الحاوي الكبيرصفحات 213-252
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الغصب

صفحات 213-252
عن هذه الطبعة
عَلَم
الماوردي
الكتاب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني
المؤلف
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
المحقق
الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1419 هـ -1999 م
عدد الأجزاء
19 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ إِقْرَارَهُ بِالدَّارِ الَّتِي بِالْبَصْرَةِ وَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ دَارًا بِالْكُوفَةِ فَيَسْتَحِقُّ الدَّارَ الَّتِي بِالْبَصْرَةِ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ يَصِيرَ مُدَّعِيًا لِدَارٍ بِالْكُوفَةِ فَيَسْأَلُ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ عَنْ مَوْضِعِ الدَّارِ مِنْ قَبَائِلِ الْكُوفَةِ وَعَنْ حُدُودِهَا مِنْ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ قَبْلَ سُؤَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا حَتَّى لَا تَكُونَ دَعْوَاهُ مَجْهُولَةً فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْهَا وَإِنْ أَنْكَرَه إِيَّاهَا حلف عليها.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَرُدَّ إِقْرَارَهُ بِالدَّارِ الَّتِي بِالْبَصْرَةِ وَلَا يَقْبَلَهَا وَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ دَارًا بِالْكُوفَةِ وَيَحُدَّهَا فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُ قَبْلَ سُؤَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَقُولَ لَهُ أَتُصَدِّقُهُ عَلَى أَنَّ الدَّارَ الَّتِي ابْتَدَأَ بِالْإِقْرَارِ لَكَ بِهَا هِيَ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا بِالْبَصْرَةِ فَإِنْ قَالَ أُصَدِّقُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهَا بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَتْ هِيَ الَّتِي غَصَبَنِيهَا سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَئِذٍ عَمَّا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّارِ بِالْكُوفَةِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْهَا وَكَانَتِ الدَّارُ الَّتِي بِالْبَصْرَةِ مُقِرَّةً فِي يَدِهِ لِعَدَمِ مَنْ يَدَّعِيهَا وَإِنْ أَنْكَرَهُ حَلَفَ لَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً بِاللَّهِ مَا غَصَبَهُ دَارًا بِالْكُوفَةِ وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي عِنْدَ سُؤَالَ الْحَاكِمِ لَهُ قَدْ كَانَ الْمُقِرُّ أَرَادَ بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ لِي بِالدَّارِ مَا ادَّعَيْتُهُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّارِ بِالْكُوفَةِ أَحْلَفَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا أَنْكَرَ يَمِينَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَا غَصَبَهُ دَارًا بِالْكوفةِ.
وَالْيَمِينُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِالدَّارِ الَّتِي كَانَ أَقَرَّ لَهُ بِهَا الدَّارَ الَّتِي ادَّعَاهَا عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ فَإِذَا حَلَفَهَا بَرِئَ مِنْ دَعْوَى دَارٍ بِالْكُوفَةِ وَأُقِرَّتِ دَارُ الْبَصْرَةِ بِيَدِهِ.

فَصْلٌ

: وَلَوِ ابْتَدَأَ الْمُدَّعِي قَبْلَ تَقَدُّمِ الْإِقْرَارِ لَهُ فَادَّعَى عَلَيْهِ غَصْبَ دَارٍ بِالْكُوفَةِ فَذَكَرَ حُدُودَهَا وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَصَبَهُ دَارًا بِالْبَصْرَةِ.
قِيلَ لَهُ أَنْتَ غَيْرُ مُجِيبٍ عَنِ الدَّعْوَى لِإِقْرَارِكَ بِدَارٍ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْكَ فَأَجِبْ عَمَّا ادَّعَاهُ عَلَيْكَ مِنْ غَصْبِ دَارٍ بِالْكُوفَةِ فَإِنِ اعْتَرَفَ لَهُ بِهَا لَزِمَهُ الْخُرُوجُ إِلَيْهِ مِنْهَا وَعُرِضَ عَلَيْهِ قَبُولُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ مُبْتَدِئًا مِنْ غَصْبِ دَارٍ بِالْبَصْرَةِ فإن قيل إِقْرَارَهُ بِهَا خَرَجَ إِلَيْهِ أَيْضًا مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أُقِرَّتْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْكَرَ غَصْبَ دَارٍ بِالْكُوفَةِ أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ مَا غَصَبَهُ دَارًا بِالْكُوفَةِ وَأَقَرَّ بِيَدِهِ دَارَ الْبَصْرَةِ إِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا الْمُقَرُّ لَهُ.
فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُهُ دَارَهُ ثُمَّ قَالَ أَرَدْتُ دَارَةَ الشَّمْسِ أَوْ دَارَةَ الْقَمَرِ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ مُبْتَدِئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِدَارٍ قُبِلَ قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ دَعْوَى دَارٍ عَلَيْهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ جَوَابًا انْصَرَفَ عَنْهُ الِاحْتِمَالُ إِلَى مَا تَضَمَّنُهُ الدَّعْوَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ : وَلَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ غَصْبَ دَارٍ بِالْبَصْرَةِ فَأَنْكَرَهُ وَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا غَصَبْتُهُ ثُمَّ أَقَامَ

الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْغَصْبِ أَوْ عَلَى إِقْرَارِهِ بِهِ لَزِمَهُ الْغَصْبُ وَالطَّلَاقُ مَعًا لِحِنْثِهِ بِهِ فِي يَمِينِهِ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ شَاهِدًا وَيَمِينًا لَزِمَهُ الْغَصْبُ وَلَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مَالٌ يَلْزَمُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَالطَّلَاقُ لَا يلزم بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ لَا غَيْرَ.
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْغَصْبِ وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ بِهِمَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْغَصْبِ غَيْرُ الْمُعَايَنَةِ بِالْغَصْبِ وَقِيلَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ مَعَ أَيِّهِمَا شِئْتَ حَتَّى تَكْمُلَ بَيِّنَتُكُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَيَلْزَمُهُ بِهَا الْغَصْبُ دُونَ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ بِهِمَا لِأَنَّ الْغَصْبَ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ غَيْرُ الْغَصْبِ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا رَأَيْتُهَا مَغْصُوبَةً فِي يَدِهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ الْآخَرُ رَأَيْتُهَا مَغْصُوبَةً فِي يَدِهِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ كَمُلَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِمَا لِعَدَمِ التَّنَافِي.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ غَصَبَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ الْآخَرُ أَقَرَّ عندي يوم الجمعة بغصبها كملت بِهِمَا لِعَدَمِ التَّنَافِي وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ غَصَبَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ الْآخَرُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ غَصَبَهَا يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهُمَا غَصْبَانِ وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْ وَكِيلِهِ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ الْغَصْبَ مِنْهُ غَيْرُ الْغَصْبِ مِنْ وَكِيلِهِ وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا غَصَبْتَهُ مِنْ وَكِيلِهِ وَقَالَ الْآخَرُ غَصَبْتَهُ إِيَّاهَا وَلَمْ يَقُلْ غَصَبْتَهَا مِنْهُ كَمُلَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِمَا لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْ وَكِيلِهِ مَغْصُوبٌ مِنْهُ فلم تتنافى الشهادتان.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ غَصَبَهُ دَابَّةً فضاعت فأدى قيمتها ثم طهرت رُدَّتْ عَلَيْهِ وَرَدَّ مَا قُبِضَ مِنْ قِيمَتِهَا لِأَنَّهُ أَخَذَ قِيمَتَهَا عَلَى أَنَّهَا فائتةٌ فَكَانَ الْفَوتُ قَدْ بَطَلَ لَمَّا وُجِدَتْ وَلَوْ كَانَ هَذَا بَيْعًا مَا جَازَ أَنْ تُبَاعَ دابةٌ غائبةٌ كعينٍ جُنِيَ عَلَيْهَا فَابْيَضَّتْ أَوْ عَلَى سِنِّ صَبِيٍّ فَانْقَلَعَتْ فَأُخِذَ أَرْشُهَا بَعْدَ أَنْ أَيِسَ مِنْهَا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ وَنَبَتَتِ السِّنُّ فَلَمَا عَادَا رَجِعَ حَقُّهُمَا وَبَطَلَ الْأَرْشُ بِذَلِكَ فيهما (وقال في موضع آخر) ولو قال الغاصب أنا أشتريها منك وهي في يدي قد عرفتها فباعه أياها فالبيع جائزٌ (قال المزني) رحمه الله منع بيع الغائب في إحدى المسألتين وأجازه فِي الْأُخْرَى ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا غصب عَبْدًا فَأَبَقَ أَوْ بَعِيرًا فَشَرَدَ أَوْ فَرَسًا فَفَرَّ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَدُّهُ مُمْكِنًا لِمَعْرِفَةِ مَكَانِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَدُّهُ مُمْتَنِعًا لِلْجَهْلِ بِمَكَانِهِ فَإِنْ كَانَ رَدُّهُ مُمْكِنًا وَمَكَانُهُ مَعْرُوفًا فَالْوَاجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ الْغَاصِبُ بِطَلَبِهِ وَالْتِزَامِ الْمُؤْنَةِ فِي رَدِّهِ وَلَوْ كَانَتْ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ كَمَا يُؤْخَذُ بِهَدْمِ بِنَائِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ أَضْعَافًا فَلَوْ أَمَرَ الْغَاصِبُ مَالِكَهَا أَنْ يَسْتَأْجِرَ

رَجُلًا لِطَلَبِهَا فَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا وَجَبَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَوْ طَالَبَ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةَ الطَّلَبِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِاسْتِئْجَارِ غَيْرِهِ فَصَارَ مُتَطَوِّعًا بِطَلَبِهِ فَإِنِ اسْتَأْجَرَ الْغَاصِبُ مالكها لطلبها بأجرة مسماة ففيه وجهان: أحدها: أَنَّ الْإِجَارَةَ جَائِزَةٌ وَلَهُ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ لِأَنَّهُ مالك لمنافع نفسه فيملك املعاونة عَلَيْهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِجَارَةَ بَاطِلَةٌ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِهِ بِعِوَضٍ عَلَى غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُمَا عُدُولٌ عَنْ طَلَبِ الْمَغْصُوبِ إِلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أقسام: أحدهما: أَنْ يَبْذُلَهَا الْغَاصِبُ وَيَمْتَنِعَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَطْلُبَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَيَمْتَنِعَ الْغَاصِبُ.
القسم الثَّالِثُ: أَنْ يَتَّفِقَ عَلَيْهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَالْغَاصِبُ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَبْذُلَ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ وَيُطَالِبَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِعَبْدِهِ وَيَمْتَنِعَ مِنْ أَخْذِ قِيمَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَيُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى طَلَبِهِ وَالْتِزَامِ مُؤْنَتِهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ قِيمَةَ عَبْدِهِ وَيَمْتَنِعَ الْغَاصِبُ مِنْ بَذْلِهَا لِيَرُدَّ الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ فَيُنْظَرَ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ يُقْدَرُ عَلَى رَدِّهِ بَعْدَ زَمَانٍ يَسِيرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَغْصُوبَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ لَا يُقْدَرُ عَلَى رَدِّهِ إِلَّا بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَيُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى بَذْلِ الْقِيمَةِ لَهُ لِيَتَعَجَّلَ مَا اسْتَحَقَّهُ عَاجِلًا فَإِذَا أخذ القيمة ملكها ملكاً مستقر وملك الغاصب العبد ملكاً مراعاً ليتملكه بعد القدرة عليه إن شاء أن يتوصل به إلى أخذ اأجبر عَلَى دَفْعِهِ مِنَ الْقِيمَةِ إِنْ شَاءَ لِأَنَّ الْإِجْبَارَ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ بِالْأَعْوَاضِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ فَهُوَ حِينَئِذٍ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ وَلَا خِيَارَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ لَمَّا مَلَكَ الْخِيَارَ فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يَمْلِكْهُ فِي الِانْتِهَاءِ، وَالْغَاصِبَ لَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ فِي الِابْتِدَاءِ مَلَكَهُ فِي الِانْتِهَاءِ فَإِنِ اخْتَارَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ استقر حينئذ لكه عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ فَإِنْ طَلَبَ الْقِيمَةَ وَلَمْ يَخْتَرْ تَمَلُّكَهُ قِيلَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إِنْ رَدَدْتَ الْقِيمَةَ عَادَ الْعَبْدُ إِلَيْكَ وَلَا أُجْرَةَ لَكَ فِيمَا مَضَى لِأَنَّكَ تَمْلِكُهُ الْآنَ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَإِنِ امْتَنَعْتَ عَنْ رَدِّ الْقَيِّمَةِ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى رَدِّهَا لِأَنَّكَ قَدْ مَلَكْتَهَا وَبِيعَ الْعَبْدُ لِيَأْخُذَ الْغَاصِبُ مِنْ ثَمَنِهِ مَا دَفَعَهُ مِنَ الْقِيمَةِ فَإِذَا بِيعَ لَمْ يَخْلُ الثَّمَنُ مِنْ ثَلَاثَةِ أحوال:

أحدهما: أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ فَيَأْخُذُهُ الْغَاصِبُ كُلَّهُ.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ فَيَأْخُذُ الْغَاصِبُ مِنْهُ قَدْرَ الْقِيمَةِ وَيَكُونُ الْفَاضِلُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَقَلَّ من الْقِيمَةِ فَيَأْخُذُهُ الْغَاصِبُ وَيَكُونُ الْعَجْزُ عَائِدًا عَلَيْهِ لِضَمَانِهِ نَقْصَ الْغَصْبِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى أَخْذِ الْعِوَضِ عَنِ الْعَبْدِ فَهَذَا بَيْعٌ مَحْضٌ كَعَبْدٍ رَأَيَاهُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَرَيَاهُ فِي حَالِ الْعَقْدِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُ رُؤْيَتِهِمَا لَهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً فَإِنْ كَانَتْ رؤيتهما له قَرِيبَةً جَازَ أَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَيْهِ بِمَا يَتَرَاضَيَا بِهِ فِي ثَمَنِهِ وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَتُهُمَا لَهُ بَعِيدَةً لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ أَنْ يَكُونَا ذَاكِرَيْنِ لِأَوْصَافِهِ أَوْ نَاسِيَيْنِ فَإِنْ نَسِيَا أَوْصَافَهُ كَانَ بَيْعُهُ بَاطِلًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِشَرْطِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَا ذَاكِرِينَ لِأَوْصَافِهِ فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَوْلَانِ، لِجَوَازِ تَغَيُّرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ بِطُولِ الْمُدَّةِ كَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَوْلًا وَاحِدًا فَهَذَا حُكْمُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِذَا كَانَ رَدُّهُ مُمْكِنًا.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَدُّهُ مُمْتَنِعًا لِلْجَهْلِ بِمَكَانِهِ فَيُؤْخَذُ الْغَاصِبُ جَبْرًا بِقِيمَتِهِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى فَوَاتِ الرَّدِّ فَإِذَا أَخَذَهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فَفِي اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا وجهان لأصحابنا: أحدهما: أن يكون ملكه عليها مستقراً لفوات الرد.
والوجه الثاني: مراعاً لِجَوَازِ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ فَإِنْ وُجِدَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ أَخْذِ قِيمَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ بَاقٍ على ملك المغصوب منه بأخذه ويرد مَا أَخَذَ مِنْ قِيمَتِهِ وَقَالَ أبو حنيفة يَكُونُ الْعَبْدُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ بِمَا دَفَعَهُ مِنْ قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَكُونَا قَدْ تَكَاذَبَا فِي قِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَا قَدْ تَكَاذَبَا فِيهَا وَأَقَرَّ الْغَاصِبُ بِأَقَلَّ مِنْهَا وَحَلَفَ عَلَيْهَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَحَقَّ بِالْعَبْدِ حِينَئِذٍ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْبَدَلَ إِذَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ مُبْدَلٍ كَانَ اسْتِحْقَاقُ البدل موجباً لتلك المبال كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ لَمَّا اسْتُحِقَّ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّمَنُ تَمَلَّكَ الْمُثَمَّنَ وَلِمَا اسْتُحِقَّ عَلَى الزَّوْجِ الْمَهْرُ مَلَكَ الْبُضْعَ كَذَلِكَ الْغَصْبُ لَمَّا مَلَكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْقِيمَةَ مَلَكَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مُرْتَفِعٌ فِي الْأُصُولِ وَفِي بَقَاءِ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْعَبْدَ بَعْدَ أَخْذِ قِيمَتِهِ جَمْعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدَلِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَالْبَائِعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ لَهُ مِلْكُ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ وَالزَّوْجَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ لَهَا الْمَهْرُ وَالْبُضْعُ وَلِأَنَّ مَا أُخِذَتْ قِيمَتُهُ لِلْمَغْصُوبِ امْتَنَعَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ قِيَاسًا عَلَى مَا أَمْكَنَ رَدُّهُ.
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾

(النساء: 29) فَمَا خَرَجَ عَنِ التَّرَاضِي خَرَجَ عَنِ الْإِبَاحَةِ فِي التَّمْلِيكِ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي ". فَجَعَلَ الْأَدَاءَ غَايَةَ الْأَخْذِ فَاقْتَضَى عُمُومُ الظَّاهِرِ اسْتِحْقَاقَهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَلِأَنَّ قُدْرَةَ الْمُعَاوِضِ عَلَى مَا عَاوَضَ عَلَيْهِ أَوْلَى بِصِحَّةِ تُمَلُّكِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَنْهُ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ فَكَتَمَهُ وَبَذَلَ قِيمَتَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ فَإِذَا بَذَلَهَا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَهُ وَيَتَحَرَّرُ مِنْهُ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُمَلَّكْ بِالْقِيمَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُمَلَّكَ بِالْقِيمَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ إِذَا كَانَتِ الْقِيمَةُ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ أَوْ كَانَتْ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ فَلَمْ تُقْبَضْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُمَلَّكْ بِالْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ لَمْ يُمَلَّكْ بِالْقِيمَةِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ قِيَاسًا عَلَى الْمَكْتُومِ.
ولأن تملك الشيء عن رضى مَالِكِهِ أَشْبَهُ بِالصِّحَّةِ مِنْ تَمَلُّكِهِ بِكُرْهِ مَالِكِهِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا الْآبِقَ عَنْ تَرَاضٍ لَمْ يُمَلِّكْهُ فَأَوْلَى إِذَا صَارَ إِلَى قِيمَتِهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَنْ لَا يُمَلَّكَ وَيَتَحَرَّرُ مِنَ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ مِنْ غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُمَلَّكَ كَالْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَمْ يُمَلَّكْ بِثَمَنِ المرضاة فَأَوْلَى أَنْ لَا يُمَلَّكَ بِقِيمَةِ الْإِكْرَاهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ إِذَا وَجَدَهَا الْغَاصِبُ بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ أَبْلَغُ فِي صِحَّةِ التَّمْلِيكِ مَا لَمْ يُنَفَّذْ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ فَلَمَّا كَانَ أَخْذُ الْقِيمَةِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ عِنْدَ تَكَاذُبِهِمَا فِيهَا وَإِحْلَافِ الْغَاصِبِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ تَمْلِيكَ الْمَغْصُوبِ فَأَوْلَى إِذَا تَجَرَّدَتْ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهَا مِنْ حُكْمِ حَاكِمٍ أَنْ لَا يُوجِبَ تَمَلُّكَ الْمَغْصُوبِ.
وَيَتَحَرَّرُ مِنَ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا غَرَامَةُ إِتْلَافٍ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنَ الْمِلْكِ قِيَاسًا عَلَى أَخْذِهَا بِحُكْمٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَمْ يُمَلَّكْ بِالْغُرْمِ عَنْ حُكْمٍ لَمْ يُمَلَّكْ بِالْغُرْمِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ قِيَاسًا عَلَى التَّالِفِ قَبْلَ الْغُرْمِ وَلِأَنَّ كُلَّ بَدَلٍ جَازَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ لِفَقْدِ مُبْدَلِهِ كَانَ وُجُودُ الْمُبْدَلِ مَانِعًا فِي التَّصَرُّفِ فِي بَدَلِهِ كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَآكِلِ الْمَيْتَةِ إِذَا وَجَدَ الطَّعَامَ وَلِأَنَّ كُلَّ بَدَلٍ وَجَبَ بِفَوَاتٍ مُبْدَلٍ كَانَ عُودُ الْمُبْدَلِ مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْبَدَلِ قِيَاسًا عَلَى الْجَانِي عَلَى عَيْنٍ فَابْيَضَّتْ ثُمَّ زَالَ بَيَاضُهَا أَوْ عَلَى يَدٍ فَشَلَّتْ ثُمَّ زَالَ شَلَلُهَا وَلِأَنَّ مَا أَوْجَبَ مِلْكَ بَدَلِهِ تَمْلِيكُ مُبْدَلِهِ كَانَ امْتِنَاعُ مِلْكِ الْمُبْدَلِ مُبْطِلًا لِمِلْكِ الْبَدَلِ كَالْبَيْعِ لَا يُمَلَّكُ بِهِ ثَمَنُ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَا تُمَلَّكُ وَيُمَلَّكُ بِهِ ثَمَنُ غَيْرِهَا فما يُمَلَّكُ فَلَمَّا اسْتَوَى فِي الْغَصْبِ بَدَلُ مَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلَّكَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلَّكَ مِنَ الْأَوْقَافِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ دَلَّ على أن ملك البدل فيمن لَا يُوجِبُ تَمْلِيكَ مُبْدَلِهِ وَبِهَذَا يَكُونُ الِانْفِصَالُ عَنْ دَلَائِلِهِمْ فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ مُقْنِعًا ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْبَيْعِ الَّذِي جَعَلُوهُ أَصْلًا فِي الِاسْتِدْلَالَيْنِ أن اليمن فِيهِ مَوْضُوعٌ لِلتَّمْلِيكِ وَالْقِيمَةَ فِي الْغَصْبِ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلتَّمْلِيكِ أَلَا تَرَى

أَنَّ ثَمَنَ التَّالِفِ لَا يُمَلَّكُ وَقِيمَةَ التَّالِفِ تُمَلَّكُ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَا أَمْكَنَ رَدُّهُ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَتَمْلِيكُهُ وَالْقِيمَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْحَيْلُولَةِ دُونَ الْفَوَاتِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ وُجُودَ الْمَغْصُوبِ بَعْدَ أَخْذِ قِيمَتِهِ مُوجِبٌ لِرَدِّهِ وَاسْتِرْجَاعِ قِيمَتِهِ فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ رَجَعَ بِنَقْصٍ إِنْ كَانَ فِيهِ وَبِنَمَاءٍ إِنْ حَدَثَ مِنْهُ وَبِأُجْرَتِهِ إِلَى وَقْتِ أَخْذِهِ لِقِيمَتِهِ وَفِي رُجُوعِهِ بِأُجْرَتِهِ بَعْدَ أَخْذِ قِيمَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهَا لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ بِهَا لِاعْتِيَاضِهِ عَلَيْهَا بِالْقِيمَةِ وَلَعَلَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ فِي ملكه للقيمة هل يكون مستقراً أو مراعاً وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا غَيْرَ الْغَاصِبِ تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ بِاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ رَجَعَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَيْهِ بِالْأُجْرَةِ وَجْهًا وَاحِدًا وَهَلْ يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي الرُّجُوعِ بِهَا عَلَيْهِ وَعَلَى الْغَاصِبِ أَمْ لَا؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ.
إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ لِلْأُجْرَةِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ بِضَامِنٍ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الراكب والمستخدم وحده، وإذا اسْتَحَقَّ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بَعْدَ رُجُوعِ الْمَغْصُوبِ إِلَيْهِ مُطَالَبَةَ الْغَاصِبِ بِمَا وَصَفْنَاهُ فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَهُ مِنَ الْقِيمَةِ مُسْتَهْلَكًا تَقَاضَاهُ وَرَدَّ مِثْلَ الْبَاقِي مِنْهُ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ فَإِنْ قِيلَ بِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّهُ وَعَلَيْهِ رَدُّ الباقي بعينه، وإن قيل إنه مراعاً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ إلا برضى الْغَاصِبِ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَغْصُوبِ قَدْ رَفَعَ مِلْكَهُ عَنِ الْقِيمَةِ فَصَارَ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْغَاصِبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَقَّهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَصِلَ إِلَى حَقِّهِ مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ الْقِيمَةَ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَلَهُ أَنْ يَرْتَهِنَهَا عَلَى أَخْذِ النَّقْصِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ وَاللَّهُ أعلم.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ بَاعَهُ عَبْدًا وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْ رجلٍ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي نَقَضْنَا الْبَيْعَ وَرَدَدْنَاهُ إِلَى رَبِّهِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إِبْطَالِ الْبَيْعِ وَيُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بعيبٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَى رَبِّهِ الْمُقَرِّ لَهُ بِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي رَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا عَلَى رَجُلٍ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ مِلْكًا وَأَنَّ الْبَائِعَ أَخَذَهُ مِنْهُ غَصْبًا فَلِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَرْبَعَةُ أحوال: أحدهما: أَنْ يُصَدِّقَاهُ عَلَيْهِ فَيَلْتَزِمُ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمَهُ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ الْغَاصِبِ بالثمن.
والحال الثاني: أَنْ يُكَذِّبَاهُ عَلَيْهِ فَلِلْمُدَّعِي إِحْلَافُهُمَا عَلَيْهِ مَعًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ

فَيَحْكُمُ بِهَا وَيَنْتَزِعُ الْعَبْدَ مِنَ الْمُشْتَرِي وَلَا يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ بِتَكْذِيبِ الْمُشْتَرِي مُقِرٌّ بِأَنَّهُ مَظْلُومٌ بِانْتِزَاعِ الْعَبْدِ مِنْ يَدِهِ غير مستحق للرجوع بثمنه.
والحال الثالث: أَنْ يُصَدِّقَ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ وَيُكَذِّبَهُ الْبَائِعُ فَيُلْزَمُ الْمُشْتَرِي بِتَصْدِيقِهِ تَسْلِيمَ الْعَبْدِ إِلَيْهِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلِلْمُشْتَرِي إِحْلَافُ الْبَائِعِ وَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إِحْلَافُهُ لِأَنَّ المغصوب منه يأخذ الْعَبْدِ قَدْ وَصَلَ إِلَى حَقِّهِ وَإِنَّمَا لِلْمُشْتَرِي إِحْلَافُهُ لِأَجْلِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّمَنِ بِاعْتِرَافِهِ.
والحال الرابع: وَهِي

َ مَسْأَلَةُ

الْكِتَابِ أَنْ يُصَدِّقَهُ الْبَائِعُ وَيُكَذِّبَهُ الْمُشْتَرِي فَلَا يُقْبَلُ تَصْدِيقُ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِارْتِفَاعِ يَدِهِ وَحُصُولِهِ حُكْمًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي لِلْمُدَّعِي ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ عَلَى الْغَاصِبِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قَدْ عَاوَضَ عليه فإن عاد العبد إلى البائع بهبة أم مِيرَاثٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ إِلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَنْفُذْ إِقْرَارُهُ فِيهِ لِحَقِّ الْمُشْتَرِي فَإِذَا زَالَ حَقُّهُ لَزِمَهُ رده ويسترجع منه قيمته.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَهُ لِلْمَغْصُوبِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ واحدٍ مِنْهُمَا فِي رَدِّ الْعِتْقِ وَلِلْمَغْصُوبِ الْقِيمَةُ إِنْ شَاءَ أَخَذْنَاهَا لَهُ مِنَ الْمُشْتِرِي الْمُعْتِقِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَهُ بَاعَهُ مَا لَا يَمْلِكُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا كَانَ مُشْتَرِي الْعَبْدِ أَعْتَقَهُ ثُمَّ حَضَرَ مَنِ ادَّعَاهُ مِلْكًا وَأَنَّ الْبَائِعَ أَخَذَهُ غَصْبًا كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ سُؤَالِهِمَا بِخِلَافِ الْحَالِ قَبْلَ الْعِتْقِ لِأَنَّ نُفُوذَ الْعِتْقِ يَمْنَعُ مِنْ رَفْعِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ تَشْهَدُ بِهِ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بَطَلَ الْعِتْقُ وَاسْتَرْجَعَ الْعَبْدَ وَرَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنِ ادَّعَاهُ مِنْ غَيْرِ تَكْذِيبِ الْمُدَّعِي.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بينة سئل البائع والمشتري حينئذ من دعواه ولا يخل حالهما من الأحوال الأربعة: أحدهما: أَنْ يُكَذِّبَاهُ فَلَهُ إِحْلَافُهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
والحال الثاني: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي فَقَوْلُ الْبَائِعِ فِيهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الْمِلْكِ وَحَقُّ الْعَبْدِ فِي التَّصَرُّفِ وَحَقُّ الله تعالى فِي الْحُرْمَةِ وَقولُ الْبَائِعِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَهُ غُرْمُ الْقِيمَةِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِتَصْدِيقِهِ لَهُ وَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إِحْلَافُ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْقِيمَةِ وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمَا فَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ إِحْلَافَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ أَوْ أَقَلَّ فَلَيْسَ لَهُ إِحْلَافُهُ لِأَنَّ مَا غَرِمَهُ مِنَ الْقِيمَةِ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ كان له

إِحْلَافُهُ لِأَنَّ مَا غَرِمَهُ مِنَ الْقِيمَةِ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ كَانَ لَهُ إِحْلَافُهُ لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ عَلَى الْغَصْبِ لَلَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَ إليه باقي القيمة.
والحال الثالث: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَالْعِتْقُ لَا يَبْطُلُ لِأَنَّهُ وَإِنْ سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْمِلْكِ بِالتَّصْدِيقِ فَقَدْ بَقِيَ حَقَّانِ: أَحَدُهُمَا: لِلْعَبْدِ.
وَالثَّانِي: لِلَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُغَرَّمَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إِحْلَافُ البائع لأن حقه في القيمة وقد وَصَلَ إِلَيْهَا مِنَ الْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ بِهَا الْمُشْتَرِي فَيَجُوزُ لَهُ إِحْلَافُ الْبَائِعِ فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي إِحْلَافَ الْبَائِعِ فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ رد الثمن كله.
والحال الرابع: أَنْ يُصَدِّقَهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي إِبْطَالِ الْعِتْقِ لِبَقَاءِ حَقِّ الْعَبْدِ وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْعَبْدُ أَيْضًا لَمْ يَبْطُلِ الْعِتْقُ لِبَقَاءِ حَقِّ اللَّهِ وَحْدَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْخِيَارُ فِي الرُّجُوعِ بِقِيمَتِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَإِنْ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ إِلَّا أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْقِيمَةِ رَجَعَ بِالْقِيمَةِ وَرُدَّ الثَّمَنُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ تقاضا وترادا الزيادة فإن رجع المغصوب بها ابتداءاً عَلَى الْمُشْتَرِي رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الذي قبضه دون القيمة.

(

مسألة

كسر صليب النصراني) مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ كَسَرَ لِنَصْرَانِيٍّ صَلِيبًا فَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لشيءٍ مِنَ الْمَنَافِعِ مُفَصَّلًا فَعَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مُفَصَّلًا وَمَكْسُورًا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الصَّلِيبُ فَمَوْضُوعٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ لِزَعْمِهِمْ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُتِلَ وَصُلِبَ عَلَى مِثْلِهِ فَاعْتَقَدُوا إِعْظَامَهُ طَاعَةً وَالتَّمَسُّكَ بِهِ قُرْبَةً وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بتكذيبهم فيه ومعصيتهم به فقال: (سبحانه) ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) {النساء: 157، 158) وقال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى عِيسَى وَتَقْدِيرُهُ وَمَا قَتَلُوا عِيسَى يَقِينًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا كِنَايَةٌ تَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ.
وَتَقْدِيرُهُ وَمَا قَتَلُوا لِلْعِلْمِ بِهِ يَقِينًا مِنْ قَوْلِهِمْ قَتَلْتُ ذَلِكَ عِلْمًا إِذَا تَحَقَّقْتُ وَمِنْهُ مَا جَاءَ الْحَدِيثُ بِهِ قَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا وَقَتَلت أَرْض عَالِمهَا فَإِنْ لَمْ يُجَاهِرُونَا بِالصَّلِيبِ لَمْ يَجُزْ أَنْ نَهْجُمَ عَلَيْهِمْ فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَأَقْرَرْنَاهُمْ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ تَعْظِيمِهِ كَمَا نُقِرُّهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَإِنْ جَاهَرُونَا بِهِ وَجَبَ إِنْكَارُهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نُقِرَّهُمْ عَلَى

إِظْهَارَهُ ثُمَّ نَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ جِزْيَتِهِمْ تَرْكَ مُجَاهَرَتِنَا بِهِ جَازَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى تَفْصِيلِ الصَّلِيبِ وَكَسْرِهِ رَفْعًا لِمَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ جِزْيَتِهِمْ وَجَبَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُجَاهَرَةِ بِهِ وَلَا يَتَجَاوَزَ فِي الْإِنْكَارِ إِلَى كَسْرِهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمُوا بَعْدَ الْإِنْكَارِ عَلَى إِظْهَارِهِ فَيُكْسَرَ عَلَيْهِمْ كَسْرًا لَا يُوجِبُ ضَمَانًا وَلَا غُرْمًا فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَكَسَرَ رَجُلٌ عَلَى نَصْرَانِيٍّ صَلِيبًا نظرا فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ وَأَزَالَهُ عَنْ شَكْلِهِ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ عَنْ كَسْرِ خَشَبِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَزَالَ مَعْصِيَةً وَلَمْ يُتْلِفْ مَالًا وَإِنْ كَسَرَهُ حَتَّى صَارَ خَشَبُهُ فُتَاتًا فَإِنْ كَانَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ الصَّلِيبِ وَلَا يَصْلُحُ إِلَّا لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ كَاسِرُهُ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَكَذَا لَوْ كَانَ يَصْلُحُ مَكْسُورًا لِمَا يَصْلُحُ لَهُ صَحِيحًا مِنْ وَقُودِ النَّارِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَعْصِيَةَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ مُفَصَّلًا وَيَصْلُحُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مُكَسَّرًا ضَمِنَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مُفَصَّلًا وَمُكَسَّرًا لِأَنَّهُ أَزَالَ مَعَ الْمَعْصِيَةِ نَفْعًا مُبَاحًا فَلَمْ يَكُنْ سُقُوطُ الضَّمَانِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ مُوجِبًا لِسُقُوطِهِ عَنِ الْإِبَاحَةِ وَهَكَذَا حَالُ الطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ وَالْمَلَاهِي الْمُحَرَّمَاتِ إِنْ فَصَلَ خَشَبَهَا فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ كَسَرَهُ فَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لَهَا فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِغَيْرِهَا ضَمِنَ مَا بَيْنَ قيمته م

فصل

اً ومكسراً.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وِإِنْ أَرَاقَ لَهُ خَمْرًا أَوْ قَتَلَ لَهُ خِنْزِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا قِيمَةَ لِمُحَرَّمٍ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي عليه ملك واحتج على من جعل له قيمة الخمر والخنزير لأنهما ماله فقال أرأيت مجوسياً اشترى بين يديك غنماً بألف درهمٍ ثم وقذها كلها ليبيعها فحرقها مسلمٌ أو مجوسيٌّ فقال لك هذا مالي وهذه ذكاته عندي وحلالٌ في ديني وفيه ربحٌ كثيرٌ وأنت تقرني على بيعه وأكله وتأخذ مني الجزية عليه فخذ لي قيمته فقال أقول ليس ذلك بالذي يوجب لك أن أكون شريكاً لك في الحرام ولا حق لك قال فكيف حكمت بقيمة الخنزير والخمر وهما عندك حرامٌ؟ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا بِالتَّمَسُّكِ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَمَعْصِيَةٌ وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الصَّلِيبِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مُتْلِفِهَا مُسَلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى مُسْلِمٍ أَتْلَفَهُ أَوْ عَلَى ذَمِّيٍّ وَيُعَزَّرُ إِنْ هَجَمَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ أَوْ بِيَعِهِمْ.
وَقَالَ أبو حنيفة إِنْ أَتْلَفَهَا عَلَى مُسْلِمٍ لَمْ يَضْمَنِ الْمُتْلِفُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا وَإِنْ أَتْلَفَهَا عَلَى ذَمِّيٍّ ضَمِنَهَا الْمُتْلِفُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ضَمِنَ قِيمَةَ الْخَمْرِ وَقِيمَةَ الْخِنْزِيرِ اسْتِدْلَالًا فِي وُجُوبِ ضَمَانِهَا لِلذِّمِّيِّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَقِيلَ إِلَى سَمُرَةَ بْنِ جندبٍ فِي خُمُورِ أهل الذمة أن ولهم بعيها وَخُذِ الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا، فَكَانَ الدَّلِيلُ فِيهِ من وجهين:

أَحَدُهُمَا: أَنْ جَعَلَ لَهَا أَثْمَانًا وَالْعَقْدَ عَلَيْهَا صَحِيحًا.
وَالثَّانِي: أَخَذَ الْعُشْرَ مِنْهَا وَلَوْ حُرِّمَتْ أَثْمَانُهَا لَحُرِّمَ عُشْرُهَا قَالَ وَلِأَنَّهُ مُتَمَوَّلٌ فِي عُرْفِهِمْ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِمْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَالُوا وَلِأَنَّهُ مِنْ أَشْرِبَتِهِمُ الْمُبَاحَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْإِتْلَافِ كَسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ قَالُوا وَلِأَنَّ مَا اسْتَبَاحُوهُ شرعاً ضمناه لهم وإن منعا مِنْهُ شَرْعًا قِيَاسًا عَلَى بُضْعِ الْمَجُوسِيَّةِ يَضْمَنُهُ الْمُسْلِمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الشَّبَهِ قَالُوا وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُتَمَوَّلًا عِنْدَ مَالِكِهِ ضَمِنَ بِالْإِتْلَافِ وَإِنْ لَمْ يُتَمَوَّلْ عِنْدَ مُتْلِفِهِ قِيَاسًا عَلَى المصحف إذا أتلفه دمي عَلَى مُسْلِمٍ.
وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ وَهُوَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ " إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا، هُوَ حرامٌ ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عِنْدَ ذَلِكَ: " قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَّلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ ثُمَّ أَكَلُوا ثَمَنَهُ ". فَدَلَّ تَحْرِيمُهُ لِبَيْعِهِ عَلَى تَحْرِيمِ ثَمَنِهِ وَقِيمَتِهِ وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ مَالًا إِلَى صَنْعَتِهِ لَا إِلَى صِفَةِ مَالِكِهِ لأن صفات السيء قَدْ تَخْتَلِفُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي كَوْنِهِ مَالًا وَيَخْتَلِفُ مَالِكُوهُ فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي كَوْنِهِ مَالًا كَالْحَيَوَانِ هُوَ مَالٌ لِمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ ثُمَّ لَوْ مَاتَ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا لِمُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ ثُمَّ لَوْ دُبِغَ جِلْدُهُ صَارَ مَالًا لِمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ مَالًا لِلْكَافِرِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَالُ الْحَرْبِيِّ لِأَنَّهُ مَالٌ وَالسَّبْيَ سَبَبٌ لِمِلْكِهِ ويتحرر من اعتلاله هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَكُنْ مَالًا مَضْمُونًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لَمْ يَكُنْ مَالًا مَضْمُونًا فِي حَقِّ الْكَافِرِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ كُلُّ عَيْنٍ لَمْ يَصِحَّ أَنْ تَشْغَلَ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِ بِثَمَنِهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ تَشْغَلَ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِ بِقِيمَتِهَا أَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَمْ يستحقه المسلم من عوض الخمر لم يستحق الْكَافِرُ كَالثَّمَنِ وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ مُسْكِرٌ فَوَجَبَ أَلَّا يَسْتَحِقَّ عَلَى مُتْلِفِهِ قَيِّمَةً كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ عَلَى مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسْلِمُ بِإِتْلَافِهَا عَلَى الْمُسْلِمِ لَمْ يَضْمَنْهَا بِإِتْلَافِهَا عَلَى الْكَافِرِ كَالْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَلِأَنَّ مَا اسْتُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ إِذَا لَمْ يُمَلَّكْ الِاعْتِيَاضُ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ فَمَا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ أَوْلَى أَنْ لَا يملك الاعتياض عليه قِيَاسَانِ: أَنَّ مَا حُرِّمَ نَفْعًا فَأَوْلَى أَنْ يُحَرَّمَ عِوَضًا قِيَاسًا عَلَيْهِ مِنْ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ تَقْوِيمَ الْخَمْرِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ تَقْتَضِي فِي التَّقْوِيمِ تَفْضِيلَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارًا بِقَدْرِ الْقِيمَةِ لَمَّا لَمْ تقتضي اختلافها في

الدِّينِ اخْتِلَافًا فِيهِ كَذَلِكَ الْجِنْسُ لَا يَقْتَضِي اخْتِلَافُهَا فِي الدِّينِ اخْتِلَافًا فِيهِ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ مَا اسْتَوَيَا فِيهِ قَدْرًا اسْتَوَيَا فِيهِ جِنْسًا كَالْأَمْوَالِ إِثْبَاتًا وَالْمُسْتَقْذِرَاتِ إِسْقَاطًا.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَوْلِهِ: " وَلِّهِمْ بَيْعَهَا وَخُذِ الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا " فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ وَلِّهِمْ مَا تَوَلَّوْهُ مِنْ بَيْعِهَا وَلَا تَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ فِيمَا اسْتَبَاحُوهُ مِنْهَا وَخُذِ الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا أَيْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ خَالَطَتْ أَثْمَانَهَا بِدَلِيلِ مَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ بُطْلَانِ ثَمَنِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَصِيرِ الَّذِي يَصِيرُ خَمْرًا لِإِجْمَاعِنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهَا خَمْرًا وَإِبَاحَتِهِ عَصِيرًا وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ بِعِلَّةِ أَنَّهُ مُتَمَوَّلٌ فِي عُرْفِهِمْ فَمُنْتَقِضٌ بِالْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَبِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَوْقُوذَةِ الْمَجُوسِيِّ إِنْ سَلَّمُوهُ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ وَفِي الْأَشْرِبَةِ الَّتِي جَعَلُوهَا أَصْلًا لِثَانِي قِيَاسِهِمْ أَنَّهُ مَضْمُونٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَكَانَ مَضْمُونًا فِي حَقِّ الْكَافِرِ أَوْ نَقُولُ لِأَنَّهُ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ تُشْغَلَ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِ بِثَمَنِهِ فَجَازَ أَنْ تُشْغَلَ ذِمَّتُهُ بِقِيمَتِهِ وَالْخَمْرُ مُفَارِقٌ لها في هذين المعنين.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى بُضْعِ الْمَجُوسِيَّةِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْأَبْضَاعَ مَضْمُونَةٌ بِالشُّبْهَةِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأُمَّ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ عِنْدَ إِصَابَتِهَا بِالشُّبْهَةِ كَمَا تَسْتَحِقُّهُ الْأَجْنَبِيَّةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْأَعْيَانِ اسْتِشْهَادًا فِي الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ بِالْمُبَاحِ مِنْهَا وَالْمَحْظُورِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُصْحَفِ بِعِلَّةِ أَنَّهُ مُتَمَوَّلٌ عِنْدَ مَالِكِهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ اسْتِشْهَادُنَا بِأَصْلِهِمْ فِي الْمُصْحَفِ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاعْتِقَادِنَا دُونَ اعْتِقَادِهِمْ نَصًّا وَاسْتِدْلَالًا.
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) {المائدة: 49) وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْمُصْحَفِ فَلَمَّا اعْتَقَدْنَاهُ مَالًا كَانَ مَضْمُونًا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ مَالًا.
أَوَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا ذَبَحَ عَلَى يَهُودِيٍّ شَاةً فَهُوَ يَعْتَقِدُهَا مَيْتَةً لَا يَمْلِكُ عَنْهَا عِوَضًا وَنَحْنُ نَعْتَقِدُهَا مَالًا تُوجِبُ بِإِتْلَافِهِ عِوَضًا.
ثُمَّ قَدْ أَجْمَعْنَا أَنَّهَا لَوِ اسْتُهْلِكَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْمُسْلِمِ لَهَا أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مُتْلِفِهَا لأننا نعتقدها مالاً فكذلك الحكم فيما ل نَعْتَقِدْهُ مَالًا وَإِنِ اعْتَقَدُوهُ مَالًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا غَيْرُ الْخَمْرِ مِنَ الْمَائِعَاتِ النَّجِسَةِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ نَجِسًا فِي أَصْلِهِ.
وَالثَّانِي: مَا طَرَأَتْ نَجَاسَتُهُ بَعْدَ طَهَارَتِهِ.
فَأَمَّا النَّجِسُ فِي أَصْلِهِ كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ فَلَا يَجِبُ ثَمَنُهُ وَلَا قِيمَتُهُ عَلَى مُتْلِفٍ وَأَمَّا مَا طَرَأَتْ نَجَاسَتُهُ بَعْدَ طَهَارَتِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَنْتَقِلُ عَنْ نَجَاسَتِهِ كَلَبَنِ الْمَيْتَةِ وَالْأَدْهَانِ.
وَإِذَا قِيلَ لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ فَلَا يَحِلُّ ثَمَنُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا قِيمَتُهُ عَلَى مُتْلِفٍ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَنْتَقِلُ عَنْ نَجَاسَتِهِ فَيَصِيرُ طَاهِرًا كَالْمَاءِ النَّجِسِ يُطَهَّرُ بِالْمُكَاثَرَةِ وَالْأَدْهَانُ وَإِذَا قِيلَ بِجَوَازِ غَسْلِهَا فَفِي جَوَازِ بَيْعِهَا وَإِبَاحَةِ ثَمَنِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُتْلِفُهَا ضَامِنًا لِقِيمَتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ فَعَلَى هَذَا لَا ضَمَانَ عَلَى مُتْلِفِهَا.

فَصْلٌ

: وَإِذَا غَصَبَ خَمْرًا فَصَارَ فِي يَدِهِ خَلًّا صَارَ حِينَئِذٍ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ خَلًّا ذَا قِيمَةٍ فَلَوِ اخْتَلَفَا بَعْدَ تَلَفِهِ فَقَالَ الْمَالِكُ صَارَ خَلًّا فَعَلَيْكَ ضَمَانُهُ وَقَالَ الْغَاصِبُ بَلْ تَلِفَ فِي يَدِي وَهُوَ خَمْرٌ عَلَى حَالِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ اعْتِبَارًا بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ فَلَوْ صَارَ الْخَمْرُ بَعْدَ غَصْبِهِ خَلًّا ثُمَّ عَادَ الْخَلُّ فَصَارَ خَمْرًا ضَمِنَهُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لِأَنَّهُ بِمَصِيرِهِ خَمْرًا قَدْ صَارَ تَالِفًا فَلَوْ عَادَ ثَانِيَةً فَصَارَ خَلًّا رَدَّهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَهَلْ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَعَ رَدِّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَوْدِهِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَا لَمْ يَحْدُثْ فِي مِلْكِهِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنْ نَقْصِ الْمَرَضِ إِذَا عَادَ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا غُصِبَ واحد من خفين قيمتها مَعًا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَاسْتَهْلَكَهُ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ دِرْهَمَانِ فَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ دِرْهَمَيْنِ وَهُوَ قِيمَةُ مَا تَفَرَّدَ بِاسْتِهْلَاكِهِ وَلِكَوْنِ نَقْصِ الِانْفِرَادِ دَاخِلًا عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ دِرْهَمَانِ مِنْهَا قِيمَةُ الْمُسْتَهْلِكِ وَسِتَّةٌ هِيَ ضَمَانُ.
النَّقْصِ بِالِانْفِرَادِ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ مِنْهُ كَمَنْ قَطَعَ إِحْدَى كُمَّيْ قَمِيصٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دراهم فصارت قيمته بد قَطْعِ الْكُمِّ دِرْهَمَيْنِ وَكَانَتْ قِيمَةُ الْكُمِّ بَعْدَ قَطْعِهِ دِرْهَمَيْنِ ضَمِنَ اتِّفَاقًا جَمِيعَ النَّقْصِ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ كَذَلِكَ فِي إِحْدَى الْخُفَّيْنِ وَلَا قطع عليه ما ضمان النقط الزَّائِد عَلَى قِيمَةِ الْخُفِّ الْمَسْرُوقِ لِأَنَّ قِيمَةَ الْخُفِّ الْمُنْفَرِدِ دِرْهَمَانِ وَهِيَ دُونَ النِّصَابِ وَإِنَّمَا ضَمِنَ ذَلِكَ لِلنَّقْصِ الَّذِي يُكْمِلُ بِهِ النِّصَابَ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ لَهُ مِنَ الْحِرْزِ فَصَارَ كَالْمُسْتَهْلِكِ لَهُ فِي الْحِرْزِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا غَصَبَ صَكًّا أَوْ سِجِلًّا أَوْ كِتَابَ عُهْدَةٍ فَاسْتَهْلَكَهُ عَلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ قَلَّتْ وَسَوَاءٌ بَطَلَ احْتِجَاجُ الْمَالِكِ بِهَا فِي تَثْبِيتِ أَمْلَاكِهِ أَمْ لَا فَلَوْ لَمْ يَسْتَهْلِكْ وَلَكِنْ مَحَا مَا كَانَ مُثْبَتًا فِيهِ مِنْ خَطِّ وَثِيقَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ بِذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْكِتَابِ شَيْءٌ فَيَضْمَنُ مَا نَقُصَ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِضْرَارًا بِمَالِكِهِ وَإِبْطَالًا لِلْوَثِيقَةِ.

فصل

: وإذا أطارت الريح ثوباً فَأَلْقَتْهُ فِي دَارٍ آخَرَ فَلَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُ الدَّارِ بِهِ حَتَّى احْتَرَقَ بِنَارٍ كَانَ فِي دَارِهِ أَوْ بَهِيمَةٌ أَكْلَتْهُ لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ عَلِمَ بِهِ فَأَكَلَتْهُ الْبَهِيمَةُ بَعْدَ عِلْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهَا حَتَّى أَكَلَتْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَنْعِهَا فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَكِنْ لَوْ رَآهُ عِنْدَ حُصُولِ الثَّوْبِ فِي دَارِهِ فَتَرَكَهُ فَإِنْ كَانَ مَالِكُهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ فَعَلَيْهِ إِعْلَامُهُ فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ كَانَ مَالِكُهُ عَالِمًا بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعْلَامُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ فَإِنْ أَطَارَتْهُ الرِّيحُ بَعْدَ تَرْكِهِ فَهَلَكَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حِفْظِهِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَدَرَ على حفظ عِنْدَ هُبُوبِهَا فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ مَا يَضْمَنُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ أَكَلَتْهُ بَهِيمَةٌ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهَا وَإِنْ أَمْكَنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
فَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ حِينَ أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ وَقَعَ فِي صَبْغٍ لصاحب الدار فشربه وانصبغ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعَدَمِ التَّعَدِّي مِنْهُمَا ثُمَّ نُظِرَ فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِخْرَاجُ الصبغ من الثوب واستخرجه وَيَكُونُ نَقْصُ الثَّوْبِ وَالصَّبْغُ هَدَرًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِخْرَاجُهُ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ بِقِيمَةِ الثَّوْبِ وَالصَّبْغِ عَلَى زِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ.
فَصْلٌ : وَإِذَا سَقَطَ فِي دَارِ رَجُلٍ طَائِرٌ مَمْلُوكٌ فَأَلِفَهَا وَأَقَامَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَحْصُلْ لَهُ يَدٌ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ إِعْلَامُ صَاحِبِهِ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بِخِلَافِ الثَّوْبِ لِأَنَّ الطَّيْرَ مُمْتَنِعٌ وُعَوْدُهُ بِنَفْسِهِ مُمْكِنٌ فَلَوْ دَخَلَ الطَّيْرُ إِلَى بُرْجِ صَاحِبِ الدَّارِ فَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَ الْبُرْجِ فَإِنْ نَوَى بِفِعْلِهِ تَمَلُّكَ الطَّيْرِ ضَمِنَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ تَمَلُّكَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي داره كيف شاء.
فَصْلٌ : وَإِذَا أَشْعَلَ الرَّجُلُ فِي دَارِهِ نَارًا فَانْتَشَرَتْ حَتَّى تَعَدَّتْ إِلَى دَارِ جَارِهِ فَأَحْرَقَتْهَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَتِ النَّارُ إِذَا انْتَشَرَتْ فِيمَا هِيَ فِيهِ وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ حُدُودِ دَارِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ انْتِشَارُهَا فِيمَا هِيَ فِيهِ يُخْرِجُهَا عَنْ حُدُودِ دَارِهِ ضَمِنَ لِأَنَّ مِنْ طَبْعِ النَّارِ انْتِشَارَهَا فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا فَضَمِنَ، وَهَكَذَا لَوْ أَجْرَى فِي أَرْضِهِ مَاءً فَتَعَدَّى إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ فَغَرَّقَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي أَرْضِهِ مَغِيضٌ وَلَا كَانَ فِي حُدُودِهَا مَا يَصُدُّهُ عَنِ الْخُرُوجِ ضَمِنَ لِمَا فِي طَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْجَرَيَانِ وَاللَّهُ أعلم بالصواب.

مختصر الشفعة من الجامع من ثلاثة كتب متفرقةٍ من بين وضع وإملاءٍ على موطأٍ مالكٍ ومن اختلاف الأحاديث ومما أوجبت فيه على قياس قوله، والله الموفق للصواب

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ " وَوَصَلَهُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مالكٍ أَيُّوبُ وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ مالكٍ وَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " الجار أحق بصقبه " وقال فأقول للشريك الذي لم يقاسم وللمقاسم شفعةٌ كان لصيقاً أو غير لصيقٍ إذا لم يكن بينه وبين الدار طريقٌ نافذةٌ قلت له فلم أعطيت بعضاً دون بعضٍ واسم الجوار يلزمهم فمنعت من بينك وبينه ذراعٌ إذا كان نافذاً وأعطيت من بينك وبينه رحبةٌ أكثر من ألف ذراعٍ إذا لم تكن نافذةً؟ فقلت له فالجار أحق بسقبه لا يحتمل إلا معنيين لكل جارٍ أو لبعض الجيران دون بعضٍ فلما ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا شفعةً فيما قسم دل على أن الشفعة للجار الذي لم يقاسم دون الجار الذي قاسم وحديثك لا يخالف حديثنا لأنه مجملٌ وحديثنا مفسرٌ والمفسر يبين المجمل قال وهل يقع اسم الجوار على الشريك؟ قلت نعم امرأتك أقرب إليك أم شريكك؟ قال بل امرأتي لأنها ضجيعتي قلت فالعرب تقول امرأة الرجل جارته قال وأين؟ قلت قال الأعشى: (أجارتنا بيني فإنك طالقه ... وموقوفةٌ ما كنت فِينَا وَوَامِقَهْ)

(أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَةْ ... كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَهْ)

(وَبِينِي فَإِنَّ الْبَيْنَ خيرٌ مِنَ الْعَصَا ... وَأَنْ لا تزالي فوق رأسك بارقه)

(حَبَسْتُكِ حَتَّى لَامَنِي النَّاسُ كُلُّهُمْ ... وَخِفْتُ بِأَنْ تَأْتِيَ لَدَيَّ بِبَائِقَةْ)

(وَذُوقِي فَتَى حيٍّ فَإِنِّي ذائقٌ ... فَتَاةً لحيٍّ مِثْلَ مَا أَنْتِ ذَائِقَةْ)

فقال عروة نزل الطلاق موافقاً لطلاق الأعشى (قال الشافعي) رحمه الله وحديثنا أثبت إسناداً مما روى عبد الملك عن عطاء عن جابرٍ وأشبههما لفظاً وأعرفهما في الفرق بين

المقاسم وبين من لم يقاسم لأنه إذا باع مشاعاً باع غير متجزئ فيكون شريكه أحق به لأن حقه شائعٌ فيه وعليه في الداخل سوء مشاركةٍ ومؤنة مقاسمةٍ وليس كذلك المقسوم ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الشُّفْعَةُ فَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ أَتَاهُ جَارُهُ أَوْ شَرِيكُهُ فَشَفَعَ إِلَيْهِ فِيمَا بَاعَ فَشَفَّعَهُ وَجَعَلَهُ أَوْلَى مِمَّنْ بَعُدَ سَبَبُهُ.
فَسُمِّيَتْ شُفْعَةً وَسُمِّيَ طَالِبُهَا شَفِيعًا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ قَالَهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ طَالِبَهَا جَاءَ تَالِيًا لِلْمُشْتَرِي فَكَانَ ثَانِيًا بَعْدَ أَوَّلٍ فَسُمِّيَ شَفِيعًا لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ شَفْعٌ وَالْوَاحِدَ وِتْرٌ وَسُمِّيَ الطَّلَبُ شُفْعَةً.

فَصْلٌ

: وَالْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنِ الْكَافَّةِ مِنَ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ فَإِنَّهُمَا أَبْطَلَاهَا رَدًّا لِلْإِجْمَاعِ، وَمَنْعًا مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَتَمَسَّكَا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ مَالُ امرئٍ مسلمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنْهُ ". وَهَذَا خَطَأٌ لِفُحْشٍ مِنْ قَائِلِهِ لِأَنَّ مَا رُوِيَ فِي الشُّفْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا فَالْعَمَلُ بِهِ مُسْتَفِيضٌ يَصِيرُ بِهِ الْخَبَرُ كَالْمُتَوَاتِرِ، ثُمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ مُنْعَقِدٌ وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهِ شَرْعًا وَاقِعًا وَلَيْسَ فِي التَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَحِلُّ مَالُ امرئٍ مسلمٍ إِلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنْهُ " مَا يَمْنَعُ مِنَ الشُّفْعَةِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُعَاوِضُ عَلَيْهِمَا بِمَا بَذَلَهُ فَيَصِلُ إِلَيْهِ ولا يستحل منه.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُ الشُّفْعَةِ فَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ فِي عِرَاصِ الْأَرَضِينَ وَيَكُونُ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ تَبَعًا وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ منها مشاعاً كانت الشفعة فيه على قولين مَنْ أَوْجَبَهَا إِجْمَاعًا، وَإِنِ الْمَبِيعُ مَحُوزًا فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَهْلُ الْحَرَمَيْنِ.
وَقَالَ أبو حنيفة وَصَاحِبَاهُ وَسُفْيَانُ والثوري: إِنَّ شُفْعَةَ الْمَحُوزَةِ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْجَارِ وَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا سَلَفٌ وَرُبَّمَا أَضَافُوهُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَإِنْ عَفَا الْجَارُ عَنْهَا كَانَتْ لِمَنْ يَلِيهِ إلى القريب ثم لمن يليه في آخِرِ الْجِوَارِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ نَافِذَةً فَلَا تَجِبُ لِغَيْرِ الْجَارِ الْمُلَاصِقِ اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ " وَرَوِي بِسَقَبِهِ يَعْنِي بقربه.

وَبِرِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ أَوِ الْأَرْضِ ". وَبِرِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدَةً ". وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " الخيط أَحَقُّ مِنَ الشَّفِيعِ وَالشَّفِيعُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ ". وَرَوَى عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ أَرَضًا بِيعَتْ لَيْسَ لِي فِيهَا قَسَمٌ وَلَا شربٌ " فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَنْتَ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِكَ يَا شَرِيدُ ". قَالُوا: وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْبَيْعِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ كَالْخِلْطَةِ قَالُوا: وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ تَخَوُّفًا مِنْ سُوءِ عِشْرَةِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ.
هَذَا قَدْ يُوجَدُ فِي الدَّارِ كَوُجُودِهِ فِي الْخَلِيطِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَجِبَ الشُّفْعَةُ لِلْجَارِ كَوُجُودٍ بِهَا لِلْخَلِيطِ.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابن شهاب عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ " وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَمُرْسَلُ سَعِيدٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَسَنٌ، ثُمَّ قَدْ رَوَاهُ مُسْنَدًا عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فَلَا شُفْعَةَ " فَكَانَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ " فَكَانَ دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ مُسْتَوْعِبًا لِجِنْسِ الشُّفْعَةِ فَلَمْ تَجِبْ فِي الْمَقْسُومِ شُفْعَةٌ.

وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: " فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ " فَصَرَّحَ بِسُقُوطِ الشُّفْعَةِ مَعَ عَدَمِ الْخِلْطَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّمَا نَفَى الشُّفْعَةَ عَنْهُ بِالْقِسْمَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُ فَفِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِ الْقِسْمَةِ حَادِثَةٍ وَمُتَقَدِّمَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى الشُّفْعَةَ عَنِ الْمَقْسُومِ بِمَا أَثْبَتَهَا فِي غَيْرِ الْمَقْسُومِ فَلَمَّا أَثْبَتَهَا فِي غَيْرِ الْمَقْسُومِ بِالْبَيْعِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ نَفَاهَا عَنِ الْمَقْسُومِ بِالْبَيْعِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ ". وَهَذَا أَقْوَى اسْتِدْلَالًا بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا إِثْبَاتًا لِمَا اتَّصَلَ بِهَا وَنَفْيًا لِمَا انْفَصَلَ عَنْهَا كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ". فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا نَفَى الشُّفْعَةَ بِصَرْفِ الطُّرُقَاتِ وَهِيَ لِلْجَارِ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ؟ قِيلَ: الطُّرُقَاتُ الَّتِي تُصْرَفُ بِالْقِسْمَةِ مُخْتَصَّةٌ بِاسْتِطْرَاقِ المشاع الذي يستطرقه الشريك ليصل له إِلَى مِلْكِهِ فَإِذَا وَقَعَتْ بِهِ الْقِسْمَةُ انْصَرَفَ اسْتِطْرَاقُهُ مِنْ مِلْكِ شَرِيكِهِ فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الطُّرُقَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ فَلَا تَنْصَرِفُ أَبَدًا.
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها ". وَالدَّلِيلُ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ هُوَ أَنَّ تَمْيِيزَ " الْمَبِيعِ يَمْنَعُ " مِنْ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِيهِ كَالَّذِي بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ نَافِذَةٌ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَالٌ يُتَرَقَّبُ فِيهَا الْمُقَاسَمَةُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ قِيَاسًا عَلَى مُشَاعِ الْغِرَاسِ وَالْأَبْنِيَةِ، وَلِأَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ مُقَرَّرَةٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ أَحْكَامِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ وَغَيْرِ الْمُشْتَرَكِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ حِصَّةً لَهُ مِنْ عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَوْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ عَتَقَ جَمِيعُهُ وَلَا يُعْتَقُ غَيْرُهُ وَلَوْ بَدَأَ إِصْلَاحَ بَعْضِ حَائِطِهِ حُكِمَ بِإِصْلَاحِ جَمِيعِهِ وَلَا يُحْكَمُ بِإِصْلَاحِ غَيْرِهِ.
فَكَانَتْ شَوَاهِدُ هَذِهِ الْأُصُولِ تُوجِبُ فِي الشُّفْعَةِ " إِذَا ثَبَتَتْ فِي الشَّرِكَةِ أَنْ تَنْتَفِيَ عَنْ غَيْرِ الشَّرِكَةِ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِهَا لَا لِدُخُولِ الضَّرَرِ فِيهَا، وَفِي وُجُوبِهَا لِلْجَارِ

ضَرَرٌ دَاخِلٌ لِتَقَاعُدِهِ بِالْمَالِكِ فِي بَدَلِ النَّجْشِ مِنَ الثَّمَنِ لِتَثَبُّتِهِ بِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَى ابْتِيَاعِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِشُفْعَتِهِ، وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّ الشَّرِيكَ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ بِمُقَاسِمَةِ شَرِيكِهِ وَمَا كان موضوعاً لرفع الضَّرَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الضَّرَرُ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ فِي الْمُشْتَرَكِ إِنَّمَا هُوَ لضرر لا يقدر على دفعه وهو مؤونة الْقِسْمَةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ " فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَبْهَمَ الْحَقَّ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعُمُومِ فِي مُضْمَرٍ لِأَنَّ الْعُمُومَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَنْطُوقِ دُونَ الْمُضْمَرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْفِنَاءِ مِنَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ والجار ممن ليس بجار أو أن يكون مرتفعاً بِهِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ فِي الْبَادِيَةِ إِذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا فَنَزَلُوهَا كَانَ جَارُ الْمَنْزِلِ الْمُقَارِبِ لَهُمْ أَحَقَّ بِالْمَكَانِ إِذَا رَحَلَ النَّازِلُ عَنْهُ لِصَقَبِهِ وَالصَّقَبِ عَمُودُ الْخَيْمَةِ عَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْأَوَّلِ الْقُرْبُ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ: (كوفيةٌ نَازِحٌ مَحَلَّتُهَا ... لَا أَمَمٌ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ)

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ " فَرِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي لِقَاءِ الْحَسَنِ سَمُرَةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَلْقَهُ وَقَالَ آخَرُونَ لَقِيَهُ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا وَلَيْسَ هُوَ هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ لَكَانَ عَنْهُ الْجَوَابَانِ الْمَذْكُورَانِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا " فَرِوَايَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَكَانَ ضَعِيفًا وَقَالَ شُعْبَةُ: لَوْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ حَدِيثًا آخَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الشُّفْعَةِ بَطَلَ حَدِيثُهُ.
ثُمَّ يُحْتَمَلُ عَلَى تَسْلِيمِهِ عَلَى عَرْضِ هَذَا الْمَبِيعِ عَلَى جَارِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الْخَلِيطُ أَحَقُّ مِنَ الشَّفِيعِ وَالشَّفِيعُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ " هُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ وَإِنْ صَحَّ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ عِنْدَ الطَّلَبِ وَقْتَ الشِّرَاءِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلشَّرِيدِ: " أَنْتَ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِكَ يَا شَرِيدُ " فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

ثُمَّ لَوْ سَلِمَ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَخْبَارِ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْجَارِ الشَّرِيكِ لِأَنَّ اسْمَ الجوار يختص بالقريب، وَالشَّرِيكُ أَقْرَبُ مِنَ اللَّصِيقِ فَكَانَ أَحَقَّ بَاسِمِ الْجِوَارِ وَقَدْ أَطْلَقَتِ الْعَرَبُ ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجَةِ لِقُرْبِهَا فَسَمَّتْهَا جَارَةً.
قَالَ الْأَعْشَى: (أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَةْ ... وموموقةٌ مَا كُنْتِ فِينَا وَوَامِقَةْ)

(وَبِينِي فَإِنَّ الْبَيْنَ خيرٌ مِنَ الْعَصَا ... وَأَنْ لَا تَزَالِي فَوْقَ رَأْسِي بَارِقَةْ)

(أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَةْ ... كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَةْ)

(حَبَسْتُكِ حَتَّى لَامَنِي النَّاسُ كُلُّهُمْ ... وَخِفْتُ بِأَنْ تَأْتِيَ لَدَيَّ بِبَائِقَةْ)

(وَذُوقِي فَتَى حيٍّ فَإِنِّي ذائقٌ ... فَتَاةً لحيٍّ مِثْلَ مَا أَنْتِ ذَائِقَةْ)

وَكَانَ السَّبَبُ فِي قَوْلِ الْأَعْشَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً كَرِهَهُ قَوْمُهَا وَأَخَذُوهُ بِالنُّزُولِ عَنْهَا فَلَمْ يَقْتَنِعُوا مِنْهُ بِالطَّلْقَةِ الْأُولَى وَلَا بِالثَّانِيَةِ فَلَمَّا طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ كَفُّوا عَنْهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ نَزَلَ الطَّلَاقُ مُوَافِقًا لِطَلَاقِ الْأَعْشَى.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الخلطة فالمعنى فيها الخوف من مؤونة الْقِسْمَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: بِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي الْخِلْطَةِ تَخَوُّفًا مِنْ سُوءِ عِشْرَةِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ " فَهُوَ أَنَّ سُوءَ الْعِشْرَةِ مِمَّا يَجِبُ مَنْعُ السُّلْطَانِ مِنْهُ فَصَارَ مَقْدُورًا عَلَى دَفْعِهِ بِغَيْرِ الشُّفْعَةِ وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِأَجْلِ مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إِلَّا بِالشُّفْعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلا مؤونة الْقِسْمَةِ لِأَنَّهَا حَقٌّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ عِنْدَ طلبها إلا بالشفعة.

فصل

: فإذا ثبت أن الشفعة واجبة بالخلطة دون الجواز فَالْكَلَامُ فِي الشُّفْعَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: مَا تَجِبُ بِهِ الشُّفْعَةُ.

وَالثَّانِي: مَا يَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَالثَّالِثُ: مَنْ تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ، وَالرَّابِعُ: مَا تُؤْخَذُ بِهِ الشُّفْعَةُ.
فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا تَجِبُ بِهِ الشُّفْعَةُ، فَهُوَ انْتِقَالُ الْمِلْكِ بِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَالْعُقُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَجِبُ فِيهِ الْعِوَضُ، وَقِسْمٌ لَا يَجِبُ فِيهِ الْعِوَضُ، وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ الْعِوَضِ فِيهِ.
فَأَمَّا الْمُوجِبُ لِلْعِوَضِ فَخَمْسَةُ عُقُودٍ: الْبَيْعُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالصُّلْحُ، وَالصَّدَاقُ، وَالْخُلْعُ.
فَالشُّفْعَةُ بِجَمِيعِهَا مُسْتَحَقَّةٌ كَالْبَيْعِ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِهَا عِوَضًا أَوْ مُعَوَّضًا وَسَنَشْرَحُ حَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُوجِبُ الْعِوَضَ إِمَّا لِأَنَّهُ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ كَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَةِ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِوَضَ مَعَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ كَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ فَلَا شُفْعَةَ بِهِ لِأَنَّ مَا لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ نَقْلُ الْمِلْكِ وَمَا لَا عِوَضَ فِيهِ لَا مُعَوَّضَ فِيهِ.
فَأَمَّا إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأُمِّ وَلَدِهِ إِذَا خَدَمْتِ وَرَثَتِي سَنَةً بَعْدَ مَوْتِي فَلَكِ هَذَا الشِّقْصُ فَخَدَمَتْهُمْ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِهِ فَاسْتَحَقَّتِ الشِّقْصَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُغَلَّبُ فِي مِلْكِهَا لِلشِّقْصِ حُكْمُ الْمُعَاوَضَاتِ أَوْ حُكْمُ الْوَصَايَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْمُعَاوَضَاتِ عَلَيْهِ أَغْلَبُ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْهُ بِخِدْمَتِهَا فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ بِأُجْرَةٍ مِثْلِ خِدْمَتِهَا تِلْكَ السَّنَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ حُكْمَ الْوَصَايَا عَلَيْهِ أَغْلَبُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اعْتِبَارُهُ مِنَ الثُّلُثِ، وَالثَّانِي: مِلْكُهُ الشِّقْصُ عَمَّنْ لَمْ يَمْلِكِ الْخِدْمَةَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَصِيَّةً عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا شُفْعَةَ فِيهَا.
وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ الْعِوَضِ فِيهِ فَعَقْدُ الْهِبَةِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا فَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ بِوُجُوبِ الْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا فَعَلَى هَذَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ بِهَا بِالثَّوَابِ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْمُكَافَأَةُ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَ الثَّوَابَ فِيهَا قَدْرًا مَعْلُومًا كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ فِي الْإِمْلَاءِ، إِنَّ الْهِبَةَ جَائِزَةٌ وَالشُّفْعَةَ فِيهَا وَاجِبَةٌ بِالثَّوَابِ الْمَشْرُوطِ لِأَنَّهَا إِذَا صَحَّتْ مَعَ الْجَهْلِ بِالثَّوَابِ كَانَتْ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ أَصَحَّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ بَاطِلَةٌ، وَالشُّفْعَةَ فِيهَا سَاقِطَةٌ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْعِوَضِ

فِيهَا يَجْعَلُهَا بَيْعًا وَالْبَيْعُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ بَاطِلٌ، فَهَذَا حُكْمُ الْهِبَةِ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: إِنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَى الْهِبَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَعَلَى هَذَا لَا شُفْعَةَ بِهَا وَيَكُونُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ بِهَا فِي سُقُوطِ الشُّفْعَةِ بِهِ كَانْتِقَالِهِ بِالْمِيرَاثِ فَهَذَا حُكْمُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَهِيَ عِرَاصُ الْأَرَضِينَ وَمَا يَتْبَعُهَا مُتَّصِلًا دُونَ غَيْرِهَا، وَجُمْلَةُ الْأَشْيَاءِ أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ مَقْصُودًا وَهِيَ عِرَاصُ الْأَرَضِينَ الْمُحْتَمِلَةُ لِقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ، فَإِنْ لَمْ تَحْتَمِلْ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ لِصِغَرِهَا كَالطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ وَبَيَاضِ الْبِيرِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: يَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَعْلِيلًا بِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَاسْتِدَامَةِ الضَّرَرِ بِهَا لِتَعَذُّرِ الْقِسْمَةِ وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فيها تعليلاً في وجوبها بالخوف من مؤونة الْقِسْمَةِ وَأَنَّ مَا لَا يَنْقَسِمُ جَبْرًا فَلَا شفعة فيه لارتفاع الضرر بمؤونة الْقِسْمَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا شُفْعَةَ فِي فناءٍ وَلَا طريقٍ وَلَا منقبةٍ وَلَا ركحٍ وَلَا رهوةٍ " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " الْمَنْقَبَةُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقَةُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ، وَالرُّكْحُ: نَاحِيَةُ الْبَيْتِ مِنْ وَرَائِهِ وَمَا كَانَ فَضَاءً لَا بِنَاءَ فِيهِ، يَعْنِي إِذَا كَانَ لِلسَّابِلَةِ وَالْمَارَّةِ، وَالرَّهْوَةُ: الْجَوْبَةُ تَكُونُ فِي مَحَلَّةِ الْقَوْمِ يَسِيلُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ وَغَيْرُهُ ". وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا وهو البناء والغرس، إن كَانَ مَبِيعًا مَعَ الْأَرْضِ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ إِنْ كَانَ فِيهَا مَا يَحْتَمِلُ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ وَإِنْ لَمْ تَحْتَمِلْهَا لَمْ تَجِبْ فِيهِ الشُّفْعَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَوَجَبَتْ فِيهِ عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة.
وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ مُنْفَرِدًا عَنِ الْأَرْضِ فِي الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبي حنيفة.
وَقَالَ مَالِكٌ تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي البناء المفرد وفي الغراس وفي الثمار والمقاتي والمباطح لاتصال بِعِرَاصِ الْأَرْضِ الْمُسْتَحَقِّ فِيهَا الشُّفْعَةُ وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فَلَا شُفْعَةَ " فَجَعَلَ حُدُودَ الْقِسْمَةِ شَرَطًا فِي إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ فَدَلَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا فِيمَا يُجْبَرُ فِيهِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَلِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ تَبَعٌ لِأَصْلِهِ فَلَمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ فِي الْأَرْضِ شُفْعَةً لِخُرُوجِهَا عَنِ الْعَقْدِ لَمْ يَجِبْ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ شُفْعَةٌ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنْ لَا شُفْعَةَ فِيمَا أُفْرِدَ بِالْبَيْعِ مِنَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَكَانَتْ دَارٌ ذَاتُ عُلُوٍّ مشترك

وَسُفْلُهَا لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ فِي عُلُوِّهَا فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الْعُلُوِّ حَقَّهُ نُظِرَ فِي السَّقْفِ فَإِنْ كَانَ لِأَرْبَابِ السُّفْلِ فَلَا شُفْعَةَ فِي الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ مِنَ الْعُلُوِّ لِأَنَّهَا بِنَاءٌ مُنْفَرِدٌ وَإِنْ كَانَ السَّقْفُ لِأَرْبَابِ الْعُلُوِّ فَفِي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُ أَرْضًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِيهِ الشُّفْعَةُ لِأَنَّ السَّقْفَ كَالْعَرْصَةِ.
وَلِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ: " إِنَّ السَّقْفَ أَرْضٌ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ وَلِأَنَّهُ إِذَا حَازَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنَ الْبِنَاءِ وَالسَّقْفِ أَمْكَنَ سُكْنَاهُ كَالْأَرْضِ ". الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لَا مَقْصُودًا وَلَا تَبَعًا وَهُوَ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ مُشْتَرَكٍ فِي مَتَاعٍ وَحَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ مَعَهُ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَنْ تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ فَهُوَ الْخَلِيطُ فِي الْمِلْكِ الْمَبِيعِ دُونَ الْجَارِ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي شُفْعَةِ الْجِوَارِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيطُ وَافِرَ السَّهْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلَ السَّهْمِ حَتَّى لَوْ خَالَطَ بِسَهْمٍ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ اسْتَحَقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ، وَإِنْ كَانَ الْخُلَطَاءُ عَدَدًا، كَانَتْ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ وَلَا فَرْقَ فِي خَلِيطِ الْمَالِكِ إِذَا اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ بَيْنَ أَنْ يَمْلِكَ حِصَّتَهُ بِابْتِيَاعٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ مِنْ بَائِعِ الشِّقْصِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مالك قد يستضر بسوء المشاركة ويتأذى بمؤونة الْمُقَاسَمَةِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ حِصَّةُ الْخَلِيطِ وَقْفًا نُظِرَ فِي الْوَقْفِ.
فَإِنْ كَانَ عَامًّا كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، أَوْ عَلَى خَاصٍّ لَا يُمَلَّكُ كَالْوَقْفِ عَلَى جَامِعٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شُفْعَةً فِي الْمَبِيعِ.
وَإِنْ كَانَ خَاصًّا عَلَى مَالِكٍ كَالْوَقْفِ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَلَا يَمْلِكُ بِهِ الْوَاقِفُ شُفْعَةً لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنِ الْمَوْقِفِ فَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَلْ يَكُونُ مَالِكًا لِرَقَبَةِ الْوَقْفِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ مَالِكًا لِرَقَبَتِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَالِكًا لِغَلَّتِهِ فَعَلَى هَذَا لَا شُفْعَةَ لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكُونُ مَالِكًا لِرَقَبَةِ الْوَقْفِ فَعَلَى هَذَا فِي اسْتِحْقَاقِهِ لِلشُّفْعَةِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ، وَاسْتِضْرَارِهِ بِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَامِّ الْمِلْكِ وَلَا مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ.
ثُمَّ الشُّفْعَةُ تَجِبُ لِلْأَبِ عَلَى ابْنِهِ وَلِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ وَلِلرَّجُلِ عَلَى زَوْجَتِهِ وَلِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَلِلسَّيِّدِ على مكاتبه

وَلِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ وَلَا عَلَى مُدَبَّرِهِ وَلَا عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا أَحَدُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِ.

فَصْلٌ

: وَأَمَّا الْفَصْلُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَا تُؤْخَذُ بِهِ الشُّفْعَةُ فَهُوَ مَا جُعِلَ بَدَلًا عَنِ الشِّقْصِ الْمَنْقُولِ الْمِلْكِ مِنْ ثَمَنٍ إِنْ كَانَ فِي بَيْعٍ أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ إِنْ كَانَ فِي إِجَارَةٍ أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ إِنْ كَانَ فِي صَدَاقٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَأَمَّا إِنْ كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى مَالِ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فصالحه العبد المكاتب عن مال نجمه عن شِقْصٍ مِنْ دَارٍ فَالشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ وَاجِبَةٌ بِمِثْلِ مَالِ النَّجْمِ لِأَنَّ السَّيِّدَ مَلَكَهُ عِوَضًا عَنْهُ، فَإِنْ أَخْذَهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِهِ ثُمَّ أَدَّى الْمُكَاتَبُ أَوْ عَجَزَ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ فِيمَا أَخَذَهُ بِشُفْعَتِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَخْذُهُ حَتَّى عَجَزَ أَوْ رَقَّ فَفِي الشُّفْعَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطُلَتْ: لِأَنَّ الْمُكَاتِبَ إِذَا عَجَزَ صَارَ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ بالملك لا بالمعاوضة، والوجه الثاني: أنه الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ لِأَنَّ السَّيِّدَ ابْتَدَأَ مِلْكَ الشِّقْصِ بِالْمُعَاوَضَةِ فَلَا اعْتِبَارَ بِمَا أَفْضَى إِلَيْهِ مِنْ سُقُوطِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَقَدْ قَالَ أبو حنيفة هِيَ بَيْعٌ وَيَسْتَحِقُّ بِهَا الشُّفْعَةَ وَقَالَ أبو يوسف ومحمد إِنْ كَانَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ فَهِيَ بَيْعٌ وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَهِيَ فَسْخٌ لَا تَجِبُ بِهَا الشُّفْعَةُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا فَسْخٌ فِي الْحَالَيْنِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِي الثَّمَنِ وَلَا أَنْ يُنْقَصَ مِنْهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي مشاعٍ وَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ لِرِوَايَةِ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَصًّا، وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ مَدْخَلَ الْمُشْتَرِي فَوَجَبَ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ بِمَا أَخَذَ الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّ عُدُولَهُمَا عن الثمن لا يخلو من ثلاثة أَحْوَالٍ فَاسِدَةٍ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا يَرْضَى بِهِ الْمُشْتَرِي، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَرْضَى إِلَّا بِأَضْعَافِ الثَّمَنِ؛ وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا يَرْضَى بِهِ الشَّفِيعُ وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَرْضَى إِلَّا بِبَعْضِ الثَّمَنِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ فَقَدْ تَكُونُ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ فَيَسْتَضِرُّ الْمُشْتَرِي وَقَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ فَيَسْتَضِرُّ الشَّفِيعُ.
وَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ ثَبَتَ أَخْذُهَا بِالثَّمَنِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، أَوْ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ كَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ

أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ جِنْسًا، وَصِفَةً، وَقَدْرًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ كَالْعَبْدِ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ فِي أَقَلِّ الْأَحْوَالِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ تَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي لَهُ إِلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ إِذَا زَادَ فَالزِّيَادَةُ حَادِثَةٌ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْعَقْدُ وَإِنْ نَقَصَ فَالنُّقْصَانُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي فَخَرَجَ مِنَ الْعَقْدِ.

فَصْلٌ

: وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا الْمُشْتَرِي إِلَى الْبَائِعِ فَوَجَدَهَا الْبَائِعُ زُيُوفًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُسَامِحَ وَبَيْنَ أَنْ يُبْدِلَهَا، فَإِنْ رَضِيَ بِهَا فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ جِيَادًا.
وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَبْدًا فَاعْوَرَّ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَرَدِّ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الرِّضَا بِالْعَوَرِ وَإِمْضَاءِ الْبَيْعِ فَإِنْ رَضِيَ بِالْعَوَرِ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ أَعْوَرَ وَقَالَ أبو حنيفة: يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ سَلِيمًا كَمَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ الْأَلْفِ جِيَادًا لِأَنَّهُ لَيْسَ الرِّضَا بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ خَطَأً فِي الثَّمَنِ.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِعَيْنِهِ رِضًا منه بأنه هو الثمن بعينيه، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْأَلْفِ: أَنَّ عَوَرَ الْعَبْدِ لما أحدث له خياراً، أَثَّرَ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، وَإِذَا اسْتَخَفَّ بِهَا أَخَذَ بَدَلَهَا فَصَارَ الْجَيِّدُ ثَمَنًا لَهُ.
فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا نَقَصَهُ عُشْرَ الثَّمَنِ فَصَالَحَهُ الْبَائِعُ مِنَ الْعَيْبِ عَلَى جَارِيَةٍ، ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ بِتِسْعِينَ دِينَارًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدِ اسْتَرْجَعَ مِنَ الْمِائَةِ عَشْرَ دَنَانِيرَ فَإِنْ دَفَعَ الْبَائِعُ إِلَى الْمُشْتَرِي الْعَشَرَةَ الَّتِي هِيَ أَرْشُ الْعَيْبِ فَقَدْ وَصَلَ إِلَى حَقِّهِ مِنْ تَمَامِ الثَّمَنِ وَلَا مُطَالَبَةَ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الشَّفِيعِ وَإِنِ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ دَفْعِهَا وَلَمْ يَرْضَ إِلَّا بِرَدِّ الْمَبِيعِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَذْلِ الْأَرْشِ، وَقِيلَ لِلشَّفِيعِ: إِنْ دَفَعْتَ إلى المشتري عشرة دنانير يستكمل بِهَا الْمِائَةَ الَّتِي دَفَعَهَا ثَمَنًا حَقَّتْ لَكَ الشُّفْعَةُ، وَإِنِ امْتَنَعْتَ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى دَفْعِهَا وَلَزِمَكَ رَدُّ الشِّقْصِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَاسْتِرْجَاعُ التِّسْعِينَ الَّتِي دَفَعْتَهَا، فَإِذَا عَادَ الشِّقْصُ إِلَى الْمُشْتَرِي كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ مَعِيبًا بِالْمِائَةِ كُلِّهَا وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ.
فَإِنْ رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْمِائَةِ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ إِنْ عَادَ مُطَالِبًا بِهَا، لِأَنَّهَا قَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ فَرَدَّهَا، فَلَوْ أَنَّ الشَّفِيعَ أَنْكَرَ تَقَدُّمَ الْعَيْبِ وَتَصَادَقَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الشَّفِيعِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ، وَلَا يُصَدَّقَانِ فِي الِازْدِيَادِ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ الشَّفِيعُ حَلَفَ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَدْرِكُ لِنَقْصِ الْعَيْبِ فَإِنْ حَلَفَ كَانَ الشَّفِيعُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ تَكْمِلَةِ الْمِائَةِ أَوِ الرَّدِّ.
فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ شِقْصًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ يُسَاوِي ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ إِلَّا أَنَّهُ حَابَاهُ فِي ثَمَنِهِ بِأَلْفَيْ درهم فللمشتري وللشفيع ثلاثة أحوال:

إحداهن: أَنْ يَكُونَا أَجْنَبِيَّيْنِ مِنَ الْبَائِعِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي وَارِثًا وَالشَّفِيعُ أَجْنَبِيًّا، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يكون المشتري أجنبياً والشفيع وارثاً.
فأما الحالة الْأُولَى: وَهُوَ أَنْ يَكُونَا أَجْنَبِيَّيْنِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْبَائِعِ مِنْ أَنْ يَمْلِكَ مَالًا غَيْرَ الشِّقْصِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مَالًا تَخْرُجُ الْمُحَابَاةُ مِنْ ثُلُثِهِ صَحَّتِ الْمُحَابَاةُ وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالْأَلْفِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الشُّفْعَةَ بِالثَّمَنِ مُسْتَرْخَصًا كَانَ أَوْ غَالِيًا، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَ الشِّقْصِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ يَرُدَّ لِيَحْصُلَ لَهُ نِصْفُ الْمُحَابَاةِ وَبَيْنَ أَلْفٍ تَكُونُ ثُلُثَ التَّرِكَةِ وَيَرْجِعُ إِلَى الْوَرَثَةِ ثُلُثُ الشِّقْصِ وَقِيمَةُ أَلْفٍ مَعَ أَلْفٍ حَصَّلَتْ لَهُمْ ثَمَنًا فَيَصِيرُ مِثْلَيِ الْمُحَابَاةِ بِالْأَلْفِ ثُمَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَلْفِ ثُلُثَيِ الشِّقْصِ الْعَائِدِ لِلْمُشْتَرِي بِالْأَلْفِ.
وَأَمَّا الحالة الثَّانِيَةُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي وَارِثًا وَالشَّفِيعُ أَجْنَبِيًّا.
فَالْمُحَابَاةُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ الشِّقْصِ بِأَلْفٍ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ فَإِنْ أَخَذَ ثُلُثَهُ بِالْأَلْفِ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الثُّلُثِ مِنْهُ بِالْأَلْفِ وَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عُرِضَ عَلَى الشَّفِيعِ قَبْلَ رَدِّهِ فَإِنْ رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ الشِّقْصِ بِالْأَلْفِ كَانَ أَحَقَّ وَبَطَلَ رَدُّ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّهُ لِيَحْصُلَ لَهُ الثَّمَنُ الْخَارِجُ مِنْ يَدِهِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ فَوَصَلَ إِلَى حَقِّهِ، وَمُنِعَ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الشَّفِيعِ بِرَدِّهِ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ رَدِّهِ بِعَيْبٍ لَوْ ظَهَرَ إِذَا رَضِيَ الشَّفِيعُ بِهِ وَتَكُونُ عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
فَلَوْ أَنَّ بَاقِيَ الْوَرَثَةِ أَجَازُوا لِلْوَارِثِ مُحَابَاتِهِ، وَأَعْطَوْهُ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِالْأَلْفِ جَازَ، وَفِيمَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ هَلْ تَكُونُ عَطِيَّةً أَوْ إِمْضَاءً: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِمْضَاءٌ فَعَلَى هَذَا لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِالْأَلْفِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ، فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ ثُلُثَ الشِّقْصِ بِالْأَلْفِ وَيَخْلُصُ لِلْمُشْتَرِي ثُلُثَاهُ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَهُ خَالِصَةٌ.
وَأَمَّا الحالة الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا وَالشَّفِيعُ وارثاً فللمحاباة وهي ألف درهم ثلاثة أَحْوَالٍ: حَالٌ يَحْتَمِلُ الثُّلُثُ جَمِيعَهَا، وَحَالٌ لَا يَحْتَمِلُ الثُّلُثُ شَيْئًا مِنْهَا، وَحَالٌ يَحْتَمِلُ الثُّلُثُ بَعْضَهَا.
فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلِ الثُّلُثُ شَيْئًا مِنْهَا لِإِحَاطَةِ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ بَطَلَتِ الْمُحَابَاةُ، وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي أَخْذِ ثُلُثِ الشِّقْصِ بِالْأَلْفِ، أَوْ رَدِّهِ فَإِنْ أَخَذَهُ كَانَ الشَّفِيعُ أَحَقَّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَارِثًا لِأَنَّهُ لَا مُحَابَاةَ فِيهِ.
وَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ جَمِيعَ الْمُحَابَاةِ لِأَنَّهُ ذُو مَالٍ يَخْرُجُ الْأَلْفَانِ مِنْ ثُلُثِهِ فَالْمُحَابَاةُ بِثُلُثَيِ الشِّقْصِ، وَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ بَعْضَهَا وَهُوَ أَنْ لَا يَمْلِكَ غَيْرَ الشِّقْصِ

الْمُقَوَّمِ بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ احْتَمَلَ الثُّلُثُ نِصْفَ الْمُحَابَاةِ وَهُوَ ثُلُثُ الشِّقْصِ، وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا ابْنُ سُرَيْجٍ.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِلْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَقْصُودٌ بِهَا فَصَحَّتْ لَهُ، وَالشَّفِيعُ دَاخِلٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَتْ لَهُ فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الْمُشْتَرَى ثُلُثَيِ الشِّقْصِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ هَذَيْنِ الثُّلُثَيْنِ بِالْأَلْفِ، وَيَرْجِعُ الثُّلُثُ عَلَى الْوَرَثَةِ مَعَ الْأَلْفِ الصَّائِرَةِ إِلَيْهِمْ ثَمَنًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُحَابَاةَ جَائِزَةٌ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِمَّنْ يَصِحُّ مُحَابَاتُهُ وَهُوَ بِهَا مَقْصُودٌ، وَالشَّفِيعُ مِمَّنْ لَا تَصِحُّ مُحَابَاتُهُ وَهُوَ بِهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي ثُلُثَيِ الشِّقْصِ بِأَلْفٍ وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثُلُثَهُ بِأَلْفٍ وَيَرْجِعُ إِلَى الْوَرَثَةِ الثُّلُثُ فَيَصِيرُ الشِّقْصُ أَثْلَاثًا: ثُلُثُهُ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّ الثُّلُثَ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَثُلُثُهُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهَا مُحَابَاةٌ لَهُ، وَثُلُثُهُ لِلشَّفِيعِ بَعْدَ رَدِّ الْمُحَابَاةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ لَهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُحَابَاةَ بَاطِلَةٌ لِلْمُشْتَرِي وَلِلشَّفِيعِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُفْضِي إِلَى الشَّفِيعِ الَّذِي لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهَا، وَهِيَ مُقْتَرِنَةٌ بِالْمَبِيعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ عَنْهَا فَعَلَى هَذَا لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ الشِّقْصِ بِالْأَلْفِ، وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِالْأَلْفِ وَيَرْجِعُ الثُّلُثَانِ عَلَى الْوَرَثَةِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُحَابَاةَ مَوْقُوفَةٌ مُرَاعَاةً فَإِنْ عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ شُفْعَتِهِ صَحَّتِ الْمُحَابَاةُ لِلْمُشْتَرِي وَأَخَذَ ثُلُثَيِ الشِّقْصِ بِالْأَلْفِ وَرَجَعَ الثُّلُثُ إِلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ بَطَلَتِ الْمُحَابَاةُ لِلْمُشْتَرِي وَأَخَذَ ثُلُثَ الشِّقْصِ بِالْأَلْفِ وَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ مِنْهُ بِالْأَلْفِ وَيَرْجِعُ الثُّلُثَانِ إِلَى الْوَرَثَةِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الشَّفِيعُ وَارِثَ الْمُشْتَرِي وَهُمَا أَجْنَبِيَّانِ مِنَ الْبَائِعِ صَحَّتِ الْمُحَابَاةُ لِلْمُشْتَرِي وَاسْتَحَقَّ الشَّفِيعُ الْمُحَابَاةَ بِشُفْعَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُحَابَاةً مِنَ الْمُشْتَرِي أَلَا تَرَى أَنَّهُ يأخذها منه جبراً بلا اخيتار.

مسألة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " فَإِنْ عَلِمَ فَطَلَبَ مَكَانَهُ فَهِيَ لَهِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ فَلَمْ يَطْلُبْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الشُّفْعَةَ تجب بالبيع وتستحق بالطلب وتملك بالأخذ، فإذا بِيعَ الشِّقْصُ، وَوَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، لَمْ يَخْلُ حَالُ الشَّفِيعِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالْبَيْعِ أَوْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ إِذَا عَلِمَ وَإِنْ تَطَاوَلَ بِهِ الزَّمَانُ كَالْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِعَيْبِ مَا اشْتَرَى كَانَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الرَّدِّ إِذَا عَلِمَ فَأَمَّا إذا علم بالبيع فله حالان:

أحدهما: أن يكون قادراً على الطلب، والحال الثاني: أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الطلب فله ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الطَّلَبِ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ فِي الْأَخْذِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ وَإِنَّمَا يُفْتَقَرُ إِلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ فِيمَا ثَبَتَ بِاجْتِهَادِهِ.
فَلَوْ قَالَ الشَّفِيعُ حِينَ بَادَرَ بِالطَّلَبِ: أَنْظِرُونِي بِالثَّمَنِ وَاحْكُمُوا لِي بِالْمِلْكِ لَمْ يَجُزْ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: احْكُمُوا لِي بِالْمِلْكِ حَتَّى أُحْضِرَ الثَّمَنَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ بِالْمِلْكِ حَتَّى يَكُونَ الثَّمَنُ حَاضِرًا، فَلَوْ أَحْضَرَ رَهْنًا بِالثَّمَنِ، أَوْ عِوَضًا عَنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزِيلَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِالشُّفْعَةِ وَيُدْخِلَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالتَّأْخِيرِ.
فَإِنْ سَأَلَ الْوَقْفَ حَتَّى يَحْضُرَ الثَّمَنُ جَازَ أَنْ يُنْظِرَهُ الْحَاكِمُ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ وَأَكْثَرُهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَاءَ بِالثَّمَنِ كَانَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي أَنْظَرَهُ الْحَاكِمُ بِهَا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ.

فَصْلٌ

: وَالْحَالُ الثَّانِي مِنْ أَحْوَالِ الشَّفِيعِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الشُّفْعَةِ، وَالْعَفْوُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَرِيحٌ وَتَعْرِيضٌ، فَالصَّرِيحُ أَنْ يَقُولَ قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الشُّفْعَةِ، أَوْ تَرَكْتُهَا، وَنَزَلْتُ عَنْهَا فَهَذَا مُبْطِلٌ لِشُفْعَتِهِ.
وَالتَّعْرِيضُ أَنْ يُسَاوِمَ الْمُشْتَرِيَ فِي الشِّقْصِ أَوْ يُطَالِبَهُ بِالْقِسْمَةِ، أَوْ يَسْتَأْجِرَهُ مِنْهُ أَوْ يُسَاقِيَهُ عَلَيْهِ.
فَهَلْ يَكُونُ التَّعْرِيضُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَصَرِيحِ الْعَفْوِ فِي إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْقَدِيمِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ بِالْعَفْوِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى حَقِّهِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَفْوِ لِمَا فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْخِطْبَةِ بَيْنَ حُكْمِ التَّعْرِيضِ وَالتَّصْرِيحِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ لِلْمُشْتَرِي: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَتِكَ، فَلَيْسَ بِعَفْوٍ صَرِيحٍ وَلَا تَعْرِيضٍ؛ لِأَنَّ وُصُولَهُ إِلَى الثَّمَنِ مِنَ الشَّفِيعِ بَرَكَةٌ فِي صَفْقَتِهِ، وَهَكَذَا لَوْ شَهِدَ لِلْمُشْتَرِي فِي ابْتِيَاعِهِ لَمْ يَكُنْ عَفْوًا صَرِيحًا، وَلَا تَعْرِيضًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ وَثِيقَةٌ فِي الْبَيْعِ الَّذِي بِتَمَامِهِ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ وَجَعَلَ أبو حنيفة هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عَفْوًا صَرِيحًا.
وَأَمَّا إِنْ قَالَ سَأَعْفُو، أَوْ قَالَ إِنْ شِئْتَ عفوت فليس ذلك عفواً.

فصل

: والحالة الثَّالِثَةُ: مِنْ أَحْوَالِ الشَّفِيعِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ وَتَمَكُّنِهِ مِنَ الْأَخْذِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الطَّلَبِ ففيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَالْإِمْلَاءِ وَبِهِ تَقَعُ الْفُتْيَا أَنَّ الشُّفْعَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِانْقِضَاءِ زَمَانِ الْمَكِنَةِ وَأَنَّ حَقَّ طَلَبِهَا عَلَى الْفَوْرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مُؤَقَّتٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْمَكِنَةِ فَإِنْ طَلَبَهَا إِلَى ثَلَاثٍ كَانَ عَلَى حَقِّهِ، وَإِنْ مَضَتِ الثَّلَاثُ قَبْلِ طَلَبِهِ بَطَلَتْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ قَالَ: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِأَصْلٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مُمْتَدٌّ عَلَى التَّرَاخِي مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ.
فَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة فَوَجْهُهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشُّفْعَةُ كَنَشْطَةِ عقالٍ فَإِنْ أَخَذَهَا فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا رَجَعَ بِاللَّائِمَةِ عَلَى نَفْسِهِ "؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلِأَنَّ فِي اسْتَدَامَتْهَا إِدْخَالَ ضَرَرٍ عَلَى الْمُشْتَرِي مُسْتَدِيمًا إِذْ لَيْسَ يَعْلَمُ بَقَاءَ مِلْكِهِ فَيَتَصَرَّفَ، وَلَا زَوَالَ مِلْكِهِ فَيُطَالِبَ بِالثَّمَنِ، وَأَنَّ مَا وُضِعَ لِإِزَالَةِ الضرر لم يجز أن يدخ بِهِ أَعْظَمُ الضَّرَرِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُعْتَبَرُ بِالْمَكِنَةِ الْمَعْهُودَةِ مِنْ غَيْرِ إِرْهَاقٍ وَلَا عَجَلَةٍ.
فَإِذَا عَلِمَ مُكِّنَ بَعْدَ الْعِلْمِ مِنْ لُبْسِ ثَوْبِهِ، وَجَمْعِ مَالِهِ، وَغَلْقِ بَابِهِ، وَصَلَاةِ وَقْتِهِ فَإِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْمُشْتَرِي مَشَى عَلَى مَهْلٍ كعادته، فإذا ألقى الْمُشْتَرِي جَازَ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ، وَقَالَ محمد بن الحسن: إِنْ قَدَّمَ السَّلَامَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِطَلَ حَقُّهُ مِنَ الشُّفْعَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ السُّنَّةِ الْمَأْثُورَةِ، وَخَرْقِ الْعَادَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ.
وَلَكِنْ لَوْ حَادَثَهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِطَلَ حَقُّهُ مِنَ الشُّفْعَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَبَ ثُمَّ أَمْسَكَ بعد الطلب من غير صريح بِالْعَفْوِ وَلَا تَعْرِيضٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ حَتَّى يَكُونَ مُسْتَدِيمًا لِلطَّلَبِ بِحَسْبِ الْمَكِنَةِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: " شُفْعَتُهُ بَاقِيَةٌ أَبَدًا إِذَا قَدَّمَ الطَّلَبَ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَفْوِ ". وَقَالَ محمد بن الحسن: " شُفْعَتُهُ بَاقِيَةٌ فِي زَمَانِ إِمْسَاكِهِ إِلَى مُدَّةِ شَهْرٍ فَإِنْ طَلَبَ بَعْدَهُ وَإِلَّا سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالطَّلَبِ الْأَخْذُ فَإِذَا أَمْسَكَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِلطَّلَبِ تَأْثِيرٌ، وَبَطَلَ بِالْإِمْسَاكِ خِيَارُهُ.
فَصْلٌ : وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: إِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ المكنة، فوجهه أن الشفعة موضوعة لارتفاع الشَّفِيعِ بِهَا فِي الْتِمَاسِ الْحَظِّ لِنَفْسِهِ فِي الْأَخْذِ أَوِ التَّرْكِ، وَلِإِجْبَارِ الْمُشْتَرِي فِي حُسْنِ المشاركة فيقرأ وفي سُوءِ الْمُشَارَكَةِ لِيُصْرَفَ، فَلَوْ رُوعِيَ فِيهِ الْفَوْرُ ضاق

على الشفيع، ولو جعل على التأييد أَضَرَّ بِالْمُشْتَرِي فَاحْتِيجَ إِلَى مُدَّةٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا الشَّفِيعُ إِلَى الْتِمَاسِ حَظِّهِ وَلَا يُسْتَضَرُّ الْمُشْتَرِي بِتَأْخِيرِهِ فَكَانَ أَوْلَى الْأُمُورِ فِي تَقْدِيرِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ خِلَافَ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي تَقْدِيرِهَا بِسَنَةٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَبِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّلَاثَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ لِمُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَقْصَى حَدِّ الْقِلَّةِ وَأَدْنَى حَدِّ الْكَثْرَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَضَى بِهَلَاكِ قَوْمٍ أَنْظَرَهُمْ بَعْدَهُ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) . وَقَدْ أَذِنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا، فَعَلَى هَذَا لَوْ حَصَلَ فِي خِلَالِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ زَمَانٌ تَتَعَذَّرُ فِيهِ الْمُطَالِبَةُ لَمْ تُحْسَبْ مِنْهَا، لِقَوْلِهِ زَمَانٌ يَتَمَكَّنُ فِي جَمِيعِهَا بِالْمُطَالَبَةِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّالِثِ: إِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ عَلَى التَّرَاخِي فَوَجْهُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فإن باع فشريكه أحق به حتى يؤذنه " فَكَانَ عَلَى عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَلِأَنَّ مَا مُلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ كَالدُّيُونِ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الشُّفْعَةِ أَرْفَقُ بِالْمُشْتَرِي فِي حُصُولِ الشُّفْعَةِ وَيُمَلَّكُ الْغَلَّةَ وَالْأُجْرَةَ، فَعَلَى هَذَا فِي الَّذِي يسقط حقه من الشفعة ثلاثة أقاويل: أحدهما: الْعَفْوُ الصَّرِيحُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ التَّعْرِيضِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْطَعَ خِيَارَهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَ الْحُقُوقِ كَالدُّيُونِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ شُفْعَتَهُ تَسْقُطُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بالعفو الصريح، أما بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْرِيضِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ إِنَّ شَفَاعَتَهُ تَسْقُطُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِمَّا بِالْعَفْوِ الصَّرِيحِ أَوْ بِمَا يدل عليه من التعرض أَوْ بِأَنْ يُحَاكِمَهُ الْمُشْتَرِي إِلَى الْقَاضِي فَيَلْزَمُهُ الأخذ أو الترك، فإن أخذه لا حُكْمَ عَلَيْهِ بِإِبْطَالِ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَنْدُوبٌ إِلَى فَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَقَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا وَأَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ خِيَارُ الثَّلَاثِ، وَفِي اسْتِحْقَاقِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ: أَحَدُهُمَا: لَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، لِأَنَّهُ يَخْلُفُ عَقْدَ الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الشِّقْصَ مِلْكَ إِجْبَارٍ لَا عن مراضاة.

مسألة

قال الشافعي رحمه الله: " فإن علم بأخر الطَّلَبَ فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ حبسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِلَّا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ وَلَا يَقْطَعُهَا طُولُ غَيْبَتِهِ وَإِنَّمَا يقطعها أن يعلم فيترك ".

إِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ وَكَانَ مَعْذُورًا بِتَرْكِ الطَّلَبِ إِمَّا لِغَيْبَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ فله ثلاثة أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فِي الطَّلَبِ لَهُ، فَإِنْ وَكَّلَ كَانَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ بَلْ لَوْ وَكَّلَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الطَّلَبِ بِنَفْسِهِ جَازَ، وَكَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ، لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَهَلْ إِذَا قدر على التوكل مَعَ عَجْزِهِ عَنِ الطَّلَبِ بِنَفْسِهِ يَكُونُ التَّوْكِيلُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَشَرْطًا فِي بَقَاءِ شُفْعَتِهِ أَمْ لَا، عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِهِ: أَنَّ التَّوْكِيلَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بَعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ لِكَوْنِهِ قَادِرًا بِهِ عَلَى الطَّلَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي إِفْصَاحِهِ أَنَّ التَّوْكِيلَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ لِأَنَّ فِي بَذْلِ الْعِوَضِ الْتِزَامَ غُرْمٍ وَفِي التَّطَوُّعِ بِهِ مِنَّةً لَاحِقَةً.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنْ وَجَدَ مُتَطَوِّعًا بِالْوِكَالَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوْكِيلُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مُسْتَعْجِلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّوْكِيلُ لِمَا فِيهِ الْتِزَامُ زِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ.
فَعَلَى هَذَا إِنْ قِيلَ بِوُجُوبِ التَّوْكِيلِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ إِنْ لَمْ يُوكِّلْ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا غَيْرُ واجبة كان على شفعته.

فصل

: والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْجِزَ عَلَى التَّوْكِيلِ وَيَقْدِرَ عَلَى الْإِشْهَادِ بِالطَّلَبِ فَعِنْدَ أبي حنيفة أَنَّ الْإِشْهَادَ شَرْطٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلَبِ وَالْعَجْزِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَشْهَدْ مَعَ مَكِنَتِهِ مِنَ الْإِشْهَادِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْإِشْهَادَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلَبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ إِنَّمَا يُرَادُ لِيَكُونَ بَيِّنَةً لَهُ عَلَى إِرَادَةِ الطَّلَبِ فَاسْتَغْنَى عَنْهُ بِظُهُورِ الطَّلَبِ.
فَأَمَّا وُجُوبُ الْإِشْهَادِ مَعَ الْعَجْزِ عَنِ الطَّلَبِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: وهو ظاهر نصه ها هنا: إِنَّ الْإِشْهَادَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِنْ تَرَكَهُ كَالْقَادِرِ عَلَى الطَّلَبِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْإِشْهَادَ وَاجِبٌ وَتَرْكَهُ مُبْطِلٌ لِلشُّفْعَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الطَّلَبِ وَالْعَاجِزِ عَنْهُ، أَنَّ ظهور الطلب من القادر عليه يعني عَنِ الْإِخْبَارِ بِمُرَادِهِ وَالْعَاجِزُ عَنْهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِمْسَاكُهُ تَرْكًا لِلشُّفْعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصْدًا لِلطَّلَبِ مَعَ الْمَكِنَةِ فَافْتَقَرَ إِلَى نَفْيِ الِاحْتِمَالِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ مُرَادِهِ بِالْإِشْهَادِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُشْهِدَ وَيُكَوِّنَ بَيِّنَةً كاملة عند

الْحَاكِمِ وَهُوَ أَنْ يُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَوْ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، فَإِنْ أَشْهَدَ شَاهِدًا وَاحِدًا لِيَحْلِفَ مَعَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مِنَ الْحُكَّامِ مَنْ لَا يَحْكُمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْثِقًا لِنَفْسِهِ بِالْإِشْهَادِ.
وَلَوْ أَشْهَدَ عَبِيدًا، أَوْ صِبْيَانًا، أَوْ فُسَّاقًا لَمْ يُجْزِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يجزيه إشهادهم، لأنه قد تعتق الْعَبْدُ، وَيَرْشُدُ الْفُسَّاقُ، وَيَبْلُغُ الصِّبْيَانُ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ هُوَ الْأَدَاءُ فَلَمْ يَنْفَعْ إِشْهَادُ مَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْأَدَاءُ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ انْتِقَالِهِمْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ بِأَغْلَبَ مِنْ جَوَازِ بَقَائِهِمْ عَلَى أَحْوَالِهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ وَطَالَبَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالشُّفْعَةِ فَهُوَ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ.

فَصْلٌ

: والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْجِزَ عَنِ التَّوْكِيلِ وَالْإِشْهَادِ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ وَإِنْ تَطَاوَلَ بِهِ الزَّمَانُ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقُدُومِ لِلطَّلَبِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُدُومِ فَأَخَذَ فِيهِ عَلَى الْمَعْهُودِ وَالْمَسِيرِ مِنْ غَيْرِ إِرْهَاقٍ وَلَا اسْتِعْجَالٍ كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَإِنْ أَخَّرَ قُدُومَهُ عَنْ وَقْتِ الْمَكِنَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَخَّرْتَ الْقُدُومَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّفِيعُ أَخَّرْتُهُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا كَانَ مَا قَالَهُ مُمْكِنًا، وَيَكُونُ عَلَى شُفْعَتِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي إِبْطَالِهَا، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي قَدِمْتَ لِغَيْرِ الْمُطَالَبَةِ، وَقَالَ الشَّفِيعُ قَدِمْتُ لِلطَّلَبِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ وهكذا لو قال المشتري تقدم علمك عل زَمَانِ الطَّلَبِ وَقَالَ الشَّفِيعُ لَمْ أَعْلَمْ إِلَّا وَقْتَ الطَّلَبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ مَعَ يَمِينِهِ.

فَصْلٌ

: فَأَمَّا مَا يَصِيرُ بِهِ عَالِمًا فَالْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ وَكُلُّ خَبَرٍ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ وَلَوْ مِنَ امْرَأَةٍ أَوْ عَبْدٍ، أَوْ كَافِرٍ، وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْمُعَامَلَاتِ يَسْتَوِي فِيهِ خَبَرُ الحر والعبد والعمل وَالْفَاسِقِ إِذَا وَقَعَ فِي النَّفْسِ أَنَّ الْمُخْبِرَ صَادِقٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَصِيرُ عَالِمًا إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِهَا.
وَلَوْ عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ فَأَمْسَكَ عن الطلب لجهلة باستحقاق الشُّفْعَةَ فَفِي بُطْلَانِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْأَمَةِ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَأَمْسَكَتْ عَنِ الْفَسْخِ لِجَهْلِهَا بِاسْتِحْقَاقِهِ.
فَصْلٌ : وَإِذَا تَبَايَعَا بِالْبَصْرَةِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِمِصْرَ وَحَضَرَ الشَّفِيعُ مُطَالِبًا فَأَخَّرَ طَلَبَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِيَأْتِيَ مِصْرَ فَيُطَالِبَهُ بِهَا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، لِأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى أَخْذِهَا بِالْبَصْرَةِ كَقُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِهَا بِمِصْرَ وَلَكِنْ لَوْ أَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي بِالْبَصْرَةِ أَنَّهُ خَلِيطٌ فَأَخَّرَهَا لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِمِصْرَ كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً بِالْبَصْرَةِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا تَشْهَدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ.
وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتِزَعُ مِلْكًا بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ إِذَا شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ وَبِهِ قَالَ أبو يوسف؛ لِأَنَّهَا حُجَّةٌ فِي الْمِلْكِ لَكِنْ يَحْلِفُ الشَّفِيعُ مَعَ بَيِّنَتِهِ بِالْيَدِ أَنَّهُ مَالِكٌ ثُمَّ يُحْكَمُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا عُرِضَ الشِّقْصُ قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى الشَّفِيعِ فَلَمْ يَشْتَرِهِ، ثُمَّ بِيعَ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا بِامْتِنَاعِهِ مِنَ الشِّرَاءِ، لِوُجُوبِهَا بِالْبَيْعِ الْحَادِثِ فَلَوْ عَفَا الشَّفِيعُ عَنْهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ كَانَ عَفْوُهُ بَاطِلًا، وَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْهَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا فَصَارَ كَإِبْرَائِهِ مِنَ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ.

فَصْلٌ

: وَإِذَا صَالَحَ الشَّفِيعُ الْمُشْتَرِي عَلَى مِلْكٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ عِوَضًا عَلَى تَرْكِ الشُّفْعَةِ لَمْ يَجُزْ وَكَانَ صُلْحًا بَاطِلًا، وَعِوَضًا مَرْدُودًا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَى مَا قَدِ اسْتَحَقَّهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ خِيَارِ مَجْلِسٍ، أَوْ شَرْطٍ وَفِي بُطْلَانِ شُفْعَتِهِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ لِأَنَّ التَّرْكَ مَشْرُوطٌ بِعَوَضٍ فَلَمَّا بَطَلَ الْعِوَضُ بَطَلَ التَّرْكُ.
فَصْلٌ : وَإِذَا عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ بَعْضِ الشُّفْعَةِ لَمْ يَتَبَعَّضِ الْعَفْوُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَفْوَ بَاطِلٌ وَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ فِي الْكُلِّ لِأَنَّ الْعَفْوَ لَمَّا لَمْ يَكْمُلْ بَطَلَ، وَبِهِ قَالَ أبو يوسف، وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِنَّ الْعَفْوَ صَحِيحٌ فِي الْكُلِّ تَغْلِيظًا لِمَا ظَهَرَ مِنْ حُكْمِ التَّسْلِيمِ وَبِهِ قَالَ محمد بن الحسن.
فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لِخَلِيطٍ فَبَاعَ حِصَّتَهُ قَبْلَ الْأَخْذِ أَوِ التَّرْكِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ عِنْدَ بَيْعِهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِالشُّفْعَةِ أَوْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا فَإِنْ بَاعَ حِصَّتَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لَهَا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَالْخَوْفِ من مؤونة الْقِسْمَةِ، وَهَذَا ارْتَفَعَ بِالْبَيْعِ وَزَوَالِ الْمِلْكِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ بَعْضَ حِصَّتِهِ فَفِي بُطْلَانِ شُفْعَتِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ بَعْضِ شُفْعَتِهِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنْهَا لِأَنَّهَا تُسْتَحَقُّ بِقَلِيلِ الْمِلْكِ كَمَا تُسْتَحَقُّ بِكَثِيرِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ بَيْعُهُ لِحِصَّتِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِشُفْعَتِهِ فَفِي بُطْلَانِ الشُّفْعَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ إِنَّ شُفْعَتَهُ قَدْ بَطَلَتْ لِأَنَّهُ بَاعَ الْمِلْكَ الْمَقْصُودَ بِالشُّفْعَةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ: إِنَّهُ على شفعته، لأنه قد ملكها وَلَيْسَ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ عَفْوٌ عَنْهَا.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.

فَصْلٌ

: فَلَوْ عَلِمَ بِالْمَبِيعِ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الثَّمَنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَعَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الثَّمَنَ مِائَةُ دِينَارٍ كَانَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعَفْوِ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْفُو عَنِ الدَّرَاهِمِ لِإِعْوَازِهَا مَعَهُ وَيَقْدِرُ عَلَى الدَّنَانِيرِ، وَهَكَذَا لَوْ قِيلَ له: إن الثمن مائة دينار ففعا عَنِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ وَقَالَ أبو يوسف: إِنْ كَانَ قِيمَةُ الْأَلْفِ مِائَةَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْأَلْفِ أَقَلَّ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ فَلَهُ الشُّفْعَةُ، وَهَذَا خَطَأٌ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ.
وَلَكِنْ لَوْ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الثَّمَنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَعَفَا ثُمَّ بَانَ أَنَّ الثَّمَنَ أَقَلُّ مِنْ أَلْفٍ كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا شُفْعَةَ لَهُ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْهَا لِاعْتِقَادِ الْغَلَاءِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا عِنْدَ ظُهُورِ الرُّخْصِ وَلَكِنْ لَوْ بَانَ أَنَّ الثَّمَنَ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّ مَنْ كَرِهَهَا بِالْأَلْفِ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا أَكْرَهُ.
فَصْلٌ : وَلَوْ قِيلَ لَهُ إِنَّ الْمَبِيعَ سَهْمٌ مِنْ عَشَرَةِ أَسْهُمٍ فَعَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْمَبِيعَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ مِنْ عَشَرَةٍ كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقِلُّ انْتِفَاعُهُ بِالسَّهْمِ فَيَعْفُو وَيَكْثُرُ انْتِفَاعُهُ بِالْخَمْسَةِ فَيَأْخُذُ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ إِنَّ الْمَبِيعَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ مِنْ عَشَرَةٍ فَعَفَا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ سَهْمٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا وَاحِدًا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّ مَنْ كَرِهَ أَخْذَ خَمْسَةِ أَسْهُمٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كَانَ لِأَخْذِ سَهْمٍ وَاحِدٍ بِالْمِائَةِ أَكْرَهَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا مُخْتَلِفًا عَلَى قَدْرِ السِّهَامِ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْفُو عَنِ الْخَمْسَةِ الْأَسْهُمِ لِعَجْزِهِ عَنْ ثَمَنِهَا وَيُرِيدُ السَّهْمَ الْوَاحِدَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ثَمَنِهِ.
وَلَوْ قِيلَ لَهُ إن المشتري زيداً فَعَفَا عَنْهُ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ عَمْرٌو فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّ معرفة المشتري شرطاً فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْعَفْوِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ علة الشفعة الخوف من مؤونة الْقِسْمَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى شُفْعَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ زِيدٌ أَحْسَنَ مُشَارَكَةً مِنْ عَمْرٍو وَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ عِلَّةَ الشُّفْعَةِ الْخَوْفَ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ.
فَصْلٌ : فَلَوْ كَانَ مُشْتَرِي الشِّقْصِ وَكِيلًا فَعَفَا الشَّفِيعُ عَنِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ عَفَا عَنِ الْمُوَكَّلِ دُونَ الْوَكِيلِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكَّلِ فَفِي بُطْلَانِ شُفْعَتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ بَطَلَتْ لِأَنَّ الْوَكِيلَ خَصْمٌ فِيهَا.

وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى غيره والله أعلم.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ وَقَالَ الشَّفِيعُ: خَمْسُمِائَةٍ وَلَا بَيِّنَةُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِلْعَقْدِ فَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَالِكٌ لِلشِّقْصِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ مِنْهُ إِلَّا بِقَوْلِهِ فَإِنْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا ادَّعَى مِنَ الثَّمَنِ أَخْذَهُ الشَّفِيعُ بِهِ إِنْ شَاءَ وَإِنْ نَكَلَ الْمُشْتَرِي رُدِّتِ الْيَمِينُ عَلَى الشَّفِيعِ فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَهُ بِمَا قَالَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا تَحَالَفَا عَلَيْهِ كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ؟ قِيلَ: لأن كل واحد من المتبايعين مدع مدعى عَلَيْهِ فَتَحَالَفَا لِاسْتِوَائِهِمَا، وَفِي الشُّفْعَةِ الشَّفِيعُ وَحْدَهُ مُنْفَرِدٌ بِالدَّعْوَى أَنَّهُ مَالِكٌ لِلشِّقْصِ بِمَا ادَّعَى فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي لِتَفَرُّدِهِ بِالْإِنْكَارِ.
فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الثَّمَنِ حُكِمَ بِهَا وَالْبَيِّنَةُ شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ فَإِنْ أَقَامَهَا الْمُشْتَرِي اسْتَفَادَ بِهَا سُقُوطَ الْيَمِينِ فَلَوْ شَهِدَ لَهُ الْبَائِعُ بِمَا ادَّعَى مِنَ الثَّمَنِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ بِالزِّيَادَةِ لِنَفْسِهِ وَلَوْ أَقَامَ الشَّفِيعُ الْبَيِّنَةَ اسْتَفَادَ بِهَا الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ فَإِنْ شَهِدَ لَهُ الْبَائِعُ بِمَا ادَّعَى مِنَ الثَّمَنِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي شَهَادَتِهِ بِنَقْصِ الثَّمَنِ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِالدَّرَكِ مَعَ أَنَّهُ عَاقِدٌ فِي الْحَالَيْنِ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيمَا تَوَلَّى عَقْدَهُ.
فَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَى مِنَ الثَّمَنِ: فَعِنْدَ أبي حنيفة ومحمد بن الحسن إِنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ أَوْلَى لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا، وَعِنْدَ أبي يوسف إِنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي أَوْلَى لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ.
وَيُخَرَّجُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِسْقَاطُهُمَا بِالتَّعَارُضِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
وَالثَّانِي: الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ بَيِّنَتُهُ كَانَ أَوْلَى، وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْقُرْعَةِ هَلْ جَاءَتْ مُرَجِّحَةً لِلدَّعْوَى أَوْ لِلْبَيِّنَةِ.

فَصْلٌ

: فَعَلَى هَذَا لَوْ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالْأَلْفِ عِنْدِ يَمِينِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الثَّمَنَ خَمْسُمِائَةٍ رَجَعَ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِخَمْسِمِائَةٍ وَلَا خِيَارَ لِلشَّفِيعِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ الشِّقْصَ بِالْأَلْفِ كَانَ بِالْخَمْسِمِائَةِ أَرْضَى، وَلَوْ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِخَمْسِمِائَةٍ بِيَمِينِهِ مَعَ نُكُولِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ

قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ كَانَ الشَّفِيعُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْأَلْفِ أَوْ يَرُدَّهُ ولو ادعى أن الثمن عهد قِيمَتِهِ أَلْفٌ فَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِهَا ثُمَّ بَانَ أَنَّ الثَّمَنَ ثَوْبٌ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا لَمْ يَتَرَاجَعَا بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ فِيهِ الْقِيمَةُ وَهُمَا سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَكْثَرَ لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَقَلَّ رَجَعَ الشَّفِيعُ بِنَقْصِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

: فَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي إِنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ فَقَالَ الشَّفِيعُ لَسْتُ أَعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ مَعَ عِلْمِي بِنَقْصِهِ عَنِ الْأَلْفِ فَلَهُ إِحْلَافُ الْمُشْتَرِي فَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ حَتَّى يَعْلَمَ قَدْرَ الثَّمَنِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الشَّفِيعُ هَلِ الثَّمَنُ أَلْفٌ أَوْ أَقَلُّ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ إِحْلَافَ الْمُشْتَرِي أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّ إِحْلَافَهُ حَتَّى يَعْلَمَ خِلَافَ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْيَمِينَ لا تجب بالشك.
والوجه الثَّانِي: يَسْتَحِقُّ إِحْلَافَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَهُ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ.
فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ لِنِسْيَانٍ حَدَثَ قِيلَ لِلشَّفِيعِ أَتَعْلَمُ قَدْرَهُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ قَدْرَهُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ وَلَهُ إِحْلَافُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ لِأَنَّهَا تُسْتَحَقُّ بِالثَّمَنِ فَكَانَ جَهْلُهَمَا بِهِ مَانِعًا مِنَ اسْتِحْقَاقِهَا بِمَجْهُولٍ، وَإِنْ قَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا أَعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ نَسِيتُ قَدْرَ الثَّمَنِ.
قِيلَ لِلْمُشْتَرِي: أَتُصَدِّقُ الشَّفِيعَ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الثَّمَنِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَخَذَ الشِّقْصَ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
وَإِنْ أَكْذَبَهُ الشَّفِيعُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَلَفَ الْمُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا يَعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ وَلَا شُفْعَةَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَكَانَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَالْإِسْفِرَايِينِيُّ يَجْعَلَانِ هَذَا الْقَوْلَ مَذْهَبًا لَهُ فِي هَذِهِ ال

ْمَسْأَلَةِ

ويبطلان يمين المشتري الشُّفْعَةِ تَعْلِيلًا بِأَنَّ الثَّمَنَ مَوْقُوفٌ عَلَى عَاقِدِهِ وَقَدْ جَهِلَ الثَّمَنَ لِنِسْيَانِهِ فَبَطَلَتِ الشُّفْعَةُ وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَجْعَلَانِ هَذَا الْجَوَابَ مَصْرُوفًا إِلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عِنْدَ نِسْيَانِ الْمُشْتَرِي وَجَهْلِ الشَّفِيعِ وَيَقُولَانِ: إِنَّ نِسْيَانَ الْمُشْتَرِي مَعَ عِلْمِ الشَّفِيعِ يُوجِبُ إِحْلَافَ الشَّفِيعِ دُونَ الْمُشْتَرِي وَيَحْكُمُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ نِسْيَانَ الْمُشْتَرِي كالنكول فوجب رد اليمين على الشفيع.
قال الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَدِيمُ الشِّرَاءِ وَحَدِيثُهُ " وَهَذَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ إِنِ ادَّعَى الْمُشْتَرِي نِسْيَانَ الثَّمَنِ وَالشِّرَاءُ حَدِيثٌ حَلَفَ الشَّفِيعُ وَحَكَمَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ قَدِيمًا حَلَفَ الْمُشْتَرِي وَبَطَلَتِ الشُّفْعَةُ، وَهَذَا قَوْلٌ مَرْذُولٌ، وَفَرْقٌ مَعْلُولٌ.
فَصْلٌ : فَأَمَّا إِنِ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُهُ بِأَلْفٍ وَقَالَ

الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ فَإِذَا حَلَفَ فَفِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ بِتَحَالُفِهِمَا وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْبُيُوعِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ بَطَلَ فَعَلَى هَذَا يَعُودُ الشِّقْصُ إِلَى الْبَائِعِ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ إِلَّا بِالْفَسْخِ فَعَلَى هَذَا لَا يَخْلُو حَالُ الثَّمَنِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا كَقَوْلِ الْبَائِعِ بِعْتُكَ شِقْصِي بِهَذَا الْعَبْدِ فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهُ بِهَذَا الثَّوْبِ فَإِذَا تَحَالَفَا وَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْعَبْدِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ ثَمَنًا لَمْ يُعْرَضَ عَلَى الشَّفِيعِ لِأَنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الْعَبْدِ لَا يَحْصُلُ لِلْبَائِعِ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ وَفَسَخَ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا وَأَبْطَلَ الشُّفْعَةَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِ الْبَائِعِ بِعْتُكَ الشِّقْصَ بِأَلْفٍ فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ عُرِضَ الشِّقْصُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ بِالْأَلْفِ لِيَأْخُذَاهُ بِهَا أَوْ يَرُدَّاهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الْبَائِعُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْقَدْرِ مِنَ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي فَلِذَلِكَ عُرِضَ عَلَيْهِمَا وَإِذَا كَانَ كذلك فللمشتري والشفيع أربعة أحوال: أحدهما: أَنْ يَرْضَيَا جَمِيعًا بِهِ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي الْأَلْفُ وللشفيع أن يأخذ منه الشقص بالألف.
والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرُدَّاهُ جَمِيعًا بِالْأَلْفِ فَيُفْسَخَ الْبَيْعُ وتبطل الشفعة.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَرْضَاهُ الْمُشْتَرِي بِالْأَلْفِ وَيَرُدَّهُ الشَّفِيعُ بِهَا فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ لِلْمُشْتَرِي بِالْأَلْفِ وَتَبْطُلَ شُفْعَةُ الشفيع.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَرْضَى بِهِ الشَّفِيعُ بِالْأَلْفِ وَيَرُدَّهُ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ رَدُّ الْمُشْتَرِي بَاطِلًا لِمَا فِيهِ مِنْ إِسْقَاطِ حَقِّ الشَّفِيعِ وَيَصِيرَ الْبَيْعُ لَازِمًا لِلْمُشْتَرِي لِيَتَوَصَّلَ بِهِ الشَّفِيعُ إِلَى حَقِّهِ مِنَ الشُّفْعَةِ وَيَأْخُذَ الشِّقْصَ مِنْهُ بِالْأَلْفِ فَلَوْ رَدَّهُ الشَّفِيعُ بِعَيْبٍ رَدَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ لِأَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَيْهِ وَلِلْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ أَنْ يفسخ البيع.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنِ اشْتَرَاهَا بسلعةٍ فَهِيَ لَهُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الْأَثْمَانِ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ لَهُ مِثْلٌ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَالشُّفْعَةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ بِمِثْلِ الثَّمَنِ جِنْسًا وَصِفَةً وَقَدْرًا فَإِنْ بَذَلَ الشَّفِيعُ قِيمَةَ الثَّمَنِ وَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي أَوْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الثَّمَنِ وَامْتَنَعَ

الشَّفِيعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْقِيمَةِ وَدَعَا إِلَى الْمِثْلِ إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا جَمِيعًا بِالْقِيمَةِ وَيَعْدِلَا عَنِ الثَّمَنِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ كَعَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ فَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ بِقِيمَةِ الثَّمَنِ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلثَّمَنِ مِثْلٌ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ " وَلِأَنَّ وَضْعَ الشُّفْعَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ يُوجِبُ أَخْذَهَا بِكُلِّ ثَمَنٍ، وَفِي إِبْطَالِهَا بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَبَايِعَانِ إِبْطَالَهَا بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهَا وَهُنَاكَ بَيِّنَةٌ عُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ عَدَمَا الْبَيِّنَةَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِمَا ذَكَرْنَا.

مَسْأَلَةٌ

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا فَهِيَ لِلشَّفِيعِ بِقِيمَةِ الْمَهْرِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى شِقْصٍ أَصْدَقَهَا وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَهَكَذَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَيْهِ وَقَالَ أبو حنيفة لَا شُفْعَةَ فِيهِ اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِغَيْرِ مَالٍ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبُضْعَ لَا يُقَوَّمُ إِلَّا فِي عَقْدٍ أَوْ شِبْهِ عَقْدٍ وَلَيْسَ بَيْنَ الشَّفِيعِ وَبَيْنَهَا مَا يُوجِبُ تَقْوِيمَ بُضْعِهَا.
وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ " وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ أَنْ تَثْبُتَ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجْرِي فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فَوَجَبَ أَنْ تَثْبُتَ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْبَيْعِ وَلِأَنَّهُ مَعْنًى وُضِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الصَّدَاقِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ زَوَالَ الْيَدِ الْمُسْتَحْدَثَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ زَوَالَ الْيَدِ عَنِ الصَّدَاقِ كَالِاسْتِحْقَاقِ وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اسْتَحَقَّ فِيهِ إِقْبَاضَ الشِّقْصِ اسْتَحَقَّ بِهِ إِقْبَاضَهُ شُفْعَةً كَالْبَيْعِ وَلِأَنَّ كُلَّ قَبْضٍ وَجَبَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَجَبَ فِي عَقْدِ الصَّدَاقِ كَالْقَبْضِ الْأَوَّلِ وَبَيَانُهُ أَنَّ فِي الْبَيْعِ قَبْضَيْنِ: قَبْضُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْبَائِعِ وَقَبْضُ الشَّفِيعِ مِنَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَبَ فِي الصَّدَاقِ قَبْضُ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الزَّوْجِ فَوَجَبَ قَبْضُ الشَّفِيعِ مِنَ الزَّوْجَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ مَمْلُوكٌ بِغَيْرِ مَالٍ، فَهُوَ أَنَّ الْبُضْعَ فِي حُكْمِ الْأَمْوَالِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُعَاوَضُ عَلَيْهِ بِمَالٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُقَوَّمٌ فِي اغْتِصَابِهِ بِالْمَالِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مَالًا لَمْ يُقَوَّمْ فِي اسْتِهْلَاكِهِ بِالْمَالِ ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَالصَّدَاقُ مَمْلُوكٌ بِبَدَلٍ فَوَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الْبُضْعَ لَا يُقَوَّمُ إِلَّا فِي عَقْدٍ أَوْ شِبْهِ عَقْدٍ: فَهُوَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ الْمُغْتَصَبَةَ مُقَوَّمَةُ الْبُضْعِ عِنْدَنَا عَلَى غَاصِبِهَا، وَالْمَشْهُودَ بِطَلَاقِهَا مُقَوَّمَةُ الْبُضْعِ عَلَى الشُّهُودِ إِذَا رَجَعُوا لِلزَّوْجِ دُونَهَا فَصَارَ بُضْعُهَا مُقَوَّمًا فِي غَيْرِ عَقْدٍ وَشُبْهَةٍ فِي حَقِّهَا، وَحَقِّ غَيْرِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَقْوِيمِهِ فِي شُفْعَةٍ صَدَاقُهَا.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ وجوب الشفعة في الصداق والخلف فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى يُؤْخَذُ بِقِيمَتِهِ لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُهُورَ قَدْ يُزَادُ فِيهَا وَيُنْقَصُ فَخَالَفَتِ الْبُيُوعَ.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُودُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَثْمَانِ لِجَوَازِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ثُمَّ لَمْ يُمْنَعْ أَنْ يُؤْخَذَ الشِّقْصُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ كَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ فِي الصَّدَاقِ أَنْ يُؤْخَذَ بِقِيمَةِ الْبُضْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنَ الْأَعْوَاضِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ إِلَى قِيمَةِ الْعِوَضِ دُونَ الشِّقْصِ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ كَذَلِكَ الْبُضْعُ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ يُوجِبُ الرُّجُوعَ إِلَى قِيمَتِهِ مِنَ الْمَهْرِ دُونَ الشِّقْصِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَسَوَاءٌ كَانَ قِيمَةُ الشِّقْصِ بِإِزَاءِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِ، أَوْ نَاقِصًا عَنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ دِينَارًا، وَقِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَلَوْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَقِيمَةُ الشِّقْصِ دِينَارًا.
أُخِذَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي مَهْرِ الْمِثْلِ تَرَافَعَا فِيهِ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَجْتَهِدَ فِي مَهْرِ مِثْلِهَا وَيُسْقِطَ تَنَازُعَهُمَا فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ لِمَوْتِهَا، أَوْ لِتَغَيُّرِ حَالِهَا، أَوْ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ فِي أَهْلِهَا وَعَشَائِرِهَا، وَأَمْكَنَ مَا قَالَاهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الثَّمَنِ.
فَصْلٌ : ثُمَّ يَتَفَرَّعُ عَلَى مَا مَهَّدْنَا مِنْ هَذَا الْأَصْلِ ثَلَاثَةُ فُرُوعٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ، وَيَأْخُذَ مِنْهَا دِينَارًا فيصير الشقص في مقابلةبضع وَدِينَارٍ، فَيَكُونُ مَا قَابَلَ الدِّينَارَ بَيْعًا، وَمَا قَابَلَ الْبُضْعَ صَدَاقًا، فَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْعَقْدِ إِذَا جَمَعَ بَيْعًا وَصَدَاقًا.
أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ فِيهِمَا وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ.
وَالثَّانِي: جَائِزٌ فِيهِمَا فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَبِدِينَارٍ لِأَنَّ الصَّدَاقَ مِنَ الشِّقْصِ مَأْخُوذٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمَبِيعُ مِنْهُ مَأْخُوذٌ بِالدِّينَارِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ، فَلَوْ قَالَ الشَّفِيعُ أَنَا آخُذُ الْمَبِيعَ مِنَ الشِّقْصِ دُونَ الصَّدَاقِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِحُكْمٍ وَإِنْ جَمْعَهُمَا صَفْقَةٌ فَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ قَدْرُ مَهْرِ الْمِثْلِ فَإِذَا كَانَ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ ضَمَّ إِلَيْهَا دِينَارَ الثَّمَنِ

وَقَسَّمَ الشِّقْصَ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ فَيَكُونُ الْمَبِيعُ مِنْهُ بِالدِّينَارِ السُّدُسَ، فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ سُدُسَ الشِّقْصِ بِدِينَارٍ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمَبِيعُ مِنْهُ.
وَلَوْ قَالَ آخُذُ الصَّدَاقَ مِنَ الشِّقْصِ دُونَ الْمَبِيعِ أَخْذَ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ.

فَصْلٌ

: وَالْفَرْعُ الثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ وَدِينَارٍ فَيَصِيرُ الصَّدَاقُ شِقْصًا وَدِينَارًا فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِحِصَّتِهِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ أَنْ يُقَوَّمَ الشِّقْصُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ صَارَ الصَّدَاقُ كُلُّهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ فَيَكُونُ الشِّقْصُ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الصَّدَاقِ فَيَأْخُذُهُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ مَهْرِ الْمِثْلِ زَائِدًا كَانَ أَوْ نَاقِصًا.

فَصْلٌ

: وَالْفَرْعُ الثَّالِثُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْفَرْعَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ وَعَبْدٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا ثَوْبًا فَيَكُونُ مَا قَابَلَ الثَّوْبَ مِنَ الشِّقْصِ وَالْعَبْدِ بيعا، وما قابل البضع صداقا فيخرج على مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَلَا شُفْعَةَ وَيَتَرَادَّانِ وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ جَائِزٌ فِيهِمَا جَمِيعًا فعلى هذا يسقط الشُّفْعَةُ فِي الْعَبْدِ وَيَسْتَحِقُّ فِي الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَقِيمَةِ الثَّوْبِ: وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ قِيمَةَ الشِّقْصِ فَإِذَا كَانَتْ عَشَرَةً نَظَرَ قِيمَةَ الْعَبْدِ فَإِذَا كَانَتْ خَمْسَةً عَلِمَ أَنَّ الشِّقْصَ فِي مُقَابَلَةِ ثُلُثَيِ الصَّدَاقِ وَثُلُثَيِ الثَّوْبِ فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِثُلُثَيْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَبِثُلُثِي قِيمَةِ الثَّوْبِ فَلَوْ قَالَ الشَّفِيعُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ مِنْهُ الْمَبِيعَ دُونَ الصَّدَاقِ نُظِرَ قَدْرُ ثُلُثَيْ مهر المثل فإذا كانت عشر نُظِرَ قِيمَةُ ثُلُثَيِ الثَّوْبِ فَإِذَا كَانَتْ خَمْسَةً عُلِمَ أَنَّ الْمَبِيعَ مِنَ الشِّقْصِ الثُّلُثُ وَالصَّدَاقِ مِنْهُ ثُلُثَانِ فَيَأْخُذُ ثُلُثَ الشِّقْصِ بِقِيمَةِ ثُلُثَيِ الثَّوْبِ.
وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ الصَّدَاقِ أَخَذَ ثُلُثَيِ الشقص بثلثي مهر المثل.

مسألة

قال الشافعي رضي الله عنه: " فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَقَدْ أَصْدَقَهَا شِقْصًا مِنْ دَارٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ الطَّلَاقِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَة فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) {البقرة: 237) ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حال الشفيع من ثلاثة أحوال: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخَذَ الشِّقْصَ مِنَ الزَّوْجَةِ بِشُفْعَتِهِ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ لِبَقَائِهِ فِي يَدِهَا، وَلَا شُفْعَةَ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّصْفِ الَّذِي مَلَكَهُ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ بدل.

والحالة الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ قَدْ عَفَا عَنْ شُفْعَتِهِ فِيهِ، فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ عَلَى حَقِّهِ لِعُذْرٍ اسْتَدَامَ بِهِ لَمْ يَعْفُ وَلَمْ يَأْخُذْ حَتَّى طَلَّقَ الزَّوْجَ فَأَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالشِّقْصِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزَّوْجَ أَحَقُّ مِنَ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ بِنَصِّ كِتَابٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَحَقُّ الشَّفِيعِ ثَبَتَ اسْتِدْلَالًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِنِصْفِ الشِّقْصِ وَيَكُونُ الشَّفِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ مُخَيَّرًا فِي أَخْذِ النِّصْفِ الْبَاقِي بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّ الشَّفِيعَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الزَّوْجِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَنِ الشِّقْصِ إِلَى بَدَلٍ والشفيع لا يرجع عنه إلا بَدَلٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُتَأَخِّرٌ وَحَقَّ الشَّفِيعِ أَسْبَقُ.
فَعَلَى هَذَا يُعْرَضُ عَلَى الشَّفِيعِ، فَإِنْ أَخَذَهُ رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ وَإِنْ تَرَكَهُ رَجَعَ الزَّوْجُ بِنِصْفِهِ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَخْرِيجَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ هَلْ يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالتَّمَلُّكِ فَإِنْ قِيلَ بِالطَّلَاقِ، كَانَ أَحَقَّ مِنَ الشَّفِيعِ وَإِنْ قِيلَ بِالتَّمَلُّكِ كَانَ الشَّفِيعُ أَحَقَّ.

فَصْلٌ

: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِأَلْفٍ ثُمَّ يُفْلِسَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ دَفْعِ الثَّمَنِ، وَيَحْضُرَ الْبَائِعُ لِيَرْجِعَ بِعَيْنٍ حَالٍّ وَالشَّفِيعُ لِيَأْخُذَهُ بِشُفْعَتِهِ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْبَائِعَ أَحَقُّ مِنَ الشَّفِيعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْعَلُ الزَّوْجَ أَحَقَّ مِنَ الشَّفِيعِ فَعَلَى هَذَا إِذَا رَجَعَ الْبَائِعُ بِشِقْصِهِ فَلَا شُفْعَةَ عَلَيْهِ فِي تَمَلُّكِهِ لِأَنَّهُ اسْتِحْدَاثُ فَسْخٍ وَلَيْسَ بِاسْتِئْنَافِ عَقْدٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّفِيعَ أَحَقُّ مِنَ الْبَائِعِ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْعَلُ الشَّفِيعَ أَحَقَّ مِنَ الزَّوْجِ فَعَلَى هَذَا إِذَا أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، فَهَلْ يُقَدَّمُ بِهِ الْبَائِعُ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ بِهِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ الَّتِي كَانَ أَحَقَّ بِهَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَجَمِيعُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ سَوَاءٌ لِفَوَاتِ الْعَيْنِ الَّتِي هُوَ أَخَصُّ بِهَا.

فَصْلٌ

: وَإِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ أَمْتَعَهَا شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِمَا وَجَبَ لَهَا مِنْ مُتْعَةِ الطَّلَاقِ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ بِمُتْعَةِ الْمِثْلِ لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُوجِبُ مُتْعَةً وَلَا يُوجِبُ مَهْرًا.
فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ دَابَّةً بِشِقْصٍ مِنْ دَارٍ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِأَنَّ الشِّقْصَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ وَقِيمَتَهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ.

فصول الكتاب · 30 فصل · 608 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الحاوي الكبير · 608 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كِتَابُ الْبُيُوعِ
كتاب الإقرار
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
كتاب العارية
كتاب الغصب
كِتَابُ الشَّرْطِ فِي الرَّقِيقِ يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقِي
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب الصداق
كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
كتاب السير
كتاب مختصر الجامع من كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب النذور
كِتَابُ الْعِتْق
كتاب عتق أمهات الأولاد من كتب
جارٍ التحميل