الحاوي الكبيرصفحات 21-60
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النذور

صفحات 21-60
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فلان عن فلان؟ قال: نعم قلت فالخبر هو ما استوى فيه المخبر والمخبر والعامة من حلال أو حرام؟ قال نعم قلت والشهادة ما كان الشاهد منه خليا والعامة وإنما تلزم المشهود عليه؟ قال نعم: قلت أفترى هذا مشبها لهذا؟ قال أما في هذا فلا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذْ قَدْ مَضَى مَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ الْمَقْبُولِ مِنْهُنَّ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ وَيُحْكَى عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ إِنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ نِسْوَةٍ، وَلَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْهُنَّ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ: إِنَّهُ يُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُقْبَلُ فِي الْوِلَادَةِ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا، وَلَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ غَيْرِ الْقَابِلَةِ إِلَّا مَعَ غَيْرِهَا.
وَالْخَامِسُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْقَابِلَةَ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ قَابِلَةٍ إِلَّا وِلَادَةَ الْمُطَلَّقَةِ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ، اسْتِدْلَالًا بِمَا رَوَى ابْنُ الْمَدَائِنِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ " وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَتَهَا "، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ، فَكَانَ هَذَا نَصًّا وَإِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْخَبَرِ، فَلَمَّا قُبِلَتْ وَحْدَهَا فِي الْأَخْبَارِ قُبِلَتْ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهَا حَالٌ يَحْتَشِمُ فِيهَا مَنْ عَدَا الْقَابِلَةَ، فَجَازَ قَبُولُ شَهَادَتِهَا وَحْدَهَا، اعْتِبَارًا بِالضَّرُورَةِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى رَدُّ الْوَاحِدِ وَمَنْ زَادَ عَلَيْهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُقْبَلْنَ فِيهِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْوَاحِدَةُ مُسَاوِيَةً لِمَنْ زَادَ عَلَيْهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُنَّ لَمَّا قُمْنَ فِي انْفِرَادِهِنَّ بِالْقَبُولِ مَقَامَ الرِّجَالِ، وَجَبَ أَنْ يَقُمْنَ فِي الْعَدَدِ مَقَامَ الرِّجَالِ فِي الْقَبُولِ، وَأَكْثَرُ عَدَدِ الرِّجَالِ اثْنَانِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ عَدَدِ النِّسَاءِ اثْنَتَيْنِ وَأَمَّا الْبَتِّيُّ فَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَمَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ لِلرَّجُلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَنْفَرِدْنَ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَبْدَلَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْفَرِدْنَ فِيهِ فَيَصِيرُونَ ثَلَاثًا.
وَدَلِيلُنَا عَلَى جَمِيعِهِمْ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ أَنْقَصُ مِنْ شَهَادَةِ الرِّجَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَازَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ مَقَامَ شَهَادَةِ رَجُلٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] . وَالثَّانِي: إِنَّهُنَّ لَا يُقْبَلْنَ فِي مَوَاضِعَ يُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ الرِّجَالِ، وَيُقْبَلُ الرِّجَالُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ، فَلَمَّا لَمْ يُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ مِنَ الرِّجَالِ مَعَ قُوَّتِهِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ مِنَ النِّسَاءِ مَعَ ضَعْفِهَا.
وَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ يَنْفَرِدُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْتِزَامِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَفْتَقِرَ إِلَى الْعَدَدِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَقَدْ حَكَى الْمُزَنِيُّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ: " وَالشَّهَادَةُ مَا كَانَ الشَّاهِدُ مِنْهُ خَلِيًّا ". وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ خَلِيًّا مِنْ نَفْعٍ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ، لِيُوضِّحَ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي تُقْبَلُ وَإِنْ عَادَتْ بِنَفْعٍ عَلَى الْمُخْبِرِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَلِيًّا أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ حُكْمٌ، فَإِنَّ الْوَارِثَيْنِ إِذَا شَهِدَا بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ كَانَ مَا عَلَيْهِمَا مِنْهُ وَاجِبًا بِإِقْرَارِهِمَا، وَمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْهُ وَاجِبًا بِشَهَادَتِهِمَا، وَيَدُلُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّةً أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى وِلَادَةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ فِيهَا شَهَادَةً وَاحِدَةً كَالشَّهَادَةِ عَلَى وِلَادَةِ الْمُطَلَّقَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ فِي شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ مَعَ ضَعْفِهِ وَأَنَّ الْمَدَائِنِيَّ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ، لِأَنَّهُ قَبِلَهَا وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِقَبُولِهَا وَحْدَهَا، وَتَكُونُ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا وَإِنْ بَاشَرَتْ أَحْوَالَ الْوِلَادَةِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْخَبَرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا لَوْ جَرَتْ مَجْرَى الْخَبَرِ لَقُبِلَ فِيهَا شَهَادَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، كَمَا يُقْبَلُ غَيْرُهُمَا وَلَقُبِلَتْ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ كَمَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْمَرْأَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " يُقْبَلُ خَبَرُ الْمُعَنْعِنِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُعَنْعِنِ "، يَعْنِي فُلَانًا عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْخَبَرَ يَتَسَاوَى فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمَخْبَرُ فِي الِالْتِزَامِ وَالِانْتِفَاعِ، وَلَا يَتَسَاوَى الشَّاهِدُ وَمَنْ شَهِدَ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِاحْتِشَامِ مَنْ عَدَا الْقَابِلَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِاجْتِمَاعِ النِّسَاءِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ لِلتَّعَاوُنِ وَفَضْلِ الْمُرَاعَاةِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ غَيْرِ الْقَابِلَةِ وَهُوَ أَنْ يكون

لِلْحَسَنِ دَلِيلٌ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِالرَّدِّ وَالْإِجَازَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ اعْتِبَارٌ بِالضِّدِّ، لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْإِجَازَةَ بِالرَّدِّ، وَالرَّدُّ ضِدُّ الْإِجَازَةِ وَالشَّيْءُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِنَظِيرِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِضِدِّهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ جَازَ هَذَا الِاعْتِبَارُ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا رَدَّ بِالْفِسْقِ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ.
وَالْعَدَدِ وَجَبَ أَنْ يَقْبَلَ بِالْعَدَالَةِ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ وَالْعَدَدِ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرُوهُ أَيْضًا غَيْرَ جَائِزٍ.

(فَصْلٌ)

: فَإِنْ شَهِدَ الرِّجَالُ فِيمَا يَنْفَرِدُ فِيهِ النِّسَاءُ قُبِلُوا، وَلَمْ يَحْكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ أَقْوَى، فَكَانَتْ بِالْقَبُولِ أَوْلَى، وَإِنْ شَهِدْنَ مَعَ الرِّجَالِ جَازَ، وَقُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وبالله التوفيق ... .

(باب شهادة القاذف)

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُضْرَبَ الْقَاذِفُ ثَمَانِينَ وَلَا تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ أَبَدًا وَسَمَّاهُ فَاسِقًا إِلَّا أَنْ يَتُوبَ فَإِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي الْجُرْمَيْنِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي أَنَّهُ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْقَاذِفِ بِالزِّنَا حَالَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: إِنْ تَحَقَّقَ قَذْفُهُ فِي الْأَجْنَبِيِّ وَالْأَجْنَبِيَّةِ يَكُونُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بِإِقْرَارِ الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا وَإِمَّا بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الزِّنَا، وَتَحَقُّقُهُ فِي الزَّوْجَةِ يَكُونُ مَعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِثَالِثٍ وَهُوَ اللِّعَانُ، فَإِذَا حَقَّقَ قَذْفَهُ بِمَا ذَكَرْنَا كَانَ عَلَى حَالِهِ قَبْلَ الْقَذْفِ فِي عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَأَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِقَذْفِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لا يحقق قَذْفَهُ بِبَيِّنَةٍ وَلَا تَصْدِيقٍ وَلَا لِعَانٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِقَذْفِهِ ثَلَاثُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: وُجُوبُ الْحَدِّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً.
وَالثَّانِي: فِسْقُهُ الْمُسْقِطُ لِعَدَالَتِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ أَبَدًا مَا لَمْ يَتُبْ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ مَأْخُوذَةٌ نَصًّا مِنْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] وَيَكُونُ الْقَذْفُ هُوَ الْمُوجِبُ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْجَلْدِ، وَالْفِسْقِ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الْقَذْفَ مُوجِبٌ لِلْجَلْدِ وَحْدَهُ، فَأَمَّا الْفِسْقُ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْجَلْدِ دُونَ الْقَذْفِ، فَيَكُونُ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يُجْلَدْ، فَإِذَا جُلِدَ فُسِّقَ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ قَبْلَ الْجَلْدِ مُتَعَرِّضٌ لِتَحْقِيقِ الْقَذْفِ وَسُقُوطِ الْجَلْدِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُ الْقَذْفِ إِلَّا بِالْجَلْدِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى فِسْقِهِ، وَرَدِّ شَهَادَتِهِ بِالْقَذْفِ دُونَ الْجَلْدِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] فَعَلَّقَ عَلَى الْقَذْفِ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ الْجَلْدِ، وَالْفِسْقِ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، فَلَمَّا تَعَلَّقَ الْجَلْدُ بِالْقَذْفِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا ضُمَّ إِلَيْهِ وَقُرِنَ بِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْقَذْفِ، وَلِأَنَّ الْجَلْدَ تَطْهِيرٌ وَتَكْفِيرٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْحُدُودُ كُفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا " فَلَمْ يُجِزْ أَنْ يَكُونَ تَكْفِيرُ ذَنْبِهِ مُوجِبًا لِتَغْلِيظِ حُكْمِهِ.
وَلِأَنَّ فِسْقَهُ وَرَدَّ شَهَادَتِهِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَالْقَذْفُ مِنْ فِعْلِهِ، وَالْجَلْدُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا فُسِّقَ بِالسَّرِقَةِ دُونَ الْقَطْعِ وَبِالزِّنَا دُونَ الْحَدِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ بِمَثَابَتِهِمَا، لِأَنَّ الْحُدُودَ مَوْضُوعَةٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَبِهِ يَقَعُ الِانْفِصَالُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا اسْتَقَرَّ بِقَذْفِهِ وُجُوبُ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ مَنْ قَذَفَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ الْجَلْدُ بِاتِّفَاقٍ، وَزَالَ فِسْقُهُ بِاتِّفَاقٍ وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ وَفُقَهَاءُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ قَبْلَ الْجَلْدِ وَبَعْدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ بَعْدَ الْجَلْدِ أَبَدًا وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ ، وَمَا أَبَّدَ اللَّهُ حُكْمَهُ لَمْ يَزُلْ.
وَبِرِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا مَحْدُودٍ فِي قَذْفٍ ". قَالُوا: وَهَذَا نَصٌّ لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ، وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ لَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ كَالْجَلْدِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ

بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 5] وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ [بِالتَّوْبَةِ] يَرْفَعُ حُكْمَ مَا تَقَدَّمَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ إِذَا انْعَطَفَ عَلَى جُمْلَةٍ عَادَ إِلَى جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِبَعْضِهَا، كَقَوْلِهِ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَسَالِمٌ حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَيْهِمَا، وَلَا يَخْتَصُّ بِأَقْرَبِهِمَا، فَلَا تُطَلَّقُ زَيْنَبَ كَمَا لَمْ يُعْتَقْ سَالِمٌ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْجَلْدَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ حُكْمَانِ وَالْفِسْقُ عِلَّةٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إِلَى الْحُكْمِ دُونَ الْعِلَّةِ.
كَمَّا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ وَجَلَسَ، فَأُعْطِهِ دِرْهَمًا، لِأَنَّهُ صَدِيقٌ، فَدَخَلَ وَلَمْ يَجْلِسْ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الدِّرْهَمَ، وَكَانَ عَلَى الصَّدَاقَةِ، لِأَنَّ الدِّرْهَمَ جَزَاءٌ، وَالصَّدَاقَةُ عِلَّةٌ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّ الْفِسْقَ إِخْبَارٌ عَنْ مَاضٍ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمٌ مُسْتَقْبَلٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى مُسْتَقْبَلِ الْأَحْكَامِ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى مَاضِي الْأَخْبَارِ.
وَاعْتَرَضُوا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعُدِ الِاسْتِثْنَاءُ بِالتَّوْبَةِ إِلَى الْجَلْدِ مُنِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ، وَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الْفِسْقُ دُونَ رَدِّ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَخْتَصُّ بِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ عنه جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ لَمْ يُعْدَلْ إِلَى الْجَلْدِ لِدَلِيلٍ خَصَّهُ وَهُوَ أَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى حُكْمِ أَصْلِهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْفِسْقَ عِلَّةٌ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، وَارْتِفَاعُ الْعِلَّةِ مُوجِبٌ لِرَفْعِ حُكْمِهَا، وَلَيْسَ الْفِسْقُ عِلَّةً فِي وُجُوبِ الْحَدِّ.
فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ رَدُّ الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ وُجُوبُ الْحَدِّ.
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: أَنْ قَالُوا: فقوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ عَائِدٌ إِلَى مَا بَعْدَهُ مِنَ الْكَلَامِ لَا إِلَى مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 5] أَيْ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ، وَيَرْحَمُهُمْ فَتَعُودُ التَّوْبَةُ إِلَى الْغُفْرَانِ وَالرَّحْمَةِ، وَلَا تَعُودُ إِلَى الْفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ لِئَلَّا يَصِيرَ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْكَلَامِ مُنْقَطِعًا وَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ قوله: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ صِفَةٌ لِذَاتِهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِاسْتِثْنَاءٍ وَلَا شَرْطٍ.

وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْحِرَابَةِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] اسْتِثْنَاءٌ يَعُودُ إِلَى مَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهُ مُنْقَطِعًا، لِأَنَّهُ صِفَةٌ، كَذَلِكَ صِفَةُ هَذَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ: أَنْ قَالُوا: رَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمٌ، وَالْفِسْقُ تَسْمِيَةٌ وَالْخِطَابُ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى حُكْمٍ وَتَسْمِيَةٍ وَتَعَقَّبَهَا اسْتِثْنَاءٌ يَعُودُ إِلَى التَّسْمِيَةِ دُونَ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: أَعْطِ زَيْدًا وَعَمْرًا الْفَاسِقَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ يَعْنِي فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فَاسِقًا، وَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْفِسْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ حُكْمَانِ، فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ مَا ادَّعَوْا.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ جَازَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، لَكَانَ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالتَّوْبَةِ إِلَى الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ عُودِهِ إِلَى الِاسْمِ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ وَلَا تُغَيِّرُ الْأَسْمَاءَ، ثُمَّ تَدُلُّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 42] فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّوْبَةَ تُوجِبُ الْقَبُولَ، وَالْعَفْوَ، وَهُمْ حَمَلُوهَا عَلَى الْقَبُولِ دُونَ الْعَفْوِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمُ الشَّعْبِيُّ: يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وَلَا تَقْبَلُونَ شَهَادَتَهُ؟ ثُمَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا " أَيْ تَقْطَعُهُ، وَتَرْفَعُهُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا، قَالَ لَهُ: تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ، فَقَالَ: لَا أَتُوبُ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهَا قِصَّةٌ اجْتَمَعُوا لَهَا فَمَا أَنْكَرَ قَوْلَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَدَلَّ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِبَارِ: أَنَّ الشَّهَادَةَ إِذَا رُدَّتْ بِفِسْقٍ قُبِلَتْ بِزَوَالِ الْفِسْقِ؛ قِيَاسًا عَلَى جَمِيعِ مَا يُفَسَّقُ بِهِ.
وَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْحَدِّ قُبِلَتْ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ الْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْحُدُودِ.
وَلِأَنَّهُ مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ مِنْ بَعْدِ التَّوْبَةِ قِيَاسًا عَلَى الذِّمِّيِّ إِذَا حُدَّ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ.
وَلِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَا أَغْلَظُ مِنَ الْقَذْفِ بِالزِّنَا لِتَرَدُّدِ الْقَذْفِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَلَمَّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ أَغْلَظِ الْإِثْمَيْنِ قَبْلَ الْحَدِّ وَبَعْدَهُ كَانَ قَبُولُهُ بِالتَّوْبَةِ مَنْ أَخَفِّهِمَا قَبْلَ الْحَدِّ وَبَعْدَهُ أَوْلَى.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا عَادَ إِلَى الْعَدَالَةِ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ وَجَبَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ،

وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرَةَ عَلَى إِصْرَارِهِ يُسْتَرْوَى فَيَرْوِي وَيُسْتَشْهَدُ [فَلَا] يَشْهَدُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ رَدَّ الشَّهَادَةِ مُؤَبَّدًا، فَهُوَ مَشْرُوطُ الْإِطْلَاقِ بِعَدَمِ التَّسْوِيَةِ ومستثنى التأييد بِالتَّوْبَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَهُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَنْ لَمْ يَتُبْ أَصْلًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَهُوَ أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2] .

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَالتَّوْبَةُ إِكْذَابُهُ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ أَذْنَبَ بِأَنْ نَطَقَ بِالْقَذْفِ وَالتَّوْبَةُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: الْقَذْفُ بَاطِلٌ كَمَا تَكُونَ الرِّدَّةُ بِالْقَوْلِ، وَالتَّوْبَةُ عَنْهَا بِالْقَوْلِ.
فَإِنْ كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ شهادته وإلا فحتى يحسن حاله (قال الشافعي) أخبرنا سفيان بن عيينة قال سمعت الزهري يقول زعم أهل العراق أن شهادة القاذف لا تجوز فأشهد لأخبرني ثم سمى الذي أخبره أن عمر قال لأبي بكرة تب تقبل شهادتك أو قال إن تبت قبلت شهادتك (قال) وبلغني عن ابن عباس مثل معنى هذا وقال ابن أبي نجيح كلنا نقوله قلت من قال؟ عطاء وطاوس ومجاهد وقال الشَّعْبِيُّ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وَلَا تَقْبَلُونَ شَهَادَتَهُ؟ (قال الشافعي) وهو قبل أن يحد شر منه حين يحد لأن الحدود كفارات لأهلها فكيف تردونها في أحسن حالاته وتقبلونها في شر حالاته؟ وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدا كيف لا تقبلون توبة القاذف وهو أيسر ذنبا؟ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا حَقَّقَ قَذْفَهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ كَانَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْهُ تَعَلَّقَ بِهِ مَا ذكرناه مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ قَذْفِهِ اسْتَقَرَّتِ الْأَحْكَامُ فِيهِ، وَإِنْ تَابَ ارْتَفَعَ مَا سِوَى الْجَلْدِ، فَلَزِمَ أَنْ نَذْكُرَ شُرُوطَ التوبة، وشروطها يختلف بِاخْتِلَافِ الذَّنْبِ، وَلِلذَّنْبِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذَّنْبِ حَقٌّ سِوَى الْإِثْمِ كَمَنْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً أَوِ اسْتَمْتَعَ بِمَا دَوَنَ الْفَرْجِ مِنْهَا فَمَأْثَمُ هَذَا الذَّنْبِ مُخْتَصٌّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَجَاوَزُهُ إِلَى مَخْلُوقٍ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ تَكُونُ بِشَرْطَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ بِهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 135، 136] قوله ﴿فاستغفروا لذنوبهم﴾ يُرِيدُ بِهِ النَّدَمَ، لِأَنَّ ظُهُورَهُ يَكُونُ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يعلمون﴾ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ بَعْدِ وَقَبْلَ تَوْبَتِهِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَتَرْكُ الْإِصْرَارِ، لِأَنَّهَا تَوْبَةٌ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ النَّدَمُ عَلَيْهِ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الذَّنْبُ بَاطِنًا أَقْنَعَ فِيهِ التَّوْبَةُ الْبَاطِنَةُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا أَقْنَعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْبَةُ الْبَاطِنَةُ، وَلَمْ يُقْنِعْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ إِلَّا التَّوْبَةُ الظَّاهِرَةُ، فَإِنْ تَجَاوَزَ مَأْثَمُ هَذَا الذَّنْبِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى أَنْ أَثِمَ بِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غُرِّمَ وَلَا حَدَّ، كَمَنْ تَعَدَّى بِضَرْبِ إِنْسَانٍ فَآلَمَهُ احْتَاجَ مَعَ التَّوْبَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّدَمِ وَالْعَزْمِ إِلَى اسْتِحْلَالِ الْمَضْرُوبِ بِاسْتِطَابَةِ نَفْسِهِ لِيَزُولَ عَنْهُ الْإِثْمُ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ أَحَلَّهُ مِنْهُ عَفْوًا وَإِلَّا مَكَّنَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيُقَاتِلَهُ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ قِصَاصٌ وَلَا غُرْمٌ، لِأَنَّنَا نَعْتَبِرُ فِي الْقِصَاصِ المماثلة، وهي هاهنا مُتَعَذِّرَةٌ، وَيُعْتَبَرُ فِي التَّوْبَةِ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ، وَهِيَ هاهنا مَوْجُودَةٌ وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يَطُوفُوا مَعَ النِّسَاءِ فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي مَعَ النِّسَاءِ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ أَحْسَنْتُ لَقَدْ ظَلَمْتَنِي، وَإِنْ كُنْتُ أَسَأْتُ فَمَا أَعْلَمْتَنِي، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا شَهِدْتَ عَزْمَتِي؟ قَالَ: مَا شَهِدْتُ لَكَ عَزْمَةً، فَأَلْقَى إِلَيْهِ الدِّرَّةَ، وَقَالَ: اقْتَصَّ قَالَ: لَا أَقْتَصُّ الْيَوْمَ، قَالَ: فَاعْفُ قَالَ: لَا أَعْفُو فَافْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ لَقِيَهُ مِنَ الْغَدِ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَى مَا كَانَ مِنِّي قَدْ أَسْرَعَ فِيكَ، قَالَ: أَجَلْ قَالَ: فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ.
فَبَذَلَ لَهُ الْقِصَاصَ مِنَ الضَّرْبِ وَإِنْ لَمْ يُجِبْ لِيَزُولَ عَنْهُ مَأْثَمُ الْخَطَأِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي حَقِّ اللَّهِ عَفْوًا، فَإِنْ قَادَ نَفْسَهُ فَلَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ، لِأَنَّ عَلَيْهِ الِانْقِيَادَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ.

(فَصْلٌ)

: وَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ مَعْصِيَةً يَتَعَلَّقُ بِهَا مَعَ الْإِثْمِ حَقٌّ، فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ فِعْلٍ وَقَوْلٍ، فَأَمَّا الْفِعْلُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ الْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ مُخْتَصًّا بِالْآدَمِيِّينَ كَالْغُصُوبِ وَالْقَتْلِ، فَصِحَّةُ تَوْبَتِهِ مِنْهُ مُعْتَبَرَةٌ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: بِالنَّدَمِ عَلَى فِعْلِهِ.
وَالثَّانِي: بِالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ.

وَالثَّالِثُ: بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ أَوْ بَدَلِهِ إِنْ عُدِمَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَتَسْلِيمُ نَفْسِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ ليقتص أو يعفوا، فَإِنْ أَعْسَرَ بِالْمَالِ أُنْظِرَ إِلَى مَيْسَرَتِهِ، وَالتَّوْبَةُ قَدْ صَحَّتْ، وَهَذِهِ التَّوْبَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، لِأَنَّ الْغَصْبَ ظَاهِرٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ الْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا، وَاللِّوَاطِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَهُ فِي فِعْلِهِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَتَرَ بِفِعْلِهِ، وَلَمْ يَتَظَاهَرْ بِهِ، فَالْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَسْتُرَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يُظْهِرَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللَّهِ " وَكَانَتْ تَوْبَتُهُ مُعْتَبَرَةً بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: النَّدَمُ عَلَى فِعْلِهِ.
وَالثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ، فَإِنْ أَظْهَرَهُ لَمْ يَأْثَمْ بِإِظْهَارِهِ لِأَنَّ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ اعْتَرَفَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالزِّنَا فَرَجَمَهُمَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا اعْتِرَافَهُمَا.
وَقَالَ لِهَزَّالِ بْنِ شُرَحْبِيلَ وَقَدْ أَشَارَ عَلَى مَاعِزٍ بِالِاعْتِرَافِ بِالزِّنَا.
" هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ "، فَإِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تَوْبَتُهُ مُعْتَبَرَةً بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: النَّدَمِ عَلَى فِعْلِهِ، وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ، وَتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْحَدِّ، فَإِنْ سَلَّمَهَا، وَلَمْ يُحَدَّ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ، وَكَانَ الْمَأْثَمُ فِي تَرْكِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الْإِمَامِ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، فَإِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، فَالتَّوْبَةُ صَحِيحَةٌ يَسْقُطُ بِهَا حُدُودُ الْحِرَابَةِ.
وَفِي سُقُوطِ مَا عَدَاهَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَسْقُطُ كَالْحِرَابَةِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ صِحَّةُ تَوْبَتِهِ مُعْتَبَرَةً بِشَرْطَيْنِ النَّدَمِ وَالْعَزْمِ.
وَالثَّانِي: لَا تَسْقُطُ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ صِحَّةُ تَوْبَتِهِ مُعْتَبَرَةً بَعْدَ الشَّرْطَيْنِ بِثَالِثٍ، وَهُوَ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ لِلْحَدِّ، وَهَذَا إِذَا تَابَ قَبْلَ ظُهُورِ حَالِهِ، وَيَعُودُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِلَى حَالِهِ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ قُبِلَتْ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ لَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَلَا يَتَوَقَّفْ عَنْهُ لِاسْتِبْرَاءِ صَلَاحِهِ، لِأَنَّهُ مَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ فِيمَا كَانَ مَسْتُورًا عَلَيْهِ إِلَّا عَنْ صَلَاحٍ يُغْنِي عَنِ اسْتِبْرَاءِ الْحَالِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ تَظَاهَرَ بِالْمَعْصِيَةِ مِنَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَظَاهَرَ بِالتَّوْبَةِ كَمَا تَظَاهَرَ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ ثَبَتَ الْحَدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ مُسْتَوْفِيهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ، وَيُعْتَبَرُ صِحَّةُ تَوْبَتِهِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ، النَّدَمِ عَلَى فِعْلِهِ وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَإِنْ تَابَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَفِي سُقُوطِهِ

عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ سَقَطَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ فِي تَوْبَتِهِ شَرْطَانِ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ فِي تَوْبَتِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ فِي الْمُسْتُقْبَلِ، وَالِاعْتِرَافُ بِهِ عِنْدَ مُسْتَوْفِي الْحَدِّ، لِيُقِيمَهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَهَا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ فِي سُقُوطِ الْمَأْثَمِ، وَمَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَأَمَّا ثُبُوتُ الْعَدَالَةِ وَقَبُولُ الشَّهَادَةِ فَمُعْتَبَرٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ بِصَلَاحِ حَالِهِ وَاسْتِبْرَاءِ أَفْعَالِهِ بِزَمَانٍ يُخْتَبَرُ فِيهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ تاب وآمن وعمل صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 25] . وَصَلَاحُ حَالِهِ مُعْتَبَرٌ بِزَمَانٍ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّهِ، فَاعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَاعْتَبَرَهُ أَصْحَابُنَا بِسَنَةٍ كَامِلَةٍ، لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ مُعْتَبَرٌ فِي الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَأَجَلِ الْعُنَّةِ، وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الْمُهَيِّجَةِ لِلطِّبَاعِ، فَإِذَا سَلِمَ فِيهَا مِنِ ارْتِكَابِ مَا كَانَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَاصِي صَحَّتْ عَدَالَتُهُ، وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَفِي اعْتِبَارِ هَذِهِ السُّنَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ.
وَالثَّانِي: عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ بِالْقَوْلِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: رِدَّةٌ فِي الدِّينِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: قَذْفٌ بِالزِّنَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ.
فَأَمَّا الرِّدَّةُ عَنِ الْإِسْلَامِ فَالتَّوْبَةُ عَنْهَا بَعْدَ النَّدَمِ وَالْعَزْمِ، يَكُونُ بِمَا أَسْلَمَ بِهِ الْكَافِرُ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ مَعْصِيَتُهُ بِالْقَوْلِ كَانَتْ تَوْبَتُهُ بِالْقَوْلِ، كَمَا أَنَّ مَعْصِيَةَ الزِّنَا لِمَا كَانَتْ بِالْفِعْلِ كَانَتِ التَّوْبَةُ مِنْهَا بِالْفِعْلِ، فَإِذَا أَتَى الْمُرْتَدُّ بِمَا يَكُونُ بِهِ تَائِبًا عَادَ إِلَى حَالِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ حَتَّى تَظْهَرَ مِنْهُ شُرُوطُ الْعَدَالَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ نُظِرَ فِي التَّوْبَةِ، فَإِنْ كَانَتْ عَنْهُ اتِّقَاءً مِنْهُ لِلْقَتْلِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِلَّا أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ شُرُوطُ الْعَدَالَةِ بِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ وَصَلَاحِ عَمَلِهِ، وَإِنْ تَابَ مِنَ الرِّدَّةِ عَفْوًا غَيْرَ مُتَّقٍ بِهَا الْقَتْلَ عَادَ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِلَى عَدَالَتِهِ.
وَأَمَّا الْقَذْفُ بِالزِّنَا، وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، فَلَا يَكُونُ بَعْدَ النَّدَمِ وَالْعَزْمِ إِلَّا بِالْقَوْلِ، لأن معصية بِالْقَوْلِ كَالرِّدَّةِ، فَيُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ تَوْبَتِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: النَّدَمُ عَلَى قَذْفِهِ.

وَالثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ.
وَالثَّالِثُ: إِكْذَابُ نَفْسِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الِاصْطَخْرِيِّ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَإِنِّي كَاذِبٌ فِي قَذْفِي لَهُ بِالزِّنَا، وَقَدْ رَوَى عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " تَوْبَةُ الْقَاذِفِ إِكْذَابُهُ نَفْسَهُ ". وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ إِكْذَابَ نَفْسَهُ أَنْ يَقُولَ قَذْفِي لَهُ بِالزِّنَا كَانَ بَاطِلًا، وَلَا يَقُولُ: كُنْتُ كَاذِبًا فِي قَذْفِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، فَيَصِيرُ عَاصِيًا بِكَذِبِهِ كَمَا كَانَ عَاصِيًا بِقَذْفِهِ، وَهَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ فِي التَّوْبَةِ: وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ يُغْنِي عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ لَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ التَّوْبَةِ مُعْتَبَرٌ، وَالْعَزْمُ لَيْسَ بِقَوْلٍ، وَإِذَا كَانَتِ التَّوْبَةُ مِنَ الْقَذْفِ مُعْتَبَرَةً بِهَذِهِ الشُّرُوطِ، فَالْقَذْفُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: قَذْفُ نَسَبٍ، وَقَذْفُ شَهَادَةٍ.
وَأَمَّا قَذْفُ النَّسَبِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ التَّائِبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَذْفِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِلَّا بِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ، وَصَلَاحِ عَمَلِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 5] وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَذْفِ عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَهَلْ يُرَاعَى فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ صَلَاحُ عَمَلِهِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ حَالِهِ وَصَلَاحِ عَمَلِهِ لِارْتِفَاعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعَدَالَةِ بِمَا حَدَثَ مِنَ الْفِسْقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَتَثْبُتُ عَدَالَتُهُ بِحُدُوثِ تَوْبَتِهِ لِأَنَّهَا رَافِعَةٌ لِحُكْمِ فِسْقِهِ.
وَأَمَّا قَذْفُ الشَّهَادَةِ إِذَا لَمْ يُسْتَكْمَلْ عَدَدُ الشُّهُودِ، فَفِي وُجُوبِ حَدِّهِمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُونَ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، وَلَا يُؤْخَذُونَ بِالتَّوْبَةِ، لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا إِقَامَةَ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْحَدُّ عَلَيْهِمْ وَاجِبٌ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّهُمْ حِينَ لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُهُمْ فَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ بِفِسْقِهِمْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةُ مِنْ فِسْقِهِمْ، وَيُعْتَبَرُ فِي تَوْبَتِهِمْ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَذْفِ النَّسَبِ أَنْ يَقُولَ: قَذْفِي بَاطِلٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى النَّدَمِ، وَتَرْكِ الْعَزْمِ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا أَنْ يَقُولَ: إِنِّي كَاذِبٌ وَلَا يَقُولُ لَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَمُلَ عَدَدُ الشُّهُودِ لَزِمَهُ أَنْ يَشْهَدَ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ لِحَالِهِ، وَصَلَاحِ عَمَلِهِ، لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرَةَ: تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ وَمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إِذَا حَدَّهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرَةَ تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَعْرِفُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ وَجْهًا، وَهَذَا رَدٌّ مِنْهُ عَلَى عُمَرَ فِي قَوْلٍ انْتَشَرَ فِي الصَّحَابَةِ، فَوَافَقُوهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ قَذْفِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَقُبِلَتْ رِوَايَتُهُ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمْ يَتُبْ فَقُبِلَتْ رِوَايَتُهُ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ تَغْلِيظُ الشَّهَادَةِ حِينَ لَمْ تُقْبَلْ مِنْ وَاحِدٍ، وَتَخْفِيفُ الرِّوَايَةِ حِينَ قُبِلَتْ مِنْ وَاحِدٍ.
فَأَمَّا قَذْفُ النَّسَبِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ قَاذِفِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ شَهَادَةٌ وَلَا تُسْمَعُ لَهُ رِوَايَةٌ: لِأَنَّ الْفِسْقَ بِقَذْفِ النَّسَبِ نَصٌّ، وَبِقَذْفِ الشَّهَادَةِ اجْتِهَادٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(باب التحفظ في الشهادة والعلم بها)

قال الشافعي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وَقَالَ ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ فَالْعِلْمُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مِنْهَا مَا عَايَنَهُ فَيَشْهَدُ بِهِ وَمِنْهَا مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَثَبَتَتْ مَعْرِفَتُهُ فِي الْقُلُوبِ فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا أَثْبَتَهُ سَمْعًا مَعَ إِثْبَاتِ بَصَرٍ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَصِحُّ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْعِلْمُ بِهَا فِي حَالَةِ التَّحَمُّلِ وَحَالَةِ الْأَدَاءِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: 36] فَكَانَ دَلِيلُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا عَلِمَهُ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَفُؤَادِهِ، فَالسَّمْعُ لِلْأَصْوَاتِ، وَالْبَصَرُ لِلْمَرْئِيَّاتِ، وَالْفُؤَادُ لِلْمَعْلُومَاتِ، فَجَمَعَ فِي الْعِلْمِ بِهِ بَيْنَ جَمِيعِ أَسْبَابِهِ، لِيَخْرُجَ مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ إِلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] فَشَرَطَ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَقٍّ مَعْلُومٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بِحَقٍّ غَيْرِ مَعْلُومٍ، وَلَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْلُومٍ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: 81] فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَكُونُ بِالْعِلْمِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَشْهَدَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 43] وَهَذَا وَعِيدٌ يُوجِبُ التَّحَفُّظَ فِي الْعَاجِلِ، وَالْجَزَاءَ فِي الْآجِلِ.
وَرَوَى عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ الشَّهَادَةِ فَقَالَ: " هَلْ تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَعَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ " وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى الْحَوَاسِّ دَرْكًا، وَأَثْبَتُهَا عِلْمًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِأَقْوَى أَسْبَابِ الْعِلْمِ فِي التحمل والأداء.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَالْعِلْمُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مِنْهَا مَا عَايَنَهُ، فَيَشْهَدُ بِهِ وَمِنْهَا مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَثَبَتَتْ مَعْرِفَتُهُ فِي الْقُلُوبِ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا أَثْبَتَهُ سَمْعًا مَعَ إِثْبَاتِ بَصَرٍ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ "، فَتَنْقَسِمُ الشَّهَادَاتُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ إِلَّا أَنْ يُشَاهِدَهُ مُعَايَنَةً بِبَصَرِهِ.
وَالثَّانِي: مَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ إِذَا سَمِعَهُ بِالْخَبَرِ الشَّائِعِ.
وَالثَّالِثُ: مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ وَالسَّمَاعِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ، وَيُبْصِرَهُ فَالْأَفْعَالُ كَالْقَتْلِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالزِّنَا، وَالرَّضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُشَاهَدَةِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ فِيهَا إِلَّا إِذَا شَاهَدَهَا بِبَصَرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَصِلُ إِلَى الْعِلْمِ بِهَا مِنْ أَقْصَى جِهَاتِهَا، وَهِيَ الْمُشَاهَدَةُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ فِيهَا بِالسَّمَاعِ وَالْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ شَائِعًا مُسْتَفِيضًا، لِأَنَّ مَا أَمْكَنَ الْوُصُولُ إِلَى عِلْمِهِ بِالْأَقْوَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ إِذَا عَلِمَهُ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ، بِحَمْلِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ مِنْ أَقْصَى جِهَاتِهِ الْمُتَمَكِّنَةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: هُوَ مَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ إِذَا عَلِمَهُ بِالسَّمْعِ وَالْخَبَرِ الشَّائِعِ، فَضَرْبَانِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَثَلَاثَةٌ: النَّسَبُ، وَالْمِلْكُ، وَالْمَوْتُ.
وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَثَلَاثَةٌ: الْوَقْفُ، وَالْوَلَاءُ، وَالزَّوْجِيَّةُ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا النَّسَبُ فَيَثْبُتُ بِسَمَاعِ الْخَبَرِ الشَّائِعِ الْخَارِجِ إِلَى حَدِّ الِاسْتِفَاضَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَحْوَالٍ مُتَبَايِنَةٍ مِنْ مَدْحٍ، وَذَمٍّ، وسخط، ورضى يُسْمَعُ النَّاسُ فِيهَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ، يَقُولُونَ: هَذَا فلان ابن فُلَانٍ فَيَخُصُّونَهُ بِالنَّسَبِ إِلَى أَبٍ أَوْ يَعُمُّونَهُ بِنَسَبٍ أَعْلَى، فَيَقُولُونَ: هَذَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ فِي الْخُصُوصِ، وَالْعُمُومِ، بِالْخَبَرِ الشَّائِعِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِدْلَالًا لَا يُقْطَعُ بِمُعَيَّنٍ، لِأَنَّ الْأَنْسَابَ تَلْحَقُ بِالِاسْتِدْلَالِ دون القطع، فجازرت لِشَهَادَةٍ فِيهَا بِالِاسْتِدْلَالِ دُونَ الْقَطْعِ، وَأَقَلُّ الْعَدَدِ فِي اسْتِفَاضَةِ هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي: أَقَلُّهُ عَدْلَانِ يَذْكُرَانِ نَسَبَهُ خَبَرًا لَا شَهَادَةً، فَيَشْهَدُ بِهِ السَّامِعُ شَهَادَةَ نَفْسِهِ، وَلَا يَشْهَدُ بِهِ عَنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ لِأَنَّ قَوْلَ الاثنين من أخبار الآحاد، وأخبار لَا تَبْلَغُ حَدَّ الشَّائِعِ الْمُسْتَفِيضِ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الْعَدَدُ الْمَقْطُوعُ بِصِدْقِ مُخْبِرِهِ، وَهُوَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ الْمُنْتَفَى عَنْهُ الْمُواطَأَةُ وَالْغَلَطُ.

(فَصْلٌ)

: وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: أَنَا ابْنُكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَدِّقَهُ، فَيَثْبُتَ نَسَبُهُ بِتَصْدِيقِهِ، وَيَكُونُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ بَيْنَهُمَا بِالْإِقْرَارِ، وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ، فَلَوْ تَنَاكَرَا النَّسَبَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ لَمْ يَنْتَفِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُنْكِرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْمُدَّعِي فَلَوْ عَادَ الْمُنْكِرُ فَاعْتَرَفَ بِالنَّسَبِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ ثَبَتَ النَّسَبُ، وَلَوْ عَادَ الْمُدَّعِي فَأَنْكَرَ بَعْدَ إِقْرَارِهِ لَمْ يَنْتَفِ النَّسَبُ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ مَقْبُولٌ وَالْإِنْكَارُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ مَرْدُودٌ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُمْسِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ حَالَ إِمْسَاكِهِ بِالرِّضَا لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ، وَإِنْ شَهِدَتْ حَالُ إِمْسَاكِهِ بِالرِّضَا، فَقَدْ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي: يَثْبُتُ النَّسَبُ، لِأَنَّ الرِّضَا مِنْ شَوَاهِدِ الِاعْتِرَافِ، وَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اعْتِرَافًا بِالنَّسَبِ وَإِنْ تَكَرَّرَ وَزَالَ عَنْهُ شَوَاهِدُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ صَارَ اعْتِرَافًا بِالنَّسَبِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَنْسَابِ بِمِثْلِهِ تَثْبُتُ وَهَكَذَا لَوِ ابْتَدَأَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ لِلْآخَرِ: أَنَا أَبُوكَ اعْتُبِرَتْ حَالُ الِابْنِ بِمِثْلِ مَا اعْتُبِرَتْ بِهِ حَالُ الْأَبِ، وَكَانَ الْجَوَابُ فِيهِمَا سَوَاءً.

(فَصْلٌ)

: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ هَذَا وَكَّلَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ هَذَا، فَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِالْوَكَالَةِ مُوجِبَةً لِلشَّهَادَةِ بِنَسَبِهِمَا، فذهب مَالِك إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوِكَالَةِ دُونَ النَّسَبِ اعْتِبَارًا بِالْمَقْصُودِ فِيهِمَا، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَكُونُ شَهَادَةٌ بِالْوِكَالَةِ وَبِالنَّسَبِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا الْوِكَالَةَ دُونَ النَّسَبِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تُوجِبُ إِثْبَاتَ مَا تَضَمَّنَهَا مِنْ مَقْصُودٍ وَغَيْرِ مَقْصُودٍ، كَمَنْ شَهِدَ بِثَمَنٍ فِي مَبِيعٍ وَصَدَاقٍ فِي نِكَاحٍ كَانَتْ شَهَادَةٌ بِالْمَبِيعِ وَالنِّكَاحِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهَا الثَّمَنَ وَالصَّدَاقَ.
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ فَيَثْبُتُ بِسَمَاعِ الْخَبَرِ الشَّائِعِ الْمُتَظَاهَرِ بِسَمْعِ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ يَقُولُونَ: هَذَا الدَّارُ لِفُلَانٍ، وَهَذِهِ الضَّيْعَةُ لِفُلَانٍ، وَهَذِهِ الدَّابَّةُ لِفُلَانٍ، وَهَذَا الْعَبْدُ لِفُلَانٍ، وَهَذَا الثَّوْبُ لِفُلَانٍ، وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى مُرُورِ الزَّمَانِ لَا يُرَى فِيهِمْ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، وَلَا مُنَازِعٌ فِيهِ فَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهَذَا الْخَبَرِ الْمُتَظَاهَرِ بِالْمِلْكِ دُونَ سَبَبِهِ، لِأَنَّ أَسْبَابَ الْمِلْكِ كَثِيرَةٌ تَخْتَلِفُ، فَتَكُونُ تَارَةً بِالشِّرَاءِ، وَتَارَةً بِالْمِيرَاثِ، وَأُخْرَى بِالْهِبَةِ، وَأُخْرَى بِالْوَصِيَّةِ، وَأُخْرَى بِالْإِحْيَاءِ وَأُخْرَى بِالْغَنِيمَةِ فَلَمَّا تَنَوَّعَتْ أَسْبَابُهُ جَازَ إِذَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ أَنْ يُشْهَدَ لَهُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ دُونَ سَبَبِهِ الَّذِي صَارَ بِهِ مَالِكًا، لِأَنَّ السَّبَبَ يُعْلَمُ بِالْمُشَاهَدَةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ عَلَى الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُشْهَدَ بِالْمِلْكِ الْمُتَظَاهِرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبُ مِلْكِهِ الْمِيرَاثَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُشْهَدَ فِيهِ بِالْخَبَرِ

الْمُتَظَاهِرِ، لِأَنَّ الْمِيرَاثَ مُسْتَحَقٌّ بِالْمَوْتِ وَالنَّسَبِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَثْبُتُ بِالْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا عَدَاهُ مِنَ الْأَسْبَابِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ، وَالْإِحْيَاءِ، لِأَنَّهَا تُعْلَمُ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا مَعَ تَظَاهُرِ الْخَبَرِ بِمِلْكِهِ، هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُشْهَدَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ مُتَصَرِّفًا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُشَاهِدَ تَصَرُّفَهُ فِيهِ، فَيَجْمَعَ الشَّاهِدُ فِي الْعِلْمِ بِهِ بَيْنَ السَّمَاعِ وَالْمُشَاهَدَةِ لِيَصِلَ إِلَيْهِ مِنْ أَقْصَى جِهَاتِهِ الْمُمْكِنَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ يَجُوزُ أَنْ يُشْهَدَ بِسَمَاعِ الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهَدِ التَّصَرُّفُ، لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَظَاهِرَ أَنْفَى لِلِاحْتِمَالِ مِنَ التَّصَرُّفِ الَّذِي قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمِلْكٍ وَغَيْرِ مِلْكٍ، وَأَصْلُ الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي التَّوَاتُرِ، وَوَهِمَ أَبُو حَامِدٍ فَاعْتَبَرَهُ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا مُشَاهَدَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَشِرَ بِهِ الْخَبَرُ الْمُتَظَاهِرُ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُتَصَرِّفِ فِيهِ بِالْيَدِ، لِيُحْكَمَ بِهَا عِنْدَ مُنَازَعَتِهِ فِيهِ.
فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمِلْكٍ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ التَّصَرُّفِ، فَقَدْ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَلِيلِ التَّصَرُّفِ وَكَثِيرِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى بَيْعِهِ لِمَا فِي يَدِهِ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمِلْكِهِ، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مُعْتَبَرٌ بِالتَّصَرُّفِ وَإِنْ قَلَّ زَمَانُهُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالْمِلْكِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَارَةً بِالْمِلْكِ، وَتَارَةً بِإِجَارَةٍ وَوَكَالَةٍ، وَاسْتِعَارَةٍ، فَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْمِلْكُ بِالتَّصَرُّفِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ دَلَّتِ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ عَلَى الْمِلْكِ لَمَا جَازَ لِلْمُدَّعِي عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنْ يَدَّعِيَ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُقِرًّا لَهُ بِمِلْكِهَا، وَفِي جَوَازِ ادِّعَائِهَا بَعْدَ ذِكْرِ يَدِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْمِلْكِ، وَلَا يُمْنَعُ صَاحِبُ الْيَدِ مِنَ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ بِالْمِلْكِ تَارَةً، وَبَالْوِكَالَةِ أُخْرَى.
فَأَمَّا إِذَا طَالَ زَمَانُ تَصَرُّفِهِ حَتَّى اسْتَمَرَّ، وَكَانَ تَصَرُّفُهُ في العين كالتصرف بالسكنى، والإجازة، وَالْهَدْمِ، وَالْبِنَاءِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَصِحُّ الشَّهَادَةُ لَهُ بِالْمِلْكِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا تَصِحُّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَعْلِيلِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ يَصِحُّ أَنْ يُشْهَدَ لَهُ بِالْمِلْكِ لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: إِنَّ أَحْكَامَ الْمِلْكِ مِنْ شَوَاهِدِ الْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ فِي الْعُرْفِ مِنْ دَلَائِلِ الْمِلْكِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْمَوْتُ فَيَثْبُتُ بِسَمَاعِ الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ بِأَنَّ فُلَانًا مَاتَ، وَكَذَلِكَ إِذَا رَأَى الْجِنَازَةَ عَلَى بَابِهِ، وَالصُّرَاخَ فِي دَارِهِ، وَقِيلَ: قَدْ مَاتَ، وَيَكُونُ الْعَدَدُ فِي الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ بِمَوْتِهِ أَعْدَادَ التَّوَاتُرِ، وَوَهِمَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِي فَاعْتَبَرَهُ بِشَاهِدَيْنِ، وَإِنْ شَاهَدَ الْجِنَازَةَ وَسَمِعَ الصُّرَاخَ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مَوْتُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ غَيْرَهُ، فَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مَوْتُهُ كَانَ الْخَبَرُ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ بِالتَّوَاتُرِ، لِأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ شَوَاهِدِ الْحَالِ مَا يَقُومُ مَقَامَ التَّوَاتُرِ، وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُشْهَدَ بِالْمَوْتِ بِالْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ لِتَنَوُّعِ أَسْبَابِهِ فَجَازَ أَنْ يُعْدَلَ فِي الشَّهَادَةِ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْزِيَهُ إِلَى أَحَدِ أَسْبَابِهِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ، كَمَا لَا يُعْتَبَرُ سَبَبُ الْمِلْكِ إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْوَقْفُ فِي تَظَاهُرِ الْخَبَرِ بِهِ إِذَا سَمِعَ عَلَى مُرُورِ الْأَوْقَاتِ، فَلَا يَثْبُتُ وَقْفُهُ بِسَمَاعِ الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ، لِأَنَّهُ عَنْ لَفْظٍ يَفْتَقِرُ إِلَى سَمَاعِهِ مَنْ عَاقَدَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ عَلَى تَظَاهُرِ الْخَبَرِ بِهِ فَأَمَّا ثُبُوتُهُ وَقْفًا مُطْلَقًا وَالشَّهَادَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا وَقْفُ آلِ فُلَانٍ أَوْ هَذَا وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ثُبُوتِهِ وَجَوَازِ الشَّهَادَةِ بِهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَيْنُ عَقْدٍ يَفْتَقِرُ إِلَى سَمَاعٍ وَمُشَاهَدَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ، يَصِحُّ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَقَادَمُ عَهْدُهُ بِمَوْتِ شُهُودِهِ، فَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ عَلَى الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ لَأَفْضَى إِلَى دِرَاسَتِهِ وَتَعْطِيلِ سُبُلِهِ، فَاقْتَضَى جَوَازَهُ الْعُرْفُ وَالضَّرُورَةُ.
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَنِ الْعِتْقِ وَثُبُوتُ الْعِتْقِ بِتَظَاهُرِ الْخَبَرِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إِلَى لَفْظِ مُعْتِقِهِ، وَيَشْهَدُ بِسَبَبِ عِتْقِهِ، وَفِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّهُ قَدْ عَتَقَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ السَّبَبِ فِي عِتْقِهِ لِتَظَاهُرِ الْخَبَرِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عَنْ لَفْظٍ مَسْمُوعٍ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ أَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَرَى مَجْرَى الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَتَقَادَمُ عَهْدُهُ فَتُحْفَظُ حُرِّيَّتُهُ.
فَأَمَّا الْوَلَاءُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعِتْقِ إِذَا تَظَاهَرَ الْخَبَرُ بِأَنَّ هَذَا مَوْلَى فُلَانٍ أَوْ مَوْلَى آلِ فُلَانٍ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ جَوَازَ الشَّهَادَةِ بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَالْعِتْقِ لِحُدُوثِهِ عنه،

وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ الثَّابِتِ يَتَظَاهَرُ الْخَبَرُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ".

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الزَّوْجِيَّةُ فَلَا يَثْبُتُ عَقْدُ نِكَاحِهَا وَالشَّهَادَةُ بِهِ بِالْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْعُقُودِ الْمُفْتَقِرَةِ إِلَى سَمَاعِ اللَّفْظِ وَمُشَاهَدَةِ الْعَاقِدِ.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ بِالْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ عَنْ عَقْدٍ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَقَادَمُ عَهْدُهُ، فعلى هَلْ يَحْتَاجُ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِهَا أَنْ يُرَى الزَّوْجُ دَاخِلًا عَلَيْهَا وَخَارِجًا مِنْ عِنْدِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ كَالتَّصَرُّفِ فِي الْمِلْكِ مَعَ تَظَاهُرِ الْخَبَرِ بِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ إِلَّا قَطْعًا بِالسَّمَاعِ وَالْمُعَايَنَةِ إِذَا اجْتَمَعَا فِيهِ لِيَصِلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ مِنْ أَقْصَى جِهَاتِهِ الْمُمْكِنَةِ، وَهُوَ الْعُقُودُ مِنَ الْمُنَاكَحِ، وَالْبُيُوعِ، وَالْإِجَارَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ إِلَى مُشَاهَدَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَسَمَاعِ لَفْظِهِمَا بِالْعَقْدِ بَذْلًا وَقَبُولًا، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ وَالطَّلَاقُ الْمُفْتَقِرُ إِلَى مُشَاهَدَةِ الْمُقِرِّ وَالْمُطَلِّقِ، وَسَمَاعِ لَفْظِهِمَا بِالْإِقْرَارِ وَالطَّلَاقِ، فَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ فِيهِمَا بِالْأَخْبَارِ الْمُتَظَاهِرَةِ، لِأَنَّ مَا أَمْكَنَ إِدْرَاكُهُ بِعَلَمِ الْحَوَاسِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ بِالِاسْتِدْلَالِ الْمُفْضِي إِلَى غَالِبِ الظَّنِّ، وَهَكَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُشْهَدَ فِيهِ بِالْمُشَاهَدَةِ دُونَ السَّمَاعِ، وَلَا بِالسَّمَاعِ دُونَ الْمُشَاهَدَةِ لِجَوَازِ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ.
فَلَوْ سَمِعَ الشَّاهِدَانِ لَفْظَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَعَرِفَا صَوْتَهُمَا لَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُحَاكِي الْإِنْسَانُ صَوْتَ غَيْرِهِ، فَيَتَشَبَّهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ ثَوْبًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ صَفِيقًا يَمْنَعُ مِنْ تَحْقِيقِ النَّظَرِ مُنِعَ مِنَ الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يَشُفُّ، فَفِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَنْ يُشَاهِدُهُ مَا وَرَاءَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَجُوزُ لِأَنَّ الِاشْتِبَاهَ مَعَهُ يجوز.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " فَبِذَلِكَ قُلْنَا.
لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَعْمَى لِأَنَّ الصَّوْتَ يُشْبِهُ الصَّوْتَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَثْبَتُ شَيْئًا يُعَايِنُهُ وَسَمْعًا وَنَسَبًا ثَمَّ عَمِيَ فَيَجُوزُ ولا علة في رده (قال) والشهادة على ملك الرجل الدار والثوب على ظاهر الأخبار بأنه مالك ولا يرى منازعا في ذلك فتثبت معرفته في القلب فتسمع الشهادة عليه وعلى

النسب إذا سمعه ينسبه زمانا وسمع غيره ينسبه إلى نسبه ولم يسمع دافعا ولا دلالة يرتاب لها ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَشَهَادَةُ الْأَعْمَى يَخْتَلِفُ قَبُولُهَا بِاخْتِلَافِ مَا رَتَّبْنَاهُ مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَاتِ الثَّلَاثَةِ مِمَّا كَانَ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِ الْمُعَايَنَةَ بِالْبَصَرِ كَالْأَفْعَالِ.
فَشَهَادَةُ الْأَعْمَى مَرْدُودَةٌ بِإِجْمَاعٍ لِفَقْدِ آلَتِهِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ فِيمَا يَصِيرُ عَالِمًا بِهِ، وَمَا كَانَ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِ السَّمَاعَ كَالْأَنْسَابِ، وَالْأَمْلَاكِ، وَالْمَوْتِ، فَشَهَادَةُ الْأَعْمَى مَقْبُولَةٌ فِيهِ لِمُسَاوَاتِهِ لِلْبَصِيرِ فِي إِدْرَاكِهَا بِالسَّمْعِ الْمُتَكَافِئَانِ فِيهِ.
وَلَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَهُوَ بَصِيرٌ ثُمَّ عَمِيَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّهَا مَرْدُودَةٌ فِيمَا يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ، كَرَدِّهَا فِيمَا يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ وَأَجْرَى الْعَمَى مَجْرَى الْفِسْقِ حِينَ قَالَ لَوْ سَمِعَ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ، وَهُوَ بَصِيرٌ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى عَمِيَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا بَعْدَ عَمَاهُ، كَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ مَنْ حَدَثَ فِسْقُهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَخَالَفَهُمَا بِالْمَصِيرِ إِلَى قَوْلِنَا أَبُو يُوسُفَ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْكَمَالَ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّهَادَةِ كَاعْتِبَارِهِ فِي وِلَايَةِ الْإِمَامَةِ، وَالْقَضَاءِ لِاعْتِبَارِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي جَمِيعِهَا، فَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا تَقْلِيدُ عَبْدٍ، وَلَا فَاسِقٍ، وَلَا أَعْمَى، فَوَجَبَ إِذَا رُدَّ فِي الشَّهَادَةِ الْعَبْدُ وَالْفَاسِقُ أَنْ يُرَدَّ فِيهَا شَهَادَةُ الْأَعْمَى، قَالُوا: وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ لَمْ تُقْبَلْ فِي الْأَقْوَالِ، كَالْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّ مَا أُدْرِكَ بِالسَّمَاعِ اسْتَوَى فِيهِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ كَمَا أَنَّ مَا أُدْرِكَ بِالْبَصَرِ اسْتَوَى فِيهِ الْأَصَمُّ وَالسَّمِيعُ لِاخْتِصَاصِ الْعِلْمِ بِجَارِحَتِهِ الْمَحْسُوسِ بِهَا، وَلِأَنَّهُ فَقْدُ عُضْوٍ لَا يُدْرَكُ بِهِ الشَّهَادَةُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي صِحَّتِهَا مَعَ إِمْكَانِ إِدْرَاكِهَا كَقَطْعِ الْيَدِ.
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِنْسَانِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا، فَقْدُ رُؤْيَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حُدُوثَ الْعَمَى بَعْدَ صِحَّةِ الْأَدَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِهَا أَنَّ الْمَوْتَ الْمُبْطِلَ لِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، وَجَمِيعِ الْحَوَاسِّ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ فَذَهَابُ الْبَصَرِ مَعَ بَقَاءِ غَيْرِهِ مِنَ الْحَوَاسِّ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ إِمْضَاءِ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْأَصَمِّ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا اخْتُصَّ بِالْمُعَايَنَةِ، وَإِنْ فَقَدَ حَاسَّةَ السَّمْعِ جَازَ لِلْأَعْمَى أَنْ يَشْهَدَ بِمَا اخْتَصَّ بِالسَّمَاعِ، وَإِنْ فَقَدَ حَاسَّةَ الْبَصَرِ، لِاخْتِصَاصِ الِاعْتِبَارِ بِالْحَاسَّةِ الْمُدْرِكَةِ، وَاعْتِبَارِ الشَّهَادَةِ بِالْوِلَايَةِ يَبْطُلُ فَالْمَرْأَةُ تَجُوزُ شَهَادَتُهَا، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ وِلَايَتُهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْأَفْعَالِ فَهُوَ أَنَّ مَا أُدْرِكَتْ بِهِ الْأَفْعَالُ مَفْقُودٌ فِي الْأَعْمَى، وَمَا أُدْرِكَتْ بِهِ الْأَقْوَالُ مَوْجُودٌ فِيهِ فافترقا.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِيمَا يُدْرِكُ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنَ الْعُقُودِ وَالْإِقْرَارِ، فَمَرْدُودَةٌ عِنْدَنَا وَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ سفيان الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ، وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْأَعْمَى إِذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِصَوْتِهِ الَّذِي عَرَفَهُ بِهِ عَلَى قَدِيمِ الْوَقْتِ وَحَدِيثِهِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ شُرَيْحٌ وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَدَاوُدُ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْمُزَنِيِّ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى، وَلِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ شُعَيْبًا قَدْ كَانَ أَعْمَى، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] أَيْ ضَرِيرًا، ﴿وَلَوْلا رهطك لرجعناك﴾ [هود: 91] أَيْ قَوْمُكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ: شَيْبَتُكَ الْبَيْضَاءُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَشَمُ لِأَجْلِ الشَّيْبَةِ كَمَا يُحْتَشَمُ لِأَجْلِ رَهْطِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعِ الْعَمَى مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ بِالْأَمْوَالِ.
وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَتَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ فِي الْأَنْسَابِ وَالْأَمْلَاكِ صَحَّ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا فِي الْعُقُودِ وَالْإِقْرَارِ، كَالْبَصِيرِ.
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِذَا افْتَقَرَتْ إِلَى حَاسَّةٍ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا حَاسَّةٌ أُخْرَى، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ لَمَّا افْتُقِرَ فِيهَا إِلَى الْبَصَرِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا السَّمَاعُ، وَالْأَنْسَابُ لَمَّا افْتَقَرَتْ إِلَى السَّمَاعِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا الْبَصَرُ، فَوَجَبَ إِذَا افْتَقَرَتِ الْعُقُودُ إِلَى السَّمَاعِ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِيهَا الْمُشَاهَدَةُ، لِأَنَّ أُصُولَ الشَّهَادَةِ تَمْنَعُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ حَاسَّتَيْنِ وَلِأَنَّ الصُّورَ تَخْتَلِفُ وَالْأَصْوَاتَ تَخْتَلِفُ، فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعِ اخْتِلَافُ الصُّورِ مِنَ الشَّهَادَةِ لَمْ يَمْنَعِ اخْتِلَافُ الْأَصْوَاتِ مِنَ الشَّهَادَةِ بِهَا.
وَلِأَنَّ الصَّوْتَ يَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُصَوِّتِ كَمَا يَسْتَدِلُّ الْأَعْمَى بِصَوْتِ زَوْجَتِهِ عَلَى إِبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَكَمَا يُسْتَدَلُّ بِصَوْتِ الْمُحَدِّثِ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ مِنْهُ وَرِوَايَتِهِ عَنْهُ، كَذَلِكَ يُسْتَدَلُّ بِصَوْتِ الْعَاقِدِ وَالْمُقِرِّ عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا وَقَدْ سَمِعَتِ الصَّحَابَةُ الْحَدِيثَ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلَمْ تَكُنِ الْمُشَاهَدَةُ مَعَ مَعْرِفَةِ الصَّوْتِ مُعْتَبَرَةً.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: 35] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا مَا خَصَّهُ دَلِيلٌ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: 36] فَجَمَعَ فِي الْعِلْمِ بَيْنَ السَّمْعِ

وَالْبَصَرِ فِي الْإِدْرَاكِ، وَضَمَّ الْفُؤَادَ إِلَيْهَا فِي الْإِثْبَاتِ، فَدَلَّ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْعِلْمِ بِجَمِيعِهَا فِيمَا أُدْرِكَ إِثْبَاتُهُ بِهَا، فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ بِبَعْضِهَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ ظَنًّا فِي مَحَلِّ الْيَقِينِ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْبَصِيرِ فِي الظُّلْمَةِ، وَمِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَثْبَتُ مِنْ شَهَادَةِ الْأَعْمَى، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَخَيَّلُ مِنَ الْأَشْخَاصِ بِبَصَرِهِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْأَعْمَى، ثُمَّ لَمْ تَمْضِ شَهَادَةُ الْبَصِيرِ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَأَوْلَى أَنْ لَا تَمْضِيَ شَهَادَةُ الْأَعْمَى الْمُقَصِّرِ عَنْ هَذِهِ الْحَالِ.
وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْعَقْدِ إِذَا عَرِيَتْ عَنْ رُؤْيَةِ الْعَاقِدِ لَمْ تَصِحَّ كَالشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ تَصَحَّ مِنْهُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَفْعَالِ لَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ عَلَى الْعُقُودِ كَالْأَخْرَسِ طَرْدًا وَالْبَصِيرِ عَكْسًا.
وَلِأَنَّ الصَّوْتَ يَدُلُّ عَلَى الْمُصَوِّتِ كَمَا يَدُلُّ اللَّمْسُ عَلَى الْمَلْمُوسِ، فَلَمَّا امْتَنَعَتِ الشَّهَادَةُ بِاللَّمْسِ لِاشْتِبَاهِ الْمَلْمُوسِ امْتَنَعَتْ بِالصَّوْتِ لِاشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِعُمُومِ الْآيَةِ فَمَخْصُوصٌ بِأَدِلَّتِنَا.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْنَعْ مِنَ النُّبُوَّةِ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الشَّهَادَةِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَمَى شُعَيْبٍ، فَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَاعْتَرَفَ آخَرُونَ بِحُدُوثِهِ بَعْدَ الرِّسَالَةِ وَسَلَّمَ آخَرُونَ وَجَوَّدَهُ قَبْلَ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ إِعْجَازَ النُّبُوَّةِ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِصِحَّةِ شَهَادَتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ فِي النُّبُوَّةِ شَهَادَةً عَلَى مَغِيبٍ فَاسْتَوَى فِيهَا الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، فَخَالَفَ مَنْ عَدَاهُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مُشَاهَدٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِمْ بَيْنَ الْأَنْسَابِ وَالْعُقُودِ، فَهُوَ أَنَّ الْأَنْسَابَ لَا تُعْلَمُ قَطْعًا، فَجَازَ أَنْ تُعْلَمَ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَالْعُقُودُ يُمْكِنُ أَنْ تُعْلَمَ قَطْعًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُعْلَمَ بِالِاسْتِدْلَالِ كَالْأَفْعَالِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ مَا أُدْرِكَ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ غَيْرُهَا، فَهُوَ أَنَّ مَا أُدْرِكَ بِأَحَدِهِمَا كَانَ هَذَا حُكْمَهُ، وَمَا أُدْرِكَ بِالْحَاسَّتَيْنِ اعْتَبَرْنَاهُمَا فِيهِ، وَالْعُقُودُ تُدْرَكُ بِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَا فِيهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الصُّورَ تَخْتَلِفُ كَالْأَصْوَاتِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الصُّورَ تَشْتَبِهُ فِي المبادىء ثُمَّ تَتَحَقَّقُ فِي الْغَايَاتِ، وَالْأَصْوَاتُ تَشْتَبِهُ فِي المبادىء وَالْغَايَاتِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمُصَوِّتَ قَدْ يَحْكِي صَوْتَ غَيْرِهِ فَيُشْتَبَهُ، وَفِي الصُّورِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْكِيَ صُورَةَ غَيْرِهِ فَلَمْ يُشْتَبَهْ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ الصَّوْتَ يَدُلُّ عَلَى الْمُصَوِّتِ كَمَا يَسْتَدِلُّ الْأَعْمَى بِصَوْتِ زَوْجَتِهِ عَلَيْهَا، فَهُوَ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْأَزْوَاجِ لِخُصُوصِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْسَعُ حُكْمًا مِنَ الشَّهَادَةِ، لِجَوَازِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا بِاللَّمْسِ، فَجَازَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهَا بِالصَّوْتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَزْفُوفَةِ إِلَيْهِ عَلَى خَبَرِ نَاقِلِهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الشَّهَادَةِ، وَكَذَا الْأَخْبَارُ يَنْقُلُهَا الْوَاحِدُ عَنِ الْوَاحِدِ، وَيُقْبَلُ خَبَرُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ عَنِ الْوَاحِدَةِ فَافْتَرَقَا.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخِلَافِ فِي شَهَادَةِ الْأَعْمَى، فَسَنَذْكُرُ شَرْحَ مَذْهَبِنَا فِي شَهَادَتِهِمْ، فَإِذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ، وَهُوَ بَصِيرٌ ثُمَّ أَدَّاهَا وَهُوَ أَعْمَى لَمْ يَخْلُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا بِالْإِشَارَةِ أَوْ يَكُونَ مُعَيَّنًا بِالنَّسَبِ الْمُعْزَى إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بِالْإِشَارَةِ إِلَى جِسْمِهِ دُونَ اسْمِهِ، وَنَسَبِهِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ صح التحمل عنه لأنه يعد الْعَمَى لَا يُثْبِتُ الشَّخْصَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ كَمَا لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا لِلْجَهَالَةِ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ تَعَيَّنَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ صَحَّ مِنَ الْأَعْمَى أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ كَمَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ، كَمَا يَتَعَيَّنُ بِالْإِشَارَةِ وَهَكَذَا لَوْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَنْهُ وَهُوَ بَصِيرٌ، وَيَدُهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ عَمِيَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَخْلِيَتِهِ مِنْ يَدِهِ صَحَّتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بِالْإِشَارَةِ لِمَعْرِفَتِهِ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ، فَصَحَّ مِنْهُ التَّحَمُّلُ وَالْأَدَاءُ مَعَ وُجُودِ الْعَمَى فِي الْحَالَيْنِ، وَهَكَذَا شَهَادَتُهُ عَلَى الْمَضْبُوطِ، وَهُوَ أَنْ يُدْنِيَ رَجُلٌ فَمَهُ مِنْ أُذُنِهِ وَيُقِرَّ عِنْدَهُ فَيَضْبُطَهُ، وَيَشْهَدَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ صَحَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ وُجِدَ الْعَمَى فِي حَالَتَيِ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ لِقَطْعِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
وَتَصِحُّ شَهَادَةُ الْأَعْمَى بِالتَّرْجَمَةِ عِنْدَ الْحُكَّامِ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بِتَفْسِيرِ الْكَلَامِ الْمَسْمُوعِ.
وَيُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى بِالنَّسَبِ إِذَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الْمُدْرَكَةُ بِالسَّمْعِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْمَوْتِ إِذَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ.
فَأَمَّا شَهَادَتُهُ بِالْمِلْكِ بِالْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ فَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ مُشَاهَدَةُ التَّصَرُّفِ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ فبلت فِيهِ شَهَادَةُ الْأَعْمَى لِاعْتِبَارِ السَّمْعِ وَحْدَهُ فِيهِ، وَإِنِ اعْتُبِرَ مَعَ اسْتِفَاضَةِ الْخَبَرِ مُشَاهَدَةُ التَّصَرُّفِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِيهِ لِفَقْدِ الْبَصَرِ الْمُعْتَبَرِ فِي وُجُودِ التَّصَرُّفِ، وَهَكَذَا إِذَا قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ بِالزَّوْجِيَّةِ بِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْأَعْمَى بِهَا، إِذَا لَمْ تُجْعَلْ مُشَاهَدَةُ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ شَرْطًا فِيهَا وَرُدَّتْ إِنْ جُعِلَ شَرْطًا.
فَهَذَا مَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْأَعْمَى، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا عَدَاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْعُقُودِ.
(فَصْلٌ) : فَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَيَصِحُّ مِنْهُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْأَدَاءُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ مِنْهُ الْأَدَاءُ كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّحَمُّلُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ النُّطْقَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَدَاءِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّحَمُّلِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا صَحَّ مِنْهُ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْإِقْرَارُ، وَأُقِيمَتْ إِشَارَتُهُ فِيهِ مَقَامَ النُّطْقِ.
قِيلَ: هَذَا الْجَمْعُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ فِيمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي جُعِلَ إِشَارَتُهُ كَنُطْقِهِ فِيهَا وَعَدَمُ الضَّرُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي تَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ، أَنْ تُجْعَلَ إِشَارَتُهُ فِيهَا كَنُطْقِهِ لِإِمْكَانِ وُجُودِ النُّطْقِ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكَذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَى عَيْنِ الْمَرْأَةِ وَنَسَبِهَا إِذَا تَظَاهَرَتْ لَهُ الْأَخْبَارُ مِمَّنْ يُصَدَّقُ بِأَنَّهَا فُلَانَةٌ وَرَآهَا مَرَّةً وَهَذَا كُلُّهُ شَهَادَةٌ بِعِلْمٍ كَمَا وَصَفْنَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بِنَسَبِ امْرَأَةٍ كَانَتِ الشَّهَادَةُ أَغْلَظَ مِنْهَا فِي نَسَبِ الرَّجُلِ، لِبُرُوزِ الرَّجُلِ وَخَفَرِ الْمَرْأَةِ وَإِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الرَّجُلِ، وَتَحْرِيمُهُ فِي الْمَرْأَةِ، فَصَارَتْ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أَغْلَظَ فَاحْتَاجَ فِي الْعِلْمِ بِنَسَبِهَا إِلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَعْرِفَةُ عَيْنِهَا بِالْمُشَاهَدَةِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنْ يَرَاهَا فِي صِغَرِهَا، وَقَبْلَ بُلُوغِهَا فِي حَالَةٍ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، فَيَثْبُتُ مَعْرِفَةُ عَيْنِهَا فِي الصِّغَرِ حَتَّى لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ فِي الْكِبَرِ.
وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوِي مَحَارِمَ يَسْتَبِيحُ النَّظَرَ إِلَيْهِنَّ فَيَعْرِفُهَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالنَّظَرِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكْثُرَ دُخُولُهَا عَلَى نِسَاءِ أَهْلِهِ فَيَقُلْنَ لَهُ هَذِهِ فُلَانَةٌ، فَيَعْرِفُ شَخْصَهَا بِمَا يَتَّفِقُ لَهُ مِنْ نَظْرَةٍ بَعْدَ نَظْرَةٍ لَمْ يَقْصِدْهَا، فَيَصِيرُ عَارِفًا بِهَا.
فَأَمَّا مِعْرِفَةُ كَلَامِهَا، فَلَا يَصِيرُ بِهِ عَارِفًا لَهَا لِاشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ، وَمِنْهَا أَنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا حَتَّى يَعْرِفَهَا، فَهَذَا مُوجِبٌ لِمَعْرِفَتِهَا، لَكِنْ إِنْ نَظَرَ إِلَى مَا يُجَاوِزُ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا كَانَ فِسْقًا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، فَتُقْبَلُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَى وَجْهِهَا مُتَعَمِّدًا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا كَانَ عَلَى عَدَالَتِهِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَى وَجْهِهَا عَمْدًا لِشَهْوَةٍ كَانَ فِسْقًا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ لَعَلِيٍّ: " لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فإن الأولة لَكَ وَالثَّانِيَةَ عَلَيْكَ " فِيهِ تَأْوِيلَانِ يَخْتَلِفُ حُكْمُ عدالته باختلافهما:

أَحَدُهُمَا: يُرِيدُ لَا تُتْبِعْ نَظَرَ عَيْنَيْكَ نَظَرَ قَلْبِكَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَأْثَمُ بِالنَّظَرِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَيَكُونُ عَلَى عَدَالَتِهِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: لَا تتبع النظرة الأولة الَّتِي وَقَعَتْ سَهْوًا بِالنَّظْرَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تُوقِعُهَا عَمْدًا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بِمُعَاوَدَةِ النَّظَرِ آثِمًا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْعَدَالَةِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إِلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ.

(فَصْلٌ)

: وَإِذَا جَازَ لَهُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا، لِيَعْرِفَهَا فِي الشَّهَادَةِ لَهَا وَعَلَيْهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ وَجْهِهَا، فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ وَجْهِهَا؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا فِي جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى كَفَّيْهَا، فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ تَعْلِيلًا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَكْثَرُهُمْ لِاخْتِصَاصِ الْمَعْرِفَةِ بِالْوَجْهِ دُونَ الْكَفَّيْنِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ وَجْهِهَا، وَيَنْظُرُ مِنْهُ إِلَى مَا يَعْرِفُهَا بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ كَانَتْ شَابَّةً نَظَرَ إِلَى بَعْضِ وَجْهِهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا نَظَرَ إِلَى جَمِيعِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ نَظَرَ إِلَى بَعْضِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَاتِ جَمَالٍ نَظَرَ إِلَى جَمِيعِهِ تَحَرُّزًا مِنَ الِافْتِتَانِ بِذَاتِ الْجَمَالِ.
وَالصَّحِيحُ مِنِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَعْرِفُهَا بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا بِالنَّظَرِ إِلَى جَمِيعِ وَجْهِهَا جَازَ لَهُ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِهِ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهَا بِالنَّظَرِ إِلَى بَعْضِ وَجْهِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى النَّظْرَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَّا أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ إِثْبَاتُهَا إِلَّا بِنَظْرَةٍ ثَانِيَةٍ، فَيَجُوزُ لَهُ النَّظْرَةُ الثَّانِيَةُ، وَمَتَى خَافَ إِثَارَةَ الشَّهْوَةِ بِالنَّظَرِ كَفَّ، وَلَمْ يَشْهَدْ إِلَّا فِي مُتَعَيَّنٍ عَلَيْهِ بَعْدَ ضَبْطِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نِقَابٍ عَرَفَهَا فِيهِ لَمْ تَكْشِفْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فِيهِ كَشَفَتْ مِنْهُ مَا يَعْرِفُهَا بِهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَبَهُ.
(فَصْلٌ) : فَإِذَا عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ احْتَاجَ فِي مَعْرِفَةِ نَسَبِهَا إِلَى الْخَبَرِ الْمُتَظَاهِرِ بِأَنَّ فُلَانَةَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا هِيَ ابنة فلان ابن فُلَانٍ، وَيَكُونُ مَعْرِفَةُ الْخَبَرِ بِنَسَبِهَا لِعَيْنِهَا، كَمِثْلِ مَعْرِفَتِهِ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي تَظَاهُرِ الْخَبَرِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَصِغَارٍ وَكِبَارٍ وَأَحْرَارٍ وَعَبِيدٍ فَهُوَ الْأَوْكَدُ فِي تَظَاهُرِ الْخَبَرِ بِنَسَبِهَا، لِامْتِزَاجِ مَنْ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ بِمَنْ لَا تَصِحُّ، وَإِنْ تَفَرَّدَ بِهِ النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ صَحَّ بِهِمْ تَظَاهُرُ الْخَبَرِ، لِقَبُولِ خَبَرِهِمْ، وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ تَفَرَّدَ بِهِ الصِّبْيَانُ مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَشَوَاهِدِ الْحَالِ بِانْتِفَاءِ التَّصَنُّعِ

وَالْمُواطَأَةِ مِنْهُمْ، احْتَمَلَ صِحَّةُ تَظَاهُرِهِمْ بِهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ تَظَاهُرُهُمْ بِهِ، لِأَنَّ أَخْبَارَ آحَادِهِمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ تَظَاهُرُهُمْ بِهِ، لِأَنَّ أَخْبَارَ آحَادِهِمْ قَدْ تُقْبَلُ فِي الْإِذْنِ وَقَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَلِأَنَّهُمْ أَبْعَدُ مِنَ التَّصَنُّعِ وَالتُّهْمَةِ، فَإِذَا صَحَّ لِلشَّاهِدِ مَعْرِفَةُ عَيْنِهَا، وَصَحَّ لَهُ تَظَاهُرُ الْخَبَرِ بِنَسَبِهَا صَحَّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ أَحَدُهُمَا لَمْ تَصِحَّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِهِ وَرُدَّتْ إِنْ شَهِدَ.

(مَسْأَلَةٌ)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَكَذَلِكَ يَحْلِفُ الرَّجُلُ عَلَى مَا يَعْلَمُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ فِيمَا أَخَذَ بِهِ مَعَ شَاهِدِهِ وَفِي رَدِّ يَمِينٍ وَغَيْرِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي وَارِثٍ أَرَادَ أَنْ يُطَالِبَ بِحَقٍّ لِمَيِّتِهِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ غَيْرِ مِلْكٍ، فَلِعِلْمِهِ بِهِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ بِهِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ لِغَيْرِهِ عَلَى مَا فصلنا من علم الشهادة بِمَا تَصِحُّ بِهِ شَهَادَتُهُ فَتَصِحُّ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَيَجُوزُ أن يحلف عليه إن ردت عليه اليمين أَوْ مَعَ شَاهِدٍ إِنْ شَهِدَ لَهُ لِيَسْتَحِقَّهُ بِشَاهِدِهِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ مِنْ أَقْصَى جِهَاتِ الْعِلْمِ بِهِ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ لِغَيْرِهِ، فَأَوْلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ لِنَفْسِهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْرِفَهُ مِنْ وَجْهٍ لَا تَصِحُّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِمِثْلِهِ بِأَنْ أَخْبَرَهُ بِهِ وَاحِدٌ أَوْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا فِي حِسَابٍ أَوْ كِتَابٍ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَشَكَّكَ فِيهِ وَلَا يَثِقُ بِصِدْقِهِ، وَصِحَّتِهِ فَتَجُوزُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ الْمَطْلُوبُ فَيَعْلَمُ صِحَّتَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ إِنْ أَنْكَرَهُ، وَلَا أَنْ يَحْلِفَ عليه إن ردت عليه اليمين، لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، وَجَوَازِ الْحَلِفِ، وَلَا تَكُونُ الدَّعْوَى وَالْيَمِينُ إِلَّا بِمَا عَرَفَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ؛ وَصِحَّةُ الْحِسَابِ وَالْكِتَابِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ لِمَعْرِفَتِهِ بِصِحَّتِهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جواز يمينه عليه إن ردت عليه اليمين أَوْ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ إِنْ شَهِدَ لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَرَفَهُ بِغَالِبِ ظَنٍّ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ، وَجَعَلَهُ قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ كَأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِلْأَنْصَارِ حِينَ

ادَّعَوْا قَتْلَ صَاحِبِهِمْ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ وَقَدْ غَابُوا عَنْ قَتْلِهِ " تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ ". وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَرْوِيَ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَثَبَتَ بِهِ شَرْعًا جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ لِيَثْبُتَ بِهِ حَقًّا.
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِمِثْلِهِ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ فِي الظَّلَامِ ومعرفتها باللمس والكلام.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " وَقُلْتُ لِمَنْ قَالَ لَا أُجِيزُ الشَّاهِدَ وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا حِينَ عَلِمَ حَتَّى يُعَايِنَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَوْمَ يُؤَدِّيهَا عَلَيْهِ فَأَنْتَ تُجِيزُ شَهَادَةَ الْبَصِيرِ عَلَى مَيِّتٍ وَعَلَى غَائِبٍ فِي حَالٍ وَهَذَا نَظِيرُ مَا أَنْكَرْتَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا أَرَادَ بِهِ أَبَا حَنِيفَةَ فِي الْبَصِيرِ إِذَا تَحَمَّلَ شَهَادَةً ثُمَّ عَمِيَ، لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ بَعْدَ الْعَمَى، وَهِيَ عِنْدُ الشَّافِعِيِّ مَقْبُولَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِيهِ لَكِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَهُ فِي أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا عَلَى حَاضِرٍ، وَالْأَعْمَى لَا يُشَاهِدُ الْحَاضِرَ، فَلَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، فَنَاقَضَهُ الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ: أَنْتَ تُجِيزُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَهُوَ غَيْرُ حَاضِرٍ، فَكَانَ هَذَا نَقْضًا لِمَذْهَبِهِ، فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْغَائِبِ وَإِبْطَالًا لِتَعْلِيلِهِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْأَعْمَى.
فَإِنْ قِيلَ شروط الأداء في الشاهدة أَغْلَظُ مِنْ شُرُوطِ التَّحَمُّلِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا، وَهُوَ صَغِيرٌ وَعَبْدٌ، وَفَاسِقٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ وَحُرِّيَّتِهِ وَعَدَالَتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ تَحَمُّلُ الْأَعْمَى لَهَا، فَأَوْلَى أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ بِهَا.
قِيلَ: إِنَّمَا أُرِيدَ الْبَصَرُ فِي حَالِ التَّحَمُّلِ لِيَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا، فَلَمْ يُعْتَبَرِ الْبَصَرُ فِي الْأَدَاءِ لِاسْتِقْرَارِ الْعِلْمِ بِهَا وَلَمْ يَمْنَعِ الصِّغَرُ وَالرِّقُّ، وَالْفِسْقُ مِنَ التَّحَمُّلِ، وَإِنْ مَنَعَ مِنَ الْأَدَاءِ لِأَنَّهَا أَحْوَالٌ لَا تَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِهَا وَتَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ الْحُكْمِ بِهَا.

(فَصْلٌ)

: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْوَرِ وَالْأَعْمَشِ وَالْأَحْوَلِ وَالْأَعْشَى، فَإِنْ كَانَ الْأَحْوَلُ يَرَى الْوَاحِدَ اثْنَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِي الْعَدَدِ، وَقُبِلَ فِيمَا سِوَاهُ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ مَنْ فِي بَصَرِهِ ضَعْفٌ، فَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الْأَشْخَاصَ وَلَا يَعْرِفُ الصُّورَ

لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ كَالْأَعْمَى فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْبَصَرِ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الصُّورَ بَعْدَ الْمُقَارَبَةِ وَشِدَّةِ التَّأَمُّلِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِهِ كَالْبَصِيرِ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الشَّاهِدُ وَلِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ الشَّاهِدُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَدَائِهَا وَإِقَامَتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَلِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِمَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ، كَالْجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ الْمَشْهُودِ فِيهِ، وَكَمَالُ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَعْرِفَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَإِنْ عَرَفَهُ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ جَازَ فِي الْحَاضِرِ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْغَائِبِ وَإِنْ عَرَفَهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ جَازَ فِي الْمَشْهُودِ لَهُ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا لِغَائِبٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا عَنْ غَائِبٍ.
فَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَلِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِهِ، فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّهَادَةِ أَدَاؤُهَا، وَمَعَ الْجَهَالَةِ لَا تَصِحُّ، فَصَارَ الشَّاهِدُ غَارًّا.
وَقَالَ قَوْمٌ يُكَلِّفُ الْمُقِرَّ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمَنْ يُعَرِّفُهُ ثُمَّ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ قَبْلَهُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَلِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ إِذَا أَثْبَتَ صُورَتَهُمَا، وَتَحَقَّقَ أَشْخَاصُهُمَا وَإِنْ لَمْ يَرَهُمَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ أَرَادَ الشَّاهِدُ إِقَامَتَهَا وَعَرَفَ عِنْدَ أَدَائِهَا شَخْصَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُودَ لَهُ بِأَعْيَانِهَا صَحَّ مِنْهُ إِقَامَتُهَا مَعَ الْجَهَالَةِ بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا، وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ أَشْخَاصُهُمَا، وَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ أَعْيَانُهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ إِقَامَتُهَا.
(فَصْلٌ) : فَأَمَّا تَحْلِيَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَجْهُولًا، فَقَدْ أَوْجَبَهَا قَوْمٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ، وَمَنَعَ مِنْهَا آخَرُونَ لِأَنَّ الْحُلِيَّ قَدْ يَشْتَبِهُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ اسْتِظْهَارٌ لَهُ بَاعِثُهُ عَلَى التَّذَكُّرِ، كَالْخَطِّ الَّذِي يُرَادُ لِيُذَكِّرَ الشَّهَادَةَ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَاءِ، وَإِذَا جَازَتِ التَّحْلِيَةُ اسْتِظْهَارًا بِهَا اشْتَمَلَ الْكَلَامُ فِيهَا عَلَى فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلَّى فِيهِ الْمُقَرُّ بِهِ.
وَالثَّانِي: مَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلَّى فِيهِ الْمُقِرُّ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلَّى فِيهِ الْمُقِرُّ، فَالْحُقُوقُ الْمُقَرُّ بِهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّحْلِيَةِ، وَهُوَ الْوَصَايَا، وَمَا لَا يَلْزَمُ فِي الْعُقُودِ.
وَالثَّانِي: مَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى التَّحْلِيَةِ، وَهِيَ الدُّيُونُ، وَالْبَرَاءَاتُ، وَالْحُقُوقُ الْمُؤَجَّلَةُ.

وَالثَّالِثُ: مَا لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيَةِ، وَإِنْ جَازَتْ، وَهِيَ عُقُودُ الْبِيَاعَاتِ النَّاجِزَةِ وَالْمَنَاكِحِ، وَالْوِكَالَاتِ.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلَّى بِهِ الْمُقِرُّ، فَقَدْ حَدَّهُ قَوْمٌ بِأَنَّهُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ الْقَائِفُ فِي إِلْحَاقِ النَّسَبِ، وَمَنَعُوا مِنَ التَّحْلِيَةِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِنْ آثَارٍ، وَجِرَاحٍ، أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ شَيْبٍ وَشَبَابٍ.
وَحَدَّهُ آخَرُونَ بِأَنَّهُ كُلُّ مَا اشْتُهِرَ بِهِ مِنْ أَوْصَافِهِ، وَمَنَعُوا مِنْ تَحْلِيَتِهِ مَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِهِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ التَّحْلِيَةَ تَكُونُ بِكُلِّ مَا دَلَّتْ عَلَى الْمُحَلَّى مِنْ أَوْصَافِهِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْبَاطِنَةِ، فَمِنْهَا الطُّولُ، وَالْقِصَرُ، وَمِنْهَا اللَّوْنُ مِنْ بَيَاضٍ أَوْ سَوَادٍ أَوْ سُمْرَةٍ، وَمِنْهَا الْبَدَنُ مِنْ سِمَنٍ أَوْ هُزَالٍ، وَمِنْهَا الْكَلَامُ كَاللُّثْغَةِ، وَالْفَأْفَأَةِ، وَالتَّمْتَمَةِ وَالرَّدَّةِ وَمَا فِي اللِّسَانِ مِنَ الْعَجَلَةِ وَالثِّقَلِ، وَمِنْهَا مَا فِي الْعَيْنِ مِنَ الْكُحْلَةِ، وَالشُّهْلَةِ، وَالشُّكْلَةِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الشُّكْلَةَ هِيَ كَمِّيَّةُ الْحُمْرَةِ فِي بَيَاضِ الْعَيْنِ، وَالشُّهْلَةُ كَمِّيَّةُ الْحُمْرَةِ فِي سَوَادِ الْعَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ فِي عَيْنِهِ شُكْلَةٌ وَمِنْهَا الشَّعْرُ فِي الْجُعُودَةِ وَالسُّبُوطَةِ، وَقِيلَ: لَا يُحَلَّى بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَنَّعُ النَّاسُ تَجْعِيدَ السِّبْطِ وَتَسْبِيطَ الْجَعْدِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْرَفُ الْمَصْنُوعُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، وَمِنْهَا سَوَادُ الشَّعْرِ وَبَيَاضُهُ، وَقِيلَ لَا يُحَلَّى بِهِ لِأَنَّ السَّوَادَ قَدْ يَبْيَضُّ والبياض قد يخصب، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ بَيَاضَ السَّوَادِ يَعْلُو السِّنَّ قَدْ بَدَّلَ عَلَيْهِ تَارِيخَ الشَّهَادَةِ، وَخِضَابُ الْبَيَاضِ يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّحْلِيَةِ بِالصَّمَمِ فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ مَرَضٍ فَيَزُولُ.
فَأَمَّا التَّحْلِيَةُ بِمَا فِي الْفَمِ مِنَ الْأَسْنَانِ، فَيَجُوزُ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الثَّنَايَا وَالْأَنْيَابِ، وَيُمْنَعُ مِنْهَا بِمَا بَطَنَ مِنَ الْأَضْرَاسِ، وَتَجُوزُ التَّحْلِيَةُ بِالْجِرَاحِ، وَالشِّجَاجِ، وَالْآثَارِ اللَّازِمَةِ، وَلَا تَجُوزُ بِالثِّيَابِ وَاللِّبَاسِ، وَتَجُوزُ تَحْلِيَةُ النِّسَاءِ بِمَا فِي وُجُوهِهِنَّ، وَبِمَا ظَهَرَ مِنْ طُولٍ وَقِصَرٍ وَهُزَالٍ أَوْ سِمَنٍ، وَتَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمَشْهُودِ لَهُ أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(بَابُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ مِنَ الْقِيَامِ بالشهادة إذا دعي ليشهد أو يكتب)

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قلبه) {قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَالَّذِي أَحْفَظُ عَنْ كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّاهِدِ قَدْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ وَأَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ لَا تُكْتَمُ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُحَابَى بِهَا أَحَدٌ وَلَا يُمْنَعَهَا أَحَدٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ وَثِيقَةٌ تَتِمُّ بِالتَّحَمُّلِ وَتُسْتَوْفَى بِالْأَدَاءِ فَصَارَتْ جَامِعَةً لِلتَّحَمُّلِ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْأَدَاءِ فِي الِانْتِهَاءِ، وَالشَّاهِدُ مَأْمُورٌ بِهَا فِي التَّحَمُّلِ والأداء، قال الله تعلى {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] . وَفِيهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: إِذَا دُعُوا لِتَحَمُّلِهَا وَإِثْبَاتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: إِذَا دُعُوا لِإِقَامَتِهَا وَأَدَائِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: إِذَا دُعُوا لِلتَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ جَمِيعًا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَدْبٌ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَطِيَّةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ.
فَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ فَهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، إِنْ كَثُرَ مَنْ يَتَحَمَّلُ وَيُؤَدِّي كَالْجِهَادِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، إِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، وَقَدْ يكون فرض التحمل على الكفاية وفرض الأداء عَلَى الْأَعْيَانِ، إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ فِي التَّحَمُّلِ وَقَلَّ عَدَدُهُمْ فِي الْأَدَاءِ،

وَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ فَرْضُ التَّحَمُّلِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَفَرْضُ الْأَدَاءِ عَلَى الْكِفَايَةِ، لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَكُونُ بَعْدَ التَّحَمُّلِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ التَّحَمُّلِ أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَرُبَّمَا تَعَيَّنَ وَفِي الْأَغْلَبِ مِنْ حَالِ الْأَدَاءِ أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَرُبَّمَا صَارَ عَلَى الْكِفَايَةِ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ عَامٌّ وَالْأَدَاءَ خَاصٌّ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ عَدَدُ الْمُتَحَمِّلِينَ وَقَلَّ عَدَدُ الْمُؤَدِّينَ، وَلِذَلِكَ مَا اخْتِيرَ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمُتَحَمِّلِينَ ثَمَانِيَةً اثْنَانِ يَمُوتَانِ، وَاثْنَانِ يَمْرَضَانِ، وَاثْنَانِ يَغِيبَانِ، وَاثْنَانِ يَحْضُرَانِ فَيُؤَدِّيَانِ، وَإِذَا اسْتَوَى التَّحَمُّلُ وَالْأَدَاءُ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَفُرُوضِ الْأَعْيَانِ، كَانَ فَرْضُ الْأَدَاءِ أَغْلَظَ مِنْ فَرْضِ التَّحَمُّلِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةِ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] . وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ فَاجِرٌ قَلْبُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى فِسْقِهِ بِكَتْمِهَا فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ مُكْتَسِبٌ لِإِثْمِ كَتْمِهَا، فَيُحْمَلُ عَلَى مَأْثَمِهِ بِهَا فِي الْخُصُوصِ، وَخُصَّ الْقَلْبُ بِهَا، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِاكْتِسَابِ الْآثَامِ وَالْأُجُورِ.

(فَصْلٌ)

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا لَمْ يَخْلُ حَالُ التحمل والأداء من ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ فِيهِ عَلَى الْكِفَايَةِ، لِكَثْرَةِ مَنْ يَتَحَمَّلُ وَيُؤَدِّي، وَزِيَادَتِهِمْ عَلَى الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ فِي الْحُكْمِ، فَدَاعِي الشُّهُودِ إِلَى التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ مُخَيَّرٌ فِي الِابْتِدَاءٍ بِدُعَاءِ أَيِّهِمْ شَاءَ، فَإِذَا بَدَأَ بِاسْتِدْعَاءِ أَحَدِهِمْ إِلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ أَوْ أَدَائِهَا، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِ فَرْضِهِ إِذَا ابتدىء عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِجَابَةِ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ غَيْرَهُ يُجِيبُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا يتعين عليه فرض الإجابة، إلا أن يعلم أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُجِيبُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْفَرْضُ، فَيَكُونُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَاصِيًا حَتَّى يُجِيبَ غَيْرُهُ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي غَيْرُ عَاصٍ حَتَّى يَمْتَنِعَ غَيْرُهُ، فَإِذَا أَجَابَ إِلَى التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ الْعَدَدُ الْمَشْرُوطُ فِي الشَّهَادَةِ سَقَطَ فَرْضُهَا عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنِ امْتَنَعُوا جَمِيعًا جُرِحُوا أَجْمَعِينَ، وَكَانَ المبتدىء بِالِاسْتِدْعَاءِ أَغْلَظَهُمْ مَأْثَمًا، لِأَنَّهُ صَارَ مَتْبُوعًا فِي الِامْتِنَاعِ، كَمَا لَوْ بَدَأَ بِالْإِجَابَةِ كَانَ أَكْثَرَهُمْ أَجْرًا، لِأَنَّهُ صَارَ مَتْبُوعًا فِيهَا.

(فَصْلٌ)

: وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَعَيَّنَ الْفَرْضُ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ غَيْرُ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهَا فِي الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ فِي الْحُكْمِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ مَنْ دُعِيَ إِلَى تَحَمُّلِهَا وَأَدَائِهَا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الْإِجَابَةِ، وَهُوَ بِالتَّوَقُّفِ عَاصٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ إِلَّا أَنْ

تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ، كَالْحُدُودِ فِي الزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَى التَّوَقُّفِ عَنْ تَحَمُّلِهَا، لِقَوْلِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ ". وَأَمَّا تَوَقُّفُهُ عَنْ أَدَائِهَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قي تَوَقُّفِهِ إِيجَابُ حَدٍّ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَنْ شَهِدَ بِالزِّنَا فَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، وَأَثِمَ بِالتَّوَقُّفِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَجِبَ لِتَوَقُّفِهِ حَدٌّ عَلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَظْهَرَ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ نَدَمٌ فِيمَا أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَيْهِ فَالْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَأْثَمُ بِتَوَقُّفِهِ عَنْهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى إِصْرَارِهِ غَيْرَ نَادِمٍ عَلَى فِعْلِهِ، فَالْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الشَّهَادَةَ، وَيَكُونُ تَوَقُّفُهُ عَنْهَا مَكْرُوهًا وَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَإِنَّمَا يَعْصَى بِالتَّوَقُّفِ عَنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.

(فَصْلٌ)

: وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فَرْضُ التَّحَمُّلِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَفَرْضُ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَعْيَانِ، لِأَنَّهُمْ عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يُخَفَّضِ الْفَرْضُ بِبَعْضِهِمْ، وَصَارَ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُمْ عِنْدَ الْأَدَاءِ مَقْصُورُونَ عَلَى عَدَدِ الشَّهَادَةِ فَأُخْفِضَ الْفَرْضُ بِهِمْ وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ فَيَجْرِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمُهُ فِي اعْتِبَارِ الْكِفَايَةِ فِي التَّحَمُّلِ، وَتَعَيَّنَ الْفَرْضُ فِي الْأَدَاءِ، فَإِنْ مَاتَ أحد شاهدي الْأَدَاءِ وَبَقِيَ الْآخَرُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمَشْهُودِ من إحدى حالين: أحدهما: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَجِنَايَةِ الْعَمْدِ فَيَسْقُطُ فَرْضُ الْأَدَاءِ عَنِ الْبَاقِي، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ حَقٌّ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الشَّاهِدِ الْمُؤَدِّي وَالْحَاكِمِ الْمَشْهُودِ عِنْدَهُ مِنْ أربعة أحوال: أحدهما: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ، وَعَلَى الْمَشْهُودِ عِنْدَهُ أَنْ يَحْكُمَ.
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَالْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بشهادته إلزام.

وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِمَّنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَالْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ، فَعَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَى ذَلِكَ فَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا يَشْهَدُ بِهِ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْتِزَامِ الْحُكَّامِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْإِلْزَامُ مُعْتَبَرٌ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ دُونَ اجْتِهَادِ الشَّاهِدِ، وهكذا لو كان مَعَ الشَّاهِدِ امْرَأَتَانِ، فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، كَانَ مُعْتَبَرًا بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " ثم تتفرع الشهادات (قال الشافعي) قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ ولا شهيد﴾ فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ ضِرَارًا وَفَرْضُ الْقِيَامِ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ وَالْجَنَائِزِ وَرَدِّ السَّلَامِ وَلَمْ أَحْفَظْ خِلَافَ مَا قُلْتُ عَنْ أَحَدٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: " ثُمَّ تَتَفَرَّعُ الشَّهَادَاتُ ... . " عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهَا تَتَفَرَّعُ بِأَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي حَالٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَفِي حَالٍ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ عِنْدَ قِلَّةِ الْعَدَدِ وَقَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ مُتَأَوِّلٌ عَلَى مَا لَا يُخَالِفُ فِيهِ نَصَّ مَذْهَبِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهَا تَتَفَرَّعُ بِأَنْ يَكُونَ فَرْضُ تَحَمُّلِهَا عَلَى الْكِفَايَةِ وَفَرْضُ أَدَائِهَا عَلَى الْأَعْيَانِ.
وَقَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ مُتَأَوِّلٌ لَهُ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ، لِأَنَّ فَرْضَ التَّحَمُّلِ قَدْ يَتَعَيَّنُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُ مَنْ دُعِيَ لِلتَّحَمُّلِ، وَفَرْضُ الْأَدَاءِ قَدْ لَا يَتَعَيَّنُ إِذَا وُجِدَ غَيْرُ مَنْ دُعِيَ لِلْأَدَاءِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ مِنْ أَنْ يَنْتَقِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ إِلَى فَرْضِ الْأَعْيَانِ، وَمِنْ فَرْضِ الْأَعْيَانِ إِلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلَئِنْ كَانَ الْمُتَحَمِّلُ مُلْتَزِمًا لِفَرْضِ الْأَدَاءِ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّهَا تَتَفَرَّعُ بِأَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ تَارَةً فِي تَصْحِيحِ عَقْدٍ كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ، وَتَارَةً فِي نَدْبٍ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ وَتَارَةً فِي وَثِيقَةٍ كَالدُّيُونِ.
وَقَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَخْرُجُ بِتَأْوِيلِهِ عِنْدَ مَذْهَبِهِ.
فَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهَا وَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهَا لِتَصْحِيحِ عَقْدِهِ.
فَإِذَا اقْتَصَرَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى تَصْحِيحِ الْعَقْدِ جَازَ أَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهَا أَهْلَ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا مَعَ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ الْوَثِيقَةَ فِي إِثْبَاتِهِ عِنْدَ الْحُكَّامِ دَعَا إِلَيْهَا أَهْلَ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَثُبُوتَهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ.

وَأَمَّا الْمَطْلُوبُ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِجَابَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ بِحُضُورِهِ.
وَالثَّانِي: فِي الْوَثِيقَةِ بِتَحَمُّلِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ تَفَرَّدَ حُضُورُهُ بِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ جَمَعَ بِحُضُورِهِ بَيْنَ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَتَحَمُّلِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي مَنْدُوبٍ إِلَيْهِ كَالْبَيْعِ كَانَ مَطْلَبُهَا مَنْدُوبًا إِلَيْهَا، وَالْمَطْلُوبُ لَهَا مَنْدُوبًا إِلَى الْحُضُورِ، لِأَنَّهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى حُكْمِ الطَّالِبِ، وَفِي الْوَثِيقَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الطَّالِبِ فَيَصِيرُ دَاخِلًا فِي فَرْضِ الْوَثِيقَةِ، وَكَانَ خَارِجًا مِنْ فَرْضِ الْعَقْدِ.
وَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى دَيْنٍ فَهِيَ وَثِيقَةٌ مَحْضَةٌ طَالِبُهَا مُخَيَّرٌ فِي طَلَبِهَا، وَالْمَطْلُوبُ بِهَا دَاخِلٌ فِي فَرْضِ تَحَمُّلِهَا.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّهَا تَتَفَرَّعُ بِأَنْ يَخْتَلِفَ حَكَمُهَا بِوُجُودِ الْمُضَارَّةِ وَعَدَمِهَا، وَوُجُودِ الْأَعْذَارِ وَعَدَمِهَا.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ التَّفْرِيعُ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا الْمُضَارَّةُ فَيَسْقُطُ بِهَا فَرْضُ الشَّهَادَةِ إِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ، وَتَتَغَلَّظُ بِهَا فَرْضُ الشَّهَادَةِ إِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يَكْتُبَ الْكَاتِبُ مَا لَمْ يُمْلَ عَلَيْهِ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ بِمَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ، وَقَتَادَةَ.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يَمْتَنِعَ الْكَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ، وَيَمْتَنِعَ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّ الْمُضَارَّةَ أَنْ يُدْعَى الْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ وَهُمَا مَشْغُولَانِ مَعْذُورَانِ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَالضِّحَاكِ، وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا رَابِعًا: أَنْ تَكُونَ الْمُضَارَّةَ أَنْ يُدْعَى الْكَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ بِالْبَاطِلِ، وَيُدْعَى الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ بِالزُّورِ فَهَذَا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ.
فَإِنْ كَانَتِ الْمُضَارَّةُ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِجَابَةِ مَأْثَمٌ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْحَقِّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْقِصَهُ مِنَ الْحَقِّ، فَلَا يَسَعُ الطَّالِبُ أَنْ يَسْأَلَ وَلَا يَسَعُ الشَّاهِدُ أَنْ يُجِيبَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آثِمٌ إِنْ فَعَلَ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا مَأْثَمٌ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُدْعَى الشَّاهِدُ إِلَى مَا يَضُرُّ بِبَدَنِهِ مِنْ سَفَرٍ.
وَالثَّانِي: إِلَى مَا يَضُرُّ بِدُنْيَاهُ مِنِ انْقِطَاعٍ عَنْ مكسب، فالمأثم هاهنا يَتَوَجَّهُ عَلَى الطَّالِبِ إِنْ أَلْزَمَ، وَلَا يَتَوَجَّهُ إِنْ سَأَلَ وَلَكَ هَذَا فَضْلُ الْأَجْرِ إِنْ أَجَابَ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْإِجَابَةُ بِالْمُضَارَّةِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمُضَارَّةُ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضُرَّ الشَّاهِدُ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَضُرَّ بِتَغْيِيرِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ فَيَكُونُ بِالتَّوَقُّفِ آثِمًا، وَبِالتَّغْيِيرِ مَعَ الْمَأْثَمِ كَاذِبًا، وَفِسْقُهُ بِالْكَذِبِ مَقْطُوعٌ بِهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَفِسْقُهُ بِالْمَأْثَمِ مُعْتَبَرٌ بِدُخُولِهِ فِي الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ بِحَسَبِ الْحَالِ.
فَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّغَائِرِ لَمْ يُفَسَّقْ، وَإِنْ دَخَلَ فِي الْكَبَائِرِ فُسِّقَ بِهِ.

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْأَعْذَارُ فَيَسْتَبِيحُ بِهَا الشَّاهِدُ تَأْخِيرَ الشَّهَادَةِ، سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ، وَلَا يَسْتَبِيحُ بِهَا تَغَيُّرَ الشَّهَادَةِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ.
فَأَمَّا الْأَعْذَارُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِبَدَنِهِ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِعَجْزٍ دَاخِلٍ.
وَالثَّانِي: لِمَشَقَّةٍ دَاخِلَةٍ لَاحِقَةٍ.
فَأَمَّا الْعَجْزُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا يَعْجِزُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَاكِمِ كَانَ مَعْذُورًا فِي التَّأَخُّرِ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ لَمْ يُعْذَرْ فِي التَّوَقُّفِ عَنْهَا.
وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ فَضَرْبَانِ " حَظْرٌ، وَأَذًى.
فَأَمَّا الْحَظْرُ فَهُوَ أَنْ يَخَافَ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، أَوْ مِنْ عَدْوٍ قَاهِرٍ أَوْ مِنْ فِتْنَةٍ عَامَّةٍ، فَيَسْقُطُ مَعَهُ فَرْضُ الْإِجَابَةِ مَعَ بَقَاءِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ حَتَّى تَزُولَ، فَتَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ.
وَأَمَّا الْأَذَى: فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ.
وَهُوَ أَنْ يُدْعَى فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، أَوْ مَطَرٍ جُودٍ فَمَا كَانَ هَذَا الْأَذَى بَاقِيًا.
فَفَرْضُ الْإِجَابَةِ سَاقِطٌ.
فَإِذَا زَالَ وَجَبَتِ الْإِجَابَةُ.

وَأَمَّا الدَّائِمُ: فَهُوَ أَنْ يُدْعَى، مَعَ الصِّحَّةِ إِلَى الْمَشْيِ إِلَيْهَا، لِتَحَمُّلِهَا أَوْ لِأَدَائِهَا، فَإِنْ كَانَ إِلَى مَوْضِعٍ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ بَلَدِهِ عُذِرَ بِالتَّأْخِيرِ سَوَاءٌ قَرُبَتِ الْمَسَافَةُ أَمْ بَعُدَتْ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَا مَرْكُوبٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، لِأَنَّ فِي مُفَارَقَةِ وَطَنِهِ مَشَقَّةً يَسْقُطُ مَعَهَا فَرْضُ الْإِجَابَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ فِي بَلَدِهِ، فَإِنْ قَرُبَتْ أَطْرَافُ بَلَدِهِ لِصِغَرِهِ لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ، وَإِنْ بَعُدَتْ أَقْطَارُهُ لِسَعَتِهِ اعْتُبِرَ حَالُهُ، فَإِنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالْمَشْيِ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِهِ لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْعَادَةِ شَاقٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا مَرْكُوبٍ فَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي الرُّكُوبِ، فَتَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ، فَإِنْ حُمِلَ إِلَيْهِ مَا يَرْكَبُهُ وَهُوَ غَيْرُ ذِي مَرْكُوبٍ اعْتُبِرَ حَالُهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَنَاكَرِ النَّاسُ رُكُوبَ مِثْلِهِ لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ، وَإِنْ تَنَاكَرُوهَا لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّ مَا يُنْكِرُهُ النَّاسُ مُسْتَقْبَحٌ وَأَمَّا الْأَعْذَارُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَالِهِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا خَافَ بِهِ ضَيَاعَ مَالٍ.
وَالثَّانِي: مَا تَعَطَّلَ بِهِ عَنِ اكْتِسَابٍ.
فَأَمَّا مَا خَافَ بِهِ ضَيَاعَ مَالِهِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا عَلَى حِفْظِهِ وَلَيْسَ لَهُ نَائِبٌ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْإِجَابَةِ مَا كَانَ عَلَى حَالِهِ.
فَإِذَا زَالَ عَنْهَا وَجَبَ فَرْضُهَا، فَإِنْ ضَمِنَ لَهُ الدَّاعِي حِفْظَ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ ائْتِمَانَ النَّاسِ عَلَى مَالِهِ.
وَأَمَّا مَا تَعَطَّلَ بِهِ عَنِ اكْتِسَابِهِ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَعَائِشِ الْمُكْتَسِبِينَ، فَإِنْ دُعِيَ فِي وَقْتِ اكْتِسَابِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ، وَإِنْ دُعِيَ فِي غَيْرِهِ لَزِمَتْهُ، فَلَوْ بذل له الدعي قَدْرَ كَسْبِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَلَوْ طَلَبَ قَدْرَ كَسْبِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ على ثلاثة أوجه: أحدهما: يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا، كَمَا يَجُوزُ لِلْكَاتِبِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى كِتَابَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْخُصُومِ أُجْرَةً عَلَى حُكْمِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا عَلَى التَّحَمُّلِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا عَلَى الْأَدَاءِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَدَاءِ مُتَهَوِّمٌ، وَفِي التَّحَمُّلِ غَيْرُ مُتَهَوِّمٍ.

(فَصْلٌ)

: وأما من تلزمه الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ فَهُوَ كُلُّ ذِي وِلَايَةٍ، يَصِحُّ مِنْهُ اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ لِأَهْلِهَا، مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَالْأُمَرَاءِ، وَالْحُكَّامِ، وَسَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَإِنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ جَائِرٍ، فَإِنْ كَانَ جَوْرُهُ فِي الْحَقِّ الْمَشْهُودِ بِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ لَزِمَتْهُ، وَإِنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمِ الْخَصْمَانِ حُكْمَ الْوَسَطِ لَمْ تَلْزَمْهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، وَإِنِ الْتَزَمَا حُكْمَهُ فَفِي وُجُوبِ

الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُحَكَّمِ مِنْ غَيْرِ الْحُكَّامِ، هَلْ يَلْزَمُ الْمُتَرَاضِيَيْنِ بِهِ حُكْمُهُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ: بِلُزُومِ حُكْمِهِ لَزِمَ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُهُمَا حُكْمُهُ لَمْ يُلْزَمِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، وَإِنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ حَاكِمٍ لَا يَعْلَمُ هَلْ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَوْ لَا يَقْبَلُهَا؟ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَقْبَلَهَا.
فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَتَوَقَّفَ عَنْ قَبُولِهَا لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ، لَزِمَهُ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْحُكَّامِ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ، وَلَوْ تَوَقَّفَ عَنْ قَبُولِهَا لَهَا كَحُكْمِهِ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ لِجُرْحِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ غَيْرِهِ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةٍ قَدْ رُدَّتْ بِحُكْمٍ.

(فَصْلٌ)

: فَأَمَّا وَقْتُ الشَّهَادَةِ: فَعِنْدَ اسْتِدْعَائِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَقٍّ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ، وَالْمُسْتَدْعِي لَهَا هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ إِذَا كَانَ جَائِزَ الْأَمْرِ، أَوِ الْحَاكِمُ فِي حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْحَقِّ قَبْلَ اسْتِدْعَاءِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَتْ في حق لله تَعَالَى مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ حَجٍّ كَانَ مَنْدُوبًا إِلَى الشَّهَادَةِ قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ، وَهَكَذَا إِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ مُوَلًّى عَلَيْهِ بِجِنُونٍ أَوْ صِغَرٍ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ أَخْبَرَ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى " وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ حَاضِرٍ، جَائِزِ الْأَمْرِ عَالِمٍ بِحَقِّهِ، كُرِهَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ قَبْلَ الِاسْتِدْعَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثَمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد " فَكَانَ لِاخْتِلَافِ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ مَحْمُولًا عَلَى اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(باب شرط الذين تقبل شهادتهم)

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: " قال الله جل ثناؤه ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقال ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ قَالَ فَكَانَ الَّذِي يُعْرَفُ مَنْ خُوطِبَ بِهَذَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ الْمُسْلِمُونَ الْمَرْضِيُّونَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي قبول الشاهد خمسة.
[الأول] : الحرية.
[الثاني] : البلوغ.
[الثالث] : العقل.
[الرابع] : الإسلام.
[الخامس] : الْعَدَالَةُ.
فَأَمَّا شَهَادَةُ الْعَبِيدِ فَمَرْدُودَةٌ عَلَى الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فِي كَثِيرِ الْمَالِ وَقَلِيلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ.
وَحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنِ شَهَادَةَ الْعَبْدِ مَقْبُولَةٌ عَلَى الْعَبِيدِ دُونَ الْأَحْرَارِ.
وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ إِنَّ شَهَادَتَهُ مَقْبُولَةٌ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ.
وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ إِنَّ شَهَادَةَ الْعَبِيدِ مَقْبُولَةٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: شُرَيْحٌ، وَقِيلَ: إِنْ عَبْدًا شَهِدَ عِنْدَهُ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ عَبْدٌ فَقَالَ: " قُمْ " كُلُّكُمُ ابْنُ عَبْدٍ، وَأَمَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " رُبَّ عَبْدٍ خَيْرٌ مِنْ مَوْلَاهُ ". وَاسْتَدَلُّوا عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ مَعَ اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] وَظَاهِرُهُ عِنْدَهُمْ فِي الْعَبِيدِ، لِإِضَافَتِهِ إِلَيْنَا بِ " لَامِ " التَّمْلِيكِ، وَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَ خَبَرُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَالْحُرِّ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى رَدِّ شَهَادَتِهِ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [البقرة: 282] وَهَذَا الْخِطَابُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْأَحْرَارِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُشْهِدُونَ فِي حُقُوقِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَوْلُهُ ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ منكم﴾ يَبْقَى دُخُولُ الْعَبِيدِ فِيهِمْ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمُفَاضَلَةِ، لِأَنَّ الرَّجُلَ فِيهَا كَالْمَرْأَتَيْنِ، فَمَنَعَتِ الْمُفَاضَلَةُ، مِنْ مُسَاوَاةِ الْعَبْدِ فِيهَا لِلْحُرِّ كَالْقَضَاءِ فِي الْوِلَايَاتِ، وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، فِي الْعِبَادَاتِ، وَكَالتَّوَارُثِ فِي الْمُمْتَلَكَاتِ، وَلِأَنَّ نَقْصَ الرِّقِّ يَمْنَعُ كَمَالَ الشَّهَادَةِ لِوُرُودِهِ مِنْ جِهَةِ الْكُفْرِ الْمَانِعِ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ من قول الله تعالى ﴿من رجالكم﴾ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَخْصِيصُ عُمُومِهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، دُونَ أَدَائِهَا وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِبَارِ شَهَادَتِهِ بِقَبُولِ خَبَرِهِ، فَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ أَوْسَعُ حُكْمًا مِنَ الشَّهَادَةِ لِقَبُولِ الْوَاحِدِ فِي الْخَبَرِ، وَانْتِقَالِهِ بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ في الشهادة، فكذلك في الرق.

(مسألة)

: قال الشافعي رضي الله عنه: وقوله ﴿شهيدين من رجالكم﴾ يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا فَإِنْ قَالَ أَجَازَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَابْنُ عَبَّاسٍ رَدَّهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْبُلُوغَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بِحَالٍ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ مِنْ مَالٍ، وَلَا جِرَاحٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ دُونَ غَيْرِهَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ.
وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَتَهُمْ فِي الْمُوَضِّحَةِ، وَالسِّنِّ فَمَا دُونَ، وَلَمْ يُجِزْهَا فِيمَا زَادَ، احْتِجَاجًا بِقَضَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِشَهَادَتِهِمْ فِي الْجِرَاحِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَخَالَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَصَارَ النَّاسُ إِلَى قَضَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الضَّرُورَةِ، كَمَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ فِي الْوِلَادَةِ، لِأَنَّهَا حَالَةٌ لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ، كَذَلِكَ اجْتِمَاعُ الصِّبْيَانِ فِي لَعِبِهِمْ، وَمَا يَتَعَاطَوْنَ مِنْ رَمْيِهِمْ لَا يَكَادُ يَحْضُرُهُمُ الرِّجَالُ، فَجَازَ لِلضَّرُورَةِ أَنْ تُقْبَلَ

شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمْ، لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَجُزْ بَعْدَ افْتِرَاقِهِمْ لِتُوَجُّهِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى رَدِّ شَهَادَتِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أوجه: أحدها: قوله: ﴿من رجالكم﴾ وَلَيْسَ الصِّبْيَانُ مِنَ الرِّجَالِ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ لَمَّا عَدَلَ عَنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَرَجُلٌ وامرأتان﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الصِّبْيَانِ.
وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ قَالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ من الشهداء﴾ وَلَيْسَ الصِّبْيَانُ مِمَّنْ يُرْضَى مِنَ الشُّهَدَاءِ.
وَرَوَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ " فَلَمَّا كَانَ الْقَلَمُ مَرْفُوعًا عَنْهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ إِذَا أَقَرَّ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُرْفَعَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إِذَا شَهِدَ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الْأَمْوَالِ أَخَفُّ مِنْهَا فِي الدِّمَاءِ، وَهِيَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِنْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تُقْبَلَ فِي الدِّمَاءِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لِأَجْلِ اعْتِزَالِهِمْ عَنِ الرِّجَالِ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، لَجَازَ لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَالْأَعْرَاسِ، أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ بِعَضِّهِنَّ عَلَى بَعْضٍ، وَهِيَ لَا تُقْبَلُ مَعَ الضَّرُورَةِ مَعَ جَوَازِ قَبُولِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَمْوَالِ، فَالصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ شهادتهم مع الرجال فأولى أَنْ لَا تُقْبَلَ فِي الِانْفِرَادِ، وَبِهِ يَبْطُلُ اسْتِدْلَالُهُمْ.
وَقَضَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ خِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ.
وَالْقِيَاسُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ لَمْ تُقْبَلْ فِي الْجِرَاحِ، كالفسقة.

(مسألة)

: قال الشافعي " وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَمْلُوكٍ وَلَا كَافِرٍ وَلَا صبي بحال لأن المماليك يغلبهم من يملكهم على أمورهم وأن الصبيان لا فرائض عليهم فكيف يجب بقولهم فرض والمعروفون بالكذب من المسلمين لا تجوز شهادتهم فكيف تجوز شهادة الكافرين مع كذبهم على الله جل وعز (قال المزني) أحسن الشافعي ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمَمْلُوكُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَقِيَتْ فِيهِ أَحْكَامُ الرِّقِّ، وَإِنِ انْعَقَدَتْ لَهُ أَسْبَابُ الْعِتْقِ مِنَ الْمُدَبَّرُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَمَنْ رَقَّ بَعْضُهُ وَعُتِقَ بَعْضُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا تَكَامَلَ عِتْقُ أَحَدِهِمْ وَصَارَ حُرًّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ وَلَاءُ الْعِتْقِ جَارِيًا عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل