الحاوي الكبيرصفحات 335-374
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع

صفحات 335-374
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَ السَّرِقَةَ بَعْدَ دَعْوَاهَا عليه فلا يخلو أن يكون لمدعيها بَيِّنَةٌ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ سَمِعْنَاهَا، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَتَانِ: عَامَّةٌ، وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ مَا أَوْجَبَتِ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ، وَالْخَاصَّةُ مَا أَوْجَبَتِ الْغُرْمَ وَلَمْ تُوجِبِ الْقَطْعَ.
فَأَمَّا الْعَامَّةُ الْجَامِعَةُ للأمرين فهي شاهدان عدلان، وكمال شهادتهما معتبر بخمسة شروط: أحدهما: ذِكْرُ السَّارِقِ.
وَالثَّانِي: ذِكْرُ // الْمَسْرُوقِ مِنْهُ.
وَالثَّالِثُ: ذِكْرُ الْحِرْزِ.
وَالرَّابِعُ: ذِكْرُ الْمَالِ.
وَالْخَامِسُ: صِفَةُ السرقة.
لأن الْحُكْمَ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فَلَزِمَ اعْتِبَارُهَا فِي الشَّهَادَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يخل حَالُ الْأَعْيَانِ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَاضِرَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَائِبَةً.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا حَاضِرًا وَبَعْضُهَا غَائِبًا.
فَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً فَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يُعَيِّنَا الشَّهَادَةَ بِالْإِشَارَةِ فَيَقُولَانِ: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ سَرَقَ مِنْ مَالِ هَذَا الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ مِنْ هَذَا الْحِرْزِ بِعَيْنِهِ هَذَا الْمَالَ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ يَصِفَانِ السَّرِقَةَ؛ لِأَنَّهَا فِعْلٌ ماض لا تمكن الإشارة إليه فيه فيقولان؛ نقب الحرز ودخله، وأخرج من هَذِهِ السَّرِقَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ غَائِبًا، فَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَصِفَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَقُومُ مَقَامَ التَّعْيِينِ بِالْإِشَارَةِ فَيَقُولَانِ: نَشْهَدُ أَنَّ فلان ابن فلان الفلاني سرق من مال فلان ابن فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ مِنْ حِرْزٍ يَصِفَانِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلِقَاهُ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي الْحِرْزِ الَّذِي يقطع منه، وَيَصِفَا الْمَالَ بِمَا تَزُولُ عَنْهُ الْجَهَالَةُ، فَإِنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ لَمْ يَحْتَاجَا فِيهِ إِلَى ذِكْرِ الْقِيمَةِ فِي الشَّهَادَةِ لَكِنْ يَعْتَبِرُهَا الْحَاكِمُ في القطع، فإن لَمْ يَكُنْ ذَا مِثْلٍ ذَكَرَا قِيمَتَهُ، فَإِنْ شَهِدَا بِسَرِقَةِ نِصَابٍ لَمْ تُسْمَعْ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ، ثُمَّ يَصِفَانِ السَّرِقَةَ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَا الشَّهَادَةَ عَلَى ما بيناه حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ وَالْغُرْمِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ حَاضِرًا وَبَعْضُهُ غَائِبًا اعْتُبِرَ فِي الْحَاضِرِ الْإِشَارَةُ وَفِي الْغَائِبِ الصِّفَةُ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي صِفَةِ الْمَسْرُوقِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا مَرْوِيًّا وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا هَرَوِيًّا لَمْ تَكْمُلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، وَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الصِّفَةِ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِنْسِ.

وقال أبو حنيفة: هذه الشهادة كَامِلَةٌ يَجِبُ بِهَا الْقَطْعُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْجِنْسِ فَلَمْ يُؤَثِّرِ اخْتِلَافُهُمَا فِي الصِّفَةِ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الصِّفَةِ يَمْنَعُ مِنَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْعَيْنِ فَصَارَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِنْسِ الْمَانِعِ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْعَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ فِيهِمَا سَاقِطًا.
وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ الْخَاصَّةُ الْمُوجِبَةُ للغرم دون القطع فهي شاهد وامرأتان، وشاهد وَيَمِينٌ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ تُوجِبُ الْمَالَ وَلَا تُوجِبُ الحد، وفي السرقة مال وحد، فإن ثبت بَيِّنَةُ الْحُدُودِ جُمِعَ بَيْنَ الْغُرْمِ وَالْقَطْعِ، وَإِنْ قام بَيِّنَةُ الْأَمْوَالِ وَجَبَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ، وَلَا يَلْزَمُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ ذِكْرُ الْحِرْزِ وَصِفَةُ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُمَا شَرْطَانِ فِي الْقَطْعِ دُونَ الْغُرْمِ، وَإِنْ عَدِمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يُقِمْهَا عَلَى حَدٍّ وَلَا مَالٍ أُحْلِفَ السَّارِقُ عَلَى إِنْكَارِهِ وَسَقَطَ عَنْهُ إِذَا حَلَفَ الْغُرْمُ وَالْقَطْعُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ حُكِمَ لَهُ بِالْغُرْمِ، فَأَمَّا الْقَطْعُ فَلَا يجب لأنه من حدود الله تعالى الْمَحْضَةِ الَّتِي لَا تَدْخُلُهَا الْأَيْمَانُ فِي إِثْبَاتٍ وَلَا إِنْكَارٍ فَصَارَتِ الْيَمِينُ فِيهِ مَقْصُورَةً عَلَى الْغُرْمِ دُونَ الْقَطْعِ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ إِذَا لَمْ يَحْضُرْ مُدَّعِي السَّرِقَةِ وَكَانَ غَائِبًا عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّارِقِ إِقْرَارٌ وَلَا قَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ لَمْ يُعْتَرَضْ فِيهَا لِلسَّارِقِ بِقَطْعٍ وَلَا غُرْمٍ، وَلَا يُؤْخَذُ بِالتُّهْمَةِ فِي الْحُكْمِ إِلَّا بِمَا يَقُومُ بِهِ أصحاب الريب مِنْ زَوَاجِرِ التَّأْدِيبِ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ وُلَاةُ الْمُعَاوِنِ دون الحكام، وإن ثبتت السَّرِقَةُ فَلِثُبُوتِهَا وَجْهَانِ: بَيِّنَةٌ، وَإِقْرَارٌ، فَإِنْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٌ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ فَالَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ فَيَدَّعِيَهَا، وَقَالَ فِي الْأُمِّ: إِذَا قَامَتْ عَلَى رَجُلٍ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ زَنَا بِهَا وَسَيِّدُهَا غَائِبٌ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُوقَفُ عَلَى حُضُورِ سَيِّدِهَا، فَخَالَفَ بَيْنَ قَطْعِ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الزِّنَا في الأمة، فاختلف أصحابنا باختلاف هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْجَوَابَ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الزِّنَا وَاحِدٌ يُوقَفَانِ مَعًا عَلَى حُضُورِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَحُضُورِ سَيِّدِ الْأَمَةِ، فَإِنِ ادَّعَيَا ذَلِكَ قُطِعَ السَّارِقُ وَحُدَّ الزَّانِي، وَإِنْ أَنْكَرَاهُ أَوْ ذَكَرَا شُبْهَةً لَهُ فِي الْمِلْكِ أو الْفِعْلِ لَمْ يُقْطَعِ السَّارِقُ وَلَمْ يُحَدَّ الزَّانِي، وَزَعَمَ قَائِلُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِّ الزَّانِي بِالْأَمَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: هو قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْجَوَابَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْقُولٌ إِلَى الْآخَرِ وَيَكُونَانِ على قولان: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ السَّارِقُ وَيُحَدُّ الزَّانِي عَلَى مَا نص عليه في حد الزنا لما فيها من حقوق الله تعالى الَّتِي لَا يَجُوزُ إِضَاعَتُهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ وَلَا يُحَدُّ الزَّانِي عَلَى مَا نص عليه في قطع

السارق لما تحملهما من الشبهة التي يدرأ بِهَا الْحُدُودُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطِّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ: أن الجواب على ظاهر نصه فيه، فَيُحَدُّ الزَّانِي قَبْلَ حُضُورِ السَّيِّدِ، وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ قَبْلَ حُضُورِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالَ يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ والوطء لا يستباح وكانت الشُّبْهَةُ فِي السَّرِقَةِ أَقْوَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ تَابِعٌ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَكَانَ مَوْقُوفًا على حضوره، وحق الزِّنَا خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُوقَفْ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَى حُضُورِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَإِنْ ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ وَالزِّنَا بِإِقْرَارِ السَّارِقِ وَالزَّانِي فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ كَثُبُوتِهِ بِالشَّهَادَةِ فَيَكُونُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَذَاهِبِ الثلاثة؛ لأن الحدود تستوفى بكل وَاحِدٍ مِنْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّهُمَا يُسْتَوْفَيَانِ فَيُقْطَعُ السَّارِقُ وَيُحَدُّ الزَّانِي وَجْهًا وَاحِدًا، ولا يوقف عَلَى حُضُورِ السَّيِّدِ وَالْمَسْرُوقِ مِنْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي الشَّهَادَةِ وَضَعْفُهَا فِي الْإِقْرَارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ إِقْرَارَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شَرْحِ الْمَذْهَبِ فِي قَطْعِ السَّارِقِ قَبْلَ حُضُورِ الْغَائِبِ، فَإِنْ قُلْنَا يُعَجَّلُ قَطْعُهُ وَلَا يُؤَخَّرُ انْتُزِعَتْ مِنْهُ السَّرِقَةُ إِنْ كَانَتْ عَيْنًا؛ وَأُغْرِمَ قِيمَتَهَا إِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً، وَوُقِفَتْ عَلَى حُضُورِ الْغَائِبِ، وإن ادعاها سلمت إليه، وإن أنكر نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ ثُبُوتُهَا بِشَهَادَةٍ رُدَّتْ عَلَيْهِ السَّرِقَةُ، وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُهَا بِإِقْرَارٍ لَمْ تُرَدَّ، وكانت في بيت المال حتى يثبت بها مُسْتَحِقٌّ؛ لِأَنَّهُ فِي الْإِقْرَارِ مُنْكِرٌ لِاسْتِحْقَاقِهَا، وَفِي الشَّهَادَةِ غَيْرُ مُنْكِرٍ لِاسْتِحْقَاقِهَا، وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بَدَيْنٌ لِغَائِبٍ تُرِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ بِخِلَافِ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ رَاضٍ بِذِمَّتِهِ وَصَاحِبَ السَّرِقَةِ غَيْرُ رَاضٍ بِهَا.
وَإِنْ قُلْنَا: يُؤَخَّرُ قَطْعُهُ وَلَا يُعَجَّلُ لَمْ تَخْلُ السَّرِقَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً، فَإِنْ كَانَتِ مُسْتَهْلَكَةً اسْتَقَرَّ غُرْمُهَا فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ تقبض مِنْهُ لِتَكُونَ ذِمَّتُهُ مُرْتَهَنَةً بِهَا، وَيُحْبَسَ عَلَى حضور الغائب بحقه وحق الله تعالى فِي قَطْعِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي يَدِهِ حجر عليه فيها حفظاً لها ولم تنتزع مِنْهُ لِتَكُونَ بَاقِيَةً فِي ضَمَانِهِ، وَهَلْ يُحْبَسُ عَلَى حُضُورِ الْغَائِبِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يُحْبَسُ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ.
وَالْوَجْهُ الثاني: أنه يحبس لحق الله تعالى في قطعه والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ هَذَا مَتَاعُهُ غَلَبَهُ عَلَيْهِ وابتاعه مِنْهُ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِهِ لَمْ أقطعه لأني أجعله خَصْمًا لَوْ نَكَلَ صَاحِبُهُ أَحْلَفْتُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِسَرِقَةِ مَالٍ مِنْ حِرْزٍ بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَإِنْ أَكْذَبَ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِإِكْذَابِهِ تَأْثِيرٌ لِمَا فِي إِكْذَابِهِ مَنْ جَرْحِ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ وَالْقَطْعِ، فَإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَ الْمُدَّعِي بَعْدَ الشَّهَادَةِ لَمْ يَحْلِفْ لِمَا فِي يَمِينِهِ مِنْ جَرْحِ الشُّهُودِ، وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمَا وَادَّعَى أَنَّ الْمَالَ الذي أخذه من حرزه هو ماله غصب عَلَيْهِ صَاحِبُ الْحِرْزِ أَوْ كَانَ وَدِيعَةً لَهُ عنده أو عارية أو وهبة لَهُ وَأُذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ فَقَبَضَهُ مِنَ الْحِرْزِ عَنْ إِذْنِهِ فَهَذِهِ الدَّعْوَى مِنْهُ مُجَوَّزَةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا قَدْحٌ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى ظَاهِرِ فِعْلِهِ، وَهَذَا بَاطِنٌ مُحْتَمَلٌ، فَصَارَ كَشَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ فَادَّعَى دَفْعَهُ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَلَمْ يُقْدَحْ فِي الشَّهَادَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سُئِلَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ عَمَّا ادَّعَاهُ السَّارِقُ فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الْغُرْمُ وَالْقَطْعُ، وَإِنْ أَكْذَبَهُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِلسَّارِقِ بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا وَبَيِّنَتُهُ: شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ لِإِثْبَاتِ مَالٍ مَحْضٍ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلَا قَطْعَ، وَمَا بِيَدِهِ مِلْكٌ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ، وَإِنْ عَدِمَ الْبَيِّنَةَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الْمَالِ الْمَسْرُوقِ، فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ الْمَالَ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا انْتَزَعَهُ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا رَجَعَ بِغُرْمِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ لِأَنَّهَا شُبْهَةٌ لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِاحْتِمَالِ صدقه فيها.
والثاني: أنه لو تلف بَعْدَ نُكُولِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِهَا وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ اخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا تَكُونُ هَذِهِ الدَّعْوَى شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى أَنْ لَا يُقْطَعَ مَعَهَا سَارِقٌ فتفضي إلى إسقاط حدود الله تعالى، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِثْبَاتُ حَدٍّ بِشُبْهَةٍ، وَالْحُدُودُ تُسْقَطُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا تُثْبَتُ بها.
والثاني: اتفاقهم أنه لو ثبت عليه الزنا فادعى زوجته الْمَزْنِيِّ بِهَا سَقَطَ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ دَعْوَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِهَذِهِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى إِسْقَاطِ الحدود وكذلك الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ، فَأَمَّا إِذَا نَكَلَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ عَنِ الْيَمِينِ فِي

دَعْوَى السَّارِقِ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى السَّارِقِ فَإِذَا حلف حكم له بملك ما سرق ولم يجب عليه قطعه كالزوج القاذف إذا لاعن سقط الحد عنه بإبهامه.
وَلَوْ كَانَا سَارِقَيْنِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ دُونَ الْآخَرِ سَقَطَ الْقَطْعُ عَنْ مُدَّعِيهَا وَلَمْ تسقط عَنِ الْآخَرِ سَوَاءٌ تَصَادَقَ السَّارِقَانِ عَلَيْهَا أَوْ تَكَاذَبَا؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ أَحَدِهِمَا لَا تَقِفُ عَلَى شبهة الآخر.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ رَبُّ الْمَتَاعِ حُبِسَ السَّارِقُ حَتَّى يَحْضُرَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي حَبْسِ السَّارِقِ إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ منه غائباً لم يعجل قطعه وهو مذهب الشافعي فإنه يُحْبَسُ مَا لَمْ تَطُلْ غَيْبَةُ رَبِّهَا إِذَا كَانَتِ السَّرِقَةُ مُسْتَهْلَكَةً، وَفِي حَبْسِهِ إِذَا كَانَتْ بَاقِيَةً وَجْهَانِ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَةُ رَبِّهَا بَعِيدَةً لم يحبس، لأنه لا تعلم عودته ثم ينظر فَإِنْ كَانَ الْحَبْسُ مُسْتَحَقًّا لِغُرْمِ السَّرِقَةِ طُولِبَ بِكَفِيلٍ وَأُطْلِقَ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ الْقَطْعِ، لِأَنَّ الْعَيْنَ قَائِمَةٌ وُضِعَتِ السَّرِقَةُ فِي يَدِ أَمِينٍ ولم يطالب بكفيل؛ لأن حدود الله تعالى لا تصح فيها الكفالات، فلو امتنع رب السَّرِقَةِ مِنْ إِقَامَةِ كَفِيلٍ حُبِسَ عَلَى إِقَامَةِ الْكَفِيلِ لَا عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ، فَإِنْ بَذَلَ غرم السرقة لم يحبس ولا يُكْفَلْ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْغُرْمِ أَقْوَى مِنَ الْكَفَالَةِ وَأُطْلِقَ، وَوُضِعَ الْغُرْمُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ.
(مَسْأَلَةٌ) قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ عَلَى سَرِقَةٍ أَوْجَبْتُ الْغُرْمَ فِي الْمَالِ وَلَمْ أوجبه في الْحَدَّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ فِي السَّرِقَةِ حَقَّيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِآدَمِيٍّ وَهُوَ الْمَالُ.
وَالثَّانِي: لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْقَطْعُ.
وَالْأَمْوَالُ تُسْتَحَقُّ بِشَاهِدٍ وامرأتين، وشاهد وَيَمِينٍ، وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، فَإِذَا شهد على السارق شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، وَجَبَ الْغُرْمُ وَلَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَتْلُ الْعَمْدِ يوجب القود والدية فهلا إذا شهد به رجل وامرأتان يحكم عليه بالدية لأنها مال، ولا يحكم بالقود لأنه حد؟ قيل: لا يحكم ذلك إلا في قتل العمد لوقوع الفرق بينهما؛ لأن الدِّيَةَ بَدَلٌ مِنَ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فَلَمْ تَثْبُتِ الدِّيَةُ إِلَّا بِثُبُوتِ الْقَوَدِ، وَلَيْسَ الْغُرْمُ بَدَلًا مِنَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ الْغُرْمُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْقَطْعُ.

فَإِنْ قِيلَ فَالْهَاشِمَةُ فِيهَا قِصَاصٌ فِي مُوضِحَتِهَا وَدِيَةٌ فِي هَشْمِهَا أَفَتَحْكُمُونَ بِدِيَةِ الْهَشْمِ إِذَا شهد به رجل وامرأتان؟ . قيل: لا تحكم ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْهَاشِمَةِ اسْتِحْقَاقُ الْقِصَاصِ فِي مُوضِحَتِهَا، وَالدِّيَةِ فِي هَشْمِهَا وَلَا يَنْفَرِدُ اسْتِحْقَاقُ أَحَدِهِمَا: عَنِ الْآخَرِ، فَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِحْقَاقُ الْقَوَدِ امْتَنَعَ اسْتِحْقَاقُ الدِّيَةِ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا إِقْرَارُ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِوَارِثٍ إِذَا مَنَعَ مِنْ ثبوت النسب منع اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِثُبُوتِهِ، وَلَيْسَتِ السَّرِقَةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ فِيهَا قَدْ يُسْتَحَقُّ وَإِنْ لَمْ يُسْتَحَقَّ فِيهَا الْقَطْعُ كَالْوَالِدِ إِذَا سَرَقَ مِنْ وَلَدِهِ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ الغرم بها ولا يثبت به القطع، وكذلك قُلْنَا: فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا دَيْنَ عليه، فيشهد عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِاسْتِحْقَاقِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِرَجُلِ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَمْ نَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَلَوْ شَهِدَ بِالدَّيْنِ شَاهِدَانِ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ والطلاق هذا أصلا مستمراً.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَفِي إِقْرَارِ الْعَبْدِ بِالسَّرِقَةِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا لِلَّهِ فِي بَدَنِهِ فَأَقْطَعُهُ وَالْآخَرُ فِي مَالِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مَالًا فَإِذَا أُعْتِقَ وَمَلَكَ أَغْرَمْتُهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَتْ وَأَصْلُهَا أَنَّ إِقْرَارَ الْعَبْدِ فِيمَا اخْتَصَّ بِبَدَنِهِ مَقْبُولٌ، وَفِيمَا اخْتَصَّ بِالْمَالِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَدَاوُدُ: لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي البدن ولا في المال وهذا فاسد لأمرين: أحدهما: أن إقراره أنه لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَصُمْ، نَافِذٌ فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ من الصلاة قتل بإقراره أنه لَمْ يُصَلِّ فَكَذَلِكَ فِيمَا عَدَاهُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَالِ وَالْبَدَنِ بِأَنَّ التُّهْمَةَ مُرْتَفِعَةٌ عنه فيما تعلق ببدنه، ومتوجهة إليه فيما تعلق بِالْمَالِ، فَقُبِلَ إِقْرَارُهُ فِي بَدَنِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْمَالِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَأَقَرَّ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ بِإِقْرَارِهِ.
وَأَمَّا الْمَالُ فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ فاختلف أصحابنا في محلها عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَالِ إِذَا كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ هَلْ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِيهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ لِاتِّصَالِهِ بِالْقَطْعِ الَّذِي لَا يُتَّهَمُ فِيهِ، فَأَمَّا مَعَ استهلاك المال فلا يقبل

في تعلقه بِرَقَبَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ لِغُرْمِهِ مَحَلًّا يَثْبُتُ فيه ويفرد منه لِيُؤَدِّيَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَجُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَالِ إِذَا كَانَ تَالِفًا هَلْ يَتَعَلَّقُ برقبته فيباع فيه أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا فَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ يده يد السيد فصار كإقراره بسرقته مَا فِي يَدِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا فِي يَدِهِ أَوْ تَالِفًا هَلْ يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ فِيهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ وَمَا فِي يَدِهِ جَمِيعًا فِي حُكْمِ مَا فِي يَدِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ نَفَذَ إِقْرَارُهُ فِي أحدهما نفذ في الآخر وليس للفرق بينهما وجه والله أعلم.

(باب غرم السارق ما سرق)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أُغَرِّمُ السَّارِقَ مَا سَرَقَ قُطِعَ أَوْ لَمْ يقطع وكذلك قاطع الطريق والحد لله فلا يُسْقَطُ حَدُّ اللَّهِ غُرْمَ مَا أُتْلِفَ لِلْعِبَادِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا كَانَتِ السَّرِقَةُ بَاقِيَةً فَإِنَّهَا تُرَدُّ عَلَى مَالِكِهَا، وَيُقْطَعُ سَارِقُهَا، وَهُوَ إِجْمَاعٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَغْرَمُهَا السَّارِقُ وَيُقْطَعُ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْغُرْمُ عَلَى الْقَطْعِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.
وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْغُرْمِ وَالْقَطْعِ، فَإِنْ قُطِعَ لَمْ يُغَرَّمْ وَإِنْ أُغْرِمَ لَمْ يُقْطَعْ وَرَبُّهَا قَبْلَ الْغُرْمِ وَالْقَطْعِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ بِالْغُرْمِ فَلَا يُقْطَعُ وبين أن يمسك عَنْهُ فَيُقْطَعُ، وَلَوْ قُطِعَ وَالسَّرِقَةُ بَاقِيَةٌ فَأَتْلَفَهَا أجنبي لم يضمنها للسارق؛ لأنه غير مالك ولا لربها؛ لأن لا يُجْمَعَ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْغُرْمِ وَقَالَ: لَوْ سَرَقَ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ كُوزًا فَقُطِعَ لَمْ يَرُدَّ الْكُوزَ، لِأَنَّهُ صَارَ كَالْعَيْنِ الْأُخْرَى، وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَسْوَدَ لَمْ يَرُدَّهُ إِذَا قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ صار بالسواد كالمستهلك، ولو صبغه أحمر رده لا يجعله كَالْمُسْتَهْلَكِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا قُطِعَ وَأُغْرِمَ كَقَوْلِنَا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قُطِعَ وَلَمْ يُغْرَمْ إِذَا أَيْسَرَ كقول أبي حنيفة، واحتج من منع الْجَمْعِ بَيْنَ الْغُرْمِ وَالْقَطْعِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38] فَجُعِلَ جَزَاءَ سَرِقَتِهِ الْقَطْعُ دُونَ الْغُرْمِ، وَبِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا قُطِعَ السَّارِقُ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ) وهذا نص.

وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ الْمَالِ كَالزِّنَا بِمُطَاوَعَةٍ لَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالْمَهْرِ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْغُرْمِ وَالْقَطْعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا كَجِنَايَةِ الْعَمْدِ لا يجمع بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، وَلِأَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْمَالِ يَمْنَعُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغُرْمِ وَالْقَطْعِ كَالْغَصْبِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ قَطْعَهُ وَإِنْ أُغْرِمَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْنَعُ مِنْ قَطْعِهِ إِذَا أُغْرِمَ وَيَجْعَلُهُ مُخَيَّرًا، وقد جعله الله تعالى حتماً، وقوله: ﴿جزاء بما كسبا﴾ يَعُودُ إِلَى الْفِعْلِ دُونَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لا يدخل في كسبهما، وَلِأَنَّ مَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَا بِهَا وَجَبَ عليه الحد ويردها إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَيَرُدُّ قِيمَتَهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً فَيُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالْغُرْمِ كَذَلِكَ فِي السَّرِقَةِ.
وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّ حُدُودَ اللَّهِ تعالى لَا تُوجِبُ سُقُوطَ الْغُرْمِ كَالزِّنَا بِالْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ وَجَبَ الْقَطْعُ مَعَ رَدِّهَا الْقَطْعُ مَعَ رَدِّ بَدَلِهَا كَمَا لَوْ بَاعَهَا السَّارِقُ وَاسْتَهْلَكَ ثَمَنَهَا قُطِعَ مَعَ رَدِّ بَدَلِ الثمن كما يقطع مع رد الثمن، كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمِلْكِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ وَجَبَ بِإِخْرَاجِهَا مِنَ الْحِرْزِ وَالْغُرْمُ وَجَبَ بِاسْتِهْلَاكِهَا، وَكُلُّ حَقَّيْنِ وَجَبَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَقَتْلِ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ مَا اسْتَدْلَلْنَا بِهِ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فهو أنه ضعيف ذكر الساجي أَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إما أنه لا غرم عليه لأجرة قَاطِعِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعُقُوبَاتِ قَبْلَ الْحُدُودِ كَانَتْ بِالْغَرَامَاتِ فَلَمَّا فُرِضَتِ الْحُدُودُ سَقَطَ الْغُرْمُ، فَكَانَ قَوْلُهُ: " إِذَا قُطِعَ السارق فلا غرم عليه) إشارة إلى إِلَى الْغُرْمِ الَّذِي كَانَ حَدًّا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الزِّنَا بِالْمُطَاوَعَةِ فَهُوَ أَنَّهَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا وَأَسْقَطَتْ مَهْرَهَا، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْجِنَايَاتِ فَهُوَ أَنَّهُمَا وَجَبَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ فَلَمْ يَجْتَمِعَا وَالْقَطْعُ وَالْغُرْمُ وَجَبَا بِسَبَبَيْنِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا كَمَا يَجْتَمِعُ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الْقِيمَةُ وَالْكَفَّارَةُ، فَأَمَّا مَالِكٌ فَمَدْخُولُ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ إِنْ وجب لم يَسْقُطَ عَنْهُ بِالْإِعْسَارِ إِذَا أَيْسَرَ، وَإِنْ لَمْ يجب لم يستحق عليه بوجود الْيَسَارِ فَلَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ وَجْهٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(باب ما لا قطع فيه)

قال الشافعي رحمه الله: " ولا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَلَا فِي خِلْسَةٍ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِي النِّصَابِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْحِرْزُ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.
وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْطَعُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الاستخفاء بأخذه، فإن أخذه نهباً أو جناية لَمْ يُقْطَعْ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُقْطَعُ، فَأَمَّا الْمُخْتَلِسُ فَإِنْ سَرَقَ مَا اخْتَلَسَهُ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ، وَإِنِ اخْتَلَسَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حديث أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " ليس على الجاني ولا على المختلس ولا على الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُسَارَقَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا وَيُمْكِنُ استدراك المنتهب والجاني بِاسْتِنْفَارِ النَّاسِ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الجاني.
فإن قيل: فقاطع الطريق مجاهر ويقطع قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مَا أَخَذَهُ لِعَدَمِ مَنْ يُسْتَنْفَرُ عَلَيْهِ وَيُسْتَعَانُ بِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " وَلَا عَلَى عَبْدٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ) . قال الماوردي: وأما إذا سرق العبد من مال غير سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ آبِقًا وَغَيْرَ آبِقٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ إِنْ كَانَ آبِقًا، وَقَدْ مضى الكلام مَعَهُ فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَإِنْ هَتَكَ بِهِ حِرْزًا.
وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْطَعُ احْتِجَاجًا بِعُمُومِ الْآيَةِ، وَكَمَا يُحَدُّ إِذَا زَنَا بِأَمَةِ سَيِّدِهِ كَمَا يُحَدُّ إذا زنا بأمة غيره، وخالف الْفُقَهَاءُ فِيهِ احْتِجَاجًا بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه

قَالَ: إِذَا سَرَقَ الْمَمْلُوكُ فَبِعْهُ وَلَوْ بِنَشٍّ) وَالَنَّشُّ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، فَأَمَرَ بِبَيْعِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِقَطْعِهِ.
وَرَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ جَاءَ بِغُلَامٍ لَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: اقْطَعْ هَذَا فَإِنَّهُ سَرَقَ، فَقَالَ مَا الَّذِي سَرَقَ؟ فَقَالَ مِرْآةً لِامْرَأَتِي ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا، فَقَالَ: أَرْسِلْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، خَادِمُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ.
وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا مَنَعَا مِنْ قَطْعِ عَبْدٍ سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَقَالَا: مَالُكُمْ سَرَقَ مَالَكُمْ فَصَارَ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَالَفَهُمْ سَيِّدُ الْعَبْدِ حِينَ سَأَلَ قَطْعَهُ.
قِيلَ: إِنَّمَا يُؤَثِّرُ خِلَافُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَكُنْ سَيِّدُهُ مِنْهُمْ فَلَمْ يَعُدْ قَوْلُهُ خِلَافًا.
وَلِأَنَّ نَفَقَةَ العبد لما كانت مستحقة في مَالِ سَيِّدِهِ كَانَتْ شُبْهَةً لَهُ فِي سُقُوطِ قَطْعِهِ كَالْوَالِدِ فِي مَالِ الْوَلَدِ.
وَلِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ يَدٌ لِسَيِّدِهِ فَصَارَ مَا سَرَقَهُ غَيْرَ خَارِجٍ مِنْ يَدِهِ فَلَمْ يُقْطَعْ.
وَلِأَنَّ قَطْعَ السَّارِقِ لِحِفْظِ مَالِ الْمَالِكِ وَفِي قَطْعِ عَبْدِهِ في ماله استهلاك لماله، فأما زناؤه بِأَمَةِ سَيِّدِهِ فَلَا يَسْقُطُ فِيهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ فِيهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَثُبُوتُ الْيَدِ فِيهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فَخَالَفَ بِذَلِكَ قَطْعَ السَّرِقَةِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَبْدِ والمدبر، والمكاتب، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَمَنْ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ الرِّقِّ وَإِنْ قَلَّ، وَكَذَلِكَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ وَعَبْدُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ عَنْ جميعهم لثبوت رقه عليهم.

(مسألة)

قال الشافعي: " ولا عَلَى زَوْجٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ زَوْجَتِهِ وَلَا عَلَى امْرَأَةٍ سَرَقَتْ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِهَا وَلَا على عبد واحد منهما سرق من متاع صاحبه للأثر والشبهة

ولخلطة كل واحدة مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ (وَقَالَ) فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حنيفة والأوزاعي إذا سَرَقَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا الَّذِي لَمْ يَأْتَمِنْهَا عليه وفي حرز منها قطعت (قال المزني) رحمه الله هذا أقيس عندي) . قال الماوردي: وكان وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ حِرْزٍ قَدِ اشْتَرَكَا فِي سُكْنَاهُ فَلَا قطع على واحد منهما إذا سرق من الآخر، سَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ، لِأَنَّ الْحِرْزَ إِذَا اشْتَرَكَا فِيهِ كَانَ حِرْزًا مِنْ غَيْرِهِمَا وَلَمْ يَكُنْ حِرْزًا مِنْهُمَا فَصَارَ سَارِقًا لِمَالٍ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَلَوْ سَرَقَهُ غَيْرُهُ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ سَارِقٌ لَهُ مِنْ حِرْزٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ المال من حِرْزٍ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي سُكْنَاهُ فَفِي قَطْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَرَقَ مِنْ صَاحِبِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ ها هنا أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سرق من مال صَاحِبِهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ والْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُ يُقْطَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: حَكَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّقَّالُ: أَنَّهُ يُقْطَعُ الزَّوْجُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ زَوْجَتِهِ وَلَا تُقْطَعُ الزَّوْجَةُ إِذَا سَرَقَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، فَإِذَا قِيلَ بالأول لأنه لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَصَرَّفُ غَالِبًا فِي مَالِ صَاحِبِهِ، فَحَقُّهَا فِي مَالِهِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ حِينَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ سِرًّا، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) فَأَمَّا حَقُّهُ فِي مَالِهَا فَقَدِ

اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: هُوَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ أَنَّ لَهُ الْحَجْرَ عليها في مالها ومنعها عن التَّصَرُّفِ فِيهِ إِلَّا عَنْ إِذْنِهِ، فَصَارَ هَذَا الاختلاف شُبْهَةً لَهُ فِي مَالِهَا.
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هُوَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مَنْعِهَا مِنَ الْخُرُوجِ لِإِحْرَازِ مالها فصار الحرز معه واهياً، وَإِذَا قِيلَ بِالثَّانِي أَنَّهُ يُقْطَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَجْهُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا عَقْدٌ، وَالْعَقْدُ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ كَالْإِجَارَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ نَفَقَتَهَا مُعَاوَضَةٌ كَالْأَثْمَانِ وَدُيُونُ الْمُعَاوَضَاتِ لَا تُوجِبُ سُقُوطَ الْقَطْعِ كَسَائِرِ الديون، وخالفت نفقات الوالدين والمولدين لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ، وَإِذَا قِيلَ بِالثَّالِثِ أَنَّهُ يُقْطَعُ الزَّوْجُ وَلَا تُقْطَعُ الزَّوْجَةُ فَوَجْهُهُ شيئان: أحدهما: أن نفقة الزوجية تستحقها الزوجة عَلَى الزَّوْجِ فَصَارَتْ شُبْهَةً لِلزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا فِي قَبْضَةِ الزَّوْجِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34] فَصَارَ مَا في يدها مِنْ سَرِقَةِ الزَّوْجِ كَالْبَاقِي فِي يَدِ الزَّوْجِ فَلَمْ تُقْطَعْ فِيهِ، وَقُطِعَ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ فِيهِ بِخِلَافِهَا.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا في قطعهما من الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فَإِذَا سَرَقَ عَبْدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ كَانَ وُجُوبُ قَطْعِهِ فِيهِ خَارِجًا عَلَى الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ عَبْدُ الزَّوْجِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ، وَلَا يُقْطَعُ عَبْدُ الزَّوْجَةِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا تُقْطَعُ الزَّوْجَةُ فِي مَالِ الزَّوْجِ وَلَا يُقْطَعُ الزَّوْجُ فِي مَالِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ يد العبد كيد سيده، ولذلك لم يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ مَالِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقْطَعُ عَبْدُ الزَّوْجِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ، وَيُقْطَعُ عَبْدُ الزَّوْجَةِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزوج.
والوجه الثَّانِي: يُقْطَعُ عَبْدُ الزَّوْجِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ، وَلَا يُقْطَعُ عَبْدُ الزَّوْجَةِ إِذَا سرق من مال الزوج.
والوجه الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُقْطَعُ عَبْدُ الزَّوْجِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ، وَلَا يُقْطَعُ عَبْدُ الزَّوْجَةِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ إِذَا قِيلَ: يقطع الزَّوْجِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ، وَلَا تقطع الزوجة إذا سرق من مال الزوج وهكذا إذا سرقت والد كل واحد منهما أو ولده مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ كَانَ وُجُوبُ قَطْعِهِمَا مِثْلَهُمَا على الأقاويل الثلاثة والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ أَجْدَادِهِ مِنْ قِبَلِ أَيِّهِمَا كَانَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سرق من مال أحد والديه وإن علو مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، وَلَا مِنْ مَالِ أَحَدٍ مِنْ مَوْلُودِيهِ وَإِنْ سَفَلُوا

مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَبَنِي الْبَنِينِ وَبَنِي الْبَنَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْطَعُ الْأَبُ فِي مَالِ ابْنِهِ وَالِابْنُ فِي مَالِ أبيه تمسكاً بعموم الظاهر، وَقَالَ قَوْمٌ يُقْطَعُ الِابْنُ فِي مَالِ أَبِيهِ كَمَا يُقْتَلُ بِهِ وَيُحَدُّ بِقَذْفِهِ وَلَا يُقْطَعُ الْأَبُ فِي مَالِ ابْنِهِ كَمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿ولا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23] فَكَانَ بالقطع أَغْلَظَ وَبِالنَّهْي أَحَقَّ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَوْلَادُكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ طيبات كَسْبِكُمْ) . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ الِابْنُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبِي يَأْخُذُ مَالِي فَيُتْلِفُهُ بِغَيْرِ إذني، فقال الرجل سله يا رسول الله هَلْ أُنْفِقُهُ إِلَّا عَلَى إِحْدَى عَمَّاتِهِ أَوْ خالاته، ثم هبط جبريل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: سَلْهُ عَنْ شِعْرِهِ الَّذِي لَمْ تَسْمَعْهُ أُذُنَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، والله ما سمعته أذناي، وإن الله ليزيد نابك بياناً ثم أنشده شعره في ابنه فقال: (عذوتك مولوداً وعلنتك يافعا ... تعل بما أدني عليك وتنهل)

(إذا ليلة نابتك بالشَكْوِ لَمْ أَبِتْ ... لِشَكْوَاكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ)

(كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي ... طُرِقْتَ بِهِ دوني وعيني تهمل)

(تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ حَتْمٌ مُؤَجَّلُ)

(فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي ... إِلَيْهَا مَدَى مَا كُنْتُ فيك أؤمل)

(جعلت جزائي منك جبها وغلظة ... كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ)

(فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ... فَعَلْتَ كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ)

قَالَ: فَعَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِتَلَابِيبِ الْغُلَامِ وَقَالَ: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ) وَهَذَا يَمْنَعُ مِنَ الْقَطْعِ، وَلِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ شُبْهَةً فِي مَالِ الْآخَرِ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِيهِ وَلِوِلَايَةِ الْأَبِ عَلَى مَالِ وَلَدِهِ فسقط القطع بينهما، ولأن بوجود البعضية بينهما يجري

مَجْرَى نَفْسِهِ فَلَمْ يُقْطَعْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ فِي الْمَالِ يَجِبُ عِنْدَ الْأَخْذِ لَهُ وَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَوَلَدُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ وَأَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فَعَدَمَ فِيهِ مَعْنَى الْقَطْعِ فَسَقَطَ عَنْهُ.
فَأَمَّا الِاقْتِصَاصُ مِنَ الْوَلَدِ بِالْوَالِدِ وَلَا يُقْطَعُ فِي مَالِ الْوَالِدِ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ شُبْهَةٌ فِي الْقَطْعِ، وَلَيْسَ بوجوبها شُبْهَةً فِي الْقِصَاصِ فَافْتَرَقَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْتَصَّ مِنَ الْوَالِدِ بِالْوَلَدِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ، وَاقْتُصَّ مِنَ الْوَلَدِ بِالْوَالِدِ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي مَالِ الْآخَرِ لَمْ يُقْطَعْ عَبْدٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِذَا سَرَقَ مال الآخر كما ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ يَدَ عَبْدِهِ كَيَدِهِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا مَنْ عَدَا الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَبَنِيهِمْ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنِيهِمْ فَيُقْطَعُونَ إِذَا سَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، سَوَاءٌ تَوَارَثُوا أَوْ كَانُوا مَحَارِمَ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا كَالْأَجَانِبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ إِذَا كان ذا رحم حرم احتجاجاً بأنها قرابة تتعلق بِهَا تَحْرِيمُ النِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ الْقَطْعُ بِهَا كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّهَا قَرَابَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا رَدُّ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا سُقُوطُ الْقَطْعِ كَغَيْرِ الْمَحَارِمِ مِنَ الْأَقَارِبِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَسَادُهُ بِتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ تَحْرِيمِ النَّسَبِ فِي حَظْرِ النِّكَاحِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ بَعْضِيَّةً فارقت ما عداهما من الأنساب فافترقا في د حكم القطع كما افترقا في رد الشهادة، وافترقا فِي الْقِصَاصِ، وَافْتَرَقَا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عِنْدَنَا عَلَى الْعُمُومِ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ وَاخْتِلَافِهِ وَعِنْدَهُمْ يفترقان مع اختلاف الدين فإنهم أوجبوا نفقة الآباء وَالْأَبْنَاءِ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ وَمَعَ اخْتِلَافِهِ وَلَمْ يُوجِبُوا نَفَقَةَ مَنْ عَدَاهُمَا مِنْ مَحَارِمِ الْأَقَارِبِ إِلَّا مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ وَأَسْقَطُوهَا مَعَ اخْتِلَافِهِ فَكَانَ هَذَا الْفَرْقُ فِي النَّفَقَةِ وَالْقِصَاصِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ مَانِعًا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا الشَّرِيكُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْرِقَ مِنَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهِ شُبْهَةٌ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ حِرْزُهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا أَوْ مُخْتَصًّا بِالْمَسْرُوقِ مِنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَسْرِقَ مِنْ مَالٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ يَخْتَصُّ بِالشَّرِيكِ دُونَهُ فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ فِي حِرْزٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُمَا فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي حرز

مفرد يختص به مالكه قُطِعَ فِيهِ الشَّرِيكُ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِيهِ وَإِنْ وجدت الشبهة في غيره.

(فصل)

فأما الْأَجِيرُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ مُسْتَأْجِرِهِ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْرِقَ مِنَ الْمَالِ الَّذِي اسْتُؤْجِرَ فيه أو من مال غير محرز فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَسْرِقَ مِنْ مَالٍ لَا يَدَ لَهُ فِيهِ وَهُوَ فِي حِرْزٍ مِنْهُ فَيُقْطَعُ وَلَا تَكُونُ الْإِجَارَةُ شُبْهَةً.
(فَصْلٌ) وَإِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ المعد لوجوه المصالح لم يقطعوا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخُطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَيْهِ فِي رَجُلٍ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ: أَرْسِلْهُ وَلَا تقطعه، فلا أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنِ رجلاً سرق من خُمْسَ الْخُمْسِ فَلَمْ يَقْطَعْهُ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَامَّةٌ فَدَخَلَ السَّارِقُ فِيهَا فَسَقَطَ الْقَطْعُ فِيهَا.
وأما إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ ذِي سَهْمٍ أَوْ رَضْخٍ لَمْ يُقْطَعْ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَهَا أَحَدٌ مِنْ وَالِدِيهِ أَوْ مَوْلُودِيهِ لَمْ يُقْطَعْ لِلشُّبْهَةِ فيه، وإن لم يشهدوا ولا أحد من أنسابه الَّذِينَ لَا يُقْطَعُ فِي أَمْوَالِهِمْ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْخُمْسُ بَاقِيًا فِي الْغَنِيمَةِ لَمْ يُقْطَعْ لشبهته في خمس الخمس، فإن أَخْرَجَ الْخُمْسَ مِنْهُ قُطِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِمُعَيَّنِينَ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا فَفِي قَطْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ كَالْغَنِيمَةِ.
وَالثَّانِي: لا يقطع بخلاف الغنيمة للفرق بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِلْكَ الْغَنِيمَةِ لِمُعَيَّنِينَ وَمِلْكُ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يجوز أن يصير من مستحقي تلك الزَّكَاةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ مِنْ مُسْتَحِقِّي تلك الغنيمة.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَا يُقْطَعُ فِي طُنْبُورٍ وَلَا مِزْمَارٍ وَلَا خمر ولا خنزير) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْخَمْرُ فَلَا قِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ وَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ؛ وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَحَرَّمَ ثَمَنَهُ وَحَرَّمَ الْكَلْبَ وَحَرَّمَ ثَمَنَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثمنه) .

فَأَمَّا الطُّنْبُورُ وَالْمِزْمَارُ وَسَائِرُ الْمَلَاهِي فَاسْتِعْمَالُهَا مَحْظُورٌ، وكذلك اقتناؤها، فإن سرقها مِنْ حِرْزٍ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَنْ تكون مفصلة أو غير مفصلة، فإن كان مُفَصَّلَةً قَدْ زَالَ عَنْهَا اسْمُ الْمَلَاهِي وَبَطَلَ اسْتِعْمَالُهَا فِي اللَّهْوِ فَيُقْطَعُ سَارِقُهَا إِذَا بَلَغَ قِيمَتُهَا نِصَابًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ؛ لأنها آلة لما قَطْعَ فِيهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مَا زَالَتْ عَنْهُ الْمَعْصِيَةُ زَالَ عَنْهُ حُكْمُهَا كَالْخَمْرِ إِذَا صَارَ خَلًّا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ وَهِيَ على حال ما يستعمل في اللهو من سائر الملاهي ولم يخل أن يكون عليه ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ قُطِعَ سَارِقُهَا؛ لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ زِينَةٌ لِلْمَلَاهِي فَصَارَ مَقْصُودًا وَمَتْبُوعًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي سَرِقَةِ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ إِذَا ضُمَّ إليه مالاً يجب فيه القطع سقط الْقَطْعُ فِي الْجَمِيعِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ إِذَا سَرَقَ إِنَاءً مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ خَمْرٌ قُطِعَ عِنْدَنَا، وَلَمْ يُقْطَعْ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَلَاهِي ذَهَبٌ ولا فضة فضربان: أحدهما: أن لا يصلح به بَعْدَ تَفْصِيلِهِ لِغَيْرِ الْمَلَاهِي فَلَا قِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ، وَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَصْلُحَ بَعْدَ التَّفْصِيلِ لِغَيْرِ الْمَلَاهِي فَعَلَى مُتْلِفِهِ قِيمَتُهُ مُفَصَّلًا، وَفِي وُجُوبِ قَطْعِ سَارِقِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى إِزَالَةِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فَصَارَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: يَجِبُ فِيهِ القطع اعتباراً بقيمته بعد التفصيل والله أعلم.

(باب قطاع الطريق)

(مسألة)

قال الشافعي: " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَصُلِّبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَنَفْيُهُمْ إِذَا هَرَبُوا أَنْ يُطْلَبُوا حَتَّى يُؤْخَذُوا فَيُقَامَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فبهذا أقول) . قال الماوردي: والأصل في الحرابة وقطاع الطرق مُجَاهَرَةً قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33] . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأُرِيدَ بِهَا عَلَى أربعة أقاويل: أحدها: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَهْدٌ فَنَقَضُوهُ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، فَحَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِيهِمْ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى نَاقِضِي الْعَهْدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْعُرَنِيِّينَ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَخْرَجَهُمْ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى لِقَاحٍ لَهُ عِنْدَ اجْتِوَائِهِمُ الْمَدِينَةَ لِيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَلَمَّا شَرِبُوا وَصَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاسْتَاقُوا إِبِلَهُ، فَحَكَمَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِيهِمْ فَيَكُونُ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَفْسَدُوا، وَهَذَا قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَتَادَةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ حَكَمَ اللَّهُ فِيهِمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ بِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِمْ فَيَكُونُ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وهو قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ تعالى بحكم من حارب الله ورسوله وسعى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي سِيَاقِ

الْآيَةِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يقدروا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] وهذا من حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ففي قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: مَعْنَاهُ يُعَادُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَهَذَا قَوْلُ جُوَيْبِرٍ.
وَالثَّانِي: يُخَالِفُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
وَالثَّالِثُ: يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] قولان: أحدهما: أن هذا الفساد فِعْلُ الْمَعَاصِي الَّذِي يَتَعَدَّى ضَرَرُهَا إِلَى غَيْرِ فاعلها كالزنا والقتل والسرقة هذا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ هَذَا الْفَسَادَ خَاصٌّ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِخَافَةِ السَّبِيلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ تِلْكَ الْمَعَاصِي مُبَيَّنٌ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَعَاصِي.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُحَارِبِينَ مِنْ قطاع الطريق ومخيفي السبل الذين يَعْتَرِضُونَ السَّابِلَةَ مُجَاهَرَةً وَمُحَارَبَةً فَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَقْتُلُونَ نُفُوسَهُمْ فَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ بِأَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ ذَكَرَهَا فِي الْآيَةِ فَقَالَ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ التيِ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عُقُوبَةً لَهُمْ هَلْ وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيرِ فِي أَنْ يَفْعَلَ الْإِمَامُ مِنْهَا ما رآه صَلَاحًا أَوْ وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ فَتَكُونُ كُلُّ عُقُوبَةٍ مِنْهَا فِي مُقَابَلَةِ ذَنْبٍ لَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، ومجاهد، وعطاء، والنخعي، ومالك وداود في أَهْلِ الظَّاهِرِ إِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيرِ فِي أَنْ يَفْعَلَ الْإِمَامُ مِنْهَا مَا شَاءَ لِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: 33] وَ " أَوْ) تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْأَوَامِرِ وَالشَّكِّ فِي الْأَخْبَارِ، وَهَذَا أَمْرٌ فَكَانَتْ لِلتَّخْيِيرِ كهي في كفارة الْيَمِينِ.
وَالثَّانِي: قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أن اختلاف العقوبات توجب اخْتِلَافَ أَسْبَابِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّخْيِيرَ مُفْضٍ إِلَى أَنْ يُعَاقَبَ مَنْ قَلَّ جُرْمُهُ بِأَغْلَظِ الْعُقُوبَاتِ وَمَنْ كَثُرَ جُرْمُهُ بِأَخَفِّ الْعُقُوبَاتِ، وَالتَّرْتِيبُ يَمْنَعُ من هذا التناقض؛ لأنه يعاقب في أقل الْجُرْمِ بِأَخَفِّ الْعُقُوبَاتِ، وَفِي كَثْرَةِ الْجُرْمِ بِأَغْلَظِهَا فكان أولى.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا بُدِئَ فِيهَا بِالْأَغْلَظِ وَجَبَ أن يكون على ترتيب مِثْلَ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى التخيير لبدئ فيها بالأخف من كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ دُونَ التَّخْيِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِتَرْتِيبِهَا فِي صِفَةِ التَّرْتِيبِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا قتل قتل، وإن أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، وإذا قتل وأخذ المال قتل وقطع، وَنَفْيُهُمْ أَنْ يُحْبَسُوا فِي بَلَدِهِمْ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقْتَلُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ دُونَ الْبَطْشِ وَالْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَفُّ عَنِ التَّدْبِيرِ إِلَّا بِالْقَتْلِ، وَتُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَطْشِ وَالْقِتَالِ دُونَ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ؛ لأنه يتعطل، وإن كان مكثراً لَا تَدْبِيرَ فِيهِ وَلَا قِتَالَ نُفِيَ وَنَفْيُهُ أَنْ يُخْرَجَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ يُحْبَسُ فِيهِ فَاعْتَبَرَ الْحَدَّ بِصِفَةِ الْفَاعِلِ وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ بِصِفَةِ الْفِعْلِ وَهُوَ ضِدُّ مَا وُضِعَتْ لَهُ الْحُدُودُ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ لَمْ يَقْتُلْ، وَلَا يُقْتَلُ مَنْ قَتَلَ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ إِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ وَلَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتِلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ عُزِّرَ، وَنَفْيُهُمْ أَنْ يُطْلَبُوا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فَيَهْرُبُوا.
فَأَمَّا أَبُو حنيفة فمخالف فِيهِ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نَقْتُلُهُ بِالْقَتْلِ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ فِي أَخْذِ الْمَالِ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، بين أن يقطع يده ورجله ولا يصلب، وَبَيْنَ أَنْ يَصْلِبَهُ وَلَا يَقْطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَيَصْلِبَهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحُدُودَ إِذَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ جَمِيعِهَا كَالزِّنَا والسرقة يجمع فيه بين الحد وَالْقَطْعِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْسٌ يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك الْعُرَنِيِّينَ وَهُمْ مِنْ بَجِيلَةَ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جِبْرِيلَ عَنِ الْقِصَاصِ فِيمَنْ حَارَبَ فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَاقْطَعْ يَدَهُ لِسَرِقَتِهِ وَرِجْلَهُ لِإِخَافَتِهِ، وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ، وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَاسْتَحَلَّ الْفَرْجَ الْحَرَامَ فَاصْلُبْهُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَبَا بُرْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ فَجَاءَ نَاسٌ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ فقطع عليهم أصحابه، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْحَدِّ فِيهِمْ أَنَّ

مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ، وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ قُتِلَ، وَمَنْ أَخَذَ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خِلَافٍ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْنَدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -؛ لِأَنَّ مَا نَزَلْ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لا يعلم إلا منه، وقد روي عن الشَّافِعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَصُلِّبُوا، وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَنَفْيُهُمْ إِذَا هربوا أن يطلبوا حتى يوجدوا فيقام عليهم الحد ولم يروا عنه نزول جبريل وَهُوَ حُجَّةٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ فَكَانَ حُجَّةً وَابْنُ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانُ التَّنْزِيلِ، وَحَبْرُ التَّأْوِيلِ، وَلِأَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ تعالى بِهِ مِنَ الصَّلْبِ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْقَتْلِ وَحْدَهُ وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِوِفَاقِهِ.
أَوْ يَكُونَ لِأَخْذِ الْمَالِ وَحْدَهُ، وهو مدفوع بوفاقه.
أو يكون بهما جَمِيعًا وَهُوَ مُسَلَّمٌ بِوِفَاقِهِ، وَإِذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا فِيهِمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُقُوطِ التَّخْيِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَدٌّ وَاحِدٌ وَالتَّخْيِيرُ فِيهِ يُخْرِجُهُ عَنِ الحدود الواجبة.
فأما الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ لَا يُوجِبُ تَدَاخُلَهَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقُولُ فِي الزَّانِي الثَّيِّبِ إِذَا سَرَقَ رُجِمَ وَلَمْ يُقْطَعْ، فَبَطَلَ بِهِ اسْتِدْلَالُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَا يَتَدَاخَلُ لَا يَكُونُ فِيهِ تَخْيِيرٌ، وقد أثبت التخيير ها هنا فَبَطَلَ بِهِ اسْتِدْلَالُهُ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا النَّفْيُ الْمُرَادُ بقول تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ نَفْيَهُمْ إِبْعَادُهُمْ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ إِلَى بِلَادِ الشِّرْكِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى أُخْرَى.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ حَبْسُ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيِّ أنه طلبهم لإقامة الحدود عليهم فيبعدوا.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ نَفْيَهُمْ هُوَ الحبس بأمرين:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَفُّهُمْ عَنِ الْأَذَى، وَإِبْعَادُهُمْ لَا يَكُفُّهُمْ عَنِ الْأَذَى، وَالْحَبْسُ يَكُفُّهُمْ عَنْهُ فَكَانَ هُوَ الْمُرَادَ بِهِ.
حَكَى مَكْحُولٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوَّلُ مَنْ حَبَسَ فِي السُّجُونِ وَقَالَ أَحْبِسُهُ حَتَّى أَعْلَمَ مِنْهُ التَّوْبَةَ وَلَا أَنْفِيهِ إِلَى بَلَدٍ فَيُؤْذِيهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ النَّفْيَ حَدًّا فَاقْتَضَى أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى غَيْرِ أَصْحَابِ الْحُدُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالشَّافِعِيُّ جَعَلَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِمْ فَخَالَفَ الظَّاهِرَ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ ابْنُ قتيبة بأن العرب تجعل الحبس نفياً لقول بَعْضِ الْمَسْجُونِينَ مِنْ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ: (خَرَجْنَا مِنَ الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى)

(إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا)

وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تعالى ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ رَاجِعًا إِلَى جَمِيعِهِمْ، وَلَا يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى جَمِيعِهِمْ إِلَّا عَلَى قَوْلِنَا أَنْ يُطْلَبُوا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فَيَهْرُبُوا، وَهُوَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَاجِعٌ إِلَى بَعْضِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أمر بِنَفْيِهِمْ وَمَذْهَبُكُمْ يَبْعَثُ عَلَى أَنْ يَنْفُوا أَنْفُسَهُمْ.
قِيلَ: إِذَا نَفَوْا أَنْفُسَهُمْ لِطَلَبِ الْإِمَامِ لَهُمْ صَارَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي نَفَاهُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنْ هَرَبَ فَذَلِكَ نَفْيُهُ وقوله مع عدم المخالف حُجَّةٌ؛ وَلِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يُسَمَّى نَفْيًا؛ لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ وَالنَّفْيُ إِبْعَادٌ فَصَارَا ضِدَّيْنِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ بأن الْمَقْصُودَ بِالنَّفْيِ الْكَفُّ، وَالْحَبْسُ كَفٌّ، قُلْنَا: الطَّلَبُ لإقامة الحد أبلغ من الكف، وأما الجواب عن قولهم: إنه حد فوجب حمله على مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ أَنَّهُ حَدٌّ فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ حَدٌّ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَهَذَا حَدٌّ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الشِّعْرُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْحَبْسَ نَفْيًا مِنَ الدُّنْيَا وَلُحُوقًا بِالْمَوْتَى وَهُوَ بخلاف ما قال فبطل الاستدلال.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ تَرْتِيبِ الأحكام المختلفة على ما بيناه مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ فَشَرْحُ الْمَذْهَبِ فِي كُلِّ فعل وحكمه أن يعتبر ما فَعَلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُحَارَبَةِ، فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ رُوعِيَ حَالُ المقتول، فإن كان مكافئاً للقاتل قتل به القاتل، وكان قتله منحتما لَا يَقِفُ عَلَى خِيَارِ الْوَلِيِّ، وَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ فَيَتَغَلَّظُ فِي الْحِرَابَةِ بِانْحِتَامِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِ الْوَلِيِّ فِي أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يعفو أو يأخذ الدِّيَةَ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهَا إِلَّا أَنْ يَنْضَمَّ إلى القتل أخذ المال فينحتم قتله ولا يقف وعلى خِيَارِ الْوَلِيِّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لوليه سلطان﴾

[الإسراء: 33] وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " فمن قتل بعده قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ) . ودليلنا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: 33] فَكَانَ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ جُرْمٍ أَوْجَبَ عُقُوبَةً فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ تَغَلَّظَتْ عُقُوبَتُهُ فِي المحاربة كالمال تغلظت عقوبته في المحاربة كالأمر بقطع الرجل فاقتضى أن تتغلظ عُقُوبَةُ الْقَتْلِ بِانْحِتَامِهِ فَصَارَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ من الظاهر مخصوصاً وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ فَيَ الْحِرَابَةِ غَيْرَ مُكَافِئٍ لِلْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ قَتَلَ عَبْدًا أَوْ مُسْلِمٌ قَتَلَ مُعَاهَدًا، أَوْ وَالِدٌ قَتَلَ وَلَدًا فَفِيهِ قولان: أحدهما: أن التكافؤ معتبر في غير الْحِرَابَةِ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْقَاتِلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كُفْؤًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ التَّكَافُؤَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَيُقْتَلُ بِهِ الْقَاتِلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفْؤًا لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ خيار الولي سقط فيما كفاه الْمَقْتُولِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُرْتَدًّا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْقَاتِلُ بِرِدَّتِهِ قُتِلَ بِهِ اعْتِبَارًا بِقَصْدِهِ، وَإِنْ عَلِمَ بِرِدَّتِهِ لَمْ يُقْتَلْ به؛ لأن دمه مُبَاحٌ.

(فَصْلٌ)

وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ فَكَانَ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَوَّزَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الصَّلْبَ حَدًّا وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَتْلِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي جُرْمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ بِالْمُحَارَبَةِ، وَلَا يُقْصَدُ في الأغلب بهما إِلَّا الْمَالُ وَالْقَتْلُ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعُقُوبَتَيْنِ مَقْصُودَ الْحِرَابَةِ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُصْلَبُ بَعْدَ قَتْلِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ: يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُبْعَجُ بَطْنُهُ بالرماح أو يرمى بالسهام حَتَّى يُقْتَلَ، وَحَكَاهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ إِذَا كَانَ حَدًّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تُقَامُ عَلَى مَيِّتٍ، وَلِأَجْلِ هَذَا التَّعْلِيلِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا وَيُتْرَكُ عَلَى حاله مصلوباً حتى يموت، وليس هذا صحيحاً لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ نَفْسِهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْإِحْسَانَ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) . وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نهى أن يجعل الروح غرضاً.

وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ حَدٌّ لَا يُقَامُ عَلَى مَيِّتٍ فيقال لهم: هو وإن كان حداً فَالْمَقْصُودُ بِهِ رَدْعُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا يردع وإنما ردع بِهِ الْأَحْيَاءُ وَالرَّدْعُ بِالصَّلْبِ مَوْجُودٌ فِي الْأَحْيَاءِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَتْلِ، فَإِذَا صُلِبَ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ قَبْلَهَا فَيُحَطُّ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ مُدَّةَ صَلْبِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِأَنْ يَسِيلَ صَدِيدُهُ وَلَا يَتَقَدَّرُ بِزَمَانٍ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ قَتْلَهُ وَصَلْبَهُ لا يوجب سقوط حرمته وغسله وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ لِحُرْمَةِ إِسْلَامِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ إلى سَيَلَانِ صَدِيدِهِ يَمْنَعُ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ فَلَمْ تُعْتَبَرْ، فَلَوْ مَاتَ هَذَا الْمُحَارِبُ حَتْفَ أَنْفِهِ لَمْ يُصْلَبْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنْ صُلِبَ بَعْدَ قَتْلِهِ، نَقَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ نصاً.
والفرق بينهما: أن قتله حد مستوفى فَيَكْمُلُ بِصَلْبِهِ وَمَوْتُهُ مُسْقِطٌ لِحَدِّهِ فَسَقَطَ تَأْثِيرُهُ.

(فَصْلٌ)

وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يده اليمنى ورجله اليسرى لقول الله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَطَعَ يَمِينَ السَّارِقِ فَلِذَلِكَ قَطَعَ فِي الحرابة يمين يديه ويسرى رجليه، فإن فقدتا منه معاً وكانت يمنى يديه ويسرى رجليه معاً قد ذَهَبَتَا عَدَلْنَا إِلَى قَطْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَرِجْلِهِ الْيُمْنَى كَالسَّارِقِ إِذَا عَدِمْنَا يُمْنَى يَدَيْهِ عَدَلْنَا إِلَى يُسْرَى رِجْلَيْهِ، وَلَوْ فَقَدَ هَذَا الْمُحَارِبُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَبَقِيَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى أَوْ فَقَدَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَبَقِيَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: يُؤْخَذُ العضو الباقي وحده ويكون المفقود لبقاء هذا الْمَأْخُوذِ كَمَا لَوْ ذَهَبَ مِنْ يَدَيِ السَّارِقِ بَعْضُ أَصَابِعِهِ قُطِعَ الْبَاقِي وَكَانَ الذَّاهِبُ مِنْهَا تَبَعًا لَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُ: أَنَّهُ يَكُونُ الْمَوْجُودُ تَبَعًا لِلْمَفْقُودِ وَيَصِيرَانِ مَعًا كَالْمَفْقُودَيْنِ، فَيَعْدِلُ إِلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَرِجْلِهِ الْيُمْنَى؛ لأن قطع كل طرف منهما مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا: فِي أَصْلِ الخلقة مِنَ الْآخَرِ بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ الَّتِي هِيَ مِنْ خلقة الكف فَافْتَرَقَا، ثُمَّ يُقْطَعَانِ مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يُتَوَقَّفُ عَنِ الثَّانِي حَتَّى يَنْدَمِلَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُمَا حَدٌّ وَاحِدٌ وَالْحَدُّ الْوَاحِدُ لَا يُفَرَّقُ ويستوفي جميعه في وقت واحد، لكن يُنْظَرُ فِي حَسْمِهَا بِالنَّارِ، فَإِنْ خِيفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْقَطْعِ الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ تُحْسَمْ حُسِمَتْ قَبْلَ الْقَطْعِ الثَّانِي، وَإِنْ أَمِنَ ذَلِكَ قُطِعَ الثَّانِي ثُمَّ حُسِمَا مَعًا.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ نِصَابِ السَّرِقَةِ فِي هَذَا الْقَطْعِ فَالظَّاهِرُ مِنْ مذهب الشافعي رضي الله عنه وَقَدْ نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْهُ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فَلَا يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْمَالِ الَّذِي أَخَذَهُ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَحَكَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ قَوْلًا ثَانِيًا أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَيُقْطَعُ فِي

قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ، فَخَرَجَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا كَانَ اعْتِبَارُ التَّكَافُؤِ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَوَجَدْتُ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّصَابَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّهُ يُقْطَعُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ كَمَا كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِأَخْذِهِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي الْحِرَابَةِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي السَّرِقَةِ.
وَعِنْدِي: أَنَّ النِّصَابَ فِي الْمَالِ مُعْتَبَرٌ إِذَا انْفَرَدَ الْمُحَارِبُ بِأَخْذِهِ فَلَا يُقْطَعُ حَتَّى يَأْخُذَ رُبُعَ دِينَارٍ، ولا يعتبر إذا اقترن بالقتل والصلب، فإن أَخَذَ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا انْفَرَدَ بِأَخْذِ الْمَالِ صَارَ مَقْصُودًا فَاعْتُبِرَ فِيهِ شَرْطُ الْقَطْعِ مِنْ أَخْذِ النِّصَابِ، وَإِذَا اقْتَرَنَ بِالْقَتْلِ صَارَ تَبَعًا فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ أَخْذُ فيه النصاب؛ لأنه لا يستحق في القطع، ولأن القطع في الحرابة قد يغلظ بزيادة الرجل فلم يتغلظ بإسقاط النصاب فلم يتغلظ مع القتل بمثله فتغلظ بِإِسْقَاطِ النِّصَابِ.
فَأَمَّا اعْتِبَارُ الْحِرْزِ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَعَ مَالِكِهِ أَوْ بِحَيْثُ يَرَاهُ الْمَالِكُ وَيَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ مَنْ لَيْسَ بِمُكَابِرٍ وَلَا مغالب كان في حكم المحرز فيه وجرى عَلَيْهِ فِي الْحِرَابَةِ حُكْمُ الصَّلْبِ إِذَا انْضَمَّ إِلَى الْقَتْلِ، وَفِي جَرَيَانِ حُكْمِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ إِذَا انْفَرَدَ عَنِ الْقَتْلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْطَعُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحِرْزُ؛ لِأَنَّ الْأَحْرَازَ لَا تُؤَثِّرُ مَعَ الْقَاهِرِ الْمُغَالِبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يقطع ولا يعتبر فِيهِ الْحِرْزُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُحْرَزِ مَبْذُولٌ، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْحِرَابَةِ قَدْ تَغَلَّظَ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ تغلظ بِغَيْرِهِ.

(فَصْلٌ)

وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَعُزِّرَ لِخُرُوجِهِ فِي الْحِرَابَةِ كَمَا يُعَزَّرُ الْمُتَعَرِّضُ لِلزِّنَا بِالْقُبْلَةِ وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْمُتَعَرِّضُ لِلسَّرِقَةِ بِفَتْحِ الْبَابِ وَهَتْكِ الْحِرْزِ، وَهَلْ يَتَعَيَّنُ جِنْسُ تَعْزِيرِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَتَعَيَّنُ، ويعزر الْإِمَامُ بِمَا يَرَاهُ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَفْيٍ كَسَائِرِ مَا يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ وَعَلَى هذا رَأَى الْإِمَامُ تَرْكَ تَعْزِيرِهِ وَالْعَفْوَ عَنْهُ جَازَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَعْزِيرَهُ مُتَعَيَّنٌ بِالْحَبْسِ لِأَنَّهُ أَكُفُّ لَهُ عَنْ أَذِيَّةِ النَّاسِ اقْتِدَاءً بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ رَأَى الْإِمَامُ تَرْكَ تَعْزِيرِهِ لَمْ يَجُزْ إلا أن تظهر توبته، واختلف من قال بهذا من أصحابا هل يحبس في بلده أو غيره بلده؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُحْبَسُ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ مَانِعٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: يُحْبَسُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ فِي الْحِرَابَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي حَدِّ الزِّنَا لِمَا فِيهِ مِنْ ذُلِّ الْغُرْبَةِ بِالْبُعْدِ عن أهله

وَالْوَطَنِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ مَالِكٍ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِالْحَبْسِ فِي تَقْدِيرِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أحدهما: أنه غير مقدر بمدة، ويعتبر فِيهِ الْإِنَابَةُ وَظُهُورُ التَّوْبَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُقَدَّرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُقِيمَ فِي الْحِرَابَةِ مَقَامَ الْحَدِّ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ فِي مِقْدَارِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِيِّ، أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يُنْقَصُ منها ولا يزاد عليها؛ لئلا لا يَزِيدَ عَلَى تَغْرِيبِ الزِّنَا فِي حَدِّ الْعَبْدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسَنَةٍ يُنْقَصُ فيها وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَزِيدَ عَلَى تَغْرِيبِ الحد فِي حَدِّ الزِّنَا وَيُنْقَصُ مِنْهُ وَلَوْ بِيَوْمٍ؛ لِئَلَّا يَبْلُغَ بِمَا لَيْسَ بِحَدٍّ حَدًّا كَمَا لَا يَبْلُغُ بِالضَّرْبِ فِي التَّعْزِيرِ أَدْنَى الْحُدُودِ.

(فصل)

ومن فعل الْحِرَابَةِ مِنَ الْمَعَاصِي مَا سِوَى الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَحَدُّهُ فِي الْحِرَابَةِ كَحَدِّهِ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ، وَلَا يَتَغَلَّظُ حَدُّهُ في الحرابة بخلاف القتل حين يغلظ في الحرابة بانحتامه وأخذ المال حين يغلظ بِزِيَادَةِ قَطْعِ الرِّجْلِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ مَقْصُودَ الْحِرَابَةِ هُوَ الْقَتْلُ وَأَخْذُ الْمَالِ دُونَ مَا عداهما من سائر المعاصي، فتغلظ فيها ما كان مقصوداً بها ولم يتغلظ منها ما لم يكن مقصوداً بها والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " وقطاع الطريق هم الذين يعترضون بالسلام القوم حَتَّى يَغْصِبُوهُمُ الْمَالَ فِي الصَّحَارِي مُجَاهَرَةً وَأَرَاهُمْ فِي الْمِصْرِ إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَعْظَمَ ذَنْبًا فحدودهم واحدة) . قال الماوردي: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُحَارِبِينَ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ النَّاسَ بِالسِّلَاحِ جَهْرًا وَيَأْخُذُونَ أموالهم مغالبة وقهراً، وسواء كانوا في صحراء أو مصر يجري عليه فِي الْمَوْضِعَيْنِ حُكْمُ الْحِرَابَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْحِرَابَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا خَارِجَ الْمِصْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَصَاعِدًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْحِرَابَةِ فِي الْمِصْرِ وَلَا فِيمَا قَارَبَهُ مِنْ خَارِجِ المصر إذا كانا بِحَيْثُ يُدْرِكُهُمْ فِي الْوَقْتِ غَوْثُ أَهْلِ الْمِصْرِ وَيَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُهَا إِذَا كَانُوا فِي صَحْرَاءَ لَا يُدْرِكُهُمْ غَوْثُ الْمِصْرِ؛ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ إِدْرَاكَ الْغَوْثِ يَنْفِي حُكْمَ الْحِرَابَةِ كَمَنْ كَبَسَ دَارًا فِي الْمِصْرِ فَنَهَبَهَا.

وَدَلِيلُنَا: عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] وَلَمْ يَخُصَّ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ وَجَبَ بِهِ الْحَدُّ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ وَجَبَ بِهِ ذَلِكَ الْحَدُّ فِي الْمِصْرِ كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ وشرب الخمر، ولأنهم في المصر أغلظ جُرْمًا مِنَ الصَّحْرَاءِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَغْلَبَ أَمْنُ الْمِصْرِ وَخَوْفُ الصَّحْرَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمِصْرَ فِي قَبْضَةِ السُّلْطَانِ دُونَ الصَّحْرَاءِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمِصْرَ يَجْمَعُ فِي الْأَغْلَبِ مُلْكَ الْإِنْسَانِ وَلَا تَجْمَعُهُ الصَّحْرَاءُ فَكَانَ أَحْسَنَ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يَكُونُوا فِي أَغْلَظِ الْأَمْرَيْنِ كَأَخَفِّهِمَا.
فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بكبس الدار في المصر فسنذكر من حُكْمِ الْمِصْرِ مَا يَكُونُ انْفِصَالًا عَنْهُ.

(فَصْلٌ)

أما الصَّحْرَاءُ فَلَا فَرْقَ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ مَا قَرُبَ مِنَ الْمِصْرِ أَوْ بَعُدَ عَنْهُ، وَأَمَّا الْقُرَى الَّتِي يَقِلُّ جَمْعُهَا فَهِيَ كَالصَّحْرَاءِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْحِرَابَةِ فِيهَا، وَأَمَّا الْأَمْصَارُ الْكِبَارُ الَّتِي لَا يُقَاوِمُونَ جَمِيعَ أَهْلِهَا فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي أَطْرَافِهَا حُكْمُ الْحِرَابَةِ كَالْقُرَى، وَأَمَّا وَسَطُ الْمَصْرِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَكَاثَرُ النَّاسُ فِيهَا مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَدُورِهِمْ إِذَا كَبَسُوا سُوقًا مِنْهَا فَنَهَبُوهَا أَوْ دَارًا فَأَخَذُوا مَا فِيهَا فَفِي جَرَيَانِ حُكْمِ الْحِرَابَةِ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حكم الحرابة؛ لأنهم يعلنوا بالسلاح جهراً كَالصَّحْرَاءِ، وَحَدُّ الْحِرَابَةِ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى دَفْعِ الْمُحَارِبِ وَهَذَا مَوْجُودٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قول الأقلين واختيار أبي حامد الإسفراييني: أنه لا تجري عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْحِرَابَةِ لِوُجُودِ الْغَوْثِ فِيهِ غَالِبًا فسقط حكم نادره.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ أَخَذَ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا قِيَاسًا عَلَى السُّنَّةِ فِي السَّارِقِ) . قال الماوردي: قد ذكرنا اعْتِبَارَ النِّصَابِ فِي قَطْعِ الْحِرَابَةِ كَاعْتِبَارِهِ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ، وَقِيمَةُ الْمَأْخُوذِ مُعْتَبَرَةٌ فِي زَمَانِ الْأَخْذِ وَفِي مَكَانِهِ إِنْ كَانَ مَوْضِعًا جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، وَيُوجَدُ فِيهِ مَنْ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيهِ اعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يوجد فيها بيع ذلك وشراؤه من القيم لا يعرف إِلَّا بِوُجُودِ مُشْتَرِيهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِسْلَامِ النَّاسِ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لأمرين: أحدهما: أنه لا قيمة لمال فِي تِلْكَ الْحَالِ الْمُتْلِفَةِ لِلْأَمْوَالِ.

والثاني: أنه نقض حدث وتجدد لمعصيتهم فلم يتحقق بِهِ غُرْمُهُمْ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ أَحْوَالِ السَّلَامَةِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْقِيمَةِ فِي اعْتِبَارِ النصاب وفي غرم المستهلك.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَيُحَدُّ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ فِعْلِهِ فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ قَتَلَهُ قَبْلَ صَلْبِهِ كَرَاهِيَةَ تَعْذِيبِهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ قَتْلِ الْعَمْدِ يصلب ثلاثا ثم يترك) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَحْكَامِ الْمُقَدِّمَةِ وَذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ المحاربين يعاقب بحسب دينه وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِإِقْرَارِهِمْ طَوْعًا أَوْ قِيَامِ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِمْ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ، فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَجَبَ الْغُرْمُ دُونَ الْحَدِّ.
فَأَمَّا الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلٍ وَصَلْبٍ فَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي حَارَبُوا فِيهِ وَقَتَلُوا إِذَا شَاهَدَهُمْ فِيهِ مَنْ يَرْتَدِعُ بِهِمْ من غواة الناس، فإن كَانَتْ حِرَابَتُهُمْ فِي مَفَازَةٍ نُقِلُوا إِلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ بِهَا مِنَ الْأَمْصَارِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا أَهْلُ الْفَسَادِ، وَلَا يُؤَخَّرُ قَتْلُهُمْ إِلَّا قَدْرَ استبراء أحوالهم.
(مسألة) قال الشافعي: " وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ دُونَ الصَّلْبِ قُتِلَ وَدُفِعَ إِلَى أَهْلِهِ يُكَفِّنُونَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لَا يُسْقِطُ قَتْلُهُمْ فِي الْحِرَابَةِ فَرْضَ الله فيهم في غُسْلِهِمْ وَتَكْفِينِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَدَفْنِهِمْ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ وجبت لحرمه إسلامهم، فإن التمسوهم أَهْلُهُمْ سُلِّمُوا إِلَيْهِمْ لِيَقُومُوا بِذَلِكَ فِيهِمْ وَإِنْ بقوا ضيعة قام بهم الإمام من بيت المال، وكان له لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَكَرِهَ لَهُ مَالِكٌ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ بِقَتْلِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ لا تسقط الحقوق، ولأن يتولى الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ أَحَدِهِمَا.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشافعي: " وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ دُونَ الْقَتْلِ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى ثُمَّ حُسِمَتْ بِالنَّارِ ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ حُسِمَتْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ ثُمَّ خلي) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَحْكَامِ الْأَقْسَامِ حُكْمَ الْقَطْعِ فِي أَخْذِ الْمَالِ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ قَطْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] فإن قطع متولي الْأَمْرِ يُمْنَى يَدَيْهِ وَيُمْنَى رِجْلَيْهِ تَعَدَّى، وَلَزِمَهُ الْقَوَدُ فِي يُمْنَى رِجْلَيْهِ إِنْ عَمَدَ وَدِيَتُهَا إن أخطأ ولم يسقط بذلك قطع

رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى أَسَاءَ وَلَمْ يَضْمَنْ، وَوَقَعَ ذَلِكَ مَوْقِعَ الْإِجْزَاءِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ قَطْعَهُمَا مِنْ خِلَافٍ نص يوجب مُخَالَفِهِ الضَّمَانَ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الحرابة اجتهاد فسقط لمخالفه الضَّمَانُ، وَإِذَا قَطَعَ حُسِمَ بِالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ أَوْ بِالنَّارِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فِيهِمَا، فَإِنْ أَحَبَّ الْمَقْطُوعُ أن يترك حسمه بالنار أو بالزيت فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُجَابُ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يُحْسَمُ؛ لِأَنَّهُ عِلَاجٌ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالدَّوَاءِ.
وَالثَّانِي: لَا يُجَابُ إِلَيْهِ وَيُحْسَمُ جَبْرًا حِرَاسَةً لِنَفْسِهِ، وَإِنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى إِذْنِهِ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِهِ وَلَا يُشَهَّرُ بَعْدَ قَطْعِهِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ نَكَالٍ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ إِلَّا أَنْ يَرَى الإمام أن قطعه لم يشتهر فِي أَهْلِ الْفَسَادِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشَهِّرَ قدر ما يشتهر فيهم حاله ويخليه ليتصرف لنفسه أَيْنَ شَاءَ.
فَأَمَّا الْمَقْطُوعُ مِنْ أَطْرَافِهِ فَيُدْفَنُ وَلَا يُسْتَبْقَى إِلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ إِشْهَارَ أطرافه لِيَرْتَدِعَ بِهَا النَّاسُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنِ الْتَمَسَ الْمَقْطُوعُ أَطْرَافَ نَفْسِهِ كَانَ أَحَقَّ بِهَا ليتولى دفنها، فإن أراد استبقائها لِتُدْفَنَ مَعَهُ إِذَا مَاتَ مُنِعَ.

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشافعي: " وَمَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ وَكَثُرَ أَوْ هِيبَ أَوْ كَانَ رِدْءًا عُزِّرَ وَحُبِسَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صحيح، حدود الله تعالى عَلَى مَنْ بَاشَرَهَا دُونَ الرِّدْءِ الْمُعَاوِنِ عَلَيْهَا تيكيثر أو تهييب أَوْ نُصْرَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الرِّدْءُ الْمُكْثِرُ فِيهَا، وَالْمُهِيبُ كَالْمُبَاشِرِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُتِلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قُتِلُوا، وَإِنْ أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ الْمَالَ قُطِعُوا؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرض فساداً﴾ [المائدة: 33] الآية فعم ولم يخص.
وَبِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا فِي ثلاث خصال زان محصن فيرجم، ورجل قتل مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ بِهِ، وَرَجُلٌ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ فحارب اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ) فَعَمَّ فِي الْمُحَارِبِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُبَاشِرٍ وَمُكْثِرٍ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُحَارَبَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الرِّدْءُ والمباشر

كَالْغَنِيمَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا الْمُقَاتِلُ وَالْحَاضِرُ؛ لأنها ترغيب كذلك الحدود في المحاربة لأنها ترهيب، وَلِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَخْذِ إِلَّا بدفع الردء المكثر فصار الأخذ مضافاً إليه فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمَا.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَعَبْدِ الله بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي الدَّارِ فَسَمِعَ النَّاسَ فَتَغَيَّرَ لونه وقال: إنهم ليتواعدوني بالقتل، فقلنا يكفيهم الله يا أمير المؤمنين قال: وبم يَقْتُلُونِي وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه أو زنا بعد إحصانه أو قتل نفسا بِغَيْرِ نَفْسٍ) وَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ قَطُّ، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَلَا أَحْبَبُتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا منذ هداني الله له فَبِمَ يَقْتُلُونَنِي؟ . وَرَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: " قام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَقَامِي هَذَا فَقَالَ: وَالَذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي وَرَجُلٌ قَتَلَ فَأُقِيدَ وَالتَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ الْمُفَارِقُ لِلْإِسْلَامِ) . فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ على أن الردء لا يحل قبله؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِحْدَى هَذِهِ الْخِصَالِ الثلاث.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ حَدٌّ يَجِبُ بِارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْمُعِينِ عَلَيْهَا كحد الزنا، والقذف، والسرقة، وَلِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّ الرِّدْءَ لَا يُقْتَلُ إِذَا كَانَ الْمُبَاشِرُ امْرَأَةً فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ رَجُلًا وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّ مَنْ لَمْ يُبَاشِرِ الْقَتْلَ وَالْأَخْذَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدُّهُمَا كَالْمَرْأَةِ إِذَا بَاشَرَتْ، فَإِنْ قَالَ: الْمَرْأَةُ لَا يجري عليها حكم الحرابة.
قلنا: تجري عَلَيْهَا عِنْدَنَا حُكْمُ الْحِرَابَةِ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ وَالْمُبَاشَرَةَ إذا اجتمعا وتعلق الضمان بالمباشرة سقط حُكْمُ السَّبَبِ كَالْمُمْسِكِ وَالذَّابِحِ وَحَافِرِ الْبِئْرِ وَالدَّافِعِ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الذَّابِحِ دُونَ الْمُمْسِكِ، وَعَلَى الدَّافِعِ فِي الْبِئْرِ دُونَ الْحَافِرِ، كَذَلِكَ اجْتِمَاعُ الرِّدْءِ وَالْمُبَاشِرِ فِي الْحِرَابَةِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَهُوَ أَنَّ الْقَتْلَ وَأَخْذَ الْمَالِ مُضْمَرَانِ فِيهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْ يَقْتُلُوا إِنْ قَتَلُوا فإن قيل: فيكون المضمر فيها أو قتل بعضهم لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ زِيَادَةُ إِضْمَارٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا الْكَلَامُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ إِضْمَارَ مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ إِضْمَارِ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ.

وأما الجواب عن استدلاله بحديث عائشة رضي الله عنها فمن وجهين: أحدهما: أنه رَاوِيِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ طَهْمَانَ وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى: إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ قَالَ: لَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَتْلَ فِي الْحِرَابَةِ مُضْمَرٌ فِي الْخَبَرِ كَمَا كَانَ مُضْمَرًا فِي الآية.
وأما الجواب عن قياسهم على الْغَنِيمَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّا لَا نُسَلِّمُ لهم أن القتل والقطع يَجِبُ بِالْمُحَارَبَةِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ وَيَجِبُ الْقَطْعُ بِأَخْذِ الْمَالِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا شَارَكَ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الْوَقْعَةَ مِنْ أَهْلِ الْخُمُسِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُشَارِكَ فِيهَا مَنْ شَهِدَهَا، وَالْحِرَابَةُ لَا يُشَارِكُ فِيهَا مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فَلَمْ يُشَارِكْ فِيهَا مَنْ لَمْ يُبَاشِرْهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِتَأْثِيرِ النُّصْرَةِ والتكثير فهو فاسد بِالْمُمْسِكِ وَالذَّابِحِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الرِّدْءِ الْمُكْثِرِ وَالْمُهِيبِ فَعَلَيْهِمُ التَّعْزِيرُ أَدَبًا وَحَبْسًا وَقَدْ جَمَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذَاهِبَ أَصْحَابِهِ فِيهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " وَمَنْ قَتَلَ وَجَرَحَ أُقِصَّ لِصَاحِبِ الْجَرْحِ ثُمَّ قطع لا يمنع حق الله حتى الآدميين في الجراح وغيرها) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا جَرَحَ الْمُحَارِبُ فِي الْحِرَابَةِ رَجُلًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: 45] وفي انحتامه كالقتل قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَشْهَرُ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يَنْحَتِمُ بِخِلَافِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى أغفل الْجِرَاحَ فِي آيَةِ الْحِرَابَةِ فَكَانَ بَاقِيًا عَلَى حُكْمِ أَصْلِهِ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَجْرُوحُ بِالْخِيَارِ فِي الْقِصَاصِ، أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ مُنْحَتِمٌ كَانْحِتَامِهِ فِي الْقَتْلِ؛ لأنها وجميع الْأَطْرَافِ تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَسُقُوطِهِ فَكَانَتْ تَابِعَةً لَهَا فِي انْحِتَامِهِ فَعَلَى هَذَا يستوفيه الإمام حتما ولا تخيير فيه للمجروح.

(فَصْلٌ)

فَإِنْ قَتَلَ الْمُحَارِبُ وَجَرَحَ كَانَ مَأْخُوذًا بِهِمَا فَيُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ وَيَكُونُ الْقَتْلُ مُنْحَتِمًا.
وَفِي انْحِتَامِ الْجِرَاحِ قَوْلَانِ: وَلَا تدخل الجراح في النفس سواء انحتم الجراح، أَوْ لَمْ يَنْحَتِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَدْخُلُ الْجِرَاحُ فِي النَّفْسِ إِذَا اجْتَمَعَا فَيُقْتَلُ وَلَا يجرح استدلالا

بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ويسعون﴾ [المائدة: 33] الآية إلى أن قال: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33] فاقتصر بحدوده عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا قَالَ: وَلِأَنَّ الْحُدُودَ فِي الْحِرَابَةِ من حقوق الله تعالى الْمَحْضَةِ وَلَيْسَتْ قِصَاصًا لِانْحِتَامِهَا وَسُقُوطِ الْخِيَارِ فِيهَا متداخل الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ جِنْسِهِ كَمَنْ زَنَا بِكْرًا ثُمَّ زَنَا ثَيِّبًا دَخَلَ جَلْدُهُ فِي رَجْمِهِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِمَا يُسْتَوْفَى عَلَى الْمُحَارِبِ مِنْ جَرْحٍ وَقَطْعٍ الزَّجْرُ وَالرَّدْعُ وَمَعَ اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ يَزُولُ مَقْصُودُ الرَّدْعِ بِغَيْرِهِ فَسَقَطَ.
وَدَلِيلُنَا قول الله تعالى: ﴿الجروح قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْمُحَارِبِ وغيره؛ ولأن كُلَّ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ لَمْ تَسْقُطْ فِي الْحِرَابَةِ كَالْقَتْلِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ، فَجَازَ أَنْ يَجِبَ فِي الْحِرَابَةِ كَالْقَتْلِ؛ وَلِأَنَّهُمَا نَوْعَا قِصَاصٍ فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الْحِرَابَةِ؛ وَلِأَنَّ عُقُوبَاتِ الْحِرَابَةِ أَغْلَظُ لِانْحِتَامِ الْقَتْلِ وَزِيَادَةِ الْقَطْعِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْقُطَ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي غَيْرِهَا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ، فَهُوَ أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مِنَ العقوبة المظهرة ما تضمنتها من الأسباب المضمرة، ولم تضمر فيها الجراح، فلم يظهر فيها حكمه.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ حُدُودَ الْحِرَابَةِ من حقوق الله تعالى، فَهُوَ أَنَّ الْقَتْلَ فِيهِ هُوَ قِصَاصٌ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْعِدَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُحَارِبَ لَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَتْ عَنْهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَسْقُطْ مِنَ الْقَتْلِ إِلَّا انْحِتَامُهُ وَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِ الْوَلِيِّ فِي اسْتِيفَائِهِ، فَلَمْ يَسْلَمِ الدَّلِيلُ.
وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ رَدْعٌ، فَسَقَطَ بِالْقَتْلِ يَبْطُلُ بِقَطْعِ السَّرِقَةِ، وَالْقَتْلُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ رَدْعًا.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْجَرْحِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قِصَاصٌ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ كَالْجَائِفَةِ وَجَبَ أَرْشُهَا لِلْمَجْرُوحِ، وَكَانَ حُكْمُهَا فِي الْحِرَابَةِ كَحُكْمِهَا فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا قِصَاصٌ كالْمُوضِحَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: بِانْحِتَامِهِ قُدِّمَ الْقِصَاصُ مِنْهَا عَلَى الْقَتْلِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ.
وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ بِمُنْحَتِمٍ وُقِفَ عَلَى خِيَارِ الْوَلِيِّ، فَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ قُدِّمَ عَلَى الْقَتْلِ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إِلَى الْمَالِ طُولِبَ بِهِ المحارب قبل قتله، فإذا أداه وعرف وَجْهَهُ قُتِلَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ وَلَا عَرَّفَ وَجْهَهُ اسْتُبْقِيَ حَتَّى يُسْتَكْشَفَ عَنْ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ غُرْمُ مَا اسْتَهْلَكَهُ مِنَ الْمَالِ ثُمَّ قُتِلَ إِنْ ظَهَرَ مَالٌ أَوْ وَقَعَ الْإِيَاسُ مِنْهُ.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا جَمَعَ الْمُحَارِبُ فِي الْحِرَابَةِ بَيْنَ أَخْذِ الْمَالِ وَبَيْنَ قَطْعِ طَرَفٍ بِجِنَايَةٍ جُمِعَ عَلَيْهِ بَيْنَ قَطْعِهِ فِي الْمَالِ وَقَطْعِهِ فِي القصاص، ومنع أبو حنيفة من الجمع بينهما،

وَقَالَ: إِذَا قُطِعَ بِجِنَايَةٍ يُسْرَى يَدٍ، وَأَخَذَ الْمَالَ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى، وَقُطِعَتْ يُمْنَاهُ فِي الْمَالِ مَعَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ خِلَافِهِ فِي الجراح، ونحن نجمع عليه بينهما، فتقطع يسرى يديه قصاصاً، ثم تقطع يُمْنَى يَدَيْهِ مَعَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى؛ لِأَخْذِ الْمَالِ ولا يوالي بين القطعين؛ لأنهما حدان ويمهل بَعْدَ قَطْعِ يُسْرَاهُ قَوَدًا حَتَّى تَنْدَمِلَ، ثُمَّ تقطع يُمْنَاهُ فِي الْمَالِ، وَيُقَدَّمُ قَطْعُهُ فِي الْقِصَاصِ عَلَى قَطْعِهِ فِي الْمَالِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ اللَّهِ وعباده إِنْ قِيلَ بِانْحِتَامِهِ، أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ غَيْرُ مُنْحَتِمٍ.
وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ في الدنيا مقدمة على حقوق الله تعالى فِيهَا، كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِرِدَّةٍ وَقِصَاصٍ أَوْ قَطْعِ يَدٍ بِسَرِقَةٍ وَقِصَاصٍ قُدِّمَ الْقِصَاصُ والقطع على حق الله تعالى فيها، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الدِّمَاءِ كَاجْتِمَاعِهِمَا فِي الْمَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: يُقَدَّمُ فِي الْمَالِ حَقُّ الْآدَمِيِّينَ عَلَى حَقِّ الله تعالى كالدماء.
والثاني: يقدم حق الله تعالى عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّينَ بِخِلَافِ الدِّمَاءِ.
وَالثَّالِثُ: يُشْتَرَكُ بينهما، قيل: لأن الْمَقْصُودَ بِحَقِّ اللَّهِ فِي الدِّمَاءِ يُوجَدُ فِي اسْتِيفَائِهِ لِلْآدَمِيِّينَ وَهُوَ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ وَالْمَقْصُودُ بِحَقِّ الله تعالى فِي الْأَمْوَالِ لَا يُوجَدُ فِي اسْتِيفَائِهِ لِلْآدَمِيِّينَ وهو وصوله إلى الفقراء المساكين فَافْتَرَقَا.

(فَصْلٌ)

وَإِذَا تَمَاثَلَ قَطْعُ الْقِصَاصِ وَقَطْعُ الْحِرَابَةِ فِي الْأَطْرَافِ فَقُطِعَ الْمُحَارِبُ الْيَدَ الْيُمْنَى وَالرِّجْلَ الْيُسْرَى وَأَخَذَ الْمَالَ فَوَجَبَ بِهِ قَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ قَطْعَهُ فِي الْقِصَاصِ مُنْحَتِمٌ رُوعِيَ أَسْبَقُ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ قَطْعُ الْمَالِ عَلَى قَطْعِ الْقِصَاصِ قطع قصاصاً وسقط قطع المال لتقدم حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي الدَّمِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ قَطْعُ الْقِصَاصِ عَلَى قطع المال، فقطع قصاصاً ولم يسقط قطع المال فلم يُعْدَلُ فِيهِ إِلَى قَطْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَرِجْلِهِ الْيُمْنَى، كَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَيْسَ لَهُ يَدٌ يمنى ولا رجل يسرى؛ لأن اسْتِحْقَاقُ قَطْعِهِمَا لِلْمَالِ لَمْ يُعْدَلْ فِيهِ إِلَى فَعَدَلَ فِي قَطْعِ الْمَالِ إِلَى غَيْرِهِمَا، وَلَوْ تقدم استحقاق القصاص فيها حَتْمٌ، فَصَارَ كَعَدَمِهِمَا، فَعَدَلَ فِي قَطْعِ الْمَالِ إِلَى غَيْرِهِمَا، وَلَوْ تَقَدَّمَ اسْتِحْقَاقُ قَطْعِهِمَا لِلْمَالِ لم يعدل فيه إلى غيرهما؛ لأن مَا وَجَبَ ابْتِدَاءً إِلَّا فِيهِمَا، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ قَطْعَ الْقِصَاصِ غَيْرُ مُنْحَتِمٍ خُيِّرَ وَلِيُّهُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ قُطِعَ لِلْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ قُطِعَ قِصَاصًا، وَسَقَطَ قَطْعُ الْمَالِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ اسْتِحْقَاقُهُ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْمَالِ وَرَدَ عَلَى طَرَفٍ يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَنْحَتِمْ أَخْذُهُ فِي غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِذَا انْحَتَمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ، فَجَازَ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ قُطِعَ الْمُحَارِبُ الْيَدَ الْيُمْنَى ثُمَّ أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يُمْنَاهُ قِصَاصًا وَصَارَ بَعْدَ قَطْعِهَا فيه كمن ذهبت يمناه بأكله فهل

يجزئ فِي قَطْعِ الْمَالِ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى قَطْعِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَضَيَا: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني يجزئ أن يقتصر عليهما وَحْدَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ لَا يجزئ وَيُعْدَلُ عَنْهَا إِلَى قَطْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَرِجْلِهِ اليمنى كمن ذهب يده اليمنى ورجله اليسرى والله أعلم.

(مسألة)

قال الشافعي: " وَمَنْ عَفَا الْجِرَاحَ كَانَ لَهُ وَمَنْ عَفَا النَّفْسَ لَمْ يُحْقَنْ بِذَلِكَ دَمُهُ وَكَانَ عَلَى الْإِمَامِ قَتْلُهُ إِذَا بَلَغَتْ جِنَايَتُهُ الْقَتْلَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقِصَاصَ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ مُنْحَتِمٌ، وَفِي انْحِتَامِهِ فِي جِرَاحِ الْحِرَابَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَنْحَتِمُ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يراعى فيه المكافأة من الْمَجْرُوحِ لِلْجَارِحِ؟ فَإِنْ كَافَأَهُ اقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُكَافِئْهُ تَفَرَّدَ بِأَخْذِ الْأَرْشِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنه منحتم، فعلى هذا هل تراعى فِيهِ الْكَفَاءَةُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يُرَاعَى، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ فيه عَلَى انْحِتَامِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُرَاعَى فِيهِ الْكَفَاءَةُ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَافَأَهُ انْحَتَمَ الْقِصَاصُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُكَافِئْهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ الْأَرْشُ للجروح، وَصَارَ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِهِ فِي اسْتِيفَائِهِ وَعَفْوِهِ؛ لأنه يصير سقوط الْقِصَاصِ جَارِيًا مَجْرَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي بَعْضِهِ وَلَا يَجِبُ فِي جَمِيعِهِ كَالْهَاشِمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقِصَاصَ في الجراح غير منحتمة كَانَ الْمَجْرُوحُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ؛ بَيْنَ أن يقتص من الْإِيضَاحِ وَيَأْخُذَ أَرْشَ الْهَشْمِ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ.
وَبَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْقِصَاصِ إِلَى الْأَرْشِ فَيَأْخُذَ دِيَةَ الْهَاشِمَةِ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ.
وَبَيْنَ أن يعفو عن الأمرين، فإن قِيلَ: إِنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ مُنْحَتِمٌ انْحَتَمَ الْقِصَاصُ فِي إِيضَاحِ الْهَاشِمَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تعالى وحتى الْمَجْرُوحِ، وَكَانَ أَرْشُ هَشْمِهَا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ مُسْتَحَقًّا لِلْمَجْرُوحِ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ فِيهِ، فَلَمْ يُهْدِرْ بغير قصاص ولا أرش.
(مسألة) قال الشافعي: " ومن تاب منهم من قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ ولا تسقط حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ بِالتَّوْبَةِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَبِهِ أقول) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن يقدروا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] فَعَطَفَ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُدُودِ الْمُحَارَبَةِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ التَّوْبَةِ، فَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ: أَنَّهَا الْإِسْلَامُ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حُدُودَ الْحِرَابَةِ وَرَدَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ شِرْكِهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا بِإِسْلَامِهِمْ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَا تُسْقِطُ التَّوْبَةُ عَنْهُمْ حَدًّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ حُدُودَ الْحِرَابَةِ وَرَدَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ إلى أنها التوبة من قصاص الْحُدُودِ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا فِي أَمَانِ الْإِمَامِ لَهُمْ، هَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فَحُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالشَّعْبِيِّ وَطَائِفَةٍ أَنَّ أَمَانَ الْإِمَامِ شَرْطٌ فِيهَا، وَمَنْ لَمْ يُؤَمِّنْهُ الْإِمَامُ لَمْ تُسْقِطِ التَّوْبَةُ عَنْهُ حَدًّا، وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّ أَمَانَ الْإِمَامِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهَا، وَالِاعْتِبَارُ بِتَأْثِيرِهَا فِي الحدود أن يكون قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا من صِفَةِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لُحُوقِهِمْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، ثُمَّ عَوْدِهِمْ مِنْهَا تَائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُلْحَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ تُؤَثِّرِ التَّوْبَةُ فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ عَنْهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِئَةٌ يَلْجَأُونَ إِلَيْهَا وَيَمْتَنِعُونَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا بِفِئَةٍ لَمْ تُؤَثِّرْ تَوْبَتُهُمْ فِي سُقُوطِ الْحُدُودِ عَنْهُمْ، وهذا قول عبد الله بن عمر، وعمرو بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحكم بن عيينة.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ لَا تَمْتَدَّ إِلَيْهِمْ يَدُ الْإِمَامِ بِهَرَبٍ أَوِ اسْتِخْفَاءٍ أَوِ امْتِنَاعٍ، فَيَخْرُجُوا عَنِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَتُؤَثِّرُ توبتهم فيما سقط عَنْهُمْ، وَمَنِ امْتَدَّتْ إِلَيْهِ يَدُ الْإِمَامِ فَهُوَ تحت القدرة عليه، واختلف من قال هذا فِي رَفْعِهِ إِلَى الْإِمَامِ، هَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ شَرْطًا لِأَنَّهُ فِي الْحَالَيْنِ قَادِرٌ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ شَرْطًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ: " هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ، لَا عَفَا اللَّهُ عَنِّي إن عفوت) واختلفوا فيما يسقط التَّوْبَةُ عَنْهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أحدها: وهو قول علي عليه السلام أنها تسقط عنهم جميع الحقوق لله عز وجل وَلِلْآدَمِيِّينَ مِنَ الْحُدُودِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، رُوِيَ أَنَّ حارثة بن زيد خَرَجَ مُحَارِبًا فَأَخَافَ السَّبِيلَ، وَسَفَكَ الدِّمَاءَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، وَجَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَقَبِلَ علي عليه

السلام تَوْبَتَهُ وَجَعَلَ لَهُ أَمَانًا مَنْشُورًا عَلَى مَا كَانَ أَصَابَ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّهَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ جَمِيعَ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ إِلَّا الدِّمَاءَ لِتَغْلِيظِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ لِاخْتِصَاصِ التَّوْبَةِ بِتَكْفِيرِ الْإِمَامِ دُونَ حُقُوقِ الْعِبَادِ.

(فَصْلٌ)

فَأَمَّا الْحُدُودُ الْمُسْتَحَقَّةُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي سُقُوطِهَا بِالتَّوْبَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِعُمُومِ الظَّوَاهِرِ فِيهَا وَلِأَنَّ تَوْبَةَ الْمُحَارِبِ أَبْلَغُ فِي خُلُوصِ الطَّاعَةِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْقُدْرَةِ فَقَوِيَ حُكْمُهَا فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ عَنْهُ وَتَوْبَةَ غَيْرِ الْمُحَارِبِ تَضْعُفُ عَنْ هذه الحال؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهَا عَنْ خَوْفٍ فَضَعُفَ حُكْمُهَا فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ عَنْهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَالْحِرَابَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزِّنَا: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: 16] وفي قطع السَّرِقَةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم﴾ ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا) ، وَلِأَنَّ حُدُودَ الْحِرَابَةِ أَغْلَظُ مِنْ حُدُودِ غَيْرِ الْحِرَابَةِ، فَلَمَّا سَقَطَ بِالتَّوْبَةِ أَغْلَظُهُمَا كَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ أَخَفُّهُمَا، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مَوْضُوعَةٌ لِلنَّكَالِ وَالرَّدْعِ، وَالتَّائِبُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا فَسَقَطَ عَنْهُ مُوجِبُهَا.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلتَّوْبَةِ تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ الْحُدُودِ فِي الْحِرَابَةِ وَغَيْرِ الْحِرَابَةِ فَالتَّوْبَةُ مُخْتَلِفَةٌ فِيهَا فتكون في الحرابة بإظهارها قولاً حتى يقترن بها الْكَفّ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا إِصْلَاحُ الْعَمَلِ، وَلَا تَكُونُ التَّوْبَةُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ بِإِظْهَارِهَا قَوْلًا حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا إِصْلَاحُ الْعَمَلِ فِي زَمَانٍ يُوثَقُ بِصَلَاحِهِ فِيهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وجهين: أحدهما: نص.
والثاني: معنى.
فأما النَّصّ فَقَوْلُهُ فِي الْحِرَابَةِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] وَلَمْ يُشْتَرَطِ الْإِصْلَاحُ فِيهَا، وَقَالَ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 39] وَفِي آيَةِ الزِّنَا: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 16] بشرط الإصلاح فيها.

وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُحَارِبَ مُجَاهِرٌ فَقَوِيَتْ تَوْبَتُهُ، وَغَيْرُ المحارب مساير فَضَعُفَتْ تَوْبَتُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّقِيَّةَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ تَوْبَةِ الْمُحَارِبِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْقُدْرَةِ فَزَالَتِ التُّهْمَةُ عنه إن تظاهر بها بخوف وحذر والتقية متوجه إِلَى غَيْرِ الْمُحَارِبِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْقُدْرَةِ فَلَحِقَتْهُ التهمة في الظاهر بِهَا مِنْ خَوْفٍ وَحَذَرٍ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا مِنْ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ مَا تَزُولُ بِهِ التُّهْمَةُ.

(فصل)

فإذا تقرر ما ذكرنا من فرق ما بَيْنَ الْحِرَابَةِ وَغَيْرِ الْحِرَابَةِ فِي شُرُوطِ التَّوْبَةِ وسقوط الحدود بها في الحالين وجب تفصيلها وشرح الحكم فيها.
فَنَقُولُ: أَمَّا التَّوْبَةُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ فَلَا تَأْثِيرَ لها فيها فِي إِسْقَاطِ حَدٍّ وَلَا حَقٍّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا مَشْرُوطَةً بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى أَهْلِهَا بقوله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ وَعَدَمِ الشَّرْطِ، وَأَمَّا التَّوْبَةُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَهِيَ الْمُؤَثِّرَةُ فِي سُقُوطِ حُدُودِ الْحِرَابَةِ، وَفِي إِسْقَاطِهَا لِحُدُودِ غَيْرِ الْحِرَابَةِ قَوْلَانِ، فَأَمَّا حُدُودُ الْحِرَابَةِ فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا اخْتَصَّ بِالْحِرَابَةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: انْحِتَامُ الْقَتْلِ، وَالصَّلْبِ، وَقَطْعُ الرِّجْلِ، فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ انْحِتَامُ قَتْلِهِ وَيَصِيرُ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِ الْوَلِيِّ، وَيَسْقُطُ صَلْبُهُ وَقَطْعُ رِجْلِهِ فِي أَخْذِ الْمَالِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يَخْتَصُّ بِالْحِرَابَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا سَوَاءً وَهُوَ حَدُّ الزِّنَا، وشرب الخمر، وقطع السرقة، ففي سقوطه بِالتَّوْبَةِ فِي الْحَالَيْنِ قَوْلَانِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اختلف فيه وهو قطع اليد وأخذ الْمَالِ فِي الْحِرَابَةِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، أَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْحِرَابَةِ؛ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ بِأَخْذِ الْمَالِ فِي غَيْرِهَا.
فعلى هذا يعتبر فِيهَا التَّوْبَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ، وَفِي سُقُوطِهِ بِهَا قَوْلَانِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ قَطْعَهَا مُخْتَصٌّ بِحُدُودِ الْحِرَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لِلْمُجَاهَرَةِ بِأَخْذِ الْمَالِ وتقطع في غير المحاربة للإسرار بأخذ المال فاختلف موجبهما، فعلى هذا يعتبر فِيهَا تَوْبَةُ الْحِرَابَةِ وَيَسْقُطُ قَطْعُهَا قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا يَسْقُطُ بِهَا قَطْعُ الرِّجْلِ، فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَلَا يسقط بِالتَّوْبَةِ فِي الْحَالَيْنِ، وَوَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَأَسْقَطَ بِهَا حَدَّ الْقَذْفِ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى بَدَلٍ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ تَتَنَوَّعُ وَجَمِيعُهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ مُتَمَاثِلٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة)

قال الشافعي: " ولو شهد شاهدان من الرفقة أن هؤلاء عرضوا لنا فنالونا وَأَخَذُوا مَتَاعَنَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ وَيَسَعُهُمَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّ هَؤُلَاءِ عَرَضُوا لِهَؤُلَاءِ فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذَا وَكَذَا وَأَخَذُوا مِنْهُمْ كَذَا وَكَذَا وَنَحْنُ نَنْظُرُ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَكْشِفَهُمَا عن غيره ذلك ". قال الماوردي: وهذا صحيح، إذا اخبر جماعة ادعوا عَلَى قَوْمٍ أَحْضَرُوهُمْ أَنَّهُمْ قَطَعُوا عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ وَأَخَذُوا مِنْهُمْ أَمْوَالًا وَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَإِنِ اعترفوا لهم طوعاً بما ادعوا أُخِذُوا بِإِقْرَارِهِمْ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، وَإِنْ أَنْكَرُوهُمْ أحلفوهم إِنْ عَدِمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِمْ، وَإِنِ اعْتَرَفَ بَعْضُهُمْ وأنكر بعضهم حد الْمُعْتَرِفُ مِنْهُمْ بِإِقْرَارِهِ، وَأُحْلِفَ الْمُنْكِرُ، وَلَمْ تُسْمَعْ شَهَادَةُ الْمُعْتَرِفِ عَلَى الْمُنْكِرِ لِفِسْقِهِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، فإن شهد للمدعين شَاهِدَانِ فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَطَعُوا عَلَيْنَا الطَّرِيقَ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَنَا، وَقَتَلُوا مِنَّا نُفُوسًا لَمْ تقبل شهادتهم؛ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُمَا قَدْ صَارَا خَصْمَيْنِ مِنْ جملة المدعين لم يَتَمَيَّزُوا عَنْهُمْ فِي الشَّهَادَةِ لَهُمْ وَلِأَنْفُسِهِمْ، وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ دَعْوَى تُرَدُّ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمَا فِي حَقِّهِمَا وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا قَدْ صَارَا بِهَذَا الْقَوْلِ عَدُوَّيْنِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِمْ وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ مَرْدُودَةٌ.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ أُمَّهُمَا وَقَذَفَ زَيْدًا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا فِي قَذْفِ أُمِّهِمَا، وَهَلْ تُرَدُّ فِي قَذْفِ زَيْدٍ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ فِي الشهادة على قطاع الطريق تُرَدّ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا وَتَكُونُ فِي حُقُوقِ غيرهما على قولين.
قيل: إذا استعملت الشَّهَادَةُ عَلَى أَمْرَيْنِ تُرَدُّ فِي أَحَدِهِمَا وَلَا تُرَدُّ فِي الْآخَرِ لَمْ يَخْلُ حَالُهَا فِيمَا رُدَّتْ فِيهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ تُرَدَّ بِعَدَاوَةٍ أَوْ تُهْمَةٍ، فَإِنْ رُدَّتْ لِعَدَاوَةٍ لَمْ تُسْمَعْ فِي الْآخَرِ، وَإِنْ رُدَّتْ لِتُهْمَةٍ سُمِعَتْ فِي الْآخَرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعَدَاوَةَ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ وَالتُّهْمَةُ تُوجَدُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا تُوجَدُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ رُدَّتْ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَجَازَ أَنْ تُقْبَلَ فِي الْقَذْفِ.

(فَصْلٌ)

وَلَوِ ابْتَدَأَ الشَّاهِدَانِ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَطَعُوا عَلَى

هَؤُلَاءِ الطَّرِيقَ، وَأَخَذُوا مِنَ الْأَمْوَالِ كَذَا، وَقَتَلُوا مِنَ النُّفُوسِ كَذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يكونان بمعزل على المدعين فيشاهدوا قطع الطريق، وَلَا يَسْأَلُهُمُ الْحَاكِمُ هَلْ كَانَا مَعَهُمْ أَمْ لا؟ وقال بعض العراقيين: لا يحكم بشاهدتهما حَتَّى يَسْأَلَهُمَا هَلْ كَانَا مَعَ الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَا: لَا حُكِمَ لَهَا، وَإِنْ قَالَا: نَعَمْ لَمْ يُحْكَمْ؛ لِأَنَّ مَا احْتَمَلَ الْقَبُولَ وَالرَّدَّ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ تَصْرِفُ الشَّهَادَةَ إِلَى الصِّحَّةِ دُونَ الْفَسَادِ كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُمَا وَإِنْ جَازَ كَذِبُهُمَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ الِاحْتِمَالُ طَرِيقًا إِلَى رَدِّهَا إِذَا أوجب الظاهر قبولهما.

(مسألة)

قال الشافعي: " وإذا اجتمعت على رجل حدود وقذف بُدِئَ بِحَدِّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ثُمَّ حُبِسَ فإذا برأ حد في الزنا مائة جلدة فإذا برأ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ خِلَافٍ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لِلسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطريق معاً ورجله لِقَطْعِ الطَّرِيقِ مَعَ يَدِهِ ثُمَّ قُتِلَ قَوَدًا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى رَجُلٍ حُدُودٌ مِنْ جَلْدٍ، وَقَطْعٍ، وَقَتْلٍ، بُدِئَ بِالْجَلْدِ، ثُمَّ بالقطع، ثم يالقتل، ولا يسقط بالقتل ما عداه.
وقال أبة حَنِيفَةَ: إِذَا اجْتَمَعَ مَعَهَا قَتْلٌ سَقَطَ بِالْقَتْلِ مَا عَدَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا قَتْلٌ كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِي الْبِدَايَةِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْجَلْدِ أَوِ الْقَطْعِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْقَتْلَ أَعَمُّ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا دُونَهُ، وَيَتَسَاوَى مَا عداه فلم يتعين تقديم بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ.
وَدَلِيلُنَا: عُمُومُ الظَّوَاهِرِ فِي الْحُدُودِ الْمُوجِبِ لِاسْتِيفَائِهَا، وَلِأَنَّهَا حُدُودٌ لَا تَتَدَاخَلُ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَتَدَاخَلَ فِي الْقَتْلِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ انْفِصَالٌ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ، فَأَمَّا تَقْدِيمُ الْجَلْدِ عَلَى الْقَطْعِ فَلِأَنَّهُ أَخَفُّ وَأَسْلَمُ مِنَ الْقَطْعِ الَّذِي فِيهِ إِرَاقَةُ دم واستهلاك؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قُدِّمَ عَلَيْهِ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ ما وصفنا مِنْ سُقُوطِ التَّدَاخُلِ وَوُجُوبِ الْبِدَايَةِ بِالْأَخَفِّ فَالْحُدُودُ إِذَا اجْتَمَعَتْ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: جَلْدٌ، وَقَطْعٌ، وَقَتْلٌ، فَيُقَدَّمُ الْجَلْدُ عَلَى الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ؛ لمَا ذكرنا، والجلد يستحق بِأَرْبَعَةِ أَسْبَابٍ تَعْزِيرٍ، وَقَذْفٍ، وَشُرْبِ خَمْرٍ، وَزِنَا بِكْرٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ قُدِّمَ التَّعْزِيرُ عَلَى جَمِيعِهَا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَخَفُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي الْأَغْلَبِ ثُمَّ فِيمَا يُبْدَأُ به بَعْد التَّعْزِيرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يُقَدَّمُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة، يُقَدَّمُ حَدُّ الْخَمْرِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ؛

لأنه أخف، ثم حد الزنا آخرها؛ لأنه أغلظ جلد في حق الله تعالى فَصَارَ آخِرَهَا، وَيُمْهَلُ بَيْنَ كُلِّ حَدَّيْنِ حَتَّى يَبْرَأَ إِذَا كَانَ الْقَتْلُ غَيْرَ مُنْحَتِمٍ كَالْقَتْلِ في غير الحرابة؛ لأن لا يُوَالى عَلَيْهِ بَيْنَ الْحُدُودِ فَيَتْلَفَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِهَا، فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ مُنْحَتِمًا كَالْقَتْلِ فِي الْحِرَابَةِ وَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا فَفِي الْمُوَالَاةِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْحُدُودِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوَالَى؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا لِلْبُرْءِ مَعَ انْحِتَامِ الْقَتْلِ غَيْرُ مُفِيدٍ.
وَالْوَجْهُ الثاني: يهمل بَيْنَ الْحَدَّيْنِ حَتَّى يَبْرَأَ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَتْلُ غَيْرَ مُنْحَتِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ بِالْمُوَالَاةِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا.

(فَصْلٌ)

ثُمَّ يُعْدَلُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْجَلْدِ إِلَى قَطْعِ مَا دُونَ النَّفْسِ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى الْقَتْلِ، وَمَا دُونَ النَّفْسِ مُسْتَحَقٌّ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ: قَوَدٌ فِي جِنَايَةٍ، وَقَطْعُ يَدٍ فِي سَرِقَةٍ، وَقَطْعُ يَدٍ وَرِجْلٍ فِي حِرَابَةٍ، فَيَكُونُ قَوَدُ الْجِنَايَةِ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِ مُسْتَحِقِّهِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْعَفْوَ عَنْهُ إِلَى مَالٍ سَقَطَ حُكْمُهُ وَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لسرقته وحرابته، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى لِحِرَابَتِهِ، وَجُمِعَ بَيْنَ قَطْعِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا حَدٌّ وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ مُسْتَحَقًّا فِي الْحِرَابَةِ فَلَا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّ حَدَّهُ الصَّلْبُ بَعْدَ الْقَتْلِ، وَإِنِ اخْتَارَ مُسْتَحِقُّ الْقَوَدِ الْقِصَاصَ قَدَّمَهُ عَلَى قَطْعِ السَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ، لأن مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، ثَمَّ رِجْلُهُ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ السَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ كَالْمُوضِحَةِ في الرأس واللسان والذكر، ويسرى اليد ويمنى الرجل أمهل بعد القصاص حتى يبرأ مما قطع بالسرقة وَالْحِرَابَةِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا فِي أَعْضَاءِ السَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ كَالْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى قُطِعَتْ قِصَاصًا، فإن كان اليد اليمنى دخل في الاقتصاص مِنْهَا قَطْعُ السَّرِقَةِ وَقَطْعُ الْحِرَابَةِ، وَقُطِعَتِ الرِّجْلُ الْيُسْرَى لِلْحِرَابَةِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْقِصَاصِ فِي الرِّجْلِ الْيُسْرَى دَخَلَ فِيهَا قَطْعُ الْحِرَابَةِ وَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لِلسَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ، وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْقِصَاصِ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُسْرَى دَخَلَ فيها قَطْعُ السَّرِقَةِ وَقَطْعُ الْحِرَابَةِ.

(فَصْلٌ)

ثُمَّ يُعْدَلُ بَعْدَ الْقَطْعِ إِلَى الْقَتْلِ وَلَا يُمْهَلُ إِلَى الِانْدِمَالِ، وَالْقَتْلُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ قَوَدٌ مُنْحَتِمٌ وَهُوَ الْقَتْلُ فِي الْحِرَابَةِ، وَقَوَدٌ غَيْرُ مُنْحَتِمٍ وَهُوَ الْقَتْلُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ، وَرَجْمٌ فِي زِنَا ثَيِّبٍ، وَقَتْلٌ بِرِدَّةٍ، أَوْ تَرْكُ صَلَاةٍ، فَيُقَدَّمُ قَتْلُ الْقَوَدِ فِي الْحِرَابَةِ وَغَيْرِ الْحِرَابَةِ عَلَى الرَّجْمِ فِي الزِّنَا وَالْقَتْلِ بالردة، سواء تقدم أو تأخر؛ لما تضمنهما مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي قَتْلِ القود في الحرابة والقود في غير الحرابة أيهما يقدم، فإن، قَتْلُ الْحِرَابَةِ انْحَتَمَ قَتْلُهُ قَوَدًا فِي الْحِرَابَةِ وصلب وبعد قَتْلِهِ إِنْ أَخَذَ الْمَالَ فِي الْحِرَابَةِ، وَكَانَ لِوَلِيِّ الْقَوَدِ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ أَنْ يَرْجِعَ بِالدِّيَةِ وَيَسْقُطُ رَجْمُ الزِّنَا وَقَتْلُ الرِّدَّةِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَتْلُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ على الْقَتْلِ فِي الْحِرَابَةِ قُدِّمَ الْقَوَدُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ لتقدمه على القود في الحرابة لتأخره، وَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِ وَلِيِّهِ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْمَالِ حُكِمَ بِهِ فِي مَالِ الْمُحَارِبِ وَقُتِلَ لِلْحِرَابَةِ قَوَدًا مُسْتَحَقًّا، وَإِنْ طَلَبَ الولي

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل