّةِ، فَأَمَّا مِلْكُ الْيَمِينِ فَتَجِبُ بِهِ نَفَقَاتُ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُقَدَّمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ، مَا لَا يُطِيقُ فَبَيَّنَ بِهَذَا الخبر ما يجب المملوك مِنَ النَّفَقَةِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ وَلِأَنَّ السَّيِّدَ مَالِكٌ لِتَصَرُّفِ عَبْدِهِ وَكَسْبِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِنَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ لِمَا يَلْزَمُهُ من حراسة نفسه.
(فيما تجب فيه نفقة المملوك)

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُوبُ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ فَسَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا صَحِيحًا أَوْ زَمِنًا عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا مُكْتَسِبًا أَوْ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكْتَسِبٍ أَنَفَقَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكْتَسِبًا فَالسَّيِّدُ بِالْخِيَارِ فِي اسْتِخْدَامِهِ وَالْتِزَامِ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَبَيْنَ الْإِذْنِ لَهُ فِي الِاكْتِسَابِ وَيَكُونُ اكْتِسَابُهُ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِتَصَرُّفِهِ، وَعَلَى السَّيِّدِ نَفَقَتُهُ، وَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَأَخْذِ جَمِيعِ كَسْبِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِنِ اكْتَسَبَ وَفْقَ نَفَقَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ السَّيِّدُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ وَلَمْ يَلْزَمْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ نَفَقَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْكَسْبُ أَقَلَّ مِنْ نَفَقَتِهِ رَجَعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْبَاقِي مِنْ نَفَقَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْكَسْبُ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَتِهِ رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِفَاضِلِ كَسْبِهِ.

(الْقَوْلُ فِي مِقْدَارِ نَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ وَجِنْسِهَا)

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَذَلِكَ نَفَقَةُ رَقِيقِ بَلَدِهِمَا الشِّبَعُ لِأَوْسَاطِ النَاسِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ مِنْ أَيِّ الطَّعَامِ كَانَ قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ ذُرَةً أَوْ تَمْرًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْحُكْمُ فِي نَفَقَةِ الْعَبْدِ مُشْتَمِلٌ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي مِقْدَارِهَا.
وَالثَّانِي: فِي جِنْسِهَا.
فَأَمَّا مِقْدَارُهَا فَيُعْتَبَرُ بِالْكِفَايَةِ فِيمَا يَقْتَاتُهُ أَمْثَالُهُ فِي الْغَالِبِ وَلَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، بِخِلَافِ الزَّوْجَاتِ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ مُعَاوَضَةٌ وَهَذِهِ مُوَاسَاةٌ فَتُعْتَبَرُ بِالْأَغْلَبِ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ، فَإِنَّ مِنَ الناس زهيد يَكْتَفِي بِالْقَلِيلِ وَهُوَ نَادِرٌ، وَمِنْهُمْ رَغِيبٌ لَا يَكْفِيهِ إِلَّا الْكَثِيرُ وَهُوَ نَادِرٌ، وَلَا اعْتِبَارَ فِيهِ بِالنَّادِرَيْنِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَيُعْتَبَرُ وَسَطُ الطَّرَفَيْنِ فَيَكُونُ هُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْعَبْدُ، وقد يختلف ذلك على وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَإِنَّ لِلصَّغِيرِ مِنْهُ مقدار لا يكتفي به الكبير، وللكبير مقدار لَا يَسْتَحِقُّهُ الصَّغِيرُ، فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَسَبِ حَالِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَ مِقْدَارُهُ بِعُرْفِ الْبِلَادِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يَكْتَفُونَ بِالْقَلِيلِ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ يَتَوَسَّطُونَ، وَالْأَعَاجِمَ وَأَهْلَ الْجِبَالِ يُكْثِرُونَ، فَلَوْ أَعْطَاهُ الْمِقْدَارَ الْمُعْتَبَرَ فِي الْعُرْفِ الْمُتَوَسِّطِ لَمْ يَخْلُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ وفق كفايته فقد ملكه: ولي لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ، وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَهُ مَتَى شَاءَ إِذَا تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ فِي مَرَّةٍ أو مرتين أو مرار، فَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ فِي وَقْتِ أَكْلِهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ جَازَ لِيُعْتَبَرَ فِيهِ حَقُّهُ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَعِنْدِي إِنْ كَانَ إِبْدَالُهُ يُؤَخِّرُ أَكْلَهُ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ جَازَ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ كِفَايَتِهِ، لِأَنَّهُ زَهِيدٌ مُقَلِّلٌ فَلِلسَّيِّدِ اسْتِرْجَاعُ الْفَاضِلِ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَهَبَهُ وَلَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا عَنْ إِذْنِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهِ، لِأَنَّهُ رَغِيبٌ مُكْثِرٌ فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُتَوَسِّطِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي بَدَنِهِ وَقُوَّتِهِ لَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي بَدَنِهِ وَقُوَّتِهِ لَزِمَ أَنْ يُتِمَّ لَهُ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ نَدَرَتْ لِأَنَّ عَلَيْهِ حراسة نفسه.

(الْقَوْلُ فِي جِنْسِ نَفَقَةِ الرَّقِيقِ)

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا جِنْسُ قُوتِهِ، فَالْمُعْتَبَرُ بِعُرْفِ بَلَدِهِ فِيمَا يَقْتَاتَهُ غَالِبُ مُتَوَسِّطِهِمْ، فَإِنِ اقْتَاتُوا الْحِنْطَةَ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَإِنِ اقْتَاتُوا غَيْرَهَا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ أَقِطٍ أَوْ تَمْرٍ كَانَ حَقُّهُ مِنْهَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِالسَّيِّدِ إِذَا تَنَعَّمَ فَأَكَلَ السَّمِيدَ وَالْمُحَوَّرَ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ فِي الْأَغْلَبِ بَيْنَ السَّادَةِ وَالْعَبِيدِ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ "، وَالْمَعْرُوفُ هُوَ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ بِالْمَأْلُوفِ وَكَذَلِكَ حَالَةُ الْعَبْدِ فِي إِدَامِهِ يُؤْدِمُ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُتَوَسِّطِينَ فِي بَلَدِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ سَمَكٍ أَوْ دُهْنٍ أَوْ لَبَنٍ، وَلَا اعْتِبَارَ بِإِدَامِ السَّيِّدِ إِذَا تلذذ بأكل الدجاج والخرفان، وكذلك لوقتر عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مُتَحَكِّمٌ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مُلْتَزِمٌ، وَعَلَى السَّيِّدِ فِي طَعَامِ عَبْدِهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ مَخْبُوزًا، وَفِي إِدَامِهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ مَصْنُوعًا.
بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّهُ حَبًّا لِثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلسَّيِّدِ إِذَا تَوَلَّى عَبْدُهُ صُنْعَ طَعَامِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ شَهْوَتَهُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - انه قال: " إذا كفى خادم أحدكم طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ، وَالتَّرْوِيغُ أَنْ يُرَوِّيَهَا مِنَ الدَّسَمِ فَإِنِ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبِرْهُ.
(الْقَوْلُ في كسوة المملوك)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكِسْوَتُهُمْ كَذَلِكَ مِمَّا يَعْرِفُ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنَّهُ معروف صُوفٌ أَوْ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ الْأَغْلَبَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ وَكَانَ لَا يُسَمَّى مِثْلُهُ ضَيِّقًا بِمَوْضَعِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: كِسْوَةُ الْعَبْدِ مُعْتَبَرَةٌ بِمِثْلِ مَا اعْتُبِرَ بِهِ قُوتُهُ مِنْ غَالِبِ كِسْوَاتِ الْعَبِيدِ فِي الْبَلَدِ، وَالْإِمَاءِ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، وَيَمْلِكُ الْعَبْدُ لِبَاسَ كِسْوَتِهِ، وَلَا يَمْلِكُ أَثْمَانَهَا وَإِذَا خَلَقَتِ اسْتَجَدَّ لَهُ السَّيِّدُ غَيْرَهَا، وَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إِذَا كَانَ يَلْبَسُ مُرْتَفِعَ الثِّيَابِ وَنَاعِمَهَا مِنَ الْوَشْيِ وَالْحَرِيرِ أَنْ يُسَاوِيَ فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، وَيَلْزَمُهُ إِذَا كَانَ يَلْبَسُ أَدْنَى الثِّيَابِ كَالْبَوَادِي وَأَهْلِ الْقُرَى أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَعَبْدِهِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: إخوانكم حولكم تَحْتَ أَيْدِيكُمْ أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَذَلِكَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ فِي مَأْكَلِهِمْ وَمَلْبَسِهِمْ بِمُسَاوَاةِ عَبِيدِهِمْ دُونَ الْمُتَمَيِّزِينَ عَنْهُمْ، وَالسَّادَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:

أَحَدُهَا: مُوسِرٌ يَسْتَعْمِلُ أَعْمَالَ الْمُوسِرِينَ، فَلَا تَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ نَفْسِهِ وَعَبْدِهِ.
وَالثَّانِي: مُعْسِرٌ يَسْتَعْمِلُ أَعْمَالَ الْمُعْسِرِينَ فَهَذَا يَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ عَبْدِهِ.
وَالثَّالِثُ: هُوَ مُوسِرٌ يَسْتَعْمِلُ أَفْعَالَ الْمُعْسِرِينَ فَيَلْزَمُهُ مُسَاوَاةُ عَبْدِهِ.
وَالرَّابِعُ: مُعْسِرٌ يَسْتَعْمِلُ أفعال الموسرين فيمنع من مساواة عبده لترفهه فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
(الْقَوْلُ فِي كِسْوَةِ الْجَوَارِي)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَالْجَوَارِي إِذَا كَانَتْ لَهُنَّ فَرَاهَةٌ وَجَمَالٌ فَالْمَعْرُوفُ انهن يكسين أحسن من كسوة اللائي دُونَهُنَّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْمَمْلُوكِينَ أَطْعِمُوهُمْ مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون (قال الشافعي) رحمه الله: هذا كلام مجمل يجوز أن يكون على الجواب فيسال السائل عن مماليكه وإنما يأكل تمراً أو شعيراً ويلبس صوفاً فقال أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون والسائلون عرب ولبوس عامتهم وطعامهم خشن ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقارب فأما من خالف معاش السلف فأكل رقيق الطعام ولبس جيد الثياب فلو آسى رقيقه كان أحسن وإن لم يفعل فله ما قاله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " نفقته وكسوته بالمعروف " فأما من لبس الوشي والمروي والخز وأكل النقي وألوان لحوم الدجاج فهذا ليس بالمعروف للمماليك وقال عليه السلام " إِذَا كَفَى أَحَدِكُمْ خَادِمُه طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فليدعه فليجلسه معه فإن أبى فليروغ له لقمة فيناوله إياها " أو كلمة هذا معناها فلما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فليروغ له لقمة " كان هذا عندنا والله أعلم على وجهين أولاهما بمعناه أن إجلاسه معه أفضل وإن لم يفعل فليس بواجب إِذْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وإلا فليروغ له لقمة " لأن إجلاسه لو كان واجبا لم يجعل له أن يروغ له لقمة دون أن يجلسه معه أو يكون بالخيار بين أن يناوله أو يجلسه وقد يكون أمر اختيار غير الحتم وهذا يدل على ما وصفنا من بيان طعام المملوك وطعام سيده والمملوك الذي يلي طعام الرجل مخالف عندي للمملوك الذي لا يلي طعامه ينبغي أن يناوله مما يقرب إليه ولو لقمة فإن المعروف أن لا يكون يرى طعاماً قد ولي العمل فيه ثم لا ينال منه شيئاً يرد به شهوته وأقل ما يرد به شهوته لقمة وغيره من المماليك لم يله ولم يره والسنة خصت هذا من المماليك دون غيره وفي القرآن ما يدل على ما يوافق بعض معنى

هذا قال الله جل ثناؤه ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فارزقوهم منه﴾ ولم يقل يرزق مثلهم ممن لم يحضر وقيل ذلك في المواريث وغيرها من الغنائم وهذا أوسع وأحب إلي ويعطون ما طابت به نفس المعطي بلا توقيت ولا يحرمون ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.
فَجِوَارِي الْخِدْمَةِ مُبْتَذَلَاتٌ، فَالْعُرْفُ فِي كِسْوَتِهِنَّ أَنْ تَكُونَ أَدْوَنَ، وَجِوَارِي التَّسَرِّي مَصُونَاتٌ لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَالْعُرْفُ فِي كِسْوَتِهِنَّ أَنْ تَكُونَ أَرْفَعَ، فَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ كِسْوَةُ مَنْ هُوَ بَيْنَ الدَّوَابِّ أَدْوَنُ مِنْ كِسْوَةِ مَنْ قَامَ بِتَمْيِيزِ الْأَمْوَالِ، وَكِسْوَاتُ الْجَوَارِي أَعَمُّ مِنْ كِسْوَاتِ الْعَبِيدِ لِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ فَضْلِ السَّتْرِ لِئَلَّا تَمْتَدَّ إِلَيْهِنَّ الْأَبْصَارُ فَتَتَحَرَّكَ بِهَا الشَّهَوَاتُ.
(الْقَوْلُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكِ من العمل)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَعْنَى لَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا مَا يُطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ لَا مَا يُطِيقُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ ثَمَّ يَعْجِزُ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ مَا لَا يَضُرُّ بِبَدَنِهِ الضَّرَرَ الْبَيِّنَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى مَا لِلْمَمْلُوكِ عَلَى سَيِّدِهِ مِنَ الْقُوتِ وَالْكِسْوَةِ، فَأَمَّا مَا لِلسَّيِّدِ عَلَى مَمْلُوكِهِ مِنَ الْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ فَيَفْتَرِقُ فِيهِ حَالُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْعُرْفِ نَوْعًا مِنَ الْخِدْمَةِ وَصِنْفًا مِنَ الْعَمَلِ، لِاخْتِلَافِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِيهِمَا، فَيُكَلَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْهُودَ خِدْمَتِهِ وَمَأْلُوفَ عَمَلِهِ، فَإِنِ اشْتَرَكَ الْفَرِيقَانِ فِي عَمَلٍ اسْتَعْمَلَ فِيهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُلَ عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ مِنْ صِنَاعَةٍ قَدِ اخْتَصَّ بِهَا إِلَى تَعَلُّمِ غَيْرِهَا مِنْ صَنَائِعِ مِثْلِهِ، فَأَمَّا قَدْرُ الْعَمَلِ فَمُعْتَبَرٌ بِمَا يُطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يُؤَثِّرُ فِي إِنْهَاكِ بَدَنٍ وَإِضْعَافِ قُوَّةٍ، فَأَمَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَلَا يُطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يُؤَثِّرُ فِي إِنْهَاكِ بَدَنِهِ وَإِضْعَافِ قُوَّتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَهُ إِيَّاهُ فِي طَوِيلِ الزَّمَانِ وَلَا فِي قَصِيرِهِ، لِأَنَّهُ نَوْعٌ خَرَجَ مِنْ مُسْتَحِقِّ عَمَلِهِ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْعَبْدُ فِي مُدَّةِ طَاقَتِهِ جَازَ.
وَإِنْ كَثُرَ مُنِعَ مِنَ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ (الْقَوْلُ فِي نَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ إذا عمي أو زمن)

(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ عَمِيَ أَوْ زَمِنَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ بِالْمِلْكِ دُونَ الْعَمَلِ فَاسْتَوَى فِيهَا الصَّحِيحُ وَالزَّمِنُ، كَمَا يَسْتَوِي فِيهَا الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْأَعْمَى وَالزَّمِنُ فِيمَا يَصِحُّ مِنَ الْعُمْيَانِ وَالزَّمْنَى.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَمَةَ غَيْرَ وَلَدِهَا فَيَمْنَعَ مِنْهَا وَلَدَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رِيِّهِ أَوْ يَكُونَ وَلَدُهَا يَغْتَذِي بِالطَّعَامِ فَيُقِيمَ بَدَنَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو وَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُرًّا أَوْ مَمْلُوكًا، فَإِنْ كَانَ حُرًّا فَنَفَقَتُهُ وَرَضَاعُهُ عَلَى أَبِيهِ دُونَ سَيِّدِ أُمِّهِ، وَلِسَيِّدِهَا أَنْ يَسْتَرْضِعَ لَبَنَهَا مَنْ أَرَادَ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ لِسَيِّدِ أُمِّهِ أَوْ غَيْرِهِا، فَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِ سَيِّدِهَا فَنَفَقَتُهُ وَرَضَاعَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ لِسَيِّدِهَا فَنَفَقَتُهُ وَرَضَاعَتُهُ عَلَى سَيِّدِهَا وَأُمُّهُ أَحَقُّ بِرَضَاعِهِ مِنْ غَيْرِهَا لِفَضْلِ حُنُوِّهَا وَاسْتِمْرَاءِ لَبَنِهَا وَإِدْرَارِهِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا يَخْلُو لَبَنُهَا مَعَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ رِيِّهِ وَوَفْقَ كِفَايَتِهِ فَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَضَاعِ وَلَدِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَهَا غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233] . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَبَنُهَا قَاصِرًا عَنْ رِيِّهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهَا مِنْ رَضَاعِهِ وَيُتَمِّمَ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا بِقِيمَةِ رِيِّهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ لَبَنُهَا أَكْثَرَ مِنْ رِيِّهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ ارْتِضَاعِ رِيِّهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ فَاضِلَ لَبَنِهَا مَنْ شَاءَ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ.
(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيُنْفِقُ عَلَى وَلَدِ أُمِّ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا وَلَدُهُ مِنْهَا فَهُوَ حُرٌّ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ كَسَائِرِ وَلَدِهِ، وَأَمَّا وَلَدُهَا مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ وَتَبَعٌ لِأُمِّهِ يُمْنَعُ مَنْ بِيعِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ مَعَ أُمِّهِ فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِيعَهُمَا لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الرِّقِّ عَلَيْهِمَا، وَيَمْلِكُ أَكْسَابَهُمَا وَيَسْتَخْدِمُهُمَا للأم دون الولد.
(مسألة) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَيَمْنَعُهُ الْإِمَامُ أَنْ يَجْعَلْ عَلَى أَمَتِهِ خَرَاجًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلٍ وَاجِبٍ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الْكَسْبَ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ " لَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَيَسْرِقَ وَلَا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَتَكْسِبَ بِفَرْجِهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَضْعُ الْخَرَاجِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ هُوَ أَنْ يُخْلِفَ السَّيِّدُ بَيْنَ عَبْدِهِ وَكَسْبِهِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَى سَيِّدِهِ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا مَعْلُومًا، وَيَكُونَ لَهُ فَاضِلُ كَسْبِهِ بِنَفَقَةٍ عَلَى نَفْسِهِ وَيَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ فَهَذَا جَائِزٌ، وَقَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

موالي أَبِي طِيبَةَ حِينَ حَجَّمَهُ وَقَدْ ضَرَبُوا عَلَيْهِ خَرَاجًا أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ، وخَرَاجَهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ وَهُوَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ دُونَ اللَّازِمَةِ، وَجَوَازُهُ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَرَاضَيَا بِهِ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَصِحُّ مِنَ الْإِجْبَارِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُكْتَسِبًا لِقَدْرِ خَرَاجِهِ فَمَا زَادَ، فَإِنْ قَصَرَ كَسْبُهُ عَنْ خَرَاجِهِ لَمْ يَصِحَّ لِقَوْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ لَا تُكَلِّفِ الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَيَسْرِقَ وَلَا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَتَكْتَسِبَ بِفَرْجِهَا، ويستوفي منه السيد خراجه.
قال عَجَزَ عَنْهُ جَازَ أَنْ يُنْظِرَ بِهِ وَجَازَ لَهُ وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَفْسَخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدَ الْمُخَارَجَةِ بِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِ سَبَبٍ فَإِنْ فَسَخَهُ أَحَدُهُمَا وَفِي يَدِ الْعَبْدِ فَاضِلٌ مِنْ كسبه كان ملكاً لسيده، وبالله التوفيق.

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَابَّةٌ فِي الْمِصْرِ أَوْ شَاةٌ أَوْ بَعِيرٌ عَلَفَهُ بِمَا يُقِيمُهُ فَإِنِ امْتَنَعَ أَخَذَهُ السُلْطَانُ بِعَلَفِهِ أَوْ بَيْعِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: نَفَقَاتُ الْبَهَائِمِ الْمَمْلُوكَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى أَرْبَابِهَا لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " وَنَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْبَهَائِمِ وَعَنْ قَتْلِهَا إِلَّا لِمَأْكَلِهِ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: أُطْلِعْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي.
فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ امْرَأَةً تُعَذَّبَ فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ إِنَّهَا رَبَطَتْ هِرَّةً فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ فَعَذَّبَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَاطَّلَعَتُ عَلَى الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ امْرَأَةً مُوَمِسَةً يَعْنِي زَانِيَةً فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ إِنَّهَا مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى بِئْرٍ يَلْهَثُ مِنَ الْعَطَشِ فَأَرْسَلَتْ إِزَارَهَا فَبَلَّتْهُ وَعَصَرَتْهُ فِي حَلْقِهِ حَتَّى رُوِيَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا، فَدَلَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ عَلَى حِرَاسَةِ نُفُوقِ الْبَهَائِمِ بِإِطْعَامِهَا حَتَّى تَشْبَعَ وَيسَقْيِهَا حَتَّى تُرَوَى سَوَاءٌ كَانَتْ مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ، فَإِنْ قَصَّرَ فِيهَا حَتَّى هَلَكَتْ أَوْ نُهِكَتْ أَثِمَ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " فَإِنْ كَانَ بِبَادِيَةٍ غَنَمٌ أَوْ إِبِلٌ أَوْ بقر أخذت على المرعى خلاها والرعي فإن أجدبت الأرض علفها أو ذبحها أو باعها ولا يحبسها فتموت هزلا إن لم يكن في الأرض متعلق وأجبر على ذلك إلا أن يكون فيها متعلق لأنها على ما في الأرض تتخذ وليست كالدواب التي لا ترعى والأرض مخصبة إلا رعيا ضعيفاً ولا تقوم للجدب قيام الرواعي ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عُلُوفَةُ الْبَهَائِمِ مُعْتَبَرَةٌ بِعُرْفِهَا، وَلَهَا فِي الْعُرْفِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَعْلُوفَةً لَا تَرْعَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْلِفَهَا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى أَوَّلِ شِبَعِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ الِانْتِهَاءُ إِلَى غَايَتِهِ وَيَسْقِيَهَا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى رِيِّهَا دُونَ غَايَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَدِّلَ بِهَا إِلَى الرَّعْيِ إِذَا لَمْ تَأْلَفْهُ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ عَلْفِهَا أَوْ قَصَّرَ عَنْ كِفَايَتِهَا رُوعِيَ حالها، فإن

كَانَتْ مَأْكُولَةً خُيِّرَ مَالِكُهَا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ.
بَيْنَ عَلْفِهَا أَوْ ذَبْحِهَا أَوْ بَيْعِهَا.
فَإِنِ امْتَنَعَ بَاعَ السُّلْطَانُ مِنْهَا بِقَدْرِ عَلَفِهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهَا بَاعَ عَلَيْهِ جَمِيعَهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ، خُيِّرَ بَيْنَ عَلْفِهَا أَوْ بَيْعِهَا وَحَرُمَ عَلَيْهِ ذَبْحُهَا لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إِلَّا لِمَأْكِلِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ رَاعِيَةً لَا تَعْتَلِفُ.
فَعَلَيْهِ إِرْسَالُهَا فِي الْمَرْعَى حَتَّى تَشْبَعَ مِنَ الْكَلَأِ، وَتَرْتَوِيَ من الماء وعليه في تسريحها للمرعى حقاً أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ أَرْضُ الْمَرْعَى ذَاتَ مَاءٍ مَشْرُوبٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ غَيْرَ مُشْبِعَةٍ حَتَّى لَا تَفْتَرِشَ، ثُمَّ لَهُ بَعْدَ الشِّبَعِ وَالرَّعْيِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَوَامِلَهَا.
فَإِنْ جَدَبَتِ الْأَرْضُ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مُتَعَلِّقٌ تَرْعَى نَقَلَهَا إِلَى أَرْضٍ خِصْبَةٍ إِنْ وَجَدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ ارْتَادَ لَهَا مَا يُمْسِكُ رَمَقَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فُعِلَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ جَامِعَةً بَيْنَ الْعُلُوفَةِ وَالرَّعْيِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أحدها: أَنْ تَكْتَفِيَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَكُونَ مُخَيَّرًا فِيهِمَا.
فَإِنِ امْتَنَعَ فَعَلَى مَا مَضَى.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَكْتَفِيَ إِلَّا بِهِمَا فَعَلَيْهِ لَهَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَقْتَصِرَ بِهَا عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنِ امْتَنَعَ فَعَلَى مَا مَضَى.
(الْقَوْلُ في حلب أمهات النسل)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا تُحْلَبُ أُمَّهَاتُ النَّسْلِ إِلَّا فَضْلًا عَمَّا يُقِيمُ أَوْلَادَهُنَّ لَا يَحْلِبُهُنَّ فَيَمُتْنَ هَزَلًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَدُ الْبَهِيمَةِ فِي ارْتِوَائِهِ مِنْ لَبَنِهَا إِذَا كَانَ رَضِيعًا كَوَلَدِ الْأَمَةِ فِي تَمْكِينِهِ مِنْ رِيِّهِ لِحُرْمَةِ نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يجلب مِنْ لَبَنِهَا إِذَا كَانَ رَضِيعًا إِلَّا مَا فضل عن ريه حتى يستغنى عنه برعي أَوْ عُلُوفَه أَوْ ذَبْحِهِ إِذَا كَانَ مَأْكُولًا، فَإِنْ عَدَلَ بِهِ إِلَى لَبَنٍ غَيْرِ أُمِّهِ جَازَ إِنِ اشْتَرَاهُ، وَإِنْ أَبَاهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ كان أحق بلبن أمه، وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

(كِتَابُ الْقَتْلِ)

(بَابُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ)

(وَمَنْ يَجِبُ عليه القصاص ومن لا يجب)

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بالحق﴾ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي ابْتِدَاءِ الْقَتْلِ وَتَحْرِيمِهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَابِيلَ، وَقَابِيلَ، حَتَّى بَلَّغَ الْأُمَّةَ وَأَنْذَرَهَا فَقَالَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: 27] يَعْنِي بِالصِّدْقِ، وَيُرِيدُ بِابْنَيْ آدَمَ قَابِيلَ الْقَاتِلَ، وَهَابِيلَ الْمَقْتُولَ ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة: 27] وَسَبَبُ قُرْبَانِهِمَا أَنَّ آدَمَ أَقَرَّ أَنْ يُزَوِّجَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ وَلَدِهِ بِتَوْأَمَةِ أَخِيهِ، فَلَمَّا هَمَّ هَابِيلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِتَوْأَمَةِ قَابِيلَ مَنَعَهُ مِنْهَا، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ.
وَفِي سَبَبِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ قَابِيلَ وَتَوْأَمَتَهُ كَانَا مِنْ وِلَادَةِ الْجَنَّةِ؛ وَهَابِيلَ وَتَوْأَمَتَهُ كَانَا مِنْ وِلَادَةِ الْأَرْضِ،.
وَالثَّانِي: لِأَنَّ تَوْأَمَةَ قَابِيلَ كَانَتْ أَحْسَنَ مِنْ تَوْأَمَةِ هَابِيلَ فَاخْتَصَمَا إِلَى آدَمَ فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُقَرِّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ هَابِيلُ راعياً فقرب هابيل سَمِينَةً مِنْ خِيَارِ مَالِهِ، وَكَانَ قَابِيلُ حَرَّاثًا، فَقَرَّبَ حِزْمَةَ زَرْعٍ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْقَبُولِ فَازْدَادَ حَسَدُ قَابِيلَ لِهَابِيلَ، فقال: " لأقتلنك " قال: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 27، 28] فَلَمْ يَمْنَعْ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْهَا وَهُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ الْآنَ؛ وَفِي وُجُوبِهِ لِلْفُقَهَاءِ قَوْلَانِ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 30] فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: شَجَّعَتْ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَالثَّانِي: زينت قاله قتادة.
فقتله ﴿فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: 30] قِيلَ: بِحَجَرٍ شَرَخَ بِهِ رَأْسَهُ {فأصبح من

الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30] لِأَنَّهُ خَسِرَ أَخَاهُ وَدِينَهُ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31] لِأَنَّهُ تَرَكَ أَخَاهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَدْفِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ قَبْلَهُ مَقْتُولًا وَلَا مَيِّتًا، وَفِي بَحْثِ الْغُرَابِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بَحَثَ الْأَرْضَ عَلَى مَا يَدْفِنُهُ فِيهَا لِقُوَّتِهِ فَتَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى دَفْنِ أَخِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بَحَثَ عَلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ حتى دفنه ﴿قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغرب فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ [المائدة: 31] فَدَفَنَهُ حِينَئِذٍ وَوَارَاهُ فأصبح من النادمين فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ.
وَالثَّانِي: مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى أَنْ تَرَكَ مُوَارَاةَ سَوْأَةِ أَخِيهِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ مَا أَنْهَاهُ مِنْ حَالِ ابْنَيْ آدَمَ ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] أَنْ خَلَّصَهَا مِنْ قَتْلٍ وَهَلَكَةٍ وَسَمَّاهُ إِحْيَاءً لِمَا فِيهِ مِنْ بَقَاءِ الْحَيَاةِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُحْيِي، وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِقَتْلِ النَّاسِ جَمِيعًا وَإِحْيَاءِ النَّاسِ جَمِيعًا تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ جَمِيعَ النَّاسِ عِنْدَ الْمَقْتُولِ، وَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ عِنْدَ الْمُسْتَنْقَذِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ دَمَ الْقَاتِلِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُمْ جَمِيعًا وَعَلَيْهِمْ شُكْرَ الْمُحْيِي كَمَا لَوْ أَحْيَاهُمْ جَمِيعًا، وَهَذَا أَصْلٌ فِي تَحْرِيمِ الْقَتْلِ.
وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضُرِبَا مَثَلًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَخُذُوا مِنْ خَيْرِهِمَا وَدَعُوا شَرَّهُمَا ". وَقَالَ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 92] الْآيَةَ وَهَذَا أَغْلَظُ وَعِيدٍ يَجِبُ فِي أَغْلَظِ تَحْرِيمٍ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِأَجْلِ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الوَعِيدِ إِنَّ تَوْبَةَ الْقَاتِلِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَتَعَلُّقًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَا نَازَلْتُ رَبِّي فِي شَيْءٍ كَمَا نَازَلْتُهُ فِي تَوْبَةِ قَاتِلِ الْعَمْدِ فَأَبَى عَلَيَّ " وَذَهَبَ مَنْ سِوَاهُ إِلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: 68] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إلا من تاب﴾ فَاسْتَثْنَاهُ مِنَ الوَعِيدِ، فَدَلَّ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الْآيَةِ الْأُولَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْسَخَ ما بعدها.

قِيلَ: لَيْسَ فِيهَا نَسْخٌ، وَإِنَّمَا فِيهَا إِثْبَاتُ شَرْطٍ، وَالشَّرْطُ مَعْمُولٌ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، فأما الخبر المحمول عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ لِئَلَّا يُسَارِعَ النَّاسُ على الْقَتْلِ تَعْوِيلًا عَلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ " مَا يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى هَذَا مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25] وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْزَعِ التَّوْبَةَ عَنْ أُمَّتِي إِلَّا عِنْدَ الْحَشْرَجَةِ " يَعْنِي وَقْتَ الْمُعَايَنَةِ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْقَتْلِ بِالسُّنَّةِ فَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ عَنْ عُثْمَانَ، وَرَوَى مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ، كُلُّهُمْ يَتَّفِقُونَ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِأحَدَ ثَلَاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ". وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مر بقتيل فقال من لهذا؟ قلم يُذْكَرْ لَهُ أَحَدٌ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ ". وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " زَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ ". وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَيُّ الْكَبَائِرِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ.
قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ".

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَلَا إِنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حراماً عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا اللَّهُمَّ اشْهَدْ ".

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَشَوَاهِدِ الْعُقُولِ فَالْقِصَاصُ فِيهِ وَاجِبٌ لِقَوْلِ الله تعالى: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ من أخيه شيء فاتباع بمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة: 178] يَعْنِي أَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الْقَوَدِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الدِّيَةِ، يُطَالِبُ بِهَا الْوَلِيُّ بِمَعْرُوفٍ، وَيُؤَدِّيهَا الْقَاتِلُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ، ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، يَعْنِي: التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصَ دُونَ الدِّيَةِ، وَقَوْمَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْجَبَ عَلَيْهِمِ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ، وَخُيِّرَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَكَانَ تَخْفِيفًا من الله تعالى ورحمة وقال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] لِأَنَّ الْقِصَاصَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اسْتِيفَائِهِ حَيَاةٌ فَوُجُوبُهُ سَبَبٌ لِلْحَيَاةِ، لِأَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا عَلِمَ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ كَفَّ عَنِ الْقَتْلِ، وَلَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فَصَارَ حَيَاةً لَهُمَا، وَهَذَا مِنْ أَوْجَهِ كَلَامٍ وَأَوْضَحِ مَعْنًى.
وَقِيلَ: إِنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ: يا بني إسرائيل لاتقتلوا تُقْتَلُوا، وَبَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَرْقٌ إِذَا سُبِرَ، وَتَعَاطَتِ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالُوا: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ، وَكَانَ لَفْظُ الْقِرَآنُ أَفْصَحَ، وَمَعْنَاهُ: أَوْضَحَ وَكَلَامُهُ أوجز، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْقِصَاصُ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عباس فلا يسرف في القتل فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ.
وَالثَّانِي: يُمَثِّلُ بِهِ إِذَا اقْتَصَّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَتَأَوَّلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَدَاوُدُ تَأْوِيلًا ثَالِثًا: أَنْ يَقْتُلَ الْجَمَاعَةَ بِالْوَاحِدِ.
(إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَلِيَّ كَانَ مَنْصُورًا بِتَمْكِينِهِ مِنَ القِصَاصِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ مَنْصُورًا بِقَتْلِ قَاتِلِهِ، وَهُوَ قول مجاهد، وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بالعين﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾

[المائدة: 45] لَهُ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ لِلْمَجْرُوحِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.
وَالثَّانِي: فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْجَارِحِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ أَخْذِ الْحَقِّ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا، وَهِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ لَنَا.
قِيلَ: فِي لُزُومِهَا لَنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُنَا إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْنَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] بِالرَّفْعِ وَهَذَا خَارِجٌ عَنِ الْخَبَرِ إِلَى الْأَمْرِ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَى حُمَيْدٌ عن أنس قال: كسرت الربيع بنت مسعود وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: لَا وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ " فَرَضِيَ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ " ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ.
فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ فِي السِّنِّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَدَلَّ عَلَى لُزُومِهَا لَنَا، وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ مِنَ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " ثَمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللَّهِ عَاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ ". وروي عن البني أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَهُوَ بِهِ بِسَوَاءٍ " يَعْنِي سَوَاءً فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وهو معتبر بالتكافئ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ تَعَلَّقَ بِالْقَتْلِ حَقَّانِ: أَحَدُهُمَا: لِلَّهِ.
وَالثَّانِي: لِلْمَقْتُولِ.
فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ فَشَيْئَانِ الكفارة والمأثم.

فَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَأَمَّا الْمَأْثَمُ فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالتَّوْبَةُ مُعْتَبَرَةٌ بثلاثة شروط: أحدها: النَّدَمُ عَلَى قَتْلِهِ، وَتَرْكُ الْعَزْمِ عَلَى مِثْلِهِ، وَتَسْلِيمُ نَفْسِهِ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ؛ لِيَقْتَصَّ مِنْهُ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
وَأَمَّا حَقُّ الْمَقْتُولِ فَأَحَدُ أَمْرَيْنِ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَى خِيَارِ وَلِيِّهِ فِي الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
وَرُوِيَ أَنْ مِقْيَسَ بْنَ صُبَابَةَ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُطَالِبُهِ بِدَمِ أَخِيهِ وَقَدْ قَتَلَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ، فَحَكَمَ لَهُ بِالدِّيَةِ، فَأَخَذَهَا ثُمَّ عَدَا عَلَى قاتل أخيه وعاد إلى مكة مرتداً.
وأنشأ يَقُولُ.
(شَفَى النَفْسَ أَنْ قَدْ بَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنِدًا ... تُضَرِّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الْأَخَادِعِ)

(ثَأَرْثُ بِهِ قَهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ... سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ)

(حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي ... وَكُنْتُ عَنِ الْإِسْلَامِ أَوَّلَ رَاجِعِ)

فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ صَبْرًا.
وَهُوَ أَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، وَإِنْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ.

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا تَكَافَأَ الدَّمَانِ مِنَ الأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْأَحْرَارِ مِنَ المُعَاهَدِينَ أَوِ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ قُتِلَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مُكَافِئُ دَمِهِ مِنْهُمُ الذَّكَرُ قُتِلَ بِالذَّكَرِ وَبِالْأُنْثَى وَالْأُنْثَى إِذَا قَتَلَتْ بِالْأُنْثَى وَبِالذَّكَرِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُكَافَأَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى تَفْصِيلِ أَقْسَامِهَا وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مُكَافَأَةٌ فِي الْأَجْنَاسِ، وَمُكَافَأَةٌ فِي الْأَنْسَابِ، وَمُكَافَأَةٌ فِي الْأَحْكَامِ.
فَأَمَّا مُكَافَأَةُ الْأَجْنَاسِ: فَهُوَ الذُّكُورُ بِالذُّكُورِ وَالْإِنَاثُ بِالْإِنَاثِ؛ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِأَسْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ وَبِالْأُنْثَى، وَتُقْتَلَ الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى وَبِالذَّكَرِ.
وَحَكَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى إِلَّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا نِصْفُ الدِّيَةِ ثُمَّ يُقْتَلُ بِهَا.

وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] فَلَمَّا لَمْ يَتَكَافَأِ الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ لَمْ يَتَكَافَأِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، وَلِأَنَّ تَفَاضُلَ الدِّيَاتِ تَمْنَعُ مِنَ التَّمَاثُلِ فِي الْقِصَاصِ كَمَا يَمْنَعُ تَفَاضُلَ الْقِيَمِ فِي الْمُتْلَفَاتِ مِنَ التَّسَاوِي فِي الْغُرْمِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45] فَعَمَّ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَتَبَ كِتَابًا إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ الْفَرَائِضُ، وَالسُّنَنُ وَأَنْفَذَهُ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ فِيهِ " يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى " وَهَذَا نَصٌّ.
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ يَهُودِيًّا مَرَّ بِجَارِيَةٍ عَلَيْهَا حُلِيٌّ لَهَا، فَأَخَذَ حُلِيَّهَا، وَأَلْقَاهَا فِي بِئْرٍ فَأُخْرِجَتْ وَبِهَا رَمَقٌ، فَقِيلَ: مَنْ قَتَلَكِ؟ قَالَتْ: فُلَانٌ الْيَهُودِيُّ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.
وَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ تَعَلَّقَ بِحُرْمَةٍ كَالْحُدُودِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَضَرْبٌ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ كَالْمِيرَاثِ؛ فَتَكُونُ الْمَرْأَةُ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ وَالْقَوَدُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحُرْمَةِ فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ.
وَالدِّيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ.
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ إِنْ وَجَبَ فَبَذْلُ الْمَالِ مَعَهُ لَا يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ فَبَذْلُ الْمَالِ لَا يَجِبُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالأُنْثَى بالأنثى﴾ فَلَيْسَ يَمْنَعُ قَتْلُ الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى مِنْ قَتْلِ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِعَيْنٍ لَا يَقْتَضِي نَفْيَهُ عَمَّا عَدَاهَا.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الدِّيَاتِ فَلَا يَمْنَعُ مِنَ التَّمَاثُلِ فِي الْقِصَاصِ كَتَفَاضُلِ الدِّيَاتِ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ وَهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي الْقِصَاصِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا التَّكَافُؤُ بِالْأَنْسَابِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالْإِجْمَاعِ فَيُقْتَلُ الشَّرِيفُ بِالدَّنِيءِ، وَالدَّنِيءُ بِالشَّرِيفِ، وَالْعَرَبِيُّ بِالْعَجَمِيِّ، وَالْعَجَمِيُّ بِالْعَرَبِيِّ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ " وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " ائْتُونِي بِأَعْمَالِكُمْ وَلَا تَأْتُونِي بِأَنْسَابِكُمْ ".

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: مَنْ لَهُ عَلَيَّ مَظْلَمَةٌ أَوْ لَهُ قِبَلِي حَقٌّ فَلْيَقُمْ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عُكَّاشَةُ، فَقَالَ: لِي عَلَيْكَ مَظْلَمَةٌ ضَرْبَتَين بِالسَّوْطِ عَلَى بَطْنِي يَوْمَ كَذَا، فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَطْنِهِ وَقَالَ: قُمْ فَاقْتَصَّ، فَبَكَى الرَّجُلُ، وَقَالَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّ الشَّرِيفَ كَانَ إِذَا أَتَى الْحَدَّ لَمْ يُحَدَّ وَحُدَّ الدَّنِيءُ ". وَأَمَّا تَكَافُؤُ الْأَحْكَامِ فَكَالْأَحْرَارِ مَعَ الْعَبِيدِ، وَالْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُعَاهِدِينَ، فَهُوَ عِنْدَنَا مُعْتَبَرٌ، وَإِنْ خُولِفْنَا فِيهِ وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِيهِ.
وَأَصْلُ التَّكَافُؤِ فِي الْحُرِّيَّةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بيانه.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ". وَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ وَهُوَ فِي التَّحْرِيمِ مثل المعاهد.
(قال المزني) رحمه الله: فإذا لم يقتل بأحد الكافرين المحرمين لم يقتل بالآخر.
(قال الشافعي) رحمه الله: قال قائل: عنى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقتل مؤمن بكافر حربي فهل من بيان في مثل هذا يثبت؟ . قلت نعم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن " فهل تزعم أنه أراد أهل الحرب لأن دماءهم وأموالهم حلال؟ قال لا ولكنها على جميع الكافرين لأن اسم الكفر يلزمهم.
قلنا وكذلك لا يقتل مؤمن بكافر لأن اسم الكفر يلزمهم فما الفرق؟ . قال قائل: روينا حديث ابن البيلماني قلنا منقطع وخطأ إنما روي فيما بلغنا أن عمرو بن أمية قتل كافراً كان له عهد إلى مدة، وكان المقتول رسولاً فقتله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - به فلو كان ثابتاً كنت قد خالفته، وكان منسوخاً لأنه قتل قبل الفتح بزمان، وخطبة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لا يقتل مؤمن بكافر " عام الفتح، وهو خطأ لأن عمرو بن أمية عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دهراً وَأَنْتَ تَأْخُذُ الْعِلْمَ مِمَّنْ بَعُدَ لَيْسَ لَكَ به معرفة أصحابنا ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا تَكَافُؤُ الْأَحْكَامِ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَمُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا فَيُقْتَصُّ مِنَ الأَدْنَى بِالْأَعْلَى وَلَا يُقْتَصُّ مِنَ الأَعْلَى بِالْأَدْنَى، وَهُوَ أَنْ يُقْتَلَ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ، وَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَافِرُ ذِمِّيًّا، أَوْ مُعَاهِدًا، أَوْ حَرْبِيًّا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُعَاهِدِ وَالْحَرْبِيِّ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكِتَابِيِّ، وَلَا يُقْتَلُ بِالْمَجُوسِيِّ.
وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] وَرِوَايَةِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَتَلَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ وَقَالَ: " أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ ". وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ قَتَلَ مُشْرِكًا، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْأَلُهُ عَنْ مُسْلِمٍ قَتَلَ نَصْرَانِيًّا فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ يَقْتَادَ مِنْهُ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ قُتِلَ بِهِ الْكَافِرُ جَازَ أَنْ يُقْتَلَ بِالْكَافِرِ كَالْكَافِرِ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ قُتِلَ بِأَهْلِ مِلَّتِهِ جَازَ أَنْ يُقْتَلَ بِغَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِهِ كَقَتْلِ الْيَهُودِيِّ بِالنَّصْرَانِيِّ.
وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ سَاوَى الذِّمِّيَّ فِي حَقْنِ دَمِهِمَا عَلَى التَّأْبِيدِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا كَالْمُسْلِمِينَ.
وَلِأَنَّ حُرْمَةَ نَفْسِ الذِّمِّيِّ أَغْلَظُ مِنْ حُرْمَةِ مَالِهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِ تُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ يَدِهِ بِيَدِهِ، وَلِأَنَّ كَافِرًا لَوْ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ لَمْ يَمْنَعْ إِسْلَامُهُ مِنَ الاسْتِيفَاءِ لِلْقَوَدِ، كَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَوَدِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْكَافِرِ قَتْلُ الْمُسْلِمِ دَفْعًا عَنْ نفسه، كان قبله قَوَدًا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْحَالَيْنِ قَتْلُ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: 20] فَكَانَ نَفْيُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا يَمْنَعُ مِنْ تَسَاوِي نُفُوسِهِمَا، وَتَكَافُؤِ دِمَائِهِمَا، فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ بِالْجَنَّةِ لِجَوَازِ كُفْرِهِ، وَلَا عَلَى الْكَافِرِ بِالنَّارِ لِجَوَازِ إِسْلَامِهِ.
قِيلَ: الْحُكْمُ وَارِدٌ فِي عُمُومِ الْجِنْسَيْنِ دُونَ أَعْيَانِ الْأَشْخَاصِ، وَقَدْ قَطَعَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِالْجَنَّةِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ بِالنَّارِ وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى

الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141] وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ، وَقَدْ نَرَى لِلْكَافِرِ سَبِيلًا عَلَى الْمُسْلِمِ بِالتَّسَلُّطِ وَالْيَدِ، وَنَفْيُ السَّبِيلِ عَنْهُ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ.
فإن قيل: وهو مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ اعْتِبَارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ.
وَالثَّانِي: أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ الدَّالَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُهَا عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ بِغَيْرِهَا.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ". وَرَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ ". وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شيئاً لم يعهده إلى الناس [عامة؟] فَقَالَ: لَا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَإِذَا فِيهِ " المسلمون تتكافأ دماءهم، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أدناهم.
ألا لا يقتل مؤمن بكافرن ولا ذو عهد في عهده ". وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَخْرَجَ أَبِي سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِذَا فِيهِ الْعَقْلُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً وَلَا يُتْرَكُ مُفْرَجٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
وَالْمُفْرَجُ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ قَبِيلَةٌ يَنْضَمُّ إِلَيْهَا فَأَمَرَ أَنْ يُضَمَّ إِلَى قَبِيلَةٍ يُضَافُ إِلَيْهَا حَتَّى لَا يَكُونَ مُفْرَدًا.
فَدَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ كُلُّهَا عَلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
فَإِنْ قَالُوا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ " أَيْ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: " وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ " وَذُو الْعَهْدِ يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ، وَلَا يُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّ؛ لِيَكُونَ حُكْمُ الْعَطْفِ مُوَافِقًا لِحُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَعَنْهُ جوابان:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ " يَقْتَضِي عُمُومَ الْكُفَّارِ مِنَ المُعَاهَدِينَ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِإِضْمَارٍ وَتَأْوِيلٍ، وَقَوْلُهُ: " وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عهده " كلام مبتدأ أي: لا يقبل ذُو الْعَهْدِ لِأَجْلِ عَهْدِهِ، وَأَنَّ الْعَهْدَ مِنْ قِبَلِهِ حَقْنًا لِدِمَاءِ ذَوِي الْعُهُودِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ " مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ كَافِرٍ مِنْ مُعَاهَدٍ وَحَرْبِيٍّ.
وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْخُصُوصِ فِي أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّ، وَإِنْ قُتِلَ بِالْمُعَاهَدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ مُوجِبًا لِتَخْصِيصِ الْآخَرِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا مُسْلِمًا بِكَافِرٍ لَقَتَلْتُ خِدَامًا بِالْهُذَلِيِّ " وَلَوْ جَازَ قَتْلُهُ بِبَعْضِ الْكُفَّارِ دُونَ بَعْضٍ غيره وَلَمْ يُطْلِقْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَمَّا لم يقتل بالمستأمن لم يقتل بالذمي.
وللجمع بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ عِلَلٍ: إِحْدَاهُنَّ: أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْكُفْرِ؛ فَوَجَبَ إِذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَنْ لَا يُقَادَ بِهِ كَالْمُسْتَأْمَنِ.
وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ دِينُهُ مِنَ اسْتِرْقَاقِهِ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ مَنْ مَنَعَ دِينُهُ مِنَ اسْتِرْقَاقِهِ كَالْمُسْتَأْمَنِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُنْتَقَضٌ بِالْكَافِرِ إِذَا قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي شَرْطِ الْعِلَّةِ إِذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا قَتَلَهُ وَهُوَ كَافِرٌ، فَلَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الْعِلَّةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيلَ لِلْجِنْسِ فَلَا تَنْتَقِضُ إِلَّا بِمِثْلِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُسْتَأْمَنُ نَاقِصُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ دَمَهُ مَحْقُونٌ إِلَى مُدَّةٍ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ تَامُّ الْحُرْمَةِ، مَحْقُونُ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَأَشْبَهَ الْمُسْلِمَ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اخْتِلَافَ الْحُرْمَتَيْنِ فِي الْمُدَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَسَاوِيهِمَا فِي الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ الْمُدَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَجْنَبِيَّةِ مُؤَقَّتٌ، وَتَحْرِيمَ ذَاتِ الْمَحْرَمِ مُؤَبَّدٌ، وَقَدِ اسْتَوَيَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الزِّنَا كَذَلِكَ ها هنا.
وَالثَّانِي: أَنَّ لِلنَّفْسِ بَدَلَيْنِ الْقَوَدَ وَالدِّيَةَ، فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعِ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْحُرْمَةِ مِنْ تَسَاوِيهِمَا فِي الدِّيَةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقَوَدِ؛ وَلِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَجِبُ بِهَتْكِ حُرْمَةِ

الْعِرْضِ، وَالْقَوَدُ يَجِبُ بِهَتْكِ حُرْمَةِ النَّفْسِ، فَلَمَّا سَقَطَ عَنِ الْمُسْلِمِ حَدُّ قَذْفِهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْقَوَدُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ النَّفْسِ أَغْلَظُ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا أَكْفَاءَ فَلَمْ يَجُزْ حُكْمُهُمْ عَلَى غَيْرِ الْأَكْفَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عُمُومٌ خُصَّ بِدَلِيلٍ.
فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] فَهُوَ قِصَاصٌ لَهُمْ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْعَلَ قِصَاصًا عَلَيْهِمْ.
وأما حديث عبد الرحمن بن الْبَيْلَمَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَتَلَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُثْبِتُهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، ثُمَّ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْبَيْلَمَانِيِّ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَالْمَرَاسِيلُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، وَلَوْ سُلِّمَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لَمَا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ لَا تَجْرِي عَلَى الْعُمُومِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَسْلَمَ بَعْدَ قَتْلِهِ فَقَتَلَهُ بِهِ، وَإِذَا احْتُمِلَ هَذَا وَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنِ الِاحْتِجَاجِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ فَقَدْ أَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ طَرِيقَهُ ضَعِيفٌ وَرُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَمَاتَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ؛ فَاسْتَحَالَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ.
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَنْتَ تَأْخُذُ الْعِلْمَ، من بَعُدَ لَيْسَ لَكَ بِهِ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِنَا يَعْنِي: أَهْلَ الْحَرَمَيْنِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ بَيْنَهُمْ فَكَانُوا بِأَقْوَالِهِ وَأَصْحَابِهِ أَعْرَفَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي رِوَايَتِهِمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ رَسُولٌ مُسْتَأْمَنٌ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ دَلِيلٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَنْكَرَ عَلَيْهِ.
وَرَوَى لَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ " وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ لَهُ: لَا تَقْتُلْ أَخَاكَ بِعَبْدِكَ فَرَجَعَ عَنْهُ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ لَا تَقْتُلَهُ بِهِ، فَصَارَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ حُقِنَ دَمُهُ بِدِينِهِ وَأَنَّ دِينَهُ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِرْقَاقِهِ فَخَالَفَ الْكَافِرَ.

وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى قَتْلِ الْيَهُودِيِّ بِالنَّصْرَانِيِّ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ عِنْدَنَا مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَنَوَّعَ، فَلِذَلِكَ جَرَى الْقَوَدُ بَيْنَهُمَا، وَمِلَّةُ الْإِسْلَامِ مُخَالِفَةٌ لَهُمَا وَمُفَضَّلَةٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَغْلَظُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَالِ، وَالْمُسْلِمُ يُقْطَعُ فِي مَالِ الْكَافِرِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يُقْتَلَ بِنَفْسِ الْكَافِرِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ فَجَازَ أَنْ يُسْتَحَقَّ فِي مَالِ الْكَافِرِ كَمَا يُسْتَحَقُّ فِي مَالِ الْمُسْلِمِ وَالْقَوَدُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ لِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْهُ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ كَافِرٌ عَلَى مُسْلِمٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ قَطْعُ الْمُسْلِمِ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْتَأْمَنِ، وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ، جَازَ أَنْ يُقْطَعَ فِي مَالِ الذِّمِّيِّ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْكَافِرِ فَالْمَعْنَى فِيهِ تَسَاوِيهِمَا فِي الدِّينِ.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ قَتْلِهِ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ قَتْلِهِ لَا وَجْهَ لَهُ لَأَنَّ الْقَوَدَ حَدٌّ، وَالْحُدُودُ تُعْتَبَرُ بِحَالِ الْوُجُوبِ، وَلَا تُعْتَبَرُ بِمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَجْنُونًا لَوْ قَتَلَ ثُمَّ عَقَلَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَلَوْ كَانَ عَاقِلًا وَقْتَ الْقَتْلِ ثُمَّ جُنَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَقَدْ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ " وَإِنْ خَالَفْنَاهُ فِيهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
وَقَوْلُهُمْ: لَمَّا جَازَ أَنْ يَقْتُلَهُ دَفْعًا، جَازَ أَنْ يَقْتُلَهُ قَوَدًا، فَيُفَسَّرُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ دَفْعًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ بِهِ قَوَدًا.
وَالثَّانِي: بِالْمَالِ يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ الْمُسْلِمُ بِدَفْعِهِ عَنْهُ وَلَا يُقْتَلُ مَا بِدَفْعِهِ عَلَيْهِ.
وَفِيمَا تَتَجَافَاهُ النُّفُوسُ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ مَا يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ.
حَكَى يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقَوَدِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِرُقْعَةٍ أَلْقَاهَا إِلَيْهِ مِنْ شاعر بغدادي يكنى أبو الْمُضَرِّجِي فِيهَا مَكْتُوبٌ.
(يَا قَاتِلَ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ ... جُرْتَ وَمَا الْعَادِلُ كَالْجَائِرِ)

(يَا مَنْ بِبَغْدَادَ وَأَطْرَافِهَا ... مِنْ فُقَهَاءِ النَّاسِ أَوْ شَاعِرِ)

(جَارَ عَلَى الدِّينِ أَبُو يُوسُفَ ... إِذْ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ)

(فَاسْتَرْجِعُوا وَابْكُوا عَلَى دِينِكُمْ ... وَاصْطَبِرُوا فَالْأَجْرُ للصابر)

فَأَخَذَ أَبُو يُوسُفَ الرُّقْعَةَ، وَدَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَأَخْبَرَهُ بِالْحَالِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الرُّقْعَةَ، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: تَدَارَكْ هَذَا الْأَمْرَ بِحِيلَةٍ لِئَلَّا يَكُونَ مِنْهُ فِتْنَةٌ.
فَخَرَجَ أَبُو يُوسُفَ وَطَالَبَ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ الذِّمَّةِ، وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ فلم يأتوا بها فأسقط القود وحكم الدية، وَهَذَا إِذَا كَانَ مُفْضِيًا إِلَى اسْتِنْكَارِ النُّفُوسِ وَانْتِشَارِ الْفِتَنِ كَانَ الْعُدُولُ عَنْهُ أَحَقَّ وَأَصْوَبَ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ فَحَالُهُمَا تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يُقْتَلُ بِهِ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةُ كَافِرٍ، وهو أن يبتدئ المسلم بقتل الكافر توجيه فَلَا يَجِبُ الْقَوَدُ لِإِسْلَامِ الْقَاتِلِ، وَتَجِبُ بِهِ دِيَةُ كَافِرٍ لِكُفْرِ الْمَقْتُولِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَوَدُ، وَتَجِبُ فِيهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ أَنْ يَجْرَحَ الْمُسْلِمُ كَافِرًا، ثُمَّ يُسْلِمُ الْمَجْرُوحُ، وَيَمُوتُ مُسْلِمًا، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ وَقْتَ الْجُرْحِ كَانَ كَافِرًا، وَفِيهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنَ الجُرْحِ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْقَوَدِ بِحَالِ الِابْتِدَاءِ، وَفِي الدِّيَةِ بِحَالِ الِانْتِهَاءِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يقتل به المسلم ولا يجب فيه الدية كافر، وذلك في حالتين: أحدهما: أَنْ يَقْتُلَ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ يُسْلِمَ الْقَاتِلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْقَتْلِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا دِيَةُ كَافِرٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ مَاتَ كَافِرًا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَطْلُبَ المسلم نفس الكافر فيجوز للكافر أن يقبل طَالِبَ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَلَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ الطَّالِبُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا دِيَةُ كَافِرٍ، وَلَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمَ لَمْ يَجِبْ لَهُ دِيَةٌ لِأَنَّ نَفْسَ الْمَطْلُوبِ مَضْمُونَةٌ، وَنَفْسَ الطَّالِبِ هَدَرٌ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا فِي الْحِرَابَةِ فَفِي قَتْلِهِ بِهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ لِعُمُومِ النَّهْيِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ وَقَالَ: هَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ أَنْ يُقْتَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ يُسْتَوْفَى وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ فَاسْتَوَى فِيهِ قَتْلُ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَهُوَ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ فَسَقَطَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، وَلَوْ قَتَلَ مُرْتَدٌّ كَافِرًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الْكُفْرِ لِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَمَا أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنْ أحكامه.

(مسألة)

قال الشافعي: قَالَ وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِعَبْدِهِ وَبِعَبْدِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْتَلُ الْحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، وَلَا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أن النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وَرِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّهُ قال: المسلمون بتكافؤ دماؤهم يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ فَاعْتَبَرَ الْمُكَافَأَةَ بِالْإِسْلَامِ وَقَدِ اسْتَوَى الْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَكَافَأَ دَمُهُمَا، وَيَجْرِيَ الْقَوَدُ بَيْنَهُمَا، وَمِنَ الِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَنْ قُتِلَ بِالْحُرِّ قُتِلَ بِهِ الْحُرُّ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُؤَثِّرٌ فِي ثُبُوتِ الْحَجْرِ، وَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَجْرُ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ عَلَى مَنِ ارْتَفَعَ عَنْهُ الْحَجْرُ كَالْجُنُونِ وَالصِّغَرِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُقْتَلَ بِهِ الْحُرُّ دَفْعًا جَازَ أَنْ يُقْتَلَ بِهِ قَوَدًا.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] فَاقْتَضَى هَذَا الظَّاهِرُ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ.
وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ ". وَرَوَاهُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وهذا نَصٌّ لَا يَسُوغُ خِلَافُهُ.
وَرَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: " مِنَ السُّنَّةِ أَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَمِنَ السُّنَّةِ أَلَّا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ " يَعْنِي: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَهَذَا يَقُومُ مَقَامَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَصَارَ مَعَ السُّنَّةِ إِجْمَاعًا، وَمِنَ الِاعْتِبَارِ أَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَغْلَظُ مِنْ حُرْمَةِ الْأَطْرَافِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبِ الْقَوَدُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَطْرَافِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ امْتَنَعَ الْقَوَدُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَطْرَافِ امْتَنَعَ فِي النَّفْسِ كَالْوَالِدِ مَعَ وَلَدِهِ طَرْدًا، وَكَالْحَرْبِيِّ عَكْسًا، وَلِأَنَّ كُلَّ قَوَدٍ سَقَطَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ الْمُسْتَأْمَنِ سَقَطَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ كَالْأَطْرَافِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَطْرَافُ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ لِأَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ السَّلِيمَةُ بِالشَّلَّاءِ الْمَرِيضَةِ، وَلَا تُؤْخَذُ الْأَيْدِي بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمُمَاثَلَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي النُّفُوسِ لِقَتْلِ الصَّحِيحِ بِالْمَرِيضِ، وَالْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، فَكَذَلِكَ جَرَى الْقَوَدُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي النَّفْسِ، وَسَقَطَ فِي الْأَطْرَافِ.
قِيلَ: هُمَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ، وَالْمُمَاثَلَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّنَا نَقْطَعُ الْأَيْدِي بِيَدٍ

وَاحِدَةٍ؛ وَإِنْ خَالَفْتُمُونَا فِيهِ وَنَقْتُلُ الصَّحِيحَ بِالْمَرِيضِ كَمَا نَقْطَعُ الْيَدَ الصَّحِيحَةَ بِالْعَلِيلَةِ، وَلَا نَقْطَعُهَا بِالْيَدِ الشَّلَّاءِ كَمَا لَا يُقْتَلُ الْحَيُّ بِالْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الشَّلَّاءَ مَيِّتَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ قَطْعِ الشَّلَّاءِ فِي وُجُوبِ الْأَرْشِ فِيهِمَا، وَبَيْنَ اسْتِهْلَاكِ الْمَيِّتِ فِي سُقُوطِ الْأَرْشِ فِيهِ.
قِيلَ: لِأَنَّ الشَّلَّاءَ مُتَّصِلَةٌ بِحَيٍّ، وَفِيهَا جَمَالٌ، فَجَازَ أَنْ يَجِبَ الْأَرْشُ بِقَطْعِهَا مَعَ مَوْتِهَا؛ كَمَا يَجِبُ فِي الشَّعْرِ مَعَ كَوْنِهِ عِنْدَكُمْ مَيِّتًا، وَلِأَنَّ الرِّقَّ حَادِثٌ عَنِ الْكُفْرِ فَلَمَّا سَقَطَ بِهِ الْقَوَدُ عَنِ الْمُسْلِمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا حَدَثَ فِيهِ مِنَ الرِّقِّ بِمَثَابَتِهِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنِ الْحُرِّ وَلِأَنَّ النَّقْصَ بِالرِّقِّ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ عَلَى الْحُرِّ كَالسَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْقَوَدُ بِقَتْلِهِ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَغْلَظُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ نَفْسًا وَأَطْرَافًا فَلَمَّا خَرَجَ الْعَبِيدُ مِنْ حُكْمِ الْأَطْرَافِ خَرَجُوا مِنْ حُكْمِ النُّفُوسِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَدْ قَالَ فِيهِ " وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ " يُرِيدُ بِهِ الْعَبِيدَ، وَمَنْ كَانَ أَدْنَاهُمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْخَذَ بِالْأَعْلَى.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْحُرِّ، فَالْمَعْنَى فِيهِ جَرَيَانُ الْقَوَدِ فِي الْأَطْرَافِ فَجَرَى فِي النُّفُوسِ وَلَا يَجْرِي فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، فَلَمْ يَجْرِ فِي النُّفُوسِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ تَعْلِيلِهِمْ بِتَأْثِيرِ الْحَجْرِ كَالْجُنُونِ وَالصِّغَرِ، وَقَدْ مَضَى الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِمْ بَيْنَ قَتْلِ الدَّفْعِ وَقَتْلِ الْقَوَدِ، وَلَيْسَ لِمَا تَنَاكَرَتْهُ الْعَامَّةُ، وَنَفَرَتْ مِنْهُ الخاصة مساغاً فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ.
حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ فُقَهَاءِ خُرَاسَانَ سُئِلَ فِي مَجْلِسِ أَمِيرِهَا عَنْ قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ فَمَنَعَ مِنْهُ وَطُولِبَ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: أُقَدِّمُ قَبْلَ الدَّلِيلِ حِكَايَةً إِنِ احْتَجْتُ بَعْدَهَا إِلَى دَلِيلٍ فَعَلْتُ ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ أَيَّامَ تَفَقُّهِي بِبَغْدَادَ نَائِمًا ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ فَسَمِعْتُ مَلَّاحًا يَتَرَنَّمُ وَهُوَ يَقُولُ: (خُذُوا بِدَمِي هَذَا الْغُلَامَ فَإِنَّهُ رَمَانِي ... بِسَهْمَيْ مُقْلَتَيْهِ عَلَى عَمْدِ)

(وَلَا تَقْتُلُوهُ إِنِّي أَنَا عَبْدُهُ ... وَلَمْ أَرَ حُرًّا قَطُّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ)

وما انتشر في العامة تناكره حَتَّى نَظَمُوهُ شِعْرًا، وَجَعَلُوهُ فِي الْأَمْثَالِ شَاهِدًا كَانَ مِنِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ خَارِجًا فَقَالَ الْأَمِيرُ: حَسْبُكَ فَقَدْ أَغْنَيْتَ عَنْ دَلِيلٍ.

(فَصْلٌ)

وَاسْتَدَلَّ النَّخَعِيُّ وَدَاوُدُ عَلَى قَتْلِ السَّيِّدِ بِعَبْدِهِ بِمَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " وَمَنْ خَصَا عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ ". وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده أن رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَمْ يَقُدْهُ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، وَهَذَا نَصٌّ وَمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ جَلْدِهِ وَنَفْيِهِ تَعْزِيرٌ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ الْمُسْتَدَلُّ بِهِ فَضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَرْوِ عَنْ سَمُرَةَ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا.
وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ ". وَلَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ لِئَلَّا يَتَسَرَّعَ النَّاسُ إِلَى قَتْلِ عَبِيدِهِمْ، وَإِمَّا عَلَى مَنْ كَانَ عَبْدُهُ فَأَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ يُقَادُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبْلِ عِتْقِهِ لَا يُقَادُ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ فَكَذَلِكَ لَا يُقْتَلُ بِكُلِّ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الرِّقِّ مِنَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَمَنْ رَقَّ بَعْضُهُ، وَإِنْ قَلَّ، فَلَوْ قَتَلَ حُرٌّ كَافِرٌ عَبْدًا مُسْلِمًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ لِحُرِّيَّتِهِ، وَلَوْ قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ لِإِسْلَامِهِ، فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَإِذَا قَتَلَ عَبْدٌ نِصْفُهُ حُرٌّ عَبْدًا نِصْفُهُ حُرٌّ قُتِلَ بِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَلَوْ كَانَ نِصْفُ الْقَاتِلِ حُرًّا وَثُلُثُ الْمَقْتُولِ حُرًّا لَمْ يُقْتَلْ لِفَضْلِ حُرِّيَّةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثُ الْقَاتِلِ حُرًّا وَنِصْفُ الْمَقْتُولِ حُرًّا قُتِلَ بِهِ لِفَضْلِ حُرِّيَّةِ الْمَقْتُولِ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ الْكَامِلُ بِالنَّاقِصِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُقْتَلَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ.
وَلَوْ قَتَلَ حراً عَبْدًا فِي الْحِرَابَةِ كَانَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ بِهِ قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ فِي الْحِرَابَةِ، وَلَوْ جَرَحَ عَبْدٌ حُرٌّ عَبْدًا فَأُعْتِقَ الْمَجْرُوحُ وَمَاتَ حُرًّا فَلَا قَوَدَ عَلَى الْقَاتِلِ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ، وَلَوْ جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا فَأُعْتِقَ الْجَارِحُ وَمَاتَ قُتِلَ بِهِ.

(مسألة)

قال الشافعي: " وفيه قيمته وإن بلغت ديات (قال المزني) رحمه الله تعالى وفي إجماعهم أن يده لا تقطع بيد العبد قضاء على أن الحر لا يقتل بالعبد فإذا منع أن يقتص من يده وهي أقل لفضل الحرية على العبودية كانت النفس أعظم وهي أن تقتص بنفس العبد أبعد ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ أَوْ مَاتَ فِي يَدِهَا مِنْهُ فَفِيهِ قِيمَةُ مَا بَلَغَتْ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ ضِعَافًا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ العِرَاقِيِّينَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يُضْمَنُ فِي الْيَدِ جَمِيعَ قِيمَتِهِ مَا بَلَغَتْ، وَيُضْمَنُ فِي الْجِنَايَةِ بِقِيمَتِهِ إِلَّا أَنْ تبلغ دية حر أو تزيد عليها فتنتقض عن دية الحر عشر دَرَاهِمَ حَتَّى لَا يُسَاوِيَهُ فِي دِيَتِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً قَدْ زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى نِصْفِ الدِّيَةِ نَقَصَتْ عَنْهَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ.
وَقِيلَ: خَمْسَةَ دراهم؛ لأن لا تُسَاوِيَ دِيَةَ الْحُرِّ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَضْمُونٌ بِالْجِنَايَةِ فَلَمْ يُضْمَنْ بِأَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ ضَمَانَ النُّفُوسِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِمُقَدَّرٍ كَالْأَطْرَافِ، وَلِأَنَّ نَقْصَهُ بِالرِّقِّ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ بَدَلِهِ كَالنَّاقِصِ الْقِيمَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا أُوجِبُ فِي الْمَمْلُوكِ مِمَّا أُوجِبُ فِي الْمَالِكِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] والمثل في الشرع مثلان: مثل يفي الصُّورَةَ، وَمِثْلٌ فِي الْقِيمَةِ فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرِ الْمِثْلُ فِي الصُّورَةِ اعْتُبِرَ فِي الْقِيمَةِ مَا بَلَغَتْ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ أَغْلَظُ مِنْ حُرْمَةِ الْبَهِيمَةِ، ثُمَّ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ مَضْمُونَةً بِجَمِيعِ قِيمَتِهَا فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يُضْمَنَ الْعَبْدُ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا بِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أَنْ تَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا: إِنَّهُ مَمْلُوكٌ مَضْمُونٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا تتقدر قِيمَتُهُ كَالْبَهِيمَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَمْ يَتَقَدَّرْ أَقَلُّ قِيمَتِهِ لَمْ تَتَقَدَّرْ أَكْثَرُهَا كَالْبَهِيمَةِ، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ أَغْلَظُ مِنْ ضَمَانِهِ بِالْيَدِ، ثُمَّ كَانَ فِي الْيَدِ مَضْمُونًا بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يُضَمَّنَ فِي الْجِنَايَةِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ قِيَاسَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الضَّمَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِهِ قِيمَةَ الْمَضْمُونِ كَالضَّمَانِ بِالْيَدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ضُمِنَتْ قيمته باليد ضمنت قيمه بِالْجِنَايَةِ كَالنَّاقِصِ الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مُتَرَدِّدُ الْحَالِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْحُرُّ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ يَجِبُ فِي قَتْلِهِ الْقَوَدُ وَالْكَفَّارَةُ.

وَالثَّانِي: الْبَهِيمَةُ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ يُبَاعُ وَيُوهَبُ وَيُورَثُ وَهُوَ فِي الْقِيمَةِ مُلْحَقٌ بِأَحَدِ أَصْلَيْنِ: فَلَمَّا أُلْحِقَ بِالْبَهِيمَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: إِذَا قَلَّتْ قِيمَتُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا ضُمِّنَ بِالْيَدِ.
وَالثَّالِثَةُ: إِذَا ضَمِنَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِالْعِتْقِ.
وَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِالْبَهِيمَةِ فِي الْحَالِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ إِذَا أَرَادَتْ قِيمَتُهُ فِي ضَمَانِهِ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِالْبَهِيمَةِ فِي أَقَلِّهَا، وَيُلْحَقَ بِالْحُرِّ فِي أَكْثَرِهَا، وَلِأَنَّهُمْ لَا يُلْحِقُونَهُ بِالْحُرِّ فِي أَكْثَرِهَا حَتَّى يُنْقِصُوا مِنْ قِيمَتِهِ عَشَرَةً، فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْحُرِّ، فَهُمْ لَا يُسَاوُونَهُ بِالْحُرِّ لِمَا يَعْتَبِرُونَهُ مِنْ نُقْصَانِ قِيمَتِهِ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ فَهَذَا جَوَابٌ.
وَجَوَابٌ ثَانٍ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُلْحَقْ بِالْحُرِّ فِي ضَمَانِهِ بِالْيَدِ لَمْ يُلْحَقْ فِي ضَمَانِهِ بِالْجِنَايَةِ، وَلَمَّا امْتَنَعَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ إِذَا نَقَصَتْ قِيمَتُهُ امْتَنَعَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ إِذَا زَادَتْ.
وَقِيَاسُهُمْ عَلَى ضَمَانِ أَطْرَافِهِ فَأَطْرَافُهُ مُعْتَبَرَةٌ بِقِيمَتِهِ، وَقِيمَتُهُ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، فَلَمْ تَتَقَدَّرْ بِهَا أَطْرَافُهُ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ ناقص بالرق فلم يساوي الْحُرَّ فِي دِيَتِهِ، فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ كَامِلًا فِي الْقِصَاصِ وَنَاقِصًا فِي الدِّيَةِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ نَقْصُهُ فِي ضَمَانِهِ بِالْيَدِ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فِي ضَمَانِهِ بِالْجِنَايَةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الدِّيَةِ، لَمْ يَخْلُ الضَّمَانُ أَنْ يَكُونَ نَفْسَهُ أَوْ لِمَا دُونَهَا فَإِنْ ضُمِنَتْ نَفْسُهُ اسْتَوَى ضَمَانُهَا بِالْيَدِ إِذَا غُصِبَ وَبِالْجِنَايَةِ إِذَا قُتِلَ، فَتَجِبُ فِيهِ جَمِيعُ قِيمَتِهِ مَا بَلَغَتْ لَكِنْ يُعْتَبَرُ فِي الْجِنَايَةِ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْقَتْلِ، وَتُعْتَبَرُ فِي الْيَدِ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى وَقْتِ التَّلَفِ.
فَأَمَّا مَا دُونَ نَفْسِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جُرْحًا لَا يَتَقَدَّرُ فِيهِ مِنَ الحُرِّ دِيَةٌ، فَتَجِبُ فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ فِي ضَمَانِهِ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ جَمِيعًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ طَرَفًا يَتَقَدَّرُ فِيهِ مِنَ الحُرِّ دِيَةٌ كَالْيَدِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا مِنَ الحُرِّ نِصْفُ الدِّيَةِ.

فَلَا يَخْلُو ضَمَانُهَا فِي الْعَبْدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تُضْمَنَ بِالْجِنَايَةِ فَتُضْمَنَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ كَالْحُرِّ فِي ضَمَانِهَا بِنِصْفِ دِيَتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تُضْمَنَ بِالْيَدِ فَتُضْمَنَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ سَوَاءٌ زَادَ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ نَقَصَ كَالْبَهِيمَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تُضْمَنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ فَيَضْمَنُهَا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ؛ أَوْ مَا نَقَصَ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ أَغْلَظُهُمَا لوجود موجبه.

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدٍ لِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ وَلَا جَدٌّ مِنْ قِبَلِ أُمٍّ وَلَا أَبٍ بِوَلَدِ وَلَدٍ وَإِنْ بَعُدَ لأنه والد (قال المزني) رحمه الله: هذا يؤكد ميراث الجد لأن الأخ يقتل بأخيه، ولا يقتل الجد بابن ابنه، ويملك الأخ أخاه في قوله، ولا يملك جده وفي هذا دليل على أن الجد كالأب في حجب الإخوة وليس كالأخ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا يُقْتَلُ وَالِدٌ وَلَا وَالِدَةٌ وَلَا جَدٌّ وَلَا جَدَّةٌ بِوَلَدٍ وَلَا بِوَلَدِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفُلَ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ ذَبْحًا أَوْ حَذْفًا وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ ذَبَحَهُ غِيلَةً قُتِلَ بِهِ وَإِنْ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ فَقَتَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّ تَسَاوِيَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ يُوجِبُ تَسَاوِيَهُمَا فِي الْقَوَدِ كَالْأَجَانِبِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ الْوَلَدُ بِالْوَالِدِ جَازَ قَتْلُ الْوَالِدِ بِالْوَلَدِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُقَادُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ ". وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ أَوْلَدَ جَارِيَةً فَأَصَابَ مِنْهَا ابْنًا، وَكَانَ يَسْتَخْدِمُهَا، فَلَمَّا شَبَّ الْغُلَامُ قَالَ: إِلَى مَتَى تَسْتَأْمِي أُمِّي أَيْ: تَسْتَخْدِمُهَا خِدْمَةَ الْإِمَاءِ فَغَضِبَ فَحَذَفَهُ بِسَيْفٍ أَصَابَ رِجْلَهُ فَقَطَعَهَا، وَمَاتَ فَانْطَلَقَ فِي رَهْطٍ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ أَنْتَ الَّذِي قَتَلْتَ ابْنَكَ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: لَا يُقَادُ الْأَبُ مِنَ ابْنِهِ لَقَتَلْتُكَ هَلُمَّ دِيَتَهُ قَالَ فَأَتَاهُ بِعِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ قَالَ فَخَيَّرَ مِنْهَا مِائَةً فَدَفَعَهَا إِلَى وَرَثَتِهِ، وَتَرَكَ أَبَاهُ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَوَدَ لِلْحَذْفِ وَدُخُولِ الشُّبْهَةِ فِيهِ بِمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ تَأْدِيبِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي ذبحه غيلة.

قيل: هذا فاسد من وجهين إنَّهُ لَيْسَ فِي عُرْفِ التَّأْدِيبِ حَذْفُهُ بِالسَّيْفِ فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِمَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ تَأْدِيبِهِ أَنْ لَا يُقَالَ لِحَذْفِهِ يَسْقُطُ بِهِ الْقَوَدُ عَنْ كُلِّ مُسْتَحِقٍّ لِلتَّأْدِيبِ مِنْ وَالٍ وَحَاكِمٍ، وَهُمْ يُقَادُونَ بِهِ مَعَ اسْتِحْقَاقِهِمْ لِلتَّأْدِيبِ فَكَذَلِكَ الْأَبُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو سُقُوطُ الْقَوَدِ عَنِ الْأَبِ فِي الْحَذْفِ أَنْ يَكُونَ لِشُبْهَةٍ فِي الْفِعْلِ، أَوْ فِي الْفَاعِلِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ لِشُبْهَةٍ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شُبْهَةً فِيهِ مَعَ غَيْرِ الْوَلَدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لِشُبْهَةٍ فِي الْفَاعِلِ وَهُوَ الْأُبُوَّةُ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْقَوَدُ مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ بَعْضُ أَبِيهِ، وَلَا قَوَدَ عَلَى الْإِنْسَانِ فِيمَا جَنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ كَذَلِكَ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي وَلَدِهِ لِأَنَّهُ بَعْضُ نَفْسِهِ.
وَاسْتِدْلَالُهُ بِالظَّوَاهِرِ مَخْصُوصٌ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْأَجَانِبِ مَمْنُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ البَعْضِيَّةِ وَاعْتِبَارُهُ بِقَتْلِ الْوَلَدِ بِالْوَالِدِ فَاسِدٌ لِتَسْوِيَتِهِ فِي الْوَلَدِ بَيْنَ الذَّبْحِ، وَالْحَذْفِ، وَفَرْقِهِ فِي الْأَبِ بَيْنَ الذَّبْحِ وَالْحَذْفِ، وَأَنَّهُ يُحَدُّ الْوَلَدُ بِقَذْفِ الْوَالِدِ، وَلَا يُحَدُّ الْوَالِدُ بِقَذْفِ الْوَلَدِ، وَهَذَا انْفِصَالٌ وَدَلِيلٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَكَيْفَ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مَعَ خِلَافِ مِثْلِهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الصَّحَابَةَ لِأَنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَلَمْ يخالف أَحَدُهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَتْلُهُ حَذْفًا إِجْمَاعٌ لَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ فَكَانَ الذَّبْحُ بِمَثَابَتِهِ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إِنَّ الْجَدَّ كَالْأَبِ فِي أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِ وَلَدِهِ قَالَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَدُّ كَالْأَبِ فِي حَجْبِ الْإِخْوَةِ عَنِ الْمِيرَاثِ.
قِيلَ؛ إِنَّمَا قَالَ: إِنَّ الْجَدَّ كَالْأَبِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يُحْجَبَ بِهِ الْإِخْوَةُ، كَمَا تَجْعَلُ الْأُمَّ وَأَبَاهَا كَالْأَبِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ، وَلَا تَجْعَلُهَا كَالْأَبِ فِي حَجْبِ الْإِخْوَةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنْ لَا قَوَدَ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَمَنْ عَلَا مِنَ الأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ مَنْ وَرِثَ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يَرِثْ فَسَوَاءٌ كَانَ الْوَالِدُ الْقَاتِلُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَيُعَزَّرُ لِإِقْدَامِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ، وَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي أُبُوَّةِ وَلَدٍ ثُمَّ قَتَلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَقِيطًا قَدِ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدًا أَوْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي

افْتِرَاشِ أَمَةٍ بِشُبْهَةٍ فَإِنْ كَانَ لَقِيطًا وَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمَا.
وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَافَةِ، وَيُلْحَقُ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا، فَإِنْ عُدِمَتِ الْقَافَةُ، وَأَشْكَلَ عَلَيْهِمْ وُقِفَ إِلَى زَمَانِ الِانْتِسَابِ لِيَنْتَسِبَ إِلَى أَحَدِهِمَا بِطَبْعِهِ، وَلِلْكَلَامِ مَعَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلْمُدَّعِي أُبُوَّتَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يكون مُقِيمَيْنِ عَلَى ادِّعَائِهِ، وَالتَّنَازُعِ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلَاهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا؛ لِجَرَيَانِ حُكْمِ الْأُبُوَّةِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَبَاهُ وَإِنْ قَتَلَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْبَيَانِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ لَحِقَ بِالْقَاتِلِ أَوْ بِالْآخَرِ؛ لِثُبُوتِ الشُّبْهَةِ فِيهِ عِنْدَ قَتْلِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَلِّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ قَبْلَ الْقَتْلِ فَيَلْحَقُ بِمَنْ سُلِّمَ إِلَيْهِ، وَيَصِيرُ ابْنًا لَهُ دُونَ الْآخَرِ، فَإِنْ قَتَلَهُ مَنْ أُلْحِقَ بِهِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَبٌ لَهُ.
وَإِنْ قَتَلَهُ مَنْ نُفِيَ عَنْهُ أُقِيدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ، وَإِنْ قَتَلَاهُ مَعًا فَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَبِ، وَيُقَادُ مِنَ الآخَرِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَرْجِعَا جَمِيعًا عَنِ ادِّعَائِهِ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمَا، وَإِنْ قبل رجوع أحدهما؛ لأنه قد صاراً بِدَعْوَاهُمَا مُسْتَحِقًّا لِأُبُوَّةِ أَحَدِهِمَا فَإِذَا سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا صار مُتَّفِقَيْنِ عَلَى إِثْبَاتِ أُبُوَّتِهِ فَقُبِلَ مِنْهُمَا، وَإِذَا رجع عَنْهَا صَارَا مُتَّفِقَيْنِ عَلَى إِسْقَاطِ أُبُوَّتِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قَتَلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْأُبُوَّةِ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْفِرَاشِ، أَوْ تَنَاكَرَاهُ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْفِرَاشِ، فَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ بِخِلَافِهِمَا فِي دَعْوَى اللَّقِيطِ؛ لَأَنَّ حُكْمَ الْأُبُوَّةِ فِي اللَّقِيطِ يَثْبُتُ بِالدَّعْوَى؛ فَجَازَ تَسْلِيمُهُ لِأَحَدِهِمَا.
وَفِي وَلَدِ الْمَوْطُوءَةِ ثَبَتَ حُكْمُ الْأُبُوَّةِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْفِرَاشِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ التَّسْلِيمُ وَالْإِنْكَارُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِبَيَانِ نَسَبِهِ فِي لحوقه بأحدهما حالتان: أحدهما: بِالْوِلَادَةِ، وَهُوَ أَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ أَحَدِهِمَا، وَلِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْءِ الْآخَرِ؛ فَيَكُونُ لَاحِقًا بِمَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْئِهِ، وَهَذَا بَيَانٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ زَمَانِ الْوِلَادَةِ فَلَا يَكُونُ الْقَتْلُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ نَسَبِهِ؛ فَإِنْ قَتَلَهُ مَنْ لَحِقَ بِهِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ مَنِ انْتَفَى عَنْهُ أُقِيدَ به، وإن اشتركا في قتله بِهِ غَيْرُ أَبِيهِ، وَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْ أَبِيهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُبَيَّنَ نَسَبُهُ بِالْوِلَادَةِ؛ لِوِلَادَتِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِمَا مَعًا؛

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل