كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَوِ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَقُتِلَ ضَمِنَ الْقَاتِلُ قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ، وَلَمْ يَضْمَنْ مَنْفَعَتَهُ لِمُسْتَأْجِرِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَنَافِعُ مُقَوَّمَةً فِي حَقِّهِ كَذَلِكَ فِي قِيمَةِ الْبُضْعِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ الْأَبَ لَا يُخَالِعُ عَنْ بِنْتِهِ الصَّغِيرَةِ فَلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَمَلَّكَ لَهَا بِالْمَالِ مِنَ الْعَقَارِ مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهَا، وَلِأَنَّهُ بِالْخُلْعِ وَإِنْ مَلَّكَهَا بَعْضَهَا فَقَدْ أَسْقَطَ بِهِ نَفَقَتَهَا فَلِذَلِكَ يُمْنَعُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَخْلُو حَالُ الْخُلْعِ بِالْخَمْرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَهُوَ مَا مَضَى، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي خَمْرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فإذا أعطته الخمر طلقت ووجب لها عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ الْخَمْرُ عَيْنًا فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَجِّلَ بِهِ الطَّلَاقَ وَكَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي هَذَا الْخَمْرَ فَقَدْ طُلِّقَتْ وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْخَمْرَ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا مَهْرَ مِثْلِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهُ كَمَا كَانَ الْخَمْرُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَعَلَى هَذَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:؟ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَعَ تَعْيِينِ الْخَمْرِ مَهْرَ الْمِثْلِ، لِأَنَّهُ لَمَّا عين تملك ذلك الخمر فقد عين أن لا يَتَمَلَّكَ مَا سِوَى الْخَمْرِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ بَدَلِهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ مَعَ تَرْكِ التَّعْيِينِ حَقُّهُ مِنَ الْبَدَلِ، فَعَلَى هَذَا يَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ بَدَلًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَ الطَّلَاقَ مُعَلَّقًا بِدَفْعِهِ.
مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الْخَمْرَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا أَعْطَتْهُ ذَلِكَ فَفِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ بِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ بِهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ عَجَّلَ طَلَاقَهَا بِهِ رَجَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كَذَلِكَ ها هنا تُطَلَّقُ بِدَفْعِهِ وَتَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُطَلَّقُ بِدَفْعِهِ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ عَجَّلَ طَلَاقَهَا بِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، والفرق بين أن لا يُعَيِّنَ الْخَمْرَ فَتُطَلَّقَ وَبَيْنَ أَنْ يُعَيِّنَ الْخَمْرَ فَلَا تُطَلَّقَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّعْيِينِ التَّمْلِيكُ وَبِالْإِطْلَاقِ الصفة والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهِيَ طَالِقٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ حِجَّةٌ وَلَوْ تَصَادَقَا أَنَّهَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ فَهَذَا على ضربين:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَنْ طَلَبٍ مِنْهَا كَأَنَّهَا سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ، فَقَدْ طُلِّقَتْ، وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ، لِأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ طَلَبٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَبْتَدِئَهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ فَهِيَ طَالِقٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ أَرْسَلَ الطَّلَاقَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَرْطٍ فَوَقَعَ نَاجِزًا ثُمَّ ابْتَدَأَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَالَ (وَعَلَيْكِ أَلْفٌ) فَلَمْ تَلْزَمْهَا الْأَلْفُ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ، وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: وَعَلَيْكِ حَجٌّ، فَلَا يَلْزَمُهَا الْحَجُّ، وَإِذَا كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلَا أَلْفَ عَلَيْهَا، فَلَهُ الرَّجْعَةُ، لِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَسْقُطُ مَعَ اسْتِحْقَاقِ الْبَدَلِ، وَتَثْبُتُ مَعَ سُقُوطِ الْبَدَلِ، فَلَوْ أَعْطَتْهُ الْأَلْفَ لَمْ تَسْقُطِ الرَّجْعَةُ، لِأَنَّهَا ابْتِدَاءُ هِبَةٍ مِنْهَا، يُرَاعَى فِيهَا حُكْمُ الْهِبَاتِ مِنَ الْبَدَلِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ عَنْ طَلَبٍ، فَلِي عَلَيْكِ الْأَلْفُ، وَقَالَتْ: بَلْ طَلَّقْتَنِي ابْتِدَاءً، مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، فَلَا شَيْءَ لَكَ عَلَيَّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ وَقَدْ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ بَائِنًا لِإِقْرَارِهِ بِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طالق على أن عليك ألف، لم تطلق إلا أن يضمن لَهُ أَلْفًا عَلَى الْفَوْرِ فِي وَقْتِ الْقَبُولِ، لأن على حُرُوفِ الشَّرْطِ، فَصَارَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ مُعَلَّقًا بِهِ، وَلَا يُرَاعَى فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ دَفْعُ الْأَلْفِ، كَمَا وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ ضَمَانُ الْأَلْفِ، لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ قَدْ صَارَ عَلَيْهَا أَلْفٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ، كَانَ وُقُوعُ طَلَاقِهَا مُعَلَّقًا بِضَمَانِ الْأَلْفِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: (وَالْخُلْعُ فِيمَا وَصَفْتُ كَالْبَيْعِ الْمُسْتَهْلَكِ) .
يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الرُّجُوعَ عِنْدَ فَسَادِ الْعِوَضِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا يَرْجِعُ فِي الْمَبِيعِ الْمُسْتَهْلَكِ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبَدَلِ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: (وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ عَلَى أَنَّهُ هَرَوِيٌ فَرَدَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَالْخُلْعُ فِيمَا وَصَفْتُ كَالْبَيْعِ الْمُسْتَهْلَكِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ مَرَوِيٍّ، فَإِذَا هُوَ هَرَوِيٌّ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ مُعَيَّنًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مُعَيَّنًا كَأَنَّهُ قَالَ: خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ بِعَيْنِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْرُطَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ أَوْ لَا يَشْتَرِطُ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ وَلَكِنْ ظَنَّهُ مَرَوِيًّا، فَكَانَ هَرَوِيًّا، فَلَا رَدَّ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَاهُ بِظَنِّهِ مَرَوِيًّا فَكَانَ هَرَوِيًّا، لأن هذه
جَهَالَةٌ مِنْهُ بِصِفَتِهِ، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ يَخْتَصُّ بِذَاتِهِ، وَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا غَيْرَ ذَلِكَ رَدَّهُ بِهِ، وَبِمَاذَا يَرْجِعُ عَلَيْه فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بمهر المثل.
والثاني: بقيمته مرويا سليما من هَذَا الْعَيْبِ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ مَرَوِيًّا وَإِنْ شَرَطَ فِي الْخُلْعِ أَنَّهُ مَرَوِيٌّ، فقال: (قد خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ عَلَى أَنَّهُ مَرَوِيٌّ) فَإِذَا بِهِ هَرَوِيٌّ، فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ، وَلَا يَكُونُ خِلَافُ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى عَيْنِهِ أَقْوَى مِنْ ذِكْرِ صِفَتِهِ، فَصَارَ اعْتِبَارُ الْعَيْنِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَغْلَبَ مِنِ اعْتِبَارِ الصِّفَةِ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ هَرَوِيًّا كَقِيمَتِهِ مَرَوِيًّا فَلَا خِيَارَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مَرَوِيًّا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ هَرَوِيًّا فَهُوَ عَيْبٌ وَلَهُ الْخِيَارُ فَيَرُدُّهُ، وَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ بَعْدَ رَدِّهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ مَرَوِيًّا.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَصِفَهُ.
وَالثَّانِي: أَن لا يَصِفَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ وَقَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَيُّ ثَوْبٍ أَعْطَتْهُ طُلِّقَتْ بِهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الطَّلَاقِ بِلَا صِفَةٍ، وَلَا يَمْلِكُهُ بالجهالة تغليباً لحكم المعاوضة ويرجع عليا بِمَهْرِ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنْ وَصَفَهُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَلِّقَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِدَفْعِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا مَرَوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ ثَوْبًا فَكَانَ هَرَوِيًّا لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ صِفَتَهُ بِأَنَّهُ مَرَوِيٌّ صَارَتْ شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَإِذَا عُدِمَتْ لَمْ يَكْمُلْ شَرْطُ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَقَعْ، وَلَيْسَ كَالْمُعَيَّنِ الَّذِي يُغَلِّبُ حُكْمَ الْعَيْنِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى حُكْمِ الصِّفَةِ، فَإِذَا دَفَعَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ثَوْبًا مَرَوِيًّا طُلِّقَتْ بِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ قَدْ وَصَفَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَرَوِيًّا فَجَمِيعُ صِفَاتِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي السَّلَمِ مِلْكُهُ، فَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا رَدَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ مِثْلِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، وَقَدْ صَارَ مُعَيَّنًا بِالدَّفْعِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَصَارَ كَالْمُعَيَّنِ بِالْعَقْدِ فَإِذَا رَدَّهُ فَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بمهر المثل.
والثاني: بقيمته مرويا سليما من الْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ صِفَاتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي السَّلَمِ بَلْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا مَرَوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَيُّ ثَوْبٍ أَعْطَتْهُ إِنْ كَانَ مَرَوِيًّا طُلِّقَتْ
بِدَفْعِهِ لِوُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا يَمْلِكُهُ لِجَهَالَتِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بِالْعَقْدِ وَلَا مَعْلُومٍ بِالصِّفَةِ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُعَجِّلَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى ثَوْبٍ مَرَوِيٍّ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى ثَوْبٍ مَرَوِيٍّ، فَالطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ سَوَاءً اسْتَوْفَى جَمِيعَ صِفَاتِهِ أَمْ لَا؟ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ جَمِيعَ صِفَاتِهِ فَسَدَ فِيهِ الْخُلْعُ، وَإِنْ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِتَرْكِ صِفَاتِهِ مَجْهُولًا، وَإِنِ اسْتَوْفَى جَمِيعَ صِفَاتِهِ صَحَّ فِيهِ الْخُلْعُ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا ثَوْبٌ مَرَوِيٌّ عَلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ، فَإِنْ دَفَعَتْ إِلَيْهِ ثَوْبًا بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فَكَانَ مَعِيبًا، فَلَهُ رَدُّهُ وَإِبْدَالُهُ بِثَوْبٍ عَلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ سَلِيمًا مِنْ عَيْبٍ لِثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ إِذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ مَعِيبًا رَجَعَ بِمِثْلِهِ سَلِيمًا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ قُطْنٌ، فَإِذَا هُوَ كَتَّانٌ فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَدْ وَقَعَ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْعَيْنِ، وَلَا يَكُونُ بخِلَاف الْجِنْسِ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، كَمَا لَا يَكُونُ خِلَافُ الصِّفَةِ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ كَتَّانًا كَقِيمَتِهِ قُطْنًا، فَلَا رَدَّ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ فَلَهُ رَدُّهُ وَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ قُطْنًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِهِ، لِأَنَّ خِلَافَ الْجِنْسِ يَجْرِي فِي الْمُعَاوَضَةِ مَجْرَى خِلَافِ الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ لَوِ ابتاعه على أن قُطْنٌ، فَإِذَا هُوَ كَتَّانٌ، فَالْبَيْعُ فِيهِ بَاطِلٌ، ولو ابتاعه على أن مَرَوِيٌّ فَكَانَ هَرَوِيًّا فَالْبَيْعُ فِيهِ جَائِزٌ، كَذَلِكَ الْخُلْعُ إِذَا خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ عَلَى أَنَّهُ مَرَوِيٌّ فَكَانَ هَرَوِيًّا، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَوْ كَانَ كَتَّانًا لَمْ يَقَعْ.
قَالَ صَاحِبُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَقُولُ فِي الْبَيْعِ مِثْلَ قَوْلِي فِي الْخُلْعِ إنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ كَمَا أَقُولُ إِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْعَيْنِ عَلَى الْجِنْسِ كَمَا غَلَّبْنَا حُكْمَ الْعَيْنِ عَلَى الصِّفَةِ، وَلِقَوْلِهِ إِذَا سَوَّى بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَجْهٌ وَإِنْ خَالَفَ الْجُمْهُورَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: (وَلَوْ خَلَعَهَا عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ وَقْتًا مَعْلُومًا فَمَاتَ الْمَوْلُودُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُدِرُّ عَلَى الْمَوْلُودِ وَلَا تُدِرُّ عَلَى غَيْرِهِ وَيَقْبَلُ ثَدْيَهَا وَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَيَتَرَأَّمُهَا فَتَسْتَمْرِيهِ وَلَا يَسْتَمْرِي غَيْرَهَا وَلَا يَتَرَأَّمُهُ وَلَا تَطِيبُ نَفْسًا لَهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي جَوَازِ الْخُلْعِ عَلَى الرَّضَاعِ وَالْكَفَالَةِ، لِأَنَّ مَا جَازَتِ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْخُلْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ وَالرَّضَاعُ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] . فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهَا وَيُخَالِعَهَا عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَثَلُ الَّذِي يُقَاتِلُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَأْخُذُ عَلَيْهِ أجراً كمثل أم موسى ترضع ولدها تأخذ عَلَيْهِ أَجْرًا) ، فَضَرَبَ لَكَ مَثَلًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْ غَيْرِهِ بِأَجْرٍ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا بِأَجْرٍ.
قِيلَ: رَضَاعُ الْوَلَدِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْأَبِ إِذَا كَانَ بَاقِيًا دُونَ الْأُمِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] . فَكَذَلِكَ الرَّضَاعُ، لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنْ عُدِمَ الْأَبُ وَجَبَ الرَّضَاعُ عَلَى الْأُمِّ كَمَا يَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهَا إِذَا مَاتَ الْأَبُ، فَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ أَنْ تَأْخُذَ عَلَى رَضَاعِهِ أَجْرًا لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا، فَأَمَّا مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ وَوُجُوبِ رَضَاعِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرٍ، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا مَا اسْتَحَقَّ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ إِجَارَةِ نَفْسِهَا لِلرَّضَاعِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى الرَّضَاعِ.
فَأَمَّا إِذَا ارْتَفَعَتِ الزَّوْجِيَّةُ فَقَدْ زَالَ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ مَنْعِهَا، وَجَازَ أَنْ تُرْضِعَ غَيْرَ وَلَدِهَا بِأَجْرٍ، فَجَازَ أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا بِأَجْرٍ، لِأَنَّ رَضَاعَ وَلَدِهَا مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ دُونَهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْخُلْعُ عَلَى الرَّضَاعِ، لِأَنَّهَا تُرْضِعُهُ بَعْدَ الْفِرَاقِ، وَإِذَا صَحَّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ بِالْمُدَّةِ لِيَصِيرَ مَعْلُومًا يَنْتَفِي عَنْهُ الْجَهَالَةُ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهَا فِي الْخُلْعِ رَضَاعَ وَلَدِهِ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لَمْ تَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ حَضَانَةِ الْوَلَدِ وَكَفَالَتِهِ وَالْقِيَامِ بِتَرْبِيَتِهِ وَغَسْلِ خِرَقِهِ وَحَمْلِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ دُخُولَهَا فِي الْخُلْعِ، أَوْ فِي الْإِجَارَةِ فَيَدْخُلَ فِيهِ وَتُؤْخَذَ الْأُمُّ الْمُسْتَأْجَرَةُ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا خُرُوجَهَا مِنَ الْخُلْعِ، أَوْ مِنَ الْإِجَارَةِ فَتَخْرُجَ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْأُمَّ أَنْ تُؤْخَذَ بِهِ، وَعَلَى الْأَبِ أَنْ يُقِيمَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ، وَيَقُومُ بِحَمْلِهِ وَتَنْظِيفِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْلَقَ عَقْدُ الْخُلْعِ، أَوِ الْإِجَارَةِ فِي الرَّضَاعِ فَلَا يُشْتَرَطُ دُخُولُ الْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِ فِيهِ، وَلَا خُرُوجُهُ مِنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ وَجْهَيْ أَصْحَابِنَا فِي الْمَقْصُودِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ.
فأحذ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ الرَّضَاعُ وَالْقِيَامُ بِالْخِدْمَةِ تَبَعٌ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهَا الْقِيَامُ بِخِدْمَتِهِ تَبَعًا، لِمَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهَا مِنْ رَضَاعِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِجَارَةِ الْخِدْمَةُ، لِأَنَّ لَبَنَ الرَّضَاعِ غَيْرُ مَجْهُولَةٍ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا مِنَ الْقِيَامِ بِالْخِدْمَةِ فَصَارَ الرَّضَاعُ تَبَعًا لِمَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْقِيَامِ بِالْخِدْمَةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّضَاعِ عَلَيْهَا الْقِيَامُ بِخِدْمَتِهِ إِلَّا بِشَرْطٍ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مَعْلُولٌ، لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ لِهَذَا الْمَعْنَى الرَّضَاعُ تَبَعًا لِلْقِيَامِ بِالْخِدْمَةِ لَمَا جَازَ إِفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ إِذَا شَرَطَ فِيهِ إِسْقَاطَ الْقِيَامِ بِالْخِدْمَةِ وَمَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَمْنَعُ مِنْهُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ الْخُلْعِ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ فَمَاتَ الْوَلَدُ فَفِي بُطْلَانِ الْخُلْعِ بِمَوْتِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَبْطُلُ وَلِلْأَبِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِغَيْرِهِ لِتُرْضِعَهُ حَوْلَيْنِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَلَدَ فِي الرَّضَاعِ مُسْتَوْفٍ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ وَمَوْتُ الْمُسْتَوْفِي لِمَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، كَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَمَاتَ لَمْ تَبْطُلِ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ وَقَامَ غَيْرُهُ فِي الرُّكُوبِ مَقَامَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ هَا هُنَا أَنَّ الْخُلْعَ قَدْ بَطَلَ بِمَوْتِهِ لِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا لَا تَدُرُّ عَلَى غَيْرِ وَلَدِهَا وَلَا يَسْتَمْرِي غَيْرُ وَلَدِهَا لَبَنَهَا كَمَا يَسْتَمْرِيهِ وَلَدُهَا وَلَا يَتَرَأَّمُهُ غَيْرُ وَلَدِهَا كَمَا يَتَرَأَّمُهُ وَلَدُهَا هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمَعْنَى: يَتَرَأَّمُهَا أَيْ: يستلذه.
والعلة الثانية: أن ما يرتوي كُلَّ طِفْلٍ مِنَ اللَّبَنِ مُخْتَلِفٌ فَبَعْضُهُمْ يَرْتَوِي بِالْقَلِيلِ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَرْتَوِي إِلَّا بِالْكَثِيرِ، وَبَعْضُهُمْ يَرْتَوِي بِسُهُولَةٍ، وَبَعْضُهُمْ بِعُنْفٍ فَذَلِكَ لَمْ يَقُمْ فِيهِ وَاحِدٌ مَقَامَ وَاحِدٍ وَكَانَ الْمُعَيَّنُ فِيهِ مُتَعَيَّنًا بِالْعَقْدِ فَعَلَى اخْتِلَافِ هَذَيْنِ التَّعْلِيلَيْنِ لَوْ خالعها وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا فَمَاتَ كَانَ لَهُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ إِبْدَالُهُ بِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي أَنْ يُبَدِّلَهُ، وَهَكَذَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى وَلَدِهِ مِنْهَا، وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ آخَرُ فَلَهُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقِيمَهُ مَقَامَ الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِ الْخُلْعِ وَأَنْ لَيْسَ لَهُ إِبْدَالُ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِهِ فَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهما قَوْلَانِ مَضَيَا:
أَحَدُهُمَا: بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: بِأُجْرَةِ رَضَاعِ الْحَوْلَيْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الْخُلْعَ لَا يَبْطُلُ وَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِغَيْرِهِ فَإِنْ أَتَاهَا بِغَيْرِهِ أَرْضَعَتْهُ تَمَامَ الْحَوْلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِهَا بِغَيْرِهِ حَتَّى مَضَى الْحَوْلَانِ ففيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا بَذَلَتْ لَهُ الرَّضَاعَ فَكَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَمُكِّنَ مِنْهَا فَلَمْ يَسْكُنْهَا حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ لَا يَسْقُطُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ عَيْنٌ وَالْأَعْيَانُ إِذَا قُلْتَ تَسْلِيمُهَا بِتَرْكِ مُسْتَحِقِّهَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْهَا كَمَنِ ابْتَاعَ عَيْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى هَلَكَتْ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى بَائِعِهَا، كَذَلِكَ فَوَاتُ اللَّبَنِ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَانِهِ أَنْ يَسْتَرْضِعَهَا وَلَدًا وَيَصِيرُ كَالْخُلْعِ عَلَى فَائِتٍ فَفِيمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: أُجْرَةُ رَضَاعِ الْحَوْلَيْنِ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا إِذَا مَاتَتِ الْمُرْضِعَةُ فَقَدْ بَطَلَ الْخُلْعُ بِمَوْتِهَا، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، لِأَنَّ الْعَقْدَ مُعَيَّنٌ فِي لَبَنِهَا، وَهَكَذَا لَوْ لَمْ تَمُتْ، وَلَكِنْ جَفَّ لَبَنُهَا وَانْقَطَعَ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ اللَّبَنَ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِا وَقَدْ فَاتَ بِذَهَابِهِ، كَمَا فَاتَ بِمَوْتِهَا فَيَكُونُ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى.
فَأَمَّا إِنْ قَلَّ لَبَنُهَا وَلَمْ يَنْقَطِعْ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ بَعْدَ قِلَّتِهِ يَرْوِي الْوَلَدَ، فَالْخُلْعُ بِحَالِهِ، وَلَا خِيَارَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْوِيهِ لَمْ يَبْطُلْ فِيهِ الْخُلْعُ، لَكِنَّ الزَّوْجَ فِيهِ بِالْخِيَارِ، لِأَنَّ نَقْصَهُ عَيْبٌ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ، وَيُكْمِلَ إِرْضَاعَ وَلَدِهِ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ، وَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ بَعْدَ فسخه قولان والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ لَهُ أَبُو امْرَأَتِهِ طَلِّقْهَا وَأَنْتَ برئ من صداقها فطلقها ومهرها عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا وَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مُخَالَفَةَ الزَّوْجِ مَعَ أَبِي الزَّوْجَةِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُخَالِعَهُ عَنْهَا بِمَالِهِ فَيَقُولُ لَهُ: طَلِّقْ بِنْتِي بِأَلْفٍ لَكَ عَلَيَّ أَوْ بِهَذَا الْعَبْدِ الَّذِي لِي، فَهَذَا خُلْعٌ جَائِزٌ لَوْ فَعَلَهُ الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ الْأَبِ مِنَ الْأَجَانِبِ جَازِ فَكَانَ الْأَبُ أَجْوَزَ، فَإِذَا طَلَّقَهَا وَجَبَ لَهُ عَلَى الْأَبِ مَا بَذَلَهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُخَالِعَهُ الْأَبُ عَلَى مَالِهَا، كَأَنَّهُ قَالَ لِلزَّوْجِ: طَلِّقْهَا بِأَلْفٍ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي لَهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِهَا وَهِيَ جَائِزَةُ الْأَمْرِ، كَانَ الْأَبُ وَكِيلًا فِي الْخُلْعِ، صَحَّ خُلْعُهُ، كَمَا يَصِحُّ خُلْعُ الْوَكِيلِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهَا فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ جَائِزَةَ الْأَمْرِ أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ مَعَ رُشْدِهَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا، وَمَعَ الْحَجْرِ عَلَيْهَا يَتَصَرَّفُ فِي حِفْظِهِ دُونَ
إِتْلَافِهِ فِي الْخُلْعِ بِمَالِهَا فَرُدَّ كَمَا تُرَدُّ هِبَاتُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ طَلَاقُ الزَّوْجِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَاجِزًا أَوْ مُقَيَّدًا، فَإِنْ كَانَ نَاجِزًا وَقَعَ رَجْعِيًّا وَلَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُخَالِعْهُ وَلَا عَلَى الْأَبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ مُقَيَّدًا كَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُهَا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي لَهَا فَطَلَاقُهُ لَا يَقَعُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ وُقُوعَهُ مُقَابِلًا لِتَمَلُّكِ الْعَبْدِ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكِ الْعَبْدَ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَقَعْ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُخَالِعَهُ الْأَبُ عَلَى صَدَاقِهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْخُلْعُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ صَدَاقَهَا كَسَائِرِ أَمْوَالِهَا لَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُبَرِّئَ مِنْهُ، كَمَا لَا يُبَرِّئُ مِنْ غَيْرِهِ سَوَاءً قِيلَ إِنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ الْأَبَ وَإِنْ جَعَلَ بِيَدِهِ عُقْدَةَ النِّكَاحِ، فَلَيْسَ لَهُ الْإِبْرَاءُ مِنَ الصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُخَالِعَهُ بِصَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ عُقْدَةَ النِّكَاحِ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْكَلَامُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ كَوْنِهِ نَاجِزًا أَوْ مُقَيَّدًا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، وَإِنَّهُ يَمْلِكُ إِبْرَاءَ الزَّوْجِ مِنْ صَدَاقِ بِنْتِهِ الْبِكْرِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَفِي جَوَازِ مُخَالَفتِهِ لِلزَّوْجِ عَلَى صَدَاقِهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُبْرِئَهُ بِغَيْرِ خُلْعٍ وَلَا مُعَاوَضَةٍ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُبْرِئَهُ بِخُلْعٍ وَمُعَاوَضَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ خُلْعُهُ وَإِنْ جَازَ إِبْرَاؤُهُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَوَّزَ لَهُ الْإِبْرَاءَ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَهَذَا قَبْلَ الطَّلَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهَا مِنَ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَالْخُلْعَ مُسْقِطٌ لِحَقِّهَا مِنْ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَسُكْنَاهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْإِبْرَاءَ نُدِبَ إِلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْغِيبِ الْخُطَّابِ فِيهَا، وَالْخُلْعَ مُنَفِّرٌ عَنْهَا فَافْتَرَقَ الْإِبْرَاءُ وَالْخُلْعُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، فَلِذَلِكَ جَازَ إِبْرَاؤُهُ وَلَمْ يَجُزْ خُلْعُهُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي إِبْرَاءِ الأب له في الخلع، فإن فيه ثلاثة مَسَائِلَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ لَهُ: طَلِّقْهَا وَأَنْتَ برئ مِنْ صَدَاقِهَا، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَقَعَ طَلَاقُهُ، لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ نَاجِزًا وَلَا يَبْرَأُ مِنَ الصَّدَاقِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ الضَّمَانُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ وَيَكُونُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَمْلِكْ فِيهِ عِوَضًا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ الْأَبُ: طَلِّقْهَا عَلَى أَنَّكَ برئ مِنْ صَدَاقِهَا، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ عَلَى هَذَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ مُقَيَّدًا فَإِذَا لَمْ يَبْرَأْ لَمْ يَقَعْ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ الْأَبُ: طَلِّقْهَا عَلَى صَدَاقِهَا عَلَى أَنَّنِي ضَامِنُهُ لَكَ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو صَدَاقُهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِتَمَلُّكِ تِلْكَ الْعَيْنِ، وَهِيَ لَا تُمَلَّكُ بِضَمَانِ الْأَبِ فَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنَ الصَّدَاقِ، وَالْأَبُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى إِبْرَائِهِ مِنْهُ بِالْغُرْمِ عَنْهُ، لَكِنْ يَكُونُ بِالْخُلْعِ فَاسِدًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَبْرَأُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ ضَمَانُ الصَّدَاقِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ عَنْهَا، لِأَنَّ الضَّمَانَ يَصِحُّ فِيمَا كَانَ مَضْمُونَ الْأَصْلِ فَيَقُومُ الضَّامِنُ فِي لُزُومِ الضَّمَانِ مَقَامَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمِ الْأَبَ ذَلِكَ الضَّمَانُ فَقَدْ خَالَعَ الزَّوْجَ عَلَى مَا قَدْ فَسَدَ فِيهِ الْخُلْعُ فَلَزِمَهُ الْبَدَلُ وَفِيمَا يَلْزَمُهُ قَوْلَانِ كَمَا لَوْ خُولِعَ عَلَى فَائِتٍ:
أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: يَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: مِثْلُ تِلْكَ الْأَلْفِ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ تَخْتَلِفُ أَجْوِبَتُهَا لِاخْتِلَافِ معانيها.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ أَخَذَ مِنْهَا أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا إِلَى شَهْرٍ فَطَلَّقَهَا فَالطَّلَاقُ ثَابِتٌ وَلَهَا الْأَلْفُ وَعَلَيْهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَلَامٌ مُحْتَمَلٌ قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهِ وَيَتَضَمَّنُ أَرْبَعَ مَسَائِلَ تَسْتَوْفِي جَمِيعَ تَأْوِيلَاتِهِ:
إِحْدَاهُنَّ: أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ، فَهَذَا خُلْعٌ فَاسِدٌ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَلَمٌ فِي طَلَاقٍ وَالسَّلَمُ فِيهِ لَا يَصِحُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عُقِدَ عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ فِيهِ التَّأْخِيرُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا وَطَلَّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ رَدِّ الْأَلْفِ عَلَيْهَا بَعْدَ التَّنَازُعِ وَفَسَادِ الْخُلْعِ، وَالْحُكْمُ يَرُدُّ الْأَلْفَ فَالطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِرَدِّ الْأَلْفِ يَرْفَعُ حُكْمَ الْعَقْدِ فَصَارَ كَالْمُطَلِّقِ بِغَيْرِ عقد.
والضرب الثاني: أن لا يسترجعَ مِنْهُ الْأَلْفُ، وَلَا يقضي عَلَيْهِ بِرَدِّهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا فَيُنَظَرُ فِي زَمَانِ طَلَاقِهِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ فَهُوَ طَلَاقٌ فِي غَيْرِ خُلْعٍ، لِأَنَّ عَقْدَ الْخُلْعِ كَانَ عَلَى إِيقَاعِ الطَّلَاقِ فِيهِ بَعْدَ شَهْرٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ رَجْعِيًّا لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ عِوَضٌ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ، فَهُوَ طَلَاقٌ فِي خُلْعٍ فَاسِدٍ، فَيَكُونُ الطَّلَاقُ بَائِنًا لَا رجعة فيه،
لِبَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى فَسَادِهِ، وَيَسْتَحِقُّ فِيهِ الْبَدَلَ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَصِيرُ الْعِوَضُ بِهَذَا الْفَسَادِ مَجْهُولًا أَمْ لَا؟ .
فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: قَدْ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى جَهَالَتِهِ لِأَنَّ الْأَجَلَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ يَأْخُذُ مِنْهُ حَظًّا مَجْهُولًا فَصَارَ الْبَاقِي مِنْهُ مَجْهُولًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْعِوَضَ الْمَجْهُولَ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ الْعِوَضُ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ فِي أَجَلِهِ الْمَشْرُوطِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى سُقُوطِه مَا قَابَلَهُ مِنَ الْعِوَضِ فَكَانَ مَعْلُومًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: مِثْلُ الْأَلْفِ.
(فَصْلٌ:)
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْحَالِ طَلَاقًا يَسْتَدِيمُ تَحْرِيمَهُ إِلَى شَهْرٍ، فَإِذَا مَضَى الشَّهْرُ عَادَتْ إِلَى إِبَاحَتِهِ، فَهَذَا فَاسِدٌ، لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ لَا يَتَقَدَّرُ وَزَمَانَهُ لَا يَنْحَصِرُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخُلْعَ مَا مَلَكَتْ بِهِ نَفْسَهَا، وَهَذِهِ لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ مُؤَبَّدًا، لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ عَنْ بَدَلٍ فَاسِدٍ.
فَعَلَى قَوْلِ الْبَغْدَادِيِّينَ هُوَ مَعَ الْفَسَادِ مَجْهُولٌ، فَيَكُونُ لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَعَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ هُوَ مَعَ الْفَسَادِ مَعْلُومٌ فَيَكُونُ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ قَوْلَانِ.
(فَصْلٌ:)
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ وَقْتِهِ إِلَى شَهْرٍ، فَأَيُّ وَقْتٍ طَلَّقَهَا فِيهِ قَبْلَ الشَّهْرِ وَقَعَ طَلَاقُهُ فِي الْخُلْعِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ خُلْعًا فَجَعَلَ الشَّهْرَ أَجَلًا لِصِحَّةِ الْخُلْعِ فِيهِ وَرَفْعًا لَهُ بَعْدَ تَقَضِّيهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخُلْعَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْأَجَلَ لَمْ يَدْخُلْ فِي عَقْدِهِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ فِي رَفْعِهِ وَأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِهِ: مَتَى أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فِي هَذَا الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيَكُونُ خُلْعًا جَائِزًا، فَعَلَى هَذَا إِنْ طَلَّقَهَا فِي الشَّهْرِ، فَهُوَ طَلَاقٌ فِي خُلْعٍ صَحِيحٍ يَقَعُ بَائِنًا، وَيَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الشَّهْرِ فَهُوَ طَلَاقٌ فِي غَيْرِ خُلْعٍ يَقَعُ رَجْعِيًّا، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخُلْعَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ دُخُولَ الْأَجَلِ فِيهِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ كَدُخُولِهِ فِيهِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فِي أَنَّهُ مُؤَجَّلٌ غَيْرُ مُطْلَقٍ، فَعَلَى هَذَا، إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الشَّهْرِ فَهُوَ طَلَاقٌ فِي خُلْعٍ فَاسِدٍ، يَقَعُ بَائِنًا وَيَصِيرُ الْبَدَلُ فِيهِ مَجْهُولًا عَلَى قَوْلِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ لَهَا الْمِثْلُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الشَّهْرِ فَهُوَ طَلَاقٌ فِي غَيْرِ خُلْعٍ يَكُونُ رَجْعِيًّا وَلَا شَيْءَ لَهُ.
(فَصْلٌ:)
وَالْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْحَالِ طَلَاقًا تَعَلَّقَ وُقُوعُهُ بِرَأْسِ الشَّهْرِ، فَيَقُولُ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ عَلَى هَذَا الْأَلْفِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ هَذَا الْخُلْعِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خُلْعٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ عَقْدَ الطَّلَاقِ مُعَجَّلٌ، وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهُ مُؤَجَّلًا، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ قَبْلَ الشَّهْرِ زَوْجَةً يَسْتَبِيحُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، طُلِّقَتْ طَلَاقًا بَائِنًا بِالْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ، وَاسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْأَلْفِ بِصِحَّةِ الْخُلْعِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ خُلْعٌ فَاسِدٌ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بِالطَّلَاقِ حَالُ وُقُوعِهِ دُونَ عَقْدِهِ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُطَلِّقُ امْرَأَةً فَقَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَحْنَثْ بِقَوْلِهِ، فَإِذَا دَخَلَتِ الدَّارَ حَنِثَ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ مُؤَجَّلًا فَصَارَ طَلَاقًا إِلَى أَجَلٍ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِيرُ مَالِكًا لِلْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَهَا بِالطَّلَاقِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ طُلِّقَتْ طَلَاقًا بَائِنًا، سَوَاءً قُضِيَ عَلَيْهِ بِرَدِّ الْأَلْفِ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ طَلَاقٌ قَدِ انْعَقَدَتْ صِفَتُهُ بِالْبَدَلِ فَلَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى رَدِّهِ فَوَقَعَ، وَالْبَدَلُ فِيهِ مَعْلُومٌ عَلَى قَوْلِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ فَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ المثل.
والثاني: مثل الألف.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَتَا طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ ثُمَّ ارْتَدَّتَا فَطَلَّقَهُمَا بَعْدَ الرِّدَّةِ وَقَفَ الطَّلَاقُ فَإِنْ رَجَعَتَا فِي الْعِدَّةِ لَزِمَهُمَا وَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعَا حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ فَقَالَتَا لَهُ طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ، فَمِنْ تَمَامِ هَذَا الطَّلَبِ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهُ عَلَى الْفَوْرِ جَوَابًا لَهُمَا، لِأَنَّهَا إِجَابَةٌ يُرَاعَى فِيهَا على الْفَوْر، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهُمَا حَتَّى تَرَاخَى الزَّمَانُ، بَطَلَ حُكْمُ الطَّلَبِ، وَصَارَ مُبْتَدِئًا بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ فِيهِ الْعِوَضَ بَلْ قَالَ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا سَوَاءً قَبِلَتَاهُ أَمْ لَا، وَسَوَاءً بَذَلَتَا عَلَيْهِ عِوَضًا أَمْ لَا، لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مُجَرَّدٌ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ فِيهِ، أَوْ طَلَبٍ تَقَدَّمَهُ، وَيَكُونُ مَا بَذَلَتَاهُ مِنَ الْعِوَضِ بَعْدَهُ هِبَةً مِنْهُمَا يُرَاعَى فِيهما حُكْمُ الْهِبَاتِ وَلَا يَرْتَفِعُ بِهَا الرَّجْعَةُ، وَإِنْ شَرَطَ فِيهِ الْعِوَضَ فَقَالَ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ عَلَى أَلْفٍ فَإِنْ قَبِلَتَا ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْحَالِ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا بِالْبَذْلِ وَالْقَبُولِ، فَاسْتَحَقَّ فِيهِ الْبَدَلَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلَاهُ لَمْ يَقَعْ، لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ، فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَسَأَلَتَاهُ أَنْ يُطَلِّقَهُمَا عَلَى الْأَلْفِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُطَلِّقَهُمَا مَعًا فِي الْحَالِ فَقَدْ أَجَابَهُمَا إِلَى مَا سَأَلَتَاهُ وَوَقَعَ طَلَاقُهُمَا بَائِنًا ثُمَّ لَا تَخْلُو حَالُهُمَا فِي الْأَلْفِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُبَيِّنَا مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنَ الْأَلْفِ، وَإِمَّا أَنْ يُطْلِقَاهُ، فَإِنْ بَيَّنَتَاهُ مِنْ تساوٍ أَوْ تَفَاضُلٍ فَجَعَلَتَا الْأَلْفَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوِ الْتَزَمَتْ مِنَ الْأَلْفِ بِمِائَةٍ وَالْأُخْرَى تِسْعِمِائَةٍ صَحَّ الْعِوَضُ، وَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا سَمَّتْهُ مِنَ الْأَلْفِ، وَإِنْ أَطْلَقَتَا الْأَلْفَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُفَصِّلَا مَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَفِيهِ قَوْلَانِ كَمَنْ أَصْدَقَ زَوْجَتَيْنِ أَلْفًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يفصل مهر كل احدة مِنَ الْأَلْفِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخُلْعَ بِالْأَلْفِ بَاطِلٌ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ الصَّدَاقَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ قِسْطَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنَ الْأَلْفِ مَجْهُولٌ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي الْخُلْعِ مَهْرُ مِثْلِهَا كَمَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ فِي الصَّدَاقِ مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْخُلْعَ بِالْأَلْفِ صَحِيحٌ، وَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الصَّدَاقَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ مَا جَمَعَتْهُ الصَّفْقَةُ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، يَسْقُطُ الْبَدَلُ فِيهِ عَلَى الْقِيَمِ كمن اشترى عبدين بألف فعلى هذا يسقط الْأَلْفَ بَيْنَهُمَا فِي الْخُلْعِ عَلَى مُهُورِ أَمْثَالِهِمَا فَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنَ الْأَلْفِ قِسْطُهَا مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، كَمَا قُسِّطَتِ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا فِي الصَّدَاقِ عَلَى مُهُورِ أَمْثَالِهِمَا، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنَ الْأَلْفِ بِقِسْطِهَا مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِ إحداهما ألف، وَمَهْرُ الْأُخْرَى خَمْسَمِائَةٍ، فَتَكُونُ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا يخص التي مهر مثلها ألف ثلثا الألف، وَالَّتِي مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُمِائَةٍ ثُلُثُ الْأَلْفِ فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إِذَا طَلَّقَهُمَا فِي الْحَالِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا فِي الْحَالِ، دُونَ الْأُخْرَى فَقَدْ طُلِّقَتْ بَائِنًا، وَعَلَيْهَا مِنَ الْأَلْفِ إِنْ سَمَّتْ شَيْئًا مَا سَمَّتْهُ وَإِنْ لَمْ تُسَمِّ شَيْئًا كَانَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَالثَّانِي: بِقِسْطِهِ مِنَ الْأَلْفِ.
فَأَمَّا الْأُخْرَى فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ.
والقسم الثالث: أن لا يطلقهما فِي الْحَالِ فَلَا طَلَاقَ وَلَا عِوَضَ، فَإِنِ اسْتَأْنَفَ طَلَاقًا كَانَ كَالْمُبْتَدِئِ فَيَكُونُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا ف
َمَسْأَلَةُ
الْكِتَابِ أَنْ يُطَلِّقَهُمَا بِالْأَلْفِ بَعْدَ مَسْأَلَتِهِمَا، وَيَكُونَ مِنْهُمَا بَعْدَ الْمَسْأَلَةِ ارْتِدَادٌ عَنِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ نَاجِزًا بِالْبَدَلِ الْمُسَمَّى عَلَى مَا مَضَى وَمَا حَدَثَ مِنْ رِدَّتِهِمَا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِمَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ، وَعِدَّتُهُمَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَرْتَدَّا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ سُؤَالِهِمَا فِي الْحَالِ، وَقَبْلَ الطَّلَاقِ فَيُطَلِّقَهُمَا الزَّوْجُ فِي الْحَالِ بَعْدَ الرِّدَّةِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ لِسُؤَالِهِمَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَتَانِ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهِمَا، فَقَدْ بَانَتَا بِالرِّدَّةِ وَالطَّلَاقُ بَعْدَهَا غَيْرُ وَاقِعٍ عَلَيْهِمَا، فَلَا يَلْزَمُهُمَا شَيْءٌ أَقَامَتَا عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ عَادَتَا إِلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِالرِّدَّةِ فِي الْحَالِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا مَدْخُولًا بِهِمَا بوُقُوع الطَّلَاقِ عَلَيْهِمَا مَوْقُوفٌ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ إِسْلَامِهِمَا فِي الْعِدَّةِ، وَلِأَنَّ نِكَاحَ الْمُرْتَدَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِسْلَامِهَا فِي الْعِدَّةِ، وَإِذَا كان كذلك فهما ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يُسْلِمَا مَعًا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِمَا فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي الْعِدَّةِ قَدْ رَفَعَ سَابِقَ الرِّدَّةِ، وَصَادَفَ الطَّلَاقُ نِكَاحًا ثَابِتًا فَوَقَعَ بَائِنًا، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِمَا الْأَلْفُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُمَا مِنَ الرِّدَّةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، فَالطَّلَاقُ غَيْرُ وَاقِعٍ لِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ بِالرِّدَّةِ، فَصَادَفَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ غَيْرَ زَوْجَةٍ، فَلَمْ يَقَعْ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ فَالْأَلْفُ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمَا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تُسْلِمَ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ الْعِدَّةِ، وَتُقِيمَ الْأُخْرَى عَلَى رِدَّتِهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَالَّتِي أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْعِدَّةِ يَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا عَلَيْهَا وَيَلْزَمُهَا مِنَ الْأَلْفِ مَا بَيَّنَّاهُ إِنْ سَمَّتْ مِنْهَا قَدْرًا لَزِمَهَا الْمُسَمَّى، وَإِنْ لَمْ تُسَمِّ مِنْهَا شَيْئًا فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قِسْطُ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنَ الْأَلْفِ.
وَالثَّانِي: مَهْرُ مِثْلِهَا، وَتَكُونُ عِدَّتُهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ.
فَأَمَّا الْمُقِيمَةُ عَلَى الرِّدَّةِ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَعِدَّتُهَا مِنْ وَقْتِ الردة، فلو اختلفا مَعَ الزَّوْجِ فِي إِسْلَامِهِمَا مِنَ الرِّدَّةِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ فَادَّعَاهُ الزَّوْجُ قَبْلَ الْعِدَّةِ لِيَقَعَ طَلَاقُهُ، وَيَسْتَحِقَّ الْأَلْفَ، وَادَّعَتَاهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ إِنْكَارًا لِطَلَاقِهِ وَاسْتِحْقَاقِ الْأَلْفِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعِدَّةَ مِنْهُمَا، فَكَانَ الْمَرْجُوعُ فِيهِمَا إِلَى قولهما والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ لَهُمَا أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ إِنْ شِئْتُمَا بِأَلْفٍ لَمْ يُطَلَّقَا وَلَا وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَشَاءَا مَعًا فِي وَقْتِ الْخِيَارِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتَيْهِ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ عَلَى إِنْ شِئْتُمَا، كَانَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِمَا مُعَلَّقًا بِوُجُودِ الْمَشِيئَةِ مِنْهُمَا، وَمَشِيئَتُهُمَا مُعْتَبَرَةٌ عَلَى الْفَوْرِ فِي وَقْتِ الْخِيَارِ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: خِيَارُ الْقَبُولِ.
وَالثَّانِي: خِيَارُ الْجَوَابِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ يَسِيرِ الْمُهْلَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بالعرف، وإذا كان كذلك فلها ثلاثة أحوال:
أحدهما: أَنْ يَشَاءَا مَعًا فِي الْحَالِ، فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا، وَصَارَ الْخُلْعُ لَازِمًا لَهُمَا، لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ وَإِنْ كَانَتْ صِفَةً لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَهِيَ قَبُولٌ لِلْخُلْعِ فَلَا يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى تَصْرِيحٍ بِالْقَبُولِ، وَإِذَا صَحَّ الْخُلْعُ بِالْمَشِيئَةِ وَلَزِمَ فَفِيمَا يَلْزَمُهُمَا مِنَ الْعِوَضِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْأَلْفُ مُقَسَّطَةٌ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مُهُورِ أَمْثَالِهِمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَسْقُطُ الْأَلْفُ، وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مثلها.
والحال الثانية: أن لا يَشَاءَا أَوْ لَا وَاحِدَةَ مِنْهُمَا فَلَا طَلَاقَ وَلَا خُلْعَ، لِأَنَّ صِفَةَ الطَّلَاقِ لَمْ تُوجَدْ فَلَوْ تَمَادَى بِهِمَا زَمَانُ الْمَشِيئَةِ ثُمَّ شَاءَتَا من بعد لم يؤثر مَشِيئَتُهُمَا لِاسْتِحْقَاقِهَا عَلَى الْفَوْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا فِيهَا مِنْ قَبُولِ الْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: مَا فِيهَا مِنْ قَبُولِ التَّمْلِيكِ فَصَارَتِ الْمَشِيئَةُ وَاقِعَةً فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا شَرْعًا فَجَرَتْ مَجْرَى وُقُوعِهَا فِي مَوْضِعِهَا شَرْطًا.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَشَاءَ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَلَا طَلَاقَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ وُجُودُ الْمَشِيئَةِ مِنْهُمَا، فَإِذَا وُجِدَتْ مِنْ إِحْدَاهُمَا لَمْ تَكْمُلِ الصِّفَة فَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، فَشَاءَ أَحَدُهُمَا لَمْ تُطَلَّقْ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ قَالَ لَهُمَا أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى طُلِّقَتِ الْقَابِلَةُ وَلَمْ تُطَلَّقِ الْأُخْرَى فَهَلَّا طُلِّقَتِ الَّتِي شَاءَتْ وَلَمْ تُطَلَّقِ الْأُخْرَى
قِيلَ: لِأَنَّهُ جَعَلَ مَشِيئَتَهُمَا شَرْطًا فَلَمْ يُوجَدْ بِمَشِيئَةِ إِحْدَاهُمَا فَلَمْ تُطَلَّقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا طَلَّقَهُمَا بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ إِحْدَاهُمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ صِفَةً لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلَا اجْتِمَاعُ قَبُولِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْعَقْدِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، بَلْ قَبُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: قَدْ بِعْتُكُمَا عَبْدِي بِأَلْفٍ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَزِمَ الْقَابِلَ ابْتِيَاعُ نِصْفِ الْعَبْدِ بِنِصْفِ الْأَلْفِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمِ ابْتِيَاعُ نِصْفِهِ الْآخَرَ.
فَلَوْ قَالَتِ الزَّوْجَتَانِ فِي الْحَالِ: قَدْ شِئْنَا فَكَذَّبَهُمَا فِي الْمَشِيئَةِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ مَعَ تَكْذِيبِهِ لَهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ لَوْ قَالَ لَهُمَا: إِذَا حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَقَالَتَا: قَدْ حِضْنَا، فَكَذَّبَهُمَا لَمْ يَقطعِ الطَّلَاقُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَشِيئَتَهُمَا إِنَّمَا هِيَ وُجُودُ الْقَوْلِ مِنْهُمَا، وَقَدْ وُجِدَ مَعَ التَّكْذِيبِ فَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَا يَكُونُ حَيْضُهَا وُجُودَ الْقَوْلِ مِنْهُمَا فإذا أكذبهما فيه لم يَعْلَمْ وَجُودَهُ فَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشافعي: (وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مَحْجُورًا عَلَيْهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا وَطَلَاقُ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا بَائِنٌ وَعَلَيْهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأُخْرَى وَيَمْلِكُ رجعتها (قال المزني) رحمه الله تعالى هذا عندي يَقْضِي عَلَى فَسَادِ تَجْوِيزِهِ مَهْرَ أَرْبَعٍ فِي عُقْدَةٍ بِأَلْفٍ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَهْرِ أَرْبَعٍ فِي عُقْدَةٍ بِأَلْفٍ وَخُلْعِ أَرْبَعٍ فِي عقدة بألف فإذا أفسده في إحداهما للجهل بما يصيب كل واحدة منهن فسد في الأخرى ولكل واحدة منهن وعليها مَهْرِ مِثْلِهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ يقول لزوجته، وَإِحْدَاهُمَا مَحْجُورٌ عَلَيْهَا: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ عَلَى الْأَلْفِ إِنْ شِئْتُمَا فَشَاءَتَا مَعًا، طُلِّقَتَا، لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهُمَا بِوُجُودِ مَشِيئَتَيْنِ، وَقَدْ وُجِدَتَا، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ وُقُوعَ طَلَاقِهِمَا، وَيَكُونُ طَلَاقُ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا بَائِنًا، وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنَ الْأَلْفِ.
فَأَمَّا طَلَاقُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ رَجْعِيًّا، لِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدٌ يَصِحُّ مَعَ الْحَجْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: فإذا لم يصح خلعها فينبغي أن لا تَصِحَّ مَشِيئَتُهَا.
قِيلَ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَشِيئَةِ التَّمْيِيزُ وَفِي الْخُلْعِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ، وَلِلْمَحْجُورِ عَلَيْهَا تَمْيِيزٌ فَصَحَّتْ مَشِيئَتُهَا، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهَا فَلَمْ يَصِحَّ خُلْعُهَا، فَلَوْ كَانَتْ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا إِحْدَاهُمَا مَجْنُونَة فَشَاءَتَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُمَا، لِأَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَا تَمْيِيزَ لَهَا، فَلَمْ تَصِحَّ مَشِيئَتُهَا، وَكَانَتْ كَمَنْ لم تشاء، وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا صَغِيرَةً فَشَاءَتَا، تُطْرَحُ الصَّغِيرَةُ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ لَمْ تَصِحَّ مَشِيئَتُهَا، كَالْمَجْنُونَةِ، فَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً صَحَّتْ مَشِيئَتُهَا كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهَا، وَوَقَعَ طَلَاقُهَا، وَكَانَ طَلَاقُ الْكَبِيرَةِ بَائِنًا، وَطَلَاقُ الصَّغِيرَةِ رَجْعِيًّا.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ رَأَى الشَّافِعِيَّ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى الْجَائِزَةِ الْأَمْرَ مَهْرَ مِثْلِهَا فَقَالَ: (هَذَا يَقْضِي عَلَى فَسَادِ تَجْوِيزِهِ مَهْرَ أَرْبَعٍ فِي عُقْدَةٍ بِأَلْفٍ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَهْرِ أَرْبَعٍ فِي عُقْدَةٍ بِأَلْفٍ، وَخُلْعِ أَرْبَعٍ فِي عُقْدَةٍ بألف.
والأمر على ما قاله المزني، وإنما ذكره الشَّافِعِيُّ هَا هُنَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ وَالصَّدَاقِ قَوْلَانِ فَهُمَا سواء والله أعلم.
(مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلَوْ قَالَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ طَلِّقْ فُلَانَة عَلَى أَنَّ لَكَ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ فَالْأَلْفُ لَهُ لَازِمَةٌ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا خَالَعَهُ أَجْنَبِيٌّ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهَا صَحَّ، وَكَانَ وَكِيلًا لَهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ قَدْ خَالَعَ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجَةِ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ فَقَالَ لَهُ: طَلِّقْ زَوْجَتَكَ فُلَانَة بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَكَ عَلَيَّ، صَحَّ الْخُلْعُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَزِمَ الْأَجْنَبِيَّ الْأَلْفُ الَّتِي بَذَلَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالطَّلَاقُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِيهِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ، وَالْبُضْعُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهُ بِالْعِوَضِ، إِلَّا زَوْجٌ بِنِكَاحٍ أَوْ زَوْجَةٌ بِخُلْعٍ، فَلَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ الْأَجْنَبِيُّ كَالْخُلْعِ وَلَا الزَّوْجَةُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا، وَلِأَنَّ الْأَعْوَاضَ إِنَّمَا تُبْذَلُ فِي الْأَغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ، وَإِلَّا كَانَتْ سَفَهًا، وَمِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَلَا غَرَضَ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي هَذَا الْخُلْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا، وَهَذَا خَطَأٌ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ بِغَيْرِ بَذْلٍ، وَجَازَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَبْذُلَ لَهُ مَالَهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ جَازَ أَنْ يُطَلِّقَ الزَّوْجُ عَلَى الْمَالِ الَّذِي بَذَلَهُ الْأَجْنَبِيُّ، فيقول: كل من صح منه بذلك الْمَالِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ صَحَّ بَذْلُهُ عَلَى الطَّلَاقِ كَالزَّوْجَةِ طَرْدًا، وَالصَّغِيرَةِ عَكْسًا، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ كَالطَّلَاقِ، يَتَنَوَّعُ تَارَةً بِعِوَضٍ، وَتَارَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَبْذُلَ الْأَجْنَبِيُّ مَالًا فِي الْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ بِهِ شَيْئًا جَازَ أَنْ يَبْذُلَ مَالًا فِي الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ بِهِ شَيْئًا.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ مُفَارِقٌ لِلْبَيْعِ فِي أَحْكَامٍ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي أَحْكَامٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيْعِ تَمَلُّكُ الْمَبِيعِ، وَالْمَقْصُودَ بِالْخُلْعِ إِزَالَةُ مِلْكِ الزَّوْجِ، فَجَازَ أَنْ يَزُولَ إِلَى غَيْرِ مُتَمَلِّكٍ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُزِيلَهُ بِالطَّلَاقِ الْمُجَرَّدِ إِلَى غَيْرِ مُتَمَلِّكٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِعَدَمِ الْغَرَضِ فِيهِ، فَخَطَأٌ، لِأَنَّ الْغَرَضَ فِيهِ مَوْجُودٌ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَرَاهُمَا الْأَجْنَبِيُّ مُقِيمَيْنِ عَلَى نِكَاحِ شُبْهَةٍ يَؤُولُ إلى مأثم فأحب أن يستنقذهما منهما.
وَالثَّانِي: أَنْ يَرَاهُمَا قَدْ خَرَجَا فِي الزَّوْجِيَّةِ إِلَى أَنْ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُؤَدٍّ لِلْحَقِّ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِرَغْبَةِ الْأَجْنَبِيِّ فِي نِكَاحِهَا فَيَسْتَنْزِلَ بِالْخُلْعِ الزَّوْجَ عَنْهَا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ، فَلَوْ كَانَ لِلزَّوْجِ امْرَأَتَانِ فَخَالَعَهُ الْأَجْنَبِيُّ عَنْهُمَا بِأَلْفٍ مِنْ مَالِهِ صَحَّ الْخُلْعُ بِالْأَلْفِ، وَإِنْ لَمْ يُفَصِّلْ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنَ الْأَلْفِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْأَلْفَ لَازِمَةٌ لِلْأَجْنَبِيِّ وَحْدَهُ، وَمُسْتَحَقَّةٌ لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ، فَجَازَ أَن لا يَنْفَصِلَ، وَلَيْسَ كَبَذْلِ الزَّوْجَتَيْنِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَنْفَصِلَ مَا تَلْتَزِمُهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ، فَلَوْ خَالَعَهُ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى طَلَاقِ إِحْدَاهُمَا مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَلَا تَسْمِيَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ خُلْعًا فَاسِدًا، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ كَالْبَيْعِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِذَا كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ فَقَالَتْ لَهُ إِحْدَاهُمَا: طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ لَكَ عَلَيَّ، فَإِنْ طَلَّقَهُمَا صَحَّ الْخُلْعُ، وَكَانَ لَهُ عليها ألف عنها، وعن ضرته قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ طَلَّقَهَا دُونَ ضَرَّتِهَا كَانَ فِيمَا يَلْزَمُهَا قَوْلَانِ، لِأَنَّ الْأَلْفَ قَدْ تَفَصَّلَتْ:
إحداهما: مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَالثَّانِي: بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنَ الْأَلْفِ.
وَلَوْ طَلَّقَ ضَرَّتَهَا دُونَهَا طُلِّقَتْ، وَكَانَ فِيمَا يَلْزَمُ الْبَاذِلَةَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ مِثْلِ الضَّرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ.
وَالثَّانِي: بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنَ الْأَلْفِ.
(فَصْلٌ:)
وَلَوْ قَالَتْ لَهُ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ لَكَ عَلَيَّ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي، أَوْ قَالَتْ: طَلِّقْ ضَرَّتِي بِأَلْفٍ لَكَ علي أن لا تُطَلِّقَنِي.
فَأَجَابَهَا إِلَى مَا سَأَلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَزِمَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، لِأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِالْخُلْعِ شَرْطٌ فَاسِدٌ بِسُقُوطِهِ مِنَ الْعِوَضِ مَا صَارَ بِهِ مَجْهُولًا فَلَزِمَ فِيهِ مَهْرُ مِثْلِ الْمُطَلَّقَةِ قولاً واحداً.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَا يَجُوزُ مَا اخْتَلَعَتْ بِهِ الْأَمَةُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَعَتِ الْأَمَةُ زَوْجَهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَأْذَنَ لَهَا أَنْ تُخَالِعَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُخَالِعَهُ عَلَى مَا بِيَدِهَا مِنَ الْأَعْيَانِ، لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ بِيَدِهَا لِلسَّيِّدِ لَمْ يَجُزْ وَنُظِرَ فِي طَلَاقِ الزَّوْجِ، فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِتِلْكَ الْعَيْنِ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَ نَاجِزًا وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا بَذْلُ الْخُلْعِ فِي ذِمَّتِهَا يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهَا وَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَالثَّانِي: مِثْلُ مَا خَالَعَتْ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، أَوْ قِيمَتِهِ إِنْ لم يكن لَهُ مِثْلٌ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهَا صَحَّ الْخُلْعُ وَاسْتَفَادَتْ بِالْإِذْنِ أَنْ تُؤَدِّيَهُ مِنْ كَسْبِهَا، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُؤَدِّيَهُ مِنَ الْأَعْيَانِ الَّتِي بِيَدِهَا، فَإِنْ كَانَ مَا خَالَعَتْ بِهِ قَدْرَ مَهْرِ مِثْلِهَا أَدَّتْ جَمِيعَهُ مِنْ كَسْبِهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَدَّتْ مِنْ كَسْبِهَا قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَكَانَ الْفَاضِلُ عَلَيْهِ بَاقِيًا فِي ذِمَّتِهَا تُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ تُؤَدِّي مِنْهُ قَدْرَ مَا خَالَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ غُرْمُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا فِي رَقَبَةِ أَمَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهَا إِلَى أَنْ تُؤَدِّيَهُ مِنْ كَسْبٍ إِنْ حَدَثَ لَهَا فِي الرِّقِّ، أَوْ بَعْدَ عِتْقِهَا.
وَهَكَذَا لَوْ قَتَلَهَا السَّيِّدُ أَوْ بَاعَهَا بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ الزَّوْجُ عَلَى مُطَالَبَتِهَا، لَمْ يَضْمَنِ السَّيِّدُ ذَلِكَ عَنْهَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَأْذَنَ لَهَا أَنْ تُخَالِعَهُ عَلَى عَيْنٍ فِي يَدِهَا كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: خَالِعِيهِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ، أَوْ عَلَى هَذَا الْخَاتَمِ، فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ جَازَ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهَا جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُؤَدِّيَهُ مِنْ كَسْبِهَا لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ، وَكَانَ بَاقِيًا فِي ذِمَّتِهَا إِلَى أَنْ تُؤَدِّيَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهَا إِذْنًا مُطْلَقًا، وَلَا يَذْكُرَ عَيْنًا وَلَا ذِمَّةً فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهَا جَازَ، وَكَانَ لَهَا أَنْ تُؤَدِّيَهُ مِنْ كَسْبِهَا إِنْ كَانَ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَمَا دُونَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بَاقِيَةً فِي ذِمَّتِهَا إِلَى وَقْتِ الْعِتْقِ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَيْنٍ فِي يَدِهَا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أُذِنَ لَهَا بِالتَّصَرُّفِ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ صَحَّ خُلْعُهَا عَلَيْهَا، إِنْ كَانَ بِقَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُذِنَ لَهَا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ خُلْعُهَا بِهَا، وَكَانَ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ عَلَيْهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: مِثْلُ تِلْكَ الْعَيْنِ إِنْ كَانَ لَهَا مِثْلٌ، وَقِيمَتُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْلٌ، وَلَهَا أَنْ تُؤَدِّيَ مِنْ كَسْبِهَا لِإِذْنِ السَّيِّدِ لَهَا.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ خَالَعَتْهُ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُخَالِعَهُ عَلَى عَيْنٍ فِي يَدِهَا، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، سَوَاءً مَلَّكَهَا السَّيِّدُ تِلْكَ الْعَيْنَ أَوْ لَمْ يُمَلِّكْهَا، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَّكَهَا فَمَلَكَتْ عَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ لَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا حَجْرٌ فِيهَا يَمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ فِي طَلَاقِ الزَّوْجِ، فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِتَمَلُّكِ تِلْكَ الْعَيْنِ فَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ، وَإِنْ كَانَ نَاجِزًا وَقَعَ، وَفِيمَا يَرْجِعُهُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ عِتْقِهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَالثَّانِي: مِثْلُ تِلْكَ الْعَيْنِ، أَوْ قِيمَتُهَا، فَلَوْ أَنَّ السَّيِّدَ بَعْدَ أَنْ خَالَعَتْ عَلَى تِلْكَ
الْعَيْنِ أَجَازَ خُلْعَهَا لَمْ يَصِحَّ لِوُقُوعِهِ فَاسِدًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تُخَالِعَهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهَا، فَالْخُلْعُ جَائِزٌ وَلَيْسَ لَهَا دَفْعُ الْمَالِ مِنْ كَسْبِهَا، لِعَدَمِ إِذْنِ السَّيِّدِ فِيهِ، وَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهَا إِلَى أَنْ تُؤَدِّيَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا إِلَى وَقْتِ الْعِتْقِ وَهُوَ أَجَلٌ مَجْهُولٌ.
قِيلَ: إِنَّمَا تَكُونُ جَهَالَةُ الْأَجَلِ مُوجِبَةً لِفَسَادِ الْعَقْدِ، إِذَا كَانَ الْأَجَلُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ دُونَ الشَّرْعِ، وَلَا يَبْطُلُ إِذَا كَانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ إِلَّا أَنْ تَرَى إِعْسَارَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ يُوجِبُ إِنْظَارَهُ إِلَى وَقْتِ يَسَارِهِ، وَلَوْ شَرَطْتَهُ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ.
كَذَلِكَ الْأَمَةُ إِذَا خَالَعَتْهُ بِمَالٍ أَوْجَبَ الشَّرْعُ إِنْظَارَهَا بِهِ إِلَى وَقْتِ الْعِتْقِ جَازَ، وَلَوْ شَرَطَتْهُ إِلَى وَقْتِ الْعِتْقِ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ فَاسِدًا يَرْجِعُ عَلَيْهَا فِيهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهَكَذَا خُلْعُ الْمُدَبَّرَةِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ لَمْ تَأْتِ.
فَأَمَّا الَّتِي نِصْفُهَا حُرٌّ، وَنِصْفُهَا مَمْلُوكٌ، فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ بِنِصْفِهَا الْحُرِّ جَازَ، وَكَانَتْ فِيهِ كَالْحُرَّةِ وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَتْ فِيهِ كَالْأَمَةِ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ صَارَتِ الصِّفَةُ فِيهِ جَامِعَةً لِأَمْرَيْنِ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُمَا فَيَكُونُ عَلَى مَا يُوجِبُهُ تَفْرِيقُ الصفقة بعد جمعها.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَا الْمُكَاتَبَةُ وَلَوْ أَذِنَ لَهَا سَيِّدُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ لِلسَّيِّدِ فَيَجُوزُ إِذْنُهُ فِيهِ وَلَا لَهَا فَيَجُوزُ مَا صَنَعَتْ فِي مَالِهَا وَطَلَاقُهُمَا بِذَلِكَ بَائِنٌ فَإِذَا أُعْتِقَتَا اتَّبِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِمَهْرِ مِثْلِهَا كَمَا لَا أَحْكُمُ عَلَى الْمُفْلِسِ حَتَّى يُوسِرَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَعَتِ الْمُكَاتَبَةُ زَوْجَهَا لَمْ يَخْلُ خُلْعُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَهِيَ فِيهِ كَالْأَمَةِ إِذَا خَالَعَتْ زَوْجَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا، لِأَنَّهَا وَإِنْ خَالَفَتِ الْأَمَةَ فِي التَّمَلُّكِ وَالتَّصَرُّفِ فَهُوَ مَقْصُودٌ عَلَى أَدَائِهِ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهِيَ كَالْأَمَةِ فِيمَا سِوَاهُ، وَإِنْ خَالَعَتْهُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ بِاسْتِهْلَاكِ مَالٍ فِي غَيْرِ الْأَدَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي السَّيِّدِ إِذَا أَذِنَ لِمُكَاتَبِهِ فِي الْهِبَةِ هَلْ يَصِحُّ إِذْنُهُ فِيهِ، وَيَجُوزُ هِبَتُهُ لَهُ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَقْوَى تَصَرُّفًا مِنَ الْعَبْدِ، فَلَمَّا صَحَّتْ هِبَةُ الْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ تَصِحَّ هِبَةُ الْمُكَاتَبِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هِبَتُهُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَإِنْ صَحَّتْ هِبَةُ الْعَبْدِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مَا فِي يَدِ عَبْدِهِ، فَصَحَّ إِذْنُهُ فِيهِ، وَلَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِ مُكَاتَبِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ إِذْنُهُ فِيهِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْقَوْلَانِ فِي هِبَةِ الْمُكَاتَبِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي خُلْعِ الْمُكَاتَبَةِ
بِإِذْنِ السَّيِّدِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ عَلَى قولين كالهبة، لأنه ليس الاستهلاك بالخلع أغلط مِنَ الِاسْتِهْلَاكِ بِالْهِبَةِ، بَلْ هُوَ أَحْسَنُ حَالًا، لِأَنَّهَا قَدْ تَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ، وَلَا تَمْلِكُ بِالْهِبَةِ شَيْئًا عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْهِ فِي سُقُوطِ الْمُكَافَأَةِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّ خُلْعَهَا بَاطِلٌ مَعَ إِذْنِ السَّيِّدِ وَإِنْ كَانَتْ هِبَتُهَا بِإِذْنِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا يَعُودُ مِنْ مُكَافَأَةِ الْهِبَةِ وَامْتِنَانِهَا رَاجِعٌ إِلَى السَّيِّدِ، وَمَا يَعُودُ بِالْخُلْعِ مِنْ مِلْكِ الْبُضْعِ يَكُونُ لِلْمُكَاتَبَةِ فَافْتَرَقَ إِذْنُ السَّيِّدِ فِيهِمَا لِافْتِرَاقِهِمَا فِي عَوْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَصَحُّ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْفَرْقِ وَجْهٌ، وَلَوْ قُلِبَ كَانَ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ الْخُلْعِ بِإِذْنِهِ صَحَّ إِذَا كَانَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَمَا دُونَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا أَنْ تُخَالِعَهُ بِمَال فِي ذِمَّتِهَا فَتَعْدِلَ إِلَى الْخُلْعِ بِمَالٍ فِي يَدِهَا أَوْ يَأْذَنَ لَهَا أَنْ تُخَالِعَهُ بمال في ذمتها فَتَعْدِلَ عَنْهُ إِلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهَا، أَوْ يَأْذَنَ لَهَا فِي عَيْنٍ، فَتَعْدِلَ إِلَى غَيْرِهَا إِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا سَوَاءً، بِخِلَافِ الْأَمَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فِي قَدْرِ الْمَالِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَجْرٌ فِي أَعْيَانِهِ، لِأَنَّ لَهَا نَقْلَ الْأَعْيَانِ مِنْ عَيْنٍ إِلَى عَيْنٍ، فَلِذَلِكَ جَازَ خُلْعُهَا بَعْدَ الْإِذْنِ بِكُلِّ عَيْنِ، وَالْحَجْرُ عَلَى الْأَمَةِ وَاقِعٌ فِي قَدْرِ الْمَالِ، وَفِي أَعْيَانِهِ، وَلَيْسَ لَهَا نَقْلُ عَيْنٍ إِلَى عَيْنٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَعْدِلَ فِي الْخُلْعِ مِنْ عَيْنٍ إِلَى عَيْنٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْخُلْعَ لَا يَصِحُّ مِنَ الْمُكَاتَبَةِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَتْ فِيهِ كَالْأَمَةِ إِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهَا أَدَّتْهُ بَعْدَ عِتْقِهَا، وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَيْنٍ بِيَدِهَا، نُظِرَ فِي طَلَاقِ الزَّوْجِ لَهَا فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِهَا لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ كَانَ نَاجِزًا طُلِّقَتْ، وَكَانَ فِيمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعِتْقِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: مِثْلُ مَا خَالَعَتْ بِهِ إِذَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَقِيمَتُهُ إِنْ لَمْ يكن له مثل.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَإِذَا أَجَزْتُ طَلَاقَ السَّفِيهِ بِلَا شَيْءٍ كَانَ مَا أَخَذَ عَلَيْهِ جُعْلًا أَوْلَى وَلِوَلِيِّهِ أَنْ يَلِيَ عَلَى مَا أَخَذَ بِالْخُلْعِ لِأَنَّهُ مَالُهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، طَلَاقُ السَّفِيهِ وَاقِعٌ، وَخُلْعُهُ جَائِزٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَلَا يَصِحُّ خُلْعُهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهَا عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ وَإِذَا صَحَّ وُقُوعُ طَلَاقِهِ صَحَّ جَوَازُ خُلْعِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ طَلَاقُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَ بِالْعِوَضِ أَجْوَزَ، وَإِذَا كَانَ خُلْعُهُ جَائِزًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى طَلَاقٍ نَاجِزٍ بِعِوَضِ الذِّمَّةِ، كَأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَةً وَاحِدَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي ذِمَّتِهَا، فَقَدْ صَارَتِ الْأَلْفُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَعَلَيْها فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ الْأَلْفَ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ بِالْحَجْرِ مَمْنُوعٌ مِنْ قَبْضِ مَالِهِ، وَيَدْفَعُهَا إِلَى وَلِيِّهِ لِقَبْضِ مَالِهِ، فَإِنْ دَفَعَتِ الْأَلْفَ إِلَيْهِ لَمْ تَبْرَأْ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يُبَادِرَ الْوَلِيُّ إِلَى قَبْضِهَا سُنَّةً فَتَبْرَأَ حِينَئِذٍ مِنْهَا، بِأَخْذِ الْوَلِيِّ لَهَا فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا الْوَلِيُّ مِنْهُ حَتَّى تَلِفَتْ مِنْ يَدِهِ كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ إِلَى الْوَلِيِّ أَلْفًا ثَانِيَةً، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَى السَّفِيهِ بِالْأَلْفِ الَّتِي اسْتَهْلَكَهَا مَا كَانَ الْحَجْرُ بَاقِيًا عَلَيْهَا، فَإِنْ فُكَّ حَجْرُهُ بِحُدُوثِ رُشْدِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُرْمُهَا حُكْمًا، وَفِي وُجُوبِ غُرْمِهَا عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجْرِ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ خُلْعِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَلَاقٍ مُقَيَّدٍ بِالدَّفْعِ مِثْلِ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَفَعْتِ إِلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَجُوزُ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَدْفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَلَا تَدْفَعَهُ لِوَلِيِّهِ بِخِلَافِ مَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَالِكًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ الدَّفْعِ لَا يَمْلِكُ هَذَا إِلَّا بِالدَّفْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ دَفَعَتْ هَذَا إِلَى الْوَلِيِّ لَمْ تُطَلَّقْ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، فَافْتَرَقَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَدَفَعَتْ إِلَيْهِ مَا طَلَّقَهَا عَلَيْهِ لَمْ تَضْمَنْهُ، لِأَنَّهُ مَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهَا، وَلَا مَلَكَهُ إِلَّا بِأَخْذِهِ مِنْهَا، وَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى أَخْذِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى تَلِفَ فَلَا غُرْمَ فِيهِ وَلَا رُجُوعَ ببدله.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَمَا أَخَذَ الْعَبْدُ بِالْخُلْعِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ فَإِنِ اسْتَهْلَكَا مَا أَخَذَا رَجَعَ الْوَلِيُّ وَالسَّيِّدُ عَلَى الْمُخْتَلِعَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ حَقٌّ لَزِمَهَا فَدَفَعَتْهُ إِلَى مَنْ لَا يَجُوزُ لَهَا دَفْعُهُ إِلَيْهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ، وَخُلْعُ الْعَبْدِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ طَلَاقُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ خُلْعُهُ أَجْوَزَ وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ فِيهِ مُقَيَّدًا بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَفَعْتِ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيَجُوزُ أَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا لِيُطَلِّقَ بِهَا، وَيَجُوزُ لَهُ قَبْضُهَا، لِأَنْ يَمْلِكَهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهَا وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ عَبْدِهِ، لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ حَتَّى تَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَهِيَ تَالِفَةٌ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِبَدَلِهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَلَاقُ خُلْعِهِ نَاجِزًا بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهَا كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَيْكِ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ مع سيده مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا فَيَجُوزَ لَهُ قَبْضُهَا، وَتَبْرَأَ الزَّوْجَةُ مِنْهَا بِدَفْعِهَا إِلَيْهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ قَبْضِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهَا، وَلَا تَبْرَأُ الزَّوْجَةُ مِنْهَا بِدَفْعِهَا إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُبَادِرَ السَّيِّدُ بِأَخْذِهَا مِنْهُ فَتَبْرَأَ حِينَئِذٍ الزَّوْجَةُ مِنْهَا، فَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا السَّيِّدُ مِنَ الْعَبْدِ حَتَّى تَلِفَتْ فِي يَدِهِ كَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ الزَّوْجَةِ بِهَا، وَإِغْرَامُهَا إِيَّاهَا، فَإِذَا غَرِمَتْهَا رَجَعَتْ بِهَا عَلَى الْعَبْدِ إِذَا أُعْتِقَ، وَلَيْسَ رُجُوعُ حُكْمٍ بُتَّ بِخِلَافِ السَّفِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْعَبْدِ ذِمَّةً وَلَيْسَ لِلسَّفِيهِ ذِمَّةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ عَجْزَ الْعَبْدِ بِحَقِّ سَيِّدِهِ يَزُولُ بِعِتْقِهِ، وَحَجْرَ السَّفِيهِ بِحِفْظِ مَالِهِ وَلَا يَنْحَفِظُ بِغُرْمِهِ بعد رشده.
والحال الثانية: أن لا يَأْذَنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْقَبْضِ، وَلَا يَنْهَاهُ عَنْهُ، فَلَا يَخْلُو حَالُ الْعَبْدِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهَا مِنَ الزَّوْجَةِ وَكَانَ حُكْمُهُ لَوْ قَبَضَهَا كَحُكْمِهِ لَوْ نَهَاهُ عَنْ قَبْضِهَا وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَفِي جَوَازِ قَبْضِهِ لَهَا بِإِذْنِ التِّجَارَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ قَبْضُهَا بِمُطْلَقِ ذَلِكَ الْإِذْنِ لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ جاز أن يقبض من مال سيده من مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ كَانَ قَبْضُهُ لِمَا هُوَ مِنْ كَسْبِهِ أَوْلَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ قَبْضُهَا بِإِذْنِ التِّجَارَةِ، لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالتِّجَارَةِ مَقْصُورٌ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِالتِّجَارَةِ، وَمَالَ الْخُلْعِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِذَا أقبَضَهَا بَرِئَتِ الزَّوْجَةُ مِنْهَا، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَا تَبْرَأُ مِنْهَا.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَخُلْعُهُ جَائِزٌ، لِأَنَّ طَلَاقَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ جَائِزٌ، فَكَانَ بِالْعِوَضِ أَجْوَزَ، وَلَهُ قَبْضُ مَالِ الْخُلْعِ مِنْ زَوْجَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ، سَوَاءٌ كَانَ الْخُلْعُ نَاجِزًا أَوْ مُقَيَّدًا، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ بِالْكِتَابَةِ أَكْسَابَهُ، وَجَازَ تَصَرُّفُهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِهْلَاكِ لَا في الأكساب.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوِ اخْتَلَفَا فَهُوَ كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَإِنْ قَالَتْ خَلَعْتَنِي بِأَلْفٍ وَقَالَ بِأَلْفَيْنِ أَوْ قَالَتْ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي ثَلَاثًا فَطَلَّقْتَنِي وَاحِدَةً تَحَالَفَا وَلَهُ صَدَاقُ مِثْلِهَا وَلَا يُرَدُّ الطَّلَاقُ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا تَخَالَعَ الزَّوْجَانِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْعِوَضِ تَحَالَفَا كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ إذا اختلفا.
وقال أبو حنيفة: لا يتحالفا، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُمَا قَدِ اتَّفَقَا عَلَى انْتِقَالِ الْبُضْعِ إِلَيْهَا، وَاخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْعِوَضِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهَا فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي مِقْدَارِ عِوَضِ مِلْكٍ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مُوجِبًا لِتَحَالُفِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِيهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ قَدْ صَارَ بِالِاخْتِلَافِ مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ فِي جَنَبَةِ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْهَا فِي جَنَبَةِ الْآخَرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْيَمِينِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِنْكَارِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مِلْكِ الْبُضْعِ وَالِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِ الْعِوَضِ فَهُوَ فَاسِدٌ بِاخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ فَإِنَّهُمَا قَدِ اتَّفَقَا فِيهِ عَلَى مِلْكِ الزَّوْجِ لَهُ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ لَهُ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَهُمَا يَتَحَالَفَانِ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الزَّوْجِ اعْتِبَارًا بِهَذَا الْمَعْنَى فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ فِي الْخُلْعِ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ مَعَ اخْتِلَافٍ لم يخل اختلافهما من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعِوَضِ وَيَتَّفِقَا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْعِوَضِ قَدْ يَكُونُ تَارَةً فِي الْجِنْسِ كَقَوْلِ الزَّوْجِ: خَالَعْتُكِ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ: عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَيَكُونُ تَارَةً فِي الْمِقْدَارِ فَيَقُولُ الزَّوْجُ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ: عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَيَكُونُ تَارَةً فِي الصِّفَةِ فَيَقُولُ الزَّوْجُ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ بِيضٍ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ سُودٍ.
وَيَكُونُ تَارَةً فِي الْأَجَلِ فَيَقُولُ الزَّوْجُ: عَلَى أَلْف حَالَّةٍ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ عَلَى أَلْفٍ مُؤَجَّلَةٍ، أَوْ يَقُولُ الزَّوْجُ عَلَى أَلْفٍ إِلَى شَهْرٍ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ: عَلَى أَلْفٍ إِلَى شَهْرَيْنِ.
فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ كُلِّهِ إِذَا عَدِمَا الْبَيِّنَةَ فِيهِمْ وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهَا لِإِثْبَاتِ مَالٍ مَحْضٍ، فَإِذَا تَحَالَفَا مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ فَهُوَ كَتَحَالُفِهِمَا فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَبِيعِ، وَكَاخْتِلَافِهِمَا فِي الصَّدَاقِ، فَيَكُونُ صِفَةُ التَّحَالُفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، فَإِذَا تَحَالَفَا فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَهُوَ لَا يَرْتَفِعُ بَعْدَ وُقُوعِ التَّحَالُفِ، فَيَصِيرُ كَتَحَالُفِهِمَا فِي الْبَيْعِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ الْمُوجِبِ لِلرُّجُوعِ بِقِيمَةِ المبيع، كذلك هاهنا يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْبُضْعِ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِمَّا أَقَرَّتْ بِهِ الزَّوْجَةُ أَوْ أَكَثَرَ مِمَّا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ، لِأَنَّهُ قِيمَةُ مُتْلَفٍ قَدْ سَقَطَ مَعَهُ الْمُسَمَّى، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقِلَّةُ وَلَا الْكَثْرَةُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَيَتَّفِقَا عَلَى مِقْدَارِ الْعِوَضِ.
فَيَقُولُ الزَّوْجُ: خَالَعْتُكِ عَلَى طَلْقَةٍ بِأَلْفٍ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ: خَالَعْتُكَ على ثلاث
طَلْقَاتٍ بِأَلْفٍ، فَإِنَّمَا يَتَحَالَفَانِ أَيْضًا كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فَإِذَا تَحَالَفَا لَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجَ مِنَ الطَّلَاقِ إِلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ مِنَ الْوَاحِدَةِ وَلَهُ فِيهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ سُمِعَ فِيهَا شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وشَاهِد يَمِين لِأَنَّهُمَا لِاسْتِحْقَاقِ الْمَالِ بِالطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: خَالَعْتُكِ عَلَى ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ بِأَلْفٍ، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: بَلْ عَلَى طَلْقَةٍ بِأَلْفٍ فَلَا تَحَالُفَ بَيْنَهُمَا لِحُصُولِ مَا ادَّعَتْ وَزِيَادَةٍ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي قَدْرِ الْعِوَضِ، وَعَدَدِ الطَّلَاقِ فَيَقُولُ الزَّوْجُ: خَالَعْتُكِ عَلَى طَلْقَةٍ بِأَلْفٍ، وَتَقُولُ الزَّوْجَةُ: خَالَعْتَنِي عَلَى ثَلَاثٍ بِمِائَةٍ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ أَيْضًا، وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ مِنَ الطَّلَاقِ إِلَّا مَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَلَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: خَالَعْتُكِ عَلَى ثَلَاثٍ بِمِائَةٍ، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: خَالَعْتَنِي عَلَى وَاحِدَةٍ بِأَلْفٍ، فَلَا تَحَالُفَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ قَدْ زَادَهَا عَلَى مَا ذَكَرَتْ مِنَ الطَّلَاقِ، وَنَقَصَهَا فِيمَا اعْتَرَفَتْ بِهِ مِنَ الْعِوَضِ.
فَلَوْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ وُجُوبِ التَّحَالُفِ بِالِاخْتِلَافِ وَنَكَلَ الْآخَرُ قُضِيَ بِقَوْلِ الْحَالِفِ مِنْهُمَا عَلَى الناكل.
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُكِ بِأَلْفٍ وَقَالَتْ بَلْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَهُوَ مُقِرٌ بِطَلَاقٍ لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ فَيَلْزَمُهُ وَهُوَ مُدَّعِي مَا لَا يَمْلِكُهُ بِدَعْوَاهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِ الْخُلْعِ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ.
فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْخُلْعِ، فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، فَلَا تَحَالُفَ فِيهِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مُنْكِرِهِ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْبَيْعِ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ لَمْ يَتَحَالَفَا، وَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ المنكر مع يمينه، كذلك هاهنا، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى، وَتَعَيَّنَ الْآخَرُ بِالْإِنْكَارِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ اخْتِلَافُهُمَا فِي أَصْلِ الْخُلْعِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ الزَّوْجُ، وَتُنْكِرَهُ الزَّوْجَةُ أَوْ تَدَّعِيَهُ الزَّوْجَةُ، وَيُنْكِرَهُ الزَّوْجُ.
فَإِنِ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتْهُ الزَّوْجَةُ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: قَدْ طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي ذِمَّتِكِ، أَوْ عَلَى عَبْدِكِ هَذَا، فَتَقُولُ: بَلْ طَلَّقْتَنِي مُتَبَرِّعًا بِغَيْرِ بَذْلٍ، فَإِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ وَهِيَ شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ إِثْبَاتِ مَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا، لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، إِذَا حَلَفَتْ وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ بَائِنًا لَا رَجْعَةَ لَهُ فِيهِ لِاعْتِرَافِهِ بِسُقُوطِ رَجْعَتِهِ، وَلَا شَيْءَ له عليها.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ إِنْكَارُ الزَّوْجَةِ لِلْخُلْعِ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، كَمَا كَانَ إِنْكَارُ الْمُشْتَرِي لِلشِّرَاءِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَالْبَائِعُ مُقِرٌّ لَهُ بِالْمِلْكِ، كَمَا أَنَّ الزوج مقر له بِالطَّلَاقِ.
قِيلَ: لِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِتَمْلِيكِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّمْلِيكُ بِإِقْرَارِهِ، فَلَوْ عَادَتِ الزَّوْجَةُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ وَالْيَمِينِ فَاعْتَرَفَتْ لِلزَّوْجِ بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْعِوَضِ لَزِمَهَا دَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَلَوْ عَادَ الزَّوْجُ فَصَدَّقَهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَالَعَهَا وَلَا طَلَّقَهَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي رَفْعِ الطَّلَاقِ، وَلَا فِي سُقُوطِ الرَّجْعَةِ، لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالتَّحْرِيمِ قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ رَجَعَ عَنْهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
(فَصْلٌ:)
وَإِنِ ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَصُورَتُهُ أَنْ تَقُولَ الزَّوْجَةُ: قَدْ خَالَعْتَنِي عَلَى طَلْقَةٍ بِأَلْفٍ، فَيَقُولُ الزَّوْجُ: مَا خَالَعْتُكِ وَلَا طَلَّقْتُكِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجَةِ بَيِّنَةٌ، فَإِذَا حَلَفَ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، وَلَا أَلْفَ لَهُ، وَإِنِ اعْتَرَفَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ بِهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِهَا فَإِنْ أَقَامَتِ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ قُبِلَ يَمِينُهُ أَوْ بَعْدَهَا سُمِعَتْ، وَبَيِّنَتُهَا شَاهِدَانِ لَا غَيْرَ، لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ إِثْبَاتِ طَلَاقٍ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ فَاعْتَرَفَ بِالْخُلْعِ قَبْلَ الْبَيِّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا قُضِيَ لَهُ بِالْأَلْفِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ لَزِمَهُ، والزوجة معترفة له بالألف.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْخُلْعِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ ذِمِّيًّا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: التَّوْكِيلُ فِي الْخُلْعِ جَائِزٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُخَالِعَا فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْخُلْعِ.
وَلِأَنَّ عَقْدَ الْخُلْعِ جَامِعٌ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ، وَالتَّوْكِيلَ جَائِزٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَجَازَ فِيمَا جَمَعَهُمَا.
وَلِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ أَغْلَظُ مِنْ رَفْعِهِ بِالْخُلْعِ وَالتَّوْكِيلُ فِي النِّكَاحِ جَائِزٌ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ فِي الْخُلْعِ، وإذا كان ذلك جائز جَازَ أَنْ تُوَكِّلَ الزَّوْجَةُ دُونَ الزَّوْجِ، وَأَنْ يُوَكِّلَ الزَّوْجُ دُونَ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الزَّوْجَةَ فِي الْخُلْعِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ، وَالزَّوْجَ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ وَيَجُوزُ فِي الْبَيْعِ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ وَيُوَكِّلَ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ تَوْكِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْخُلْعِ فَصِفَةُ الْوَكِيلَيْنِ تَخْتَلِفُ، لِأَنَّ وَكَالَةَ الزَّوْجَةِ فِي مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ، وَوَكَالَةَ الزَّوْجِ فِي مُعَاوَضَةٍ وَطَلَاقٍ وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي وَكَالَتِهِمَا تَنْقَسِمُ في حق الوكيلين أربعة أقسام:
أحدهما: مَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْوَكِيلَيْنِ مَعًا، وَهُوَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا عَقْدٌ، لَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِمَا حُكْمٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْوَكِيلَيْنِ مَعًا، وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا عَبْدَيْنِ وَكَافِرَيْنِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ وَمُسْلِمَيْنِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ، فَصَحَّ فِيمَا جَمَعَهُمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُمَا خُلْعُ أَنْفُسِهِمَا، فَصَحَّ فِيهِ تَوْكِيلُهُمَا لِغَيْرِهِمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَكُونُ اعْتِبَارُهُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجَةِ أَقْوَى مِنِ اعْتِبَارِهِ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ، وَهُوَ الرشيدُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ، لِأَنَّهُ لَوْ خَالَعَ لِنَفْسِهِ جَازَ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي خُلْعِ غَيْرِهِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ فِي وَكِيلِهَا، وَإِنْ وَكَّلَتْ سَفِيهًا جَازَ اعْتِبَارًا بِوَكِيلِ الزَّوْجِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ الرُّشْدُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ كَمَا يُعْتَبَرُ رُشْدُ الزَّوْجَةِ فِي الْخُلْعِ، وَلَا يُعْتَبَرُ رُشْدُ الزَّوْجِ، فَلِذَلِكَ إِنْ وَكَّلَتِ الزَّوْجَةُ سَفِيهًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ سَفِيهًا جَازَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَوَكَالَةُ الزَّوْجَةِ مُخْتَصَّةٌ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ تمَّ الرُّشْدُ فِيهما عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُعْتَبَرٌ فَوَكَالَةُ الزَّوْجِ الْمُشْتَرِكَةُ فِي طَلَاقٍ وَمُعَاوَضَةٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الرُّشْدُ فِيهَا مُعْتَبَرًا.
قِيلَ: لَمَّا تَفَرَّدَتْ وَكَالَةُ الزَّوْجَةِ بِالْمُعَاوَضَةِ تَفَرَّدَتْ بِحُكْمِهَا وَالرُّشْدُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ مُعْتَبَرٌ فَاعْتُبِرَ فِي وَكَالَتِهَا، وَلَمَّا كَانَتِ الْمُعَاوَضَةُ فِي وَكَالَةِ الزَّوْجِ تَبَعًا لِلطَّلَاقِ الَّذِي لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّشْدُ، وَكَانَ التَّبَعُ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الْمَتْبُوعِ لَمْ يَكُنِ الرُّشْدُ فِي وَكَالَتِهِ مُعْتَبَرًا.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا يَكُونُ اعْتِبَارُهُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ أَقْوَى مِنِ اعْتِبَارِهِ فِي وَكِيلِ الزَّوْجَةِ وَهُوَ الذُّكُورِيَّةُ لَا تُعْتَبَرُ فِي وَكَالَةِ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ وَكَّلَتِ امْرَأَةً جَازَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ تَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهَا مَعَ أُنُوثَتِهَا جَازَ أَنْ تُوَكَّلَ فِيهِ مِنْ مِثْلِهَا، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ وَكِيلًا فِي الْبَيْعِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي جَوَازِ تَوْكِيلِ الْمَرْأَةِ فِي الطَّلَاقِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ وَكِيلًا فِيهِ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ أَنْ يكون رجلاً.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهَا الزَّوْجُ طَلَاقَ نَفْسِهَا مَلَكَتْ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ وَكِيلًا فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ الزَّوْجُ امْرَأَةً فَصَارَتِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجَةِ الْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ دُونَ الذُّكُورِيَّةِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّشْدُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي وَكِيلِ الزَّوْجِ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ دُونَ الرُّشْدِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ الذُّكُورِيَّةُ أَمْ لَا؟ عَلَى وجهين.
(مسألة:)
قال الشافعي: (فَإِنْ خَلَعَ عَنْهَا بِمَا لَا يَجُوزُ فَالطَّلَاقُ لَا يُرَدُّ وَهُوَ كَشَيْءٍ اشْتَرَاهُ لَهَا فَقَبَضَتْهُ وَاسْتَهْلَكَتْهُ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَكِيلِ إلا أن يكون ضمن ذلك له (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ هَذَا عِنْدِي بشيء والخلع عنده كالبيع في أكثر معانيه وإذا باع الوكيل ما وكله به صاحبه بما لا يجوز من الثمن بطل البيع فكذلك لما طلقها عليه بما لا يجوز من البدل بطل الطلاق عنه كما بطل البيع عنه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقْصُورَةٌ عَلَى وَكَالَةِ الزَّوْجَةِ فَإِذَا وَكَّلَتْ فِي الْخُلْعِ عَنْهَا مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لَهَا فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً.
فَإِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً فَقَالَتْ لَهُ: خَالِعْ عَنِّي، وَلَمْ تَذْكُرْ لَهُ مِنَ الْمَالِ جِنْسًا وَلَا قَدْرًا فَعَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ حَالًّا مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي هِيَ أَثْمَانٌ وَقِيَمٌ دُونَ الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ، فَيُعْتَبَرُ فِي إِطْلَاقِهَا جِنْسًا، وَهُوَ غَالِبُ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَقَدْرًا وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا يُعْتَبَرُ إِطْلَاقُ الْوَكَالَةِ فِي الشِّرَاءِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَالْحُلُولُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ معتبراً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْوَكِيلِ مِنْ أَحَدِ قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَا بِمَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ فِي إِطْلَاقِ الْوَكَالَةِ مِنْ غَيْرِ مُجَاوَزَةٍ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ حَالًّا مِنْ غَالِبِ النَّقْدِ، فَخُلْعُهُ لَازِمٌ لِلزَّوْجَةِ، وَمَضْمُونٌ عليها وللوكيل في العقد ثلاثة أحوال:
أحدها: أَنْ يَعْقِدَهُ عَلَى مَالٍ مَضْمُونٍ فِي ذِمَّتِهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: عَلَى مَالٍ مَضْمُونٍ فِي ذِمَّتِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُطْلِقَ فَلَا يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّتِهَا، وَلَا فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّتِهَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهَا دُونَ الْوَكِيلِ، وَهَلْ يَكُونُ الْوَكِيلُ مَأْخُوذًا بِاسْتِيفَائِهِ مِنْهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - إِنَّهُ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْهَا، لِأَنَّ وَكَالَتَهُ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْعَقْدِ دُونَ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ جَحَدَتْ وَكَالَتَهُ لَمْ يُؤْخَذِ الْوَكِيلُ بِالْغُرْمِ وَلِلزَّوْجِ إِحْلَافُهَا دُونَ الْوَكِيلِ، وَيَقَعُ طَلَاقُهُ بَائِنًا، إِنْ أَكْذَبَهَا فِي الْجُحُودِ، وَرَجْعِيًّا إِنْ صَدَّقَهَا عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ - أَنَّ الْوَكِيلَ مَأْخُوذٌ بِاسْتِيفَاءِ الْمَالِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ عَقْدِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ جَحَدَتْهُ الْوَكَالَةَ لَزِمَهُ حِينَئِذٍ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ لِجُحُودِهَا لَهُ، وَكَانَ لَهُ إِحْلَافُ الزَّوْجَةِ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا سَوَاءً أَكْذَبَهَا الزَّوْجُ عَلَى الْجُحُودِ أَوْ صَدَّقَهَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْمَالِ مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ، وَإِنْ شَرَطَ الْوَكِيلُ فِي الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ كَانَ ضَامِنًا بِالْعَقْدِ، وَهَلْ تَضْمَنُهُ الزَّوْجَةُ بِالْعَقْدِ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ:
أَحَدُهُمَا: تَكُونُ ضَامِنَةً لَهُ بِالْعَقْدِ لِأَجْلِ إِذْنِهَا فِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَالِبَهَا بِالْمَالِ قَبْلَ غُرْمِهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ الزَّوْجُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَخَذَ الزَّوْجُ بِهِ عِوَضًا مِنَ الْوَكِيلِ رَجَعَ الْوَكِيلُ عَلَيْهَا بِالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ دُونَ قِيمَةِ الْعِوَضِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَكُونُ ضَامِنَةً لَهُ بِالْعَقْدِ لِانْقِضَاءِ حَدِّهِ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهَا فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَالِبَهَا بِالْمَالِ قَبْلَ غُرْمِهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ الزَّوْجُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا وَإِنْ أَخَذَ الزَّوْجُ بِهِ عِوَضًا مِنَ الْوَكِيلِ رَجَعَ عَلَيْهَا الْوَكِيلُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْعِوَضِ أَوِ الْمُسَمَّى.
فَأَمَّا إِذَا أَطْلَقَ الْوَكِيلُ الْعَقْدَ فَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذِمَّتِهَا وَلَا فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْوَكِيلِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ لِإِطْلَاقِهِ بِعَقْدٍ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ مَضْمُونًا عَلَى الزَّوْجَةِ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ، لِتَقَدُّمِ إِذْنِهَا لَهُ بما أوجب ضَمَانَهُ، وَهَلْ يَكُونُ ضَامِنَهُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ لِلزَّوْجِ لِنِيَابَةِ الْوَكِيلِ عَنْهَا فِيهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الزَّوْجُ مُخَيَّرًا بَيْنَ مُطَالَبَتِهَا، وَمُطَالَبَةِ الْوَكِيلِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا، بِذَلِكَ قَبْلَ غُرْمِهِ لِارْتِهَانِ ذِمَّتِهَا بِهِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا غَيْرُ ضَامِنَةٍ لَهُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَوَلَّ الْعَقْدَ، وَلَا سُمِّيَتْ فِيهِ فَعَلَى هَذَا لِلزَّوْجِ مُطَالَبَةُ الْوَكِيلِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهَا وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ مِنْهَا قَبْلَ الْغُرْمِ، فَهَذَا حُكْمُ الْخُلْعِ عَنْهَا مُعَجَّلًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَهَذَا الْحُكْمُ لَوْ خَالَعَ عَنْهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ غَالِبِ النَّقْدِ لِأَنَّهُ إِذَا لَزِمَهَا الْخُلْعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كَانَ بِمَا دُونَهُ أَلْزَمَ، وَهَكَذَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ مُؤَجَّلًا جَازَ، وَلَزِمَهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا أَلْزَمَهَا بِالْمُعَجَّلِ كَانَ بِالْمُؤَجَّلِ أَلْزَم، وَلِأَنَّ لَهَا تَعْجِيلَ الْمُؤَجَّلِ.
(فَصْلٌ:)
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَعْدِلَ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ إِلَى غَيْرِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْدِلَ إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ كَأَنَّهُ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا فَخَالَعَ عَنْهَا بِأَلْفَيْنِ فَالْأَلْفُ الَّتِي هِيَ مَهْرُ الْمِثْلِ لَازِمَةٌ لِلزَّوْجَةِ، وَفِي الْأَلْفِ الزَّائِدَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ سَاقِطَةٌ عَنْهَا لِتَعَدِّي الْوَكِيلِ بِهَا ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْوَكِيلِ فَإِنْ كَانَ قَدْ ضَمِنَ الْعِوَضَ إِمَّا بِالشَّرْطِ أَوْ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ غَرِمَ الْأَلْفَ الزَّائِدَةَ لِلزَّوْجِ لِدُخُولِهَا فِي ضَمَانِهَا وَإِنْ لَمْ يَضْمَنِ الْعِوَضَ لِاشْتِرَاطِهِ لَهُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ فِي غُرْمِهِ لِلْأَلْفِ الزَّائِدَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لَا يَغْرَمُهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَغْرَمُهَا عَلَى قَوْلَيْهِ أَنَّ الْوَكِيلَ مَأْخُوذٌ بِاسْتِيفَاءِ الْعِوَضِ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْهَا فِي الِابْتِدَاءِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَوِ الْتَزَمَتِ الزَّوْجَةُ الْأَلْفَ الزَّائِدَةَ لِلزَّوْجِ كَانَتْ هِبَةً مِنْهَا لَهُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِبَذْلِهَا وَقَبُولِهِ وَقَبْضِهِ وَلَا يَبْرَأُ الْوَكِيلُ مِنْ غُرْمِهَا لِلزَّوْجِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْخُلْعَ فِي الْأَلْفِ الزَّائِدَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهَا لَا يَبْطُلُ إِلَّا أَنْ تَخْتَارَ الزَّوْجَةُ إِبْطَالَهَا، لِأَنَّهَا كَالْعَيْبِ الدَّاخِلِ عَلَيْهَا فَأَوْجَبَ خِيَارَهَا كَسَائِرِ الْعُيُوبِ فَإِنِ اخْتَارَتْ فَسْخَ الْأَلْفِ الزَّائِدَةِ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَالْكَلَامُ فِي غُرْمِ الْوَكِيلِ عَلَى مَا مَضَى، فَإِنِ اخْتَارَتِ الْتِزَامَهَا لَزِمَتْهَا الْأَلْفَانِ بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ غُرْمُهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عليها فيهما إلا بالألف الَّتِي هِيَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَنَّهَا إِذَا الْتَزَمَتِ الْأَلْفَ الزَّائِدَةَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِلزَّوْجِ كَانَتْ هِبَةَ تَبَرُّعٍ لَا يَسْقُطُ عَنِ الْوَكِيلِ غُرْمُهَا، وَإِذَا الْتَزَمَهَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي كَانَتْ عِوَضًا فِي خُلْعٍ يُسْقِطُ غُرْمَهَا عَنِ الْوَكِيلِ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْدِلَ الْوَكِيلُ عَنْ جِنْسِ الْمَهْرِ إِلَى غَيْرِهِ كَأَنَّهُ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ دَرَاهِمَ فَخَالَعَ عَنْهَا بِغَيْرِ دَرَاهِمَ فَهَذَا عَلَى ضربين:
أحدهما: أن يعدل على الدَّرَاهِمِ إِلَى مَا لَا يُسْتَبَاحُ مِنْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَيُخَالِعَ بِهِ عَنْهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَ الزَّوْجُ طَلَاقَهَا نَاجِزًا عَلَى خَمْرٍ فِي الذِّمَّةِ فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَالْخُلْعُ فَاسِدٌ، وَلِلزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ وَلَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ إِنْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ سِوَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَ الطَّلَاقَ مُعَلَّقًا عَلَى خَمْرٍ بِعَيْنِهِ فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْمِلْكِ الْمَفْقُودِ فَعَلَى هَذَا لَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الصِّفَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ الْخَمْرَ، لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ، وَلَا قِيمَتُهَا، لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا، وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ لِمَهْرِ الْمِثْلِ بَدَلًا مِنْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا مَهْرَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْخَمْرِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ طَلَاقُهُ رَجْعِيًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَدَلًا مِنِ اسْتِهْلَاكِ الْبُضْعِ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ طَلَاقُهُ بَائِنًا، وَعَلَى الزَّوْجَةِ غُرْمُ الْمَهْرِ وَضَمَانُ الْوَكِيلِ لَهُ عَلَى مَا مَضَى.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يعدل الوكيل عن الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ الْغَالِبُ مِنْ نُقُودِ الْمَهْرِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُسْتَبَاحَةِ كَالدَّنَانِيرِ أَوْ كَالْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ نَاجِزًا عَلَى مَالٍ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَخْلُو مَا طَلَّقَهَا عَلَيْهِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا عَلَى ثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مِنْهُ إِلَّا مَهْرُ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا خِيَارَ لَهَا، وَالْكَلَامُ فِي ضَمَانِ الْوَكِيلِ لِمَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومًا كَأَنْ خَالَعَهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَفِي بُطْلَانِ الْخُلْعِ عَلَى الدَّنَانِيرِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخُلْعَ عَلَيْهَا بَاطِلٌ فِي حَقِّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِقِيمَةِ الْأَلْفِ الَّتِي هِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَلْزَمُهَا إِلَّا الْأَلْفُ دِرْهَمٍ الَّتِي هِيَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَإِنْ رَضِيَ بِهَا الزَّوْجُ لَمْ يَرْجِعْ بِغَيْرِهَا عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ كَانَ لَهُ رَدُّهَا عَلَى الْوَكِيلِ إِنْ كَانَ الْوَكِيلُ ضَامِنًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَمُطَالَبَةُ الْوَكِيلِ بِالْمِائَةِ دِينَارٍ الَّتِي خَالَعَهُ بِهَا فَإِنِ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ قَبْضِ الدَّرَاهِمِ مِنْهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا، وَرَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالدَّنَانِيرِ، وَرَجَعَ الْوَكِيلُ بِالدَّرَاهِمِ عَلَى الزَّوْجَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى الدَّنَانِيرِ لَا يَبْطُلُ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَتِهَا، فَإِنْ أَجَازَتِ الْخُلْعَ بِهَا دَفَعَتْهَا إِلَى الزَّوْجِ بَرِئَ مِنْهَا الْوَكِيلُ وَإِنْ فَسَخَتِ الْخُلْعَ وَرَجَعَتْ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ غَرِمَتِ الْأَلْفَ دِرْهَمٍ، وَكَانَ الْكَلَامُ فِي رُجُوعِ الزَّوْجِ عَلَى الْوَكِيلِ بِالدَّنَانِيرِ إِنْ كَانَ ضَامِنًا لَهَا عَلَى مَا مَضَى.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مُقَيَّدًا بِعَيْنِ لمال كَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُهَا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الطَّلَاقِ إِذَا كَانَ عَلَى عِوَضٍ فِي الذِّمَّةِ مِمَّا لَا يَلْزَمُهَا، هَلْ يَكُونُ الْخُلْعُ بِهِ بَاطِلًا فِي حَقِّهَا أَوْ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَتِهَا؟ . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ باطل لم يقع الطلاق هاهنا، لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِتَمَلُّكِ عَيْنٍ لَمْ تُمَلَّكْ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَكَانَتْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْخُلْعِ وَفَسْخِهِ، فَإِنْ أَمْضَتِ الْخُلْعَ عَلَى ذَلِكَ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ سَلَّمَتْهُ إِلَى الزَّوْجِ وَبَرِئَ الْوَكِيلُ مِنْ ضَمَانِهِ إِنْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَإِنْ فَسَخَتْهُ لَزِمَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِذَا أَخَذَهُ الزَّوْجُ فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْعَبْدِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةَ بِعَيْنِ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ إِلَّا قِيمَتُهُ، وَقَدْ أَخَذَهَا مِنَ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَى الْوَكِيلِ إِنْ كَانَ ضَامِنًا بِالْفَاضِلِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَهَذَا حُكْمُ الْوَكَالَةِ إِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ مُقَيَّدَةً كَأَنَّهَا ذَكَرَتْ لَهُ جِنْسًا مِنَ الْمَالِ مُقَدَّرًا تَخَالَعَ بِهِ عَنْهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَا عَيَّنَتْ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْمُخَالَعَةُ بِهِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ إِمَّا لِكَوْنِهِ مَغْصُوبًا، أَوْ لِكَوْنِهِ مَرْهُونًا، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُحَرَّمًا مِنْ وَقْفٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَا مَعَ هَذَا النَّصِّ إِلَّا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ أَطْلَقَتْ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيلُ عَلَى مَا مَضَى مِنَ التَّقْسِيمِ، لِأَنَّ النَّصَّ غَيْرُ مُقَيَّدٍ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ يَجُوزُ الْخُلْعُ بِهِ كَأَنَّهَا أَمَرَتْهُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَلِلْوَكِيلِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُخَالِعَ بِمَا أَمَرَتْ بِهِ، وَلَا يَعْدِلَ عَنْهُ، فَالْخُلْعُ جَائِزٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ الْوَكِيلُ، لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ، وَكَانَ مُسَلَّطًا عَلَى تَسْلِيمِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَالٍ فِي الذِّمَّةِ كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى الْوَكِيلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَهَلْ يَكُونُ الْوَكِيلُ مُسَلَّطًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدِ إِذْنٍ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ كَالْمُعَيَّنِ لِاسْتِحْقَاقِهِمَا مَعًا بِالْإِذْنِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِهَا بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا خِيَارَ لَهَا فِي الْعُدُولِ عَنْهُ فَجَازَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى أَخْذِهِ، وَلَهَا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ أَنْ تَعْدِلَ إِلَى مَا شَاءَتْ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَمْ يَتَسَلَّطِ الْوَكِيلُ عَلَى أَخْذِهِ وَقُطِعَ خِيَارُهَا فِيهِ، فَلَوْ أَذِنَتْ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَخَالَعَ عَنْهَا بِخَمْسِينَ أَوْ أَذِنَتْ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَا بِعَبْدٍ فَخَالَعَ عَنْهَا بِبَعْضِهِ لَزِمَ فِي الْحَالَيْنِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَزِمَهَا بِالْأَكْثَرِ كَانَ الْأَقَلُّ أَلْزَمَ.
(فَصْلٌ:)
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْدِلَ الْوَكِيلُ عَمَّا أَذِنَتْ فِيهِ وَنَصَّتْ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، فَالْخُلْعُ جَائِزٌ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ لَازِمٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا بِالْمُخَالَفَةِ إِلَّا مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْهُ وَهُوَ مُوجِبٌ مُخَالَفَتَهُ صَارَ فِي اسْتِحْقَاقٍ عَلَيْهَا كَالْمُسْتَحَقِّ فِي مُوَافَقَتِهِ فَتَصِيرُ الْمُخَالَفَةُ فِي حُكْمِ الْمُوَافَقَةِ، وَقَلَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِلَّا فِي مَوَاضِعَ نَادِرَةٍ، فَلَوْ خَالَعَ عَنْهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ كَانَ أَجْوَزَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْدِلَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَعَمَّا سَمَّتْ إِلَى غَيْرِهِمَا مِمَّا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَقْسَامِ فَفِي بُطْلَانِ الْعَقْدِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى خِيَارِهَا فَيَكُونُ فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَائِهِ وَفَسْخِهِ فَإِذَا قُلْنَا إِنَّهُ بَاطِلٌ فَفِيمَا يَلْزَمُهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ سَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا بَذَلَتْ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّ فَسَادَ الْعَقْدِ يُوجِبُ قِيمَةَ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِمَا أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ مَا بَذَلَتْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ طَابَتْ بِهِ نَفْسًا.
مِثَالُهُ: أَنْ تَكُونَ أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَخَالَعَ عَنْهَا بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُمِائَةٍ، لَزِمَهَا الْأَلْفُ الَّتِي بَذَلَتْ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ لَزِمَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْعَقْدَ مَوْقُوفٌ عَلَى خِيَارِهَا فَإِنِ اخْتَارَتِ الْإِمْضَاءَ لَزِمَهَا الْمُسَمَّى، وَإِنِ اخْتَارَتِ الْفَسْخَ فَفِيمَا يَلْزَمُهَا قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى:
أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ لَا غَيْرَ.
وَالثَّانِي: أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ مَا بَذَلَتْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ:)
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مُخَالَفَةَ الْوَكِيلِ مُوجِبَةٌ لفسادة الْعَقْدِ وَرَفْعِ الطَّلَاقِ، وَاعْتِبَارًا بِمُخَالَفَةِ وَكِيلِ الزَّوْجِ.
قُلْنَا: أَمَّا فَسَادُ الْعَقْدِ بِالْمُخَالَفَةِ فَصَحِيحٌ، وَأَمَّا رَفْعُ الطَّلَاقِ فِيهِ اعْتِبَارًا بِوَكِيلِ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَهُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ مَعَ فَسَادِ الْخُلْعِ كَمَا يَقَعُ مَعَ صِحَّتِهِ، وَخَالَفَ الْبَيْعَ فِيهِ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ، وَخَالَفَ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِوَكِيلِ الْبَائِعِ إِذَا خَالَفَ مُوَكِّلَهُ فَوَهْمٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ
وَكِيلَ الْبَائِعِ يَقُومُ فِي الْخُلْعِ مَقَامَ وَكِيلِ الزَّوْجِ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَ وَكِيلِ الزَّوْجَةِ كَمَا أَنَّ وَكِيلَ الْمُشْتَرِي يَقُومُ مَقَامَ وَكِيلِ الزَّوْجَةِ دون الزوج والله أعلم.
(مسألة:)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَلَوْ وَكَّلَ مَنْ يُخَالِعُهَا بِمِائَةٍ فَخَالَعَهَا بِخَمْسِينَ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِمِائَةٍ فَأَعْطَتْهُ خَمْسِينَ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا بَيَانٌ لِمَا قلت في الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَالَ الْمُزَنِيُّ: هَذَا بَيَانٌ لِمَا قُلْتُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَقْصُورَةٌ عَلَى تَوْكِيلِ الزَّوْجِ فِي الْخُلْعِ عَنْهُ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لَهُ فِيهِ بِالْوَكَالَةِ لِوَكِيلِهِ عَلَى مَا يُخَالِعُهَا بِهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مَعْلُومًا فَيَقُولُ لَهُ: خَالِعْهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ يَقُولُ لَهُ: خَالِعْهَا عَلَى عَبْدِهَا الْفُلَانِيِّ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَالِعَهَا بِمَا سَمَّى مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ عَنْهُ، وَلَا تَقْصِيرٍ فِيهِ فَيُخَالِعُ عَنْهُ بِالْأَلْفِ إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسَمَّاةَ أَوْ بِالْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُسَمَّى، فَالْخُلْعُ لَازِمٌ، وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ، وَلَهُ قَبْضُ مَا خَالَعَ بِهِ، وَإِنْ لم يذكره الزوج ما لم ينهه عنه قَبْضِهِ كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ يَجُوزُ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ مَا لَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُخَالِعَ عَنْهُ بِالْمُسَمَّى وَزِيَادَةٍ عَلَيْهِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنَ الْجِنْسِ كَأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُخَالِعَهَا بِأَلْفٍ، فَخَالَعَهَا بِأَلْفَيْنِ، فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ، وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِالْأَلْفِ كَانَ بِهَا وَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا أَرْضَى، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَفَعْتِ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ أَلْفَيْنِ طُلِّقَتْ، وَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مَانِعَةً مِنْ حُصُولِ الصِّفَةِ بِهَا لِدُخُولِ الْأَلْفِ فِي الْأَلْفَيْنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسَمَّى مِثْلِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: خَالِعْهَا عَلَى أَلْفٍ فَيُخَالِعَهَا عَلَى أَلْفٍ وَعَبْدٍ أَوْ يَقُولَ لَهُ: خَالِعْهَا عَلَى عَبْدٍ فَيُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ وَأَلِفٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْخُلْعَ صَحِيحٌ، وَالطَّلَاقَ وَاقِعٌ لِوُجُودِ الْمُسَمَّى مَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِوُجُودِهِ مَعَ الزِّيَادَةِ مِنَ الْجِنْسِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَفَعْتِ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ أَلْفًا وَعَبْدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخُلْعَ بَاطِلٌ، وَالطَّلَاقَ غَيْرُ وَاقِعٍ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْجِنْسِ تَكُونُ تَبَعًا، فَدَخَلَتْ فِي حُكْمِ الْمَتْبُوعِ، وَزِيَادَةَ غَيْرِ الْجِنْسِ لَا تَكُونُ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ تَبَعًا بِأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا، وَمُخَالَفَةُ الْجِنْسِ تُفْسِدُ الْخُلْعَ كَذَلِكَ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْتَصِرَ مِنَ الْمُسَمَّى عَلَى بَعْضِهِ كَأَنَّهُ سمى له ألفاً فخالعها تسعمائة أو على ألف إلا درهم أَوْ سَمَّى لَهُ عَبْدًا فَخَالَعَهَا عَلَيْهِ إِلَّا جُزْءًا مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ فَالطَّلَاقُ غَيْرُ وَاقِعٍ.
والقسم الرابع: أن يعدل على جِنْسِ الْمُسَمَّى إِلَى غَيْرِهِ، كَأَنَّهُ سَمَّى لَهُ أَلْفا دِرْهَمٍ فَخَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، أَوْ سَمَّى لها عَبْدًا فَخَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ، فَالطَّلَاقُ غَيْرُ وَاقِعٍ.
وهذين القسمين سَوَاءٌ خَالَفَ فِي الْجِنْسِ أَوْ فِي نُقْصَانِ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي جُعِلَ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا بِهَا لَمْ تُؤْخَذْ فِي الْحَالَيْنِ فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ لَهَا إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ أَقَلَّ مِنْهَا، لَمْ تُطَلَّقْ، وَكَقَوْلِهِ إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَعْطَتْهُ ثَوْبًا، لَمْ تُطَلَّقْ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَعْطَتْهُ بِقِيمَةِ مَا قَالَهُ، أَوْ أَكَثَرَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ بِالصِّفَةِ لَا بِالْقِيمَةِ، كَذَلِكَ الْوَكِيلُ، وَفَارَقَ وَكِيلَ الزَّوْجَةِ حَيْثُ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِمُخَالَفَتِهِ وَلَمْ يَقَعْ بِمُخَالَفَةِ وَكِيلِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ مِنْ جِهَةِ وَكِيلِ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ.
(فَصْلٌ:)
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الزَّوْجُ وَسَمَّاهُ لِوَكِيلِهِ مَجْهُولًا كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: خَالِعْهَا عَلَى عَبْدٍ، أَوْ قَالَ عَلَى ثَوْبٍ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَذْكُرَ نَوْعَ الْعَبْدِ فَيَقُولَ: عَلَى عَبْدٍ هِنْدِيٍّ أَوْ سِنْدِيٍّ، فَيَجُوزُ وَيَصِحُّ خُلْعُ الْوَكِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ بِالصِّفَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِي السَّلَمِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ تُسْتَحَقُّ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَا فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَن لَا يَذْكُرَ نَوْعَهُ فَفِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعَبِيدِ يُوقِعُ جَهَالَةً فِي التَّوْكِيلِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ خُلْعُ الوكيل.
والوجه الثاني: تصح الوكالة؛ لأن لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ فِي الْوَكَالَةِ ذِكْرُ صِفَاتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذِكْرُ نَوْعِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا صَحَّتِ الْوَكَالَةُ، فَعَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ مُعَيَّنٍ تَكُونُ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَمَا زَادَ، فَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ مَوْصُوفٍ فِي ذِمَّتِهَا بِصِفَاتِ السَّلَمِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالصِّفَةِ كَمَا يَكُونُ مَعْلُومًا بِالتَّعْيِينِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ فِي الذِّمَّةِ مُسَلَّمٌ، وَفِي السَّلَمِ عُذْرٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَكِيلِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ عَبْدٍ، فَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى غَيْرِ عَبْدٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ سَوَاءً خَالَعَ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ، أَوْ أَقَلَّ وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَصَاعِدًا فَخُلْعُهُ جَائِزٌ، وَطَلَاقُهُ وَاقِعٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ المثل فيكون لحكم فِيهِ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ الزَّوْجُ الْوَكَالَةَ، فَخَالَعَ الْوَكِيلُ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْآتِي.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ ضَرْبَيِ الْوَكَالَةِ أَنْ تَكُونَ وَكَالَةُ الزَّوْجِ مُطْلَقَةً فَيَقُولُ لِوَكِيلِهِ: خَالِعْ زَوْجَتِي، وَلَا يَذْكُرُ لَهُ جِنْسًا وَلَا قَدْرًا، فَالْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخَالِعَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَمَا زَادَ.
فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمْ إِنَّهُ إِذَا قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِعَبْدٍ، لَمْ يَذْكُرْ نَوْعَهُ لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهَالَةِ فَأَوْلَى إِذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ أن لا تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ جَهَالَةً.
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ تَمَلُّكُ مَالٍ مَخْصُوصٍ لَا يُعْلَمُ مَعَ الْجَهَالَةِ فَلَمْ يَصِحَّ، وَالْمَقْصُودُ فِي الْإِطْلَاقِ مِلْكُ الْبَدَلِ عَنِ الْبُضْعِ وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ غَالِبِ النَّقْدِ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ جَهَالَةُ الْعَقْدِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْوَكِيلِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُخَالِعَهَا عَنْهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ غَالِبِ النَّقْدِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ فَهَذَا الْخُلْعُ مَاضٍ وَالطَّلَاقُ فِيهِ وَاقِعٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُخَالِعَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَزِيَادَةٍ، فَالْخُلْعُ جَائِزٌ، سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَهْرِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، بِخِلَافِ الْعَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي التَّعْيِينِ حُكْمُ الطَّلَاقِ بِالصِّفَةِ، وَمَعَ الْإِطْلَاقِ حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ أَبَلَغُ فِي الِاحْتِيَاطِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُخَالِعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَيَعْدِلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أقاويل.
أحدها: أن الطَّلَاق لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ لِمَا أَوْجَبَهُ الْإِطْلَاقُ كَمُخَالَفَتِهِ لِمَا أَوْجَبَهُ التَّقْيِيدُ نَصًّا، وَقَدْ مَنَعَ مُخَالَفَةُ النَّصِّ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ تَمْنَعَ مُخَالَفَةُ الْحُكْمِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بَائِنًا، وَلَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ مَا تَقَدَّرَ بِالْحُكْمِ اجْتِهَادًا يَقْصُرُ عَنْ حُكْمِ النَّصِّ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ أَمْضَى حُكْمًا خَالَفَ فِيهِ نَصًّا بَطَلَ حُكْمُهُ، وَلَوْ خَالَفَ فِيهِ اجْتِهَادًا لَمْ يَبْطُلْ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الزَّوْجَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ مَا خَالَعَ بِهِ الْوَكِيلُ، وَأَخْذِ الْعِوَضِ الَّذِي خَالَعَهَا بِهِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَبَيْنَ فَسْخِهِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَلَا يَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَمْ تَبْذُلْهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الطَّلَاقَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، لَكِنْ يَرْفَعُ الْبَيْنُونَةَ بِرَدِّ الْعِوَضِ وَبِمِلْكِ الرَّجْعَةِ وَاللَّهُ أعلم.
(باب الخلع في المرض من كتاب نشوز الرجل على المرأة)
(مسألة:)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِي الْمَرَضِ كَمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمَرِيضَ فَخَالَعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِهَا ثُمَّ مَاتَ فَجَائِزٌ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: الْخُلْعُ فِي الْمَرَضِ جَائِزٌ، كَالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرِيضَ يصح طلاقه بغير بدل، فصح بالبدل كَالصَّحِيحِ، فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي الْمَرَضِ، كَجَوَازِهِ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضًا صَحَّ خُلْعُهُ سَوَاءٌ خَالَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ صَحَّ، فَإِذَا خَالَعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا الْخُلْعُ كَالْبَيْعِ إِذَا خَالَعَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَنْ يَكُونَ مُحَابَاةً فِي الثُّلُثِ كَالْمُحَابَاةِ فِي الْبَيْعِ.
قِيلَ: لِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنِ الْبُضْعِ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ صَحَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، فَإِذَا أَزَالَهُ بِقَلِيلِ الْبَدَلِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ، وَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ بِالْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ كان معتبراً من فيه الثلث، فكذلك إذا حابا فِيهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَلِيلِ الْبَدَلِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ كَانَ إِزَالَةُ الملك عن المال في المرض معتباراً مِنَ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَكُنْ إِزَالَةُ الْمِلْكِ عَنِ الْبُضْعِ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ.
قِيلَ: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الثُّلُثِ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْوَرَثَةِ ومنتقلاً إليهم إرثاً بالموت، والمال منتقلاً إِلَيْهِمْ بِالْإِرْثِ فَكَانَ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، وَبُضْعُ الزَّوْجَةِ غَيْرُ مَوْرُوثٍ، وَلَا مُنْتَقِلٍ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الثُّلُثِ، أَلَا تَرَاهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي مَرَضِهِ، كَانَ مِنْ ثُلُثِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مُنْتَقِلًا إِلَيْهِمْ بِمَوْتِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ فِي مَرَضِهِ كَانَتْ مِنْ أَصْلِ مَالِهِ لَا مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّهَا مُنْتَقِلَة إِلَيْهِمْ بِمَوْتِهِ.
(مسألة:)
قال الشافعي: (فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمَرِيضَةَ فَخَالَعَتْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ مَرَضِهَا جَازَ لَهُ مَهْرُ مِثْلِهَا وَكَانَ الْفَضْلُ وَصِيَّةً يُحَاصُّ أَهْلُ الْوَصَايَا بِهَا فِي ثُلُثِهَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا خَالَعَتِ الْمَرِيضَةُ زَوْجَهَا صَحَّ خُلْعُهَا فَإِنْ خَالَعَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَمَا دُونَ كَانَ مِنْ رَأْسِ مَالِهَا، وَأَصْلِ تَرِكَتِهَا وَإِنْ خَالَعَتْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ كَانَ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ مُحَابَاةً تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ جَمِيعُ مَا تُخَالِعُ بِهِ الْمَرِيضَةُ مُعْتَبَرٌ فِي الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا قِيمَةَ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ فِي مَرَضِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ مِنْ ثُلُثِهِ، فَإِذَا بَذَلَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ مَالًا فِي مَرَضِهَا عَلَى مَا لَا قِيمَةَ لَهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهَا كَالْهِبَةِ، وَلِأَنَّ أَجْنَبِيًّا لَوْ خَالَعَ عَنْهَا مِنْ مَالِهِ كَانَ جَمِيعُ مَا بَذَلَهُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ لَكَانَ مِنْ أَصْلِ مَالِهِ كَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْبَاذِلَةَ وَلِأَنَّ فِي الْخُلْعِ ضَرَرًا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا بَذَلَتْهُ مِنْ مَالِهَا.
وَالثَّانِي: مَا أَسْقَطَتْهُ مِنْ نَفَقَتِهَا فَكَانَ أَضَرَّ مِنَ الْعَطَايَا وَأَحَقَّ أَنْ يُعْتَبَرَ مِنَ الثُّلُثِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ مَالٌ بَذَلَهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ فِيهِ مُعْتَبَرًا مِنْ أَصْلِ الْمَالِ كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَصِحُّ مُؤَجَّلًا وَمُعَجَّلًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِوَضُ الْمِثْلِ مِنْ أصل المال كالبيع.
وقولنا يَصِحُّ مُعَجَّلًا وَمُؤَجَّلًا احْتِرَازًا مِنَ الْكِتَابَةِ، وَلِأَنَّ خُلْعَ الزَّوْجِ تَوْفِيرًا عَلَى الْوَرَثَةِ فِي سُقُوطِ مِيرَاثِهِ، وَهُوَ فِي الْأَغْلَبِ أَكْثَرُ مِمَّا بَذَلَتْ فَكَانَ مَا أَفَادَهُمْ سُقُوطَ مِيرَاثِهِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ الْبُضْعَ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ فِيهِ كَالْحَشَرَاتِ، وَلَمَّا جَازَتِ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى الْبُضْعِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ بِالْخُلْعِ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ قِيمَةً كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ صَغِيرَةٌ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَةٌ لَهُ كَبِيرَةٌ حَتَّى حرمَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ قَصَدَتِ التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ تَقْصِدْ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ قَصَدَتِ التَّحْرِيمَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْبُضْعُ مَالًا لِلزَّوْجِ لَمَا لَزِمَهَا لَهُ غُرْمُ قِيمَتِهِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْأَجْنَبِيِّ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكِ الْبُضْعَ الَّذِي فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ
مِنَ الْمَالِ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزَّوْجَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتِ الْبُضْعَ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَتْ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهَا قَدِ اسْتَضَرَّتْ مِنْ وَجْهَيْنِ بِمَا بَذَلَتْ مِنْ مَالِهَا وَأَسْقَطَتْهُ مِنْ نَفَقَتِهَا فَالْجَوَابُ أَنَّهَا تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا قَدْ تَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ نِكَاحَ غَيْرِهِ، وَنَفَقَةً أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَتِهِ إِنْ عَاشَتْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُوَفِّرُ عَلَى وَرَثَتِهَا قَدْرَ مِيرَاثِهِ إِنْ مَاتَتْ.
(فَصْلٌ:)
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَا خَالَعَتْ بِهِ فِي مَرَضِهَا مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ يَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ الثُّلُثِ، فَخَالَعَتْهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَلْفُ قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ، صَحَّ الْخُلْعُ بِهَا سَوَاءٌ تَرَكَتْ غَيْرَ الْأَلْفِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ يُحِيطُ بِالْأَلْفِ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مِنَ الْأَلْفِ أَرْبَعَمِائَةٍ كَانَ الْبَاقِي مِنَ الْأَلْفِ وَهُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ مُحَابَاةً تَكُونُ وَصِيَّةً فِي الثُّلُثِ، فإن احتملها الثلث أمضت، وَهُوَ أَنْ تُخَلِّفَ سِوَى أَلْفِ الْخُلْعِ أَلْفًا وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَيَأْخُذُ الزَّوْجُ الْأَلْفَ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْهَا فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَسِتُّمِائَةٍ وَصِيَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ إِلَى الْوَرَثَةِ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ وَذَلِكَ السِّتُّمِائَة الْخَارِجَةُ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تُخَلِّفِ الزَّوْجَةُ سِوَى الْأَلْفِ الَّتِي خَالَعَتْ بِهَا كَانَ لِلزَّوْجِ مِنْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَثُلُثُ السِّتِّمِائَةٍ الْبَاقِيَةِ مِنَ الْأَلْفِ وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَصِيَّةً لَهُ فَيَصِيرُ لَهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَبِالْوَصِيَّةِ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَيَكُونُ الْبَاقِي وَهُوَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِلْوَرَثَةِ وَهُوَ مِثْلُ مَا خَرَجَ بِالْوَصِيَّةِ فَلَوْ كان على الزوجة ثلثمائة دِرْهَمٍ دَيْنًا أَخَذَ الزَّوْجُ مِنَ الْأَلْفِ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَهُوَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَدَفَعَ مِنَ الْبَاقِي قَدْرَ الدَّيْنِ، وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَ الزَّوْجُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ، وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَ الْوَرَثَةُ الْبَاقِيَ وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَهُوَ مِثْلُ مَا خَرَجَ بِالْوَصِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ دَيْنُهَا سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَصَاعِدًا صُرِفَ بَاقِي الْأَلْفِ بَعْدَ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ قَدْ وَصَّتْ بِثُلُثِ مَالِهَا لِغَيْرِهِ، كَانَ الزَّوْجُ أَحَقَّ بِالثُّلُثِ فِي بَقِيَّةِ الْأَلْفِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْوَصَايَا، لِأَنَّ وَصِيَّتَهَا عَطِيَّةٌ فِي الْمَرَضِ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصَايَا بَعْدَ الْمَوْتِ سَوَاءٌ قَبَضَهَا الزَّوْجُ فِي الْحَيَاةِ أَوْ بعد الموت.
(مسألة:)
قال الشافعي: (وَلَوْ كَانَ خُلْعُهَا بِعَبْدٍ يُسَاوِي مِائَةً وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُونَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الْعَبْدِ وَنِصْفَ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ يَرُدَّ وَيَرْجِعَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ هَذَا عِنْدِي بِشَيْءٍ وَلَكِنْ لَهُ مِنَ الْعَبْدِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَمَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ بَعْدَ مَهْرِ مِثْلِهَا وَصِيَةٌ لَهُ إِنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ من الثلث ولم يكن لها غيره فهر بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَبِلَ وَصِيَّتَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ مِنْ نِصْفِ الْعَبْدِ وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْعَبْدَ وَأَخَذَ مِثْلَهَا لِأَنَّهُ إِذَا صَارَ فِي الْعَبْدِ شِرْكٌ لِغَيْرِهِ فَهُوَ عَيْبٌ يَكُونُ فِيهِ الْخِيَارُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ خَالَعَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهَا عَلَى عَبْدٍ يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُونَ درهم، فَإِنْ صَحَّتِ الزَّوْجَةُ مَنْ مَرَضِهَا كَانَ لِلزَّوْجِ جَمِيعُ الْعَبْدِ سَوَاءٌ كَانَ لِلزَّوْجَةِ غَيْرُهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ مُحَابَاةَ الْمَرِيضِ إِذَا صَحَّ مَاضِيَةٌ، وَإِنْ مَاتَتْ مِنْ مَرَضِهَا فَنِصْفُ الْعَبْدِ، وَهُوَ قَدْرُ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَنِصْفُهُ الْبَاقِي مُحَابَاةٌ فِي الثُّلُثِ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَخْرُجَ مِنْ ثُلُثِهَا.
وَالثَّانِي: أَن لا يَخْرُجَ مِنْ ثُلُثِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخْرُجَ بَعْضُهُ مِنَ الثُّلُثِ وَلَا يَخْرُجَ بَاقِيهِ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ جَمِيعُ النِّصْفِ مِنَ الثُّلُثِ، وَهُوَ أَنْ تُخَلِّفَ الزَّوْجَةُ مَعَ الْعَبْدِ مِائَةَ دِرْهَمٍ أُخْرَى فَيَأْخُذَ الزَّوْجُ جَمِيعَ الْعَبْدِ، نِصْفَهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَنِصْفَهُ بِالْمُحَابَاةِ، وَقِيمَتُهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا قَدْ حَصَلَ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ جَمِيعَ الْعَبْدِ، فَلَمْ تَتَفَرَّقْ صَفْقَتُهُ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ، لِأَنَّهُ عَاقَدَهَا لِيَكُونَ لَهُ جَمِيعُ الْعَبْدِ عِوَضًا، وَقَدْ صَارَ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ عِوَضًا وَنِصْفُهُ وَصِيَّةً فَقَدْ تَفَرَّقَتْ صَفْقَتُهُ فِي الْعَبْدِ حُكْمًا وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ يُوجِبُ الْخِيَارَ لِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّفْرِيقِ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ فِي الْعَبْدِ سُوءُ الْمُشَارَكَةِ، لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ جَمِيعُهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ الْخِيَارُ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ نِصْفِ الْعَبْدِ الْبَاقِي شَيْءٌ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا دَيْنٌ قَدْ أَحَاطَ بِمَالِهَا، فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَّا نِصْفَهُ، وَهُوَ قَدْرُ مَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إِحَاطَةُ الدَّيْنِ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَقَدْ تَفَرَّقَتِ الصَّفْقَةُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ خَالَعَ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ فَحَصَلَ لَهُ نَصِفُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْخِيَارِ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُقَامِ أَوِ الْفَسْخِ فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ النِّصْفِ مِنْهُ، وَإِنْ فَسَخَ كَانَ لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، فَإِنْ قِيلَ: مَا اسْتَفَادَ بِالْفَسْخِ زِيَادَةً قِيلَ: قَدِ اسْتَفَادَ أَنْ أَخَذَ نَقْدًا وَأَزَالَ عَنْ نَفْسِهِ سُوءَ الْمُشَارَكَةِ.
(فَصْلٌ:)
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النِّصْفِ خَارِجًا مِنَ الثُّلُثِ، وَبَاقِيهِ غَيْرُ خَارِجٍ منه، وذلك في إحدى حالتين.
إما أن لا يُخَلِّفَ غَيْرَ نِصْفِهِ الْبَاقِي.