كتاب السير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أمهاتهم ولا يوجب إسلامهم موت أمهاتهم " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ ال
ْمَسْأَلَةِ
أَنَّ الْمُسْبي مِنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ لَا يَخْلُو حَالُ سَبْيِهِ، أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ مُفْرَدًا، فَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ كَانَ حُكْمُهُ بَعْدَ السَّبْيِ كَحُكْمِ الْمُسبي مَعَ أَبَوَيْهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا كَانَ إِسْلَامًا لَهُ وَلِصِغَارِ أَوْلَادِهِمَا، سَوَاءٌ اجْتَمَعَ الْأَبَوَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ، وَلَا اعْتِبَارَ بِحُكْمِ السَّابِي، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ وَاحِدٌ مِنْ أَبَوَيْهِ كَانَ مُشْرِكًا بِشِرْكِهِمَا، وَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ سَابِيهِ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَهُ بِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِ سَابِيهِ لِأَجْلِ الْبَعْضِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ السَّابِي وَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ".
وَقَالَ مَالِكٌ يَصِيرُ الْوَلَدُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبِيهِ، وَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أُمِّهِ، وَيَكُونُ فِي الدِّينِ تَابِعًا لِسَابِيهِ دُونَ أُمِّهِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ " فَاعْتَبَرَ حُكْمَهُ بِأَبَوَيْهِ دُونَ سَابِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ أُمِّهِ يَقِينًا، وَمِنْ أَبِيهِ ظَنًّا، فَلَمَّا صَارَ مُعْتَبَرًا بِأَبِيهِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِيرَ مُعْتَبَرًا بِأُمِّهِ،
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا إِذَا سُبِيَ الصَّغِيرُ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَابِيهِ، وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّ الطِّفْلَ لَا بُدَّ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِهِ، إِذْ لَيْسَ يَصِحُّ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ أَنْ يُعْتَبَرَ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِالسَّابِي فِي جَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، قَطْعًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، كَمَا يَصِيرُ بِأَحَدِ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا، فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ الشِّرْكَ لَمْ يُقِرَّ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ جُمْهُورِ الْبَغْدَادِيِّينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ السَّابِي، فَإِنْ بَلَغَ وَصَفَ الشِّرْكَ أُقِرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ إِرْهَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ، كَمَا يُعْتَبَرُ إِسْلَامُ اللَّقِيطِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِحُكْمِ الدَّارِ، فَيَكُونُ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الدَّارِ، فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ الشِّرْكَ أُقِرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ إِرْهَابِهِ.
(فَصْلٌ) : فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا سُبُوا صِغَارًا، فمتى أجرينا
عَلَيْهِمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ إِمَّا بِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ بِالسَّابِي جَازَ بَيْعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ أَجْرَيْنَا عَلَيْهِ حُكْمَ الشِّرْكِ جَازَ بَيْعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يُكْرَهْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بَيْعُهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمْ عَلَى المشركين حال احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا فِي بَيْعِهِمْ مِنْ تَقْوِيَةِ الْمُشْرِكِينَ بِهِمْ،
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ فِي الْأَغْلَبِ عَلَى دِينِ سَادَتِهِمْ إِذَا بَلَغُوا.
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَبَى بَنِي قُرَيْظَةَ سَنَةَ خَمْسٍ، فَفَرَّقَ سَبْيَهُمْ أَثْلَاثًا فَبَعَثَ ثُلُثًا بِيعُوا بِتِهَامَةَ، وَثُلُثًا بِيعُوا بِنَجْدِ، وَثُلُثًا بِيعُوا بِالشَّامِ، وَكَانَتْ مَكَّةُ وَالشَّامُ دَارَ شِرْكٍ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ بِلَادِ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنَّ عَلَى سَبْيِ هَوَازِنَ، وَرَدَّهُمْ عَلَى أَهْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ بَقِيَ عَلَى شِرْكِهِ، وَلِأَنَّ الْمَمْلُوكَ إِذَا جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ دِينٍ جَازَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ، كَالْعَبْدِ الْبَالِغِ وَيَبْطُلُ بِهِ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ تَقْوِيَتِهِمْ بِهِ، وَيَبْطُلُ أَيْضًا بَيْعُ الطَّعَامِ عَلَيْهِمْ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَتِهِمْ بِهِ، وَبِهِ يَبْطُلُ احْتِجَاجُهُمْ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ فِي الْأَغْلَبِ عَلَى دين سادتهم.
(مسألة)
قال الشافعي: " ومن أعتق منهم فلا يورث كمثل أن لا تقوم بنسبه بينة ".
قال الماوردي: إما لحميل فِي النَّسَبِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمْلِكَ مُسْلِمٌ بِالسَّبْيِ مُشْرِكًا فَيُعْتِقَهُ وَيَسْتَلْحِقَ بِهِ، وَيَجْعَلَهُ لِنَفْسِهِ وَلَدًا، فَيَصِيرَ مَحْمُولَ النَّسَبِ عَنْ أَبِيهِ إِلَى سَابِيهِ، وَيَكُونَ الْحَمِيلُ بِمَعْنَى: الْمَحْمُولِ، كَمَا يُقَالُ: قَتِيلٌ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ، فَهَذَا لَا يَلْحَقُ النَّسَبَ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حُكْمُ الْمُسْتَلْحِقِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ " فَنَقَلَهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِنَ اسْتِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ إِلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ مِنْ إِلْحَاقِهَا بِالْفِرَاشِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُقِرَّ الْمُسْبي بَعْدَ عِتْقِهِ بِنَسَبٍ وَارِدٍ مِنْ بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَكُونَ الْحَمِيلُ بِمَعْنَى الْحَامِلِ فَيُقَسَّمَ النَّسَبُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مَرْدُودٌ، وَمَقْبُولٌ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْمَرْدُودُ: فَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِنَسَبٍ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمِيرَاثَ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُقِرُّ اسْتِحْدَاثَ مِثْلِهِ، كَالْمُقِرِّ بِأَبٍ أَوْ بِأَخٍ، أَوْ عَمٍّ، فَيَرِدُ إِقْرَارُهُ بِهِ، وَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ
بِنَسَبِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ كَالْأَبِ أَوْ بَعْضَهُ كَالْأُمِّ، لِرِوَايَةِ الشَّعْبِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ أَنْ لَا يُوَرِّثَ حَمِيلًا حَتَّى تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ".
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ قَالَ: جَمَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْحَمِيلِ، فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلِأَنَّ مُعْتِقَهُ قَدْ مَلَكَ وَلَاءَهُ عَنِ الرِّقِّ الَّذِي لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ إِزَالَةَ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنَ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ إِذَا أُعْتِقَ لَا يَمْلِكُ إِزَالَةَ مَا اسْتَحَقَّهُ مُعْتِقُهُ بِوَلَائِهِ مِنَ الْإِرْثِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ أَقَرَّ الْحُرُّ بِأَخٍ، وَلَهُ عَمٌّ قُبِلَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ حَجَبَ الْأَخُ الْعَمَّ فَهَلَّا كَانَ إِقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ مَعَ الْوَلَاءِ مَقْبُولًا كَذَلِكَ، قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّسَبَ يَرِثُ بِهِ وَيُوَرَّثُ، فَزَالَتِ التُّهْمَةُ، وَالْوَلَاءُ لَا يَرِثُ بِهِ وَلَا يُوَرَّثُ، فَلَحِقَتِ التُّهْمَةُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْمَقْبُولُ: فَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِنَسَبٍ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمِيرَاثَ، كَالْخَالِ وَالْجَدِّ مِنَ الْأُمِّ فَمَقْبُولٌ مِنْهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ مُعْتِقِهِ مِنَ الْمِيرَاثِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَهُوَ أَنْ يُقِرَّ بِنَسَبٍ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمِيرَاثَ، وَيَمْلِكُ اسْتِحْدَاثَ مِثْلِهِ كَإِقْرَارِهِ بِابْنٍ أَوْ بِنْتٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ بِإِقْرَارِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِقْرَارَهُ بِنَسَبِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، تَشْهَدُ بِهِ، كَالنَّسَبِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ اسْتِحْدَاثَ مِثْلِهِ لِعُمُومِ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ تَوْرِيثِ الْحَمِيلِ، وَلِمَا جَمَعَهُمَا التَّعْلِيلُ مِنْ إِسْقَاطِ الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقْبَلُ إِقْرَارَهُ بِبَيِّنَةٍ بِخِلَافٍ مَا لَا يَمْلِكُ اسْتِحْدَاثَ مِثْلِهِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ مَلَكَ اسْتِحْدَاثَهُ جَازَ أَنْ يَمْلِكَ الْإِقْرَارَ بِهِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ وَلَدَهُ يَدْخُلُ فِي وَلَاءِ مُعْتِقِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَبُوهُ فَافْتَرَقَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَقْبَلُ إِقْرَارَهُ بِمَنْ وُلِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَلَا يَقْبَلُ إِقْرَارَهُ بِمَنْ وُلِدَ قَبْلَ عِتْقِهِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْعِتْقِ يَمْلِكُ اسْتِحْدَاثَ مِثْلِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَا يَمْلِكُ قَبْلَ الْعِتْقِ اسْتِحْدَاثَ مِثْلِهِ إِلَّا عَنْ إِذْنٍ فَافْتَرَقَا، والله أعلم.
(باب المبارزة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا بَأْسَ بِالْمُبَارَزَةِ وَقَدْ بَارَزَ يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بإذن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبَارَزَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ بأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبَارَزَ يَوْمَئِذٍ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ يَاسِرًا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْمُبَارَزَةُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ضَرْبَانِ: إِجَابَةٌ وَدُعَاءٌ.
فأما الإجابة: فهو أن يبتدىء الْمُشْرِكُ وَيَدْعُوَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَيُجِيبَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَبْرُزُ إِلَيْهِ، وَهَذِهِ الْإِجَابَةُ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَنْ أَقْدَمَ عَلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَوَّلَ حَرْبٍ شَهِدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَوْمَ بَدْرٍ، دُعي إِلَى الْمُبَارَزَةِ فِيهَا ثَلَاثَةٌ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَهُمْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأخوه شبيبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَابْنُهُ الْوَلِيدُ بِنُ عُتْبَةَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالُوا: لِيَبْرُزْ إِلَيْنَا أَكْفَاؤُنَا فَمَا نَعْرِفُكُمْ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَمَالَ حَمْزَةُ عَلَى عُتْبَةَ فَقَتَلَهُ، وَمَالَ عَلِيٌّ عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلَهُ وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ ضَرْبَتَيْنِ، أَثْبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِهَا، فَمَاتَ شَيْبَةُ لِوَقْتِهِ، وَقُدَّتْ رِجْلُ عُبْيَدَةَ وَاحْتُمِلَ حَيًّا فَمَاتَ بالصفراء، فقال فيه كعب بن مالك:
(أيا عَيْنُ جُودِي وَلَا تَبْخَلِي ... بِدَمْعِكِ حَقًّا وَلَا تنزري)
(على سيد هدنا هَلْكُهُ ... كَرِيمِ الْمَشَاهِدِ وَالْعُنْصُرِ)
(عُبَيْدَةُ أَمْسَى وَلَا نَرْتَجِيهِ ... لِعُرْفٍ عَرَانَا وَلَا مُنْكَرِ) (وَقَدْ كَانَ يَحْمِي غَدَاةَ الَقِتَالِ ... لِحَامِيَةِ الْجَيْشَ بِالْمُبْتِرِ)
ثُمَّ شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَعْدَهَا أُحُدًا، فَدَعَاهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجمحي إِلَى الْمُبَارَزَةِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ حَلَفَ أَنْ يَقْتُلَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وبرز إليه فرماه بحربة كسر بها أحد أضلاعه بجرح كالخدش، فاحتمل وهو يخور كالثور فَقِيلَ لَهُ مَا بِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ تَفَلَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي ثُمَّ دَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ فِي حَرْبِ الْخَنْدَقِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، ثُمَّ دَعَا إِلَيْهَا فِي الْيَوْمِ
الثَّانِي: فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ دَعَا إِلَيْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ: فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَأَى الْإِحْجَامَ عَنْهُ قَالَ: يَا مُحَمَدُ أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ قَتْلَاكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَقَتْلَانَا فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ، فَمَا يُبَالِي أَحَدُكُمْ أَيَقْدُمُ عَلَى كَرَامَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوْ يُقْدِمُ عَدْوًا إِلَى النَّارِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: (ولقد دنوت من النداء ... ء بجمعكم هَلْ مِنْ مُبَارِزْ)
(وَوَقَفْتُ إِذْ جَبُنَ الشُّجَا ... عُ بَمَوقِفِ الْقَرْنِ الْمُنَاجِزْ)
(إِنِّي كَذَلِكَ لَمْ أَزَلْ ... مُتَشَوِّقًا نَحْوَ الْهَزَاهِزْ) 5 - (إِنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الْفَتَى ... وَالْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزْ)
فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مُبَارَزَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ: " اخْرُجْ يَا عَلِيُّ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَعِيَاذِهِ " فَخَرَجَ وَهُوَ يقول: (يا عمرو ويحك قد أتاك ... مجيب صوتك غَيْرَ عَاجِزْ)
(ذُو نِيَّةٍ وَبَصِيرَةٍ ... وَالصَّدْقُ مُنْجِي كل فائز)
(إني لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز)
(من ضربة نجلاء يَبْقَى ... صِيتُهَا عِنْدَ الْهَزَاهِزْ)
فَتَجَاوَلَا، وَثَارَتْ عَجَاجَةٌ أَخْفَتْهُمَا عَنِ الْأَبْصَارِ، ثُمَّ أَجْلَتْ عَنْهُمَا، وَعَلِيٌّ يَمْسَحُ سَيْفَهُ بِثَوْبِ عَمْرٍو وَهُوَ قَتِيلٌ، حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ.
ثُمَّ دَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ بِخَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ، فَخَرَجَ مُرْتَجِزًا يقول:
(قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بطل مجرب)
(أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الحروب أقبلت تلهب)
(إذا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَحَرَّبُ ... كَأَنَ حِمَايَ لِلْحِمَى لَا يُقْرَبُ)
فَبَرَزَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ، فَحَكَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ إلي بَرَزَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَحَكَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ أَنَّ الَّذِي بَرَزَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب، خرج إليه مرتجزا يقول: (أَنَّا الَذي سَمَتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... لَيْثُ غَابَاتٍ شديد القصورة)
(أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَة ... ) . وَدَعَا يَاسِرٌ إِلَى الْمُبَارَزَةِ بِخَيْبَرَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ: يُقْتَلُ ابْنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ " فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ، فَهَذِهِ مَوَاقِفُ قَدْ أَجَابَ إِلَى
الْمُبَارَزَةِ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، ومن ذكرنا من أهله وأصحابه فدل إلى استحبابه.
(فصل)
فأما الدعاء على الْمُبَارَزَةِ فَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُسْلِمُ بِدُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهَا، فَهُوَ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ وَلَا مَكْرُوهٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مَكْرُوهٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كافة﴾ وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ نَهَى بِصِفِّينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُبَارَزَةِ، وَقَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: لَا تَدْعُوَنَّ إِلَى الْبِرَازِ، فَإِنْ دُعِيتَ فَأَجِبْ، فَإِنَّ الدَّاعِيَ بَاغٍ وَالْبَاغِيَ مَصْرُوعٌ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ قِيلَ: خِفَافًا فِي الْإِسْرَاعِ إِلَى الْمُبَارَزَةِ وَثِقَالًا فِي الثَّبَاتِ لِلْمُصَابَرَةِ.
وَرَوَى أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ الْمُبَارَزَةِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَقَالَ: " لَا بَأْسَ بِهِ " وَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَيْشَ مُؤْتَةَ، وَقَالَ: الْأَمِيرُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ فَالْأَمِيرُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ فَالْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فإن أصيب فليرتضي الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا، فَتَقَدَّمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَبَرَزَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَتَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَبَرَزَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَاخْتَارَ الْمُسْلِمُونَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَقَاتَلَ وَحَمَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى خَاضُوا وَعَادُوا فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَثْنَى عَلَيْهِمْ وَأَخْبَرَ بِعِظَمِ ثَوَابِهِمْ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَأَخَذَ سَيْفًا فَهَزَّهُ وَقَالَ: " مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ " فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ هَزَّهُ ثَانِيَةً، وَقَالَ: " مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ " فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا آخُذُهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ هَزَّهُ ثَالِثَةً وَقَالَ: " مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ " فَقَامَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ فَقَالَ: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَنْ تَضْرِبَ بِهِ فِي الْعَدُوِّ حَتْيَ يَنْحَنِيَ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَتَعَمَّمَ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ وَمَشَى إِلَى الْحَرْبِ مُتَبَخْتِرًا، وَهُوَ يَقُولُ
(أَنَا أَخَذْتُهُ فِي رِقِّهِ ... إِذْ قِيلَ مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ)
(قَبِلْتُهُ بِعَدْلِهِ وَصِدْقِهِ ... لِلْقَادِرِ الرَّحْمَنِ بَيْنَ خَلْقِهِ)
(الْمُدْرِكِ الْقَابِضِ فَضْلَ رِزْقِهِ ... مَنْ كَانَ فِي مَغْرِبِهِ وشرقه)
فعاد وقد تكأ وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ فِي مَشْيِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ " فَإِذَا لَمْ يَكْرَهْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مُبَارَزَةِ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكْرَهَ لَهُمْ مُبَارَزَةَ أَحَدِهِمْ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ مِنَ الْآيَةِ: فَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ كَافَّةً إِذَا قَاتَلُوا كَافَّةً جَازَ أَنْ يُقَاتَلُوا آحَادًا وَكَافَّةً؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ بَعْضُ الْكَافَّةِ، وَأَمَّا نَهْيُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُ فَلِمَصْلَحَةٍ رَآهَا، خَافَ مِنْهَا عَلَى وَلَدِهِ وَابْنِ عَمِّهِ، خُصُوصًا فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ وَقَدْ لَبِسَ دِرْعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَرَزَ عَنْهُ حَتَّى قَتَلَ اللَّخْمِيَّ الَّذِي بَارَزَهُ، وَفِعْلُهُ أَوْكَدُ مِنْ نَهْيِهِ:
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا صَحَّ جَوَازُ الْمُبَارِزَةِ، إِمَّا اسْتِحْبَابًا إِنْ أَجَابَ أَوْ إِبَاحَةً إِنْ دَعَا فَلِجَوَازِهَا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مُقَاوَمَةِ مَنْ بَرَزَ إِلَيْهِ بِقُوَّةِ جِسْمِهِ، وَفَضْلِ شَجَاعَتِهِ، وَظُهُورِ عُدَّتِهِ، فَإِنْ ضَعُفَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْهُ
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ تَعَرَّضَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ لِلشَّهَادَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَهَلَّا كَانَ الْمُبَارِزُ كَذَلِكَ، قُلْنَا: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُبَارَزَةِ ظُهُورُ الْغَلَبَةِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا إِلَّا مَنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ فِيهَا، وَالْمَقْصُودُ بِالشَّهَادَةِ فَضْلُ الثَّوَابِ فَجَازَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهَا مَنْ شَاءَ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَدْخُلَ بِقَتْلِ الْمُبَارِزَةِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِهَزِيمَةٍ تَنْكَأُهُمْ أَوْ لِأَنَّهُ أَمِيرُهُمُ الَّذِي تَخْتَلُّ بِفَقْدِهِ أُمُورُهُمْ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَارِزَ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَأْذِنَ أَمِيرَ الْجَيْشِ فِي بِرَازِهِ، لِيَكُونَ رَدْءًا لَهُ وَعَوْنًا؛ وَلِفَضْلِ عِلْمِهِ بِالْمُبَارَزَةِ، وَمَنْ بَرَزَ إِلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ كَفَّ، وَإِن أَذِنَ لَهُ أَقْدَمَ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا بَارَزَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا أَوْ مُشْرِكٌ مُسْلِمًا عَلَى أَن لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُهُ وَفَى بِذَلِكَ لَهُ فَإِنْ وَلَّى عَنْهُ الْمُسْلِمُ أَوْ جَرَحَهُ فَأَثْخَنَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْهِ وَيَقْتُلُوهُ لِأَنَّ قِتَالَهُمَا قَدِ انْقَضَى وَلَا أَمَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ أَنَّهُ آمِنٌ حَتَى يَرْجِعَ إِلَى مَخْرَجِهِ مِنَ الصَّفِّ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ قَتْلُهُ وَلَهُمْ دَفْعُهُ وَاسْتِنْقَاذُ الْمُسْلِمِ مِنْهُ فإن امتنع وعرض دونه ليقاتلهم قاتلوه لأنه نقض أمان نفسه، أعان حمزة علي على عتبة بعد أن لم يكن في عبيدة قتال، ولم يكن لعتبة أمان يكفون به عنه ولو أعان المشركون صاحبهم كان حقا على المسلمين أن يعينوا صاحبهم ويقتلوا من أعان عليه ولا يقتلون المبارز ما لم يكن استنجدهم ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِذَا بَارَزَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا إِمَّا دَاعِيًا أَوْ مُجِيبًا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُشْرِكِ الْمُبَارِزِ شَرْطٌ فَيَجُوزَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُ مَعَ
الْمُبَارِزِ مِنْهُمْ وَيَقْتُلُوهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَإِنِ اخْتَصَّ بِالْمُبَارَزَةِ الْوَاحِدُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: اللَّهُمَّ إلا أن العادة جارة أَنَّ مَنْ بَارَزَ لَا يُعْرَضُ لَهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَى صَفِّهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَتَصِيرُ الْعَادَةُ كَالشَّرْطِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرْطٌ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ مَنْ بَرَزَ إِلَيْهِ، فَيَجِبَ الْوَفَاءُ بِشَرْطِهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ^) [المائدة: 1] وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكَ مَا كَانَ الْمُسْلِمُ عَلَى قِتَالِهِ، فَإِذَا انْقَضَى الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا إِمَّا بِأَنْ وَلَّى الْمُسْلِمُ أَوْ جُرِحَ فَكَفَّ عَنِ الْقِتَالِ، أَوْ وَلَّى الْمُشْرِكُ أَوْ جُرِحَ فَكَفَّ عَنِ الْقِتَالِ كَانَ لَنَا أَنْ نُقَاتِلَ الْمُشْرِكَ وَنَقْتُلَهُ؛ لِأَنَّ أَمَانَهُ كَانَ مَشْرُوطًا بِمُدَّةِ الْمُقَاتَلَةِ فَانْقَضَى بِزَوَالِ الْمُقَاتَلَةِ؛ وَلِأَنَّ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ لَمَّا أَثْخَنَ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ قِتَالٌ، مَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَحَمْزَةُ بن عبد المطلب على شيبة حتى أجازا عَلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَظْهِرَ فِي إِشْرَاطِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ آمِنًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى صَفِّهِ، فَيُحْمَلَ عَلَى شَرْطِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتَلَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُبَارَزَةِ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى صَفِّهِ، وَفَاءً بِالشَّرْطِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِ إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، يَبْطُلُ بِهَا أَمَانُهُ:
إِحْدَاهُنَّ: أَنْ يُوَلِّيَ عَنْهُ الْمُسْلِمُ، فَيَتْبَعَهُ، فيبطل أمانه، ويجوز لنا أنا نُقَاتِلَهُ وَنَقْتُلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَارَزَةَ قَدِ انْقَضَتْ، وَأَمَانَهُ مِنَّا مُسْتَحَقٌّ عِنْدَ أَمَانِنَا مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ نأمنه لم نؤمنه.
والخصلة الثاني: أَنْ يَظْهَرَ الْمُشْرِكُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَيَعْزِمَ عَلَى قَتْلِهِ، فَيَجِبَ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَنْقِذَ مِنْهُ الْمُسْلِمَ لما يَلْزَمُ مِنْ حِرَاسَةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْتَلَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ مِنْهُ إِلَّا بِقَتْلِهِ جَازَ لَنَا أَنْ نَقْتُلَهُ، لِأَنَّهُ لا أمان على قتل مسلم.
والخصلة الثالث: أَنْ يَسْتَنْجِدَ الْمُشْرِكُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي مَعُونَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فيَبْطُلُ أَمَانُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مَشْرُوطًا بِالْمُبَارَزَةِ، وَقَدْ زَالَ حُكْمُهَا بِالِاسْتِنْجَادِ، فَإِنْ أَعَانُوهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَنْجِدَهُمْ نُظِرَ، فَإِنْ نَهَاهُمْ عَنْ مَعُونَتِهِ فَلَمْ يَنْتَهُوا كَانَ عَلَى أَمَانِهِ، وَكَانَ لَنَا قِتَالُ مَنْ أَعَانَهُ دُونَهُ، وإن لم ينهم كَانَ إِمْسَاكُهُ عَنْهُمْ رِضًا مِنْهُ بِمَعُونَتِهِمْ لَهُ، فَصَارَ كَاسْتِنْجَادِهِ لَهُمْ فِي نَقْضِ أَمَانِهِ وَجَوَازِ قتاله وقتله.
(فصل)
: وإذا أخذت رؤوس الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ؛ لِتُحْمَلَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ كَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِقَتْلَى بَدْرٍ.
وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّهُ حَمَلَ إِلَى أبي بكر رضي الله عنه رؤوس مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي فَتْحِ دِمَشْقَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: تَحْمِلُ جِيَفَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
وَأَجَازَ آخَرُونَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ نَصٌّ، وَذَهَبَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِي إِلَى كَرَاهِيَتِهِ، وَعِنْدِي أَنَّ إِطْلَاقَ الْكَرَاهِيَةِ فِيهِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ غَيْرُ صَوَابٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ فِي نَقْلِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَهَنٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أو قوة للمسلمين فنقلها مستحب؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُكْرَهْ نَقْلُهُمْ إِلَى بِلَادِ الإسلام أحياء ليقتلوا بها كان نقل رؤوسهم أَقْرَبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهَا وَهَنٌ لِمُشْرِكٍ وَلَا قُوَّةٌ لِمُسْلِمٍ كَانَ نَقْلُهَا مَكْرُوهًا، على هَذَا يُحْمَلُ نَهْيُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(بَابُ فَتْحِ السَّوَادِ وَحُكْمُ مَا يُوقِفُهُ الْإِمَامُ من الأرض للمسلمين)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا أَعْرِفُ مَا أَقُولُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ وَذَلِكَ أَنِّي وَجَدْتُ أَصَحَّ حَدِيثٍ يَرْوِيهِ الْكُوفِيُّونَ عِنْدَهُمْ فِي السَّوَادِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ وَوَجَدْتُ أَحَادِيثَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ تُخَالِفُهُ مِنْهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ السَّوَادَ صُلْحٌ وَيَقُولُونَ إِنَّ السَّوَادَ عَنْوَةٌ وَيَقُولُونَ بَعْضُ السَّوَادِ صُلْحٌ وَبَعْضُهُ عَنْوَةٌ وَيَقُولُونَ إِنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ البجلي وهذا أثبت حديث عندهم فيه (قال الشافعي) أخبرنا الثقة عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي حازم عن جرير قَالَ كَانَتْ بَجِيلَةُ رُبْعَ النَّاسِ فَقُسِّمَ لَهُمْ ربع السواد فاستغلوه ثلاث أو أربع سنين شك الشافعي ثم قدمت عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومعي بِنْتُ فُلَانٍ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ قَدْ سَمَّاهَا وَلَمْ يحضرني ذكر اسمها قال عمر لولا أني قاسم مسؤول لتركتكم على ما قسم لكم ولكني أَرَى أَنْ تَرُدُّوا عَلَى النَّاسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وكان في حديثه وعاضني من حقي فيه نيفا وثمانين دينارا وكان في حديثه فَقَالَتْ فُلَانَةُ قَدْ شَهِدَ أَبِي الْقَادِسِيَّةَ وَثَبَتَ سَهْمُهُ وَلَا أُسْلِمُ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا فأعطاها إياه (قال الشافعي) رحمه الله ففي هذا الحديث دلالة إذ أعطى جريرا عوضا من سهمه والمرأة عوضا من سهم أبيها على أنه استطاب أنفس الذين أوجفوا عليه فتركوا حقوقهم منه فجعله وقفا للمسلمين وقد سبى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هوازن وقسم الأربعة الأخماس بين الموجفين ثم جاءته وفود هوازن مسلمين فسألوه أن يمن عليهم وأن يرد عليهم ما أخذ منهم فخيرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بين الأموال والسبي فقالوا خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا فنختار أحسابنا فترك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حقه وحق أهل بيته فسمع بذلك المهاجرون فتركوا له حقوقهم وسمع بذلك الأنصار فتركوا له حقوقهم ثم بقي قوم من المهاجرين والأنصار فأمر فعرف على كل عشرة واحدا ثم قال ائتوني بطيب أنفس من بقي فمن كره فله علي كذا وكذا من الإبل إلى وقت ذكره قال فجاءوه بطيب أنفسهم إلا الأقرع بن حابس وعيينة بن بدر فإنهما أتيا ليعيرا هوازن فلم يكرههما صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى كانا هما تركا بعد أن خدع عيينة عن حقه وسلم لهم عليه السلام حق من طاب نفسا عن حقه قال وهذا أولى
الأمرين بعمر عندنا في السواد وفتوحه إن كان عنوة لا ينبغي أن يكون قسم إلا عن أمر عمر لكبر قدره ولو يفوت عليه من بغى أن يغيب عنه قسمه ثلاث سنين ولو كان القسم ليس لمن قسم له ما كان له منه عوض ولكان عليهم أن يردوا الغلة والله أعلم كيف كان وهكذا صنع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في خيبر وبني قريظة لمن أوجف عليها أربعة أخماس والخمس لأهله فمن طاب نفسا عن حقه فجائز للإمام نظرا للمسلمين أن يجعلها وقفا عليهم تقسم غلته على أهل الفيء والصدقة وحيث يرى الإمام ومن يطب نفسا فهو أحق بماله ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا أَرْضُ السَّوَادِ، فَهُوَ سَوَادُ كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ الَّذِي فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَمَلَكُوهُ عَنْوَةً فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ أَطْرَافُهُ فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَحَدُّهُ طُولًا مِنْ حُرَيْثَةِ الْمَوْصِلِ إِلَى عَبَّادَانَ، وَعَرْضًا مِنْ عُذَيْبِ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ، يَكُونُ طُولُهُ مِائَةً وَسِتِّينَ فَرْسَخًا، وَعَرْضُهُ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا، وَلَيْسَتِ الْبَصْرَةُ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي هَذَا الْحَدِّ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ،؛ لِأَنَّهَا مِمَّا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَوَاتِ إِلَّا مَوَاضِعَ مِنْ شَرْقِيِّ دَجْلَتِهَا يُسَمِّيهِ أهل البصرة الفرات.
ومن غربي دجلتها لنهر معروف بنهر المرات، وَيُسَمَّى بِالْفَهْرَجِ.
وَحَضَرْتُ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِي وَهُوَ يُدَرِّسُ تَحْدِيدَ السَّوَادِ فِي كِتَابِ " الرَّهْنِ " وَأَدْخَلَ فِيهِ الْبَصْرَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، وَقَالَ: هَكَذَا تَقُولُ، قُلْتُ: لَا، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهَا كَانَتْ مَوَاتًا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ عَلِّقُوا مَا يَقُولُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَعْرَفُ بِالْبَصْرَةِ.
وَفِي تَسْمِيَتِهِ سَوَادًا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: لِكَثْرَتِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ سَوَادِ الْقَوْمِ إِذَا كَثُرُوا، وَهَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ.
وَالثَّانِي: لِسَوَادِهِ بِالزُّرُوعِ وَالْأَشْجَارِ؛ لِأَنَّ الْخُضْرَةَ تُرَى مِنَ الْبُعْدِ سَوَادًا، ثُمَّ تَظْهَرُ الْخُضْرَةُ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا فَقَالُوا المسلمون حين اقبلوا من بياض الفلات: مَا هَذَا السَّوَادُ، فَسَمَّوْهُ: سَوَادًا.
وَالثَّالِثُ: لِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْخُضْرَةِ وَالسَّوَادِ فِي الِاسْمِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
(وَرَاحَتْ رواحا مِنْ زُرُودٍ فَصَادَفَتْ ... زُبَالَةَ جِلْبَابًا مِنَ اللَّيْلِ أَخْضَرَا)
يَعْنِي أَسْوَدَ، وَسَوَادُ كِسْرَى أَزْيَدُ مِنَ الْعِرَاقِ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ فَرْسَخًا، فَيَكُونُ الْعِرَاقُ أَقْصَرَ مِنَ السَّوَادِ بِخُمْسِهِ وَالسَّوَادُ أَطْوَلَ مِنَ الْعِرَاقِ بِرُبْعِهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْعِرَاقِ مِنْ
شَرْقِيِّ دِجْلَةَ الْعَلْثُ، وَمِنْ غَرْبِيِّهَا جَرْبَى، وَطُولُهُ مائة وخمسة وعشرين فَرْسَخًا، وَعَرْضُهُ مُسْتَوْعِبٌ لِعَرْضِ السَّوَادِ.
وَسُمِّيَ عِرَاقًا لِاسْتِوَاءِ أَرْضِهِ حِينَ خَلَتْ مِنْ جِبَالٍ تَعْلُو، وَأَوْدِيَةٍ تَنْخَفِضُ، وَالْعِرَاقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الِاسْتِوَاءُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
(سُقْتُمْ إِلَى الْحَقِّ مَعًا وَسَاقُوا ... سِيَاقَ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِرَاقُ)
أَيْ لَيْسَ لَهُ اسْتِوَاءٌ.
وَقَالَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ: تَكُونُ مِسَاحَةُ الْعِرَاقِ مُكَسَّرًا مِنْ ضَرْبِ طُولِهِ فِي عُرْضِهِ عَشَرَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ، يَصِيرُ تَكْسِيرُ مساحة مِسَاحَةِ السَّوَادِ مُكَسَّرًا بِزِيَادَةِ الرُّبْعِ مِسَاحَةُ الْعِرَاقِ اثنا عشر أَلْفَ فَرْسَخٍ وَخَمْسُمِائَةِ فَرْسَخٍ وَمِسَاحَةُ تَكْسِيرِ فَرْسَخٍ في فَرْسَخٍ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَلْفَ جَرِيبٍ وَخَمْسُمِائَةِ جَرِيبٍ؛ لِأَنَّ طُولَ الْفَرْسَخِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ بِالْمُرْسَلَةِ، وَيَكُونُ بِذِرَاعِ الْمِسَاحَةِ، وَهِيَ الذِّرَاعُ الْهَاشِمِيَّةُ تِسْعَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ، فَيَكُونُ مِسَاحَةُ أَرْضِ الْعِرَاقِ وهي عشرة آلاف فرسخ مكسرة مائتا أَلْفِ أَلْفِ جَرِيبٍ، وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي مِسَاحَةِ السَّوَادِ رُبْعُهَا، فيصير مساحة السواد مائتا أَلْفِ أَلْفِ جَرِيبٍ وَثَمَانِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، يَسْقُطُ مِنْهَا مَجَارِي الْأَنْهَارِ، وَالْآجَامُ وَالسِّبَاخُ وَالْآكَامُ وَمَوَاضِعُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَمَدَارِسُ الطُّرُقِ نَحْوَ ثُلْثِهَا، وَيَبْقَى مِائَتَا أَلْفِ أَلْفِ جَرِيبٍ يُرَاحُ نِصْفُهَا، ويزرع نصفها، إذا تكاملت مصالحنا، وَعِمَارَتُهَا، وَذَلِكَ نَحْوُ مِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ جَرِيبٍ، يَنْقُصُ عَنْهَا فِي مِسَاحَةِ الْعِرَاقِ خُمْسُهَا، وَقَدْ كَانَتْ مِسَاحَةُ الْمَزْرُوعِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ إِلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جريب؛ لأن البطائح تعطلت بالماء ونواحي تعطلت بالبتوق وَفِي الْمُتَقَدِّرَاتِ تَتَكَامَلُ جَمِيعُ الْعِبَارَاتِ حَتَّى تَسْتَوْعِبَ مَنْ زَرَعَهَا؛ لِأَنَّ الْعَوَارِضَ وَالْحَوَادِثَ لَا يَخْلُو الزَّمَانُ مِنْهَا خُصُوصًا وَعُمُومًا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا اسْتَقَرَّ ما ذكرنا من حدود السواد، ومساحة أراضيه وَقَدْرِ مزدرعة وَفَضْلِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِرَاقِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَتْحِهِ هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا؛ فَقَدِمَ الشَّافِعِيُّ مِنَ الْحِجَازِ إلى العراق، وأهل الْعِرَاقِ أَعْلَمُ بِفُتُوحِ سَوَادِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَسَأَلَهُمُ عَنْهُ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ إنَّ السَّوَادَ فُتِحَ صُلْحًا.
وَرَوَى لَهُ بَعْضُهُمْ إنَّ السَّوَادَ فُتِحَ عَنْوَةً.
وَرَوَى لَهُ آخَرُونَ إنَّ بَعْضَ السَّوَادِ فُتِحَ صُلْحًا، وَبَعْضَهُ فُتِحَ عَنْوَةً.
فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ نَظَرَ أَثْبَتَ مَا رَوَوْهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَأَصَحَّهَا، فَكَانَ حَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَعْنِي: أَبَا أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي حازم، عم جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ؛ كَانَتْ بَجِيلَةُ رُبْعَ النَّاسِ، فَقُسِّمَ لَهُمْ رُبْعُ السَّوَادِ، فَاسْتَغَلُّوهُ ثَلَاثًا، أَرْبَعَ سِنِينَ شَكَّ الشَّافِعِيُّ فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ، وَمَعِي فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ قَدْ سَمَّاهَا، وَلَمْ يَحْضُرْنِي ذِكْرُ اسْمِهَا، فقال عمر: " لولا أني قاسم مسؤول لَتَرَكْتُكُمْ عَلَى مَا قُسِّمَ لَكُمْ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تَرُدُّوا عَلَى النَّاسِ ". قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَكَانَ فِي حَدِيثِهِ وَعَافِنِي مِنْ حَقِّي نَيِّفًا وَثَمَانِينَ دِينَارًا، وَفِي الْحَدِيثِ: فَقَالَتْ فُلَانَةُ: قَدْ شَهِدَ أَبِي الْقَادِسِيَّةَ، وَثَبَتَ سَهْمُهُ، وَلَا أُسْلِمُ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ.
وَرَوَى غَيْرُ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَتْ أُمُّ كُرْزٍ: لَا أَنْزِلُ عَنْ حَقِّي حَتَّى تَحْمِلَنِي عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، وَتَمْلَأَ كَفِّي ذَهَبًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهَا، فَكَانَ مَا أَعْطَاهَا مِنَ الْعَيْنِ ثَمَانِينَ دِينَارًا فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ السَّوَادَ فُتِحَ صُلْحًا، فَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمَرَ انْتَزَعَهُ مِنْ أَيْدِي الْغَانِمِينَ حِينَ عَلِمَ بِحُصُولِهِ مَعَهُمْ، وَلَوْ كَانَ عَنْوَةً لَكَانَ غَنِيمَةً لَهُمْ، وَلَمْ يَجُزِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُمْ.
والثاني: قول عمر: لولا أني قاسم مسؤول لَتَرَكْتُكُمْ عَلَى مَا قُسِّمَ لَكُمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ انْتَزَعَهُ مِنْهُمْ بِحَقٍّ لَمْ يَسْتَجِزْ تَرْكُهُ مَعَهُمْ، وَهَذَا حُكْمُ الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ فَتْحَ السَّوَادِ عَنْوَةٌ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَقَرَّ السَّوَادَ فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ ثَلَاثَ سِنِينَ، أَوْ أَرْبَعَ يَسْتَغِلُّونَهُ، وَلَمْ يَنْتَزِعْهُ مِنْهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حَقُّ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَسْتَجِزْ تَرْكَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمُدَّةَ
وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ اقْتَسَمُوهُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ حَتَّى صَارَ لِبَجِيلَةَ، وَهُمْ رُبْعُ النَّاسِ رُبْعُ السَّوَادِ، وَمَا اقْتَسَمُوهُ إِلَّا بِأَمْرِ عُمَرَ، وَعَنْ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ، وَالْفُتُوحِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَسْتَبِدُّ الْجَيْشُ فِيهَا بآرائهم إلا بمطالعته، وأمره.
والثاني؟ : أَنَّهُمْ لَوْ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَاسْتَرَدَّ مِنْهُمْ مَا اسْتَغَلُّوهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ عَاوَضَ مَنْ لَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِالنُّزُولِ عَنْ سَهْمِهِ بِعِوَضٍ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ، جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الثَّمَنِ حَتَّى أَعْطَى جَرِيرًا، وَأُمَّ كُرْزٍ مَا أَعْطَى، وَهُوَ لَا يَبْذُلُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي حَقٍّ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ اسْتَطَابَ نُفُوسَهُمْ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَيْدِيهِمْ فِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَأَخَذَهُ مِنْهُمْ جَبْرًا.
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَنْوَةً مَغْنُومًا اقْتِدَاءً فِي اسْتِطَابَةِ نُفُوسِهِمْ عَنْهُ بِرَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَبْيِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِمُ الْمَنَّ عَلَيْهِمْ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، فَاخْتَارُوا الْأَهْلَ وَالْأَوْلَادَ، فَمَنَّ عَلَيْهِمْ، وَعَرَّفَ الْعُرَفَاءَ عَنِ اسْتِنْزَالِ النَّاسِ عَنْوًا، وَجَعَلَ لِمَنْ لَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِالنُّزُولِ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ مِنَ السَّبْيِ ست قلائص حَتَّى نَزَلَ جَمِيعُهُمْ، إِلَّا عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ إِلَى أَنْ جُدِعَ عُيَيْنَةُ، وَنَزَلَ الْأَقْرَعُ، فَلَمَّا اسْتَنْزَلَهُمْ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - للْمَنّ وَالتَّكْرِيم كَانَ اسْتِنْزَالُ عُمَرَ لِلْغَانِمِينَ فِي عُمُومِ الْمَصَالِحِ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْلَى وَأَوْكَدَ، وَاخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي اسْتَنْزَلَهُمْ عُمَرُ لِأَجْلِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رَأَى إِنْ أَقَامُوا فِيهِ عَلَى عِمَارَتِهِ، وَاسْتِغْلَالِهِ، وَأَلِفُوا رِيفَ الْعِرَاقِ، وَخِصْبَهُ تَعَطَّلَ الجهاد، وإن انهضم عَنْهُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِمْ خَرِبَ مَعَ جلالة قدره، وكثرة استغلاله، فعلى أن الأصلح إقرار فِي أَيْدِي الدَّهَاقِينِ وَالْأُكْرَةِ الَّذِينَ هُمْ بِعِمَارَتِهِ أَعْرَفُ وَزِرَاعَتِهِ أَقْوَمُ بِخَرَاجٍ يَضْرِبُهُ عَلَيْهِمْ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَوَفَّرُوا بِهِ عَلَى جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِنَظَرِهِ فِي الْمُتَعَقِّبِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَصْرَيِ الْعِرَاقِ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ وَطَنًا لِلْمُجَاهِدِينَ؛ لِيَخُصُّوا بِجِهَادِ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَيَسْتَمِدُّوا بِسَوَادِ عِرَاقِهِمْ فِي أَرْزَاقِهِمْ، وَنَفَقَاتِهِمْ فِي جِهَادِهِمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِنْ أَقَرَّهُ عَلَى مِلْكِهِمْ مَعَ سِعَتِهِ وَكَثْرَةِ ارْتِفَاعِهِ بَقِيَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَجِدُونَ مَا يَسْتَمِدُّونَهُ، وَقَدْ قَامُوا مَقَامَهُمْ، وَسَدُّوا مَسَدَّهُمْ فَرَأَى أَنَّ الْأَعَمَّ فِي صَلَاحِ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ أَنْ يَكُونَ وَقْفًا عَامًّا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِيَكُونَ لِأَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ فِيهِ حَظٌّ يَقُومُ بِكِفَايَتِهِمْ فَاسْتَنْزَلَهُمْ عَنْ أَصْلِ مِلْكِهِ، وَأَمَدَّهُمْ بِارْتِفَاعِهِ؛ لِيَكُونَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ فِيهِ بِمَثَابَتِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَخْشَى أَنْ يَبْقَى آخِرُ النَّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ لَتَرَكْتُكُمْ، وَمَا قُسِّمَ لَكُمْ، لَكِنْ أُحِبُّ أَنْ يَلْحَقَ آخِرُهُمْ أَوَّلَهُمْ، وتلا قوله تعالى: ﴿والذين جاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] .
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فَتْحَ أَرْضِ السَّوَادِ عَنْوَةٌ انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: حُكْمُ أَرْضِ الْعَنْوَةِ.
وَالثَّانِي: مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ أَرْضِ السَّوَادِ بَعْدَ الِاسْتِنْزَالِ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ كُلِّ أَرْضٍ إِذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَذَاهِبَ شَتَّى.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا تَكُونُ غَنِيمَةً كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، يُخْرَجُ خُمْسُهَا لِأَهْلٍ الْخُمْسِ، وَتُقَسَّمُ بَاقِيهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَقِسْمَةِ الْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ إِلَّا أَنْ يَرَى إِمَامُ الْعَصْرِ أَنْ يَسْتَنْزِلَهُمْ عَنْهُ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ بِعِوَضٍ يَبْذُلُهُ لَهُمْ لِيَفُضَّهَا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَمْضِي، وَإِلَّا فَهِيَ غَنِيمَةٌ مَقْسُومَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْخُمْسِ لِلْغَانِمِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الثُّلُثِ لِلْأَبِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: الْأَرْضُ غَيْرُ مَغْنُومَةٍ، وَتَصِيرُ بِالْفَتْحِ وَقْفًا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ الْإِمَامُ فِيهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمَهَا عَلَى الْغَانِمِينَ كَالَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَبَيْنَ أَنْ يُقِرَّهَا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا، وَيَضْرِبَ عَلَيْهِمْ جزيتين:
إحداهما: على رؤوسهم، وَالْأُخْرَى عَلَى أَرْضِهِمْ.
فَإِذَا أَسْلَمُوا سَقَطَتْ جِزْيَةُ رؤوسهم، وَبَقِيَتْ جِزْيَةُ أَرْضِهِمْ تُؤْخَذُ بِاسْمِ الْخَرَاجِ؛ وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُهَا.
وَبَيْنَ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُهَا.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ أَرْضِ السَّوَادِ بَعْدَ الِاسْتِنْزَالِ عَنْهَا فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ عُمَرَ وَقَفَهَا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُوَرَّثُ كَسَائِرِ الْوُقُوفِ، وَقَالَ فِي مِثْلِهِ مِنْ كِتَابِ الرَّهْنِ: إِنَّهُ لَوْ رَهَنَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ كَانَ الرَّهْنُ بَاطِلًا ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بَعْدَ وَقْفِهَا أَجَّرَهَا لِلدَّهَاقِينِ وَالْأُكَرَةِ بِالْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ عَلَيْهَا يُؤَدِّيهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ أُجْرَةً عَنْ رِقَابِهَا، فَيَكُونُوا أَحَقَّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا لِأَصْلِ الْإِجَازَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهُمْ وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمُ انْتَقَلَ إِلَى وَارِثِهِ يَدًا لَا مِلْكًا كَالْمَوْرُوثِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِيمَا تُوُجَّهَ الْوَقْفُ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِلَى جَمِيعِ الْأَرْضِ مِنْ مَزَارِعَ وَمَنَازِلَ.
وَالثَّانِي: إِلَى الْمَزَارِعِ دُونَ الْمَنَازِلِ، لِأَنَّ وَقْفَ الْمَنَازِلِ مُفْضٍ إِلَى خَرَابِهَا، فَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَهَا وَقْفًا.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لَمْ يَقِفْهَا عُمَرُ، وَإِنَّمَا بَاعَهَا عَلَى أَرْبَابِهَا بِثَمَنٍ يُؤَدَّى فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى الْأَبَدِ بِالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَيْهَا لِيَنْتَفِعَ بِهَا
الْآخَرُونَ كَمَا انْتَفَعَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَيَكُونَ الْخَرَاجُ ثَمَنًا وَيَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ، وَتُوهَبَ، وَتُوَرَّثَ، قَالُوا: وَإِنَّمَا كَانَتْ مَبِيعَةً، وَلَمْ تَكُنْ وَقْفًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمَرَ قَصَدَ بِمَا فَعَلَهُ فِيهَا حِفْظَ عِمَارَتِهَا، وَلَوْ كَانَتْ وَقْفًا لَا يَمْلِكُهَا الْمُتَصَرِّفُ، وَيَرَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكًا مَبِيعًا مَوْرُوثًا لَمْ يَشْرَعْ أَهْلُهَا فِي تَأْبِيدِ عِمَارَتِهَا وَرَاعَوْا مَا يَتَعَجَّلُونَ بِهِ اسْتِغْلَالَهَا، فَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى خَرَابِهَا، وَزَوَالِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ بِهَا
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَزُلْ أَهْلُهَا عَلَى قَدِيمِ الْوَقْتِ وَحَدِيثِهِ، يَتَبَايَعُونَهَا وَيَتَوَارَثُونَهَا، وَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ، وَلَا يُبْطِلُهُ أَحَدٌ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَاتِ أَنْ يَتَبَايَعُوهَا، وَيَتَوَارَثُوهَا، دَلَّ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْوَقْفِ إِلَى أَحْكَامِ الْأَمْلَاكِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا اسْتَجَازَ عُمَرُ بَيْعَهَا بِهَذَا الثَّمَنِ الْمَجْهُولِ الْمُؤَبَّدِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِوُصُولِهَا مِنْ جِهَةِ الْمُشْرِكِينَ الْمَعْفُوِّ عَنِ الْجَهَالَةِ فِيمَا صَارَ مِنْهُمْ، كَمَا بَذَلَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْبَدْأَةِ وَالرَّجْعَةِ، الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْرُهَا مَجْهُولًا، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يُبْذُلَ لِمَنْ دَلَّ عَلَى الْقَلْعَةِ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ جَارِيَةٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنْ جُهِلَتْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ يُخَفَّفُ حُكْمُ الْجَهَالَةِ فِيهِ، لِلْجَهَالَةِ بِأَحْكَامِ الْعُمُومِ.
وَإِطْلَاقُ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ فِي وَقْفِهَا وَبَيْعِهَا عِنْدِي مَعْلُولٌ، لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ فِيهَا لَا يَثْبُتُ بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى يَكُونَ نَقْلًا مَرْوِيًّا، وَقَوْلًا مَحْكِيًّا عَنْ عَقْدٍ صَرِيحٍ يَسْتَوْثِقُ فِيهِ بِالْكِتَابِ وَالشَّهَادَاتِ فِي الْأَغْلَبِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَطْعُ بِوَقْفِهَا لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ تَبَايُعِهَا، وَلَا الْقَطْعُ بِبَيْعِهَا بِالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَيْهَا، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَرَاجَ مُخَالِفٌ لِلْأَثْمَانِ بِالْجَهَالَةِ، وَأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالزِّرَاعَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مُشْتَرِيَهَا يَدْفَعُ خَرَاجَهَا دُونَ بَائِعِهَا، فَيَصِيرُ دَافِعًا لِثَمَنَيْنِ، وَلَيْسَ لِلْمَبِيعِ إِلَّا ثُمُنٌ وَاحِدٌ، وَيَكُونُ مَا قِيلَ مِنْ وَقْفِهَا مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ وَقَفَهَا عَلَى قِسْمَةِ الْغَانِمِينَ، وَوَقَفَ خَرَاجَهَا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ مِلْكُهَا مُطْلَقًا لِمَنْ أَقَرَّتْ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابًا لِقَدِيمِ مِلْكِهِمْ، لِمَا عُلِمَ مِنْ عُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَدَوَامِ الانتفاع به، فتصير مخالفا للأرض الصُّلْحِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَمُوَافِقَةً لَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا الْوَجْهَانِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ أَرْضَ الصُّلْحِ لَا حَقَّ لِلْغَانِمِينَ فِي رِقَابِهَا، فَيُمْنَعُونَ مِنْهَا جَبْرًا، وَأَرْضَ السَّوَادِ كَانَتْ رِقَابُهَا لِلْغَانِمِينَ، فَاسْتُنْزِلُوا عَنْهَا عَفْوًا، وَعُوِّضَ مِنْهُن مَنْ أَبَى.
وَالثَّانِي أَنَّ خَرَاجَ أَرْضِ الصُّلْحِ لِأَهْلِ الْفَيْءِ خَاصَّةً، وَفِيهِ الْخُمْسُ لِأَهْلِ الْخُمْسِ وَخَرَاجَ أَرْضِ السَّوَادِ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا خُمْسَ فِيهِ لِأَهْلِ الْخُمْسِ لِأَنَّ الْخُمْسَ أُخْرِجَ عَنْهُ عِنْدَ قَسْمِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي الْمُوَافَقَةِ، فَأَحَدُهُمَا: وَضْعُ الْخَرَاجِ عَلَى رِقَابِهَا.
وَالثَّانِي: جَوَازُ بَيْعِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ فَرْقَدٍ السَّبْخِيِّ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَيْتُ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ فَأَتَيْتُ عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَهَا؟ فَقُلْتُ: مِنْ أَرْبَابِهَا، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَرْبَابُهَا يَعْنِي الصَّحَابَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَيْعَهَا لَا يَجُوزُ.
فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَنْكَرَ الْبَائِعَ، وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَيْعَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ اسْتِنْزَالِهِمْ عَنْهَا أَنَّ ابْتِيَاعَهَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مِنَ الْغَانِمِينَ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا بَيْعُ الْعِمَارَةِ وَالْيَدِ الْمُتَصَرِّفَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ.
فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُهَا سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا إِثَارَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ فِيهَا إِثَارَةٌ جَازَ بَيْعُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِثَارَةٌ لَمْ يَجُزْ بيعها.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ فِيهَا أَعْيَانٌ كَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ جَازَ بَيْعُهَا، وَإِنْ كَانَتْ آثَارًا كَالْأثَارَةِ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، لِأَنَّهَا مَنَافِعُ، وَالْبَيْعُ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الْمَنَافِعِ كَمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ تَصِحُّ فِي الْمَنَافِعِ دُونَ الْأَعْيَانِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَقْدَيْنِ حُكْمًا.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا قَدْرُ الْخَرَاجِ الْمَطْلُوبِ عَلَى الْأَرْضِ السَّوَادِ، فَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ جَعَلَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنَ الْكَرْمِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنَ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنَ الرَّطْبَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنَ الْبُرِّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنَ الشعير درهمين.
وَحَكَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ مَسَحَ السَّوَادَ، فَوَجَدَهُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا.
قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَهُوَ الْمَخْتُومُ الْحَجَّاجِيُّ: وقِيلَ: إِنَّ وَزَنَهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، فَكَانَ خَرَاجُهَا سِوَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ مُتَّفَقًا عَلَى قَدْرِهِ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي خَرَاجِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، فَذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى تَقْدِيرِهِ بِقَفِيزٍ وَدِرْهَمٍ، وَهَو الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ فِي الْأَيَّامِ الْعَادِلَةِ مِنْ مَمَالِكِ الْفُرْسِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ زُهَيْرٌ فِي شِعْرِهِ فَقَالَ:
(فَتُغْلِلْ لَكُمْ مَا تُغِلُّ لِأَهْلِهَا ... قُرًى بِالْعِرَاقِ مِنْ قَفِيزٍ وَدِرْهَمِ)
وَذَهَبَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ خَرَاجَ الْبُرِّ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَخَرَاجَ الشَّعِيرِ دِرْهَمَانِ، تَعْوِيلًا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مِجْلَزٍ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَعْلُولٌ عِنْدِي، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسقاط للآخر، والصحيح أن كلا الروايتين صحيحتين، وإنما اختلفا لِاخْتِلَافِ النَّوَاحِي، فَوُضِعَ عَلَى بَعْضِهَا قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ، وَعَلَى بَعْضِهَا أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ عَلَى الْبُرِّ وَدِرْهَمَانِ عَلَى الشَّعِيرِ، فَأَخَذَ الدِّرْهَمَ وَالْقَفِيزَ فَمَا كَانَ غالب زرعه برا وشعيرا، وأخذ الأربعة دراهم عن الْبُرِّ، وَالدِّرْهَمَيْنِ عَلَى الشَّعِيرِ مِمَّا كَانَ أَقَلُّ مُنْزَرَعِهِ بُرًّا وَشَعِيرًا، لِأَنَّ مَا قَلَّ مَنْ نَاحِيَتِهِ غَلَا، وَمَا كَثُرَ فِيهَا رَخُصَ، فَزِيدَ مِنْ خَرَاجِ الْمَالِ، وَنُقِصَ مِنْ خَرَاجِ الرَّخِيصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَكَانَتْ ذِرَاعُ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ فِي مِسَاحَتِهِ ذِرَاعَ الْيَدِ وَقَبْضَةً وَإِبْهَامًا مَمْدُودَةً، وَكَانَ مَبْلَغُ ارْتِفَاعِ السَّوَادِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بن الخطاب مائة ألف ألف، وحياة عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ درهم، وعشرين ألف ألف درهم، وحياة زيادة مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف وحياة عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ، وخمسة وثلاثين ألف ألف، وحياة الحجاج الله ثمانية عشر ألف ألف، لغشمه وإخرابه، وَحَيَاة عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَمَانِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، ثُمَّ بَلَغَ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، لِعَدْلِهِ وَعِمَارَتِهِ.
(فَصْلٌ)
: وَلَا يَسْقُطُ عُشْرُ الزُّرُوعِ بِخَرَاجِ الْأَرْضِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْخَرَاجَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً عَلَى قَوْلِهِ، أَوْ ثَمَنًا عَلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالْعُشْرُ يَسْقُطُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَأَسْقَطَ الْعُشْرَ بِالْخَرَاجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
فَأَمَّا عُشْرُ زُرُوعِهِ فَمَصْرُوفٌ فِي أَهْلِ الصَّدَقَاتِ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ.
وَخَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ، فَجَعَلَ مَصْرِفَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ مُشْتَرَكًا، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي كِتَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ.
وَأَمَّا خَرَاجُ السَّوَادِ، فَمَصْرِفُهُ فِي كُلِّ مَصْلَحَةٍ عَادَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفْعُهَا مِنْ أَرْزَاقِ الْجَيْشِ وَتَحْصِينِ الثُّغُورِ، وَابْتِيَاعِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ، وَمَنِ انْتَفَعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْقُرَّاءِ، وَالْمُؤَذِّنِينَ.
(فَصْلٌ)
: وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ، وَلَا لِوَالٍ مِنْ قِبَلِهِ يَضْمَنُ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُمَّالِ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانًا كَانَ عَقْدُهُ بَاطِلًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ، لِأَنَّ الْعَامِلَ مُؤْتَمَنٌ يَسْتَوْفِي مَا وَجَبَ، وَيُؤَدِّي مَا حَصَّلَ لَا يَضْمَنُ نُقْصَانًا، وَلَا يَمْلِكُ زِيَادَةً، وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ بِمُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ، وَيَمْلِكُ مَا زَادَ، وَيَغْرَمُ مَا نَقَصَ، وَهَذَا مُنَافٍ لِوَضْعِ الْعِمَالَةِ وَحُكْمِ الْأَمَانَةِ فَبَطَلَ.
حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ الْأُبُلَّةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فضربه مائة سوط وصلبه حيا تعزيرا وأدبا.
وَلَا يَجُوزُ تَضْمِينُ الْأَرْضِ لِأَرْبَابِهَا فِي عُشْرٍ وَلَا خَرَاجٍ، لِأَنَّ الْعُشْرَ مُسْتَحَقٌّ إِنْ زُرِعَ، وَسَاقِطٌ إِنْ قُطِعَ، وَالْخَرَاجُ مُقَدَّرٌ عَلَى الْمِسَاحَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ، وَلَا يُنْقَصَ مِنْهُ، وَمَا هَذِهِ سَبِيلُهُ لَا يَصِحُّ تَضْمِينُهُ.
فَأَمَّا إِجَارَتُهَا، فَيَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّرَهَا أَرْبَابُهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّرَهَا غَيْرُهَا، لِأَنَّ حَقَّ السُّلْطَانِ فِيهَا قَدْ سَقَطَ بِخَرَاجِهَا.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا تَفْسِيرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " لَا أَعْرِفُ مَا أَقُولُهُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ " فَقَدْ أَُنكر هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: لَا أَعْرِفُ مَا أَقُولُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ، مَا أَحَدٌ بَدَأَ فِي كِتَابٍ فِي عِلْمٍ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِإِثْبَاتِ حُكْمِهِ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ، وَالظَّنُّ شَكٌّ وَالْعِلْمُ يَقِينٌ، وَهُمَا ضِدَّانِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؟
قِيلَ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَا أَعْرِفُ مَا أَقُولُ فِي أرض السواد، فلأن الطريق إلى العلم يفتحها النَّقْلُ الْمَرْوِيُّ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا، وَبَعْضَهَا فُتِحَ عَنْوَةً.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي النَّقْلِ يَمْنَعُ مِنَ الْأَخْذِ بِأَحَدِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَحَسُنَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْرِفُ إِثْبَاتَ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ كُنْتُ أَعْرِفُ نَقْلَ جَمِيعِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ " فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى فَتْحِهَا أَوْ عَلَى حُكْمِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى فَتْحِهَا أَنَّهُ عَنْوَةٌ لَا صُلْحًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حُكْمِهَا أَنَّهَا وَقْفٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ فَتْحُهَا، فَفِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: " إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ " وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِالظَّنِّ هُنَا الِاجْتِهَادَ الَّذِي هُوَ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَأَرَادَ بِالْعِلْمِ الْخَبَرَ، لِأَنَّ جِنْسَ الْأَخْبَارِ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ، فَكَأَنَّهُ تَوَصَّلَ بِاجْتِهَادِهِ وَغَلَبَةِ ظَنِّهِ إِلَى إِثْبَاتِ خَبَرِ جَرِيرٍ، وَعَلِمَ مِنْ خَبَرِ جَرِيرٍ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الِاجْتِهَادَ وَغَلَبَةَ الظَّنِّ هُوَ فِيمَا خَفِيَ وَاشْتَبَهَ مَنْ سَبَبِ فَتْحِهَا وَالْعِلْمُ هُوَ فِيمَا ظَهَرَ وَانْتَشَرَ مِنْ قَسْمِهَا، فَاسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ الْقِسْمَةِ عَلَى بَاطِنِ الْعَنْوَةِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ حُكْمُهَا، لِأَنَّهَا وَقْفٌ، فَفِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِلْمَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ مِنَ اسْتِنْزَالِهِمْ عَنْهَا، وَغَلَبَةَ الظَّنِّ فِيمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ وَقْفِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلْمَ وَضْعُ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا، وَغَلَبَةَ الظَّنِّ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهَا.
وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَأَيُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى أَنَّ أَرْضَهَا لأهلها يودون فِيهَا خَرَاجًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَمَا أُخِذَ مِنْ خَرَاجِهَا فَهُوَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ دون أهل الصدقات لأنه فيء من مال مشرك وإنما فرق بين هذه المسألة والمسألة قبلها أن ذلك وإن كان من مشرك فقد ملك المسلمون رقبة الأرض أفليس بحرام أن يأخذ منه صاحب صدقة ولا صاحب فيء ولا غني ولا فقير لأنه كالصدقة الموقوفة يأخذها من وقفت عليه " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَا اسْتُولِيَ عَلَيْهِ من أرض بلاد الترك يَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا فَتَحُوهُ عَنْوَةً، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ قَهْرًا، فَهِيَ مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ قِسْمَةَ الْأَمْوَالِ بَعْدَ أَخْذِ خُمْسِهَا لِأَهْلِ الْخُمْسِ، وَلِلْغَانِمِينَ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِيمَا قُسِّمَ لَهُمْ تَصَرُّفَ الْمَالِكِينَ بِالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ خِلَافًا قَدَّمْنَاهُ، وَتَكُونُ أَرْضَ عُشْرٍ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَسْتَنْزِلَهُمُ الْإِمَامُ عَنْهَا كَالَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ فَيَكُونَ حُكْمًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَدْ صَارَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا دَارَ إِسْلَامٍ، وَأَرْضُهَا مَعْشُورَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُشْرًا أَوْ خَرَاجًا، فَإِنْ جَعْلَهَا خَرَاجًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى الْعُشْرِ، وَإِنْ جَعَلَهَا عُشْرًا جَازَ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى الْخَرَاجِ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: نَصٌّ وَتَعْلِيلٌ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ أَسْلَمُوا، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى أَمْلَاكِهِمْ فِي أَرْضِهِمْ فَكَانَتْ أَرْضَ عُشْرٍ لَمْ يَضْرِبْ عَلَيْهَا خَرَاجًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَرَاجَ أحد الجزيتين، فلم يجز أن يؤحذ من مسلم كالجزية على الرؤوس.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا جَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ مِنَ الْبِلَادِ خَوْفًا حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَأَرْضُهُمْ فِي مَخْمُوسٍ تُوقَفُ رِقَابُهَا وَيُصْرَفُ ارْتِفَاعُهَا مَصْرِفَ الْفَيْءِ، فَإِنْ ضَرَبَ الْإِمَامُ عَلَيْهَا خَرَاجًا جَازَ، وَكَانَ الْخَرَاجُ أُجْرَةً يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ، فَيَكُونُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ الْخُمْسِ مَصْرُوفًا إِلَى الْجَيْشِ خَاصَّةً، وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي فِي جَمِيعِ الْمَصَالِحِ الَّتِي مِنْهَا أَرْزَاقُ الْجَيْشِ، وَفِيمَا يَصِيرُ بِهِ وَقْفًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ وَقْفًا بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَلَا يُرَاعَى فِيهَا لَفْظُ الْإِمَامِ بِوَقْفِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَصِيرُ وَقْفًا إِلَّا أَنْ يَتَلَفَّظَ الْإِمَامُ بِوَقْفِهَا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا صُولِحَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ بِخَرَاجٍ يُؤَدِّيهِ أَهْلُهَا إِلَى الْإِمَامِ، فَهَذِهِ الْأَرْضُ فِي ذَلِكَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَتَصِيرُ وَقْفًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْ صَارَتْ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الصُّلْحِ.
وَالثَّانِي: بِأَنْ يَتَلَفَّظَ الْإِمَامُ أَوْ مَنِ اسْتَنَابَهُ فِيهَا بِوَقْفِهَا، وَتَصِيرُ الْأَرْضُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا كَسَائِرِ الْوُقُوفِ، وَلَا يَقَرُّ فِيهَا أَهْلُهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إلا بالجزية المؤداة عن رؤوسهم، وَلَا تَسْقُطُ جِزْيَتُهُمْ بِخَرَاجِ أَرْضِهِمْ، لِأَنَّ خَرَاجَهَا أُجْرَةٌ لَا جِزْيَةٌ.
فَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى يَدِ مُسْلِمٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ خَرَاجُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أسلم أهلها.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى الْأَرَضِينَ لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا، فَيَجُوزُ ويكون هذا الخراج جزية، والأملاك طلق يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيُنْظَرُ فِي بِلَادِهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَوْطِنْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَهِيَ دَارُ عَهْدٍ، وَلَيْسَتْ دَارَ إِسْلَامٍ، وَلَا دَارَ حَرْبٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ أهلها بالخراج من غير جزية رؤوسهم، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهَا مِنْ أَحْكَامِنَا إِلَّا مَا يَجْرِي عَلَى الْمُعَاهِدِينَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنِ اسْتَوْطَنَهَا الْمُسْلِمُونَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ، وَصَارَ الْمُشْرِكُونَ فِيهَا أَهْلَ ذِمَّةٍ يَجِبُ عليهم جزية رؤوسهم فإن جمع عليهم بين جزية رؤوسهم وبين جزية أرضهم جَازَ، وَإِنِ اقْتَصَرَ مِنْهُمْ عَلَى جِزْيَةِ أَرْضِهِمْ وَحْدَهَا جَازَ إِذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا دِينَارًا فَصَاعِدًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، يَجِبُ أَنْ يَجْمَعَ عَلَيْهِمْ بَيْنَ جزية روؤسهم وَجِزْيَةِ أَرْضِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى جِزْيَةِ الْأَرْضِ وَحْدَهَا، وَهَذَا فَسَادٌ، لِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَاحِدَةٌ لَا يَجُوزُ مُضَاعَفَتُهَا عَلَى ذِي مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ كَسَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَتْ عنهم جزية رؤوسهم وَجِزْيَةُ أَرْضِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَسْقُطُ عَنْهُمْ جِزْيَةُ أَرْضِهِمْ بِالْإِسْلَامِ احْتِجَاجًا لَا خَرَاجَ عَنْ أَرْضٍ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ كَالْخَرَاجِ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ، وَلَا لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ "، وَلِأَنَّهُ مَالٌ حُقِنَتْ بِهِ دِمَاؤُهُمْ فَوَجَبَ أَنْ يسقط بإسلامهم كالجزية على الرؤوس.
فَأَمَّا خَرَاجُ أَرْضِ السَّوَادِ فَلَيْسَ بِجِزْيَةٍ، وَهُوَ أجرة أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَثَمَنٌ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِيهِ، فَافْتَرَقَا، وَهَكَذَا لَوْ بَاعُوا أَرْضَهُمْ عَلَى مُسْلِمٍ سَقَطَ خَرَاجُهَا عَنْهُ كَمَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِمْ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَ الْمُسْلِمُ مِنْ أَرْضِ الصُّلْحِ كَمَا يَكْتَرِي دَوَابَّهُمْ وَالْحَدِيثُ الَذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ وَلَا لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنَّمَا هُوَ خَرَاجُ الْجِزْيَةِ وَهَذَا كِرَاءٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا كَانَتْ أَرْضُ الصُّلْحِ مِلْكًا لِلْمُشْرِكِينَ، وَعَلَيْهَا خَرَاجٌ لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مِنْهُمِ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَكَرِهَهُ الإسلام لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ، وَلَا لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ "
وَدَلِيلُنَا عَلَى إِبَاحَتِهِ وَعَدَمِ كَرَاهَتِهِ: مَا رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - اسْتَأْجَرَ قِطْعَةً كَبِيرَةً مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عن ابن مسعود ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهُمْ غَيْرَ الْأَرْضِينَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْآلَاتِ لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهُمُ الْأَرْضِينَ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ، لِأَنَّ الْخَرَاجَ يُؤْخَذُ مِنْ مُؤَجِّرِهَا، وَالْأُجْرَةَ تُؤْخَذُ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا، فَإِنْ شَرَطَ الْخَرَاجَ عَلَى مُسْتَأْجِرِهَا صَحَّ إِنْ كَانَ مَعْلُومًا، وَكَانَ أُجْرَةً فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ وَخَرَاجًا فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ.
(فَصْلٌ)
: فَإِنْ بَاعَ الْمُشْرِكُ أَرْضَهُ هَذِهِ عَلَى مُشْرِكٍ صَحَّ، وَكَانَ خَرَاجُهَا بَاقِيًا، وَإِنْ بَاعَهَا عَلَى مُسْلِمٍ صَحَّ الْبَيْعُ، وَسَقَطَ الْخَرَاجُ بِانْتِقَالِهَا إِلَى مِلْكِ الْمُسْلِمِ كَمَا لَوْ كَانَ مَالِكُهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَسْلَمَ.
وَقَالَ: بَيْعُهَا عَلَى الْمُسْلِمِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى سُقُوطِهِ مَا اسْتَحَقَّهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا مِنَ الْخَرَاجِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] وَلِأَنَّ كُلَّ ما صح بيعه من مشرك صَحَّ بَيْعُهُ مِنْ مُشْرِكٍ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ بَاعَ أَرْضَهُ عَلَى مُسْلِمٍ صَحَّ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى إِسْقَاطِ الْعُشْرِ، فَلِأَنْ يَجُوزَ بَيْعُ أَرْضِ الْمُشْرِكِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِنْ أَفْضَى إِلَى إِسْقَاطِ الْخَرَاجِ أَوْلَى، وَفِيهِ انْفِصَالٌ، فَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَسُقُوطُ الْخَرَاجِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَرْجِعُ الْإِمَامُ بِمَا سَقَطَ مِنْ خَرَاجِهَا عَلَى أَهْلِ الصُّلْحِ، فَإِنْ بَذَلُوهُ وَإِلَّا نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ خَرَاجُ أَمْلَاكِهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ خَرَاجُ مَا خَرَجَ عَنْ أَمْلَاكِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ سُقُوطُ خَرَاجِهَا بِإِسْلَامِ مَالِكِهَا لَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عَلَيْهَا بِخَرَاجِهَا كَانَ بِإِسْلَامِ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْأَسِيرِ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ الْعَهْدُ أَنْ لَا يهرب، أو على الفداء)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا أُسِرَ الْمُسْلِمُ فَأَحْلَفَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا أَنْ يُخْلُوهُ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُقِيمَ وَيَمِينُهُ يَمِينُ مُكْرَهٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمُقَدِّمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُمْتَنِعًا، أَوْ مُسْتَضْعَفًا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْتَضْعَفًا لَا يَأْمَنُ أَهْلَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ أَنْ يُهَاجِرَ مِنْهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ . الآية [النساء: 97] . فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ قِيلَ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا تَرَاءَا نَارَاهُمَا " يَعْنِي تُنْظَرُ نَارُهُ إِلَى نَارِهِ فَيَكْثُرُ سَوَادُ الْمُشْرِكِينَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ "، وَلِأَنَّهُ لَا يَأَمَنُ أَنْ يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ أَوْ تُسْبَى الدَّارُ فَيُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْهِجْرَةِ لِضَعْفِهِ كَانَ مَعْذُورًا فِي التَّأَخُّرِ عَنِ الْهِجْرَةِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 98 - 99] .
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُمْتَنِعًا فِي أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْمَنِ الِافْتِتَانَ عَنْ دِينِهِ كَانَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ بَاقِيًا عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَمِنَ الِافْتِتَانَ فِي دِينِهِ سَقَطَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ عَنْهُ، لِاخْتِصَاصِ وُجُوبِهَا نَصًّا بِالْمُسْتَضْعَفِينَ وَكَانَ مُقَامُهُ بَيْنَهُمْ مكروها، لأن المقام على مشاهدة المنكرات منكرا، وَالْإِقْرَارَ عَلَى الْبَاطِلِ مَعْصِيَةٌ، لِأَنَّهَا تَبْعَثُ عَلَى الرِّضَا، وَتُفْضِي إِلَى الْوَلَاءِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعض﴾ [المائدة: 51]
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ حُكْمُ الْهِجْرَةِ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُسْلِمِ إِذَا أَسَرَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، فَالْأَسِيرُ مُسْتَضْعَفٌ تَكُونُ الْهِجْرَةُ عَلَيْهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهَا فَرْضًا، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَيُقَاتِلَهُمْ إِنْ أَدْرَكُوهُ هَارِبًا، فَإِنْ أَطْلَقُوهُ، وَأَحْلَفُوهُ أَنْ يُقِيمَ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَخْرُجَ عَنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنْهُمْ مُهَاجِرًا، وَلَمْ تَمْنَعْهُ الْيَمِينُ مِنَ الْخُرُوجِ الْمَفْرُوضِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ "
فَأَمَّا حِنْثُهُ فِي يَمِينِهِ إِذَا خَرَجَ، فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ إِحْلَافِهِ، وَلَهُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أحدها: أن يبدؤا بِهِ، فَيُحَلِّفُوهُ فِي حَبْسِهِ قَبْلَ إِطْلَاقِهِ أَنَّهُمْ إِذَا أَطْلَقُوهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُمْ، فَهَذِهِ يَمِينُ مُكْرَهٍ لَا يَلْزَمُهُ الْحِنْثُ فِيهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُطْلِقُوهُ عَلَى غَيْرِ يَمِينٍ، فَيَحْلِفَ لَهُمْ بَعْدَ إِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ فَهَذِهِ يَمِينُ مُخْتَارٍ يَحْنَثُ فِيهَا إِذَا خَرَجَ، وَكَانَ الْتِزَامُهُ لِلْحِنْثِ مُسْتَحَقًّا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبْتَدِئَ قَبْلَ إِطْلَاقِهِ، فَيَتَبَرَّعَ بِالْيَمِينِ، أَنَّهُمْ إِنْ أَطْلَقُوهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُمْ.
فَفِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا يَمِينُ اخْتِيَارٍ يَحْنَثُ فِيهَا لِابْتِدَائِهِ بِهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ مُطْلَقًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا يَمِينُ إِكْرَاهٍ لَا يَحْنَثُ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْحَبْسِ إِلَّا بِهَا كما لو أحلفوه محبوسا.
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا أَمَّنُوهُ فَهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْهُ وَلَوْ حَلَفَ وَهُوَ مُطْلَقٌ كَفَّرَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْأَسِيرِ إِذَا أُطْلِقَ فِي دَارِ الحرب أربعة أحوال: أحدها: أن يأمنوه وَيَسْتَأْمِنُوهُ، فَيَحْرُمَ عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِئْمَانِهِمْ لَهُ أَنْ يغتالهم في أنفسهم وأموالهم، لقوله تعالى: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] . إِلَّا أَنْ يَنْقُضُوا أَمَانَهُمْ لَهُ، فَيَنْتَقِدَ بِهِ أَمَانُهُ لَهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58] . وَلَوِ اسْتَرَقُّوهُ بَعْدَ أَمَانِهِمْ كَانَ الِاسْتِرْقَاقُ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ وَاسْتِئْمَانِهِمْ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُؤَمِّنُوهُ، وَلَا يَسْتَأْمِنُوهُ، فَلَا يَكُونُ الْإِطْلَاقُ اسْتِئْمَانًا كَمَا لَمْ يَكُنْ أَمَانًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَرَقُّوهُ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِرْقَاقُ أَمَانًا فِيهِمْ وَلَا أَمَانًا لَهُمْ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَسْتَأْمِنُوهُ، وَلَا يُؤَمِّنُوهُ، فَيُنْظَرَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُهُمْ إِمَّا لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ، وَإِمَّا لِثِقَتِهِ بِكَفِّهِمْ عَنْهُ، فَهُمْ عَلَى أَمَانِهِمْ مِنْهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي نَفْسٍ
وَلَا مَالَ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْهُمْ، فَلَا أَمَانَ لهم، ويحوز لَهُ اغْتِيَالُهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58] .
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُؤَمِّنُوهُ، وَلَا يَسْتَأْمِنُوهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - إِنَّهُمْ لَا أَمَانَ لَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ عَقَدُوا لَهُ أَمَانًا مِنْهُمْ، لِأَنَّ تَرْكَهُمْ لِاسْتِئْمَانِهِ قِلَّةُ رَغْبَةٍ فِي أَمَانِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ - إِنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُمْ بِأَمَانِهِمْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْمِنُوهُ، لِمَا يُوجِبْهُ عَقْدُ الْأَمَانِ مِنَ التَّكَافُؤِ فِيهِ.
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَوْ خَلَّوْهُ عَلَى فِدَاءٍ إِلَى وَقْتٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَادَ إِلَى أَسْرِهِمْ فَلَا يَعُودُ ولايدعه الْإِمَامُ أَنْ يَعُودَ وَلَوِ امْتَنَعُوا مِنْ تَخْلِيَتِهِ إِلَّا عَلَى مَالٍ يُعْطِيهِمُوهُ فَلَا يُعْطِيهِمْ مِنْهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ مَالٌ أَكْرَهُوهُ عَلَى دَفْعِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا أَطْلَقَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَسِيرًا عَلَى اشْتِرَاطِ فِدَاءٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ حَمَلَهُ، وَإِلَّا عَادَ إِلَيْهِمْ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَمْلُ الْفِدَاءِ، وَلَا الْعَوْدُ إِلَيْهِمْ، وَيَكُونُ الشَّرْطَانِ بَاطِلَيْنِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ الشَّرْطَانِ وَاجِبَانِ، فَيُؤْخَذُ بِحَمْلِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ حَمَلَهُ، وَإِلَّا أَخَذَ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِمْ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري: اشتراط الفداء لا زم، وَاشْتِرَاطُ الْعَوْدِ بَاطِلٌ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَقَدَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ قُرَيْشٍ عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْهُمْ، فَجَاءَهُ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَمْرٍو مُسْلِمًا، فَرَدَّهُ إِلَى أَبِيهِ، وَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ مُسْلِمًا فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ مَعَ رَسُولٍ لَهُمْ، فَقَتَلَ الرَّسُولَ، وَعَادَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَفَّيْتُ لَهُمْ، وَنَجَّانِي اللَّهُ مِنْهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد صلح الحديبية مسلمة، وجاء أَخَوَاهَا فِي طَلَبِهَا، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ رَدِّهَا إِلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ، فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] . وَلِأَنَّ المعارضة عَنْ رَقَبَةِ الْحُرِّ لَا تَصِحُّ، فَبَطَلَ الْفِدَاءُ، وَسَقَطَ الْمَالُ.
وَالْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَاجِبَةٌ، وَالْعَوْدُ إِلَيْهَا مَعْصِيَةٌ، فَلَمْ يَجُزِ الْعَوْدُ
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جَنْدَلٍ، وَأَبِي بَصِيرٍ، فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَعَلَى أَنَّهُمَا كَانَا ذَوِي عِشْرَةٍ طُلِبَا رَغْبَةً فِيهِمَا، وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِمَا، فَخَالَفَا مَنْ عَدَاهُمَا.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا ثَبَتَ سُقُوطُ الْفِدَاءِ، وَتَحْرِيمُ الْعَوْدِ، فَالْوَفَاءُ لَهُمْ بِالْفِدَاءِ مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ، لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إِلَى إِطْلَاقِ الأسرى.
والوفاء بالعود محظور، يَجِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ وَدِينِهِ.
فَإِنِ افْتَدَى نَفْسَهُ بِمَالِ سَاقَهُ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ بَذْلُهُ لَهُمْ مُبْتَدِئًا كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ مَغْنُومًا، وَإِنْ شَرَطُوهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ، كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ مِنَ الْغَانِمِينَ بِهِ.
وَهَكَذَا إِذَا افْتَدَى الْإِمَامُ أَسْرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ بِمَال سَاقَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ غَنِمَ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْهُمْ، لَمْ يَمْلِكْهُ الْغَانِمُونَ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ صَارَ إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَوَجَبَ أَنْ يَعُودَ إِلَى حَقِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي: " وَلَوْ أَعْطَاهُمُوهُ عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهُمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ إِلَّا أَدَاؤُهُ إِلَيْهِمْ إِنَّمَا أَطْرَحُ عَنْهُ مَا اسْتُكْرِهَ عَلَيْهِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا ابْتَاعَ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مَالًا بِثَمَنٍ أَطْلَقُوهُ عَلَيْهِ، لِيَحْمِلَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَخْلُ ابْتِيَاعُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُرَاضَاةٍ أَوْ إِكْرَاهٍ.
فَإِنْ كَانَ عَنْ مُرَاضَاةٍ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَحَمَلَ الثَّمَنَ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْعُقُودَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَازِمَةٌ، كَلُزُومِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ كَانَ تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي الدَّارَيْنِ سَوَاءً وَإِنْ كَانَ عَنْ إِكْرَاهٍ، فَعَقْدُ الْمُكْرَهِ بَاطِلٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْمَالِ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عِنْدَ اسْتِئْمَانٍ، وَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ رَدِّهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ رَدُّ مَا ابْتَاعَهُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ، وَضَمَانِهِ الرَّدَّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّهُ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ رد ما ابتاعه منهم، لأن عَيْنُ مَالِهِمْ، وَبَيْنَ دَفْعِ ثَمَنِهِ، لِأَنَّهُمْ قَدِ امْتَنَعُوا بِهِ، فَلَوْ تَلِفَ مِنْهُ مَا ابْتَاعَهُ نُظِرَ فِي تَلَفِهِ.
فَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ اعْتُبِرَ حَالُ قَبْضِهِ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَفِي ضَمَانِهِ إِذَا لَزِمَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الوجهين:
أَحَدُهُمَا: قِيمَتُهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْوَاجِبَ رَدُّ عَيْنِهِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالثَّمَنِ إِذَا قِيلَ مَعَ بَقَائِهِ: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا.
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَإِذَا قُدِّمَ لِيُقْتَلَ لَمْ يَجُزْ لَهُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا الثُّلُثُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْأَسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، إِذَا وَهَبَا مَالًا وَأَعْطَيَا عَطَايَا لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ هِبَاتُهُمَا وَعَطَايَاهُمَا قَبْلَ تقديمهما للقتل والقصاص، فيكون ذلك من رؤوس أَمْوَالِهِمْ دُونَ الثُّلُثِ، لِأَنَّ السَّلَامَةَ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ أَغْلَبُ مِنَ الْخَوْفِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَطَايَاهُمَا بَعْدَ تَقْدِيمِهِمَا لِلْقَتْلِ وَالْقِصَاصِ وَوُقُوعِ الْجُرْحِ بِهِمَا، وَإِنْهَارِ دَمِهِمَا، فَيَكُونَ مِنَ الثُّلُثِ لَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْجُرْحِ أَغْلَبُ، وَالسَّلَامَةَ فِيهَا نَادِرَةٌ، فَأَجْرَى عَلَيْهِمَا فِي الْحَيَاةِ حُكْمَ الْوَصَايَا بَعْدَ الْمَوْتِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143] . فَأَجْرَى عَلَيْهِمَا عِنْدَ حُضُورِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ حُكْمَ الْمَوْتِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَطَايَاهُمَا بَعْدَ تَقْدِيمِهِمَا لِلْقَتْلِ وَالْقِصَاصِ، وَقَبْلَ وُقُوعِ الْجُرْحِ بِهِمَا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَسِيرِ: تَكُونُ عَطَايَاهُ مِنَ الثُّلُثِ، فَجَعَلَ الْخَوْفَ عَلَيْهِ أَغْلَبَ، وَقَالَ فِي الْمُقْتَصِّ مِنْهُ: تَكُونُ عَطَايَاهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ دُونَ الثُّلُثِ، فَجَعَلَ السَّلَامَةَ عَلَيْهِ أَغْلَبَ، فَخَالَفَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَازِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الصُّورَةِ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إسحاق المروزي - إن جَمع بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجَمع اخْتِلَاف الْجَوَابَيْنِ وَخَرَّجَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَكُونُ عَطَايَاهُمَا مِنَ الثُّلُثِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَسِيرِ لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهِمَا أَرْجَى مِنَ الْخَوْفِ عَلَى الْمَرِيضِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَكُونُ عَطَايَاهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُقْتَصِّ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ مَا لَمْ يَقَعْ بِهِ جُرْحٌ، لِأَنَّ سَبَبَ الْمَوْتِ حَالٌ فِي بَدَنِ الْمَرِيضِ، وَلَيْسَ بِحَالٍ فِي بَدَنِ الْأَسِيرِ وَالْمُقْتَصِّ مِنْهُ، فَهَذَا وَجْهٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِيهِمَا، فَتَكُونُ عَطَايَا الْأَسِيرِ مِنَ الثُّلُثِ، وَعَطَايَا الْمُقْتَصِّ مِنْهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيَكُونُ الْأَسِيرُ أَخْوَفَ حَالًا مِنْهُ، لِأَنَّهُ مَعَ أَعْدَائِهِ
فِي الدِّينِ يَرَوْنَ قَتْلَهُ تَدَيُّنًا وَقُرْبَةً، وَالْمُقْتَصُّ مِنْهُ مَعَ مُوَافِقِينَ فِيهِ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْعَفْوِ مَعَ الْمَقْدِرَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ تَغْلِبَ شَوَاهِدُ الْحَالِ فِيهِمَا، فَإِنْ شُوهِدَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَسِيرِ رِقَّةٌ، وَلِينٌ كَانَتْ عَطَايَاهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهَدْ ذَلِكَ كَانَتْ مِنَ الثُّلُثِ.
وَإِنْ شُوهِدَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقِصَاصِ غِلْظَةٌ وَحَنَقٌ، كَانَتْ عَطَايَاهُ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهَدْ ذَلِكَ كَانَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فِي الْحِرَابَةِ، وَالرَّجْمُ فِي الزِّنَا، وَالْحَامِلُ إِذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، وَرَاكِبُ الْبَحْرِ إِذَا اشْتَدَّ بِهِ الرِّيحُ، وَالْمُلْتَحِمُ فِي الْقِتَالِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ، وَبِاللَّهِ التوفيق.
(بَابُ إِظْهَارِ دِينِ النَّبِيِّ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا من كتاب الجزية)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ اللَّهُ تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ وَرُوِيَ مُسْنَدًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " (وقال) ولما أتى كتاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إلى كسرى مزقه فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " يمزق ملكه " قال وحفظنا أن قيصر أكرم كتابه ووضعه في مسك فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يثبت ملكه (قال الشافعي) رحمه الله ووعد رسول الله الناس فتح فارس والشام فأغزى أبو بكر الشام على ثقة من فتحها لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ففتح بعضها وتم فتحها في زمن عمر وفتح عمر رضي الله عنه العراق وفارس (قال الشافعي) رحمه الله تعالى فقد أظهر الله دين نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على سائر الأديان بأن أبان لكل من تبعه أنه الحق وما خالفه من الأديان فباطل وأظهره بأن جماع الشرك دينان دين أهل الكتاب ودين الأميين فقهر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال فهذا ظهوره على الدين كله قال ويقال ويظهر دينه على سائر الأديان حتى لا يدان لله إلا به وذلك متى شاء الله (قال) وكانت قريش تنتاب الشام انتيابا كثيرا وكان كثير من معاشهم منه وتأتي العراق فلما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده " فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده وقال إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده وأجابهم عليه الصلاة والسلام على نحو ما قالوا وكان كما قال عليه السلام وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس وقيصر ومن قام بعده بالشام وقال في قيصر يثبت ملكه فثبت له ملكه ببلاد الروم وتنحى ملكه عن الشام وكل هذا متفق يصدق بعضه بعضا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الْبَابُ أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ، وَلَيْسَ مِنَ الْفِقْهِ، لِيُوَضِّحَ بِهِ صِدْقَ اللَّهِ تَعَالَى فِي وَعْدِهِ، وَصِدْقَ رَسُولِهِ فِي خَبَرِهِ، لِيَرُدَّ بِهِ عَلَى مَنِ ارْتَابَ بِهِمَا، فَصَارَ تَالِيًا لِلسِّيَرِ.
فَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] . أما قوله ﴿بالهدى ودين الحق﴾ فَفِيهِ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْهُدَى هُوَ دِينُ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِتَغَايُرِ لَفْظَيْهِمَا، لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَفْسِيرًا لِلْآخَرِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى إِلَى دِينِ الْحَقِّ، لِأَنَّ الرَّسُولَ هَادٍ، وَالْقُرْآنَ هِدَايَةٌ، وَالْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ دِينُ الْحَقِّ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْهُدَى هُوَ الدَّلِيلُ، وَدِينَ الْحَقِّ هُوَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] . فَقَدْ دَفَعَهُ الْمُتَشَكِّكُونَ فِي أَدْيَانِهِمْ، وَقَالُوا: قَدْ بَقِيَتْ أَطْرَافُ الْأَرْضِ مِنَ الرُّومِ، وَالتُّرْكِ، وَالْهِنْدِ، وَالزِّنْجِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْقَاصِيَةِ، مَا أَظْهَرَ دِينَهُ عَلَى أَدْيَانِهِمْ، فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْمَوْعِدُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْقَدْحِ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كله﴾ إِلَى مَاذَا تَعُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَعُودَ إِلَى الْهُدَى.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى دِينِ الْحَقِّ وَحْدَهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَيْهِمَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
فَأَمَّا الْهُدَى فَفِي مَعْنَى إِظْهَارِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِظْهَارُ دَلَائِلِهِ، وَحُجَجِهِ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ فِعْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ حُجَجَ الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ وَدَلَائِلَهُ أَقْهَرُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِظْهَارُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَا حَارَبَ قَوْمًا إِلَّا انْتَصَفَ مِنْهُمْ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ بَقَاءُ إِعْجَازِهِ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، فَإِنَّ مُعْجَزَ الْقُرْآنِ بَاقِ عَلَى مُرُورِ الْأَعْصَارِ، وَمُعْجَزَ مُوسَى فَلْقُ الْبَحْرِ، وَعِيسَى فِي إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، مُنْقَطِعٌ لَمْ يَبْقَ.
وَأَمَّا الدِّينُ، فَفِي إِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ إِظْهَارَهُ هُوَ انْتِشَارُ ذِكْرِهِ فِي الْعَالَمِينَ وَمَعْرِفَةُ الْخَلْقِ بِهِ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا مَوْجُودٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ أُمَّةٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَتْ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهِ، وَهُوَ بِالْحِجَازِ، وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ إِظْهَارَهُ هُوَ عُلُوُّهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، فَهُوَ طَالِبٌ وَغَيْرُهُ مَطْلُوبٌ، وَقَاهِرٌ وَغَيْرُهُ مَقْهُورٌ، وَغَانِمٌ وَغَيْرُهُ مَغْنُومٌ، وَزَائِدٌ وَغَيْرُهُ مَنْقُوصٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مَوْجُودٌ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الإسلام يعلوا وَلَا يُعْلَى، وَيَزِيدُ وَلَا يَنْقَصُ ". وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ إِظْهَارَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سَيَكُونُ عِنْدَ ظُهُورِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَنُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى لَا يُعْبَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 159] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ، فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا " وَمَعْنَى زُوِيَتْ أَيْ جُمِعَتْ
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَبَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّهِ ".
وَالْخَبَرُ الثَّانِي: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَتَبَ إِلَى كِسْرَى يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَيْهِ مَزَّقَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " تَمَزَّقَ مُلْكُهُ ".
وَكَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ كِتَابًا إِلَى الْإِسْلَامِ، لَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَيْهِ قَبَّلَهُ، وَأَكْرَمَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ " ثَبَّتَ مُلْكَهُ ".
وَالْأَكَاسِرَةُ هُمْ مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَدِينُهُمُ الْمَجُوسِيَّةُ، وَالْقَيَاصِرَةُ هُمْ مُلُوكُ الرُّومِ، وَدِينُهُمُ النَّصْرَانِيَّةُ.
فَكَانَ الْخَبَرَانِ فِي الْأَكَاسِرَةِ مُتَّفِقَيْنِ.
وَقَدْ وُجِدَ الْخَبَرُ فِيهِمَا عَلَى مُخْبَرِهِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ: " إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ " وَقَالَ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي: " تَمَزَّقَ مُلْكُهُ "، وَكَانَ ظَاهِرُ الْخَبَرَيْنِ فِي الْقَيَاصِرَةِ مُخْتَلِفًا، وَالْمُخْبَرُ فِيهِمَا مُتَنَافِيًا لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَوَّلِ: " وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ " وَقَالَ فِي الثَّانِي: " ثَبَّتَ مُلْكَهُ " وَهَذَا مُتَنَافٍ، وَقَدْ نَرَى مُلْكَ الرُّومِ ثَابِتًا فَكَانَ ثَبَاتُهُ مُوَافِقًا لِلْخَبَرِ الثَّانِي مُنَافِيًا لِلْخَبَرِ الْأَوَّلِ، فَعَنْهُ جَوَابَانِ يَمْنَعَانِ مِنَ التَّنَافِي:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: " إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ " يَعْنِي بِهِ زَوَالَ هَذَا الِاسْمِ عَنْ مُلُوكِهِمْ، وَكَانَ اسْمًا لِكُلِّ مَلِكٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا هَلَكَ قَيْصَرُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ مُلُوكِهِمْ، وَثَبَتَ مُلْكُهُ الْآنَ فِي بِلَادِهِمْ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبًا، وَهُوَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَنْتَابُ الْيَمَنَ فِي الشِّتَاءِ، وَالشَّامَ وَالْعِرَاقَ فِي الصَّيْفِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: 2] . فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَبِلَادُ الرِّحْلَتَيْنِ عَلَى شِرْكِهِمْ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِانْقِطَاعِ الرِّحْلَتَيْنِ عَنْهُمْ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: مَا طَيَّبَ بِهِ نُفُوسَهُمْ " إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ " يَعْنِي بِالْعِرَاقِ، فَهَلَكَ، فَلَمْ يَبْقَ بِالْعِرَاقِ وَلَا بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ يَعْنِي بِالشَّامِ، فَهَلَكَ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُلْكٌ بِالشَّامِ، وَإِنْ بَقِيَ فِي غَيْرِهَا فِي بِلَادِ الرُّومِ، فَصَدَقَ خَبَرُهُ، وَصَحَّ مَوْعِدُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَصْلٌ: يَشْتَمِلُ على فروع من كتاب الأسارى والغلول)
وَإِذَا سَبَى الْحَرْبِيُّ جَارِيَةً لِمُسْلِمٍ، فَأَوْلَدَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوَّلًا ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَمْلِكُوهَا، وَكَانَ مَالِكُهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَقَّ بِهَا وَبِأَوْلَادِهَا.
وَلَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ وَهِيَ مَعَهُ وَأَوْلَادُهَا لَمْ يَمْلِكْهَا، لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ غَلَبَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ.
فَأَمَّا قِيمَةُ أَوْلَادِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا، فَمُعْتَبِرٌ بِحَالِ إِيلَادِهِ لَهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، فَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لِأَوْلَادِهَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهْلَاكٌ مِنْهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَمَا اسْتَهْلَكَهُ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ هَدْرٌ.
وَإِنْ أَوَلَدَهَا بَعْدَ إِسْلَامِهِ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ أَوْلَادِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا، لِأَنَّهُ أَوْلَدَهَا بِشُبْهَةِ مِلْكٍ، فَلَحِقُوا بِهِ، وَعُتِقُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَا يَنْهَدِرُ مَا اسْتَهْلَكَهُ كَالْمُسْلِمِ.
(فَرْعٌ) : وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا مَالًا لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ بِهِ مَتَاعًا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَلِلْمَالِ أَمَانٌ إِذَا دَخَلَ بِهِ الْمُسْلِمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَالِكِهِ أَمَانٌ، لِأَنَّ اسْتِئْمَانَهُمْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُ، وَلَوْ خَرَجَ بِالْمَالِ ذِمِّيٌّ كَانَ أَمَانُهُ فَاسِدًا فَإِنْ عَلِمَ مَالِكُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَسَادَ أَمَانِهِ كَانَ الْمَالُ مَغْنُومًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَ أَمَانِهِ كَانَ مَحْرُوسًا عَلَيْهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ، وَحَالُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، إِذَا أَمَّنَ أَحَدُهُمَا حَرْبِيًّا كَانَ الْأَمَانُ فَاسِدًا، وَكَانَ مُسْتَأْمَنُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَحْقُونَ الدَّمِ، حَتَّى يَعُودَ إِلَى مَأْمَنِهِ إِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِفَسَادِ الْأَمَانِ، فَإِنْ عُلِمَ بِهِ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ، وَخَرَّجَ الرَّبِيعُ اسْتِئْمَانَ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمَالِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا التفصيل أصح.
(فَرْعٌ)
: وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخَرَجَ إِلَيْنَا عُتِقَ، وَلَوْ أَقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ عَلَى رِقِّهِ، فَإِنْ سُبِيَ الْعَبْدُ مَلَكَهُ الْغَانِمُونَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ عَبْدٌ لِحَرْبِيٍّ
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُعْتَقَ إِذَا خَرَجَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا يُعْتَقَ إِنْ أَقَامَ فَيَ دَارِ الْحَرْبِ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ، فَقَدْ قَهَرَ سَيِّدَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَعُتِقَ، وَإِذَا أَقَامَ لَمْ يَقْهَرْهُ عَلَيْهَا فَرُقَّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَسْلَمَ، وَغَلَبَ عَلَى سَيِّدِهِ الْحَرْبِيِّ وَأَوْلَادِهِ، وَأَزْوَاجِهِ، وَدَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ عُتِقَ، وَصَارُوا لَهُ رَقِيقًا.
فَرْعٌ: وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا، وَدَخَلَ بِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَسُبِيَ الْعَبْدُ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ غَانِمُوهُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ ابْتِيَاعِ الْكَافِرِ لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، فَإِنْ قِيلَ بِصِحَّةِ مِلْكِهِ مَلَكَهُ الْغَانِمُونَ، وَإِنْ قِيلَ بِفَسَادِهِ لَمْ يَمْلِكُوهُ وَكَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ الْمُسْلِمِ فَرْعٌ: وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَكْمِلَ مَقَامَ حَوْلٍ إِلَّا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ وَإِنْ شَرَطَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِهِ أَنَّهُ إِنْ أَقَامَ حَوْلًا أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، فَأَقَامَ حَوْلًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ أَقَامَ حَوْلًا جَعَلَ نَفْسَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَاسْتَكْمَلَ حَوْلًا لَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ: أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْأُولَى لِلْإِمَامِ فَالْتَزَمَهُ الْحَرْبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ لِلذِّمِّيِّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ.
وَسَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا فِي اللُّزُومِ، وَالْفَرْقُ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِوَائِهِمَا.
فَرْعٌ: وَإِذَا غَزَا صِبْيَانٌ لَا بَالِغَ فِيهِمْ أَوْ نِسَاءٌ لَا رَجُلَ بَيْنَهُنَّ أَوْ عَبِيدٌ لَا حُرَّ مَعَهُمْ، وَغَنِمُوا أَخَذَ الْإِمَامُ خُمْسَ غَنِيمَتِهِمْ، وَفِي أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا وَجْهَانِ أَشَارَ إِلَيْهِمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَسِّمَ جَمِيعَهُ بَيْنَهُمْ بِاسْمِ الرَّضْخِ وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ السِّهَامِ، وَلِيُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ فِيهِ كَأَهْلِ السِّهَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْبِسُ بَعْضَهُ عَنْهُمْ بِحَسْبِ مَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، لِئَلَّا يُسَاوُوا فِيهِ أَهْلَ السِّهَامِ، وَيُقَسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ بِحَسْبَ مَا يَرَاهُ مِنْ مُسَاوَاةٍ وَتَفْضِيلٍ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا حَاصَرَ الْإِمَامُ بَلَدًا أَوْ قَلْعَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى تَحْكِيمِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِيُحَكِّمَ فِيهِمْ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِ الْحُكَّامِ، وَهِيَ الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالْعِلْمُ.
فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ السَّبْعَةَ صَحَّ أَنْ يُحَكِّمَ فِيهِمْ بِرَأْيِهِ كَمَا حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ أن مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ اسْتُرِقَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وهذا حُكْمُ اللَّهِ مَنْ فَوْقِ سَبْعِ أَرْقُعَةٍ " وَهِيَ سَبْعُ سَمَاوَاتٍ " وَإِنْ أَخَلَّ بِشَرْطٍ مِنْهَا لَمْ يجز أن يحكم فيها، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُحَكَّمُ فِيهِمْ أَعْمَى جَازَ تَحْكِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا فِي عُمُومِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُ يَحْكمُ بِمَا اشْتَهَرَتْ فِيهِ أَحْوَالُهُمْ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ أَخْبَارُهُمْ، فَاسْتَوَى فِيهَا الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، كَمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الشَّهَادَةِ بِمَا تُعَلَّقُ بِاسْتِفَاضَةِ الْأَخْبَارِ، فَإِنْ صُولِحُوا عَلَى تَحْكِيمِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، لِيَقَعَ الِاخْتِيَارُ لَهُ، أَوِ التَّعْيِينُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدُ لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ، فَيَصِحَّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُشْرِكِينَ لَهُ، فَلَا يَصِحَّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَيَصِحَّ، لِأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَحْكِيمَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى اخْتِيَارِهِ انْعَقَدَ تَحْكِيمُهُ وَنَفَذَ فِيهِمْ حُكْمُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا لَمْ يَنْعَقِدْ تَحْكِيمُهُ وَأُعِيدُوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ حَتَّى يَسْتَأْنِفُوا اخْتِيَارًا أَوْ صُلْحًا، فَإِنْ صُولِحُوا عَلَى تَحْكِيمِ أَسِيرٍ فِي أَيْدِيهِمْ نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ اخْتِيَارِهِ لِلتَّحْكِيمِ أَسِيرًا لَمْ يَصِحَّ تَحْكِيمُهُ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ لَا يَنْفَذُ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أطلق قبل تحكيمه كرهناه حذرا للممايلة وَصَحَّ تَحْكِيمُهُ لِأَنَّ دِينَهُ يَمْنَعُهُ مِنَ الْمُمَايَلَةِ، وَهَكَذَا لَوْ عُقِدَ التَّحْكِيمُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ التَّحْكِيمِ جَازَ وَإِنْ كُرِهَ.
وَإِذَا انْعَقَدَ الصُّلْحُ عَلَى تَحْكِيمِ رَجُلَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَهُمَا أَقْوَى وَنَفَذَ حُكْمُهُمَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْفُذْ إِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ، وَإِذَا مَاتَ الْحَكَمُ قَبْلَ حُكْمِهِ، أَوِ اسْتَعْفَى وَاعْتَزَلَ أُعِيدُوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ حَتَّى يَسْتَأْنِفُوا صُلْحًا عَلَى تَحْكِيمِ غَيْرِهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَانْعَقَدَ التَّحْكِيمُ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ فِي الْأَصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ الْمُشْرِكِينَ لِعُلُوِّ الْإِسْلَامِ عَلَى الشِّرْكِ، فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى قَتْلِ رِجَالِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ جَازَ وَلَزِمَهُمْ حُكْمُهُ كَالَّذِي حَكَمَ لَهُ سَعْدٌ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَنَّ عَلَى مَنْ حُكِمَ بِقَتْلِهِ مِنْ رِجَالِهِمْ جَازَ، وَإِنْ رَأَى الْمَنَّ عَلَى مَنْ حُكِمَ بِسَبْيِهِ مِنْ ذَرَارِيهِمْ نُظِرَ.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِمْ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمُرَاضَاةِ الْغَانِمِينَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَبْيِ هَوَازِنَ حِينَ مَنَّ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِمْ جَازَ، لِأَنَّ سَعْدًا لَمَّا حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ
بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، جَاءَ ثَابِتٌ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ بَاطَأَ الْيَهُودِيَّ عِنْدِي، وَقَدْ سَأَلَ أَنْ نَهَبَ لَهُ دَمَهُ، وَمَالَهُ، فَفَعَلَ، وَوَهَبَ لَهُ دَمَهُ وَمَالَهُ.
وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَرِقَّ رِجَالَهُمْ أَوْ يَأْخُذَ فِدَاهُمَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاتِهِمْ لِأَنَّهُ نَقْضُ حُكْمٍ نَفَذَ بِالِاسْتِئْنَافِ لِحُكْمٍ مُجَدَّدٍ، وَلَوْ كَانَ الْمُحَكَّمُ فِيهِمْ قَدْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى رِجَالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ نَفَذَ حُكْمُهُ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْسَخَ حُكْمَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ حُكْمُهُ إِنْ كَانَ الْمَالُ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَلْزَمُ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَلَزِمَهُمْ حُكْمُهُ إِنْ كَانَ الْمَالُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِغَنِيمَةِ ذَلِكَ الْمَالِ، فَنَفَذَ حُكْمُهُ بِهِ، وَإِنْ حَكَمَ بِاسْتِرْقَاقِهِمْ صَارُوا بِحُكْمِهِ رَقِيقًا وَلَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْجِزْيَةِ وَأَنْ يَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ لَمْ يَلْزَمْهُمْ حُكْمُهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَلَوْ حَكَمَ بِقَتْلِهِمْ، فَأَسْلَمُوا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمْ وَلَوْ حَكَمَ اسْتِرْقَاقَهُمْ، فَأَسْلَمُوا لَمْ يَسْقُطِ اسْتِرْقَاقُهُمْ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ قتلهم بعد إسلامهم وبالله التوفيق.
(