كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَحَدُهُمَا: أِنَّهُ لَا حُكْمَ لِرِضَاهُ، لِأَنَّهُ بِالصِّغَرِ خَارِجٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الرِّضَا، فَعَلَى هَذَا لَا تُطَلَّقُ بِرِضَاهُ فِي صِغَرِهِ، من غير أهل الرضى، ولا تطلق برضاه في كبره لتراخي الرضى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ضَعِيفٌ أِنَّهَا تُطَلَّقُ بِقَوْلِهِ فِي صِغَرِهِ: قَدْ رَضِيتُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الطَّلَاقِ بِالصِّفَةِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ وَكَانَ زَيْدٌ صَغِيرًا فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ كَانَ وُقُوعُ طَلَاقِهَا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ.
كَانَ وُقُوعُ طَلَاقِهَا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ لِلْبَالِغِ وَهِيَ سَكْرَى مِنْ شَرَابٍ مُحَرَّمٍ، أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ فَشَاءَتْ فِي سُكْرِهَا طُلِّقَتْ لِأَنَّ السَّكْرَانَ فِي حُكْمِ الصَّاحِي، وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَطُلِّقَتْ وَجْهًا وَاحِدًا كَمَا لَوْ عَلَّقَ ذَلِكَ بِدُخُولِ مَنْ لَا قَصْدَ لَهُ مِنْ حِمَارٍ أَوْ بَهِيمَةٍ طُلِّقَتْ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ، فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ شِئْتَ.
فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ شِئْتُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أِنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ لِحُصُولِ مَشِيئَتِهَا بِمَشِيئَةِ الزَّوْجِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَوْلَاهُمَا - أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أِنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا يَقْتَضِي وُجُودَ مَشِيئَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَهَى عَلَّقَتْ مَشِيئَتَهَا بِمَشِيئَةِ الزَّوْجِ فَكَانَتْ مِنْهُ غَيْرَ مُطْلَقَةٍ.
وَالثَّانِي: أِنَّ تَعْلِيقَ الْمَشِيئَةِ بِالصِّفَةِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ إِنْ قَامَ زيد لم تصح، كَذَلِكَ إِذَا عَلَّقَتْ مَشِيئَتَهَا بِمَشِيئَةِ الزَّوْجِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إِلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا، فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ ثَلَاثًا لَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةً وَلَا ثَلَاثًا، لِأَنَّهُ جَعَلَ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ مَشْرُوطًا بِأَنْ لَا تَشَاءَ ثَلَاثًا، فَإِذَا شَاءَتْ ثَلَاثًا عُدِمَ الشَّرْطُ فِي الْوَاحِدَةِ فَلَمْ تَقَعْ.
فَأَمَّا الثَّلَاثُ فَالْمَشِيئَةُ فِيهَا شَرْطٌ فِي رَفْعِ الْوَاحِدَةِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وُقِفَ عَنْهَا حَتَّى تَمُرَّ لَهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْحَمْلِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَعْنَاهُ إِنْ كُنْتِ حَائِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا، فَإِذَا نَفَاهُ عَنْ أَحَدِهِمَا تَعَلَّقَ بِالْآخَرِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالظَّاهِرُ عِنْدَ اشْتِبَاهِ حَالِهَا أَنَّهَا حائل، فيحرم عليه وطئها، لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِعِدَّةِ حُرَّةٍ، ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ هِيَ أَطْهَارٌ.
وَسَوَاءٌ كَانَ قَدِ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ عَقْدِ طَلَاقِهِ أَمْ لَا، لِأَنَّ هَذَا اسْتِبْرَاءُ طَلَاقٍ فِي الظَّاهِرِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ قَبْلَ زَمَانِ وُقُوعِهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَبْرِئَةً أَوْ غَيْرَ مُسْتَبْرِئَةٍ.
فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَبْرِئَةٍ بَانَتْ بِالظَّاهِرِ، وَهَلْ تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ مُدَّةُ أَكْثَرِ الْحَمْلِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أِنَّهَا قَدْ حَلَّتْ فِي الظَّاهِرِ لِلْأَزْوَاجِ وَإِنْ جَازَ فِي الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ، كَمَا تَحِلُّ الَّتِي نَجُزَ طَلَاقُهَا إِذَا اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَزْوَاجِ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةُ أَكْثَرِ الْحَمْلِ وَهِيَ أَرْبَعُ سِنِينَ فَتَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا بِيَقِينِ، كَوْنِهَا حَائِلًا وَقْتَ عَقْدِ طَلَاقِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الَّتِي نَجُزَ طَلَاقُهَا فَأَمْكَنَ بَعْدَ الْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَزْوَاجِ بِهَذَا التَّوَهُّمِ الْمُمْكِنِ، وَتَحْرُمُ فِي مَسْأَلَتِنَا بِهَذَا التَّوَهُّمِ الْمُمْكِنِ، أَنَّ التَّوَهُّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُوقِعُ شَكًّا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَجَازَ أَنْ تَحْرُمَ عَلَى الْأَزْوَاجِ، وَالتَّوَهُّمُ فِي الطَّلَاقِ النَّاجِزِ لَا يُوقِعُ شَكًّا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا يُوقِعُهُ فِي الْعِدَّةِ مَعَ انْقِضَائِهَا بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي الظَّاهِرِ، فَجَازَ أَنْ لَا تَحْرُمَ عَلَى الْأَزْوَاجِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثَةِ أَقْرَاءٍ مُسْتَبْرِئَةً بِأَنْ ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ الْحَمْلِ وَشَوَاهِدُهُ، فَفِي اسْتِبَاحَةِ وَطْئِهَا بِهَذِهِ الْأَمَارَاتِ وَجْهَانِ يَخْرُجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ، فِي نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُعْتَدَّةِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَبِيحُ وطئها بِأَمَارَاتِ الْحَمْلِ اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثاني: أنه لا يستبيح وطئها وَهُوَ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غِلَظًا وَرِيحًا وَلَا يَكُونُ حَمْلًا صَحِيحًا.
وَالْوَطْءُ الْمَحْظُورُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِالشَّكِّ، فَعَلَى هَذَا لَهَا حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ لَا تَضَعَ حَمْلًا، فَالطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ، وَالْعِدَّةُ قَدِ انْقَضَتْ بِالْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ بَعْدِ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا فَهُوَ وَطْءُ شُبْهَةٍ، تَعْتَدُّ مِنْهُ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ لَا يَمْلِكُ فِيهَا رَجْعَةً.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَضَعَ وَلَدًا فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَما: أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِ الطَّلَاقِ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ لِعِلْمِنَا بِكَوْنِهَا حَامِلًا عِنْدَ عَقْدِهِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَكُونُ أقل من سنة.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْعِدَّةُ مُنْقَضِيَةٌ بِالْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِيمَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ فَيَتَعَيَّنُ بِذَلِكَ أَنَّهَا
كَانَتْ عِنْدَ عَقْدِ الطَّلَاقِ حَامِلًا فَإِنْ كَانَ وَطَئَهَا قَبْلَ الْحَمْلِ، اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ، لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَضَعَهُ مَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعِ سِنِينَ، فَلِلزَّوْجِ حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَيُحْكَمُ لِحَمْلِهَا بِالتَّقَدُّمِ، وَوُجُودِهِ عِنْدَ عَقْدِ الطَّلَاقِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ وَطِئَهَا، فَيُنْظَرُ فِي وَضْعِ الْحَمْلِ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ فَهُوَ حَمْلٌ مُتَقَدِّمٌ وَقْتَ الْعَقْدِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ جَمِيعًا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أِنَّهَا تُطَلَّقُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ حُدُوثِهِ لَا بِنَاءً عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ، وَفِي شَكٍّ فِي تَقَدُّمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أِنَّهَا لَا تُطَلَّقُ لِجَوَازِ تَقَدُّمِهِ، وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْيَقِينِ فِي بَقَاءِ نِكَاحِهِ وَإِسْقَاطًا لِلشَّكِّ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا إِذَا عَكَس
َ مَسْأَلَةَ
الْكِتَابِ فَقَالَ: إِنْ كُنْتِ حَائِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَتُطَلَّقَ، وَفِي هَذَا الْمَنْعِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أِنَّهُ مَنْعُ تَحْرِيمٍ كَالْمَنْعِ فِي قَوْلِهِ: إِنْ كُنْتِ حَائِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أِنَّهُ كَرَاهَةٌ لَا تَحْرِيمٌ وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي (الْإِمْلَاءِ) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَهَا بِوُجُودِ الْحَمْلِ فَيَكُونَ الْمَنْعُ لِكَرَاهَةٍ لَا لِتَحْرِيمٍ وَبَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِعَدَمِ الْحَمْلِ فَيَكُونَ الْمَنْعُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ هُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لا حمل فحرم وطئها، إِذَا عَلَّقَهُ بِعَدَمِهِ، وَلَمْ يَحْرُمْ إِذَا عَلَّقَهُ بِوُجُودِهِ.
وَإِذَا لَزِمَ اسْتِبْرَاؤُهَا لِوَطْئِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ عقد طلاقها، أو لم يستبرأها، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَبْرَأَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَ، وَفِي قَدْرِ مَا يَسْتَبْرِئُ بِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ هِيَ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ لِأَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْحُرَّةِ لَا يَكُونُ بِأَقَلَّ مِنْهَا كَالْعِدَّةِ.
والوجه الثاني: أن يَسْتَبْرِئُهَا بِقُرْءٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِاسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ وَلَيْسَ بِاسْتِبْرَاءٍ مِنْ فُرْقَةٍ، فَجَرَى مَجْرَى اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ وَالْمَسْبِيَّةِ وَخَالَفَ الِاسْتِبْرَاءَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءُ الْفُرْقَةِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ الْقُرْءُ طُهْرًا أَوْ حَيْضًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ:
أَحَدُهُمَا: أنه الطهر.
وَالثَّانِي: أِنَّهُ الْحَيْضُ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ عَقْدِ طَلَاقِهِ، فَفِي إِجْزَائِهِ عَنِ اسْتِبْرَائِهِ بَعْدَ عَقْدِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ بِهِ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، لِتَقَدُّمِهِ عَلَى سَبَبِهِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ اسْتِبْرَاءُ أَمَةٍ قَبْلَ الشِّرَاءِ عَنْ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ أَنْ تَظْهَرَ بِهَا أَمَارَاتُ الْحَمْلِ أَوْ لَا تَظْهَرُ، فَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ بِهَا أَمَارَاتُ الْحَمْلِ وَلَا اسْتَرَابَتْ بِنَفْسِهَا بَعْدَ زَمَانِ الِاسْتِبْرَاءِ فَهِيَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ وله وطئها، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا أَمَارَاتُ الْحَمْلِ انْتَظَرَ بِهِ حَالَ الْوَضْعِ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُ إِذَا وَضَعَتْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ عَقْدِهِ فَالطَّلَاقُ بِهِ وَاقِعٌ لِعِلْمِنَا بِوُجُودِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَقَدِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ بِانْفِصَالِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا مَا بَيْنَ عَقْدِ طَلَاقِهِ وَوَضْعِهِ أَمْ لَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ عَقْدِهِ، فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ كَانَ مَعْدُومًا عِنْدَ عَقْدِهِ، وَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ يَطَأُ أَمْ لَا، لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الزَّوْجِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَوْ لَمْ يَطَأْ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْ طُلِّقَتْ، لِعِلْمِنَا بِوُجُودِهِ حُكْمًا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَإِنْ وَطِئَ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَضَعَهُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وطئه، أو بعدهها، فَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِ فَهُوَ حَمْلٌ مُتَقَدِّمٌ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ بِوَضْعِهِ مُنْقَضِيَةً، وَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ فَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَجْهًا وَاحِدًا وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَتْ لَهُ طَلِّقْنِي فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ طُلِّقَتِ امْرَأَتُهُ الَّتِي سَأَلَتْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَزَلَهَا بِنِيَّتِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا قَالَتْ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ طَلِّقْنِي إِمَّا لِخُصُومَةٍ وَتَغَايُرٍ بَيْنَ الضَّرَائِرِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ.
فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرْسِلَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فِي عَزْلِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَيُطَلَّقْنَ جَمِيعًا، السَّائِلَةُ وَغَيْرُهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُطَلَّقُ السَّائِلَةُ وَتُطَلَّقُ مَنْ سِوَاهَا، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهَا توجهه بِالْخِطَابِ، وَلَوْ أَرَادَهَا لَقَابَلَهَا بِالْمُوَاجَهَةِ فَلَمَّا عَدَلَ إِلَى خِطَابِ غَائِبٍ خَرَجَتْ مِنْ جُمْلَتِهِنَّ.
وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَوْ قَالَ مُبْتَدِئًا: كُلُّ نِسَائِي طَوَالِقُ، طُلِّقَتْ هَذِهِ الْحَاضِرَةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَائِلَةً فِي الطَّلَاقِ لِعُمُومِهَا، لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ سَبَبِهِ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّهُنَّ يُطَلَّقْنَ جَمِيعًا فَقَدْ صَارَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَارِكًا لِمَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِنَا.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ، بِأَنَّ عُدُولَهُ عَنِ الْمُوَاجَهَةِ يُخْرِجُهَا مِنَ الْخِطَابِ، فَتَفْسَدُ بِهِ إِذَا قَالَ مُبْتَدِئًا؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ وَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْخِطَابُ لَمْ تُطَلَّقْ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فِي عَزْلِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَلَا تُطَلَّقُ الْمَعْزُولَةُ مِنْهُنَّ سَوَاءٌ كَانَتِ السَّائِلَةَ أَوْ غَيْرَهَا، ويطلق من سوها.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُطَلَّقُ الْمَعْزُولَةُ مِنْهُنَّ سَوَاءٌ فِي الْعُمُومِ كَدُخُولِهَا فِي التَّعْيِينِ وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِجَمَاعَتِهِنَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِذَا صَلُحَ لِكِلَا الْأَمْرَيْنِ جَازَ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ كَالْعُمُومِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ خَالَفَ التَّعْيِينَ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ طَلَاقَ الْمَعْزُولَةِ لَا يَقَعُ فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، فَإِنِ اتَّهَمَتْهُ الْمَعْزُولَةُ أَحْلَفْتُهُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تُطَلَّقُ فِي الْبَاطِنِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، ويطلق فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْقَوْلِ يُخَالِفُ تَقْيِيدَ النِّيَّةِ، فَدِينَ فِيهِ وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(بَابُ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنَ الْكَلَامِ وما لا يقع إلا بالنية والطلاق من الجامع من كتاب الرجعة ومن كتاب النكاح ومن إملاء مسائل مالك وغير ذلك)
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ: (ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّلَاقَ فِي كِتَابِهِ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءَ الطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الطَّلَاقُ فَلَا يَقَعُ إِلَّا بِالْكَلَامِ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْكَلَامِ.
وَلَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ، فَلَوْ نَوَى طَلَاقَ امْرَأَتِهِ لَمْ تُطَلَّقْ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ تُطَلَّقُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ حَتَّى لَوْ نَوَى طَلَاقَ امْرَأَتِهِ طُلِّقَتْ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِنِيَّةِ الرِّدَّةِ، جَازَ أَنْ تقع الطَّلَاقُ وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ بِنِيَّةِ أَنْفُسِهَا) .
وَالنِّيَّةُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ.
فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً عَنْهُ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إِزَالَةُ مِلْكٍ وَالْمِلْكُ لَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ أَحَدُ طَرَفَيِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَصِحَّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالْعَقْدِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) فَالْمُرَادُ بِهِ ثَوَابُ قُرَبِهِ إِلَى فِعْلِهَا، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ نِيَّةُ الطَّلَاقِ، لَمْ يَفْعَلْ.
فَأَمَّا الرِّدَّةُ فَلِأَنَّ ثُبُوتَ الرِّدَّةِ توقع الْفُرْقَةَ وَالرِّدَّةَ فَتَكُونُ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ كَالْإِيمَانِ وَلَيْسَ كَالطَّلَاقِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا صَحَّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِالْقَوْلِ.
فَالْأَلْفَاظُ فِيهِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَكُونُ صَرِيحًا فِيهِ، وَالصَّرِيحُ مَا وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَقِسْمٌ يَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ.
وَالْكِنَايَةُ مَا وَقَعَتْ بِهِ الْفُرْقَةُ مَعَ النِّيَّةِ وَلَمْ تَقَعْ بِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَقِسْمٌ لَا يَكُونُ صَرِيحًا فِيهِ وَلَا كِنَايَةً: وَهُوَ مَا لَا يَقَعُ بِهِ الفرقة سواء كانت معه نية أم لَمْ تَكُنْ.
فَأَمَّا صَرِيحُ الطَّلَاقِ فَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ والسَّرَاحُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: صَرِيحُ الطَّلَاقِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الطَّلَاقُ دُونَ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ تَعَارَفَ النَّاسُ اسْتِعْمَالَهُ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِ الطَّلَاقِ، لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا
فِي الطَّلَاقِ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَقَدْ تَعَارَفَ النَّاسُ اسْتِعْمَالَ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ، فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ: أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ قَصَدَ الْفُرْقَةَ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ كَانَ صَرِيحًا فِيهَا كَالطَّلَاقِ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ.
أَمَّا الطَّلَاقُ فَبِقَولِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] . وَبِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] . وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا السَّرَاحُ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ وَقَالَ: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 28] . وَأَمَّا الْفِرَاقُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] . اعْتَرَضُوا عَلَى هَذِهِ الدَّلَالَةِ، وَهِيَ دَلَالَةُ الشَّافِعِيِّ بِخَمْسَةِ أَسْئِلَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ قَالُوا: هَذَا مُنْتَقِضٌ بِالْفِدْيَةِ، قَدْ وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي الْفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] . وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفِدْيَةَ لَفْظٌ صَرِيحٌ فِي حُكْمِهِ أَنَّهُ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَقْصُودَ الْفِدْيَةِ اسْتِبَاحَةُ مَالِهَا بِهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ مَحْظُورًا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] . فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] .
وَالسُّؤَالُ الثَّانِي: أَنْ قَالُوا: الْكِنَايَةُ قَدْ وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي الْعِتْقِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] . وَالْفَكُّ قَدْ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي العتق بقوله: ﴿وما أدراك ما العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 12، 13] . وَلَيْسَ الْكِنَايَةُ وَالْفَكُّ مِنْ صَرِيحِ الْعِتْقِ وَكَذَلِكَ السَّرَاحُ وَالْفِرَاقُ جَازَ وَإِنْ وَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ أَوْ لَا يَكُونُ مِنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ، فَعَنْهُ جَوَابَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ يَلْزَمُ إِذَا كَانَ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي الطَّلَاقِ صَرِيحًا، أَنْ يَكُونَ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي الطَّلَاقِ صَرِيحًا وَلَا يَكُونُ افْتِرَاقُهُمَا فِيهِ مَانِعًا مِنْ أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْكِنَايَةَ الْمُرَادُ بِهَا الْعَقْدُ الْمَكْتُوبُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ دُونَ الْعِتْقِ وَهِيَ صَرِيحٌ فِيهِ، وَأَمَّا فَكُّ الرَّقَبَةِ، فَلِنُزُولِ ذلك سبب، وهو أن أبا الأشد ابن المحيي كَانَ ذَا قُوَّةٍ يُدِلُّ بِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحد﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11] . أَيْ أنه وإن ذل بِقُوَّتِهِ فَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى اقْتِحَامِ الْعَقَبَةِ، إِلَّا
بِفَكِّ رَقَبَةٍ، فَخَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنْ صِفَةِ مُقْتَحِمِهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْأَمْرِ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُعْتِقًا لَهَا.
وَالسُّؤَالُ الثَّالِثُ: أَنَّ السَّرَاحَ لَوْ كَانَ صَرِيحًا كَالطَّلَاقِ، لَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عند نزول قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ عَنِ الثَّالِثَةِ حَتَّى بَيَّنَ فَقَالَ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ وَلَكَانَ السَّائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ صَرِيحٌ فَيَسْتَغْنِي عَنِ السُّؤَالِ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَخْفَى عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فَسَأَلَهُ لِيَعْلَمَ صَرِيحَ الشَّرْعِ دُونَ اللُّغَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَحَدٌ.
وَالسُّؤَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ الطَّلَاقَ إِنَّمَا كَانَ صَرِيحًا، لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ بِهِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْفُرْقَةِ، لِذَلِكَ صَارَ صَرِيحًا، وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ قَدْ يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الْفُرْقَةِ فَكَانَا كِنَايَةً.
قِيلَ: قَدْ يُسْتَعْمَلُ الطَّلَاقُ فِي غَيْرِ الْفُرْقَةِ، فَيُقَالُ: فُلَانٌ قَدْ طَلَّقَ الدُّنْيَا، إِذَا زَهِدَ فِيهَا وَطَلَّقْتُ فُلَانًا مِنْ وَثَاقِهِ، وَقَدْ دَاعَبَ الشَّافِعِيُّ بَعْضَ إِخْوَانِهِ فَقَالَ.
(اذْهَبْ حَصِينُ فَإِنَّ وِدَّكَ طَالِقٌ ... مِنِّي وَلَيْسَ طَلَاقَ ذَاتِ البين)
فما أنكر ذلك حد مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اسْتِعْمَالِ الطَّلَاقِ فِي غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِيهِ، كَذَلِكَ الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ.
وَالسُّؤَالُ الْخَامِسُ: أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ صَرِيحًا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ يَقِلُّ اسْتِعْمَالُهُمَا فَكَانَا كِنَايَةً، قِيلَ: الصَّرِيحُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَاقْتَضَى أَنْ يُرَاعَى فِيهِ عُرْفُ الشَّرْعِ لَا عُرْفَ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُمَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ كَالطَّلَاقِ، وَإِنْ خَالَفَاهُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَقِيَاسٌ ثَانٍ: وَهُوَ أَنَّ إِزَالَةَ الْمِلْكِ إِذَا سَرَى لَمْ يَقِفْ صَرِيحُهُ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ كَالْعِتْقِ.
وَقِيَاسٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ أَحَدُ طَرَفَيِ النكاح، فوجب أن يزيد صريحه على لفظه واحدة كَالْعَقْدِ، وَقِيَاسٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ لَا يَفْتَقِرُ فِي الطَّلَاقِ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالطَّلَبِ إِلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ كَانَ صَرِيحًا فِيهِ كَالطَّلَاقِ، وَقِيَاسٌ خَامِسٌ: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَقِفْ عَلَى لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالْكِنَايَةِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ فَقَدْ مَضَى فِي أَجْوِبَةِ الْأَسْئِلَةِ ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الْقُرْآنُ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (فَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَدْ طَلَّقْتُكِ أو فارقتك أو سرحتك لزمه) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا ثَبَتَ مَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ، أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ، الطَّلَاقُ
وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ، فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَدْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، أَوْ يَا مُطَلَّقَةُ، كَانَ كُلُّ هَذَا صَرِيحًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ، وَإِذَا قَالَ لَهَا يَا مُطَلَّقَةُ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا، لِأَنَّهُ نِدَاءٌ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ إخبارها وندائها إِنَّمَا يَكُونُ بِحُكْمٍ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا، وَلَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ نِدَاءً وَلَا خَبَرًا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ إِخْبَارٌ، وَهُوَ صَرِيحٌ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ) ، فَإِذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ النِّدَاءُ صَرِيحًا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ مُفَارَقَةٌ أَوْ قَدْ فَارَقْتُكِ، أَوْ يَا مُفَارَقَةُ، كَانَ صَرِيحًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ أَوْ قَدْ سَرَّحْتُكِ، أَوْ يَا مُسَرَّحَةُ، كَانَ كُلُّ هَذَا صَرِيحًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا.
(فَصْلٌ:)
لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ يَا مُطَلَّقَةُ صَارَ هَذَا النِّدَاءُ بَعْدَ تَقْدِيمِ الطَّلَاقِ مُحْتَمَلًا فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ، لِزِيَادَةِ طَلَاقٍ، أَوْ لِنِدَاءِ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ، وَكَذَلِكَ نَظَائِرُ هَذَا.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ الطَّلَاقُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَرِيحٌ يَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ كِنَايَةً، لِأَنَّهَا تَكُونُ مُطَلَّقَةً، وَلَا يَكُونُ طَلَاقًا.
(فصل:)
وإذا قال لها رَجُلٌ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ هَذِهِ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ صَرِيحًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَكُونُ صَرِيحًا لَا يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ كَمَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ عِنْدَ سُؤَالِ الْحَاكِمِ صَرِيحًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إِخْبَارٌ عن سؤال.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَمْ يَنْوِ فِي الْحُكْمِ وَيَنْوِي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ طَلَاقًا من وثاق كما لو قال لعبده أنت حر يريد حر النفس ولا يسع امرأته وعبده أن يقبلا منه) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ مَنْ تَلَفَّظَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصِدَ اللَّفْظَ وَيَنْوِيَ الْفُرْقَةَ، فَيَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِجْمَاعًا، إِذَا كَانَ الْمُتَلَفِّظُ مِنْ أهل الطلاق.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ اللَّفْظَ وَلَا يَنْوِيَ الْفُرْقَةَ، فَيَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ دَاوُدُ: لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) وَهَذَا خَطَأٌ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ.
النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ) .
وَلِأَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِالْفَسْخِ تَارَةً وَبِالطَّلَاقِ أُخْرَى.
فَلَمَّا لَمْ يَفْتَقِرِ الْفَسْخُ إِلَى النِّيَّةِ، لَمْ يَفْتَقِرِ الطَّلَاقُ إِلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَفْتَقِرْ صَرِيحُ الْعِتْقِ إِلَى النِّيَّةِ، لَمْ يَفْتَقِرْ صَرِيحُ الطَّلَاقِ إِلَى النِّيَّةِ وَلِأَنَّهُ قَدِ افْتَرَقَ فِي الطَّلَاقِ حُكْمُ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ، فَلَوِ افْتَقَرَ الصَّرِيحُ إِلَى النِّيَّةِ، لَصَارَ جَمِيعُهُ كِنَايَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبْعِدَ اللَّفْظَ وَيُرِيدَ بِهِ طَلَاقًا مِنْ وِثَاقٍ، أَوْ فِرَاقًا إِلَى سَفَرٍ، أَوْ تَسْرِيحًا إِلَى أَهْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَاطِنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَلَا يَدِينُ كَمَا لَا يَدِينُ إِذَا تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ، وَيُرِيدُ بِهِ غَيْرَ الطَّلَاقِ.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا تُحَاسِبُوا الْعَبْدَ حِسَابَ الرَّبِّ) أَيْ لَا تُحَاسِبُوهُ إِلَّا عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُحَاسِبُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (إِنَمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَيَتَوَلَّى اللَّهُ السَّرَائِرَ) ، وَلِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ مَا نَوَى، لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ فَاقْتَضَى إِذَا نَوَاهُ أَنْ يَكُونَ مَدِينًا فِيهِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ احْتِمَالَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ مُرِيدًا بِهِ غَيْرَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ يَسْلُبُ اللَّفْظَ حُكْمَهُ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ اللَّفْظَ وَلَا يُرِيدَ بِهِ الْفُرْقَةَ وَإِنَّمَا يسبق لِسَانُهُ غَلَطًا أَوْ دَهَشًا أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا [لَا يَعْرِفُ لَفْظَ الطَّلَاقِ وَلَا حُكْمَهُ] فَالطَّلَاقُ لَازِمٌ لَهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ وَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْبَاطِنِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمَدِينِ فِي طَلَاقِهِ، إِذَا أُلْزِمَ الطَّلَاقَ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ تَعْلَمَ صِدْقَهُ فِيمَا دِينَ فِيهِ فَيَسَعُهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ وَتُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَلَا يُكْرَهُ لَهَا، وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَتُهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا النُّشُوزُ عَنْهُ، فَإِنْ نَشَزَتْ لَمْ يُجْبِرْهَا الْحَاكِمُ، وَإِنْ أَثِمَتْ لِوُقُوعِ طَلَاقِهِ فِي
الظَّاهِرِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْحَاكِمِ إِذَا رَآهُمَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ، هَلْ يَلْزَمُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ الْفُرْقَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ مَا هُمَا عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، يَجُوزُ إِبَاحَتُهُ فِي الشَّرْعِ، فَلَوْ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ وَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ حُكْمِهِ بِالْفُرْقَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَعْلَمَ الزَّوْجَةُ كَذِبَهُ فِيمَا دِينَ فِيهِ، فَعَلَيْهَا الْهَرَبُ مِنْهُ، وَلَا يَسَعُهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِنْ جَوَّزْنَا لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا، وَإِنْ سَأَلَتِ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالْفُرْقَةِ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بِهَا، وَيَجُوزُ لَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِ وَيَجُوزُ لِمَنْ خَطَبَتْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِنْ لَمْ يُصَدِّقِ الزَّوْجَ فِيمَا دِينَ فِيهِ، فَإِنْ عَلِمَ صِدْقَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِنْ لَمْ يَحْكُمِ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا بِالْفُرْقَةِ.
وَفِي جَوَازِ تَزْوِيجِهِ بِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْفُرْقَةِ وَجْهَانِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَعْلَمَ الزَّوْجَةُ صِدْقَهُ فِيمَا دِينَ فِيهِ وَلَا كَذِبَهُ فَيُكْرَهُ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسِهَا لِجَوَازِ كَذِبِهِ، وَفِي تَحْرِيمِهِ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهَا فِي الْبَاطِنِ تَغْلِيبًا لِبَقَاءِ النِّكَاحِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ فِي حُكْمِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: يَحْرُمُ عَلَيْهَا فِي الْبَاطِنِ تَغْلِيبًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الظَّاهِرِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْقِسْمِ الثَّانِي.
فَلَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ تَصْدِيقَهُ فِيمَا دِينَ فِيهِ وَأَنْكَرَتْهُ، فَفِي وُجُوبِ إحلافها عَلَيْهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا مَضَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: (وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ غَضَبٍ أَوْ مَسْأَلَةِ طَلَاقٍ أَوْ رِضًا وَقَدْ يَكُونُ السَبَبُ وَيَحْدُثُ كَلَامٌ عَلَى غَيْرِ السَبَبِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا صريح الطلاق، فيستوي حكمه في الغضب والرضى، وَعِنْدَ مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ، وَفِي الِابْتِدَاءِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ فَحُكْمُهَا عِنْدَنَا فِي الغضب والرضى سَوَاءٌ.
وَعِنْدَ مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَفِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا بِنِيَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْكِنَايَاتِ سَبَبٌ، من غضب أو طلب علم يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَإِنْ قَارَنَهَا سَبَبٌ مِنْ طَلَبٍ أَوْ غَضَبٍ فَعِنْدَ مَالِكٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ بِسِتَّةِ أَلْفَاظٍ مِنْهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ،
وهي قوله: أنت خلية أبو برية أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَلَا يَقَعُ بِغَيْرِهَا مِنَ الْكِنَايَاتِ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تَصْرِفُ الْكَلَامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَمَوْضُوعِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَتَخُصُّهُ بِحُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ، اسْتِشْهَادًا بِأَنَّ الْخُلْعَ لَوِ اقْتَرَنَ بِهِ الْعِوَضُ كَانَ صَحِيحًا، وَلَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الْعِوَضِ كَانَ كِنَايَةً، فَاخْتَلَفَ حُكْمُهُ بِالْقَرِينَةِ، كَذَلِكَ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ جَزَاءُ الشَّرْطِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عَنْ سَبَبٍ مَحْمُولًا عَلَيْهِ.
قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، وَرَدَ عَلَى طَلَبِ الطَّلَاقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا كَالْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ (أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، وَجَاءَ إِلَى النَبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ لَهُ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي الْبَتَّةَ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَدْتَ بِهَا، فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ألله إِنَّكَ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً) .
فَرَجَعَ فِيهِ إِلَى إِرَادَتِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُ بِالسَّبَبِ، أَوْ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالطَّلَبِ، لَسَأَلَهُ عَنْهُ وَلَبَيَّنَهُ لَهُ.
وَلِأَنَّ الأحكام لا تختلف بالغضب والرضى كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَلِأَنَّ الْكِنَايَةَ أَحَدُ نَوْعَيِ الطَّلَاقِ فلم تختلف بالرضى وَالْغَضَبِ كَالصَّرِيحِ، وَلِأَنَّهَا كِنَايَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ بِنِيَّةِ الطلاق، فلم يكن طلاقاً كالرضى وَعَدَمِ الطَّلَبِ.
فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ: بِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ، تَصْرِفُ الْكَلَامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَمَوْضُوعِهِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الْأَسْبَابَ مُتَقَدِّمَةٌ وَالْأَيْمَانَ بَعْدَهَا مُحْدَثَةٌ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَلَى مِثَالِهَا وَعَلَى خِلَافِهَا، فَأَخَذَتْهُ لِمَخْرَجِ يَمِينِهِ، فَإِذَا كَانَ لَفْظُهُ عَامًّا، لَمْ أَعْتَبِرْ بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وَإِذَا كَانَ لَفْظُهُ خَاصًّا لَمْ أَعْتَبِرْ بِعُمُومِ السَّبَبِ وَيَرْجِعُ عَنْ نِيَّةِ الطَّلَاقِ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَفِي اسْتِشْهَادِهِ كَلَامٌ مَضَى، فِي مَوْضِعِهِ يَمْنَعُ بِهِ مِنْ صِحَّةِ الاستشهاد.
وأما قياسهم على الفراق والسرح فلأنهما صريحان في الرضى والغضب ك (الطلاق) . وَأَمَّا الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ وَالسَّبَبِ لِأَمْرَيْنِ:
أحدهما: اتصال الشرط وانفصال السبب.
والثاني: أَنَّ الشَّرْطَ مَنْطُوقٌ بِهِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ احْتِمَالٌ، وَالسَّبَبُ غَيْرُ مَنْطُوقٍ بِهِ، فَدَخَلَهُ الِاحْتِمَالُ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: فَإِنْ قَالَ قَدْ فَارَقْتُكِ سَائِرًا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ سَرَّحْتُكِ إِلَى أَهْلِكِ أَوْ قَدْ طَلَّقْتُكِ مِنْ وَثَاقِكِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا لَمْ يكن طلاقا فإن قيل قد يكون هذا طلاقاً تقدم فأتبعه كلاما يخرج به منه قيل قد يقول: لا إله إلا الله فيكون مؤمنا يبين آخر الكلام عن أوله ولو أفرد (لا إله كان كافراً) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا قُيِّدَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ بِمَا يُغَلِّبُ حُكْمَ الصَّرِيحِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ طَلَّقْتُكِ مِنْ وَثَاقِكِ وَفَارَقْتُكِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَسَرَّحْتُكِ إِلَى أَهْلِكِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فَاصِلًا بَيْنَ قَوْلِهِ: طَلَّقْتُكِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ مِنْ وَثَاقِكِ، فَقَدِ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الطَّلَاقِ فِي الْوُقُوعِ بِإِمْسَاكِهِ عَلَى قَوْلِهِ قَدْ طَلَّقْتُكِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، مَا اسْتَأْنَفَهُ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ وَثَاقِكِ وَلَظَهَرَ أَوَّلُ الْكَلَامِ مَرْبُوطًا بِآخِرِهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَيُبَيِّنُ الْعَدَدَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْكَلَامِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا، لَا يَفْصِلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: طَلَّقْتُكِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: مِنْ وَثَاقِكِ فَيَصِيرُ أَوَّلُ الْكَلَامِ مَرْبُوطًا بِآخِرِهِ، فَيَخْرُجُ أَوَّلُهُ مِنَ الصَّرِيحِ، بِمَا اتَّصَلَ فِيهِ وفي آخر.
كَمَا لَوِ اتَّصَلَ بِالْكَلَامِ اسْتِثْنَاءٌ، صَارَ حُكْمُ أَوَّلِهِ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ بِآخِرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فقد قدح صَرِيحَ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ نَدَمٌ، فَيَصِلُهُ بِقَوْلِهِ مِنْ وَثَاقِكِ، قِيلَ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّوَهُّمِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِجَمِيعِهِ لَا بِبَعْضِهِ، أَلَا تَرَى لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَانَ مُوَحِّدًا بِالْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ نَفْيًا وَآخِرُهُ إِثْبَاتًا، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ كَفَرَ بِقَوْلِهِ لَا إِلَهَ ثُمَّ خَافَ فَاسْتَدْرَكَ بقوله لا إله، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِكُفْرِهِ، وَلَا يُحْكَمَ بِإِيمَانِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، صَارَ اللَّفْظُ الصَّرِيحُ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الْقَرِينَةِ، كِنَايَةً يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِنْ نَوَاهُ، وَلَا يَقَعُ بِهِ إِنْ لَمْ يَنْوِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنَا طَالِقٌ مِنْكِ، كَانَ كِنَايَةً يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِنْ نَوَاهُ، وَلَا يَقَعُ إِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ إِلَيْهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ: أَنْتَ طَالِقٌ مِنِّي كَانَ كِنَايَةً، يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ، إِنْ نَوَتْهُ، وَلَا يَقَعُ إِنْ لَمْ تَنْوِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقَعُ بِهِمَا الطَّلَاقُ إِلَّا إِذَا قَالَ الزَّوْجُ: أَنَا طَالِقٌ مِنْكِ، وَلَا إِذَا قَالَتِ الزَّوْجَةُ: أَنْتَ طَالِقٌ مِنِّي، وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: أَنَا بَائِنٌ مِنْكِ، أَوْ أَنَا حَرَامٌ عَلَيْكِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِنْ نَوَاهُ، وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَا خَالَفَنَا فِيهِ بِأَنَّ رَجُلًا جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، فَطَلَّقَتْ زَوْجَهَا، فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: خَطَّأَ اللَّهُ نُؤْهَا، هَلَّا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، إِنَّمَا الطَّلَاقُ لَكَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْكَ: وَلِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَصَّ اسْمُ الطَّلَاقِ بِالزَّوْجَةِ دُونَ
الزَّوْجِ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهَا طَالِقٌ، وَلَمْ يُقَلْ لِلزَّوْجِ: إِنَّهُ طَالِقٌ، وَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ حُكْمُ الطَّلَاقِ بِالزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ، فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بِالطَّلَاقِ عَلَيْهَا وَلَا تَقَعُ بِالطَّلَاقِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الحكم يقتضي ثبوت الاسم، وانتقاء الِاسْمِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ كَمَا أَنَّ انْتِفَاءَ اسْمِ الزَّوْجِيَّةِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ حُكْمِهَا وَثُبُوتَ اسْمِهَا يُوجِبُ ثُبُوتَ حُكْمِهَا، قَالَ: وَلِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ كَانَ مَحَلًّا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ، لَكَانَ صَرِيحُ الطَّلَاقِ فِيهِ صَرِيحًا، وَلَكَانَ حُكْمُهُ بِهِ مُتَعَلِّقًا فَلَمَّا انْتَفَى عَنْهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْعِدَّةُ مِنَ الطَّلَاقِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ لِزَوْجَتِهِ: أَنَا طَالِقٌ مِنْكِ، كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ: أَنَا حُرٌّ مِنْكَ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا عِتْقًا، لَمْ يكن هذا طلاقاً، قال: ولأن الطلاق هو الإطلاق مِنَ الْحَبْسِ، وَالزَّوْجَةُ مَحْبُوسَةٌ عَنِ الْأَزْوَاجِ.
فَجَازَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ وَالزَّوْجُ غَيْرُ مَحْبُوسٍ بِهَا عَنِ الزَّوْجَاتِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، سَأَلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الزَّوْجِ فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تَرَى أَنْتَ، فَقَالَ: أَرَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَزَوْجُهَا أَحَقُّ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نِعْمَ مَا رَأَيْتَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِجْمَاعِهِمَا عَلَى أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى الزَّوْجِ كِنَايَةٌ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَجَازَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ، بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ كَالزَّوْجَةِ، وَلِأَنَّ مَا صَلَحَ أَنْ تَقَعَ بِهِ الْفُرْقَةُ إِذَا وَقَعَ عَلَى الزَّوْجَةِ، جَازَ أَنْ تَقَعَ بِهِ الْفُرْقَةُ إِذَا وَقَعَ عَلَى الزَّوْجِ، كَالتَّحْرِيمِ وَالْبَيْنُونَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ إِضَافَةُ كِنَايَةِ الطَّلَاقِ إِلَيْهِ صَحَّ إِضَافَةُ صَرِيحِهِ إِلَيْهِ، كَالزَّوْجَةِ طَرْدًا وَكَالْأَجْنَبِيَّةِ عَكْسًا.
وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ هُوَ: أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ أَقْوَى مِنْ كِنَايَتِهِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِكِنَايَةِ الطَّلَاقِ فِي الزوج كان وقوعها بصريحة بها أولى.
فأما استدلاله بحيث ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ خَالَفَ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَقَوْلُ الِاثْنَيْنِ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ الْوَاحِدِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِانْتِفَاءِ الِاسْمِ عَنِ الزَّوْجِ أَوْجَبَ انْتِفَاءَ حُكْمِهِ فَبَاطِلٌ بِقَوْلِهِ: أَنَا بَائِنٌ مِنْكِ، وَحَرَامٌ عَلَيْكِ، عَلَى أَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَإِنِ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِالِاسْمِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ صَرِيحُ الطَّلَاقِ فِيهِ صَرِيحًا وَلَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعِدَّةُ لم يكن محالاً لَهُ.
فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي حَقِيقَتِهِ صَرِيحًا.
لِأَنَّ الصَّرِيحَ مَا اقْتَرَنَ بِهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالَ عِنْدَهُمْ وَعُرْفُ الْقُرْآنِ عِنْدَنَا وَلَمْ يَتَنَاوَلْ جِهَةَ الزَّوْجِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ وَعُرْفُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ صَرِيحًا، وَقَدْ تَنَاوَلَهُ فِي جِهَةِ الزَّوْجَةِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ وَعُرْفُ الْقُرْآنِ فَكَانَ صَرِيحًا.
وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَهِيَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَةُ مَمْنُوعَةٌ مِنْ ذَلِكَ، فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ
فَمُنِعَتْ مِنْهُ بَعْدَ الزَّوْجِيَّةِ وَالزَّوْجُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنْهُ بَعْدَ الزَّوْجِيَّةِ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ: أَنَا حُرٌّ مِنْكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ كِنَايَةً عَنْ عِتْقِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَكُونُ كِنَايَةً فِي عِتْقِهِ، يُعْتَقُ بِهِ إِذَا نَوَاهُ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ لَا يَكُونُ كِنَايَةً، وَلَا يُعْتَقُ بِهِ، فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، أَنَّ الْعِتْقَ إِنَّمَا هُوَ إِزَالَةُ الرِّقِّ، وَالرِّقُّ يَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ فَلَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ إِلَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ اللَّفْظُ إِلَى الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ رَفْعُ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي قَدِ اشْتَرَكَ فِيهَا الزَّوْجَانِ، فَجَازَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بِوُقُوعِهَا عَلَى الزَّوْجَيْنِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ هُوَ إِطْلَاقٌ مِنَ الْحَبْسِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ فَفِيهِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّلَاقَ هُوَ الْإِطْلَاقُ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْعَقْدُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ وَاقِعًا عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ إِطْلَاقًا مِنْ حَبْسٍ، فَهُوَ مَحْبُوسٌ بِهَا عَنْ نِكَاحِ أُخْتِهَا، وَخَالَتِهَا وَعَمَّتِهَا وَعَنْ نِكَاحِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا، كَمَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً عَنْ غَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ، لِيَنْطَلِقَ مِنْ حَبْسِ هَذَا التَّحْرِيمِ كَمَا وَقَعَ عَلَيْهَا، فَانْطَلَقَتْ مِنْ حَبْسِ التَّحْرِيمِ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ بَرِيئَةٌ أَوْ بَتَّةٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مَا أشبهه فإن قال قلته ولو أنو طلاقا وأنوي بِهِ السَّاعَةَ طَلَاقًا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا حَتَّى يبتدئه ونيته الطلاق وما أراد من عدد) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي يُخَاطِبُ بِهَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فِي الطَّلَاقِ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ وَمَا لَيْسَ بصريح ولا كناية، فأما صريح فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الطَّلَاقُ، وَالْفِرَاقُ، وَالسَّرَاحُ، وَمَعْنَى الصَّرِيحِ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ فِي وُقُوعِهِ إِلَى نِيَّةٍ، وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَهُوَ الَّذِي لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى الْمُبَاعَدَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ (الرَّجْعَةِ) : كُلُّ مَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ فَهُوَ كِنَايَةٌ، وَالْكِنَايَاتُ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ، فَالظَّاهِرَةُ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ، بَتَّةٌ وَخَلِيَّةٌ وَبَرِيَّةٌ وَبَايِنٌ وبتلة وحرام.
والباطنة اعتدي واذهبي وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ وَلَا حَاجَةَ لِي فِيكِ وَانْكَحِي مَنْ شِئْتِ وَاسْتَبْرِئِي وَتَقَنَّعِي وَقُومِي وَاخْرُجِي وَتَجَرَّعِي، وَذُوقِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَاخْتَارِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ عَلَى مَا سَنَشْرَحُهُ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ الضَّرْبَيْنِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ، وَحُكْمُ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عِنْدَنَا وَاحِدٌ.
فَإِنِ اقْتَرَنَ بِالنِّيَّةِ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْهَا لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَإِنْ نَوَى بِهَا وَاحِدَةً كَانَتْ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مَا نَوَى، وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جميع الكنايات الظاهرة يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ، إِذَا قَارَنَهَا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: النِّيَّةُ أَوِ الْغَضَبُ أَوْ طَلَبُ الطَّلَاقِ، وَلَكِنْ مَا كَانَ ظَاهِرًا وَقَعَ بَائِنًا، وَمَا كَانَ مِنْهَا بَاطِنًا وَقَعَ رَجْعِيًّا، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِمَا ثَلَاثًا فَتَكُونَ ثَلَاثًا، وَلَوْ أَرَادَ اثْنَتَيْنِ، لَمْ تَكُنْ إِلَّا وَاحِدَةً، وَلَوْ أَرَادَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ، لَمْ تَكُنْ إِلَّا وَاحِدَةً، وَلَهُ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ مَذْهَبٌ يَطُولُ شَرْحُهُ، لَكِنَّ تَقْرِيبَ جُمْلَتِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فصار الخلاف معه في أربعة فصول:
أحدهما: أَنَّ الْغَضَبَ وَالطَّلَبَ هَلْ يَقُومَانِ فِي الْكِنَايَةِ مَقَامَ النِّيَّةِ أَمْ لَا؟ .
وَالثَّانِي: أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ هَلْ يَكُونُ بَائِنًا أَمْ لَا؟ .
وَالثَّالِثُ: إِذَا أَرَادَ بِالْكِنَايَاتِ اثْنَتَيْنِ هَلْ تَكُونُ اثْنَتَيْنِ أَمْ لَا؟ .
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ أَرَادَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثَ هَلْ تَكُونُ ثَلَاثًا أَمْ لَا؟ .
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الطَّلَبِ وَالْغَضَبِ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِمَا، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُمَا فِي صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ، هَلْ يَكُونُ رَجْعِيًّا إِذَا لَمْ يرد به ثلاثاً، فعندنا يَكُونُ رَجْعِيًّا إِنْ أَرَادَ بِهِ وَاحِدَةً أَوِ اثنتين، أو لم تكن له نية في عدده.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ بَائِنًا، لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ بَائِنٌ لفظ يقتضي البينونة فوجب أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِ بَائِنًا كَالثَّلَاثِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ تَجَرَّدَتِ النِّيَّةُ عَنْ لَفْظٍ عَامِلٍ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ طَلَاقٌ.
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَمَّا أَرَادَ بِالْبَتَّةَ فَقَالَ: وَاحِدَةً فَأَحْلَفَهُ عَلَيْهَا، وَرَدَّهَا عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ ثَلَاثًا.
فَخَالَفَ قَوْلَ مَالِكٍ وَتَكُونُ رَجْعِيَّةً بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرُوِيَ أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ حنطب
طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَبُتُّ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ تَبُتُّ، يَعْنِي بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إِنْ لَمْ يُمْسِكْ.
وروي أن التؤمة طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتَ قَالَ: وَاحِدَةً فَاسْتَحْلَفَهُ، فَقَالَ: أَتُرَانِي أُقِيمُ عَلَى فَرْجٍ حَرَامٍ، فَأَحْلَفَهُ وَأَقَرَّهُ عَلَى نِكَاحِهِ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِعُمَرَ فِي هَذَا مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَى مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ عَدَدٍ وَعِوَضٍ، كَانَ رَجْعِيًّا في المدخول به، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوِ اعْتَدِّي أَوِ اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، أَوْ أَنْتِ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّ أبا حنفية وَافَقَ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِهَا الرَّجْعَةَ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ رَجْعَتَهَا كَالْمُطَلَّقَةِ بِالصَّرِيحِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكِنَايَةِ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِكِنَايَتِهِ، لِتَحْرِيمِ الثَّلَاثِ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَمْنَعْ صَرِيحُهُ مِنَ الرَّجْعَةِ لَمْ تَمْنَعْ كِنَايَتُهُ مِنَ الرَّجْعَةِ لِقَوْلِهِ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ، هُوَ كِنَايَةُ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَلِأَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ مِنْ كِنَايَتِهِ فَلَمَّا لَمْ يَرْفَعِ الصَّرِيحُ الرَّجْعَةَ، فَأَوْلَى أن لَا تَرْفَعَهَا الْكِنَايَةُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ نَوَى بِالطَّلَاقِ صَرِيحَ أَنَّهُ بَائِنٌ لَمْ يَرْفَعِ الرَّجْعَةَ، فَإِذَا تَجَرَّدَ لَفْظُ الْبَائِنِ عَنِ الصَّرِيحِ، فَأَوْلَى أَن لا يَرْفَعَ الرَّجْعَةَ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ، فَمُنْتَقَضٌ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْكِ، تَكُونُ طَالِقًا وَلَهُ الرَّجْعَةُ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلْبَيْنُونَةِ ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الثَّلَاثُ، اسْتِيفَاءُ الْعَدَدِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ وَقَعَ مُقْتَضَاهُ، فَمُنْتَقَضٌ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي طَلَاقًا مِنْ جِنْسِهِ، وَقَدْ يَكُونُ رَجْعِيًّا لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ جِنْسِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ إِذَا نَوَى بِالْكِنَايَاتِ اثْنَتَيْنِ وَقَعَ اثْنَتَانِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةً، اسْتِدْلَالًا بأن قوله: أنت بائن يتضمن البيونة وَهِيَ نَوْعَانِ: صُغْرَى وَهِيَ الَّتِي تُثْبِتُ الرَّجْعَةَ وَتَحِلُّ قَبْلَ زَوْجٍ، وَكُبْرَى وَهِيَ الَّتِي تَقْطَعُ عِصْمَةَ الرَّجْعَةِ وَلَا تَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، فَإِذَا أَرَادَ الْكُبْرَى وَكَانَتِ الثَّلَاثُ تَبَعًا وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْكُبْرَى وَقَعَتِ الصُّغْرَى، لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا وَهِيَ وَاحِدَةٌ، فَأَمَّا الثِّنْتَانِ فَخَارِجٌ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْنُونَةِ لَا يَتَضَمَّنُ عَدَدًا، لِأَنَّ الْبَائِنَ مِثْلُ الْحَائِضِ وَالطَّاهِرِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: أَنْتِ بَائِنَتَانِ كَمَا لَا يَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: أَنْتِ حَائِضَتَانِ وَطَاهِرَتَانِ، فَإِذَا لَمْ يَتَضَمَّنِ الْعَدَدَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَيْهِ الْعَدَدُ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ: أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ مَلَكَ إِيقَاعَهُ بِالصَّرِيحِ، مَلَكَ إِيقَاعَهُ بِالْكِنَايَةِ كَالثَّلَاثِ، وَلِأَنَّ وُقُوعَ الثَّلَاثِ أَغْلَظُ مِنْ وُقُوعِ الثِّنْتَيْنِ، لِأَنَّ الثَّالِثَةَ لَا تَقَعُ إِلَّا بَعْدَ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا وَقَعَتِ الثِّنْتَانِ مَعَ الثَّالِثَةِ فَأَوْلَى أَنْ تَقَعَ الثِّنْتَانِ دُونَ الثَّالِثَةِ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ
بِالصَّرِيحِ لَا تَكُونُ بِوَاحِدَةٍ فَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ وُقُوعُهَا بِالْوَاحِدَةِ، وَأَنْ يَصِحَّ ضَمُّ ثَانِيَةٍ إِلَيْهَا، كالمختلفة، وإن كانت تبين بالواحدة يجوز أن يخالفها عَلَى اثْنَتَيْنِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ لَفْظَ الْبَائِنِ لَا يَتَضَمَّنُ عَدَدًا، لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يقال أنت بائنتان ففاسد بالثلاث، لأنه لَمْ يَتَضَمَّنِ الْعَدَدَ لَمْ تَقَعِ الثَّلَاثُ، وَإِذَا جَازَ أَنْ تَقَعَ ثَلَاثًا، جَازَ أَنْ تَقَعَ ثنتين ولا يمتنع أن يقال: أنت بائن ثنتين، كَمَا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ ثَلَاثٌ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: وَهُوَ إِذَا نَوَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى الثَّلَاثَ كَانَتْ ثَلَاثًا، وَلَوْ نَوَى اثْنَتَيْنِ، كَانَتِ اثْنَتَيْنِ فَيُحْمَلُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ عَلَى مَا نَوَى مِنْ عَدَدِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقَعُ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَنْوِي طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَمْ تَقَعْ إِلَّا وَاحِدَةً، إِلَّا أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالْعَدَدِ نُطْقًا، أَوْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ نَاوِيًا الثَّلَاثَ فَتُطَلَّقُ ثَلَاثًا وَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ يَنْوِي ثَلَاثًا فَيُطَلِّقُ وَاحِدَةً، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ الطلاق وَيَنْوِي الثَّلَاثَ، فَيُطَلِّقُ ثَلَاثًا، بِأَنَّ الطَّلَاقَ مَصْدَرٌ يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مرتان﴾ .
وَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِخْبَارٌ عَنْ صِفَةٍ، لَا تَحْتَمِلُ الْعَدَدَ كَمَا لَا تَحْتَمِلُ دُخُولَ الْعَدَدِ فِي قَوْلِهِمْ أَنْتَ قَائِمٌ وَقَاعِدٌ وَرَاكِعٌ وَسَاجِدٌ وَجَعَلَ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا دَلِيلًا.
قَالَ: وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ صَرِيحٌ فِي الْوَاحِدِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ كِنَايَةً فِي الثَّلَاثِ، لِأَنَّهُ يُؤَخَّرُ إِلَى أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ صَرِيحًا وَكِنَايَةً فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا فَاسِدٌ وَدَلِيلُنَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ، عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ اسْمُ فَاعِلٍ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ طُلِّقَتْ فَهِيَ طَالِقٌ كَمَا قَالُوا حَاضَتْ فَهِيَ حَائِضٌ، وَضَرَبَتْ فَهِيَ ضَارِبٌ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَعْدَادِ الْمَصَادِرِ، فَيُقَالُ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، وَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَمِائَةَ طَلْقَةٍ وَضَارِبٌ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، وَلَوْ كَانَ الِاسْمُ لَا يَتَضَمَّنُ أَعْدَادَ مَصَادِرِهِ، فَأَحْسَنُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ كَمَا لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: أَنْتِ ضَارِبٌ طَلْقَةً، وَقَائِمٌ قَعْدَةً.
وَلِذَا تَضَمَّنَ الْعَدَدَ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا، جَازَ أَنْ يَقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ، كَمَا يَقَعُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ الطَّلَاقُ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ فِيهِ مُظْهَرًا، جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ فِيهِ مُضْمَرًا، كَالْمَصْدَرِ إِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ.
وَدَلِيلٌ ثَانٍ: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَعَتِ الثَّلَاثُ، بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وكان قوله ثلاثاً تفسير للعدد المضمر فيه، ألا تراه لو وقال لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، أَنْتِ طَالِقٌ
ثَلَاثًا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَلَوْ كَانَتِ الثَّلَاثُ لَا تَقَعُ إِلَّا بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، لَمَا وَقَعَ عَلَيْهَا إِلَّا وَاحِدَةً، لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا تطلق بفلظ بَعْدَ لَفْظٍ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَقَعَتِ الْأُولَى وَلَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ فِيهِ مُضْمَرًا فِيهِ، إِذَا أَظْهَرَهُ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا فِيهِ إِذَا نَوَاهُ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا، أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ جَازَ أَنْ يَتَضَمَّنَهُ مَصْدَرُ الطَّلَاقِ، جَازَ أَنْ يَتَضَمَّنَهُ اسْمُ الطَّلَاقِ كَالْمُظْهَرِ.
وَدَلِيلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَنِيَّةُ الثَّلَاثِ أَقْوَى مِنْ إِشَارَتِهِ بِالثَّلَاثِ، لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَعْمَلُ فِيهَا النِّيَّةُ، وَلَا تَعْمَلُ فِيهَا الْإِشَارَةُ فَلَمَّا وَقَعَتِ الثَّلَاثُ بِالْإِشَارَةِ، فَأَوْلَى أَنْ تَقَعَ بِالنِّيَّةِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِخْبَارٌ عَنْ صِفَةٍ، لَا تَتَضَمَّنُ عَدَدًا فَهُوَ خَطَأٌ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ اسْمٌ يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ بِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ جَوَازِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَوْلِهِ: أَنْتِ حَائِضٌ وَطَاهِرٌ وَقَائِمٌ وَقَاعِدٌ، فَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْهُ عَدَدٌ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمْ يَتَضَمَّنِ الْعَدَدَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْهُ الْعَدَدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَجَازَ أَنْ يَتَضَمَّنَ الْعَدَدَ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ عَالِمٌ عِلْمَيْنِ، وَجَائِرٌ جَوْرَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَضَمَّنَهُ الْعَدَدُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْوَاحِدَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِي الثَّلَاثِ، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، لِأَنَّهُ إِذَا نَوَى الثَّلَاثَ، كَانَ صَرِيحًا فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي وَاحِدَةٍ، كِنَايَةً فِي اثْنَتَيْنِ فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُمُ الِاسْتِدْلَالُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا تَمَهَّدَ حُكْمُ الْكِنَايَةِ وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِهَا إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ، فَإِنْ تَجَرَّدَتْ عَنِ النِّيَّةِ لَمْ يَقَعْ بِهَا طَلَاقٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ يَحْتَمِلُ خَلِيَّةً مِنْ خَيْرٍ، وَخَلِيَّةً مِنْ شَرٍّ وَخَلِيَّةً مِنْ زَوْجٍ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى إِحْدَى احْتِمَالَاتِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْتِ بَائِنٌ يَحْتَمِلُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالزَّوْجِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ، يَتَقَابَلُ فِيهَا الِاحْتِمَالُ، فَلَمْ يَقَعْ بِهَا طَلَاقٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَأَمَّا إِذَا وُجِدَتِ الْكِنَايَةُ وَنِيَّةُ الطَّلَاقِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ النِّيَّةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى جَمِيعِ اللَّفْظِ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ تَجَرَّدَتْ عَنْ لَفْظٍ فَلَمْ يَقَعْ بِهَا طَلَاقٌ، وَاللَّفْظَ تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةٍ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ جَمِيعِ اللَّفْظِ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ أَيْضًا، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا تَجَرَّدَ عَنِ النِّيَّةِ لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ، وَالنِّيَّةَ لَمَّا تَجَرَّدَتْ عَنِ اللَّفْظِ لَمْ يَقَعْ بِهَا طَلَاقٌ.
مِثَالُ هَذَيْنِ: نِيَّةُ الصَّلَاةِ، إِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْإِحْرَامِ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لَمْ تَصِحَّ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِجَمِيعِ اللَّفْظِ، فَتُوجَدُ مِنْ أَوَّلِ اللَّفْظِ إِلَى آخِرِهِ فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ، بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ مَعًا، وَلَا يَكُونُ وُقُوعُهُ بِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ هُوَ الْمُغَلَّبُ لِظُهُورِهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تُوجَدَ النِّيَّةُ فِي بَعْضِ اللَّفْظِ وَتُعْدَمَ فِي بَعْضِهِ، إِمَّا أَنْ تُوجَدَ فِي أَوَّلِهِ وَتُعْدَمَ فِي آخِرِهِ، أَوْ تُوجَدَ فِي آخِرِهِ، وَتُعْدَمَ فِي أَوَّلِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ بَائِنٌ، فَيَنْوِي عِنْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَا، بِتَرْكِ النِّيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ئِنٌ، أَوْ يَتْرُكُ النِّيَّةَ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَا وَيَنْوِي عِنْدَ قَوْلِهِ ئِنٌ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ اللَّفْظُ إِذَا اعْتُبِرَتْ فِيهِ النِّيَّةُ، كَانَ وُجُودُهَا عِنْدَ بَعْضِهَا، كَعَدَمِهَا فِي جَمِيعِهِ كَالنِّيَّةِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ، لِأَنَّ اسْتِصْحَابَ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَالصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِهَا.
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُنْظَرَ فِي النِّيَّةِ فَإِنْ وُجِدَتْ فِي أَوَّلِ اللَّفْظِ، وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ عُدِمَتْ فِي آخِرِهِ كَالصَّلَاةِ، إِذَا وُجِدَتِ النِّيَّةُ فِي أَوَّلِهَا، جَازَ أَنْ تُعْدَمَ فِي آخِرِهَا، وَإِنْ وُجِدَتِ النِّيَّةُ فِي آخِرِ اللَّفْظِ وَعُدِمَتْ فِي أَوَّلِهِ، لَمْ يَقَعْ لَهُ الطَّلَاقُ، كَالنِّيَّةِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ إِذَا انْعَقَدَتْ مَعَ أَوَّلِ اللَّفْظِ، كَانَ بَاقِيهِ رَاجِعًا إِلَيْهَا، وَإِذَا خَلَتْ مِنْ أَوَّلِهِ صَارَ لَغْوًا وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَعَ النِّيَّةِ نَاقِصًا، فَخَرَجَ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ أَشْبَهُ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ قال: لم يكن طلاقاً حتى يبتدأ وَنِيَّتُهُ الطَّلَاقُ، فَاعْتَبَرَهَا فِي ابْتِدَاءِ اللَّفْظِ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (قال) وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ حُرَّةٌ يُرِيدُ بِهَا الطَّلَاقَ وَلِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يُرِيدُ الْعِتْقَ لَزِمَهُ ذَلِكَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، أَمَّا صَرِيحُ الْعِتْقِ فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ إِجْمَاعًا، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ، أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ أَنْتِ مُعْتَقَةٌ، يُرِيدُ طَلَاقَهَا، طُلِّقَتْ، لِأَنَّ عِتْقَ الْأَمَةِ إِطْلَاقٌ مِنْ حَبْسِ الرِّقِّ، كَمَا أَنَّ طَلَاقَ الزَّوْجَةِ إِطْلَاقٌ مِنْ حَبْسِ النِّكَاحِ، فَتَقَارَبَ مَعْنَاهُمَا، وَأَمَّا صَرِيحُ الطَّلَاقِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عِنْدَنَا فِي الْعِتْقِ، فَإِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ مُسَرَّحَةٌ أَوْ مُفَارَقَةٌ، يُرِيدُ عِتْقَهَا عُتِقَتْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُعْتَقُ وَلَا يَكُونُ صَرِيحَ الطَّلَاقِ كِنَايَةً فِي الْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَ صَرِيحُ الْعِتْقِ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الطَّلَاقَ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، وَتَحْرِيمُ الْأَمَةِ لَا يُوجِبُ عِتْقَهَا، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَلَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْبِهُ قَوْلُهُ لِزَوْجَتِهِ، أَنْتِ حُرَّةٌ فَتُطَلَّقُ، لِأَنَّ عِتْقَ الْأَمَةِ
تَحْرِيمٌ، وَتَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ مُوجِبٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنْهَا، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا لَهَا، قَالَ: وَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ كَانَ صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِ الْحَرَائِرِ لَمْ يَكُنْ كِنَايَةً فِي عِتْقِ الْإِمَاءِ كَالظِّهَارِ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ أَضْعَفُ حُكْمًا مِنْ لَفْظِ الْحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَالْحُرِّيَّةُ تُزِيلُ الْمِلْكَ عَنِ الرِّقِّ وَالِاسْتِمْتَاعِ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْحُرِّيَّةُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ لِقُوَّتِهَا، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ كِنَايَةً فِي الْعِتْقِ لِضَعْفِهِ، كَالْبَيْعِ لَمَّا كَانَ أَقْوَى مِنَ الْإِجَارَةِ، جَازَ أَنْ تَنْعَقِدَ الْإِجَارَةُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلِأَنَّ صَرِيحَ مَا يَجْرِي فِيهِ النِّيَّةُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، فِي مِثْلِهِ كَالْعِتْقِ فِي الطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ، صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعِتْقِ، كَقَوْلِهِ: لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ، وَلِأَنَّ مَا صَحَّ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهِ، صَحَّ وُقُوعُ الْحُرِّيَّةِ بِهِ، كَقَوْلِهِ أَنْتِ حُرَّةٌ، وَلِأَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ أوقى مِنْ كِنَايَتِهِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْحُرِّيَّةُ بِكِنَايَةِ الطَّلَاقِ، فَأَوْلَى أَنْ تَقَعَ بِصَرِيحِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْحُرِّيَّةُ كِنَايَةً فِي طَلَاقِ الْحُرَّةِ، وَهِيَ صِفَتُهَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ كِنَايَةً فِي عِتْقِ الْأَمَةِ وَلَيْسَ مِنْ صِفَتِهَا فِي حَالِ الرِّقِّ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ لَا يُنَافِي بَقَاءَ الرِّقِّ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ إِنَّمَا كَانَ كِنَايَةً فِي الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْإِطْلَاقَ مِنْ حَبْسِ الْعِتْقِ، لَا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ التَّحْرِيمِ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الظِّهَارِ، فَالظِّهَارُ عِنْدَنَا كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ كَالطَّلَاقِ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ لَهُمْ هَذَا الْأَصْلُ - وَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ - لَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُزِيلٌ لِلْمِلْكِ مَعَ التَّحْرِيمِ، فَجَازَ أَنْ تَقَعَ بِهِ الْحُرِّيَّةُ، وَالظِّهَارُ مُخْتَصٌّ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ بِهِ الْمِلْكُ، فَلَمْ تَقَعْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ أَضْعَفُ مِنْ لَفْظِ الْعِتَاقِ لِاخْتِصَاصِهِ بِإِزَالَةِ الِاسْتِمْتَاعِ عَنِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ وَإِنْ ضَعُفَ عَنْهُ فِي الْإِمَاءِ فَهُوَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْحَرَائِرِ، ثُمَّ لَا يُنْكَرُ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الْقُوَّةِ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهِ النِّيَّةُ كَمَا تُسَاوِيهِ كِنَايَةُ الطَّلَاقِ الَّتِي هِيَ أَضْعَفُ مِنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ / إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهِ النِّيَّةُ، وَاسْتِشْهَادُهُمْ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، فَهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ، الْبَيْعِ كَمَا لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْبَيْعِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ جَازَ عِنْدَنَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ أَعَمُّ مِنْ لَفْظِ الْإِجَارَةِ، فَجَازَ أَنْ يُعْقَدَ الْأَخَصُّ بِاللَّفْظِ الْأَعَمِّ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْقَدَ الْأَعَمُّ باللفظ الأخص والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنًا كَانَتْ وَاحِدَةً يَمْلِكُ الَّرَجْعَةَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حكم في الواحدة والثنتين بالرجعة كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ لِي عليك كان حراً والولاء له جعل عليه الصلاة والسلام الولاء لمن أعتق كما جعل الله الرجعة لمن طلق واحدة أو اثنتين وطلق ركانة امرأته أَلْبَتَّةَ فَأَحْلَفَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما أراد إلا واحدة وردها عليه وطلق المطلب بن حنطب امرأته ألبتة فقال عمر رضي الله عنه أمسك عليك امرأتك فإن الواحدة تبت وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه لرجل قال لأمرأته حبلك على غاربك ما أردت؟ وقال شريح أما الطلاق فسنة فأمضوه وأما ألبتة فبدعة فدينوه (قال) ويحتمل طلاق ألبتة يقينا ويحتمل الإبتات الذي ليس بعده شيء ويحتمل واحدة مبينة منه حتى يرتجعها فلما احتملت معاني جعلت إلى قائلها) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْكَلَامُ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً بَائِنَةً كَانَتْ رَجْعِيَّةً، وَلَا تَبِينُ بِالْوَاحِدَةِ، وَإِنْ جَعَلَهَا بَائِنَةً، كَمَا لَا يَسْقُطُ وَلَاءُ الْعِتْقِ، وَإِذَا شَرَطَ سُقُوطَهُ فِي الْعِتْقِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَكُونُ الْوَاحِدَةُ بَائِنَةً إِذَا جَعَلَهَا بَائِنَةً، وَتَسْقُطُ الرَّجْعَةُ فِيهَا بِإِسْقَاطِهِ لَهَا، وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ، إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ بَائِنٌ يُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ، أَنَّهَا تُطَلَّقُ وَاحِدَةً بَائِنَةً، لَا يَمْلِكُ فِيهَا الرَّجْعَةَ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فيه، ثم تفسد مَذْهَبُهُ هَاهُنَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَيْضًا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنَةً، كَانَتْ طَالِقًا وَاحِدَةً غَيْرَ بَائِنَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، لَا رجعة لي فِيهَا، كَانَتْ طَالِقًا وَاحِدَةً لَهُ الرَّجْعَةُ، كَذَلِكَ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثَّانِيَةِ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْكِنَايَةِ يشتمل عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِنَايَةَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَإِنْ وَقَعَ بِالصَّرِيحِ رَدًّا عَلَى مَالِكٍ حَيْثُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِالْكِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَعَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ دَاوُدَ: إِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالصَّرِيحِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ، فِي اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الْكِنَايَةِ، دُونَ الصَّرِيحِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى واحد، فَحُمِلَ عَلَى مُوجِبِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَالْكِنَايَةُ تَحْمِلُ مَعَانِيَ، فَلَمْ تَنْصَرِفْ إِلَى أَحَدِهِما إِلَّا بِنْيَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ العبادات لا تعقد إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، كَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى نِيَّةٍ، وَمَا كَانَ مُحْتَمِلًا كَالصَّوْمِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الصَّرِيحَ حَقِيقَةٌ وَالثَّانِيَ مَجَازٌ، وَالْحَقَائِقُ يُفْهَمُ مَقْصُودُهَا بِغَيْرِ قَرِينَةٍ
وَالْمَجَازُ لَا يَقُومُ مَقْصُودُهُ إِلَّا بِقَرِينَةٍ، فَلِذَلِكَ افْتَقَرَتِ الْكِنَايَةُ إِلَى نِيَّةٍ، وَلَمْ يَفْتَقِرِ الصَّرِيحُ إِلَى نِيَّةٍ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْكِنَايَةَ إِذَا وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ مَعَ النِّيَّةِ كَالْبَائِنِ وَالْبَتَّةِ والخلية والبرية كَانَ رَجْعِيًّا، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ بَائِنًا، لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: (وَلَوْ كَتَبَ بِطَلَاقِهَا فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا إِلَّا بِأَنْ يَنْوِيَهُ كَمَا لَا يَكُونُ مَا خَالَفَهُ الصَّرِيحُ طَلَاقًا إِلَّا بِأَنْ يَنْوِيَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ الْكَلَامِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: فِعْلٌ وَكِنَايَةٌ وَإِشَارَةٌ، فَأَمَّا الْفِعْلُ: مِثْلُ الضَّرْبِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الْمَنْزِلِ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنَ الْإِبْعَادِ وَالطَّرْدِ، فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَإِنْ نَوَاهُ وَعِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ طَلَاقًا، لِأَنَّهُ يُوقِعُ الطَّلَاقَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، فَأَوْلَى أَنْ يُوقِعَهُ بِالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ وَفِيمَا مَضَى مِنَ الدَّلِيلِ، عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالنِّيَّةِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِالْفِعْلِ، وَإِنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ النِّيَّةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْضًا: أَنَّ الطَّلَاقَ أَعْظَمُ حُكْمًا مِنَ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ، لِأَنَّهُ يُسَاوِيهِمَا فِي قَصْدِ التَّحْرِيمِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِمَا فِي رَفْعِ الْعَقْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ إِلَّا بِقَوْلِهِ دُونَ النِّيَّةِ وَالْفِعْلِ، كَانَ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ أَوْلَى.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ بِخَطِّ يَدِهِ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَدْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهَا صَرِيحٌ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ كَالْكَلَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْذَرَ بِكُتُبِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 91] . وَقَدْ بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الرسالة بمكاتبة من كَاتِبِهِ، وَلِأَنَّهَا تَقُومُ فِي الْإِفْهَامِ مَقَامَ الْكَلَامِ، ثُمَّ هِيَ أَعَمُّ مِنْ إِفْهَامِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُخْتَصِّ بِإِفْهَامِ الْحَاضِرِ دُونَ الْغَائِبِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي مَوْضِعِ الْكَلَامِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ جَارِيَةً فِي الْحُكْمِ مَجْرَى الْكَلَامِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَدْ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ خَطًّا، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ تَلَفُّظِهِمْ بِهِ نُطْقًا، حَتَّى صَارَ مَا تَضَمَّنَهُ إِجْمَاعًا لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ صَرِيحًا فِي الْكَلَامِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الصَّرِيحِ مِنَ الْكَلَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَ رَسُولَهُ نَذِيرًا لِأُمَّتِهِ وَمُبَلِّغًا لِرِسَالَتِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: 199] . فَلَوْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ كَالْكَلَامِ الصَّرِيحِ، لَمَكَّنَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ مِنْهَا، وَلَعَلَّمَهُ إِيَّاهَا لِيَكُونَ مَعَ تَكْلِيفِ الْإِنْذَارِ مُمَكَّنًا مِنْ آلَائِهِ، وَكَامِلًا لِصِفَاتِهِ، وَمُعَانًا عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِ، حَتَّى لَا يَنَالَهُ نَقْصٌ فَيُقَصِّرَ، وَلَا ضَعْفٌ فَيَعْجِزَ، وَلَكَانَ لَا يَبْعَثُ رَسُولًا،
إِلَّا أُمِّيًّا لَا يَكْتُبُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ، كَمَا لَا يَبْعَثُ رَسُولًا أَخْرَسَ، لَا يَتَكَلَّمُ وَإِنْ كتب، وفي فحوى هذا دليل على خروج الكتابة مِنْ صَرِيحِ الْكَلَامِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ قَامَتْ مَقَامَ صَرِيحِ الْكَلَامِ لَأَجْزَأَ مِنْ كَتْبِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَاقْتَضَى مِنَ الْمُرْتَدِّ إِذَا كَتَبَ الشَّهَادَتَيْنِ عَنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَفِي امْتِنَاعِنَا مِنْ ذَلِكَ خُرُوجُ الْكِتَابَةِ مِنْ حُكْمِ الْكَلَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ صَرِيحًا كَالْكَلَامِ لَصَحَّ بِهَا عَقْدُ النِّكَاحِ، كَمَا يَقَعُ بِهَا فِيهِ الطَّلَاقُ، وَفِي إِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ بِهَا لَا يِصِحُّ دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِهِمَا مِنْ صَرِيحِ الْكَلَامِ فِي الطَّلَاقِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنْ لَيْسَتِ الْكِتَابَةُ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، هَلْ يَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ.
وَقَالَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهَا لَا تَكُونُ كِنَايَةً، وَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَاهُ، لِأَنَّهَا فِعْلٌ فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَفْعَالِ، وَلِأَنَّ كِتَابَةَ الْيَدِ تُرْجُمَانِ اللِّسَانِ وَمُعَبِّرٌ عَنْهُ كَمَا أَنَّ كِنَايَةَ الْكَلَامِ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ وَمُعَبِّرٌ عَنْهُ فَلَمَّا لَمْ تَقُمِ الْكِتَابَةُ مَقَامَ الصَّرِيحِ إِلَّا بِنِيَّةِ الْقَلْبِ لَمْ تَقُمِ الْكِنَايَةُ مَعَ الْكَلَامِ إِلَّا بِنُطْقِ اللِّسَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ نَصَّ عَلَيْهِ هَاهُنَا وَفِي الْإِمْلَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إِنَّ الْكِتَابَةَ كِنَايَةٌ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَا مَعَ النِّيَّةِ، وَلَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إِنْ تَجَرَّدَتْ عَنِ النِّيَّةِ، لِأَنَّهَا نَقْصٌ عَنِ الْكَلَامِ لِاحْتِمَالِهَا وَتُخَالِفُ الْأَفْعَالَ لِإِفْهَامِ الْمُخَاطَبِ بِهَا، وَلِأَنَّ الْعُرْفَ فِي اسْتِعْمَالِهَا أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْكَلَامِ، تَقْتَضِي أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهَا بَعْضُ أَحْكَامِ الْكَلَامِ، فَصَارَتْ كَالْمُحْتَمَلِ فِيهِ مِنِ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِيهِ:
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، فَلَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ وَإِنْ نَوَاهُ مِنْ حَاضِرٍ وَلَا غَائِبٍ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فِي أَنَّ الْكِتَابَةَ كِنَايَةٌ يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنِ النِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، وَيَصِحُّ بِهَا الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ مِنَ الْغَائِبِ، وَهَلْ يَصِحُّ مِنَ الْحَاضِرِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ مِنَ الْحَاضِرِ كَمَا يَصِحُّ مِنَ الْغَائِبِ، لِأَنَّ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ مِنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ سَوَاءٌ، فَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِهَا الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ، مِنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مِنَ الْغَائِبِ ضَرُورَةٌ كَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ، وَمِنَ الْحَاضِرِ غَيْرُ ضَرُورَةٍ كَإِشَارَةِ النَّاطِقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي عُرْفِ الْغَائِبِ، وَغَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِي عُرْفِ الْحَاضِرِ، فَأَمَّا
الظِّهَارُ بِالْكِتَابَةِ فَهُوَ كَالطَّلَاقِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَأَمَّا الْإِيلَاءُ بِالْكِتَابَةِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَأَمَّا عَقْدُ الْبَيْعِ وَالْإِجَابَةِ بِالْكِتَابَةِ، فَإِنْ قِيلَ إِن الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِهِمَا وَلَا يَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ فَأَوْلَى أَن لَا يَنْعَقِدَ بِهَا بَيْعٌ وَلَا إِجَارَةٌ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهَا، وَإِنَّهَا كِنَايَةٌ فِيهِ، فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ بِهِمَا وَجْهَانِ، مِنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ بِصَرِيحِ الْعَقْدِ وَكِنَايَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ، إِذَا قِيلَ إِنَّهُ لَا تَصِحُّ بِالْكِنَايَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ تَصِحُّ بِالْكِنَايَاتِ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ: أَنَّهُ وَجَدَ نَصًّا عَنِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ إِذَا كَتَبَ إِلَى رَجُلٍ فِي بَلَدٍ إنِّي قَدْ بِعْتُكَ دَارِي، فِيهِ بِكَذَا صَحَّ الْبَيْعُ، إِذَا قَبِلَهُ الْمُكَاتَبُ إِلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ مَا لَمْ يفارق مجلسه.
والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: (فإذا كَتَبَ إِذَا جَاءَكِ كِتَابِي فَحَتَّى يَأْتِيَهَا) .
قَالَ الماوردي: وإذا قد مضى الكلام، حُكْمُ الْكِتَابَةِ بِالطَّلَاقِ أَنَّهَا لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، وَفِي كَوْنِهَا كِنَايَةً قَوْلَانِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ مَنْ كَتَبَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقْتَرِنَ بِكِتَابَتِهِ لَفْظٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا نِيَّةٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَتَجَرَّدَ عَنْ لَفْظٍ وَنِيَّةٍ، فَإِنْ قَارَنَهَا لَفْظٌ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الْكِتَابَةِ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى الْكِتَابَةِ فَأَوْلَى أَنْ يَقَعَ بِهِ، وَإِنْ قَارَنَهَا نِيَّةُ الطَّلَاقِ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَا قَوْلَانِ، إِنْ قِيلَ كِنَايَةٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ قِيلَ لَيْسَتْ كِنَايَةً لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ تَجَرَّدَتِ الْكِتَابَةُ عَنْ قَوْلٍ وَنِيَّةٍ لَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ، أَوْ مُجَرِّبًا لِخَطِّهِ، أَوْ مُرْهِبًا لِزَوْجَتِهِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا؛ فَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى زَوْجَتِهِ إِذَا جَاءَكِ كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِمَّا مَعَ لَفْظٍ اقْتَرَنَ بِهِ فَكَانَ طَلَاقًا قَوْلًا وَاحِدًا وَإِمَّا مَعَ نِيَّةٍ اقْتَرَنَتْ بِخَطِّهِ، فَكَانَ طَلَاقًا فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَعَلَيْهِ تَفَرُّعُ جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَهُوَ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، وَهُوَ مَجِيءُ الْكِتَابِ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِئْهَا الْكِتَابُ لَمْ تُطَلَّقْ فَإِنْ تَأَخَّرَ لِهَلَاكِهِ فَقَدْ بَطَلَتْ صِفَةُ طَلَاقِهَا، فَهُوَ غَيْرُ مُنْتَظَرٍ سَوَاءٌ كَانَ هَلَاكُهُ بِسَبَبٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ مَعَ بَقَائِهِ فَالصِّفَةُ بَاقِيَةٌ، وَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِهَا مُنْتَظِرٌ لِمَجِيءِ الْكِتَابِ إِلَيْهَا، لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ سَلِيمًا، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ سَوَاءٌ قَرَأَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْرَأْهُ، لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِمَجِيئِهِ لَا بِقِرَاءَتِهِ، وَلَوْ كَانَ كَتَبَ إِذَا جَاءَكِ كِتَابٌ وَقَرَأْتِيهِ لَمْ تُطَلَّقْ لِمَجِيئِهِ حَتَّى
تقرأه، فإن قرأ عَلَيْهَا لَمْ تُطَلَّقْ، إِنْ كَانَتْ تُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَطُلِّقَتْ إِنْ كَانَتْ لَا تُحْسِنُهَا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ مَمْحُوَّ الْكِتَابَةِ، فَلَا طَلَاقَ، لِأَنَّ الْكِتَابَ هُوَ الْمَكْتُوبُ وَمَا لا كتابة فيه فهو كأخذ وَلَيْسَ بِكِتَابٍ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمَاحِيَ لَهُ أو غيره، ولكن لو تطلست كتابته ولم يمح نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مَفْهُومَ الْقِرَاءَةِ طُلِّقَتْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَفْهُومٍ لَمْ تُطَلَّقْ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُ، فَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ مِنْهُ مَوْضِعَ طَلَاقِهَا لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ لَمْ يَصِلْ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ طَلَاقِهَا بَاقِيًا وَالذَّاهِبُ مِنْ غَيْرِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِ طَلَاقِهَا بِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَا تُطَلَّقُ سَوَاءٌ كَانَ الذَّاهِبُ مِنْهُ مَكْتُوبًا أَوْ غَيْرَ مَكْتُوبٍ، لِأَنَّ الْوَاصِلَ مِنْهُ بَعْضُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُطَلَّقُ، سَوَاءٌ كَانَ الذَّاهِبُ مَكْتُوبًا أَوْ غَيْرَ مَكْتُوبٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ هُوَ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَاصِلٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الذَّاهِبُ مِنَ الْمَكْتُوبِ لَمْ تُطَلَّقْ، لا بَعْضُ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ مِنْ غَيْرِ الْمَكْتُوبِ طُلِّقَتْ، لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ هُوَ جَمِيعُ الْكِتَابِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنْ وَصَلَ أَكْثَرُهُ طُلِّقَتْ، وَإِنْ وَصَلَ أَقَلُّهُ لَمْ تُطَلَّقِ اعْتِبَارًا بالأغلب.
(مسألة:)
قال الشافعي: (فَإِنْ كَتَبَ أَمَّا بَعْدُ فَأَنْتِ طَالِقٌ مِنْ حِينِ كَتَبَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا اقْتَرَنَ بِكِتَابَتِهِ نِيَّةُ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِالْأَصَحِّ مِنْ قَوْلَيْهِ، الَّذِي تَفَرَّعَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَتَبَ طَلَاقًا نَاجِزًا، وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِوُصُولِ الْكِتَابِ إِلَيْهَا، فَيَعْمَلُ وُقُوعُهُ فِي الْحَالِ، كَمَا لَوْ تَلَفَّظَ بِطَلَاقِهَا نَاجِزًا وَخَالَفَ أَنْ يُكْتَبَ، إِذَا وَصَلَ إليك كتابي فأنت طالق، فلا يطلق إِلَّا بِوُصُولِهِ، لِأَنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِصِفَةٍ، وَذَاكَ نَاجِزٌ، فَلَوْ كَانَ قَالَ لَهَا: إِذَا أَتَاكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهَا إِذَا جَاءَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَجَاءَهَا الْكِتَابُ طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا بِوُصُولِ الْكِتَابِ وَالثَّانِيَةُ بِمَجِيءِ الطَّلَاقِ، لأن الصفتين موجودتين فِي وُصُولِهِ، وَعَلَى مِثَالِهِ أَنْ يَقُولَ لَهَا: إِنْ أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ أَكَلْتِ رُمَّانَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً فَتُطَلَّقُ طَلْقَتَيْنِ لِأَنَّهَا قَدْ أَكَلَتْ نِصْفَ رُمَّانَةٍ وَأَكَلَتْ رُمَّانَةً وَلَوْ قَالَ لَهَا: كُلَّمَا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَكُلَّمَا أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ فِيهَا نِصْفَيْنِ، فَطُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ وَهِيَ رُمَّانَةٌ، فَطُلِّقَتْ ثَالِثَةً.
(مسألة:)
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَإِنْ شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا خَطُّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا أَنْ تَدَّعِيَ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا، أَنَّهُ كَتَبَ إليها بطلاقها، وتحضر كِتَابًا بِالطَّلَاقِ تَدَّعِي أَنَّهُ كِتَابُهُ وَيُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَهُ، فَإِنْ لَمْ تَصِلِ الْمَرْأَةُ الدَّعْوَى بِأَنَّهُ كِتَابُهُ، نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ، لَمْ يُحْلَفِ الزَّوْجُ، وَإِنْ وَصَلَتْ دَعْوَاهَا، بِأَنَّهُ كَتَبَ نَاوِيًا أُحْلِفَ الزَّوْجُ حِينَئِذٍ عَلَى إِنْكَارِهِ، فَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِلْكِتَابِ، أُحْلِفَ أَنَّهُ مَا كَتَبَهُ وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِلنِّيَّةِ، أُحْلِفَ أَنَّهُ مَا نَوَى، وَإِنْ أُحْلِفَ أَنَّهَا لَمْ تُطَلَّقْ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالْكِتَابِ، وَيَعْتَقِدُهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ إِنْكَارِ الْكِتَابِ شَاهِدَانِ، أَنَّهُ خَطُّهُ وَكِتَابُهُ لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَالشَّهَادَةُ وَإِنْ صَحَّتْ عَلَى الْكِتَابَةِ فَلَا تَصِحُّ عَلَى النِّيَّةِ، لِأَنَّ النِّيَّةَ تَخْفَى وَالْكِتَابَةَ لَا تَخْفَى، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَلْزَمْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ، يَعْنِي يُقِرُّ بِالْكِتَابِ وَالنِّيَّةِ مَعَ كِتَابَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى خطه؟ قيل بأن رأياه يكتبه، ولا تغيب الْكِتَابُ عَنْ أَعْيُنِهِمَا حَتَّى يَشْهَدَا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَأَيَاهُ، يَكْتُبُهُ وَلَكِنَّهُمَا عَرَفَا خَطَّهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَا بِهِ، لِأَنَّ الْخَطَّ (يشبه الخط) ، وَإِنْ رَأَيَاهُ قَدْ كَتَبَهُ وَغَابَ الْكِتَابُ عَنْهُمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَا بِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُزَوَّرًا عَلَيْهِ فَيَتَشَبَّهُ بِهِ وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ لَا تَلْزَمُ الشَّاهِدَيْنِ، أَنْ يَشْهَدَا بِهَا، وَلَا الْحَاكِمَ أَنْ يَسْتَدْعِيَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الْإِشَارَةُ بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْأَخْرَسِ، قَامَتْ مَقَامَ نُطْقِهِ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِإِشَارَتِهِ كَمَا يَقَعُ طَلَاقُ النَّاطِقِ بِلَفْظِهِ، إِذَا كَانَتْ إِشَارَتُهُ مَفْهُومَةً، وَتَكُونُ الْإِشَارَةُ مِنْهُ طَلَاقًا صَرِيحًا وَإِنْ كَانَتِ الْإِشَارَةُ مِنْ نَاطِقٍ، لَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ بِالطَّلَاقِ أَخَصُّ.
فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ مُرِيدًا بِهَا الطَّلَاقَ لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ بِقَوْلِهِ أَنْتِ بَدْءٌ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ وَلَا كِنَايَةً، فَالْإِشَارَةُ بَعْدَ الْبَدْءِ، لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ، وَنِيَّةُ الطَّلَاقِ قَدْ تَجَرَّدَتْ عَنْ لَفْظٍ فَلَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَذَا وَأَشَارَ بِأصْبَعٍ وَاحِدَةٍ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَلَوْ أَشَارَ بِأصْبَعَيْنِ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَلَوْ أشار بثلاثة أَصَابِعَ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَقَامَتْ إِشَارَتُهُ مَقَامَ الثَّلَاثِ، مَعَ قَوْلِهِ هَكَذَا مَقَامَ نِيَّتِهِ بِالثَّلَاثِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ، فَلَوْ أَشَارَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ قَائِمَةٍ وَبِأصْبَعَيْنِ مَعْقُودَتَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ الثَّلَاثَ الْقَائِمَةَ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ أَرَادَ الْأصْبَعَيْنِ الْمَعْقُودَتَيْنِ طُلِّقَتْ ثنتين، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ، طُلِّقَتْ بِالثَّلَاثِ أَصَابِعَ ثَلَاثًا، لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ إِشَارَةٍ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَقُلْ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالْإِشَارَةِ عَدَدٌ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: (وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْتَارِي أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَقَالَ مَا أَرَدْتُ طَلَاقًا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا إِلَّا بِأَنْ يُرِيدَهُ وَلَوْ أَرَادَ طَلَاقًا فَقَالَتْ قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي سُئِلَتْ فَإِنْ أَرَادَتْ طَلَاقًا فَهُوَ طَلَاقٌ وَإِنْ لَمْ تُرِدْهُ فليس بطلاق) .
قال الماوردي:
اعْلَمْ أَنَّ لِلزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ:
أحدهما: أَنْ يَتَوَلَّاهُ لِنَفْسِهِ مُبَاشِرًا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُبَاشَرَتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ وَكِيلًا، فَيَقُومُ الْوَكِيلُ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي اسْتَنَابَهُ فِيهِ مَقَامَ نَفْسِهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُفَوِّضَهُ إِلَى زَوْجَتِهِ وَهِيَ مَسْأَلَتُنَا فَيَكُونُ ذَلِكَ تَمْلِيكًا لَهَا وَلَا يَكُونُ تَوْكِيلًا وَاسْتِنَابَةً، وَهُوَ جَائِزٌ يَصِحُّ بِهِ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خير نساءه، فاخترنه فلولا أن لتخييرهن تأثير فِي الْفُرْقَةَ إِنِ اخْتَرْنَهَا، مَا كَانَ لِتَخْيِيرِهِنَّ مَعْنًى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ تَفْوِيضِهِ الطَّلَاقَ إِلَى زَوْجَتِهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بِصَرِيحٍ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي: بِكِنَايَةٍ مِنْهُمَا، وَالثَّالِثُ: بِصَرِيحٍ مِنْهُ وَكِنَايَةٍ مِنْهَا، وَالرَّابِعُ: بِكِنَايَةٍ مِنْهُ وَصَرِيحٍ مِنْهَا.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وهو أن يكون بصريح مِنْهُمَا جَمِيعًا فَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَكِ فَتَقُولَ: قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي، فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِطَلَاقِهَا لِنَفْسِهَا، وَلَا يُرَاعَى مِنْ أَصْلِ الطلاق ووقوعه نية واحدة مِنْهُمَا، فَأَمَّا عَدَدُ الطَّلَاقِ فَلَهُمَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أحوال:
أحدها: أَنْ يَذْكُرَاهُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَاهُ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يطلقاه، فإن ذكراه فلهما فيه حالتان:
أحدهما: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فِيهِ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَقَعَ الْعَدَدُ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً، أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ طَلْقَتَيْنِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا طَلْقَتَيْنِ، أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا فَقَالَتْ: قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاثُ أَوْ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَدِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ وَقَعَ أقل العددين.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا فَتُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَلَا تُطَلَّقُ إِلَّا وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لَمْ تُطَلَّقْ.
وَقَالَ مَالِكٌ مِثْلَ هَذَا وَأَمَّا إِنْ نَوَيَا الْعَدَدَ وَلَمْ يَذْكُرَاهُ حُمِلَا فِيهِ عَلَى نِيَّتِهِمَا، فَإِنِ اتَّفَقَا فِي نِيَّةِ الْعَدَدِ فَنَوَيَا طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كَانَ عَلَى مَا نَوَيَا مِنَ الْعَدَدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَأْثِيرَ لِلنِّيَّةِ فِي الْعَدَدِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ كَانَ الْعَدَدُ مَحْمُولًا عَلَى أَقَلِّ الثِّنْتَيْنِ كَمَا لَوْ أَظْهَرَاهُ قَوْلًا، فَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ ثَلَاثًا وَنَوَتِ الزَّوْجَةُ وَاحِدَةً كَانَتْ وَاحِدَةً وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا عَدَدًا وَلَا نَوَيَاهُ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَذْلُهُ كِنَايَةً وَقَبُولُهَا كِنَايَةً كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي نَفْسَكِ فَتَقُولُ: قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي، فَلَا يَقَعُ الطلاق حتى ينوياه جميعاً فإن نواه دُونَ الزَّوْجَة أَوِ الزَّوْجَةُ دُونَ الزَّوْجِ لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِيَاهُ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْكِنَايَةَ الظَّاهِرَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا نَوَاهُ الزَّوْجُ وَحْدَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ تَنْوِهِ الزَّوْجَةُ، اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ سُئِلُوا عَمَّنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَقَالَ عُمَرُ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةً، وَلَهَا الرَّجْعَةُ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا طَلَاقَ، وَتَابَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ فَأَوْقَعَ جَمِيعُهُمُ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا النِّيَّةَ، فَصَارُوا مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ مِنْ جِهَتِهَا، قَالَ: وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ نِيَّتِهَا فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ بِدُخُولِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ كَذَلِكَ فِي الِاخْتِيَارِ وَدَلِيلُنَا هُوَ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ لَهَا كِنَايَةً، يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى نِيَّة، لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اخْتَارِي نَفْسَكِ لِلنِّكَاحِ أَوِ الطَّلَاقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُهَا لِنَفْسِهَا كِنَايَةً، تَرْجِعُ فِيهِ إِلَى نِيَّتِهَا لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ اخْتَرْتُ نَفْسِي لِنِكَاحِكَ أَوْ طَلَاقِكَ، أَلَا تَرَاهَا لَوْ قَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي لِنِكَاحِكَ لَمْ تُطَلَّقْ، كَذَلِكَ إِذَا أَطْلَقَتْ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا نِيَّةَ الزَّوْجِ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ، فَكَذَلِكَ إذا لم يعتبروا نية الزوجة، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِعِلْمِهِمْ بِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِدُخُولِ الدَّارِ، فَحَسْبُنَا بِهِ دَلِيلًا، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا صَحَّ، بدخول الدار لم تطلق لا بِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهَا، كَذَلِكَ إِذَا خَيَّرَهَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَخْتَارَ طَلَاقَ نَفْسِهَا، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ مِنْهُمَا، وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِنِيَّتِهِمَا فَلَهَا ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا.
وَالثَّالِثَةُ: أن لا يَكُونَ لَهَا اخْتِيَارٌ.
فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا اخْتِيَارٌ لَمْ تُطَلَّقْ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ تُطَلَّقْ، وَقَالَ رَبِيعَةُ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا لَا يَكُونُ طَلَاقًا، مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ بَدَأَ بِي، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: 28] الْآيَةَ.
فَقُلْتُ فِي أَيِّ هَذَيْنِ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ، فَاخْتَرْتَهُ طَلَاقًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَيْضًا: أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا ضِدُّ اخْتِيَارِهَا لِنَفْسِهَا، فَلَمَّا طُلِّقَتْ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا، وَجَبَ أَن لَا تُطَلَّقَ بِاخْتِيَارِ زَوْجِهَا، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الضِّدَّيْنِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمَيْنِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَلَا تكون ثلاثاً ولا واحدة بائنة، ما قدمناه فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ إِذَا وَقَعَ بِالْكِنَايَةِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَقَالَتْ: قَدِ اخترت نفسي أو قال لها لَهَا: أَبِينِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: قَدْ أَبَنْتُ نَفْسِي، وَهَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَتِ الْكِنَايَةُ مِنْهُمَا، فَقَالَ لَهَا: حَرِّمِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي، أَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ قَدْ حَرَّمْتُ نَفْسِي لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَنْوِيَاهُ جَمِيعًا.
(فَصْلٌ:)
فَإِنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ أَبِي وَأُمِّي، لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ نَوَتْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةً، إِذْ لَيْسَ اخْتِيَارُهَا لِأَبِيهَا مُوجِبًا لِفِرَاقِ زَوْجِهَا.
وَلَوْ قَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ الْأَزْوَاجَ فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ إِذَا نَوَتْهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى نِكَاحِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ لِعِلَّتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِنَفْسِهَا لَا تَكُونُ ذَاتَ زَوْجٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ زَيْدًا نَاوِيَةً لِلطَّلَاقِ طُلِّقَتْ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ تُطَلَّقْ عَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَذْلُهُ صَرِيحًا وَقَبُولُهَا كِنَايَةً.
فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ، أَوْ قَدْ جَعَلْتُ بِيَدِكِ طَلَاقَ نَفْسِكِ، فَتَقُولُ: قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي أَوْ قَدْ أَبَنْتُ نَفْسِي، فَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الزَّوْجَةِ وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الزَّوْجِ، لِأَنَّ صَرِيحَ الزَّوْجِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ وَكِنَايَةَ الزَّوْجَةِ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، فَإِذَا قَالَتْ ذَلِكَ نَاوِيَةً لِلطَّلَاقِ طُلِّقَتْ، عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ: لَا تُطَلَّقُ لِأَنَّ قَبُولَ الصَّرِيحِ يَكُونُ صَرِيحًا لِلنِّكَاحِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ النِّيَّةِ تَقُومُ مَقَامَ الصَّرِيحِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَجَرَى اخْتِلَافُ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ مَجْرَى اخْتِلَافِ الصَّرِيحَيْنِ، وَاخْتِلَافِ الْكِنَايَتَيْنِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَسُئِلَتِ الزَّوْجَةُ عَنْ نِيَّتِهَا، فَقَالَتْ: مَا أَرَدْتُ الطَّلَاقَ لَمْ تُطَلَّقْ فَإِنْ أَكْذَبَهَا الزَّوْجُ طُلِّقَتْ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهَا قَدْ نَوَتْ، وَإِنْ قَالَتْ: أَرَدْتُ الطَّلَاقَ، طُلِّقَتْ فَإِنْ أَكْذَبَهَا الزَّوْجُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا، لِأَنَّ النِّيَّةَ بَاطِنَةٌ لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ قَوْلُهَا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ كَمَا لَوِ ادَّعَتْهُ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ دَخَلْتُ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّتُهَا، أَخْفَى مِنْ تَعْلِيقِهِ بِحَيْضِهَا، فَلَمَّا كَانَ لَوْ قَالَ لَهَا إِذَا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، قُبِلَ فِيهِ قَوْلُهَا، وَإِنْ أَكْذَبَهَا، فَأَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهَا فِيمَا تَعَلَّقَ مِنْ نِيَّتِهَا، لِأَنَّ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى نِيَّتِهَا، أَشَدُّ تَعَذُّرًا مِنْ إِقَامَتِهَا عَلَى حَيْضِهَا، لِاسْتِحَالَةِ تِلْكَ وَإِمْكَانِ هَذِهِ، وَخَالَفَ قَوْلُهُ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَدَّعِي دُخُولَهَا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى دُخُولِهَا.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَذْلُهُ كِنَايَةً وَقَبُولُهَا صَرِيحًا فَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَكِ أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَتَقُولُ قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي، فَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الزوج ولا
تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ كِنَايَةَ الزَّوْجِ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، وَصَرِيحَ الزَّوْجَةِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى النية، فإن قالت أَرَدْتُ الطَّلَاقَ طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ لَمْ أُرِدْهُ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ جُنَّ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُعْلَمَ إِرَادَتُهُ، لَا تُطَلَّقُ وَكَانَ لَهَا مِيرَاثُهَا مِنْهُ، لِأَنَّ إِرَادَتَهُ مُجَوِّزَةٌ وَالطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، فَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَأَرَادَ بِهِ طَلَاقَهَا فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ بَذْلًا يَقِفُ عَلَى قَبُولِهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ (الْإِمْلَاءِ) : لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهَا صَارَ صَرِيحًا، فِي جَعْلِ الطَّلَاقِ إِلَيْهَا، وَتَعْلِيقِهِ بِقَبُولِهَا، فَلَمْ يَقَعْ إِلَّا بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ مِنْ كِنَايَاتِهِ الْجَارِي مَجْرَى قَوْلِهِ: قَدْ مَلَّكْتُكِ نَفْسَكِ، وَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْتِ فَيَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِذَا نَوَاهُ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَأَرَادَ بِهِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَهُ عَلَى قَبُولِهَا وَتَطْلِيقِهَا لِنَفْسِهَا لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ أَحْبَبْتِ فِرَاقِي، فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ، لَمْ تُطَلَّقْ إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، حَتَّى تَقُولَ قَبْلَ الطَّلَاقِ قَدْ أَحْبَبْتُ فِرَاقَكَ، ثُمَّ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا فَتُطَلَّقُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهَذَا الشَّرْطِ وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ، أَوْ قَالَ لَهَا: إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُؤَجَّلٌ، وَبَذْلٌ مُنْتَظَرٌ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، أَوْ بَعْدَ قُدُومِ زَيْدٍ، لَمْ تُطَلَّقْ، لِبُطْلَانِ التَّمْلِيكِ، وَفَسَادِ الْبَذْلِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ تُطَلِّقِينَ نَفْسَكِ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ جَازَ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الطَّلَاقِ بِالصِّفَةِ، وَلَهَا إِذَا مَضَتِ السَّنَةُ أَوْ قَدِمَ زَيْدٌ أَنْ تُعَجِّلَ طَلَاقَهَا، فَإِنْ أَخَّرَتْهُ لَمْ تُطَلَّقْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا يَجُوزُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ التَّمْلِيكِ، الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ لِأَجَلٍ مُنْتَظَرٍ، وَلَا بِصِفَةٍ مُتَوَقَّعَةٍ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا عِنْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، وَقُدُومِ زَيْدٍ لَمْ تُطَلَّقْ، لِبُطْلَانِ التمليك، والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهَا إِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا مِنَ الْمَجْلِسِ وَتُحْدِثُ قَطْعًا لِذَلِكَ أَنَ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِهَذَا الْمَوْضِعِ إِجْمَاعٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا جَعَلَ إِلَيْهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا فَهُوَ تَمْلِيكٌ، يُرَاعَى فِيهِ تَعْجِيلُ الْقَبُولِ، وَالْقَبُولُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فَتَمْلِكَ بِتَعْجِيلِ الطَّلَاقِ مَا مَلَّكَهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا: إِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا مِنَ الْمَجْلِسِ أَوْ يُحْدِثَ قَطْعًا لِذَلِكَ، وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، فَجَعَلَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا مُقَيَّدًا بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا عَنْ مَجْلِسِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَا مَا يَقْطَعُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّهَا مَتَى طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِهِمَا عَنِ الْمَجْلِسِ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَمَتَى طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ أَنْ حَدَثَ تَشَاغُلٌ بِغَيْرِهِ مِنْ كَلَامٍ أَوْ فِعَالٍ لَمْ تُطَلَّقْ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ خِيَارُهَا مُمْتَدًّا فِي جَمِيعِ الْمَجْلِسِ أَوْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هَاهُنَا، وَفِي (الْإِمْلَاءِ) أَنَّهُ مُمْتَدٌّ فِي جَمِيعِ الْمَجْلِسِ، فَمَتَى طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فِيهِ طُلِّقَتْ، وَإِنْ تَرَاخَى الزَّمَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْمَجْلِسِ، لِأَنَّهُ قَبُولُ تَمْلِيكٍ، فَأَشْبَهَ الْقَبُولَ فِي تمليك البيع والهبة، وإطلاق الشافعي من مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، لِأَنَّ أُصُولَهُ مُقَرَّرَةٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ، أَنَّهَا إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، كَانَ إِجْمَاعًا وَلَا يَكُونُ إِلَّا أَنْ يَتَعَجَّلَ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ: لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ إِلَى شَهْرٍ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: مَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ وَطْئِهَا، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَرْدُودٌ وَمَدْفُوعٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا مَلَّكَهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا، ثُمَّ رَجَعَ فِي التَّمْلِيكِ، قَبْلَ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا صَحَّ رُجُوعُهُ وَبَطَلَ تَمْلِيكُهُ، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَمْ تُطَلَّقْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَإِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ طُلِّقَتْ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ طَلَاقٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، فَلَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ الرُّجُوعَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِبْطَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَتُطَلَّقُ مَتَى دَخَلَتِ الدَّارَ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ لِوُقُوفِهِ عَلَى قَبُولِهَا، وَلِلْمَالِكِ وبعد بَذْلِهِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ قَبْلَ قَبُولِهِ مِنْهُ، كَمَا يَرْجِعُ فِي بَذْلِ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ، قَبْلَ قَبُولِهِمَا مِنْهُ، وَخَالَفَ تَعْلِيقَ طَلَاقِهَا بِدُخُولِ الدَّارِ، لِأَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى قَبُولِهَا، وَلَيْسَ لَهَا إِبْطَالُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِبْطَالُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ كَالتَّمْلِيكِ الَّذِي لَهَا أَنْ تُبْطِلَهُ عَلَى نَفْسِهَا، فَكَانَ لَهُ إِبْطَالُهُ عَلَيْهَا، وَإِذَا صَحَّ رُجُوعُهُ كَمَا ذَكَرْنَا، فَمَتَى طلقت نفسها بعد عِلْمِهَا بِرُجُوعِهِ، كَانَ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهَا وَجْهَانِ، مِنَ الْوَكِيلِ فِي الْقِصَاصِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالرُّجُوعِ حَتَّى اقْتَصَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ المزني: (وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلِ مَالِكٍ: وَإِنْ مَلَّكَ أَمْرَهَا غَيْرَهَا فَهَذِهِ وَكَالَةٌ مَتَى أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَمَتَى شَاءَ الزَّوْجُ رَجَعَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ وَالْوَكَالَةُ فِي الطَّلَاقِ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلَّقَهَا وَكِيلُ زَوْجِهَا، بِمَشْهَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَأَمْضَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ الْوَكَالَةُ فِي النِّكَاحِ مَعَ تَغْلِيظِ حُكْمِهِ كَانَ جَوَازُهَا فِي الطَّلَاقِ أَوْلَى، فَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا عَاقِلًا جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَجْنُونًا وَلَا صَغِيرًا، لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِمَا، وَفِي جَوَازِ تَوْكِيلِهِ لِامْرَأَةٍ وَجْهَانِ مَضَيَا فِي الْخُلْعِ، ثُمَّ الْوَكَالَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِي فُلَانَةَ، فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ لِنَفْسِهَا، لِأَنَّ هَذِهِ نِيَابَةٌ وَذَاكَ تَمْلِيكٌ، فَإِنْ ذَكَرَ لَهُ مِنَ الطَّلَاقِ عَدَدًا لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، فَلَوْ قَالَ لَهُ: طَلِّقْهَا ثَلَاثًا فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طالق ونوى أن يكون ثلاثاً فيه وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا، لِأَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ تَقُومُ مَقَامَ التَّلَفُّظِ بِالثَّلَاثِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُطَلَّقُ ثَلَاثًا وَلَا تَقُومُ نِيَّتُهُ مَقَامَ نِيَّةِ الزَّوْجِ، لِأَنَّ الزَّوْجَ مَدِينٌ فِي الطَّلَاقِ مَعْمُولٌ عَلَى نِيَّتِهِ فِيهِ، وَالْوَكِيلُ غَيْرُ مَدِينٍ فِي الطَّلَاقِ فَلَمْ يُعْمَلْ عَلَى نِيَّتِهِ فِيهِ، وَهَكَذَا لَوْ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، كَانَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً، فَفِي وُقُوعِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَقَعُ، لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا وَكَّلَ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ وُكِّلَ فِي طَلَاقٍ بَائِنٍ، وَهَذَا الطَّلَاقُ غَيْرُ بَائِنٍ فَصَارَ غَيْرَ مَا وُكِّلَ فِيهِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً، لَمْ تَقَعِ الثَّلَاثُ، وَفِي وُقُوعِ الْوَاحِدَةِ وَجْهَانِ: لَوْ وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا لَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَهَا صَحَّ، لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ جَائِزٌ، فَكَانَ التَّوْكِيلُ فِيهِ جَائِزًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً قَبْلَ أَنْ يُعَيِّنَهَا الزَّوْجُ، فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ قَبْلَ تَعْيِينِهَا لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ إِبْهَامَ الطَّلَاقِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى خِيَارِهِ فِي التَّعْيِينِ، وَمِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى خِيَارِهِ فِي التَّعْيِينِ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ مُقَيَّدَةً، وَهُوَ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي طَلَاقِهَا عَلَى صِفَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِلَّا فِيهِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي غَيْرِهِ لَمْ تُطَلَّقْ، أَوْ يَأْمُرَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلسُّنَّةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا لِلْبِدْعَةِ لَمْ تُطَلَّقْ، أَوْ
يَأْمُرَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلْبِدْعَةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا لِلسُّنَّةِ لَمْ تُطَلَّقْ، فَلَوْ قَالَ لَهُ: طَلِّقْهَا إِنْ شِئْتَ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ حَتَّى يَقُولَ قَدْ شِئْتُ وَلَا يَكُونُ إِيقَاعُهُ لِلطَّلَاقِ مَشِيئَةً مِنْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُوقِعُ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةٍ وَغَيْرِ مَشِيئَةٍ، وَالْمَشِيئَةُ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْقَوْلِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ مَشِيئَتِهِ الْفَوْرُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَتِهَا، لِأَنَّ تَعْلِيقَهُ لِلطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا، تَمْلِيكٌ فَرُوعِيَ فِيهِ الْفَوْرُ، وَتَعْلِيقَهُ لِلطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهِ صِفَةٌ، فَلَمْ يُرَاعَ فِيهَا الْفَوْرُ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ إِلَيْهَا طَلَاقَهَا إِذَا شَاءَ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي جَازَ أَنْ تَكُونَ مَشِيئَتُهُ مَعَ الطَّلَاقِ الْمُتَرَاخِي، لَكِنْ مِنْ صِحَّةِ مَشِيئَتِهِ أَنْ يُخْبِرَ بِهَا الزَّوْجَ قَبْلَ طَلَاقِهِ فَإِنْ أَخْبَرَ بِهَا غَيْرَهُ ثُمَّ طَلَّقَ لَمْ يَقَعْ، لأنه إذا كان إخباره بها شرطاً، كان إِخْبَارُ الزَّوْجِ بِهَا أَحَقَّ، وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ شَرْطًا، فَلَوْ قَالَ لَهُ: طَلِّقْهَا إِنْ شَاءَتْ، رُوعِيَتْ مَشِيئَتُهَا عِنْدَ عَرْضِ الْوَكِيلِ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِلَّا بَعْدَ عَرْضِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا وَسُؤَالِهَا عَنْ مَشِيئَتِهَا، فَتَصِيرُ حِينَئِذٍ مَشِيئَتُهَا مُعْتَبَرَةً عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ عَجَّلَهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِذَا أَوْقَعَهُ الْوَكِيلُ بَعْدَهَا، سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، فَإِنْ تَرَاخَتْ مَشِيئَتُهَا، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ بَعْدَهَا، لِفَسَادِ الْمَشِيئَةِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ فِي الطَّلَاقِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِيهِ، فَإِنْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فِي طَلَاقِ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا، بَطَلَتْ وَكَالَةُ الْآخَرِ وَلَوْ جَعَلَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَمْ تَبْطُلْ وَكَالَةُ الْآخَرِ وَجَازَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا صَحَّ.
وَهَكَذَا لَوْ وَكَّلَ وَاحِدًا فِي طَلَاقِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ بَادَرَ الزَّوْجُ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ.
وَلَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَاحِدَةً، كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِحَالِهَا فِي الطَّلْقَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ ثَلَاثًا وَقَعَ مِنْهُمَا طَلْقَتَانِ، لِأَنَّهُمَا الْبَاقِيَتَانِ مِنْ طَلَاقِ الزَّوْجِ، بَعْدَ الْوَاحِدَةِ الَّتِي أَوْقَعَهَا وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِهَا وَاحِدَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَاحِدَةً، لَمْ تَبْطُلِ الْوَكَالَةُ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ وَاحِدَةً فِي الْعِدَّةِ، طُلِّقَتْ سَوَاءٌ رَاجَعَهَا الزَّوْجُ مِنْ طَلْقَتِهِ، أَوْ لَمْ يُرَاجِعْ، فَلَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ طَلْقَةِ الزَّوْجِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا فَفِي بَقَاءِ الْوَكَالَةِ وَجَوَازِ طَلَاقِ الْوَكِيلِ لَهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْوَكَالَةُ بَاقِيَةٌ وَطَلَاقُ الْوَكِيلِ لَهَا وَاقِعٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَكَالَةَ قَدْ بَطَلَتْ وَطَلَاقَهُ غَيْرُ وَاقِعٍ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي عَقْدِ الطَّلَاقِ فِي نِكَاحٍ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي غَيْرِهِ أَمْ لَا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا رَجَعَ الزَّوْجُ عَنِ الْوَكَالَةِ أَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ طَلَّقَ لَمْ يَقَعْ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ بِجُنُونِ مُوَكِّلِهِ أَوْ مَوْتِهِ فَطَلَّقَ، لَمْ يَقَعْ طلاقه، لأن
الطَّلَاقَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَنْ زَوْجٍ مَيِّتٍ، أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ بِرُجُوعِ الزَّوْجِ حَتَّى طَلَّقَ، كَانَ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ قَوْلَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْمُوَكَّلِ فِي الْقِصَاصِ، إِذَا اقْتَصَّ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَفْوِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ جَعَلَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فطلقت واحدة فإن لَهَا ذَلِكَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا واحدة، طلقت واحدة، وقال مالك إذا قال طلقي نفسك ثلاثاً، فطلقت واحدة لا يقع شيء وإذا قال: طلقي واحدة فطلقت ثلاثاً، وقعت الثلاث، وعنه لَا تُطَلَّقُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ قَبُولَهَا بَعْضَ مَا مَلَّكَهَا مُوجِبٌ لِفَسَادِ الْقَبُولِ، وَبُطْلَانِ التَّمْلِيكِ كَمَا لَوْ بَاعَهَا عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ فَقَبِلَتْ أَحَدَهُمَا لَمْ يَصِحَّ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ: أَنَّ مَنْ مَلَكَ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مَلَكَ إِيقَاعَ الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ كَالزَّوْجِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِتَبْعِيضِ الْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الْبَذْلَ إِنَّمَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ ثَمَنٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِالتَّبْعِيضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ قَبُولُ الْبَعْضِ، وَلَوْلَا الثَّمَنُ لَصَحَّ، أَلَا تَرَى لَوْ وَهَبَ لَهَا عَبْدَيْنِ، فَقَبِلَتْ إحداهما صَحَّ، فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا جَعَلَ إِلَيْهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُطَلَّقُ لِأَنَّ مَا عَدَلَتْ إِلَيْهِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ: أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ فِي طَلَاقِهَا مَأْذُونٌ فِيهِ وَغَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، لَمْ يَمْنَعْ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ وُقُوعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، كَمَا لَوْ جَعَلَ إِلَيْهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَضَرَائِرَهَا، وَادَّعَى فِيهِ أَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَتَمَيَّزُ عَنِ الثَّلَاثِ، غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَرُبَّمَا حُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي حنيفة والأول عن مالك.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَقَالَ فِيهِ وَسَوَاءٌ قَالَتْ طَلَّقْتُكَ أَوْ طَلَّقْتُ نَفْسِي إِذَا أَرَادَتْ طَلَاقًا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا جَعَلَ إِلَيْهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا، فَإِنْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي، طُلِّقَتْ وَكَانَ هَذَا صَرِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّتِهَا.
وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ طَلَّقْتُكَ كَانَتْ كِنَايَةً يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِذَا نَوَتْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَإِنْ نَوَتْهُ، وَقَدْ مَضَى الكلام في هذه المسألة.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ طَلَّقَ بِلِسَانِهِ وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَلَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَّا بِلِسَانِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ عَلَى ثَلَاثَةِ أضرب:
أحدها: ما يصح مضمراً، مظهراً.
وَالثَّانِي: مَا لَا يَصِحُّ مُضْمَرًا، وَلَا مُظْهَرًا.
وَالثَّالِثُ: مَا يَصِحُّ مُظْهَرًا وَلَا يَصِحُّ مُضْمَرًا.
فَأَمَّا مَا يَصِحُّ إِظْهَارُهُ وَإِضْمَارُهُ فَهُوَ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلطَّلَاقِ، أَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَالًا لِلْمُطَلَّقَةِ، فَالَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلطَّلَاقِ مِثْلَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ، أَوْ مُسَرَّحَةٌ إِلَى أَهْلِكِ، أَوْ مفارقة إلى المسجد فإن أظهره بلفظ صَحَّ وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَاتِهِ، فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ فِي لَفْظِهِ وَأَضْمَرَهُ فِي نِيَّتِهِ صَحَّ إِضْمَارُهُ، وَدِينَ فِيهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ فِي الْبَاطِنِ، اعْتِبَارًا بِالْمُضْمَرِ، وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ فِي الظَّاهِرِ، اعْتِبَارًا بِالْمَظْهَرِ، وَأَمَّا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَالًا لِلْمُطَلَّقَةِ فَمِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ، وَلَوْ دَخَلْتِ الدَّارَ، أَوْ إِنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، فَإِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِهِ عُمِلَ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ إِلَّا عَلَى الْحَالِ الَّتِي شَرَطَهَا، وَإِنْ أَضْمَرَهُ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يُظْهِرْهُ بِلَفْظِهِ دِينَ فِيهِ، وَفِي الْبَاطِنِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ إِلَّا بِذَلِكَ الشَّرْطِ، اعْتِبَارًا بِإِضْمَارِهِ وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ اعْتِبَارًا بِإِظْهَارِهِ، فَهَذَا ضَرْبٌ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ إِضْمَارُهُ، وَلَا إِظْهَارُهُ، فَهُوَ مَا كَانَ فِيهِ إِبْطَالُ مَا أَوْقَعَ وَنَفْيُ مَا أَثْبَتَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْتِ، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ فِي إِظْهَارِهِ بِاللَّفْظِ وَإِضْمَارِهِ بِالْقَلْبِ، لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ يَمْنَعُ مِنْ رَفْعِهِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا حَيْثُ بَطَلَ وَبَيْنَ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ حَيْثُ صَحَّ: أَنَّ ذَاكَ صِفَةٌ مُحْتَمَلَةٌ وَحَالٌ مُمْكِنَةٌ، يَبْقَى مَعَهَا اللَّفْظُ عَلَى احْتِمَالٍ مُجَوَّزٍ، وَهَذَا رُجُوعٌ لَا يَحْتَمِلُ وَلَا يَجُوزُ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ بِمَا عَلَّلْنَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا يَصِحُّ إِظْهَارُهُ وَلَا يَصِحُّ إِضْمَارُهُ، فَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْعَدَدِ، أَوِ الشَّرْطُ الواقع بحكم الطلاق، فالاستثناء من الْعَدَدِ، أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثنتين والشرط الرافع لحكم الطلاق، أنت يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ أَظْهَرَهُ فِي لَفْظِهِ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ صَحَّ، وَكَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الطلاق إذا قال: إن شاء الله يقع عَلَيْهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ
ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، لِأَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ مُرْتَبِطٌ بِبَعْضٍ، فَأَوَّلُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى آخِرِهِ، وَهُوَ كَلَامٌ لَا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَصَحَّ وَلَوْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ بِلِسَانِهِ وَأَضْمَرَهُ بِقَلْبِهِ وَنَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَنَوَى إلا اثْنَتَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ مَا أَضْمَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَمِنَ الْعَدَدِ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا كَانَ صَحِيحًا مَعَ الْإِظْهَارِ وَبَاطِلًا مَعَ الْإِضْمَارِ، لِأَنَّ حُكْمَ اللَّفْظِ أَقْوَى مِنَ النِّيَّةِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَا يَقَعُ لِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، فَإِذَا تَعَارَضَتِ النِّيَّةُ وَاللَّفْظُ، يُغَلَّبُ حُكْمُ اللَّفْظِ لِقُوَّتِهِ عَلَى حُكْمِ النِّيَّةِ لِضَعْفِهِ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ.
فَلَوْ قَالَ: وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ: أَنْتُنَّ طَوَالِقٌ، وَاسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَعَزَلَهَا مِنَ الطَّلَاقِ صَحَّ استثناؤه من الطلاقهن، مُظْهَرًا وَمُضْمَرًا، فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهَا إِنِ اسْتَثْنَاهَا ظَاهِرًا بِلَفْظِهِ لَا فِي الظَّاهِرِ، وَلَا فِي الْبَاطِنِ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهَا إِنِ اسْتَثْنَاهَا، بَاطِنًا بنيته في الباطن، وإن كان واقعاً، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ لِلْأَرْبَعِ: أَنْتُنَّ يَا أَرْبَعُ طَوَالِقٌ وَأَرَادَ إِلَّا وَاحِدَةً فَإِنِ اسْتَثْنَاهَا بِلَفْظِهِ صَحَّ، وَإِنْ عَزَلَهَا بِنِيَّتِهِ لَمْ يَصِحَّ، كَالِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْعَدَدِ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْأَرْبَعِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِهِنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَرَادَ بِقَلْبِهِ الْإِشَارَةَ بِالطَّلَاقِ إِلَى أصْبَعِهِ دُونَ زَوْجَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَدِينُ فِي بَاطِنِ الْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَدِينُ فِيهِ لِاحْتِمَالِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ: لَا يَدِينُ فِيهِ، وَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأصْبَعَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا طَلَاقُ انْفِصَالٍ، وَلَا طَلَاقُ تَحْرِيمٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَوْقَعَ طَلَاقًا عَلَى أَن لَا يَكُونَ طَلَاقًا فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يُرِيدُ تَحْرِيمَهَا بِلَا طَلَاقٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَرَّمَ جَارِيَتَهُ فَأُمِرَ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُمَا تَحْرِيمُ فَرْجَيْنِ حِلَّيْنِ بِمَا لَمْ يَحْرُمَا بِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ، كَانَ طَلَاقًا يَقَعُ مِنْ عَدَدِهِ مَا نَوَاهُ، مِنْ وَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا، كَانَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْإِيلَاءَ
لَمْ يَكُنْ إِيلَاءً، لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ، لَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَحْرِيمَ وَطْئِهَا لَمْ يَحْرُمْ، وَلَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ طَلَاقٌ وَلَا ظِهَارٌ وَلَا تَحْرِيمٌ، وَهَلْ تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي (الْإِمْلَاءِ) . وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حرام، فإن أرادبه عِتْقَهَا، عَتَقَتْ وَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَ وَطْئِهَا لَمْ تحرم وَطْئِهَا لَمْ تَحْرُمْ وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْحُرَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خرجَ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ فَقْدِ الْإِرَادَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أقاويل:
أحدهما: تَجِبُ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ فِي الْحُرَّةِ وَلَا فِي الْأَمَةِ.
وَالثَّالِثُ: تَجِبُ فِي الْأَمَةِ، وَلَا تَجِبُ فِي الْحُرَّةِ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الْأَمَةِ أَصْلٌ، وَفِي الْحُرَّةِ فَرْعٌ وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا يَمِينٌ، هَذَا مَذْهَبُنَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ثُمَّ التَّابِعُونَ - رضي الله عنه - في لفظ الَّذِي يُوجِبُ إِذَا فُقِدَتْ فِيهِ الْإِرَادَةُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي بكر - رضي الله عنه - أنها يمين يجب بِهَا إِذَا حَنِثَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَبِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَالثَّانِي: مَا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ.
وَالثَّالِثُ: مَا حُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَكُونُ ظِهَارًا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَالرَّابِعُ: مَا رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَكُونُ طَلَاقًا لَا تَحِلُّ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَبِهِ قَالَ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ.
وَالْخَامِسُ: مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَالسَّادِسُ: مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَسْرُوقٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ.
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: مَا أُبَالِي حَرَّمْتُهَا أَوْ حَرَّمْتُ مَاءَ الْبِئْرِ، وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ما أبالي حرمتها أو حرمت قصعة تريد، وَبِهِ قَالَ: الشَّعْبِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَالسَّابِعُ: مَا حُكِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهَا طَلْقَةٌ بائن، وبه قال: الحكم به عُيَيْنَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
وَالثَّامِنُ: مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ يكون إيلاء، يؤجل فيه أربعة من أَشْهُرٍ، فَإِنْ وَطِئَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ طُلِّقَتْ طَلْقَةً بَائِنَةً، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا يَمِينٌ، ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِمَا يُعَلِّقُ عَلَيْهَا مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ، وَيَقُولُ إِنَّهُ لَوْ حَرَّمَ طَعَامَهُ أَوْ مَالَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ يَمِينًا يَلْزَمُهُ بِهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، بِتَحْرِيمِ طَعَامِهِ وَمَالِهِ كَفَّارَةٌ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ يُوجِبُ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْإِيلَاءِ وَالْكَفَّارَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، تَبْتَغِي مرضات أزواجك والله غفور رحيم، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2] . فَكَانَ اسْتِدْلَالًا بِذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَحَكَى عُرْوَةُ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ حَرَّمَ الْعَسَلَ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُهُ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتِ الْبَاقِيَاتُ: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْمَعَافِيرِ، وَالْمَعَافِيرُ صَمْغُ الْعُرْفُطِ، لِأَنَّ مِنَ النَّحْلِ مَا يَكُونُ يَرْعَاهُ، فَيَظْهَرُ فِيهِ رِيحُهُ، وَكَانَ يُكْرَهُ رِيحُهُ، فَحَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ كَفَّرَ.
وَحَكَى الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، أَنَّهُ حَرَّمَ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهِ، لأنه كان خلا بها في منزل د حَفْصَةَ، فَغَارَتْ فَحَرَّمَهَا ثُمَّ كَفَّرَ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْإِمَاءِ وَالطَّعَامِ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَجِبُ فِي الْإِمَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال: ﴿قد فرض لكم تحلة أيمانكم﴾ فَدَلَّ بِهَذَا النَّصِّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ عَلَى يَمِينٍ، وَبِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (الْحَرَامُ يَمِينٌ تُكَفَّرُ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ مَا أَوْجَبَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، كَانَتْ يَمِينًا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي الطَّعَامِ وَالْمَالِ كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يا أيها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، تَبْتَغِي مرضات أزواجك﴾ فَأَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا أَحَلَّهُ لَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَقَعْ فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَنْ جَعَلَهُ طَلَاقًا وَظِهَارًا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، بِيَمِينٍ حَلَفَ بِهَا، فَعُوتِبَ فِي التَّحْرِيمِ، وَأُمِرَ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ، وَلَمْ يَكُنِ التَّحْرِيمُ يَمِينًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا يَكُونُ خَبَرًا عَنْ مَاضٍ وَوَعْدًا بِمُسْتَقْبَلٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَحَرَّمَ جَارِيَتَهُ يَوْمًا بِيَمِينٍ، وكفر عن