كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَرَادَ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا، وَهَذَا مِمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِنْ خَالَفَ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَرِيضَةً بِالنَّصْبِ كان المريض شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَمَا لَمْ تَمْرَضْ لَمْ تُطَلَّقْ، فَإِذَا مَرِضَتْ طُلِّقَتْ، لِأَنَّ نَصْبَهُ عَلَى الْحَالِ يُخْرِجُهُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَرِيضَةٌ بِالرَّفْعِ طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَرِيضَةً أَوْ غَيْرَ مَرِيضَةٍ، لِأَنَّهُ بِالرَّفْعِ يَصِيرُ صِفَةً، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ فِي حُكْمِ مَا يَلْزَمُهُ كَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِاللَّفْظِ، سَوَاءٌ عَرَفَ حُكْمَهُ أَوْ جَهِلَهُ مِثْلَ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أنه يستوفي فِيهِ حُكْمُ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْإِعْرَابَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَقَاصِدِ وَالْأَغْرَاضِ فَإِذَا جُهِلَتْ عُدِمَتْ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ طَالِقًا، فَقَدْ جَعَلَ الشَّرْطَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، أَنْ تَدْخُلَ الدَّارَ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ، فَإِنْ دَخَلَتْهَا غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ لَمْ تُطَلَّقْ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ رَاكِبَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْهَا غَيْرَ رَاكِبَةٍ لَمْ تُطَلَّقْ، وَلَوْ طَلَّقَهَا، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ تَكُونَ مُخْتَلِعَةً لَمْ تُطَلَّقْ بِدُخُولِ الدَّارِ، لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رجعياً طلقت دخول الدَّارِ طَلْقَتَيْنِ، لِقَوْلِهِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَتَصِيرُ طَالِقًا ثَلَاثًا.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ بِالْكَسْرِ كَانَ دُخُولُ الدَّارِ شَرْطًا، فَلَا تُطَلَّقُ حَتَّى تَدْخُلَهَا وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلَتِ الدَّارَ بِالْفَتْحِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ دَخَلَتِ الدَّارَ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ، لِأَنَّهَا إِذَا فُتِحَتْ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ أَنْتِ طَالِقٌ، لِأَنَّكِ دَخَلْتِ الدَّارَ، هَذَا فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ كَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي الْحَالَيْنِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا دَخَلَتِ الدَّارَ، كَانَ دُخُولُ الدَّارِ شَرْطًا، لَا تُطَلَّقُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ، ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، لَمْ يَكُنْ دُخُولُ الدَّارِ شَرْطًا، وَطُلِّقَتْ فِي الْحَالِ لِأَنَّ إِذَا اسْمٌ لِمُسْتَقْبَلٍ، فَكَانَ شَرْطًا، وإذ اسْمٌ لِمَا مَضَى فَكَانَ خَبَرًا.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا كَرَّرَ حَرْفَ الشَّرْطِ وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ اعْتِرَاضُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا رَكِبْتِ إِنْ لَبِسْتِ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، إِلَّا بِاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ فَإِنْ رَكِبَتْ وَلَبِسَتْ عَلَى مَا قَالَهُ فِي لَفْظِهِ فَإِنْ بَدَأَتْ بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَتْهُ بِاللُّبْسِ لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ خَالَفَتْ تَرْتِيبَ اللَّفْظِ فَبَدَأَتْ بِاللُّبْسِ وَعَقَّبَتْهُ بِالرُّكُوبِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ إِذَا رَكِبْتِ إِنْ لَبِسْتِ فَقَدْ جَعَلَ اللُّبْسَ شَرَطًا فِي الرُّكُوبِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ.، لِأَنَّ الشَّرْطَ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا قُمْتِ إِذَا قَعَدْتِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تُقَدِّمَ الْقُعُودَ عَلَى الْقِيَامِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْقُعُودَ شَرْطًا فِي الْقِيَامِ، وَإِنْ كَانَ حَرْفُ الشَّرْطِ فِيهِمَا وَاحِدًا.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ أَكَلْتِ إِنْ تَكَلَّمْتِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَكْلِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ إِنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا إِنْ ضَرَبْتِ عَمْرًا لَمْ تُطَلَّقْ، حَتَّى تَفْعَلَ الثَّلَاثَةَ بِعَكْسِ لَفْظِهِ، فَتَبْدَأُ بِضَرْبِ عَمْرٍو ثُمَّ بِكَلَامِ زَيْدٍ ثُمَّ بِدُخُولِ الدَّارِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَرْطٌ فِيمَا تَقَدَّمَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ.
(
فصل:
في (لو)) وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ دَخَلْتِ الدَّارَ، كَانَ شَرْطًا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا إِلَّا بِدُخُولِ الدَّارِ وَجَرَى مَجْرَى إِنِ، الَّتِي تَكُونُ شَرْطًا، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ دخلت الدار لخرجت مِنْهَا فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهَا حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ وَلَا يَخْرُجَ الزَّوْجُ مِنْهَا، فَإِنْ دَخَلَتْ وَخَرَجَ منها لم تطلق.
(فصل: في (لولا))
وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا أَبُوكِ، فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، قَالَ الْمُزَنِيُّ فِي مَسَائِلِهِ الْمَنْثُورَةِ، لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَوْلَا أَبُوكِ لَطَلَّقْتُكِ، وَهَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا جَمَالُكِ، فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَوْلَا جَمَالُكِ لَطَلَّقْتُكِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لَا لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَلْ لَا طُلِّقَتْ لِأَنَّ بَلْ لِلْإِضْرَابِ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْ لَا.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ زَوْجَتُكَ هَذِهِ طَالِقٌ مِنْكَ، فَقَالَ: نَعَمْ كَانَ هَذَا ابْتِدَاءَ إِيقَاعٍ مِنْهُ لِلطَّلَاقِ فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَلَا يُرَاعَى فِيهِ النِّيَّةُ، لِأَنَّهُ أَجَابَ إِلَى صَرِيحٍ فَجَرَى عَلَى جَوَابِهِ حُكْمُ الصَّرِيحِ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ هَذِهِ، فَقَالَ: نعم، كان هذا إقرار بِالطَّلَاقِ، يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِإِقْرَارِهِ فِي الظَّاهِرِ وَيدينُ فِي الْبَاطِنِ إِنْ كَانَ كَاذِبًا وَلَا يَلْزَمُهُ.
وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَكَ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ مُوعِدًا بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ إِيقَاعَهُ مِنْ بَعْدُ.
وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَهَذِهِ زَوْجَتُكَ، فَقَالَ لَا، كَانَ هَذَا إِنْكَارًا، لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ فَيَصِيرَ كِنَايَةً فِيهِ، فَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْفَصْل، وَإِنْ خَبَطَ أَصْحَابُنَا فِيهِ خَبْطَ عَشْوَاءٍ.
فَصْلٌ:
: وَإِذَا قَالَ الْأَعْجَمِيُّ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَاهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، سَوَاءٌ أَرَادَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ كَالْعَرَبِيِّ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَعْرِفَ مَعْنَاهُ وَلَا يُرِيدَ مُوجَبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ لَغْوًا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَعْرِفَ مَعْنَاهُ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ مُوجَبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَالَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَحَكَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، حَتَّى يَعْرِفَ مَعْنَى اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلطَّلَاقِ.
وَعِنْدِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَازِمٌ لَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ مُوجَبَ اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، إِذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِرَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ إِرَادَةٌ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ فَقَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَعَرُّفِ مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّنَا لَوْ أَسْقَطْنَا عَنْهُ الطَّلَاقَ، لَسَوَّيْنَا بَيْنَ أَنْ يُرِيدَ مُوجَبَهُ أَوْ لَا يُرِيدَ، وَهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ.
وَهَكَذَا الْعَرَبِيُّ إِذَا طَلَّقَ بِصَرِيحِ الْأَعْجَمِيَّةِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا، كَانَ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.
فَلَوْ أَنَّ زَوْجَةَ الْأَعْجَمِيِّ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْرِفُ مَعْنَى الطَّلَاقِ بِالْعَرَبِيَّةِ، كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ زَوْجَةُ الْعَرَبِيِّ لَوِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْرِفُ الطَّلَاقَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: (وَكُلُّ مُكْرَهٍ وَمَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ فَلَا يَلْحَقُهُ الطَّلَاقُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ بِجُنُونٍ أَوْ مَرَضٍ فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُ.
وَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى الطَّلَاقِ إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ كُرْهًا غَيْرَ مُخْتَارٍ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ وَلَا عِتْقُهُ وَلَمْ تَصِحَّ عُقُودُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ كَالطَّلَاقِ أو العتق أو كان مما لا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ مِمَّا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الْمُكْرَهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ صَحَّ مِنَ الْمُكْرَهِ كَمَا يَصِحُّ مِنَ الْمُخْتَارِ
اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] . وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُكْرَهٍ وَمُخْتَارٍ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَبِرِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ المعتوه الصبي) . فَدَخَلَ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ فِي عُمُومِ الْجَوَازِ.
وَبِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ) .
وَالْمُكْرَهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ جَادًّا أَوْ هَازِلًا فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ طَلَاقُهُ.
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عِمْرَانَ كَانَ نَائِمًا مَعَ امْرَأَتِهِ فِي الْفِرَاشِ فَجَلَسَتْ عَلَى صَدْرِهِ، وَوَضَعَتِ السِّكِّينَ وَقَالَتْ: طَلِّقْنِي وَإِلَّا ذَبَحْتُكَ فَنَاشَدَهَا اللَّهَ فَأَبَتْ فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: (لَا إِقَالَةَ فِي الطَّلَاقِ) .
أَيْ لَا رُجُوعَ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى وُقُوعِهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ طَلَاقُ مُكَلَّفٍ مَالِكٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا كَالْمُخْتَارِ قَالَ: وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مَعَ الْإِرَادَةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُقُوعِهِ مَعَ فَقْدِ الْإِرَادَةِ كَالْهَزْلِ، وَلِأَنَّ مَا أَوْجَبَ تَحْرِيمَ الْبُضْعِ مَعَ الِاخْتِيَارِ، أَوْجَبَ تَحْرِيمَهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ كَالرَّضَاعِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) . فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ مَرْفُوعًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَالِاسْتِكْرَاهُ لَمْ يُرْفَعْ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ، قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِكْرَاهِ، لَا الِاسْتِكْرَاهُ، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حُكْمُ الْخَطَأِ لَا وُجُودُ الْخَطَأِ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: (عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) . فَبَانَ بِهِ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ قِيلَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ، قِيلَ حَمْلُهُ عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَعَمُّ، لِأَنَّ مَا رَفَعَ الْحُكْمَ قَدْ رَفَعَ الْإِثْمَ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: (لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ) .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْإِغْلَاقُ كَالْإِكْرَاهِ، يَعْنِي أَنَّهُ كَالْمُغْلَقِ عَلَيْهِ اخْتِيَارُهُ، فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْجُنُونُ لِأَنَّهُ مُعَلَّقُ الْإِرَادَةِ فَفِيهِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ أَقْوَمُ بِمَعَانِيهَا مِنْ غَيْرِهِمْ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ فَيَكُونُ أَعَمَّ.
وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
قَالَهُ خَمْسَةٌ مِنْهُمْ، لَمْ يَظْهَرْ مُخَالِفٌ لَهُمْ، مِنْهُمْ عُمَرُ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، أَنَّ رَجُلًا تَدَلَّى بِحَبْلٍ يَشْتَارُ - أَيْ يَجْتَنِي عَسَلًا - فَأَدْرَكَتْهُ امْرَأَةٌ، فحلفت لتقطعن الحبل أو ليطلقها ثَلَاثًا فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ فَحَلَفَتْ لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لِيَفْعَلَنَّ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَمَّا خَرَجَ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنَ امْرَأَتِهِ إِلَيْهِ، وَالَّذِي كَانَ مِنْهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى امْرَأَتِكَ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَمِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ لَا يَرَى طَلَاقَ الْمُكْرَهِ شَيْئًا، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْمُضْطَهَدِ طَلَاقٌ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ كَانَا يَرَيَانِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ لَفْظٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ حُكْمٌ، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالطَّلَاقِ فَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْإِيقَاعِ بِالْإِقْرَارِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الرَّضَاعِ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ وَالْإِكْرَاهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ، وَالْإِكْرَاهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ بِهِ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَخَالَفَ الْإِيقَاعَ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ.
فعن ذلك جوابان:
أحدهما: أنه إِقْرَارَ الْمُكْرَهِ لَمْ يَرْتَفِعْ لِاحْتِمَالِ دُخُولِ الصِّدْقِ، وَالْكَذِبِ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ احْتِمَالِ الصِّدْقِ.
وَالْكَذِبُ مَوْجُودٌ فِي إِقْرَارِ الْمُخْتَارِ، وَطَلَاقُهُ وَاقِعٌ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيهِ الْإِكْرَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْإِيقَاعِ.
وَالثَّانِي: هُوَ أَنَّ الرَّضَاعَ فِعْلٌ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْقَصْدُ، فَاسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْتَارِ، وَالْإِقْرَارُ قَوْلٌ يُرَاعَى فِيهِ الْقَصْدُ، فَافْتَرَقَ فِيهِ حُكْمُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْتَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَوْ أَرْضَعَتْ ثَبَتَ بِهِ حكم التحريم، ولو أقرت به لم ثبت.
وَالْمَجْنُونُ لَوْ أَوْلَدَ أَمَتَهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَلَوْ أَعْتِقَهَا لَمْ تَعْتِقْ، فَافْتَرَقَ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِرْضَاعِ، وَحُكْمُ الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فِعْلٌ وَالْآخَرَ قَوْلٌ.
وَاسْتَوَى حُكْمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى إِيقَاعِ الطَّلَاقِ وَعَلَى الْإِقْرَارِ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا قَوْلُهُ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى فِعْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ وَيَثْبُتُ فِيمَنْ كَانَ حَرْبِيًّا فَيُدْعَى بِالسَّيْفِ إِلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ إِكْرَاهَهُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ إِكْرَاهُ الذِّمِّيِّ الْبَاذِلِ لِلْجِزْيَةِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ إِكْرَاهُهُ عَلَيْهِ ظُلْمًا، فَلَمْ يَصِحَّ.
وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ إِنَّمَا هُوَ إِكْرَاهٌ عَلَى الْتِزَامِ أَحْكَامِهِ، قَبْلَ الْإِقْرَارِ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ.
وَهَذَا ظُلْمٌ فَاسْتَوَى حُكْمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ، وَالْإِكْرَاهِ عَلَى فِعْلِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ لِكَوْنِهِمَا ظُلْمًا فَلَمْ يَصِحَّا وَافْتَرَقَ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ، وَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْحَرْبِيِّ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ ظَلَمٌ فَلَمْ يَصِحَّ، وَفِعْلَ الْإِسْلَامِ حَقٌّ فَصَحَّ، فَإِنْ وَجَبَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ يَسْتَوِيَ فِي الطَّلَاقِ حُكْمُ الْإِقْرَارِ وَالْإِيقَاعِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظُلْمٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَا.
وَقِيَاسٌ ثَانٍ: وَهُوَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ مَعْنًى يُزِيلُ حُكْمَ الْإِقْرَارِ بِالطَّلَاقِ، فَوَجَبَ أَنْ يُزِيلَ حُكْمَ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ كَالْجُنُونِ وَالنَّوْمِ وَالصِّغَرِ.
وَقِيَاسٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ إِذَا حُمِلَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقٌّ، أَصْلُهُ الْإِكْرَاهُ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ.
قِيَاسٌ رَابِعٌ: أَنَّهُ قَوْلٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيِ النِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ مَعَ الْإِكْرَاهِ كَالنِّكَاحِ.
وَقِيَاسٌ خَامِسٌ: أَنَّ كُلَّ بُضْعٍ لَمْ يُمْلَكْ بِلَفْظِ الْمُكْرَهِ، لَمْ يَحْرُمْ بِقَوْلِ الْمُكْرَهِ، كَالْإِيمَاءِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الآية فهو انه قال: (فإن طلقها) ، وَالْمُكْرَهُ عِنْدَنَا غَيْرُ مُطَلِّقٍ، وَلَوْ صَحَّ دُخُولُهُ فِي عُمُومِهَا لَكَانَ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ) . فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الِاخْتِيَارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي اسْتِثْنَاءِ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ لِفَقْدِ الْقَصْدِ مِنْها تَنْبِيهٌ عَلَى إِلْحَاقِ الْمُكْرَهِ بِهِمَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (ثَلَاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ) ، فَهُوَ أَنَّنَا نَقُولُ بِمُوجَبِهِ وَنَجْعَلُ الْجِدَّ وَالْهَزْلَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ سَوَاءً، وَالْمُكْرَهُ لَيْسَ بِجَادٍّ وَلَا هَازِلٍ، فخرج عنها كالمجنون، لأن الجاد قاصد اللفظ مُرِيدٌ لِلْفُرْقَةِ وَالْهَازِلَ قَاصِدٌ لِلْفَظِّ غَيْرُ مُرِيدٍ لِلْفُرْقَةِ وَالْمُكْرَهَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلَّفْظِ وَلَا مُرِيدٍ لِلْفُرْقَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (لَا إِقَالَةَ فِي الطَّلَاقِ) فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّجُلَ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ وَادَّعَى الْإِكْرَاهَ فَأَلْزَمَهُ إِقْرَارُهُ، وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأَى مِنْ جَلَدِهِ وَضَعْفِ زَوْجَتِهِ مَا لَا يَكُونُ بِهِ مُكْرَهًا فَأَلْزَمَهُ الطَّلَاقَ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُخْتَارِ فَالْمَعْنَى فِيهِ صِحَّةُ إِقْرَارِهِ، وَالْمُكْرَهُ لَا يَصِحُّ
إِقْرَارُهُ فَلَمْ يَصِحَّ إِيقَاعُهُ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ الْقِيَاسَ عَلَيْهِمْ فَقُلْتَ: فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِيقَاعُهُ بِهَزْلِهِ إِقْرَارَهُ كَالْمُخْتَارِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ، إِنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مَعَ الْإِرَادَةِ، لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَهُ مَعَ فَقْدِ الْإِرَادَةِ فَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُعْتَبَرُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وُجُودَ الْإِرَادَةِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِرَادَةِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْهَازِلِ صِحَّةُ إِقْرَارِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الرَّضَاعِ، فَهُوَ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْمُكْرَهِ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الرَّضَاعِ أَنَّهُ فِعْلٌ وَالطَّلَاقُ قَوْلٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ فَرَّقَ مَا بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، بِحَالِ الْمَجْنُونَةِ إِذَا أَرْضَعَتْ وَالْمَجْنُونِ إِذَا طَلَّقَ مَا كَفَى.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ طَلَاقَ الْكرهِ لَا يَقَعُ، فَجَمِيعُ مَا وَقَعَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا لَا يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الِاخْتِيَارِ.
وَالثَّانِي: مَا يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْتَارِ.
وَالثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، فَهُوَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْكُفْرِ وَعَلَى سَبِّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَعَلَى عَقْدِ الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَعَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ مِنَ الْمَنَاكِحِ وَالْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْوِكَالَاتِ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالظِّهَارِ وَالْقَذْفِ وَالْوَصِيَّةِ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا حُكْمَ لَهُ، إِذَا أُكْرِهَ عَلَى فِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ الصَّائِمُ إِذَا أُوجِرَ الطَّعَامُ فِي حَلْقِهِ فَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: الَّذِي يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ حُكْمُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْتَارِ، فَهُوَ إِسْلَامُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالرَّضَاعُ وَالْحَدَثُ وَطَرْحُ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمُصَلِّي عَلَى خُفِّهِ إِذَا كَانَ مَاسِحًا، إِلَى مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى فَيَكُونُ وُجُودُ ذَلِكَ مِنَ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْتَارِ سَوَاءً.
وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَالْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ فِي وُجُوبِ الْقَوْدِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ، وَإِكْرَاهُ الرَّجُلِ عَلَى الزِّنَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ قَوْلَانِ وَإِكْرَاهُ الصَّائِمِ عَلَى الْأَكْلِ فِي فِطْرِهِ بِهِ قَوْلَانِ وَإِكْرَاهُ الْمُصَلِّي عَلَى الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي بُطْلَانِهَا قَوْلَانِ.
وَتَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يُذْكَرُ فِي مَوَاضِعِهَا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا قَدْ صَحَّ أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ لَا يَقَعُ، فَالْكَلَامُ فِيهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
أَحَدُهَا: فِي صِفَةِ الْمُكْرِهِ.
وَالثَّانِي: فِي صِفَةِ الْإِكْرَاهِ.
وَالثَّالِثُ: فِي صِفَةِ الْمُكْرَهِ، فَأَمَّا الْمُكْرِهُ، فَهُوَ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثَةٌ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَاهِرًا، وَالْقَاهِرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَامَّ الْقُدْرَةِ كَالسُّلْطَانِ والْمُنقَلِبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَاصَّ الْقُدْرَةِ كَالْمُتَلَصِّصِ، وَالسَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ، وَكِلَاهُمَا مَكْرِهٌ، وَهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ، إِذَا كَانَتْ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ نَافِذَةً عَلَى الْمُكْرَهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ فِي النَّفْسِ بِالْأَمَارَاتِ الظَّاهِرَةِ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْ إِصَابَتِهِ مَا يَتَوَعَّدُهُ بِهِ وَتَهَدَّدَهُ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى النَّفْسِ، جَازَ أَنْ يَفْعَلَ وَلَا يَفْعَلَ فَلَيْسَ بِمَكْرِهٍ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَكْرِهًا بِظُلْمٍ، فَأَمَّا إِنْ أَكْرَهْ بِغَيْرِ ظُلْمٍ كَإِكْرَاهِ الْمُولِي عَلَى الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ، فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُكْرِهِ، وَمَا أَكْرَهَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ، وَكَالنَّاذِرِ عِتْقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، إِذَا امْتَنَعَ مِنْ عِتْقِهِ فَأُكْرِهَ عَلَيْهِ، فَقَدْ عَتَقَه لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ بِهِ حَقٌّ وَاجِبٌ وَهُوَ بِامْتِنَاعِهِ مِنْهُ طَوْعًا ظَالِمٌ آثِمٌ، فَإِذَا تَكَامَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ فِي المكره صار مكرها.
(فصل:)
وأما الأكراه بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى الْبَيِّنِ عَلَى الْمُكْرَهِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: الْقَتْلُ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَا يَدْخُلُ بِهِ الضَّرَرُ عَلَى النَّفْسِ، فَإِذَا هَدَرَهُ فِي نَفْسِهِ كَانَ إِكْرَاهًا، فَإِنْ هَدَرَ بِهِ فِي غَيْرِهِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْغَيْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ بَيْنَهُمِ بَعْضِيَّةٌ كَالْوَالِدِينَ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْمَوْلُودِينَ وَإِنْ سَفَلُوا، فَيَكُونَ التَّهْدِيدُ بِقَتْلِهِمْ إِكْرَاهًا لِأَنَّ الْبَعْضِيَّةَ تَقْتَضِي التَّمَازُجَ فِي الْأَحْكَامِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، إِمَّا أَجْنَبِيًّا أَوْ ذَا نَسَبٍ لَا يَكُونُ مُحَرَّمًا كَبَنِي الْأَعْمَامِ وَبَنِي الْأَخْوَالِ، فَلَا يَكُونُ تَهْدِيدُهُ بِقَتْلِهِمْ إِكْرَاهًا، لِأَنَّ بَيْنَ جَمِيعِ النَّاسِ تَنَاسُبٌ مِنْ بَعِيدٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وبينهما، وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ دُونَ بَنِيهَا وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ دُونَ بَنِيهَا، فَهَلْ يَكُونُ التَّهْدِيدُ بِقَتْلِهِمْ إِكْرَاهًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ إِكْرَاهًا لِثُبُوتِ الْمُحَرَّمِ كَالْوَالِدَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ إِكْرَاهًا لِعَدَمِ الْبَعْضِيَّةِ كَالْأَبْعَدِينَ، فَهَذَا حُكْمُ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ.
وَالثَّانِي: الْجُرْحُ، إِمَّا بِقَطْعِ طَرَفٍ أَوْ إِنْهَارِ دَمٍ، فَهُوَ إِكْرَاهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِدْخَالِ أَلَمٍ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا سَرَى إِلَى النَّفْسِ.
وَالثَّالِثُ: الضَّرْبُ، فَيَكُونُ إِكْرَاهًا لِأَلَمِهِ وَضَرَرِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الشَّطَارَةِ وَالصَّعْلَكَةِ الَّذِينَ يَتَبَاهَوْنَ فِي احْتِمَالِ الضَّرْبِ، وَيَتَفَاخَرُونَ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ إِكْرَاهًا فِي أَمْثَالِهِمْ.
وَالرَّابِعُ: الْحَبْسُ، فَلَا يَخْلُو أَمْرُهُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُهَدِّدَهُ بِطُولِ الْحَبْسِ فَيَكُونَ إِكْرَاهًا، لِدُخُولِ الضَّرَرِ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَصِيرَ الزَّمَانِ كَالْيَوْمِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَكُونَ إِكْرَاهًا لِقُرْبِهِ وَقِلَّةِ ضَرَرِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُعْلَمَ طُولُهُ وَلَا قِصَرُهُ فَيَكُونَ إِكْرَاهًا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْمَحْبُوسِ عَلَى شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ إِلَّا بَعْدَ فِعْلِهِ وَحُكْمُ الْقَيْدِ، إِذَا هدر به كحكم الحبس، لأن أحد المانعين من التَّصَرُّفِ.
وَالْخَامِسُ: أَخْذُ الْمَالِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يُؤَثِّرُ أَخْذُهُ فِي حَالِهِ فَيَكُونَ إِكْرَاهًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي حَالِهِ فَلَا يَكُونَ إِكْرَاهًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا إِلَّا أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَالِهِ لِسِعَةِ مَالِهِ، فَفِي كَوْنِهِ مُكْرَهًا بِأَخْذِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مُكْرَهًا بِقَدْرِ الْمَالِ الْمَنْفُوسِ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لا يكون إكراها اعتباراً بما له التي لا يؤثر المأخوذ فيها.
وَالسَّادِسُ: النَّفْيُ عَنْ بَلَدِهِ، فَنَنْظُرُ حَالَهُ، فَإِنْ كان ذا ولد وأهل مال لَا يَقْدِرُ عَلَى نَقْلِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُ كَانَ إِكْرَاهًا، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى نَقْلِهِمَا وَمُكِّنَ مِنْهُمَا فَفِي كَوْنِهِ إِكْرَاهًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ إِكْرَاهًا لِتَسَاوِي الْبِلَادِ كُلِّهَا فِي مُقَامِهِ فِيمَا شَاءَ مِنْهَا.
وَالثَّانِي: يَكُونُ إِكْرَاهًا لِأَنَّ النَّفْيَ عُقُوبَةٌ كَالْحَدِّ، وَلِأَنَّ فِي تَغْرِيبِهِ عَنْ وَطَنِهِ مَشَقَّةٌ لَاحِقَةٌ بِهِ.
وَالسَّابِعُ: السَّبُّ وَالِاسْتِخْفَافُ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ رَعَاعِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمُ الَّذِينَ لَا يَتَنَاكَرُونَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَا يُغَضُّ لَهُمْ جَاها، فَلَا يَكُونَ ذَلِكَ إِكْرَاهًا فِي أَمْثَالِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الصِّيَانَاتِ وَذَوِي الْمُرُوءَاتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ ذَلِكَ إِكْرَاهًا فِي أَمْثَالِهِمْ، لِمَا يلحقهم من وهن والجاه، وَأَلَمِ الْغَلَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ إِكْرَاهًا، لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ مَظْلُومُونَ بِهِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُنْظَرَ حَالُ الْإِنْسَانِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدنيا وطالبي فيها الرتب، كَانَ ذَلِكَ إِكْرَاهًا فِي مِثْلِهِ، لِأَنَّهُ يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ جَاهِهِ بَيْنَ نُظَرَائِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ وَذَوِي الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِكْرَاهًا فِي مِثْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ جَاهِهِ بَيْنَ نُظَرَائِهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ إِعْلَاءً لِذِكْرِهِ مَعَ كَثْرَةِ صَوَابِهِ، هَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، جُرِّدَ لِلسِّيَاطِ فِيمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ مِنْ سُقُوطِ يَمِينِ الْمُكْرَهِ، فَكَأَنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حُلِيًّا حُلِّيَ بِهِ فِي النَّاسِ، فَهَذَا حُكْمُ الْإِكْرَاهِ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْإِكْرَاهِ عَنْ نَفْسِهِ إِلَّا بِالْهَرَبِ مِنَ الْمُكْرِهِ لِحَبْسِهِ أَوْ لِإِمْسَاكِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا.
وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إِنْ خَوَّفَ الْمُكْرِهَ بِاللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَخَفْ لِعُتُوِّهِ وَبَغْيِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ خَوَّفَهُ بِاللَّهِ تَعَالَى خَافَ وَكَفَّ فَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نَاصِرٌ يَمْنَعُ مِنْهُ، وَلَا شَفِيعٌ يَكُفُّهُ عَنْهُ، فَإِنْ وَجَدَ نَاصِرًا أَوْ شَفِيعًا فَلَيْسَ بِمَكْرَهٍ، فَإِذَا عُدِمَ الْخَلَاصُ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ تَحَقَّقَ إِكْرَاهُهُ، فَإِذَا تَلَفَّظَ حِينَئِذٍ بِالطَّلَاقِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَا مُرِيدٍ لِإِيقَاعِهِ فَهُوَ الَّذِي لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، لِوُجُودِ الْإِكْرَاهِ عَلَى اللَّفْظِ وَعَدَمِ الْإِرَادَةِ فِي الْوُقُوعِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ لَفْظَ الطَّلَاقِ، وَيُرِيدَ إِيقَاعَهُ فَطَلَاقُ هَذَا وَاقِعٌ لِارْتِفَاعِ حُكْمِ الْإِرَادَةِ بِقَصْدِهِ وَإِرَادَتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْصِدَ لَفْظَ الثَّلَاثِ وَلَا يُرِيدُ إِيقَاعَهُ فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ لِفَقْدِ الْإِرَادَةِ فِي الْوُقُوعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقَعُ طَلَاقُهُ لِقَصْدِهِ لَفَظَ الطَّلَاقِ، فَصَارَ فِيهِ كَالْمُخْتَارِ، وَإِذَا تَلَفَّظَ الْمُخْتَارُ بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَقَعَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: (خَلَا السَّكْرَانَ مِنْ خَمْرٍ أَوْ نَبِيذٍ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ لَا تُسْقِطُ عَنْهُ فَرْضًا وَلَا طَلَاقًا وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ مُثَابٌ فَكَيْفَ يُقَاسُ مَنْ عَلَيْهِ الْعِقَابُ على من له الثواب وقد قال بعض أهل الحجاز لا يلزمه طلاق فيلزمه إذا لم يجز عليه تحريم الطلاق أن يقول ولا عليه قضاء الصلاة كما لا يكون على المغلوب على عقله قضاء صلاة) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْليْنِ:
أَحَدُهُمَا: طَلَاقُ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ.
وَالثَّانِي: طَلَاقُ السَّكْرَانِ، فَأَمَّا الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ بِجُنُونٍ أَوْ عَتَهٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ غِشٍّ أَوْ نَوْمٍ، فَإِذَا تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ فِي حَالِهِ هَذِهِ الَّتِي غُلِبَ فِيهَا عَلَى عَقْلِهِ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ) .
وَلِأَنَّهُمْ بِزَوَالِ الْعَقْلِ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْمُكْرَهِ الْعَاقِلِ، فَكَانَ مَا دَلَّ عَلَى ارْتِفَاعِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ فَهُوَ عَلَى ارْتِفَاعِ طَلَاقِ هَؤُلَاءِ أَدَلُّ.
فَلَوْ أَفَاقَ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ بِمَا ذَكَرْنَا بَعْدَ أَنْ تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ لَمْ يلزمه بعد الإفاقة طلاق، فلو اختلفا قالت الزَّوْجَةُ: قَدْ كُنْتَ وَقْتَ طَلَاقِي عَاقِلًا، وَإِنَّمَا تَجَانَنْتَ أَوْ تَغَاشَيْتَ أَوْ تَنَاوَمْتَ وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ كُنْتُ مَغْلُوبَ الْعَقْلِ بِالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، لِأَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: اعْتِبَارًا بِالظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَعْرَفُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَوِ اختلفا فقال زوج: طَلَّقْتُكِ فِي حَالِ الْجُنُونِ.
وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: بَلْ طَلَّقْتَنِي بَعْدَ الْإِفَاقَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَأَنْ لَا طَلَاقَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَالطَّلَاقُ لَهُ لَازِمٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِفَاقَةُ، وَالْتِزَامُ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ إِلَّا عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَلَكِنْ لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَهُوَ مَجْنُونٌ، وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ قَدْ جُنَّ قَطُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَالطَّلَاقُ لَهُ لَازِمٌ، لِأَنَّهُ عَلَى أَصْلِ الصِّحَّةِ حَتَّى يُعْلَمَ غَيْرُهَا.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْكَرَ بشرب مطرب (فعلى ضربين) . وَالثَّانِي: أَنْ يَسْكَرَ بِشُرْبِ دَوَاءٍ غَيْرِ مُطْرِبٍ، فإذا سَكِرَ بِشُرْبِ مُسْكِرٍ مُطْرِبٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُنْسَبَ فِيهِ إِلَى مَعْصِيَةٍ، إِمَّا لِأَنَّهُ شَرِبَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، وَإِمَّا بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَأُوجِرَ الشَّرَابُ فِي حَلْقِهِ، فَهَذَا فِي حُكْمِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ الْمَأْثَمِ عَنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا فِيهِ لِعِلْمِهِ بأنه مسكر، وشربه له مختار، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمُجَاهِدٍ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَدَاوُدَ أَنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ، وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ، وَحَكَى الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ فِي ظِهَارِ السَّكْرَانِ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِ يَقَعُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ وَحُكْمُ طَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ فِي الْوُقُوعِ وَالسُّقُوطِ وَاحِدٌ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي تَفَرَّدَ الْمُزَنِيُّ بِنَقْلِهِ فِي الْقَدِيمِ، وَلَمْ يُسَاعِدْهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْقَدِيمِ، وَلَا وُجِدَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ هَلْ يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، أَنَّ طَلَاقَهُ وَظِهَارَهُ لَا يَقَعُ؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى صِحَّةِ تَخْرِيجِهِ، وَأَنَّهُ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ الْمُزَنِيَّ ثِقَةٌ فِيمَا يَرْوِيهِ ضَابِطًا لِمَا يَنْقُلُهُ وَيَحْكِيهِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا التَّخْرِيجُ، وَلَيْسَ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ إِلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ يَقَعُ، لِأَنَّ الْمُزَنِيَّ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً ضَابِطًا، فَأَصْحَابُ الْقَدِيمِ بِمَذْهَبَيْهِ فِيهِ أَعْرَفُ، وَيَجُوزُ إِنْ ظَهَرَ بِهِ الْمُزَنِيُّ أَنْ يَكُونَ حَكَاهُ عَنْ غَيْرِهِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ طَلَاقَهُ غَيْرُ وَاقِعٍ، بِأَنَّهُ مَفْقُودُ الْإِرَادَةِ بِعِلْمٍ ظَاهِرٍ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ كَالْمُكْرَهِ.
وَلِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ كَالْمَجْنُونِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُمَيِّزٍ فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ كَالصَّغِيرِ وَدَلِيلُنَا مِنْ طَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: ثُبُوتُ تَكْلِيفِهِ.
وَالثَّانِي: وُقُوعُ طَلَاقِهِ.
فَأَمَّا ثُبُوتُ تَكْلِيفِهِ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] .
فَدَلَّتْ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَسْمِيَتُهُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَنِدَائُهُمْ بِالْإِيمَانِ وَلَا يُنَادَى بِهِ إِلَّا لَهُ.
وَالثَّانِي: نَهْيُهُمْ فِي حَالِ السُّكْرِ أَنْ يَقْرَبُوا الصَّلَاةَ، وَلَا يُنْهَى إِلَّا مُكَلَّفٌ، وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ عُمَرَ شَاوَرَهُمْ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، وَقَالَ: أَرَى النَّاسَ قَدْ بَالَغُوا فِي شُرْبِهِ وَاسْتَهَانُوا بِحَدِّهِ، فَمَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَأَرَى أَنْ يُحَدَّ حَدَّ الْمُفْتَرِي ثَمَانِينَ، فَحَدَّهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ
وَعَلِيٌّ ثَمَانِينَ، فَكَانَ الدَّلِيلُ مِنْهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ عِلَّةٌ لِافْتِرَائِهِ فِي سُكْرِهِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ لَمَا حُدَّ بِمَا أَتَاهُ وَلَا كَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ وَفِي مُؤَاخَذَتِهِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى تَكْلِيفِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَجَبَ أَنْ يَقَعَ طَلَاقُهُ كَالصَّاحِي.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ فِي الْأَصْلِ، فَمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمَّا خَطَبَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ تَزَوَّجَهَا مِنْ أَبِيهَا خُوَيْلِدٍ وَهُوَ سَكْرَانُ وَدَخَلَ بِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا يُزَوِّجُ نَشْوَانُ وَلَا يُطَلِّقُ إِلَّا أَجَزْتُهُ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِسُكْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذًا بِمَا حَدَثَ عَنْ سُكْرِهِ، أَلَا ترى أن من جنى حناية فَسَرَتْ لَمَّا كَانَ مُؤَاخَذًا بِهَا، كَانَ مُؤَاخَذًا بِسِرَايَتِهَا، فَإِنْ قِيلَ فَلَيْسَ السُّكْرُ مَنْ فِعْلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَكَيْفَ صَارَ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، وَمُؤَاخَذًا بِهِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الشُّرْبُ مِنْ فِعْلِهِ.
فَصَارَ مَا حَدَثَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْسُوبًا إِلَى فِعْلِهِ، كَمَا أَنَّ سَرَايَةَ الْجِنَايَةِ لَمَّا حَدَثَتْ عَنْ فِعْلِهِ، نُسِبَتْ إِلَيْهِ وَكَانَ مُؤَاخَذًا بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، لِأَنَّ رَفْعَ الطَّلَاقِ تَخْفِيفٌ وَرُخْصَةٌ، وَإِيقَاعَهُ تَغْلِيظٌ وَغَرِيمَةٌ، فَإِذَا وَقَعَ مِنَ الصَّاحِي وَلَيْسَ بِعَاصٍ، كَانَ وُقُوعُهُ مِنَ السَّكْرَانِ مَعَ الْمَعْصِيَةِ أَوْلَى، لِأَنَّ السَّكْرَانَ لَيْسَ يُسْتَدَلُّ عَلَى سُكْرِهِ بِعِلْمٍ ظَاهِرٍ، هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَتِهِ، وَهُوَ فَاسِقٌ مَرْدُودُ الْخَبَرِ وَرُبَّمَا تَسَاكَرَ تَصَنُّعًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بِهِ عَنْ يَقِينِ الْحُكْمِ السَّابِقِ، بِالتَّوَهُّمِ الطَّارِئِ، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهُ بِالْمُكْرَهِ وَالْمَجْنُونِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعَ الْمُكْرَهِ وَالْمَجْنُونِ عِلْمٌ ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَى فَقْدِ الْإِرَادَةِ هُمَا فِيهِ مَعْذُورَانِ، بِخِلَافِ السَّكْرَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُكْرَهَ وَالْمَجْنُونَ غَيْرُ مُؤَاخَذَيْنِ بِالْإِكْرَاهِ وَالْجُنُونِ، فَلَمْ يُؤَاخَذَا بِمَا حَدَثَ فِيهِمَا، كَمَا أَنَّ مَنْ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فَسَرَتْ إِلَى نَفْسِهِ، لَا يُؤَاخِذُهُ بِالسِّرَايَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِالْقَطْعِ، وَلَوْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِالْقَطْعِ لَكَانَ مُؤَاخَذًا بِالسَّرَايَةِ، كَمَا كَانَ مُؤَاخَذًا بِالْقَطْعِ، وَخَالَفَ الصَّبِيَّ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَالصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ طَلَاقَهُ وَاقِعٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّةِ وُقُوعِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أوجه:
أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: الْعِلَّةُ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ أَنَّهُ مُتَّهِمٌ فِيهِ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ سُكْرُهُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُغَلَّظَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، وَيَكُونُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا مَدِينًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ بأنه الْمَعْصِيَةَ مُغَلَّظ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ كُلُّ مَا كَانَ مُغَلَّظًا مِنَ الطَّلَاقِ، وَالظِّهَارِ وَالْعِتْقِ والردة والحدود، ولا يصح منه د مَا كَانَ تَخْفِيفًا كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ، وَقَبُولِ الْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: إنَّ الْعِلَّةَ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ إِسْقَاطُ حُكْمِ سُكْرِهِ بِتَكْلِيفِهِ، وَأَنَّهُ كَالصَّاحِي فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ مِنْهُ جَمِيعُ مَا كَانَ تَغْلِيظًا وَتَخْفِيفًا، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ: كُنْتُ أَذْهَبُ إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي حَتَّى وَجَدْتُ نَصًّا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ رَجْعَتُهُ وَإِسْلَامُهُ مِنَ الرِّدَّةِ فَرَجَعْتُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا السَّكْرَانُ بِشُرْبِ دَوَاءٍ غَيْرِ مُطْرِبٍ كَشَارِبِ الْبَنْجِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التداوي ولا يقصد به السكر، فلا يقطع طَلَاقُهُ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ بِهِ السُّكْرَ دُونَ التَّدَاوِي فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أحدهما: أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ السُّكْرِ مِنَ الشَّرَابِ، فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَمُؤَاخَذَتِهِ بِأَحْكَامِهِ عَلَى مَا ذكرنا، لمواخذته بِسُكْرِهِ وَمَعْصِيَتِهِ بِتَنَاوُلِهِ كَمَعْصِيَتِهِ بِتَنَاوُلِ الشَّرَابِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِأَحْكَامِهِ وَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِهِ، لأن الشراب مطرب يدعو النفوس إلى تناوله فغلط حكمه آخراً عَنْهُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، كَمَا غُلِّظَ بِالْحَدِّ، وَهَذَا غير مطرب، والنفوس مِنْهُ نَافِرَةٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُغَلَّظْ بِالْحَدِّ، فَلَمْ يغلظ بوقوع الطلاق والله أعلم بالصواب.
(باب الطلاق بالحساب والاستثناء من الجامع من كتابين)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ فَإِنْ نَوَى مَقْرُونَةً بِاثْنَتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى الْحِسَابَ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَوَاحِدَةٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ، فَقَدْ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ حَالَهُ فِيهِ ثلاثة أقسام:
أحدهما: أَنْ يُرِيدَ وَاحِدَةً مَعَ اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقَ ثَلَاثًا لِأَنَّ (فِي) قَدْ تَقُومُ مَقَامَ مَعَ، لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: 77] . أَيْ عَلَى الْقَوْمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ الْحِسَابَ وَهُوَ مَضْرُوبُ وَاحِدَةٍ فِي اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقَ اثْنَتَيْنِ، لِأَنَّهُمَا مَضْرُوبُ الْوَاحِدَةِ فِيهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ إِرَادَةً، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَاهُنَا، وَفِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهَا تَكُونُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إِيقَاعٌ لَهَا وَقَوْلَهُ فِي اثْنَتَيْنِ عَلَى مُقْتَضَى اللِّسَانِ، ظَرْفٌ لِلْوَاحِدَةِ، وَالظَّرْفُ مَحَلٌّ لَا يَتْبَعُ الْمَقْصُودَ فِي حُكْمِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي ثَوْبَيْنِ، أَوْ فِي دَارَيْنِ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً إِذَا لَمْ يُرِدْ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ كَانَ إِقْرَارًا بِالثَّوْبِ، دُونَ الْمِنْدِيلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: تُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلطَّلَاقِ مَحَلٌّ، فَيَجْعَلُ الِاثْنَتَيْنِ ظَرْفًا، وَإِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، فَصَارَ مَحْمُولًا عَلَى مُوجَبِ الْحِسَابِ فَكَانَ اثْنَتَيْنِ، وَهَذَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلطَّلَاقِ مَحَلٌّ فَلِلْمُطَلَّقَةِ مَحَلٌّ فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ فِي ثَوْبَيْنِ وَفِي دَارَيْنِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ هَذَا الِاحْتِمَالِ.
(فَصْلٌ:)
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ أَرَادَ مَعَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرَادَ الْحِسَابَ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ طلقت اثنين أيضاً.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا تَقَعُ عَلَيْكِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ قَدْ أَوْقَعَ وَاحِدَةً، وَأَرَادَ رَفْعَهَا فَالطَّلَاقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَرْتَفِعُ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ، أَنْتَ حُرٌّ حُرِّيَّةً لَا تَقَعُ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ بَعْدَ الْعِتْقِ لَا تَرْتَفِعُ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا طُلِّقْتِ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ قَوْلُهُ (لَا) بَعْدَ تَقْدِيمِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ لَا طَالِقٌ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ حَرْفَ النَّفْيِ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ لَا يَقَعَانِ عَلَيْكِ طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا يَقَعْنَ عَلَيْكِ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَانِيَةٌ لَا تَقَعُ عَلَيْكِ أَوْ قَالَ: ثَانِيَةٌ لَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ فَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَا تَقَعُ عَلَيْكِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَثَالِثَةٌ لَا تَقَعُ عَلَيْكِ، أَوْ قَالَ: وَثَالِثَةٌ لَا طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ لَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا عَلَيْكِ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً وَصَارَ اسْتِثْنَاءً كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ اثنتين لا واحدة.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَإِنْ قَالَ وَاحِدَةٌ قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ كَانَتْ تَطْلِيقَتَيْنِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابُنَا، أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ أَنَّهَا طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَاحِدَةِ الَّتِي جَعَلَهَا قَبْلَ الَّتِي أَوْقَعَهَا، هَلْ تَقَعُ قَبْلَهَا عَلَى مُوجَبِ لَفْظِهِ أَوْ تَقَعُ مَعَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا تَقَعُ مع التي أوقعها ولا تقع قبلها، لأن لا يَكُونُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ سَابِقًا لِلَفْظِ الطَّلَاقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أنها تَقَعُ قَبْلَ الَّتِي أَوْقَعَهَا، اعْتِبَارًا بِمُوجَبِ لَفْظِهِ، وَيَكُونُ وُقُوعُهَا بَعْدَ لَفْظِهِ، وَقَبْلَ الَّتِي أَوْقَعَهَا بِلَفْظِهِ، فَيَجْعَلُ نَاجِزَ الطَّلَاقِ مُؤَخَّرًا لِيَتَقَدَّمَهُ طَلَاقُ الصِّفَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ وُقُوعُهُ سَابِقًا لِلَفْظِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ نَاجِزَ الطَّلَاقِ يَقَعُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَلَا يَتَعَقَّبُهُ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَمَاتَ مَعَ آخِرِ كَلَامِهِ مِنْ غَيْر
ِ فَصْلٍ
طُلِّقَتْ وَلَوْ كَانَ يَقَعُ بَعْدَهُ لَمْ تُطَلَّقْ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ تقع الطلقتان عليها بعد لقطه بِزَمَانَيْنِ، لِتَقَعَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّلْقَتَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّمَانَيْنِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، تَقَعُ الطَّلْقَتَانِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ زَمَانٍ يُعْتَبَرُ بَعْدَهُ.
فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ فِي نِكَاحٍ كَانَ تَقَدَّمَهُ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا وَاحِدَةً، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ فَإِنْ كانت له بنية على النكاح المتقدم، كان القول فيه مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا تُطَلَّقُ إِلَّا وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا وَلَزِمَهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ طَلْقَتَانِ، وَكَانَ مَدِينًا فِي الْبَاطِنِ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا وَاحِدَةٌ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَتَكُونُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ عَلَى مُوجَبِ لَفْظِهِ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابُنَا، فَتَكُونُ النَّاجِزَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْوَاقِعَةِ بِالصِّفَةِ إِلَّا أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ تَقَعُ الْأُولَى بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَتَقَعُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ: تَقَعُ الْأُولَى مَعَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَتَقَعُ الثَّانِيَةُ مَعَ قَوْلِهِ: بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، أَنَّنِي أَسْتَأْنِفُ إِيقَاعَهَا عَلَيْهَا مِنْ بَعْدِ لَفْظٍ مُسْتَجَدٍّ، وَلَمْ أُرِدْ إِيقَاعَهَا الْآنَ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ قُبِلَ مِنْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْحَال إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَكَانَ مُوعِدًا بِطَلْقَةٍ أُخْرَى، إِنْ أَوْقَعَهَا، وَإِلَّا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ الزَّوْجَةُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلَزِمَتْهُ طَلْقَتَانِ، وَكَانَ مَدِينًا فِي الْبَاطِنِ لَا تَلْزَمُهُ إِلَّا وَاحِدَةٌ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ وَبَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَبَعْدَ وَاحِدَةٍ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ وَبُعْدَهَا وَاحِدَةٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ وَاحِدَةٍ وَبَعْدَ وَاحِدَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَوْقَ وَاحِدَةٍ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً تَحْتَ وَاحِدَةٍ طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ أَوْ تَحْتَ دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الدَّرَاهِمَ تَتَفَاضَلُ، فَجَازَ أَنْ يُنْسَبَ فَوْقَ إِلَى الْجَوْدَةِ وَتَحْتَ إِلَى الرَّدَاءَةِ وَالطَّلَاقُ لَا يَتَفَاضَلُ، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَّا إِلَى الْوُقُوعِ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَإِنْ قَالَ رَأْسُكِ أَوْ شَعْرُكِ أَوْ يَدُكِ أَوْ رِجْلُكِ أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِكِ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ لَا يَقَعُ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ: إِذَا طَلَّقَ بَعْضَ بَدَنِهَا طَلَّقَ جَمِيعِهَا، سَوَاءٌ كَانَ مَا طَلَّقَهُ مِنْهَا جُزْءًا شَائِعًا مُقَدَّرًا كَقَوْلِهِ: رُبُعُكِ طَالِقٌ، أَوْ نِصْفُكُ طَالِقٌ، أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ كَقَوْلِهِ جُزْءٌ مِنْكِ طَالِقٌ، أَوْ كَانَ عُضْوًا مُعَيَّنًا كَقَوْلِهِ: رَأْسُكِ طَالِقٌ، أَوْ يَدُكِ طَالِقٌ أَوْ شَعْرُكِ طَالِقٌ، أَوْ ظُفْرُكِ طَالِقٌ، وسواء كان العضو مما يعبر عن الجملة ولا يحيي كَالرَّأْسِ أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عن الجملة ويحيي بِفَقْدِهِ كَالْيَدِ وَالشَّعَرِ.
أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْجُمْلَةِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي طَلَاقِ بَعْضِهَا، هَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْرِي مِنْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ ثُمَّ يَسْرِي مِنْهُ إِلَى جميعها.
والوجه الثاني: انه ينكمل فِي الْحَالِ ثُمَّ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ سَرَايَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا طُلِّقَتْ، مُقَدَّرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ، وَإِنْ طَلَّقَ عُضْوًا مِنْهَا، طُلِّقَتْ بِخَمْسَةِ أَعْضَاءٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: رَأْسُكِ طَالِقٌ أَوْ ظَهْرُكِ طَالِقٌ، أَوْ وَجْهُكِ طَالِقٌ، أَوْ رَقَبَتُكِ طَالِقٌ أَوْ فَرْجُكِ طَالِقٌ، وَلَا تُطَلَّقُ بِغَيْرِهَا مِنْ قَوْلِهِ: يَدُكِ طَالِقٌ وَرِجْلُكِ طَالِقٌ، وَشَعْرُكِ طَالِقٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْخَمْسَةِ دُونَ غَيْرِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعِلَّةُ فِيهَا أنها أعضاء لا يحيى بقطعها، واليد والرجل يحيى بِقَطْعِهَا، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ إِنَّ الْعِلَّةَ فِيهَا أَنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْخَمْسَةِ عَنْ جُمْلَتِهَا، وَلَا يُعَبَّرُ بِغَيْرِهَا عنها، أما الوجه قوله تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27] . وَأَمَّا الرَّأْسُ فَلِقَوْلِهِمْ: عِنْدِي كَذَا رَأْسٍ مِنَ الرَّقِيقِ، وَأَمَّا الظَّهْرُ فَلِقَوْلِهِمْ: عِنْدِي مِنَ الظَّهْرِ كَذَا وَكَذَا، وَأَمَّا الرَّقَبَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] .
وَأَمَّا الْفَرْجُ فَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَكِبَتِ الْفُرُوجُ الشُّرُوجَ) .
وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِطَلَاقِ مَا سِوَاهَا، بِأَنَّهُ جُزْءٌ يَصِحُّ بَقَاءُ النِّكَاحِ مَعَ فَقْدِهِ، فَإِذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ لَمْ يُطَلَّقْ بِهِ كَالدَّمِ وَاللَّحْمِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ صِحَّةَ الطَّلَاقِ مُعْتَبَرٌ بِالْقَوْلِ، فَلَمْ يَصِحَّ إِيقَاعُهُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ قَالَ: وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْفُرْقَةِ فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُهُ بِبَعْضِ مُعَيَّنٍ كَالْفَسْخِ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّهُ طَلَّقَ جُزْءًا اسْتَبَاحَهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، إِذَا كَانَ مِنْ أَصْلِهِ كَالْجُزْءِ الشَّائِعِ، فَإِنْ قِيلَ: الْمَعْنَى فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، أَنَّهُ يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، فَوَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَالْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ لَا يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ.
قِيلَ: لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الطَّلَاقِ بِالْبَيْعِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقِفُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ وَلَا يَسْرِي إِلَى غَيْرِهِ، فَصَحَّ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ يَسْرِي، فَوَقَعَ عَلَى الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ، وَالشَّائِعِ جَمِيعًا لِسَرَايَتِهَا إِلَى الْجَمِيعِ، فَإِنْ قِيلَ فَالْجُزْءُ الْمُشَاعُ هُوَ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، فَجَازَ أَنْ يَسْرِيَ، وَالْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ لَيْسَ بِشَائِعٍ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْرِيَ قِيلَ إِذَا جَازَ أَنْ يَسْرِيَ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ الشَّائِعِ إِلَى جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ جَازَ أَنْ يَسْرِيَ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ الْمُعَيَّنِ إِلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْعُضْوُ تَابِعٌ لِلْجُمْلَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْرِيَ حُكْمُ التَّابِعَ إِلَى الْمَتْبُوعِ، كَمَا لَا يَسْرِي عِتْقُ الْحَمْلِ إِلَى الْحَامِلِ لِأَنَّ الْحَمْلَ تَابِعٌ، وَيَسْرِي عِتْقُ الْحَامِلِ إِلَى الْحَمْلِ، لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ، قِيلَ الْعُضْوُ تَابِعٌ لِلنَّفْسِ فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ دِيَاتُ الأطراف في دية النفس،
وليس العضو تابع لِلْبَدَنِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ دِيَةُ عُضْوٍ فِي دِيَةِ عُضْوٍ، ثُمَّ يُنْتَقَضُ بِطَلَاقِ الْفَرْجِ وَالْأَعْضَاءِ الْخَمْسَةِ.
وَقِيَاسٌ ثَانٍ: وَهُوَ أَنَّهُ أَشَارَ بِالطَّلَاقِ إِلَى عُضْوٍ مُتَّصِلٍ بِهَا اتِّصَالَ الْخِلْقَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَالْإِشَارَةِ بِهِ إِلَى جَمِيعِ الْجُمْلَةِ كَالْأَعْضَاءِ الْخَمْسَةِ، وَقَوْلُنَا: اتِّصَالَ الْخِلْقَةِ احْتِرَازًا مِنَ الْأُذُنِ إِذَا أُلْصِقَتْ بَعْدَ قَطْعِهَا، فَإِنَّهُ إِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ لَمْ يُطَلِّقْ بِهِ.
فَإِنْ قيل: المعنى في الأعضاء الخمسة أنها قوم البدن، وأنها لا يحيى بِفَقْدِهَا انْتُقِضَ بِالْكَبِدِ وَالْفُؤَادِ لِأَنَّهُمَا قَوَامُ الْبَدَنِ، لا يحيى إِلَّا بِهِمَا، وَلَا تُطَلَّقُ عِنْدَهُ بِطَلَاقِهِمَا.
وَأَنْ يُقَالَ: الْمَعْنَى فِيهَا أَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْجُمْلَةِ، كَانَ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُعَبَّرُ عَنِ الْجُمْلَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ يَتَعَلَّقُ بِالْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْجُمْلَةِ إِذَا أُطْلِقَتْ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ وَهِيَ هَاهُنَا مُضَافَةٌ، لِأَنَّهُ قَالَ: رَأْسُكِ طَالِقٌ، فَلَمْ يعبر بها مع الإضافة إلى عَنْهَا، لَا عَنِ الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ قَدْ مَيَّزَتِ الْمُضَافَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ الْأَعْضَاءِ الْخَمْسَةِ.
أما اليد فبقوله تعالى: ﴿تبت يد أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] .
وَأَمَّا الرِّجْلُ فَلِقَوْلِهِمْ: لِفُلَانٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ قَدَمٌ أَيْ مَنْزِلَةٌ، وَأَمَّا الشَّعَرُ فَلِقَوْلِهِمْ حَيَّا اللَّهُ هَذِهِ اللِّحْيَةَ أَيِ الْجُمْلَةَ.
وَقِيَاسٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ كُلَّمَا لَوِ اسْتَثْنَاهُ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ بَطَلَ، وَجَبَ إِذَا أَوْقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ أَنْ يَقَعَ كَالْفَرْجِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْحَمْلِ وَالدَّمِ، فَالْمَعْنَى فِيهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبِحْهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، فَالْمَعْنَى فِيهِمَا أَنَّهُمَا لَا يَدْخُلُهُمَا السَّرَايَةُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْفَسْخِ فَالْمَعْنَى فِي الْفَسْخِ أَنَّهُ لَا يَسْرِي كَسَرَايَةِ الطَّلَاقِ فَخَالَفَ حُكْمَ الطَّلَاقِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا، فَكُلُّ مَا كان متصلاً ببدنها اتصال الخلقة مع جَمِيعِ الْأَطْرَافِ وَالشَّعَرِ، وَإِذَا أَوْقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، وَقَعَ عَلَى جَمِيعِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وَجْهَيْ أَصْحَابِنَا فِي وُقُوعِهِ جُمْلَةً أَوْ سَرَايَةً.
فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا اتِّصَالَ الْخِلْقَةِ، كالحمل
وَالْأُذُنِ الْمُلْصَقَةِ بَعْدَ الْقَطْعِ، فَلَا تُطَلَّقُ بِطَلَاقِهِ.
وَكَذَلِكَ الدَّمُ وَالرِّيقُ وَالْعَرَقُ، لِأَنَّ الْبَدَنَ وِعَاؤُهُ وَلَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِهِ، كَمَا يَكُونُ وِعَاءً لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلِذَلِكَ يَنفَصْلٌ عَنِ الْبَدَنِ كَانْفِصَالِ الطَّعَامِ والشراب، فذلك لَمْ تُطَلَّقْ بِطَلَاقِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: تُطَلَّقُ بِطَلَاقِ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا وَفِي بَدَنِهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا، وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا عَلَّلْنَا بِهِ، وَأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِهِ: ثِيَابُكِ طَالِقٌ، وَهَكَذَا لَوْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى أَفْعَالِهَا فَقَالَ: أَكْلُكِ طَالِقٌ، أَوْ شُرْبُكِ طَالِقٌ أَوْ قِيَامُكِ طَالِقٌ أَوْ وقُودُكِ طَالِقٌ، وَهَكَذَا إِذَا أَوْقَعَهُ عَلَى حَوَاسِّهَا فَقَالَ: نَظَرُكِ طَالِقٌ أَوْ سَمْعُكِ طَالِقٌ أَوْ ذَوْقُكِ طَالِقٌ أَوْ لَمْسُكِ طَالِقٌ لَمْ تُطَلَّقْ، لِانْفِصَالِهِ عَنْهَا، إِلَّا أَنْ يُوقِعَهُ عَلَى جَوَارِحِ هَذِهِ الْحَوَاسِّ فَيَقُولَ: عَيْنُكِ طَالِقٌ، وَأُذُنُكِ طَالِقٌ، وَأَنْفُكِ طَالِقٌ وَلِسَانُكِ طَالِقٌ فَتُطَلَّقُ، فَإِنْ قَالَ: عِنْدَكَ طَالِقٌ لَمْ تُطَلَّقْ أَيْضًا، فَأَمَّا إِنْ قَالَ: بَيَاضُكِ طَالِقٌ أَوْ سَوَادُكِ طَالِقٌ، أَوْ لَوْنُكِ طَالِقٌ فَفِي وُقُوعِهِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ، لِأَنَّهُ مِنْ ذَاتِهَا الَّتِي لَا تَنْفَصْلٌ عَنْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ، لِأَنَّ الْأَلْوَانَ أَعْرَاضٌ تَحُلُّ الذَّاتَ وَلَيْسَتْ أَجْسَامًا كَالذَّاتِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طالق إلا فرجك، وطلقت مع فرجها، لأنها لا تبتعض فِي الطَّلَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَسْرِي، وَالطَّلَاقُ يَسْرِي وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْتِ، وطلقت وَكَانَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لَغْوًا، لِأَنَّهُ رَافِعٌ لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ وَلَهُ زَوْجَتَانِ: يَا حَفْصَةُ أَنْتِ طَالِقٌ وَرَأْسُ عَمْرَةَ بِالرَّفْعِ، طُلِّقَتْ حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ، لِأَنَّهُ طَلَّقَ جَمِيعَ حَفْصَةَ وَطَلَّقَ رَأْسَ عَمْرَةَ، فَطَلَّقَ جَمِيعُهَا، وَلَوْ قَالَ: يَا حَفْصَةُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَرَأْسِ عَمْرَةَ بِالْكَسْرِ لَمْ تُطَلَّقْ عَمْرَةُ، لِأَنَّهُ صَارَ خَارِجًا مَخْرَجَ الْقَسَمِ بِرَأْسِ عَمْرَةَ عَلَى طَلَاقِ حَفْصَةَ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضَ تَطْلِيقَةٍ كَانَتْ تَطْلِيقَةً وَالطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كما قال.
إذا بَعْضُ طَلَاقِهَا يَكْمُلُ وَلَمْ يَتَبَعَّضْ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَعْضُ مِنْهَا كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضَ طَلْقَةٍ، أَوْ كَانَ مِقْدَارًا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ أَوْ عُشْرَ طَلْقَةٍ، سَوَاءٌ قَلَّ الْبَعْضُ أَوْ كَثُرَ، وَيَكُونُ طَلْقَةً كَامِلَةً وَقَالَ دَاوُدُ: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا إِلَّا بِطَلْقَةٍ كَامِلَةٍ وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْضَ طَلْقَةٍ لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَبَعَّضْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْزَمَ مِنْهُ، مَا لَمْ يَلْزَمْ، وَصَارَ الْبَعْضُ الَّذِي أَوْقَعَهُ لَغْوًا.
وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ تَكْمِيلَ الطَّلَاقِ مُوجِبٌ لِكَمَالِ التَّحْرِيمِ، وَتَبْعِيضَهُ مقْتَضى
تَبْعِيضَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْرِيمُ لَا يَتَبَعَّضُ، فَصَارَ التَّحْرِيمُ بِالتَّبْعِيضِ مُمَازِجًا لِلتَّحْلِيلِ، وَهُمَا لَا يَمْتَزِجَانِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فكان تغليب التحريم أولى الأمرين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ إِذَا اجْتَمَعَا يَغْلِبُ حُكْمُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، كَاخْتِلَاطِ زَوْجَتِهِ بِأُخْتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ يَسْرِي، وَإِبَاحَةَ النِّكَاحِ لَا تَسْرِي، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ نِصْفَ زَوْجَتِهِ سَرَى الطَّلَاقُ إِلَى جَمِيعِهَا، وَلَوْ نَكَحَ نِصْفَ امْرَأَةٍ لَمْ يَسْرِ النِّكَاحُ إِلَى جَمِيعِهَا
(مَسْأَلَةٌ:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَيْ تَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ لِلْوَاحِدَةِ نِصْفَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي أَنَّهَا فِي الْحَالَيْنِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، كما أن لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ نِصْفَا دِرْهَمٍ، فِي أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْحَالَيْنِ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثِ طَلْقَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعِ طَلْقَةٍ، كَانَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، مَا لَمْ يُرِدْ أَكْثَرَ مِنْهَا، لأن للطلقة الواحدة ثلاث أَثْلَاثٍ وَأَرْبَعَةُ أَرْبَاعٍ.
(فَصْلٌ:)
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ، وَمِثْلَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ مِثْلَ النِّصْفِ نِصْفٌ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: نِصْفَيْ تَطْلِيقَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُطَلَّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَ النِّصْفَيْنِ وَاوَ الْعَطْفِ وَقَدْ أَدْخَلَهَا هَاهُنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَضَافَ النِّصْفَيْنِ إِلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُضِفْهَا هَاهُنَا إِلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَمِثْلَهُ، طُلِّقَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ طَلْقَتَيْنِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أنت طالق نصف طلقة ونصفها طلقت ثنتين وَجْهًا وَاحِدًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالضِّعْفِ، أَنَّ الْمِثْلَ نَظِيرٌ، وَالضِّعْفَ تَكْرِيرٌ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أنصاف تكون واحدة ونصف، فَكَمَّلَ اثْنَتَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ أَضَافَ الثَّلَاثَةَ الْأَنْصَافَ إِلَى الْوَاحِدَةِ، فَصَارَ النِّصْفُ الثَّالِثُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الْوَاحِدَةِ لَغْوًا فَسَقَطَ، وَطُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعَةَ أَثْلَاثِ طَلْقَةٍ، أَوْ خَمْسَةَ أَرْبَاعِ طَلْقَةٍ كان على هذين الوجهين:
أحدهما: تطلق ثنتين.
وَالثَّانِي: وَاحِدَةً.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَهَا وَسُدُسَهَا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ قَدْ كَمَّلَها بِالْأَجْزَاءِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَهَا وَرُبُعَهَا وَسُدُسَهَا فَقَدْ زَادَتْ أَجْزَاؤُهَا عَلَيْهَا، وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى وَاحِدَةٍ، فَكَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَقَوْلِهِ ثَلَاثَةَ أضعاف طلقة:
أحدهما: تطلق ثنتين.
وَالثَّانِي: وَاحِدَةً، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ وَسُدُسَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ سُدُسَ طَلْقَةٍ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ إِذَا أَدْخَلَ بَيْنَ الْأَجْزَاءِ (وَاوَ الْعَطْفِ) تَغَايَرَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ وَإِذَا حَذَفَهَا لَمْ يَتَغَايَرْ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تُطَلَّقُ وَاحِدَةً وَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ واحدة من ثنتين، وَيَكُونُ النِّصْفُ مُمَيِّزًا لِإِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُطَلَّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَيَكُونُ النِّصْفُ رَاجِعًا إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّلْقَتَيْنِ، فَتُطَلَّقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا، وَيَسْرِي إِلَى جَمِيعِهَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَيْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فعلى الوجه الأول: تطلق تطلقتين، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا، أَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَلِأَنَّ النِّصْفَ لَمَّا كَانَ مُوقِعًا لِطَلْقَةٍ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةُ أَنْصَافٍ مُوقِعًا لِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ.
وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْصَافِ يَرْجِعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ، فَيَصِيرُ مُوقِعًا لِسِتٍّ فَوَقَعَ مِنْهَا ثَلَاثٌ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ نِصْفُ طَالِقٍ طُلِّقَتْ كَمَا لَوْ قَالَ (نِصْفُكِ طَالِقٌ) ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ نِصْفُ طَلْقَةٍ كَانَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ.
كَقَوْلِهِ أَنْتِ الطَّلَاقُ.
أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً إِذَا قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ الطَّلَاقُ صَرِيحٌ.
وَالثَّانِي: لَا تُطَلَّقُ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ كِنَايَةٌ.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ قَدْ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةً كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَالِقًا وَاحِدَةً وَكَذَلِكَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ قَسْمَ كُلِّ وَاحِدَةٍ فَيُطَلَّقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا قَالَ لِأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ لَهُ: قَدْ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةً، كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِنَّ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي عُرْفِ الْخِطَابِ بَيْنَ قَوْلِهِ: قَدْ أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ قَدْ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ، كَمَا لَا فَرْقَ فِي الْإِقْرَارِ بَيْنَ قَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَبَيْنَ قَوْلِهِ هِيَ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، لِأَنَّ حُرُوفَ الصِّفَاتِ يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا فَلَهُ فِي إِيقَاعِ الطَّلَاقِ بَيْنَهُنَّ سِتَّةٌ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُنَّ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَتُطَلَّقَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ إِذَا قُسِّمَتْ بَيْنَ أَرْبَعٍ، كَانَ قِسْطُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الرُّبُعَ فَيَكْمُلُ الرُّبُعُ بِالسَّرَايَةِ تَطْلِيقَةً كَامِلَةً.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُنَّ تَطْلِيقَتَيْنِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ فِيهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ قِسْمَةَ جُمْلَةِ التَّطْلِيقَةِ بَيْنَهُنَّ، فَتُطَلَّقَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، لِأَنَّ قِسْطَهَا مِنْ قِسْمَةِ الثِّنْتَيْنِ نِصْفُ وَاحِدَةٍ فَكَمُلَتْ وَاحِدَةً.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ قِسْمَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُنَّ، فَتُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَطْلِيقَتَيْنِ، لِأَنَّ قِسْطَهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رُبُعٌ، فَيَكْمُلُ الرُّبُعُ طَلْقَةً، فَوَقَعَ عَلَيْهَا بِالرُّبُعَيْنِ تَطْلِيقَتَانِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونُ لَهُ إِرَادَةٌ فِي الْقَسْمِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُحْمُلُ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَى قِسْمَةِ جُمْلَةِ التَّطْلِيقَتَيْنِ بَيْنَهُنَّ، فَيَكُونُ قِسْطُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا آخَرَ، وَحَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي إِفْصَاحِهِ إنَّهُ يُحْمَلُ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَى قِسْمَةِ كُلِّ تَطْلِيقَةٍ بَيْنَهُنَّ، فَيَكُونُ قِسْطُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رُبُعَيْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَتُطَلَّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ محتملاً للأمرين وجب حمله على الأقل.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُنَّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، فَإِنْ أَرَادَ قِيمَةَ الْجُمْلَةِ بَيْنَهُنَّ طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ قِسْطَهَا مِنَ الثَّلَاثِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَةٍ، فَكَمُلَتْ تَطْلِيقَةً وَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ كُلِّ تَطْلِيقَةٍ بَيْنَهُنَّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا، لِأَنَّ قِسْطَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَاتٍ فَيُكْمِلُ كُلُّ رُبُعٍ تَطْلِيقَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُحْمَلُ عَلَى قِسْمَةِ الْجُمْلَةِ فَتُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ تُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُنَّ أَرْبَعَ تَطْلِيقَاتٍ، فَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ الْجُمْلَةِ، طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ منهن واحدة على الْوَجْهِ الْآخَرِ تُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا، وَتَكُونُ الرَّابِعَةُ لَغْوًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ثَلَاثًا.
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُنَّ خَمْسَ تَطْلِيقَاتٍ فَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ الْجُمْلَةِ بَيْنَهُنَّ طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَطْلِيقَتَيْنِ، لِأَنَّ قسط كل واحدة، واحدة وربع، فكملت ثنتين، وَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ كُلِّ تَطْلِيقَةٍ بَيْنَهُنَّ طُلِّقَتْ ثَلَاثًا مِنْ خَمْسٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تُطَلَّقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْقَعَ بَيْنَهُنَّ سِتًّا أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيَةً، لِأَنَّ قِسْطَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ السِّتِّ تَطْلِيقَةٌ وَنِصْفٌ، وَمِنَ السَّبْعِ تَطْلِيقَةٌ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، وَمِنَ الثَّمَانِ تَطْلِيقَتَانِ، وَلَا فَرَقَ بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَبَيْنَ تَطْلِيقَةٍ مِنْ بَعْضِ ثَانِيَةٍ فِي تَكْمِيلِهَا بِطَلْقَتَيْنِ.
وَالْحَالُ السَّادِسَةُ: أَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُنَّ تِسْعَ تَطْلِيقَاتٍ، فَتُطَلَّقَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، لِأَنَّ قِسْطَهَا مِنْ قِسْمَةِ الْجُمْلَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَرُبُعٌ، وَهُوَ أَقَلُّ أَحْوَالِهَا، فَكَمُلَتْ ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْقَعَ بينهن اكثر من سبع أو أكبر مِنْ ثَمَانٍ، وَدُونَ التِّسْعِ كَثَمَانٍ وَنِصْفٍ أَوْ ثمان وعشر، لأنه أزاد قِسْطَ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى الثِّنْتَيْنِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ مِنْ ثَالِثَةٍ، كَمُلَ ثَلَاثًا.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: قَدْ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ تِسْعَ تَطْلِيقَاتٍ، وَقَالَ أَرَدْتُ بِالتِّسْعِ ثَلَاثًا وَاسْتَثْنَيْتُ الرَّابِعَةَ، طَلَّقَ الثَّلَاثَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَطُلِّقَتِ الرَّابِعَةُ فِي الظَّاهِرِ، وَكَانَ مَدِينًا فِي الْبَاطِنِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: قَدْ أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسًا، وَقَالَ: أَرَدْتُ التَّفْضِيلَ بَيْنَهُنَّ فِي الْقِسْمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ ثَلَاثٌ مِنَ الْخَمْسِ لِوَاحِدَةٍ، والثنتان الباقيتان بين الثلاث، قبل قوله الَّتِي فَضَّلَهَا ظَاهِرًا، وَطُلِّقَتْ مِنْهُ ثَلَاثًا، وَقَدْ كَانَ يَقَعُ عَلَيْهَا لَوْلَا التَّفْضِيلُ تَطْلِيقَتَانِ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي اللَّائِي نَقَصَهُنَّ فِي الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ مَدِينًا فِي الْبَاطِنِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَوْلَا التَّفْضِيلُ طَلْقَتَانِ، وَيَقَعُ عَلَيْهَا مَعَ التَّفْضِيلِ وَاحِدَةٌ، فَيَلْزَمُهُ فِي الظَّاهِرِ تَطْلِيقَتَانِ وَفِي الْبَاطِنِ وَاحِدَةٌ والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ إِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ إِذَا بَقَّى شَيئًا فَإِذَا لَمْ يُبَقِّ شَيئًا فمحال) . قال الماوردي: أما الاسثناء فَهُوَ ضِدُّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا لَوْلَاهُ لَكَانَ دَاخِلًا فِيهِ، فَيَكُونُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيًا وَمِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتًا، فَإِذَا قَالَ: جَاءَنِي الْقَوْمُ إِلَّا
زَيْدًا، فَقَدْ أَثْبَتَ مَجِيءَ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، وَنَفَى مَجِيءَ زَيْدٍ إِلَيْهِ، لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْهُمْ وَلَوْ قَالَ: ما جاءني أحداً إلا زيد، فَقَدْ نَفَى مَجِيءَ أَحَدٍ وَأَثْبَتَ مَجِيءَ زَيْدٍ لِاسْتِثْنَائِهِ منْ نَفي، وَإِذَا عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى جُمْلَةٍ، كَانَ الْمُرَادُ بِهَا، مَا بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً كَانَ إِقْرَارُهُ بِسَبْعَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ مُبْتَدِئًا: عَلَيَّ سَبْعَةٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] . فَكَانَ كَقَوْلِهِ: تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ عَامًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ اسْتِثْنَاءٌ ثَانِي بَعْدَ أَوَّلٍ وَثَالِثٌ بَعْدَ ثَانِي فَيَعُودُ الْأَوَّلُ إِلَى الْمُسْتَثْنَى نَقَصَ فِيهِ إِثْبَاتًا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ نَفْيًا، وَالثَّانِي إِثْبَاتًا، وَالثَّالِثُ نَفْيًا لِمَا ذَكَرْنَا، مِنْ أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِثْنَاءِ ضِدُّ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَشَرَةٌ إِلَّا سَبْعَةً إِلَّا خَمْسَةً، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِثَمَانِيَةٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِثْبَاتٌ، فَكَانَ قَوْلُهُ إِلَّا سَبْعَةً نَفْيًا لَهَا مِنَ الْعَشَرَةِ، فَسَقَطَتْ مِنْهَا بَقِيَتْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا قَالَ: إِلَّا خَمْسَةً عَادَ إِلَى السَّبْعَةِ وَهِيَ نَفْيٌ، فَكَانَتِ الْخَمْسَةُ إِثْبَاتًا فَزِيدَتْ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ مِنَ الْعَشَرَةِ، فصارت ثمانية، وصار مستثناً لِاثْنَتَيْنِ مِنْ عَشَرَةٍ، لِأَنَّ الْخَمْسَةَ الْمُسْتَثْنَاةَ مِنَ السَّبْعَةِ يَبْقَى مِنْهَا اثْنَتَانِ فَصَارَ هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْعَشَرَةِ، وَشَاهِدُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ: ﴿قَالُوا إِنَّا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: 58 - 60] . فَاسْتَثْنَى آلَ لُوطٍ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ فِي الْهَلَاكِ ثُمَّ اسْتَثْنَى امْرَأَةَ لُوطٍ مِنْ آلِ لُوطٍ الْمُنَجَّوْنَ مِنَ الْهَلَاكِ، فَصَارَتْ مِنَ الْهَالِكِينَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ يَأْتِي بِوَاوِ الْعَطْفِ، كَانَا اسْتِثْنَاءً وَاحِدًا كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا ثَلَاثَةً، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا سَبْعَةً، فَيَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ، لِأَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَجْمَعُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَمَتَى كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رَافِعًا لِجَمِيعِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ وَثَبَتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً، ثَبَتَ إِقْرَارُهُ بِالْعَشَرَةِ وَبَطَلَ اسْتِثْنَاؤُهُ لِلْعَشَرَةِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَوْضُوعٌ لِإِبْقَاءِ بَعْضِ الْجُمْلَةِ لَا لِرَفْعِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ: جَاءَ بَنُو تَمِيمٍ إِلَّا بَنِي تَمِيمٍ، وَيَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ: إِلَّا الصبيان، لأن في الأول رافع، وفي الثاني مبقي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ رَافِعًا لِلْأَوَّلِ، مُبْقِيًا للأكثر إجماعاً كقوله: علي عشرة إلا درهم، فَيَبْقَى تِسْعَةٌ يَكُونُ مُقِرًّا بِهَا.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ رَافِعًا لِلْأَكْثَرِ مُبْقِيًا لِلْأَقَلِّ جَازَ عَلَى قَوْلِ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَيَقُولُ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ دَرَسْتَوَيْهِ مِنَ النُّحَاةِ، أَنَّهُ أَبْطَلَ الِاسْتِثْنَاءَ إِذَا كَانَ رَفْعَ الْأَكْثَرَ، وَأَبْقَى الْأَقَلَّ وَهُوَ قَوْلٌ مُطْرَحٌ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَدْفَعُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾
[الحجر: 39، 40] . فَاسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَفَى الْكَافِرِينَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] . فَاسْتَثْنَى الْغَاوِينَ من الكافرين وبقي المؤمنين، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ أَكْثَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17] . فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الاستثناء الأكثر وَقَالَ الشَّاعِرُ.
(أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ عَنْ مِائَةٍ ... ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّالًا)
فَاسْتَثْنَى تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ وَهِيَ الْأَكْثَرُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا مِنْ تَمْهِيدِ هَذِهِ الْأُصُولِ، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ مَبْنِيًّا عَلَيْهَا.
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً، طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، لِبَقَائِهَا بَعْدَ اسْتِثْنَائِهَا الْوَاحِدَةَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً اثْنَتَيْنِ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً لِبَقَائِهَا بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لِلِاثْنَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا لِإِيقَاعِهَا بَعْدَ اسْتِثْنَائِهَا وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا.
فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا تُطَلَّقُ ثَلَاثًا، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنَ الطَّلَاقِ إِلَّا ثَلَاثًا، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مِنَ الْخَمْسِ لَغْوٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا، فَطُلِّقَتْ ثَلَاثًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَقَدْ حَكَاهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ، لِأَنَّ الخمس لغواً إِذَا لَمْ يَتَعَقَّبْهَا اسْتِثْنَاءٌ، فَأَمَّا مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا تَكُونُ لَغْوًا لِأَنَّ الْبَاقِيَ هُوَ الْمَقْصُودُ، فَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ اللَّغْوِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، طُلِّقَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَاحِدَةً لِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الثَّلَاثِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا لِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْخَمْسِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، طُلِّقَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَاحِدَةً، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي اثْنَتَيْنِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ سِتًّا إِلَّا ثَلَاثًا، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنْ عَادَ إِلَى السِّتِّ فَقَدْ أَبْقَى ثَلَاثًا، وَإِنْ عَادَ إِلَى الثَّلَاثِ فَقَدِ اسْتَثْنَى جَمِيعَهَا فَلَمْ يَصِحَّ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً، طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ نَفْيٌّ فَبَقِيَتْ بَعْدَهُ وَاحِدَةٌ، وَالِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِي إِثْبَاتٌ فَزَادَتْ بِهِ وَاحِدَةٌ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ قَدْ أَسْقَطَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ وَاحِدَةً، فَصَارَ الْبَاقِي مِنْهُ وَاحِدَةً، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الثَّلَاثِ فَبَقِيَتِ اثْنَتَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا
وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ عَدَدَيِ الِاسْتِثْنَاءِ بِوَاوِ الْعَطْفِ، صَارَ الْمُسْتَثْنَى وَاحِدَةً، وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقُ وَاحِدَةً، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً وَإِلَّا وَاحِدَةً، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، لِأَنَّ دُخُولَ وَاوِ الْعَطْفِ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ يَجْعَلُ إِعَادَةَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ تَأْكِيدًا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا، لِأَنَّ عَدَدَيِ الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا جُمِعَا كَانَا ثَلَاثًا، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا، فَتُطَلَّقُ ثَلَاثًا وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِرَفْعِهِ لِلْجَمِيعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، إِسْقَاطًا لِلْوَاحِدَةِ، الْأَخِيرَةِ مِنْ عَدَدَيِ الِاسْتِثْنَاءِ، لِتَكُونَ الثِّنْتَانِ الْبَاقِيَتَانِ مِنْهُ عَدَدًا يَصِحُّ الاستثناء، فلذلك طلقت واحدة، لأه لَمَّا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا قَالَ: إِلَّا وَاحِدَةً صَارَ كَأَنَّهُ قَدِ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ وَاحِدَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ كَانَ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تُطَلَّقُ ثَلَاثًا إِسْقَاطًا لِجَمِيعِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي تُطَلَّقُ اثْنَتَيْنِ إِسْقَاطًا لِآخِرِ الْعَدَدَيْنِ، وَإِثْبَاتًا لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ وَوَاحِدَةٌ وَوَاحِدَةٌ، إِلَّا وَاحِدَةً طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، وَسَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَرَّقَ الْجُمْلَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا صَارَ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَى أَقْرَبِهَا، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ الْأَخِيرَةُ، فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ، إِلَّا طَلْقَةً طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، لِأَنَّهُ أَفْرَدَهَا، وَلَمْ يَجْمَعْهَا فَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا اثْنَتَيْنِ وَنِصْف إِلَّا وَاحِدَةً، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، لِأَنَّ نِصْفَ الثَّالِثَةِ يَسْرِي، فَيَصِيرُ وَاحِدَةً كَامِلَةً، وقد ضمنها إِلَى اثْنَتَيْنِ بِوَاوِ الْعَطْفِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً فَتُطَلَّقُ ثَلَاثًا وَيَسْقُطُ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدَةِ، لِرُجُوعِهِ إِلَى الْوَاحِدَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهَا تُطَلَّقُ طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ دَخَلَتْ هَاهُنَا، فِيمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَسَرَايَةُ الطَّلَاقِ تَسْتَقِرُّ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِذَا اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنَ اثْنَتَيْنِ وَنِصْفٍ بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ وَنِصْفٌ فَكَمُلَتِ اثْنَتَيْنِ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا نِصْف، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا، لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ طَلْقَتَانِ وَنِصْف، وَيَكُونُ تَكْمِيلُ الطَّلَاقِ فِي الْوَاقِعِ مِنْهُ دُونَ الْمُسْتَثْنَى.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْف إِلَّا طَلْقَةً وَنِصْف فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تُطَلَّقُ ثَلَاثًا، لِأَنَّ الطَّلْقَةَ وَنِصْف لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ نِصْفِ طَلْقَةٍ، فَيَسْقُطَ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَكْمُلَ الْوَاقِعُ ثَلَاثًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُطَلَّقُ طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ النِّصْفَ طَلْقَةٍ الْوَاقِعَةَ مَعَ الطَّلْقَتَيْنِ قَدْ
صَارَتْ ثَلَاثًا، وَقَدِ اسْتَثْنَى مِنْهَا طَلْقَةً وَنِصْف، فَبَقِيَتْ طَلْقَةٌ فَكَمُلَتْ طَلْقَتَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ كَمَالَ الْوَاقِعِ يَكُونُ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ، وَقَدِ اسْتَثْنَى طَلْقَةً وَنِصْف مِنْ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفٍ فَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تطلق تُطَلَّقُ ثَلَاثًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ رَافِعٌ لِلْكُلِّ فَيَسْقُطُ، وَالِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ فَسَقَطَ بِسُقُوطِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُطَلَّقُ طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ سَقَطَ بِرَفْعِهِ لِلْكُلِّ وَقَامَ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَنَفَى طَلْقَةً وَبَقِيَتْ طَلْقَتَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ قَدْ عَادَ إِلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي فَبَقي مِنْهُ وَاحِدَة وَنفي مِنْهُ اثْنَتَانِ، فَصَحَّ عَوْدُهُ إِلَى الثَّلَاثِ، فَبَقِيَ مِنْهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ، كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: تُطَلَّقُ ثَلَاثًا وَيَسْقُطُ جَمِيعُ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَالثَّانِي: تُطَلَّقُ وَاحِدَةً، إِسْقَاطًا لِلِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ، وَإِقَامَة الثَّانِي مَقَامَهُ.
وَالثَّالِثُ: تُطَلَّقُ اثْنَتَانِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَخِيرَ يَرْجِعُ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ، فَبَقِيَ مِنْهُ وَاحِدَةٌ فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدَةِ مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَتَبْقَى اثْنَتَانِ وَتُطَلَّقُ وَاحِدَةً اسْتِعْمَالًا لَهَا فَتَسْقُطُ مِنَ الْأَوَّلِ اثْنَتَانِ، وَتَبْقَى مِنْهُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُسْتَثْنَى.
(فَصْلٌ:)
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَصِحُّ بِجَمِيعِ حُرُوفِهِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فيه، وهي: إلا، وغير، وسوى، وخلا، وحاشى، وَعَدَا، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ أَوْ سِوَى وَاحِدَةٍ أو خلا واحدة أو حاشى وَاحِدَةً أَوْ عَدَا وَاحِدَةً، صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ كُلِّهَا، وَطُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، إِلَّا أَنَّ غَيْرَ وَحْدَهَا مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا الْإِعْرَابُ، فَتُضُمُّ الرَّاءُ مِنْهَا تَارَةً، وَتُفْتَحُ أُخْرَى، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَيْرَ وَاحِدَةٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ، كَانَ اسْتِثْنَاءٌ وَطَلَّقَتِ اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا غَيْرُ وَاحِدَةٍ، بِضَمِّ الراء قال أهل العربية: تطلق ثلاثاً، لان بِالضَّمِّ يَصِيرُ نَفْيًا، وَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً وَتَقْدِيرُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَيْسَتْ وَاحِدَةً، وَلَيْسَ لِأَصْحَابِنَا فِي هَذَا نَصٌّ، فَإِنْ كَانَ الْمُطَلِّقُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُ الْإِعْرَابَ فِي كَلَامِهِ، فَالْجَوَابُ عَلَى مَا قَالُوهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ اخْتِلَافِ وِجْهَتَيْ أَصْحَابِنَا فِي أَمْثَالِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ، فَقَالَ: أَنْتِ إِلَّا وَاحِدَةً طَالِقٌ ثَلَاثًا، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَسَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ، لِأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى مَا تَقَدَّمُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَا تَعَقَّبَهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَ
فِي كَلَامِهِمْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى مَا تَعَقَّبَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ فِي مَدْحِ هِشَامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ خَالِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
(وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلَّا مُمَلَّكًا ... أبو أمه حي أبو يقاربه)
فقد الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَكَانَ التَّقْدِيرُ وَمَا مثله في الناس حتى يُقَارِبُهُ إِلَّا مُمَلَّكًا أَبُو أَمِّ ذَلِكَ الْمُمَلَّكِ، أَبُو هَذَا الْمَمْدُوحِ.
قِيلَ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إِنَّمَا قُدِّمَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، مَا زَالَتِ الضَّرُورَةُ عَنْهُ وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة)
: قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَوَلَدَتْ ثَلَاثًا فِي بَطْنٍ طُلِّقَتْ بِالْأَوَّلِ وَاحِدَةً وَبِالثَّانِي أُخْرَى وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّالِثِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا وَاحِدًا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَسَوَاءٌ وَضَعَتْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، كَامِلَ الْخَلْقِ أَوْ نَاقِصًا، فَأَمَّا إِنْ وَضَعَتْ يَدًا أَوْ رِجْلًا لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّهُ بَعْضُ وَلَدٍ وَلَيْسَ بِوَلَدٍ وَتَصِيرُ بِهِ لَوْ كَانَتْ أُمَّهُ أَمَّ وَلَدٍ، وَلِأَنَّهَا قَدْ عَلِقَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ.
وَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدَيْنِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَلِدَهُمَا مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لِكَوْنِهِمَا فِي مَشِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَتُطَلَّقُ بِهِمَا طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ كُلَّمَا مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْرَارِ.
وَقَدْ تَكَرَّرَتْ صِفَةُ الطَّلَاقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَكَرَّرَ بِهَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَعَلَيْهَا بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ أَنْ تَعْتَدَّ بِالْأَقْرَاءِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَضَعَهُمَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ رَاجَعَهَا بَعْدَ الْأَوَّلِ، فَتُطَلَّقُ بِالثَّانِي ثَانِيَةً وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ رَاجَعَهَا فَتُطَلَّقُ بِالْأَوَّلِ وَاحِدَةً، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالثَّانِي وَلَا تُطَلَّقُ بِهِ، لِأَنَّ مَا انْقَضَتْ بِهِ الْعُدَّةُ لم ويقع بِهِ الطَّلَاقُ، وَإِنَّمَا انْقَضَتْ بِهِ الْعُدَّةُ، لِأَنَّهَا بِوُقُوعِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ مُعْتَدَّةٌ، وَالْمُعْتَدَّةُ إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَانَتْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ إِذَا انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ، لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِوَضْعِهِ.
والثاني لا يقع عليها الطلاق في حال الْبَيْنُونَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: إِذَا مُتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ تُطَلَّقْ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْمَوْتِ، فَلَمْ تُطَلَّقْ بِالْمَوْتِ.
وَحَكَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلًا ثَانِيًا فِي الْإِمْلَاءِ، أَنَّهَا تُطَلَّقُ بِالثَّانِي أُخْرَى وَتَنْقَضِي بِهِ الْعُدَّةُ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ فِي الثَّانِي كَوُجُودِهَا فِي الْأَوَّلِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْبَيْنُونَةُ مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، كَالَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
وَأَنْكَرَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا تَخْرِيجَ هَذَا الْقَوْلِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّنِي لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمَالِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ابْنُ خَيْرَانَ مَنْ وقف على أمالي الشافعي قبله، فلم يحكيه مِنْهُمْ أَحَدٌ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْنُ خَيْرَانَ مَنْسُوبًا فِي حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى السَّهْوِ وَالْغَلَطِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحِجَاجَ يُبْطِلُهُ وَهُوَ كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِذَا مُتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَاتَ لَمْ تُطَلَّقْ إِجْمَاعًا لِأَنَّ مَا بِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَتْ بِهِ الْبَيْنُونَةُ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا حَكَّاهُ ابْنُ خَيْرَانَ مَحْمُولَا عَلَى أَنَّهَا وَضَعَتْهُمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَطُلِّقَتْ بِهِمَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ، وَلَوْ وَضَعَتْهُمَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، طُلِّقَتْ بِالْأَوَّلِ وَاحِدَةً، وَلَمْ تَنْقَضِ به الْعِدَّةُ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي، وَلَمْ تُطَلَّقْ بِهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّفْرِيعُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ، فَإِنْ وَضَعَتْهُمْ مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ طلقت بهم ثلاثاً، وانقضت عدتها بالأقراء، ولو وَضَعَتْهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ طُلِّقَتْ بِالْأَوَّلَ وَاحِدَةً وَبِالثَّانِي ثَانِيَةٍ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّالِثِ، وَلَمْ تُطَلَّقْ بِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الثَّلَاثَةُ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ طُلِّقَتْ بِالْأَوَّلِ وَحْدَهُ طَلْقَةً.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حَمْلٍ مُسْتَأْنَفٍ فَيَكُونُ لُحُوقُهُمَا بِهِ، كَمَنْ وَضَعَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَدَّتِهَا عَلَى مَا سَنُفَصْلهُ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِنْدِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُمْتَنِعُ أَنْ يَطَأَهَا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ عَنِ الثَّالِثِ فَتُعَلَّقُ وَيَكُونُ بَاقِيه فِي عِدَّتِهَا إِلَى وَضْعِهِ، فَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِمَا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ وَجْهٌ، وَنُظِرَ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي وَلَمْ تُطَلَّقْ بِهِ وَكَانَ لَاحِقًا بِالزَّوْجِ، وَصَارَ الثَّالِثُ مَوْلُودًا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَيَكُونُ لُحُوقُهُ عَلَى مَا سَنُفَصْل فِي الْمَوْلُودِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُمَا مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى هَذَا تُطَلَّقُ بِالثَّانِي ثَانِيَةً وَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ لِبَقَاءِ الْحَمْلِ، تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالثَّالِثِ، وَلَا تُطَلَّقُ بِهِ وَيُلْحَقَانِ بِالزَّوْجٍ كَالْأَوَّلِ.
وَلَوْ وَضَعَتْ أَرْبَعَةَ أَوْلَادٍ نُظِرَ، فَإِنْ وَضَعَتْهُمْ مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، طُلِّقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا تَقَعُ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا
بِالْأَقْرَاءِ، وَإِنْ وَضَعَتْهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَجَمِيعُهُمْ فِي حَمْلٍ وَاحِدٍ طُلِّقَتْ بِالْأَوَّلِ وَاحِدَةً وَبِالثَّانِي ثَانِيَةً وَبِالثَّالِثِ ثَالِثَةً، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالرَّابِعِ.
فَلَوْ وَضَعَتِ اثْنَيْنِ مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ اثْنَيْنِ مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ طُلِّقَتْ بِالِاثْنَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ طَلْقَتَيْنِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةً بِالِاثْنَيْنِ الْآخِرَيْنِ، وَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُمَا كَالْوَلَدِ الواحد في الانفصال، فلو ضعت ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ وَضَعَتْ رَابِعًا مُنْفَرِدًا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا بِالثَّلَاثَةِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالرَّابِعِ الْمُنْفَرِدِ، وَلَوْ وَضَعَتِ الْوَاحِدَ الْمُنْفَرِدَ أَوَّلًا ثُمَّ الثَّلَاثَ الْمُجْتَمِعِينَ مَعًا، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بِالْأَوَّلِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّالِثِ، وَلَمْ تُطَلَّقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ إِذَا اجْتَمَعُوا فِي الطَّلَاقِ حُكْمُ الِافْتِرَاقِ، وَفِي الْعِدَّةِ حُكْمُ الْوَاحِدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَرِنَ عَدَدُ الطَّلَاقِ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ تَقْتَرِنَ الْعِدَّةُ وَالطَّلَاقُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ: كُلَّمَا كَانَ فِي بَطْنِكِ وَلَدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَوَضَعَتْ وَلَدًا وَاحِدًا، طُلِّقَتْ بِهِ وَاحِدَةً، وَانْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ، إِذَا وَلَدْتِ وَلَدًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَالِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِتَقَدُّمِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهَا تُطَلَّقُ بِكَوْنِهِ فِي بَطْنِهَا وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْوِلَادَةِ، أَنَّهُ كَانَ فِي بَطْنِهَا، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ العدة لولادته بعدم تَقَدُّمِ الطَّلَاقِ وَوُقُوعِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ وَلَدًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِنَفْسِ الْوِلَادَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْقَضِ بِهِ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ يَكُونُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الطَّلَاقِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَضَعَتْ وَلَدَيْنِ طُلِّقَتْ بِهِمَا طَلْقَتَيْنِ سَوَاءٌ وَضَعَتْهُمَا مَعًا أَوْ مُفَرَّقًا، وَانْقَضَتْ بِهِمَا الْعِدَّةُ، وَلَوْ وَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ طُلِّقَتْ بِهِمْ ثَلَاثًا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَخِيرِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ وَلَدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، فَوَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ طُلِّقَتْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَخِيرِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ اللَّفْظَ الْمُوجِبَ لِلتَّكْرَارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (كُلَّمَا) فَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ إِلَّا بِوَاحِدٍ، إِسْقَاطًا لِحُكْمِ التَّكْرَارِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ أَوْ إِذَا وَلَدْتِ وَلَدًا أَوْ مَتَى وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بِالْأَوَّلِ وَلَمْ تُطَلَّقْ بِالثَّانِي وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّالِثِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى طُلِّقَتْ؛ لِأَنَّهَا وَلَدٌ، وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، وَاحِدَةً بِأَنَّهُ وَلَدٌ، وَثَانِيَةً لِأَنَّهُ ذَكَرٌ، وَمِثْلُهُ أَنْ يَقُولَ؛ إِنْ كَلَّمْتِ رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِذَا كَلَّمَتْ زَيْدًا طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ، وَاحِدَةً بِأَنَّهُ رَجُلٌ وَثَانِيَةً بِأَنَّهُ زَيْدٌ.
فَلَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْتِ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ، فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى فَلَهُمَا أربعة أحوال:
أَحَدُهَا: أَنْ تَضَعَهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَتُطَلَّقَ ثَلَاثًا وَاحِدَةً بِوَضْعِ الذَّكَرِ وَاثْنَتَانِ بِوَضْعِ الْأُنْثَى وَتَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَلِدَ الْأُنْثَى أولاً ثم الذكر، فتطلق ثنتين بِالْأُنْثَى، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالذَّكَرِ، وَلَا تُطَلَّقُ بِهِ.
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَلِدَ الذَّكَرَ أَوَّلًا ثُمَّ الْأُنْثَى، فَتُطَلَّقُ بِالذِّكْرِ وَاحِدَةً، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْأُنْثَى، وَلَا تُطَلَّقُ بِهَا.
وَالْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا تعلم كيف ولدتها فَتُطَلَّقُ مِنْ أَجْلِهِ، لِأَنَّهَا يَقِينٌ، لِجَوَازِ أَنْ تَلِدَ الذَّكَرَ ثُمَّ الْأُنْثَى، وَالطَّلَاقُ يَقَعُ بِالْيَقِينِ دُونَ الشَّكِّ، وَيُخْتَارُ لَهُ فِي الْوَرَعِ أَنْ يَلْتَزِمَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ لِجَوَازِ أَنْ تَلِدَهُمَا مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي إِلَّا بِالْيَقِينِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَلِدَهُمَا مَعًا فَتَكُونَ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ، فَلِذَلِكَ مَا الْتَزَمَهَا.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ ذَكَرٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كان في بطنك أنثى فأنت طالق ثنتين فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِتَقَدُّمِ وُقُوعِهِ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَخِيرِ مِنْهُمَا، تَعْلِيلًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ، فَلَوْ وَلَدَتْ خُنْثَى مُشْكَلًا طُلِّقَتْ بِهِ وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ وَإِنْ أُشْكِلَ عِنْدَنَا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُشْكَلٍ، فَأَوْقَعْنَا بِهِ وَاحِدَةً لِأَنَّهَا يَقِينٌ.
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ خُنْثَى لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ خُنْثَى لَمْ تُطَلَّقْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِكِ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى لَمْ تُطَلَّقْ، وَهَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ طَلَاقِهَا أَنْ يَكُونَ كل ما في بطنها ذكراً واحداً، فإذ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ عُدِمَ شَرْطُهُ فَلَمْ يَقَعْ.
وَمِثْلُهُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَ كُلُّ مَا في الكيس دراهم فأنت طالق، فكان فيه دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّ مَا فِي الْكِيسِ دَرَاهِمَ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي الْكِيسِ دَرَاهِمُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَانَ فِيهِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ طُلِّقَتْ كَذَلِكَ الْحَمْلُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ حَفْصَةَ وَعَمْرَةَ: كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدًا، نُظِرَ فَإِنْ وَلَدَتَا مَعًا طُلِّقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَتَيْنِ، وَاحِدَةً بِوِلَادَتِهَا وَالْأُخْرَى بِوِلَادَةِ صَاحِبَتِهَا، وَعَلَيْهِمَا الِاعْتِدَادُ بِالْأَقْرَاءِ، وَإِنْ وَلَدَتْ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى مِثْلَ أَنْ تَلِدَ حَفْصَةُ يَوْمَ السَّبْتَ وَعَمْرَةُ يَوْمَ الْأَحَدِ، طُلِّقَتْ حَفْصَةُ طَلْقَتَيْنِ، وَاحِدَةً بِوِلَادَتِهَا وَالْأُخْرَى بِوِلَادَةِ عَمْرَةَ، وَاعْتَدَّتْ بِالْأَقْرَاءِ، وَطُلِّقَتْ
عَمْرَةُ وَاحِدَةً بِوِلَادَةِ حَفْصَةَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوِلَادَةِ نَفْسِهَا وَلَمْ تُطَلَّقْ بِهِ، وَلَوْ وَلَدَتْ حَفْصَةُ أَوَّلًا ثُمَّ وَلَدَتْ عَمْرَةُ بَعْدَهَا وَلَدَيْنِ، طُلِّقَتْ حفصة ثلاثاً، واحدة بولادتها، واثنان بِوِلَادَةِ عَمْرَةَ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ، وَطُلِّقَتْ عَمْرَةُ طَلْقَتَيْنِ وَاحِدَةً بِوِلَادَةِ حَفْصَةَ وَثَانِيَةً بِوَلَدِهَا الْأَوَّلِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَلَدِهَا الثَّانِي وَلَمْ تُطَلَّقْ.
وَلَوْ وَلَدَتْ عَمْرَةُ أَوَّلًا وَلَدَيْنِ، وَوَلَدَتْ حَفْصَةُ بَعْدَهَا وَلَدًا، طُلِّقَتْ عَمْرَةُ وَاحِدَةً بِوَلَدِهَا الْأَوَّلِ وَانْقَضَتْ عدتها بولدها الثاني ولم تطلق به طلقت حَفْصَةُ طَلْقَتَيْنِ بِوَلَدِي عَمْرَةَ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَعْدَهَا وَلَدًا ثَانِيًا طُلِّقَتْ عَمْرَةُ طَلْقَتَيْنِ، وَاحِدَةً بِوَلَدِهَا الْأَوَّلِ، وَثَانِيَةً بِوَلَدِ حَفْصَةَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَلَدِهَا الثَّانِي، وَلَمْ تُطَلَّقْ بِهِ، وَلَوْ وَلَدَتْ حَفْصَةُ وَلَدَيْنِ وَعَمْرَةُ وَلَدًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَعْضهم عَلَى بَعْضٍ، طُلِّقَتْ كُلُّ
وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثًا لِثَلَاثَةِ الْأَوْلَادِ، وَاعْتَدَّتْ بِالْأَقْرَاءِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: يَا حَفْصَةُ إِنْ كَانَ أَوَّلُ مَا تَلِدِينَ ذَكَرًا فَعَمْرَةُ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى فَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَلِدَ الذَّكَرَ ثُمَّ الْأُنْثَى فَتُطَلَّقُ عَمْرَةُ دُونَهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَلِدَ الْأُنْثَى ثُمَّ الذَّكَرَ، فَتُطَلَّقُ هِيَ دُونَ عَمْرَةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَلِدَهُمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تُطَلَّقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوَلَدَيْنِ أَوَّلٌ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَلِدَهُمَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَيُشْكَلَ هَلْ تَقَدَّمَ الذَّكَرُ أَوِ الْأُنْثَى؟ فَقَدْ طُلِّقَتْ إِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا، وَيَكُونُ كَالطَّلَاقِ الْوَاقِعِ عَلَى إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَقَدْ أُشْكِلَتْ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: يَا حَفْصَةُ، إِنْ وَلَدْتِ فَأَنْتِ وَعَمْرَةُ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: قَدْ وَلَدْتُ، وَأَكْذَبَهَا الزَّوْجُ، لَمْ تُطَلَّقْ عَمْرَةُ، وَفِي طَلَاقِ حَفْصَةَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْعِدَدِ، وَنَقْلَهُ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ إِلَى جَامِعِهِ، أَنَّ قَوْلَهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا مَقْبُولٌ وَيَقَعُ بِهِ طَلَاقُهَا وَلَا يَلْحَقُ بِالزَّوْجِ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى وِلَادَتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ بِهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى نَفْسِهَا كَمَا لَا يُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهَا، وَكَمَا لَا يَلْحَقُ بِالزَّوْجِ بِقَوْلِهَا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُهَا إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى وِلَادَتِهِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ دَخَلْتُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَاللَّهُ أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَقَعْ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالنُّذُورِ كَهُوَ فِي الأيمان) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهُ أَوْ عِتْقَهُ أَوْ يَمِينَهُ أَوْ نَذْرَهُ أَوْ إِقْرَارَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ عُقُودِهِ وَارْتَفَعَ حُكْمُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْإِقْرَارِ وَالْعُقُودِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَوْ يَكُونُ شَرْطًا يُعَلَّقُ بِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ لِعَدَمِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِهِ فَلَا يَثْبُتُ لِذَلِكَ كُلِّهِ عَقْدٌ وَلَا حُكْمٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُ شَرْطٌ انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فَلَمْ يَلْزَمْ لِعَدَمِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْعَقِدَةً فَهَذَا حُكْمُ مَا عُقِدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْإِقْرَارِ وَالْعُقُودِ، فِي أَنَّ جَمِيعَهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تَقَعُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ حُكْمُ الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَرْتَفِعُ مَا سِوَى الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالنُّذُورِ وَالْإِقْرَارِ.
وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَرْتَفِعُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ حُكْمُ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ وَبِالطَّلَاقِ وَبِالْعِتْقِ، وَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ وُقُوعُ النَّاجِزِ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالنُّذُورِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَرْتَفِعُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ حُكْمُ الْأَيْمَانِ كُلِّهَا، وَحُكْمُ الطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ نَاجِزًا، وَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْعِتْقِ وَالنُّذُورِ وَالْإِقْرَارِ.
فأما مالكاً فَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ) فَاقْتَضَى دَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ حَنِثَ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَافِعٌ كَالْكَفَّارَةِ، فَلَمَّا اخْتُصَّتِ الْكَفَّارَةُ بِالْأَيْمَانِ بِاللَّهِ دُونَ غَيْرِهَا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُخْتَصًّا بِهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ لَهُ بِشَرْطٍ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُتَعَجَّلَ وُقُوعُهُ وَيَسْقُطَ شَرْطُهُ، كَمَا لَوْ
قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ صَعِدْتِ السماء طلق في الحال لاستحالة الشرط، قالوا: ولأن أجر اللَّهُ تَعَالَى الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ عَلَى لِسَانِهِ، مَشِيئَةً مِنْهُ لِإِيقَاعِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ لِوُجُودِ شَرْطِهِ.
وَدَلِيلُنَا: رِوَايَةُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ قَالَ فِي إِثْرِهَا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ) فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ وَفِي الطلاق والعتق،
وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ عُلِّقَ بِمَشِيئَةٍ مِنْ لَهُ مَشِيئَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهَا، أَصْلُهُ إِذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ زَيْدٍ، وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ صَحِيحَةٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ قَبْلَ وُجُودِهَا، أَصْلُهُ إِذَا عَلَّقَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ، وَلِأَنَّ كُلَّ يَمِينٍ لَوْ عَلَّقَهَا بِمَشِيئَةِ آدَمِيٍّ، لَمْ تَقَعْ قَبْلَ الْعِلْمِ، بِهَا، وَجَبَ إِذَا عَلَّقَهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَنْ لَا تَقَعَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهَا كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ارْتَفَعَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ حُكْمُ الْيَمِينِ بِاللَّهِ، مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهَا كَانَ رَفْعُ مَا دُونَهُ فِي الْحُرْمَةِ مِنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ أَوْلَى.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ خَبَرِهِمْ فَهُوَ أَنَّ خَبَرَنَا أَعَمُّ وَأَزْيَدُ فَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْأَخَصِّ الْأَنْقَصِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ كَالْكَفَّارَةِ فِي رَفْعِ الْيَمِينِ بِهِمَا، فَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَافِعٌ لِلْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةَ غَيْرُ رَافِعَةٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ، وَالْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِالْحِنْثِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَافْتَرَقَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِصُعُودِ السَّمَاءِ، فَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ التي تُوجَدُ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ مَيِّتٌ لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ فَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ وَالشَّرْطَ يُلْغَى؛ لِاسْتِحَالَتِهِ، وَأَنَّهُ فِي الْكَلَامِ لَغْوٌ، وَلَيْسَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ وَلَا الْكَلَامُ بِهَا لَغْوٌ، بَلْ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بها وندب إليها بقول تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غداً إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23، 24] .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ إِجْرَاءَ الطَّلَاقِ عَلَى لِسَانِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إرادة إجرائه، ولليس بِدَلِيلٍ عَلَى إِرَادَةِ إِيقَاعِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ إِذَا عَلَّقَهَا بِصُعُودِ السَّمَاءِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّكِ إِنْ صَعِدْتِ السَّمَاءَ، فإنها لا يلزم وَإِنْ قُيِّدَتْ بِشَرْطٍ مُسْتَحِيلٍ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا أَحْمَدُ فَاسْتَدَلَّ عَلَى وُقُوعِ الْعِتْقِ دُونَ الطَّلَاقِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَمْ يُرِدْهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ) ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ وَالْعِتْقُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَمُرِيدٌ لَهُ، فَدَلَّ عَلَى وُقُوعِهِ بِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكٍ اللَّخْمِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ
عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (يَا مُعَاذُ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْعِتَاقِ وَلَا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ) .
فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِمَمْلُوكِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهُوَ حَرٌّ وَلَا اسْتِثْنَاءَ لَهُ، فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، بِدَلِيلَيْنِ عَلَى حَمْلِ مَا دَلَلْنَا بِهِ عَلَى مَالِكٍ، وَهَذَا الْخَبَرُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ حُمَيْدَ بْنَ مَالِكٍ غَيْرُ ثِقَةٍ، وَمَكْحُولٌ لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا.
هَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَحَكَى الدَّارَكِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلُهُ بِحَالٍ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الِاسْتِحْبَابِ وَالْكَرَاهِيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ الشَّيْءُ وَيَلْزَمُ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا وَقَدْ يَقَعُ وَلَا يَلْزَمُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا، فَمَشِيئَةُ اللَّهِ تَرْفَعُ حُكْمَ كُلِّ قَوْلٍ اتَّصَلَ بِهَا مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتِ الْمَشِيئَةُ أَوْ تَأَخَّرَتْ أَوْ تَوَسَّطَتْ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ أَنْتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا طَلَاقَ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَلَا طَلَاقَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَشَأَ فَتُطَلَّقُ، وَقَدْ يَشَاءُ فَلَا تُطَلَّقُ وَلَيْسَ يُعْلَمُ هَلْ شَاءَ أَوْ لَمْ يَشَأْ، فَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ صِفَةَ وُقُوعِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْمَشِيئَةِ لَمْ تُعْلَمْ كَمَا لَا يَقَعُ إِذَا قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِأَنَّ صِفَةَ وُقُوعِهِ وَهُوَ الْمَشِيئَةُ لَمْ تُعْلَمْ، وَهَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ لَمْ تُطَلَّقْ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَفِي وُقُوعِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ؛ لِأَنَّهُ مقيد بمشيئة لا تعلم.
الوجه الثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُطَلَّقُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ، وَجَعَلَ رَفْعَهُ مُقَيَّدًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَهِيَ لَا تُعْلَمُ، فَسَقَطَ حُكْمُ رَفْعِهِ وَثَبَتَ حُكْمُ وُقُوعِهِ، وَخَالَفَ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ حُكْمَ وُقُوعِهِ مُقَيَّدًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَهِيَ لَا تُعْلَمُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ، فَكَانَ وُقُوعُهُ مَوْقُوفًا عَلَى مَشِيئَتِهِ، فَإِنْ شَاءَ طُلِّقَتْ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ تُطَلَّقْ، وإن مات زيداً قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ مَشِيئَتَهُ لَمْ تُطَلَّقْ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ زَيْدٌ مَيِّتًا قَبْلَ طَلَاقِهِ لَمْ تُطَلَّقْ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ طُلِّقَتْ، فَإِنْ مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ مَشِيئَتَهُ، كَانَ عَلَى
الْوَجْهَيْنِ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتِ، فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ وُقُوعَ طَلَاقِهَا بِشَرْطَيْنِ هُمَا مَشِيئَةُ اللَّهِ وَمَشِيئَتُهَا، وَمَشِيئَةُ اللَّهِ لَا تُعْلَمُ وَإِنْ عُلِمَتْ مَشِيئَتُهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ.
فَلَوْ قال: أنت طالق إن شاء الله زَيْدٌ، وَكَانَ زَيْدٌ مَجْنُونًا فَقَالَ؛ قَدْ شِئْتُ لَمْ تُطَلَّقْ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا مَشِيئَةَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ سَكْرَانَ فَشَاءَ طُلِّقَتْ؛ لِثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِأَقْوَالِهِ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ: أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ لِأَنَّ سُكْرَهُ يُوجِبُ تَغْلِيظَ الْحُكْمِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُوجِبُ تَغْلِيظَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ وَكَانَ أَخْرَسَ فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ طُلِّقَتْ، وَلَوْ كَانَ نَاطِقًا فَخُرِسَ فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ لَمْ تطلق؛ لأنه مَشِيئَتَهُ وَقْتَ الطَّلَاقِ كَانَتْ نُطْقًا فَلَمْ تَثْبُتْ بالإشارة وهذا عندي غير صحيح؛ لأنه إِشَارَةَ الْأَخْرَسِ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ مَعَ الْعَجْزِ وَقْتَ الْبَيَانِ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا تَقَدَّمَ الْأَمْرَ، أَنْ لَوْ كَانَ أَخْرَسَ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ نَاطِقًا فِي وَقْتِ الْبَيَانِ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِلَّا بِالنُّطْقِ دُونَ الْإِشَارَةِ وَإِنْ صَحَّتْ مِنْهُ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ بِالْإِشَارَةِ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ ناطقاً فخرس، فو قَالَ؛ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ الْحِمَارُ، فَهَذَا مِنَ الشُّرُوطِ الْمُسْتَحِيلَةِ لِأَنَّهُ لَا مَشِيئَةَ لِلْحِمَارِ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ صَعِدْتِ السَّمَاءَ، فَيَكُونُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ حَفْصَةَ وَعَمْرَةَ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَيْهِمَا، فَلَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يَعْزِلَهَا فِي اسْتِثْنَائِهِ، وَلَوْ قَالَ: حَفْصَةُ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَمْرَةَ الْأَخِيرَةَ، طُلِّقَتْ حَفْصَةُ وَلَمْ تُطَلَّقْ عَمْرَةُ، وَإِنْ أَرَادَهُمَا مَعًا لَمْ تُطَلَّقَا جَمِيعًا، وَإِنْ أَطْلَقَ الِاسْتِثْنَاءَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَيْهِمَا فَلَمْ تُطَلَّقَا؛ لِرُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْعَطْفِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ يَرُدُّهُمْ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِ فَتُطَلَّقُ حَفْصَةُ عِنْدَهُ لِخُرُوجِهَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا تُطَلَّقُ عَمْرَةُ لِدُخُولِهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَلَوْ قَالَ أَرَدْتُ بِالِاسْتِثْنَاءِ حَفْصَةَ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ حُمِلَ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَطُلِّقَتْ عَمْرَةُ الْأَخِيرَةُ دُونَ حَفْصَةَ الْأُولَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُطَلَّقَانِ مَعًا.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، رَجَعَ الِاسْتِثْنَاءُ إِذَا أَطْلَقَهُ إِلَى الطَّلَاقَيْنِ فَلَمْ يَقَعَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْجِعُ إِلَى الثَّانِي وَيَقَعُ الْأَوَّلُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا وَصَلَ طَلَاقَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُرِيدٍ بِأَوَّلِ كَلَامِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يُعْتَبَرُ حُكْمُ أَوَّلِهُ بِآخِرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا حُكْمَ لِلِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى يَنْوِيَهُ عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَوَّلِ كَلَامِهِ بَطَلَ وَهَذَا فَاسِدٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْفَتْحِ طُلِّقَتْ بِخِلَافِ إِنِ الْمَكْسُورَةِ لِأَنَّهَا بِالْكَسْرِ شَرْطٌ وَبِالْفَتْحِ تَعْلِيلٌ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذْ شَاءَ اللَّهُ طُلِّقَتْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إِذَا شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ إِذْ لِلْمَاضِي، فَلَمْ تَكُنْ شَرْطًا وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ فَكَانَتْ شَرْطًا والله أعلم.
(باب طلاق المريض)
(من كتاب الرجعة ومن العدة ومن الإملاء على مسائل مالك واختلاف الحديث)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وَطَلَاقُ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ سَوَاءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: لَا فَرْقَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا أَوْ دُونَهَا وَقَالَ الشَّعْبِيُّ طَلَاقُ الْمَرِيضِ لَا يَقَعُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ فِي الإدما وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ) وَلِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ أَغْلَظُ مِنْ حَلِّهِ، ثُمَّ نِكَاحُ الْمَرِيضِ يَصِحُّ فَحَلُّهُ بِالطَّلَاقِ أَوْلَى أَنْ يَصِحَّ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ مِنْهُ الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يَصِحَّ مِنْهُ الطَّلَاقُ؛ لأن حكمه أغلظ.
(مسألة:)
قال الشافعي: (فَإِنْ طَلَقَ مَرِيضٌ ثَلَاثًا فَلَمْ يَصِحَّ حَتَى مَاتَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا قَالَ الْمُزَنِيُّ فَذَكَرَ حُكْمَ عُثْمَانَ بِتَوْرِيثِهَا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي مَرَضِهِ وَقَوْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَرَ أَنْ تَرِثَ الْمَبْتُوتَةُ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى فِي كِتَابِ الْعِدَّةِ إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنْ لَا تَرِثَ المَبْتُوتَةُ قَوْلٌ يَصِحُّ وَقَدْ ذِهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْآثَارِ وَقَالَ كَيْفَ تَرِثُهُ امْرَأَةٌ لا يرثها وليست له بزوجة قال المزني فقلت أنا هذا أصح وأقيس لقوله قال المزني وَقَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ إِمْلَاءً عَلَى مسائل مالك إن مذهب ابن الزبير أصحهما وقال فيه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي قَطْعِ التَّوَارُثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، قِسْمٌ يَقْطَعُ التَّوَارُثَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الطَّلَاقُ الْبَائِنُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي مَرَضٍ غَيْرِ مُخَوِّفٍ، وَالْبَائِنُ طَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَطَلَاقُ الثَّلَاثِ، وَالطَّلَاقُ فِي الْخَلْعِ، فَلَا يَرِثُهَا وَلَا تَرِثُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْتُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا إِجْمَاعٌ.
وَقِسْمٌ لَا يَقْطَعُ التَّوَارُثَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ يَتَوَارَثَانِ فِيهِ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، فَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ وَإِنْ مَاتَتْ وَرِثَهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ
الْعِدَّةُ فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا.
وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ الطَّلَاقُ الْبَائِنُ فِي الْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ إِذَا اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا إِجْمَاعًا وَإِنْ مَاتَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِيرَاثِهَا مِنْهُ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ نص عليهما في الرجعة والعدد وَالْإِمْلَاءِ عَلَى مَسَائِلَ مَالِكٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْقَدِيمِ فِيهَا نَصٌّ، أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهَا تَرِثُهُ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَرِثُ وَبِهِ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَرُبَّمَا أُضِيفَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْآثَارِ.
وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ وَدَاوُدُ، فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ: أَنَّهَا تَرِثُ فَدَلِيلُهُ مَعْنَى الْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ عَنِ الصَّحَابَةِ.
وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَبْتُوتَةِ فِي الْمَرَضِ تَرِثُ وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ فِي مَرَضِهِ فَوَرَّثَهَا مِنْهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِيلَ بِمُشَاوَرَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقِيلَ إِنَّهَا صُولِحَتْ عَلَى رُبُعِ ثَمَنِهَا لِأَنَّهُنَّ كُنَّ أَرْبَعًا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقِيلَ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَكَانَ بِهِ الْفَالِجُ فَمَاتَ بَعْدَ سَنَةٍ فَوَرِثَهَا مِنْهُ عُثْمَانُ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا حُوصِرَ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ فَوَرَّثَهَا مِنْهُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ: طَلَّقَهَا فِي شَرَفِ الْمَوْتِ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِهَذِهِ الْقَضَايَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ إِلَّا قَوْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَرَ أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ، فَقِيلَ مَعْنَاهُ، لَمْ يَبْلُغِ اجْتِهَادِي أَنْ تَرِثَ مَبْتُوتَةٌ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَهْتَدِ إِلَى هَذَا، فَكَانَ هَذَا مَنْ ذَكَرْنَا مَعَ عَدَمِ الْمُخَالِفِ فِيهِ إِجْمَاعًا حَاجًّا، وَلِأَنَّهَا بَانَتْ فِي حَالٍ يُعْتَبَرُ عَطَايَاهُ فِيهَا مِنَ الثُّلُثِ، فَوَجَبَ أَنْ تَرِثَهُ كَالْبَائِنِ بِالْمَوْتِ، وَلِأَنَّهُ مَتْهُومٌ فِي مَنْعِهَا مِنَ الْإِرْثِ فَأَشْبَهَ الْقَاتِلَ الْمَتْهُومَ فِي اخْتِلَافِ الْإِرْثِ فَكَانَتِ التُّهْمَةُ بِالْقَتْلِ مَانِعَةً مِنَ الْمِيرَاثِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ التُّهْمَةُ بِالطَّلَاقِ مَانِعَةً مِنْ إِسْقَاطِ الْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّ بِالْمَرَضِ قَدْ تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْوَرَثَةِ بَيْنَ مَالِهِ، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْعَطَايَا فِيمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ كَالْوَصَايَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ إِسْقَاطِ حُقُوقِهِمْ مِنْ مِيرَاثِهِمْ لِتَعَلُّقِهَا بتركته.