كتاب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ الْمَذْكُورِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْتَرِفَ بِالِاسْمِ، وَيَذْكُرَ أَنَّهُ اسْمٌ لِغَيْرِهِ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ، وَغَيْرُهُ هُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يعمل اشْتِرَاكُ جَمَاعَةٍ فِي الِاسْمِ الْمَذْكُورِ، وَأَقَلُّهُمْ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ وَاحِدٌ، فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ الْمُسَمَّى فِيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَعْرِفَ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ فَيُؤْخَذُ بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى فِي الظَّاهِرِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي الِاسْمِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لِغَيْرِهِ.
فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّ غَيْرَهُ يُسَمَّى بِمِثْلِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِيمَهَا بِاسْمٍ حَيٍّ مَوْجُودٍ قَدْ شَارَكَهُ فِي اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ولا يحكم عليه بالحق يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ فِي عَيْنِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بَاسِمٍ مَيِّتٍ قَدْ شَارَكَهُ فِي اسْمِهِ وَنَسَبِهِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَيِّتِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَاصَرَ الْحَيَّ أَوْ لَمْ يُعَاصِرْهُ.
فَإِنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ، لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْمُشَارَكَةِ فِي الِاسْمِ تَأْثِيرٌ وَكَانَ الْحَيُّ مَأْخُوذًا بِالْحَقِّ، وَمُعَيَّنًا فِيهِ بِالِاسْمِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ عَاصَرَهُ الْمَيِّتُ لَمْ يَخْلُ مَوْتُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ.
فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ مَنَعَتْ هَذِهِ الْمُشَارَكَةُ مِنْ تَعَيُّنِ الْحُكْمِ عَلَى الْحَيِّ لِمُشَارَكَةِ الْمَيِّتِ فِي الِاسْمِ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَارَكَ فِيهِ حَيًّا حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ.
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أبو حامد الإسفرايني:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الِاشْتِرَاكِ وَيَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ عَلَى الْحَيِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ قَدْ ثَبَتَ عَلَى الْمَيِّتِ كَثُبُوتِهِ عَلَى الْحَيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ به حكم الاشتراك ويؤخذ الحي بالحق؛ لأنه مُطْلَقَ الْأَحْكَامِ مُتَوَجِّهَةٌ فِي الظَّاهِرِ إِلَى الْأَحْيَاءِ دون الأموات.
والحال السادسة: أن يُنْكِرَ الْحَقَّ، وَيَعْتَرِفَ بِالِاسْمِ، وَيَدَّعِيَ جَرْحَ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْحَقِّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سَمَاعِ بَيِّنَتِهِ عَلَى جَرْحِهِمْ.
فَحَكَى الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّهُ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بِجَرْحِهِمْ وَيُؤْخَذُ بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنْ تَوْبَةِ مَنْ تَقَدَّمَ جَرْحُهُ.
وَحُكِيَ فِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ بَيِّنَتَهُ تُسْمَعُ بِجَرْحِهِمْ وَفِسْقِهِمْ فَإِنْ أَقَامَهَا سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ وَبَطَلَ الْحُكْمُ لِثُبُوتِ جَرْحِهِمْ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالْحَقِّ.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَهُ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَرْحِهِمْ:
فَإِنْ كَانَ مِمَّا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مَعَ الْعَدَالَةِ بِأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ، أَوْ لَهُمْ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ شِرْكٌ، أَوْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وِلَادَةٌ تَمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ.
فَهَذَا مَانِعٌ مِنْ قَبْلِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَيْسَ بِجَرْحٍ فِي عَدَالَتِهِمْ، فَتُسْمَعُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَيَبْطُلُ بِهَذَا الْحُكْمُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ جَرَّحَهُمْ بِالْفِسْقِ، وَمَا تَسْقُطُ بِهِ الْعَدَالَةُ، فلا تخلو بينة الجرح من ثلاثة أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ تَشْهَدَ بِفِسْقِ الشُّهُودِ فِي وَقْتِ شَهَادَتِهِمْ فَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بِهَذَا الْجَرْحِ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْجَرْحِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ وَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُمْ بِهَذَا الْجَرْحِ وَيَبْطُلُ بِهِ الْحُكْمُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْهَدُوا بِفِسْقِ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بِهَذَا الْجَرْحِ لِأَنَّ حُدُوثَ الْفِسْقِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْعَدَالَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ، وَيُؤْخَذُ بِالْحَقِّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَشْهَدُوا بِفِسْقِ الشُّهُودِ قَبْلَ سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ، فَيُعْتَبَرُ مَا بَيْنَ زَمَانِ الْجَرْحِ وَالشَّهَادَةِ.
فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لَا يَتَكَامَلُ صَلَاحُ الْحَالِ فِي مِثْلِهِ، سُمِعَتْ بَيِّنَةُ الجرح، وحكم بسقوط شهادتهم.
وإن تَطَاوَلَ مَا بَيْنَ زَمَانِ الْجَرْحِ وَالشَّهَادَةِ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ، وَحُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ، لِأَنَّ الْحَالَ يَصْلُحُ مَعَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، وَيَرْتَفِعُ الْفِسْقُ بِمَا حَدَثَ بَعْدَهُ مِنَ الْعَدَالَةِ.
فَإِنْ سَأَلَ مُدَّعِي الْجَرْحِ إِنْظَارَهُ بِإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ حَتَّى يَلْتَمِسَهَا أُنْظِرَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَحْضَرَهَا، وَإِلَّا أُخِذَ بِالْحَقِّ وَأمْضِي عَلَيْهِ الْحُكْمَ.
فَإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَ الْمَحْكُومِ لَهُ عَلَى عَدَالَةِ شُهُودِهِ، لَمْ تَلْزَمْهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ تَعْدِيلَ الشُّهُودِ إِلَى الْحَاكِمِ دُونَ الْمَحْكُومِ لَهُ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْيَمِينِ فِيهِ.
وَلَوْ سأل إحلافه على أن لا ولادة بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَلَا شَرِكَةَ، وَجَبَ إِحْلَافُهُ عَلَى ذَلِكَ، لِاخْتِصَاصِهِ بِالْمَحْكُومِ لَهُ دُونَ الْحَاكِمِ.
وَلَوْ سأل إحلافه على أن لا عداوة بينه وَبَيْنَهُمْ، فَهَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْزَمْ إِحْلَافُهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ سَأَلَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْهُ الْإِشْهَادَ لَهُ بِقَبْضِ الْحَقِّ منه، وجب
عَلَى الْقَابِضِ الْمُطَالِبِ الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ وَهَلْ يَجِبُ إِشْهَادُ الْقَاضِي عَلَى نَفْسِهِ بِبَرَاءَتِهِ مِنْهُ بِقَبْضِ مُسْتَحِقِّهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْإِشْهَادُ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْقَابِضِ، لِمَا ظَهَرَ مِنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ وَيَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى الْقَابِضِ وَحْدَهُ لِاخْتِصَاصِ إِسْجَالِ الْأَحْكَامِ بِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ دُونَ إِسْقَاطِهَا.
(فصل: [القول في ما يجب على القاضي المطالب بتسمية الشهود] )
وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ فِي كِتَابِهِ فَسَأَلَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ أَنْ يُكَاتِبَ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَسْمَاءِ شُهُودِهِ لَمْ يَلْزَمْ إِجَابَتُهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ اعْتِرَاضًا عَلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ فِي أَحْكَامِهِ وَشُهُودِهِ، وَلَوْ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ سَأَلَ الْمَحْكُومَ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ أَسْمَاءَ شُهُودِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْمِيَتُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُمْ.
وَلَوْ خَرَجَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ إِلَى الْقَاضِي الْحَاكِمِ وَسَأَلَهُ عَنْ تَسْمِيةِ شُهُودِهِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانُوا مِمَّنِ اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُمْ وَهُمْ مِمَّنْ لَا تُعَادُ الْمَسْأَلَةُ لِقَدِيمِ شَهَادَتِهِمْ لَمْ يَلْزَمْ تَسْمِيَتُهُمْ لَهُ.
وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَهُ بِغَيْرِهَا وَهُمْ مِمَّنْ تُعَادُ الْمَسْأَلَةُ عَنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتُهُمْ لَهُ بَعْدَ سُؤَالِهِ.
فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِجَرْحِهِمْ كَانَ سَمَاعُهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
فَإِنْ أَقَامَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَتِهِمْ، نُقِضَ حُكْمُهُ بِهِمْ، وَكُتِبَ بِنَقْضِهِ إِلَى قَاضِيهِ، لِيُسْقِطَ عَنْهُ الْحَقَّ الَّذِي كَاتَبَهُ بِهِ،
وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِجَرْحِهِمْ عِنْدَ قَاضِيهِ الَّذِي كُوتِبَ بِوُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ لَمْ يَسْمَعْهَا، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ شُهُودُ الْحُكْمِ إِلَّا مِنْ قَوْلِ الْخَصْمِ.
فَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي بِأَسْمَائِهِمْ جَازَ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ بِجَرْحِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَيَحْكُمُ بِإِسْقَاطِ الْحَقِّ عَنْهُ.
فَإِنْ سَأَلَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ بِجَرْحِهِمْ إِلَى الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ.
لَزِمَهُ مُكَاتَبَتُهُ بِهِ، لِيُسْقِطَ بِهِ الْحَقَّ عَنِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِهِ، حَتَّى لَا يَأْخُذَهُ بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَيْهِ.
(فَصْلٌ)
: وَلَوْ لَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فِي كِتَابه سَبَبَ حُكْمِهِ، وَقَالَ: ثَبَتَ عِنْدِي بِمَا تَثْبُتُ بِمِثْلِهِ الْحُقُوقُ وَسَأَلَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ، نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ
عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ بِالْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وَيَمِينِ الطَّالِبِ، لَزِمَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لَهُ، لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ بِالْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِحَقٍّ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذِكْرُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ لَزِمَهُ أَنْ يَذْكُرَهَا؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى مُقَابَلَتِهَا بِمِثْلِهَا فَتَرْجَحُ بَيِّنَتُهُ بِالْيَدِ، فَيَكُونُ وُجُوبُ الْبَيَانِ معتبرا بهذه الأقسام.
(فصل: سؤال الطالب الحكم بالشاهد واليمين) .
وَإِذَا سَأَلَ الطَّالِبُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ الْقَاضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَإِنْ كَانَ حَنَفِيًّا لَا يَرَى القضاء بمشاهد وَيَمِينٍ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ شَاهِدَهُ.
وَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا، يَرَى الْقَضَاءَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى حَاضِرٍ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى غَائِبٍ وَيُرِيدُ الطَّالِبُ أَنْ يَتَنَجَّزَ بِهِ كِتَابَهُ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَطْلُوبِ، فَفِي جَوَازِ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فِيمَا يَكْتُبُ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ وَمَذْهَبٌ مَشْهُورٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ فِيهِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، يَرَى نَقْضَ الْحُكْمِ بِهِ وَهُوَ مِنْ سَرَفِهِمْ.
فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْرِيضُ حُكْمِهِ لِلنَّقْضِ وَالْأَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
أَنْ يَعْتَبِرَ رَأْيَ الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِهِ.
فَإِنْ كَانَ يَرَى الْقَضَاءَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ لَمْ يَكْتُبْ بِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَنْ لَا يَذْكُرَهُ فِي كِتَابِهِ، وَيُطْلِقَ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ باجتهاد نفسه ولا يحكم باجتهاد غيره.
(فصل: في مكاتبة القاضي للأمير) .
(مسألة) : قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْخَلِيفَةِ وَالْخَلِيفَةِ إِلَى الْقَاضِي وَالْقَاضِي إِلَى الْأَمِيرِ وَالْأَمِيرِ إِلَى الْقَاضِي سَوَاءٌ لَا يُقْبَلُ إِلَّا كَمَا وَصَفْتُ مِنْ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَجَمِيعُ هَذِهِ الْكُتُبِ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِأَحْكَامٍ وَحُقُوقٍ لَمْ تَثْبُتْ إِلَّا بِالشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ.
وَخَالَفَنَا بَعْضُ مَنْ وَافَقَنَا فِي كُتُبِ الْقُضَاةِ: أَنَّ كُتُبَ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ إِلَى الْقُضَاةِ وَمِنَ الْقُضَاةِ إِلَى الْأُمَرَاءِ تُقْبَلُ بِغَيْرِ الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْعُرْفِ الْمُسْتَمِرِّ.
وَالثَّانِي: صِيَانَةُ السُّلْطَانِ فَمَا يُبَاشِرُ غَيْرُهُ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَنْفُذْ كُتُبُ الْقُضَاةِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا بِالشَّهَادَةِ مَعَ ظُهُورِهِمْ كَانَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ مَعَ احْتِجَابِهِمْ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقُضَاةَ فَرُوعُ الْخُلَفَاءِ، وَحُكْمُ الْأُصُولِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْفُرُوعِ لَمْ يَكُنْ أَضْعَفَ.
فَأَمَّا كُتُبُهُمْ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالْكُتُبُ إِلَيْهِمْ فِي الْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ فَمَقْبُولَةٌ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي أَمْثَالِهَا، مَخْتُومَةٌ مَعَ الرُّسُلِ الثِّقَاةِ لِأَنَّهَا تَكْثُرُ وَالتَّزْوِيرُ فِيهَا يَظْهَرُ وَالْهَيْئَةُ فِيهَا تَمْنَعُ وَالِاسْتِدْرَاكُ فِيهَا مُمْكِنٌ فَمِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ خَالَفَتْ كُتُبُ القضاة في أحكام الرعايا.
(فصل: كتب قاضي أهل البغي) .
وَإِذَا كَتَبَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ إِلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ كِتَابًا فِي حُكْمٍ بِحَقٍّ، نُظِرَ: كَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ لِمُوَافَقه بِقَوْلِهِ كَالْخَطَّابِيَّةِ لَمْ يُقْبَلْ كِتَابُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْكُمُ لِمُوَافَقه بِقَوْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتَهُ، فَفِي قَبُولِ كِتَابِهِ بِالْحُكْمِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ (قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ) ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِقَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَقْبَلَ كِتَابَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ أَحْكَامُهُمْ مُمْضَاةٌ لَا يُرَدُّ مِنْهَا إِلَّا مَا يُرَدُّ مِنْ حُكْمِ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَحْكَامُ كُتُبِهِمْ كَذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ لَيْسَ لِقَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَقْبَلَ كِتَابَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ:
وَيُقْبَلُ كُلُّ كِتَابٍ لِقَاضٍ عَدْلٍ، فَكَانَ دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ لَا يُقْبَلَ كِتَابُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْ كِتَابَهُ وَإِنْ لَمْ نَنْقُضْ حُكْمَهُ.
لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُنْقَضُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ وَالْكِتَابُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ.
فَافْتَرَقَا.
(فصل: في من تقبل كتبه من القضاة) .
وَيُقْبَلُ كِتَابُ قَاضِي الرُّسْتَاقِ وَالْقَرْيَةِ كَمَا يُقْبَلُ كِتَابُ قَاضِي الْمِصْرِ.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ قَبُولِ كِتَابِ قَاضِي الرُّسْتَاقِ وَالْقَرْيَةِ وَجَعَلَ قَبُولَ الْكُتُبِ مَوْقُوفًا عَلَى قُضَاةِ الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى، لِأَنَّ قُضَاةَ الْأَمْصَارِ أَحْفَظُ لِنِظَامِ الْأَحْكَامِ مِنْ قُضَاةِ الرَّسَاتِيقِ وَالْقُرَى.
وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ لِقَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ شُرُوطٌ إِنْ وُجِدَتْ فِي كُتُبِ قُضَاةِ الْقُرَى قُبِلَتْ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي كُتُبِ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ رُدَّتْ.
وَإِذَا كَانَتِ الْقَرْيَةُ قَرِيبَةً مِنَ الْمِصْرِ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى أَهْلِهَا التَّحَاكُمُ إِلَى قَاضِي الْمِصْرِ كَانَ هُوَ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ.
وَجَرَوْا مِنْهُ مَجْرَى أَهْلِ الْمِصْرِ فَلَمْ يَجُزْ لِقَاضِي الْمِصْرِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ كِتَابَ قَاضٍ إِنْ كَانَ لَهُمْ فِي حُكْمٍ لَازِمٍ مَنْ شَهِدُوا بِحُكْمٍ عِنْدَ قَاضِيهِمْ وَيَقْدِرُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِهِ عِنْدَ قَاضِي الْمِصْرِ.
وَإِذَا اتَّسَعَ الْمِصْرُ وَكَانَ ذَا جَانِبَيْنِ كَبَغْدَادَ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبَيْهِ قَاضٍ منفرد برياسته لم يقبل كتاب قاض أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ إِلَى قَاضِي الْجَانِبِ الْآخَرِ فِي ثُبُوتِ الشَّهَادَةِ.
وَقُبِلَ فِي ثُبُوتِ الْإِقْرَارِ إِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ وَلَمْ يُقْبَلْ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ.
لِأَنَّ مَا أَمْكَنَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْأَصْلِ لَمْ يجز أن يحكم فيه بالقرع كالشهادة على الشهادة يحكم فيها بشهود القرع مَعَ تَعَذُّرِ شُهُودِ الْأَصْلِ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا مَعَ إِمْكَانِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(باب القسام)
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى أَجْرُ الْقَسَّامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُمْ حُكَّامٌ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْأَصْلُ فِي الْحُكْمِ بِالْقِسْمَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: 8] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ فِي قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ بِمَلِكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا بِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ حَتَّى تَوَلَّى قِسْمَتَهَا بِنَفْسِهِ ".
وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَنِيمَةَ بَدْرٍ بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ الصَّفْرَاءِ وَقَسَّمَ غَنَائِمَ خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَقَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِأَوْطَاسٍ وَقِيلَ بِالْجِعْرَانَةِ.
وَاخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ فِي مَوَارِيثَ تَقَادَمَتْ وَتَدَارَسَتْ فَقَالَ: اذْهَبَا فَاقْتَسِمَاهَا وَاسْتَهِمَا وَتَحَالَّا، وَقَدْ كَانَ لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَسَّامٌ وَكَانَ قَاسِمُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى يُعْطِيهِ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى قِسْمَةِ الْمُشْتَرَكِ حَاجَةً فَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنْ قَاسِمٍ يُنْصِفُهُمْ فِي الْحُقُوقِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقُسَّامُ حُكَّامٌ، وَإِنَّمَا كَانُوا حُكَّامًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَدْ يُوقِعُونَ الْقِسْمَةَ جَبْرًا كَمَا يُجْبَرُ الْحُكَّامُ فِي الْأَحْكَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ يَسْتَوْفُونَ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا كَاسْتِيفَاءِ الْحُكَّامِ.
وَلَئِنْ كَانُوا حُكَّامًا لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ حُكَّامَ الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْقَسَّامِ مُخْتَصٌّ بِالتَّحَرِّي فِي تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ وَإِقْرَارِهَا وَحُكْمَ الْحُكَّامِ مُخْتَصٌّ بِالِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ وَإِلْزَامِهَا.
وَالثَّانِي: اسْتِعْدَاءُ الْخُصُومِ يَكُونُ إِلَى الْحُكَّامِ دُونَ الْقَسَّامِ لِأَنَّ لِلْحُكَّامِ وِلَايَةً يَسْتَحِقُّونَ بِهَا إِجَابَةَ الْمُسْتَعْدِي وَلَيْسَ لِلْقَسَّامِ وِلَايَةٌ وَلَا عَدْوَى.
وَإِنَّمَا يَقْسِمُونَ بِأَمْرِ الْحُكَّامِ لَهُمْ أَوْ لِتَرَاضِي الشركاء بهم فصارلوا فِي الْقِسْمَةِ أَعْوَانَ الْحُكَّامِ فَلَزِمَ الْحَاكِمَ أَنْ يَخْتَارَ لِنَظَرِهِ مِنَ الْقُسَّامِ مَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقِسْمَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا: الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ مُؤْتَمَنٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا وَلَا فَاسِقَا.
وَالثَّانِي: قِلَّةُ الطَّمَعِ وَنَزَاهَةُ النَّفْسِ حتى لا يرتشي فيما يلي ويجوز.
وَالثَّالِثُ: عِلْمُهُ بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ لَهُمَا، وَعَامِلٌ بِهِمَا وَاعْتِبَارُ هَذَيْنِ فِي الْقَاسِمِ كَاعْتِبَارِ الْعِلْمِ فِي الْحَاكِمِ فَإِذَا عُرِفَ تَكَامُلُ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ عُيِّنَ عَلَى اخْتِيَارِهِ وَنَدْبِهِ للقسمة في عمله.
(تعدد القسام) .
فَإِنِ اكْتَفَى عَمَلُهُ بِقَاسِمٍ وَاحِدٍ.
وَإِلَّا اخْتَارَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَمَلُ، مِنْ ثَانٍ، وَثَالِثٍ ليغني المقتسمين عن اختيار القاسم فَقَدْ يَضْعُفُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنِ الِاجْتِهَادِ فِي اختيارهم.
(أجرة القاسم) .
وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أُجُورُ هَؤُلَاءِ الْقُسَّامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَزَقَهُمْ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُمْ مَنْدُوبُونَ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ أُجُورُهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمَصَالِحِ.
فَإِنْ كَثُرَتِ الْقِسْمَةُ وَاتَّصَلَتْ فُرِضَتْ أَرْزَاقُهُمْ مُشَاهَرَةً فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَإِنْ قَلَّتْ أُعْطُوا مِنْهُ أُجْرَةَ كُلِّ قِسْمَةٍ.
فَإِنْ عَدَلَ الْمُقَسَّمُونَ عَنْهُمْ إِلَى قِسْمَةِ مَنْ تَرَاضَوْا بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ جَازَ، وَلَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَنِ ارْتَضَوْهُ عَبْدًا، أَوْ فَاسِقًا، وَكَانَتْ أُجْرَتُهُ فِي أموالهم ولم تكن في بيت المال.
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَإِنْ لَمْ يُعْطُوَا خُلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ طَلَبَ الْقَسْمَ وَاسْتَأْجَرَهُمْ طَالِبُ الْقَسْمِ بِمَا شَاءَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا أَعْوَزَتْ أُجُورُ الْقَسَّامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِمَّا لِعَدَمِهِ فِيهِ، وَإِمَّا لِحَاجَةِ الْمُقَاتِلَةِ إِلَيْهِ كَانَتْ أُجُورُهُمْ عَلَى الْمُتَقَاسِمِينَ إِنْ لَمْ يَجِدُوا مُتَبَرِّعًا.
وَلَا تَمْنَعُ نِيَابَتُهُمْ عَنِ الْقُضَاةِ أَنْ يَعْتَاضُوا عَلَى الْقِسْمَةِ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ الْمَمْنُوعِينَ مِنَ الاعتياض على الأحكام من الخصوم الوقوع الفرق بينهما وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ فِي الْقَضَاءِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَمْنَعُ بِهِ الْقَاضِي مِنَ الِاعْتِيَاضِ، وَالْقِسْمَةُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ فَجَازَ لِلْقَاسِمِ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ لِلْقَاسِمِ عَمَلًا يُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ فَصَارَ كَصُنَّاعِ الْأَعْمَالِ فِي جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا وَخَالَفَ الْقُضَاةَ الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الَّتِي لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا.
وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْقَاضِي رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِانْقِطَاعِهِ إِلَى الْحُكْمِ وَلَيْسَ بِأَخْذِهِ أُجْرَةً عَلَى الْحُكْمِ كَمَا نَقُولُهُ فِي أَرْزَاقِ الْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ.
(فَصْلٌ)
: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى الْقِسْمَةِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهَا عَنِ الْحُكْمِ فَالْكَلَامُ عَنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَدَدُ الْقُسَّامِ.
وَالثَّانِي: حُكْمُ الْأُجْرَةِ.
فَأَمَّا عَدَدُ الْقُسَّامِ فَلِلْقِسْمَةِ حَالَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَرَاضَى بِهَا الْمُقْتَسِمُونَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْمُرَ بِهَا الْحُكَّامُ.
فَإِنْ تَرَاضَوْا بِهَا حَمَلُوا فِي الْعَدَدِ عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ كَمَا حَمَلُوا فِيهِ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ لِلْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا وَلَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ قَوْلَ هَذَا الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَائِبٍ عَنْهُ وَلَا يَسْمَعُ شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى فِعْلِهِ.
وَإِنْ أَمَرَ الْحَاكِمُ بِالْقِسْمَةِ وَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ الِاخْتِيَارِ فَفِي الْقِسْمَةِ تَعْدِيلٌ وَحُكْمٌ وَالتَّعْدِيلُ مُعْتَبَرٌ بِاثْنَيْنِ كالتقويم ولا يعول في التقويم إلى عَلَى قَوْلِ مُقَوِّمَيْنِ وَالْحُكْمُ فِيهِ قَوْلٌ وَاحِدٌ كَالْحَاكِمِ.
فَيُنْظَرُ فِي الْقِسْمَةِ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَعْدِيلٌ وَتَقْوِيمٌ لَمْ يُجْزِئْ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَعْدِيلٌ وَلَا تَقْوِيمٌ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعِ أَمر الْحَاكِم الشُّرَكَاء إِنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى قَاسِمَيْنِ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ قَاسِمٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ فِي غَيْرِهِ إِنَّ الْقَاسِمَ حَاكِمٌ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ قَاسِمٌ وَاحِدٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْخَرْصِ فَخَرَّجَهُ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُجْزِئُ قَاسِمٌ وَاحِدٌ، كَمَا يُجْزِئُ كَيَّالٌ واحد، ووزان واحد.
والقول الثاني: لا أنه يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ مُقَوِّمَيْنِ، وَكَمَا لَا يُجْزِئُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ أَقَلُّ مِنْ مُجْتَهِدَيْنِ وَلَا يَمْتَنِعُ إِذَا كَانَ الْقَاسِمُ كَالْحَاكِمِ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ اثْنَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ: وَهُوَ إِنْ كَانَ فِي الشُّرَكَاءِ طِفْلٌ، أَوْ غَائِبٌ، لَا يُجِيبُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا حُضُورًا يُجِيبُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَجْزَأَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ، وَيَقْبَلُ الْحَاكِمُ قَوْلَ القاسم ها هنا، لِاسْتِنَابَتِهِ لَهُ كَمَا يَقْبَلُ قَوْلَ خُلَفَائِهِ فَإِنْ جَازَتْ بِقَاسِمٍ وَاحِدٍ قِيلَ فِيهَا قَوْلُ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ إِلَّا بِقَاسِمَيْنِ لَمْ يَقْبَلْ قول الواحد وقبل قول الاثنين.
(فصل: أجرة القسام) .
وأما أجرة القسام فللمقتسمين فيها أربعة أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَتَّفِقُوا فِيهَا عَلَى أُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا وَلَا عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى التَّطَوُّعِ بِالْقِسْمَةِ فَلَا أُجْرَةَ لِلْقَاسِمِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى أُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ، أَوْ أُجْرَةٍ فَاسِدَةٍ، فَتَكُونُ لِلْقَاسِمِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَجْرِيَ لِلْأُجْرَةِ ذِكْرٌ، فَلَا يَكُونُ مِنَ الْمُقْتَسِمَيْنِ بَذْلٌ، وَلَا مِنَ الْقَاسِمِ طَلَبٌ، فَيَنْظُرُ فِي الْقِسْمَةِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ أَمَرَ بِهَا، وَجَبَ لِلْقَاسِمِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَسِمُونَ قَدْ دُعُوا إِلَيْهَا، فَفِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بذَل عَملَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ، لَهُ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَهْلَكُوا عَمَلَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَبِرَ حَالَ الْقَاسِمِ، فَإِنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ اسْتَحَقَّهَا وَإِنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِأَخْذِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّهَا، لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي حَقِّهِمَا كَالشَّرْطِ.
فَإِذَا وَجَبَتِ الْأُجْرَةُ، وَكَانَ الْقَاسِمُ واحدا أخذها، إن كانا اثنين، فلهما في الأجرة ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَحِقَّا أُجْرَةَ الْمِثْلِ، فَيَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُجْرَةٌ مُسَمَّاةٌ، فَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأُجْرَتِهِ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، سَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِيهَا أَوْ تَفَاضَلَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُسَمِّيَ لَهُمَا أُجْرَةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ عَلَى الْمُقْتَسِمَيْنِ غَيْرُهَا.
وَفِي اقْتِسَامِهِمَا بِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَقْتَسِمَانِهَا نِصْفَيْنِ اعْتِبَارًا بِالْعَدَدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَقْتَسِمَانِهَا عَلَى قَدْرِ أُجُورِ أَمْثَالِهِمَا اعْتِبَارًا بِالْعَمَلِ.
(هل أجرة القسام على عدد الرؤوس أو على عدد الأسهم) .
(مسألة)
: قال الشافعي: " فَإِنْ سَمَّوْا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي نَصِيبِهِ شَيْئًا مَعْلُومًا فَجَائِزٌ وَإِنْ سَمَّوْهُ عَلَى الْكُلِّ فَعَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ: إِذَا اسْتَأْجَرَ الْمُقْتَسِمُونَ الْقَاسِمَ بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ فَلَهُمْ فِيهَا حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً دُونَ شُرَكَائِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ وَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حَقِّهِ بِالْتِزَامِ مَا سَمَّى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِيهِ أَوْ يَتَفَاضَلُوا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى اسْتِئْجَارِهِ بِأُجْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَذَا جَائِزٌ وَهُوَ أَوْلَى، لِتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنْهُمْ فِي التَّفْضِيلِ وَالْمُمَايَلَةِ وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ مُقَسَّطَةً بَيْنَهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ وَالسِّهَامِ وَلَا يُقَسِّطُ عَلَى أَعْدَادِ الرُّؤُوسِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقَسِّطُ عَلَى أَعْدَادِ رُؤُوسِهِمْ يَسْتَوِي فِيهَا مَنْ قَلَّ نصيبه وكثر.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْقِيَاسُ تَقْسِيطُهَا عَلَى الرُّؤُوسِ وَالِاسْتِحْسَانِ تَقْسِيطُهَا عَلَى السِّهَامِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَسَّطَهَا عَلَى الْعَدَدِ، بِأَنَّ عَمَلَ الْقَاسِمِ فِي قَلِيلِ السَّهْمِ أَكْثَرُ مِنْ عَمَلِهِ فِي كَثِيرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ قَسَّمَهَا نِصْفَيْنِ وَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا سُدُسُهَا، وَلِلْآخَرِ بَاقِيهَا قَسَّمَهَا أَسْدَاسًا فَكَانَ فِي حَقِّ الْقَلِيلِ أَكْثَرُ عَمَلًا فَاقْتَضَى إِذَا لَمْ يَزِدْ أَنْ لَا يَنْقُصَ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مُؤَنَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ يَجِبُ تَقْسِيطُهَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ دُونَ الْمُلَّاكِ كَنَفَقَاتِ الْبَهَائِمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَقِلُّ سَهْمُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ حَتَّى يَكُونَ سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ؛ فَلَوِ الْتَزَمَ نِصْفَ الْأُجْرَةِ لَجَازَ أَنْ تَسْتَوْعِبَ قِيمَةَ مِلْكِهِ فَتُؤَدِّي إِجَازَةُ مِلْكِهِ بِالْقِسْمَةِ إِلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ بِهَا وَهَذَا مَدْفُوعٌ فِي الْمَعْقُولِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ثَمَنُ الْمِلْكِ لَوْ بِيعَ مُقَسَّطًا بَيْنَهُمْ عَلَى السِّهَامِ، اقْتَضَى أَنْ تَتَقَسَّطَ أُجْرَةُ قَسْمِهِ عَلَى السِّهَامِ.
وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ عَمَلَ الْقَاسِمِ فِي قَلِيلِ السَّهْمِ أَكْثَرُ، فَفَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَكْثَرُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ سَهْمٌ وَلِصَاحِبِ الْبَاقِي خَمْسَةُ أَسْهُمٍ وَعَمَلُهُ فِي الْخَمْسَةِ أَسْهُمٍ أَكْثَرُ مِنْ عَمَلِهِ فِي السَّهْمِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَذْرَعَ الْجَمِيعَ فَيَعْرِفَ مِسَاحَتَهُ.
وَقَوْلُهُمْ إِنَّ كَثْرَةَ الْعَمَلِ لِقِلَّةِ سَهْمِ الْآخَرِ خَطَأٌ بَلْ هُوَ لِكَثْرَةِ سَهْمِ شَرِيكِهِ فَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ.
(فصل: [حكم القسمة إذا كان بين المقتسمين صغير أو مجنون] ) .
فَإِنْ كَانَ فِي الشُّرَكَاءِ الْمُقْتَسِمِينَ مُوَلًّى عَلَيْهِ بِجُنُونٍ أَوْ صِغَرٍ فَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِقِسْمَةِ سَهْمِهِ أُلْزِمَ مِنْ أُجْرَةِ الْقِسْمَةِ بِقِسْطِهِ.
وَإِنْ كَانَ يَسْتَضِرُّ بِهَا وَلَا يَنْتَفِعُ بِقِسْمَتِهَا وَلَمْ يكن الْمَنْعُ مِنْهَا لِانْتِفَاعِ بَاقِي الشُّرَكَاءِ بِهَا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ أَحْمِلَ عليه شيئا وهو ممن لا رضى لَهُ شَيْءٌ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْقِسْمَةِ أَوِ الْأُجْرَةِ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَصْلِ الْقِسْمَةِ فَخَرَّجُوا الْقِسْمَةَ لِاحْتِمَالِ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَمْنَعُ مِنْهَا.
وَالثَّانِي: يُجِيبُ إِلَيْهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى أُجْرَةِ الْقِسْمَةِ، فَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْهَا فِي حَقِّ الصَّغِيرِ، وَهُوَ يُجْبِرُ عَلَيْهَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْحُقُوقِ وَجَعَلُوا احْتِمَالَ هَذَا الْكَلَامِ مَحْمُولًا عَلَى الْأُجْرَةِ وَخَرَجُوا فِي إِلْزَامِهِ أُجْرَةَ الْقِسْمَةِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ الْحَاكِمُ قِسْطَهُ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ حَظِّهِ فِيهَا كَمَا يَلْزَمُهُ مَا لَا حَظَّ له فيه من مؤونة وَكُلْفَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَاكِمَ يَقُولُ لِشُرَكَاءِ الصغير إن أردتم القسمة التزمتهم قِسْطَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَلَمْ يُوجِبْ فِي مَالِهِ مَا لَا حَظَّ لَهُ فِيهِ.
( [أَنْوَاعُ الْأَمْوَالِ المشتركة] ) .
(مسألة)
: قال الشافعي: " وإذا تداعوا إلى القسم وأبى شركائهم فَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِمَا يَصِيرُ لَهُ مَقْسُومًا أَجْبَرْتُهُمْ عَلَى الْقَسْمِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعِ الْبَاقُونَ بِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِمْ فَأَقُولُ لِمَنْ كَرِهَ إِنْ شِئْتُمْ جَمَعْتُمْ حَقَّكُمْ فَكَانَتْ مُشَاعَةً بَيْنَكُمْ لِتَنْتَفِعُوا بِهَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْوَالَ الْمُشْتَرَكَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ، وَهُوَ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ مَا تَتَسَاوَى قِيمُ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، فَهَذَا يُقَسَّمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إِجْبَارًا إِذَا امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ وَاخْتِيَارًا إِذَا رَضِيَ جَمِيعَهُمْ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الِاخْتِيَارِ وَلَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ وَهُوَ مَا تَخْتَلِفُ قِيَمُ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ مِنَ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَكَالْحَمَّامِ وَالسَّفِينَةِ وَالسَّيْفِ وَالثَّوْبِ لِنُقْصَانِهِمَا بِالْقِسْمَةِ فَهَذَا يُقَسَّمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ اخْتِيَارًا، إِذَا رَضِيَ جَمِيعُهُمْ، وَلَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ إِجْبَارًا إِذَا امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ وَلَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ كُلُّ مَا يُتْلَفُ بِالْقِسْمَةِ، كَالْجَوْهَرَةِ وَاللُّؤْلُؤَةِ وَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ، فَهَذَا يُمْنَعُ الشُّرَكَاءُ فِيهِ مِنْ قَسْمِهِ، وَإِنْ رَضُوا بِهَا؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافُ مِلْكٍ فِي غَيْرِ نَفْعٍ فَكَانَ سَفَهًا يَسْتَحِقُّ به الحجر.
(فصل: [امتناع بعض الشركاء من القسمة في ما تدخله قسمة الإجبار] ) .
فَأَمَّا مَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ إِذَا دَعَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ إِلَى الْقِسْمَةِ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَسْتَضِرَّ بِالْقِسْمَةِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَيَنْتَفِعُ بِمَا حَازَهُ مَقْسُومًا، كَانْتِفَاعِهِ بِهِ
مُشْتَرِكًا، فَيُجَابُ طَالِبُ الْقِسْمَةِ إِلَيْهَا، وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِيَتَصَرَّفَ عَلَى اخْتِبَارِهِ.
وَالثَّانِي: لِيَأْمَنَ اخْتِلَاطَ الْأَيْدِي وَسوءَ الْمُشَارَكَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَضِرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقِسْمَةِ، لضيق الأرض، وَكَثْرَةِ السِّهَامِ، وَذَهَابِ مَنَافِعِهَا، بِافْتِرَاقِ الْأجزَاءِ وَحُصُولِ مَنَافِعِهَا بِاجْتِمَاعِهَا، فَتَصِيرُ كَقِسْمَةِ مَا لَا يَدْخُلُهُ الْإِجْبَارُ مِنَ الْبِئْرِ وَالْحَمَّامِ وَالرَّحَى وَالسَّيْفِ فَلَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُم جَبْرًا لِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى جَمِيعِهِمْ.
وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي الْقِسْمَةِ قَوْلُ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ طَالِبِ الْقِسْمَةِ وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا مَعَ دُخُولِ الضّررِ عَلَى الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ لِيَنْفَرِدَ بِمِلْكِهِ وَيَدِهِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ وَمَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ ".
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ " نَهَى عَنْ قِيلٍ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ".
وَلِأَنَّ مَا عَمَّ الضَّرَرُ بِقَسْمِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْإِجْبَارُ عَلَى الْقِسْمَةِ كَالْجَوْهَرَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَضِرَّ بِالْقِسْمَةِ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ دُونَ بَعْضٍ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْإِجْبَارِ عَلَيْهَا عَلَى مَذَاهِبَ.
فَقَالَ مَالِكٌ: يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنِ امْتَنَعَ مِنْهَا.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يُجْبَرُ.
وَقَالَ ابن أبي ليلى: يباع ويقسم الثمن بينهم.
وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَ طَالِبُ الْقِسْمَةِ مُنْتَفِعًا أُجْبِرَ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعَ وَإِنِ اسْتَضَرَّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهَا: كَمَالُ تَصَرُّفِهِ عَلَى اخْتِيَارِهِ.
وَالثَّانِي: انْفِرَادُ يَدِهِ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ طَالِبُ الْقِسْمَةِ هُوَ الْمُسْتَضِرُّ بِهَا، وَالْمَطْلُوبُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إِجَابَةِ الطَّالِبِ إِلَيْهَا، وَإِجْبَارِ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهَا، عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ عَنِ الْمَطْلُوبِ
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا لِدُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى طَالِبِهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يُعْتَبَرُ بِهِ دُخُول الضرر عَلَى وَجْهَيْنِ:
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة الظاهر مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ نُقْصَانُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا اعْتِبَارَ بِنُقْصَانِ الْقِيمَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ نُقْصَانِ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ نُقْصَانِ الْقِيمَةِ.
وَهُوَ أَشْبَهُ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ منهما ضررا.
(فصل: [في كيفية التقسيم] ) .
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ جَبْرًا فَكَانَتِ الْأَرْضُ بَيْنَ سِتَّةٍ قَدْ تَسَاوَتْ سِهَامُهُمْ فِيهَا، وَطَلَبَ الْقِسْمَةَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَامْتَنَعَ الْبَاقُونَ مِنْهَا، قُسِّمَتْ أَسْدَاسًا وَأُفْرِدَ لِطَالِبِ الْقِسْمَةِ سُدُسُهَا وَكَانَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهَا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْبَاقِينَ.
فَإِنْ طَلَبَهَا اثْنَانِ لِيَحُوزَا سَهْمَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ قُسِّمَتْ أَثْلَاثًا وَأُفْرِدَ لِطَالِبِي الْقِسْمَةِ ثلثها مشتركا بينهما، كان الثُّلُثَانِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْبَاقِينَ.
وَإِنْ طَلَبَهَا ثَلَاثَةٌ لِيَحُوزُوا سِهَامَهُمْ مُجْتَمِعِينَ قُسِّمَتْ نِصْفَيْنِ وَأُفْرِدَ أَحَدُ النِّصْفَيْنِ لِلثَّلَاثَةِ الطَّالِبِينَ لِلْقِسْمَةِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلثَّلَاثَةِ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْهَا.
ثُمَّ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ فِيمَا زَادَ وَنَقَصَ وَاجْتَمَعَ وَافْتَرَقَ.
( [كَيْفِيَّةُ الْقِسْمَةِ] ) .
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي: " وينبغي للقاسم أن يحصي أهل القسم وَمَبْلَغَ حُقُوقِهِمْ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ سُدُسٌ وَثُلُثٌ وَنِصْفٌ قَسَّمَهُ عَلَى أَقَلِّ السُّهْمَانِ وَهُوَ السُّدُسُ فِيهَا فَيَجْعَلُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ سَهْمًا وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةً ثُمَّ يُقَسِّمُ الدَّارَ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ ثَمَّ يَكْتُبُ أَسْمَاءَ أَهْلِ السُّهْمَانِ فِي رِقَاعٍ قَرَاطِيسَ صِغَارٍ ثُمَّ يُدْرِجُهَا فِي بُنْدُقِ طِينٍ يَدُورُ وَإِذَا اسْتَوَتْ أَلْقَاهَا فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْبَنْدَقَةَ وَلَا الْكِتَابَ ثُمَّ سَمَّى السُّهْمَانَ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَثَالِثًا ثُمَّ قَالَ أَخْرِجْ عَلَى الْأَوَّلِ بُنْدُقَةً وَاحِدَةً فَإِذَا أَخْرَجَهَا فَضَّهَا فَإِذَا خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِهَا جَعَلَ لَهُ السَّهْمَ الْأَوَّلَ فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ السُّدُسِ فَهُوَ لَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ الثُّلُثِ فَهُوَ لَهُ وَالسَّهْمُ الَّذِي يَلِيهِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ النِّصْفِ فَهُوَ لَهُ وَالسَّهْمَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِهِ ثُمَ قِيلَ لَهُ أَخْرِجُ بُنْدُقَةً عَلَى السَّهْمِ الَّذِي يَلِي مَا خَرَجَ فَإِذَا خَرَجَ فِيهَا اسْمُ رجل فهو له كما وصفت حتى تنفذ السُّهْمَانُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا الَّذِي وَصَفَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقِسْمَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَمَلُ القسمة.
والثاني: صفة القرعة.
(عمل القسمة) .
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلِ: فِي عَمَلِهَا فَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ الْقَاسِمُ قَدْرَ سِهَامِ الشُّرَكَاءِ.
فَإِنْ تَسَاوَتْ قَسَّمَ الْأَرْضَ عَلَى عَدَدِهِمْ.
وَإِنْ تَفَاضَلَتْ قَسَّمَهَا عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ لِاشْتِمَالِ الْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ.
فَإِذَا قَسَّمَهَا عَلَى عَدَدِهِمْ لِتَسَاوِي سِهَامِهِمْ كَثَلَاثَةِ شُرَكَاءَ فِي أَرْضٍ مُتَسَاوِيَةِ الْأَجْزَاءِ هِيَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا فَيُقَسِّمُهَا ثَلَاثَةَ سِهَامٍ مُعْتَدِلَةٍ بِالْمِسَاحَةِ.
فَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثِينَ جَرِيبًا جَعَلَ كُلَّ سَهْمٍ مِنْهَا عَشَرَةَ أَجْرِبَةٍ ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِيهَا.
وَهُوَ فِي الْقُرْعَةِ بِالْخِيَارِ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ الْأَسْمَاءَ وَيُخْرِجَ عَلَى السِّهَامِ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ السِّهَامَ وَيُخْرِجَ عَلَى الْأَسْمَاءِ.
فَإِنْ كَتَبَ الْأَسْمَاءَ وَأَخْرَجَ عَلَى السِّهَامِ كَتَبَ أَسْمَاءَ الشُّرَكَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي رِقَاعٍ ثَلَاثٍ، فِي أَحَدِهَا زَيْدٌ، وَفِي الْأُخْرَى عَمْرٌو، وَفِي الثَّالِثَةِ بَكْرٌ، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ زَيْدٍ أَخَذَ السَّهْمَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ قَالَ اخْرُجْ عَلَى السَّهْمِ الثَّانِي، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ عَمْرٍو أَخَذَ السَّهْمَ الثَّانِيَ وَصَارَ السَّهْمُ الثَّالِثُ لِبَكْرٍ.
وَإِنْ كَتَبَ السِّهَامَ وَأَخْرَجَ عَلَى الْأَسْمَاءِ، كَتَبَ فِي أَحَدِ الرِّقَاعِ السَّهْمَ الْأَوَّلَ، وَفِي أُخْرَى السَّهْمَ الثَّانِيَ، وَفِي أُخْرَى السَّهْمَ الثَّالِثَ، ثُمَّ قَالَ أخْرجْ لِزَيْدٍ، فَإِنْ خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ الْأَوَّلُ أخذه، ثُمَّ قَالَ أخْرجْ لِعَمْرٍو فَإِنْ خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ الثَّالِثُ أَخَذَهُ، وَصَارَ السَّهْمُ الثَّانِي لِبَكْرٍ.
ثُمَّ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ فِيمَا قَلَّ مِنَ الْعَدَدِ أَوْ كَثُرَ.
فَأَمَّا إِنِ اخْتَلَفَتْ سِهَامُ الشُّرَكَاءِ، كَثَلَاثَةِ شُرَكَاءَ فِي أَرْضٍ مُتَسَاوِيَةِ الْأَجْزَاءِ لِأَحَدِهِمْ سُدُسُهَا وَلِآخَرَ ثُلُثُهَا، وَلِآخَرَ نِصْفُهَا، فَهَذِهِ يُقَسِّمُهَا عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ، وَهُوَ السُّدُسُ، فَيَجْعَلُ كُلَّ سَهْمٍ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي مِسَاحَتُهَا ثَلَاثُونَ جَرِيبًا خَمْسَةَ أَجْرِبَةٍ هِيَ سُدُسُهَا.
ثُمَّ يَقْرَعُ بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ.
وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ الْأَسْمَاءَ وَيُخْرِجَ عَلَى السِّهَامِ فَيَقُولُ اخْرُجْ عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ.
فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ السُّدُسِ أَخَذَهُ وَحْدَهُ، وَقَالَ اخْرُجْ عَلَى السَّهْمِ الثَّانِي فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ أَخَذَهُ وَالسَّهْمُ الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ الثَّالِثُ، لِأَنَّ لَهُ سَهْمَيْنِ وَمِلْكُهُ يُجْمَعُ فِي الْقِسْمَةِ وَلَا يُفَرَّقُ، وَبَقِيَتِ السِّهَامُ الثَّلَاثَةُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ، وَهُوَ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ.
وَلَوْ خَرَجَ عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ صَاحِبُ النِّصْفِ أَخَذَهُ، وَاللَّذَيْنِ يَلِيَانِهِ وَهُمَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ جَمْعِ مِلْكِهِ فِي الْقِسْمَةِ، ثُمَّ قَالَ اخْرُجْ عَلَى
السهم الرابع، فَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ أَخَذَهُ وَالسَّهْمُ الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ الْخَامِسُ، وَبَقِيَ السَّهْمُ السَّادِسُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ.
ثُمَّ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ فِيمَا قل من السهام وكثر.
(فصل: [صفة القرعة] ) .
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا صِفَةُ الْقُرْعَةِ: فَهُوَ أَنْ تُؤْخَذَ رِقَاعٌ مُتَسَاوِيَةُ الْأَجْزَاءِ، وَيُكْتَبَ فِيهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ، إِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى السِّهَامِ أَوْ مِنَ السِّهَامِ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْأَسْمَاءِ، ثُمَّ يَجْعَلُهَا فِي بَنَادِقَ من طين متساوية الوزن وتلس عَلَى مِثَالٍ وَاحِدٍ، حَتَّى لَا تَتَمَيَّزَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهَا بِأَثَرٍ وَتُجَفَّفُ وَيُسْتَدْعَى لَهَا مَنْ لَمْ يَحْضُرْ عَمَلَهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهَا، وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ عَبْدًا لَا يَفْطَنُ لِحِيلَةٍ كَانَ أَوْلَى، وَتُوضَعُ فِي حِجْرِهِ، وَتُغَطَّى ثُمَّ يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ مَا أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنِ اسْمٍ أَوْ سَهْمٍ.
فَهَذَا أَحْوَطُ مَا يَكُونُ مِنَ الْقُرْعَةِ، وَأَبْعَدُهَا عَنِ التُّهْمَةِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْقُرْعَةِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44] .
وقَوْله تَعَالَى فِي يُونُسَ ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 140] .
فَإِنْ لَمْ يَحْتَطْ فِي الْقُرْعَةِ بِمَا وَصَفْنَاهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى أَنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِحَصًى أَوْ أَقْلَامٍ جَازَ.
قَدْ حَكَى الْوَاقِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَسَّمَ غَنَائِمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ وَكَتَبَ عَلَى إِحْدَاهَا " للَّه " وَكَانَتِ السُّهْمَانُ يَوْمَئِذٍ نَوًى ".
وَلَمَّا صَالَحَ بَنِي ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ بِخَيْبَرَ عَلَى الْكَتِيبَةِ وَالنَّطَاةِ جَزَّأَهُمَا خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ فَكَانَتِ الْكَتِيبَةُ جُزْءًا فَجَعَلَ خَمْسَ بَعَرَاتٍ لِلسِّهَامِ الْخَمْسَةِ وَأَعْلَمَ أَحَدَهَا بِمَا جَعَلَهُ لِلَّهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَهْمَكَ فِي الْكَتِيبَةِ فَخَرَجَ سَهْمُ اللَّهِ عَلَى الْكَتِيبَةِ.
لَكِنْ مَا حَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنَ الْقُرْعَةِ يَكُونُ أَخَفَّ حَالًا؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَيْفِ أَبْعَدَ وَلِلتُّهْمَةِ أَنْفَى.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الِاحْتِيَاطُ فِيمَا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ التُّهْمَةُ، كَذَلِكَ حُكْمُهَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ تَنْتَفِي عَنْهُ التُّهْمَةُ كَانَ حُكْمُهَا أَخَفَّ.
وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَتَوَجَّهُ إليه التهمة كان حكمها أغلظ.
(فصل: [لزوم القسمة] )
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْقَاسِمِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَدَبَهُ الْحَاكِمُ
لِلْقِسْمَةِ أَوْ قَدْ تَرَاضَى بِهِ الشُّرَكَاءُ فِيهَا.
فَإِنْ نَدْبَهُ الْحَاكِمُ لَهَا تَمَّتِ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، وَاسْتَقَرَّ مِلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا خَرَجَ لَهُ بِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ حُكْمٌ مِنْهُ بِهَا، فَنَفَّذَ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى خِيَارِهِمْ.
وَإِنْ تَرَاضَى بِهِ الشُّرَكَاءُ فِيهَا فَفِيمَا تَلْزَمُهُ الْقِسْمَةُ بِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الخصمين وإذا تَرَاضَيَا بِحُكْمِ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ، فَفِي نُفُوذِ حُكْمِهِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ:
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ حُكْمَهُ لَازِمٌ لَهُمَا، وَنَافِذٌ عَلَيْهِمَا كَالْحَاكِمِ ثَبَتَتِ الْقِسْمَةُ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ أَمَرَ بِهَا الْحَاكِمُ.
وَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُهُمَا حُكْمُهُ إِلَّا بِالْتِزَامِهِمَا لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ تَتِمَّ الْقِسْمَةُ بِالْقُرْعَةِ إلا أن يتراضوا بها بعد القرعة.
( [قِسْمَةُ مَا اخْتَلَفَتْ أَجْزَاؤُهُ مِنَ الْأَرْضِ وَقِسْمَةُ التعديل والرد] ) .
(مسألة)
: قال الشافعي: " فَإِذَا كَانَ فِي الْقَسْمِ رَدٌّ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْضِعَ سَهْمِهِ وَمَا يَلْزَمُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ وَإِذَا عَلِمَهُ كَمَا يَعْلَمُ الْبُيُوعَ الَّتِي تَجُوزُ أَجزتهُ لَا بِالْقُرْعَةِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ الْمُشْتَرَكَةَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُتَسَاوِيَةَ الْأَجْزَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُهَا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُهَا، وَذَكَرْنَا كَيْفَ تُقَسَّمُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةَ الْأَجْزَاءِ، فَيَكُونَ بَعْضُهَا عَامِرًا، وَبَعْضُهَا خَرَابًا، أَوْ بَعْضُهَا قَوِيًّا، وَبَعْضُهَا ضَعِيفًا، أَوْ يَكُونَ فِي بَعْضِهَا شَجَرٌ وَبِنَاءٌ، وَلَيْسَ فِي الْبَاقِي شَجَرٌ وَلَا بِنَاءٌ أَوْ يَكُونَ فِي بَعْضِهَا شَجَرٌ بِلَا بِنَاءٍ وَفِي الْبَاقِي بِنَاءٌ بِلَا شَجَرٍ أَوْ يَكُونَ عَلَى بَعْضِهَا مَسِيلُ مَاءٍ، أَوْ طَرِيق " سَابِل "، وَلَيْسَ عَلَى الْبَاقِي طَرِيقٌ وَلَا مَسِيلٌ، إِلَى مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِنِ اخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا بِهِ.
فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُمْكِنَ تَسَاوِي الشَّرِيكَيْنِ بِالْقِسْمَةِ فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْجَيِّدُ فِي مُقَدَّمِهَا وَالرَّدِيءُ فِي مُؤَخَّرِهَا، وَإِذَا قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ صَارَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ مِثْلَ مَا صَارَ لِصَاحِبِهِ مِنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، فَهَذِهِ تَدْخُلُهَا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ، وَتَصِيرُ فِي الْقِسْمَةِ كَالْمُتَسَاوِيَةِ الْأَجْزَاءِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُمْكِنَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ لِأَنَّ الْعِمَارَةَ فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، أَوْ لِأَنَّ الشَّجَرَ وَالْبِنَاءَ فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَقِسْمَةُ مِثْلِ هَذَا قَدْ تَكُونُ عَلَى أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تُقَسَّمَ قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ بِالْقِيمَةِ عَلَى زِيَادَةِ الذَّرْعِ: مِثَالُهُ: أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ ثَلَاثِينَ جَرِيبًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ نِصْفَيْنِ وَتَكُونُ عَشَرَةُ أَجْرِبَةٍ مِنْ جَيِّدِهَا بِقَيِّمَةِ عِشْرِينَ جَرِيبًا مِنْ رَدِيئِهَا، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا عَلَى فَضْلِ الذَّرْعِ فَيُجْعَلُ أَحَدُ السَّهْمَيْنِ عشرة أجرته، لِفَضْلِ جَوْدَتِهِ، وَالسَّهْمُ الْآخَرُ عِشْرِينَ جَرِيبًا، لِنَقْصِ رَدَاءَتِهِ.
فَفِي دُخُولِ الْإِجْبَارِ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا إِجْبَارَ فِيهَا لِتَعَذُّرِ التَّسَاوِي فِي الذَّرْعِ وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى التَّرَاضِي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَاخْتَارَهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: إِنَّهُ تَدَخُلُهَا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ لِوُجُودِ التَّسَاوِي فِي التَّعْدِيلِ.
فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْقَاسِمُ مِنْ أُجْرَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَلَى الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَيْنِ، لِتَسَاوِيهِمَا فِي أَصْلِ الْمِلْكِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ عَلَى صَاحِبِ الْعَشَرَةِ الْأَجْرِبَةِ ثُلُثَهَا، وَعَلَى صَاحِبِ الْعِشْرِينَ ثلثاها لِتَفَاضُلِهِمَا فِي الْمَأْخُوذِ بِالْقِسْمَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تُقَسَّمَ قِسْمَةَ رَدٍّ مَعَ التَّسَاوِي فِي الذَّرْعِ، مِثَالُهُ: أَنْ يَكُونَ الشَّجَرُ وَالْبِنَاءُ فِي جَانِبٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَقْسِمُ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَجْعَلُ الشَّجَرَ وَالْبِنَاءَ قِيمَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَجَبَ عَلَى مَنْ صَارَ لَهُ جَانِبُ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ يَدْفَعُهَا إِلَى صَاحِبِهِ.
فَهَذِهِ الْقِسْمَةُ، قِسْمَةُ مُرَاضَاةٍ، لَا يَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ؛ لِأَنَّ دَخْلَ الرَّدِّ بِالْعِوَضِ يَجْعَلُهَا بَيْعًا مَحْضًا، وَلَيْسَ فِي الْبَيْعِ إِجْبَارٌ.
وَلَهُمَا فِي هذه القسمة أربعة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَرَاضَيَا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ وَيَتَّفِقَا عَلَى مَنْ يَأْخُذُ الْأَعْلَى وَيَرُدُّ، وَمَنْ يَأْخُذُ الْأَدْنَى وَيَسْتَرِدُّ، فَقَدْ تَمَّتِ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا بِالْمُرَاضَاةِ بَعْدَ تَلَفُّظِهِمَا بِالتَّرَاضِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلا باللفظ ويكون تلفظهما بالرضى جَارِيًّا مَجْرَى الْبَدَلِ وَالْقَبُولِ، وَلَهُمَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَإِنْ شَرَطَا فِي حَالِ الرِّضَا خِيَارَ ثَلَاثٍ كَانَ لَهُمَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الرَّدُّ فِيهَا قَلِيلًا صَحَّتْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بَطَلَتْ.
وَهِيَ عِنْدَنَا مَعَ قَلِيلِ الرَّدِّ وَكَثِيرِهِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِالتَّرَاضِي وَجَارِيَةٌ مَجْرَى الْبَيْعِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَنَازَعَا فِي طَلَبِ الْأَعْلَى وَيَتَزَايَدَانِ أَوْ يَتَنَازَعَا فِي طَلَبِ الْأَدْنَى وَيَتَنَاقَصَانِ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى مَنْ يَأْخُذُ الْأَعْلَى وَيَرُدُّ وَمَنْ يَأْخُذُ الْأَدْنَى وَيَسْتَرِدُّ، فَتَتِمُّ هَذِهِ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا بِالْمُرَاضَاةِ، وَيَبْطُلُ بِهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْوِيمِ الْقَاسِمِ، بِمَا اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمَا مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا أَوِ النُّقْصَانِ فِيهَا ثُمَّ الْخِيَارُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَنَازَعَا فِي طَلَبِ الْأَعْلَى، فَيَطْلُبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، أَوْ يَتَنَازَعَا فِي أَخْذِ الْأَدْنَى، فَيَطْلُبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ، وَلَا يَتَرَاضَيَا فِيهِ بِالْقُرْعَةِ، فَلَا إِجْبَارَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُقْطَعُ النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا وَتَصِيرُ الْأَرْضُ بَاقِيَةً بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ كَالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ الْقَسْمُ.
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَتَنَازَعَا وَيَتَرَاضَيَا بِالْقُرْعَةِ.
فَفِي جَوَازِ الْإِقْرَاعِ بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَلَيْسَ فِي الْبَيْعِ إِقْرَاعٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْقِسْمَةِ وَاعْتِبَارًا بِالْمُرَاضَاةِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْقَاسِمُ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ وَإِنْ كَانَ الْقَاسِمُ مِنْ قِبَلِهِمَا ثَبَتَ لَهُمَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ خِيَارٌ.
وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ مُعْتَبَرٌ بِالْفَوْرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خِيَارُ مَجْلِسٍ يُعْتَبَرُ بِالِافْتِرَاقِ.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مِنْ ضُرُوبِ الْقِسْمَةِ أَنْ تُقَسَّمَ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَكُونُ مَا فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الشَّرِكَةِ.
فَإِنْ تَنَازَعَا فِي هَذَا، وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ، لَمْ يَقَعْ فِيهِ إِجْبَارٌ وَإِنْ تَرَاضَيَا بِهِ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ دَخَلَ فِي الْأَرْضِ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ مَا كَانَا مُقِيمَيْنِ عَلَى هَذَا الِاتِّفَاقِ وَقُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا جَبْرًا بِالْقُرْعَةِ.
وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنِ الِاتِّفَاقِ زَالَتْ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ وَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى التَّرَاضِي.
والضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَسَّمَ بَيَاضُ الْأَرْضِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَيَكُونُ مَا فِيهِ الشَّجَرُ وَالْبِنَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ.
فَفِي حُكْمِ هَذِهِ الْأَرْضِ إِذَا تَمَيَّزَ بِنَاؤُهَا وَشَجَرُهَا عَنْ بَيَاضِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ لِاتِّصَالِهَا فَعَلَى هَذَا لَا تَدْخُلُهَا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ فِي بَيَاضِهَا لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا فِي شَجَرِهَا وَنَبَاتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَ شَجَرِهَا وَبِنَائِهَا مُتَمَيِّزٌ عَنْ حُكْمِ بَيَاضِهَا فَصَارَتَا بِاخْتِلَافِ الصِّفَتَيْنِ كَالْأَرْضَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ فَتَدْخُلُهَا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ فِي الْبَيَاضِ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ وَلَا تَدْخُلُهَا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ فِي الشَّجَرَةِ وَالْبِنَاءِ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ مِمَّا تَصِحُّ فِيهَا قِسْمَةُ التَّعْدِيلُ وَقِسْمَةُ الرَّدِّ، فَدَعَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إِلَى قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ وَدَعَا الْآخَرُ إِلَى قِسْمَةِ الرَّدِّ فَإِنْ قُلْنَا إِنَّ قِسْمَةَ التَّعْدِيلِ يَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ دَعَا إِلَيْهَا وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ لَمْ يَتَرَجَّحْ قَوْلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَوَقَفَتْ عَلَى مُرَاضَاتِهِمَا بِإِحْدَاهُمَا مِنْ قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ أَوْ قِسْمَةِ الرَّدِّ.
وَهَكَذَا قِسْمَةُ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ تَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الضُّرُوبِ الْأَرْبَعَةِ.
فَإِذَا قُسِّمَتْ عَلَى إِجْبَارٍ أَوْ تَرَاضٍ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّهْمَيْنِ طَرِيقٌ مُفْرَدٌ يَخْتَصُّ بِهِ انْقَسَمَتِ الْقَيِّمَةُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا طَرِيقٌ إِلَّا أَنْ يُحَازَ مِنَ الْمِلْكِ مَا يَكُونُ طَرِيقًا لَهُمَا وَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَا يَكُونُ طَرِيقًا لَهُمَا وَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَا يَكُونُ طَرِيقًا لَهُمَا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُقَسَّمُ بَعْدَهُ مَا عَدَاهُ.
وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي طُرُقِهِمْ جُعِلَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ".
وَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى عُرْفِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّ الْبِلَادَ تَخْتَلِفُ طُرُقُهَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِهَا فِيمَا يَدْخُلُ إِلَيْهَا وَيَخْرُجُ مِنْهَا فَقَدْ يَكْفِي فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا، وَقَدْ لَا يَكْفِي فِي بَعْضِهَا إِلَّا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
وَهَذَا فِي الطُّرُقِ الْعَامَّةِ.
فَأَمَّا فِي هَذَا الِاسْتِطْرَاقِ الْخَاصِّ بَيْنَ هَذَيْنِ الشَّرِيكَيْنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ إِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَكُونُ سَعَتُهُ بِقَدْرِ مَا تَدْخُلُهُ الْحُمُولَةُ، وَلَا يَضِيقُ بِهَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِحَمْلِ مِثْلِهِ إِلَيْهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ بِسَعَةِ الْبَابِ.
لِأَنَّهُمَا قَدْ يَخْتَلِفَانِ فِي سَعَةِ الْبَابِ، كَمَا اخْتَلَفَا فِي سَعَةِ الطَّرِيقِ.
وَلِأَنَّ طَرِيقَ الْبَابِ فِي الْعُرْفِ أَوْسَعُ مِنَ الباب.
(قسمة العلو والسفل)
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِأَحَدِهِمَا سُفْلًا وَلِلْآخَرِ علوه إِلَّا أَنْ يَكُونَ سُفْلُهُ وَعُلُوُّهُ لِوَاحِدٍ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ السُّفْلَ لِأَحَدِهِمَا وَالْعُلُوَّ لِلْآخَرِ لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ إِجْبَارٌ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ، وَمَنْ مَلَكَ السُّفْلَ مَلَكَ مَا تَحْتَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْهَوَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ وَيَبْنِيَ فِي الْهَوَاءِ مَا شَاءَ، وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ تَمْنَعُ صَاحِبَ السُّفْلِ مِنْ حَقِّهِ فِي الْهَوَاءِ، وَتَمْنَعُ صَاحِبَ الْعُلُوِّ مِنْ حَقِّهِ فِي الْأَرْضِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا قِسْمَةُ إِجْبَارٍ.
فَإِنْ تَرَاضَى الشَّرِيكَانِ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ، جَازَتْ بِالتَّرَاضِي.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ بَيْعًا.
فَلَوْ دَعَا أَحَدُهُمَا إِلَى قِسْمَةِ السُّفْلِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَقِسْمَةِ الْعُلُوِّ عَلَى انْفِرَادِهِ لَمْ يَقَعْ فِيهِ إِجْبَارٌ وَقُسِّمَ الْعُلُوُّ مَعَ السُّفْلِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَقَدْ يَجُوزُ إِذَا أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقِسْمَةِ أَنْ يَحْصُلَ عُلُوُّ السُّفْلِ الَّذِي لِأَحَدِهِمَا لِغَيْرِهِ وَسُفْلُ الْعُلُوِّ الَّذِي لِأَحَدِهِمَا لِغَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إِفْرَادُ قِسْمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَبْرًا إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ فيجوز بتراضيهما.
(قسمة الدور)
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا كَانَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ دَارَانِ مَحُوزَتَانِ فَطَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْقِسْمَةَ عَلَى أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الدَّارَيْنِ لِأَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ لَمْ يَقَعْ فِيهِ إِجْبَارٌ لِأَنَّ كُلَّ دَارٍ مِنْهُمَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ أَنْ يُقَسَّمَ كُلُّ وَاحِدَةٍ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ تَرَاضَيَا بِهَذَا لَمْ تَكُنْ قِسْمَةً وَكَانَتْ بَيْعًا مَحْضًا يَبِيعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ مِنْ إِحْدَى الدَّارَيْنِ بِحَقِّ شَرِيكِهِ مِنَ الدر الْأُخْرَى.
فَيُكْتَبُ فِيهِ كِتَابُ ابْتِيَاعٍ وَلَا يُكْتَبُ فيه كتاب قسمة ويكون بيع مناقلة.
(قسمة الأرض المزروعة) .
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا كَانَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ أَرْضٌ مَزْرُوعَةٌ فطلب أحدهما القسمة، فله ثلاثة أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يَطْلُبَ قِسْمَةَ الْأَرْضِ لِيَكُونَ فِيهَا الزَّرْعُ بَاقِيًا عَلَى الشَّرِكَةِ، فَيَصِحُّ الْإِجْبَارُ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَحْدَهَا وَلَا يَمْنَعُ مِنْهَا مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الزَّرْعِ،
بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مُسْتَوْدَعٌ فِيهَا إِلَى مُدَّةِ تَكَامُلِهِ، وَالْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ مُسْتَدَامٌ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَطْلُبَ قِسْمَةَ الزَّرْعِ وَحْدَهُ فَلَا إِجْبَارَ فِيهِ، لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا يُمْكِنُ تَعْدِيلُهُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا.
فَإِنْ تَرَاضَيَا وَكَانَ الزَّرْعُ مِمَّا لَا يَدْخُلُهُ الرِّبَا لِأَنَّهُ بَقْلٌ، أَوْ قُطْنٌ، أَوْ كَتَّانٌ، جَازَ اقْتِسَامُهُمَا بِهِ عَنْ مُرَاضَاتِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ جَازَ إِنْ كَانَ فيصلا وَلَمْ يَجُزْ إِنْ كَانَ بَذْرَا أَوْ سُنْبُلًا مُشْتَدًّا لِدُخُولِ الرِّبَا فِيهِ لِجَوَازِ التَّفَاضُلِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَطْلُبَ قِسْمَةَ الْأَرْضِ بِمَا فِيهَا مِنَ الزَّرْعِ فَيُنْظَرُ:
فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ فَصِيلًا صَحَّ فِيهَا قِسْمَةُ الِاخْتِيَارِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَتَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ وَكَانَ الزَّرْعُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، كَالْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ لَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَتَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ إِنْ كَانَ مَعَ الْأَرْضِ تَبَعًا.
وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَذْرًا أَوْ حَبًّا مُشْتَدًّا يَدْخُلُهُ الرِّبَا، فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، لَمْ يَدْخُلْهُ الْإِجْبَارُ وَلَا قِسْمَةُ التَّرَاضِي خَوْفَ الرِّبَا، وَإِنْ قِيلَ الْقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ وَتَمْيِيزُ نَصِيبٍ صَحَّ فِيهِ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ وَقِسْمَةُ التَّرَاضِي؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ تَبَعٌ لِلْأَرْضِ.
( [إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُقَسِّمِينَ غَلَطًا فِي الْقِسْمَةِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي: " وَإِذَا ادَعَى بَعْضُهُمْ غَلَطًا كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ جَاءَ بِهَا رَدَّ الْقَسْمَ عَنْهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ دَارًا أَوْ أَرْضًا وَحَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمَهُ بِالْقِسْمَةِ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمْ غَلَطًا جَرَى عَلَيْهِ فِي الْقِسْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ الْغَلَطِ بِالذَّرْعِ إِنْ كَانَتْ قِسْمَةُ إِجْبَارٍ أَوْ تَعْدِيلٍ أَوْ بِالْوَزْنِ إِنْ كَانَتْ قِسْمَةَ رَدٍّ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ لِأَنَّ الدَّعْوَى الْمَجْهُولَةَ مَرْدُودَةٌ.
فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرَ الْغَلَطِ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، وَأُحْضِرَ شُرَكَاؤُهُ.
فَإِنْ صَدَّقُوهُ عَلَى الْغَلَطِ، نَقَضَ الْقِسْمَةَ وَاسْتَأْنَفَهَا عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ أَكْذَبُوهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّها عَلَى ظَاهِرِ الصِّحَّةِ.
وَلَهُ أَحْلَافُهُمْ، لِجَوَازِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْغَلَطِ.
فَإِنْ حَلَفُوا جَمِيعًا أُمْضِيَتِ الْقِسْمَةُ، وَإِنْ نَكَلُوا جَمِيعًا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَنُقِضَتِ الْقِسْمَةُ إِنْ حلف.
وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ، رُدَّتْ عَلَيْهِ يَمِينُ النَّاكِلِ، وَبَطَلَتِ الْقِسْمَةُ فِي حَقِّهِ إِذَا حَلَفَ.
وَأُمْضِيَتْ فِي حَقِّ مَنْ حَلَفَ.
فَإِنْ أَرَادَ مُدَّعِي الْغَلَطِ عِنْدَ تَكْذِيبِهِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِالْغَلَطِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَتْ قِسْمَةُ مُرَاضَاةٍ اتَّفَقَ عَلَيْهَا الشُّرَكَاءُ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ بِالْغَلَطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَضِيَ بِأَقَلِّ مِنْ حَقِّهِ.
وَإِنْ كَانَتْ قِسْمَةً تَفَرَّدَ القاسم بها عن إِجْبَارٍ أَوْ مُرَاضَاةٍ بِاقْتِرَاعٍ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ بِالْغَلَطِ، وَحُكِمَ بِإِبْطَالِ الْقِسْمَةِ وَاسْتُؤْنِفَتْ عَلَى الصِّحَّةِ.
( [تَنَازُعُ الشَّرِيكَيْنِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِلَا بَيِّنَةٍ] )
(فَصْلٌ)
: وَإِذَا تَنَازَعَ الشَّرِيكَانِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فِي بَيْتٍ مِنْ دَارٍ اقْتَسَمَاهَا، فَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي سَهْمِهِ، وَعَدِمَا الْبَيِّنَةَ تَحَالَفَا عَلَيْهِ وَنُقِضَتِ الْقِسْمَةُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا.
وَقَالَ مَالِكٌ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ.
وَلَوْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ عَيْبًا فِي سَهْمِهِ، كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْقِسْمَةِ بِهِ، كَمَا يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
( [اسْتِحْقَاقُ الْمَقْسُومِ] ) .
(مَسْأَلَةٌ)
: قَالَ الشافعي: " وإذا اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمَقْسُومِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهُمَا: فِي أَرْضٍ أَوْ دَارٍ اقْتَسَمَهَا شَرِيكَانِ فِيهَا، ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْضَهَا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ، فَلِلْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا فِي الْمَقْسُومِ، فَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِي أَحَدِ السَّهْمَيْنِ، بَطَلَتْ بِهِ الْقِسْمَةُ لِأَنَّ لِمَنِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَرْجِعَ فِي سَهْمِ شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ مِثْلِهِ، فَلَمْ تُفِدِ الْقِسْمَةُ مَا قُصِدَ بِهَا مِنَ الْإِحَازَةِ، فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ.
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ وَاقِعًا فِي السَّهْمَيْنِ مَعًا نُظِرَ فَإِنْ تَفَاضَلَ الْمُسْتَحَقُّ فِي السَّهْمَيْنِ بَطَلَتِ الْقِسْمَةُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنِ اسْتِحْقَاقِ الرَّاجِعِ.
وَإِنْ تَسَاوَى الْمُسْتَحَقُّ فِي السَّهْمَيْنِ مَعًا لَمْ تَبْطُلْ بِهِ الْقِسْمَةُ، وَأُمْضِيَتْ عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَرَاجُعَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فِيهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحَقُّ مُشَاعًا فِي الْجَمِيعِ كَاسْتِحْقَاقِ ثُلُثِهَا مُشَاعًا، فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ فِي الثُّلُثِ الْمُسْتَحَقِّ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بُطْلَانِ الْقِسْمَةِ فِيمَا عَدَاهُ:
فَخَرَّجَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ، مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، إِلَى بُطْلَانِ الْقِسْمَةِ فِي الْجَمِيعِ قُولًا وَاحِدًا، سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ أَوْ إِفْرَازُ حَقٍّ.
لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَقَّ لِشَرِيكٍ ثَالِثٍ لَمْ يُقَاسِمْهُمَا، فَصَارَ كَأَرْضٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ غَابَ أَحَدُهُمْ، فَاقْتَسَمَهَا الْحَاضِرَانِ عَلَى أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ الْغَائِبِ مُشَاعَةً فِي سَهْمِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَتِ الْقِسْمَةُ بَاطِلَةً فِي الْجَمِيعِ كَذَلِكَ فِي السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ.
وَإِنَّمَا بَطَلَتْ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ الْمُسْتَحَقَّ وَسَهْمَ الْغَائِبِ كَانَ مُشَاعًا فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحَازَتِهِ مُجْتَمِعًا بِالْقِسْمَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ فِي مِلْكَيْنِ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَمْعِهِ بِالْقِسْمَةِ.
( [ظُهُورُ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ] ) .
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي: " أَوْ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ فَبِيعَ بَعْضُهَا انْتَقَضَ الْقَسْمُ وَيُقَالُ لَهُمْ فِي الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ إِنْ تَطَوَّعْتُمْ أَنْ تُعْطُوا أَهْلَ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَفَذْنَا القسم بينكم وإلا القضاء عَلَيْكُمْ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُوُرَتُهَا: فِي أَرْضٍ أَوْ دَارٍ اقْتَسَمَهَا وَارِثَانِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الْوَرَثَةِ لِمِلْكٍ مِنَ التَّرِكَةِ فِي حُقُوقِ أَنْفُسِهِمْ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مُرْتَهَنَةٌ بِالدَّيْنِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا كَالرَّهْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَيَّنُ اسْتِحْقَاقُهُ مِنَ التَّرِكَةِ لِجَوَازِ قَضَائِهِ مِنْ غَيْرِهَا.
وَخَالَفَ الرَّهْنَ لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ عَنِ اخْتِيَارٍ، وَتَعَلُّقِهِ بِالتَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ.
وَفِي بَيْعِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، قَوْلَانِ كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي وَالْمَالِ إذا وجبت في الزَّكَاةُ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِوُجُوبِهِ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، وَبَطَلَ فِي الرَّهْنِ لِوُجُوبِهِ عَنِ اخْتِيَارٍ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ فِي بَيْعِ التَّرِكَةِ كَانَتِ الْقِسْمَةُ بِنَاءً عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا إِفْرَازُ حَقٍّ وَتَمْيِيزُ نَصِيبٍ صَحَّتِ الْقِسْمَةُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا بَيْعٌ فَفِي بُطْلَانِهَا قَوْلَانِ كَالْبَيْعِ.
فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ بَاطِلَةٌ قُضِيَ الدَّيْنُ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَتِ الْقِسْمَةُ بَعْدَ قَضَائِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقِسْمَةَ جَائِزَةٌ قِيلَ لِلْوَرَثَةِ: إِنْ قَضَيْتُمُ الدَّيْنَ أُمْضِيَتِ الْقِسْمَةُ.
وَإِنْ لَمْ يَقْضُوا وَلَمْ يُوجَدْ مِنَ التَّرِكَةِ غَيْرُ الْمَقْسُومِ، نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ وَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَتِ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَقِيَ.
وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ مِنْ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حَقِّهِ لِاسْتِيفَاءِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيقًا لِصَفْقَةِ الْمَبِيعِ وَتَفْرِيقَ عينه.
(ظهور وصية أوصى بها الميت)
(فَصْلٌ)
: وَلَوْ ظَهَرَ بَعْدَ هَذِهِ الْقِسْمَةِ وَصِيَّةٌ أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ بِسَهْمٍ مُعَيَّنٍ فِي الْأَرْضِ الْمَقْسُومَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهَا فِي الْقِسْمَةِ كَحُكْمِ مَا اسْتَحَقَّ مِنَ السَّهْمِ الْمُعَيَّنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ بِسَهْمٍ شَائِعٍ فِي الْأَرْضِ الْمَقْسُومَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهَا فِي الْقِسْمَةِ كَحُكْمِ الْمُسْتَحِقِّ لِسَهْمٍ شَائِعٍ فِي الْأَرْضِ الْمَقْسُومَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ مُطْلَقٍ فِي التَّرِكَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهَا فِي الْقِسْمَةِ كَحُكْمِ الدَّيْنِ الْمُسْتَحَقِّ فِي التَّرِكَةِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ بِمُعَيَّنٍ فِي التَّرِكَةِ غَيْرَ الدَّارِ الْمَقْسُومَةِ فَالْقِسْمَةُ مَاضِيَةٌ لِتَوَجُّهِ الْوَصِيَّةِ إِلَى غَيْرِهَا.
( [قِسْمَةُ الأجناس المختلفة] ) .
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَلَا يُقْسَمُ صِنْفٌ مِنَ الْمَالِ مَعَ غَيْرِهِ وَلَا عِنَبٌ مَعَ نَخْلٍ وَلَا يَصِحُّ بَعْلٌ مَضْمُومٌ إِلَى عَيْنٍ وَلَا عَيْنٌ مَضْمُومَةٌ إِلَى بَعْلٍ وَلَا بَعْلٌ إِلَى نَخْلٍ يُشْرَبُ بِنَهْرٍ مَأْمُونِ الِانْقِطَاعِ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ، إِذَا كَانَ الْمَالُ الْمُشْتَرَكُ مِنْ مِيرَاثٍ أَوْ خُلْطَةٍ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً، فَهُوَ ضَرْبَانِ: مَنْقُولٌ، وَغَيْرُ مَنْقُولٍ.
فَأَمَّا الْمَنْقُولُ: فَكَالْحَيَوَانِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْعُرُوضِ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا فَكَانَ بَعْضُ الْمَالِ حَيَوَانًا مُخْتَلِفَ الْأَجْنَاسِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَبَعْضُهُ مَتَاعًا مُخْتَلِفَ الْأَجْنَاسِ كَالْعِطْرِ بَعْضُهُ مِسْكٌ وَبَعْضُهُ عَنْبَرٌ وَبَعْضُهُ كَافُورٌ.
كَالْحُبُوبِ بَعْضُهُ حِنْطَةٌ وَبَعْضُهُ شَعِيرٌ وَبَعْضُهُ أُرْزٌ وَجَبَ أَنْ يُقْسَمَ كُلُّ جِنْسٍ بَيْنَهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ.
فَإِنْ دَعَا أَحَدُهُمْ إِلَى ضَمِّ الْأَجْنَاسِ وَأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِنْهَا سَهْمًا مُعَدَّلًا، لِيَأْخُذَ أَحَدُهُمُ الْحِنْطَةَ، وَالْآخَرُ الشَّعِيرَ، وَالْآخَرُ الْإِبِلَ، وَالْآخَرُ الْغَنَمَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ إِجْبَارٌ، إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ، لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي كُلِّ جِنْسٍ.
فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ كَالْبَيْعِ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ إِجْبَارٌ.
فَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ جَازَ كَالْمُرَاضَاةِ عَلَى الْبَيْعِ.
فَلَوْ كَانَتِ الشَّرِكَةُ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْوَاعٌ فَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَخْتَلِفَ مَنَافِعُهَا بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا كَالْغَنَمِ الَّتِي بَعْضُهَا ضَأْنٌ وَبَعْضُهَا مِعْزَى فَيَكُونُ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهَا كَاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا فَيُقْسَمُ كُلُّ نَوْعٍ عَلَى انْفِرَادِهِ كَالْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا تَخْتَلِفُ مَنَافِعُ أَنْوَاعِهِ كَالْحِنْطَةِ الَّتِي بَعْضُهَا عِرَاقِيَّةٌ وَبَعْضُهَا شَامِيَّةٌ فَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَخْتَلِفَ قِيمَةُ أَنْوَاعِهِ، فَيَصِيرُ كُلُّ نوع كالجنس بقسم عَلَى انْفِرَادِهِ، كَالْأَجْنَاسِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَتَمَاثَلَ قيمة أنواعه، ولا تتفاضل فيه وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَغْلِبُ حُكْمُ الْجِنْسِ لِتَمَاثُلِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْإِجْبَارُ فِي إِفْرَادِ كُلِّ واحد بنوع.
والوجه الثاني: أن يَغْلِبُ حُكْمُ النَّوْعِ لِامْتِيَازِهِ، فَيُقْسَمُ كُلُّ نَوْعٍ عَلَى انْفِرَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا غَيْرُ الْمَنْقُولِ فَضَرْبَانِ: عَقَارٌ وَضِيَاعٌ.
فَأَمَّا الْعَقَارُ الْمَسْكُونُ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا لَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ إِذَا تَمَيَّزَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ دَارَانِ فَيَدْعُو أَحَدُهُمَا إِلَى أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ دَارٍ لِأَحَدِهِمَا فَلَا إِجْبَارَ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ تَمَاثَلَتْ أَثْمَانُهَا أَوْ تَفَاضَلَتِ اتصلت أو تباعدت وَالْإِجْبَارُ أَنْ تُقْسَمَ كُلُّ دَارٍ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ تَرَاضَى الشَّرِيكَانِ عَلَى أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الدَّارَيْنِ لِأَحَدِهِمَا وَالْأُخْرَى لِلْآخَرِ جَازَ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ مُنَاقَلَةً تَقِفُ عَلَى الِاخْتِيَارِ دُونَ الْإِجْبَارِ وَهِيَ كَالْبَيْعِ الْمَحْضِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ مَعَ تَمْيِيزِهِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ قَرْيَةٌ ذَاتُ مَسَاكِنَ، بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَيَدْعُو أَحَدُهُمَا إِلَى أَنْ يَقْسِمَ جَمِيعَ الْقَرْيَةِ، وَيَدْعُو الْآخَرُ إِلَى أَنْ يُقَسِّمَ كُلَّ مَسْكَنٍ مِنْهَا، فَقِسْمَةُ الْإِجْبَارِ وَاقِعَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْقَرْيَةِ، فَيُقَسَّمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ منها
نِصْفُهَا، بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَسَاكِنِهِ؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ حَاوِيَةٌ لِمَسَاكِنِهَا كَالدَّارِ الْجَامِعَةِ لِبُيُوتِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْإِجْبَارُ فِي قِسْمَةِ الدَّارِ عَلَى بَيْتٍ مِنْهَا، كَذَلِكَ الْقَرْيَةُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا عَضَائِدُ مُتَّصِلَةٌ، أَوْ دَكَاكِينُ مُتَضَايِقَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَرِيقٌ فَفِي قِسْمَةِ كُلِّ عِضَادَةٍ وَكُلِّ دُكَّانٍ تَضْيِيقٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ كَالدُّورِ الْمُخْتَلِفَةِ فَلَا تَقَعُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ فِيهَا إِلَّا فِي كُلِّ عِضَادَةٍ وَكُلِّ دُكَّانٍ، لِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِطَرِيقِهِ وَسُكْنَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ كَالْقَرْيَةِ، تَقَعُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ فِي جَمِيعِهَا نِصْفَيْنِ، وَلَا يُفْرَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقِسْمَةِ إِلَّا عَنْ مُرَاضَاةٍ وَاخْتِيَارٍ وَتَصِيرُ كَالدَّارِ ذَاتِ الْبُيُوتِ.
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا الضِّيَاعُ الْمَزْرُوعَةُ وَالْمَغْرُوسَةُ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَتَتَمَاثَلَ فِي الثَّمَنِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالْمُؤْنَةِ، فَيَضُمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقَعُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى جَمِيعِهَا كَالضَّيْعَةِ الْوَاحِدَةِ، كَضِيَاعِ الْقَرْيَةِ الَّتِي يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَلَا يَتَمَيَّزُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَفْتَرِقَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَلَا يَتَّصِلَ، فَقِسْمَةُ الْإِجْبَارِ وَاقِعَةٌ عَلَى كُلِّ ضَيْعَةٍ مِنْهَا، وَلَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ ضَيْعَةٍ إِذَا انْفَرَدَتْ حُكْمُهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: تَتَّصِلُ الضِّيَاعُ وَتَخْتَلِفُ إِمَّا فِي مَنْفَعَةٍ، فَيَكُونُ بَعْضُهَا شَجَرًا وَبَعْضُهَا مُزْدَرَعًا أَوْ يَكُونُ بَعْضُهَا كَرْمًا وَبَعْضُهَا نَخْلًا أَوْ تَخْتَلِفُ فِي مُؤْنَةٍ فَيَكُونُ بَعْضُهَا يَشْرَبُ سَيْحًا مِنْ نهر أو عين وبعضها يشرب بنضج أَوْ غَرْبٍ أَوْ تَخْتَلِفُ فِي الثَّمَنِ لِنَفَاسَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِنْهَا إِنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ وَاقِعَةٌ عَلَى كُلِّ ضَيْعَةٍ مِنْهَا وَلَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي الْقِسْمَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا اتَّصَلَتْ جُمِعَتْ فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ مَعَ اخْتِلَافِهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ تَجَانَسَتْ جُمِعَتْ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ تُجْمَعْ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَثْمَانَهَا مُتَبَايِنَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنَافِعَهَا مختلفة.
(مسألة)
: قال الشافعي: " وَتُقْسَمُ الْأَرَضُونَ وَالثِّيَابُ وَالطَّعَامُ وَكُلُّ مَا احْتَمَلَ القسم ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِسْمَةِ شَيْئَانِ:
أحدهما: أن يمتنع بها من سواء المشركة.
وَالثَّانِي: كَمَالُ التَّصَرُّفِ الَّذِي يَمْتَنِعُ بِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي، فَصَارَ الْمَقْصُودُ بِهَا دَفْعُ الضَّرَرِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَهَا إِجْبَارٌ بِدُخُولِ الضَّرَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ قِسْمَةِ الضِّرَارِ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمْوَالَ الْمُشْتَرَكَةَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ، وَقِسْمٌ تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الِاخْتِيَارِ، وَقِسْمٌ يَنْتَفِي عَنْهُ الْقَسْمُ جَبْرًا أَوِ اخْتِيَارًا.
فَمِمَّا يَدْخُلُهُ الْقَسْمُ الضِّيَاعُ وَالْعَقَارُ، فَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْدِيلٌ وَلَا رَدٌّ دَخَلَهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ، وَلَا يَمْنَعُ مَا فِيهِ مِنَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ مِنْ قِسْمَةٍ جَبْرًا إِذَا تَمَاثَلَ وَتَقَارَبَ فَإِنَّ تَحْقِيقَ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ مُتَعَذِّرٌ فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِمَا يَتَحَقَّقُ تَمَاثُلُهُ مِنَ الْأَرْضِ.
وَأَمَّا مَا فِيهِ رَدٌّ، فَلَا تَدْخُلُهُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى قِسْمَةِ الِاخْتِيَارِ.
وَأَمَّا مَا فِيهِ تَعْدِيلٌ، فَفِي دُخُولِ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ فِيهِ قَوْلَانِ مَضَيَا.
فَأَمَّا قِسْمَةُ مَا كَانَ مِنْهُ وَقْفًا مُحَرَّمًا، فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِمِلْكٍ لَمْ تَجُزْ قِسْمَتُهُ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ أَهْلِهِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَنَافِعِهِ وَإِنِ اخْتَلَطَ بِمِلْكٍ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ، جَازَ قَسْمُهُ جَبْرًا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنِ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ فَفِي جَوَازِ قَسْمِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَجُوزُ جَبْرًا، وَلَا اخْتِيَارًا، تَغْلِيبًا لِلْوَقْفِ.
وَالثَّانِي: تَجُوزُ جَبْرًا وَاخْتِيَارًا، تَغْلِيبًا لِلْمِلْكِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْبَنَّاءُ وَالشَّجَرُ دُونَ أَرْضِهِ فَلَا يجوز إجبارا ويجوز اختيارا.
(قسم الحيوان) .
(فَصْلٌ)
: وَأَمَّا قِسْمُ الْحَيَوَانِ كَالْعَبِيدِ، وَالْمَوَاشِي، فَإِنْ كَانَ رَأْسًا وَاحِدًا، لَمْ تَدْخُلْهُ الْقِسْمَةُ إِجْبَارًا وَلَا اخْتِيَارًا.
وَإِنْ كَانَ عَدَدًا، فَإِنْ تَفَاضَلُوا لَمْ يُقَسِّمُوا إِجْبَارًا، وَقَسَّمُوا اخْتِيَارًا.
وَإِنْ تَمَاثَلُوا فَفِي قَسْمِهَا إِجْبَارًا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، يُقَسَّمُ إِجْبَارًا لتماثلها.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانِ إِنَّهَا لَا تُقَسَّمُ إِجْبَارًا وَتُقَسَّمُ اخْتِيَارًا لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ، حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ، فَجَزَّأَهُمْ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً فَجَعَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ دَلِيلًا عَلَى قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ خَيْرَانَ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْعِتْقِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُرِّيَّةِ.
وَقَدْ أَجَازَ الشَّافِعِيُّ قِسْمَةَ الْكِلَابِ مَعَ الْغَنَمِ كَمَا أَجَازَ الْوَصِيَّةَ بِهَا.
فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجَازَ قَسْمَهَا إِجْبَارًا وَجْهًا وَاحِدًا لِلنَّصِّ عَلَيْهِ وَأَنَّهَا لِخُرُوجِهَا عَنِ الْقِيمَةِ تَجْرِي مَجْرَى ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَ إِجَازَةَ قَسْمِهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَجَعَلَ هَذَا النَّصَّ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أَصَحُّهُمَا.
وَعَلَى قِيَاسِ الْحَيَوَانِ يَكُونُ قَسْمُ الْآلَاتِ مِنَ الْخَشَبِ، كَالْأَوَانِي، وَالْأَبْوَابِ، وَالْأَسَاطِينِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ وَتَفَاضَلَتْ قُسِّمَتِ اخْتِيَارًا وَلَمْ تقسم إجبارا، وإن تماثلت ففي قسمها إجبارا وَجْهَانِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَيَوَانِ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَسْمُ الثِّيَابِ إِنِ اخْتَلَفَتْ وَتَفَاضَلَتْ قُسِّمَتِ اخْتِيَارًا وَلَمْ تُقَسَّمْ إِجْبَارًا، وَإِنْ تَمَاثَلَتْ فَفِي قَسْمِهَا إِجْبَارًا وَجْهَانِ.
فَأَمَّا قَسْمُ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَإِنِ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ نُقُوشِهِ وَأَلْوَانِهِ قُسِّمَ اخْتِيَارًا وَلَمْ يُقَسَّمْ إِجْبَارًا.
وَإِنْ تَمَاثَلَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ نُظِرَ، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِقَسْمِهِ لَمْ يُقَسَّمْ إِجْبَارًا، وَقُسِّمَ اخْتِيَارًا، وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ، فَفِي قَسْمِهِ إِجْبَارًا وَجْهَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تَكُونُ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ فِي الْحَمَّامَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي قِسْمَةِ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ.
قِيلَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُخَرِّجُ إِجْبَارَ قَسْمِهَا بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَالْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ قَسْمِ الدَّارَيْنِ، حَيْثُ لَمْ يَقَعْ فِي إِفْرَادِهَا إِجْبَارٌ، وَوَقَعَ فِي قسم الحمامين إجبار إن كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الدَّارَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ تُقَسَّمَ إِجْبَارًا، فَلَمْ يَقَعْ فِي إِفْرَادِهِمَا إِجْبَارٌ، وَالْحَمَّامُ الْوَاحِدُ لَا يَقَعُ فِي قَسْمِهِ إِجْبَارٌ، فَجَازَ أَنْ يَقَعَ فِي إِفْرَادِهِمَا بِالْقِسْمَةِ إِذَا اجْتَمَعَا إِجْبَارٌ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: لَا يَقَعُ فِي قَسْمِ الْحَمَّامَيْنِ إِجْبَارٌ، كَمَا لَمْ يقع في
قَسْمِ الْوَاحِدِ إِجْبَارٌ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْحَمَّامَيْنِ وَالْحَيَوَانِ، إِنَّ بِنَاءَ الْحَمَّامِ مَنَعَ مِنْ قَسْمِ أَرْضِهِ، والحيوان أهل في نفسه.
(قسم الطعام وغيره)
(فصل)
: وأما قسم الطَّعَامِ: فَكُلُّ مَطْعُومٍ طَعَامٌ، وَفِي الْمَطْعُومِ رِبًا، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَيَجُوزُ قَسْمُهُ إِجْبَارًا وَاخْتِيَارًا.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ جَازَ قَسْمُهُ كَيْلًا وَوَزْنًا، وَجَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِيهِ قَبْلَ التَّقَابُضِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، وَجَبَ قَسْمُهُ كَيْلًا، وَلَمْ يَجُزْ قَسْمُهُ وَزْنًا؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْكَيْلُ، وَوَجَبَ إِنْ تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ.
وَتَدْخُلُ الْقُرْعَةُ فِي قَسْمِهِ إِجْبَارًا، وَلَا تَدْخُلُ فِي قَسْمِهِ اخْتِيَارًا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ ببعض، كرطب، وَالْعِنَبِ، وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ جَازَ قَسْمُهُ إِجْبَارًا وَاخْتِيَارًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ.
وَفِي جَوَازِ قَسْمِهِ بِالْخَرْصِ فِي نَخْلِهِ وَشَجَرِهِ، قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُهُ.
وَالثَّانِي: بُطْلَانُهُ.
وَأَصَحُّ مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ بِالْخَرْصِ فِي قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا التَّحْقِيقُ الْمَعْدُومُ فِي الْخَرْصِ، وَيُجَازُ بِالْخَرْصِ فِي قِسْمَةِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّرَاضِي، هَذَا إِذَا قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ.
فَأَمَّا إِنْ قِيلَ إِنِ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، لَمْ تَجُزْ قِسْمَةُ الثِّمَارِ الرَّطْبَةِ كَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، فَلَا يَدْخُلُهَا قَسْمُ الْإِجْبَارِ وَلَا قَسْمُ الِاخْتِيَارِ.
وَأَمَّا قَسْمُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَيَجُوزُ إِجْبَارًا وَاخْتِيَارًا.
وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي قَسْمِهَا تَقَابُضُهُمَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ إِنْ قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ.
وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ إِذَا قِيلَ إِنَّهَا بَيْعٌ.
فَأَمَّا قِسْمَةُ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَصْنُوعٍ جَازَ قَسْمُهُ إِجْبَارًا وَاخْتِيَارًا وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ التَّقَابُضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ.
وَإِنْ كَانَ مَصْنُوعًا أَوَانِيَ أَوْ سُيُوفًا فَإِنِ اخْتَلَفَتْ وَتَفَاضَلَتْ قُسِّمَتِ اخْتِيَارًا وَلَمْ تُقَسَّمْ إِجْبَارًا.
وَإِنْ تَشَابَهَتْ وَتَمَاثَلَتْ فَفِي قَسْمِهَا إِجْبَارًا وَجْهَانِ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ.
وَأَمَّا قِسْمَةُ الدَّيْنِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَلَى غَرِيمٍ وَاحِدٍ أَوْ عَلَى غُرَمَاءَ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى غَرِيمٍ وَاحِدٍ فَقِسْمَتُهُ فَسْخُ الشَّرِكَةِ فِيهِ.
فَإِذَا فُسِخَتِ انْقَسَمَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ وَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ قَدْرُ حَقِّهِ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاقْتِضَائِهِ وَقَبْضِهِ.
وَلَوْ كَانَتِ الشَّرِكَةُ بَاقِيَةً عَلَى حَالِهَا لَمْ تُفْسَخْ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاقْتِضَائِهِ وَقَبْضِهِ مِنْهُ، وَكَانَ مَا قَبَضَهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ أَنْ قَبَضَهُ عَنْ غَيْرِ إِذْنِهِمْ.
وَإِنْ أَذِنُوا لَهُ فِي قَبْضِ حَقِّهِ مِنْهُ جَازَ، وَكَانَ إِذْنُهُم لَهُ فِي قَبْضِ حَقِّهِ فَسْخًا لِشَرِكَتِهِ.
وَلَا وَجْهَ لِمَنْ خَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَالْمُكَاتِبِ إِذَا أَدَّى إِلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَالَ كِتَابَتِهِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَى الْمُكَاتِبِ، وَعَدَمِهِ فِي الْغَرِيمِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى جَمَاعَةِ غُرَمَاءَ، فَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ بِمَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْغُرَمَاءِ، لَمْ يَجُزْ قَسْمُ ذَلِكَ إِجْبَارًا، لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ قَدْ يَتَفَاضَلُونَ فِي الذِّمَمِ وَالْيَسَارِ.
وَفِي جَوَازِ قَسْمِهِ اخْتِيَارًا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، إِذَا قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ.
وَوَجْهُ صِحَّتِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، أَنْ يُحِيلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِأَصْحَابِهِ بِحَقِّهِ عَلَى الْغَرِيمِ الَّذِي لَمْ يَخْتَرْهُ، وَيُحِيلُوهُ بِحُقُوقِهِمْ عَلَى الْغَرِيمِ الَّذِي اخْتَارَهُ، فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بالحوالة دون القسمة.
( [إِبْرَازُ أَصْلِ الْحَقِّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ] )
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا طلبوا أن يقسم دارا فِي أَيْدِيِهِمْ قُلْتُ ثَبَتُوا عَلَى أُصُولِ حُقُوقِكُمْ لِأَنِّي لَوْ قَسَّمْتُهَا بِقَوْلِكُمْ ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَى حَاكِمٍ كَانَ شَبِيهًا أَنْ
يَجْعَلَهَا لَكُمْ وَلَعَلَّهَا لِغَيْرِكُمْ وَقَدْ قِيلَ يُقَسِّمُ وَيَشْهَدُ أَنَّهُ قَسَّمَهَا عَلَى إِقْرَارِهِمْ وَلَا يُعْجِبُنِي لِمَا وَصَفْتُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَتْ دَارٌ وهي يَدَيْ رَجُلَيْنِ، تَرَافَعَا فِيهَا إِلَى الْحَاكِمِ لِيُقَسِّمَهَا بينهما فلهما فيها ثلاثة أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُنَازِعَهُمَا فِيهَا غَيْرُهُمَا، فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ بِهَا لَهُمَا بِأَيْدِيهِمَا أَنْ يُقَسِّمَهَا بَيْنَهُمَا، مَعَ ظُهُورِ الْمُنَازِعِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهَا لَهُمَا وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ قَوْلُهُ، لِأَنَّ قِسْمَةَ الْحَاكِمِ إِثْبَاتٌ لِمِلْكِهَا، وَالْيَدُ تُوجِبُ إِثْبَاتَ التَّصَرُّفِ، وَلَا تُوجِبُ إِثْبَاتَ الْمِلْكِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَنَازَعَاهَا وَهِيَ فِي أَيْدِيهِمَا، وَيَدَّعِيَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكًا، فَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا بِأَيْدِيهِمَا وَأَيْمَانِهِمَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَسِّمَهَا بَيْنَهُمَا إِنْ سَأَلَاهُ قَسْمَهَا؛ لِأَنَّ فِي تَنَازُعِهِمَا إِقْرَارًا بِسُقُوطِ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ تَقَاسَمَاهَا بِأَنْفُسِهِمَا لَمْ يَمْنَعْهُمَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا فِيهَا مُنَازِعٌ، وَهُمَا مُعْتَرِفَانِ بِالشَّرِكَةِ، وَيَتَنَازَعَانِ فِي الْقِسْمَةِ، فَإِذَا سَأَلَا الْحَاكِمَ قَسْمَهَا بَيْنَهُمَا، كَلَّفَهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكِهِمَا لَهَا، فَإِنْ أَقَامَاهَا قَسَّمَهَا بَيْنَهُمَا إِجْبَارًا أَوِ اخْتِيَارًا، وَهُوَ غَايَةُ مَا يَسْتَظْهِرُ بِهِ الْحَاكِمُ فِي إِثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ.
وَهَكَذَا لَوْ ظَهَرَ لَهُمَا مُنَازِعٌ فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكِهِمَا لَهَا، حَكَمَ لَهُمَا، بِالْمِلْكِ، وأوقع بينهما القسمة وبطل قول المنازع بالبين، لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَبْطُلُ بِالنِّزَاعِ.
وَإِنْ عَدِمَا الْبَيِّنَةَ، وَتَفَرَّدَا بِالْيَدِ، وَعَدِمَ الْمُنَازِعُ وَسَأَلَاهُ الْقِسْمَةَ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَسِّمَهُمَا بَيْنَهُمَا مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَيَقُولُ لَهُمَا: إِنْ شِئْتُمَا فَاقْتَسِمَاهَا بَيْنَكُمَا، بِاخْتِيَارِكُمَا، وَلَا أَحْكُمُ بِقَسْمِهَا بَيْنَكُمَا لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِكُمَا، فَتَجْعَلَا حُكْمِي بِالْقِسْمَةِ حُجَّةً لَكُمَا فِي الْمِلْكِ، وَدَفْعِ مَنْ لَعَلَّهُ أَحَقُّ مِنْكُمَا بِهِ.
فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ بِابْتِيَاعِهِمَا الدَّارَ، لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ، لِأَنَّ يَدَ الْبَائِعِ فِيهَا كَأَيْدِيهِمَا.
وَهَكَذَا لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا صَارَتْ إِلَيْهِمَا عَنْ أَبِيهِمَا مِيرَاثًا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ لَأَنَّ يَدَ الْأَبِ فِيهَا كَأَيْدِيهِمَا.
وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمِلْكُ مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ، كَالْعَرُوضِ وَالسِّلَعِ، أَوْ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ كَالضِّيَاعِ وَالْعَقَارِ.
ثُمَّ حَكَى الشَّافِعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِمَذْهَبِهِ قَوْلًا لِغَيْرِهِ: إِنَّ الْحَاكِمَ يُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمَا ويذكر
فِي الْقِسْمَةِ أَنَّهُ قَسَّمَهَا بَيْنَهُمَا بِإِقْرَارِهِمَا، لِيَسْتَظْهِرَ بِذَلِكَ مِمَّا يَخَافُهُ مِنْ ظُهُورِ مُنَازِعٍ فِيهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا مِمَّا يُنْقَلُ أَوْ لَا يُنْقَلُ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
فَاخْتَلَفَ أصحابنا في تخريج هذا المذهب قولا ثانيا للشافعي.
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى إِبْطَالِ تَخْرِيجِهِ قَوْلًا ثَانِيًا، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ صَرَّحَ بِإِبْطَالِهِ فَقَالَ: وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لِمَا وَصَفْنَا فَلَمْ يَجُزْ مَعَ هَذَا الرَّدِّ أَنْ يَجْعَلَ قَوْلًا لَهُ.
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى تَخْرِيجِهِ قَوْلًا ثَانِيًا، لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ تَرْجِيحٌ لِلْأَوَّلِ وَلَيْسَ بِإِبْطَالٍ لِلثَّانِي، فَيَكُونُ لَهُ فِي قَسْمِهَا بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُقَسِّمُهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ تَعْلِيلًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقَسِّمُهَا وَيَسْتَظْهِرُ بِمَا وَصَفْنَاهُ.
فَإِذَا قَسَّمَهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ اسْتَظْهَرَ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُنَادِيَ هَلْ مِنْ مُنَازِعٍ؟ لِيَسْتَدِلَّ بِعَدَمِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُحْلِفَهُمَا أَنْ لَا حَقَّ فِيهَا لِغَيْرِهِمَا.
وَفِي هَذِهِ الْيَمِينِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا اسْتِظْهَارٌ فَإِنْ قَسَّمَهَا مِنْ غَيْرِ إِحْلَافِهِمَا جَازَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
فَإِنْ قَسَّمَهَا مِنْ غَيْرِ إِحْلَافِهِمَا لَمْ يَجُزْ.
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ خَالَفَ بِتَفْصِيلِهِ مُطْلَقَ الْقَوْلَيْنِ، فَقَالَ: فِيمَا يُنْقَلُ مِنَ الْعَرُوضِ وَالسِّلَعِ أَنَّهُ يُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَفِيمَا لَا يُنْقَلُ مِنَ الضِّيَاعِ وَالْعَقَارِ إِنِ ادَّعَيَاهُ مِيرَاثًا لَمْ يُقَسَّمْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِالْمِيرَاثِ، وَإِنِ ادَّعَيَاهُ بِابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ قَسَّمَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِالِابْتِيَاعِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْبَيِّنَةُ بِالْمِيرَاثِ وَالِابْتِيَاعِ بَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ وَإِنَّمَا هِيَ بَيِّنَةٌ بِسَبَبِ دُخُولِ الْيَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لهذا الفرق وجه الله أعلم بالصواب.
(باب ما على القاضي في الخصوم والشهود)
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُنْصِفَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْمَدْخَلِ عَلَيْهِ لِلْحُكْمِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَنْفُذَ حُجَّتُهُ وَلَا يَنْهَرُهُمَا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْقُضَاةَ زعماء العدل والإنصات نُدِبُوا لِأَنْ يَتَنَاصَفَ بِهِمُ النَّاسُ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَكُونُوا أَنْصَفَ النَّاسِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فاحكم بين الناس بالحق﴾ [الآية: 26] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بغير هدى من الله﴾ [قصص: 50] .
وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَحْظِهِ، وَإِشَارَتِهِ، وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، مَا لَا يَرْفَعُ عَلَى الْآخَرِ ".
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي موسى الاشعري، في عهده على قضاء البصر: " آسِ بَيْنَ النَّاسِ، فِي وَجْهِكَ، وَمَجْلِسِكَ، وَعَدْلِكَ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا ييأس ضعيف من عدلك ".
(آداب القضاة)
وللقضاءة آدَابٌ تَزِيدُ بِهَا هَيْبَتُهُمْ، وَتَقْوَى بِهَا رَهْبَتُهُمْ، وَالْهَيْبَةُ وَالرَّهْبَةُ فِي الْقُضَاةِ مِنْ قَوَاعِدِ نَظَرِهِمْ لِتَقُودَ الْخُصُومَ إِلَى التَّنَاصُفِ وَتَكُفَّهُمْ عَنِ التَّجَاحُدِ.
وَآدَابُهُمْ، بَعْدَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي صِحَّةِ وِلَايَاتِهِمْ، تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: آدَابُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ: وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ مَوْسُومًا بِالزُّهْدِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْخُشُوعِ، كَانَ أَبْلَغَ فِي هَيْبَتِهِ، وَأَزْيَدَ فِي رَهْبَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ مُمَازِجًا لِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا، تَمَيَّزَ عَنْهُمْ بِمَا يَزِيدُ فِي هَيْبَتِهِ، مِنْ لِبَاسٍ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَمَجْلِسٍ لَا يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ فيه وسمت يزيد على غيره فيه.
(ملبس القضاة) .
فَأَمَّا اللِّبَاسُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِأَنْظَفِهَا مَلْبَسًا، وَيَخُصَّ يَوْمَ نَظَرِهِ بِأَفْخَرِ لِبَاسِهِ
جِنْسًا، وَيَسْتَكْمِلَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ، مِنَ الْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ وَأَنْ يَتَمَيَّزَ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْقُضَاةِ، مِنَ الْقَلَانِسِ وَالْعَمَائِمِ السُّودِ، وَالطَّيَالِسَةِ السُّودِ، فَقَدِ اعْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، يَوْمَ دُخُولِ مَكَّةَ، عَامَ الْفَتْحِ، بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ تَمَيَّزَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ وَيَكُونُ نَظِيفَ الْجَسَدِ، يَأْخُذُ شَعْرَهُ وَتَقْلِيمَ ظُفُرِهِ، وَإِزَالَةَ الرَّائِحَةِ الْمَكْرُوهَةِ مِنْ بَدَنِهِ، وَيَسْتَعْمِلُ مِنَ الطِّيبِ مَا يخْفى لَوْنُهُ، وَتَظْهَرُ رَائِحَتُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ يَنْظُرُ فِيهِ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَلَا يَسْتَعْمِلُ من الطيب ما نم.
(مجلس القاضي)
:
وأما مجلسه في الحكم فيبغي أَنْ يَكُونَ فَسِيحًا لَا يَضِيقُ بِالْخُصُومِ وَلَا يَسْرَعُ فِيهِ الْمَلَلُ وَيَفْتَرِشُ بِسَاطًا، لَا يُزْرِي، وَلَا يطْغى، وَيَخْتَصُّ فِيهِ بِمَقْعَدٍ وَوِسَادَةٍ، لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِمَا.
وَلْيَكُنْ جُلُوسُهُ فِي صَدْرِ مَجْلِسِهِ، لِيَعْرِفَهُ الدَّاخِلُ عَلَيْهِ بِبَدِيهَةِ النَّظَرِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقْبِلًا فِيهِ الْقِبْلَةَ كَانَ أَفْضَلَ.
وَيَفْتَتِحُ مَجْلِسَهُ بِرَكْعَتَيْنِ، يَدْعُو بَعْدَهُمَا بِالتَّوْفِيقِ، وَالتَّسْدِيدِ، ثُمَّ يَطْمَئِنُ فِي جُلُوسِهِ مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا أَوْ غَيْرَ مستند.
(سمت القاضي) .
وَأَمَّا سَمْتُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ غَاضَّ الطَّرْفِ، كَثِيرَ الصَّمْتِ، قَلِيلَ الْكَلَامِ، يَقْتَصِرُ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى سُؤَالٍ أَوْ جَوَابٍ، وَلَا يَرْفَعُ بِكَلَامِهِ صَوْتًا، إِلَّا لِزَجْرٍ وَتَأْدِيبٍ، وَلِيُقَلِّلَ الْحَرَكَةَ وَالْإِشَارَةَ، وَلَيَقِفْ مِنْ أَعْوَانِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَنْ يَسْتَدْعِي الْخُصُومَ إِلَيْهِ، وَيُرَتِّبُ مَقَاعِدَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَكُونُ مَهِيبًا مَأْمُونًا لَيَنْصَانَ به مجلسه، وتكمل به هيبته.
(يوم جلوسه للحكم) .
وَيَجْعَلُ يَوْمَ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ الْعَامِّ مَعْرُوفَ الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَأَوَّلُ النَّهَارِ أَوْلَى بِهِ مِنْ آخِرِهِ.
وَالِاعْتِدَالُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمَانِ إِنْ أَقْنَعَا، وَلَا يَخْلُ يَوْمٌ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ.
فَإِنْ وَرَدَتْ فِيمَا عَدَاهُ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ لَمْ يُؤَخِّرْهَا، إِنْ ضَرَّتْ وَكَانَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي النَّظَرِ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرَ فِيهَا بِنَفْسِهِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الرَّاحَةَ وَالدَّعَةَ لِئَلَّا يُسْرِعَ إِلَيْهِ مَلَلٌ وَلَا ضَجَرٌ.
(فَصْلٌ)
: وَالْقِسْمُ الثَّانِي آدَابُ الْقُضَاةِ مَعَ الشُّهُودِ: فَمِنْ آدَابِهِمْ مَعَهُمْ إِذَا تَمَيَّزُوا وَارْتَسَمُوا بِالشَّهَادَةِ، أَنْ يَكُونَ مَقْعَدُهُمْ فِي مَجْلِسِهِ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِمْ بِالصِّيَانَةِ، وَلَا يُسَاوِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي مَقْعَدِهِ، وَلَا فِيمَا تَخَصَّصَ بِهِ مِنْ سَوَادِهِ، وَقَلَنْسُوَتِهِ، لِيَتَمَيَّزَ لِلْخُصُومِ الْقَاضِي من شهوده.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ الشُّهُودُ فِي مَلَابِسِهِمْ بِمَا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ لِيَتَمَيَّزُوا لِمَنْ يُشْهِدُهُمْ وَيَسْتَشْهِدُهُمْ، كَمَا تَمَيَّزَ الْقَاضِي عَنْهُمْ.
وَيُسَلِّمُوا عَلَى الْقَاضِي بِلَفْظِ الرِّيَاسَةِ عَلَيْهِمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمُ الْقَاضِي مُجِيبًا، أَوْ مُبْتَدِئًا، عَلَى تَمَاثُلٍ وَتَفَاضُلٍ.
وَيُقَدِّمُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ، بِحَسْبَ مَا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ فَضْلٍ، بِخِلَافِ الْخُصُومِ، الَّذِي تَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا.
فَإِنْ حَضَرُوهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، جَلَسُوا فِي مَقَاعِدِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ فِي مَجْلِسِهِ، وَرَتَّبَهُمْ فِيهِ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَقَطَعَ تَنَافُسَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ التَّنَافُسَ مُوهِنٌ لِلْعَدَالَةِ.
فَإِنْ تَنَافَسُوا فِي التَّقَدُّمِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ كَانَ قَدْحًا فِي عَدَالَتِهِمْ كَالتَّمَانُعِ فِي أَدَائِهَا.
وَإِنْ تَنَافَسُوا فِي التَّقَدُّمِ فِي الْجُلُوسِ لَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِمْ، مَا لَمْ يَتَنَابَذُوا.
وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَنْ يُحَادِثَهُمُ الْقَاضِي وَيُحَادِثُوهُ، وَيُؤَانِسَهُمْ وَيُؤَانِسُوهُ بِمَا لَا تَنْخَرِقُ بِهِ الْحِشْمَةُ، وَلَا تَزُولُ مَعَهُ الصِّيَانَةُ.
فَأَمَّا حُضُورُهُمْ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَعَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ مِنَ التَّحَفُّظِ وَالِانْقِبَاضِ فِيهِ أَكْثَرُ مِمَّا عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِهِ.
فَإِنْ أَحَبَّ الْقَاضِي أَنْ يُفْرِدَهُمْ عَنْ مَجْلِسِهِ، فِي مَوْضِعٍ مُعْتَزِلٍ لِيَسْتَدْعُوا مِنْهُ لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ كَانَ أَوْلَى، وَكَانُوا مِنْهُ بِمَنْظَرٍ وَمَسْمَعٍ وَخُصَّ مِنْهُمْ شَاهِدَيْنِ بِمَجْلِسِهِ لِيَشْهَدَا مَا يَجْرِي مِنَ الدَّعَاوَى وَالْأَحْكَامِ.
وَإِنْ أَحْضَرَهُمْ جَمِيعًا فِي مَجْلِسِهِ جَازَ، وَكَانَتْ مَيْمَنَةُ مَجْلِسِهِ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ مَيْسَرَتِهِ، فَإِنِ افْتَرَقُوا فِي الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ جَازَ وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ أَوْلَى
وَيَكُونُ جُلُوسُ الْكَاتِبِ فِي مَجْلِسِهِ بِحَيْثُ يُوَاجِهُ الْقَاضِي، وَيُشَاهِدُ الْخُصُومَ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ سَمَاعِ كَلَامِهِ وَكَلَامِهِمْ وَجُلُوسُهُ فِي الْمَيْسَرَةِ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْمَيْمَنَةِ، لِأَنَّ حَاجَةَ الْقَاضِي فِي الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا مَعَ الشُّهُودِ، وَإِقْبَالُهُ عَلَى مَيْسَرَتِهِ أَسْهَلُ عَلَيْهِ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ.
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُفَّ عَنْ مُحَادَثَةِ الشُّهُودِ، وَيَكُفُّوا عَنْ مُحَادَثَتِهِ، وَيَكُونُ كَلَامُ الْقَاضِي لَهُمْ مَقْصُورًا عَلَى الْإِذْنِ فِي الشَّهَادَةِ، وَكَلَامُهُمْ لَهُ مَقْصُورًا عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَيَغُضُّوا عَنْهُ أَبْصَارَهُمْ.
وَلَا يُلَقِّنُهُمْ شَهَادَةً، وَلَا يَتَعَنَّتُهُمْ فِيهَا، وَلَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ سَبَبِ تَحَمُّلِهَا.
فَإِنْ أَخْبَرُوهُ بِسَبَبِ التَّحَمُّلِ كَانَ أَوْلَى إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ فَضْلُ بَيَانٍ وَزِيَادَةُ اسْتِظْهَار،
وَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى إِنْ لَمْ يفِدْ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَدْعِيَهُمْ لِلشَّهَادَةِ، وَلَا يَنْبَغِيَ لَهُمْ أَنْ يَبْدَأُوا بِهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِدْعَائِهِمْ لَهَا.
وَالَّذِي يَجِبُ فِيهِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْمَشْهُودُ له القاضي في إحضاء شُهُودِهِ.
فَإِذَا أَذِنَ لَهُ أَحْضَرَهُمْ، وَقَالَ لَهُمُ الْقَاضِي بِمَ تَشْهَدُونَ؟ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُمُ اشْهَدُوا، فَيَكُونُ أَمْرًا.
وَيَكُونُ الْقَاضِي فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِلشَّاهِدَيْنِ فَيَتَقَدَّمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِالشَّهَادَةِ، وَلَا يَحْتَاجُ الثَّانِي إِلَى إِذْنٍ بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا فَيَبْدَأُ بِالشَّهَادَةِ، وَلَا يَكُونُ لِلْآخَرِ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنٍ آخَرَ.
وَلَوْ بَدَأَ الْأَوَّلُ فَاسْتَوْفَى الشَّهَادَةَ، وَقَالَ الثَّانِي: أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ، لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا لَفْظًا كَالْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ أداء وليس موضع حكاية.
(فصل)
: والقسم الثَّالِثُ آدَابُ الْقُضَاةِ مَعَ الْخُصُومِ أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّظَرِ بَيْنَ مَنْ سَبَقَ مِنَ الْخُصُومِ، وَلَا يُقَدِّمُ مَسْبُوقًا إِلَّا بِاخْتِيَارِ السَّابِقِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي دُخُولِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا يَسْتَدْعِي أَحَدَهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، فَتَظْهَرُ بِهِ مُمَايَلَةُ الْمُتَقَدِّمِ، وَتَضْعُفُ فِيهِ نَفْسُ الْمُتَأَخِّرِ، بَلْ يُسَوِّي فِي الْمَدْخَلِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالْمَشْرُوفِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ.
فَإِذَا دَخَلَا عَلَيْهِ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ إِنْ أَقْبَلَ كَانَ إِقْبَالُهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَعْرَضَ كَانَ إِعْرَاضُهُ عَنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يقبل على أحدهما، ويعرض على الْآخَرِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ كَانَ كَلَامُهُ لَهُمَا، وَإِنْ أَمْسَكَ كَانَ إِمْسَاكُهُ عَنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّمَ أَحَدَهُمَا وَيُمْسِكَ عَنِ الْآخَرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُمَايَلًا لِأَحَدِهِمَا.
وَلَا يَسْمَعُ الدَّعْوَى مِنْهُمَا وَهُمَا قَائِمَانِ، حَتَّى يَجْلِسَا بَيْنَ يَدَيْهِ، تِجَاهَ وَجْهِهِ، رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي ".
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ الْخُصُومِ عِنْدَ الْقَاضِي أَبْعَدَ مِنْ مَجَالِسِ غَيْرِهِمْ، لِيَتَمَيَّزَ بِهِ الْخُصُومُ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَيُسَوِّي فِي الْمَجْلِسِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالْمَشْرُوفِ، وَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، كَمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الدخول.
وَفِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِيهِ، كَمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمَدْخَلِ وَالْكَلَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْكَافِرِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اخْتَصَمَ مَعَ يَهُودِيٍّ وَجَدَ مَعَهُ دِرْعًا ضَاعَتْ مِنْهُ يَوْمَ الْجَمَلِ، إِلَى شُرَيْحٍ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ، قَامَ شُرَيْحٌ عَنْ مَجْلِسِهِ، حَتَّى جَلَسَ فِيهِ عَلِيٌّ وَجَلَسَ شُرَيْحٌ وَالْيَهُودِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْلَا أَنَّ خَصْمِي ذِمِّيٌّ لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ لَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِسِ ".
وَلَوْلَا ضَعْفٌ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ لَقُدِّمَ الْمُسْلِمُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَجْهًا وَاحِدًا وَلِكِلَا الْوَجْهَيْنِ مَعَ ضَعْفِهِ وَجْهٌ.
فَإِنِ اخْتَلَفَ جُلُوسُ الْخَصْمَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، كَانَ الْقَاضِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمُتَقَدِّمَ، أَوْ يُقَدِّمَ الْمُتَأَخِّرَ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ: فَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ قَدْ جَلَسَ فِي مَجْلِسِ الْخُصُومِ، وَتَأَخَّرَ عَنْهُ الْآخَرُ، قَدَّمَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ قَدْ جَلَسَ فِي مَجْلِسِ الْخُصُومِ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْآخَرُ أَخَّرَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُسَاوَيَا فِيهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ تَقَاضَيَا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي مُحَاكَمَةٍ بَيْنَهُمَا، فَقَصَدَاهُ فِي دَارِهِ فَقَالَ زَيْدٌ لِعُمَرَ: لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لَجِئْتُكَ، فَقَالَ عُمَرُ فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ فَأَخَذَ زَيْدٌ وِسَادَتَهُ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا عُمَرُ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا أَوَّلُ جَوْرِكَ سَوِّ بَيْنَنَا فِي الْمَجْلِسِ فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَظَرَ بَيْنَهُمَا فَتَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ زَيْدٌ لِأُبَيٍّ: لَوْ عَفَوْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْيَمِينِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا يَدْرِي زَيْدٌ مَا الْقَضَاءُ، وَمَا عَلَى عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ هَذِهِ أَرْضٌ وَهَذِهِ سَمَاءٌ.
وَمِنْ عَادَةِ جُلُوسِ الْخُصُومِ، أَنْ يَجْلِسُوا فِي التَّحَاكُمِ بُرُوكًا عَلَى الرُّكَبِ، لِأَنَّهُ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي التَّنَازُعِ، وَعُرْفُ الْحُكَّامِ فِي الْأَحْكَامِ.
فَإِنْ كَانَ التَّخَاصُمُ بَيْنَ النِّسَاءِ، جلس مُتَرَبِّعَاتٍ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ، لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُنَّ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، بَرَكَ الرَّجُلُ وَتَرَبَّعَتِ الْمَرْأَةُ، لِأَنَّهُ عُرْفٌ لِجِنْسِهَا فَلَمْ يَصِرْ تَفْضِيلًا لها.
وَالْأَوْلَى بِالْقَاضِي أَنْ لَا يُشْرِكَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ، وَيَجْعَلَ لِلنِّسَاءِ وَقْتًا، وَلِلرِّجَالِ وَقْتًا.
وَلَا يَحْضُرُ تَخَاصُمَ النِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ يسْتَغْنى عَنْ حُضُورِهِ.
وَقَدِ اخْتِيرَ لِلْحَاكِمِ عِنْدَ تَحَاكُمِ النِّسَاءِ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَرْتِيبِ الْخُصُومِ خَصِيًّا.
وَإِنْ كَانَ التَّحَاكُمُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ تَحَاكُمِ الرِّجَالِ، لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يَنْظُرُ بَيْنَهُمَا، عِنْدَ تَحَاكُمِ النِّسَاءِ لِأَجْلِ الرَّجُلِ، وَيَجْعَلُ لَهُمَا وَقْتًا غَيْرَ هَذَيْنِ.
وَإِذَا جَلَسَ الْخَصْمَانِ تَقَارَبَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رجلا والآخر امرأة ليست بذات محرم فيتباعدا ولا يتلاقصا وَأَبْعَدُ مَا يَكُونُ مِنْ بَيْنِ الْخَصْمَيْنِ، أَنْ يَسْمَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلَامَ صَاحِبِهِ.
وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَجَرٍ، وَلَا انْتِهَارٍ، لِأَنَّ ضَجَرَهُ عَلَيْهِمَا مُسْقِطٌ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهِمَا، وَانْتِهَارَهُ لَهُمَا مُضْعِفٌ لِنُفُوسِهِمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا لَغَطٌ فَيَنْتَهِرُهُمَا، أَوْ يَنْتَهِرُ اللَّاغِطَ مِنْهُمَا.
فَإِنْ أَمْسَكَا عَنِ الْكَلَامِ بَعْدَ جُلُوسِهِمَا، قَالَ الْقَاضِي: يَتَكَلَّمُ مَنْ شَاءَ مِنْكُمَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَهُ الْقَائِمُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِحِشْمَتِهِ.
فَإِنْ تَنَازَعَا فِي الْكَلَامِ كَفَّهُمَا عَنِ التَّنَازُعِ، حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا.
فَإِنْ أَقَامَا عَلَى التَّنَازُعِ وَيَبْتَدِئُ بِالْكَلَامِ مِنْ قَرْعٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصْرِفُهُمَا حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى الْمُبْتَدِئِ.
(لَا يَتَعَنَّتُ الْقَاضِي شَاهِدًا) .
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَتَعَنَّتُ شَاهِدًا ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَعَنَتُ الشَّاهِدِ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْقَاضِي مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: إِظْهَارُ التَّنَكُّرِ عَلَيْهِ، والاسترابة به، وهو طاهر الستر، مَوْفُورُ الْعَقْلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْأَلَهُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ مَا شَهِدْتَ وَكَيْفَ تَحَمَّلْتَ وَلَعَلَّكَ سَهَوْتَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَتَبَّعَهُ فِي أَلْفَاظِهِ، وَيُعَارِضَهُ إِلَى مَا جَرَى مَجْرَى مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ عَنَتَ الشَّاهِدِ قَدْحٌ فِيهِ، وَمَيْلٌ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، وَمُفْضٍ إِلَى تَرْكِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ.
وَهَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَضْجَرَ عَلَى الشَّاهِدِ وَلَا يَنْتَهِرَهُ؛ لِأَنَّ الضَّجَرَ وَالِانْتِهَارَ عَنَتٌ.
( [لَا يُلَقِّنُ الْقَاضِي أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ حُجَّةً] ) .
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " ولا ينبغي أي يُلَقِّنَ وَاحِدًا مِنْهُمَا حُجَّةً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَعْنِي مِنَ الْخَصْمَيْنِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالتَّلْقِينِ مُمَايِلًا لَهُ وَبَاعِثًا عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَعَلَّهُ لَيْسَ لَهُ.
فَأَمَّا إِنْ قَصَّرَ الْمُدَّعِي فِي الدَّعْوَى وَلَمْ يستوفها، سأله عما قصر فيه، ليتحقق به الدعوى.
فإنه لَقَّنَهُ تَحْقِيقَ الدَّعْوَى، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ تَوْفِيقٌ لِتَحْقِيقِ الدَّعْوَى، وَلَيْسَ بِتَلْقِينٍ لِلْحُجَّةِ.
وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُعِينًا لَهُ عَلَى خَصْمِهِ.
وَقَالَ لَهُ: إِنْ حَقَّقْتَ دَعْوَاكَ سَمِعْتُهَا، وَإِلَّا صَرَفْتُكَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ لَكَ.
فَإِنْ قَالَ لَهُ اسْتَعِنْ بِمَنْ يَنُوبُ عَنْكَ فَإِنْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي الِاحْتِجَاجِ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَشَارَ بِهِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي تَحْقِيقِ الدَّعْوَى جَازَ وَلَا يُعَيِّنُ لَهُ عَلَى مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ.
( [لَا يُلَقِّنُ الْقَاضِي أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ شَهَادَةً] ) .
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا شَاهِدًا شَهَادَةً ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُلَقِّنُ الشَّاهِدَ مَا يَشْهَدُ بِهِ، لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِيرُ بِتَلْقِينِهِ مَائِلًا مَعَ الْمَشْهُودِ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا لَقَّنَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ.
فَإِنْ لَقَّنَهُ صِفَةَ لَفْظِ الْأَدَاءِ، وَلَمْ يُلَقِّنْهُ مَا يَشْهَدُ بِهِ فِي الْأَدَاءِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي تَلْقِينِ الْخَصْمِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى، فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّهُ تَوْقِيفٌ، وَلَيْسَ بِتَلْقِينٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُمَايَلَةِ، وَيَقُولُ لَهُ إِنْ بَيَّنْتَ مَا تَصِحُّ بِهِ شَهَادَتُكَ سَمِعْتُهَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ الشَّاهِدَ عَلَى الشَّهَادَةِ إِذَا تَوَقَّفَ عَنْهَا وَلَا يَبْعَثُهُ عَلَى التَّوَقُّفِ عَنْهَا إِذَا بَادَرَ إِلَيْهَا إِلَّا فِي الْحُدُودِ الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ فَيَجُوزُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ بِالتَّوَقُّفِ عَنْهَا، كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ فِي الشُّهُودِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا حَتَّى تَوَقَّفَ زِيَادٌ فَدَرَأَ بِهِ الْحَدَّ عَنِ الْمُغِيرَةِ.