كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الماوردي
- الكتاب
- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
- المؤلف
- أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
- المحقق
- الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1419 هـ -1999 م
- عدد الأجزاء
- 19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإن استرق مالك المال: فالاستراقاق يُزِيلُ الْمِلْكَ كَالْمَوْتِ، فَفِي الْمَالِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُغْنَمُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ مَوْقُوفًا لَا يَنْتَقِلُ إِلَى وَارِثِهِ، لِأَنَّهُ حَيٌّ، وَلَا إِلَى مُسْتَرِقِّهِ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ أَمَانٌ، وَرُوعِيَتْ حَالُهَ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ.
فَإِنْ عُتِقَ: دُفِعَ الْمَالُ إِلَيْهِ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ.
وَإِنْ مَاتَ عَبْدًا: فَفِي مَالِهِ قَوْلَانِ - حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ -
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مَغْنُومًا لِبَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا، وَلَا يَكُونُ مَوْرُوثًا، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُورَثُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فِي حُرِّيَّتِهِ فَانْتَقَلَ إِلَى وَرَثَتِهِ بِحُكْمِ الْحُرِّيَّةِ حَتَّى جَرَى عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنِ ارْتَدَّ سَكْرَانُ فَمَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا وَلَا يُقْتَلُ إِنْ لَمْ يَتُبْ حَتَّى يَمْتَنِعَ مُفِيقًا (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قُلْتُ إِنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى طَلَاقِ السَّكْرَانِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: تصح ردة السكران وإسلامه كما يصح عنقه وَطَلَاقُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَلَا إِسْلَامُهُ، وَإِنْ صَحَّ عِتْقُهُ وَطَلَاقُهُ.
احْتِجَاجًا: بِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْكُفْرَ يَتَعَلَّقَانِ بِالِاعْتِقَادِ الْمُخْتَصِّ بِالْقَلْبِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] .
وَلَيْسَ يَصِحُّ مِنَ السَّكْرَانِ اعْتِقَادٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ كُفْرٌ وَإِيمَانٌ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا.
قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَا عَقْلَ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَصِحَّ رِدَّتُهُ وَلَا إِسْلَامُهُ كَالْمَجْنُونِ.
وَدَلِيلُنَا: مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - مِنْ تَكْلِيفِ السَّكْرَانِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، وَقَالَ: أَرَى النَّاسَ قَدْ تَهَافَتُوا وَاسْتَهَانُوا بِحَدِّهِ فَمَاذَا تَرَوْنَ؟
فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب - عليه السلام -: أَرَى أَنْ يُحَدَّ ثَمَانِينَ، لِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَيُحَدُّ حَدَّ الْمُفْتَرِي.
فَوَافَقَهُ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى هَذَا، وَحَدُّوهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي ثمانين.
وَجَعَلُوا مَا تَلَفَّظَ بِهِ فِي السُّكْرِ افْتِرَاءً يَتَعَلَّقُ بِهِ حَدٌّ وَتَعْزِيرٌ، وَذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ.
وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ لَكَانَ كَلَامُهُ لَغْوًا وَافْتِرَاؤُهُ مُطَّرَحًا، وَإِذَا صَحَّ تَكْلِيفُهُ صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ.
وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ عِتْقُهُ وَطَلَاقُهُ صَحَّتْ رِدَّتُهُ وَإِسْلَامُهُ كَالصَّاحِي.
وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ وَالْإِسْلَامَ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفُرْقَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مِنَ السَّكْرَانِ كَالطَّلَاقِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّهُ لَا اعْتِقَادَ لَهُ: فَهُوَ أَنَّهُ يَجْرِي فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ مَجْرَى مَنْ لَهُ اعْتِقَادٌ وَتَمْيِيزٌ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ، وَلَوْ عَدِمَ التَّمْيِيزَ مَا وَقَعَا كَالْمَجْنُونِ.
وَهُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْقِيَاسِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّكْرَانَ فِي الرِّدَّةِ وَالْإِسْلَامِ كَالصَّاحِي، كَمَا هُوَ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ كَالصَّاحِي فَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِيمَا لَهُ - وَمَا عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ -.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ تَغْلِيظًا، وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَخْفِيفًا، وَالسَّكْرَانُ مُغَلَّظٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُخَفَّفٍ عَنْهُ.
فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ مِنْهُ الرِّدَّةُ لِأَنَّهَا تَغْلِيظٌ، فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ رِدَّةٍ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ، وَإِنْ كَانَ عَنْ كُفْرٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ كَالذِّمِّيِّ يَصِحُّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ تَغْلِيظٌ - وَهَذَا خَطَأٌ.
لِأَنَّ السُّكْرَ إِنْ سَلَبَهُ حُكْمَ التَّمْيِيزِ وَجَبَ أَنْ يَعُمَّ كَالْجُنُونِ، وَإِنْ لَمْ يَسْلُبْهُ حُكْمَ التَّمْيِيزِ وَجَبَ أَنْ يَعُمَّ كَالصَّاحِي.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرَ مُمَيِّزٍ فِي بَعْضِهَا لِتَنَاقُضِهِ فِي الْمَعْقُولِ، وَفَسَادِهِ عَلَى الْأُصُولِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَارْتَدَّ سَكْرَانُ، جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّدَّةِ مِنْ وُجُوبِ قَتْلِهِ وَسُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْ قَاتِلِهِ، وَتَحْرِيمِ زَوْجَاتِهِ، وَالْحَجْرِ عَلَى أَمْوَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا غَيْرَ مَوْرُوثٍ.
فَأَمَّا اسْتِتَابَتُهُ مِنْ رِدَّتِهِ فَقَدْ أَمَرَ الشَّافِعِيُّ بِتَأْخِيرِهَا إِلَى حَالِ صَحْوِهِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْخِيرِهَا هَلْ هُوَ عَلَى الْإِيجَابِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى
اخْتِلَافِهِمْ هَلْ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ كَمَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصَّاحِي فِيمَا عَلَيْهِ؟
أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - إنَّ تَأْخِيرَهَا اسْتِحْبَابٌ، فَإِنِ اسْتَتَابَهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ أُقِيدَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَأْخِيرَهَا إِلَى صَحْوِهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَرَضَهُ فِي الرِّدَّةِ شُبْهَةٌ يَسْتَوْضِحُهَا بَعْدَ إِفَاقَتِهِ، فَإِنِ اسْتَتَابَهُ فِي سُكْرِهِ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ، وَكَانَ عَلَى أَحْكَامِ الرِّدَّةِ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْ قَاتِلِهِ وَانْتِقَالِ مَالِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا دُونَ وَرَثَتِهِ.
فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ جَعَلَ تَأْخِيرَ تَوْبَتِهِ دَلِيلًا عَلَى إِبْطَالِ طَلَاقِهِ، وَغَفَلَ أَنْ يَجْعَلَ ثُبُوتَ رِدَّتِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِهِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا ارْتَدَّ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُسْتَتَبْ فِي جُنُونِهِ، لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ إِسْلَامٌ وَلَا رِدَّةٌ، وَلَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُفِيقَ مِنْ جُنُونِهِ.
وَلَوْ جُنَّ بَعْدَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ: قُتِلَ قَبْلَ إِفَاقَتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ مَنَعَ الْجُنُونُ مِنْ قَتْلِ الرِّدَّةِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَتْلِ الْقَوَدِ: أَنَّ لَهُ إِسْقَاطَ قتل الردة عن نفس بِتَوْبَتِهِ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ فَأُخِّرَ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ إِسْقَاطُ قَتْلِ الْقَوَدِ عَنْ نَفْسِهِ بِحَالٍ فَلَمْ يؤخر إلى إفاقته.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالرِّدَّةِ فَأَنْكَرَهُ قِيلَ إِنْ أَقْرَرْتَ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ دين خالف دين الإسلام يُكْشَفْ عَنْ غَيْرِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالرِّدَّةِ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمَا عليه مطلقة، حَتَّى يَصِفَا مَا سَمِعَاهُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مُرْتَدًّا، وَسَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِهِ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ، كَمَا لَا تُسْمَعُ شَهَادَتُهُمَا بِالْجَرْحِ حَتَّى يَصِفَا مَا يَكُونُ بِهِ مَجْرُوحًا.
فَإِذَا ثَبَتَت الشَّهَادَةُ سَأَلْنَاهُ عَنْهَا وَلَمْ يَعْرِضْ لِقَتْلِهِ قَبْلَ سُؤَالِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَابَ مِنْهَا أَوْ سَيَتُوبُ.
فَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ سُؤَالِهِ عُزِّرَ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ، لِثُبُوتِ رِدَّتِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ وَلِيُّهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ تَابَ مِنْ رِدَّتِهِ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَيُسْأَلُ الْقَاتِلُ، فَإِنْ عَلِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، لِأَنَّ تَقَدُّمَ رِدَّتِهِ شُبْهَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الْقَوَدُ، لِأَنَّهُ عَمَدَ قَتْلَ نَفْسٍ مَحْظُورَةٍ.
وَإِذَا كَانَ بَاقِيًا بَعْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ وَسُئِلَ عنها لم يخلو جَوَابُهُ مِنِ اعْتِرَافٍ بِهَا أَوْ إِنْكَارٍ لَهَا.
فَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا اسْتَتَبْنَاهُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ.
وَإِنْ أَنْكَرَهَا قِيلَ لَهُ: إِنْكَارُكَ لَهَا مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِهَا تَكْذِيبٌ لِشُهُودٍ عُدُولٍ، لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ بِالتَّكْذِيبِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُكَ الْإِقْرَارُ بِهَا، وَلَكَ الْمَخْرَجُ مِنْ شَهَادَتِهِمْ بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِذَا أَظْهَرَهُ: زَالَتْ عَنْهُ الرِّدَّةُ وَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ.
فَقَدْ شَهِدَ شُهُودٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَأَحْضَرَهُمْ وَسَأَلَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَفَ وَتَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، فَكَفَّ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ، وَأَجْرَى عَلَى جَمِيعِهِمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ.
فَإِذَا أَظْهَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَكْشِفْ عَنْ غَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ ذَلِكَ مِنْهُ تأويلين:
أَحَدُهُمَا: لَمْ يَكْشِفْ عَمَّا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ مِنْ رِدَّتِهِ.
وَالثَّانِي: لَمْ يَكْشِفْ عَنْ بَاطِنِ مُعْتَقَدِهِ، لِأَنَّ ضَمَائِرَ الْقُلُوبِ لَا يُؤَاخِذُ بِهَا إِلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ارْتَابَ بِرَجُلٍ فِي الرِّدَّةِ، فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَظُنُّكَ متعوذ بِهِ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا لِي فِي الْإِسْلَامِ مَعَاذٌ؟
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: بَلَى إن لك في الإسلام لمعاذ.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ: فَتَتَضَمَّنُ مَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا، لِأَنَّ الرِّدَّةَ قَدْ رَفَعَتْ عَنْهُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، فَيَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَيَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ.
فَذَكَرَ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ.
فَأَمَّا الشَّهَادَتَانِ: فَوَاجِبَتَانِ لَا يصح إسلامه إلا بهما.
وأما التبري مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ شَرْطٌ فِي إِسْلَامِ كُلِّ كَافِرٍ وَمُرْتَدٍّ كَالشَّهَادَتَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ فِي إِسْلَامِ كُلِّ كَافِرٍ وَمُرْتَدٍّ كَالِاعْتِرَافِ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: - وَقَدْ أَفْصَحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ - إنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَمُنْكِرِي النبوات كالأميين من العرب كان التبري مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ مُسْتَحَبًّا.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ كِتَابٍ يَعْتَرِفُونَ بِالنُّبُوَّاتِ،.
وَأَنَّ محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نبي مبعوث إلى قومه كان التبري مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ وَاجِبًا لَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ إِلَّا بِذِكْرِهِ.
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شُرُوطِ الْإِسْلَامِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ، نُظِرَ فِي رِدَّتِهِ،
فَإِنْ كَانَتْ بِجُحُودِ الْإِسْلَامِ، صَحَّتْ تَوْبَتُهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ شُرُوطِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِجُحُودِ عِبَادَةٍ مِنْ عِبَادَاتِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَصِحَّةِ الْإِسْلَامِ، اعْتُبِرَ فِي صِحَّةِ تَوْبَتِهِ بَعْدَ شُرُوطِ الْإِسْلَامِ الِاعْتِرَافُ بِمَا جَحَدَهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُرْتَدًّا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَلَمْ تَزُلْ عَنْهُ الرِّدَّةُ بِهِمَا حَتَّى يَعْتَرِفَ بِمَا صَارَ مُرْتَدًّا بِجُحُودِهِ، وَلَا يَجْزِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِمَا جَحَدَهُ عَنْ إِعَادَةِ الشَّهَادَتَيْنِ.
لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ بِالرِّدَّةِ، فَلَزِمَهُ إِعَادَةُ الشَّهَادَتَيْنِ، لِيَزُولَ بِهِمَا حُكْمُ الْكُفْرِ، وَلَزِمَهُ الِاعْتِرَافُ بِمَا جَحَدَهُ لِيَزُولَ بِهِ حُكْمُ الرِّدَّةِ.
وَهَكَذَا لَوْ صَارَ مُرْتَدًّا بِاسْتِحْلَالِ الزِّنَا وَاسْتِبَاحَةِ الْخَمْرِ، كَانَ مِنْ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ الِاعْتِرَافُ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا وَحَظْرُ الْخَمْرِ
وَلَكِنْ لَوْ صَارَ مُرْتَدًّا بِسَبِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، كَانَ الِاعْتِرَافُ بِنُبُوَّتِهِ فِي الشَّهَادَتَيْنِ مُقْنِعًا فِي صِحَّةِ تَوْبَتِهِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِحَظْرِ سَبِّهِ، لِأَنَّ فِي الِاعْتِرَافِ بِنُبُوَّتِهِ اعْتِرَافًا بِحَظْرِ سبه.
(فَصْلٌ)
فَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ بِالْقَتْلِ، فَمُوَسَّعٌ لَهُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ عَنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ وَبَيْنَ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ اسْتِدْفَاعًا لِلْقَتْلِ.
فَقَدِ أَكْرَهَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَأَبَوَيْهِ عَلَى الْكُفْرِ، فَامْتَنَعَ مِنْهُ أَبَوَاهُ فَقُتِلَا، وَتَلَفَّظَ عَمَّارٌ بِالْكُفْرِ فَأُطْلِقَ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَعَذَرَ عَمَّارًا وَتَرَحَّمَ عَلَى أَبَوَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ نَزَلَ فِيهِ: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] .
فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى بِهِ؟
قِيلَ: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُكْرَهِ.
فَإِنْ كان ممن يرجا مِنْهُ النِّكَايَةُ فِي الْعَدُوِّ أَوِ الْقِيَامُ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَالْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَسْتَدْفِعَ الْقَتْلَ بِإِظْهَارِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْتَرِيهِ مِنْ ضَعْفِ بَصِيرَتِهِ فِي الدِّينِ، أَوْ يَمْتَنِعُ بِهِ مَنْ أَرَادَ الْإِسْلَامَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَالْأَوْلَى بِهِ الصَّبْرُ عَلَى الْقَتْلِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ إِظْهَارِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَقَصْرًا لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ مُحَكَّمٌ في نفسه) .
فقيل: إن المحكم هو الذين يُخَيَّرُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ، فَيَخْتَارُ الْقَتْلَ عَلَى الْكُفْرِ.
فَإِنْ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَلَهُ فِي التلفظ بها ثلاثة أَحْوَالٍ:
إِحْدَاهُنَّ: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ لِلْإِيمَانِ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَلَيْسَ لِتَلَفُّظِهِ حُكْمٌ إِلَّا اسْتِدْفَاعَ الْقَتْلِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] وَهَذَا مُطْمَئِنُّ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ مُعْتَقِدًا لَهُ بِقَلْبِهِ، فَهَذَا مُرْتَدٌّ، لِأَنَّهُ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى التَّلَفُّظِ فَلَمْ يُكْرَهْ عَلَى الِاعْتِقَادِ فَصَارَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فيه: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا﴾ أَيْ يَسْقُطُ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ بِالِاعْتِقَادِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ اعْتِقَادُ إِيمَانٍ وَلَا كُفْرٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ عَلَى إِسْلَامِهِ، لِأَنَّ مَا حَدَثَ مِنَ الْإِكْرَاهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُرْتَدًّا حَتَّى يَدْفَعَ حُكْمَ لَفْظِهِ بِمُعْتَقَدِهِ، لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ.
وَهَكَذَا الْمُكْرَهُ عَلَى الطَّلَاقِ، تُعْتَبَرُ فِيهِ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثُ فِي لَفْظِهِ وَمُعْتَقَدِهِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا تَلَفَّظَ مُسْلِمٌ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكِمَ بِرِدَّتِهِ، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَالَهَا مُكْرَهًا، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَالَهَا مُخْتَارًا.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ - وَهُوَ يَخَافُ الْكُفْرَ وَيَأْمَنُ الْإِسْلَامَ - أَنَّهُ قَالَهَا عِيَاذًا وَاعْتِقَادًا.
وَالظَّاهِرُ مِنْهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ - وَهُوَ يَخَافُ الْإِسْلَامَ وَيَأْمَنُ الْكُفْرَ - أَنَّهُ قَالَهَا تَقِيَّةً وَاسْتِدْفَاعًا.
وَعَلَى هَذَا: لَوْ أَظْهَرَهَا وَمَاتَ فَادَّعَى وَرَثَتُهُ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَيْهَا فَلَهُمْ مِيرَاثُهُ.
فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ، أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَيْهَا لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ وَلَهُمْ مِيرَاثُهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُمْ وَحُكِمَ بِرِدَّتِهِ وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا، لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ وَأَكَلَ الْخِنْزِيرَ لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا إِلَّا بِاسْتِحْلَالِهِ دُونَ أَكْلِهِ، فَيُسْأَلُ عَنْهُ إِذَا أَكَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ إِذَا أَكَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ أَكْلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَقْرَبُ إِلَى اسْتِحْلَالِهِ مِنْ أَكْلِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ سُؤَالِهِ:
فَقَالَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ: أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا، فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَكَلَهُ غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ، فَهُوَ مُسْلِمٌ.
فَلِمَنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَكَلَهُ غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ مِيرَاثُهُ مِنْهُ اسْتِصْحَابًا لِإِسْلَامِهِ.
فَأَمَّا مِيرَاثُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأُمِّ - إنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا حَتَّى يُكْشَفَ عَنْ حَالِهِ، وَلَا يَسْقُطَ مِيرَاثُهُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - حَكَاهُ الرَّبِيعُ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ - إنَّهُ يَسْقُطُ مِيرَاثُهُ مِنْهُ، وَلَا يُوقَفُ
عَلَى الْكَشْفِ، لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ بِالْكُفْرِ، وَعَلَى نَفْسِهِ بِسُقُوطِ الْإِرْثِ، فَنَفَذَ إِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ عَلَى غَيْرِهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا صَلَّى الْمُرْتَدُّ قَبْلَ ظُهُورِ تَوْبَتِهِ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: - فِي كِتَابِ الْأُمِّ - إِنْ صَلَّى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنْ صَلَّى فِي دَارِ الْحَرْبِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ فِعْلِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ التَّقِيَّةُ، وَفِي دَارِ الْحَرْبِ الِاعْتِقَادُ.
وَالثَّانِي: إنَّهُ يُقَدَّرُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، فَلَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بِالصَّلَاةِ، وَلَا يُقَدَّرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ فَصَارَ مُسْلِمًا بِالصَّلَاةِ - وَفِي هَذَا نَظَرٌ -.
لِأَنَّهُ لَوْ صَارَتِ الصَّلَاةُ إِسْلَامًا لِلْمُرْتَدِّ، لَصَارَتْ إِسْلَامًا للحربي.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَمَا جَرَحَ أَوْ أَفْسَدَ فِي رِدَّتِهِ أُخِذَ بِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو مَا أَتْلَفَهُ الْمُرْتَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ.
فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ لَا يَمْتَنِعُ بِهِمْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ، عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ وَضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ أَحْكَامِهِ، وَهُوَ يَضْمَنُهَا قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ضَمَانُهَا بِالرِّدَّةِ، لِأَنَّهَا زَادَتْهُ تَغْلِيظًا لَا تَخْفِيفًا.
وَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ إِلَّا بِالْقِتَالِ: فَمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ ضَمِنُوهُ، وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي الْقِتَالِ فَفِي ضَمَانِ أَهْلِ الْبَغْيِ لَهُ قَوْلَانِ:
فَأَمَّا أَهْلُ الرِّدَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِمْ:
فَذَهَبَ أَبُو حَامِدٍ الِإِسْفِرَايِينِيُّ وَأَكْثَرُ الْبَغْدَادِيِّينَ إِلَى أَنَّ في وجوب ضمانهم قولان كَأَهْلِ الْبَغْيِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُونَ كَمَا يَضْمَنُ الْمُحَارِبُونَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ.
وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُونَ كَمَا لَا يَضْمَنُ الْمُشْرِكُونَ.
وَذَهَبَ أَبُو حَامِدٍ الْمَروروذِيُّ وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِي ضَمَانِ أَهْلِ الْبَغْيِ قَوْلَانِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ لِأَهْلِ الْبَغْيِ إِمَامًا تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ إِمَامٌ يُنَفَّذُ لَهُ حكم.
(مسألة)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ جُرِحَ مُرْتَدًّا ثُمَّ جُرِحَ مُسْلِمًا فَمَاتَ فَعَلَى مَنْ جَرَحَهُ مُسْلِمًا نِصْفُ الدِّيَةِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَضَتْ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ.
وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا جَرَحَهُ مُسْلِمٌ فِي حَالِ رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَجَرَحَهُ آخَرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ وَمَاتَ فَجُرْحُهُ فِي الرِّدَّةِ هَدَرٌ لَا يَضْمَنُهُ الْجَارِحُ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ.
وَجُرْحُهُ فِي حَالِ إِسْلَامِهِ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ، فَيَجِبُ عَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ أَحَدُ الْقَاتِلِينَ.
فَلَوْ عَادَ الْأَوَّلُ فَجُرْحُهُ مَعَ الثَّانِي جُرْحًا ثَانِيًا، وَجَبَ عَلَى الثَّانِي نِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ رُبُعُهَا، لِأَنَّ نِصْفَ فِعْلِهِ هَدَرٌ والله أعلم.
(كِتَابُ الْحُدُودِ)
(بَابُ حَدِّ الزِّنَا وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ)
قال الشافعي رحمه الله: " رجم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُحْصَنَيْنِ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا وَرَجَمَ عُمَرُ مُحْصَنَةً وَجَلَدَ عليه السلام بكراً مائة وغربه عاماً وبذلك أقول) .
قال الماوردي: وأما الحدود فهي عقوبات زجر الله بِهَا الْعِبَادَ عَنِ ارْتِكَابِ مَا حَظَرَ، وَحَثَّهُمْ بِهَا عَلَى امْتِثَالِ مَا أَمَرَ، وَفِي تَسْمِيَتِهَا حُدُودًا تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَدَّهَا وقدرها فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها فَيَزِيدَ عَلَيْهَا أَوْ يَنْقُصَ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهَا سُمِّيَتْ حُدُودًا؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا يُوجِبُهَا، مَأْخُوذًا مِنْ حَدِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ يمنع من مشاركة غيرها فيها، وبه سُمِّي الْحَدِيدُ حَدِيدًا؛ لِأَنَّهُ يُمْتَنَعُ بِهِ، وَالْعَرَبُ تسمي البواب والسجان حَدَّادًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الْخُرُوجِ قَالَ الشَّاعِرُ:
(كم دون بابك من أقوام أحاذرهم ... بأم عَمْرٍو وَحَدَّادٍ وَحَدَّادِ)
يُرِيدُ بِالْحَدَّادِ الْأَوَّلِ الْبَوَّابَ، وَبِالْحَدَّادِ الثَّانِي السَّجَّانَ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنَ الْمَنْعِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي بَائِعَ الْخَمْرِ حَدَّادًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهَا إِلَّا بِالثَّمَنِ، وَقَدْ كَانَتِ الْحُدُودُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بِالْغَرَامَاتِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنْ غَلَّ صَدَقَتَهُ فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ الله لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا نَصِيبٌ) وَقَدْ كَانَ عليه بعض الشرائع المتقدمة، قال الله عز وجل في قصة يوسف: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف: 74] أَيْ مَا عُقُوبَةُ مَنْ سَرَقَ مِنْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ فِي أَنَّكُمْ لَمْ تَسْرِقُوا مِنَّا.
قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أَيْ جَزَاءُ مَنْ سَرَقَ أَنْ يُسْتَرَقَّ.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: 74] أَيْ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالظَّالِمِينَ إِذَا سَرَقُوا أَنْ يُسْتَرَقُّوا، فَكَانَ هَذَا مِنْ دِينِ يَعْقُوبَ ثُمَّ نُسِخَ غُرْمُ الْعُقُوبَاتِ بِالْحُدُودِ فَعِنْدَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِذَا قُطِعَ السَّارِقُ فَلَا غُرْمَ) فَتَأَوَّلْنَاهُ عَلَى سقوط غرم العقوبة.
(فصل)
فبدأ الشَّافِعِيُّ بِحَدِّ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَتَعَدَّى فِيهِ حُكْمُهُ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لهن سبيلا وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: 15، 16] فَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وزعموا أن الأولى منهما وهو قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائكم﴾ وَارِدَةٌ فِي إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ فَيَكُونُ كَالزِّنَا فِي الحظر ومخالف لَهُ فِي الْحَدِّ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " السِّحَاقُ زِنَا النِّسَاءِ بَيْنَهُنَّ) وَيَكُونُ الْحَدُّ فِيهِ حَبْسَهُمَا حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا بِالتَّزْوِيجِ، فَيَسْتَغْنِينَ بِحَلَالِهِ عَنْ حَرَامِ مَا ارْتَكَبْنَهُ.
وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قوله: ... ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ واردة في إتيان الرجال الرجال لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَيَكُونُ كَالزِّنَا فِي الْحَظْرِ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ زِنًا وَمُبَاشَرَةُ المرأة المرأة زنا) .
وقوله ﴿فآذوهما﴾ هُوَ حَدٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا، وَهَذَا الْأَذَى مُجْمَلٌ تَفْسِيرُهُ مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ من إتيان الفاحشة بين الذكرين.
والفاحشة الثانية التي هي الزنا بين الرجل والمرأة مأخوذ من الآية الثالثة الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَرَدَتَا فِي الزِّنَا بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْأُولَى النِّسَاءَ وَفِي الثَّانِيَةِ الرِّجَالَ لِتُحْمَلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الأخرى فتصير كالجمع فيها بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ، وَتَكُونُ الْآيَةُ الْأُولَى فِي زِنَا النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي زِنَا الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَهُمَا فِي حُكْمِ الزِّنَا سَوَاءٌ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَتَانِ هَلْ هُوَ حَدٌّ أَوْ مَوْعِدٌ بِالْحَدِّ عَلَى قولين:
أحدهما: أَنَّهُ مَوْعِدٌ بِالْحَدِّ وَلَيْسَ بِحَدٍّ؛ لِمَا فِي الْآيَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى الْمَوْعِدِ، فَعَلَى هَذَا في قوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ وجهان:
أحدهما: أنه خطاب للحكام فيمن زنا مِنْ عُمُومِ النِّسَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ خِطَابٌ للأزواج فيمن زنا من خصوص نسائهم فأمسكوهن في البيوت، وَهَذَا خِطَابٌ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْأَزْوَاجِ دُونَ الْحُكَّامِ؛ لِأَنَّ الْأَزْوَاجَ بِحَبْسِ نِسَائِهِمْ فِي الْبُيُوتِ أَحَقُّ مِنَ الْحُكَّامِ، وَلَوْ تُوَجِّهَ إِلَى الْحُكَّامِ لَأَمَرُوا بِحَبْسِهِنَّ فِي الْحُبُوسِ دُونَ الْبُيُوتِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بهذا الحبس انتظاراً للموعد حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ إِنْ تَأَخَّرَ بَيَانُ الْحَدِّ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا إِنْ وَرَدَ بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَدِّ، ثُمَّ قال تعالى: ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ واللذان تثنية الذي، وفيهما وجهان:
أحدهما: أنها الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ يَأْتِيَانِهَا يعني الفاحشة، وهي: الزنا ﴿منكم﴾ يعني: من المسلمين ﴿فآذوهما﴾ ، وهذا خِطَابٌ تَوَجَّهَ إِلَى الْحُكَّامِ فَآذُوهُمَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِالْحَبْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَالثَّانِي: بِالْقَوْلِ مِنْ تَوْبِيخٍ وَزَجْرٍ، ﴿فَإِنْ تَابَا﴾ يَعْنِي من الزنا قيل وُرُودِ الْحَدِّ ﴿وَأَصْلَحَا﴾ يَعْنِي: بِالْعِفَّةِ عَنِ الزِّنَا بالنكاح ﴿فأعرضوا عنهما﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: فأطلقوها إن قيل: إن الأذى ها هنا الحبس.
والثاني: فكفوا عن الإغلاظ لهما إن قيل: إن الأذى ها هنا التَّوْبِيخُ وَالزَّجْرُ فَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ الْآيَتَيْنِ موعداً بالحد، ويكون حكمهما ثابتاً فِي الْوَعْدِ غَيْرَ مَنْسُوخٍ، وَتَحْقِيقُهُ مَا نَزَلَ بَعْدَهُ مِنْ قُرْآنٍ، وَوَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من سنة.
فأما القرآن فما نَزَلَ فِي سُورَةِ النُّورِ مِنْ حَدِّ الْبِكْرِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2] .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَوَارِدَةٌ فِي جَلْدِ الْبِكْرِ وَرَجْمِ الثَّيِّبِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَامِرٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كَرَبَ لَهُ وتربد وجهه قال: فنزل عليه الرجم فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالنَّفْيُ) .
وَرَوَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بالثيب جلد مائة والرجم) .
فالمراد بِقَوْلِهِ " قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: 15] فكان السبيل ما بينه الرسول من هذا الحكم في جَلْدِ الْبِكْرِ وَرَجْمِ الثَّيِّبِ، وَزَادَ عَلَى مَا في سورة النور في شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: رَجْمُ الثَّيِّبِ.
وَالثَّانِي: تَغْرِيبُ الْبِكْرِ.
(فَصْلٌ)
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي سورة النساء تضمنتا وجوب الحد وليست موعداً فِي الْحَدِّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى أَمْرٍ تَوَجَّهَ إِلَى مُخَاطَبٍ وَعَلَى حُكْمٍ تَوَجَّهَ إِلَى فَاعِلٍ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْحَدِّ دُونَ الْوَعْدِ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الحد الذي تضمنتها هَلْ هُوَ مُجْمَلٌ تَعَقَّبَهُ الْبَيَانُ أَوْ مُفَسَّرٌ تَعَقَّبَهُ النَّسْخُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي تَعَقَّبَهُ الْبَيَانُ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ فِي الْبُيُوتِ هُوَ حُكْمٌ مُبْهَمٌ وَالْأَذَى مِنَ الْعُمُومِ الْمُجْمَلِ، وَيَكُونُ الْبَيَانُ مَا نَزَلَ فِي سُورَةِ النُّورِ مِنْ جَلْدِ الْبِكْرِ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ رَجْمِ الثَّيِّبِ وَتَغْرِيبِ الْبِكْرِ، وَيَكُونُ بيان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَفْسِيرًا لِإِجْمَالِهِمَا؛ لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلَا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ: نَعَمِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله وأذن لي أن أتكلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قل) فقال: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ يعني أجيراً فزنا بامرأته وإني أخبرت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُهُ مِنْهُ بِمِائَةِ شاة ووليدة ثم فسألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أنما عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ على امرأة هذا الرَّجْمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " وَالَذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ رَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) وَكَانَ أُنَيْسٌ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، فَغَدَا وَمَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ إليها فاعترفت فرجمها، فدل على مَا حَكَمَ بِهِ مِنْ تَغْرِيبِ الْبِكْرِ وَرَجْمِ الثيب قضاء بكتاب
الله، وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِإِجْمَالِهِ، وَيَكُونَ حُكْمُهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ثَابِتًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ؛ لِأَنَّ بَيَانَ الْمُجْمَلِ تَفْسِيرٌ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمِنَ السُّنَّةِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِهِ أَنَّ الْآيَتَيْنِ تَضَمَّنَتَا حَدًّا مَفْهُومًا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى بَيَانٍ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْأُولَى مِنْ إِمْسَاكِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ مَعْلُومٌ، وَمَا فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْأَذَى بما ضر من فعل أو قول مفهوم يتقرر الِاجْتِهَادُ فِيهِ كَالتَّعْزِيرِ ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِالنَّسْخِ بِمَا وَرَدَ مِنْ جَلْدِ الْبِكْرِ وَرَجْمِ الثَّيِّبِ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ هَلْ وَرَدَتَا فِي حَدِّ الْبِكْرِ أَوْ فِي حَدِّ الثَّيِّبِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمَا وَرَدَتَا مَعًا فِي حَدِّ الْبِكْرِ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ هَذَا فِي سَبَبِ تَكْرَارِهِ فِي الْآيَتَيْنِ، فقال أبو الطيب: إن الْأُولَى فِي أَبْكَارِ النِّسَاءِ، وَالثَّانِيَةَ فِي أَبْكَارِ الرجال.
وقال غيره: لأن الْأُولَى فِي الْبِكْرِ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَالثَّانِيَةَ فِي الْبِكْرِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَدُّ الْبِكْرِ في هاتين الآيتين منسوخاً بما ورد فِي سُورَةِ النُّورِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وَيَكُونُ حَدُّ الثَّيِّبِ بِالرَّجْمِ فَرْضًا مُبْتَدَأً لَمْ يُنْقَلْ عَنْ حَدٍّ مَنْسُوخٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْآيَتَيْنِ مَعًا وَرَدَتَا فِي حَدِّ الثَّيِّبِ ثُمَّ نسخت بالرحم، وحد البكر فرض مبتدأ بمائة جلدة وردت فِي سُورَةِ النُّورِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ حَدٍّ مَنْسُوخٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْآيَةَ الأولى في قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن في البيوت﴾ وَارِدَةٌ فِي حَدِّ الثَّيِّبِ وَنُسِخَتْ بِالرَّجْمِ وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ وَارِدَةٌ فِي حَدِّ البكر ونسخت بجلد مائة، فيكون كلا الحدين مِنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ مَنْقُولَيْنِ عَنْ حَدَّيْنِ مَنْسُوخَيْنِ أَمَّا الْجَلْدُ فِي نَسْخِهِ الْأَذَى مِنَ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهُ فِي سُورَةِ النُّورِ فَهُوَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، وَأَمَّا الرَّجْمُ فِي نسخه بإمساكهن في البيوت من الآية الأولى فنسخه يترتب على أصل الشافعي مقرراً وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُنْسَخُ بِالْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةُ تُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَإِنْ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] وَلَيْسَتِ السُّنَّةُ خَيْرًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ مِثْلَ القرآن إلا القرآن دليل على أن لَا يَجُوزَ نَسْخُ الْقُرْآنِ إِلَّا بِالْقُرْآنِ.
وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا هَلْ كَانَ مُجَوَّزًا فِي الْعَقْلِ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ حَتَّى حَظَرَهُ الشَّرْعُ؟ على وجهين:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ ذَلِكَ مُجَوَّزًا فِي الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى الْمَأْمُورِ حُكْمُ الْآمِرِ كَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى الْآمِرِ حُكْمُ الْمَأْمُورِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمَأْمُورِ رَافِعًا لِقَوْلِ الْآمِرِ، لِأَنَّ الْآمِرَ مُطَاعٌ وَالْمَأْمُورَ مُطِيعٌ.
فَأَمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بالقرآن ففيه للشافعي قولان: أظهرهما: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالتَّجَانُسِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ رَفْعُ الأخف بالأعلى وإن امتنع رفع الأعلى بِالْأَخَفِّ.
فَإِذَا ثَبَتَ مِنْ أَصْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، لَا يَجُوزُ، فَفِي نَسْخِ الرَّجْمِ لِإِمْسَاكِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَجْهَانِ يَسْلَمُ معهما أن يُنْسَخَ الْقُرْآنُ بِالسُّنَّةِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: 16] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْإِمْسَاكِ فِي الْبُيُوتِ حَدٌّ إِلَى غَايَةٍ غَيْرِ مُؤَبَّدَةٍ فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْمَنْسُوخِ الَّذِي يَقْتَضِي ظَاهِرَ لَفْظِهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْعِبًا لِجَمِيعِ الْأَزْمَانِ كَمَا اقْتَضَى ظَاهِرُ الْعُمُومِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْعِبًا لِجَمِيعِ الْأَعْيَانِ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَيَانًا لِانْقِضَاءِ زَمَانِ إِمْسَاكِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ وَلَمْ يَكُنْ نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ قَدَّرَ بِهِ مُدَّةً لَا تَقْتَضِي التَّأْبِيدَ، وَلَوِ اقْتَضَتِ التأبيد لصار نسخاً مخرج ذَلِكَ عَنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وَصَارَ بَيَانُ القرآن بالسنة.
والوجه الثاني: أنه منسوخ بما كان متلواً من القرآن ثم نسخ رسمه وبقي حكمه فهو مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ إِلَّا أَنْ تَضِلُّوا، إِيَّاكُمْ أَنْ تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا يجد حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: زَادَ ابْنُ
الْخِطَابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذا زنيا فارجموهما البتة فإنا قد أقرأناها.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ذَكَرَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ خَالَتَهُ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: لَقَدْ أَقْرَأَنَاهَا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - آيَةَ الرَّجْمِ: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ بِمَا قَضَيَا مِنَ اللَّذَّةِ) .
فَإِنْ قِيلَ الاعتراض على هذا منوجهين:
أحدهما: أنه قَوْلِ وَاحِدٍ وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ نَاسِخًا قِيلَ: أَمَّا الِاعْتِرَاضُ فِيهِ بِخَبَرِ الواحد ففيه جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا عَضَّدَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بالثيب جلد مائة والرجم) ثم تعقبه فعله فِي رَجْمِ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْآحَادِ إِلَى الِاسْتِفَاضَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ عمر على المنبر بمشهد جمهور الصحابة رضي الله عنهم فما أنكروه، فدل على اتفاقهم عليه.
وأما الاعتراض عليه بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَالْمَنْسُوخُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا نُسِخَ رَسْمُهُ وَحُكْمُهُ كَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي اللَّيْلِ لِيَقْرَأَ سُورَةً فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَقَامَ آخَرُ لِيَقْرَأَهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِذَلِكَ فَقَالَ: " إِنَهَا رُفِعَتِ الْبَارِحَةَ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ) .
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ رَسْمُهُ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَكَقَوْلِهِ فِي الْعِدَّةِ: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] .
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ: " وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) .
وَمِثْلُ قَوْلِهِ: " لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ أَنَّ لَهُ ثَانِيًا مِنْ
ذَهَبٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ) وَمَا بَقِيَ حُكْمُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ نَسْخُ رَسْمِهِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ أَحَدِهِمَا لَا يوجب رفع الآخر، كما أن رفع حُكْمَهُ لَا يُوجِبُ رَفْعَ رَسْمِهِ، فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا التَّرْتِيبِ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ إِنْ جَعَلْنَاهُ مَنْسُوخًا وَبَيْنَ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ إِنْ جَعَلْنَاهُ مُجْمَلًا أَوْ محدوداً ولم ينسخ القرآن بالسنة.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حَالِ الزِّنَا وَاسْتِقْرَارِهِ عَلَى رَجْمِ الثَّيِّبِ وَجَلَدِ الْبِكْرِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الزَّانِي مَنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا عَلَى مَا سَنَصِفُهُ مِنْ حَالِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، فَإِنْ أن ثَيِّبًا وَيُسَمَّى الثَّيِّبُ مُحْصَنًا فَحَدُّهُ الرَّجْمُ دُونَ الْجَلْدِ.
وَذَهَبَ الْخَوَارِجُ: إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ دُونَ الرَّجْمِ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ؛ احتجاجاً بظاهر القرآن وأن الرَّجْمَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَلَيْسَتْ حُجَّةً عِنْدَهُمْ في الأحكام.
وقال داود بن علي، وأهل الظَّاهِرِ: عَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ، فَجَمَعُوا عَلَيْهِ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) .
وَبِرِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنِ الشعبي أن شراحة الهمدانية أتت علياً عليه السلام فقالت: قد زنيت قال: لَعَلَّكِ غَيْرَاءُ، لَعَلَّكِ رَأَيْتِ رُؤْيَا، قَالَتْ لَا، فَجَلَدَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا يُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَ عُقُوبَتَيْنِ كَالْبِكْرِ يُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلَى آية الرَّجْمُ دُونَ الْجَلْدِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الرَّجْمِ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ الْخَوَارِجُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الأخبار عن الرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْلًا وَفِعْلًا وَعَنِ الصَّحَابَةِ نَقْلًا وَعَمَلًا وَاسْتِفَاضَتُهُ فِي النَّاسِ وَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ حُكْمُهُ مُتَوَاتِرًا، وَإِنْ كَانَ أَعْيَانُ الْمَرْجُومِينَ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ خِلَافِ حدث بعده.
والدليل على أن الرجم سَاقِطٌ فِي رَجْمِ الثَّيِّبِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا، وَلَوْ جَلَدَهُمَا لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ رَجْمُهُمَا.
وَرَوَى عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ أَتَاهُ فَأَقَرَّ عنده
بِالزِّنَا: " لَعَلَكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ) قَالَ: لَا قَالَ: " أَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا) لَا يُكَنِّي قَالَ: نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ.
وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فاعترف بالزنا فأعرض عنه، ثم اعترف فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مرات فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " أَبِكَ جُنُونٌ) ؟ قَالَ لَا: قَالَ: " أُحْصِنْتَ) قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فرجم بالمعلى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ.
وَرَوَى أَبُو الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فاعترفت بالزنا، وقالت إني حبلى فدعى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وليها فقال: " أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بِهَا) فَفَعَلَ فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ) فَفَعَلَتْ ثُمَّ جَاءَتْ، فَأَمَرَّ بِهَا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فشد عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجَمْتَهَا ثُمَّ تُصَلِّي عَلَيْهَا: فَقَالَ: " لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ هَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا) .
وَقَالَ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هريرة " اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى اقْتِصَارِهِ عَلَى الرَّجْمِ دُونَ الْجَلْدِ، وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مِنْ قَوْلِهِ: " وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) مَنْسُوخٌ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى مَا رويناه إذا كَانَ هُوَ الْأَصْلُ فِي بَيَانِ الرَّجْمِ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ بِهِ الْقَتْلُ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْجَلْدُ كَالرِّدَّةِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي جَلْدِ شراحة ورجمها ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مرسل؛ لأن راوية عن الشعبي ولم يلقه.
والثاني: أنه جلدها لأنه حسبها بِكْرًا، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا ثَيِّبٌ فَرَجَمَهَا، أَلَا تراه أنه جَلَدَهَا يَوْمَ الْخَمِيسَ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَلَوْلَا ذلك لجمع بينهما في يوم واحد، والثابت أَنَّهَا زَنَتْ بِكْرًا فَجَلَدَهَا ثُمَّ زَنَتْ ثَيِّبًا فَرَجَمَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجَمَهَا فِي جُمُعَةٍ لَا تَلِي الْخَمِيسَ أَوْ تَلِيهِ.
وأما القياس وإن لم يكن من حجج أَهْلِ الظَّاهِرِ فَالْمَعْنَى فِي الرَّجْمِ: أَنَّهُ عَامٌّ دَخَلَ فِيهِ مَا دُونَهُ، وَالْجَلْدُ خَاصٌّ جَازَ أن يقترن إليه التَّغْرِيبُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ فِيهِ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْبِكْرُ فَحَدُّهُ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَيَكُونُ كل واحد منهما حداً، فيجمع عَلَيْهِ بَيْنَ حَدَّيْنِ، رَجُلًا كَانَ الزَّانِي أَوِ امْرَأَةً.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ الْجَلْدُ، فأما التَّغْرِيبُ فَهُوَ تَعْزِيرٌ غَيْرُ مُقَدَّرٍ يُرْجَعُ فِيهِ إلى رأي الإمام في فعله وتركه أَوِ الْعُدُولِ إِلَى تَعْزِيرِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدِّ الرَّجُلِ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدِّ الْمَرْأَةِ، وَتُجْلَدُ وَلَا تُغَرَّبُ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ التَّغْرِيبَ لَيْسَ بِحَدٍّ فِي الزِّنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2] فَكَانَ الدَّلِيلُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اقتصر في حدها عَلَى الْجَلْدِ، وَلَوْ وَجَبَ التَّغْرِيبُ لَقَرَنَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانُ عَنْ وَقْتِهِ لَا يَجُوزُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ وُجُوبَ التَّغْرِيبِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ تَكُونُ نَسْخًا، وَنَسْخُ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ مَنَعَ مِنْ سَفَرِ الْمَرْأَةِ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَإِنْ غُرِّبَتْ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ أَسْقَطْتُمُ الْخَبَرَ، وَإِنْ غُرِّبَتْ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أَوْجَبْتُمُ التَّغْرِيبَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِزَانٍ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ الْحَدَّ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ التَّغْرِيبُ كَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلِأَنَّهُ زِنًا يُوجِبُ عُقُوبَةً فَلَمْ يُجْمَعْ فِيهِ بَيْنَ حَدَّيْنِ كَزِنَا الثَّيِّبِ.
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) .
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ مَا اقْتَرَنَ بِرَجْمِ الثَّيِّبِ مِنَ الْجَلْدِ مَنْسُوخًا اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَا اقْتَرَنَ بِجَلْدِ الْبِكْرِ مِنَ التَّغْرِيبِ مَنْسُوخًا؟ قِيلَ: نَسْخُ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ نَسْخَ الْآخَرِ، لِأَنَّ النَّسْخَ يُؤْخَذُ مِنَ النَّصِّ دُونَ الْقِيَاسِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِلرَّجُلِ: " وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) بَعْدَ قَوْلِ الرَّجُلِ وَسَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالُوا: عَلَى ابْنَكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَصَارَ هَذَا الْخَبَرُ يَجْمَعُ نَصًّا ووفاقاً، ولأنه إجماع الصحابة.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جلد وغرب إلى فدك.
وجلد عمر وَغَرَّبَ إِلَى الشَّامِ، وَجَلَدَ عُثْمَانُ وَغَرَّبَ إِلَى مِصْرَ.
وَجَلَدَ عَلِيٌّ وَغَرَّبَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ عُمَرُ حِينَ غَرَّبَ لَا أنفي بعده أحداً.
وَقَالَ عَلِيٌّ: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ غَرَّبُوا تَعْزِيرًا يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُهُ وَلَمْ يَكُنْ حَدًّا مَحْتُومًا.
قِيلَ: أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لا أنفي بعده أحداً، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي شَارِبِ خَمْرٍ نَفَاهُ فَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالرُّومِ، وَالنَّفْيُ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ تَعْزِيرٌ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَهُوَ فِي الزِّنَا حَدٌّ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ: " كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً) فَيَعْنِي: عَذَابًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: 13] أَيْ يُعَذَّبُونَ، وَلِأَنَّ التَّغْرِيبَ عُقُوبَةٌ تَقَدَّرَتْ عَلَى الزَّانِي شَرْعًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَدًّا كَالْجَلْدِ، وَلِأَنَّ الزِّنَا مَعْصِيَةٌ تُوجِبُ حَدًّا أَعْلَى وَهُوَ الرَّجْمُ وَأَدْنَى وَهُوَ الْجَلْدُ، فَوَجَبَ أَنْ يقترن بأدناها غَيْرُهُمَا كَالْقَتْلِ يُوجِبُ أَعْلَى وَهُوَ الْقَوَدُ وَأَدْنَى وَهُوَ الدِّيَةُ وَاقْتَرَنَ بِهَا الْكَفَّارَةُ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ كُلَّ مَا وَجَبَ بِالْقُرْآنِ، وَالتَّغْرِيبُ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ دُونَ الْقُرْآنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ عِنْدَنَا لَا تَكُونُ نَسْخًا، وَلَوْ كَانَتْ نَسْخًا لم تكن زيادة التغريب ها هنا نَسْخًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّنَا قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَيْهَا وَإِنِ اخْتَلَفْنَا فِي حُكْمِهَا، فَجَعَلُوهَا تَعْزِيرًا وَجَعَلْنَاهَا حَدًّا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ نَسْخًا إِذَا تَأَخَّرَتْ والتغريب ها هنا تفسير لقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: 15] فَكَانَ مقدما على قَوْلِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ النَّسْخِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَغْرِيبِهَا مَعَ ذِي الْمَحْرَمِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ تَغْرِيبِهَا تَعْزِيرًا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تغريبها حداً.
والثاني: أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ عِنْدَنَا فِي مُبَاحِ السَّفَرِ دون واجبه كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا تَصُومَنَّ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا حَاضِرٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) مَحْمُولًا عَلَى تَطَوُّعِ الصَّوْمِ دُونَ مَفْرُوضِهِ، وَهَذَا وَاجِبٌ كَالْحَجِّ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى ذِي مَحْرَمٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قِيَاسٌ يَدْفَعُ النَّصَّ فَكَانَ مُطَّرَحًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُغَرَّبَ فِي غَيْرِ الزِّنَا تَعْزِيرًا وَجَازَ فِي الزِّنَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُجُوبِهِ فِي الزِّنَا حَدًّا وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي غَيْرِ الزِّنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الثَّيِّبِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَدَّ الثَّيِّبِ أَغْلَظُ الْعُقُوبَاتِ فَسَقَطَ بِهِ مَا دَوْنَهُ.
والثاني: أن الرجم فيه قد منع من حد يتعقبه والجلد لا يمنع والله أعلم.
(فصل)
فإذا استقر فرق ما بين البكر والثيب في حد الزنا فجمع الزاني بينهما فزنا بكراً ثم زنا ثيباً ففي الجمع عليه بَيْنَ الْحَدَّيْنِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا، فَيُجْلَدُ لِزِنَا الْبَكَارَةِ، وَيُرْجَمُ لِزِنَا الْإِحْصَانِ، وَلَا يُغَرَّبُ؛ لِأَنَّ رَجْمَهُ يُغْنِي عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ اتَّفَقَ مُوجِبُهُمَا فَدَخَلَ أَخَفُّ الْحُكْمَيْنِ فِي أغلظهما كما يدخل الحدث في الجناية، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ الزِّنَا مِنْهُ فِي الْبَكَارَةِ تداخل، ولو تكرر منه فِي الْإِحْصَانِ تَدَاخَلَ، فَوَجَبَ إِذَا تَكَرَّرَ فِي البكارة والإحصان أن يتداخل، وَهَكَذَا لَوْ سَرَقَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَفِي دُخُولِ قَطْعِ السَّرِقَةِ فِي قَتْلِ الرِّدَّةِ وَجْهَانِ عَلَى ما ذكرناه والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " فإذا أَصَابَ الْحُرُّ أَوْ أُصِيبَتِ الْحُرَّةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ فَقَدْ أُحْصِنَا فَمَنْ زَنَى مِنْهُمَا فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ فِي حَدِّ الزِّنَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَلَيْسَ يُرَادُ بِالثَّيِّبِ زَوَالُ الْعُذْرَةِ لِعَدَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْإِحْصَانُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ الْمُحْصَنُ، وَالْإِحْصَانُ فِي كَلَامِهِمُ الِامْتِنَاعُ، وَمِنْهُ سُمِّي الْقَصْرُ حِصْنًا لِامْتِنَاعِهِ، وقيل: فرس حَصَانٌ لِامْتِنَاعِ رَاكِبِهِ بِهِ، وَدِرْعٌ حَصِينَةٌ لِامْتِنَاعِ لَابِسِهَا مِنْ وُصُولِ السِّلَاحِ إِلَيْهِ، وَقَرْيَةٌ حَصِينَةٌ لامتناع أهلها قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: 14] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِحْصَانُ هُوَ الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنَ الزِّنَا، وَهِيَ أربعة شروط يصير الزاني بها محصناً:
أحدهما: الْبُلُوغُ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ خِطَابٌ يَصِيرُ بِهِ مُمْتَنِعًا.
وَالثَّانِي: الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَمْنَعُ مِنَ الْمَعَاصِي.
وَالثَّالِثُ: الْحُرِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ ذِلَّةِ الِاسْتِرْقَاقِ وَنَقْصِ الْقَبَائِحِ؛ وَلِأَنَّ الرَّجْمَ أَكْمَلُ الْحُدُودِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِأَكْمَلِ الزِّنَا.
وَالرَّابِعُ: الْإِصَابَةُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَكْمَلُ مَا يَمْنَعُ مِنَ الزِّنَا فَكَانَ شَرْطًا في أكمل حديه، والعقد لا يمنع حَتَّى تُوجَدَ فِيهِ الْإِصَابَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ غَيْرِهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا كَمُلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةِ وَجَبَ الرَّجْمُ وَلَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ شَرْطًا فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِسْلَامُ شَرْطٌ خَامِسٌ مُعْتَبَرٌ فِي الجناية؛ فَإِنْ عُدِمَ سَقَطَ الرَّجْمُ احْتِجَاجًا بِرِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصِنٍ) .
وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " دعها عنك فإنها لا تحصنك) .
قال: ولأنها حصانة مِنْ شَرْطِهَا الْحُرِّيَّةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِهَا الْإِسْلَامُ كَالْحَصَانَةِ فِي الْقَذْفِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ لَمْ يُرْجَمْ كَالْعَبْدِ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا وَلَا يَرْجُمُ إِلَّا مُحَصَّنًا، فدل على أن الإسلام ليس بشرط فِي حَصَانَةِ الرَّجْمِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِالتَّوْرَاةِ وَلَمْ يَرْجُمْهُمَا بِشَرِيعَتِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ صُورِيَّا، وَقَدْ حَضَرَهُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ: " أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ مَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ) قَالَ: الْجَلْدُ وَالتَّحْمِيمُ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ التَّوْرَاةِ لِتُقْرَأَ عَلْيَهُ فَلَمَّا انْتَهَوْا في قِرَاءَتِهَا إِلَى مَوْضِعِ الرَّجْمِ وَضَعَ ابْنُ صُورِيَّا يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّهُ قَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الرَّجْمِ، فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - برفع يده، فإذا فيه ذكر الرجم يلوح، فَقَالَ لَهُمْ: " مَا حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ كعب بن صوريا أَجِدُ فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلَكِنْ كَثُرَ الزِّنَا في أشرافنا فلم
نر إقامته إلا على الْأَدْنِيَاءِ وَنَدَعُ الْأَشْرَافَ، فَجَعَلْنَاهُ الْجَلْدَ وَالتَّحْمِيمَ وَالتَّجْبِيَةَ يُرِيدُ بِالتَّحْمِيمِ تَسْوِيدَ الْوَجْهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْحُمَمَةِ وَهِيَ الْفَحْمَةُ، وَيُرِيدُ بِالتَّجْبِيَةِ أَنْ يَرْكَبَا عَلَى حِمَارٍ أَوْ جَمَلٍ وَظَهْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى ظَهْرِ صَاحِبِهِ فَرَجَمَهُمَا حِينَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ: " أَنَا أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أَمَاتُوهَا) .
قِيلَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49] فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِتَوْرَاتِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ شَرِيعَتِهِ الرَّجْمُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ كَانَ حُكْمُهُ بِشَرِيعَتِهِ لَا بِالتَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا أَحْضَرَهَا لِإِكْذَابِهِمْ عَلَى إِنْكَارِهِمْ وُجُودَ الرَّجْمِ فِيهَا.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَلْدِ الْكَامِلِ إِذَا كَانَ بِكْرًا كَانَ وَطْؤُهُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا كَالْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ مَلَكَ رَجْعَتَيْنِ فِي نِكَاحٍ كَانَ مُحْصَنًا كَالْمُسْلِمِ، وَفِيهِمَا احْتِرَازٌ مِنَ الْعَبْدِ وَمِنْ غير الواطئ فِي نِكَاحٍ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ أَيْ: لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ مِنْ قَبِيحٍ.
والثاني: أنه محمول على إحصان القذف.
فأما الجواب عن حديث كعب بن مالك، فراويه ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ كَعْبٍ، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ضَعِيفٌ، وَابْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَمْ يَلْقَ كَعْبًا فَكَانَ مُنْقَطِعًا.
وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " فَإِنَهَا لَا تُحْصِنُكَ) مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّرْغِيبَ فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمَاتِ وَالتَّزْهِيدِ فِي نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ تَحْصِينَ الزِّنَا فِي أَصْحَابِهِ لِيُرْجَمُوا وَقَدْ صَانَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِاخْتِيَارِهِمْ لِنُصْرَةِ دِينِهِ والجهاد عليه مَعَ رَسُولِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّهَا لَا تعفك عن نكاح غيرها إما لقبحها أو سوء معتقدها.
وأما الجواب عن قياسهم على حَصَانَةِ الْقَذْفِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قِيَاسٌ يَدْفَعُ النَّصَّ فَكَانَ مُطَّرَحًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى في حصانة القذف اعتبار الصفة فيها فكان أولى أن يعتبر فيها الإسلام، [لما لم يعتبر الْعِفَّةُ فِي حَصَانَةِ الزِّنَا كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِيهَا الْإِسْلَامُ] .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْعَبْدِ فَهُوَ أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِمَنْ لَيْسَ بِعَفِيفٍ يُرْجَمُ إِنْ زنا، وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْعَبْدِ أنه إن لم يكمل جلده فَلَمْ يَجِبْ رَجْمُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُحْصَنُ لَمْ يَرْتَفِعْ إِحْصَانُهُ فِي الرِّدَّةِ ولا إذا أسلم، وكان حده الرجم إن زنا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدِ ارْتَفَعَ إِحْصَانُهُ بِرِدَّتِهِ، وَلَا يَعُودُ إِلَى الْإِحْصَانِ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَطَأَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَجَعَلَ اسْتِدَامَةَ الْإِسْلَامِ شَرْطًا فِي بَقَاءِ الْحَصَانَةِ كَمَا جَعَلَهُ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْحَصَانَةِ؛ احْتِجَاجًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ) وَلِأَنَّهُ أَسْلَمَ بعد كفر فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَأْنَفَ شَرَائِطُ الْحَصَانَةِ فِيهِ كَالْكَافِرِ الأصلي، ولأنه مبني له على أصله في اشتراك بالأسلام فِي إِحْصَانِهِ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ) وَهَذَا زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ القتل.
وكان تحرير الِاسْتِدْلَالَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ قِيَاسًا فَنَقُولُ: لِأَنَّهُ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُ الرَّجْمَ كَالَّذِي لَمْ يَرْتَدَّ، وَلِأَنَّهُ إِحْصَانٌ ثَبَتَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الرِّدَّةِ قِيَاسًا عَلَى حَصَانَةِ الْقَذْفِ.
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْخَبَرِ فَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمُسْلِمِ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْرِكٍ فَسَقَطَ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَغَيْرُ مسلم في أصله؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَكُونُ عِنْدَنَا مُحْصَنًا قَبْلَ إِسْلَامِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ فِي بِنَائِهِ عَلَى أَصْلِهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ اعْتِبَارِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ فَجَمِيعُهَا شُرُوطٌ فِي الْحَصَانَةِ، وَبِكَمَالِ الْحَصَانَةِ يجب الرجم، هذا مذهب الشافعي وقول جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ.
وَذَهَبَ شَاذٌّ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى أن شرط الحصانة واحد فيها وَهُوَ الْإِصَابَةُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ وَهِيَ الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، شُرُوطُ وُجُوبِ الرَّجْمِ دون الحصانة، وهذا اختلاف مؤثر في الصحيح وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ إِذَا أَصَابُوا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ثم زنا الصَّبِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَالْمَجْنُونُ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ، وَالْعَبْدُ بَعْدَ عِتْقِهِ، فَمَنْ جَعَلَهَا مِنْ شُرُوطِ الْحَصَانَةِ أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْجَلْدَ دُونَ الرَّجْمِ حَتَّى يَسْتَأْنِفُوا والإصابة فِي النِّكَاحِ بَعْدَ كَمَالِهِمْ، وَمَنْ جَعَلَهَا مِنْ شُرُوطِ الرَّجْمِ أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجْمَ بِالْإِصَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قبل
كَمَالِهِمْ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ وَجْهٌ، وَإِذَا كَانَتِ الْإِصَابَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ أَصْلًا فِي الْحَصَانَةِ لَمْ تُحْصَنِ الْإِصَابَةُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ولا يملك الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا إِصَابَةُ كَمَالٍ لِاعْتِبَارِهَا فِي كَمَالِ الْحَدِّ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا أَكْمَلَ أَسْبَابِهَا، وَالنِّكَاحُ أَكْمَلُ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُهُ بِالِاسْتِمْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ لَا يحل لَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَأَفْضَلُ لِاجْتِمَاعِ الشَّرَائِعِ عَلَيْهِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَا كَامِلَيْنِ بِالْبُلُوغِ، وَالْعَقْلِ، وَالْحُرِّيَّةِ فَيَتَحَصَّنَا مَعًا فِيهِ بِإِصَابَةِ مرة واحدة إذا غاب بها الحشفة في الفرج، سواء كان عقيبها إنزال أو لم يكن، فأيهما زنا رُجِمَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا نَاقِصَيْنِ مَعًا لِصِغَرٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ رِقٍّ فَلَا حَصَانَةَ بِهَذِهِ الْإِصَابَةِ مَا كَانَ النَّقْصُ بَاقِيًا، فَإِنْ زَالَ النَّقْصُ فَفِي ثُبُوتِ الْحَصَانَةِ بِمَا تَقَدَّمَ من الإصابة مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الوَجْهَيْنِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ كَامِلًا بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالزَّوْجَةُ ناقصة لصغر أو جنون أو رق فيثبت فِيهِ حَصَانَةُ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ زَالَ نقص الزوجة ففي ثبوت حصانتها بِالْإِصَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَجْهَانِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ كَامِلَةً بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْحُرِّيَّةِ دُونَ الزَّوْجِ فَيُنْظَرُ فِي نَقْصِ الزَّوْجِ: فَإِنْ كَانَ بِرِقٍّ أَوْ جُنُونٍ تَحَصَّنَتْ بِهِ الزَّوْجَةُ دُونَ الزَّوْجِ، فَإِنْ زَالَ نَقْصُ الزَّوْجِ فَفِي ثُبُوتِ حَصَانَتِهِ بما تقدم من أصابته وجهان، فإن كَانَ نَقْصُ الزَّوْجِ لِصِغَرٍ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مثله لا يستمتع بإصابته لطفوليته كَابْنِ ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعٍ لَمْ يُحْصِنْهَا وَلَمْ يَتَحَصَّنْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُسْتَمْتَعُ بِمِثْلِهِ كَالْمُرَاهِقِ فَفِي تَحْصِينِهَا بِإِصَابَتِهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وبه قَالَ فِي " الْإِمْلَاءِ) لَا يُحْصِنُهَا وَلَا يَتَحَصَّنُ بِهَا؛ لِضَعْفِ إِصَابَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ) قَدْ حَصَّنَهَا وَإِنْ لَمْ يتحصن بها؛ لأن المعتبر في الإصابة تغييب الْحَشَفَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ كَإِصَابَةِ الشيخ، وهذا شَرْحُ مَذْهَبِنَا فِي كَمَالِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ نَاقِصًا لَمْ يَتَحَصَّنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَنَفَيُ الْحَصَانَةِ عَنِ الْكَامِلِ لِانْتِفَائِهَا عَنِ النَّاقِصِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ النَّقْصُ بَرِقٍّ لَمْ يَتَحَصَّنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ
بِصِغَرٍ تَحَصَّنَ الْكَامِلُ مِنْهُمَا، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَدِّ مُعْتَبَرًا بِنَفْسِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَصَانَةِ بِمَثَابَتِهِ مُعْتَبَرًا بِنَفْسِهِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الزَّانِيَيْنِ مِنْ خَمْسَةِ أقسام:
أحدهما: أَنْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ فَيُرْجَمَانِ مَعًا، وَيَسْتَوِي فِيهِ الزاني والزانية على ما سنصفه في الرَّجْمِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا بِكْرَيْنِ فَيُجْلَدَانِ معاً على ما سنصفه في الْجَلْدِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُحْصَنًا، وَالْآخَرُ بِكْرًا، فَيُرْجَمُ الْمُحْصَنُ مِنْهُمَا، وَيُجْلَدُ الْبِكْرُ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَقْصُرَا عَنْ حُكْمِ الْمُحْصَنِ والبكر بصغر أو جنون يزيل القلم عنها، فَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُعَزَّرُ الصَّبِيُّ مِنْهُمَا دُونَ الْمَجْنُونِ إِنْ كَانَ يُمَيِّزُ أَدَبًا كَمَا يُؤَدَّبُ فِي مَصَالِحِهِ حَتَّى لَا يَنْشَأَ عَلَى الْقَبَائِحِ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْحَدِّ إِمَّا مُحْصَنًا أَوْ بِكْرًا، وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَدِّ إِمَّا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَيُحَدُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِّ زَانِيًا كَانَ أَوْ زَانِيَةً وَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَمَّنْ لَيْسَ مَنْ أَهِلِهِ زَانِيًا كَانَ أَوْ زَانِيَةً وَلَا يَكُونُ سُقُوطُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا مُوجِبًا لِسُقُوطِهِ عَنِ الْآخَرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سُقُوطُ الْحَدِّ عَنِ الزَّانِيَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطُهُ عَنِ الزاني، وسقوطه عن الزاني لا يوجب سقوطه عن الزانية، فيحد العاقل إذا زنا بالمجنونة، وَلَا تُحَدُّ الْعَاقِلَةُ إِذَا زَنَتْ بِمَجْنُونٍ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَطْءَ الْمَجْنُونِ لَيْسَ بِزِنًا؛ لِأَنَّ مَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا لَمْ يَكُنْ زانياً، والمجنون جاهل بتحريم الزنا فلم يك وطئه زِنًا، وَالتَّمْكِينُ مِمَّا لَيْسَ بِزِنًا لَا يَكُونُ زِنًا فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْحَدُّ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاطِئَ مَتْبُوعٌ؛ لِأَنَّهُ فَاعِلٌ، وَالْمَوْطُوءَةُ تَابِعَةٌ، لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنِ الْفَاعِلِ الْمَتْبُوعِ سَقَطَ عَنِ التَّابِعِ الْمُمْكِنِ؛ لِأَنَّ الْمَتْبُوعَ أَصْلٌ وَالتَّابِعَ فَرْعٌ فَاسْتَحَالَ ثُبُوتُ الْفَرْعِ مَعَ ارْتِفَاعِ أَصْلِهِ.
وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنْ كُلَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا بِوَطْئِهَا إِذَا مَكَّنَتْ عَاقِلًا وَجَبَ عَلَيْهَا بِوَطْئِهَا إِذَا مَكَّنَتْ مَجْنُونًا كَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ فِي وَطْءِ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنِ الْوَاطِئِ لمعنى يخصه لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنِ الْمَوْطُوءَةِ كَالْمُسْتَأْمَنِ الْحَرْبِيِّ إذا زنا بِمُسَلِّمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ دُونَهُ، وَلِأَنَّ كُلَّ سبب لو اختص بالموطوءة لم يمنع وجوبه الْحَدَّ عَلَى الْوَاطِئِ وَجَبَ إِذَا اخْتَصَّ بِالْوَاطِئِ أَنْ لَا يُمْنَعَ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ كَاعْتِقَادِ الشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعْتَبَرْ حُكْمُ الموطوءة بالواطئ في حقه الْحَدِّ إِذَا زَنَتِ الْحُرَّةُ بِعَبْدٍ
وَالثَّيِّبُ بِبَكْرٍ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ إذا زنت العاقلة بمجنون.
فأما الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ " إِنَّ وَطْءَ الْمَجْنُونِ لَيْسَ بِزِنَا) فَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الزِّنَا ثَابِتٌ فِيهِ لِانْتِفَاءِ النَّسَبِ عَنْهُ، وَلَوِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الزِّنَا عَنْهُ لَحِقَ النَّسَبُ بِهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ: " بِأَنَّ الْوَاطِئَ مَتْبُوعٌ) فَهُوَ بَاطِلٌ بِصِفَةِ الْحَدِّ لِمَا جَازَ أَنْ تُرْجَمَ الْمَوْطُوءَةُ وَإِنْ جُلِدَ الْوَاطِئُ، جَازَ أَنْ تُجْلَدَ الْمَوْطُوءَةُ وَإِنْ لَمْ يجلد الواطئ.
فإذا تقرر هذا فرع عليه الزنا في مستيقظ ونائم، فإن زنا رجل بنائمة حُدَّ دُونَهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ كَزِنَا الْعَاقِلِ بِمَجْنُونَةٍ، وَإِنِ اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ نَائِمٍ حُدَّتْ عِنْدَنَا، وَلَمْ تُحَدَّ عِنْدَهُ كَالْعَاقِلَةِ إِذَا زَنَتْ بِمَجْنُونٍ اعتباراً بسقوط الحد عن النائم، وما قدمناه دليل عليه في الموضعين وبالله التوفيق.
(مسألة)
قال الشافعي: " ثُمَّ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ إِذَا رُجِمَ الزَّانِي أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْأَمْوَاتِ فِي غَسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقُسِّمَ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ قَتْلُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ مِنْ أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمَقْتُولِ قَوَدًا، وَلَمْ يُكْرَهْ لِلْإِمَامِ الْحَاكِمِ بِرَجْمِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَكَرِهَهَا مَالِكٌ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزٍ حِينَ رَجَمَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَّى عَلَى الَّتِي رَجَمَهَا مِنْ جُهَيْنَةَ وَأَحْسَبُهَا الْغَامِدِيَّةَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ترجمها ثُمَّ تُصَلِّي عَلَيْهَا فَقَالَ: " لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لو قسمت على سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ هَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا) .
وَجَلَدَ عَلِيُّ بن أبي طالب عليه السلام شراحة الهمدانية في يوم الخميس ورجمها يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا تُكْرَهُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ فَلَمْ تُكْرَهْ لِلْإِمَامِ كَالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الزَّانِي.
فَأَمَّا مَاعِزٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأَخَّرَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِعَارِضٍ وَيَكْفِي أن يصلي عليها غيره.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْضُرَ رَجْمَهُ وَيَتْرُكَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا حَكَمَ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْحُكَّامِ بِرَجْمِ زَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَا شُهُودُ الزِّنَا حُضُورَ الرَّجْمِ، سَوَاءٌ رجم بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفة: إن رجم بإقرار لزم حضور الإمام أو الحاكم بالرجم، وَإِنْ رَجَمَ بِالْبَيِّنَةِ لَزِمَ حُضُورُ الشُّهُودِ دُونَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَخَصُّ بِهِ فِي الْإِقْرَارِ وَالشُّهُودُ أَخَصُّ بِهِ فِي الشَّهَادَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَرْجِعَ الشُّهُودُ إِنْ شَهِدُوا بِزُورٍ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَحْضُرْهُ وَقَالَ: " يَا أُنَيْسُ اغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) ولأنها إِقَامَةُ حَدٍّ فَلَمْ يَلْزَمْ حُضُورُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كالقذف، ولأنها إِفَاتَةُ نَفْسٍ فَلَمْ يَلْزَمْ فِيهِ حُضُورُهُمَا، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَلْزَمْ حُضُورُهُ فِي حَدِّ الْبِكْرِ لَمْ يَلْزَمْ حُضُورُهُ فِي حَدِّ الثَّيِّبِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الزَّانِيَيْنِ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ حَضَرَ الْإِمَامُ وَالشُّهُودُ الرَّجْمَ لَمْ يَجِبْ الِابْتِدَاءُ بِالرَّجْمِ عَلَى أَحَدٍ، وَبَدَأَ بِهِ مَنْ شَاءَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ رُجِمَ بِإِقْرَارِهِ بَدَأَ بِرَجْمِهِ الْإِمَامُ، ثُمَّ الشهود، ثُمَّ النَّاسُ، وَإِنْ رُجِمَ بِالْبَيِّنَةِ بَدَأَ بِرَجْمِهِ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ؛ احْتِجَاجًا بِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَضَرَ رَجْمَ الْغَامِدِيَّةِ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَنَّهُ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَوْ فَعَلَ لَنُقِلَ، ولأنه حد فلم يتعين فيه المبتدئ كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
(فَصْلٌ)
[الْقَوْلُ فِي صِفَةِ الرَّجْمِ] فَأَمَّا صِفَةُ الرَّجْمِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُسْتَرَ فِيهِ عَوْرَةُ الْمَرْجُومِ إِنْ كَانَ رَجُلًا، وَيُسْتَرُ جَمِيعُ بَدَنِهَا إِنْ كَانَتِ امْرَأَةً، وَتُعْرَضُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ قَبْلَ رَجْمِهِ لِتَكُونَ خَاتِمَةَ أَمْرِهِ، وَإِنْ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُمِرَ بِهَا، وَإِنْ تَطَوُّعَ بِصَلَاةٍ مُكِّنَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنِ اسْتَسْقَى مَاءً سُقِيَ، وَإِنِ اسْتَطْعَمَ طَعَامًا لَمْ يُطْعَمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَاءَ لِعَطَشٍ مُتَقَدِّمٍ وَالْأَكْلَ لِشِبَعٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُقَيَّدُ، وَيُخَلَّى وَالِاتِّقَاءُ بِيَدِهِ، وَاخْتَارَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنْ يُحْفَرَ لَهُ حُفَيْرَةً يَنْزِلُ فِيهَا إِلَى وَسَطِهِ، وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ مُخْتَارٍ فِي رَجْمِ الرَّجُلِ، سَوَاءً رُجِمَ بِشَهَادَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَيَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِتَأْخُذَهُ الْأَحْجَارُ من جوانبه، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي مَاعِزٍ
حين رجمه، فأما المرأة فتحفر لَهَا إِنْ رُجِمَتْ بِالشَّهَادَةِ حُفَيْرَةٌ تَنْزِلُ فِيهَا إلى صدرها؛ لرواية أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَهَا إِلَى الثَّنْدُوَةِ وَلِيَكُونَ ذلك أستر لها وأصون، فإن رُجِمَتْ بِإِقْرَارِهَا فَفِي الْحَفْرِ لَهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُحْفَرُ لَهَا لِيَكُونَ عَوْنًا لَهَا عَلَى هَرَبِهَا إِنْ رَجَعَتْ عَنْ إِقْرَارِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أن يحفر لها تغليباً لحق صيانتها وسترها، قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ يُحْفَرَ للْغَامِدِيَّةِ إِلَى الصَّدْرِ وَكَانَتْ مُقِرَّةً.
(فَصْلٌ)
[الْقَوْلُ فِي صِفَةِ الْحَجَرِ فِي الرَّجْمِ]
فأما الْحَجَرُ الَّذِي يُرْجَمُ بِهِ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَكُونَ مَلْءَ الْكَفِّ، وَلَا يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ كَالصَّخْرَةِ فترجمه، ولا يكون أخف مِنْهُ كَالْحَصَاةِ فَيَطُولُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَوْقِفُ الرَّامِي مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَبْعُدُ عَلَيْهِ فَيُخْطِئُهُ وَلَا يدنوا مِنْهُ فَيُؤْلِمُهُ، فَإِنْ هَرَبَ عِنْدَ مَسِّ الْأَحْجَارِ اتُّبِعَ إِنْ رُجِمَ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَا يُتْبَعُ إِنْ رُجِمَ بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ مَاعِزًا هَرَبَ حِينَ أَخَذَتْهُ الأحجار فاتبع فقيل: إن عمر أتبعه فرماه بَلَحْيِ جَمَلٍ فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: بَلْ لَقِيَهُ عَبْدُ الله بن أنيس وقد أعجز أصحابه فَرَمَاهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: " هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ قبلت منهم.
ولأن رجمه بإقرار غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ وَهَرَبُهُ كَالرُّجُوعِ، وَالْأَوْلَى بِمَنْ حَضَرَ رَجْمُهُ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا فِيهِ إِنْ رَجَمَ بِالْبَيِّنَةِ، وَمُمْسِكًا عَنْهُ إِنْ رَجَمَ بِالْإِقْرَارِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَجَمِيعُ بَدَنِهِ مَحَلٌّ للرجم في المقاتل وغير المقاتل، ولكن يختار أن يتوقى الوجه وحده لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - باتقاء الوجه.
(مسألة)
قال الشافعي: " فَإِنْ لَمْ يُحْصَنْ جُلِدَ مِائَةً وَغُرِّبَ عَامًا عَنْ بَلَدِهِ بِالسُّنَّةِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أن حد البكر الجلد والتغريب، وسمي الحد جَلْدًا لِوُصُولِهِ إِلَى الْجَلْدِ، وَلَهُ حَالَتَانِ: حُرٌّ، وَعَبْدٌ: فَإِنْ كَانَ حُرًّا جُلِدَ مِائَةً ثُمَّ غرب بعد الجلد سنة، فأما الجلد فهو بسوط معتدل لا جديد ولا خلق، وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنَ الْأَلَمِ كَمَا أَخَذَ حَظَّهُ مِنَ اللَّذَّةِ إِلَّا عُضْوَيْنِ يَكُفُّ عَنْ ضَرْبِهِمَا ويؤمر باتقائهما:
أحدهما: الوجه؛ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " إِذَا ضَرَبْتُمْ فَاتَّقُوا الْوَجْهَ) .
وَالثَّانِي: الْفَرْجُ؛ لِأَنَّ الْمَذَاكِيرَ قَاتِلَةٌ، فَأَمَّا الرَّأْسُ فَلَا يَلْزَمُ اتِّقَاؤُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُ أَنْ يُتَّقَى وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ عَلَيْهِ أَخْوَفُ.
وَأَمَّا التَّغْرِيبُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَأَمَّا الزَّمَانُ فقد قدره الشرع بسنة تَجْمَعُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ، وَأَمَّا الْمَكَانُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أصحاب الشافعي: إلى مسافة يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ حَدُّ السَّفَرِ الَّذِي يقصر فيه وَيُفْطَرُ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إِلَيْهِ أَهْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هريرة أنه يغرب إلى حيث ينطلق عَلَيْهِ اسْمُ الْغُرْبَةِ وَتَلْحَقُهُ فِي الْمُقَامِ بِهِ مشقة ووحشة، سواء قصر فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ أَوْ لَمْ تَقْصُرْ؛ لِأَنَّ المقصود بتغريبه خروجه عن أنسه بالأهل وَالْوَطَنِ إِلَى وَحْشَةِ الْغُرْبَةِ وَالِانْفِرَادِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ فِي تَغْرِيبِهِ إِلَّا أَنْ يَتَعَرَّضَ للزنا وإفساد الناس فيحبس كفا عن الفساد تعزيراً مستجداً، ومؤونته في غربته فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ كَأُجْرَةِ الجلاد، فإن أعوز بيت المال كانت فِي مَالِهِ كَمَا تَكُونُ فِيهِ أُجْرَةُ مُسْتَوْفِي الْحَدِّ مِنْهُ عِنْدَ الْإِعْوَازِ، فَأَمَّا نَفَقَتُهُ فِي زَمَانِ التَّغْرِيبِ فَعَلَى نَفْسِهِ وَمِنْ كَسْبِهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنَ الِاكْتِسَابِ وَلَا أَنْ يُسَافِرَ مَعَهُ بمال يتجر به أو ينفقه، فإن أعوزه الْكَسْبَ فِي سَفَرِهِ كَانَ كَسَائِرِ الْفُقَرَاءِ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَزِيدَ فِي مَسَافَةِ تغريبه على ما قدمناه جَازَ، فَقَدَ غَرَّبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ، وَغَرَّبَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى مِصْرَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَزِيدَ فِي زمان تغريبه على السَّنَةِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ السَّنَةَ نَصٌّ، وَالْمَسَافَةَ اجْتِهَادٌ، وَفِي أَوَّلِ السَّنَةِ فِي تَغْرِيبِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ وَقْتِ إِخْرَاجِهِ مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ سَفَرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بَعْدَ حُصُولِهِ فِي مَكَانِ التَّغْرِيبِ، وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
أحدهما: بعد مفارقته لأنس الْوَطَنِ وَاعْتِزَالِ الْأَهْلِ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ حَدُّ التغريب.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: بَعْدَ مَسَافَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِذَا جُعِلَ حَدًّا لِلتَّغْرِيبِ.
(فَصْلٌ)
وَالْإِمَامُ فِي تَغْرِيبِهِ بين أمرين:
أحدهما: أن يعين على الْبَلَدَ الَّذِي يُغَرَّبُ إِلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الْمُقَامُ فِيهِ، ولا يجوز الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَيَصِيرُ لَهُ كَالْحَبْسِ الَّذِي لَا يجوز أن يخرج منه.
والثاني: أن لا يعين له على الْبَلَدَ فَيَجُوزُ لَهُ إِذَا تَجَاوَزَ مَسَافَةَ التَّغْرِيبِ أن يقيم في أي بلد من الْبِلَادِ شَاءَ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّغْرِيبِ نَظَرَ: فَإِنْ كَانَ البلد الذي غرب إليه معيناً لم يَعُدْ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنْ عَادَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ عُزِّرَ كَمَا يُعَزَّرُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ جَازَ أَنْ يَعُودَ بِإِذْنٍ وَغَيْرِ إِذْنٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَّا بِإِذْنٍ، فَإِنْ عَادَ إِلَى وَطَنِهِ قَبْلَ السَّنَةِ عُزِّرَ وَأُخْرِجَ، وَبَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ مُقَدَّمِهِ وَلَمْ تُحْسَبْ مُدَّةُ مُقَامِهِ فِي وَطَنِهِ.
وَلَوْ غَرَّبَ الْمَحْدُودُ نَفْسَهُ أَجْزَأَهُ وَلَوْ جَلَدَ نفسه لم يجزه.
والفرق بينهما: أن الحد حَقٌّ يُسْتَوْفَى مِنْهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِيهِ وَالتَّغْرِيبُ انْتِقَالٌ إِلَى مَكَانٍ قَدْ وُجِدَ فِيهِ.
(فَصْلٌ)
وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُثْبِتَ فِي دِيوَانِهِ أَوَّلَ زَمَانِ تَغْرِيبِهِ لِيَعْلَمَ بِإِثْبَاتِهِ اسْتِيفَاءَ حَدِّهِ، فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ وَادَّعَى الْمَحْدُودُ انْقِضَاءَ السَّنَةِ وَعَدِمَتِ الْبَيِّنَةُ فِيهِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ المحدود؛ لأنه من حقوق الله الْمُسْتَرْعَاةِ، وَيَحْلِفُ اسْتِظْهَارًا وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ فِي زَمَانِ التَّغْرِيبِ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ نَفَقَاتِ زَوْجَاتِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَتَنْقَضِي بِهِ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ وَإِنْ زَنَا فِي مُدَّةِ التَّغْرِيبِ حُدَّ وَغُرِّبَ عَنْ مَوْضِعِهِ عَامًا إِلَى مَسَافَةِ التَّغْرِيبِ وَإِلَى جِهَةٍ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطَنِهِ مِثْلُ مَسَافَةِ التغريب فصاعداً، وتكون بَقِيَّةُ التَّغْرِيبِ الْأَوَّلِ دَاخِلًا فِي التَّغْرِيبِ الثَّانِي؛ لأن حدود الزنا تتداخل فِي الِاسْتِيفَاءِ.
(فَصْلٌ)
وَإِنْ كَانَ الزَّانِي عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَلَا رَجْمَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أُحْصِنَا بِنِكَاحٍ؛ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْإِحْصَانِ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَدَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ وَالرَّجْمُ لَا ينتصف، وإذا سَقَطَ الرَّجْمُ عَنْهُ فَحَدُّهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً وَهِيَ نصف حد الحر لقول الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] .
فأما التغريب ففيه ثلاثة أقاويل:
أَحَدُهَا: يُغَرَّبُ سَنَةً كَالْحُرِّ وَإِنْ خَالَفَ الْحُرَّ فِي الْجَلْدِ؛ لِأَنَّ مَا اعْتُبِرَ فِيهِ الْحَوْلُ لم يتبعض كالزكاة والجزية.
والقول الثَّانِي: لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ لِمَا فِيهِ من الإضرار بسيده، وأنه فِي الْغُرْبَةِ أَرْفَهُ لِقِلَّةِ خِدْمَتِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أنه يُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّغْرِيبُ فِي الْحُرِّ تَبَعًا لِلْجَلْدِ ثُمَّ تنصف جلد العبد، وجب أن ينتصف تَغْرِيبُهُ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا التَّغْرِيبِ أَنْ يَحُدَّهُ الْإِمَامُ أَوِ السَّيِّدُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ حَدَّهُ السَّيِّدُ لَمْ يُغَرِّبْهُ، وَإِنْ حَدَّهُ الْإِمَامُ غَرَّبَهُ.
وَهَذَا الْفَرْقُ لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مُسْتَوْفًى فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي حَقِّ السَّيِّدِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ مُسْتَوْفِيهِ كَالْجَلْدِ وَحَّدُّ الْأَمَةِ كَالْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ الْمُدْبِرُ وَالْمُكَاتِبُ وَمَنْ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ الرِّقِّ وَإِنْ قَلَّ كَحَدِّ الْعَبِيدِ كَمَا كَانُوا فِي النكاح والطلاق والعدة كالعبيد، ومؤونة التَّغْرِيبِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَنَفَقَتُهُ فِي زَمَانِ التَّغْرِيبِ عَلَى السَّيِّدِ، فَإِنْ أَعْوَزَ بَيْتَ الْمَالِ فمؤونة التغريب على السيد كالنفقة والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " ولو أقر مرة حد لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمر أنيساً أن يغدو على امرأة فإن اعترفت رجمها وأمر عمر رضي الله عنه أبا واقد الليثي بمثل ذلك ولم يأمرا بعدد إقراره وفي ذلك دليل أنه يجوز أن يقيم الإمام الحدود وإن لم يحضره) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِقْرَارِ الَّذِي يجب به حد الزنا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أنه يجب بإقراره مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حنيفة وأصحابه: أنه لا يجب إلا بإقرار أربع مرار فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وابن أبي ليلى لا تجب إِلَّا بِإِقْرَارٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي مجلس أو في مجالس؛ احتجاجاً فِي اعْتِبَارِ الْأَرْبَعِ بِرِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَقَرَّ بِالزِّنَا فَرَدَّهُ، ثُمَّ عَادَ فَأَقَرَّ بِالزِّنَا فَرَدَّهُ، ثُمَّ عَادَ فَأَقَرَّ بِالزِّنَا فَرَدَّهُ، ثُمَّ عاد رابعة فأقر بِالزِّنَا فَسَأَلَ عَنْهُ قَوْمَهُ: " هَلْ تُنْكِرُونَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا؟) قَالُوا: لَا، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فِي مَوْضِعٍ قَلِيلِ الْحِجَارَةِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، فَانْطَلَقَ يَسْعَى إِلَى مَوْضِعٍ كَثِيرِ الْحِجَارَةِ فَرَجَمُوهُ
حتى قتل، فَلَّمَا أَمَرَ بِرَجْمِهِ فِي الرَّابِعَةِ دُونَ مَا تَقَدَّمَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِرَجْمِهِ وأن الأربع كلها شروط فيه.
وروى عامر بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَقْبَلَ مَاعِزُ بن مالك إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا، فَأَمَرَ بِطَرْدِهِ حَتَّى لَمْ يُرَ، ثُمَّ عَادَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا، فَأَمَرَ بِطَرْدِهِ حَتَّى لَمْ يُرَ، ثُمَّ عَادَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا، فَأَمَرَ بِطَرْدِهِ حَتَّى لَمْ يُرَ، ثُمَّ عاد الرابعة، قال: فنهضت إليه فقلت: يَا هَذَا إِنَّكَ إِنْ أَقْرَرْتَ عِنْدَهُ الرَّابِعَةَ رَجَمَكَ قَالَ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ.
قَالُوا: فَقَدْ صَرَّحَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَشْهَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِأَنَّ الرَّابِعَةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِرَجْمِهِ فَأَقَرَّهُ، فَصَارَ كقوله.
قالوا: ولأنه سبب يثبت حَدُّ الزِّنَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ مِنْ شَرْطِهِ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ الزِّنَا لَمَّا غَلُظَ بِزِيَادَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى سَائِرِ الشَّهَادَاتِ وَجَبَ أَنْ يُغَلَّظَ بِزِيَادَةِ الْإِقْرَارِ عَلَى سَائِرِ الْإِقْرَارَاتِ.
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " يَا أُنَيْسُ اغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) وَلَمْ يُوَقِّتْ لَهُ فِي اعترافها أَرْبَعًا، فَغَدَا إِلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهَا اعْتَرَفَتْ أَرْبَعًا فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِهِ بِاعْتِرَافِ المرأة الْوَاحِدَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَ بَيَانَهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَلَا يُبِيحُ رَجْمَهَا بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصحَابة فَكَانَ إِجْمَاعًا.
أما أبو بكر فأقر رجل بكر عنده بِالزِّنَا فَجَلَدَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا.
وَأَمَّا عُمَرُ فَإِنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي زَنَتْ فَأَنْفَذَ أَبَا وَاقِدٍ اللِّيثِيَّ إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: زَوْجَكِ قَدِ اعْتَرَفَ عَلَيْكِ بِالزِّنَا وَإِنَّكِ لَا تؤاخذين بقوله لتنزع فلم تنزع، فَأَمَرَ عُمَرُ بِرَجْمِهَا.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ مَا ثبت بالإقرار لم يعتبر فِيهِ التَّكْرَارُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ تَكْرَارُ الْإِنْكَارِ لَمْ يَلْزَمْ في تَكْرَارُ الْإِقْرَارِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلِأَنَّ رَجُلًا لَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا وَوَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ قَذْفِهِ فاعترف المقذوف مرة واحدة صَارَ كَالْمُقِرِّ بِهِ أَرْبَعًا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ قَاذِفِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ كَالْأَرْبَعِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا
يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ زَانِيًا وفي بعضها غير زان، ولأنه إقرار ثبت بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ بِهِ حَدُّ الزِّنَا كَالْأَرْبَعِ.
وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ ضَرْبَانِ: حَقُّ الله سبحانه، وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ التَّكْرَارُ فَكَانَ حَدُّ الزِّنَا مُلْحَقًا بِأَحَدِهِمَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ عنهما.
فأما الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ " مَاعِزٍ) فِي إِقْرَارِهِ أَرْبَعًا فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَقَّفَ عَنْ رَجْمِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى اسْتِثْبَاتًا لحاله واسترابة لجنونه؛ لأنه كان قصيراً اعضد احمر العينين ناثر الشِّعْرِ أَقْبَلَ حَاسِرًا فَطَرَدَهُ تَصَوُّرًا لِجُنُونِهِ، وَأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَفْضَحُ نَفْسَهُ وَيُتْلِفُهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَلِذَلِكَ سَأَلَ قَوْمَهُ عَنْ حَالِهِ وَقَالَ: أَبِهِ جِنَّةٌ وَقَالَ اسْتَنْكِهُوهُ لأنه توهمه حين لم ير به جنة أن يكون سكراناً.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَرْبَعُ مُعْتَبَرًا لَكَانَ الأول مؤثراً، ولما استجاز أن يطرده، وقد تعلق به لله تعالى حق.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ رَجَمَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَثْبَتَهُ فِي الخامسة وقال: " لعلك قبلت لعلك لمست؟) قال بل جامعتها، قال: " أَوْلَجْتَ ذَكَرَكَ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ والرشا في البئر) ؟ قال: نعم فأقر بِرَجْمِهِ فِي الْخَامِسَةِ وَلَيْسَتْ شَرْطًا بِإِجْمَاعٍ فَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَهَا.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ خَبَرٌ خَالَفَ الْأُصُولَ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عِنْدَهُمْ إِذَا خَالَفَ الْأُصُولَ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إِنَّكَ إِنْ أَقْرَرْتَ الرَّابِعَةَ رَجَمَكَ) فَلِأَنَّ حَالَهُ قَدْ وَضَحَتْ وَالِاسْتِرَابَةُ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَصَارَتِ الرَّابِعَةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِزَوَالِ الِاسْتِرَابَةِ وَلَمْ تكن لاستكمال العدد؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ جَلَدَ فِي أَيَّامِهِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ عَدَدًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الشَّهَادَةِ فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهَا أَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ فِيهَا الْعَدَدُ فِي غَيْرِ الزِّنَا اعْتُبِرَ فِي الزِّنَا، وَلَمَّا لَمْ يُعْتَبَرِ الْعَدَدُ فِي الْإِقْرَارِ بِغَيْرِ الزِّنَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِزِيَادَةِ الشَّهَادَةِ فِيهِ تَغْلِيظًا فَهُوَ أن الشهادة قد تختلف باختلاف الحقوق ولا توجب اخْتِلَافَ الْإِقْرَارِ بِهَا فَكَذَلِكَ فِي الزِّنَا.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَا بِامْرَأَةٍ فَجَحَدَتِ الْمَرْأَةُ الزِّنَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ مَعَ فِعْلِ الْمَرْأَةِ وَطْءٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا سَقَطَ الحد في جنبتها بالجحود سقط في جنبته وَإِنْ أَقَرَّ لِعَدَمِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إِلَّا فِي زِنًا كَامِلٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزِّنَا بِجُحُودِهَا وَإِقْرَارِهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ وُجُودٍ وَعَدَمٍ، فَصَارَ شُبْهَةٌ فِيهِ، فَوَجَبَ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِهِ.
وَدَلِيلُنَا: أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا أَقَرَّ بِالزِّنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أربع مرات قال: الْآنَ أَقْرَرْتَ أَرْبَعًا فَبِمَنْ قَالَ: بِفُلَانَةٍ فَلَمْ يَبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهَا وَلَمْ يَسْأَلْهَا وَلَوْ كَانَ إِقْرَارُهَا شَرْطًا فِي وُجُوبِ حَدِّهِ وَإِنْكَارُهَا مُوجِبًا لِسُقُوطِهِ لَكَفَّ عَنْ رَجْمِهِ إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِهَا.
وَرَوَى سَهْلُ بن سعد الساعدي أن رجلاً اقر أنه زنا بِامْرَأَةٍ فَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهَا فَجَحَدَتْ، فَحُدَّ الرَّجُلُ، وَهَذَا نَصٌّ.
فَإِنْ قيل: إنما حده القذف.
قيل: حد القاذف لها لا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِمُطَالَبَتِهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهَا طَالَبَتْ، فَصَارَ مَحْمُولًا عَلَى حَدِّ الزِّنَا دُونَ الْقَذْفِ.
وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي جُحُودِهَا أَكْثَرُ مِنْ عَدَمِ إِقْرَارِهَا بِالزِّنَا، وَهَذَا لَا يُوجِبُ سقوط الحد عنه كالسكوت إذا لم يجحد وَلَمْ تُقِرَّ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ سُكُوتُهُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَمْنَعْ منه جحوده قياساً على غيرها، وَلِأَنَّ جُحُودَهَا لَوْ كَانَ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ عَنْهُ لوجب إذا كانت غائبة ألا يَحُدَّ حَتَّى تَحْضُرَ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَجْحَدَ فَيَسْقُطَ الْحَدُّ عَنْهُ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْجِيلِ حَدِّهِ قَبْلَ قُدُومِهَا وَسُؤَالِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِقْرَارَهَا وجحودها سواء في حقه.
وأما الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ " بِأَنَّهُ وَطْءٌ وَاحِدٌ) فَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَطْئًا وَاحِدًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِي جَنَبَةِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ سَقَطَ فِي جَنَبَةِ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَاقِلًا وَهِيَ مَجْنُونَةٌ أَوْ كَبِيرًا وَهِيَ صَغِيرَةٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَنَّ سُقُوطَهُ فِي جَنَبَةِ أَحَدِهِمَا شُبْهَةٌ فَهُوَ: أَنَّهَا شُبْهَةٌ فِي حَقِّهَا دُونَ حَقِّهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَا لَمْ يكن سقوط الحد عنها موجباً لِسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى هذه المسألة إذا زنا الناطق بخرساء.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ إِشَارَتَهَا بِالزِّنَا إِقْرَارًا فتصير كالجاحدة، وعندنا يجب الحد عليه وعليها إِنْ أَشَارَتْ بِالْإِقْرَارِ، وَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ إِذَا أَشَارَ بالإقرار بالزنا حد.
وقد مضت هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ " الْإِقْرَارِ) ثُمَّ يُقَالُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي خَرَسِهَا أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِهَا وَسُكُوتُهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عليه، كذلك خرسها والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَمَتَى رَجَعَ تُرِكَ وَقَعَ بِهِ بَعْضُ الْحَدِّ أَوْ لَمْ يَقَعْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا عَنْ إِقْرَارِهِ قُبِلَ رُجُوعُهُ وَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، سَوَاءٌ وَقَعَ بِهِ بَعْضُ الْحَدِّ أَوْ لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، سَوَاءً وَقَعَ به الْحَدِّ أَوْ لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ: يُقْبَلُ رُجُوعُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي حَدِّهِ وَلَا يُقْبَلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِلرُّجُوعِ بَعْدَ إِبْدَاءِ الصَّفْحَةِ.
قَالُوا: ولأنه حق ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِرُجُوعِهِ قِيَاسًا عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ادرؤوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ) وَرُجُوعُهُ شُبْهَةٌ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ، وَلِأَنَّ مَاعِزًا لَمَّا هَرَبَ مِنْ حَرِّ الْأَحْجَارِ وَتَبَعُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِرُجُوعِهِ تَأْثِيرٌ لَمْ يُنْدَبْ إِلَى تَرْكِهِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِرَجْمِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَتَرَكَهُ وَقَالَ: لَأَنْ أَتْرُكَ حَدًّا بِالشُّبْهَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ أُقِيمَ حَدًّا بِالشُّبْهَةِ، وَوَافَقَ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه على مِثْلِ هَذَا، وَلَيْسَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ بِقَوْلِهِ: فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِرُجُوعِهِ كَالرِّدَّةِ، وَلِأَنَّ ما ثبت من حدود الله تعالى بالقول يجب أَنْ يَسْقُطَ بِالْقَوْلِ قِيَاسًا عَلَى رُجُوعِ الشُّهُودِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فِي " إِبْدَاءِ الصَّفْحَةِ) فالراجع غير مبد لصفحته وإنما يكون مبدئاً إذا قام عَلَى إِقْرَارِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حقوق الآدميين فمن وجهين هما فرق يمنع من صحة الجمع:
أحدهما: أن حقوق الله تعالى تدرأ بالشبهات وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تُدْرَأُ بِهَا.
وَالثَّانِي: هُوَ أَنَّ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَنْ يُقِرَّ بها، وكذلك لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ فِيهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا التَّوْبَةُ مِنْهَا، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَى أَنْ لَا يُقِرَّ بِهَا، فلذلك قبل رجوعه فيها.
وروى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنِ ابْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا هَزَّالُ لَوْ سَتَرْتَهُ بثوبك كان خيراً لك) .
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَالْحُدُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ.
وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ.
فأما حقوق الله تعالى المحضة فحد الزنا وقتل الردة وحد شرب الْخَمْرِ، فَإِذَا وَجَبَتْ بِالْإِقْرَارِ سَقَطَتْ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، وَلَوْ وَجَبَتْ بِالشَّهَادَةِ لَمْ تَسْقُطْ بِرُجُوعِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَسَقَطَتْ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ فِيهَا الْإِقْرَارُ بِهَا، وَالشَّهَادَةُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تَخْتَصُّ إِقَامَتُهَا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَخْتَصُّ إِقَامَةُ الْحَدِّ فِيهَا بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَخْتَصُّ إِقَامَتُهَا بِالْإِقْرَارِ دُونَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشهادة مع الاعتراف مطرحة، فعلى هذا لو رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَالْأَصَحُّ من إطلاق هذين الوجهين عندي أن ينظر فِي اجْتِمَاعِهِمَا، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْإِقْرَارُ عَلَى الشَّهَادَةِ كَانَ وُجُوبُ الْحَدِّ بِالْإِقْرَارِ وَسَقَطَ بِالرُّجُوعِ، وَإِنْ تَقَدَّمَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَانَ وُجُوبُ الْحَدِّ
بالشهادة ولم يسقط بالرجوع؛ لأن وجوبه ما سبقها فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا تُعْقِبُهُ، وَعَلَى الْوُجُوهِ كلها لا يسقط أحدهما الآخر.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَذَّبَ الشُّهُودَ حُدَّ بشهادتهم وإن صدقهم سقط عنه الحد فلم يحد بشهادتهم ولا بإقراره قال: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُقِرٍّ فَسَقَطَتْ، وَالْإِقْرَارُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ حَتَّى يَتَكَرَّرَ أَرْبَعًا.
وَهَذَا مِمَّا يَدْفَعُهُ الْمَعْقُولُ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى مُنْكَرٍ وَيَسْقُطَ عَنْ مُقِرٍّ، وَإِنْ بَنَاهُ عَلَى أَصْلٍ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ أَصْلِهِ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةُ فَالْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ، فَإِذَا وَجَبَ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَسْقُطْ بِالرُّجُوعِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فَيَسْقُطَ بِالتَّصْدِيقِ دُونَ الرُّجُوعِ.
وَأَمَّا الْحُقُوقُ المشتركة التي يتعلق بها حق الله وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَهِيَ السَّرِقَةُ يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ، وهو من حقوق الله الْمَحْضَةِ، وَغُرْمُ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الآدميين المحضة، فإذا أوجب بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَسْقُطِ الْغُرْمُ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَفِي سُقُوطِ الْقَطْعِ بِالرُّجُوعِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ لِاخْتِصَاصِهِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ لِاقْتِرَانِهِ بِمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الرُّجُوعُ.
(فَصْلٌ)
[الْأَلْفَاظُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي رُجُوعِ المقر على نفسه بالزنا]
فأما ما يكون به راجعاً في إِقْرَارِهِ فَهُوَ الْقَوْلُ، وَذَلِكَ بِإِحْدَى ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ كَذَبْتُ فِي إِقْرَارِي، أَوْ يَقُولُ: لَمْ أَزْنِ، أَوْ يَقُولُ: قَدْ رَجَعْتُ عن إقراري، فكل واحد من هذه الألفاظ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ رُجُوعًا صَرِيحًا، فَإِنْ قَالَ: لَا تحدوني لم يكن رجوعاً صريحاً؛ لأنه يجوز أن يريد به العفو أو الإنظار، وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا الْإِنْظَارُ لَهُ إلا لعذر ينظر لأجله من مرض، أو جنة أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ فَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الكف عنه، فإذا بين عَنْ مُرَادِهِ عُمِلَ عَلَيْهِ وَحُكِمَ بِمُوجِبِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيَّ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى صَرِيحِ الرُّجُوعِ مَعَ احْتِمَالٍ فِيهِ فَيُسْأَلُ عَنْهُ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالرُّجُوعِ وَلَكِنَّ هَرَبَ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَقُومُ هَرَبُهُ مَقَامَ رُجُوعِهِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَقُومُ مَقَامَهُ وَيَكُونُ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ فِي مَاعِزٍ حِينَ هَرَبَ مِنَ الْأَحْجَارِ " هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه) .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ رُجُوعًا لِاحْتِمَالِهِ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْ هَرَبِهِ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ عَنْهُ لِاحْتِمَالِهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " غرم قَاتِلَ مَاعِزٍ بَعْدَ هَرَبِهِ دِيَتَهُ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَا جَعَلْنَاهُ رُجُوعًا صَرِيحًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَوْجَبْنَا بِهِ ضَمَانَ النَّفْسِ إِنْ قُتِلَ بَعْدَهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ نَجْعَلْهُ رُجُوعًا صَرِيحًا لم نوجب له به الضمان.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَا يُقَامُ حَدُّ الْجَلْدِ عَلَى حُبْلَى وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الْمُدْنَفِ وَلَا فِي يَوْمٍ حَرُّهُ أَوْ بَرْدُهُ مُفْرِطٌ وَلَا فِي أَسْبَابِ التَّلَفِ) .
قال الماوردي: إِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا أُخِّرَ مَعَ وُجُودِ الأسباب القاتلة وهي ضربان:
أحدهما: حَبَلٌ يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ، وَمَرَضٌ يَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ.
فَأَمَّا الْحَبَلُ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَحْدُودَةُ حُبْلَى حَامِلًا بِوَلَدٍ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ جَلْدِهَا كَمَا هُوَ مَانِعٌ مِنْ رَجْمِهَا، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا من زنا أو حَلَالٍ؛ لِأَنَّ جَلْدَ الْحَامِلِ مُفْضٍ إِلَى تَلَفِهَا وتلف حَمْلِهَا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَحْظُورٌ.
وَلِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِعُمَرَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَقَدْ أَمَرَ بِحَدِّ زَانِيَةٍ حَامِلٍ إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَرَدَّهَا وَقَالَ: " لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ) فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا وَهِيَ فِي نِفَاسِهَا فَإِنْ أَمِنَ مِنْ تَلَفِهَا فِيهِ جُلِدَتْ، وإن خيف من تلفها فيه أمهلت.
وروى أَبُو جَمِيلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: فَجَرَتْ جَارِيَةٌ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. فَقَالَ لِي: " يَا عَلِيُّ انْطَلِقْ فَأَقِمِ الْحَدَّ عَلَيْهَا، فَأَتَيْتُهَا فَوَجَدْتُهَا يَسِيلُ دَمُهَا لَا يَنْقَطِعُ، فَعُدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فأخبرته أني وجدت دمها يسيل لا يَنْقَطِعُ فَقَالَ: دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا، ثُمَّ اجْلِدْهَا، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
وَأَمَّا الْمَرَضُ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُرْجَى زواله كالسل، والفالج فيكون في النضو عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ كَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ فَيُؤَخَّرَ الْمَحْدُودُ فِيهِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ؛ لِأَنَّ جَلْدَهُ فِي الْمَرَضِ مُفْضٍ إِلَى تَلَفِهِ، وَلَيْسَ يَخْلُو حَدُّهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ.
إِمَّا أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ أَوْ حَدُّ الْمَرْضَى، أَوْ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَبْرَأَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى تَلَفِهِ.
وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْمَرْضَى؛ لأنه لا يُمْكِنُ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ فَلَمْ يبق إلى أَنْ يُؤَخَّرَ إِلَى صِحَّتِهِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وهو المختص بالزمان فهو شأن إِفْرَاطُ الْحَرِّ وَإِفْرَاطُ الْبَرْدِ؛ لِأَنَّ الْجَلْدَ فِيهِمَا مُفْضٍ إِلَى التَّلَفِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْجَلْدِ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ دون التلف، فيؤخر فِي شِدَّةِ الْحَرِّ إِلَى اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَفِي شِدَّةِ الْبَرْدِ إِلَى اعْتِدَالِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَحْدُودُ فِي بِلَادِ الْحَرِّ الَّتِي لَا يَسْكُنُ حَرُّهَا أَوْ فِي بِلَادِ الْبَرْدِ الَّتِي لَا يَقِلُّ بَرْدُهَا لَمْ يُؤَخَّرْ حَدُّهُ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَى الْبِلَادِ الْمُعْتَدِلَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْحَدِّ وَلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ، وَقُوبِلَ إِفْرَاطُ الْحَرِّ وَإِفْرَاطُ الْبَرْدِ بِتَخْفِيفِ الضَّرْبِ حَتَّى يَسْلَمَ فِيهِ مِنَ الْقَتْلِ كَمَا نَقُولُهُ فِي الْمَرَضِ الْمُلَازِمِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا يُوجِبُ تَأْخِيرَ جَلْدِهِ فَلَمْ يؤخر وَجَلْدُهُ فِيهِ، فَإِنْ سَلِمَ مِنَ التَّلَفِ فَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا فَعَلَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صدر عنه تلف فيه ضربان:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْلَفَ غَيْرُ الْمَحْدُودِ كَالْحَامِلِ إِذَا جُلِدَتْ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى مَنْ جَلَدَهَا كَمَا قَدْ ضَمِنَ عُمَرُ جَنِينَ المرأة حين أجهضته من رهبة رسالته.
والضرب الثَّانِي: أَنْ يَتْلَفَ الْمَحْدُودُ فَفِي وُجُوبِ ضَمَانِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ دِيَتَهُ لِتَعَدِّيهِ بِالْوَقْتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَضْمَنُ دِيَتَهُ لِحُدُوثِهِ عَنْ جَلْدٍ مستحق.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَيُرْجَمُ الْمُحْصَنُ فِي كُلِّ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً حُبْلَى فَتُتْرَكَ حَتَّى تَضَعَ وَيُكْفَلَ وَلَدُهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُرْجَمَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ غَامِدٍ أَتَتِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَتْ: إِنِّي زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي فَقَالَ: ارْجِعِي فَرَجَعَتْ، فلما كان من الغد أتته فقالت: لعلك تريد أن تردني كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي حَتَّى تَلِدِي، فَرَجَعَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فَقَالَتْ: قَدْ وَلَدْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعِي فأرضعيه حتى تفطميه [ ... ] وفي يده شيء يأكل فَأَمَرَ بِالصَّبِيِّ فَدُفِعَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، وَلِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه وَقَدْ أَمَرَ بِرَجْمِ حَامِلٍ: " إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا) فَرَدَّهَا وَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا أَمْسَكَ عَنْهَا حَتَّى تُرْضِعَ وَلَدَهَا اللِّبَأَ الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي حِفْظِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي مُرْضِعِ الْوَلَدِ بَعْدَ اللِّبَأِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: